بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
وصلى الله على سيدنا محمد وآله، الحمد لله الذي منّ على عباده بإرسال رسله، وختمهم بسيدهم محمد صلى الله وعليهم اجمعين، فأرسله بالهدى ودين الحق، «لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ «١»» .
هذا كتاب «تثبيت دلائل نبوة نبينا محمد» رسول الله صلوات الله عليه وسلامه، والادلة على معجزاته وظهور آياته، والرد على من انكر ذلك.
باب [البدء بما في القرآن من إكفار الرسول للامم والبراءة منهم وهو وحيد ضعيف]
فنبدأ من ذلك بما في القرآن، وبما يجرى مجراه مما يعلمه من سمع اخباره، كالعلم بالقرآن، فقد علم كلّ من اخباره ﷺ انه ظهر بمكة، فأكفر اليهود وبرىء منهم، والنصارى والروم وبرىء منهم، والفرس والمجوس وبرىء منهم، والهند وبرىء منهم، وقومه من قريش والعرب وبرىء منهم، وعاب آلهتهم، وأكفر اسلافهم، وضلل اديانهم، وفرق
_________________
(١) التوبة ٣٣
[ ١ / ٥ ]
آلافهم، وقال لهم: الله ارسلني واصطفاني من العالمين، وجعلني حجة على كل من بلغته دعوتي من الاولين والآخرين، وجعلني خاتم النبيين وآخر المرسلين، وإن ديني يظهر على الاديان كلها، وان كلمتي وكلمة اتباعي تعلو، وإنهم هم الغالبون القاهرون المالكون.
وهو اذ ذاك فقير وحيد، اجير معيل، قد اغضبهم وغاظهم بهذه/ الدعوة، وألبسهم الذل مع وحدته، وبالغ في إسخاطهم، فنهوه وزجروه، بعد ان عاتبوه وعذلوه؛ ثم توعدوه بالاستئصال والبوار، بعد ان رغبوه. فغلبهم على امره، وقال: إني قد قلت لربي حين ارسلني: إني ان قلت هذا لقريش رضخوا رأسي، فقال لي: قل، وبلغهم، فسيغضبهم ذلك، وسيبعثون مكروههم عليك، وسيتحزبون ويجلبون «١» في عداوتك، ويجمعون العساكر لحربك، فأعصمك منهم، وأبعث جنودا لك منهم ومن غيرهم، فتكون العقبى لك، فقال هذا وما هو اشد منه.
يعلم ذلك كل من سمع اخباره ممن صدقه او كذّبه، وهو لا يعتصم بمخلوق، ولا يصوب ملكا من ملوك عصره، ولا يلوذ بأحد من البشر.
بل قد رماهم كلهم عن قوس واحدة بالعداوة، وأسخطهم اجمعين، وبعثهم بهذا الصنيع على عداوته. ثم ما رضي ان يجعل ذلك قولا ثم صفحا، بل خلده ودوّنه، وجعله كتابا يقرأ، وقرآنا يتلى، يسمعه عدوه وقال: ربي قال لي، وربي وربكم اوحى به اليّ، فقال: «وَإِذْ قُلْنا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحاطَ بِالنَّاسِ «٢»» وقال: «يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ
_________________
(١) جلب، توعد بالشر
(٢) الاسراء ٦٠
[ ١ / ٦ ]
إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ «١»» .
فانهم «٢» زادوا غيظا عليه، وصاروا هم واليهود والنصارى والفرس والمجوس يدا واحدة في عداوته، وطلب نفسه، والحرص على قتله، وهم اشد الناس حقدا وأنفة وجبرية «٣» وطلبا بطائله، لا يقارّون من عاب/ خيولهم وجمالهم فكيف بمن عاب آلهتهم وآباءهم وعقولهم وضلل اديانهم، فعصمه الله منهم وهو رجل فريد بينهم، وهو في مثوبة الموت، وخندق الخوف، وذل اليتم، ووحشة الوحدة، لا يعتصم منهم بمخلوق، فصرفهم الله عنه وهذه حاله، فلو لم يكن من آياته ودلائل نبوته الا هذا لكفى وأغنى وزاد على الكفاية، لأنه إخبار بغيوب كثيرة، لأنه قال لجميع قريش ولجميع العرب ولجميع اليهود ولجميع النصارى ولكل واحد منهم: لا تقتلونني، مع ما قد جاءهم به مما قد غاظهم وأغضبهم، وهو في هذا القول كالباعث لهم على نفسه، وكالحامل لهم على مكروهه وهو يذكرهم بذلك، فسلم منهم مع هذه الأحوال، فهذا باب كاف شاف.
باب آخر [سلامته ﷺ مع حرصهم على إيذائه]
وهذا مقام لا يقومه عاقل إلا ان يكون على غاية الثقة بالله ﷿ والسكون الى وعد الله لأنه لو لم يكن كذلك لم تلبث ان تغضب أمم
_________________
(١) المائدة ٦٧
(٢) في الاصل، فإن
(٣) الجبرية والجبرية: التكبر، انظر القاموس، مادة: جبر
[ ١ / ٧ ]
العرب والعجم لأديانهم، ويأنفوا لأنفسهم وآلهتهم، فيستأصلونه ويصطلمونه «١» ويقتلونه ويمحون أثره. فلما سلم مع الحرص على قتله، وآلت الامور الى ما قال، علمت وتيقنت أنه من قبل الله، لأن مثله في هذا مثل من قال اني أخوض هذه النار المضرمة فلا تحرقني، او كمن قال: أتردّى من شاهق على/ الأسنّة وانا عريان فلا تنفذ فيّ، او كمن قال: أدخل من هذه السباع الضارية الجائعة التي قد أغضبتها وقتلت اولادها وهي حريصة على افتراسي ومحتاجة الى قتلي والراحة مني فأسلم منها ولا تقتلني، فهذا باب شاف.
وباب آخر [وعده وهو في وحدته اته سيكون في جماعات كثيرة]
وهو ما كان وعد وقال وهو في وحدته، إني سأصير في جماعات وعساكر فكان كما قال وأخبر، لأنه حين دعاهم أنكروا قوله وأكفروه وتلقوه بالردّ والتكذيب، ثم ما زال والنفر بعد النفر يجيبونه، حتى صار في عساكر، فاعتقدوا بصدقه ونبوته، وصاررا له جندا مطيعين، وحزبا متفقين، ينفقون أموالهم ويسفكون دماءهم في طاعته، ويفرّون من آبائهم ويقتلون أبناءهم ويفارقون أوطانهم لأجله وامتثالا لأوامره، وأزكى الأعمال عندهم ما أرضاه بلا دنيا بسطها فيهم، ولا اموال دفعها اليهم، ولا لرئاسة كانت له عليهم، بل كان يتيما فقيرا وحيدا معيلا محتاجا.
ثم جاءهم مجيئا ما جاء نبي قبله في مثل حاله، فان موسى ﷺ أتى قومه من بني إسرائيل، وهم أولاد الأنبياء، قد اعتقدوا الربوبية وعرفوا
_________________
(١) اصطلم الشيء: استأصله. انظر القاموس، مادة: صلم
[ ١ / ٨ ]
الطريق اليها واعتقدوا النبوة وعرفوا الأنبياء قبل موسى، كادم ونوح، ثم الى ابراهيم واسحق ويعقوب والأسباط، وألفوا عبادة/ الله، واعتقدوا المعاد وعرفوه. ثم جاءهم في ذل وأسر وقهر في أيدي الجبابرة من القبط والفراعنة، يقتلون أبناءهم، ويستحيون نساءهم، ويمنعونهم الصنائع الشريفة والاحتراف، ويقصرونهم على ضرب اللبن وقطع الأحطاب والاعمال الشاقة المؤلمة، فجاءهم موسى بما يعتقدون من الربوبية والنبوة، ثم أخرجهم من الذلّ الى العزّ، ومن الشقاء الى الرفاهية والدعة، ومن الفقر الى الغنى.
ثم جاءهم من بعد موسى من الأنبياء بما جاءهم به موسى، الى أن انتهت النبوة الى المسيح عيسى بن مريم ﷺ، فأتى بني اسرائيل بسنن موسى، وشرائع التوراة.
فقدم هو والأنبياء قبله على أمر ممهد مألوف معروف، وعلى قوم قد ألفوا وعرفوا، وجاء محمد ﷺ قوما لا يعرفون الربوبية، ويعبدون الأصنام، وينكرون البعث والمعاد أشد الإنكار، لا يعرفون نبوة ولا طهارة ولا صلاة ولا صياما ولا زكاة، أشد الناس نخوة وجبرية وأنفة، قاة جفاة، معاشهم من شن الغارات، يسفكون دماءهم ويئدون ذريتهم فرارا من العار.
ودعاهم ﷺ الى الربوبية، والى الاقرار بالنبوة والبعث والقيامة، وأخذهم بالصدق والوفاء وأداء الأمانة والخضوع للحق، وبالطهارة والصلاة والصيام والاعتكاف والزكاة، وصلات الأرحام، وقطع السارق، وجلد/ القاذف والزاني وشارب الخمر، ومساواة الموالي والفقراء والأعاجم والضعفاء في الدماء، وأخذهم بالبراءة من آلهتهم التي يعبدونها من دون الله، ومن
[ ١ / ٩ ]
آبائهم ومن أديانهم، وبالإقرار بضلالهم، والتدين بالبراءة منهم، وببذل دمائهم وأموالهم في طاعته، وبمجاهدة الأمم ومعاداة الجبابرة والملوك في طاعته «١»، فأخذهم بكل شدة، وأخرجهم من الراحة الى الكدّ ومن المسالمة الى العداوة، وألزمهم ما لم يكونوا ألفوا ولا عاهدوا، وألزمهم الكلف والمؤن، فأجابوه بهذه الشرائط، فكان مجيئه على الوجوه التي قدمنا ذكرها من آياته ودلائل نبوته صلى الله عليه، ولم نجعل طاعة اصحابه له وتصديق القوم له ومصيره في عساكر وجماعات من دلائل نبوتة إلا لأنه اخبر قبل ذلك ان هذا سيكون فكان كما اخبر وكما قال على تلك الوجوه التي شرحناها وبيّناها. لأنه دعاهم الى امور وشرائط ظاهر التدبير وموجب الرأي واقتضاء الحزم ألا يجيبوه ولا يتبعوه إلا ان يكون من قبل الله، وواثقا بوعد الله، فان سبيله في ذلك سبيل من قال: هذه النملة الضعيفة تهزم هذه العساكر المعدة، او هذه الزجاجة الرقيقة ترض هذه الجبال الصلبة الشديدة، لأنه قد كان في الضعف
_________________
(١) كانت الصبغة الغالبة على أديان العرب في الجاهلية هي الصبغة الوثنية، أي عبادة الاوثان، الا ان هذا لم يمنع وجود عدد من الاديان الاخرى. فقد كان بين العرب صابئة يعظمون الكواكب والنجوم ويعبدونها، ودان بعضهم وخاصة في البحرين بالمجوسية الثنوية، كما وجدت مراكز صغيرة لليهودية والنصرانية. ووجد بعض الافراد ممن اعتقد بتوحيد الله، ومعظم هؤلاء كان متأثرا بالاديان السماوية السابقة، ومنهم زيد بن عمرو بن نفيل بن عبد العزى، وورقة بن نوفل بن أسد، وعبد الله بن جحش، وعثمان بن الحويرث بن اسد. وليس غرضنا هنا تفصيل أديان العرب في الجاهلية، فان ذلك يعرف في مواضع من كتب العقائد والديانات وخاصة كتاب الآراء والديانات للنوبختي، والملل والنحل للشهرستاني، والفصل في الملل والنحل لابن حزم. الا اننا نحب ان نشير الى ان القاضي عبد الجبار تعرض لهذا الموضوع بالتفصيل في الجزء الرابع من موسوعته الكبيرة المغنى.
[ ١ / ١٠ ]
والوحدة على ما قد علمه الناس، ثم دعاهم الى ما يكرهون، وأخذهم بكل شدة، وفرض عليهم الامور الغليظة الصعبة على ما تقدم من شرح ذلك، فعلمت وتيقنت/ أنه نور الله ومن قبل الله.
فإن قيل: أو ليس قد اباحهم الغنائم، فما تنكرون ان تكون اجابتهم له لهذه العلة؟ قيل له: هذا لا يسأل عنه من يعقل ولا من يفكر لأن القوم قد اعتقدوا صدقه ونبوته فكانت إجابتهم له لهذا وعلى هذا القربى الى الله عن رضى بذلك، فمن ادعى غير هذا فقد أنكر المعلوم، او يكون لم يسمع الاخبار. فهم إنما أجابوه على ان ينفقوا أموالهم ويسفكوا دماءهم ويقتلوا آباءهم وأبناءهم في طاعته ولأجله، فكيف يسوغ لعاقل فكّر وتدبّر ان يقول إنما اجابوه طلبا للدنيا ورغبة في الراحة والدعة والأمر بالضد من ذلك. وبعد فان لم يكن تبعوه «١» إلا للغارة وللغنائم لكانوا يقولون له: حاجتنا اليك في الغارة والغنائم ونحن أعلم بها منك، وهي صناعتنا نحن وعادتنا، وما الذي يدعونا الى اتباعك وما معك وما تبعك إلا ان تبعثنا على الغارة والغنائم؟ أمن أجل سعة أموالك وكثرة كنوزك ومروج خيولك واصطبلات دولك؟ أم لخزائن سلاحك. ومن أخذنا بأن نكفر آباءنا ونشهد بضلالهم ونسخف أجلاءهم، ونسوء اختيارهم، ونعادي الأمم وجبابرة الملوك، ونسفك دماءنا في طاعتك، ونقتل كل من عاداك وخالفك وإن كانوا آباءنا وأبناءنا أو إخواننا، ونفارق اوطاننا وأزواجنا، ونهجر اللذات من شرب الخمور ولبس الحرير وشفاء الغيظ بقتل/ من سبّنا أو عاب آباءنا كعاداتنا في ذلك، ثم لا نحصل إلا على شيء اذا غنمناه بقوتنا وغلبنا عليه بأسيافنا بعد المخاطرة بدمائنا
_________________
(١) في الأصل، تبعه
[ ١ / ١١ ]
أن نسلمه إليك فتعطينا بعضه، هذا لا يختاره بله النساء فكيف بالمهاجرين والانصار الذين أجابوه فصار بهم في عز ومنعة، وصبروا على تلك الشرائط التي شرطها.
وبعد فإن لم يكن نبيّا فهم لا يدرون هل يصل الى غنيمة؟ ولعله لا يتم له شيء مما يعدّ، فما كانوا ليتبعوه لما يظنه الخصم، ولولا أن هذا قد كان في أهل الذمة وطبقات الزنادقة، وتعدوا الى قوم زعموا أنهم من المسلمين لما ذكرناه، ولكنه شيء يستزلون به المسلمين الذين لا ينظرون فيما هذا سبيله، ويغترون بالظاهر.
هؤلاء الذين ادعوا أنهم من المسلمين، وأنهم من خاصة الخاصة «١»، وممن قد عرف ما لا يعرفه غيره، وأن للأمور غوامض وبواطن قد عرفها، فيعتقد من يسمعه في المهاجرين والأنصار الغافلة والبله وقلة العقل، ومن تدبّر، يعلم أنهم أوفر عالم الله عقولا، وأحسنهم تحصيلا، وأسرعهم استدراكا لخفيات الامور وغوامضها، لا فرق بين من رمى المهاجرين والأنصار بذلك، وبين من رمى رسول الله ﷺ بذلك. فإن آثار عقول المهاجرين والانصار معروفة في أفعالهم، وتدبيرهم الدنيا، وسياسة أهلها، وترتيب خواصهم وعوامهم، وأخذها من أيدي دهاة الملوك وعقلاء الناس، وتفصيل ذلك يطول.
فإن قيل: ومن سلم لكم عقل صاحبكم حتى تقولوا إن من دفعنا عن عقول المهاجرين والانصار كمن دفعنا عن عقل رسول الله ﷺ؟
_________________
(١) يقصد بهؤلاء الباطنية، فقد وقعوا بأكثر الصحابة وهاجموهم، فادعوا أن اسلامهم انما كان لمال او جاه، ولم يستخلصوا من الصحابة الا عددا محدودا.
[ ١ / ١٢ ]
قيل له: إن أعداءه لا يدفعونه عن ذلك، فإنهم قالوا: ما جمع المهاجرين والانصار وهو فقير وحيد أجير معيل وقد دعاهم الى ما قدمنا وعلى الشرائط التي ذكرنا إلا بعقل وافر، وحلم واسع، وبلطف في التدبير، وحسن تأتّ وعلم بالعواقب، وسعة في الفطن، وهذا قول عدوّه فيه.
فأما وليّه فيقول: هذا لا يبلغه عاقل بعقله، ولو كان أتم الناس عقلا، وأوسعهم علما وحلما، وأكثرهم مالا، ولا يكون هذا على تلك الشرائط إلا بتدبير الله ﷿، الذي يملك العقول، ويقلّب القلوب، وبوحي منه ﷿.
فإن زعم الأعداء أن الذي تم له كان مع قلة العقل وبالعجز فيه والخبط فقد خرجوا من كل معقول، وتبرؤوا من كل تمييز ومحصول، وجعلوا أنفسهم ضحكة وأحلوا بها المكاره، وأعطوا خصمهم اكثر مما طلب، وشهدوا بأن الله قد نقض له العادات اكثر مما نقضها لأحد من الناس كلهم ممن ادعى النبوة والحكمة وغيرهم لأنهم زعموا أنه تم له ما تم بتلك الشرائط وعلى تلك بعقل ضعيف وخلق سخيف وبالذهاب عن الحزم والحلم ومع طول الغافلة، فاذا تبيّن عقله لمن تفكر من/ عدوّه، علم أن عقول المهاجرين والانصار مثل عقله أو قريب منه، وكذا عقول قريش ثم العرب؛ فإن العقلاء والحكماء يقولون: الأمم العاقلة هم:
العرب والفرس والهند والروم، ثم قالوا: أعقل الاربع العرب والفرس، ثم اختلفوا أيهما أعقل وأحكم وأفطن، الفرس أم العرب؟ وخاضوا في ذلك، وذكروا ما لكل أمة من وصية وحكمة، وتدبير وسياسة، وهذا ما لا يدفعه العاقل المتفكر المتدبر.
فإذا كان عقل رسول الله ﷺ قد عرفه عدوه ووليّه، فمن هذا عقله
[ ١ / ١٣ ]
لا يأتي تلك الامم ويستقبلها بتلك المكاره التي فصلنا وحاله في الوحدة ما ذكرنا ثم يقول: لا تقتلونني مع حرصهم على قتله، ويقول:
ستصيرون أنصاري مع شدة ما دعوتكم إليه وهو غير واثق بما قال، ولا ساكن الى ما أخبر، ثم لا يرضى او يجعل ذلك كتابا يقرأ، وقرآنا يتلى، ويجعله في يد عدوه فيقول: «سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ» «١» .
يريد بالآفاق: ظهور الاسلام عليها، وبلوغ دعوته إليها، لأنه قد كان وعد بذلك وهو بمكة، وحين ادّعى النبوة، فكانوا يقولون: أيطمع محمد أن يظهر على الآفاق؟ لا، ولا على مكة، ولا على دار من دور مكة؛ «وفي أنفسهم» يريد: في اسلام من يسلم منهم بعد الردّ والتكذيب/ ومن يقيم على تكذيبه ويموت على شركه على ما لعلّه ان يرد تفصيله عليك.
وفي هذا المعنى قوله ﷿: «خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ، سَأُرِيكُمْ آياتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ» «٢» لأنه ﷺ كان اذا ذكر ظهور دينه، وغلبة اصحابه، وقتلهم لأعدائه، استبعدوا هذا بل أحالوه، وقطعوا الشهادة بأن هذا لا يكون أبدا، فيقول في جواب ذلك: «خلق الانسان من عجل سأريكم آياتي فلا تستعجلون» .
وفي هذا المعنى قوله ﷿: «فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنا بِها قَوْمًا لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ» «٣» يعني هؤلاء: مثل أبي جهل، وأبي لهب،
_________________
(١) فصلت ٥٣
(٢) الأنبياء ٣٧
(٣) الانعام ٨٩
[ ١ / ١٤ ]
وعقبة بن أبي معيط، والوليد بن المغيرة، والعاص بن وائل وأشباههم وأمثالهم من اعداء رسول الله ﷺ. فعزّى الله نبيه، وبشّره بقوم يطيعونه ويتبعونه، فيسّر له المهاجرين والأنصار كما وعده.
وقد أذكره بإنجاز هذا الوعد ووقوع الوفاء به، فقال ﷿:
«وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ. وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ» «١» لأن اجتماع المهاجرين والأنصار له، واعتقادهم نبوته، وإخلاصهم في طاعته على تلك الشرائط التي تقدم ذكرها، وعلى الوجوه التي/ قرر دعوته عليها لا يكون ولا يتم باتفاق جميع ما في الارض، ولا يكون ذلك إلا بتدبير الله وصنعه، وهو من آياته التي نقض العادات بها.
ومثله قوله: وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوانًا. وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها. كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ «٢»» وهم قد كانوا عقلاء قد عرفوا هذا «٣»، ولا يجوز في العقل ان يقول رئيس قوم لأتباعه: قد كنتم اعداء يعادي بعضكم بعضا ثم صرتم اخوانا يخلص بعضكم لبعض المودة وبي هداكم الله وجمعكم
_________________
(١) الانفال ٦٢ و٦٣.
(٢) آل عمران ١٠٣ و١٠٤.
(٣) يشير القاضي الى الدعوة العباسية التي حمل العبء الأكبر في تأسيسها ابراهيم بن محمد ابن علي بن عبيد الله بن العباس، وقد بويع بعده لأخيه أبي العباس عبد الله بن محمد وذلك في سنة ١٣٢ هـ.
[ ١ / ١٥ ]
وهو يعلم انهم يعلمون انه قد كذبهم؛ هذا في رئيس لا يدعي النبوة فكيف بمن يدعي الصدق والنبوة؟ وهذا قول قد سمعه عدو النبي ﷺ من اليهود والنصارى وقريش والعرب، وأخرسهم صدقه، وبهر عقولهم تمامه والوفاء به، لأنهم اجتمعوا له بتلك الشرائط التي قد تقدمت، وهو بخلاف اجتماع الاتباع لخطّاب الملك وطلاب الدنيا.
فان قيل: أفليس عليّ بن عبد الله ابن العباس ابن عبد المطلب عم رسول الله ﷺ، وابنه محمد وبنو محمد، كإبراهيم الامام وإخوته، كأبي العباس، وأبي جعفر، وغيرهما، قد كانوا مقهورين ومغلوبين ببني امية، فدعوا الى انفسهم بخراسان فأجيبوا، وصاروا في عساكر وجماعات، فغلبوا بني امية على الملك، وقتلوهم وأخذوا كل ما في ايديهم الا بلاد الاندلس من ارض المغرب، فلم لا يكون سبيل نبيكم وغلبته هذه السبيل؟ وإلا فقد لزمكم ان تقولوا بنبوة بني العباس كما قلتم بنبوة صاحبكم.
قيل له: قد فرغنا من هذا مرة وتبيّنا الجواب فيه، وهو أنا لم نقل بنبوة محمد ﷺ لأنه صارت له رئاسة وصار متبوعا وصارت له عساكر، ولكن لأنه أخبر بالأمور قبل كونها على غير مجرى العادة، بل على ما هو نقض للعادات، لأنه أتى الناس وهو وحيد فقير أجير، فأغضبهم وغاظهم وجادلهم وعادوه، وأخبر أنهم سيغلبون، وأنه يغلبهم ويقهرهم، وقالوا: بل نحن نغلبك وندبرك، وكان موجب التدبير ومقتضى الحزم أن تكون الغلبة لهم لا له، إلا أن يكون من قبل الله ورسولا لله، لأنهم واليهود والنصارى والفرس والمجوس يد واحدة في عداوته والقصد
[ ١ / ١٦ ]
لقتله وإطفاء نوره ولمنع اتباعه، والرجال والكراع «١» والسلاح مع عدوه لا معه، فالت الأمور الى ما قاله، وكما أخبر، وعلى ما فسر.
ولم تكن هذه سبيل بني العباس؛ فإنهم ما ادعوا نبوة ولا رسالة، ولا أتوا مثل ما أتى من الإخبار بالغيوب.
وأخرى ان بني العباس قصدوا، المسلمين من اهل خراسان، الذين قد اعتقدوا نبوة محمد ﷺ، فتدينوا باقامة شريعته وحد حدوده، بانكار ما أنكره وباكرام من اكرمه، وإجلال من اجله، وباهانة من ارتكب الكبائر فشكوا اليهم ما نزل ببني هاشم خاصة ثم بالمسلمين عامة من بني أمية. وبنو هاشم اذ ذاك كلمة واحدة، ما اختلفوا ولا تباينوا. فكان ولد العباس وولد علي وولد جعفر وولد عقيل «٢» وسائر بني هاشم متفقين، وانما اختلفوا بعد مصير الدولة والملك الى بني العباس أيام أبي جعفر المنصور، فجرى بينه وبين بني عمه من ولد الحسن ما هو معروف، فحينئذ اختلفوا، فذكر بنو هاشم لأهل خراسان ما صنعه بسر بن أرطاة بعبيد الله بن العباس بن عبد المطلب، وانه قصده وهو عامل امير المؤمنين علي بن ابي طالب ﵁، فهرب من يده، ووجد له ابنين طفلين فقتلهما وقتل جماعة من اصحابه «٣» . وأذكروهم بقتل حجر بن عدي
_________________
(١) الكراع من الدابة: ما دون الساق، يريد القاضي ان يشير الى الخيل وغير ذلك من الحيوانات التي يتقوى بها على القتال. انظر لسان العرب، مارد كرع
(٢) يقصد: العباس بن عبد المطلب عم النبي ﷺ، وعلي بن ابي طالب، وجعفر بن ابي طالب، وعقيل بن أبي طالب ﵃ جميعا.
(٣) انظر لتفصيل هذه الحادثة الطبري ١: ٣٤٥١ و٣٤٥٢
[ ١ / ١٧ ]
وأصحابه «١»، وبكربلاء ومن قتل من بني هاشم بها، وبقتل مسلم بن عقيل «٢»، وبالحرة «٣»، وبعسكر التوابين «٤» من اهل عين الوردة، وبما أنزلوه بالكعبة في قتال آل الزبير «٥»، ثم بمن قتلوه من القراء او الفقهاء الذين ثاروا مع عبد الرحمن بن محمد بن الاشعث «٦» في الانكار على الحجاج وعبد الملك بن مروان، وبقتل زيد بن علي ويحيى بن زيد «٧»، وبصنيع
_________________
(١) لتفصيل حادثة مقتل حجر بن عدي من قبل بسر بن أبي أرطأة عامل معاوية انظر الطبري ٢: ١١١.
(٢) قتل مع الحسين ﵁ سنة ٦١ هـ هو واخوه وابنه الطبري ٢: ٣٨٨
(٣) الحرة في الأصل هي الارض ذات الحجارة السوداء النخرة كأنها أحرقت بالنار، وهناك أماكن كثيرة أطلق عليها هذا الاسم. والمقصود هنا حرة المدينة حين وردها مسلم بن عقبة من قبل يزيد بن معاوية وكانت فيها وقعة الحرة سنة ٦٣ هـ حيث استبيحت المدينة بعدها ثلاثة ايام. انظر معجم البلدان ٢: ٢٤٧ والطبري ٢: ٤١٢ وما بعدها.
(٤) المقصود بهم من خرج من اهل العراق يطلبون دم الحسين ﵁ سنة ٦٥ هـ وقالوا: أخرجتنا التوبة من ذنبنا والطلب بدم ابنة نبينا ﷺ. انظر تفصيل ذلك في الطبري ٢: ٥٣٨- ٥٧٦.
(٥) كان رمي الكعبة بالمنجنيق بأمر من الحجاج سنة ٧٣ هـ وقيل ٧٤، وكان اميرا لجيوش بني امية المحاصرة لعبد الله بن الزبير في مكة، وقد قتل عبد الله بن الزبير في تلك السنة. ابو الفداء ١: ١٩٧.
(٦) خرج عبد الرحمن بن الاشعث على الحجاج سنة ٧٥ واستولى على خراسان وغلب على الكوفة، لكن الحجاج قضى على حركته في نفس السنة، وكان قد خرج مع الأشعث مجموعة من القراء والفقهاء. ابو الفداء ١: ١٩٧.
(٧) زيد بن علي بن الحسين بن علي بن ابي طالب ٧٩- ١٢٢ هـ كان فقيها، وقرأ على واصل بن عطاء واقتبس منه بعض آراء المعتزلة. خرج على الامويين سنة ١٢٠ في العراق وكان عامل الامويين فيه يوسف بن عمر الثقفي، وقد قاتله والي الكوفة الحكم بن الصلت، واستشهد سنة ١٢٢ هـ. الطبري ٨: ٢٦٠، ٢٧١، فوات الوفيات ١: ١٦٤.
[ ١ / ١٨ ]
الوليد بن يزيد/ بن عبد الملك «١» وما اتى من شرب الخمور والمجاهرة بذلك.
فأثار بنو العباس ودعاتهم اهل خراسان بذلك، فقدم بنو العباس على امر ممهد وجند مجند، وعلى قوم مسلمين قد صدّقوا رسول الله ﷺ، ورضوا بما رضي رسول الله، وغضبوا مما يغضب منه رسول الله ﷺ. فبنو العباس الى رسول الله نحوا، وبأمته والمصدقين به استجاروا، فالذي تم لهم فبرسول الله ﷺ تم، وبظله تفيئوا، وبه تستروا، وهذه سبيل كل من ادعى بعده ﷺ الامامة من بني هاشم ومن جميع قريش او ادعى انه من قريش.
وكلهم برسول الله ﷺ تشبثوا، وبه تستروا واستعاذوا ولاذوا، ولأجله تم لهم ما تم. وأنت تجد ذلك في واحد واحد منهم في مشارق الارض ومغاربها، وتعرف الحق منهم من المبطل، والدّعيّ من الصريح، فأين هذا من دعوة رسول الله ﷺ وسبيلها ما قدمنا وشرحنا.
فإن قيل: أو ليس مع ادعائه النبوة قد حمل السيف على من خالفه، وحارب بمن أطاعه من عصاه، فما تنكرون ان يكون الذي تم له من اوله الى آخره انما تم بالسيف وبالمكابرة، لا بالآيات والمعجزات؟
قيل له: ما انكرنا انه حمل السيف، وانما كلامنا في الذين صاروا سيوفا له وعساكر/ وبهم استطال على عدوه، فإن هؤلاء قد أجابوه بلا دنيا ولا سيف كما قد قدّمنا وبينا، وبمصيرهم الى طاعته صحت نبوته فظهرت دلائل رسالته، لأنه ما خلق قوما حملوا السلاح معه، وانما أجابه المهاجرون
_________________
(١) الوليد بن يزيد هو الخليفة الحادي عشر من خلفاء بني امية، تولى امرة المسلمين سنة ١٢٥ هـ وعكف على شرب الخمر وسماع الغناء ومعاشرة النساء، وقد ثقل امره على الرعية والجند فثاروا عليه سنة ١٢٦ هـ بعد ان دعا يزيد بن الوليد بن عبد الملك الى نفسه، وقد قتل الوليد في نفس السنة. تاريخ ابي الفداء ٢٠٥- ٢٠٦.
[ ١ / ١٩ ]
والأنصار الذين هم من قريش وغيرهم من العرب وقد أتاهم بإكفارهم وإكفار آبائهم على ما شرحنا وبينا، وهو من الوحدة والفقر على ما ذكرنا، فمكث بمكة بعد ادعائه النبوة خمسة عشر سنة يدعو الى دينه، فيجيبه النفر بعد النفر على خوف شديد، وقد تجردت قريش وغيرهم من اعدائه له ﷺ ولمن اتبعه وأطاعه، فيقصدونهم بالضرب والتعذيب الشديد، ويمنعونهم الأقوات، ويتعاهدون على ان لا يبايعوهم ولا يشاروهم ولا يناكحوهم، وقد كتبوا في ذلك الصحف «١»، وقد قتلوا منهم قبل الهجرة رجالا ونساء وكانوا يرصدون لرسول الله ﷺ ولدعاته إذا خرج الى الموسم لدعاء الناس وإظهار ما معه وتلاوة القرآن، فيقولون للعرب: هذا منا وقد صبأ وهو ساحر كذاب، فلا تطيعوه ولا تسمعوا لما معه، فنحن اعلم به، وقد سفه احلامنا، وضلل ادياننا، واكفر آباءنا، وفرق آلافنا، وأفسد أحداثنا وعبيدنا ونساءنا.
ثم كان هو ﷺ يرجم ويضرب الضرب المبرح، ويداس ويطرح على رأسه الفرث والتراب/ ويلقى من المكاره هو ومن اتبعه ما يطول شرحه «٢» . فلم يكن لأصحابه مع شرفهم وشرف أهلهم قرار، ولا أمكنهم المقام للشدائد التي تنالهم، حتى فروا بأديانهم في الأمصار والبلدان حتى عبروا البحار وصاروا الى ارض الحبشة «٣»، فتعرف قريش أخبارهم
_________________
(١) لما رأت قريش ان امر النبي ﷺ في ازدياد وان عمه ابا طالب يحميه منهم ائتمرت بينها ان يكتبوا بينهم كتابا يتعاقدون فيه على ان لا ينكحوا الى بني هاشم وبني المطلب ولا ينكحوهم ولا يبيعونهم شيئا ولا يبتاعوا منهم، وقد انحازت بنو هاشم وبنو المطلب الى ابي طالب فدخلوا معه في شعبه إلا عمه ابو لهب فانه ظاهر قريشا. وقد اقام المسلمون على ذلك سنتين او ثلاثا حتى جهدوا. الطبري ١: ١١٩٠
(٢) انظر الطبري ١: ١١٩٨- ١١٩٩
(٣) كانت الهجرة الاولى الى الحبشة في السنة الخامسة من بعثة النبي ﷺ، وقال بعض المؤرخين ان عدد المسلمين المهاجرون منها كانوا احد عشر رجلا وأربع نسوة. الطبري ١: ١١٨١، وقال بعضهم بل كانوا اثنين وثمانين رجلا. الطبري ١١٨٣.
[ ١ / ٢٠ ]
والى أين توجهوا، فترسل في طلبهم وتغري بهم وتنفر عنهم وتنفق في ذلك الاموال. فأرسلوا الى النجاشي ملك الحبشة وهو اذ ذاك نصرانيّ بمن ينفّره عن المسلمين الذين فرّوا بأديانهم الى ارض الحبشة، وحملت اليه قريش هدايا ولاطفوه، وقالوا له: إن هؤلاء قوم منا، وقد اتبعوا رجلا منا فأفسدهم، وهو عدونا وعدو النصارى، وهو يقول في المسيح: أنه عبد مخلوق، فسلموهم الينا.
وكان هناك عثمان بن عفان ومعه امرأته رقية بنت رسول الله ﷺ، وجعفر بن أبي طالب ومعه أسماء ابنة عميس، وخالد بن سعيد بن أبي أحيمة، والزبير بن العوام «١»، وعمار بن ياسر «٢»، وأبو حذيفة بن عتبة «٣»، ونحو مائة من وجوه المهاجرين، وكانت لهم مع رسول قريش الى النجاشي مجالس وخصومات طويلة، فصارت العقبى للمسلمين، وقامت حجتهم، وعرفها النجاشي ملك الحبشة فأسلم واستبصر «٤» .
وما زال رسول الله ﷺ يعرض نفسه على اهل المواسم اذا اجتمعت/ قبائل العرب، وخرج الى الطائف «٥» يدعو الى الله ويقول: أنا رسول الله
_________________
(١) الزبير بن العوام الصحابي المشهور المتوفي سنة ٣٦ هـ، ولمعرفة خالد بن سعيد بن ابي أحيمة (العاص) انظر الاصابة ١: ٩١، ولبنت عميس وجعفر الاصابة ١: ١١، وأسماء هي زوجة خالد بن سعيد.
(٢) عمار بن ياسر الصحابي الجليل المتوفي سنة ٣٧ هـ، وقد شهد بدرا وأحدا والخندق وليلة الرضوان، انظر الاستيعاب بهامش الاصابة ٢: ٤٦٩.
(٣) هو ابو حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس، هاجر الى الحبشة ومعه امرأته سهلة بنت سهيل بن عمرو.
(٤) كان النبي ﷺ يذكر النجاشي بالخير دائما، وقد نعاه بنفسه للمسلمين سنة تسع من الهجرة.
(٥) كان ذلك بعد وفاة ابي طالب عم الرسول ﷺ، فقد خرج الى الطائف يلتمس النصرة من ثقيف فرده سادتها: عبد يا ليل بن عمرو، ومسعود بن عمرو، وحبيب بن عمرو ردا قبيحا، وأغروا به سفهاءهم وعبيدهم يسبونه ويصيحون به، حتى التجأ الى حائط لعتبة ابن ربيعة وشبيبة بن ربيعة. الطبري ١: ١٢٠٠.
[ ١ / ٢١ ]
فمن يجيرني حتى أبلغ رسالة ربي؟ وقريش تتبعه وتمنع من اتباعه. وقد عرض نفسه على القبائل «١»، ومعه ابو بكر الصديق وعليّ بن ابي طالب، وعمه ابو لهب يقول لتلك القبائل: نحن أهله وأعلم به فلا تسمعوا منه ولا تقبلوا قوله، فتلقى تلك القبائل رسول الله بالجفاء، ويقولون له: قومك أعلم بك، ولو كان عندك خير لا تبعوك، فأمسك عنا، الى ان انتهى الى ربيعة والى ذهل بن شيبان، فكلمهم وتلا عليهم القرآن، فقالوا: إنا على هذا الماء من ذي قار، وقد اخذ علينا كسرى ألا نحدث حدثا، ولا نؤوي محدثا، وهذا الذي أتيت به ودعوت اليه تكرهه الملوك، فإن شئت ان نجيرك إلا من الملوك فعلنا، فقال ﷺ: ما أسأتم بالرد إذ أفصحتم بالصدق، إن هذا الدين لا يكون من اهله إلا من حاطه من جميع جوانبه، أرأيتم إن أظهركم الله عليهم، وأورثكم ارضهم وديارهم واموالهم وأفرشكم نساءهم أتطيعونه وتعبدونه حق عبادته؟ فتعجبوا من قوله ومن إقدامه على ان ملك كسرى يزول بدعوته ويصير ملكه لأصحابه، استبعادا لذلك، واستعظاما لملك كسرى ان يزول بجبابرة الملوك الأقوياء الاغنياء، فكيف يزول بهذا الوحيد الفقير؟ ثم/ يقولون هذا عاقل، ولم يكن ليقول هذا ويعرّض نفسه للملوك إلا وهو على ثقة، ثم انصرف عنهم وما اجابوه.
وما زال يدعو ويعرض نفسه في المواسم اذا اجتمعت العرب، الى ان لقيته الانصار «٢»، فسمعت منه وأجابوه واسلموا، وخرجوا الى المدينة
_________________
(١) انظر تفاصيل عرض النبي نفسه على القبائل في الطبري ١: ١٢٠٠- ١٢٠٩.
(٢) كان اول من تلقى الرسول من اهل المدينة ستة نفر من الخزرج قدموا مكة في موسم الحج، وعادوا الى المدينة بعد ان أسلموا، فدعوا قومهم الى الاسلام، وتوالت الوفود من المدينة الى مكة في مواسم الحج اللاحقة، وكانت بيعة العقبة الاولى التي حضرها اثنا عشر رجلا من الانصار، ثم كانت العقبة الثانية التي شهدها سبعون رجلا ومعهم امرأتان من نسائهم. انظر تفاصيل ذلك في الطبري ١: ١٢٠٨- ١٢٢٢.
[ ١ / ٢٢ ]
ودعوا الى الاسلام، ثم عاد قوم آخرون في سنة اخرى وبايعوه وهو مقيم بمكة، ثم عادوا في سنة ثالثة مع آخرين فبايعوه ورجعوا الى المدينة، وظهر الاسلام بها.
والانصار ﵃ انما هم قبيلتان عظيمتان من قبائل اليمن، ذو بأس وشدة وأموال، وذو شوكة «١» شديدة وعدد وعدة، قد ترددوا اليه، وسمعوا دعوته واحتجاجه، فأجابوه على البراءة من اديانهم التي كانوا عليها، ومن آبائهم، وعلى ان يبذلوا اموالهم ودماءهم، وعلى معاداة ملوك العرب والعجم في طاعته وله ولأجله.
وكم قد اسلم وأجاب على هذه السبيل من قبائل العرب، كقبيلة اسلم، وكقبيلة غفار، وهما من قبائل خزاعة وكنانة «٢»، وكالذين اسلموا من عبد القيس «٣» وهم من فرسان ربيعة ورجالهم، ومن قبائل فزارة «٤»، ومن قبائل جهينة، على هذه السبيل. وكم اسلم من اهل اليمن من ملوكها من حمير وغيرهم، الى من اسلم من ملوك عمان من ولد الجلندي بن كركر «٥»
_________________
(١) كذا في الاصل
(٢) انظر اسلام قبيلة أسلم وقبيلة غفار وفزارة وجهينة وفضائل هذه القبائل في البخاري ومسلم باب المناقب.
(٣) وكان قدوم وفد عبد القيس في السنة العاشرة للهجرة.
(٤) كان اسلام فزارة وكثير من قبائل العرب في العام التاسع للهجرة، وكان على رأس وفدهم الى النبي خارجة بن حصن، الطبري ١: ١٧٢٠. وقد سمي العام التاسع بعام الوفود لكثرة ما ورد المدينة من قبائل العرب معلنة اسلامها.
(٥) انظر لفضل عمان والجلندي صحيح مسلم في المناقب. وكان عمرو بن العاص رسولا من الرسول ﷺ الى ملكي عمان جيفر وعبد بن الجلندي. السيرة الحلبية ٣: ٢٥٢.
[ ١ / ٢٣ ]
وكم قد اسلم من العجم والانباط بصنعاء الذين كانوا جنود كسرى، واخرجهم مع سيف بن ذي يزن لينتصروا له من ملوك الحبشة الذين قتلوا اباه. ولعل قصتهم ان ترد عليك بأكثر من هذا الشرح.
فالذين اجابوه ﷺ وبهذه الشرائط وبلا حرب خلق كثير، وامم عظيمة هي مذكورة، يعرفها اهل العلم، ومن اراد ان يعرف/ ذلك حتى يصير في مثل حالهم قدر على ذلك ووجد السبيل اليه. فهؤلاء الذين اسلموا لله ومن خوف وتقربا الى الله، وهم عساكره.
ولما نشأت بدعة الخارجية «١» وهي اول بدعة نشأت في الاسلام، ثم بعدها وبعد دهر طويل نشأت بدعة الارجاء «٢»، ثم بعدها بدهر طويل نشأت بدعة القدر «٣»، وبعد بدعة القدر بدهر طويل نشأت بدعة الرفض «٤» . فكان العلماء يقولون: لا تسبّوا اصحاب محمد ﷺ فانهم اسلموا من خوف الله وأسلم الناس من خوف اسيافهم.
_________________
(١) طائفة من المسلمين كانوا من اصحاب علي بن ابي طالب ﵁ ثم خرجوا عليه بعد قبوله للتحكيم واتهموه بالكفر لذلك وطلبوا منه ان يتوب ويجدد اسلامه، وقالوا ان مرتكب الكبيرة كافر. وقد حاول علي ان يقنعهم فلم يستطع فحاربهم، ثم حاربهم خلفاء بني امية. لم يبق منهم الآن إلا عدد قليل في عمان وليبيا والجزائر.
(٢) المرجئة على النقيض من الخوارج، فقد قالوا ان مرتكب الكبيرة مؤمن وانه لا يضر مع الايمان كفر، وهم على درجات في عقيدتهم هذه.
(٣) يقصد من يقول ان العبد لا يقدر على فعله وان افعال العباد مخلوقة من الله فيهم.
(٤) الرافضة طائفة من الشيعة، ويسميهم القاضي احيانا بالباطنية، واصح الاقوال في سبب تلقيبهم بذلك انهم طلبوا من زيد بن علي بن الحسين (وتنسب اليه الزيدية) ان يسب ابا بكر وعمر فرفض ذلك فرفضوه، ولم نجد ضرورة لتفصيل القول في هذه الطوائف لأنه ليس من مجال حديثنا.
[ ١ / ٢٤ ]
وفاض الاسلام بالمدينة وفي هذه القبائل، وأقيمت فيها الصلاة، وأديت الزكاة، وأقيمت الجماعات والجمعة، وأقرىء القرآن، وصارت المدينة دار الهجرة؛ ورسول الله ﷺ مقيم بمكة محصور في الشعب يؤذى ويقصد بأنواع المكاره هو ومن اتبعه، الى ان هاجر الى المدينة ومعه ابو بكر الصديق الهجرة المعروفة.
فهؤلاء الذين اجابوا بلا حرب، وقبل الحرب احتججنا، وهو موضع دلالتنا في هذه الآية التي اخبر وهو في تلك الحال انكم ستجيبونني، وإن كانت لنا في الحروب والمحاربين دلائل اخرى لعلنا نذكرها لك في كتابك هذا ان شاء الله.
فإن قيل: أو ليس قد كان يدافع عنه عمه ابو طالب وإن كان على غير دينه، ويشفع الى قريش فيه، ويعاتبهم في بابه، ويذكرهم بصدقه وأمانته وقد كان ﷺ معروفا فيهم قبل الرسالة بمحمد الامين، ويسألهم الكف عنه وعن اذيته. وقد نصره ابو بكر الصديق وصدّقه وكاشف «١» في بابه، وأنفق ماله في/ نوائب الاسلام وفي عتق المعذبين في الله واتبعه من اهل مكة جماعة. وأسلم عمر قبل الهجرة وكاشف، وقال: لا نعبد الله سرا، فكيف ادعيتم له الوحدة وعليه الغلبة وهو بمكة؟
قيل له: قد علمنا انه حين دعا كان وحده والناس كلهم على خلافه، وليس في اجابة هؤلاء ومدافعة ابي طالب طعن «٢» فيما استدللنا، بل هو من الدلائل على ما قال صلى الله عليه قبل ان يجاب انه يستجاب وينصر، ثم مع
_________________
(١) كاشفه بالعداوة: بادأه بها. انظر القاموس: مادة كشف
(٢) وقد كتب فوقها في الاصل: به، وهي زائدة من الناسخ او المعلق.
[ ١ / ٢٥ ]
نصرة هؤلاء وإجابتهم له ﷺ ومدافعة ابي طالب، ما خرجوا ولا هو خرج من ان يكون ويكونوا بمكة مقهورين مغلوبين، حتى فروا من عدوهم بأديانهم.
فإن قيل: فاذا كان الله قد وعد هؤلاء الانبياء بزعمك بالنصر والظهور فلم يفرّون من اعدائهم؟ فقد فرّ موسى من فرعون ببني اسرائيل ليلا وخفية ومنع من إبقاد النيران لئلا يراها فرعون وجنوده فيستدلوا بها عليهم ومعه الآيات والمعجزات، وفرّ عيسى من مكان الى مكان بزعمكم وزعم النصارى، فانها تقول في اخبارها وأناجيلها ان يوسف النجار فرّ بعيسى وأمه الى مصر من بيت المقدس خوفا من هيريدس «١» ملك بني اسرائيل، فأقاموا بها اثني عشر سنة ومعه بزعمكم وزعم النصارى الآيات والمعجزات، وفرّ صاحبكم من قريش وأقام بالغار ومعه ابو بكر ثلاثة ايام ومعه كما زعمتم الآيات والمعجزات.
قلنا: ليس في فرارهم طعن في اعلامهم، وما قالوا لا يفرّ ولا يتوقى فيكون في فرارهم تكذيب، فإن كل شيء وعدوا به وقالوه قبل ان يكون قد كان وتم على ما قالوه وشرطوه/ قبل ان يكون، وليس في فرارهم ايضا مقاربة لعدوهم ولا مداهنة، بل انما احتاجوا الى الفرار لترك المداهنة والمقاربة، ولشدة المكاشفة لعدوهم، والمبالغة في اسخاطه وإرغامه، ولو قاربوا العدوّ واتقوه لما احتاجوا الى الفرار.
فاحفظ هذا فانك محتاج اليه، فإن قوما زعموا انهم اتباع الانبياء من المسلمين، اجازوا على انبياء الله وعلى من هو حجة الله على خلقه المداهنة
_________________
(١) هيرودس او هيرودوس هو حاكم فلسطين الروماني آنذاك. وانظر لقصة هرب يوسف النجار وعيسى ﵇ وامه مريم: الاصحاح الثاني ١٣ متى
[ ١ / ٢٦ ]
والمقاربة للمشركين ولأعداء الدين، وأن الانبياء يمدحون المشركين ويزكون اعداء الدين ويظهرون ذلك، ويذمون المؤمنين ويتبرؤون من الأنبياء والمرسلين خوفا من المشركين، ويزعمون ان حجتهم في ذلك فرار رسول الله ﷺ واستتاره في الغار ثلاثة ايام «١» . وقد بيّنا انه لا حجة لهم في ذلك، بل هو الحجة عليهم، وأن الذي اخرج الانبياء الى الفرار شدة المكاشفة، وترك المقاربة، وقائل هذا لا يثق بأفعال الأنبياء وأقوالهم، ولا بتزكية من زكوه، ولا بلعن من لعنوه، لأنهم قد قالوا انه قد يجوز ان يكون ظاهر الانبياء بخلاف اسرارهم وضمائرهم، وأيضا فان الأنبياء لا يجوز ان يكون ظاهرهم بخلاف باطنهم وإن خافوا وإن قتلوا، وهذا اصل كبير فاعرفه.
فإن قيل: ادعيتم ان اعداء نبيكم من قريش والعرب واليهود والنصارى حرضوا على قتله وهو بمكة، وهو في تلك الحال من الوحدة والذلة وضعف الاتباع، فمن اعطاكم هذا، ومن سلمه لكم؟
قيل له: ان من سمع اخباره واخبار القوم معه يعلم ذلك، علما لا يرتاب به، كما يعلم انهم قد كذبوه وعادوه واغضبهم ما اتاه وشرعه ودعا اليه، ولا فرق/ بين من قال: انهم ما حرضوا على قتله، وبين من قال: ولا كذبوه ولا عابوه ولا برئوا منه، ولا انكروا شيئا اتى، ولا خالفوه، وادعى انه هو ايضا ما خالفهم، ولا عاب اديانهم وآلهتهم، ولا ادعى النبوة، ولا خالفهم في البعث والنشر.
وقد حرضوا ايضا على ذلك وهو بالمدينة، واعداؤه فيها معه من العرب
_________________
(١) يقصد بهؤلاء الباطنية.
[ ١ / ٢٧ ]
واليهود والنصارى وهم كثير ونزول بالمدينة وحولها في آطامهم وحصونهم محدقون بها كالإكليل، وقد غدروا به، وارسلت قريش اليهم في ذلك، ودست غير واحد، وكان من عامر بن الطفيل وأزيد في الاحوال التي كان يكون فيها وحده فيصرفهم الله عنه بألوان الصرف، كما صرف ابا جهل وعقبة بن ابي معيط والذين كانوا بمكة، كما هو مذكور. وكم دسوا له السم في الطعام فصرفه الله عنه، وقد راموه منه في طول حياته، وقد كان معهم وهو بالمدينة في التبذل والتفرد والتطرح اكثر زمانه، على مثل حاله وهو بمكة. وانما كان يكون في جماعة في اسفاره وفي حروبه، فأما بيوته وحجرات نسائه فمن جريد النخل، وقد علم اهل العقل والتحصيل الفتك بجبابرة الملوك في حصونهم وقصورهم وهم وراء الابواب الحديد، وقد تحرزوا بصنائعهم المشاركين لهم في نعمهم بعبيدهم، كصنيع شيرويه بكسرى ابرويز «١»، وقبله من ملوك فارس من كانت هذه سبيله. وكما جرى على المتوكل من المنتصر، ثم على ولده، الى ما جرى من الفتك بمحمد بن المعتضد/ المسمى بالقاهر بالله، الى المتقي، والى المستكفي، والى ما جرى بالإحساء على ذكيره الاصفهاني من جنوده واعوانه سنيّ نيف وخمسين وثلثمائة للهجرة في جوف داره واحصن قصوره، وحوله وفي حجرته ومعه ممن له نوبة في حراسته وحفظه من الرجال المتسلحين اكثر من الفين، فقتل وحده من بينهم، ورفع رأسه.
_________________
(١) يقصد الاشارة الى ما صنعه شيرويه في سبيل الحصول على الملك، اذ شارك في قتل ابيه كسرى أبرويز وكان من اعظم ملوك فارس، وقد عاصر الرسول كليهما وكانت هجرته ﵊ ايام كسرى ابرويز. انظر الطبري. ثم ما كان يفعله الخلفاء العباسيون في سبيل الوصول الى الحكم من قتل آبائهم او اخوانهم او اقاربهم. وكذلك ما فعله خادم ذكيره (ذكرويه) الاصفهاني القرمطي من قتله.
[ ١ / ٢٨ ]
وليس في هؤلاء من أغضب الناس إغضاب رسول الله ﷺ، ولا من ادعى دعواه، ولا من أذكر عدوّه بعداوته وأيقظه وبعثه على قتله وخرج إليه بذات نفسه وما يريد ان يعمله، مثل رسول الله ﷺ. فانه أتاهم على الوجه الذي ذكرنا في الوحدة والفقر ورماهم بتلك العداوة، ثم قال:
ولا تقتلوني، بل أنا أقتلكم وأسبيكم وأستبيح حصونكم، فكان كما قال.
فإن قيل: ومن سلم لكم أن المهاجرين والانصار كانوا يعتقدون نبوته وصدقه، سيما وفي اهل ملتكم اليوم من طوائف الشيعة من يقول: إن أبا بكر وعمر وعثمان وتلك الجماعات والمهاجرين والانصار ما آمنوا به قط، ولا اعتقدوا صدقه ولا تعظيمه ولا إجلاله ولا توقيره، وما كانوا إلا زائرين «١» عليه، معتقدين تكذيبه وافتعاله واحتياله، وانما كان اتباعهم له هزآ به، واغتيالا له، وسخرية منه، وإرصادا لزلالنه وإفساد امره، ولإبطال تدبيره، ولمغالبته على الرئاسة، وأنهم ما أقاموا له وزنا قط. وانما كان الذين يعتقدون ما ادعيتم فيه نفرا يسيرا، كانوا مغلوبين مقهورين بهذه الجماعات من المهاجرين والأنصار، وأنهم خرجوا من/ الدنيا على حال القهر والغلبة من هؤلاء المهاجرين والأنصار، ومعهم بذلك روايات وأقوال ونصوص يدعون انها من صاحبكم، وتصنيفات قد ملأت الدنيا.
قيل له: إنا ما قلنا في أبي بكر وعمر وعثمان وتلك الجلة والوجوه من المهاجرين والانصار انهم قد اعتقدوا تبرئته وصدقه، لمجامعة من ادعيت من الشيعة لنا، وانما قلنا ذلك بالتأمل لأحوالهم وبالاستنباط الذي قد ذكرنا
_________________
(١) هذه الكلمة في الاصل تختلط مع زارين، والزئير صوت الأسد من صدره، والزائر اسم الفاعل. يعني القاضي هنا بيان شدة موقف الصحابة بزعم الباطنية من رسول الله ﷺ.
