مدخل
٢- إعداد الله لعبدة للرسالة:
إذا كان لبعث النبي عند الله ميعاد معلوم فإن أحواله وأوضاعه في مختلف مراحل حياته جارية على
[ ١٩ ]
تقدير وتدبير من الله العزيز الحكيم؛ يختار له الوسط الذي يكتنفه، والمؤثرات التي تحيط به، ويفاعل بين نفسه وبين ما وضعه فيه، فيخلق فيها ردود الفعل المناسبة للمستقبل القريب. إن الله هو الذي يصنع الأنبياء، وينشئهم النشأة المواتية للرسالة، إنه رب العالمين الذي تقبل مريم: ﴿بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾ ١ وهو الذي صنع موسى على عينه، ووضعه في قصر فرعون آية كبرى من آيات التحدي لطغيان سادر، غير مرعو، لينشأ في حجور الجبابرة، ويخرج من عندهم أكبر ناقم، وأشد ساخط على الظلم وتعبيد الشعوب.
ومن ثم لم يكن شئ في حياة محمد ﷺ قبل المبعث إلا بتدبير الله الخالص وتهيئته وقد يبدو أن كلامنا هذا تحصيل حاصل فكل ما في الوجود إنما هو بتقديره ﷿. ولكن قلنا ما قلناه لنوجه الأنظار إلى أهميه الظروف والحوادث التي عاشها نبينا محمد ﷺ لنكتنه مغزاها العميق،ولنطيل الفكرة في هذه التنشئة التي انتهت إلى تفجير الحكمة الخالدة في فوائده تلك الحكمة التي رفعها الله نبراسا هاديا مشعا للبشرية إلى يوم الدين.
إن حياة تتفتح عن الحكمة الكلية الأخيرة للإنسانية لجديرة بالتفكر والتدبر والاعتبار وبأن تتأمل في شكلها ومضمونها والأحداث التي صنعت مادتها.
_________________
(١) ١ آل عمران: ٣٧.
[ ٢٠ ]
أ- الإعداد النفسي:
كان أول وحي نزل على رسول الله ﷺ في غار حراء شديد الوطأة. لقد عانى حادثة غير عادية ولا مألوفة، خفية العلة، ولا يفسر حدوثها بسب من الأسباب الظاهرة (كما ينشأ الغيث في السحاب، مثلا) فإن مصدرها ليس عالم الشهادة بل عالم الغيب. هنالك لا يسع الإنسان إلا أن يتلقى بالقبول المطلق والتصديق الكلى، لأن أحداثه فوق منطق الأرض المحدود بالسبب والنتيجة. لذلك لا يقدر على احتمال الوحي إلا الأنبياء الذين أعدهم الله للثبات عند رؤية الملاك، وتصديق ما جاءهم من خبر السماء. ولم يصادف الوحي من رسول الله ﷺ نفسا لم تهيأ لاستقباله، بل جاءه بعد إعداد طويل من رب العالمين، عرف فيه حوادث غيبية المنشأ، لم يدر لها علة ظاهرة. فكانت مقدمة صالحة لاستقبال الوحي، رفقا من الله برسوله، ورحمة بنفسه البشرية.
وكأن بعض هذه الحوادث كانت تقول له قبل مبعثه: لست وحدك،
[ ٢٠ ]
ولا لنفسك وإنما أنت للذي يعدك ويرعاك لتكون امرأ غير الآخرين، وإن في غدك لأمرا فترقبه، فتبعث فيه تساؤلا وتطلعا وترقبا، وربما كان من شأنها أن حببت إليه العزلة والتحنث في حراء. واستقبل أولاها وهو طفل مسترضع في بني سعد يوم جاءه الملكان فشقا صدره واستخرجا قلبه وغسلاه بالثلج والبرد. حادثة فوق إمكان العقل الإنساني ولكنها على الله هينة لذلك لم يكد أبواه في الرضاع يستمعان خبرها من فم الطفل البريء الصادق حتى طارا به إلى أمه في مكة فزعا أن يكون بدأ به عرض مرضي إذ لم يستطيعا أن يصدقا طفلا في أمر لم يألفاه. ومن أدراهما أن من بين أيديهما نبي منتظر؟ ولكن الطفل لم ينس الحادثة، ومرت في شعوره خفيفة الوقع وهو صغير، فلما شب على الأيام تألقت في ذاكرته وإحساسه، ولا شك أنها شغلت تفكيره حتى مبعثه، فلما جاءه الملك ليلة الإسراء، وشق صدره للمرة الثانية وغسل قلبه بماء زمزم استعدادا للسفر به إلى الملأ الأعلى والمثول بين يدي الله تيقن أن حادثة الطفولة كانت إحدى براهين النبوة ليتعرفها في نفسه، وليثبت يوم يزعزع كيانا في غار حراء والملك يفته ويقول ﴿اقْرَأْ﴾ ١ ويوم يقول لخديجة ﵂: "مالي أي شيء عرض لي؟ لقد خشيت على نفسي"٢ في هذه الساعات من الزعزعة الحيرة كان تذكر هذه الحادثة وما أشبهها أنفع شئ في الثبات واليقين، وتستبين حقائق الحاضر بدلائل من الماضي. وقد عرف رسول الله ﷺ مغزاها الكامل إذ سئل خبرنا عن نفسك يا رسول الله٣ فجعلها ﵊ إحدى أربع علامات للنبوة عرفها في نفسه. ومن يدري؟ ربما ظل رسول الله ﷺ طوال حياته يستشعر العذوبة والراحة النفسية التي أحس بها عندما استخرج الملكان من قلبه علقة سوداء وغسلاه بالثلج والبرد: إننا لنسمعه يقول في دعاء له "اللهم اغسلني من خطاياي بالثلج، والماء، والبرد"٤
_________________
(١) ١ سورة العلق: ١. ٢ البداية والنهاية لابن كثير: ج٣ ص٧. ٣ ابن هشام: م١ ص١٦٦. ٤ الأذكار للنووي: ص٤٣. ومن هذا القبيل ما كان يومئ بالرسالة المقبلة بصريح اللفظ. قال عليه الصلاة ولسلام: "إني لأعرف حجرا بمكة كان يسلم علي بمكة قبل أن أبعث إني لأعرفه الآن" رواه مسلم وصدق رسول الله فإن تسليم الحجر عليه قبل الوحي كان لتنبيه فكره وإثارة شعوره وتوجيهه إلى استشراف ما هو غيبي المصدر.