[ ١ / ٢٩ ]
لك، فلن يقدح ذلك في علومنا، ولن يوحشنا خلاف من خالفنا كائنا من كان من خلق الله، وقد شرحنا كيف كانت دعوته وعلى اي شرط كان إجابة القوم له؛ وقد علمنا قبل العلم بنبوته وصدقه انه ﷺ قد كان يحب أبا بكر وعمر وعثمان، وتلك الجماعة من المهاجرين والانصار يحبونه، ويواليهم ويوالونه، وأنهم كانوا ثقاته وبطانته وأمناءه على نفسه ودينة وأهله، وأنه ﷺ كان أحب اليهم من اهلهم وآبائهم وأنفسهم؛ كما قد علمنا ان أبا جهل وأبا لهب، والوليد بن المغيرة، وعقبة بن ابي معيط، والنضر بن الحارث بن كلدة، والعاص بن وائل، وابن العيطلة، وأمية بن خلف، وأبيّ بن خلف، وعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأولئك الملأ من قريش، كانوا اعداءه، وكذلك الملأ من اليهود، وكبني قريظة، والنضير، وكبني القعقاع، وكخيبر، وتلك القبائل من ثقيف، وغيرها من العرب، كانوا اعداءه وكان عدوا لهم يبغضهم ويبغضونه، ويعتقدون كذبه، وأنه مبطل، ولا فرق/ بين من ادعى في ابي بكر وعمر وعثمان وتلك الجماعات من المهاجرين والانصار انهم ما اعتقدوا نبوته، وبين من ادّعى فيمن ذكرنا من قريش والعرب واليهود والنصارى انهم ما اعتقدوا بغضاءه ولا كذبه؛ ومن انتهى الى هذا فقد بلغ الغاية في الجهل، ولا فرق بين ادّعى هذا على هؤلاء من المهاجرين والانصار، ومن ادّعى ان الروم والفرس والهند الذين كانوا في زمانه وزمان نبوته ما اعتقدوا تكذيبه وإن كان قد ظهر منهم ما قد ظهر.
فإن قيل: فكيف صدت طوائف الشيع عن هذا؟
قيل له: هذا إنما يعرف بالتأمل والتدبر وإن كان يسيرا، فمن لم يتأمل ولم يتدبر ولم يستنبط يذهب ذلك عليه؛ ومما يزيدك علما بذلك، وأن باطن هذه الجماعة من المهاجرين والانصار كظاهرهم، وسريرتهم كعلانيتهم،
[ ١ / ٣٠ ]
وأن رسول الله ﷺ كان أحب إليهم من أبنائهم وأنفسهم، أنهم قد بقوا بعده وملكوا الأمر واستولوا عليه، وامتدت أيديهم الى ملوك الدنيا وممالكها، فجازوها وأنفقوها في إعزاز دينه وتأكيد شريعته، وزهد وافي المباح المطلق، وحموا نفوسهم وأبناءهم منه، وأدخلوا الأمم من الفرس والروم والهند وغيرهم في دينه، وفرضوا عليهم تصديقه وإجلاله، ومن أبى القبول جعلوا دمه له، وأوطئوا أعداءه وشانئيه الذلّ والسيف في مشارق الارض ومغاربها.
وقدم رحمك الله زهد رسول الله ﷺ، فقد كان أزهد الناس فيما تناحر الناس عليه وتطاعنوا فيه وتفانوا لأجله. فقد كان ﷺ ملك من أقصى اليمن الى بحر عمان الى أقصى/ الحجاز الى عرار العراق، واستولى على جزيرة العرب وكانت مقسومة بين خمسة ملوك، لكل واحد منهم شأن عظيم.
هاداه غير واحد من الملوك، وجبى ذلك كله فبذله، وحمى نفسه منه وأهله، وخيّر أزواجه على ارادة الله ورسوله والدار الآخرة، وعلى أن من أراد الحياة الدنيا وزينتها متعه وسرحه سراحا جميلا «١» .
وكان ﷺ مع هذا الملك العظيم أيبس الناس عيشا، وأخشنهم لباسا.
واعتبر من ذلك ببرده الذي يلبسه خلفاؤنا من بعده وقيمته مقدار دانقين، وبقدحه وخاتمه، وجميع ما صار عند خاصة أهله وعامة أنصاره. ثم توفى ولم يترك عينا ولا دينارا ولا شيّد قصرا ولا غرس شجرا ولا شقّ لنفسه نهرا ولا استنبط لنفسه عينا ورغب لأهله وأصحابه في مثل ذلك.
_________________
(١) نزلت آيات التخيير في سورة الأحزاب «يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَراحًا جَمِيلًا. وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا» الأحزاب ٢٨ و٢٩.
[ ١ / ٣١ ]
وملك بعده أبو بكر الصديق ﵁ جميع ذلك، ونفذ فيه أمره، وامتدت يده الى بني حنيفة وقوم مسيلمة، وغزا فارس، وافتتح الحيرة والقادسية وعين التمر «١» وصاروا ذمة له، وجباهم الأموال العظيمة. وافتح الشام وأوائلها ونفذ أمره فيها، فكان حاله في الزهد تلك الحال التي كان عليها رسول الله ﷺ.
وقام بعده عمر ﵁ فحوى ذلك كله، وافتتح الى اقصى الشام وأخرج ملوك الروم منها واعتصموا منه بالخلجان والجبال، وافتتح مصر والصعيد الأعلى، وافتتح الجزيرة والعراق والسّواد وفارس وكرمان وسجستان وكورة الاهواز، وما سقته دجلة، وما سقته الفرات/ وما سقاه النيل، وحملت اليه خزائن الملوك وذخائرهم، ومكث على ذلك عشر سنين ثم قبض وحاله في الزهد تلك الحال.
ثم قام بعده عثمان ﵁، فحوى تلك الممالك كلها، وافتتح خراسان عن اقصاها، وأخذ ملوكها وأصفهان من الجبال، وفي زمانه قتل المسلمون يزدجرد بن شهريار ملك فارس، وافتتح اذربيجان، وافتتح ارمينية، وجرجان وطبرستان وغير ذلك، واستولى على ملوكها وممالكها، وفتح المغرب وهي مسيرة سنين برا وبحرا وطولا وعرضا، وافتتح من جزائر البحر عدة جزائر عظيمة تكون مسيرة شهر طولا وعرضا، وجبى ذلك كله، ومكث على ذلك اثني عشر سنة، وكانت مدته اطول، وامتدت يده،
_________________
(١) بلدة قريبة من الأنبار غربي الكوفة سميت كذلك لكترة التمر فيها، افتتحها المسلمون في ايام ابي بكر على يد خالد بن الوليد في سنة ١٢ للهجرة. معجم البلدان ٣: ٧٥٩، ارسل اليها معاوية النعمان بن بشير فأخذها من عامل علي سنة ٣٩. الطبري ١: ٣٤٤٥
[ ١ / ٣٢ ]
وملك وحوى اكثر مما ملكه رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر ﵄، ثم نفض يده من جميع ذلك وزهد فيه مع قدرته عليه وتمكنه منه ونفوذ أمره فيه، وصار عند قوم عمر أزهد منه، لأنه رحمة الله عليه برّ أقاربه من مال وولّاهم، ولم يفعل ذلك عمر، فكان زهده يصغر في جنب زهد عمر.
ثم قام بعده عليّ ﵁، فحوى جميع ما حواه الخلفاء قبله وجباه ونفذ أمره فيه، إلا الشام، ومكث على ذلك نحو ست سنين، فنفض يده من جميعه وزهد فيه.
ثم اعتبر بزهد عمال ابي بكر وعمر والخاصة من أعوانهما، كعتبة بن غزوان «١» وأبي عبيدة «٢» ومعاذ بن جبل «٣» وشرحبيل بن حسنة «٤» وسعد بن ابي وقاص «٥» وعمار بن ياسر «٦» / وبلال «٧» والنعمان بن
_________________
(١) هو عتبة بن غزوان بن جابر، يكنى أبا عبد الله وأبا غزوان، من حلفاء بني نوفل بن عبد مناف، قديم الاسلام، هاجر الى الحبشة الهجرة الثانية، وهو الذي مصر البصرة واختطها، توفي في خلافة عمر وروى عن الرسول. الاصابة ٤: ٢١٥، الطبري ٣: ٢٣٧٦.
(٢) ابو عبيدة عامر بن عبد الله بن الجراح، قديم الاسلام، هاجر الهجرتين وشهد بدرا وبشر بالجنة، مات في طاعون عمواس بالشام سنة ١٨ هـ. الاصابة ٤: ١١.
(٣) هو معاذ بن جبل بن عمرو بن أوس بن عدي، شهد المشاهد مع النبي وكان احد الذين أرسلهم رسول الله (ص) الى اليمن لدعوة اهلها الى الاسلام، روى عن النبي (ص) ومات بطاعون الشام سنة تسع عشرة او بعدها. الاصابة ٦: ١٠٧.
(٤) هو شرحبيل بن حسنة نسبة الى أمه على الأغلب، كان ممن سيره أبو بكر في فتوح الشام، توفي بطاعون عمواس في الشام سنة ١٧ هـ. الاصابة ٣: ١٩٩.
(٥) هو سعد بن مالك بن أهيب، احد العشرة وآخرهم موتا، كان اول من رمى بسهم في سبيل الله واحد الستة اهل الشورى وقائد فتوح العراق، توفي بعد الخمسين من هجرة الرسول. الاصابة ١: ٣٠.
(٦) عمار بن ياسر بن عامر بن مالك حليف بني مخزوم وأمه سمية مولاة لهم، كان من السابقين الاولين وممن عذب في الله، شهد المشاهد كلها مع النبي، استعمله عمر على الكوفة، قتل مع علي بصفين سنة سبع وثلاثين. الاصابة ٤: ٢٧٣- ٢٧٤.
(٧) هو بلال بن رباح مؤذن الرسول (ص) . الاصابة ١: ١٨٩.
[ ١ / ٣٣ ]
مقرن «١» واخوته، وغيرهم ممن يطول الكتاب بذكرهم وشرح أحوالهم، وهو مذكور في مواضعه، ولا يشك في زهد هؤلاء إلا من شك في زهد رسول الله ﷺ، ولا يبلغ ذلك إلا الجاهل القليل النظر البطيء التأمل.
فأما من نظر واعتبر وكان قصده التعرف والتبين، فان ذلك يفضي به الى العلم بأنه ما صحب نبيا قط قوم أزهد ولا أردع ولا أعلم من هؤلاء قبل ان يرجع الى قوله ﷿: «كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ «٢»» . فلو كان غرض رسول الله ﷺ وأصحابه الدنيا والملك لكانوا وإن ابتدأوا بذكر الزهد في اول أمرهم إذا ملكوا وقدروا عليها قد ساروا فيها سيرة طلاب الدنيا وملوكها وخطّابها، وما لبثوا ان تظهر سرائرهم وضمائرهم عند القدرة. بهذا جرت العادة، وهكذا أخرجت العبرة، فان من تخلّق للناس وتصبّر خوفا منهم واتقاء لهم ومداراة لهم، اذا قدر وتمكن تغير وزال عما كان، وظهر مكنونه، فلما دام أمر رسول الله ﷺ وهؤلاء واتصل على طريقة واحدة، علم العامل المتأمل ان سريرتهم كعلانيتهم، وظاهرهم كباطنهم.
وقد رغب قوم منهم في المباح وفيما أحله الله لهم، ولا لوم عليهم ولا تعنيف، وانما كان كلامنا فيمن زهد في المباح المطلق منهم، وقد ملك هؤلاء ما لم يملك ابراهيم وإسحق ويعقوب والأسباط وموسى وهرون وداود ومتى وعيسى، وإن كان الأنبياء خيرا منهم.
_________________
(١) هو النعمان بن مقرن بن عائذ المزني، أخو سويد واخوته، له ذكر كثير في فتوح العراق وفارس. توفي سنة احدى وعشرين هجرية.
(٢) آل عمران: ١١٠
[ ١ / ٣٤ ]
وانما ذكرنا هذا لأن اليهود والنصارى والمجوس وأعداء رسول الله/ ﷺ يقولون جهارا، بحضرة المسلمين وفي دواوين السلاطين، وفي المحافل بحضرة الأمراء الأشراف: أما الاسلام فقد كفيناه ودفع بعضه بعضا، وقد كنا نقول سرا بيننا في أصحاب محمد ونفسه أشياء تقولها اليوم الشيعة جهارا وتزيد علينا فيه، من ان اصحاب هذا الرجل وأتباعه وأنصاره ما كانت لهم بصيرة في أمره ولا يقين مع الصحبة وطول المشاهدة ولا أقاموا له وزنا، وانما طلبوا الدنيا والنهب والفارة، وقد بيّنا فساد ذلك، وفيه من البيان اكثر من هذا، وفيما ذكرناه كفاية.
فإن قيل: أفتستدلون على صحة دينكم بأن هؤلاء قد اعتقدوا بنبوّة صاحبكم وصدقه، وان ظاهرهم فيه كباطنهم، وهاهنا قوم من اليهود والنصارى والمجوس والمنانية «١» والهند هذه سبيلهم في أديانهم.
قيل له: ما ندفع هذا ولا نمنع منه، ولا نستدل على صحة الاسلام باعتقاد المهاجرين والأنصار بنبوّة محمد ﷺ وصدقه ونبوّته وزهده وزهدهم في الدنيا، وانما نعرف صحة الاسلام وانه دين الله بغير هذا. وانما كان كلامنا على من ادّعى ان هؤلاء ما اعتقدوا صدقه ولا نبوته، فبيّنا فساد قولهم وبطلان اعتقادهم وانه جهل، ثم صرنا الى ذكر الدلائل والأعلام.
_________________
(١) المنانية والمانية نسبة الى ماني بن بابك بن ابي رزام، يقال انه كان اسقفا ثم اتاه الوحي بتغيير ديانته. ومن اهم مبادئه أن العالم كونين: احدهما نور والآخر ظلمة، وكل واحد منهما منفصل عن الآخر. وقد فصل كتاب العقائد والفرق وأصحاب المقالات من الاسلاميين الحديث عن هذه النحلة. انظر الملل والنحل للشهرستاني، والفهرست لابن النديم، والآراء والديانات للنوبختى، والمغني للقاضي عبد الجبار الجزء الرابع، وغيرهم. ومجمل مذهب المنانية مستخرج من المجوسية والنصرانية.
[ ١ / ٣٥ ]
فمن ذلك أشياء نزل القرآن بها قبل كونها.
فمن ذلك قصة ابي لهب، وقد كان من المؤذين لرسول الله ﷺ، والمجردين/ في مكروهه وطلب نفسه، وفي الصدّ عن اتباعه، فبشره الله بأن ذلك لا يضره ﷺ، ولا يغني عن ابي لهب فيما قصد ما كسب من جاه ومال وأهل وولد وصداقة واخوان، وانه يخسر ذلك كله، وانه وامرأته يموتان على الكفر به ويصيران الى النار. نزل ذلك بمكة وهما حيّان سليمان، فكان ذلك كله على ما قال وعلى ما أخبر وكما فصّل وفسّر. وهذه غيوب كثيرة لا يكون مثلها بالاتفاق ولا بالحدس ولا بالزرق «١»، ولا يتفق لحذّاق المنجمين أقل القليل من هذا. ومن عجيب الأمور انها نزلت بمكة، وتلاها رسول الله ﷺ، وسمعها ابو لهب وجميع أعداء رسول الله ﷺ من قريش والعرب وغيرهم وهم أعوان ابي لهب، فهاجهم هذا القول في عداوته، وزاد في غيظهم وحنقهم، وأذكرهم بنفسه وهو معهم وفي أيديهم وفي قبضتهم، فما ضره، ولا تمّ لهم أمر في الظفر بقتله، ولا على زلة يتبين فيها كذبه وسقوط قوله، وهذا لا يقدم عليه العاقل إلا وهو على غاية الثقة بما يقول، ورسول الله ﷺ ممن لا يدفع عدوّه عقله. ومنذ نزلت هذه السورة والى هذه الغاية يحرص أعداء رسول الله ﷺ ان يجدوا في ذلك مطعنا فما وجدوا. وقد رجع بعضهم الى بعض في ذلك وتشاوروا فيه، وتعاضدوا وتعاونوا، فكان عليه ما انتهى اليه كيدهم أن قالوا: لما رأى عمه وامرأته قد صمما في تكذيبه وعداوته قال ذلك فيهما.
_________________
(١) الزرق: الخداع، وفي اللسان: رجل زراق اي خداع.
[ ١ / ٣٦ ]
قيل لهم: قبل كل/ شيء قد تم ما قال على ما فسر وشرح، وحصل ذلك على وجه انتقضت العادة به، وظنونكم هذه لن تقدح في هذا العلم، وهذا كاف في جوابكم.
ثم قيل لهم: قد صنع مثل صنيع ابي لهب خلق كثير فما قال هذا فيه، ومنهم من أسلم. وايضا فلو قال في ابي لهب انه يسلم قبل اسلامه وأسلم لأمكن الخصم ان يقول: ما في هذا دلالة، لأن الرجل عمّه، وقد رأى اخوته حمزة والعباس وقد أسلما، وقد أسلم ولد أخيه ابي طالب جعفر وعلي، فكيف لا يسلم هو ايضا؟ فهذا كان أقرب وأظهر في الرأي والتدبير، فلم يقل ذلك وقال غيره وخلافه، لتعلم ان هذا قول علّام الغيوب وكلامه ﷿.
وقالوا لو أسلم لكان له ان يقول: انما قلت انه سيصلى النار إن لم يسلم، وإن أقام على الكفر، كما قال: «إنه من يشرك بالله فقد حرّم الله عليه الجنة» .
قيل له: قبل كل شيء قد تمّ ما قال وما وجد له خلف، وحصل على وجه انتقضت العادة به كما بيّنا وقدّمنا، وأخذت انت ايها الخصم تقول لو لم يكن هذا ويتم بأي «١» شيء كان يعتذر، وحصلت على تدبير ما لم يكن، وجهلت ايضا اللغة وموضع العربية لأن قوله ﷿:
«انه من يشرك بالله فقد حرّم الله عليه الجنة» انما هو جزاء، وليس بخبر عن احد انه سيفعل ذلك، وهذا كقول القائل: من سرق
_________________
(١) في الأصل: بأن، والقراءة اجتهادية
[ ١ / ٣٧ ]
مالي قطعته، ليس بإخبار عن احد أنه سيسرق ما له، ويجوز ان لا يسرق ماله أحد البتة مع هذا القول.
وقوله ﵎ في أبي لهب وامرأته انه: «ما أغنى عنه ماله وما كسب» من تلك/ الأمور، وانه سيصلى وامرأته نارا ذات لهب، إخبار عن أمور ستكون فكانت كما قال، كقوله ﷿: قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهادُ» «١»، وكقوله:
«سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ «٢»» . وكقوله ﷿ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُسَهُمْ» «٣» . فهذا باب.
وباب آخر [استرواح المشركين لأدنى غم يصيب الرسول]
وهو أن قريشا والعرب لما أعيتهم الحيل في أمر رسول الله ﷺ، كانوا يستروحون الى أدنى غمّ يناله ﷺ، فمات ابنه ابراهيم وهو أكبر ولده وبه كان يكنى، ومات ابنه عبد الله، فسرت قريش بذلك، وقال بعضهم لبعض: ابشروا فقد انبتر محمد، فأنزل الله ﷿: «إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ. فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ. إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ» «٤» .
فانبترت ديانات قريش والعرب كلها وبطلت عن آخرها، ولم يبق على ذلك الدين عين تطرف، وتم أمره ﷺ وسطع نوره وعلا وقهر.
_________________
(١) آل عمران ١٢
(٢) القمر ٤٥
(٣) الاسراء ٥١
(٤) الكوثر ١ و٢ و٣
[ ١ / ٣٨ ]
وفي هذا غيوب كثيرة أخبر بها قبل ان تكون؛ ثم وردت على وجه يغيظ ويغضب ويبعث على الوثوب به وعلى قتله وعلى إطفاء نوره، وقد حرضوا على ذلك فما تمّ. وهذا قول لا يورده العاقل على الوجه الذي أورده رسول الله ﷺ إلا وهو على غاية الثقة بالله والسكون الى ما يوحيه اليه ﷿، ورسول الله ﷺ ممن لا يدفع عدوّه عقله، وكانت قريش تقول فيه لمامات بنوه: محمد صنبور «١»، أي منقطع الأصل منبتر الذكر.
وقيل لأعرابي: كيف نخلك؟ / فقال: صنبر أسفله وعشش أعلاه، أي ضعف أصله وعشش أعلاه فبطل كله وزال الانتفاع به.
والكوثر هو على وزن فوعل، كنوفل وحوقل، وهو الكثير من الجميّز خاصة. فيريد ﷿: إنا أعطيناك الكثير من التأييد والنصرة والحجة والعزّ والثواب والأجر، وفيه دلالة على بطلان قول من قال:
إن أبا بكر وعمر وعثمان وتلك الجماعات من المهاجرين والأنصار كانوا أعداء رسول الله ﷺ وشانئيه، وأنهم قصدوا تغيير القرآن، وتبديل دين رسول الله ﷺ، وإماتة نصوصه، ودفع وصيته وخليفته، ففعلوا ذلك وقهروا وغلبوا وكانت الغلبة لهم، وخليفة رسول الله هو المغلوب المقهور، وهم الغالبون القاهرون، وان خليفة رسول الله ﷺ ووصيّه ما تمكن الى ان خرج من الدنيا.
قلنا: فلو كان الأمر كما قلتم لكان هذا قد كذب وكان يكون: إن
_________________
(١) جاء في لسان العرب: الصنبور: النخلة المنفردة من جماعة النخل، ورجل صنبور: فرد ضعيف ذليل لا اهل له ولا عقب ولا ناصر. لسان العرب مادة صنبر
[ ١ / ٣٩ ]
شانئك هو الأقهر والأغلب والأظهر، وأنت الأبتر، فلو أنصفوا وتدبروا القرآن لما قالوا في المهاجرين والأنصار هذا القول.
وباب آخر [عرض المشركين على الرسول ان يعبد آلهتهم ويعبدوا إلهه]
وهو ان قريشا لما حرضوا على قتل رسول الله ﷺ وإبادته وإطفاء نوره، وعلى التنفير منه والصدّ عنه والله تعالى يصرفهم بألطافه عنه مشوا اليه، وهم: الوليد بن المغيرة، وعقبة بن ابي معيط، والنضر بن الحارث بن كلدة، وأمية بن خلف، وعتبة بن خلف، والجماعة من قريش، قالوا: يا محمد، انك قد سفهت أحلامنا، وكفّرت أسلافنا، وعبت آلهتنا وأدياننا/، وشتّتّ كلمتنا، وقطّعت أرحامنا، فهلمّ الى أمر يكون بيننا وبينك، فتعبد أنت آلهتنا التي نعبدها ونعبد إلهك، وتعبد آلهتنا التي كنا عبدناها ونعبد إلهك، ثم تعبد ما عبدنا ونعبد ما عبدت؛ فإن كان معنا خير كنت قد أصبت منه، وان كان معك خير كنا قد أصبنا منه، وتكون كلمتنا سواء، وتسالمنا ونسالمك، وتكون لنا ونكون لك؛ فأنزل الله تعالى: «قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ. لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ. وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ، وَلا أَنا عابِدٌ ما عَبَدْتُّمْ، وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ، لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ» فأخبر انه لا يصير ولا يجيب الى ما قالوا، ولا يقبلهم بهذا الشرط، ولا يكونون على هذا الوجه عابدين لله على الوجه الذي عبده، فكان كما قال.
وفي هذا غيوب كثيرة مفصلة جاءت كما أخبر، وهذا لا يكون إلا من علّام الغيوب، ولو لم يكن من آياته إلا هذا لكفى وأغنى. فهذا
[ ١ / ٤٠ ]
يدلّك على خضوع قريش واليهود والنصارى وجميع اعداء رسول الله ﷺ وانقطاعهم في يده، وانه لا مطعن في آياته. ولهذا المعنى قال الله:
«فَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ، وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ» «١»، أي لو قاربتهم وأجبتهم الى ما دعوك لأجابوك، ولو داهنتهم لداهنوك. فتأمل قوله:
«قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ» كيف يجبههم بالإكفار والتجهيل والتضليل، وهم أشد عالم الله أنفة ونخوة وجبرية، ودفاعا عن انفسهم، ومواثبة لعدوهم، وهو بمكة معهم وفي ايديهم وفي قبضتهم، والعزّة والغلبة والكثرة لهم لا له، فهيجهم على نفسه بهذا القول، وبعثهم على مكروهه، فنجاه الله منهم.
وهذا قول/ لا يقوله عاقل وحاله ما وصفنا إلا وهو على غاية الثقة بالله، بدفعه عنه، ورسول الله ﷺ ممن لا يدفع عدوّه عقله، فمن أي شيء تعجب رحمك الله؟ أمن إقدامه، أم من مصير الأمر الى قوله وحكمه.
فاعرف هذه القصة واحفظها فانها عظيمة جليلة، ولهذا قال رسول الله ﷺ: «من قرأ سورة «قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ» فكأنما قرأ ثلث القرآن» . وكان يقال في صدر الاسلام ل (قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ) و(قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) المقشقشتان «٢»، اي هما براء من الشرك، يقال للجرح اذا برأ واندمل: تشقشش الجرح.
_________________
(١) القلم ٩
(٢) قشقش: في اللسان يقال تقشقش الجرح: تعرض قرحه للبرء، والقشقشة: تهيؤ البرء، والمقشقشتان: قل هو الله احد وقل اعوذ برب الناس لأنهما كانا يبرأ بهما من النفاق، وقيل: هما قل يا ايها الكافرون وقل هو الله احد. اللسان مادة قشش.
[ ١ / ٤١ ]
وقوم من الكتاب وعمال السلطان يعرفون ببني ابي البغل «١»، يدعون انهم من المسلمين ومن الشيعة وهم يميلون ميل القرامطة، ويلزمون صنعة النجوم، وبقاياهم بالبصرة في سكة قريش، ومنهم ابو محمد بن ابي البغل، وهذا خلقه وصنعته، وهو حيّ الى هذه الغاية وهي سنة خمس وثمانين وثلثمائة، يقولون في «قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ»: هي من البوارد ومن الأشياء التي لا معنى لها، ويتحدثون بذلك في دواوينهم ومحافلهم، ويضربون في ذلك الأمثال؛ وهذا لجهلهم بالأسباب، ولو كان لهم تحصيل وتدبير وقصدوا الانصاف وطلبوا العلم من موارده لعلموا ان هذا من معجزاته، ولكن العجب قد شغلهم، وهم يعدون انفسهم من الخاصة وهم أسقط من سقاط الغوغاء، ولولا ان هذا شيء قد شاع في الكتاب وأشباههم في جميع البلاد لما ذكرته لك، ولكنه شيء قد دار وصار اهل الذمة مع القرامطة يلقون/ به العامة والضعفاء من المسلمين، وليس للاسلام قيّم ولا ناصر بل كل السيوف عليه، فالله المستعان.
وأخرى تبين لك جهل هؤلاء ونقضهم ونقض كل طاعن في القرآن، ان الذي جاء بهذا القرآن ادّعى انه كلام الله وقوله، وان الجن والإنس لا يأتون بمثله ولا بمثل سورة منه ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا، وانه حجة الله على خلقه الى يوم القيامة؛ وقد سمعه الناس كلهم منه، وقد
_________________
(١) ورد في الفهرست تحت عنوان ابن ابي البغل: اسمه محمد بن يحيى بن ابي البغل ويكنى ابا الحسين، استدعى من اصفهان، وكان يلي الوزارة في ايام المقتدر، وكان بليغا مترسلا فصيحا من اهل المروآت، وكان شاعرا ايضا مجودا مطبوعا، فله ديوان رسائل كتاب رسائله في فتح البصرة. الفهرست ١٩٧.
[ ١ / ٤٢ ]
طالبهم ان يأتوا بمثل سورة منه فلم يأتوا مع شدة الحاجة الى ذلك، وقد بذلوا ما هو أعزّ وأعظم في دفعه وإبطال أمره من الأموال والأنفس والأولاد. واذا كان هذا شأنه من السخف والركاكة، وفيه الكذب والتناقض على ما يدّعي هؤلاء، أعداء الاسلام، فكيف يحتج عاقل بما هذا سبيله؟ وكيف لم يقل أعداؤه له: تتحدّانا بشيء ركيك بارد غثّ متناقض؟ وكيف لم يقل أعداؤه له ذلك؟ وكيف يتبع ويطاع من هذا سبيله؟ وكيف لم يقل أعداؤه لأتباعه: يا ويحكم فارقتم دينكم، وأنفقتم أموالكم، وسفكتم دماءكم، وعاديتم الأمم، واتبعتم رجلا حجته هذا القرآن وفيها الكذب والتناقض؟ ومثل هذا لا يطاع ولا يتبع، بل يكون في سقوط المنزلة بمحل من يركب قصبة ويركض في الاسواق ويقول: انا الملك، وانا الأمير، ويشتم الملوك والأمم والرؤساء، ويتعادى خلفه الصبيان؛ ومثل هذا لا يعاديه أحد ولا يضربه ولا يسبه فضلا ان يقتله/، لأنه لا يضرّ احدا ولا يغضب عاقل من فعله وقوله وإن شتمه وتواعده. فلم غضب أولئك العقلاء من قريش والعقلاء من العرب والدهاة من اليهود والنصارى وطبقات الأمم والملوك منه ومن أفعاله، وبذلوا أموالهم وأولادهم ودماءهم في عداوته وفي الصدّ عنه والمنع من اتّباعه، ورحلوا الى الملوك يشكونه ويضجّون منه، ويبعثونهم على قتله، ويخوفونهم سطواته وغلبته على ممالكهم؟ فقد رحلت قريش الى النجاشي ملك الحبشة في هذا، ورحلت نصارى العرب الى قيصر ملك الروم في هذا، وقد صار النضر بن الحارث بن كلدة الى الفرس في هذا، وكان من كسرى أبرويز في هذا ما هو مذكور ولعله ان يرد عليك، وهذا مع «١» انه جواب لكل عدو لرسول الله ﷺ، فهو كاف.
_________________
(١) في الاصل: مع ما
[ ١ / ٤٣ ]
وباب آخر [وعد الرسول اصحابه في حال ضعفهم ان الله سينصرهم]
وهو ما وعد أصحابه من المهاجرين والأنصار والمكيين في حال ضعفهم ان الله سينصرهم ويمكنهم ويقوّيهم ويظهرهم، فيقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، وتكون العقبى لهم؛ وتلا بذلك القرآن وخلّده وأسمعه عدوّه ووليّه، فقال ﷿:
«أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ. الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ. وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ «١»» الى قوله: وَلِلَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ»؛ فتمكن أصحابه وخلفاؤه، فأقاموا الصلاة، وآتوا الزكاة، وأمروا بالمعروف، ونهوا عن المنكر، وكانت العقبى لهم/» .
وفي هذا غيوب كثيرة أخبر بها قبل ان تكون فكانت كما فصّل وكما أخبر وفسر، لتعلم ان هذا قول الله وكلامه، وان محمدا رسوله.
وهذا في سورة الحج وهي مكية، ولو كانت مدنية لكان فيها من الدلائل مثل ذلك، ولكنها اذا كانت مكية كانت آكد في الحجة لأن ضعفهم إذ ذاك أشد، «الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ» «٢»، ولقولهم: «رَبُّنَا اللَّهُ»، ولكفرهم بديانات قريش والعرب هم المهاجرون
_________________
(١) الحج ٣٩ وما بعدها
(٢) الحج ٤٠، والآيات هي: «أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ. الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَواتٌ وَمَساجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ. الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ» ٢٥
[ ١ / ٤٤ ]
خاصة. وفي هذه الآية دلالة على صحة إمامة أبي بكر وعثمان وعليّ ﵃، وشهادة بأنهم أئمة هدى، وأن طاعتهم طاعة الله، لأنهم من المهاجرين والمكيين والتابعين ومن الذين أخرجوا من ديارهم بغير حقّ لقولهم: «رَبُّنَا اللَّهُ»، وهم الذين تمكنوا وتولوا الأمر ودعوا الى الله وفعلوا ما قال الله، كما هو مذكور في الآية.
ولو كانوا منافقين أو مشركين أو مرتدين كما تدعى ذلك عليهم طوائف الرافضة لكان هذا الخبر قد أخلف وكذب، ولكان الذي أتى به وتلاه ليس بنبي بل كذاب، لأن هؤلاء الذين تملكوا وتمكنوا وكان الأمر والسلطان والقهر والغلبة لهم؛ فزعمت الرافضة انهم بدّلوا القرآن وأحرقوه، وغيروا النصوص، وعطلوا الدين، وغيروا الطهارة والأذان والمواقيت والصلاة والصيام والمناكح والطلاق، وأماتوا السنن، وأحيوا البدع؛ وكان خليفة رسول الله ﷺ ووصيه «١» مغلوبا مقهورا يظهر ما يظهرون من الشرك، ويجوّز أحكامهم عليهم، فأين صدق هذه الآيات.
وقد كان ينبغي أن يكون/ على ما يدعيه الرافضة أن تكون التلاوة:
«والذين إن مكناهم في الأرض عطّلوا الصلاة والزكاة وأماتوا النصوص وقهروا الوصي المنصوص عليه، وأمروا بالمنكر ونهوا عن المعروف» فتعلم أن هؤلاء قد ذهبوا عن القرآن وفارقوا الدين، وتعلم ان هؤلاء السلف على الحق، وان الله تولى نصرهم كما وعدهم، والله لا ينصر إلا أولياءه وأحباءه وأهل طاعته. وقد كان المهاجرون يحتجون بهذا.
قال صعصعة بن صوحان «٢» - وقد كان رحل الى عثمان في شأن قوم كانوا
_________________
(١) يقصدون عليا ﵁.
(٢) انظر الطبري حوادث سنة ٣٣، ففيه تفصيل حادثة النفر الذين اخرجهم سعيد بن العاص-
[ ١ / ٤٥ ]
قد أساؤا فسيّرهم وحالهم معروفة-: ما رأيت أسرع جوابا من امير المؤمنين عثمان، قلنا له: أخرجنا من ديارنا أن قلنا ربنا الله، فقال:
كذبت ليست لك ولأصحابك ولكنها نزلت فينا معشر المهاجرين، أخرجنا من ديارنا ان قلنا ربنا الله، فمنا من مات بأرض الحبشة، ومنا من مات بالمدينة، فنصرنا الله ومكننا، وأقمنا الصلاة وآتينا الزكاة، وأمرنا بالمعروف ونهينا عن المنكر، وكانت العقبى لنا. وهذا لا يذهب على متأمل وإنما ذهب على اهل الغافلة.
باب آخر [اسراء الرسول من المسجد الحرام الى المسجد الأقصى]
وهو انه ﷺ أسري به في ليلة واحدة من المسجد الحرام الى المسجد الأقصى ثم عاد من ليلته الى مكة، ومدة السفر في ذلك مقدار شهرين اي ذهابا وإيابا، وهذا لا يفعله الله إلا للأنبياء في زمن الأنبياء. ولما عاد رسول الله ﷺ تحدث بذلك في أهله، فقالت له ام هانىء بنت ابي طالب: لا تتحدث بهذا، فو الله لا صدّقك الناس، وليكفرنّ بك من/ آمن بك، وليكذبنّك من صدّقك. فقال ﷺ: ان ربي أمرني ان أخبر الناس بذلك وان ابا بكر يصدقني ويشهد لي. فخرج وأخبر قريشا بذلك فسرّهم هذا، وقالوا: الآن يظهر كذبه وينقطع الناس عنه، قوموا بنا الى صاحبه ابن ابي قحافة لنخبره بما قال صاحبه. وكان ابو بكر
_________________
(١) - من الكوفة بعد ان اتهموا بالشغب فيها، وكان فيهم: مالك بن الاشتر، وثابت بن قيس، وكميل ابن زياد النخعي، وصعصعة بن صوحان.
[ ١ / ٤٦ ]
ثقيل الوطأة على قريش وأعداء رسول الله، فانه كان يدعو الى نبوته، ويخطب باياته، وكان وجيها في الناس، عالما بقريش، باين الفضل فيهم، فكانوا يقصدونه بالمكاره لهذه الخصال التي كانت تضرهم. وقد استدعى خيارهم ووجوههم الى الاسلام، وأنفق ماله في نوائب الاسلام ونصرته، وكانوا يطلبون شيئا يصدّه عن رسول الله ﷺ ويمنعه من اتباعه. فأتوه وقالوا له: يا ابا بكر، ما زال صاحبك حتى أتى بكذبة خرج بها من أقطارها. قال ابو بكر: حاشاه، وما هو؟ قالوا: زعم انه أسري به في ليلة الى بيت المقدس. فقال ابو بكر: إن كان قال ذلك فقد صدق.
قالوا: يا ابا بكر، أتصدقه في هذا والعير تطرد في ذهابها شهرا وفي رجوعها شهرا، أيبلغه في ليلة واحدة؟ قال ابو بكر: انه ليخبرني ان الخبر يأتيه من السماء الى الارض في ساعة واحدة فأصدقه، وبعد السماء عن الارض اكثر من بعد بيت المقدس من مكة؛ قوموا بنا اليه نسأله عن ذلك. فأتوه، فقال له ابو بكر: ما شيء بلغني عنك يا رسول الله انك أتيت بيت المقدس في ليلتك؟ فقال: نعم يا ابا بكر، صلّيت بكم في هذا الوادي، فأتاني آت، فأيقظني وأخرجني وجاء بدابته فقال: اركب فأرفصت «١»، فقال لها جبريل: اسكني، فما حملت خيرا منه. فسارت بي، واذا حوافرها تقع مدى/ بصرها، وكنت اذا أتيت صعودا قصرت قوائمها، واذا أتيت حدورا طالت قوائمها، فأتيت بيت المقدس؛ وذكر صلاته ودخوله اليه ورجوعه. فقال له ابو بكر: يا رسول الله، هل تستطيع ان تصف لنا بيت المقدس؟ فقال: نعم. فوصف مدخله والمسجد
_________________
(١) ارفصت الناقة اذا رعت وحدها والراعي ينظر اليها، وتعنى هنا النفور والترك. انظر القاموس. مادة: رفص.
[ ١ / ٤٧ ]
وسقوفه وما فيه شيئا شيئا، وكان إذ ذاك في أيدي الروم، وكان ملك الشام لهم وبعضه في أيدي اليهود، فقال ابو بكر: أتسمعون؟ وكان فعل ابو بكر ذلك ليعرف الناس صدق رسول الله ﷺ فيما ادّعى. فقالت قريش: فان لنا عيرا بالشام عرفت خبرها؟ فقال: نعم، مررت بهم في ذهابي، وهم في موضع كذا، وقد ندّ لهم بعير من حسّ دابتي فدللتهم عليه، ورجعت عليهم وهم نيام وقدح فيه ماء وقد خمروه، فنزلت وكشفته وشربت وخمرته.
ثم قال: وآية اخرى أنهم يردون عليكم يوم كذا وقت طلوع الشمس، وتقدم عيرهم من ثنية كذا، يقدمها جمل أورق عليه غرارتان، إحداهما برقاء والآخرى سوداء. فأرصدت قريش لذلك اليوم، فقال قائلهم:
هذه الشمس قد طلعت، وقال آخر: وهذه العير قد أقبلت وأمامها الجمل الأورق وعليه الغرارتان كما وصف. وسألوهم عن البعير الذي ندّ وعن القدح الذي كان فيه الماء فأخبروهم بذلك كما وصف، وأنهم وجدوا القدح فارغا بعد ان كان فيه ماء.
فتأمل ما في هذا من الآيات والمعجزات والعلامات الواضحات البينات التي لو لم تكن إلا هذه لكفت وأغنت في الدلالة على نبوته.
فمنها مصيره ورجوعه في ليلة واحدة، ومنها إخباره بالوقت التي ترد فيه عير قريش على أي سبيل ترد/، فكم في هذا من الغيوب.
فإن قيل: ومن سلّم لكم أن هذا قد كان على ما وصفتم لنا، وكيف علمتم هذا، وما طريق العلم به؟
[ ١ / ٤٨ ]
قيل له: قبل كل شيء قد علمنا انه ﷺ قد احتج بالإسراء وجعله قرآنا يتلى «١»، وقد سمع هذا جميع اعدائه من قريش واليهود والنصارى وهم معه وجيرانه وأشد الناس عليه وأحرصهم على عثرة تكون له او عيب يكون فيه، وهنالك اصحابه ومن قد اعتقد صدقه ونبوته ولم يتبعه إلا لأنه نبي صادق وعاقل لا يحتج على عدوه ووليه بما لا يقوم برهانه، ثم لا يرضى أو يأتي في ذلك بقرآن يتلى ويضيفه الى ربه ويستطيل بذلك على عدوه ووليه، وليس معه في ذلك إلا الدعوى الخالية من كل الحجج؟ هذا لا يفعله عاقل، وعقل رسول الله ﷺ عند عدوه فضلا عن وليّه فوق العقول.
وأخرى أن من فعل هذا على ما يدعيه الخصم لا يتبعه احد ولا يصدقه احد بل يرجع عنه من قد اتبعه، إذ ليس معه إلا الدعوى على ما يدعيه الخصم، وكل احد يمكنه ان يدّعي انه قد أسري به في ليلة واحدة من البصرة الى بيت المقدس او من العراق الى بلاد الهند وما تبينت بما هذه سبيله، فتعلم ان الحجة بذلك قد قامت واتضحت.
وأخرى ما جرى بين قريش وبين رسول الله ﷺ، وبين قريش وأبي بكر الصديق، وما كان في ذلك من طول المراجعة، ومن عني بذلك يعلم ان الأمر كما حكينا ووصفنا علما يقينا لا يرتاب به، كما يعلم فرار المهاجرين الى ارض الحبشة، وإخراج قريش عمرو بن العاص وعمارة ابن الوليد بن المغيرة في طلبهم، وما كان لهم معهما مع النجاشي من
_________________
(١) تناولت سورة الاسراء قصة الاسراء بقوله تعالى: «سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ» .
[ ١ / ٤٩ ]
المخاطبات/ والمراجعات، الى ان صارت العقبى للمسلمين. وكما يعلم خروج رسول الله ﷺ الى المواسم وعرضه نفسه على القبائل، وما كان له معهم من المحاورات والمراجعات والمخاطبات. وكما يعلم خروجه الى الطائف وعرضه نفسه، وما كان له معهم من المراجعات والمخاطبات.
وكما كان له مع قريش بمكة في حفل بعد حفل ومرة بعد مرة، وفي مشيهم الى ابي طالب ليكفه عن مخالفتهم وتجهيلهم وذكر آلهتهم، وما تعاهدوا عليه من عداوته وعداوات اصحابه، ومن التجريد في قصدهم بالمكاره، وما كتبوه في ذلك. وفي ترك مبايعتهم ومناكحتهم ومعاملتهم، وما أشبه ذلك من الخطوب التي كانت منهم. فمن رسخ فيما هذا سبيله، عرف قصة الاسراء وما كان لرسول الله ﷺ في ذلك مما تقدم ذكره، ومن لم يكن هذه سبيله لم يعلم، ولكل احد سبيل الى ان يعلم ذلك.
فتأمل رحمك الله ما في ذلك، وقول أم هانىء، واحتجاج قريش في ان المسير في ذلك يكون في شهرين فكيف تم في ليلة واحدة، ومطالبتهم بالحجة في ذلك، ثم مسألتهم عن عيرهم التي بالشام، ثم مصيرهم الى المكان في الوقت الذي ذكر رسول الله ﷺ أن العير ترد فيه وتفقدهم صورتها وما تقدمها، ثم مسألتهم اهل العير عن القدح لتعرف عقول قريش وشدة فطنتها وعنايتها بأمر النبي والتفقد لأحواله.
وانظر كيف قد سألوا عن ذلك مما يمكن العاقل ان يسأل عنه ويتكلم فيه.
وانظر الى فطنة ام هانىء بنت ابي طالب وخوفها مما يخاف مثله، وأن هذا الأمر إن لم يقم على الدعوى به حجة لم يصدقه احد، بل
[ ١ / ٥٠ ]
يكذبه/ من صدّق به ويكفره من آمن به، لتعلم كذب الحداد، وأبي عيسى الوراق «١»، والحصريّ، وابن الراوندي «٢»، وهؤلاء علماء الإمامية ورؤساؤهم، وعليهم يعولون، والى كتبهم يرجعون.
ولكل هؤلاء كتب يطعنون فيها على الانبياء، ويدّعون على قريش والعرب الجهل والبلادة والغباء وان رسول الله ﷺ خدعهم وسخر منهم.
وهذه الكتب منقوضة قد نقضها غير واحد من المعتزلة، والمطاعن على الانبياء، كلهم انما هي من جهة هؤلاء الشيع، والإمامية تواليهم وترجع الى اقوالهم، فاعرف هذا فإنه من العجائب وبك الى معرفته أشد الحاجة.
فمن كتب الحداد في هذا الشأن كتابه «الجاروف» وكتابه «الاركان»، وكتاب الحصري «في تسوية اصحاب الكلام بالعوام»، وكتاب «الزمردة» وكتاب «غريب المشرقي» وكتاب ابي عيسى الوراق، وكتاب حنين «البهائم»، وكتاب «التاج» في القدم لابن الراوندي، و«الزمردة» و«الفريد» و«التصفح» وكتاب «نعت الحكمة» في الطعن في حكمة الله، وكتاب «الدامغ» يطعن فيه في القرآن وغير ذلك من كتبهم.
_________________
(١) ابو عيسى محمد بن هارون الوراق المتوفي سنة ٢٤٧ هـ. منهج المقال ٣٢٨
(٢) هو احمد بن يحيى بن اسحاق الراوندي، ذكره القاضي في الطبعة الثامنة من رجال الاعتزال، وذكر انه ألحد وخرج عن الدين كما ذكر انه يقال بأنه تاب آخر عمره. من كتبه التاج في الرد على الموحدين، والدافع في الرد على القرآن، والفريد في الرد على الانبياء. المنية والأصل ٩٢.
[ ١ / ٥١ ]
وفضيحتهم في هذه الكتب واضحة، وليس لرسول الله ﷺ اعداء مثلهم، والشيع تتوالاهم لأنهم عملوا كتبا لهم في الطعن في المهاجرين والأنصار.
فمن هذا العجب، ان قوما يدّعون انهم من المسلمين يوالون هؤلاء ويرجعون الى كتبهم، فتبين رحمك الله الحال في ذلك، لتعلم انه لا يطعن على المهاجرين والأنصار إلا من يطعن على الأنبياء صلوات الله عليهم، وإنما تستّر هؤلاء الملحدة والزنادقة بالتشيع والإمامة ليستوي لهم الطعن على الانبياء وتشكيك المسلمين في الدين فاعلم ذلك/.
وباب آخر [ما نزل بمكة في رجال بأعيانهم انهم يصرون على شركهم الى ان يموتوا]
وهو ما نزل بمكة في رجال بأعيانهم انهم يصرون على شركهم الى ان يموتوا، وان الله سيذيقهم من عاجل الخزي في الدنيا، وقد صنع مثل صنيعهم قوم علم الله انهم يدخلون في الاسلام فلم يأت من عند الله فيهم ما أتى في اولئك.
فمن ذلك ما نزل في أبي جهل: «فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى وَلكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى ثُمَّ ذَهَبَ إِلى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى. أَوْلى لَكَ فَأَوْلى» «١» . فقال أبو جهل:
لم يهددني رب محمد وأنا أعز اهل البطحاء وأكرمهم؟ فأنزل الله في استهزائه بالزقوم وقوله: انه التمر بالزبد فقال: «إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ طَعامُ الْأَثِيمِ كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ كَغَلْيِ الْحَمِيمِ. خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلى سَواءِ
_________________
(١) القيامة ٣١ وما بعدها
[ ١ / ٥٢ ]
الْجَحِيمِ ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذابِ الْحَمِيمِ. ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ» «١» أي بزعمك.
نزل هذا كله فيه وهو يومئذ حيّ سليم، فأذاقه الله حرّ الحديد ببدر، ومات على الكفر كما قال وكما أخبر.
ونزل في الأخنس بن شريق الثقفي حليف بني زهرة من قريش:
«وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ «٢» . الَّذِي جَمَعَ مالًا وَعَدَّدَهُ. يَحْسَبُ أَنَّ مالَهُ أَخْلَدَهُ. كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ» فمات على كفره.
ومنهم النضر بن الحارث بن كلدة أخو بني عبد الدار، وكان شديد الرد على الله وعلى رسوله، شديد العداوة والإرصاد. وقد كان رحل في عداوة رسول الله ﷺ الى فارس، وطلب ما يكيد به الاسلام والمسلمين، فوجد احاديث رستم وأسفنديار والفرس «٣»، فاشتراها وقدم بها مكة فجعل يتحدث بها. وكان رسول الله ﷺ اذا قام من مقعده خلفه فيه النضر/ وحدثهم بتلك الأحاديث وقال: حديث محمد عن عاد وثمود والأمم من هذا، بل هذا احسن. فأنزل الله فيه: «وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَها
_________________
(١) الدخان ٤٣ وما بعدها
(٢) ذكر الطبري في تفسير سورة «وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ» ان بعض المفسرين قالوا: عني بالآية رجلا من اهل الشرك بعينه، فقال بعضهم هو جميل بن عامر الجمعي وقال آخرون هو الاخنس ابن شريق. الطبري ٣٠: ١٦٢.
(٣) ذكر ابن النديم كتاب رستم واسفنديار بين اسماء الكتب التي ألفها الفرس. الفهرست لابن النديم ٤٢٤.
[ ١ / ٥٣ ]
هُزُوًا أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ. وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ أَلِيمٍ» «١»، ونزل فيه غيرها ايضا. وقيل: يوم بدر أصابته جراحة ذهبت بقحف رأسه، وحصل مع المسلمين في جملة المأسورين وقال: لا أذوق لهم طعاما ولا شرابا ما دمت في ايديهم، فمات من الضربة وصار الى النار بعد ان أذاقه الله العذاب المهين في الدنيا كما قال وكما اخبر.
ومنهم الوليد بن المغيرة المخزومي، وكان من الأشداء على المسلمين، فقال لقريش حين حضر الموسم: ان الناس قادمون عليكم وسائلوكم عن صاحبكم، يعني رسول الله ﷺ، فماذا تقولون؟ قالوا: نقول مجنون، قال:
يكلمونه فلا يجدونه مجنونا، قالوا: نقول شاعر، قال: فهم اصحاب الشعر يقولونه ويروون بسيطه وهزجه فلا يجدونه شاعرا. قالوا: فنقول كاهن، قال: فقد رأوا الكهنة وتكلّفهم وكذبهم. قالوا: فما نقول يا ابا عبد شمس؟ ففكر وقدّر ونظر وعبس وبسر «٢» كما وصفه الله تعالى في سورة المدّثر، ثم قال: «إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ» . وكان له عدة بنين، وكان ذا مال واسع، فكان بنوه يحضرون ويشهدون عقلاء، فأنزل الله فيه:
«ذرني ومن/ خلقت وحيدا. وجعلت له مالا ممدودا. وبنين شهودا.
ومهّدت له تمهيدا. ثم يطمع أن أزيد. كلا انه كان لآياتنا عنيدا» .
الى قوله: «سَأُصْلِيهِ سَقَرَ» «٣» فلم يزده الله مالا ولا ولدا بعد هذا كما أخبر، ثم مات كافرا كما قال الله. وقد كان عند نزول ذلك حيا سليما.
_________________
(١) لقمان ٦
(٢) قد تشتبه الكلمة في الاصل ب: وبصر، والصحيح ما اثبتناه
(٣) الآيات من سورة المدثر، وأكثرها حول الوليد بن المغيرة
[ ١ / ٥٤ ]
فانظر كم في ذلك من الآيات من الإخبار بالغيوب، ومن عجزهم عن القرآن ان يأتوا بمثله في الفصاحة والبلاغة والجزالة، فلم يتأتّ لهم ذلك مع حاجتهم اليه واجتهادهم فيه. وفصاحة القرآن وجزالته وبلاغته دلالة اخرى غير دلالة الإخبار بالغيوب.
باب آخر [ما كان بمكة من انشقاق القمر]
وهو ما كان بمكة من انشقاق القمر؛ فان رسول الله ﷺ مرّ بمكة في ليلة قمراء ومعه نفر من اصحابه، فاجتاز بنفر من المشركين، فقالوا له: يا محمد، إن كنت رسول الله كما تزعم فاسأل ربك ان يشقّ هذا القمر، فسأل الله ذلك فشقّه، فقال المشركون: ساحروا بصاحبكم من شئتم فقد سرى سحره من الارض الى السماء. فنزلت القصة في ذلك «١» .
وهذا من الآيات العظام والبراهين الكرام على صدقه ونبوته ﷺ.
فإن قيل: ومن أين لكم ان القمر قد انشقّ له كما ادّعيتم؟ أتعلمون ذلك ضرورة ام بدلالة؟ أو ليس النظام «٢» قد شك في هذا وقال: لو كان قد انشقّ لعلم بذلك اهل الغرب والشرق لمشاهدتهم له؟ وهذا شيء سيكون عند قيام الساعة ومن أشراط/ القيامة، فبأي شيء تردّون
_________________
(١) انزل الله في انشقاق القمر سورة القمر وأولها: اقتربت الساعة وانشق القمر. وان يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر.
(٢) هو ابراهيم بن سيار ابو اسحق النظام، احد أئمة المعتزلة المشهورين، انفرد باراء خاصة تابعه فيها فرقة من المعتزلة سميت النظامية. توفي سنة ٢٣٢ هـ. الاعلام ١: ٣٦.
[ ١ / ٥٥ ]
قوله وتبيّنون غلطه إن كان قد غلط؟ قيل له: ما نعلم ذلك ضرورة ولكن نعلمه بدلالة، فمن استدلّ عرف، ومن لم يستدلّ لم يعرف، ومن قصر عن الاستدلال والنظر غلط كما غلط ابراهيم النظّام.
فوجه الدلالة على ذلك ان رسول الله ﷺ قد احتج بذلك على المسلمين والمشركين وتلا هذا القول عليهم من سورة القمر: «اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ» .
ولم يكن ليقدم ويحتج على العدو والوليّ بما لا حاجة فيه، ويشير الى أمر ظاهر يشار اليه ويشاهده الناس، فلو أراد ان يكذّب ويردّ قوله ما زاد على هذا؛ هذا لا يقع من عاقل ولا يختاره محصل كائنا من كان، فكيف يقع ممن يدّعي النبوة والصدق وهو أشد حرصا بالناس كلهم على تصديقه واتباعه؟ فلو أراد ان يكذبوه ويردوا قوله ما زاد على هذا، وهذا لا يذهب على متأمل.
فإن قيل: فما تنكرون على من قال انه ﷺ، ما احتج بهذا على نبوته؟ قيل له: لا فرق [بين] «١» من ادّعى ذلك او ادّعى في جميع ما أتى به من القرآن وغيره انه ما احتج بشيء من ذلك على صدقه ونبوته.
ومما يزيدك علما بذلك ويبين لك غلط النظّام وجهل كل من ذبّ عن ذلك قوله ﵎: «اقتربت الساعة وانشق القمر. وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر» فانظر كيف قال: اقتربت الساعة، وأخبر عن امر قد كان ومضى، ثم قال على نسق الكلام:
_________________
(١) ما بين القوسين اضافة من عندي ليتصل الكلام.
[ ١ / ٥٦ ]
«وانشق القمر»، فجاء بأمر قد كان وانقضى ومضى فنسق على الماضي بالماضي، ولو كان على ما ظنّ النظّام لقال: اقتربت الساعة وانشقاق القمر، او كان/ يقول وسينشق القمر، فلما لم يقل ذلك وقال:
وانشقّ القمر، علمت انه اخبر عن شيئين واقعين قد وقعا وكانا وحصلا.
ثم قال على نسق الكلام: «وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر» فأخبر انها آية مرئية وحجة ثابتة. ثم قال على نسق الكلام: «ولقد جاءهم من الأنباء ما فيه مزدجر. حكمة بالغة فما تغني النّذر»، وهذا لا يقال فيما لم يقع ولم يكن. فتأمل هذا التقريع والتعنيف لتعلم انه امر قد كان، ولا يسوغ ان يقال في امر لم يكن، ولم يقع هذا القول.
وأيضا فإن ما يقع في القيامة وعند قيام الساعة لا يكون حجة على المكلفين، ولا يعنّفون في ترك النظر والتأمل له، فإن التكليف حينئذ زائل مرتفع.
فأما قول النظّام: فلم لا يشاهد هذه الآية كل الناس، فليس هذا بلازم، لأن الناس لم يكونوا من هذا على ميعاد وإنما هو شيء حدث ليلا وما كان عندهم خبر بأنه سيحدث وسيكون في وقت كذا فينظرونه، واذا كان كذلك فقد بطل ما ظنه. يزيدك بيانا ان القمر قد ينكسف كله فلا يرى ذلك من الناس إلا الواحد بعد الواحد والنفر اليسير لنومهم»
، فكيف بانشقاق القمر الذي انشق ثم التأم من ساعته بعد ان رآه اولئك القوم الذين طلبوه.
_________________
(١) وقد تقرأ: لتوهم.
[ ١ / ٥٧ ]
وأيضا فقد يجوز ان يحجبه الله ﷿ لمصالح العباد إلا عن أولئك القوم، لأنه قد يجوز ان يكون في بعض البلاد من المكذبين والمحتالين في تلك الساعة من لو رأى ذلك لقال: انما انشق شهادة لي على صدقي، ولا يكون ما ذكره النظّام قد جاء في ذلك من هذا الوجه ايضا، وبطل ما توهمه.
ومدار/ الأمر ان يكون هذا أمرا قد كان، وقد ذكرنا الدلالة على كونه فلا عذر لمن شك فيه.
ومن الدلالة ايضا ان ذلك قد كان، ان الصحابة بعد رسول الله ﷺ قد تذاكروه فما فيهم من شك ولا ارتاب ولا توقف، بل وقع إجماع منهم على كونه ووقوعه، فلا معتبر بمن جاء بعدهم ممن خالفهم.
وقد ذكر انشقاق القمر علي بن ابي طالب، وعبد الله بن مسعود، وجبير بن مطعم، وابن عمر، وابن عباس، وأنس بن مالك، وخطب الناس مدينة بن مالك بالمدائن وذكر فيه انشقاق القمر. وكانوا يقولون:
خمس قد مضين: الروم والقمر والدخان والبطشة واللزام «١»، يتذاكرون هذا بينهم رحمة الله عليهم. وقد ذكرنا ما في العقل من الحجة في ذلك، وهي تلزم كل عاقل بلغته الدعوة، سواء كان من المسلمين او من غيرهم،
_________________
(١) يقصد بالروم غلبة الفرس على الروم وما تنبأ به القرآن من غلبة الروم بعد ذلك في سورة الروم، والقمر حادثة انشقاق القمر الذي ورد في القرآن في سورة القمر، اما الدخان فما ورد حوله في سورة الدخان، وأما البطشة فيقصد بها وقعة بدر لقوله تعالى: «يوم نبطش البطشة الكبرى»، وأما اللزام فقد قيل ان المقصود بها بدر ايضا، وقد ذكر ذلك ابن الاثير في النهاية ٤: ٥٦.
[ ١ / ٥٨ ]
وفي ذلك أتم كفاية. ثم ذكرنا تذاكر الصحابة بذلك وهي دلالة اخرى، إذ لا يجوز ان يقول عاقل بحضرة جماعة، وقد أقبل على من يحدثه:
قد كنا في وقت كذا حتى حدث كذا وكذا- وهو يستشهد بالذي حدث بحضرتهم ويدعى عليهم وما عندهم علم- فيمسكون عن تكذيبه والردّ عليه. ثم ذكرنا الاجماع السابق من الصحابة ليتأكد ذلك على كل من كان من اهل الصلاة.
باب آخر [ما كان بمكة من غلبة الفرس على ارض الجزيرة ادنى ارض الروم]
مما كان بمكة. وهو ان الفرس غلبت الروم على أرض الجزيرة وهي أدنى ارض الروم وممالكها من سلطان فارس، فسرّ ذلك مشركي قريش لشدة فارس على الاسلام والمسلمين، وكانت الروم ألين كتفا على المسلمين لأنهم اهل كتاب، وكانوا يصغون/ الى ما يرد عليهم من أخبار رسول الله ﷺ وما يدعو اليه وما يأمر به وما ينهى عنه وكيف سيرته، ويتعجبون من ذلك ويستحسنونه، ويكون من ملكهم ما لعله يرد عليك. وساء المسلمين ظهور فارس عليهم، فأخبر الله نبيه ﷺ ان الروم ستظهر على فارس بعد سبع سنين، وان غمّ المسلمين سيعود فرحا، وأنزل بذلك قرآنا يتلى، فقال ﷿: «ألم. غلبت الروم في أدنى الارض وهم من بعد غلبهم سيغلبون. في بضع سنين. لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ينصر «١» من يشاء وهو
_________________
(١) في الاصل: ينصر الله، وهو خطأ
[ ١ / ٥٩ ]
العزيز الرحيم. وعد الله لا يخلف الله وعده ولكن أكثر الناس لا يعلمون. يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون» .
فلما نزلت هذه الآية تلاها رسول الله ﷺ على ابي بكر الصديق، وبشره وبشر المسلمين؛ فخرج ابو بكر الى المشركين وأخبرهم بذلك وتوعدهم وجادلهم وأغضبهم وأغاظهم. فقال أبيّ بن خلف: والله لا تغلب الروم اهل فارس ولا تخرجنهم من أرضهم. فقال ابو بكر: بل تغلبهم وتخرجهم، فإن شئت بايعتك، فبايعه على تسع من الإبل الى ثلاث سنين. ثم دخل ابو بكر على رسول الله ﷺ فأخبره الخبر، فقال له رسول الله ﷺ: انها سبع سنين فزده في الخطر «١» ومدّ في الأجل.
فرجع ابو بكر الى أبيّ بن خلف فاستقاله فأقاله، وقال: ان الذي يجيء به صاحبك باطل. فعاوده ابو بكر المبايعة وزاد في الأجل اربع سنين، وزاد في الخطر/ ثلاثا من الإبل، وأخذ أبي ابا بكر بكفيل، لأن ابا بكر على الهجرة مع رسول الله ﷺ، وقد كان يذكر هذا وقد بدأ في فرار المسلمين بأديانهم، فأقام له ابو بكر عبد الله ابنه كفيلا، وأخذ ابو بكر أبي بن خلف بذلك فأقام له ابنا كفيلا، فأخرجت الروم فارس من أرضها يوم الحديبية، فأخذ عبد الله بن ابي بكر من أبي بن خلف وكان الخطر إذ ذاك مباحا طلقا.
فانظر كم في هذا من دلالة وآية بينة، وأنه اخبر ان الروم ستغلب فارس، وأن ذلك سيكون بعد سبع سنين، فكان كما اخبر وعلى ما فصل
_________________
(١) تخاطر: تراهن، والخطر: السبق يتراهن عليه.
[ ١ / ٦٠ ]
وبيّن، والبضع فوق الثلاث ودون العشر، وانظر الى هذا الإقدام وهذه الثقة من رسول الله، وانظر الى قوله: «ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله»، يريد بهذا النصر ظهور حجة رسول الله ﷺ وما أقدم عليه أبو بكر وجاهد المشركين وبايع، فهذا المراد بالنصر لا بظهور الروم على فارس لأن ذلك معصية، وفارس والروم كفار والله لا ينصر الكفار بعضهم على بعض. وانظر الى هذا التقريع والتوبيخ وتأكيده الوعد بقوله:
«ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم.
وعد الله لا يخلف الله وعده ولكن أكثر الناس لا يعلمون» وانظر كيف يستخف بهم ويستجهلهم وهم يسمعون وهو معهم وفي قبضتهم وفي أيديهم والغلبة لهم، وانظر كيف يقول له في آخر السورة: «فاصبر إن وعد الله حق ولا يستخفنّك الذين لا يوقنون»، فتأمل هذا البيان/ وهذا الافصاح وهذه المكاشفة والاستظهار والعلوّ والاستطالة بالحجة والعلم بهذا، وانه قد كان على ما ذكرنا وبيّنا يجري مجرى العلم بقصة المهاجرين الى ارض الحبشة ونظائرها مما قدمنا في قصة الاسراء وغيرها، فاحفظه وارجع اليه.
وتأمل حال أبي بكر الصديق في الاسلام وإسلامه في اول الاسلام وفي حال ضعفه وقلة اهله وغلبة الشرك والمشركين عليهم، وفي الحال التي قد كان المستبصر فيها لا يظهر دينه ويخفي ما في نفسه، وانظر الى بصيرة هذا الرجل ومكاشفته واستبداله بالمسالمة عداوة وبالراحة شقوة وبالغنى فقرا وبالكرامة هوانا، كل ذلك للإسلام. ثم كان لسان المسلمين وأكبر داعية للرسول وأجلّ أعضاده وأنبه أعوانه، لم يقم مقامه احد من المسلمين ولا سدّ مسدّه ولا حلّ من رسول الله ﷺ محله. وانظر
[ ١ / ٦١ ]
الى مقامه في شأن الاسراء، وفي شأن الروم، وفي غير ذلك مما يطول شرحه. وانما احتجنا الى ذكر هذا والتنبيه عليه لأننا في زمان يقول الكثير من اهله انه ما أسلم قطّ وما زال عدوا لرسول الله ﷺ وللمسلمين، وأن عداوته كانت أشد وأضر من عداوة ابي جهل وعقبة ابن ابي معيط وأمثالهم، وأن القرآن كان ينزل على رسول الله ﷺ بإكفار أبي بكر وعمر وعثمان وسعد وسعيد وأبي عبيدة وعبد الرحمن «١» والجماعة من المهاجرين والأنصار، وكان رسول الله ﷺ يتلوه في المحاريب ويسمعه الناس/ كلهم ويحفظهم إياه، وأنه مكث نيفا وعشرين سنة يفعل ذلك. وعند العلماء والفقهاء وأهل التحصيل والانصاف، انه كان يتقدم المسلمين في الاسلام، وأنه كان أشدهم غنى، وأن امير المؤمنين عليّ بن ابي طالب ﵁ كان يقدمه ويقدم عمر على نفسه ويفضلهما على منابره وهما من الأموات، حتى يقول ابو القاسم البلخي «٢»:
ومن يفضل أمير المؤمنين لا يمكننا ان ندفع قوله، ألا ان خير هذه الأمة بعد نبيّها ابو بكر وعمر، ولا يدفع هذا من له بالعلم بصيرة أوله فيه نصيب ولكنه عندنا ما أراد نفسه، وقد كانت الشيعة الاولى تفضل
_________________
(١) سعد بن ابي وقاص الصحابي الجليل المتوفي سنة ٥٥ هـ. وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل العدوي، احد العشرة المبشرين بالجنة توفي بعد الخمسين من الهجرة، وأبو عبيدة عامر بن عبد الله الجراح، احد المبشرين بالجنة وفاتح الشام وامين توفي سنة ١٨ هـ. وعبد الرحمن بن عوف القرشي الزهري احد العشرة المبشرين بالجنة، لعب دورا كبيرا مع رجال الشورى بعد وفاة عمر حتى بايع لعثمان ﵁ بالخلافة توفي سنة ٣٢ هـ.
(٢) هو عبد الله بن احمد بن محمود، ابو القاسم البلخي او الكعبي، احد أئمة المعتزلة، له فرقة تنتسب اليه، وكان يفضل عليا ﵁. انظر تاريخ بغداد ٩: ٣٨٤، ووفيات الاعيان ١: ٢٥٢، والاعلام ٤: ١٨٩.
[ ١ / ٦٢ ]
أبا بكر وعمر عليه. قال: وقال قائل لشريك بن عبد الله «١»: أيهما أفضل؟ ابو بكر أم علي؟ فقال: ابو بكر، فقال له السائل: أتقول هذا وانت من الشيعة؟ فقال: نعم، إنما الشاعي من قال مثل هذا، والله لقد رقى امير المؤمنين هذه الأعواد فقال: ألا ان خير هذه الأمة بعد نبيّها ابو بكر وعمر، أفكنا نردّ قوله؟ أفكنا نكذبه؟ والله ما كان كذابا.
ذكر هذا ابو القاسم البلخي في النقض على ابن الراوندي إغراضه على ابي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ، في كتابه «في نظم القرآن وسلامته من الزيادة والنقصان» . وينبغي ان تعلم ان الذين وضعوا هذا انما قصدوا به رسول الله ﷺ وأهل بيته لشدة عداوتهم له وتستروا بالتشيع، وكان غيظهم على ابي بكر وعمر وعثمان وتلك الجماعة لأنهم هم الذين اشتملوا على رسول الله ﷺ في حياته ونصروه، ثم كانوا بعد وفاته أشد نصرة في دينه منهم في حياته، وأحدقوا بأبي بكر/ فغزاهم، وقتل مسيلمة، وأسر طليحة، ورد الردة، وغزا فارس والروم، وأذلّ أعداء رسول الله ﷺ بكل مكان. واستخلف عمر، فأزال ملك فارس وهو أشد الملوك وأدخل ملكه في الاسلام، وألحق ملوك الروم بجبال الروم وخلجانها وأخرجهم من الشام ومصر ومن الجزيرة وأدخل هذه الممالك في الاسلام، وقتل الشرك وأماته وأحيا الاسلام وبثّه ونشره وبسطه وبناه وشيّده وجعله عاليا على الأديان كلها وظاهرا على أمم الشرك جميعها. فغاظهم ذلك أشدّ الغيظ، ولم يمكنهم المكاشفة بشتم رسول الله ﷺ، فاشتفوا
_________________
(١) شريك بن عبد الله: هو شريك بن عبد الله بن الحارث النخعي، عالم بالحديث وفقية ولي القضاء للمنصور العباسي في الكوفة سنة ١٥٣ توفي سنة ١٧٧ هـ. تذكرة الحفاظ ١: ٢١٤، وفيات الاعيان ١: ٢٢٥.
[ ١ / ٦٣ ]
منه بشتم هؤلاء وغرّوا من لا يعرفهم وقالوا لهم: ما هذا القرآن بشيء، وهو مغيّر لا تقوم به حجة، والاسلام مبدّل، والفقهاء جهّال كفار، الى غير ذلك مما هذا سبيله وشرحه يطول، فاغترّوا بهم وقبلوا منهم وصدّوهم عن الاسلام فأوردوهم ما أصدروهم. وانت تجد كثيرا من ذلك في التفسير لأبي علي «١»، وفي نقضه الإمامة على ابن الراوندي، وفي غيرهما من كتبه، وفي كتب غيره من المعتزلة والله أعلم.
باب آخر [من اعلامه ﷺ انقضاض الكواكب بمكة]
فمن أعلامه التي حدثت وهو ﷺ بمكة، انقضاض الكواكب وامتلاء السماء بها من كل جانب على وجه انتقضت به العادة وخرج عن المعتاد. وهذه آية عظيمة، وبيّنة جليلة، وواضحة جسيمة.
وقد نطق القرآن بها فقال حاكيا عن الجن: «وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّماءَ/ فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا. وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهابًا رَصَدًا» «٢» .
فان قيل ومن أين لكم هذا وقد سبقكم زمانه ونحن لا نؤمن بكتابكم ولا نقرّ بنبيّكم؟ وخبرونا عن طريق معرفتكم بذلك هل هو ضرورة
_________________
(١) هو محمد بن عبد الوهاب الجبائي (٢٣٥- ٣٠٣ هـ) شيخ المعتزلة في عصره وإليه تنسب الجبائية. نسبته الى جبي من قرى البصرة، وتفسيره المذكور من اهم مؤلفاته، استفاد منه من بعده القاضي عبد الجبار والحاكم ابو السعد والزمخشري. وفيات الاعيان ١: ٤٨٠. دائرة المعارف الاسلامية ٦: ٢٧٠.
(٢) الجن ٨ وما بعدها.
[ ١ / ٦٤ ]
أم اكتساب؟ قيل له: العلم بذلك طريقه الاستدلال والاكتساب، ويتهيأ لكل عاقل من كافر ومؤمن ان يعرف ذلك ويجب عليه ان يعرف، وسبيله سهلة قريبة، فمن نظر واستدل عرف، ومن لم يستدل لم يعرف.
والدليل على ان ذلك قد كان، ان رسول الله ﷺ قد تلا هذه السورة واحتج بذلك على العدوّ والوليّ، فعلمنا انه أمر قد كان ووقع، فإن الحجة به قد قامت وظهرت وقهرت، لأنه لا يجوز ان يقصد عاقل الى قوم يدعوهم الى صدقه ونبوته ويحرص في أجابتهم الى طاعته والانقياد له ويريد منهم ذلك ثم يقول: من علامة نبوتي ودلائل رسالتي ان النجوم لم تكن تنقض وانها الآن قد انتقضت، وهو يعلم انهم يعلمون ان هذا أمر لا اصل له وأنه قد كذب فيما ادعى. هذا لا يقع من عاقل كائنا من كان، فكيف بمن يدعي النبوة، وعقله العقل المعروف الراجح الموصوف، ثم يقصد الى امر ظاهر مكشوف في السماء البارزة للخلق أجمعين المشاهدة للأولين والآخرين، سيما والعرب أعلم الناس بالكواكب والأنواء ومطالعها وسيرها، والثابت الراكد الذي/ لا يغيب منها. وقد كتب الناس عنهم علمهم بذلك، ودونوا منه شيئا كثيرا، وأكثرهم مأواه تحت السماء، هي تسقفهم، ورؤيتهم لها ولكواكبها امر دائم متصل لا يفتر، وقد سبقوا رسول الله ﷺ في السن والزمان والعلم بالكواكب، فكيف يقدم على قوم هذه سبيلهم فيدعي هذه الدعوى وهم من العداوة له والطلب لعثراته وزلاته، ولأمر ينفرون به اصحابه عنه على حال لا مزيد عليها؟ فأين كانوا عن هذا الكذب الظاهر الذي لا ينفع معه صدق يقدمه ولا صدق يكون بعده؟ ومن هذه سبيله لا يكون لها رئاسة، ولا يتبعه احد، ولا يكون له قدر. وقد يتبعه قوم عقلاء ألبّاء «١» فضلاء لأنه
_________________
(١) ألباء: جمع لبيب. انظر القاموس المحيط.
[ ١ / ٦٥ ]
نبي ولأنه صادق، وطاعة لله وتقربا الى الله، واستبدلوا باتباعه بالعز ذلا وبالراحة كدا ابتغاء مرضات الله، وتكلفوا في اجابته بتلك الشدائد التي قد قدمنا شرحها، فكيف اقاموا عليه وهو يكذب هذا الكذب الظاهر.
وهناك من اعدائه قريش والعرب واليهود والنصارى وكيدهم عظيم، كيف لم يوافقوا على هذا ويجمعوا الناس عليه؟ وكيف لم يقولوا لأصحابه وهم إخوانهم واولادهم ومنهم: يا هؤلاء، فارقتم أديانكم، وجهلتم اسلافكم، واكفرتم آباءكم وشهدتم عليهم بالفضيحة، طاعة لرجل فرض عليكم مجاهدة الأمم، وبذل دمائكم واموالكم في ذلك، وألزمكم التكاليف الشديدة من شريعته، وهو يكذب هذا الكذب الظاهر البارز للعقول/ والأبصار؟ وفي تركهم لذلك دليل على صحة هذه المعجزة.
وأعجب الامور انه يتلو عليهم قول الله جل وعز: «فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ «١»» اي لا يجدوا بك كذابا، ولا يجدون في قولك كذبا وإن حرصوا على ذلك واستفرغوا وسعهم، ولو قدروا ان يجدوا له عثرة او ذلة او ادنى شبهة لما واثبه قبل الناس كلهم إلا اصحابه، ولا قبله إلا خاصته وثقاته وبطانته.
فإن قيل: فلعلهم لم يفعلوا هذا به وإن وقفوا على كذبه لئلا يفضحوا أنفسهم ويشمتوا عدوهم، ولئلا يقول الناس لهم خدعتم فامسكوا لهذا.
قيل له: هذا لا يسأل عنه مميز، لأنه إن كان قد كذب فأقاموا عليه وقد عرفوا كذبه، فقد تعجلوا الفضيحة بإقامتهم عليه وأشمتوا بنفوسهم
_________________
(١) الانعام ٣٣
[ ١ / ٦٦ ]
الاعداء، [وخسروا الدنيا والآخرة «١»] .
وجواب آخر:
وهو ان هؤلاء الذين اتبعوا الاعلام التي كانت معه من القرآن وغيره وقد شهدوا على انفسهم وآبائهم بأنهم كانوا في ضلال وباطل وفضائح وما استنكفوا من الرجوع عن ذلك، فلو حسوا «٢» بأدنى شبهة فضلا عن كذب لبادروا ورجعوا وكان ذلك اروح لهم، وأخف عليهم، وأبين في عذرهم وقيام حجتهم، فان مراجعة الحق اولى من التمادي في الباطل.
وجواب آخر:
وهو انهم لو وقفوا على امر يرتاب به لسألوه عنه، وعنف بعضهم بعضا في الاقامة عليه وفي ترك قتله والبراءة منه، / ولأذاعوه وأظهروه وإن ضرهم وغمهم وساءهم، فان الجماعة الكبيرة لا يجوز ان تكتم ما قد عرفت وإن ساءهم وإن ضرّهم وإن ذهب برئاستهم وحطّ من اقدارهم. فأعرف هذا فانه اصل كبير. هذا فيما يقفون عليه خاصة، فكيف بأمر الشهب وهو شيء يعرفه الناس عامة من وليّ وعدوّ، فتعلم انها آية عظيمة وحجة ظاهرة.
وانظر كيف اوردها وأدلّ على العدوّ والولي واستطال بها فقال: «قل أوحي اليّ انه استمع نفر من الجن فقالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا، يهدي الى الرشد فامنا به ولن نشرك بربنا احدا. وأنه تعالى جدّ ربنا ما اتخذ صاحبة ولا ولدا. وأنه كان يقول سفيهنا على الله شططا، وأنا ظننا ان لن
_________________
(١) ما بين القوسين كتب قريبا من حاشية الورقة، فيحتمل ان تكون من الاصل او ان تكون من المعلق على الكتاب.
(٢) حسست الشيء: احسسته، وحسست به ايقنت به. انظر القاموس المحيط.
[ ١ / ٦٧ ]
تقول الانس والجن على الله كذبا. وأنه كان رجال من الانس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا. وأنهم ظنوّا كما ظننتم ان لن يبعث الله احدا.
وأنا لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرسا شديدا وشهبا. وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا. وأنا لا ندري اشرّ اريد بمن في الارض ام اراد بهم ربهم رشدا» فانظر كيف ذكر هولها وعظمتها وارتياع الجن والانس لحدوثها، وانهم لا يدرون لأي شيء حدثت وهل حدوث ذلك لعذاب اهل الارض بذنوبهم، ام لموعظتهم وإرشادهم.
وقد جاء مع هذا ايضا ان «١» الكواكب لما انتقضت اخذ الناس في الخروج من/ اموالهم، وقالوا: ما حدث هذا إلا لفناء الدنيا وانقضاء مدتها، فقال عبد نائلة بن عمر والثقفي «٢» لأهل ثقيف: أمهلوا فإن افادة المال بعد اتلافه تشق وتصعب، فانظروا الى الكوكب المنقضة، فإن كانت من الكواكب المعروفة المتقدمة فهو لفناء الدنيا، وإن كانت كواكب الآن حدثت والآن خلقت فهو لأمر. فحدثت إحدى الليالي، فنظروا فإذا هي كواكب الآن حدثت، فأمسكوا عن اموالهم وترقبوا ما يأتيهم من الاخبار، فاذا قد اتاهم ان رجلا من قريش بمكة قد زعم ان الله ارسله الى خلقه لينذرهم، فقالوا: لعل هذا الانقضاض شاهد لهذا المنذر، وتبركوا برأي هذا الرجل المشير وصار مفخرا له ولولده من بعده، حتى يقولوا لثقيف ابونا الذي حبس عليكم اموالكم.
_________________
(١) في الاصل: من، ولعل الصحيح ما اثبتناه.
(٢) انظر ما اورده ابن كثير في تفسير سورة الجن عن هذه الحادثة.
[ ١ / ٦٨ ]
فإن قيل: او ليس قد ذكر ان في شعر الشراء الأولين ذكرا لانقضاض الكواكب، وفي كتب العجم ذكر لذلك.
قيل له: إن ابا علي وابنه ابا هاشم «١» واصحابهما قالوا: ما ننكر ان يكون قد كان قبل مبعث النبي شيء من انقضاض الكواكب، ولكنا قد علمنا بالدليل الذي قدمنا انه قد حدث عند مبعث النبي شيء انتقضت به العادة، وامتلأت السماء به، فتلك الزيادة على الامر المعتاد هي الحجة؛ فصار ذلك بمنزلة الطوفان، فإن الماء قد كان قبل نوح ﵇ يزيد زيادات كثيرة معروفة معتادة، فلما جاء نوح صلى الله عليه زاد/ الماء زيادة انتقضت به العادة وخرج عن الأمر المعتاد، فكانت تلك الزيادة هي الآية وهي الحجة. فليس في شعر الشعراء ولا فيما وجد في كتب القدماء مطعن في هذه الدلالة، ولا تكذيب لهذا الخبر، وهذا جواب سديد شاف كاف، لأن النبي ﷺ انما احتج بامتلاء السماء بالشهب لا بالأمر المعتاد، هذا لا يفعله عاقل ولا يقع منه كائنا من كان، فكيف بمن يدعى الصدق والنبوة ويريد من الناس كلهم تصديقه واتباعه، فلا يجوز ان يحتج عليهم بأمر قد عرفوه قبل ان يخلق ويخلق آباؤه فيقول: هذا من آياتي ومن اجلي حدث وبسبب تصديقي خلق، فيكون بمنزلة من قال: من الدلالة على نبوتي ان الشمس ما كانت تطلع عليكم وانها الآن قد صارت تطلع.
فأما ابو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ ﵀، فانه يذكر في كتاب «الحيوان» انقضاض الكواكب، وذكر ما فيه من الآية والحجة في النبوة،
_________________
(١) ابو هاشم الجبائي هو عبد السلام بن محمد بن عبد الوهاب الجبائي «٢٤٧- ٣٢١ هـ» من كبار رجال المعتزلة له طائفة تنتسب اليه تسمى بالبهشمية، ويعتبر القاضي عبد الجبار من تلاميذه ورجال مدرسته. وفيات الاعيان ١: ٢٩٢ وتاريخ بغداد ١١: ٥٥.
[ ١ / ٦٩ ]
وذكر الشعر الذي ذكر في هذا المعنى لهؤلاء الشعراء، فقال هو وابراهيم النظّام وغيرهما: إنه ليس في هذا الشعر امر بيّن قد اراد به صاحبه انقضاض الكواكب ولكنه امر محتمل. وذكروا في بعض هذا الشعر أنه مولد وقد قيل في الاسلام، قاله بعض الزنادقة ونسبه الى الأوائل، وذكروا في بعضه ان قائله وان كان كافرا جاهليا فقد ادرك المبعث وأوائل المبعث؛ فأبطلوا ان يكون في هذا متعلق/ او يحتاج فيه الى جواب.
واستبعد ابو عثمان ان يكون هذا امر قد كان ظاهرا قبل الاسلام، قال:
وإلا فأين كان القدماء من الشعراء، كامرىء القيس ومن تقدمه، وكنانة وزهير «١» وشعراء القبائل القديمة، كيف لم يذكروا هذا في اشعارهم وهو أمر بارز لأبصارهم؟ وهم قد شهوا بالحيات والعقارب والجعلان والخنافس والبراغيث وبالقمل وبكل شخص وبكل ما دب ودرج؟ وليس ببعيد ما قاله. فأما جواب أبي علي واصحابه: فما نبالي ولو كان الشعر ملء الدنيا للأوائل، فما له في هذا تأثير.
قال ابو عثمان: وأما ما يدّعى من ذكر الشهب في كتب العجم الاوائل فهو امر لا سبيل الى العلم به لأنها منقولة في الاسلام، وانما نقلها الواحد بعد الواحد من أعداء الاسلام، ومن هو اشد الناس حرصا على تكذيب النبي ﷺ وتشكيك المسلمين، فهو لو كان عدلا مسلما ما علم ذلك بخبره، فكيف وحاله ما وصفنا؟.
وبعد فمن اين لنا انه عليم باللغتين ويقصد واضعي الكتب حتى يوثق بنقله وبأخباره؟ وهو كما قال ابو عثمان، فإن هذه الكتب التي وضعت في الاسلام،
_________________
(١) يقصد زهير بن ابي سلمى.
[ ١ / ٧٠ ]
ونسب بعضها الى الهند، وبعضها الى الروم، وبعضها الى اليونانية، وبعضها الى القبط، وبعضها الى النبط، وبعضها الى الفرس، فانما وضعها الواحد بعد الواحد، وزعم انه وجده لأهل تلك اللغة، وزعم انه عالم بتلك اللغة فنقله، فهو امر لا يقع به علم وليس معنا اكثر من دعوى هذا الواضع، فبمقدار ما يكتبه ويترجمه ويلقيه الى الورّقين فيدور/ في ايدي الناس فيقول من لا علم له ولا عادة له بمجالسة المعتزلة ومن اخذ عنهم ومن لا سبيل له الى طرق اهل العلم: هذا من كتب الأوائل؛ فاعرف هذا، فانه باب كبير وكل احد أمس الحاجة اليه فان الجهل وترك التأمل غالب على الناس، وأعداء الاسلام كثير، وهم بينهم، يكيدونهم بأنواع الكيد من حيث لا يشعرون.
فمن ذلك خطب ورسائل ووصايا وحكم وضعت في ايام بني العباس ونسبت الى أمم العجم، لا سبيل الى العلم بما ادعوا واضعوها من أنهم وجدوها للأوائل، وانما كان غرضه شغل الناس عن القرآن وعن عهود رسول الله ﷺ ووصايا السلف بعده، ولعله انما اخذ ذلك وحصّل معانيه من القرآن ومن حديث رسول الله ﷺ، وغيّر اللفظ ونسبه الى أمم العجم والعلماء. وأهل التحصيل يتهمون عبد الله بن المقفع فيما وضعه من «كليلة ودمنة» وكتاب «اليتيمة»، وما زعم انه وجده للفرس، فقالوا: ما معنا في هذا اكثر من الدعوى، وهو رجل بليغ اللسان بليغ العلم، فارسي الأصل، قد جرى من المجوسية على عرق، فقد كان فيها طويلا، وهو كثير الرواية لآداب العرب وعلومها، متعصب لقومه، قد أسلم بعد الكبر، وكان متهما في دينه.
[ ١ / ٧١ ]
وهكذا قالوا في أبان بن عبد الحميد اللاحقي «١» . وقد وضع سهل بن هارون بن رهبونة «٢» الكاتب الفارسي صاحب المأمون، كتاب «ثغرة وثعلة»، يعارضه به كتاب «كليلة ودمنة»، وجعله على ألسن الطير والبهائم، وذكر فيه حكم العرب كما صنع ابن المقفع «٣» في كليلة ودمنة عن هذا/ الذي سماه برزوي الطبيب، فقدمه في صدر الكتاب كأنه ما أراد إلا تشكيك أهل الديانات وأتباع الأنبياء صلى الله عليهم في اديانهم. وقد دار في أيدى قوم من المنجمين كتاب زعموا انهم وجدوه لجابان منجّم كسرى ملك فارس، وقد أخبر فيه بزعمهم أن نبوّة تحدث في العرب يكون مدة صاحبها كذا وكذا سنة. فذكر ايام رسول الله ﷺ، ثم ايام ابي بكر الصديق، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي ﵃، ولم يذكر اسماءهم، وفصل من أحوالهم وسيرهم وأعمالهم شيئا كثيرا. فافتتن به المنجمون حتى ظنوا ان «٤» صنعتهم حق، وأنها تؤدي الى علم، وفتنوا بذلك خلقا كثيرا مما لا يدري من الامراء والوزراء وطبقات الكتاب، وجعلوا ذلك شاهدا لصنعة النجوم ونفقوها، فجرى ذلك بحضرة رجل من علماء المعتزلة فقال للمنجم الذي احتج بذلك في صحة صنعة النجوم وهو إسحق بن فليت اليهودي احد
_________________
(١) هو ابان بن عبد الحميد بن لاحق، شاعر مكة، اتصل بالبرامكة ومدحهم ونظم لهم كليلة ودمنة شعرا وكتبا اخرى فارسية، توفي سنة ٢٠٠ هـ. دائرة المعارف الاسلامية ١: ١٦ والاعلام ١: ٢٠.
(٢) كاتب بليغ فارسي الاصل، ومن واضعي القصص، ولاه المأمون رئاسة خزانة الحكمة، وكان شعوبيا يتعصب للعرب على العجم. معجم الأدباء ٤: ٢٥٨، فوات الوفيات ١: ١٨١.
(٣) كتب المعلق في حاشية الكتاب العبارة التالية: «في نسه ذلك الى المفيد وقد قال الناس ان الذي حكاه عن هذا الرجل الذي سماه» .
(٤) في الاصل: انهم، ولعل الصواب ما اثبتناه.
[ ١ / ٧٢ ]
رؤساء المنجمين في زمانه ببغداد، وكان يتقدم عند كثير منهم على رؤساء منجمي زمانه ومن كان في عصره كابن زكريا «١» النوبختي، وكابن فرخان شاه النصراني «٢» وغلام زحل «٣»: من اين لك يا أبا الطيب ان هذا الكتاب وضعه جانان لكسرى؟ فقال هذا مشهور دائر بين المنجمين لا يشكون فيه، فقال له: عن هذا وصحته سألتك، هل هو اكثر من انك وجدت كتابا مكتوبا منسوبا الى جانان منجم كسرى؟ من اين ان هذا كما كتبه هذا الكاتب وأخبر به هذا المخبر وما معنا وما معكم اكثر من الدعوى؟ وانما هذا رجل وجد كتابه في الاسلام/ وفي ايام بني العباس وفي زمان الديلم منها، وادعى فيه انه قديم وجده فارسيا فنقله، وانما وضعه بعد ان مضت ايام رسول الله ﷺ وأيام خلفائه وايام بني امية والصدر الكبير من بني العباس وعرف ذلك وتيقّنه، فوضع الكتاب بعد ذلك، وحذف اسماء القوم ليظن انه قد وضعه قبل ان يخلقهم الله، فيدعي من يقرأ كتابه ممن لا علم له له الصدق والحذق، ولصنعة النجوم الصحة. وإلا فأرنا إن كان قد اخبر فيه عمّن يأتي من الخلفاء او غيرهم، او ذكر ايامهم واعمارهم على التحقيق كما ذكرها عمن تقدم، حتى يكون لك في ذلك شبهة، فتحير ابن فليت من هذا بعد الخطاب الطويل، ولان بعد شدته، وسكن بعد نزوته، وقال: لعل الأمر ان يكون كما قلت، فقال له المعتزلي: ما اسرع ما رجعت عن تلك الدعاوى، فقال: انا اخبرك، قد قرأت اربع نسخ من
_________________
(١) في الاصل ابن كريا، ولعله ابن زكريا النوبختي.
(٢) ابن فرخان شاه النصراني: هو ابن نضير بن فرخانشاه المنجم الاعجمي المتوفي سنة ٣٦٧. القفطي ٣٥٦.
(٣) هو عبيد الله بن الحسين ابو القاسم المعروف بغلام زحل، قال القفطي من افاضل الحساب والمنجمين، توفي سنة ٣٧٦. تاريخ الحكماء ٢٢٥، الفهرست ٣٩٥.
[ ١ / ٧٣ ]
هذا الكتاب المنسوب الى هذا الرجل، وكلها مختلفة، وقد ذكر فيها ان البيت يسقط حجّه وتعظيمه، وانا اتوقع كل سنة واسأل عن الحاجّ فاذا هو لا ينقطع حجّه. ولم يكن بنا قول ابن فليت ولا استدلاله فانه ليس بشيء قوي، ويمكن الخصم ان يدّعي ان ذا سيكون، او يشغب بغير هذا، ولكن الذي ذكره واضع الكتاب ليس في صنعة النجوم شيء منه ومن الاصابة على طريق التفصيل، وانما تتفق لهم الإصابات عن غير علم كما تتفق للعّابين الخاتم والزوج والفرد، وللمتفائلين/ برؤية الثعلب، وللمتطيرين بالغراب والبوم، وما يتفق لهؤلاء من الاصابة اكثر واحسن واسرع لحذاق منجمي الملوك، وهذا يكفيك في بطلان صنعة النجوم، ولم نكن في الرد عليهم، ولكن عرض هذا فذكرناه، وستجد في الرد عليهم اكثر من هذا.
ولكن ذكر الكتاب المنسوب الى جانان وامثاله، يضعه أعداء الأنبياء ليشكوا في اخبارهم، وليجعلوا صوابهم جاريا مجرى إصابة المنجمين، ولينفقوا صنعة النجوم، وليرغبوا الناس في الفزع اليهم وفي التعويل عليهم ويستأكلوهم، ولتتم حيلتهم عليهم وهذا الجنس يسميه المنجمون الهاذور، وانت تجد هذا كثيرا، فيقولون: قال ما شاء الله ابن أبري اليهودي «١» في القرانات كذا وكذا وقد صح، وقال الحسن بن سهل والفضل للمأمون «٢»: كذا وكذا قبل
_________________
(١) واسمه ميشا بن ابري المنجم اليهودي المشهور، عاش زمن المنصور وبقي حتى ايام المأمون. قال القفطي: وكان فاضلا اوحد زمانه في الاخبار بأمور الحدثان وكان له خطر قوي في سهم الغيب ومن مؤلفاته كتاب القرانات. تاريخ الحكماء للقفطي ٣٢٧
(٢) هما اخوان من اصل مجوسي، اسلما واشتهرا بالذكاء والادب والفصاحة، ووزرا للخليفة المأمون العباسي، وكان الفضل يلقب بذي الرياستين.
[ ١ / ٧٤ ]
أن يكون فكان كذلك.
وربما وقع لبعض المؤرخين والاخباريين ممن لا علم له بصنعة الكلام مثل هذه الكتب والاخبار فيذكرها ويضمنها كتبه، فيقرؤها من لا علم له ولا سأل العلماء عنها فيتحير ويضل. وقد صنع الناس في الاسلام مثل هذا، فقصدوا الى امور قد كانت ووقعت فعملوا فيها اشعارا ونسبوها الى قوم قد تقدموا وادعوا انهم قد عرفوها قبل ان تكون، كما صنعوا في قصيدة نسبوها الى رجل يقال له ابن ابي العقب ذكر فيها دولة بني العباس وكيف ابتداؤها، وذكر جماعة من خلفائهم واين ماتوا واين قبورهم، وادعوا انه اخذ هذا عن الأئمة وعن الاوصياء، وهو امر لا اصل له وكذب لا يشك/ فيه، وانما سبيله ما ذكرنا، فاعرف ذلك فانه باب كبير، والمخرق به والمشاكل به كثير، وللجهل به ضلت طوائف من هذه الأمة ممن خالف المعتزلة من طوائف الشيع وغيرهم.
وهذه سبيل الكتب المنسوبة الى اليونانية كأفلاطن وأرسطاطالس وغيرهم، فانها نقلت في الاسلام، وناقلوها ومدرسوها انما هم الواحد بعد الواحد الذين لا يعلم بأخبار جماعتهم شيء، وهم مع هذا أعداء رسول الله ﷺ وأشد الناس حرصا على التشكيك في الاسلام وصدّ اهله عنه، وهم يتسترون بالنصرانية والنصارى لا يرضونهم، ويشهدون عليهم بالالحاد وتعطيل الشرائع والطعن في الربوبية وفي جميع النبوات، وقد حرموهم ونهوا عنهم، كقسطا
[ ١ / ٧٥ ]
ابن اقا «١»، وحنين بن اسحق وابنه اسحق «٢»، وقويرى «٣»، ومتى بن يونس «٤»، ويحيى بن عدي «٥»، وهؤلاء مع قلتهم ما جمعهم زمان واحد.
وكان يوحنا القس «٦» مدرس أقليدس والمجسطي وغيره يقول: قد حذف الذين نقلوا كتب هؤلاء كثيرا من ضلالهم وفاحش غلطهم عصبية لهم وابقاء عليهم، واعاروهم واعطوهم ما ليس لهم من معاني الاسلاميين وبيانهم، والعدو اذا كان متدينا لم يؤمن حنقه، فكيف بمن لا يعتقد معادا، ولا يرجو حسابا، ولا يخاف عقابا.
ثم عدت الى ما كتب عليه من ذكر الشهب.
وقد تصفح العلماء الكتاب المعروف بالعلوي»
المنسوب الى ارسطالس
_________________
(١) هو فيلسوف شامي نصراني، اشتهر بالترجمة من اليونانية الى العربية، وبرع في علوم كثيرة. عاصر يعقوب بن اسحق الكندي. انظر تفصيل كتبه في الفهرست ٤١١، والقفطي ٢٦٢.
(٢) انظر ترجمة حنين بن اسحق وابن اسحق في هامش ص ٥٣.
(٣) واسمه ابراهيم قويري ويكنى ابا اسحق، ممن اخذ عنه علم المنطق، وعليه قرأ ابو بشر متى بن يونس. الفهرست ٣٦٧، وطبقات الأطباء ٧٧.
(٤) ابو بشر متى بن يونس النصراني المنطقي. قال القفطي: وكان ببغداد في خلافة الراضى بعد سنة عشرين وثلاثمائة وقبل سنة ثلاثين وله مناظرة جرت بينه وبين ابن سعيد السيرافي النحوي. القفطي ٣٢٣.
(٥) هو ابو زكريا يحيى بن عدي بن حميد بن زكريا المنطقي، قال ابن النديم: واليه انتهت رياسة اصحابه في زماننا. قرأ على ابي بشر متى وعلى ابي نصر الفارابي وعلى جماعة مذهبه من مذاهب النصارى اليعقوبية. الفهرست ٣٦٩.
(٦) يقصد يوحنا بن ماسويه، كان نصرانيا شماسا سريانيا في ايام الخليفة هرون الرشيد، وقد ولاه ترجمة الكتب الطبية القديمة، وله في تاريخ الحكماء للقفطي ترجمة طويلة. انظر القفطي ٣٨٠.
(٧) يقصد كتاب الآثار العلوية لأرسطو، نقله الى العربية ابو بشر متى. الفهرست لابن النديم ٣٥١
[ ١ / ٧٦ ]
فإنه نقله بعض هؤلاء لبعض الخلفاء من بني العباس ليتحفه به، فما وجدوا فيه ذكرا مصرحا لانقضاض الكواكب، وإنما هو قول محتمل يتأوله بعضهم ويدعى انه أراد به ذلك، وهو بأنه شيء يثور من الارض ويرقى الى الجو/ أشبه.
وقد كان هرون الرشيد ضغط الروم وحاصرهم في بلادهم واذلهم الى ان اجابوا الى اداء الجزية واتقوه بها فأخذها منهم، وكتب اليهم كتابا بيّن لهم توحيد الله وانفراده بالقدم وصدق نبيّه ﷺ، وذكر فيه قطعة كافية حسنة من اعلام النبوة وأنفذه الى ملك الروم مع رجل من المعتزلة إما معمّر او غيره، والكتاب إنشاء ابي الربيع محمد بن الليث الكاتب القرشي «١»، وهو موجود في رسائل تاج الاصفهاني «٢» لا اشك، وقد حدثني بعض اهل العلم انه مذكور في «المنثور والمنظوم» لابن ابي طاهر «٣» . وقد ذكر في هذا الكتاب آية الشهب وانقضاض الكواكب واستوفى الحجة فيها، ولم ينفذ هذا الكتاب الى ملك الروم إلا بعد تصفح كتب الاعاجم واستقصاء كل ما يمكن
_________________
(١) هذا ابو الربيع محمد بن الليث الخطيب، كتب ليحيى بن خالد، وله ولاء ببني امية، وكان بليغا مترسلا كاتبا فقيها متكلما، ذكر له صاحب الفهرست كتاب «جواب قسطنطين عن الرشيد» ولعله هو المقصود هنا. إلا ان صاحب الفهرست يضيف رواية تشير الى ان نسبه يتصل بدارا، احد ملوك الفرس، بعد ان ذكر انه كان شديد الميل على العجم وأن البرامكة كانوا يكرهونه لذلك. ابن النديم ١٧٥.
(٢) هو محمد بن بحر ابو مسلم الاصفهاني، معتزلي ومن كتاب الكتاب. كان عالما بالتفسير وغيره من صفوف العلم توفي سنة ٣٢٢. ذكر له ياقوت في معجم الادباء كتابا باسم «مجموعة الرسائل» لعله هو المقصود هنا. «٢٨٠ هـ.» معجم الادباء ٦: ٤٢٠
(٣) هو احمد بن طيفور الخراساني مؤرخ وأديب، له كتاب تاريخ بغداد، وأما كتاب المنثور والمنظوم فيقع في اربعة عشر جزآ. ياقوت ١: ١٥٦.
[ ١ / ٧٧ ]
ان يقال، لتعلم صحة هذه الآية وخوض العلماء فيها قديما.
وقد قال ابو علي ﵀ واصحابه كما قد ذكرنا عنهم ما لا يضرنا ولو ذكر الاوائل كلهم الحجة في الزيادة الناقضة للعادة وامتلأ السماء به عند مبعثه.
وقد جاء في الاثر ان كوكبا انقض فقال النبي ﷺ: ما كنتم تقولون في هذا في الجاهلية «١»؟ فقال اصحاب ابي علي لأصحاب ابي عثمان «٢»: هذا يدل على انه قد كان لانقضاض الكواكب اثر ثم زاد في المبعث زيادة انتقضت العادة به، فقال اصحاب ابي عثمان: إنما اراد النبي ﷺ بقوله لهم: ما كنتم تقولون في ذلك في الجاهلية، يريد قبل اسلامهم وقبل تصديقهم له. وعلى كلا القولين فالآية ثابتة والحجة قائمة، وليس/ في هذا خلاف في كونها ووقوعها.
وأما ارسطالس هذا فلا معول على ما يقوله، وإن كان اصحابه قد صدقوا عليه فهو غير كامل العقل، لأنهم حكوا عنه ان هذه الاجسام العلوية من الشمس والقمر والكواكب لا يجوز ان تنقسم ولا تتجزأ ولا تتبعض، وان الشمس ليست حارة ومحال ان تكون حارة، وان هذه الاجسام محال ان تكون حارة او باردة، او رطبة او يابسة، او ثقيلة او خفيفة، او لينة او خشنة، ومحال ان تكون هذه الكواكب اكثر مما هي بكوكب واحد، او ينقص منها كوكب واحد، ومحال ان تكون الشمس اكثر مما هي او اقل، ومحال ان يكون لها لون او ريح او طعم.
_________________
(١) انظر لما ورد في انقضاض الكواكب من آثار تفسير ابن كثير ٤: ١٩٢ و٤٢٩.
(٢) يقصد اصحاب ابي علي الجبائي وأبي عثمان الجاحظ.
[ ١ / ٧٨ ]
وهذا الذي احاله هذا الرجل جوازه قائم في العقل، يعلمه كل عاقل من عالم وجاهل، ونظار وغير نظار، فإن كان عاقلا وبلغ به المحل واللجاج الى أن ركب هذه المجاحدة والمكابرة فيما هو في فطر العقول كلها وفي اوائلها، فمن يعده او يعتد بقوله او يذكره فيمن يرد عليه ويتتبع عوراته وهو عورة كله من اوله الى آخره؟ ولو لم يكن له من الجهل والخروج من العقل إلا هذا لكفاه وأغناه، بل لو قسمت هذه الجهالة على جميع اهل الارض، من اولهم الى آخرهم لحطت منازلهم، واسقطت اقدارهم، حتى لا يعدوا فيمن ينقض عليه ويرد قوله. كيف، وله من الجهالات المستخفة المسقطة غير هذا مما إن طلبته وجدته ووقفت عليه.
ومن جهله انه اعتقد ان السماء والشمس والقمر والكواكب، عاقله مميزة سميعة بصيرة ضارة نافعة تحيي وتميت/، وان كل حادثة في هذا العالم من فعلها وتأثيرها. والعلم بأن السماء والشمس والقمر والنجوم جمادات وموات كالعلم بأن شعاع الشمس وشعاع القمر وضوء الكواكب والبرق والغيم والريح والمطر والبحر والماء والهواء والارض والنار جماد موات، ولا فرق بين من ادعى في الارض والنار والماء والهواء والنبات ذلك او ادعاه في الكواكب، بل كانت دعواه في الطعام والشراب والهواء واشباه ذلك انها حية قادرة نافعة ضارة تحيي وتميت اجدر وأدخل في الشغب ممن ادعى ذلك في الشمس والقمر والسماء والكواكب، فيقول: وجدت الهواء حيث كان جاز ان يكون معه الحيوان، وحيث لا يكون لا يكاد يوجد حيوان، وإذا ركد مرض الأصحاء ونهك المرضى وتعفن عنده الثمار والطعام والنبات، فعلمت انه حيّ سميع بصير قادر يحيي ويميت.
ثم يصير الى الماء فيقول: عند وجوده يوجد الحيوان والنبات وعند عدمه
[ ١ / ٧٩ ]
يتلف الحيوان والنبات، فعلمت انه حي ناطق سميع بصير نافع ضارّ.
ثم يصير الى الارض ومرافقها فيذكر منها مثل ذلك، لما فيها من النبات والمعادن.
وكذلك في النار قال: ألا ترى انها تعقد شيئا كالبيض وما أشبهه، وتحل شيئا كالنحاس والرصاص والذهب والفضة وما أشبه ذلك، وتبيض شيئا وتسود شيئا، فعلمت ان هذه الأشياء كلها حية ناطقة سميعة بصيرة فعالة.
وهذا قول ماني، حتى قال في اجسام العالم كلها وفي كل جزء منها، حتى قال ذلك في الحديد والحجارة والحطب. والمنانية تقول في الاصوات التي تسمع عند قلي السمسم والباذنجان واصوات/ غليان القدور واصوات الحطب عند التشقيق، هذا كله صراخ وضجيج منها، لما تجره من الآلام.
والمنانية تزعم ان الفلاسفة عنها اخذت هذه المذاهب، وانما ذكرت لك بهذا المكان لتعرف مقدار عقول الزنادقة والملحدة، ولولا فتنة قوم من الرؤساء والكتاب والوزراء بهم لما ذكرناهم، ولكن هؤلاء لغافلتهم وسوء تمييزهم قد اغتروا بهم لما ذكرناهم. وصارت هذه الباطنية تدعو اليهم، وتضع الروايات الكاذبة عن اهل البيت فيهم، فوجب ان نذكرهم بما فيهم ويصدق عليهم، ليعرفهم الناس.
وباب آخر [دعوة رسول الله على مضر وإمساك القطر عنهم]
ومن آياته ﷺ، انهم لما كذبوه وآذوه في نفسه واصحابه دعا عليهم فقال: اللهم اشدد وطأتك على مضر، وابعث عليهم سنيّ كسنيّ يوسف ﷺ،
[ ١ / ٨٠ ]
فأمسك عنهم القطر حتى جفّ النبات والشجر وماتت الماشية، وحتى اشتووا القد «١» وأكلوا العلهر «٢»، وتفرقوا في البلاد لشدة الحال. فوفد حاجب ابن زرّارة الى كسرى فشكا اليه ما نالهم، وسأله ان يأذن له في الرعي بالسواد ورهنه قوسه، وهي قصة معروفة نزل بها القرآن وجرى فيها الخوض، وهو قوله ﷿: «فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ، يَغْشَى النَّاسَ هذا عَذابٌ أَلِيمٌ «٣»» . والدخان الجدب «٤»، ثم سمي دخانا لأن الغبار يرتفع في عام الجدب فيكون كأنه دخان، ولذلك سميت سنة الجدب غبراء لارتفاع الغبار فيها، وهذا شيء قد كان ومضى، ولا يجوز ان يكون هذا مما لم يأت، لأنه ﷿ يقول: «يَغْشَى النَّاسَ هذا عَذابٌ أَلِيمٌ «٥»» . ثم ورد على نسق/ «إِنَّا كاشِفُوا الْعَذابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عائِدُونَ، يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ» يعني يوم بدر، وهذا كله يدل على ان الدخان قد انقضى ومضى، وانه بدعائه، لأن العذاب في الآخرة لا يجوز ان ينكشف ولا يخف. وقد قال في هذا: «إِنَّا كاشِفُوا الْعَذابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عائِدُونَ» والعود الى المعاصي في الآخرة لا يقع ايضا. وكان انكشاف العذاب عنهم بدعائه ايضا، فأتاهم الغيث وكثر، ثم عادوا الى طغيانهم.
_________________
(١) القدّ في الاصل هو القطع المستأصل او المستطيل او الشق طولا، ويطلق على جلد النحلة. انظر القاموس المحيط.
(٢) في حاشية الكتاب ان العلهر هو الدم يخلط بالوبر.
(٣) الدخان ١٥ وما بعدها
(٤) في الحاشية: الدخان، الجدب
(٥) الدخان ١٥ وما بعدها
[ ١ / ٨١ ]
قال اصحاب عبد الله بن مسعود «١»: كنا عند عبد الله جلوسا وهو مضطجع بيننا، فأتى رجل فقال: يا أبا عبد الرحمن إن قاصّا عند ابواب كندة- يعني الكوفة- يقصّ، يزعم ان آية الدخان تجيء فتأخذ بأنفاس الكفار، ويأخذ المؤمنين منه كهيئة الزكام. فقال عبد الله: - وجلس وهو غضبان- ايها الناس اتقوا الله، ومن علم شيئا فليقل بما يعلم، ومن لا يعلم فليقل الله أعلم، فإن الله قال لنبيه ﷺ: (قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ) «٢» . إن النبي ﷺ لما رأى من الناس إدبارا قال:
اللهم سبعا كسنيّ يوسف صلى الله عليه، فأخذتهم سنة حصدت كل شيء حتى اكلوا الجلود المنتنة والجيف، وينظر احدهم الى السماء فيرى دخانا من الجوع؛ فأثاه ابو سفيان بن حرب، فقال: يا محمد إنك حيث تأمر بالطاعة وبصلة الرحم، وإن قومك قد هلكوا فادع الله لهم. قال ابن مسعود:
فكانت الدخان سنين كسنيّ يوسف ﵇ فكشف عنهم، اما ترونه قال: (إِنَّا كاشِفُوا الْعَذابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عائِدُونَ) بعد ان قال له: فارتقب فارتقب ﷺ ووقع، ثم دعا فكشف. والبطشة/ الكبرى يوم بدر. وقد مضت آية الروم وآية الدخان والبطشة واللزام.