[ ٢١ ]
وثمة حوادث تقصد مع تنبيه النفس إلى حينانتها وحياطتها من الوسط الجاهلي. وللبيئة أثر في النفس لا يدفع، وقد تولى حفظ نفس نبيه ﷺ من أقذارها وإخطارها، حتى يتم له الطهر ويسلم له النظر السليم، والإحساس اليقظ وليفرق بين القيم الحقيقة التي هي كمال الإنسان وبين القيم التي هي النقص والخسران ولقد شاء الله - ومشيئته حق ونور - أن تتمايز هذه النفس عن محيطها لتبصر مساوئه وتنقده نقدا دقيقا عادلا حرا تنقده وهي تنظر فيه بنور الله نقدا لا يعرف الادهان ولا أنصاف الحلول فإن الحق لا يتجزأ أو لا يجزئ بعضه عن بعض؛ إننا لنجد الله قد حمى نبيه أن ينكشف إزاره عن العورة إذا تعرى الصبيان أو الرجال وهم يحملون الأحجار للعب أو لبناء الكعبة١ وفي هذا صيانة لنفسه النبوية من أن تتأذى بما يبعث في النفس من أحاسيس غير كريمة. وحماه من حضور مجالس اللهو والغناء وكان حييا. وكانت الكعبة تزخر بالأصنام وقريش تذبح لها في الأعياد، فحال الله بين نبيه وبينها فلم يمس حياته صنما ولم يحظر عيدا لها. لقد فارق قومه في باطلهم مفارقة كبيرة عرفتها عشيرته فيه قبل النبوة، ومن أعجبها وقوفه بعرفة مع الناس، على حين كانت قريش مما يقفون في المزدلفة.
ذلك أن الله أنعم عليه بالحس السليم الذي يميز بين الحق والباطل فكان رسول الله ﷺ إذا وجد في قومه فضلا نوَّه به ومِنْ هذا ثناؤه على حلف الفضول الذي تعاقدت قريش فيه على رد الحقوق للمضطهدين وعلى حماية الضعفاء منها ومن غيرها، فقال فيه: "لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفا ما أحب أن لي به حمر النعم ولو أدعى به في الإسلام لأجبت" ٢ ولعل هذه العدالة في الحكم ظاهرة الدلالة في قوله: "بعثت لأتمم حسن الأخلاق" ٣.
هذه الحوادث وإضرابها من إرهاصات النبوة لم يمنحها المحدثون من كتاب السيرة ما تستحق من عناية وبحث فتجاوزا عن كثير منها، ولم يتلبثوا عندها إلا يسيرا. ولو أمعنوا النظر وتتبعوا أحوال المصطفين والأنبياء لو جدوا فيها سنة من سنن الله في أعداد أنبيائه.
فمن ذلك رؤيا آمنة بنت وهب حين حملت برسول الله ﷺ إنه:
_________________
(١) ١ تقرأ البداية والنهاية ج٢ ص٢٨٧. ٢ السيرة لابن هشام: م١ ص١٣٤. ٣ رواه مالك في الموطأ في ص ٩٠٤ تحقيق فؤاد عبد الباقي وهو حديث مدني صحيح متصل في وجوه صحاح.
[ ٢٢ ]
"خرج منها نور أضاء لها قصور الشام"١.
وحدثت آمنة وحيدها وأثيرها محمدا ﷺ برؤياها قريرة متفائلة بمستقبل ولدها. فلما أوحي إليه أدرك أنها إحدى أمارات النبوة فحدث بها٢.
فهل نجد ما يشبه هذه البشارة لدى أمهات الأنبياء والرسل؟ هل كانت تصدر إليهن الإشارات الإلهية بمستقبل الصغير المنتظر؟ نعم، كانت هذه الإشارات إلى بعضهن أبلغ في الدلالة وأجلى في الصراحة، بل كانت إعلاما وإخبار مكشوفا. فأخبر الله أم موسى ﵇ وموسى في أيامه الأولى ﴿إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ ٣ وأعلم الصديقة مريم بمستقبل عيسى قبل أن تلقى إليها الكلمة. . ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ ٤ ولا شك أن وضع الصديقة الفريد كان أحوج إلى وضوح الإعلام من آمنة ومن أم موسى، إذ كانت تحتاج إلى أن تصدق نفسها في أمرها حتى تقوى على الصمود في وجه تكهنات الناس وتخرصاتهم. ومن ثم حمل عيسى ﵇ معه آيه خلقه ونبوته عندما نادى أمه من تحتها حين وضعته٥ وفي مخاطبته المجتمع المستنكر المتهم وهو في المهد٦.
كذلك بشرت الملائكة نبي الله زكريا بحيي عليه السلام٧، ومن قبل جاءت إبراهيم البشرى بإسحاق ويعقوب٨هذه الدلائل هنا صريحة ولإعلام أم موسى بها، ومريم وزكريا وإبراهيم وزوجه إعلاما مكشوفا، أسباب لا تخفى، ولم يكن سبب منها لآمنة. فكان رؤياها النور الذي أضاء لها القصور من بصرى الشام رمزا للمستقبل. ولو أن الأمر يتطلب ما فوق الرمز لجاءها من الله بيان. ولكنها أعطيت ما يكفيها لتتنبه لشأن وليدها. ولم يعترض حياتها وحياة وليدها من الظروف النادرة أو الخطرة أو المغايرة للمألوف - كظرف إبراهيم
_________________
(١) ١ السيرة لابن هشام: م١ ص١٦٦. ٢ المصدر نفسه. ٣ القصص: ٧. ٤ آل عمران: ٤٥. ٥ مريم ٢٣: ﴿فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلاَّ تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ . ٦ مريم ٣١: ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ . ٧ آل عمران ٣٩: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ . ٨ هود ٧١: ﴿وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ .
[ ٢٣ ]
وزكريا - ما يقتضي الوحي. فكان الرمز هو القدر المناسب الكافي ليبعث في نفس آمنة التوقع والتفاؤل.
[ ٢٤ ]
ب- التمهيد التاريخي للرسول:
وتلك التوطئات غرضها إعداد الرسول لقبول الرسالة ليطمئن بها قلبه، وليعلم أنه قد جاءه الحق من ربه. وهي لا تعدو في أثرها نفس الرسول ولا تستهدف غيره ولكن محمدا ﷺ قد سبق أمر الله أن تختم به الرسالات، وأن يقضي على آثار المرسلين أجمعين، وأن يجعل دعوته عامة لكل عاقل على ظهر الأرض. وهو أمر لم يكتمه الله عن البشر. وإنما هيأ له الأذهان، ووجه إليه الأنظار منذ زمن بعيد، إعلاء لشأنه وإظهارا لأهمية رسالته، وليكون الناس معها على وعد غير مكذوب ولتشرئب نفوسهم إلى الكمال المرتقب وليتشرفوا إلى الانتساب إلى الرسالة الخالدة، وليعلموا أن كمال النبوة وتمام الحق فوق ما حضرهم أو عرفوا من أمر الأنبياء والرسل وليحيي الأمل نفوسا كانت تألم وتتأذى من جهل منتشر وباطل مستمر.
وإرسال الأنبياء عموما أمر لم يكتمه الله عن خلقه، فأعلنه لهم منذ أبيهم آدم وأخبرهم أنه قارب الإنقاذ والنجاة. قال تعالى لما اقترف آدم الخطيئة وهبط من الجنة: ﴿قلنا اهبطوا منها جميعا فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون﴾ ١ ثم أصدر الله لرسله إعلاما غيبيا بمبعث نبي يتمم به الله الرسالات فكان هذا إرهاصا وتمهيدا تاريخيا لمحمد ﷺ.
قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ ٢ فصار الناس بذلك على موعد مع الزمان بمبعث نبي نوه الله بذكره، وأخذ العهد له عليهم منذ الزمن السحيق. وفي الآية دلالة بينة على علو مكانة النبي الموعود به، والحقبة الزمنية المبعوث فيها. ومن ثم ألح بدعوته منذ أجيال وأجيال. وبهذا يجعل الله ميعاد مبعثه منارة تاريخية، يجمل أن نتخذه حدا فاصلا في التاريخ البشري؛ ما كان منه قبل محمد وما يكون منه بعد محمد ﷺ. وكان احتفاء الله به عظيما؛ لأنه في تقديره - ﷿ - وتوقيته له، حدث ثقيل في حياة البشر ومستقبلهم. وكيف لا يكون شيئا ثقيلا وحاضرهم في الدنيا، ومستقبلهم الأخير يوم القيامة مرهونان بما حققا من اقتراب منه، وتصديق
_________________
(١) ١ البقرة: ٢٨. ٢ آل عمران ٨١.