باب
ومن آياته بمكة، أنه ﷺ لما جمعهم ووعظهم ودعاهم الى اتباعه ومفارقة ما هم عليه من ديانات آبائهم ردّوا قوله، ومشى بعضهم الى بعض وقالوا:
_________________
(١) اسلم بن مسعود قديما وهاجر الهجرتين وشهد بدرا والمشاهد كلها، ولازم النبي ﷺ. وحدث عنه الكثير، ثم شهد فتوح الشام، عينه عثمان على الكوفة ثم عزله، توفي سنة ٣٢ هـ. الاصابة ٢: ٣٦٠
(٢) سورة ص ٨٦
[ ١ / ٨٢ ]
(امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ، أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهًا واحِدًا؟) «١» وتوعدوه بكثرتهم وعزهم وأموالهم، ووثقوا بذلك، وغرهم ما رأوا من ضعف رسول الله ﷺ ووحدته وتوعدهم رسول الله وهو في تلك الحال، فأنزل الله (جُنْدٌ ما هُنالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزابِ) فكان كما أخبر وكانت العقبى له.
فتأمل الامر في ذلك تجده عظيما لأنه توعدهم بالحرب قبل الحرب وقبل الجماعة وفي حال الضعف، وهو معهم وفي أسرهم وفي قبضتهم، فبعثهم على قتله واستئصاله، وهيّجهم على بذل المجهود واستفراغ الوسع في مكارهه، وهذا لا يقع من عاقل إلا ان يكون واثقا بالله، ساكنا الى تنزيله ووحيه.
واذا وفّيت النظر حقه لم تجد لرسول الله ﷺ في اخوانه من النبّيين والمرسلين صلوات الله عليهم اجمعين نظيرا في الضعف والوحدة، ومن خالف قومه تلك المخالفة وهاجهم وأسخطهم ذلك الاسخاط، واخبرهم بما سيكون من قوته وغلبة الجبابرة من الأمم قبل ان يكون ذلك او يكون له امارة تقتضى، فصارت الامور في القوة والظهور الى ما قال، فابتدأ ابتداء الشمس وامتدّ امتداد النهار.
باب [ما كان بمكة حين بكى الرسول عليهم قوله تعالى: اقتربت الساعة]
مما كان بمكة، حين تلا عليهم سورة «اقتربت الساعة» وقص عليهم أمة أمة من الذين كذبوا الرسل، وما نزل بهم من النكال والبوار، الى ان انتهى الى قوله: (أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَراءَةٌ فِي الزُّبُرِ أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ
_________________
(١) سورة ص ٦
[ ١ / ٨٣ ]
جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ. سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ «١» فكان إدلالهم بكثرتهم وكثرة من يساعدهم على عداوته ومحاربته، وانه ان صارت له جماعة فجموعهم أكثر، والأموال والسلاح والكراع والعدة معهم لا معه، فكان ظاهر الرأي ومقتضى الحزم ان يكون لهم لا له، إلا ان يكون من الله ﷿ مالك القلوب وناقض العادات لأنبيائه، فكان كما قال، وكانت العقبى له.
باب آخر [ما نزل بمكة من قوله تعالى «فاستمسك الذي اوحى اليك »]
مما نزل بمكة قوله: «فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ، وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ» «٢» أي شرف ونبل وجلالة، فهو عز ومعجز. ثم قال: «وسوف تسألون» أي عن شكر هذه النعمة، فكان كما أخبر وكما فسر فان القرآن بانت آياته، وظهرت بيناته، وقامت حجته، وكملت النعمة على رسول الله ﷺ وعلى صحابته به، فشرفوا وعزوا بمكانه، وذلك من الأمور البينة الواضحة؛ فانك تجد الفقهاء والعلماء قد أجلّوا القرآن ومن قرأ القرآن ومن عرف علوم القرآن، ولهذا قال ﷿ لقريش في ابتداء المبعث: «قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ» «٣» يريد القرآن، وانه عز ونبل وشرف، وستشرف به امم ممن/ تمسك به ودعا اليه، وقد فاتكم ذلك لإعراضكم، فكان ذلك كما أخبر.
_________________
(١) سورة ص ١١
(٢) الزخرف ٤٣
(٣) القمر ٤٣
[ ١ / ٨٤ ]
وفي هذا المعنى قوله ﷿ «أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوى وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى» «١» فتأمل ما في هذا، فإنه ﷺ ما عرف العزّ بالأبوين كما يعرف من رباه أبواه؛ فان أباه مات وهو حمل، وماتت أمه وهو رضيع، فاواه الله اكرم إيواء، فلما كمل، آتاه النبوة وعصمه وصانه، وأخبره ان الآخرة خير له من الأولى، فإنّ آخر أمره في عاجل الدنيا في النصرة والعزّ، وثواب الآخرة خير من الأولى؛ «وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى»، أي ذاهبا عن النبوة لا تدري ما هي ولا تعرف القرآن.
وفي مثل هذا المعنى قوله ﷿: (أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ.
وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ. الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ. وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ) فإن ذكره ارتفع بالصدق والوفاء وقيام الحجة، فما وجد له اعداؤه كذبة ولا ذلة ولا هفوة مع حرصهم على ذلك، وما بارت له حجة، ولا زلّت له قدم، ولا أسكته خصم، مع كثرة الخصوم له، وطلب العلل وطول المجادلة.
باب آخر [من اعلامه قوله ﷿ «قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ»]
من أعلامه، وهو قوله ﷿ «قُلْ: لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا» «٢» وفي هذا إخبار عن غيوب كثيرة، لأنه قال لكل واحد من الإنس والجن:
إنك لا تأتي بمثل هذا القرآن ولا أحد يأتي بمثله في كل حال منفردين ولا مجتمعين، فما أتوا به مع حاجتهم الى ذلك وشدة حرصهم عليه، أفمن هذا تعجب؟ أم من إقدامه على الإخبار بذلك وهو لا يعرف العرب كلها ولا
_________________
(١) الضحى ٦
(٢) الاسراء ٨٨
[ ١ / ٨٥ ]
يحصى قبائلها/ ورجالها ونساءها، والفصاحة والبلاغة مثبوتة في رجالها ونسائها وعبيدها وإمائها وعقلائها ومجانينها، وقد علم ﷺ أنهم في اللغة والبلاغة قبله، وهو منهم تعلم، وهو عاقل، فلولا أنه قد تيقن أنهم لا يأتون بذلك لما أقدم على الإخبار بذلك، سيما والذي ادّعاه امر عظيم وخطب جسيم، وهو النبوة والصدق والعصمة ونفاذ امره في النفوس والأموال ووجوب طاعته على كل احد الى ان تقوم الساعة، وحجته في ذلك كله هذا القرآن؛ وهذه من الآيات التي نزلت بمكة، ولو نزلت بالمدينة او أين نزلت لكانت الحجة بذلك قائمة لا تأثير للأماكن في ذلك ولا للأزمنة، وإنما نذكر الأماكن لأن الأعداء لما أفلسوا وافتضحوا، أخذوا في تشكيك الملوك والمترفين ومن يحب الرّخص ومن لم ينظر ويتأمل ويسمع من العلماء، أن هذا القول إنما قاله في آخر امره وفي آخر عمره.
واعلم أن القرآن حجة من ثلاثة أوجه: فكل سورة منه حجة من طريق الفصاحة والبلاغة، وهو حجة لما فيه من الاخبار بالغيوب، وهو حجة لما فيه من التنبيه على دلائل العقول، فإن ذلك جاء على طريقة انتقضت به العادة، وقد مرّ بك طرف منه في المصباح «١»، ولعل اكثر منه ان يرد عليك، فانما انت في ذكر الإخبار بالغيوب وما يجري مجراها، ثم نصير الى البابين الآخرين والى مسائل الخصوم في ذلك والأجوبة عنه إن شاء الله.
من دلائله وإعلامه ﷺ، وهو إخباره عما في الكتب المنزلة وما تضمنته من/ خلق آدم صلى الله عليه، وما كان له مع الملائكة صلوات الله عليهم،
_________________
(١) لعل القاضي يقصد بالمصباح اسم كتاب له، الا اننا لم نعثر لهذا الكتاب على اثر في كتب القاضي التي اطلعنا عليها ولا في الكتب التي نقلت عن القاضي او ذكرته.
[ ١ / ٨٦ ]
ومع ولده، ومع ابليس، وما كان لنوح مع قومه، ثم ابراهيم، وإسحق، ويعقوب، والاسباط، وعيسى، وأيوب، وموسى، وهرون، وغيرهم من النبيين صلوات الله عليهم اجمعين، وهو ما قرأ تلك الكتب ولا عرف ما فيها ولا اختلف الى اهلها ولا اختلفوا اليه، فتعلم انه ما علم ذلك إلا بوحي الله اليه واطلاعه عليه، وهي اخبار كثيره لا يقع الصدق فيها إلا بالوحي من الله ﷿.
فإن قيل: أين لكم انه ما قرأ الكتب، ولا كان يختلف الى اهلها ولا اختلفوا اليه وأنتم ما أدركتم زمانه، وقد قال له عدوه: «وَقالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا «١»» وقالوا: «إِنْ هَذا إِلَّا إِفْكٌ افْتَراهُ وَأَعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ «٢»»؟
قلنا: ما ادّعينا ان خصومه ما ادّعوا ذلك عليه، وليس دعواهم حجة عليه، بل لما انقطعوا وقامت حجته ادّعوا هذا عليه، ونحن وإن لم نكن في زمانه ﷺ، فقد علمنا انه ما قرأ هذه الكتب ولا اكتتبها ولا اختلف الى اهلها، ولا اختلفوا اليه، ولا تلقى ذلك عن احد من الناس، لأنه ما من أحد يطلب فنا من الفنون إلا وله في ذلك تارات وطبقات؛ فأول ذلك ان يكون طالبا وسائلا عمن عنده هذا الادب وهذا الفن من العلم والادب، ثم يختلف الى اهله ويصحبهم، فيكون تارة مبتدئا، ثم متوسطا ثم ماهرا متقدما. وكل هذه الاحوال معروفة معلومة لأهل زمانه، لا يجوز ان يذهب عليهم، ولا يجوز ان يخفى ولا يكتم عن احد كائنا من كان. فلو كان قد
_________________
(١) الفرقان ٥.
(٢) الفرقان ٤.
[ ١ / ٨٧ ]
تعاطاه ﷺ/ ثم اكتتم عليه، لكان ذلك من اكبر آياته وأعظم معجزاته، فاذا العادة قد انتقضت به، فقد اعطاه الخصم اكثر مما ادّعى، ولو جاز ان يخفى ذلك ويتستر على احد من الناس، لما استتر ذلك على محمد ﷺ لأن عدوّه وطالبه والمتتبع لأمره والمفتش عن احواله من قريش والأقربين من أهله ومن دهاة اليهود والنصارى وغيرهم كثير، والطلب منهم شديد ودعواه النفسية عظيمة، وقد ادّعى عليم الفرية والكذب ولنفسه الصدق، وحجته عليم ألا يكذب في شيء ولا يناقض، ثم إن الذين اتبعوه لأنه نبي وصادق.
وقد عرف عدوه ووليّه منشأه ومتقلبه ومثواه، ومعهم سافر، وبينهم تربى ونشأ، وأزواجه إنما هنّ بنات اعدائه وأوليائه الذين اعتقدوا صدق نبوته، وهن ممن يعتقد صدقه ونبوته، فمن هذه سبيله، يتعلم الكتابة بالقلم الواحد او بالأقلام المختلفة، ويكتب ويقرأ، ويختلف الى اهل هذه اللغات ويصحبهم ويأخذ عنهم، ويتستر ذلك على اهله ونسائه وعدوه ووليه؟ هذا لا يعتقده من تأمل الامور وتدبرها. بل لو كان ذلك له ﷺ يوما واحدا او ساعة واحدة، لعلم به الأولون والآخرون للاحوال التي اختص بها مما قدمنا ذكره. ولا فرق بين من ادّعى هذا عليه، او ادعى انه قد كان مرة تهوّد وأظهر اليهوديّة، وخرج فأقام مرة ببابك، ومرة ببيت المقدس، وأنه كان مرة تنصّر ولبس المسوح وأقام في البيع، وخرج مرة وأقام ببلاد الروم وصام صوم النصارى وأفام أعيادهم وكان يحلق وسط رأسه كصنع الرهبان، وأن ذلك/ كله تم له وخفي على اهله ونسائه وعدوه ووليه.
فتأمل رحمك الله هذه الآية فإنها عظيمة جليلة، ولو لم يكن له الا هي لكفت وأغنت. وانظر كيف يقول، قد اقتص قصة نوح ﵇ ثم قال في آخرها: (تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيها إِلَيْكَ. ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا
[ ١ / ٨٨ ]
قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا. فَاصْبِرْ إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ «١») وانظر كيف يقول له:
إن هذا ليس من علمك ولا من علم قومك، والعدوّ والوليّ يسمع ذلك.
وتأمل قوله ﷿ في قصة يوسف ﵇ (ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ، وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ) «٢» ثم عزاه وقال له: آياتك بيّنة وحجتك قائمة وإن عصوك، فما هاهنا شبهة في مخالفتك، ولا أمر يصدّ عن اتباعك، ولست اول من قامت حجته فلم يتبع، فقال له: «وَما أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ. وَما تَسْئَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ. وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها وَهُمْ عَنْها مُعْرِضُونَ» «٣» .
وانظر كيف يدل ويستطيل ويصول على العدو والولي بأن هذا إنما ناله بالوحي، وانه ما قرأ كتابا ولا خط، وأنه قد كان في غفلة من هذا فقال:
«وَما كُنْتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقى إِلَيْكَ الْكِتابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ. وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتابَ الْمُبْطِلُونَ» «٤» .
وقال له في أول سورة يوسف: «نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغافِلِينَ» «٥» . ثم يقول في آخر السورة: «لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ ما كانَ حَدِيثًا يُفْتَرى وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ
_________________
(١) هود ٤٩ وما بعدها
(٢) يوسف ١٠٢
(٣) يوسف ١٠٤ وما بعدها
(٤) العنكبوت ٤٨
(٥) يوسف ٣
[ ١ / ٨٩ ]
يُؤْمِنُونَ» «١» .
وتأمل قوله ﷿ في سورة القصص: «وَما كُنْتَ بِجانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنا إِلى مُوسَى الْأَمْرَ وَما كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ «٢»» الى قوله: «وَما كُنْتَ ثاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا وَلكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ. وَما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إِذْ نادَيْنا وَلكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ» وانظر الى هذا الاحتجاج بأنه ما نال هذا ولا عرفه إلا بوحي من الله.
وانظر الى قوله في سورة طه: «وَقالُوا لَوْلا يَأْتِينا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ، أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ ما فِي الصُّحُفِ الْأُولى «٣»» . فتأمل هذا الاستعلاء على العدو والولي بأن من آياته وعلاماته ما في الصحف الأولى.
وكان مما طعن به ابن الراوندي في هذه الآية ان قال: إن كان معرفته بهذا دلالة على نبوته فمعرفة اليهود بذلك دلالة على نبوتهم، وهذا جهل من هذا الأحمق، لأن اليهود قد قرؤوا ذلك وكتبوه واخذوه عن آبائهم وشاهدوه فلا يكون حجة لهم، وهذا ما قرأه ولا كتبه ولا اخذه عنهم ولا عن احد من الناس كما دلت عليه العقول، فهو حجة عليهم وعلى غيرهم، ولو ان إنسانا ادعى النبوة، وجعل دلالته بأن اخبرك عن كتاب معك ما قرأه ولا وقف عليه وإنما وقفت انت عليه فيما لا يقع بالاتفاق ولا بالحدس، لكان ذلك دلالة في نبوته ولم يكن دلالة لك، وكذلك إذا اخبرك عما اكلت وشربت وادخرت، ولكن اشتبه على هذا الملحد لفرط جهله وبعده من التحصيل، ولولا ان الاشعرية والرافضة والنصارى والزنادقة يرون هذا الرجل بعين المحصلين لما ذكرنا اسئلته لركاكتها، ولكنه صنف شيئا للمشبهة،
_________________
(١) يوسف ١١١
(٢) القصص، الآيات ٤٤ و٤٥ و٤٦
(٣) طه ١٣٣
[ ١ / ٩٠ ]
وشيئا/ للمجبرة، وشيئا للرافضة، فسروا به لنقصهم، وشهدوا له بالحذق لفرط غباوتهم وانهم لا يعرفون الاسلام وأهله، فمن اظهر لهم التصويب قبلوه لضعفهم وسوء احوالهم، وقبله اليهود والنصارى وحذقوه، لأنه شتم محمدا رسول الله وأظهر تكذيبه، وهو فقد شتم ابراهيم واسحق ويعقوب وموسى وهارون ويحيى وعيسى وجميع النبيين صلوات الله عليهم اجمعين وكذبهم، ولكن اليهود والنصارى بلا حجة ولا بصيرة في مخالفتهم المسلمين، فمن عادى محمدا ﷺ تولوه وإن كان عدوا لأنبيائهم، كما لا بصيرة لأهل بدع الاسلام من المشبهة والمجبرة والرافضة. وهذه السور مثل القصص وهود ويوسف من المكيات فاعلم ذلك.
باب آخر [من اعلامه اخباره عن النصرانية ومذاهبها]
من آياته وأعلامه، وهو إخباره عن النصرانية ومذاهب النصارى من هذه الطوائف الثلاث منهم، وهي الباقية القائمة الراهنة في قولهم ان المسيح عيسى ابن مريم هو الله، وان الله ثالث ثلاثة؛ فان هذه الطوائف الثلاث من الملكية واليعقوبية والنسطورية «١»، لا يختلفون في ان المسيح عيسى بن مريم ليس بعبد صالح ولا بنبي ولا برسول، وانه إله في الحقيقة، والله في الحقيقة، وانه هو خلق السموات والارض والملائكة والنبيين، وانه هو الذي أرسل الرسل وأظهر على ايديهم المعجزات، وان للعالم إلها هو آب والد لم يزل، غير مولود، وانه قديم خالق رازق، وإله هو ابن مولود، وانه ليس باب ولا والد، وانه قديم حيّ خالق رازق، وإله هو روح قدس ليس باب والد
_________________
(١) سيأتي تفصيل هذه الطوائف فيما بعد.
[ ١ / ٩١ ]
ولا ابن مولود/ وانه قديم حيّ خالق رازق، وان الذي هو ابن نزل من السماء، وتجسم من روح القدس ومن مريم البتول، وصار هو ابنها إلها واحدا ومسمى واحدا وخالقا واحدا ورازقا واحدا، وحبلت به مريم وولدته، وأخذ وصلب وألم «١»، ومات ودفن، وقام بعد ثلاثة ايام وصعد الى السماء وجلس عن يمين ابيه. فحكى قولهم في ان المسيح هو الله وان الله ثالث ثلاثة.
وهكذا مذهبهم في الحقيقة ولا يكادون يفصحون به، بل يدافعون عن حقيقته ما امكنهم، حتى ان ارباب المقالات واهل العناية به من المصنفين لا يكادون يحصلون مذهبهم، وإنك لتجد النظّارين منهم والمجادلين عنهم اذا سألتهم عن قولهم في المسيح، قالوا: قولنا فيه انه روح الله وكلمته مثل قول المسلمين سواء، او يقول: إن الله واحد. وتجده ﷺ وقد حكى حقيقة مذهبهم، ولم يكن من المجادلين ولا من المتنبئين، ولا ممن يقرأ الكتب ويلقى اهلها، ولا من المتكلفين، ولا كانت مكة والحجاز اذ ذاك بلاد فيها شيء من هذا، فانتشر هذا عنه ﷺ، وفتش الناس عنه بعد ذلك فوجدوا الأمر كما قال وكما فصل، بعد الجهد وطول الاستقصاء في الطلب والتفتيش. وما اكثر ما تلقى منهم فيقول: ما قلنا في المسيح انه الله، ولا قلنا: إن الله ثالث ثلاثة، ومن حكى هذا عنا فقد أخطأ وكذب، ليعلم ان وقوف محمد ﷺ هذا انما هو من قبل الله ﷿، وان ذلك من آياته.
فإن قيل: فإن قولهم في هذا وأن الله ثلاثة أقانيم جوهر واحد، كقول المسلمين بسم الله الرحمن الرحيم، وكقولهم في الله أنه حيّ قادر عالم.
قيل له: هذا غلط على النصارى، وليس قولهم في التوحيد من قول
_________________
(١) ألم الرجل يألم ألما، فهو ألم. اللسان ١٤: ٢٨٧
[ ١ / ٩٢ ]
المسلمين بسبيل، وإنما يقول هذا من يروم المغالطة والفرار من فحش المقالة، / لأن الله عند المسلمين هو الرحمن وهو الرحيم وهكذا العالم القادر، وهي ذات واحدة لها صفات كثيرة، وأسماء كثيرة. وعند النصارى، أن الله الوالد ليس هو الابن المولود، ولا يجوز ان يكون الأب الوالد ابنا مولودا، ولا الابن المولود أبا والدا، وكذا روح القدس، ومن قال غير هذا فليس من النصارى؛ فان بليت منهم بمن هذه سبيله أعني الجحود لهذه المقالة الفاحشة فقل: إن كنت تريد أن هذا قولك وكذا تختار فما يدفعك عن هذا؟ فأما ان يكون هذا قولا للنصارى فهذا كذب وبهت، ولو أسلم نصارى عصرنا كلهم لما خرج هذا من ان يكون قولا لمن سبق وتقدم من هذه الطوائف الثلاث، فاعلم ان هذا هو مذهبهم في التثليث، قد حصل العلم به ولهم فيه ضرب أمثال، وذلك في تسابيحهم وأقاويلهم في عباداتهم، ألا ترى انهم يقولون في تسبيحة القربان في الساعة التي يكونون فيها خاضعين يتوقعون بزعمهم نزول روح القدس لقبول فاتور القربان: ليتم علينا وعليكم نعمة الرب يسوع المسيح بن مريم ومحبة الله الآب ومشاركة روح القدس أبدا الى دهر الداهرين.
ويقولون في تسبيحتهم التي يسمونها تسبيحة الإيمان التي وضعت بنيقية»
من بلاد الروم، وهذا كان بعد المسيح ﵇ بنحو ثلاثمائة سنة، حين جمعهم قسطنطانوس ابن فيلاطس «٢» ملك الروم، الذي امه هيلانة الحرّانية
_________________
(١) عقد مجمع نيقية سنة ٣٢٥ م بدعوة من الامبراطور قسطنطين، وكان يضم ٣١٨ اسقفا، ابرز اعضائه آريوس الكاهن الاسكندري الذي تبنى رفض تساوي عناصر الثالوث النصراني، وقال بأن جوهر الابن غير مساو لجوهر الآب وانه مخلوق.
(٢) هو قسطنطين الكبير، ابن قسطنطين خلور، ووالدته هيلانة وكانا ميالين للمسيحية. بقي وثنيا حتى سنة ٣٠٨ ثم بدأ يفكر في جعل المسيحية دينا للدولة وخاصة بعد رؤيا الصليب-
[ ١ / ٩٣ ]
الفندقية، جمعهم ليعملوا تقريرا في ايمانهم يحملون الناس عليه ويأخذونهم به فمن أبى قتلوه، واجتمع عنده نحو ألفي رجل، فقرروا تقريرا ثم رفضوه، ثم اجتمع ثلثمائة رجل وثمانية عشر رجلا وهم يسمونهم الآباء، فقرروا هذا التقرير، وهم يسمونه سنهودس/، فكان تقريرهم لهذه التسية وهي أصل الأصول عند جميع هذه الطوائف لا يتم لأحد منهم عندهم إيمان إلا بها وهي:
«نؤمن بالله الأب الواحد، خالق ما يرى وما لا يرى، وبالرب الواحد يسوع المسيح بن الله بكر أبيه وليس بمصنوع، إله حق من إله حق، من جوهر أبيه الذي بيده اتقنت العوالم وخلق كل شيء، الذي من أجلنا معشر الناس ومن أجل خلاصنا نزل من السماء، وتجسد من روح القدس ومن مريم البتول، وصار انسانا، وحبلت به مريم البتول وولدته، وأخذ وصلب وقتل امام فيلاطس الرومي، ومات ودفن وقام في اليوم الثالث كما هو مكتوب، وصعد الى السماء وجلس عن يمين ابيه، وهو مستعد للمجيء تارة اخرى للقضاء بين الأموات والأحياء.
ونؤمن بالرب الواحد روح القدس، روح الحق الذي يخرج من ابيه، روح محييه، وبمعمودية واحدة لغفران الخطايا، وبجماعة واحدة قديسيّة سليحيّة «١» جاثلقية، وبقيام أبداننا، وبالحياة الدائمة الى أبد الآبدين» .
فتأمل هذا الشرح وهذا التفصيل والكشف في التثليث والتشبيه، وكيف
_________________
(١) - العجيب- في زعمه- سنة ٣١٢ قبل المعركة مع مكسنتي. وقد اصدر منشورا بحرية التحول للديانة المسيحية سنة ٣١٣ م. انظر تاريخ الكنيسة المسيحية، الكسندروس مطران حمص ص ٢٢٠ وما بعدها. ولقبت هيلانة بالفندقية لأنها كانت تعمل في فندق بحران.
(٢) سليحية: نسبة لكتاب السليح لبولص، وهو يتألف من ٢٤ رسالة. انظر الفهرست لابن النديم ٤١. وقد ورد في الكتاب احيانا باسم السليح واحيانا باسم السليحين.
[ ١ / ٩٤ ]
يعتقدون في الله حقيقة المدبرين المصنوعين من النزول والصعود والولادة وغير ذلك.
فان قالوا: فانا لا نقول انها ثلاثة آلهة، فكيف يحكون عنا التثليث؟
قلنا لهم: انكم قد أعطيتمونا معنى التثليث وأشعتموه واستوفيتم حقائقه، ومنعتم/ بعض العبارة عنه، ألا ترون انكم تقولون إله هو أب والد حيّ قادر قديم عالم خالق رازق، وإله هو ابن مولود كلمة حي قديم خالق رازق ليس باب ولا والد ولا يجوز ان يكون والدا ولا أبا، وإله روح قدس حي عالم قديم خالق رازق. ثم قلتم هي ثلاثة أقانيم، فقلتم في كل واحد منها انه إله ورب وقديم، وامتنعتم من الاقرار بالجملة وقد أعطيتم التفصيل، وما مثال ذلك إلا كمن قال: عبد الله العربي «١» رجل وانسان وجسم وشخص، وخالد الفارسي «٢» رجل وانسان وجسم وشخص، وزيد الرومي رجل وانسان وجسم وشخص، قلنا: فهولاء ثلاثة رجال، وثلاثة أناس، وثلاثة اشخاص، وثلاثة اجسام. فقلتم: لا، بل هم رجل واحد. قلنا: لا يؤثر امتناعكم من اطلاق هذه العبارة في شيء قد أشيعت حقيقته. وفيهم من يمتنع من ان يقول في كل واحد من هذه الثلاثة انه غير صاحبه، ثم يقولون:
ما شبهنا ولا مثلنا، فكانوا كالمشبهة الذين يقولون: إله يصعد وينزل ويقعد على العرش، ثم يقولون: ليس كمثله شيء.
والذي يمنع النصارى من اطلاق القول بأنها ثلاثة آلهة متغايرة مختلفة وان كانوا قد اعطوا معنى ذلك، إلا لأنهم صدقوا بكتاب الله ﷿ التي صدق
_________________
(١) - بحط مخالف، وفوق السطر.
(٢) - بحط مخالف، وفوق السطر.
[ ١ / ٩٥ ]
بها المسيح ﵇، وهي مملوءة بتوحيد الله وتفرده بالقدم، وانه لا يشبه الأشياء، وانما هذه البدع ابتدعوها بعد المسيح، فأرادوا حمل بدعتهم في الشرك على ما في كتب الله فلم يتم ذلك وحصلوا على محض الشرك والتشبيه/.
فإن قيل: قد لعمري صدقتم فيما حكيتم من التثليث، فإن الملكية تقول فيه: إنه إله حق من إله حق من جوهر ابيه، وان القتل والصلب والولادة وقعت عليه بكماله؛ واليعقوبية تقول: حبلت مريم بالإله، وولدت الإله، وقتل الإله، ومات الإله، فما عندكم في النسطورية؟ فإنهم قد قالوا في المسيح انه مركب من نوعين وأقنومين «١» وطبعين، من إله ومن انسان، وان الولادة والقتل إنما وقعتا بالانسان وهو الذي يسمونه الناسوت.
قيل له: لو كانت النسطورية تقول في المسيح كما يقول المسلمون لما قدح ذلك في الخبر ولا اثر في العلم لأن التثليث قد وقع، كيف والنسطورية ترجع الى القول في المسيح الى قول اخوانهم من الملكية واليعقوبية، فيقال للنسطورية قد قلتم إنه إله حق من إله حق من جوهر ابيه، وقلتم إنه إله تام من إله تام، ثم قلتم إن لاهوته مولود من قبل الأب وناسوته مولود من قبل الأم، والولادة قد احاطت به من كل وجه ومن كل جهة؛ وايضا فإنكم تمدحون الإله بالولادة كما يمدحه المسلمون بتنزيهه عن الولادة، وتقولون لو لم يكن والدا لكان عقيما، وكل حى لا يكون والدا فإنما ذاك لنقص وآفة وعاهة.
فلا ينبغي ان تغالطوا عن حقيقة قولكم.
ثم يقال لهم: اخبرونا عن مريم هل حبلت بالمسيح في الحقيقة، وولدت
_________________
(١) في الاصل: أقنيمين
[ ١ / ٩٦ ]
المسيح في الحقيقة، وربت المسيح واطعمت المسيح في الحقيقة، وهي/ ام المسيح في الحقيقة؟ فإن قالوا: ولدت ناسوت المسيح او حبلت ناسوت المسيح قلنا: لم نسألكم عن هذا، فإن ناسوت المسيح عندكم ليس هو المسيح وإنما المسيح هو اللاهوت، ولاهوت المسيح عندكم ليس هو المسيح إنما هما مجموعهما المسيح، اجيبونا، فان كانت مريم قد ولدت المسيح في الحقيقة وحبلت بالمسيح في الحقيقة، فقد حبلت بالإله والانسان وولدت الإله والانسان، وهي ام الإله والانسان، وقد قتل الإله والانسان، وألم الإله والانسان، ومات الاله والانسان؛ فقد تبين ان قولكم وقول الملكية واليعقوبية في ذلك سواء. وإن قالوا ما ولدت المسيح في الحقيقة، ولا هي ام المسيح في الحقيقة قلنا لهم: فليس هذا قول احد من النصارى ولا قول المسلمين ايضا بل هو قول اليهود، فانهم قالوا: إن مريم ما حبلت به.
وإن قالوا: نقول هي أم المسيح على المجاز، ومات المسيح في المجاز، قلنا لهم: لم نسألكم عن المجاز، إنما سألنا عن الحقيقة، فانه على هذا التقدير ربما ايضا يكون حمل مريم من غير ذكر مجاز، وإحياؤه المؤتى مجاز، وجميع ما يدعونه له مجاز، وهذا لا سبيل اليه، لأنهم إن قسموا أفعاله من من لاهوته وناسوته وجب ذلك كله، لأنه اذا احيا الموتى وأظهر الآيات فانما ذلك فعل اللاهوت واللاهوت وحده ليس بمسيح، واللاهوت ما رآه الناس فلا يجوز ان يقال رأى المسيح، وإذا أكل وشرب ونام واستيقظ فذلك فعل الناسوت والناسوت وحده ليس بالمسيح، فقد وجب/ جميع ما قدمناه
وهم لا يصيرون اليه ولا يلتزمونه، ومن صار اليه خرج عن النصرانية وعن جميع اقوال المثلاثة. وقد علمت ان حقيقة قولهم ما في تسبيحة ايمانهم وهي اصل الاصول، وليس لأحد من طوائفهم عنها ولا عن شيء منها
[ ١ / ٩٧ ]
معدل، وإنما وضعت حين صار الملك الى هذا القول، وحين خالفهم آريوس «١» الافصاح بالمذهب ولرفع التأويل والأوهام في المقالة.
وعند هذه الطوائف الثلاثة، ان المسيح صار مسيحيا وإلها خالقا رازقا معبودا حين بشّر الملك امه وساعة الحمل به، فاتحد به الإله فصار جميعا مذ ذاك مسيحا واحدا وإلها واحدا، وأن الاتحاد ما انتفض عندهم ولا بطل، ولا خرج عن المسيحية والإلاهية لا في حال الحبل ولا في حال الولادة ولا في حال النوم ولا في حال الأكل ولا في حال البول والتغوّط ولا في حال المرض ولا في حال القتل ولا في حال الموت، وأنه في جميع هذه الأحوال مسيح وإله ورب معبود وخالق ورازق ومدبّر.
ويقولون: هو احيا نفسه بعد الموت لأنه محال عندهم ان يحيي الموتى غير المسيح، وقد علمت تسبيحة الايمان وتفصيلها فارجع اليه، ففيه أتم كفاية لتعلم مغالطة النسطورية وجميع من يجادل عن النصرانية. وقد قال فولوص «٢» - وهم عندهم فوق الانبياء وقد ذكر صنيع اليهود بالمسيح-:
_________________
(١) في الاصل ايريوس، وهو آريوس الكاهن الاسكندري، وقد كان احد الذين وجدوا ان في القول بأن أقانيم الثالوث المقدس لها جوهر إلهي واحد مساو اي: ثلاثة آلهة إله واحد، فيه تناقض كبير، فنادى بأن الله الآب وحده هو الإله الحقيقي بالمعنى الخاص الصارم، وابن الله- بزعم النصارى- والروح القدس كائنات إلهية بالدرجة الثانية، لها طبيعة تختلف عن طبيعة الآب ومخلوقة. وقد عقدت عدة مجامع كنسية فازت في بعضها آراء آريوس وخذلت في بعضها الآخر. المرجع السابق ٢٢٠ وما بعدها.
(٢) يقصد بولص الذي يلقبه النصارى بالرسول، فقد كان من عادة العرب ان يقلبوا الباء فاء حين الترجمة عن اللغة اليونانية، فقالوا: افلاطون وفيلاطس. ولبولص مجموعة من الرسائل ملحقة بالعهد الجديد تحت اسم اعمال الرسل.
[ ١ / ٩٨ ]
لو علموا لما صلبوا رب المجد الذي له الحمد والبركات ابد الدهر. وقال/ ايضا:
الذي ليس بمعاين عوين، والذي ليس بمحسوس حس، والعالي على الزمان أبتدىء، وابن الله صار ابن الانسان، وألم الذي لم يكن يألم ووالده الله، فتأمل ما في هذا فانه يفصح بأن الله لم يكن يعاين فصار يعاين، ولم يكن يحسّ فصار يحسّ ويدرك، وأنه كان قبل الزمان فابتدىء وصار في الزمان، وألم الذي لم يكن يألم، وابن الله صار ابن الانسان، وصار ابن الانسان ابن الله ووالده الله، وهذه صفات المسيح الذي هو عندهم الله وابن الله. قالوا:
وقد قال الآباء- وقد ذكروا ما صنع فيلاطس الرومي واليهود-: انهم لما صلبوا رب المجد عرفوه.
قالت النصارى هذه كلها اقاويلنا وفيها حقيقة مذهبنا.
قالوا وقد قال الفاضل ياوانس: المساوى للأب جاء الى العالم في الرحم البتول، وكان قبل ان يكون آباؤه ابراهيم وإسرائيل وداود، وهو ابن الله قبل ان يدعى ابن ابراهيم وداود. وقالوا: فهذه حقيقة ديننا، فان جاء فيه ان الله انسان او من جنس الناس، او أنه يتقلب في الصور والهيئات وينتقل ويتشكل لم ننفر من ذلك، ولم ندع ما اسسه الأباء والقدوة لما يوجب الجدل ويلزم في النظر. فتأمل هذا، وقولهم: المساوي للآب جاء الى العالم في الرحم البتول وكان قبل ان يكون آباؤه ابراهيم وإسرائيل وداود وهو ابن الله قبل ان يدعي ابن ابراهيم وداود، لتعلم ان اعتقادهم وقولهم ان هذا الذي ولدته مريم هو ابن الله وهو الله، وأنه مثل الأب الذي في/ السماء على العرش عندهم، وأن هذا هو الذي لم يزل، وأن الذي حدث وتجدد ولادة مريم له، وأن ابراهيم وإسرائيل وداود انما صاروا آباءه من قبل امه لأنها
[ ١ / ٩٩ ]
من بني اسرائيل، وأنه كان ابن الله قبل ان يكون ابن ابراهيم وإسرائيل وداود.
قالوا: وقد قال علماؤنا ومن هو القدرة عند جميع طوائفنا: يسوع في البدء لم يزل كلمة، والكلمة لم تزل لدى الله، والله هو الكلمة، ويسوع هو عيسى بالسريانية «١» . قالوا: فذاك الذي ولدته مريم وعاينه الناس وكان بينهم هو الله وابن الله وهو كلمة الله.
قالوا: وقد قال يوحنا السليح «٢»: إنا نبشركم بالذي لم يزل من قبل، وأنا رأيناه بأعيننا، وحسسناه بأيدينا. قالوا: فما فيمن هو الحجة لجماعتنا الا من يكشف الامر كشفا لا يتعرض لتأويله الا من يكابر عقله.
فعندهم ان القديم الأزلي خالق السماوات والأرض هو الذي عاينه الناس بأبصارهم، ولمسوه بأيديهم. قالوا وقد قال أرميا النبي وقد ذكر المسيح والبشارة به: هذا الهنا ولا نعوذ معه غيره، وانه في آخر الزمان تراءى على الأرض وتردد مع الناس، فتأمل هذا الكشف.
قالوا: وقد قال بطرس «٣» وهو بكر ايماننا واصل بيعتنا لما سئل عن ابن الله لا عن ابن الناس، وعن كلمة الله لا عن كلمة الناس فقال: هو الذي كان بين الناس وتردد معهم، وأبرأ الذين نكأهم الشرير.
قالوا: وقد خاطب الناس/ من بطن أمه مريم، فقال للأعمى: أنت
_________________
(١) يثبت القاضي كلمة يسوع بالالف قبلها واحيانا دونها، وقد اثبتناها بحذف الالف.
(٢) احد الذين يطلق عليهم النصارى اسم الرسل، وله مجموعة من الرسائل ملحقة بالعهد الجديد، مات سنة ٤٤ م. تاريخ الكنيسة ٣٤.
(٣) احد الذين يطلق عليهم النصارى اسم الرسل، وله مجموعة من الرسائل ملحقة بالعهد الجديد، مات سنة ٦٦ او ٦٧. تاريخ الكنيسة ٣٣.
[ ١ / ١٠٠ ]
مؤمن بابن الله، قال الاعمى: ومن هو حتى أؤمن به؟ قال: قد رأيته وهو المخاطب لك، قال: آمنت يا سيدي، وخر ساجدا. قالوا: فما الذي بقي من الافصاح بأن الذي حبلت به مريم وكان في بطنها هو الله وابن الله وكلمة الله.
قالوا: وقد قالت ام يحيى بن زكريا- وقد دخلت على مريم وهي حبلى بالمسيح، وام يحيى حبلى به- ان هذا الذي في بطني قد سجد للذي في بطنك. قالوا: فما الذي يبقى في البيان في ان الإله المعبود الذي هو الله وابن الله وكلمة الله هو الذي حبلت به مريم وولدته.
قالوا: ولما عمّده يوحنا في الأردن تفتحت ابواب السماء ونادى الأب:
هذا ابني وحبيبي الذي سررت به نفسي. ونزل روح القدس في صورة حمامة ورفرفت على رأس المسيح، قالوا: فالمتعمد هو الله الابن، والمنادي هو الأب، والنازل هو روح القدس، وانظر كيف يفردون كل واحد منهم بصنع غير صنع صاحبه.
قالوا: وفي البشارة به حين قال جبريل لمريم: ها انت تحبلين وتلدين، قالت له: كيف يكون هذا وما مسني رجل؟ فقال لها: ربنا معك، والهنا معك، وأيدي العلي تحلّ عليك، وروح القدس تأتيك، والذي يولد منك قدوس وابن الله يدعى، قالوا: فقد خبّرها بأنها تحبل بابن الله لا بابن الناس، وانها تلد ابن الله لا ابن الناس، وان الله معها. قالوا ولا نريد بقولنا معها ومع ابنها بمعنى التأييد والنصر والمعونه كما يكون الله/ مع الأنبياء والصالحين والمؤمنين، لأن المسيح عند طوائفنا الثلاث ليس بنبي ولا بعبد صالح، بل هو رب الأنبياء وخالقهم وباعثهم ومرسلهم وناصرهم ومؤيدهم
[ ١ / ١٠١ ]
ورب الملائكة؛ ولا هو معها ومع ابنها بمعنى الخلق والتدبير والتقدير كما يكون مع سائر إناث الحيوان من الناس والكلاب والحمير والخنازير بالخلق والصنع والتقدير، ولكنه معها لحبلها به ولاحتواء بطنها عليه، فلهذا فارقت جميع اناث الحيوان، وفارق ابنها جميع النبيين، فصار الله وابن الله الذي نزل من السماء وحبلت به مريم وولدته والمولود منها الها واحدا ومسيحا واحدا وربا واحدا وخالقا واحدا مذ وقت بشارة جبريل ﵇ لها، لا يقع بينهما فرق، ولا يبطل الاتحاد بينهما بوجه من الوجوه، ولا في الحبل، ولا في الولادة، ولا في حال نوم، ولا مرض، ولا صلب، ولا موت، ولا دفن، بل هو متحد به في حال الحبل، فهو على تلك «١» الحال: مسيح واحد، وخالق واحد واله واحد، وفي حال الولادة كذلك، وفي حال الموت والصلب كذلك.
قالوا: فمنا من يطلق في لفظه وعبارته حقيقة هذا المعنى، فيقول: مريم حبلت بالإله، وولدت الإله، ومات الاله؛ ومنا من يمنع هذه العبارة ويعطي معناها وحقيقتها، فيقول: مريم حبلت بالمسيح في الحقيقة، وولدت المسيح في الحقيقة، وهي ام المسيح في الحقيقة، والمسيح إله في الحقيقة، ورب في الحقيقة، وابن الله في الحقيقة، وكلمة الله في الحقيقة، لا ابن لله في الحقيقة إلا هو، ولا أب للمسيح في الحقيقة إلا هو، ولا أم للمسيح إلا مريم. قالوا: فؤلاء يوافقون في المعنى قول من قال/ فيها: إنها حبلت بالإله، وولدت الإله، وقتل الاله وألم الاله، ومات الاله، وانما يمنعون اللفظ والعبارة فقط.
_________________
(١) في الاصل: فهو تلك
[ ١ / ١٠٢ ]
قالوا: وانما منعنا هذه العبارة التي أطلقها إخواننا لئلا يتوهم علينا إذا قلنا: حبلت بالاله، وولدت الاله، ومات الاله، وألم الاله، إن هذا كله حلّ ونزل بالاله الذي هو أب، ولكنا نقول: حلّ هذا كله ونزل هذا كله بالمسيح، والمسيح عندنا وعند طوائفنا إله تام، وإله حق من إله حق، من جوهر أبيه.
قالوا: لا نريد بأنه معنا على معنى النصر والتأييد ولا معنى الخلق والتدبير، لأنه مع جميع الانبياء والصالحين كذلك، ومع جميع المخلوقات بالخلق والتدبير، وكأن يكون قولنا وقول المسلمين واليهود واحدا في التوحيد.
قالوا: والآباء والقدوة منا يقولون: ابن الله يدعى ابن الانسان، وابن الانسان يدعى ابن الله، وآدم الجديد هو الاله الألم الذي قتل ومات.
قالوا: وعندنا ان المسيح قال: ابن البشر هو رب السبت «١» . وقال ايضا: أنا بأبي وأبي بي، ولا يعرف احد الات إلا الابن، والابن لا يعرفه إلا الاب، وانك إله بي وأنا بك «٢» . وقال: انا في ابي، وابي فيّ. وقال:
انا قبل ابراهيم، وقد رأيت ابراهيم وما رآني، فقال له اليهود: كذبت، كيف تكون قبل ابراهيم وأنت من ابناء ثلاثين سنة، فقال: انا عجنت طينة آدم وبحضرتي خلق، وانا اجيء واذهب واذهب واجيء «٣» . قالوا: وهذا القول عندنا للمسيح في الحقيقة، ولو كان قولا للإله الذي ليس هو المسيح
_________________
(١) «ابن الانسان هو رب السبت» . انظر انجيل لوقا الاصحاح السادس.
(٢) الاصحاح العاشر من انجيل لوقا
(٣) انجيل يوحنا الاصحاح ٨
[ ١ / ١٠٣ ]
لما كان له معنى. وعندنا ان المسيح بن آدم وربه وخالقه ورازقه وابن/ ابراهيم وربه وخالقه ورازقه، وابن اسرائيل وربه وخالقه ورازقه، وابن مريم وربها وخالقها ورازقها.
قالوا: وقد اعتل لنا من يناظر عنا بأن الله والد في الحقيقة وان تولد ابنه منه كتولد ضياء الشمس من الشمس وكتولد الكلمة من العقل، ونحن فما قلنا: إنه والد وله ولد في الحقيقة بهذا الاعتلال، بل لما قدمنا من قول الآباء والقدوة. وعلى ان هؤلاء قروا بهذا القول من التشبيه لله بالمتناسلين المتناكحين من المخلوقين، فشبهوه بالموات والجماد، فوقعوا في شر ما هربوا منه ودفعوا الضرورة، لأن مريم قد ولدت المسيح إله الكل ولادة صحيحة في الحقيقة معقولة، ولادة الاحياء الناطقين بغير تناكح ولا تناسل، ومن قال إن مريم ما حبلت بالمسيح في الحقيقة، ولا ولدت المسيح في الحقيقة، ولا هي ام المسيح في الحقيقة، فليس من طوائف النصارى. وكذا من قال ليس المسيح إلها في الحقيقة، ولا ربا للخلائق في الحقيقة، فليس من الملكية ولا من اليعقوبية ولا من النسطورية.
قالوا: وقد قال القدوة عندنا: إن اليد التي سمّرها اليهود في الخشبة هي اليد التي عجنت طين آدم وخلقته، وهي اليد التي شبرت السماء، وهي اليد التي كتبت التوراة لموسى.
وقالوا: وقد وصفوا صنيع اليهود بالمسيح: إنهم لطموا الإله وضربوه على رأسه، وعجب لإله يضرب على رأسه. وتعالوا فانظروا الى الإله يلطم ويضرب على/ رأسه.
[ ١ / ١٠٤ ]
قالوا: وفي بشارة الأنبياء، ان الاله يجيء، وتحبل/ به امرأة عذراء وتلده، ويؤخذ ويصلب ويقتل.
قالوا ولنا سنهودس قد اجتمع عليه نحو سبعمائة من الآباء والقدوة، فيه ان مريم حبلت بالاله وولدته وارضعته وسقته واطعمته، وهذا دون ما في تسبيحة الايمان من الولادة والقتل والألم والصلب والموت والدفن.
قالوا: وأقاويلنا كلها من اولها الى آخرها التي ذكرناها لكم من اصل ديننا وحقيقة مفصحة بذلك، فهذه حقيقة ديننا وايماننا ولنا من هذا المعنى من السرياني والعربي اكثر مما ذكرناه.
فهذا يرحمك الله كما ترى وتسمع، فلولا ان رأينا قوما عقلاء يقولون هذا، وسمعناه منهم حين فتشنا عمّا قاله الله وحكاه عنهم فنطقوا به بعد الجهد واخرجوه من غوامض اسرارهم، لما صدق الناس ان في الدنيا من قال هذا او نطق به.
وإذا تأمل العاقل الأمور وفتش وطال بحثه وجهد، رأى الجهل في الأمم والاقاويل المشتملة على الحمق كانت في الامم قبل الاسلام.
فالفلاسفة تدعى في هذه الاجسام الجماد والموات من الشمس والقمر والكواكب والسماء أنها حية عاقلة مميزة تخلق وترزق وكانوا لها عابدين، والنصارى كما قد علمت، والمجوس «١» عندها ان الاله غالبه الشيطان ونزل الى الارض «٢»، وكانت الحرب بينهما ألف سنة، وان الشيطان غلبه وحاصره
_________________
(١) المجوس احدى فرق الثنوية الفارسية وهي: المانوية والمزدكية والمرقيونية والماهانية والمجوس والقلاصية. وهي تتفق في امور وتختلف في امور، واهم ما تتفق فيه القول بأصلين للوجود هما: الخير والشر او النور والظلمة.
(٢) كتب في الحاشية: في اعتقاد المجوس.
[ ١ / ١٠٥ ]
في جنته مع ملائكته وان الملائكة عند ذلك سعوا بينهما في الصلح ووقعت المهادنة بينهما/ على شرائط معروفة مذكورة عند من حكى المقالات، وشرحها يطول «١»، ثم رجع عندهم بملائكته الى سمائه غير انهم ما قالوا قتل كما قالت النصارى، ولا بلغوا الى هذا وان كانوا قد فحشوا في القول.
وقد كانت القبط تقول بإلاهية فرعون صاحب مصر، والمنانية من الزنادقة فقولها في نحو من قول المجوس، وأقاويل الهند في البدّ معروفة.
فلما جاء الاسلام بتلك الانوار، وبأن من كان جسما ومحتاجا لا يكون إلها ولا يفعل جسما كما قدمت لك في «المصباح»، وهو ايضا مذكور في غيره. وكان من ﵀ بخلقه ان سلطان الاسلام ظهر على الاديان كلها، وكان حملة السلاح هم الأتقياء والأولياء العلماء الفقهاء، فاستحيا اهل البدع منهم فانقبضوا وكانت لهم هيبة التقوى. فمات اولئك ﵃ وطال العهد، وصار بعدهم ملوك جبابرة غير انهم كانوا حملة الاسلام.
ثم لم يزل الأمر يتناقص، فصارت السيوف كلها على الاسلام، ومات أهله، وصار في الزندقة والإلحاد السيف والملك فعادوا الى ما كانوا عليه من الجاهلية.
ألا ترى ان من بالإحساء من القرامطة والباطنية «٢» لما غلبوا شتموا الانبياء، وعطلوا الشرائع، وقتلوا الحجاج والمسلمين حتى أفنوهم، واستنجوا بالمصاحف
_________________
(١) كتب في الحاشية: في اعتقاد القبط.
(٢) كان ابتداء ظهور القرامطة في الربع الرابع من القرن الثالث الهجري، وكانت دعوة سرية تسترت بستار التشيع ونكب العالم الاسلامي ببلائها مدة طويلة، وكان من اهم زعمائها زكيرة الاصفهاني او زكرويه بن مهرويه الذي قتل سنة ٢٩٤. انظر تاريخ الطبري.
[ ١ / ١٠٦ ]
والتوراة والإنجيل، وجاؤوا بزكيره الاصفهاني المجوسي «١» وقالوا هذا هو الإله في الحقيقة وعبدوه، وكان لهم معه ما هو مذكور معروف.
ومثل هذا/ صنع ابو القاسم الحسن بن حوشب بن زاذان الكوفي النجار «٢» حين ظهر بجبال لاعة من ارض اليمن، وكذا صنع من كان منهم بالجند «٣» وعدن من ارض اليمن، وسبوا العلويات، وكل هؤلاء كانوا في اول امرهم يخدعون الناس بأنهم شيعة، وأن المهدي ارسلهم.
وكذا صنع من كان منهم برقّاده والقيروان من ارض المغرب، الى ان قام ابو يزيد مخلد بن كدّاد «٤» بمن معه وحاربهم خمس سنين وضيق عليهم كما صنع الأصفر بأهل الإحساء «٥»، فلما انكشف أمر أبي يزيد عمن بالمغرب كفوا عن المكاشفة للعامة بشتم الأنبياء وتعطيل الشرائع، وصاروا يخدعون الناس سرا وينقلونهم عن الاسلام بالحيل والأيمان من حيث لا يشعرون شيئا شيئا، وانبثوا وانبسطوا، وبثوا ذلك في ممالكهم، ويقصدون بدعوتهم الديلم والأعراب وكل من يقل بحثه ونظره وله رغبة في الدنيا وشغل بها.
_________________
(١) كتب في الحاشية: «جاء القرامطة بزكيرة الاصفهاني المجوسي وقالوا: هذا هو الإله» .
(٢) الحسن بن زاذان المتوفي سنة ٣٠٢ هـ من اتباع ميمون القداح ارسله الى اليمن فخرج فيها واستولى على قسم كبير منها.
(٣) موضع في اليمن، ورسمها في الاصل: الجبد.
(٤) ورد هذا الاسم في تاريخ ابن خالدون غير مرة «كراد»، وفي عقد الجمان «كندار» وفي العبر للذهبي «كيداد»، ولعل الأصح ما اثبتناه هنا «كدّاد» . وهو من الخوارج الصفوية. انظر ابن خالدون ٤: ١٤٠، وعقد الجمان حوادث سنة ٣٣٤، والعبر للذهبي ٢: ٢٤٠، ٢٤٢، ٢٥٧.
(٥) يقصد ابا الفضل بن زكريا المجوسي الاصبهاني، كان قدم من اصبهان وموه على القرامطة ابي سعيد الجنابي واخيه ابي طاهر واصحابهما فاتخذوه كاله. وسبب تلقيبه بذلك انه كان يلبس عمامة صفراء وثوبا اصفر، قتله القرامطة بعد ذلك في أوائل الربع الثاني من القرن الرابع الهجري. انظر تجارب الأمم لمسكويه ٥٢- ٥٥ وما بعدها.
[ ١ / ١٠٧ ]
ثم يقطعونهم عن البحث والنظر بالعهود والايمان المغلظة، ومن دخل بلدانهم وشاهد عساكرهم وتأمل سيرتهم يعرف ذلك من قصدهم، بل من سأل واستبحث يعلم ذلك وإن لم يصر اليهم. وقد صاروا حرما للملحدة والزنادقة والفلاسفة والدهرية وجميع اعداء الاسلام، فمن هاجر اليهم أمن في إلحاده وقال ما شاء كيف شاء، فيا لها مصيبة بذهاب الاسلام وموت اهله وقلة العارفين به وبحقوقه، فان من بقي ممن يظن انه من اهله فمنهم من يشبّه الله بخلقه، ومنهم/ من يجوّره في حكمه وإلى غير ذلك.
وباب آخر [ما اشار إليه من اختلاف النصارى حول المسيح ﵇]
وهو ان هذه الطوائف الثلاث من النصارى أشد عالم الله تعظيما للمسيح وتحققا به وحبا له، يدّعون انهم شيعته واتباعه، وانهم اطوع الناس له، وان ما هم عليه عنه اخذوه، وبه اقتدوا فيه، وعلى وصاياه عملوا. وقال ﷺ: ان المسيح عبد الله ورسوله أتى الناس بما جاءهم الأنبياء قبله، من آدم ونوح وابراهيم واسماعيل واسحق ويعقوب والأسباط وموسى وهرون وغيرهم من الأنبياء صلوات الله عليهم اجمعين، من الدعاء الى عبادة الله وتوحيده وحده، والاخلاص له وحده بالعبادة والقدم والربوبية؛ وان النصارى قد كذبوا عليه، وبدّلوا دينه، وعطلوا وصاياه، وانهم ضاهوا بقولهم قول الذين كفروا من قبل، الذين اتخذوا المخلوقات آلهة وأربابا ودعوها وتضرعوا لها، كالفلاسفة والصابئين من اهل حرّان «١»، فانهم
_________________
(١) سمى صابئة حران بذلك لأنهم كانوا يسكنون مدينة حران من ارض الجزيرة، وقد عرفوا بعبادة الاجرام السماوية السبعة، وهذه العبادة بقية من الديانة الاشورية والبابلية.
[ ١ / ١٠٨ ]
اعتقدوا في الشمس والقمر والكواكب والسماء ما قدمنا ذكره، كالقبط الذين قالوا في فرعون ما ذكرنا، وكغيرهم؛ فقد قال بربوبية المخلوقات والمخلوقين خلق كثير، وشرح احوالهم يطول؛ وان المسيح ﷺ عدوّ لهؤلاء النصارى وبريء منهم فوجد الناس الأمر كما قال، وعلى ما شرح وفصّل، فكم في هذا من عجب، انه رجل عربي أمي يخبر عن رجل قد سبقه بنحو الف سنة، ولسانه غير لسانه، / وبلده غير بلده، وقومه غير قومه، يخبر عنه بأمور كان عليها.
وقد وجد ﷺ أمما ممن كانوا قبله يدعون التحقيق بهذا الرجل وهم على منهاجه وطرائقه، فلو كان منقولا لتهيب الاقدام على ذلك، وكان لا يأمن ان يكون القوم الذين سبقوه في الزمان وتحققوا بهذا الرجل قد صدقوا عليه، وانهم أتباعه كما ادعوا فلا يأمن ان يظهر كذبه، سيما وقد ادعى الصدق والنبوة والرسالة على اهل الارض كلهم وعقله الذي لا يدفع. فانظر كيف يتعرض لعظيمات الأمور، وجسيمات الخطوب.
وحكى عن ربه ﷿ ان النصارى ليسوا على شيء مما «١» جاء به احد من الانبياء، فقال: «وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا أَجَعَلْنا مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ» «٢» فأقدم على أشياء قد تدبر بها العقلاء وجبابرة الملوك قبله وفيه فضائحهم وهتكهم، فيؤخذ الامر كما قال، فلو لم يكن إلا هذا من أعلامه لكفى وشفى وأغنى.
_________________
(١) في الاصل: ما
(٢) الزخرف ٤٥
[ ١ / ١٠٩ ]
فإن قيل لكم ومن اعطاكم ان دين المسيح خلاف دين النصارى، وأنهم قد خالفوه؟
قلنا: من تأمل الامر وجدهم اشد الناس خلافا عليه واطّراحا لوصاياه في الاصول والفروع جميعا. فأما في الاصول فقد آمنوا وعبدوا ثلاثة آلهة وثلاثة أرباب كما قدمنا وتبيّنا، ولا يختلفون في ان المسيح عيسى بن مريم ليس بنبيّ ولا عبد صالح، وأنه إله حق من اله حق من جوهر ابيه، وأنه اله تام من اله تام، وانه خالق السماوات والارض والاولين والآخرين ورازقهم ومحييهم ومميتهم وباعثهم وحاشرهم ومحاسبهم ومثيبهم ومعاقبهم. وقد ذكرنا ما يقوله النسطورية من انه إله مركب من نوعين/ وطبيعتين، وبيّنا ما يرومونه من المغالطة. فإن قالوا: فإنا لا نفرد واحدا «١» من هذه الآلهة بالعبادة بل نعبدها كلها بعبادة واحدة، قيل له: ان هذا لا يخرجكم من ان تكونوا قد اشركتم في القدم واشركتم في العبادة، ولا يقدح فيما حكيناه عنكم، لأنه يصح ان نعبد مائة الف معبود بعبادة واحدة. وعلى انا نجدكم تفردونها وكل واحد منها بالانعام والايمان كما هو مذكور في تسبيحة الايمان وتسبيحة القربان، وتفردونها ايضا بالصنع والأفعال والخلق والتدبير، كما قلتم فيما كان منها من الافعال حين عمّده يحيى مما تقدم ذكره، وتقولون ان النازل من السماء حتى صار في بطن المرأة وصار هو وابنها بالاتحاد الذي فعله إلها واحدا ومسيحا واحدا، وانه هو الذي اظهر الآيات في الارض، وهو المقتول المصلوب، وهو الذي احيا نفسه بعد الموت، وصعد الى السماء، وجلس عن يمين ابيه. فهذه الافعال كلها الابن فعلها لا الأب.
_________________
(١) في الاصل: واحد
[ ١ / ١١٠ ]
فإن قالوا: كل فعل من هذه الافعال قد فعله الآلهة الثلاثة.
قيل لهم: هذا خلاف النصرانية وهو بيّن فيما قدمنا وذكرنا عنهم؛ وايضا فان فعلا واحدا لا يصح ان يفعله اكثر من حي واحد، ومقدورا واحدا لا يصح ان يقدر عليه اكثر من قادر واحد، وهو مبين في كتب العلماء، والنصارى لا تفهم ذلك ولا تحوجك إليه.
واعلم ان النصارى تعتقد ان الأب قد اختلع من ملكه كله وجعله لابنه، فهو يخلق ويرزق ويحيي ويميت، وقد سمعنا هذا ممن يحتج لهم ويخبر عنهم، وهو ايضا بين في تسبيحة/ ايمانهم. ألا تسمعهم يقولون: ونؤمن بالرب الواحد يسوع المسيح، ابن الله بكر ابيه، وليس بمصنوع، إله حق من إله حق من جوهر ابيه، الذي بيده اتقنت العوالم وخلق كل شيء، الى قولهم:
وهو مستعد للمجيء تارة اخرى للقضاء بين الاموات والاحياء. ويقولون في عباداتهم وصلواتهم ومناجاتهم: انت ايها المسيح يسوع تحيينا، وترزقنا، وتخلق اولادنا، وتقيم اجسادنا، الى غير ذلك مما هذا سبيله ويطول ذكره، فبيناهم يفردون كل واحد منها بفعل، وبيناهم يقولون: ان الامر كله قد رجع الى الابن وكله شرك.
فان قيل: فما الذي عندكم عن المسيح مما يخالف هذا وما حكيتموه عن النصارى؟
قلنا: أما في الاصول فانه قال لهم: الله ربي وربكم، وإلهي وإلهكم، فيشهد على نفسه انه عبد الله مربوب مدبر مصنوع، كما شهد عليهم انهم كذلك، وانه مثلهم في العبودية والضعف والحاجة، وذكر انه رسول الله الى خلقه، وان الله ارسله كما ارسل الانبياء قبله.
[ ١ / ١١١ ]
فذكر يوحنا في انجيله ان يسوع المسيح قال في دعائه: ان الحياة الدائمة انما تجب للناس بأن يشهدوا انك انت الله الواحد الحق، وانك ارسلت يسوع المسيح «١»، فانظر كيف يخلص التوحيد ويدعى النبوة. وذكر يوحنا انه قال لبني اسرائيل: تريدون قتلي وانا رجل قلت لكم الحق الذي سمعت الله يقوله «٢» . وذكر ايضا انه قال: اني لم اجىء لأعمل بمشيئة نفسي ولكن بمشيئة من ارسلني «٣» .
وقال ﵇: إن الكلام الذي تسمعونه مني ليس هو لي ولكن من الذي أرسلني والويل لي إن قلت شيئا من تلقاء نفسي «٤» . وكان ﵇ يواصل العبادة في الصلاة والصوم ويتنفل ويقول: ما جئت/ لأخدم وإنما جئت لأخدم، وقال: إني انا لست ادين العباد ولا احاسبهم بأعمالهم ولكن الذي أرسلني هو الذي يلي ذلك منهم «٥» . هذا في انجيل يوحنا.
وفيه ايضا ان المسيح قال: انهم يا رب قد علموا انك أرسلتني وقد ذكرت لهم اسمك «٦»، وقال المسيح: ان الله الواحد رب كل شيء أرسل ابن
_________________
(١) انظر انجيل يوحنا الاصحاح ١٢ فقرة ٤٤ وما بعدها، والاصحاح ١٧ فقرة ٢: «وهذه هي الحياة الابدية ان يعرفوك انت الاله الحقيقي وحدك ويسوع المسيح الذي ارسلته» . وفي الاصحاح ٣، ٣٦: «الذي يؤمن بالابن له حياة ابدية» .
(٢) انجيل يوحنا الاصحاح ١٨ فقرة ٣٧
(٣) المرجع السابق.
(٤) انجيل يوحنا الاصحاح ١٤ فقرة ٢٤
(٥) انجيل يوحنا الاصحاح ١٣ فقرة ٤٧ و٤٨
(٦) انجيل يوحنا الاصحاح ١٧ فقرة ٢٥ وما بعدها
[ ١ / ١١٢ ]
البشر الى جميع العالم لينقلوا الى الحق «١» . وقال ايضا: ان الاعمال التي أعملهن هن الشاهدات لي بأن الله أرسلني الى هذا العالم. وقال ايضا: ما أبعدني ان احدثت شيئا من قبل نفسي، ولكنني اتكلم واجيب مما علمني ربي.
وقال ايضا: ان الله مسحني وارسلني وانما اعبد الله الواحد ليوم الخلاص.
وسألوه عن الساعة متى هي فقال أنا لا اعلم متى ذلك ولا احد من البشر، ولا يعلم ذلك إلا الله وحده. وقال: ان الله ﷿ ما أكل ولا يأكل، وما شرب ولا يشرب، ولم ينم ولا ينام، وما ولد ولا يلد ولا يولد، ولا رآه احد، ولا يراه احد الا مات. وقال له رجل: يا ايها الخيّر علمني، فقال له المسيح: لا تقل لي هذا، فانه لا خيّر الا الله. وقال له رجل: مر أخي يقاسمني تركة ابي، فقال: ومن جعلني عليكم قاسما. وقال في دعائه لما سأل ربه ان يحيي الرجل الميت الذي يقال له إيلا عازر، يا إيل «٢»: انا اشكرك واحمدك، انك تجيب دعائي في هذا الوقت وفي كل وقت، فأسألك ان تحيي هذا الميت ليعلم بنو اسرائيل انك ارسلتني وانك تجيب دعائي «٣» . وقال في دعائه وقد خاف الموت ولم يزل/ يواصل الصلاة والتضرع والدعاء والبكاء، يا إيل: ان كان من مسرتك ان تصرف هذه الكأس المرأة عن احد فاصرفها
_________________
(١) ورد حول هذا المعنى في انجيل يوحنا عدد من العبارات منها: «انا لا اقدر ان افعل من نفسي شيئا، كما اسمع أو من، ودينونتي عادلة لأنني لا اطلب مشيئتي بل مشيئة الآب الذي ارسلني» . يوحنا، الاصحاح ٥/ ٣٠. ومنها: «لأن الاعمال التي اعطاني الآب لأكملها، هذه الاعمال بعينها التي اعملها هي تشهد لي ان الآب قد ارسلني، والآب نفسه الذي ارسلني يشهد لي. يوحنا ٥، ٣٦ و٣٧.
(٢) إيل لفظة آرامية تعني البطل، ثم اصبح يعنى بها بطل الابطال، ثم اصبحت تطلق بمعنى الله.
(٣) انظر تفصيل ذلك في انجيل متى، الاصحاح ٨، وانجيل يوحنا، الاصحاح ٤
[ ١ / ١١٣ ]
عني، وليس كما أريد انا بل كما تريد انت. وكان يرمي من فمه كعلق الدم جزعا من الموت، ويعرق ويقلق «١» . وكان اذا ذكر البعث والقيامة والحساب يكون منه البكاء والقلق والجزع ما لا يكون من احد، ويكون من صلاته وصيامه وعبادته وخشوعه ما لا يكون من احد من زمانه.
ومثل هذا من أقواله وافعاله اكثر من ان يحصى، وهو معهم وفي أناجيلهم، حتى لقد احصى اهل المعرفة والعلم، فوجدوا المسيح ﵇ له من الاقرار على نفسه بالعبودية والضعف والحاجة والفقر والفاقة، ولله ﷿ بالغنى والربوبية، ما لم يكادوا يجدونه لأحد من الانبياء والصالحين، ثم تقول فيه النصارى ما قد سمعت.
فإن قالوا: فقد حكى متى عنه في انجيله انه قال لتلامذته: سيروا في الارض وعمّدوا العباد باسم الآب والابن [و] «٢» روح القدس. وحكوا عنه انه قال: انا كنت قبل ابراهيم، وما اشبه ذلك.
قيل له: ليس المسيح اول من كذب عليه وانتم تعلمون ان مانيّ القس يدّعي التحقيق بالمسيح، وانه من اتباعه، وانه ليس احد على شريعته ووصاياه الا هو واتباعه، وان الانجيل الذي معه هو انجيله. وهو يذكر عنه انه كان يحرم على الناس كلهم وعلى نفسه النساء وذبائح الحيوان واكل اللحمان، وان هذا ما حلّ قط ولا يحل، ويلعن كل من احلّه. وانه كان تبرأ/ من ابراهيم وموسى وهرون ويوشع وداود، ومن كان يرى ذبح الحيوان وأذيته واكل اللحمان وغير ذلك. ويستشهد على ذلك بمواضع من الاناجيل
_________________
(١) انظر تفصيل ذلك في انجيل متى، الاصحاح ٢٧، وانجيل لوقا، الاصحاح ٢٣، وانجيل يوحنا، الاصحاح ١٩، وانجيل مرقس، الاصحاح ١٥.
(٢) الواو إضافة على الاصل يقتضيها السياق.
[ ١ / ١١٤ ]
التي معكم، وعندكم انه قد كذب على المسيح وافترى واخطأ فيما تأول، وان تزكية المسيح لهؤلاء الانبياء امر ظاهر لا ينصرف عنه التأويل.
قلنا: فهذه سبيلكم في دعاويكم على المسيح وانتم في هذا اشد فضيحة من المنانية، لأن تصديق المسيح للأنبياء وشهادته بما شهدوا به من توحيد الله وإفراده بالقدم والربوبية والحكمة أبين من كل بيّن وأوضح من كل واضح.
والعقلاء يردّون المجهول بالمعلوم، وما التبس بما اتضح، وما يحتمل بما لا يحتمل. وقد بلغ الجهل بالنصارى في بدعهم هذه أنهم يقصدون الى ألفاظ في التوراة وفي كتب الانبياء متحملة، يحملونها على ظنونهم السيئة وبدعهم هذه الفاحشة، فيقولون: انما اراد ابراهيم وموسى وهارون وسائر الانبياء وهو ما أردناه من ان الله ثالث ثلاثة، وأن الأرباب جماعة، وأن الله يصعد وينزل ويولد ويقتل. فيقصدون الى ما في التوراة من أن الله قال نريد ان نخلق بشرا على صورتنا ومثلنا «١» . فيقولون: هذا خطاب من جماعة، أما تسمعونه يقول: نريد، ولم يقل: أريد ان أخلق بشرا مثلي، لتعلموا أن الآلهة جماعة، وأنهم على صور وهيئات كهيئات الناس، وما أشبه هذا من الألفاظ المحتملة.
حتى تعدّوا الى القرآن فقالوا: «إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ»، قالوا:
فهذا خطاب من جماعة لا من واحد. وقالوا في قوله ﷿ «فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِبِ» «٢» قالوا فهذا أحد الآلهة والأرباب يقسم بالأرباب.
_________________
(١) جاء في التوراة في سفر التكوين، الاصحاح الاول: «وقال الله نعمل الانسان على صورتنا كشبهنا» .
(٢) المعارج ٤٠
[ ١ / ١١٥ ]
وقالوا في قوله ﷿: «وَوالِدٍ وَما وَلَدَ» / «١» قالوا: فإنما الإله يقسم بنفسه وولده. فيقولون: محمد قد جاء بالنصرانية وبمذهبنا، ولكن اصحابه لم يفهموا عنه. ويقولون في قوله ﷿: «إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ» «٢» .
قالوا فهذا الذي نقوله نحن: أنه من جوهر أبيه، ولا نريد بقولنا منه أنه بعضه ولكنه من جنسه ومثله. فيقصدون الى أقوام كإبراهيم والأنبياء صلوات الله عليهم وأمثالهم قد عرفت مذاهبهم ومقاصدهم فينصرفون عنها بالتأويلات ومحتمل الألفاظ. ومذاهبهم قد تحصلت حصلا لا يحتمل التأويل، لأن العلم بأن المسيح كان في توحيده على منهاج ابراهيم وموسى وهارون وداود ومحمد صلى الله عليهم لا يرتاب به من عرف أخبارهم وسيرهم ودعوتهم قبل العلم بنبوّتهم. فاعرف هذا فانه اصل كبير يعرفه من تأمل وأراد التبيّن وقد اعتفل في مثله خلق كثير من العقلاء.
ثم هناك من الكذب على الانبياء فضلا من التأول لما في كتبهم، كقولهم ان الانبياء قالوا قبل مجيء المسيح: ان الله سيجيء وتحبل به امرأة عذراء، ويؤخذ ويصلب ويقتل ويموت ويدفن. هذا مما هو اكثر من ان يحصى.
ويقال للنصارى لا فرق بين من ادّعى على المسيح انه ادّعى الربوبية وأن الله ولده وأنه ابنه على ما تعتقدون وتدّعون، وبين من ادّعى انه هو وضع تسبيحة الايمان وتسبيحة القربان، وأنه اتخذ البيعة، وجعل عيده يوم الاحد، وأخذ الناس في زمانه بأن يقولوا: يسوع المسيح إله حق من إله حق من جوهر ابيه، وأنه كان يأخذهم بأن يقسموا بعبد يسوع وعبد المسيح، وأنه
_________________
(١) البلد ٣
(٢) النساء ١٧١
[ ١ / ١١٦ ]
أحلّ الخنزير وأكله، وصلى الى المشرق، وعطّل الختان/ والوضوء والطهارة وغسل الجنابة، وأخذ اصحابه بصيام الخمسين، وشرع ذلك ودعا اليه، ومن بلغ هذا فقد تناهى في المكابرة والمجاحدة، اللهم إلا ان لا يكون يعرف اخبار المسيح والنصارى في زمانه، والنصارى بعد موته ومضيه، ولا عني بذلك. فسبيل من ادعى عليه ما يدعي عليه هذه النصارى وما تحكيه عنه وتتأوله عليه، كسبيل من ادّعى عليه الامور التي قدمنا ذكرها.
وفي النصارى قوم استبصروا وأسلموا وتتبعوا المواضع والألفاظ التي تدّعيها النصارى على المسيح، وقالوا لهم: ما نعلم المسيح قال ذلك، ولو قاله لما ضاق مجازة وتأويله، كقولهم انه قال: ابن البشر رب السبت، وأني قبل ابراهيم وأنّى بأبي وأبى بي، وما اشبه ذلك. فقالوا لهم: في التوراة ان موسى إله فرعون وإله هرون، وأن هرون رسول موسى الى فرعون، وأن يوسف قال للمصريين: ان العزيز ربهم. وذكروا لهم عن ابراهيم ولوط وداود وسليمان وعن غيرهم من الانبياء شيئا كثيرا، ولا حاجة بك الى ذكره ومعرفته، ولو عرفته لم يكن به بأس، ولكن ارجع ابدا الى اصل الدعوة والنحلة، والمعروف من قول النبي، ورد المجهول بالمعلوم، وقد استغنيت عن التأويل كما تقدم لك.
ومثل هذا ما يدعيه المنجمون على على رسول الله ﷺ انه كان يذهب الى ما يذهبون، لأنه قال في كتابه: «فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ فَقالَ: إِنِّي سَقِيمٌ «١»» وأنه قال: «فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ «٢»» و«فِي أَيَّامٍ نَحِساتٍ «٣»»
_________________
(١) الصافات ٨٨
(٢) القمر ١٩
(٣) فصلت ١٦
[ ١ / ١١٧ ]
وغير ذلك. فقال لهم اهل العلم: قبل كل شيء قد عرفنا من/ دعوة هذا الرجل وقصده قبل المعرفة بنبوته أن ما يكون في غد لا يعلمه ملك معرّب ولا نبيّ مرسل، ولا يعلمه إلا الواحد المنفرد بالقدم، فلا وجه للتعليق عليه بظواهر الألفاظ وبالتأويل، هذا لا يفعله عاقل ولا يذهب الغلط فيه على محصّل، وإنما يخادع بهذا اهل الغافلة.
وكذا قالوا الباطنية ومن سلك سبيلهم: في ان باطن الصلوات أشخاص وكذا العبادات، وان لكل ظاهر باطنا، غير ما عليه الفقهاء والعامة.
فقالوا لهم: ادّعيتم أنكم من المسلمين وقد علمنا من دعوة هذا النبي ﷺ قبل العلم بنبوته ان ما حرّمه من الزنى واللّواط والربا والخمر والخنزير والامهات والبنات والأخوات وغير ذلك محرم على كل عاقل بلغته دعوته كائنا من كان، وانه على ما عليه الفقهاء والعامة، وانه لا تأويل لذلك ولا باطن، وأن جميع ما اوجبه من الطهارات والصلوات والصيام والعبادات لا تسقط عن عاقل كائنا من كان على ما عليه الفقهاء والعامة لا تأويل لذلك ولا باطن، وان من قال: لهذه الأشياء باطن او تأويل، فقد كفر وأشرك وخرج من الاسلام خروجا ظاهرا.
ولا حاجة بنا الى ان نبيّن لكم تأويل الآيات التي سألتم عنها، فقد علمنا من قصده ﷺ ان مراده في ذلك غير مرادكم، وقصده غير قصدكم. مثل هذا قالوا لمن قال من هشام بن الحكم «١» واتباعه حين قالوا: إن الله لا يعلم ما يكون قبل ان يكون، لأنه قال: «وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ
_________________
(١) هشام بن الحكم (١٩٠ هـ) كان شيخ الامامية في عصره، ولد بالكوفة وسكن بغداد وانقطع الى يحيى بن خالد البرمكي. له مؤلفات كثيرة. انظر: منهج المقال ٣٥٩، لسان الميزان ٦: ١٩٤.
[ ١ / ١١٨ ]
وَالصَّابِرِينَ «١»» وأنه/ يفعل الجور والظلم. ولمن قالوا: يأمر بالفسق لقوله:
«أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها
«٢» فاعرف هذا فانه اصل كبير.
ثم رجعنا الى قولنا في النصارى.
فان قيل: كل هذا [الذي] «٣» حكيتموه عن المسيح موجود في الكتب التي مع النصارى، فكيف جعلتم ما حكاه نبيكم عن المسيح وعنهم من معجزاته وآياته؟ قلنا: قد فرغنا من هذا غير مرة وبيّنا ان هذا النبي ﷺ ما قرأ الكتب ولا قرئت عليه، ولا اختلف الى اهلها ولا اختلفوا اليه، ولا عرف ذلك إلا بوحي، وان كان موجود في كتبهم. كما انه لم يعرف قصة نوح وابراهيم ويوسف وموسى وهرون إلا بالوحي، وان كانت مذكورة في كتبهم.
فإن قيل: لعمرى إن من عرف دعوة المسيح يعلم ان دعوته الى توحيد الله كدعوة موسى وهرون ومحمد وأمثالهم من الأنبياء صلوات الله عليهم اجمعين، وأنه بريء من دعوة هذه الطوائف من النصارى كبراءته من دعوة المنانية، وكبراءة محمد وموسى وهرون من ذلك اجمع. ولكن قد جاء عنه انه كان يقول في الله [أنه] «٤» ابوه، فيقول: ارسلني ابي، وقال لي ابي، ومثل هذا كثير، فما عندكم فيه؟
قيل له: إن كان قد قال هذا فلا حجة للنصارى فيه، لأنهم قد قالوا إنه قال لنا: أنا أذهب الى ابي وأبيكم، وربي وربكم فلم يجعل لنفسه مزية عليهم، فإن وجب ان يكون هذا القول إلها وربا ومعبودا، وجب ان
_________________
(١) محمد ٣١
(٢) الاسراء ١٦
(٣) إضافة على الاصل يقتضيها السياق.
(٤) إضافة على الاصل يقتضيها السياق.
[ ١ / ١١٩ ]
يكونوا هم كذلك، وقد قال بعض الناس: إن/ الابن في اللغة العبرانية التي هي لغة المسيح تقع على العبد الصالح المطيع الوليّ المخلص، وان الأب قد تقع على السيد المالك المدبر؟ قالوا: وقد قال في التوراة: إن اسرائيل ابني وبكري وأولاده ابنائي؛ وعلى دعوى النصارى تجب لهم الإلهية وقد قال ايشيعيا النبي ﵇ في كتابه: إن الله ابو جميع العالم، وانتم معشر النصارى تذكرون ان متى حكى في انجيله عن المسيح انه قال: طوبى لكم معشر المصلحين بين الناس فإنكم تسمون ابناء الله. وقال متى في انجيله: ان المسيح قال للناس: ان اباكم السماوي واحد فرد. وقالوا: ان المسيح كان يقول في صلاته التي كان يصليها ويعلمها الناس: قولوا يا ابانا الذي في السماء انت قدوس اسمك، عزيز سلطانك، نافد امرك في السماوات والأرض، لا يعجزك ما طلبت، ولا يمتنع منك ما أردت، فاغفر لنا ذنوبنا وخطايانا ولا تعذبنا بالنار «١» . فينبغي على قول النصارى ان تكون هؤلاء كلها آلهة وأربابا، لتعلم ان اسم الأب يقع في تلك اللغة على السيد والمالك.
وقال المسيح لبني اسرائيل: لو كنتم ابناء ابراهيم لأجبتموني فاني ابن ابراهيم. وقد علمنا ان بني اسرائيل كلهم اولاد ابراهيم، وإنما اراد انكم لو كنتم اولياء ابراهيم.
وايضا فان النصارى تذكر عن بولص انه ذكر في الرسالة فقال بأن الروح نفسها تشهد لأرواحنا انا ابناء الله. وهم يقولون في الاشرار: انهم/ ابناء الشياطين ومثل هذا كثير في لغتهم، واستعمالهم في الابن بمعنى الوليّ المخلص، وفي الأب بمعنى السيد المالك الرفيع، ولهذا تقول النصارى في الجاثليق ابونا،
_________________
(١) انظر نص الصلاة في انجيل متى، الاصحاح ٦، الفقرات من ٩- ١٤.
[ ١ / ١٢٠ ]
فهذا كله في استعمالهم. ولكنهم لما اعتقدوا في الله ﷿ انه رجل وانسان وشخص وما هذه سبيله لم يرضوا «١» ان يجعلوا له ابناء إلا بالحقيقة من طريق الولادة «٢» والتناسل كما تقدم بيان ذلك لك. وهم يقولون: ان الله الأب قال لابنه يسوع المسيح اني ولدتك قبل ان اخلق كوكب الصبح.
وليس في هذه الطوائف الثلاث من النصاري من يقول: إن المسيح ابن الله على طريق التشريف والمجاز، بل هو إله تام من إله بام، واله حق من اله حق، من جوهر ابيه. فاعرف هذا.
باب آخر [ما جاء به الرسول حول الزعم بصلب المسيح، واختلاف النصارى حول الاناجيل، وتأثر المجتمعات النصرانية بعقائد الروم واخلاقهم]
من هذا الجنس، وهو ان هذه النصارى واليهود جميعا يدعون فيلاطس الرومي ملك الروم اخذ المسيح يتظلم اليهود منه وسلمه اليهم، فحملوه على حمار وجعلوا وجهه الى عجز الحمار وجعلوا على رأسه اكليل شوك، وطوفوا به تنكيلا. وانهم كانوا يقفدونه «٣» من ورائه ويأتونه من تلقاء وجهه فيقولون له: يا ملك بني اسرائيل من صنع هذا بك؟ سخرية منه «٤» . وانه لما ناله من الكدّ والشقاء عطش واستجدى وقال لهم: اسقوني ماء، فأخذوا الشجر المر واعتصروه وجعلوا الخل في ذلك العصير وأعطوه، فأخذه/ وهو
_________________
(١) عبارة لم يرضوا مكررة في الاصل.
(٢) في الاصل: الولاد.
(٣) قفده: صفعه على قفاه بباطن كفه. انظر القاموس المحيط.
(٤) جاء في انجيل متى، الاصحاح ٢٧: «فأخذ عسكر الوالي يسوع الى دار الولاية وجمعوا عليه كل الكتيبة وفروه وألبسوه رداء قرمزيا وصنعوا اكليلا من شوك ووضعوه على رأسه وقصبته في يمينه وكانوا يجثون قدامه ويستهزئون به قائلين: السلام يا ملك اليهود وبصقوا عليه وأخذوا القصبة وضربوه على رأسه» . وانظر ما يماثل هذا الصدد في انجيل مرقس الاصحاح ١٥ وانجيل يوحنا الاصحاح ١٩.
[ ١ / ١٢١ ]
يظنه ماء فغبّ فيه فلما وجد مرارته مجه فسعطوه به وعذبوه يومه وليلته «١» .
فلما كان من الغد وهو يوم الجمعة الذي يسمونه جمعة جشا سألوا فيلاطس ضربه بالسوط فضربه، ثم اخذوه وصلبوه وطعنوه بالرماح وما زال يصيح وهو مصلوب على خشبة يا إلهي لم خذلتني يا الهي لم تركتني، الى ان مات ونزلوا به ودفنوه «٢» . وادعى اليهود والنصارى العلم بذلك والمعاينة والمشاهدة، وانهم قد تلقوا ذلك الجمهور «٣» عن الجمهور، والامم عن الامم، وصار النصارى خاصة يسخرون من المسلمين اذا قالوا ما كان هذا من شيء، ويقولون: أي فائدة لصاحبكم في مكابرة الأمم المجمعة على ذلك، وقد سبقوه وكانوا قبله، وهم اهل هذا الرجل واصحابه، وبينهم ولد، ومعهم نشأ، وقد أجمع على ذلك عدوه من اليهود ووليه من النصارى، فأنكر نبيكم.
وهل هذا إلا كما قيل: رضي الخصمان وأبى القاضي. فنظر اهل العلم في قوله ﷺ، فاذا هو قد اخبر انهم قد قالوا ذلك وهم لا يعلمونه، وما معهم علم به ولكنه ظن يظنونه، فاذا الامر كما قال وكما اخبر، والعلم بأن الاعتقاد هو علم او جهل او ظن لا يعلمه إلا من قد صحب المتكلمين والنظارين وانقطع الى صنعة الكلام ومهر فيها وكدّ، وهذا رجل متكلف، فيعلم انه ما علم هذا إلا بالوحي من قبل الله وهذا من آياته العجيبة.
_________________
(١) جاء في انجيل يوحنا الاصحاح ١٩: «فلكي يتم الكتاب قال: انا عطشان، وكان اناء مملوآ خلا فجاؤا بسفنجة من الخل ووضعوها على زوفا وقدموها الى فمه» .
(٢) جاء في انجيل متى، الاصحاح ٢٧: «نحو التاسعة صرخ يسوع بصوت عظيم قائلا: ايلي ايلي لما شبقتني، اي الهي الهي لماذا تركتني» . وفي انجيل مرقس الاصحاح ١٥: «صرخ يسوع بصوت عظيم قائلا: الوي الوي لما شبقتني، الذي تفسيره الهي الهي لماذا تركتني» .
(٣) في الاصل: عن الجمهور
[ ١ / ١٢٢ ]
وتأمل الى إقدامه/ على أمتين عظيمتين من اهل التحصيل والعقل، قد أجمعوا على امر وسبقوه في الزمان، وهو اشد الناس حرصا على تالفهم وإجابتهم واستمالتهم، فأكذبهم وردهم، ولو كان متقوّلا لتهيّب ولم يقدم على ذلك خوفا من ان يكون الامر كما قالوا وكما ادّعوا فيبين كذبه ويرجع عنه من قد تبعه، لأن الانبياء يجوز ان يقتلوا ويصلبوا، بل قد قتل قوم منهم.
وأيضا، فليس في قتل المسيح طعن عليه ولا قدح في امره، وما به حاجة الى مخالفتهم في ذلك، بل قد كان ينبغي ان يكون الى تصديقهم في ذلك أحوج، ليكون تشنيعه على النصارى اقوى، لأنهم قد اعتقدوا فيه انه إله ورب وقد رأوه أسيرا مقهورا في يد عدوه ومصلوبا ومقتولا، ويزيد شناعته على اليهود لأنهم قد قتلوا نبيا آخر مضافا الى غيره من الانبياء الذين قد قتلوهم قبل المسيح. فتجنب ﷺ هذا كله مع الحاجة اليه، وقال: قد ادعوا أنهم قد علموا ذلك وليسوا به عالمين ولا متفقين، وما معهم فيه الا الظن فقال:
«وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ. وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ. وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّباعَ الظَّنِّ. وَما قَتَلُوهُ يَقِينًا» «١» أي ليس ثمّ يقين ولا سكون نفس، تقول العرب في الخبر المتيقن قتلته علما وقتلته يقينا. ثم قال: «بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ» أي صانه وعظمه ان تناله يد عدوه بالقتل والصلب، لأن الظن قد يصدق تارة، وقد تجتمع الجماعة الكبيرة فتصدق المخبر الواحد من طريق حسن الظن بخبره، ويكون قد صدق فيما أخبر، فيكونوا صادقين وإن لم يعلموا صدقه، وان ظنوا ان اعتقادهم لذلك علم. فانظر الى ذلك كيف بيّنه من كل وجه.
_________________
(١) النساء ١٥٧
[ ١ / ١٢٣ ]
فإن قيل: ومن ابن لكم ان الجماعات من اسلافهم ما شاهدوا ذلك ولا عاينوه كما ادّعوا؟ قيل له: من تأمل علم بعقله ان الامر كما قال ﷺ لا كما قالوا، لأن تلك الجماعات لو قد كانت شاهدت ذلك وعلمته لكان من لقيهم وسمع منهم في مثل حالهم في العلم بذلك، فكان يكون كل من لقي النصارى واليهود وسمع ذلك منهم عالما بذلك، فكنا نكون في مثل حالهم في العلم بذلك. ألا ترى أنا لما اخبرناهم بقتل حمزة وجعفر وعمر وعثمان وعليّ ﵃ شاركونا في العلم بذلك وصارت حالهم في ذلك مثل حالنا، فلما رجعنا الى انفسنا فلم نجدنا عالمين مع مخالطتنا لهم وكثرة سماعنا منهم، علمنا انهم ليسوا بذلك عالمين، وأن اعتقادهم لذلك ليس بعلم. فبهذا الدليل علمنا صحة دعواه ﷺ وكذب دعواهم في انهم بذلك عالمين.
وبهذا الاعتبار تعلم رحمك الله بطلان دعوى من ادّعى من اليهود ان موسى صلى الله عليه شافه اسلافه الذين كانوا معه وهم ستمائة ألف رجل شاب سوى/ المشيخة والنساء بأن شريعته مؤيدة الى أن تقوم الساعة، وأنه لا يحل تغير شيء منها البتة وأن من ادّعى خلاف ذلك فقد كذب وكفر. وادعت اليهود انهم بذلك عالمون، فقلنا: لو كنتم بذلك عالمين، وكان اعتقادكم لذلك علما، وقد حجكم من لقيتم من اسلافكم لكنتم حجة على اهل زمانكم، وكان يعلم ذلك بقولكم وأخباركم كل من شرح ذلك منكم، فلما كنا بذلك غير عالمين فإن اعتقادكم لذلك ليس بعلم. ألا ترى أنّا وكل من يسمع منكم يعلم ان موسى ﵇ كان يدّعي انه رسول الله، وأن الله اصطفاه وأرسله، وأنه صلى الله عليه كان يحرم الأمهات والبنات والأخوات والميتة والخنزير وذبائح الوثنيين، الى غير ذلك مما حرمه، وأنه كان يقيم السبت.
فلو كان ما ادّعيتم من تأييد شريعته لكان علمنا به كعلمنا بما قدمنا، بل
[ ١ / ١٢٤ ]
كان يكون اقوى من العلم بذلك، فلما لم يكن كذلك علمنا وتيقنا ان موسى ﵇ ما قال ذلك ولا دعا اليه ولا فرضه وأن الامر لم يجر المجرى الذي ادّعيتموه.
يزيدك وضوحا لذلك ان رسول الله ﷺ لما عهد ان شريعته مزيدة علم ذلك كل من سمع الاخبار ممن صدقه او كذبه، فلو كان الامر كما ادّعوا لعلمنا ذلك بأخبارهم كما علموا ذلك من شأن نبينا بإخبارنا اياهم وبسماعهم ذلك منا.
وهذا اصل كبير سبيلك ان تعنى به وتكبر مراعاتك له، فبه تعلم/ ايضا بطلان دعاوى النصارى في ادّعائهم قيام المسيح من قبره، وأنه ﵇ أقام معهم بعد قيامه من قبره اربعين يوما ثم صعد الى السماء وهم يرونه.
وهم يؤكدون هذا الكذب بأن يجعلوا له عيدا في يوم بعينه.
وبمثل ذلك تعلم بطلان دعواهم ان الخشبة التي صلب عليها المسيح وضعت على ميت فاذا هو حيّ يسعى، وأن هذا كان ببيت المقدس جهارا في يوم شهدته النصارى واليهود والروم وأمم لم يحصها إلا الله لكثرتها. ولهذا نظائر من دعواهم.
وبه تعرف بطلان دعاوى المجوس لزرادشت المعجزات.
وبمثل هذا تعلم بطلان دعاوى الرافضة ان النبي ﷺ استخلف امير المؤمنين عليا على امته، وفرض طاعته عليهم أجمعين من الأحرار والعبيد والرجال والنساء وجعله حجة عليهم. وادّعوا انهم قد علموا ذلك بإخبار جماعات اخبروهم بذلك، وأن اعتقادهم بذلك علم. فقلنا: لو كنتم بذلك عالمين وكان اعتقادكم لذلك علما، لساويناكم في العلم بذلك لكثرة سماعنا
[ ١ / ١٢٥ ]
منكم والخوض معكم فيه، فلما لم يكن كذلك، علمنا وتيقنا ان ذلك امر لا أصل له.
والعلم ببطلان دعاوى الرافضة في ذلك أقوى واظهر والادلة عليه أكثر، لقرب عهده وكثرة الخوض فيه، ولأن الذي ادعى ذلك لم يكن يدعيه ولا يذهب اليه، ولأمور كثيرة. والأدلة على ذلك اكثر من الأدلة على/ غيره.
والرافضة تسأل في ذلك عما تسأل عنه اليهود والنصارى والمجوس في الطعن على رسول الله ﷺ وفي نبوته. فيقولون لما اعتقدتم صدق محمد ونبوته فقال لكم: ان المسيح لم يصلب وان موسى لم يقل ان شريعته مؤبدة وصار إقراركم بذلك ناقضا لقولكم ومفسدا لدينكم، ومبطلا لأصولكم [ذهبتم عنه «١»] ولم تعترفوا به.
قيل لهم: قد عرفناكم انا انما عرفنا بطلان هذه الدعاوى بذلك الاستدلال والاعتبار الذي قدمنا وشرحنا قبل العلم بنبوته ﷺ وقبل المصير الى قوله وقول اصحابه، حتى لو استدلت الملحدة كما استدللنا لعلمت من ذلك ما علمنا، وحتى لو لم يبعثه الله ﵎ حتى يعتبر معتبر ويستدل مستدل لعلم بطلان هذه الدعاوى كلها لأنا وجدنا أمما امثالنا وفي زماننا يدعون امورا وعهودا قد كانت في العصور الخالية التي قد سبقتنا ادعوا العلم بها، فرجعنا الى عقولنا واختبرنا فدلت العقول على ان اعتقادهم لذلك ليس بعلم، وان خبرهم بذلك ليس بصدق، وانه لم يكن هناك شيء مما ادعوه ينقل اليهم، وانما هم قوم شبّه لهم فاعتقدوا امورا تموهت عليهم فسموا اعتقادهم علما وخبرهم نقلا.
_________________
(١) الكلمتان مكررتان في الاصل.
[ ١ / ١٢٦ ]
وايضا، فلو كنا انما نعترف بذلك خوف الفضيحة في بطلان ديننا فقد كان ينبغي ان نكون بذلك عالمين وان لم نعترف، كما يعلم اللص انه سرق وان لم يعترف خوف الفضيحة/.
وايضا فان كان الناس قد علموا أنّا قد علمنا فجحدنا وكابرنا فقد تعجلنا الفضيحة وعلم الناس جميعا ببهتنا ومكابرتنا فما سلمنا من الفضيحة المعجّلة، وهذا لا يذهب فساده على عاقل نظر وتدبر.
فان قالوا: فأنتم بذلك عالمون وان لم تعترفوا، قيل لهم: إنا إذا رجعنا الى انفسنا علمنا كذبكم على ضمائرنا، وكفى بذلك علما لنا بكذبكم علينا وبهتكم لنا، فانا لا نعلم ذلك بل لا نعتقده، فضلا ان نعلمه. بل نعتقد ونعلم بطلان ذلك، كما نعلم ان للعالم صانعا وانه واحد وان محمدا ﷺ رسوله الى خلقه.
وايضا، فان الجماعات الكبيرة لا تجوز ان تكتم ما قد رأته وسمعته وان ضرها ذلك وان ساءها، كما لم تجوز ان تفتعل ما لم يكن فتقول: قد كان ورأينا وسمعنا وان كان ما رأت ولا سمعت وان سرها ذلك ونفعها، وهذا في الكتمان اقوى واظهر وابين، لأن الكتمان اثقل، والصبر عليه اشد، والحفظ له اصعب، والناس الى القول اسرع، وهم عليه اخف، ولهم فيه فرح واسترواح، وعلتهم في الكتمان كالكرب والألم، فيستروحون باذاعته وينفرجون بالقائه، حتى انهم ليتحدثون بما فيه زوال نعمهم وسفك دمائهم، وحتى لقد ادعينا «١» ان ينكتم ما بين السلطان ووزيره وامثال ذلك ممن يجوز عليهم الكتمان، فان الكتمان قد يجوز على الواحد والاثنين والنفر
_________________
(١) كلمة مطموسة بالمداد، والقراءة اجتهادية
[ ١ / ١٢٧ ]
اليسير. وكذا الافتعال وان كان الافتعال امكن من الكتمان. ولهذا/ يتواصى العقلاء بالصمت والكتمان ما لا يتواصون بالقول، ويحذرون منه ما لا يحذرون من القول، حتى ان الصمت والكتمان لا يجوز إلا في عقلاء الرجال وفي افراد الناس، وهو فيهم أقل من القليل.
فاعرف هذا فان هؤلاء الملحدة كأبي عيسى الوراق، والحداد، وابن الراوندي، لما لم يجدوا في رسوله الله مطعنا ادعوا انه قد كانت له فضائح واكاذيب وحيل وقف عليها اصحابه واهله وكتموا ذلك لحبهم له ولئلا يفتضحوا باتباع كذاب. وانما يجوز ان ينكتم ما يكون بين اثنين من النفر اليسير مدة ما ثم يظهر، فأما ما يكون بين الجماعة فانه لا ينكتم، ولا يطمع العاقل في كتمانه ولا يحدث نفسه به وان ضره وان ساءه. ألا ترى ان النبي ﷺ، جاء باكفار اليهود والنصارى والمجوس، وبالبراءة منهم، وسفك دمائهم، وسبي ذريتهم، واستباحة اموالهم، ويأخذ الجزية من اهل عهدهم، الى غير ذلك مما شرعه من مكارههم، وكل ذلك قد ضرهم وساءهم وذهب برئاستهم واسقط من اقدارهم، وقد ودوا أن ذلك لم يكن قط، وان الله قد رفعه من قلوبهم ومن قلوب الخلق اجمعين، وهذا علموه حين نطق به النبي ﷺ وقاله وشرعه وهو وحيد ضعيف فقير، وهم قد نقلوا ذلك وأذاعوه ونشروه وتحدثوا به مع ما عليهم فيه، والدولة والعزّ والغلبة إذ ذاك لهم لا له.
وهذا حال امير المؤمنين مع معاوية وبني امية فإنهم قد كرهوا عقد أهل
[ ١ / ١٢٨ ]
المدينة له بعد عثمان، وكرهوا ما دعا إليه من تضليلهم، وما/ فرضه من مجاهدتهم وقتالهم وما بيّنه من نقضهم وتسفيههم، وودّوا ان ذلك لم يكن، وما طمعوا في كتمان شيء من ذلك ولا فيما كان له من الفضائل، وانه صلى الله عليه من البدريين والسابقيين، ومن الفقهاء والزهاد والاولياء، ومن العشرة ومن اهل الشجرة ومن اهل الشورى، وقد ساءهم كل هذا فما أمكنهم مع الملك والدولة ان يدفعوه عن شيء منه مع محبتهم لدفعه عنهم ومع كراهتهم لكونه، ولا ان يدخلوا معاوية وهو سيدهم ورئيسهم في المهاجرين ولا في الانصار، وقد ودوا ان ذلك قد كان، ولا امكنهم ان يخرجوه من ان يكون من الطلقاء وأبناء الطلقاء.
وانظر الى الشعراء الذين هجوا رسول الله ﷺ من قريش ومن غيرهم، ومن الكتب التي وضعها الملحدة وطبقات الزنادقة، كالحدّاد، وأبي عيسى الوراق، وابن الراوندي، والحصري، وآمالهم في الطعن في الربوبية وشتم الانبياء صلوات الله عليهم وتكذيبهم، فإنهم وضعوها في ايام بني العباس وفي وسط الاسلام وسلطانه والمسلمون اكثر مما كانوا إذ ذاك وأشد ما كانوا ولهم القهر والغلبة والعز، والذين وضعوا هذه الكتب أذلّ ما كانوا، وانما كان الواحد بعد الواحد من هؤلاء يضع كتابه خفيا وهو خائف يترقب، ويخفي ذلك عن اهله وولده، ولا يطلع عليه الا الواحد بعد الواحد ممن هو في مثل حاله في الخوف والذل والقهر، ثم ينتشر ذلك في ادنى مدة ويظهر حتى يباع في اسواق المسلمين، ويعرفه خاصتهم وعامتهم، ويتحدثون به ويتقولونه ويذكرونه وقد غمّهم ذلك وساءهم، وودوا ان ذلك لم يكن.
وكذا ما كان/ بالبحرين من ابي سعيد الحسن بن بهرام الجنابي «١» وولده،
_________________
(١) كبير القرامطة ومعلن مذهبهم، كان دقاقا من اهل جنابة بفارس ثم انتقل الى البحرين-
[ ١ / ١٢٩ ]
وما كان من ابي القاسم الحسن بن الفرح بن حوشب بن زاذان النجار الكوفي بجبال لاعة وعدن لاعة من ارض اليمن، وما كان من ابي الحسين محمد بن الفضل «١» بجيشان والجند والمذيخرة من ارض اليمن، وما كان لعبيد المتسمي بعبيد الله المهدي «٢» بأرض المغرب، وما كان بمن بعده من هذه الطوائف فإنهم كلهم لما تمكنوا وقد كانوا في اول امرهم يتسترون بالتشيع، فلما ظهروا وصاروا في جماعات وعساكر أغاروا على من جاورهم وقرب منهم، فشتموا الانبياء واستنجوا بالمصاحف، وسبوا المسلمات والعلويات، وغزوا مكة. وكان غزو مكة لقرامطة البحرين خاصة من ولد ابي سعيد، وغدروا بالحجاج بعد ان امنوهم، ولهم في قصد الاسلام ومكاره المسلمين ما هو معلوم ومكتوب. وكل ذلك مما قد ضرّ المسلمين وكرهوه، وودوا ان ذلك لم يكن، ثم هم يذكرون ذلك ويتقوّلونه ويدونونه، فتعلم ان الدول والممالك والقهر والغلبة لا تغطّي على الامور التي قد كانت ووقعت، وأن العقلاء لا يحدثون انفسهم بكتمان معايبهم التي قد كانت وتحصلت وعلم بها الناس مرة واحدة، ولا يحدثون انفسهم بكتمان مناقب اعدائهم وإن ساءهم وغمهم.
_________________
(١) - تاجرا، وجعل يدعو الى نحلته، ظفر على عدة جيوش للخلفاء العباسيين ثم صالحه المقتدر. استولى على هجر والاحساء والقطيف وسائر بلاد البحرين. قتله خادم له صقلبي سنة ٣٠١ هـ. مرآن الجنان ٢: ٢٣٨ والاعلام ٢: ١٩٩.
(٢) انظر كيفية اتصال احمد بن عبد الله القداح بمحمد بن الفضل هذا وتأثيره عليه وجلبه لصفه في الكامل لابن الاثير حوادث سنة ٢٩٦.
(٣) هو عبيد الله بن محمد الملقب بالمهدي، مؤسس دولة العلويين في المغرب وجدّ الفاطميين في مصر، في نسبه خلاف كثير. ولد بسلمية، وكانت دعاة ابيه قد مهدوا له الامر بالمغرب، بويع بالقيروان سنة ٢٩٧ وتوفي سنة ٣٢٢ هـ. ابن الاثير الجزء الثامن حوادث سنة ٢٩٦ وما بعدها.
[ ١ / ١٣٠ ]
يزيدك علما بذلك ان للفرس والروم والهند محاسن ومناقب لا يسترها أعداؤهم من المسلمين ولا يكتمونها وإن ساءتهم، وكذا ما للمسلمين والعرب من المحاسن والمناقب لا يدفعها أعداؤهم من هذه الامم، ولملوك بني امية مساوىء وهفوات كانت مذكورة متداولة في ايامهم وفي سلطانهم، وكذا لملوك/ بني العباس، ولملوك بني امية محاسن لا يدفعها اعداؤهم من ملوك بني العباس.
فاعرف هذا الباب وأطل فكرك فيه لتعرف غلط الملحدة، وتعرف بطلان دعاوى الشيع ان الصدر الاول من المسلمين غيروا النصوص والقرآن، فبدّلوا ووضعوا ما لم يكن، ونسبوه الى النبي ﷺ، وأخذه عنهم التابعون، وصار فيمن بعدهم من العلماء وطبقات المتكلمين والفقهاء فظنوه دينا وليس كذلك. وأن هذه الحيلة قد تمت على المعتزلة والفقهاء وعلى اصحاب الحديث والمرجئة والخوارج، وخفي عليهم موضع الحيلة في ذلك، وأن سلطان ابي بكر وعمر وعثمان ﵃ غطّى ذلك ومنع من ذكره، وأن عليّ ابن ابي طالب ﵁ لما ملك سلك سبيل الخلفاء وقبله وما امكنه إظهار تضليلهم الى ان خرج من الدنيا، لأن اعوانه وجنده كانوا شيعة ابي بكر وعمر وعثمان ﵃ فلو أومى الى تضليلهم لقتلوه وأبادوه، فالحجة في بطلان دعاويهم هذه كالحجة على الملحدة وجميع اعداء رسول الله ﷺ. على ان هذا الطعن على السلف انما وضعه لهم الملحدة الذين قدمنا ذكرهم فلكلهم كتب في نصرة دعاوى الرافضة على المهاجرين والانصار، وهم خدعوهم ولقنوهم هذه المطاعن لفرط عداوتهم لرسول الله ﷺ، فتمت حيلتهم عليهم وهم لا يشعرون. على انهم لا ينفصلون عن مطاعن الملحدة على رسول الله ﷺ ما أقاموا على بدعهم هذه، والحجة عليهم اكثر
[ ١ / ١٣١ ]
منها على كل مبتدع، كما ان الحجة على الشيع اكثر من هذا.
ثم عدت الى اليهود والنصارى فيما ادعوه من الصلب وغيره مما [قدمنا] «١» / فقيل لهم: إذا كان العلم بذلك قد شاع في الامم وعلمه العقلاء الذين سمعوا به [لكان] «٢» محمد ﷺ ومن كان في زمانه من الامم [الذين] «٣» صدّقوه واعتقدوا نبوته قد علموا ذلك لا محالة فكيف ادعى ان ذلك لم يكن، وهل يفعل هذا عاقل كائنا من كان، فكيف بعاقل يدعى النبوة والصدق ويريد من الامم كلها تصديقه واتباعه وهو اشد الناس حرصا على اجابتهم. وكيف اتبعته تلك الجماعات من قريش والأوس والخزرج واليهود والنصارى مع كثرتهم في جزيرة العرب، وهم يسمعونه يكذب ويبهت وهو يعلم انهم يعلمون انه قد كذب في ذلك، وهذا لا يكون مثله ولا يقع من العقلاء. ومن تدبر الأمور يعلم جهل من ادعى علم اليهود والنصارى بما قدمنا بأدنى تأمل، وكيف لم يجر في هذا قول معه فيقول له اعداؤه من قريش وغيرهم: ادعيت الصدق والنبوة ثم كذبت الكذب الظاهر وبهتّ الأمم البهت المكسوف، فقلت:
المسيح لم يقتل ولم يصلب، وهذه الامم كلها تعلم ذلك علما لا يرتاب به كما تعلم ان موسى وعيسى كانا في الدنيا، ومن كانت هذه سبيله لم يصدقه عاقل ولم يكن له رئاسة، وكيف لم يقولوا لمن اتبعه: يا هؤلاء، اكفرتم آباءكم، وضللتم اسلافكم، وانفقتم اموالكم، وعاديتم ملوك الارض وجبابرتها وجميع الامم، وسفكتم دماءكم في طاعة كذاب قد عرفتم كذبه وبهته.
وقد قيل لبعض مجادلي اليهود ونظارهم ممن قد قرأ الكتب، واكثر الاختلاف الى العلماء وكتب كتبهم، وادعى انه يتقدم على/ علمائهم من اهل
_________________
(١) زيادة مني يقتضيها السياق وإلا كانت العبارة ملتوية
(٢) زيادة مني يقتضيها السياق وإلا كانت العبارة ملتوية
(٣) زيادة مني يقتضيها السياق وإلا كانت العبارة ملتوية
[ ١ / ١٣٢ ]
عصره: أليس انما يعرف الاخبار من تأخر عمن تقدم؟ فقال: بلى، قالوا له: أليس اليهود الذين كانوا مع محمد ﷺ وفي زمانه قد علموا ان موسى قد قال إن شريعته مؤبدة؟ فقال بلى: فقيل له: فلم لم يقولوا لمحمد انت قد زكيت موسى وصدقته ووثقته وهو قد قال ووصى بأن شريعته مؤبدة؟
وفي هذا كفاية في كذبك وبطلان قولك، وهذا امر ظاهر بيّن يستدركه رعن النساء فضلا عن عقلاء الرجال، فأين كانوا عنه وقد خرجوا معه وفي عداوته الى شدائد الامور، من شتمه وهجوه والغدر به ومساعدة قريش في محاربته وبذل الاموال والمهج في مكارهه؟ فقال: قد قالوا ذلك له وأقاموا الحجة به عليه، فقيل له: من اين لك العلم بهذه الدعوى؟ فقال: قد علمت ذلك، فقيل له: فلم لم يعلمه خصومك كما علمته؟ فقال: مجّته الاسماع، فقيل له: ما تزيد على الدعاوى: فإنك ادعيت ان ذلك قد كان، فقيل لك من اين لك العلم به ولم لا علمه خصومك؟ فادعيت ان الاسماع مجّته، فانتقلت من الدعوى الى دعوى، وقرنت الدعوى بدعوى، ولا فرق بين دعواك هذه وبين دعوى من ادعى ان اليهود حين قالوا هذا له أحيا الله موسى وهرون وأظهر على ايديهما الآيات والمعجزات فكاشفا محمدا وشافهاه وأقاما الحجة عليه بمشهد من اليهود ومن اصحابه، وان ذلك قد كان وعلم ولكن مجّته الاسماع، فما اتى بشيء.