[ ٢٤ ]
به، أو ابتعاد عنه وتكذيب. وبهذا يتجلى المعنى التاريخي الإنساني العظيم في الآية التي تلاها رسول الله ﷺ على الناس، على جبل الرحمة، في حجة الوداع: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ ١ كان يوما مشهودا فاضلا تمت فيه الكلمة الإلهية والنعمة الرحمانية على بني آدم. وكان الله جعل من هذا اليوم قبلة زمانية اتجهت إليها أفئدة الأنبياء والمؤمنين بهم، إقرارا منهم على أنفسهم بأن كلا منهم مرحلة في تاريخ النبوات، وحلقة في سلسلة المرسلين. وشاء الله فأتم السلسلة بمحمد ﷺ فجاءت رسالته لا يجهلها المؤمنون الصادقون من أهل الكتاب، يعرفونها ﴿كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾، وهي تحمل الإيمان بالرسل السابقين، والتقدير لجهودهم في تبليغ الكلمة الربانية إلى الناس، والثناء على صدقهم، وتضحياتهم في سبيل إنقاذ الإنسان من براثين الشيطان، وباركت جهادهم، وحيث إخلاصهم: ﴿وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ٢.
ويبدو أن الأنبياء الذين بعثوا في الزمن المبكر، لم يتجاوز علمهم بالنبي ﷺ سوى الإخبار بمبعثه، وأخذ العهد عليهم، أو دعوة حارة تجري على لسان إبراهيم ﵇ فتفتح لها أبواب السماء، وتلتقي بما قدر الله منذ الأزل: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ٣ فلما تأخر الزمان وأنزلت التوراة والإنجيل، توضحت الإشارات وذكرت العلامات، وصار الذين عندهم علم الكتاب على بينة من مجيء رسول ﴿اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ ٤ لا يخطئونه. إن رأوه أدركوا يومه. فقد وضح الله لهم كثيرا من علاماته؛ مكان بعثه، مهاجرة، وصفاته. ثم أتى على التوراة والإنجيل ما أتى من التبديل والتغير. وأفسدت الوثنية الدين الذي جاء به عيسى، ودخل أتباعه من بعده في الشرك إذ قالوا: إن الله ثالث ثلاثة. واختفى دين التوحيد فلم يستمسك به إلا رهبان أو أساقفة قلة، منقطعون في الصوامع، أو الكنائس يتجافون عن الناس في شركهم، وفساد عقيدتهم، ولا يجرؤون على النعي عليهم خوفا من بطشهم وتنكيل الحكام بهم. وأغلب الظن أن هؤلاء النفر القليل احتفظوا بصفاء دين عيسى ﵇، بما خبؤوا في صوامعهم من صحف الإنجيل الذي
_________________
(١) ١ المائدة: ٣. ٢ الصافات: ١٨١. ٣ البقرة: ١٢٩. ٤ الصف: ٦.
[ ٢٥ ]
كان أقرب شيء إلى الأصل الذي أنزل على نبي الله عيسى ﵇. قال ابن هشام لما ذكر الراهب بحيرى: "فلما نزل الركب المصري من أرض الشام، وبها راهب يقال له: بحيرى في صومعة له وكان إليه علم أهل النصرانية، ولم يزل في تلك الصومعة منذ قط راهب، إليه يصير علمهم عن كتاب فيها، فيما يزعمون يتوارثونه كابرا عن كابر"١. ويلتقي هذا الحديث بحديث سليمان الفارسي ﵁ - الذي تقلب في كنائس عدد من الأساقفة الصالحين قبل أن يصير إلى أرض العرب قبيل مبعث محمد ﷺ - إذ قال له أسقف عمورية وهو على فراش الموت، وكان آخر أسقف رافقه: "والله ما أعمله أصبح اليوم أحد على مثل ما كان عليه الناس، آمرك به أن تأتيه، ولكنه قد أظل زمان نبي، وهو مبعوث بدين إبراهيم ﵇، يخرج بأرض العرب، مهاجره إلى أرض بين حرتين فيهما نخل به علامات لا تخفى؛ يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة وبين كتفيه خاتم النبوة فإن استطعت أن تلحق بتلك البلاد فافعل". فكان هؤلاء ينتظرون الوعد الحق؛ ظهور النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل٢.
وكانت القراءة المجردة عن الهوى في التوراة والإنجيل كافية لأن تحمل أهل الكتاب على إيمان: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ ٣.
لقد نزلت التوراة والإنجيل يحملان الشهادة التاريخية الواضحة الثابتة على سر من أسرار الغيب العظمى لم يكتمه الله، ولم يجمله، عن اليهود والنصارى أعذارا لهم، وليكونوا السابقين إليه. ومن أولى بنصر كلمه الله ممن يعرفها؟ ولكنهم كانوا قوما فرقوا دينهم شيعا وأحزابا وأتت عليهم عصور من الحسد والبغضاء والعصبية فلم يفلحوا في التجرد من ذلك، والإخلاص للحق المنزل، فمنَّ الله بالدين على قوم أميين سلمت فطرهم من رسوبات الخلاف الديني ومن العقد النفسية، والصيغ المنطقية الموات، فلم يلبثوا أن صاروا به خير الأمم- والحمد لله والمنة -.