واعلم ان اقوى حجج اليهود هو دعواهم ان موسى نص على ذلك ووصى به وقد مر/ لك الكلام عليه من غير وجه فما يحتاج في الرد على اليهود اكثر منه.
فإن قيل: فأنتم قد طالبتم هذه الطوائف التي ادعت هذه الدعاوى وادعت العلم بها، فقلتم لليهود والنصارى: لو كان علمكم بالصلب لهذا الشخص
[ ١ / ١٣٣ ]
قد حصل لكم بإخبار جماعات كثيرة شاهدت ذلك لعلمنا ذلك بخبركم وبسماعنا منكم كما علمتم بإخبارنا لكم قتل جعفر وحمزة وعمر وعثمان وعلي ﵃، وقلتم: لو نصّ موسى النص الذي تدعونه وكنتم قد علمتم ذلك بإخبار الجماعات لكم لعلمنا ذلك بخبركم كما علمتم بإخبارنا اياكم عن نبينا ان شريعته مؤبدة. وقلتم للامامية وطبقات الرافضة: لو كان النبي نص على ما تدعون ووصى امته بذلك وفرضه عليهم، وكان اعتقادكم لذلك علما حصل لكم من قبل الجماعات التي اخبرتكم بذلك، لعلمنا ذلك باخباركم إيانا وسماعنا منكم كما علمتم وعلمنا نص عمر على اهل الشورى، وكما علمتم وعلمنا نص اهل المدينة على الامام علي ﵁ بالخلافة بعد عثمان، وكما علمتم وعلمنا نص ابي بكر على عمر، ونصّ معاوية على يزيد، ونص عبد الملك على الوليد، ونص المنصور على المهدي، فلم لا علم اليهود والنصارى والرافضة ان هذه الامور لم تكن كما علمتم.
قيل له: لو كانت، لجاءت مجيء امثالها مما ذكرناه وتحصّل العلم بها لنا كحصوله في تلك الأمور، وإنما يعلم ان ذلك لم يكن بما يستدل به كما استدللنا، ومن لم يستدل جاز ان يعتقد ان ذلك قد كان وإن لم يكن لتركه النظر والاستدلال، ويكون اعتقاده لذلك ليس بعلم وخبره ليس بصدق وإن ظنه علما وصدقا.
ولسنا ندّعي على هذه الطوائف انها كلها/ قد علمت وكابرت، وهذا يكون الاصل فيه ان يخبر به الواحد والاثنان او النفر القليل، فيقولون:
أخذنا هذا عن جماعات كثيرة فيصدقهم من سمعهم وبحسن الظن بهم، ويأتي «١» من بعد هؤلاء فيصدقهم، ويكثر من يعتقد ذلك، ويقول: من
_________________
(١) في الاصل: ويأت
[ ١ / ١٣٤ ]
قبلي قد اخذ هذا عن جماعات، فتكثر اهل هذه الدعاوى بعد ذلك ويغترون بكثرتهم.
وربما كان اصل المقالة تأويل آية من كتاب او من قول من يقتدى به فيعتقد التالي له انه نص فيقول: قد نص موسى او عيسى او محمد صلى الله عليهم على كذا في آية كذا في يوم كذا ويذكر ذلك القول. وذاك القائل ما اراد بقوله ما أراده هذا المتأول ولا قصد قصده. مثل ما اولت القرامطة في قوله ﵎ «وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِنًا «١»» قالوا: فقد أخبر أن من دخل مكة يأمن من القتل والخوف ونحن نرى الناس فيه يخافون ويقتلون، فقد ظهر كذبه، فإنا قد قتلنا المسلمين فيه، ولكن اتباع محمد ﷺ حمير لا يعقلون «٢» . والله ﵎ ما اراد ما ظنوا، ولا هذا خبر وإن كان لفظه لفظ الخبر، وإنما هو امر بأن من دخله فينبغي ان يؤمن ولا يخاف ولا يحل لأحد ان يخيفه. وهذا مثل قوله «وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ «٣»» وما اشبهه، فإن ظاهر هذا الخبر ومعناه الامر، أي يجب على المطلقة ان تتربص، وعلى الوالدة ان ترضع. ولكن الباطنية يقصدون البوادي والعجم ومن لم يشتغل بالعلم فيخدعونه بأنواع الخدائع، ويحلفونهم على كتمان ما يسمعون، فيغترون بهم. وهم افسدوا من بالبحرين، وكان ابتداء امرهم معهم التشيع، ثم رقوهم درجات الى ان جاؤوهم وجاهروهم/ بتكذيب الانبياء، فصار بتلك النواحي عداوة الاسلام مناكدة الى هذه الغاية.
ولإفراط جهل هؤلاء ما تم عليهم، وإلا ففي نصّ القرآن جواز القتل
_________________
(١) آل عمران ٩٧
(٢) ان القاضي كعادته يستعرض أقوال الخصوم وافتراآتهم مهما كان فيها من إيذاء للمسلمين ليردّ عليها بعد ذلك.
(٣) البقرة ٢٢٨
[ ١ / ١٣٥ ]
في المسجد الحرام. أما تسمع قوله ﷿ «وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ» «١» فأي شأن أبين من هذا.
ومثله قوله ﷿: «يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ» «٢» وقد قتل قوم ممن آمن بالنبي ﷺ قبل الهجرة وقتل فيه منهم قبل الفتح، وقد قتل هو ﷺ يوم الفتح فيه قوما، والأمر في ذلك ظاهر، ولا يذهب مثل هذا إلا على الغاية في الغافلة. فإن كان الامر على ما ظنه هؤلاء الجهال، فكيف لم تقل قريش والعرب واليهود والنصارى وأعداء رسول الله الذين كانوا معه وهم في طلب عثرة تكون له مثل ما قاله هؤلاء الجهال وأنكروا عليه ذلك.
ومما قاله هؤلاء الزنادقة ايضا: أن محمدا قد رجع عما كان يدّعيه من اليقين في امره وأظهر الشك بقوله في كتابه: «وَما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ» «٣» وقال: «فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ» «٤» .
فقيل لهم: إن كان أفاد بهذا الذي ظننتم، فلم لا كان أعداؤه من قريش والأعراب واليهود والنصارى انكروا ما انكرتم؟.
وكذا نقول لمن قال: إن اصحاب محمد صلى الله عليهم وسلم ارتد وابعده، فقيل له: من أين لك هذا؟ قال من نصّ القرآن لأنه قال: «أَفَإِنْ ماتَ
_________________
(١) البقرة ١٩١
(٢) البقرة ٢١٧
(٣) الاحقاف ٩
(٤) يونس ٩٤
[ ١ / ١٣٦ ]
أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ» «١»، فيقال له: انت اسوأ حالا في هذا من اولئك، لأن هذا ليس بخبر ولا ظاهره الخبر، وانما ظاهره الاستفهام، والله لا يستفهم لأنه بكل شيء عليم، وانما المراد به التثبيت والتنبيه كما قال:
«وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ» «٢» اي لا يخالدون ولا ينبغي/ لهم الخلود، وكذلك اولئك لا يرتدون ولا ينبغي لهم ان يرتدوا. ولما قال بعض المبتدعة بالتشبيه، وتأولوا النصوص قلنا لهم هذا.
وقد كثرت البدع والكذب على الانبياء بما لم يقولوه ولا أرادوه، ويدعون المبتدعة أن لهم سلفا امثالهم حتى يتصلوا بالانبياء فتغرهم كثرتهم وتغرهم زعماؤهم.
على ان النصارى لو رجعت الى أخبارها والى ما في أناجيلها الأربعة لعلمت أن المقتول المصلوب غير المسح، اذا كانت هذه الأناجيل معولهم.
لأنهم لما انتهوا الى ذكر المقتول المصلوب والصلبوت قالوا: إن اليهود «٣» قصدوا في خميس الفسح الى هيريدس صاحب فيلاطس ملك الروم، وقالوا:
هاهنا رجل منا قد أفسد أحداثنا وغرّهم ولنا عليك في الشرط ان تمكننا ممن هذه سبيله لننفذ حكمنا فيه؛ فقال لأعوانه: اذهبوا مع هؤلاء فهاتوا خصمهم، فخرج الاعوان مع اليهود فصاروا بباب هذا السلطان، فأقبل اليهود على الأعوان فقالوا لهم: هل تعرفون خصمنا فقالوا: لا، فقال اليهود
_________________
(١) آل عمران ١٤٤
(٢) الانبياء ٣٤
(٣) جاء في الحاشية: «في كيفية صلب اليهود رجلا على انه المسيح»
[ ١ / ١٣٧ ]
ولا نحن نعرفه، ولكن امشوا معنا فإنا لا نعدم من يدلنا عليه.
فمشوا، فلقيهم يهوذا سرخوطا وكان احد خواص المسيح وثقاته وكبار اصحابه واحد الإثني عشر، فقال لهم: أتطلبون يسوع الناصري قالوا:
نعم، قال: فمالي عليكم إن انا دللتكم عليه؟ فحلّ بعض اليهود عن دراهم كانت معه فعد ثلاثين درهما وسلمها اليه وقال: هذه لك. فقال لهم: هو كما قد علمتم صديقي وأستحي ان اقول هذا هو، ولكن كونوا معي وانظروا الى الذي اصافحه وأقبّل رأسه، فاذا أرسلت يدي من يده فخذوه.
فساروا معه وقد كثر الناس ببيت المقدس واجتمعوا اليه لإقامة هذا العيد من كل مكان فصافح يهوذا سرخوطا رجلا وقبّل رأسه/ وأرسل يده من يده وغاص في الناس، فأخذه اليهود والاعوان، فقال المأخوذ: ما لكم ولي؟
وجزع جزعا شديدا؛ فقالوا له: السلطان يريدك، فقال: مالي وللسلطان؟
فجاؤا به فأدخلوه على هيريدس وقد طار عقله خوفا وجزعا وهو يبكي فما يملك نفسه، فرجمه هيريدس لما رأى به من الخوف، فقال لهم: خلوا عنه، واستدناه واقعده وبسطه وسكّن منه وقال له: ما تقول فيما يدّعي هؤلاء عليك من انك المسيح ملك بني اسرائيل، هل قلت هذا او دعوت اليه؟
فأنكر ان يكون قال هذا او ادعاه ومع هذا فما يسكن قلقه، وهيريدس يسكّنه ويقول له: اذكر ما عندك [من حجة «١»] إن كان لك، فلا يزيد على إنكاره وانه لا يقول ذلك، وانهم هم الذين يقولون ذلك لا هو، وانهم قد ظلموه بهذه الدعوى وتقوّلوا عليه، فقال هيريدس لليهود: ما أراه
_________________
(١) في الاصل: وحجة، ولعل الصواب ما اثبتناه
[ ١ / ١٣٨ ]
يوافقكم ولا يقول ما تدعونه وما أراكم إلا متقولين عليه ظالمين له، هاتم الطست والماء لأغسل يدي من دم هذا الرجل.
ووجه فيلاطس ملك الروم الكبير الى هيريدس يقول له: بلغني ان اليهود رفعوا اليك خصما لهم فيه أرب ومعرفة فأنفذه الي لأفاتحه وأنظر ما عنده، فأنفذه اليه؛ فأدخل على فيلاطس وهو في حالة من الجزع والخوف والفلق، فسكّنه الملك وسأله عما ادعاه عليه اليهود من انه المسيح، فأنكر ان يكون فال ذلك ولم يزل يسائله ويباسطه ليذكر ما عنده وما معه وليسمع منه حكمة او يستفيد منه أدبا او وصية فما وجد عنده شيئا، ولا زاده على القلق والخوف والجزع والبكاء والانتحاب فرده الى هيريدس وقال له: ما وجدت في هذا الرجل ما قيل فيه وما عنده خير، ونسبه الى النقص/ والغباء، فقال هيريدس: الآن هو الليل فاذهبوا به الى الحبس، فذهبوا به.
فلما كان من الغد بكر اليهود وأخذوه وشهروه تلك الشهرة، وعذّبوه ونالوه بأنواع العذاب، ثم ضربوه في آخر النهار بالسوط، وجاؤوا به الى مبطخة ومبقلة «١» وصلبوه وطعنوه بالرماح ليموت بسرعة، وما زال يصيح بأعلى صوته وهو مصلوب على خشبة: يا إلهي اخذلتني؟ يا إلهي لم تركتني؟
الى ان مات. وان يهوذا سرخوطا لقي اليهود وقال لهم: ماذا صنعتم بالرجل الذي اخذتموه امس؟ قالوا: صلبناه، فتعجب من هذا واستبعده، فقالوا له:
قد فعلنا، وإن اردت ان تعلم ذلك فصر الى المبطخة الفلانية، فصار الى هناك، فلما رآه قال: هذا دم بريء، هذا دم زكيّ، وشتم اليهود، وأخرج الثلاثين درهما الذي اعطوه دلالة فرمى بها في وجوههم وصار الى بيته
_________________
(١) المبطخة مكان البطيخ، والمبقلة مكان البقل
[ ١ / ١٣٩ ]
فخنق نفسه «١» .
_________________
(١) نثبت هنا ما جاء في الاناجيل حول ما عرضه القاضي من تسليم يهوذا للمسيح، والاشارة التي اعطاها لهم ليتعرفوا عليه، وما جرى بعد ذلك من اخذه الى هيرودس وبيلاطس، وما دار بين السيد المسيح وهؤلاء من حديث، ولا نريد ان نعلق على ما نورده وانما سنكتفي بوضع هذا كله امام القارىء ليقارن ويتدبر. ما ورد حول تسليم يهوذا للمسيح: «حينئذ ذهب واحد من الاثني عشر (اصحاب المسيح) الذي يدعى يهوذا الاسخريوطي الى رؤساء الكهنة وقال: ما تريدون ان تعطوني وأنا اسلمه اليكم، فجعلوا له ثلاثين من الفضة، ومن ذلك الوقت كان يطلب فرصة ليسلمه» . متى، الاصحاح ٢٦، الفقرات ١٤ و١٥ و١٦. «ثم ان يهوذا الاسخريوطي واحدا من الاثني عشر مضى الى رؤساء الكهنة ليسلمه اليهم، ولما سمعوا فرحوا ووعدوه ان يعطوه فضة» مرقس، الاصحاح ١٤ الفقرات ١٠ و١١. ومثل ذلك في انجيل لوقا، الاصحاح ٢٢ فقرات ٣ و٦٥: «وكان يهوذا مسلمه يعرف الموضع لأن يسوع اجتمع هناك كثيرا مع تلاميذه. فأخذ يهوذا الجند وخداما من عند رؤساء الكهنة والفريسين وجاء الى هناك بمشاعل ومصابيح وسلاح. فخرج يسوع وهو عالم بكل ما يأتي عليه وقال لهم: من تطلبون؟ اجابوه: يسوع الناصري. قال لهم يسوع: انا هو، وكان يهوذا مسلمه ايضا واقفا معهم. فلما قال لهم اني انا هو رجعوا الى الوراء وسقطوا على الارض. فسألهم ايضا من تطلبون فقالوا: يسوع الناصري، فأجاب يسوع: قد قلت لكم اني انا هو فان كنتم تطلبونني فدعوا هؤلاء يذهبون» يوحنا، ١٨: ١- ٨. وأورد انجيل لوقا حادثة القبض على المسيح على النحو التالي: «وبينما هو يتكلم اذا جمع والذي يدعى يهوذا واحد من الاثني عشر يتقدمهم فدنا من يسوع ليقبله فقال له يسوع: يا يهوذا بقبلة تسلم ابن الانسان. ثم قال يسوع لرؤساء الكهنة وقواد جند الهيكل والشيوخ المقبلين عليه كأنه على لص: خرجتم بسيوف وعصي. اذ كنت معكم كل يوم في الهيكل لم تمدوا علي الايادي ولكن هذه ساعتكم وسلطان الظلمة» . لوقا، الاصحاح ٢٢: ٤٧- ٥٣. مع بيلاطس وهيرودوس: «فقام كل جمهورهم وجاؤا به الى بيلاطس. وابتدؤوا يشتكون عليه قائلين: انا وجدنا هذا يفسد الامة ويمنع ان تعطى جزية لقيصر قائلا انه هو مسيح ملك، فسأله بيلاطس: انت ملك اليهود؟ فأجابه وقال: انت تقول، فقال بيلاطس لرؤساء الكهنة والجموع: اني لا أجد علة في هذا الانسان، فكانوا يشددون قائلين: انه يهيج الشعب وهو يعلم في كل اليهودية مبتدئا من الجليل الى هنا. فلما سمع بيلاطس ذكر الجليل سأل: هل الرجل جليلي؟ وحين علم انه من سلطنة هيرودوس ارسله الى هيرودوس اذ كان هو ايضا ملك الايام في اورشليم. وأما هيرودوس لما رأى يسوع فرح جدا لأنه كان يريد من زمان طويل ان يراه لسماعه عنه اشياء كثيرة وترجى ان يرى آية تصنع منه وسأله بكلام كثير فلم يجبه بشيء، ووقف رؤساء الكهنة والكتبة يشتكون عليه باشتداد فاحتقره هيرودوس مع عسكره واستهزأ به وألبسه لباسا لامعا ورده الى بيلاطس فدعا بيلاطس رؤساء الكهنة والعظماء والشعب-
[ ١ / ١٤٠ ]
فانظر كم في هذا من عجب:
منها إقرار اليهود والروم انهم ما عرفوه، واخرى ان الذي دلّ عليه لو كان ظاهر العدالة لما عرف بخبره ولا بشهادته شيء، واخرى جزعه وقلقه وإنكاره، ولو كان هو المسيح لأخبر بذلك ولقال: انا هو الذي بشّر بي الانبياء، وانني كذا وكذا، سيما والحاكم بينه وبين اليهود ملك الروم وهم اعداء اليهود، وكان قد اقام الحجة عليهم، هذا لو كان نبيا «١»، فكيف وهو عند النصارى إله، فإن الانبياء يبدؤون الدعوى والحجة عند من لم يسأل ذلك فكيف بمن يسأل ويرغب اليهم.
وأخرى ان يهوذا سرخوطا قال: هذا دم بريء، وبرىء منهم ورد الدراهم ورجع الى بيته وقتل نفسه ندما على ما كان منه. فقلنا للنصارى:
فكم في هذا من دلالة على ان المقتول المصلوب غير المسيح، فأنتم لا الى/ حجج العقول ترجعون، ولا الى ما كتبتم وسطرتم تتدبرون، ولا على ما نعلم تعولون، ولكنكم تمشون مكبّين على وجوهكم.
وفي الانجيل معهم ان المسيح اخذ صندوقا يخزن فيه الذهب والفضة وكان خازنه يهوذا سرخوطا الساعي به، وان امرأة زانية اهدت اليه طيبا
_________________
(١) - وقال لهم: قد قدمتم الي هذا الانسان كمن يفسد الشعب وها انا قد فحصت قدامكم ولم أجد في هذا الانسان علة مما تشتكون به عليه ولا هيرودوس ايضا. لوقا، الاصحاح ٢٣: ١- ١٥. «وفي الساعة التاسعة صرخ يسوع بصوت عظيم قائلا ألوي ألوي (وفي انجيل متى ايلي ايلي: اي الهي الهي) لم سبقتني، الذي تفسيره الهي الهي لماذا تركتني. فقال قوم من الحاضرين لما سمعوا: هو ذا ينادي ايليا (وفي انجيل يوحنا: انا عطشان) فركض واحد وملأ اسفنجة خلا وجعلها على قصبة وسقاه» .. مرقس، ١٥: ٣٣- ٣٥.
(٢) في الاصل: نبي
[ ١ / ١٤١ ]
قيمته ثلثمائة دينار، وجعلت تمسح به قدميه وتمسح شعرها بأسفل قدميه، وان شمعن جاء وأنكر ذلك عليه، وقال: هذا سرف وفساد، وكان ينبغي ان تتصدق بثمن هذا على الفقراء «١» .
ولهذا ما قالت طائفة من اليهود ان يسوع «٢» بن مريم هذا الذي يعتقد المسلمون والنصارى ربوبيته الذي صلب وقتل هو ابن يوسف النجار، وهو رجل من اليهود برّ تقيّ صارت له رئاسة في اليهود، فحسده بعضهم للرئاسة وسعى به وأذلّه الى ان قتل مصلوبا. وهو ما ادّعى ما يقوله النصارى ولا ما يقوله المسلمون من انه المسيح وانه نبي. قالوا ألا ترون انه قد سئل عن ذلك عند هيريدس وعند فيلاطس وأنكر ذلك كله، ولو كان نبيا لاحتج بحجة وآيات، والبشارات به وأنه مولود من غير ذكر.
قالوا: ومما يؤكد هذا، ان النصارى قد كتبت في اناجيلهم ان يسوع هذا قال لأصحابه: ما يقول الناس فيّ؟ قالوا: منهم من يقول: إنك إليّا ومنهم من يقول: انك يوحنا الصائغ، قال: فأنتم اصحابي ما تقولون فيّ ومن انا عندكم؟ قالوا: الذي عندنا انك المسيح، قال: لا تقولوا هذا.
قالت هذه الطائفة من اليهود: أما ترونه قد نهاهم ان يقولوا «٣» انه المسيح، فما الذي يبقي بعد هذا من البيان. قالوا: وقد خاصمه اليهود ثلاث سنين، ورفعوه الى الملوك فما حصل عليه إقرار انه ادّعى انه المسيح
_________________
(١) انجيل متى الاصحاح السادس والعشرون.
(٢) ورد اسم المسيح ﵇ على اشكال متعددة، فقد رسم اسمه احيانا: ايسوع، واحيانا يشوع واحيانا اخرى ليسوع، وقد اثبتناها جميعا يسوع لشهرة هذا اللفظ.
(٣) في الاصل: يقولون
[ ١ / ١٤٢ ]
ولا انه نبيّ، ولا شهد عليه بذلك وليّه/ ولا عدوّه. والآيات والمعجزات التي تدعيها النصارى له لا أصل لها ما ادعاها هو ولا احد من اصحابه في زمانه ولا في الفرق الذين يلونهم، وإنما ادعي له ذلك بعد مضيه ومضيّ أصحابه بالأزمان والأحقاب، كما ادعت النصارى ذلك لبولص اليهودي «١» وهو معروف الحال والحيل والكذب والسقوط، وكما ادّعوا ذلك لجورجس «٢» والابامرقس «٣»، وكما يدّعونه في كل زمان لرهبانهم ورواهبهم وكله لا أصل له. فاحفظ رحمك الله هذا فانه يؤكد الحال في ان المسيح لم يصلب، وأن المصلوب غيره صلى الله عليه، وهو شديد على النصارى من كل وجه.
وفي الانجيل ان المسيح كان قائما في ناحية في موضع الصلب، وأن مريم ام المسيح جاءت الى الموضع فنظر اليها المصلوب فقال لها وهو على الخشبة:
هذا ابنك، وقال للمسيح: وهذه امك، وأن مريم اخذت بيده ومضت من بين الجماعة «٤» .
وفي الانجيل ايضا ان المسيح مات من غير ان يمسه شيء، وفيه ان امرأة سامرية قالت للمسيح: انت رجل يهودي ونحن لا نسقي اليهود الماء، فقال
_________________
(١) يقصد بولس، الشهير بالرسول في تاريخ النصرانية وقد مر سابقا.
(٢) يقصد مار جرجس، الذي تنسب له النصرانية عددا من الخوارق، وتعتبره كنيسة انكلتره حاميا لها وكذلك تفعل كنيسة روسيا. ويظن انه ولد في الرملة من فلسطين في النصف الاخير من القرن الثالث للميلاد ويقال انه مات سنة ٣٠٣ م. دائرة معارف البستاني ٦: ٤٢٧
(٣) اسمه العبراني يوحنا، واسمه اليوناني مأخوذ عن الروماني مرقس، يقال انه ابن اخت برنابا اللاوي القبرصي، وتقول كتابات الآباء المسيحيين انه كان مترجما لبطرس. انظر القول الصريح في سيرة يسوع المسيح، ص ١٣ جورج فورد.
(٤) جاء في انجيل يوحنا الاصحاح ١٩- ٢٦: «فلما رأى يسوع امه والتلميذ الذي كان يحبه واقفا قال لأمه: يا امرأة، هو ذا ابنك، ثم قال للتلميذ: هو ذا امك» .
[ ١ / ١٤٣ ]
لها: صدقت ايها المرأة في جميع ما قلت.
وفيه أن المسيح قال لأصحابه: إن الكهنة والربانيين جلسوا على كرسي موسى وهم يفتونكم فاقبلوا منهم فتياهم ولا تعملوا مثل أعمالهم، فإنهم يقولون وما يعملون.
وفيه ان مريم المجدلانية ومريم الاخرى إنما امتنعتا من بعثة الطيب لسيدنا المسيح يوم السبت للسّنة في حفظ السبت.
وفيه ان المسيح قال: شبهت جلوس هذه القبيلة السوء بصبيان جلوس في السوق يناديهم اصحابهم: غنينا لكم فلم ترقصوا ونحنا لكم فلم تبكوا، اتاكم يحيى لا يأكل ولا يشرب/ فقلتم: لا يأكل ولا يشرب، وأتاكم من البشر اكول شروب فقلتم: اكول شروب يدخل بيوت الزناة ويجالس الخطائين.
وفيه انه مرّ «١» على شمعون الصفا فقال له: يا شيطان.
وفيه أنه قال لبني إسرائيل: يا حيّات، اولاد الافاعي، تقرؤون الكتاب ولا تعقلون، تغسلون خارج الإناء وداخله مملوءة قذرا، تطلبون البر والبحر والسهل والجبل صاحبا لكم، فلو أوجدتموه علّمتموه طرائقكم حتى يصير شرا منكم، فلا أنتم دخلتم ملكوت السماء، ولا تركتم الناس يدخلون ملكوت السماء اذ لم تدخلوا.
فإن قال قائل: لعمري قد تبيّن ان النصارى قد قالت في عيسى بن مريم ﵇: انه ليس بنبي ولا رسول لله ولا بعبد صالح، وانه إله
_________________
(١) في الاصل مرة، ولعل الاصح ما اثبتناه
[ ١ / ١٤٤ ]
ورب وخالق ورازق، وان الله ثالث ثلاثة، وانه قتل وصلب. وقد قال صاحبكم في كتابكم: «أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ» «١» فقالت النصارى: فهذا كذب، فانا وإن قلنا فيه انه إله فما قلنا في امه انها إله.
قيل له: ما خبر عنهم انهم قالوا ذلك، وما هاهنا خبر فيقع فيه صدق او كذب، وإنما قال «أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ» وليس هذا خبرا، ولا من لا يعرف من العربية قليلا ولا كثيرا، وإنما ظاهر هذا القول الاستفهام والاستعلام، والله جل ثناؤه لا يجوز عليه ذلك، لأنه إنما يستعلم ويستفهم من لا يعلم ما استفهم وسأل عنه، وإنما معناه التقرير لاستخراج الجواب من المسؤول. وهذا كقوله لموسى صلى الله عليه: «وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى» «٢» وهو ﷿ اعلم بذلك من موسى. ولقوله لإبليس: «ما مَنَعَكَ/ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ» «٣» واذ أمرك، وهو ﷿ اعلم من إبليس بالمانع له فقال للمسيح: هل قلت هذا في نفسك او في امك الوالدة لك وهي اخص الناس بك وأوجبهم حقا عليك وأجلهم عندك، لتتبين براءة ساحته ﵇ من كل وجه. فقد بطل ما ظنه السائل من ان هذا خبر وهذا جواب شاف كاف.
وأيضا ففي النصارى من قد قال بمعنى هذا وان لم يصرح بلفظه، لأنهم قالوا إن مريم صفت حين قبلت الجوهر الإلهي وولدته، وكل جوهر لا يقبل
_________________
(١) المائدة ١١٦
(٢) طه ١٧
(٣) الاعراف ١٢، وقد اثبتت القراءتين: اذ امرتك واذ امرك
[ ١ / ١٤٥ ]
إلا ما في جوهره وسنخه «١» ولا يلد إلا ما في جوهره، وهذا جواب ثان بين نيران فيهم من قد صرح بذلك. وهذا بين في كتب البيعة الموجودة بكور الاهواز وغيرها من كور العراق بالقلم السرياني، وقد ترجم منه في رسالة كتبها عبد يسوع بن بهرين اسقف حران والرقة والمصيّر بعد ذلك مطرانا على الموصل والجزيرة الى قس يعقوبي يقال له بادوس: انت لا تنكر ان البتول الطاهرة إله كما تراه انت، بل إنسان كما نراه نحن» .
وهذا تصريح من هؤلاء بأن مريم إله والنسطورية تخالفهم في ذلك وتجادلهم، وهذا بيّن وانما ينكره من لا يعرف أقاويل النصارى وحقيقة النصرانية.
وعلى ان هذه الطوائف الثلاث منهم من يقول في مريم انها ام المسيح بن الله في الحقيقة ووالدته في الحقيقة، لا ام لابن الله الالهي، ولا والدة لابن الله غيرها، ولا أب لابنها إلا الله، ولا والد لابنها إلا الله، وان الله اختارها لنفسه ولولادة ولده وابنه من سائر النساء، ولو كانت كسائر النساء/ لما ولدت إلا عن وطء الرجال لها، وانما اختصت بهذا لأنها حبلت بابن الله وولدت ابن الله الذي لا ابن له في الحقيقة إلا هو ولا ولد له إلا هو، وأنها على العرش جالسة عن يسار الرب والد ابنها، وابنها عن يمينه. وهم يدعونها ويسألونها سعة الرزق وصحة البدن وطول العمر وغفران الذنوب، وان تكون لهم عند ابنها ووالد ابنها سورا وسندا وذخرا وشفيعا وركنا. فلو ان انسانا عظّم انسانا عشر هذا التعظيم وقال فيه عشر هذا القول لجاز في
_________________
(١) السنخ: الاصل، ومن السن منبته، ومن الحمى سورتها
[ ١ / ١٤٦ ]
لغة العرب بل في كل لغة ان يقال قد اتخذه إلها. ألا ترى الى قول الله تعالى «اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْبابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ «١»» وهم ما صاموا لهم ولا صلوا ولكن قلدوهم، فحرموا عليهم الحلال فحرموه، وأحلوا لهم الحرام فاستحلوه، وهذا دون ما قالوه في مريم.
وفي هذا المعنى قوله ﷺ: «تعس عبد الدنيا وتعس عبد الدرهم تعس عبد الخميصة «٢»» لما غلب عليه حب ذلك وشغفه به صار كالعبد له، فلو لم يكن معنا تلك النصوص فيمن قال منهم إنها إله فكان معنا خبر ونص أنهم ما قالوا انها إله لجاز مع هذا التعظم ان يطلق، فكيف وما اخبر انهم ما قالوا انها إله، ولقد عظموها ورفعوها على الملائكة والأنبياء وقالوا فيها ما يقال في الإله، وسألوها ما يسأل الإله من العافية والكفاية في الدنيا والآخرة كما قد تقدم لك ذلك حتى ان اليعقوبية لتقول في مناجاتها لمريم ﵇:
يا مريم يا والدة المسيح كوني لنا سورا وسندا وذخرا وركنا، والنسطورية تقول: يا والدة المسيح كوني لنا كذلك، ويأنون مسألة اليعقوبية ويقولون لليعقوبية: لا تقولوا/ يا والدة الله وقولوا يا والدة المسيح، فتقول اليعقوبية لهم: فالمسيح عندنا وعندكم إله في الحقيقة فأي فرق بيننا وبينكم في معنى هذا، ولكنكم أردتم ان تمخرقوا عند من لا يعرف هذا من قولنا وقولكم فتوهمونه انكم تتنزهون عن هذا وأنكم تقاربون المسلمين في التوحيد.
واعلم ان أفجاج النصارى يعتقدون ان الله اختار مريم لنفسه ولولده
_________________
(١) التوبة ٣١
(٢) حديث تعس عبد الدينار، هداية الباري الى ترتيب احاديث البخاري ١: ٣١٤ في كتاب الجهاد باب الحراسة.
[ ١ / ١٤٧ ]
وتحظّاها كما يختار الرجل المرأة ويتحظاها لشهوته لها، وقد حكاه النظّام والجاحظ، وقال: إنما يفصحون بهذا عند من يثقون به. وقد قال ابن الأخشيد هذا عنهم في «المعونة» وقال: اليه يشيرون، ألا ترى انهم يقولون لو لم يكن والدا لكان عقيما والعقم آفة، وهذا قول جميعهم والى البضاع يشيرون. وانت تجد ذلك في كتاب «المعونة» «١» وفي كتاب الجاحظ على النصارى، وأظن ابا جعفر الإسكافي قد ذكر هذا في كتابه على النصارى، وكل من خالط الرهبان وأرباب البيع وطاولهم وأنسهم عرف ذلك منهم.
فإن قال قائل: ادعيتم ان هذه الطوائف قد خالفت المسيح في الأصول والفروع وقد عرفنا بما ذكرتم مخالفتهم له في الاصول فمن اين لكم انهم قد خالفوه في الفروع؟ قيل له: كان المسيح يتدين بالطهارة، وبغسل الجنابة، وبوجوب غسل الحائض، وهذه الطوائف لا تختلف بأن ذلك ليس بواجب، وان للانسان ان يصلي وهو غير مطهر وغير مستنج، ويصلي وهو جنب، ولا يختلفون في ان الجنابة والبول والغائط وغير ذلك لا يقطع الصلاة، وان المصلي له ان يصلي وهو يبول وهو يتغوط وهو يجامع وان كان الجماع في زنى، فما هذا شيء يقطع الصلاة ولا يفسدها/ بل الافضل عندهم ان يصلي وهو جنب وهو يتغوط ويبول ويضرط، لأن ذلك ابعد من صلاة المسلمين واليهود، وكل هذا خلاف صلاة المسيح.
وكان المسيح يقرأ في صلاته ما كان الانبياء وبنو اسرائيل قبله وفي زمانه، وفي زمانه يقرؤون من كلام الله ومن قول الله من التوراة ومن زبور داود،
_________________
(١) المعونة: اسم كتاب لأبي الاخشيد وهو: احمد بن علي، يتكلم على مذهب المعتزلة، وله آراء خاصة يخالف بها الكثيرين منهم.
[ ١ / ١٤٨ ]
وهذه الطوائف من النصارى انما تقول في صلاتها كلاما قد لحنه لهم الذين يتقدمون ويصلون بهم، فجرى مجرى النوح والأغاني فيقولون: هذا قداس فلان، ينسبونه الى الذين وضعوه.
وهم يصلّون الى المشرق وما صلى المسيح الى ان توفاه الله إلا الى المغرب وبيت المقدس، وقبله داود والانبياء «١» بنو اسرائيل، وقد اختتن المسيح واوجب الختان كما اوجبه من قبله موسى وهارون والانبياء، وما صام هو واصحابه الى ان خرج من الدنيا الا اليوم الذي صامه بنو اسرائيل.
فأما هذه الخمسون يوما التي تصومها النصارى، وصوم نينوي، وصوم العذارى، فما صام شيئا منها قط، ولا اكل في الصوم ما يأكلونه، ولا حرّم فيه ما يحرمونه، ولا اتخذ يوم الاحد عيدا قط، ولا بنى بيعة قط، ولا عطل يوم السبت ساعة واحدة، ولا اكل خنزيرا قط بل حرمه ولعن أكلته كما فعل الانبياء قبله.
والنصارى تزعم انه رقى مريم المجدلانية فأخرج منها سبع شياطين، وان الشياطين قالت له: اين نأوي؟ فقال لها: اسلكي هذه الدابة النجسة، يعني الخنازير. وحرّم ذبائح من ليس من اهل الكتاب وحرم مناكحتهم، وسار في المناكح والطلاق والمواريث والحدود سيرة الانبياء قبله، وليس عند هؤلاء النصارى على من زنى او لاط او افترى او سكر حدّ البتة ولا عذاب في الدنيا ولا في الآخرة/.
وفي الجملة إن المسيح جاء لإحياء التوراة وإقامتها، وقال: إنما جئتكم
_________________
(١) في الاصل: وبني
[ ١ / ١٤٩ ]
لأعمل بالتوراة وبوصايا الانبياء قبلي، وما جئت ناقضا بل متمما، ولأن تقع السماء على الارض ايسر عند الله من ان تنقض شيئا من شريعة موسى، ومن نقض شيئا من ذلك يدعى ناقصا في ملكوت السماء. وما زال هو وأصحابه كذلك الى ان خرج من الدنيا وقال لأصحابه اعملوا كما رأيتموني اعمل ووصوا الناس بما وصيتكم به، وكونوا معهم كما كنت معكم، وكونوا لهم كما كنت لكم. وما زال اصحابه بعده على ذلك وكذلك، ثم الذين بعد القرن الاول من اصحابه، ثم من بعدهم بالدهر الطويل. ثم اخذوا في التغيير والتبديل، والبدع في الدين، وطلب الرئاسة، والتقرب الى الناس بما يهوون، ومكايدة اليهود وشفاء الغيظ منهم وإن كان فيه ترك الدين. وهذا بين في الاناجيل التي معهم وإليها يرجعون، وفي كتابهم المعروف بكتاب افراسكس «١»، فان فيه ان قوما من النصارى خرجوا من بيت المقدس وأتوا انطاكية وغيرها من الشام؛ فدعوا الناس الى سنة التوراة، والى تحريم ذبائح من ليس من أهلها، والى الختان، والى اقامة السبت، والى تحريم الخنزير، والى ما حرمته التوراة. وان ذلك شق على الامم واستثقلوه، فاجتمع النصارى ببيت المقدس، وتشاوروا فيما يحتالون به على الامم ليجيبونهم ويطيعونهم، فأوجب رأيهم مداخلة الامم والترخص لهم والانحطاط في اهوائهم، وترك مخالفتهم، والاختلاط بهم، والأكل من ذبائحهم، والتخلق بأخلاقهم، وتصويبهم فيما هم عليه. وانشؤوا في ذلك كتابا. وقد قال بولس في الكتاب الذي يسمونه السليح: انا قلت لهم الى كم تهودون الناس؟
وقال في السليحين: كنت مع اليهودي يهوديا ومع الرومي روميا،
_________________
(١) اي كتاب الحواريين، انظر الفهرست ص ٤١
[ ١ / ١٥٠ ]
ومع الارمائي ارمائيا «١» . وبولس هذا عندهم اجلّ من موسى وهارون وداود وجميع الانبياء، وإذا قرئت رسائله وكلامه في البيعة قاموا قياما اعظاما واجلالا له ولكلامه؛ ولا يفعلون ذلك بالتوراة التي هي عندهم كلام المسيح وهو كتبها لموسى وأرسله الى خلقه وخلق له البحر وقلب له العصا حية، ولا في الاناجيل وفيها كلام المسيح. وهو يقول لليهود: التوراة سنة حسنة لمن عمل بها، ويقول للروم وغيرهم من اعداء موسى والأنبياء:
التوراة مهبجة للبشر، وإذا وضع عن الناس شرائع التوراة فقد كمل بر الله وتمّ فضله، هذا كله مع النصارى وأعظم منه وأفحش. وقد عملوا عمل المسيح بالتوراة ووصيته الناس بالعمل بها.
انظر كيف ينسلخ الناس من العمل بشرائع الانبياء الذين يدعون انهم عليها ويخرجون منها، واعتبر وكن على حذر، فقد بدت هذه السيرة في هذه الأمة، فكم فيهم ممن قد عطل وصايا النبي ﷺ ونبذ سنته وهجر كتابه لأنه زعم انه مغير مبدل، وآخر يقول له باطن غير ما عليه الفقهاء والعلماء، الى غير ذلك من انواع البدع التي قد نشأت في الاسلام وغلب اهلها بالكثرة اهل الحق فيبدعونهم ويسبونهم وينفروا عنهم، وهكذا تتغيّر ملل الانبياء ﵈ ويموت العلم، كما قال رسول الله ﷺ: إن الله لا يقبض العلم انتزاعا من صدور الرجال، ولكن يموت العلم بموت العلماء، فاذا ماتوا اتخذ الناس رؤساء جهالا، فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا» «٢» . / ثم
_________________
(١) على هامش الصفحة كتب: «الأرمائي من يعبد الكواكب والأوثان» بخط مختلف عن خط الاصل، ويظهر انه خط ناسخه، او المعلق عليه.
(٢) كتب الناسخ على هامش الصفحة: «قال رسول الله ﷺ: ان الله لا ينتزع العلم انتزاعا من صدور الرجال الى آخره» والحديث في الجامع الصغير (شرح المناوي) ٣: ٢٧٢ رواه الامام احمد في سنده والبخاري ومسلم والترمذي وابن باجه عن ابن عمرو باسناد صحيح.
[ ١ / ١٥١ ]
المستأكلة ومن تكسب بالدين، وقد قال الله ﷿: «يا ايها الذين آمنوا إن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون اموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله» فهؤلاء العباد وهؤلاء العلماء وقد عرفك الله حال كثير منهم، فكيف بمن ليس بعالم ولا عابد. فاحذر كما حذرك الله، واقبل وصية رسول الله ﵇.
واعلم ان دين المسيح وديانات الرسل ﵈ لم تتغير ولم تتبدل جملة واحدة ولكن شيئا بعد شيء، وفي كل عصر وفي كل حين حتى تكامل تغيرها، وما زال اهل الحق فيها يقلون وأهل الباطل يكثرون حتى غلبوا ومات بهم الحق. فكان اصحاب المسيح بعده مع اليهود وبني اسرائيل في كنائسهم يقيمون صلاتهم وأعيادهم في مكان واحد وبينهم الخلاف في شأن المسيح، وكانت الروم تملكهم، وكانت النصارى تشكو اليهود الى ملوك الروم، وتبدي لهم الضعف الذي فيهم وتسترحمهم فيرحمونهم، وكثر هذا فكانت الروم تقول لهم:
بيننا وبين اليهود عهد ان لا نغير اديانهم، فلو خرجتم من أديانهم وفارقتموهم وصليتم الى المشرق كما نصلي وأكلتم ما نأكل واستبحتم مما نبيح نصرناكم وأعززناكم، ولم يكن لليهود عليكم سبيل بل صرتم اعز منهم.
قالوا: نفعل. قالوا فاذهبوا فهاتوا اصحابكم وهاتوا كتابكم. فجاؤا بأصحابهم فأخبروهم بما كان بينهم وبين الروم، وقالوا لهم هاتوا الانجيل وقوموا حتى نصير اليهم، فقال اولئك لهم: بئس ما صنعتم ولا يحل لنا ان نمكن الروم الانجاس من الانجيل وقد خرجتم انتم من الدين/ بإجايتكم الروم، ولا يحل لنا مخالطتكم، بل وجبت البراءة منكم ومنعكم من الانجيل والوصول اليه.
[ ١ / ١٥٢ ]
فوقع بينهم الخلاف الشديد. وعادوا اولئك الى الروم وقالوا لهم: أعدونا «١» على اصحابنا هؤلاء قبل اليهود، وخذوا لنا منهم كتابنا، فاستتر اولئك من الروم وفروا في البلاد. فكتب الروم فيهم الى عمالهم بنواحي الموصل وبجزيرة العرب. فطلبوا، فوقع منهم قوم فأحرقوا وقوم فقتلوا، واجتمع الذين أجابوا الروم وتشاوروا فيما يعتاضون عن الانجيل إذ قد فاتهم، فتقرر رأيهم على أن ينشئو انجيلا. وقالوا إنما التوراة موالد الانبياء وتواريخ اعمارهم فنبني الانجيل على ذلك، ويذكر كل واحد منا ما حفظه من ألفاظ الانجيل ومما تحدث به النصارى عن المسيح. فكتب قوم انجيلا. ثم أتى من بعدهم قوم وكتبوا انجيلا، وكتبوا عدة أناجيل، وسقط عنهم الكثير مما في الأصل. وكان فيهم الواحد بعد الواحد ممن يعرف امورا كثيرة في الانجيل الصحيح فأمسكوا عنها لتتم رئاستهم، ولم يكن في ذاك ذكر الصليب ولا الصلبوت، وهم يزعمون انها كانت ثمانين انجيلا، فلم تزل تقل وتختصر حتى بقي منها اربعة اناجيل لأربعة نفر عمل كل واحد في عصره انجيلا، وجاء من بعده فرآه مقصرا فعمل انجيلا هو عنده أصح من انجيل غيره واقرب الى الصحة. ثم ليس فيها انجيل بلغة المسيح التي كان يتكلم بها هو وأصحابه وهي العبرانية لغة ابراهيم الخليل وسائر الأنبياء، بها تكلموا وبها نزلت كتب الله على هؤلاء وغيرهم من بني اسرائيل، وبها خاطبهم الله، فتركها هؤلاء. وقد قالت العلماء لهم: عدو لكم معشر النصارى عن اللغة العبرانية وهي لغة المسيح والأنبياء قبله ﵈/ الى صائر اللغات حتى
_________________
(١) هكذا في الاصل، لعلها: ساعدونا
[ ١ / ١٥٣ ]
ما من نصراني يتلو هذه الأناجيل في فرض من فروضه بلغة العبراني حيلة ومكيدة وفرارا من الفضيحة. فقال الناس لهم: انما وقع العدول عنها لما قصده أصحابكم الأولون من الادّغال في المقالات، واحتيالا في تدليس ما وضعوه من الأكاذيب وسترا لما احتالوا طلبا للرئاسة، وذلك ان العبرانية هم كانوا اهل الكتاب واهل العلم في ذلك الزمان، فغيّر هؤلاء النفر اللغة بل عدلوا عنها كلها لئلا يفهم اهل العلم مذهبهم وقصدهم لسترها فيفتضحوا قبل تمكن مذهبهم ولا يتم لهم. فعدلوا الى لغات كثيرة ما تكلم المسيح وأصحابه بها، وليس اهلها من اهل الكتاب، ولا لهم علم بكتب الله وشرائعه، كالروم والسريانيين والفرس والهند والارمن وغيرهم من الأعاجم، وتلبيسا واحتيالا لستر العورة وتمام البغية في طلب الرئاسة من اولئك القوم القليل الذين طلبوها بالدين. ولولا دلك للزموا لغة ابراهيم وولده والمسيح الذين بهم قامت البيّنة، وعليهم أنزلت الكتب، وكان ذلك أولى بإثبات الحجة على بني اسرائيل وكفرة اليهود اذا ادعوا بلسانهم، ونوظروا بلغتهم التي لا يمكنهم دفعها. فاعرف هذا فانه اصل كبير.
واعلم رحمك الله، ان هذه الطوائف الثلاث من النصارى لا تعتقد ان الله أنزل على المسيح انجيلا ولا كتابا بوجه من الوجوه، بل عندهم ان المسيح خلق الأنبياء وأنزل عليهم الكتب، وارسل اليهم الملائكة. وانما معهم اربعة أناجيل لأربعة نفر، كتب كل واحد منهم انجيله في زمانه، وجاء من بعده فما رضي انجيل غيره، وكان انجيله أولى. وهم يتفقون في مواضع ويختلفون/ في مواضع، وفي بعضها ما ليس في بعض، وهي حكايات قوم رجال ونساء من اليهود والروم وغيرهم انهم قالوا كذا، وفعلوا كذا، وفيها من المحال والباطل والسخف والكذب الظاهر والتناقض البيّن شيء كثير. وقد تتبعه
[ ١ / ١٥٤ ]
الناس وأفردوه، واذا قرأه المتأمل عرف ذلك. وفيها شيء من كلام المسيح ووصاياه وأخباره قليل. فإنجيل منها عمله يوحنا، وانجيل منها عمله متى، ثم جاء بعدهما مرقس فما رضي بانجيليهما، ثم جاء بعدهم لوقا فما رضي بتلك الاناجيل فعمل انجيلا آخر، وكان عند كل واحد من هؤلاء ان صاحبه الذي تقدم وعمل انجيلا أنه قد ضبط أشياء وأخل بأشياء، وغيره اعرف واضبط.
ولو كان من قبله قد ضبط واصاب لما احتاج ان يعمل هو انجيلا آخر غير انجيل صاحبه، وليس احد هذه الاناجيل شرحا للآخر، كما يشرح من تأخر كتاب من تقدم فيحكي كلامه على وجهه ثم يشرحه. فاعرف هذا وانما وضعه لأن غيره قد قصر.
وعند هؤلاء الطوائف من النصارى ان هؤلاء الاربعة اصحاب المسيح وتلاميذه، وهم لا يعلمون ولا يدرون من هم ولا معهم في ذلك إلا الدعوى فقط، بل قد ذكر لوقا في انجيله انه ما رأى المسيح، فقال لوقا مخاطبا للذي عمل له انجيله وهو آخر من عمل من الاربعة: «عرفت رغبتك في الخير والعلم والأدب فعملت هذا الانجيل لمعرفتي ولأني كنت قريبا الى الذين خدموا الكلمة ورأوها» «١» . فهو قبل كل شيء قد أفصح بأنه ما رأى الكلمة- يعنون بالكلمة المسيح- ثم ادعى انه رأى من رأى المسيح، وليس هاهنا إلا دعوى بأنه رآهم ولو كان ثقة لما علم بخبره شيء، ومع هذا فقد ذكر ان انجيله أولى من انجيل غيره/. فلو تأمل النصارى لعلموا انهم ليسوا على شيء من هذه الأناجيل التي معهم، ولا معهم علم مما يدعيه اربابها
_________________
(١) كتب الناسخ في الهامش: الاناجيل الاربعة
[ ١ / ١٥٥ ]
والواضعون لها، وان الامر في ذلك على ما ذكرنا. وهو معلوم مذكور في انصرافهم عن ملة المسيح الى مذاهب الروم وتغريرهم وتعجلهم المنافع بسلطانهم واموالهم.
وقد كان بولص هذا يهوديا خبيثا شريرا، ساعيا في الشر، ومعينا للأشرار، وثائرا في الفتن، طالبا للرئاسة والدولة، محتالا فيها بكل وجه، وكان يقال له وهو يهودي: شاؤول، وكان يعين على النصارى. ثم خرج عن بيت المقدس وغاب غيبة طويلة، وعاد الى بيت المقدس وأخذ يعين النصارى على اليهود ويقول لهم: قولوا كذا، واصنعوا كذا، وفارقوهم وقاربوا الامم التي تعادي اليهود. فقال له اليهود: كيف صرت نصرانيا وما الذي دعاك الى هنا؟ فقال: الله ﵎ دعاني الى ذلك، وكان من قصتي اني خرجت من بيت المقدس أريد دمشق، فأدركني الليل بظلمته رهبّت ريح عظيمة وذهب بصري، وناداني الرب وقال لي: يا شاؤول أتلاطم الأشقاء تؤذي اصحاب ابني؟ فقلت: يا رب قد تبت، فقال لي:
ان كان كما تقول فاذهب الى حاييم اليهودي الكاهن ليرد اليك بصرك، فذهبت اليه وخبرته، فمسح يده على بصري فسقط منه مثل قشور البيض وفلوس السمك، وأبصرت كما كنت، وان الله استدعاني اليه الى السماء، فأقمت عنده في السماء اربعة عشر يوما، ووصاني بأشياء كثيرة، وقال لي: فيكم أمورا قبيحة لا اقولها لكم «١» .
فسخر منه اليهود وتعجبوا من حمقه وقحته، وصاروا به الى صاحب
_________________
(١) جاء في انجيل لوقا: «اذ كان كثيرون قد اخذوا بتأليف قصة في الامور المتبقية عندنا كما سلمها الينا الذين كانوا منذ البدء معاينين وخداما للكلمة، رأيت انا ايضا اذ قد تتبعت كل شيء من الاول بتدقيق، ان اكتب على التوالي اليك ايها العزيز ثاوفيلس لتعرف صحة الكلام الذي علمت به» الاصحاح الاول ١- ٥
[ ١ / ١٥٦ ]
قيصر ملك الروم عليهم، وكانوا إذ ذاك/ مغلوبين مع الروم. فقالوا له:
أما تعرف شاؤول هذا؟ فقال: بلى، اعرفه بالشر وهو يجيئنا في السعايات بالناس. فقالوا له: انه قد ادعى كذا وكذا، وذكروا له ما قال. فاغتاظ الرومي منه وأمر به فبطح ليضرب، فقال له: اتضرب روميّا؟ فقال:
أو رومي انت؟ قال: نعم، انا على دين قيصر ملك الروم وبرىء من اليهودية، فكف عنه لدخوله في دين الملك، وقال له: هاهنا مركب يأخذ الى القسطنطينية وأنت رومي وعلى دين الروم، فكن هناك ان كنت كما تقول، فقال: افعل، أنفذني الى بلاد الروم. فصار الى القسطنطينية، وتردد الى الروم، ولزم باب الملك وأغرى الروم باليهود، وذكرهم عداوتهم لهم، وما صنع بنو اسرائيل بهم، ومن قتلوا منهم، وخوّفهم شر اليهود، وانهم لا يأمنون دولتهم والكرّة عليهم، وذكر لهم كثرة اموالهم.
ومن عادة الروم لا تحتجب نساؤهم عن الرجال، وتركب امرأة الملك في موكب الملك مكشوفة الوجه، وتخاطب الناس، وتأمر وتنهي، فتقرب بولس هذا اليها وخاطبها في شأن اليهود. ومن عادة الروم أن لا يحل للرجل ان يتزوج بأكثر من امرأة واحدة ثم لا يفرق بينهما طلاق ولا هرم ولا عيب من العيوب بوجه ولا سبب، ولا يحل له غيرها الى ان تموت.
ونساء الروم تبغضن ديانات الانبياء من بني اسرائيل لما فيها من إباحة الطلاق وأن للرجل ان يتزوج ما أطاق المؤونة.
فقيل الشاؤول: انت من امة هذا سبيلها، فقال: لا، وما يحل للرجل اكثر من امرأة واحدة على احكام الروم، فنفق على النساء بهذا. وقرب من امرأة الملك فخاطبت الملك في غزو بين اسرائيل، وذكرت له ما يقول شاؤول، وسألته ان يسمع منه ففعل. وتقرب اليهم/ بأن تسمي بولص وهو
[ ١ / ١٥٧ ]
من اسماء الروم، والروم تكره الختان شديدا في الرجال والنساء، وتبعض الامم الذي تفعله. فقالوا لبولص في ذلك، فقال: نعم، هو ما ترون، وما يجب عليكم ختان، وإنما يجب على بني اسرائيل فانها امة قلفتها في قلوبها.