_________________
(١) ١ السيرة لابن هشام: ص١٨١. ٢ المصدر نفسه: ص٢١٨. ٣ البقرة: ١٢١.
[ ٢٦ ]
ج- التهيئة الاجتماعية:
هذه توطئات بالنبوة، منها نفسية ذاتية، ومنها تاريخية لتعد النفس النبوة والفكر الإنساني الديني فلا يبدو الوحي غريبا للموحى إليه. ولا إلى الذين عرفوا الكتب المقدسة من
[ ٢٦ ]
قبل، فهي بذلك تصل النبي ﷺ بالأفق العلوي وتجعله على شفا الوحي والرسالة، وتضعه حيث وضعه الله في السلم الزماني من تاريخ النبوات.
غير أن الرسالة لابد لها من ظرف اجتماعي تملؤه وتتحرك في أنحائه، وتنتشر فيه. ومن ثم كانت التوطئة الاجتماعية، وإعداد من حول النبي للتصديق بنبوته أمرا يتسق والتوطئة النفسية والتاريخية.
ولو نظرنا باقي المجتمع القرشي، قبل المبعث لوجدنا رسول الله صلي الله عليه وسلم، ملحوظ المكانة فيه، ظاهر الشخصية، مرضي السيرة، مرجوا للخير، يدل علي ذلك لقب (الأمين) الذي أضفوه عليه. وهو لقب - لو سبرنا بعيد مدلولاته - ضخم المحتوي، فالأمانة سجية تجمع لصاحبها سلامة السريرة والسلوك، وصدق الطوية والفعل، فلا تناقض بين مظهره ومخبره، بل يصدق فعله قوله، ويصدق قوله وجدانه وخبيئة نفسه. فالأمانة أول معني لها الاطمئنان والثقة؛ اطمئنان الآخرين إلى شخص الأمين، وثقتهم بما يصدر عنه. وهي سجية لا يشهد بها لامرئ إلا بعد التجربة والاختبار المتواتر١ المستمر. ويمكن أن يقال بحق: إن الأمين من أمن الناس لسانه ويده. وهكذا كانت قريش قبل المبعث لا تخشى من رسول الله ﷺ معرة، ولا يتخوفون منه كذبا، ولا يتوقعون منه إلا استقامة، وخطة حميدة، ولا يعرفون فيه إلا نبلا وشرفا ووفاء. ولا نكاد نجد لقبا أجمع لخصال المروءة والرجولة والعدالة من لقب الأمين. وهي خلال ترشح صاحبها لسيادة الرئاسة والزعامة. وهو لقب ينطوي خصال نابعة من الذات، ومن جوهر النفس ولا ينم عن صفة جسدية - كلقب أبي لهب مثلا - أو على خصلة وحيدة غالبة، منفصلة عن مجموع الخصال التي تؤلف التكامل في الخلق والنفس، - كلقب الفيض والفياض مثلا للكريم المترف - ولا أظن أنه لقِّب في قريش غير محمد بهذا اللقب. ولم يكن محمد ﷺ في قومه زعيما، ولا طالب زعامة، ولم تعرف له - قبل النبوة - فئة تدعمه ولا شاعر يمدحه. فيكون لقبه منهم وإنما هو لقب فاز به بإجماع قريش كلها رجل كان أبعد الناس عن حياة ذات قصد نفعي، أو إشادة
_________________
(١) ١ لما وقف رسول الله ﷺ على الصفا وقال لقريش: "أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلا بسفح هذا الجبل تريد أن تغير عليكم صدقتموني؟ " قالوا: "نعم". من حديث رواه ابن كثير في البداية والنهاية ج٣ ص٣٨ عن الإمام أحمد.
[ ٢٧ ]
بالذات، وأزهد الناس في تقدم الصفوف، بلد الرئاسة والشرف. وبهذا يكون مجتمع مكة قد شهد على نفسه، وشهد عليه التاريخ بأن محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي كان وحيد قومه في خصال الخير، وأسباب الفضل والعدل، ومؤهلات الزعامة. ولو تحرينا الإنصاف قلنا: إن محمدا ﷺ كان ولم يزل وحيد الناس، قاطبة، فيها.
ونحن الذين نؤمن بالله ربا وبمحمد نبيا لا نطلب الدليل على صدق ذلك. ولكن الله أقام الأدلة - على ما ذكرناه - في أحداث اجتماعية هامة، لمن شاء أن يتفكر ويتدبر لتظهر هذه المزايا على حقيقتها في مجال التطبيق والعمل في أصدق مظهر في الواقع. وخير حادثة اجتماعية يحيط إطارها بهذه المزايا حادثة الاحتكام إلى رسول الله ﷺ في رفع الركن إلى مكانه من الكعبة، عند تجديد بناءها قبل المبعث بخمس سنوات.
لما بنى إبراهيم وإسماعيل ﵉ بيت الله الحرام، وأذن إبراهيم في الناس بالحج، وجاءه المؤمنون من كل فج عميق، وعبرت على ذلك قرون، احتلت الكعبة مكانها الأقدس في قلوب العرب، وعلت مكانة الذين حولها يتعهدون الحجابة، والسقاية، والرفادة، والعمارة والشعائر. وتمتعوا بنفوذ وسلطان وأمن، وأصابوا سؤددا وغنى. فتنافس المتنافسون من جرهم ثم خزا عة على مكة وبيتها الحرام، واستضعفوا أبناء إسماعيل، وغلبوهم على أمر البيت. فاعتزل أبناء إسماعيل السلطة والحكم، وصاروا قطعا حلولا وصرما في قومهم بني كنانة١ في السهول والبوادي والجبال، فيما حول مكة، يكاثرون، ويظهرون على مناوئيهم حتى رث أمر خزاعة، فجمع أحد رجالهم الأشداء، قصي بن كلاب، القبائل من فهر، وهي التي تؤلف بمجموعها قريشا، واستعان بقوة من اليمن٢، وضرب خزاعة ضربة قاصمة خلصت مكة بعدها له، وانتهي إليه الحكم فيها بغير منازع. وكان قصي بن كلاب أول جد قرشي، لرسول الله ﷺ حكم مكة فاجتمع له ما للملوك من أسباب الملك، ومن المهابة والسلطان، فدانت له قريش كلها بالسمع والطاعة وجمع في يده السلطة السياسية والدينية فأتاح ذلك لأبنائه٣ فرصًا للنبوغ
_________________
(١) ١ ابن هشام: م١ ص١١٧. ٢ قضاعة وكان عليها رزاح بن ربيعة أخو قصي لأمه. انظر ابن هشام م١ ص١١٨. ٣ انظر ابن هشام: م١ ص١٣٠- ١٣٧.
[ ٢٨ ]
والظهور والشرف والثراء. ولم يكن له في قريش كلها منافس، وما كان أبناؤه يخشون من بعده مزاحمًا، وبدأ البيت الحاكم في مكة في أحسن أحواله منعة جانب، واتحاد رأي ومذهب. ولكن قصيًا قبل وفاته أحدث فيه أول زعزعة، إذ جعل الأمر من بعده لابنه عبد الدار، وهو أقل أولاده حظًا من شرف وسؤدد. وكانت الأنظار تتجه إلى عبد مناف لما أصاب من شرف في حياة أبيه، ولكن الأخوة أذعنوا لأمر الأب المهيب، والأمر الحازم، فقد كان قصي لا يخالف ولا يرد عليه بشيء صنعه. واستطاعت هيبة قصي، ومراعاة أبنائه لحقه، واحترامهم لكلمته فيهم ولذكراه أن تحفظ الأمر بينهم من بعده كما أراده أبوهم من غير شقاق أو خصام، وحكم عبد الدار واكتنفته أخوته يساعدونه يعملون لبيتهم ولأنفسهم، لا خلاف ولا نزاع، ولكن أبناءهم من بعدهم لم يكونوا مثلهم في ضبط النفس، والحفاظ على وحدة الحكم فحمي وطيس المنافسة بين أبناء العمومة: بين بني عبد مناف وبين بني عبد الدار. وكان لكل فريق أنصار، ومؤيدين متكافئون وأتى على قريش يوم إذا البيت الحاكم فيه بيتان، وإذا القبيلة قبيلتان، قد تعاقد كل فريق على الموت والفناء فلم يبق إلا السيف والدم، وكانت هذه اللحظة شديدة الحرج، بالغة الخطورة في حياة قريش، ومستقبلها كله، فكان الضياع والخسران والغدر الماحق في انتظارهم جميعًا. وإذا تكافأت القوى المتصارعة وخاف الخطر الناس جميعًا أتيح للعقل دور، وللحكمة مكان. وهكذا كان إذ تداعى الفريقان إلى الصلح، وانتهى الاتفاق إلى إشراك بني عبد مناف في حكم مكة (١) . ثم لم يلبث بنو عبد مناف أن عزوا بني عبد الدار بمكارمهم ومآثرهم، فأخملوا ذكرهم وانصرفت السيادة لبني عبد مناف، وارتفع المجد والشرف بهم. وتعلقت بهم قلوب قريش من غير إكراه وظفروا بتقدير واحترام غيرهم من الأمم (٢) بما أوتوا من كياسة وخطة حكيمة نفعوا بها بلدهم وقومهم.