والروم تأكل الخنزير، فقال: ما هو حرام وما يحرم على الانسان شيء يدخل جوفه وإنما يحرم عليه الكذب الذي يخرج منه، وبنو اسرائيل لا تأكل ذبائح الوثنيين ومن ليس من اهل الكتاب والروم ليس كذلك، فصوّبهم بولص في هذا ونفق عندهم بكل شيء وما خالفهم في شيء، وكانت ديانات الروم اذ ذاك مننشرة أكثرهم يعظم الكواكب ويعتقد فيها انها تحيي وتميت وتنفع وتضر ولهم عندها هياكل وقرابين، ومنهم من كان على دين اليونانين من ان هذه الكواكب حية ناطقة رازقة وهي الأرباب، ويعتقدون صحة السحر، بالجملة إن دياناتهم كلها باطلة ضعيفة فاسدة. وكان بولص يذكر لهم فضل المسيح وزهده وانه كان مجاب الدعوة وكان يحيي الموتى، فكانوا يجتمعون اليه ويستمعون منه، وكان محتالا لا خبيثا، وكان الروم تصلي الى مشرق الشمس ولا ترى وجوب الوضوء ولا غسل الجنابة ولا الحائض ولا التوقي من البول والغائط والدم ولا تراه فحشا، وان الروم تزوج الوننيين وسائر الامم وبنو اسرائيل لا تفعل ذلك، فقالت الروم لبولص في ذلك، فقال: تزوج المؤمنة بالكافر فانها تطهره ولا ينجسها والولد بينهما طاهر. وقال: هذا انما تحرمه التوراة، والتوراة شر كلها واذا وضع عن الناس شرائع التوراة فقد كمل برّ الله وتم فضله. فاختلع بولص من ديانات المسيح/ وصار الى ديانات الروم. فاذا تبينت الامر وجدت النصارى تروموا ورجعوا الى ديانات الروم ولم تجد الروم تنصروا.
ثم قبل الملوك سعايات بولص باليهود واخذ برأيه فيهم، فصار اليهم وقتل
[ ١ / ١٥٨ ]
منهم القتل العظيم واخذ اموالهم واستصفاهم وعاد من عندهم بالرغائب، فقامت سوق بولص فيهم وازدادوا له حبا، وهذا الملك الذي غزا بني اسرائيل يقال له ططّس «١» . وقد كان للروم ملك يقال له بيلاطس خرج الى الشام بعد المسيح ﵇ وبعد اصحابه بالمدد الطويلة، وكانت له امرأة ببلاد الروم فماتت، فأراد ان يتزوج امرأة مكانها، ومن عادة الروم ان يعترض الرجل المرأة اذا اراد التزويج ويقلبها ويستقصي تفتيشها فإن صلحت له تزوجها، وان لم تصلح تركها. فوصف لبيلاطس امرأة بحران يقال لها هيلانة «٢» تكون في فندق بحرّان- والفندق هو الخان- فأشخصها وقلبها وارتضاها وتزوجها- وكانت نصرانية- فحظيت عنده، وسألته إعزاز النصارى والاحسان اليهم، فقال لها: إن اليهود يزعمون ان اصحابك هؤلاء اصحاب حيل وطلاب دنيا ورئاسة، فقالت: كذبوا، وانما اجيئك بهم لتراهم. فأنته بجماعة من الرهبان وقالت له: انظر اليهم والى مسكنتهم وضعفهم لتعلم كذب اليهود عليهم. فرحمهم ورقّ لهم وظن الجميل بهم، فأعزهم وصانهم ومكّن لهم في ممالكه بالشام وبلاد الروم، واحسن اليهم، فانبسطوا وكثروا واستطالوا على اليهود/. وكان لهذا الملك اولاد من المرأة التي كانت قبل هيلانة، وولد له من هيلانة هذه ابن يقال له قسطنطينوس.
وقد كان امر بولص عظم ببلاد الروم مع العامة والغوغاء واستهواهم بما يجري مجرى الرقى والطب والشعبذة والسحر، والروم الارمن تصدق بهذا كله وهي امة مفرطة الجهل بعيدة مما يستدرك بالفكر والنظر، يغلب عليها
_________________
(١) وقد ارسل بولس الى تيطس رسالته المشهورة حوالي سنة ٦٥ م
(٢) في الاصل: هيلانية
[ ١ / ١٥٩ ]
الفدامة والبلادة سيما في العامة فهي لا تعرف إلا المهن والصنائع، وان كانت ملوكها تتقدم في ظاهر الحياة الدنيا وتدبير الملك. ففطن بعض ملوكهم لبولص وتصفج احواله وحصّله وعلم انه محتال ممخرق طالب دنيا ورئاسة، فأحضره وسأله عن الختان فذمه وذم اهله ومن يفعله فسأله عن المسيح هل اختتن؟ وهل كان مختونا؟ وهل كان اصحابه من الحواريين كذلك؟ قال:
نعم ثم كشف عنه فإذا هو مختون، ووجده قد ساعد الروم في دياناتها وهي خلاف ديانات المسيح واصحابه وانها كفر وضلال عند المسيح واصحابه، وقد كان اصحاب بولص في رجله داء الفيل وهو يدعي انه يطبّ ويبرىء فأمر الملك به فصفع وحلقت لحيته وصلب. فقال لهم: لا تصلبوني طولا كما صلب ربنا المسيح، ولكن اصلبوني عرضا. والملك الذي صنع هذا ببولص يقال له بيرن، ففترت النصرانية ببلاد الروم وانكسروا. وملك اولاد بيلاطس بعده، وانتهى الملك الى ابنه قسطنطينوس، وكان ظاهره على ديانات الروم غير ان والدته هيلانة هذه قد/ غذته بحب الصليب، وعودته عادة النصارى وما يقولونه في المسيح، وظهر في جسمه برص وكانت الروم لا تملّك عليها من به برص، بل كان محرما عندها تمليك البرص. فغمّه ذلك وأهمه وكتمه وانطوى على قمع الروم وصرفها عن هذا الرأي في كراهة تمليك البرص، وكانت تغزوهم امم فاتفق غزو السرجان والبربر إياهم فعبّا عساكره على هياكل الكواكب، وقصد الى مشيخة الروم والراسخين في ديانات الروم وانفذهم الى العدو، ولم يستظهر لهم على عدوهم بالمكائد والجواسيس كما يفعل الملوك ومن يدبر العساكر فتم عليهم ما يكرهون من القتل وانهزام من بقي فكان يظهر الحزن والكابة ويقول: قد استظهرنا وعبّأنا على هياكل الكواكب التي تعظمها وقد عظمتها آباؤنا قبلنا، وقربنا لها القرابين، وما نراها تنفعنا
[ ١ / ١٦٠ ]
ولا تغني عنا، وما زال يدبرهم بهذا التدبير ويقول هذا القول، وانه ما ينبغي ان يعبد احد ما لا ينفعه، وهذا وقت الحاجة واوان الشدة فما تدفع هذه الكواكب عنا، فينبغي ان يستبصر الانسان ويعبد ما ينفعه ويدفع عنه. ثم قال: هاهنا امرأة رأت في منامها قائلا يقول لها استنصروا بهذا، واخرج اليهم صليبا. واتفق موت امير الجند الذي غزاهم فانصرفوا عنهم، فقال هو ومن كان على رأيه وهواه هذا ببركة الصليب. وكانت عادة الروم ان تجعل على راياتها الأهلة وما هو على صورة الهلال تبركا بالقمر والنجوم ولأن القمر/ اخف الكواكب سيرا، فحطوها وجعلوا مكانها الصلبان فهم على هذا الى هذه الغاية.
ثم ابتدأ في التدبير في نقل الروم عن تعظيم الكواكب الى تعظيم الصلبان، وكان الفلاسفة في بلدهم كثيرين، وكانوا يعظمون الكواكب، ويدعون انها حية ناطقة، ويستطيلون على الناس، ويدلون على الملوك، ويدعون انهم أخص الخاصة، ولا يتكسبون، ويعتادون البطالة، ويعولون على اموال الناس، ويفسدون الأحداث ومن يصغي اليهم من ملك او سوقة، ويدعون العزائم والطلسمات وانهم ينفعون بها ويضرون، وانهم يدركون علم المغيبات بصنعة النجوم، ويهولون بالهندسة والأشكال. وكان قسطنطينوس هذا خبيثا مفكرا صبورا متصفحا امر هؤلاء الفلاسفة وما يدعونه في النجوم والطلسمات فوجده باطلا كله، وجد القوم محتالين ممخرقين ومفسدين، فابتدأ في قتلهم على طبقاتهم، وفي احراق كتبهم وابطال هياكلهم. فمكث على ذلك حتى خلت أبنيته منهم، وكانت مدينة الفلاسفة فما بقي منها إلا حرّاث ودبّاغ وصبّاغ، وجعل الهياكل التي كانت للكواكب بيعا، وأسكنها الرهبان وقال: هؤلاء المساكين أرجى من اولئك الجهال الممخرقين الكذابين، وسلط
[ ١ / ١٦١ ]
الرهبان والعامة عليهم في كل مكان، لا يظهرون بكتاب طب ولا هندسة إلا أحرق وبادر على من كان على رأي الفلاسفة فتبرأ منهم، وأعان عليهم، وانبسطت أمه هيلانة في ذلك، وبسطت الرهبان والنصارى/ واستعدتهم «١» من كل مكان فجعلتهم اصحاب اخبار لابنها وأعوانا، واستظهرت بهم، واظهر هو تعظيم المسيح والصليب، وأقام ديانات الروم على حالها كما كانت من الصلاة الى المشرق وغيرها مما تقدم ذكره، فما أزال إلا عبادة الكواكب وما زاد إلا تعظيم المسيح والقول بربوبيته، وتعظيم الصليب. ولم يكن هذا بالبعيد عن الروم لأن من اعتقد في الكواكب وهي جماد موات أنها أرباب وتنفع وتضر لم يبعد عنهم ان يقولوا في انسان حي عاقل مميز قد قيل لهم انه كان يحيي الموتى، وانه إله، وانه وابوه وزوجته خلقوا الكواكب. وكان هذا سهلا على اهل المغرب، ألا ترى ان القبط ومن بمصر كانوا يعتقدون إلهية فرعون وانه لا إله لهم غيره. وسار قسطنطينوس هذا الى الجزيرة فقصد حرّان وأعمالها وكانوا في تعظيم الكواكب أشدّ مما كان بأثينية وبلاد الروم، فوضع فيهم السيف حتى أبادهم، وهرب من هرب منهم في الجبال فطلبهم بنفسه، وكانوا يعيبون البرص فكان له فيهم فضل حرص، فقال له قواده: لا تبعث في طلبهم فان الثلج الذي في هذه الجبال سيهلكهم، فان بقيت منهم بقية جعلناهم حجامين للروم وجميع النصارى واصحاب الصوامع والرهبان ليعرف منهم حقيقة النصرانية وما ينبغي ان يقرر مما يؤخذ الناس به فلا يتجاوزونهم، وان من تجاوزه قتل. فاجتمع عنده نحو ألفين من رؤسائهم وقرّر أشياء
_________________
(١) استعداه: استغاثه. انظر القاموس المحيط.
[ ١ / ١٦٢ ]
من تسبيحة الإيمان، وكان فيهم من يخالف اولئك ويقول: كلمة الله/ مخلوقة وان المسيح كلمة الله وكان هناك إيرلس ومقدنيوس، وأونامس، وأولو فريانوس واصحابهم، ممن يقول: الكلمة مخلوقة وكلام الله وقوله خلق من خلقه، فشغبوا عليهم ووقف الأمر وبطل ذلك التقرير.
ثم اجتمع بعد ذلك ثلثمائة وثمانية عشر رجلا بنيقية من بلاد الروم وعملوا تسبيحة ايمانهم التي قد ذكرت، فأتوا بها قسطنطينوس فأخذها وعمل عليها وأخذ الناس بها فمن لم يقبلها قتله. فاحتاج اولئك ان يظهروا قبولها خوف السيف، وأبطل ما سواها عن التقرير، وحصل من كان على دين المسيح في كل مكروه، واخذوا بتعظيم الصليب وأكل الخنزير وديانات الروم، وكان من لا يأكله يقتل.
وكان في الصابئين من اهل حران من لا يأكل الباقلاء ويزعم انه عدو للفلك لأنه مكعّب والفلك كروي، فكان يطبخ الباقلاء في ابواب البيع ويجمع الناس إليها ويقال لهم: اخرجوا ولا يبقى منكم احد إلا اكل الباقلاء ومن لم يأكله قتل ورمى برأسه، وهناك سيّافة قد جردوا سيوفهم فمن لم يأكله قتلوه.
ولم يزل قسطنطينوس في الملك خمسين سنة مشغولا بقتل من لم يعظم الصليب ولم يقل بربوبية المسيح حتى تأكد ذلك وتمكن، واوصى الملوك بعده بذلك وأكد عليهم وعهد فيه اليهم وقال: هو أولى من تعظيم الكواكب وآراء الفلاسفة، وأوثق هذا العهد على اولاده وقواده واوليائه وجعل الملك في اولاده. والروم يصفونه بالحزم والشهامة/ وانه فيهم كأردشير بن بابل «١»
_________________
(١) ذكر الطبري ملكين من ملوك فارس بهذا الاسم، احدهما: اردشير بن بابك بن ساسان-
[ ١ / ١٦٣ ]
ملك فارس في الفرس. وقام اولاده بعده في الملك فأكدوا عهوده وقرروا في كل حين شيئا بعد شيء في النصرانية الى ان جاء ملك منهم فرأى ان يجعل يوم الأحد عيدا لهم يجتمعون فيه كما لليهود يوم السبت، وكان هذا بعد قسطنطينوس بالدهر الطويل. وعملوا لذلك سنهودس، وكان للروم واليونان عيدا يسمونه ميلاد الزمان وهو عند رجوع الشمس في كانون، فجعلوه ميلاد المسيح وزادوا ونقصوا، وهو عيد لهم عظيم وهو الذي يقيمه النصارى ويسمونه الميلاد وليلة الميلاد وهذا سببه وأصله، وما كانت النصارى في زمن المسيح واصحابه من بعده يعرفون هذا العيد ولا يقيمونه. وكان للروم والصابئين ايام يصومونها تجرى مجرى التقرب الى الكواكب يمسكون فيها عن اكل اللحم، فلما صاروا الى القول بإلهية المسيح أقاموها ثم زادوا فيها من اشياء ونقصوا، وهم اليوم يصومونها خمسين يوما الى زوال الشمس ثم يفطرون في بعض الأيام، هكذا يصومون ببلاد الروم.
والروم هم الأصل في هذه الطوائف الثلاثة من النصارى، ثم تفرعت منهم اليعقوبية أصحاب يعقوب، ثم من بعد اليعوبية النسطورية وهم اصحاب نسطورس وهم يختلفون في الصيام، فإن هؤلاء الذين بالعراق لا يصومون في كل يوم نصفه كما تصوم الروم، ولهم ايام، أعني الذين ببلاد الاسلام، ينظرون فيها بعد صلاة العصر يتحسون الخمر في البيعة وهو القربان عندهم، وقد قال بولص: إن دم هذا الشراب هو دم الربّ وهذا/ البرشان هو لحم الرب فمن
_________________
(١) - ابن عم دارا بن دارا والمطالب بدمه وهو من ملوك فارس الاوائل والموصوفين بالشدة والشجاعة. وثانيهما اردشير بن هرمز بن نرسي بن بهرام بن هرمز بن ساسوبو بن اردشير بن بابك وهو احد احفاد اردشير الاول، وقد وصف بالبطش والشجاعة ايضا. والاول اكثر شدة ولعله هو المقصود هنا.
[ ١ / ١٦٤ ]
ارتاب في ان هذا لحم الرب ودمه فلا يأخذه ولا يذقه وان ذلك لا يحلّ له.
والبرشان «١» هي اقراص تخبز وتحمل الى البيعة وتثرد في الخمر وتؤكل تقربا.
والمسيح ﵇ ما صام هو وأصحابه إلا الصوم الذي صامه بنو اسرائيل.
قالت هذه الطوائف من النصارى: إن كان المسيح ما صام هذه الايام الخمسين فقد صام حين اسره الشيطان اربعين يوما بلياليها فجعلناها نحن خمسين يوما، قلنا: هبنا صدقناكم في ذلك فمن اين وجب عليكم مثل ذلك وانتم تقولون ان موسى صام ثمانين يوما بلياليها فلم يطعم فيها شيئا البتة وكان ذلك في دفعتين، وزعمتم ان ايليا «٢» صام اربعين يوما بلياليها فما وجب على قوم موسى الصيام الذي صامه موسى ولا عليكم صيام ذلك. وبعد، فقد عاد المسيح اليكم حين اطلقه الشيطان وبقي معكم فما صام صومكم هذا ولا امركم به ولا صام هو واصحابه إلا صوم بني اسرائيل، فعطلتم الصوم الذي تعلمونه يقينا وصمتم صوما ما صامه ولا امركم به.
وفي انجيلهم ان الشيطان اسر المسيح وحصره اربعين يوما ليمتحنه، وان المسيح امسك عن الأكل والشرب خوفا من ان تتم عليه حيلة الشيطان، وانه قال له وهو معه وفي يده: إن كنت ابن الله فقل لهذه الصخور تصير خبزا، فقال له المسيح مجيبا: أن مكتوب أنّ حياة الانسان لا تكون بالخبز بل بكل كلمة تخرج من الله. ثم ساقه الشيطان الى مدينة بيت المقدس فأقامه
_________________
(١) كتب في الاصل في الحاشية: البرشان
(٢) في الاصل: اليا
[ ١ / ١٦٥ ]
على قرنة الهيكل وقال له: إن كنت ابن الله فارم نفسك/ من هاهنا فانه مكتوب ان الملائكة توكل بك فلا تعثر رجلك بالحجر، قال المسيح:
ومكتوب لا تجرب الله إلهك. ثم ساقه الى جبل عال فأراه جميع ممالك الدنيا وزخرفتها وقال له: إن خررت على وجهك لي ساجدا جعلت هذه الدنيا كلها لك كما جعلتها لمن قبلك، فقال له المسيح: اغرب ايها الشيطان فانه مكتوب اسجد للرب إلهك. ثم بعث الله ملكا اقتلع الشيطان من مكانه ورماه الى البحر وأطلق السبيل للمسيح «١» . فهذا من الجهل الذي خبرتك انه مكتوب في اناجيلهم وهو زعموا حجتهم في صومهم، فهل سمعت بشيطان يأسر إلهه ويحصره وينقله من مكان الى مكان ويطمع في إلهه ان يستعبده والشيطان لا يقدر ان يأخذ حمار اليهودي، وعند النصارى انه قد اخذ ربه الى ان جاء الملك فخلصه وفك اسره. وعند النصارى ان المسيح لما ظهر ربط الشيطان عن الخلق وأطفأ ثائرته وأزال اذاه وشرّه، وهاهنا يقولون اشد ما كان قوة عليه وتسلطا عليه وهو ربه وإلهه، ففكر واعجب.
وكان للروم والصابئين دخن وبخورات في الهياكل للكواكب والأصنام،
_________________
(١) جاء في انجيل متى: «ثم اصعد يسوع الى البرية من الروح ليجرب من ابليس، فبعد ما صام اربعين نهارا واربعين ليلة جاع اخيرا. فتقدم اليه المجرب وقال له: ان كنت ابن الله فقل ان تصير هذه الحجارة خبزا، فأجاب وقال: مكتوب ليس بالخبز وحده يحيا الانسان بل بكل كلمة تخرج من فم الله. ثم اخذه ابليس الى المدينة المقدسة واوقفه على جناح الهيكل وقال له: ان كنت ابن الله فاطرح نفسك الى اسفل لأنه مكتوب انه يوصي ملائكته بك فعلى اياديهم يحملونك لكي لا تصدم بحجر رجلك، قال له يسوع: مكتوب ايضا لا تجرب الرب الهك. ثم اخذه ايضا ابليس الى جبل عال جدا وأراه جميع ممالك العالم ومجدها وقال له: اعطيك هذه جميعها ان خررت وسجدت لي، حينئذ قال له يسوع: اذهب يا شيطان لأنه مكتوب للرب الهك تسجد واياه وحده تعبد» الاصحاح الرابع من انجيل متى.
[ ١ / ١٦٦ ]
وهي قائمة عند النصارى ما عطلوها، وهي في البيع يسمونها دخنة مريم وبخور مريم، وما عرفته مريم ولا المسيح ساعة قط ولا اصحابه، ولا استعملوا ذلك، فجعلوا هذا بخور مريم كما جعلوا صومهم للمسيح، وكما جعلوا الخمر والقربان لحمه ودمه.
وكانت الروم مع عبادتها الكواكب تعظم الأصنام وتصورها في الهياكل، فبقيت على ذلك/ بعد اجابتها الى تعظيم الصليب، وما كان منهم في ذلك قصور، والمسيح وأمه وأصحابه عوضا من تلك الأصنام. ثم تركوها شيئا شيئا على الايام والدهور.
وهم كانوا يستبيحون الزنا ولا يمتنعون منه فبقوا على ذلك بعد تعظيم المسيح فهو مبثوث بينهم وفي مدنهم وأسواقهم منتشر، يقولون: المرأة اذا لم يكن لها زوج ولم تختر الزواج وآثرت الزنى فهي املك بنفسها ولها ان تفعل ذلك، والملك يسعر ذلك، ويقيم له الحكام والولاة فلكل إنزالة تكون من الرجل فلس واحد، وكل اربعة افلس قيمتها دانق فضة. وللقحاب في بلدانهم اسواق كثيرة، ولهن دكاكين، تفتح حانوتها وتتزين وتجلس على بابه بارزة مكشوفة. وليس عندهم في كشف السوءة والعورة من الرجال والنساء تحريم ولا خطر، بل المرأة الحرة منهم تزف الى زوجها راكبة فتمر بالناس في الاسواق مكشوفة الوجه والرأس، وقد ارسلت ضفائرها وتجدلت بها، وأبدت محاسنها كلها لينظر كل احد اليها، ويقال ان الغالب على ذوات الازواج العفاف، فأما من ليست بزوج فحالها كما وصفنا، وربما كانت تزني في بيت ابويها، ومن جاء من هؤلاء الزواني بولد حملته الى البيعة ان شاءت وسلمته الى البطرك والمطران والقس، وقالت: قد وهبت هذا للمسيح ليكون خادما له وقيّما في البيعة، فيجزونها خيرا ويقولون لها: قديسة
[ ١ / ١٦٧ ]
طاهرة مباركة، هنيئا لك رضى المسيح وثوابه ويدعو الناس لها ويهنئوها بالثواب، وهناك من المرضعات والكاملات لمثل اولاد «١» الزنا هؤلاء جماعة.
وهم يأبون الختان، / ويخصون الاطفال، وإذا سبوا المسلمين نظروا الى اطفالهم فخصوا منهم القطعان الكبيرة وألقوهم، فيموت منهم الكثير. وهم يدعون الرأفة والرحمة وكانوا في اول الاسلام يحترزون على الاسارى لقوة الاسلام وضعفهم ليفادوا بهم، فلما ساءت سيرة ملوك الاسلام وقلت مبالاتهم به، وصار يغزوهم مثل علي بن حمدان «٢» سيف الدولة، ومن بمصر اعداء المسلمين يقبضون اوقاف الثغور، هان المسلمون على الروم، وهم يقولون دولة الاسلام قد زالت منذ نحو ثمانين سنة، وأنت اليوم في نحو سنة خمس وثمانين وثلثمائة.
ثم عدت الى ذكر سيرة النصارى، وليس الخصاء من شريعة التوراة ولا إباحة الزنا لتعلم ان الروم ما تنصرت ولا اجابت المسيح، بل النصارى ترومت وارتدّت عن دين المسيح وعطلت اصوله وفروعه وصارت الى ديانات اعدائه وهو ما عليه هذه الطوائف الثلاث من النصارى، فعلوا هذا طلبا للرئاسة وعاجل الدنيا كما قد وجدته في كتبهم وفي إقرارهم مما تقدم ذكره لك.
_________________
(١) في الاصل: هؤلاء اولاد
(٢) علي بن حمدان سيف الدولة: يقصد علي بن عبد الله بن حمدان التغلبي، ابو الحسن، سيف الدولة الحمداني، كان شجاعا مهذبا عالي الهمة، اجتمع على بابه عدد كبير من شيوخ العلم والادب وكان له مع الروم وقائع كثيرة. ويظهر ان حملة القاضي عليه لأنه كان على خلاف مع البويهيين الذين كانوا يحكمون مقر الخلافة العباسية والمشرق الاسلامي وكانت له معهم وقائع وحروب ايضا، فالقاضي هنا ينتصر لحكومته وسلطانه.
[ ١ / ١٦٨ ]
وهذا التثليث الذي للنصارى قد كانت فلاسفة الروم تنحو نحوه من ان العقل والعاقل والمعقول تصير شيئا واحدا، ويقولون: هو من المثلث، وهو من فيلسوف قديم «١» . وقد قال رسول الله ﷺ: «حب الدنيا رأس كل خطيئة «٢»» وقال كعب بن مالك الانصاري سمعت رسول الله ﷺ يقول:
«ما ذئبان جائعان ارسلا في زريبة غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه» وقال ابن عمر: قال/ رسول الله ﷺ: ما ذئبان ضاريان في خظيرة وثيقة يأكلان ويفريان «٣» بأسرع هلاكا من حب الشرف والمال في دين المرء المسلم «٤»» .
ومثل صنيع بولص مع الروم في مساعدتهم على دينهم ومفارقة دين المسيح صنع ماني القس، وهو رئيس المنانية «٥»، وهذا كان بعد بولص بالدهر الطويل، وكانت له الرئاسة، وصار مطرانا على النصارى بالعراق في مملكة الفرس بعد ان كان قسّا، واختلط بالفرس، ومدح الانوار وذم الظلام على ما يذهب اليه المجوس، ومدح زرادشت نبيّ المجوس، وقال: النور اختاره وأرسله
_________________
(١) يقصد هرمس المثلث، وكان كتاب الطبقات المسلمون يذكرون ثلاثة اشخاص بهذا الاسم: اولهم هرمس الذي كان قبل الطوفان، وهو اول من تكلم في الاشياء العلوية من الحركات النجومية وينسبون له امورا كثيرة، ثم هرمس الثاني: من اهل بابل وكان بارعا في علم الطب والفلسفة وطبائع الاعداد وتلميذ فيثاغورس الارتماطيقي. وأخيرا هرمس الثالث ويسمى ايضا هرمس المثلث الحكمة، وكان فيلسوفا طبيبا ويظهر ان هذا هو المقصود هنا. انظر طبقات الاطباء لابن جلجل ٥- ١٠، وطبقات الحكماء لابن القفطي ٣٤٦- ٣٤٩، والفهرست لابن النديم ٥٠٨ تجارية.
(٢) من حديث انس ﵁، اخرجه رزين. انظر تيسير الوصول ١١٠
(٣) يفري: يهلك
(٤) رواه الامام احمد بن مسند والترمذي عن كعب بن مالك باسناد صحيح. المنادي على الجامع الصغير ٥: ٤٤٥
(٥) سبق التعريف بماني والمنانية
[ ١ / ١٦٩ ]
الى المشرق، وأرسل المسيح الى الغرب. وذم ابراهيم وإسماعيل والانبياء الذين صدقهم المسيح، وكانت الفرس تبرأ منهم، فساعدهم ماني وتقرب اليهم بذمهم وقال: الشيطان ارسلهم، وكان من يكتب: من ماني عبد اليسوع كما كان بولص يكتب، وكان يتشبه به ويقفو اثره. وأخذ الآبستاق وهو كتاب زرادشت نبيّ المجوس «١»، وهو كتاب ليس بلغة الفرس ولا بلغة من اللغات البتة، ولا يدري احد ما هو وهو الزمرمة، وإنما يحكون لفظه وإن كانوا لا يدرون ما هو. فادعى ماني القس انه قد وقف عليه وعلم ما هو، وادعى ماني انه رسول النور، فوضع لهم جهالات، وقال: هذا تفسير الآبستاق، واستهووا العامة وقامت سوقه فيهم وأطاعوه، وادعوا له بالمعجزات والآيات.
فأخذه بعض ملوك الفرس ليمتحنه، وفتش عن احواله، فاذا هو كذاب وممرق طالب رئاسة يتقرب الى الفرس/ والمجوس بما يهوونه لينفق عليهم مما ليس هو من دين المسيح، فقتله كما فعل ذلك الملك ببولص. وبقي اصحاب ماني بعده يدّعون نبوته ويقررون رسائله وإنجيله، ولعل رسائله تزيد على السليحين ورسائل بولص، وكثير من هذه الطوائف الثلاث يعتقد مذهبه وما يكاد يظهره خوفا من النصارى ومن المسلمين ممن منهم في بلاد الاسلام، لأنه لا ذمة المنانية عند المسلمين «٢» .
ومن سيرتهم ان النساء الديرانيات العابدات ومن انقطع الي البيع والعبادة،
_________________
(١) في الاصل على هامش الصفحة كتب احد قراء التثبيت «الآبستاق كتاب زرادشت»، وقد سبق التعريف بالمجوس وعقيدتهم.
(٢) في الاصل على هامش الصفحة كتب احد قراء التثبيت «لا ذمة للمنانية عند المسلمين»، وقد سبق التعريف بهذه النحلة.
[ ١ / ١٧٠ ]
يطفن على العزّاب والرهبان، ويخرجن الى الحصون التي فيها الرجال العزاب يبيحون لهن انفسهن ابتغاء وجه الله والدار الآخرة والرحمة بالعزاب، ومن فعل هذا منهن كان عندهن مشكورا محمودا على هذا الفعل ويدعا له، ويقال لها: لا ينسى لك المسيح هذه الرأفة والرحمة.
وعندهم انه لا يحل للرجل اكثر من امرأة واحدة، ولا يحل له أن يتسرى ولا بطأ بملك اليمين، فإن صادق امرأة أو خادمة لم يكن بذلك بأس ولا عار، وهذا مشهور ببلاد الروم كشهرة الزنى.
ولقد تحدث مصبح الطائي، وأبو عبد الله الحسين بن الصقر، وعبد الرحمن صاحب ابن الزيات وغيرهم من الغزاة، وممن اقام بالقسطنطينية السنين الكثيرة في الأسر وغير الأسر، فإنهم لطول الشقاء وعدم من بعثت المسلمين في فداء او غزو، اظهروا النصرانية تقية، وانتشروا بينهم، واختلطوا بهم.
فحدث من حدث منهم بعض من تنصر من الشجعان بعد الشدة وطول الشقاء، قال: فأعطاني الملك وأجزل وقال لخدمه وأعوانه: / انظروا لهؤلاء المتنصرة نساء من ذوي اليسار يتزوجون بهن لتحسن احوالهم، فقال رجل منهم:
فلانة قد مات ابوها، ولها ضيعة ومواش وأموال كثيرة نزوجها بهذا، وأشار اليّ، فزوجوني بها. فاذا هناك جمال ومال كثير فأقمت معها مسرورا ثم ضرب الملك بعثا على جماعة انا منهم ليخرج الى مكان فيه زرع مستحصد يخاف عليه العدو أن يمنعهم منه، ويكون مقامنا اربعين يوما، ثم يأتي بعدنا عسكر يقوم مقامنا ونرجع الى اهلنا. فخرجنا، وأقمنا هذه المدة، ثم جاء العسكر فسألت بعض الواردين عن اهلي ومنزلي، فقال لي: قد تزوجت امرأتك بعد خروجك، فاستثبتّ ذلك جيدا ممن ورد فأخبرت بهذا،
[ ١ / ١٧١ ]
فأخذني ما اقامني وأقعدني؛ فلما رجعت الى البلد عدلت عن منزلي ونزلت سوق الدواب، فسأل اهلي عن الواردين من اهل عسكرنا فأخبروهم بسلامتي وورودى، فتعرفوا مكاني فإذا ام امرأتي قد جاءتني ومعها موكب عظيم من نساء الجيران عليهن البزة الفاخرة والحلي، فقالت لي حماتي: ما لك عدلت عن منزلك وأهلك ونزلت هاهنا ونحن نتعرف أخبارك ونشتاقك، فقلت:
وما اصنع بامرأة غبت عنها فتزوجت بعدي، أنا عليّ أن ادخل على الملك واكسر بحضرته سيفي وأقطع زناري وأعرفه ما جرى عليّ. فقالت «١» لي اخطأ من قال هذا، ما تزوجت امرأتك وكيف تتزوج رومية بزوجين، إنما ذلك صديقها، لما غبت جاء ونزل عندها. فلما علمنا بقدومك حمل فراشه وانصرف، واستشهدت بأولئك النسوة والجيران، فشهدن انه ليس بزوج وإنما هو صديقها، وإذا ليس/ عندهم ان بهذا بأسا ولا عارا. ثم اقبلت حماتي تقول: لي قم الى بيتك فانظر الى المكنوز والنبيذ وما خلفته تجده لم ينقص بل هو محفوظ موفر، وإذا هي تبشرني [فيما إذا] «٢» أن صديق امرأتي قد كفاني مؤونتها في غيبتي وتسرني بهذا أوتمن به عليّ. وقال اولئك النساء وهن حليلات وأزواج كبار الناس، قم عافاك الله الى بيتك، فما ها هنا شيء يكره ولا ينكر، فقمت وحملت اثقالي وصرت الى منزلي وأنا مقيم على امرأتي، وما اجد شيئا، وزالت الغيرة. ثم قال يا ابا الفتح: ما يدخل احد بلاد الروم إلا وقد طابت نفسه باتخاذ امرأته الأصدقاء، وزال عما كان عليه وامحت الغيرة من قلبه، وزال عن الحمية وما كان عليه وهو مسلم.
_________________
(١) في الاصل: فقال لي
(٢) هكذا وردت العبارة في الاصل
[ ١ / ١٧٢ ]
فإن قالوا: مبتدع في دين النصرانية كما مثل ذلك مبتدع في الاسلام، قيل له: إن الروم قد كانت قبل التنصر تأكل الخنزير، وتستعمل الخصاء، وتغزو الامم، وتسبي وتقتل وتسترقّ، وترى في الزنا ما قد ذكرنا، وتسير السيرة التي وصفنا. ولما تنصرت دامت على تلك السيرة فما زايلتها ولا زالت عنها، فمتى كان هذا الابتداع. ولا فرق بين من ادّعى هذا، وادعى ان الروم كانت على خلافه ورجعت اليه لما تنصرت، ومن انتهى الى هذا فقد جحد وكابر وليس مع المكابرة مناظرة.
ومما يحتج به النصارى وهو اكبر شبههم في دينهم، وأجل ما يلجئون اليه، وهو عمدة الخواص والعوام منهم، ان يقولوا: النصرانية دين صعب ضيق، قد أجابت اليه الأمم الكبيرة والملوك بلا إكراه ولا سيف ولا قهر ولا غلبة، وما كانوا ليجيبوا الى ذلك إلا بالآيات والمعجزات التي ظهرت على أيدي/ الدعاة اليها من الرهبان والرواهب.
قيل له: قد بيّنا وعرف تبديل النصارى لدين المسيح وميلهم الى ملوك الروم، وقد شرحنا ذلك وعرفناه، فلا نجد إلا النصارى ترومت ولم تتنصر الروم. وأصل طوائفكم هم الروم، فهذا شاف كاف. ولو لم نعلم هذا وكيف الحيلة فيه من اوله الى آخره لما كان يشكل علينا ايضا بطلان هذا الاحتجاج وفساده، وأن اهل هذا الدين لا يظهر الله على ايديهم معجزة، ولا ينقض على يد احد منهم عادة؛ كيف والمعجزات لا تكون إلا للأنبياء ﵈ وفي زمانهم.
ثم يقال للنصارى: إنكم ادّعيتم الصحة لدينكم بالكثرة والملوك الذين تدينوا بدينكم، والكثرة لا تكون دلالة في صحة الديانة، وإنما يدل على
[ ١ / ١٧٣ ]
صحة الديانة الحجة والبرهان لا غير ذلك، سواء كان اهل ذلك الدين قليلا او كثيرا. وقد كان المسيح ومن اتبعه قليلا والروم واليهود هم الاكثر وأصحاب الملك، فيدل هذا على قياسكم انه لم يكن له معجزة. ثم يقال لهم:
انتم تدّعون المعجزات والآيات لرهبانكم ورواهبكم ورؤسائكم في كل زمان وأنها لا تنقطع ولا ترتفع، وها انتم قد أجبتم الى هذه الديانة ولم تروا معجزة ولا آية، فكذا من قبلكم قد أجاب على هذه الصفة وفي هذا أتم كفاية لمن أراد الحق.
وهم في كل حين يجتمعون اذا ارادوا امر تحليل شيء او تحريمه، ويكون لهم فيه سنهودس «١»، وتفسيره الاجتماع للتقرير، فيفعلون ذلك، فاذا تقادم عهده، قالوا: هذا ما حرّمته تلك الجماعة إلا بظهور آية او معجزة/، ألا ترى ان الجثلقة والمطرنة «٢» قد كانت جائزة عندهم فيمن له الأهل والولد، فصار الجثالقة والرؤساء يجعلون الرئاسة في اولادهم ويوصون بها في ذريتهم، فاجتمع النصارى وعقدوا تحريمها فيمن له اهل وولد وعرف التزويج، فصار ذلك دينا لهم فاجتمعوا عليه وعملوا به من غير آية ولا معجزة.
وقد كان تزويج الأختين بالأخوين مباحا عندهم، فجرى من أختين كانتا عند اخوين عداوة ادت الى معاداة بين الأخوين، فاجتمعوا وحرموا ذلك، وصار لهم دينا يعملون به وان لم يروا فيه آية ولا معجزة. وقد كان تزويج بنت الأخ عندهم مباحا فجرى فيه نسب استنصر به بعضهم، فاجتمعوا
_________________
(١) كتب في الحاشية: تفسير سنهودس
(٢) الجاثليق بفتح الفاء: رئيس النصارى يكون تحت يد بطريق انطاكية، ثم المطران تحت يده، ثم الاسقف، ثم القسيس، ثم الشماس.
[ ١ / ١٧٤ ]
وحرموا ذلك، فصار لهم دينا بغير آية ولا معجزة. وهذا منه ما فعلوه قريبا وفي الاسلام في دولة بني العباس. ومثل ما فعل مطران سمرقند فانه حرم على اهلها الفراخ وزعم ان روح القدس تنزل في هذه الحمامة، فقبلوا ذلك منه وصيروه دينا.
واذا اختلطت بهم وفتشتهم ودخلت بينهم ولا بست الجثالقة والرهبان وجدت هناك من الكذب والجهل والحرص على الدنيا وطلب الرئاسة والجمع والمنع أمورا كثيرة، فان الواحد منهم يترهب وما معه شيء ويصير كلا على غيره، وما تمر الأيام حتى صار ذا مال كثير حتى ربما مات عن عشرات الوف، ثم يقال لهم: انتم طوائف كثيرة وبينكم خلاف كبير في اصل الديانة، تضلل فيه الملكية اليعقوبية، وكذا النسطورية لا ترضى مذاهب الملكية واليعقوبية، وكل هذه الطوائف تدعى لرهبانها/ ورواهبها ورؤسائها المعجزات والآيات، وكذا المنانبة، فعلى قياسهم الحق في طائفة واحدة والباقية كذبت فيما تدعيه لهم.
وقد قال بعض الحكماء ها هنا ديانات ومقالات تعرف كذب اهلها بأدنى تأمل:
منها: النصرانية، فانهم يدعون الآيات لكبرائهم، وانها لا تنقطع في زمان من الأزمنة، وان الذين اجابوا الى النصرانية انما اجابوا بالمعجزات، فيقال لهم: أنتم اجبتم اليها ولم تروا آية ولا معجزة.
ومنها، اصحاب النجوم، فانهم يمخرقون ويدعون بالاصابات لأوائلهم، فيقولون: حكم جانان لكسرى بالدول وانتقالها، وللملوك في مواليدها، فما أخطأ في حرف واحد، وكذا كنكه منجم الهند لملوك الهند، وكذا
[ ١ / ١٧٥ ]
ذوروثيوس لملوك الروم، وبطليموس لملوك القبط «١» . وربما عملوا بذلك كتبا، وقصدوا الى دول وممالك قد كانت، ووجدت، وعرفت الحوادث فيها وأعمار ملوكها الخاصة والعامة، فيذكرون الجمل منها ولا يفصحون بأسماء ملوكها، لئلا يعرف فيه كذبهم. فيقرأ هذه الكتب والدفاتر الغرّ الغافل عن احتيال المحتالين او تقرأ عليه، فيظن ان هذا قد ذكره المنجمون في سالف العصر قبل ان ان يكون، فيعتقد في أحكام النجوم الصدق، وان اهلها قد تكلموا بعلم. فيقال لهم: إن الكواكب والسماء ما ارتفعت ولا زالت ولا انتقضت، وهي كما كانت، فهاتوا واخبرونا عما سيكون، او عما قد كان ووجد مما تشاهدونه بعيونكم، وتلمسونه بأيديكم، فإنا نعمد الى دفتر ضخم مكتوب فيه فنقول لحذاقكم: خذوا طوالعكم وأخبرونا/ كم ورقة هو، وكم سطر في كل ورقة فإنا نجد كذبكم فيه عيانا وحسا، وما تحتاجون الى الإخبار عن نجم يطلع بعد سنة او عشرين سنة، وتخبرونا عن تلك الحوادث، فإنا قد قربنا الأمر عليكم لتعلموا ان هذه الدعاوى كذب ومخاريق وحيل على الناس، ولتعلموا بكذب أولكم وآخركم.
فإن قالوا: لم تقتصرون منا على العلم بورق هذا الدفتر دون الأسطر والحروف التي فيه؟ قلنا: إن مثل هذا وأكبر منه قد يصيب فيه الصبيان والجهال الذين يلعبون بالخاتم والزوج والفرد بالاتفاق، فهاتوا ما يتجاوز اصابات الصبيان والجهال والمجانين ان كنتم صادقين، وان كان صنعتكم حقا؛ وهذا ما لا سبيل لكم اليه، وفضيحتكم فيه كفضيحة النصارى.
فان قالوا: قد يكون لنا اصابات في مواليد ومسائل؟ قلنا: قد يكون
_________________
(١) انظر ترجمة كنكه الهندي في الفهرست لابن النديم ص ٣٩٢، وترجمة ذوروثيوس (في الاصل ذروسيس) في الفهرست ص ٣٨٩، وكذا ترجمة بطليموس ص ٣٨٨
[ ١ / ١٧٦ ]
ذلك في قليل من كثير تخطئون فيه، وفي جمل دون تفصيل، والذي يأتي به الأنبياء فلا يخطئون في شيء منه مع كثرته، والذي يتفق لكم من ذلك كما يتفق للّعّاب الذين ذكرنا، وكما يتفق لأصحاب الفأل ولمن يضرب بالحصا والبعير بالنظر في الكفّ وبزجر الطائر، وما يتفق لهؤلاء من الإصابة أكثر من الذي يتفق لكم، وهم فيه أسرع، وأحوالهم فيه أكشف، وكما يتفق لبعض من يلقى الثعلب من السعادة، ولمن يلقى البوم من المحنة، وكما يتفق في رقى الهند والنصارى والمعزّمين من العافية والإفاقة، فيدعي اولئك ان هذا انما كان عن رقاهم وعزائمهم، وان ما هم عليه حقّ، وانهم قد نطقوا/ بعلم.
ومنها، اصحاب الطلسمات «١»، فانهم يمخرقون ويقولون: إن الاسكندر شكا الى أرسطوطاليس بعد الماء عنه وعن عسكره عند لقاء عدوه، فعمل له طلسما سار الماء بمسيره ووقف بوقوفه، وانه قال له وقد ورد على بحر إن تشاغل بعبوره أبطأ عليه وفاته إدراك عدوه، فقال له: أيما احب اليك ايها الملك، ان اعمل طلسما تسير بعسكرك على وجه الماء كما تسير على وجه الارض، او اجمع بين الشيطين لتعبره، فقال: تجمع بين الشطين فانه أقرب في المسافة، فجمع له بين الشطين فعبر.
وأن غير واحد قد عمل طلسما للقطعان من البقر والغنم وأمثالها من الحيوان، فتبعته وسارت بمسيره. وأنهم يعملون الطلسمات للبق والعقارب
_________________
(١) الطلسم والطلسم في علم السحر: خطوط واعداد يزعم كاتبها انه يربط بها روحانيات الكواكب العلوية بالطبائع السفلية لجلب محبوب او دفع أذى، وهو لفظ يوناني، وقد يقصد به الغامض المبهم من الامر.
[ ١ / ١٧٧ ]
والجراد وغير ذلك، فيصرفونها عن بلد بلد؛ وأن من عرف صنعة النجوم تأتى له ذلك.
فقيل لهم: هذه كلها مخاريق، وإذا اردتم ان تعرفوا كذب اوائلكم فاعرفوه بكذبكم في زمانكم، فإن الكواكب ما بقيت ولا زالت، فهانوا شيئا من هذا، وفي تعذره عليكم دلالة على كذبكم وكذب اوائلكم.
فإن قالوا: بلاد حمص لا يكون بها عقرب، وإن دخلت إليها عقرب ماتت وانما هذا طلسم عمل لها، قلنا: قد بيّنا كذبكم حسا كما بيّنا كذب النصارى والمنجمين، فإن كانت حمص لا يعيش بها عقرب فان هذا من فعل الله ﵎، قد يميت بعض الحيوان إذا صار في بعض الأماكن لتدبير له ﷿ هو اعلم به، ولمصلحة فيه. ألا ترى ان بلاد الروم لا تكاد تبقى بها الجمال مع حرصهم في بقائها، حتى قال من لا يعلم: ان هذا لشدة البرد، فقيل له: فبلاد الترك/ أشدّ بردا وبها الجمال، والأتراك بالري»
إذا قطنوا بها فما يكادون يبقون بل يتماوتون، والاصفهاني إذا أراد السفر الى الري اوصى. وما هذا الطلسم، وأرض مصر وغيرها من مواضع شتى لا يكاد يكون بها مطر. وما ذاك الطلسم، وأرض العراق مع كرمها وطيب مائها لا ينبت بها الفلفل، ولا الدار فلفل، ولا العود ولا الزنجيل ولا الدارصيني، ولا الزعفران، ولا سنبل الطيب، ولا يكون في انهارهم العنبر.
_________________
(١) الري: بلدة عظيمة في ذلك الوقت، فتحها المسلمون في خلافة عمر ﵁، واصبحت حاضرة اسلامية في القرن الرابع الهجري حتى لقد فاقت بغداد نفسها في كثير من الاحيان. انظر: ابن الاثير الكامل ٩: ٢٣٥، السمعاني الانساب ٢٣٢، احسن التقاسيم للمقدسي ٣٨٥- ٣٩٠
[ ١ / ١٧٨ ]
او ترى هذه الطلسمات وضعت بالعراق وأناث البغال لا تكاد تحمل بل لا تكاد تهيج. أفترى هذا الطلسم وأودية العراق لا يكون فيها التمساح، وهو بمصر كثير. أفترى هذا الطلسم وضع بالعراق لئلا يكون فيه هذا، او وضع بمصر حتى لا يفارقها. وهذا التمساح في نيل مصر، وهو في بعض المواضع بها دون بعض، وبأرض الكوفة والبصرة وواسط وبغداد وسر من رأى ومصر والقيروان، وهذه كلها أمصار اسلامية، ووضعت في الاسلام، وخطت في الاسلام، فحدثت امور كثيرة في احوال الحيوان ابدع مما يدعونه لحمص وغيرها بلا طلسم.
والمجوس تدّعي ان لهم منتظرا حيا باقيا مهديا من ولد بشتاسف بن بهراسف يقال له أبشاوثن «١»، وانه في حصن عظيم من خراسان والصين، ومعه كثير، كلهم ثقات امناء اخيار، لا يكذبون ولا يعصون الله، ولا يقع منهم خطيئة صغيرة ولا كبيرة، وأن دعوتهم مجابة «٢»، ولهم دلالات وآيات ومعجزات، وانهم صاروا الى ذلك المكان عند زمن زرادشت الذي تدعي نبوته، وانهم انوار ساطعة، وانهم من الجمال والحسن والنظارة على امر عظيم، وأنهم لا يبكون ولا/ يهرمون ولا يموتون، وأن أبشاوثن لا يحتاج الى اكل ولا الى شرب، ولا يكون منه بول ولا غائط ولا شيء من الأذى. هذا الذي أتيقنه مما قد ذكره أذرباذ بن أميذ الموبذ في وصفه أبشاوثن، انه لا يأكل ولا يشرب ولا يبول ولا يتغوط، فأما اصحابه
_________________
(١) في الهامش كتب الناسخ ما يلي: «المجوس ينتظرون رجلا من ولد بشتاسف يقال له أبشاوثن.
(٢) نشأت في ايران فكرة كان لها اثرها في كثير من الديانات هي فكرة المخلص او المهدي الذي سيعود يوما الى العالم ليزيل الشرور ويحل العدل محل الجور وينقذ البشر.
[ ١ / ١٧٩ ]
فلست اتيقن انه وصفهم بأنهم لا يأكلون ولا يشربون، ويغلب على ظني انه قد وصفهم بذلك، فأما العصمة وان اصحابه بمثابته، فما اشك فيه.
فقيل للمجوس: اذا شئتم ان تعرفوا اول امركم فاعتبروه باخره تجدون بطلانه واضحا بينا، كما يجدونه النصارى والمنجمون «١» وأصحاب الطلسمات.
فإنكم تدّعون ان قوما في زماننا هذه صفاتهم وأحكامهم، وعليكم في هذا فضل مزية في الباطل، فإنكم امم كبيرة قديمة تخبرون بكون هؤلاء في الدنيا معنا وفي زماننا، وانهم يخرجون مع ابشاوثن هذا فيكلمون الارض كلها، ويعيدون المجوسية وديانات الفرس وملكها الذي أزاله الاسلام كما كانت. فقد كان ينبغي إن كان هذا في الدنيا هاهنا قوم يدعونه ان نعلمه بخبركم، وفي عدم العلم بذلك دليل على انه امر لا اصل له، وما في الدنيا انسان يدعي هذا، ولكنه شيء وضعه لكم الواحد والاثنان والنفر اليسير، فصدقتموه واحسنتم الظن بهم، وانتشر فيكم، وهو كذب وانتم لا تعلمون انه كذب، كما اصاب النصارى وغيرهم ممن كانت هذه سبيله.
وكذا لمن ادعى ان معنا وفي زماننا إماما معصوما قد أقيم لنا وهو الحجة علينا وعلى اهل الارض بأسرهم، قيل لهم: انتم امم كثيرة عظيمة بالعراق وبالشام وبفارس وبمصر والمغرب والحجاز واليمن والبحرين وكور الأهواز/ وبالجبال والديلم وخراسان وكلكم يخبرنا بأن في الدنيا رجل هذه سبيله، ويدعو الى نفسه، وكلكم اصحابه وينتظره ويدعو اليه. وتصنيف الكتب في ذلك قد ملأت الدنيا، ونخاصم في ذلك، فلو كان في الدنيا انسان هذه
_________________
(١) في الاصل: المنجمين
[ ١ / ١٨٠ ]
سبيله لعلمنا ذلك بخبركم وبما نسمعه منكم وان لم نصدقه فيما ادعى، ولم نقبل قوله ولم نر شخصه، وان لم نسمع كلامه. ألا ترى ان نبينا محمدا «١» ﷺ لما ادعى انه رسول الله الى الخلق اجمعين وانه الحجة عليهم علم ذلك من دعواه كل من بلغه خبره ممن صدقه او كذبه، ومن رآه ومن لم يره، وكذا العلم بمسيلمة وما ادعاه وان كذبه الناس كلهم. بل لو اخبر جماعة عن امرأة من وراء حجاب بصلاح او طلاح لعلم الناس ذلك بخبرهم اذا كانوا عالمين بما أخبروا، فكيف وانتم امم كثيرة عظيمة قد «٢» طبقت الارض والبر والبحر والسهل والجبل، تعتقدون ذلك، وتخبرون به، وتدعون اليه، وتزعمون انكم اصحاب هذا الرجل واتباعه، فلا يزداد من تأمل ونظرو اعتبر إلا علما بأن ليس في الدنيا انسان يدعي ذلك ولا يدعو اليه. فلو نظرتم وانصفتم لعلمتم ان اول امركم مثل آخره في الباطل، وان النبي ﷺ ما تدين بما تدعون ولا دعا اليه. لا هو ولا احد من اصحابه.
فإن قيل: فلو قال لكم قائل وأنتم ايضا اول امركم مثل آخره، إذ ليس في زمانكم من معه معجزة ولا آية، فأولكم هذه سبيله ما كان يكون جوابكم؟
قيل له: لا سؤال علينا في هذا، لأنا نمنع ان يكون مع احد بعد نبينا آية او معجزة، وما ندعي انه آية ومعجزة فهو ما علمه كل من سمع الاخبار، وهو هذا القرآن وما جاء مجيء القرآن، ونقول: / لا حجة على الخلق إلا رسول الله ﷺ وحده، فعرفت الفصل بيننا وبين من ذكرنا.
_________________
(١) في الاصل: محمد
(٢) في الاصل: فقد
[ ١ / ١٨١ ]
وجواب آخر، وهو ان كل من سمع اخبار النبي ﵇ فمن صدقه او كذبه يعلم باضطرار انه كان يدعي النبوة، ويدّعي ان معه آيات ودلالات ومعجزات. فان قالت النصارى: نحن اولنا المسيح وهو سلفنا، وأنتم تقرون ان معه آيات ومعجزات، فكيف قلتم ان اولنا مثل آخرنا؟
قيل لهم: ومن سلم لكم ان المسيح ﵇ سلفكم، ونحن فقد دفعناكم عن هذا، وبيّنا انكم قد خالفتم المسيح ﵇ في أصوله وفروعه، ونقضتم عهوده، وعطلتم وصاياه بيانا لا يمكنكم دفعه، ونحن فما علمنا ان المسيح نبيّ وانه قد كان معه آيات ومعجزات بقولكم، ولا بنقلكم، ولا بدعواكم، وانما علمنا ذلك بقول نبينا صلى الله عليه، ولكن ادعيتم ان هذه الأمم ما اجابت الى النصرانية إلا بالآيات والمعجزات التي ظهرت على بولص وجورجس وأبا مرقس وأمثالهم، ودونتم ذلك في كتبكم كما دونته المنانية والمجوس وغيرهم، وادّعيتم ذلك في كل زمان، والناس معكم ويشاهدونكم فلا يرون لذلك اصلا ولا اثرا، ولا يرون إلا السيف والقهر والعسف وان اول هذا الامر ما كان إلا بالسيف والقهر كما قد بيّنا، وهو قائم باق ما زال ولا حال بل زاد، ونحن فقد وجدناكم نزلتم على اهل المصيّصة، وعين ذربة، وجزيرة اقريطش، وجزيرة قبرس «١»، وجزيرة أرواد، والثغور
_________________
(١) في الاصل: قفرس، اما عين ذربه فقد اثبتها ياقوت بالالف المقصورة ذربى وقال: بلد بالثغر من نواحي المصصية، والمصصية وطرسوس من ثغور الشام بين انطاكية وبلاد الروم. اما أقريطش (كريت) فهي جزيرة بالبحر المتوسط، اول من غزاها من المسلمين معاوية ثم فتح قسما منها الوليد بن عبد الملك وتم فتحها بأمر المأمون الخليفة العباسي. وارواد جزيرة صغيرة في البحر المتوسط مقابل طرطوس من سوريا. وسميطاط او سميساط مدينة على شاطىء الفرات في طرف بلاد الروم على غربي الفرات. وحصن منصور من اعمال ديار مضر غربي الفرات قرب سميساط. وسيمون او سيمان نهر كبير بالثغر من نواحي المصصية قرب انطاكية.
[ ١ / ١٨٢ ]
الشامية، والثغور الجزيرية، وثغور ارمينية، وأذربيجان، وما يكثر احصاؤه/، وما قد قدره اهل الخبرة الى هذه الغاية، ومقداره الف فرسخ منائر، وعمارته متصلة ومقدار السبي والأسر نحو عشرين الف الف انسان، لا يقرون على الاسلام، بل يدخلون في النصرانية كرها، بالرهبة والرغبة، وكذا من دخل في ذلك من البرغر والبرجان كله بالإكراه والسيف، وإن طالت مدته، وتناسى الناس كيف جرى ذلك.