والحق أن البيت المنافي ظهر فيه شخصيات لم يظهر لها نظائر في بيوتات قصي الأخرى. كان هاشم بن عبد مناف من أقواها، وعبد المطلب بن هاشم من أعلاها قبل الإسلام. وقد أقرت قريش كلها بالسيادة لهما. ولكن النزاع الأول خلف وراءه مضاعفات
_________________
(١) انظر ابن هشام م١ ص ١٣٢
(٢) عقدوا اتفاقيات اقتصادية مع الشام والروم والعراق واليمن. وماتوا - عبد شمس - بعيدين عن مكة في تجاراتهم ومهامهم
[ ٢٩ ]
نشأت منها أعراض خطيرة في قريش: لا شك أن قريشًا عند النزاع لم تختلف فيما بينها على زعامة آل قصي إذ كانت تسلم بزعامة هذا البيت تسليما، وما كان فيها أحد على مستوى المنافسة، وإنما كان الخلاف على أبناء قصي يكون زعيمًا. ولكن الخلاف بعث في قريش حركة سياسية: دبت خفية، ثم حبت خفيفة. ثم سمعت عاملة نشيطة:
لما انقسمت قريش حول أبناء قصي فريقين يختصمان فيهم، كان هذا - ولأول مرة - إشراكًا فعليًا لها في السياسة الداخلية للحكم، وإسهامًا عمليا في اختيار الزعيم، أو الاتفاق عليه. وقد وقف كل بطن منها في السلاح في وجه الآخر يوم ذاك وحمل هذا معه روح الانشقاق والتنافس.. وإذا كان الصلح قد رد السيوف في أغمادها، فإنه لم يرد إلى القلوب صفاءها ورضاها، وأصبح من العسير أن يرضى بطن من البطون، بحظ من الشرف والمكانة أقل من حظ خصومه، فنشطت حركة من التنافس الداخلي بين بطون قريش، ظلت في غلوائها حتى فتح الله على محمد ﷺ مكة المكرمة، وقد دفع أحقاد قصي وهاشم وإخوته هذا التنافس الاجتماعي قدمًا في طرق مأمونة، ففتحوا لقومهم مجالات السعي والكسب الوافر، وعقدوا لهم الاتفاقيات التجارية مع الأمم المجاورة ومهدوا لهم السبل، ونظموا لهم رحلة الشتاء والصيف، فانطلقت قريش من قبيلة تكتسب من التبادل المحلي، إلى بيوتات تجارية يضربون في الآفاق وتنصب في أوعيتهم الأموال. وتفتحت مواهبهم، واتسعت مداركهم وعرفوا الخطأ من المجتمعات. ورفع هذا من قدرهم عند العرب جميعًا، وصرفهم هذا السعي الخارجي عن التنازع والصداع في الداخل. فلم تلق قريش من تسويد أبناء قريش إلا خيرًا ولم تنازعهم على ما في أيديهم من أمر البيت، بل أولتهم أمورها، ورضيت عن سياستها فيها، وأجلت قريش بعد قصي رجلين من أحفاده هاشمًا، وابنه عبد المطلب، أقرت لهما بالسيادة وأعظمت مكانهما. وأتت على قريش في تطورها الاجتماعي عشرات السنين، تبدلت فيها المنازل الاجتماعية تبدلًا ملحوظًا - كما هو الشأن في التطور الاجتماعي لكل أمة - فاغتنى كثير كانوا فقراء، وافتقر قوم كان أهلوهم ذوي مال. ونبه من كان خاملًا، وتقدم إلى القمة كثيرون لم يكونوا شيئًا مذكورًا. وصارت أكثر بطون قريش أفراس رهان، وقد نزلوا كلهم إلى الحلبة بعد موت عبد المطلب - آخر سيد في قصي قبل الإسلام - ولم يستطع ولده أبو طالب من بعده أن يحتل مكان أبيه (فكانت أمور البيت بينه وبين أخيه العباس) وإن كانت قريش تجل مكانه، وترعى جانبه، وتعلي قدره. فكان أبو طالب سيد بني هاشم وبني عبد مناف. ولم
[ ٣٠ ]
تكن سيادته في قريش كلها. بشهد بذلك أن أبا جهل استطاع أن يؤلب عليه قريشًا، ففرضت عليه الحصار الاقتصادي، والعزلة الاجتماعية في الشعب، حين استشرى العداء بين رسول الله ﷺ وبين المشركين.
لقد ظهرت أزمة سياسية حادة بعد موت عبد المطلب نتيجة الحركة السياسية الاجتماعية السابقة، هي أزمة الزعامة: لمن السيادة في مكة بعد عبد المطلب؟ كان كثير من البطون على قدر متقارب من الوجاهة الاجتماعية، مما جعل الأزمة عسيرًا حلها. وهذه الأزمة وإن لم تعلن عن نفسها في شعر أو ندوات أو تكتلات سياسية، فقد كانت كامنة في الأنفس على أهبة الظهور، عند أية بادرة، فيها للتنافس مجال. وهذا ما حدث حقًا عندما اختصمت قريش فيمن يرفع الركن إلى موضعه، وهم يبنون الكعبة؟ إن من يرفع الركن يوم ذاك هو السيد المطاع. ربما ما كانوا ليختلفوا على عبد المطلب لو كان حيًا ولكن قريشًا فقدته ولم تتفق على غيره، وكانت أزمة حادة قسمت مرة أخرى قريشًا إلى فريقين، وكادوا يحتكمون إلى السيوف، لقد فقدوا السيد الزعيم، وودوا لو يظفرون به حتى لا تراق دماءهم على جدران الكعبة المقدسة المشرفة، وانتظروا، وقلبوا بينهم أمرهم، وقالوا: ليقض بيننا أول من يطلع علينا من باب الصفا. وطلع عليهم الزعيم؛ طلع محمد بن عبد الله. وكان صوت واحد مجلجل، كله فرح ورضا وقبول: "هذا الأمين رضينا، هذا محمد"١.
لقد كان محمد بن عبد الله - إذ كان رجل مواقف - كان الزعيم المرتجى؟ فما سبب هذا الرضا الجماعي؟
لن تتعب أنفسنا بالتنويه بنسبة العريق. وهو وإن كان من أسباب الرضا. لكنه لم يكن السبب الأساسي فلو كان ذلك، فإن أبا طالب كان بين ظهرانيهم، وهو أسن منه، وسيد عشيرته يوم ذاك، ولكن السبب في شخصه لا في نسبه - مع إحترامنا البالغ لنسبه الزكي ﷺ. لقد قالوا: "هذا الأمين" فأشاروا إليه باللقب، ولم يشيروا إليه بالنسب.
كانت الأمانة سر الرضا، وهي صفة أوضحنا مدلولها ومضمونها، وتفرد رسول الله بها. وكانت قريش تبتغي حكمًا، مجردًا من الهوى، قادرًا على أن يلقي عواطفه العصبية جانبًا، وأن يعلوا على خصومتهم، فيقضي بينهم ولا يدخل فيها. ولم يكن رسول الله ﷺ إلا
_________________
(١) ١ ابن هشام م١ ص١٩٧.
[ ٣١ ]
قرشيًا هاشميًا من البيت الذي يلي شؤون الكعبة، وما هو بالغريب عن قضايا قومه، وما يحزبهم، ومع ذلك رأت فيه مختلف البطون من قريش ضالتها المنشودة، ومفتاح الفرج في أزمتها العصبية، فهذا الأمين في اعتبارها إذن فوق العصبية المحلية؛ رجل يستطيع كل قرشي أن يجد عنده الإنصاف والعدل والنزاهة. لا يخشى منه تحيز، ولا ميل عن الحق إلى القريب، أو صديق، أو نصير. حقًا قد احتكمت قريش إلى رجل منها، ولكنه في هذا التقدير فوقها كلها؛ رجل لا يعبد ما تعبد، وليس من دينها في شيء هو عندها مثال العدالة والاستقامة والصدق.
وعرف رسول الله ﷺ ما في نفوس القوم، وما هم فيه من خلاف، وحضره الحل المرضي توفيقًا من الله وعونًا. أمر بثوب، فبسط ووضع الركن فيه، وجعل ممثلي البطون على أطرافه، وأمرهم أن يرفع كل من ناحية، حتى إذا حاذوا مكانه، رفعه بيديه الطاهرتين، ووضعه في مكانه وبنا فوقه.
لقد كان رافع الركن إلى موضعه ابن إبراهيم ﵇، الذي دعا ربه مخلصًا ﴿ربنا وأبعث فيهم رسولًا منهم﴾ ١ فوضعه محمد ﷺ في المكان الذي وضعه فيه أبوه من قبل أول مرة عندما رفع البيت.
ورضيت قريش أن يفوز كل منها من الشرف بنصيب، وبردت بذلك أكبادها ولكنها رضيت بأمر أعلى وأبعد مغزى؛ رضيت أن يفوز بالشرف كله محمد بن عبد الله بن عبد المطلب إذ كان هو الرافع للركن حقيقة.
لقد كان في هذه الحادثة معتبر، لو استطاع خصوم رسول الله ﷺ أن يردعوا نفوسهم بعد المبعث، وأن يحكموا المنطق والعقل، كما فعلوا عند تحكيم رسول الله ﷺ، ولكنهم أطلقوا لغرورهم ولهواهم العنان، وركبوا الشر، فانتهى من لم يسلم منهم إلى سوء المصير.
إن الدرس البليغ الذي كان بإمكان قريش أن تتعلمه من نجاح رسول الله، ﷺ في حل أزماتها في الجاهلية هو أن هذه القبيلة ذات الحيوية والإمكانات لا يمكن أن يستقيم أمرها وتتحد كلمتها، وتبلغ الفلاح، حتى تتخلى عن العصبية الضيقة وتذعن للحق وتنقاد للناصح الأمين، ولقد دعاها رسول الله ﷺ بعد سنوات ثمان من بناء الكعبة إلى الحق، فاستنفرت عنه، فذاقت ما ذاقت من الويل والخسارة، ولم
_________________
(١) ١ البقرة: ١٢٩.
[ ٣٢ ]
يصلح شأنها ولم تبلغ عزها الحق إلا عندما أسلمت له يوم الفتح وانقادت والتفت حوله كما التفت حوله يوم رفع الركن.
[ ٣٣ ]