وادّعيتم أن هؤلاء انما دخلوا في النصرانية بالآيات والمعجزات، وأن البطرك وافى من بلاد الروم، فنزل وجنده وعليه الجوذبا والكتين والودار وعلى رأسه القبع وفي يده الكرار، فأقام موتاهم من المقابر، فقاموا بأسرهم من تلقاء انفسهم وصاروا الى بلاد الروم. ووافى ميخائيل الراهب الى اهل المصيصة فقلب سيحون زيتا، وجعل اغنامهم كلها خيلا، فقاموا كلهم من تلقاء انفسهم فقبّلوا الصليب، وصاروا الى بلاد الروم. وكذا اهل سميصاط وحصن منصور، فليس عندهم في الكذب والبهت شيء، وهم قوم يكذب لهم رؤساؤهم فيقبلون ذلك الكذب عنهم، وقلّ مصر من هذه الأمصار وثغر من هذه الثغور إلا وقد ترددت اليه ملوك الروم السنين الكثيرة، ونزلوا عليه الأعوام المتوالية، ورعوا زروعهم وحصروهم ومنعوهم الأقوات، حتى اكلوا الكلاب والسنانير والميتة، وقتلوهم جوعا وعطشا، وقتلوا مقاتلتهم، وسبوا ذريتهم، وقادوهم بالسلاسل والحبال، وأنزلوا بهم من المكاره ما يطول شرحه، وكذا امرهم من اوله الى آخره. وليس/ سيف حمل بباطل في جميع الأزمان مثل سيف النصرانية كما قد بيّنا ذلك، وحيث لا يكون لهم ملك ولا سيف فإن من أسلم منهم يمنعونه اهله، ويبطلون ديونه، ويذمونه بكل فاحشة، ويسعون في كل ما يقدرون عليه
[ ١ / ١٨٣ ]
من مكارهه واضراره، وهذا ايضا ضرب من الاكراه.
ثم يقال لهم: هذه المنانية قد غلبت على المشرق، وليس معهم سيف ولا مال، ويدّعون ان دينهم اضيق الاديان وأصعبها، وأنهم لا يأكلون اللحوم ولا يؤذون شيئا من الحيوان، ولا يأكلون إلا ما انبتته الارض. وعبادتهم من الصوم والصلاة كثيرة عظيمة، ولا يدخرون الأموال، ويدّعون ان المعجزات اضطرتهم الى هذا الدين، وهم يدّعون ان المستبصرين من رهبانكم ورؤوسائكم منهم، ويدعون هرابذة المجوس «١» . قالوا: ولكن ليس لنا عند المسلمين ذمة كما لليهود والنصارى والمجوس، ومتى أظهرنا لهؤلاء ديننا قتلونا، قالوا: وكذا يصنع بنا ملوك الروم. ويذكرون من آيات ماني ومعجزاته انه كان نورا خالصا كله وأنه لم يكن له في الشمس ظل، وأن الملائكة كانت تأتيه وتحتمله حتى تصعد به الى الشمس فيصير فيها، وأصحابه يشاهدونه، وأنهم نقلوا ذلك الجمهور عن الجمهور، والجماعات عن الجماعات، ويدّعون لأتباعه المعجزات، ويدّعون مع ذلك انهم اصحاب المسيح وعلى دين المسيح، وأن الانجيل الذي معهم هو الحق دون ما معكم، فينبغي ان يكونوا على قياسكم محقين، وأن ذلك انما تم لهم بايات ومعجزات كما ادّعيتم ذلك، ولهم كتب مدونة في آياته ومعجزاته، ولعلها/ اكثر من السليحين الذي لكم، ومن الآيات التي تضيفونها الى جميع من دعا الى النصرانية، مذ كانت النصرانية.
وهذه الهند، وهي امم عظيمة لعلها تزيد على امم النصارى «٢»، ولهم
_________________
(١) كتب المعلق على هامش الكتاب: هرابذة المجوس.
(٢) في الاصل: للنصارى
[ ١ / ١٨٤ ]
العقول والحكم التي لا تكاد تدانيها عقول الارمن والروم، يعبدون البددة قبل تنصر الروم بالدهور الكثيرة، وليس يدعون الناس باتباعهم لا بسيف ولا برغبة ولا بالرهبة، ومن دخل فيه لم يمنعوه، وهم يدّعون ان اصنامهم تكلمهم وتأمرهم وتنهاهم، وتبدرهم بالأمور قبل كونها، وتأتيهم بالأمطار وما يسألونها من الرخاء والنعم، وتدفع عنهم السوء، وتشفي مرضاهم، ويحملون زمناهم على الجنائز الى سوق الاصنام فينقهون ويرجعون على اقدامهم، ويدّعون انها تحيي الموتي، ولهم رقى يدعون انها تشفي وتحيي، فينبغي ان يكون هؤلاء محقين صادقين.
والمجوس تدعي لزرادشت من المعجزات والآيات اكثر مما يدعيه النصارى لمن دعاهم الى النصرانية، ويقولون: نحن لا نكره احدا على الدخول في ديننا ولا نرغبه فيه، وهو دين خصنا الله به، فمن دخل فيه لم نمنعه، وإنما نقاتل ونحمل السيف على الامم لتأدية الخراج والدخول في الطاعة فقط، فأما لأجل الدين فلا نحارب. وعقول الفرس وحكمتها وتحصيلها قد عرفه الناس، وكثرة وسع ممالكها فوق ممالك الروم بطبقات، فينبغي على قياسكم ان يكونوا محقين وصادقين.
فان قلتم لهم: لكم ملوك عتاة جبابرة هم ادخلوكم بالقهر والسيف والرغبة والرهبة في هذا الدين، قالوا لكم: أما الدين فما تعرضوا لإدخال الناس فيه ولا/ اشتغلوا به، وإنما كان أخذهم للناس بالسمع والطاعة والخضوع للملك، وهذا معروف.
والعيان والموجود من دين النصرانية وما عليه هذه الطوائف لهم القهر والغلبة والسيف مذ كانت الى هذه الغاية، وما هاهنا سيف حمل بباطل إلا
[ ١ / ١٨٥ ]
سيف النصرانية من اول امرها الى هذه الغاية.
وقد دعا واحد من اليهود الخزر وهم امم كثيرة فأجابوه ودخلوا في دينه عن قرب، وفي ايام بني العباس ودولتهم، ولو أراد مريد ان يدعي انهم إنما اجابوا إلا بالآيات والمعجزات كما يدعي النصارى لمن تنصر لأمكنه ذلك وكان اولى بالشغب من النصارى، فإن هذا رجل واحد قصد الى ملك عظيم الشأن، والى قوم اولى بأس شديد، فأجابوه بلا غلبة ولا سيف، وتحملوا ما في شريعة التوراة من الشدة بالختان والوضوء وغسل الجنابة وتحريم الأعمال في السبت والأعياد، وتحريم ما في هذه الشريعة من الحيوان، الى غير ذلك.
ولعل اليهود تدعى لهذا الداعي الآيات والمعجزات، فمنهم من يجيزها للصالحين منهم وهذا اولى بالشبه مما تدعيه النصارى، ولكن النصارى اكذب وأشد جرأة على ادعاء ما لم يكن.
ثم يقال للنصارى: ادعيتم لدينكم الضيق والصعوبة، وقلتم: هذا أحد الادلة على صحته وعلى ان الامم لم تقبله ولم تدخل فيه إلا بالآيات، فقد عرفنا من قولهم في الآيات، ولو كان ضيقا صعبا شديدا لما دل ذلك على صحته فإن دعواهم هذه كدعواهم المعجزات. / وليس يدل على صحة الدين ضيقه وصعوبته، بل ربما احتال الممخرق والمبطل على صحة ما يدعو إليه بالتصوف والتقشف وكثرة العبادة والمضايقة فيما يدعو إليه الى ان يتمكن، ثم يظهر مساوئه، ويكون ذلك له شبهة على من يرى ذلك ويسمعه، والنفوس ترحم المتصوف والمتقشف المواصل الصلاة والصيام وإن كان مبطلا، ويحسن ظنهم فيه، ويسرعون الى القبول منه قبل النظر في حاله، ويكتفون بما يظهر منه عن البحث عن حاله، وفي النظر والبحث شدة ومشقة، وتنفر نفوسهم عن
[ ١ / ١٨٦ ]
حامل السيف وإن كان محقا.
وعلى ان ديانات المنانيّة اضيق من ديانات النصرانية لأنهم يحرمون اكل جميع الحيوان وركوبه وأذيته بكل وجه، حتى انهم يحرمون قتل السباع والحيات والعقارب ويصبرون على أذيتها ويحرمون ادخار الاموال، ويوجبون من الصوم والصلاة اكثر مما توجبه النصارى، ويحرمون المناكح كلها ولذات النفوس، فينبغي ان يكون دين هؤلاء هو اصح من النصرانية بألف طبقة.
والهند لها عبادات كثيرة وزهد عظيم، لا يدانيه ما يفعله أزهد رهبان النصارى. [والهند لها عبادات كثيرة] «١» وتوجب في دينها قتل انفسها، وتحرق انفسها بالنيران وهم احياء، واذا مات رئيسهم احرقوه واحرقوا معه احبابه واصدقاءه وخاصته وزوجته، يفعل ذلك بها ابوها وامها واهلها، وليس في دين النصرانية شيء من هذا، فينبغي ان يكون دين المنانية هذا «٢» اصح من مذاهب هذه الطوائف النصرانية/.
على انا لا نعرف دينا اوسع ولا ارخص ولا اسهل من دين النصارى، إذ ليس فيه زاجر مخوف كالحدود المكتوبة، ولا النار، ولا عذاب الآخرة، وان اشد العذاب في الآخرة ان المعاند الذي قد عرف الحق وتركه، يلحقه غمّ مدة ثم ينجلي وينقضي، فأما من لم يعاند، وان اخطأ، وان كان مع اعتقاده مخالفا لدين النصارى فليس عليه خوف ولا عقاب، اذا كانت نيته سليمة واعتقد الشيء على انه حق وان كان باطلا. واما النصارى فليس
_________________
(١) لعل العبارة مكررة من الناسخ
(٢) في الاصل: وهذا، ولعل السياق يقتضي حذف الواو.
[ ١ / ١٨٧ ]
عليهم خوف، ولا يؤخذون بذنب من الذنوب، وقألوا لأن الرب الذي هو الأب «١» انما ارسل ابنه ليصلب ويقتل ليحمل خطايانا ويغفر ذنوبنا. فليس دين يغري بالقبيح، ويبعث على ارتكاب الفواحش، ويهيج على الفساد اكثر من دين النصرانية، وهم يدعون فيه الضيق قحة منهم ومباهتة، وهو كما ترى، وانما يدّعون لأهله ولمن دعا اليه المعجزات لأنه ليس فيه حجة ولا على صحته دلالة.
ثم نقول للنصارى: اعندكم ان من حمل السيف كان مبطلا؟ فإن قالوا: نعم، قلنا: فالمسيح اول المبطلين، لأنه «٢» عندكم ارسل موسى ﵇ وغيره من الانبياء بالسيف وقتل الرجال والنساء المخالفين له، واحلّ له في بعض الحروب قتل الرجال وكل امرأة ضاجعت رجلا واستبقاء الأبكار، واحل له الغنائم واخذ الاموال ودفعها الى بني اسرائيل، وكذا سائر الانبياء الذين تتولونهم وتقولون إنهم على الحق، الى ان جاء المسيح وظهر للناس/، وقال: ما جئت مخالفا لموسى ولا للتوراة وانما جئت متمما، ولأن تسقط السماء على الارض ايسر عند الله من ان يحلّ شيء مما عقده موسى، ومن حل ولوالدي هو، واخذ من ناموس موسى يدعى ناقصا في ملكوت السماء «٣» .
ثم ليس عند هؤلاء اخذ الجزية ممن ملكوه وقدروا عليه ولا إقراره على
_________________
(١) في الاصل: الابن
(٢) في الاصل: لأنهم
(٣) جاء في انجيل متى الاصحاح الخامس فقرة ١٧ وما بعدها: «لا تظنوا اني جئت لأنقض الناموس او الأنبياء، ما جئت لأنقض بل لأكمل. فاني الحق أقول لكم الى ان تزول السماء والارض لا يزول حرف واحد او نقطة واحدة من الناموس حتى يكون الكل. فمن نقض احدى هذه الوصايا الصغرى وعلم الناس هكذا يدعى اصغر في ملكوت السماء» .
[ ١ / ١٨٨ ]
دينه، وليس إلا الإجابة الى الدين او القتل، وهذا اعظم وأشد وأغلظ من دين الاسلام وشريعته.
ونراكم تدعون للمسيح الرأفة والرحمة، وتنزيهه عن فعل الألم والشدائد والمضار والهموم، وهو عندكم قد شرع التوراة واحكامها وحدودها، وغرق اهل الارض في طوفان نوح، وعندكم ان هذا الموت والجذام والبرص والعمى والصمم وإنزال الجرب والاسقام وانواع الألم بالبهائم التي ما عصت من فعله، ثم اباح ذبحها واكل لحومها وإيلامها بالكد والركوب والحمل عليها الى غير ذلك مما قد فعلوه، فأين الرأفة والرحمة، وأين هذا ما أباحه نبينا محمد ﷺ من قتل من كفر بالله وافسد في الارض، هذا ولو «١» كنتم ترون المسيح نبيا مرسلا لما وجب ان تعيبوا حمله السيف لأنه قد جاء وصوب حمل الانبياء قبله للسيف، واباحة الحيوان، وان الامراض والاسقام من الله ومن قبل الله، فكيف وانتم [تدعون ان الفاعل لذلك جميعه هو المسيح] «٢» فما سمع بقوم هم اجهل وأوقح وأبهت من النصارى، إذ هذا قولهم وهم يعيبون حمل محمد ﷺ السيف على من كفر بالله وعبد الاوثان والكواكب والنيران من دون الله وكذب بهم/ وبهتهم اكثر من هذا. فإن قالوا: إن هؤلاء الانبياء حملوا السيف بأمر الله، قيل لهم: فقد بطل ان يكون حمل السيف باطلا من كل وجه على ما ذهبتم إليه، ووجب ان يراعي حامله، فإن كان قد حمله بحجة كان محقا. فينبغي ان ينظروا في اعلام محمد ﷺ ومعجزاته وآياته،
_________________
(١) في الاصل: لو، وقد أضفنا الواو لما يتطلبه سياق الكلام.
(٢) وردت هذه العبارة في الاصل على النحو التالي: «تدعون انه هو الفاعل لذلك جميعه المسيح له» .
[ ١ / ١٨٩ ]
ويعلموا «١» انه مثل من تقدمه من الانبياء.
وتدعون التصوف والتقشف وطول الصيام والصلاة، والنهي عن حمل السيف. وليس في دين النصارى والمنانية والديصانية واشباههم حجة، فهم يخدعون الناس بلبس الصوف وإظهار الزهد.
ومثل هذا من جهلهم ومخاريقهم انهم يعيبون محمدا ﷺ باتخاذه النساء، وهم يعلمون ان آدم ونوحا وابراهيم ولوطا واسحق ويعقوب والأسباط وموسى وهرون وداود ويوشع وغيرهم ممن يقولون بنبوته ويشهدون بصواب مذهبه، قد اتخذوا من الازواج والسراري مثل ما اتخذ هؤلاء، بل فيهم من قد اتخذ في ذلك اضعافا مضاعفة كما كان لداود وأمثاله. والروم هم اصل النصرانية ولكنهم لم يجدوا في رسول ﷺ مغمزا فعابوه بحمل السيف واتخاذ الأزواج، وهم يعيبون هذا منه صلى الله عليه ويدعون ان الله قد اتخذ مريم اما لولده واتخذ الولد لنفسه وان لم يسموا «٢» مريم زوجة.
ومن عجيب ديانتهم، ان المذنب منهم يقول للقس والراهب: اعمل لي مغفرة وتوبة وتحمل ذنوبي، ويجعل له على ذلك جعالة على مقداره في الغنى والفقر، فيبسط القس كساءه ويأخذ الجعالة ثم يقول للمذنب: هات الآن واذكر لي ذنوبك/ ذنبا ذنبا حتى اعرفها وأتحملها. فيبتدىء ذلك المذنب رجلا كان او امرأة ملكا او سوقة فيذكر ما قد فعله شيئا شيئا، حتى يقول: هذه هي كلها، فيقول له القس: انها عظيمة ولكن قد تحملتها
_________________
(١) في الاصل: ويعلمون
(٢) في الاصل: يسمون
[ ١ / ١٩٠ ]
وغفرت لك، فأبشر. وربما جمع الكساء من اطرافه ووضعه على ظهره وقال: ما اثقل ما في هذا الكساء من الذنوب.
ومن المأثور عنهم والشائع عليهم ان المرأة تقرّ عند القس بذنوبها، فتقول: أصابني رجل في يوم كذا فيستفهمها كم مرة فتقول: كذا وكذا، فيقول لها: اخبريني هذا الرجل نصراني او مسلم، فربما قالت: مسلم، فيستعظم هذا، ويستزيدها في الجعالة، فان زادته، وإلا غضب وانطلق وهو يقول: قد زنى بها المسلمون وتريد ان اغفر لها وإنما اعطتني كذا وكذا، فتردّه وتزيده وترضيه.
هذا من دينهم الذي الذي يدعون ضيقه، ويدعون انه على دين المسيح، وهذا لا يجوز ان يكون دينا له صلى الله عليه.
وقد قيل لبعض قسوسهم ما هذا من التوبة؟ فقال: وما وجه تركنا لهم لا نسألهم عن ذنوبهم ونطعمهم في غفرانها، فإنا لو لم نفعل ذلك ونأخذ المال منهم لافتقرت البيع.
وقلّ ما تجد منهم من يخاف عذاب الآخرة، لأنهم يعتقدون ان المسيح إنما قتل نفسه ليقيهم من الذنوب والعذاب، وأنه جالس على يمين ابيه، وأمه جالسة مما يلي يساره فهي تتلقى الذنوب اذا طلعت وتقول لابنها: سل يا بنيّ أباك الرب غفرانها، فهو عندهم يغفرها ويسأل أباه غفرانها.
والملوك بمصر والشام والعراق والجزيرة وفارس وما والى ذلك يعوّلون على النصارى في الكتابة والوزارة والجهبذة. فلهم الرئاسة على المسلمين، يجبون اموالهم ويأخذونها منهم بالضرائب/ الموضوعة على كل شيء مما لم ينزل الله
[ ١ / ١٩١ ]
به سلطانا، فيذلون بها الاسلام، وينفقونها في مكاره المسلمين.
وللفرس ايضا مثل هذه الفضائح التي تقدمت للنصارى، وهو ان زرادشت قد شرع لهم تطهير الحائض والنفساء والتي قد مات جنينها في بطنها ببول البقر «١» يتولى ذلك منها الهربذ بعد ان يجردها ويعريها، ويباشر ذلك منها بيده ورأي عينيه، فيبركها ويغسل ذلك المكان بيده، وربما جزعها منه جزعا واخذ على ذلك الجعالة على مقدارها. واول ما يأخذ الخلعة التي عليها اذا جردها للتطهير، واقل ما يأخذ على افقر فقير اربعة مثاقل فضة. وزعم الفرس والمجوس انه كان يرتفع لموبذان موبذ في ايام ملكهم من هذا الوجه اربعة ألف ألف دينار ينفقها على الهرابذة، وشرع لهم بالإنجاب على زوج المرأة اذا غاب عن امرأته او عجز عن بضاعها، ان يوكل في نيكها من يختاره من أصدقائه وثقاته ورفقائه.
ولم نكن في الرد على المجوس ولا النصارى، إنما قصدنا البيان انهم مخالفون للمسيح ودينه في الأصول والفروع.
فهذا يرحمك الله اصل مذهب النصرانية، ومذهب القراء والزهاد منهم.
فأما اهل الجدل والنظر ومن يتجرد في نصرة النصرانية ويضيف الكتب في ذلك فكلهم ملحدة وزنادقة، ويكذبون المسيح وجميع الأنبياء ﵈، ويستجهل الشرائع ومن يعمل بها فلا تكاد تجد فيهم إلا من هذه سبيله، مثل: قسطا بن لوقا، وحنين بن إسحق، وابنه إسحق، وقويرى، ومتى الجرمقاني وهو المكنى ابو بشر بن يونس الذي فسر كتب الملحدة،
_________________
(١) كتب المعلق في الهامش: «تطهير الحائض والنفساء ببول البقر في شرع المجوس» .
[ ١ / ١٩٢ ]
وهلك في سنيّ نيف وعشرين وثلثمائة، وبعده يحيى بن عدي، وعنه اخذ هؤلاء الملحدة «١» / الذين في زمانك، ومذهبهم لا يقوم بالجدل.
واذا قيل لهم: قالوا: حجتنا في ذلك على لسان أرسطاطالس ومن قوله ومن أصوله، وأرسطالس لا يؤمن بكتاب ولا نبي ولا شريعة، وينكر فلق البحار، وانقلاب العصا حية، وإحياء الموتى، وولادة مريم من غير ذكر.
ويرى ان التصديق بذلك جهل وحمق وقلة عقل. فانظر من أولى بقلة العقل، هو او من يجعله حجه لدينه ويأخذ عنه، فما بعد هذا في فضيحتهم شيء.
فاعرف هذا من طريقتهم، فقد تبين لك ان ديانات هؤلاء النصارى خلاف ديانات المسيح ووصاياه وعهوده، وعلمت علم محمد ﷺ بذلك، وان علمه به من قبل الله، وانه من معجزاته.
والنصارى تقول: لعمري إن المسيح ما عمل طول حياته بشيء مما نحن عليه، وكذا تلاميذه من بعده فما لزموا شريعة التوراة ولكن من أتى بعدهم نقلونا وقالوا لنا قد قال المسيح: اعملوا بعدي بما ترون، قلنا: قد صدقتموهم في دعاويهم وهم قد جاؤوا بالرئاسة عليكم والتحكم فيكم وفي أموالكم.
فإن قالوا: إننا لم نقبل منهم إلا بالمعجزات، فقد فرغنا منها وبيّنا كيف كان الأصل من قسطنطينوس بين هيلانة «٢» وبيّنا ان المسيح وصاهم بشريعة
_________________
(١) كتب المعلق في الحاشية: «الذين يكذبون المسيح وجميع الانبياء ﵈، ويستجهلون الشرائع مثل قسطا بن لوقا» .
(٢) في الاصل رسمت هيلانية، اما قسطنطينوس فقد رسمت في الاصل على النحو التالي: قسطنيطوس.
[ ١ / ١٩٣ ]
موسى ﵇، وان يعملوا بما رأوه يعمل طول حياته بما قدمناه؛ من تجريد التوحيد، وتنزيه الله ﷿، وبإقامة الشريعة كما بينا.
وحديث انتقالهم في كتابهم المعروف بأفراسكس وفي السنهودس الذي لهم، وانما هم ينهون من لا يعرف، ويقولون: نحن على شريعة المسيح، فإذا وافقهم العارف بذلك، قالوا: قد انتقلنا بالآيات والمعجزات، فإذا/ عرفهم حال قسطنطينوس بن هيلانة وما فعله وجميع هذا الذي بيناه، قالوا:
نهينا عن الجدل والبحث والتفتيش.
ومن عجيب أمورهم ان معهم وفيما حفظوه عن المسيح انه ﵇ قال لهم: انكم تأتوني يوم القيامة، وليحشرنّ اليّ سكان الارض فيقومون عن يميني وشمالي، فأقول لأبناء الشمال: لقد كنت جائعا فما أطعمتموني، وعريانا فما كسوتموني، ومريضا فما عدتموني ولا داويتموني، ومحبوسا فما زرتموني، فيكون من جوابهم ان يقولوا لي: متى كنت يا سيدنا مريضا او عريانا او جائعا او محبوسا؟ ألم نكن باسمك نتنبأ، وباسمك نشفي المرضى ونقيم الزمنى، وباسمك نطعم الجياع، ونكسو العراة، ونداوي المرضى، وباسمك نأكل ونشرب؟ فأقول لهم: قد كنتم تذكرون اسمي ولا تشهدون عليّ بالحق، ابعدوا عني يا عاملي الإثم. ثم اقول لأبناء اليمين: هلمّ ايها الصالحون الى رحمة الله والى الحياة الدائمة، وليس هاهنا من يطعم ويكسو او يداوي المرضى ويأكل ويشرب باسم المسيح ويفعل ذلك للمسيح إلا هؤلاء الطوائف من النصارى. فهذا نصّ واضح ببراءته منهم، وعداوته لهم.
والروم تأكل الخنزير وجميع الحيوان وذبائح الناس كلهم، فتبعوا الروم في هذا كما تبعوهم في غيره. فاذا قيل لهم في ذلك، قالوا: إن شمعون الصفا
[ ١ / ١٩٤ ]
رأى في المنام، واذا ثوب مربوط بأربعة اطرافه وهو ينزل من السماء الى الارض، فيه كل الدواب ذوات الاربع القوائم وزخارف الارض، وطير السماء، وحيوان الماء. وسمع صوتا يقول: قم يا شمعون، قم اذبح وكل، فقال شمعون: حاشا لي يا رب، فإني منذ قط لم آكل شيئا نجسا، فعاد الصوت/ المرة الثانية يقول له: لا تنجس ما طهره الله. وهذا عندهم رآه شمعون بعد موت المسيح ورفعه.
قلنا: فقد شهد شمعون ان هذا مما حرمه المسيح ونجسه، فقد اكد فضيحتكم اذ هو ما جاء الا بالتمام لا بالتغيير والنسخ.
والعجب ان معهم في أشعيا النبي «١»، أن شر الأمم وأنجس الأمم وأخبث الأمم، هذه الأمة ذات القلفة، الآكلة للخنزير، وكل البهائم. وهذا هو صفتهم.
وفي النصارى من يزيد في الكذب والمخرقة ويقول: انما قتل اليهود المسيح لأنه أحيا الموتى وأقام الزمنى «٢» في يوم السبت، وهذا دليل على انه أحل السبت، ونسخ ما في التوراة.
قلنا: قد بينا ما في الأناجيل وفي أفراسكس من وصايا المسيح بالتوراة، وما عمله، مما فيه بطلان هذه الدعاوي.
_________________
(١) في الاصل: شعيا بدون ألف
(٢) جمع زمين: وهو المريض الميئوس من شفائه.
[ ١ / ١٩٥ ]
ومما يزيد في البيان عن كذبهم قول متى في انجيله: «ان المسيح كان يتمشى بين الزروع يوم السبت، وكان تلامذته قد جاعوا، فجعلوا يفركون السنبل ويأكلون، فلما رأى الأحبار ذلك قالوا له: إن تلاميذك هوذا يفعلون ما لا يحل لهم فعله في السبت، فقال المسيح: فما قرأتم ما صنع داود إذ جاع، كيف دخل بيت الله وأكل من خبز مائدة الرب الذي لم يكن يحل له أكله، ما خلا الكهنة فقط.
وقال لهم ايضا: «وما قرأتم في التوراة ان الكهنة في الهيكل يحلّون الهيكل وليس عليهم لوم» . فانظر كيف بيّن ان هؤلاء ما حلّوا «١» السبت ولا ما في التوراة، وأنهم انما عملوا بما يحل في التوراة، ولكنكم انتم جهلتم، فلو كان قد نسخها لقال/ لهم: انما فركوا السنبل في السبت لأن الله قد نسخ ذلك على يدي، ولم يحتج الى تبيين حال الاضطرار.
وذكر متى في انجيله ان المسيح لما أبرأ الرجل الأمثال قالت له اليهود:
هل يحل الإبراء في السبت؟ فقال لهم: اذا وقع لأحدكم كبش في البئر أما تستخرجونه، فالانسان أفضل من الكبش، وأنه قد يجوز أن يفعل الفعل الجميل في السبت، فلو كان حل السبت لقال ذلك وأظهره ولم يحتج، وقد قال لوقا في انجيله: ان المسيح كان يعلّم في يوم السبت في بعض الكنائس، وكان هناك امرأة بها مرض منذ ثمانية عشر سنة، وكانت منحنية، ولم تك تستطيع ان تبسط قامتها، فلما رآها المسيح قال لها: ايتها المرأة قد أطلقت من مرضك، فعوفيت من ساعتها. فقال رئيس اليهود: إن الايام التي يجوز فيها العمل ستة ايام ففيها تعالجون لا في السبت، فقال له المسيح: أما يطلق
_________________
(١) هكذا في الاصل، ولعلها أحلوا.
[ ١ / ١٩٦ ]
احدكم ثوره او حماره عن المعلف في يوم السبت ويذهب به ويسقيه الماء، فهذه التي هي بنت ابراهيم ﵇، وقد ربطها للشيطان منذ ثمانية عشر سنة لا يجب ان تطلق عن الأسر. فلو كان كما قال هذا الكذاب، لقال:
السبت منسوخ، وكل الاعمال فيه جائزة مباحة.
وذكر متى في انجيله: ان المسيح خبّر ببلاء ينزل بأصحابه وجلاء، ثم قال لهم: صلّوا لله وارغبوا اليه ان لا يكون هربكم وجلاؤكم في يوم السبت ولا في الشتاء. وهذا قاله لهم عند فراقه إياهم ووداعه لهم، لتعلم تأكيده لإقامة السبت من بعده والتمسك بشرائع التوراة، وانما امرهم مسألة/ الله ألا يكون هربهم في يوم السبت، لأنه لا يحل لهم ان يحملوا في يوم السبت شيئا من امتعتهم وأموالهم، وانما يحل النجاة بالنفس لا غير. وكل هذا بيّن رفض النصارى لدين المسيح.
واذا قيل لهم: لم تصلّون الى المشرق وقد علمتم ان المسيح لم يزل يصلي الى بيت المقدس الى ان خرج من الدنيا، وانما المشرق قبلة الروم؟ قالوا:
لأن الله خاطب الانبياء من قبل المشرق، وبعضهم يقول: ان المسيح لما صلب أمال وجهه الى المشرق فلهذا صلينا الى المشرق، فقيل لهم: فمن أعلم بالمصالح أنتم أم المسيح، وقد علمتم وتيقنتم انه ما صلى الى المشرق، ولكنكم صرتم الى ديانات الروم وفارقتم دين المسيح.
وفي الانجيل سألته السامرية: ارى انك نبيّ انت، آباؤنا انما سجدوا في هذا الجبل، وأنتم تقولون: إن الموضع الذي يجب السجود فيه انما هو اورشليم قال لها يسوع: ايتها المرأة «١» صدقت «٢»، أما [إن] «٣» بين اتباعه [من] «٤» لا
_________________
(١) في الاصل: الامرأة
(٢) في الاصل: صدقتي
(٣) زيادة على الاصل يقتضيها السياق
(٤) زيادة على الاصل يقتضيها السياق
[ ١ / ١٩٧ ]
يسجدون للرب لا في هذا الجبل ولا في اورشليم.
فانظر الى الافصاح والبيان في هذا، ان المسيح إنما كان يصلّي الى اورشليم وهو بيت المقدس، ليعلم انهم خالفوا ما كان عليه.
وقد ذكرت لك انه ما قصدنا بيان فساد النصرانية، إنما قصدنا البيان عن مفارقتهم لدين المسيح ومخالفتهم له في الاصول والفروع جميعا مع شدة تحققهم به، وأن علم محمد ﷺ بذلك انما هو من قبل الله ﷿، وأن ذلك من معجزاته وآياته وإن كان قد اتفق من حكايات اقوالهم والرد عليهم ما لا يكاد يوجد في كتاب، سيما حكاية تسابيحهم وأقاويل رؤسائهم.
فاحتفظ بذلك فانك لا تكاد تجده/ في كتاب، وبك الى حفظه امس الحاجة.
فأما المسألة لهم والرد عليهم فكثير.
فمن ذلك، كتاب الجاحظ، وكتاب آخر له يعرف بالرسالة العسلية، ولأبي جعفر الاسكافي، ولأبي بكر احمد بن علي بن الأخشيد قطعة حسنة في كتاب المعونة. ولأبي عيسى الوراق كتاب عليهم، ولأبي علي كتاب عليهم، ولأبي هاشم مسألة في البغداديات، وفي أصول ابن خلاد وفي شرحه، وفي الايضاح لأبي عبد الله البصري، رحمة الله عليهم اجمعين، كلام عليهم «١» .
_________________
(١) ابو بكر الاخشيد احد رجال الفكر الذين أيدوا المعتزلة في بعض أقوالهم وخالفوهم في بعضها توفي سنة ٣٢٠ هـ. اما ابو علي وابو هاشم فهما من كبار رجال الاعتزال وقد سبق التعريف بهما، اما ابو عبد الله البصري فهو الحسين بن علي اكبر أساتذة القاضي عبد الجبار ومن كبار رجال المعتزلة توفي سنة ٣٦٧ هـ او ٣٦٩. واما ابو علي بن خلاد فهو ايضا احد كبار رجال الاعتزال وهو صاحب كتاب الاصول والشرح في علم الكلام وهو احد أساتذة القاضي وقد عده في الطبقة العاشرة، اما ابو جعفر محمد بن عبد الله الاسكافي فقد كان احد أئمة الاعتزال، خلف حوالي سبعين كتابا في الكلام، توفي سنة ٢٤٠ هـ.
[ ١ / ١٩٨ ]
وليس عندهم ان المسيح تكلم في المهد، ولا اتى ببراءة ساحة امه، وأكثر ما عندهم ان مريم ﵍ كانت مملكة بابن عم لها يقال له يوسف ويعقوب النجار، وأنها كانت عنده، وأن الناس كانوا يرون ان المسيح ابن يوسف، الى ان عمّده يوحنا في الاردن، وجاء الصوت من السماء: هذا ابني الذي سررت به نفسي. قالوا: فعلمنا انه ابن الله تعالى الله لا ابن يوسف النجار. قالوا: وكان هذا بعد ان اتى على المسيح ثلاثون سنة، وكان الناس لا يشكون انه ابن النجار الى ان جاء هذا الصوت بزعم النصارى، فأي سخف وضعة وطعن في حكمة الله اعظم من هذا، وهو عندهم رب العالمين، وقد خلّى عباده يقذفون امه.
وفريق منهم وهم الخاصة يذهبون الى ان ربهم يهودي بن يهودي، مولود من يهودية، وان امه امرأة يهودية، وقال متى في انجيله: لما ظهر الحمل بالمسيح بمريم البتول هم يوسف النجار بطلاقها، فأتاه الملك في المنام فقال له:
يا يوسف النجار لا ترتب بحليلتك مريم فإن الحالّ فيها من روح القدس، فأمسك عن طلاقها.
فانظر كيف يشهد بأنها حليلة يوسف النجار وزوجته، / وانه هم بطلاقها واتهمها بالزنى وأراد طلاقها فرارا من العار.
وبعضهم يذكر في ترجمة انجيله: هذا ميلاد يسوع «١» بن يوسف النجار، ومتىّ يقول في انجيله: هذا ميلاد يسوع «٢» المسيح. وقال: يعقوب والد يوسف رجل مريم التي منها ولد يسوع المسمى مسيحا، فانظر كيف يحققون ان يوسف زوجها.
_________________
(١) في الاصل: ياشوع.
(٢) في الاصل: ياشوع.
[ ١ / ١٩٩ ]
وفي الانجيل ان المسيح لما ولد ختن بعد ثمانية ايام، وان يوسف النجار اخذه مع امه وخرج بهما الى مصر فأقام اثني عشر سنة، ثم اخذهما وردهما الى بيت المقدس.
وفيه ان يوسف دخل بيته فقال لمريم: اين الصبي، يعني عيسى المسيح، فقالت له: ظننته معك، فقال: وأنا ظننته في البيت عندك ومعك، فقلقا لذلك وخافا عليه الضياع، فخرجا جميعا في طلبه، فقال يوسف النجار:
لمريم خذي انت طريقا وآخذ انا طريقا آخر، فلعل واحدا منا يجده.
فمشيا متحرقين، فلقيته مريم امه فقالت: يا بني، اين تكون؟ ظننتك مع ابيك وظنك ابوك عندي فلما لم يرك قلقنا فأخذ ابوك في طريق وأخذت انا هذا الطريق، فأين كنت، ومع من كنت وابوك متحرق عليك؟
فقال: كنت في بيت المقدس اتعلم.
وذكر متى في انجيله: ان المسيح اجتمع مع اليهود وضرب لهم الامثال، فلما فرغ المسيح من هذه الامثال تحول فدخل مدينته، وكان يعلم في كنائسهم فكانوا يتعجبون ويقولون: من اين لهذا هذه الحكمة، أليس هذا ابن يوسف النجار، أليس امه التي تسمى مريم واخوته يعقوب وشمعون ويهوذا واخواته كلهن أليس هن عندنا، من اين لهذا هذا كله، وجعلوا يحتقرونه ويأثمون فيه/ ويقذفونه، والمسيح يقول لهم: ليس من نبيّ إلا ويحتقر في مدينته.
والنصارى توافق المسلمين في ان المسيح ولد من غير ذكر، ثم يقولون في اناجيلهم: إن يوسف النجار زوج مريم ام المسيح، ورجل مريم، وابو المسيح، وانه كان يدعي بذلك ويعرف به غير متناكر بينهم، وأنه كان له إخوة وأخوات.
[ ١ / ٢٠٠ ]
وفي أناجيلهم وأخبارهم انه لما طلب جاءته أمه مريم ومعها أولادها يعقوب وشمعون ويهوذا، فوقفوا حذاءه، فقال لها وهو على الخشبة: خذي أولادك وانصرفي، فما الذي بعد هذا في البيان ان مريم ولدت بعد المسيح من يوسف النجار هؤلاء الجماعة وكانوا إخوة المسيح من أمه، فأي فضيحة تكون أبشع من هذا.
ومن عجيب امر النصارى، ان اصحاب الأناجيل الاربعة قد قصدوا الى ذكر نسب يوسف النجار خاصة، وليس في ذلك نسب للمسيح اذ كان مولودا من غير ذكر، وانما يتصل نسبه الى سليمان بن داود ﵉ من قبل أمه لا من قبل احد من الرجال، وهذا تخليط بيّن وجهل ظاهر، ولذلك وجد اليهود السبيل الى الطعن في المسيح.
ولتعلم رحمك الله، ان هذه الطوائف من النصارى أجهل عالم الله بالمسيح واخباره وأخبار أمه، وان كل واحد من اصحاب هذه الأناجيل إنما تلفظ ما كتبه بعد المسيح بالدهر الطويل، وبعد مضي اصحابه عمن لا يعرف ولا يحصل، وفيها من الاختلاف والتناقض لما هم عليه ما يطول شرحه.
وفي أناجيلهم ان المسيح أتاه قوم من اليهود يسألونه آية فقذفهم وقال مجيبا لهم: إن القبيلة الخبيثة الفاجرة تطلب آية ولن تعطى آية خلا آية يونان النبي، هذا على قولهم يدل انه ما معه آية بهذا الإفصاح، وأنه ما ادعى ذلك عند/ الحاجة اليه.
والنصارى لا تعرف الربوبية ولا تفرق بينهما وبين الانسانية ولا يقوم على احد حجة بنقلهم وادعائهم إلا بايات للمسيح، ولولا شهادة رسول الله ﷺ للمسيح ﵇ بالنبوة لما عرف احد ذلك.
[ ١ / ٢٠١ ]
ومن أكبر كيد رؤساء النصارى، ادعاء المعجزات لأنفسهم ولأمثالهم ممن سلف من رؤسائهم، والنصارى تقبل ذلك منهم بغير برهان ولا حجة، فاذا مات ذلك الرئيس من راهب او قس او مطران او جاثليق قعد راهب وقال:
أنا كنت أخدمه فرأيت منه العجائب، فترحموا عليه معشر النصارى، وتوسلوا الى الله به فانه شاهد، فاشهدوا قبره وأكثروا زيارته. فيقول النصارى له:
يا رباني «١» حدثنا بما رأيت منه فيمتنع ويقول: أعفوني من الشرح، وكلما تمنع لجّوا في مطالبته، فيقيم على الامتناع فيزدادون حرصا في استخباره، فيقول: إنه في حياته ما تحدث به فما أحبّ أنا ان أتحدث به بعده، وإنما ذكرت لكم فضله لتتوسلوا الى الله به، فان صدقتموني فافعلوا وإلا فدعوا فما يضرني وليس هي أعجوبة وآية لي وانما هي له، فيزدادون حرصا، فيقول:
قد كان انقطع بنا الزيت في البيعة، وكان لا يطلب الزيت من احد ولا يدعني أطلبه، فاذا كان الليل أشعل القنديل وقام الى جرة له فيها خل فيصبه في القنديل فيصير من ساعته زيتا فيصطبح به كذا وكذا شهرا وقد كان في الجرة أكثر من خمسين رطلا خلا وهو في الجرة نأكله عند الافطار، وفي الليل/ اذا قلبه في القنديل صار زيتا.
ويتحدث آخر عن راهب صحبه، يقال له أبا مرقس، وانه كان كثير العبادة، وأنه توكل على الله وألقى نفسه في البحر، وقال: يفعل الله بي ما شاء، إن شاء غرقني وان شاء نجاني والقاني حيث شاء من ارضه. قال: فما جسرت ان افعل مثل ما فعله، وأقمت بمكاني بعده على ما فيّ من وحشة فراقه مدة طويلة، ثم دعاني ما فيّ من الوحشة له ان افعل مثل فعله، فإما
_________________
(١) في الاصل: يا ربن
[ ١ / ٢٠٢ ]
ان أغرق فأستريح من الوحدة»
. ففعلت وبقيت في البحر مدة، ثم ألقاني الله الى ارض لا اعرفها ولا بها ينبوتة يأكل منها حيوان؛ فأقبلت امشي فيها فوقعت عيني على شخص قائم يصلي فقصدت نحوه فاذا هو «أبّا مرقس» صاحبي، فقلت له: ربّاني «٢»، مذ كم انت هاهنا؟ قال: مذ فارقتك ألقاني الله الى هذه الارض، فقلت له: من اين تعيش وليس هنا ينبوتة يأكلها حيوان؟ فقال: اذا كان العشاء التفت من صلاتي فأجد سمكة مشوية حارّة في طبق رغيفين وسكرجة عسل، فأفطر على ذلك ويرتفع الطبق ولا ارى من يرفعه ولا من يضعه. فقلت له: هذا المقدار هو قوتك انت وان شاركتك فيه ضيقت عليك، فكيف اعمل انا وهذه ارض قفر، ما بها نبات ولا بها يبس «٣»، فقال: ما ادري وان شئت ان تقيم وتشاركني فيما يجيئني فافعل.
فأقمت، فلما كان العشاء اذ بطبقين وسمكتين ورغيفين وسكرجتين، أحدهما لي، والاخرى له. فقال لي: قد جاءك من الرزق مثل ما جاءني، فأقمت معه كذا وكذا/ سنة، فمرض ووصاني بدفنه وأمرني انصرف بعد دفنه اليكم لأعرفكم خبره لتزدادوا بصيرة في دينكم، ولولا وصيته لما فارقت المكان.
ويقول آخر من الرهبان لهم: أبشروا معشر النصارى، فإن دينكم الحق، فقد رأيت من العجب ما عرفت صحته، فيقولون له: مثل اي شيء رأيت فيقول: ليس هو شيء لي وإنما هو لغيري، وهو اني كنت في جملة الجاثليق فلان، فقال لي: يا اخي بلغني عن مطران خراسان انه يأكل اللحم، فامض اليه وقل له: اما علمت ان المطران لا ينبغي له ان يأكل اللحم؟ فمضيت
_________________
(١) لعل في العبارة نقصا
(٢) في الاصل: ربن
(٣) في الاصل: أيبس
[ ١ / ٢٠٣ ]
اليه فاتفق دخولي عليه وبين يديه مقلى مملوء عصافير قد قليت وهي حارة، وهو يأكل، فقال لي: كل، فقلت له: ابونا الجاثليق ارسلني اليك يقول لك: أما علمت ان المطران لا ينبغي له ان يأكل اللحم، فقال لي: هكذا قال لك ابونا؟ فقلت: نعم، فرفع يده وقال لي: نعمل ما قال ابونا، وقال لتلك العصافير التي في المقلى: كش، فتطايرت كلها، ورفع المقلى، فيصدقونه ويدونون ذلك، ويكتبونه. ويطرأ على من بالعراق منهم وما والى العراق راهب لا يعرفونه، فيقولون له: وقد دخل البيعة: رباني، من انت، ومن اين جئت؟ فيقول: دعوني وأعفوني فيراجعونه فيقول:
ذنبي عظيم وفضيحتي فاحشة فلا تسألوني عن شيء، فيلحون في سؤاله فيقول:
بشرط انكم تسترون عليّ، فيقول: انا كنت رجلا يهوديا شديد البغض للنصارى والمسيح، وسمعتهم يقولون في الانجيل ان المسيح قال: من كان نصرانيا خالصا وقال للشجرة قفي على أمواج البحر/ ولا تبرحي، فانها تقف. وكنت لا اصدق بهذا فجئت الى الملك وقلت له: أنا رجل يهودي، وقد قلتم ان المسيح قال لكم كيت وكيت، فإن صح هذا ورأيته بعيني تنصرت من ساعتي. فوجه الملك الى السواد فجاؤوه بشيخ ضعيف البنية وعليه المسوح، فقال له: هذا رجل يهودي، وقد قال كذا وكذا، فهات ما عندك في هذا، فأقبل الشيخ عليّ وقال: يا هذا اتق الله، إن كنت متعنتا فامض بسلام ولا تؤذنا، وإن كان ما تقوله حقا وعن نية صادقة فعرفني، فحلفت له على صدق نيتي، فقال لي: اذهب الى الصحراء فانطر اي شجرة شئت فعلّم عليها وارجع اليّ فعرفني العلامة، فذهبت وأعلمت على شجرة عظيمة ورجعت اليه فعرفته، فقال لي: تجيئني في غد حتى اريك شجرتك على موج البحر كما اقترحت. فجئته من غد وأخذ بيدي وجاء بي
[ ١ / ٢٠٤ ]
الى البحر فأراني الشجرة التي اعلمت عليها قائمة منتصبة على موج البحر فتنصرت، فأنا اسيح في الارض وأبكي على ذنوبي وذهاب ايامي. فيصدقونه، ويكتبون ما قاله، ويكون مما يدرس في البيعة ويسمعه الرجال والنساء.
ويجيئهم آخر من الرهبان فيبكي، فيقولون له: من انت، وما يبكيك؟
فيقول: دعوني فإن مصيبتي عظيمة، فيقال له: اذكرها يا بني، فيقول:
ما اعقل امري، وما ادري ما اقول، فيقولون له: على كل حال اذكر مصيبتك وعرفنا حالك، فيقول: او ليس قد مات ابونا جورجس؟ فيقال له: ومن جورجس؟ فيقول صاحب البلا الفلاني والصومعة الفلانية، فيقولون:
ما نعرفه، وربما فيهم واحد يقول: قد سمعت به فيقول: فهل بلغتكم آياته ومعجزاته، فيقولون: حذ ثنابها، واذكرها لنا. فيقول: ما «١» لي اذكرها لكم، ما انتم نصارى بل انتم خلاف النصارى، ولو كنتم نصارى لعرفتموه وعرفتم آياته ودلالاته. فيسألونه ذكرها فيأبى ويتمنع، فلا يزالون يراجعونه/ فيخبرهم ان الملك الفلاني ارسل فأشخصه، وقال له:
ارجع عن هذا الدين وأنا اعطيك وأكرمك وأشاركك في ملكي، فأبى، فحبسه في محبس وثيق ضيق، ثم طلبه من السجان فما وجده في السجن، فلحق السجان من الملك كل ما يكره، وقال له: انت اطلقته، وبث الرسل في طلبه فوجدوه في صومعته فأتوا به الملك فقال له: اخبرني عن السجان، اهو الذي اطلقك؟ فيقول: لا، المسيح اخرجني، وفتح الابواب لي، وحجب الأبصار عني، فقال له الملك: انا الآن احبسك في محبس، فقل للمسيح يطلقك. فحبسه في حبس وثيق من وراء ابواب حديد مقفلة،
_________________
(١) في الاصل: لما، ولعل الصحيح ما اثبتناه.
[ ١ / ٢٠٥ ]
ثم طلبه فما وجده. فأرسل الى صومعته فإذا هو فيها، فجاء به، وقال له:
من اطلقك فقال له المسيح: فرده الى الحبس وقيده وثقله بالحديد وزاد في التوثق، ثم طلبه فما وجده في الحبس، والأبواب والأقفال كما كانت، ووجد القيود؛ فأرسل في طلبه فوجده في صومعته فجاؤوا به وقد اغتاظ الملك مما يتم له، ومن تخجيله له مرة بعد اخرى، فأمر فضربت عنقه ودفن فلما كان من غد يوم دفنه وجدوه في صومعته، وقيل ذلك للملك، فبعث وأحضره وقطعه إربا «١» وحمل ودفن فلما كان من غد وجده في صومعته، وقيل ذلك للملك، فأرسل وجاء به وقطعه إربا «٢»، ودعا بنار فأحرقه وأمر برماده فألقي في البحر، فلما كان من الغد وجدوه في صومعته، فأرسل الملك وجاء به واعتذر إليه وتنصر.
فيقول الراهب: وكل هذا كان منه وأنا معه وأشاهده منه وما فعله الملك به، فمثل هذا لا ابكي عليه ولا تعظم مصيبتي به. وأشد من هذا، جهلكم وغفلتكم حتى كأنكم ما انتم نصارى ولا سمعتم/ بالنصرانية، ويبكي، فيصدقونه ويعتذرون إليه من غفلتهم وجهلهم بهذا الرجل وبما كان معه، ويجتمعون:
رجالهم ونساؤهم وصبيانهم، ويسألونه ذكر ذلك لهم، فيعيده على فوج بعد فوج، فينصرفون عنه وقد صدقوه. وينبثون ويتحدثون بذلك سرورا به، ويخالدون ذلك، ويجعلون لمثل هذا اعيادا، ويجعلون له أياما معلومة يقيمون هذه الاعياد فيها، ويعيدون حديثهم ليتطرّا ذكرها وليسمعها من يشاء من ذراريهم، ويسمون ذلك ذكران؛ فيقولون: هذا ذكران جورجس
_________________
(١) في الاصل: ارابا
(٢) في الاصل: ارابا
[ ١ / ٢٠٦ ]
وهذا ذكران ابا مرقس، وهذا ذكران فلان «١» .
ويجيبهم آخر، فيقول: تدرون معشر النصارى لم صار في العرب والقبط والحبشة والفلانيين «٢» نصارى؟ فيقولون: لا، [فيقول «٣»] ولكنني أدري ولو كنتم نصارى لدريتم، فيسألونه فيخبرهم. فيقول ان الآباء الأوائل باتوا ليلة لسانهم واحد، فأصبحوا وقد نطق كل واحد منهم بلسان امة من الأمم، فانطلق كل واحد منهم الى تلك الأمة التي نطق بلسانها، فدعاهم بلسانهم، وأظهر لهم الآيات والمعجزات، وإلا فقولوا لنا: لم تنصرت الارمن والعرب والقبط والحبشة؟ فيقولون له: صدقت، هذا برهان نيّر فيكتبون هذا ويدونونه ويجعلون له عيدا وذكرانا، وهذا اصله ومخرجه وأوله. فإذا تخلد وانبثّ ومرّت عليه الدهور وأتت عليه الأعصار، ادعوا انه شيء كان أصله بمشاهدة الأمم لأن الكذب فيما تقادم عهده أمكن. وانما يجعلون له ذكرانا وعيدا ويوما بعينه لتتم الحيلة فيه، وليظن من يسمع انه ما جعل له عيد ويوم معلوم وتاريخ مؤقت محدود إلا وهو حق وله اصل ليتأكد/ الكذب ويتم التمويه، وليتصل البر والصدقات على الرهبان في هذه الاعياد. والفطناء من النصارى يقولون: هذه الآيات والمعجزات انما هي من احتيالات الجثالقة والرهبان ومن يبغض العمل ويفر من الكد، ويسمونهم بلغتهم السريانية «عازق معناثا «٤»» معناه انه ترهّب ولزم الدين ليأكل من غير ماله ويستريح من الكد، والرهبان اذا ما تشاحنوا على ما يأخذون يقول احدهم لصاحبه:
النصارى يفضلونك علينا، ويعطونك أكثر مما يعطونا، ومالك من فضل
_________________
(١) كتب المعلق في الهامش: في سبب ذكران النصارى.
(٢) هكذا في الاصل
(٣) في الاصل لا توجد كلمة فيقول، وهي اضافة مني ليستقيم الكلام.
(٤) كتب المعلق في الهامش: عازق معناثا.
[ ١ / ٢٠٧ ]
علينا، كلنا قد فر من العمل، وانما نحن نصلي للنصارى. ولهم من المكاشفات ما يطول شرحه، ولكن ليس متأمل ولا متخرق على الاسلام ولا متفقد «١» .
وربما ورد الراهب على النصارى بمثل ما قدمنا، فيقبل الرهبان بعضهم على بعض بالقول فيما بينهم: تأملوا هذا الفار من العمل بأي شيء قد جاء يخدع النصارى، وانظروا هل يكون له بخت. وربما جاء الراهب الى الجاثليق بمثل هذ لينفق عنده، فيقول له الجاثليق: عزمت على الهرب من العمل، انت عازق معناثا، فربما بكى، وقال له: أبونا ما يحل لك ان تقول لي هذا، فيقول الجاثليق: يا أخي ما ينبغي ان تعمل معي هذا فأنا أعرف بالصنعة، هبنا خدعنا غيرنا، بعضنا يعرف بعضا والصنعة واحدة، وأنا عازق معناثا مثلك، فلا تبك.
ومثل هذا رحمك الله تجد كثيرا من القسيسين والرهبان، اذا رأوا راهبا او جاثليقا او قسا او مطرانا قد ادّعيت له المعجزات ونفق على النصارى، يقول بعضهم لبعض: انظروا بأي شيء نفق هذا على النصارى الجهال ونفذت حيلته فيهم واستوت له عليهم/ الرئاسة.
وكان متى بن يونس القس صاحب المنطق «٢» يقول عند مثل هذا: هذا بخت النغول «٣» . وعلماء النصارى يسرعون الى الإلحاد كما تقدم ذكره لك، ومما يدنيهم من هذا الامر، ان موضوع النصرانية ان الآيات والمعجزات
_________________
(١) هكذا وردت العبارة في الاصل
(٢) متى بن يونس النصراني (ابو بشر)، حكيم منطقي توفي ببغداد سنة ٣٢٨ هـ. ترجم عدة كتب في الفلسفة والمنطق الى اللغة العربية. انظر الفهرست ١: ٢٦٣، ابن ابي اصيبعة ١: ٢٣٥، القفطي ٣٢٣.
(٣) نغل الاديم فهو نغل اي فسد فهو فاسد، والنغل ايضا ولد الزانية. انظر القاموس المحيط
[ ١ / ٢٠٨ ]
تكون في عبادتهم في كل عصر لا تنقطع، تدعي ذلك الملكية لعبادها، كما يدعيه باقي طوائفهم، ويدّعون المشاهدة في كل زمان وأوان، مع إكفار بعضهم لبعض. وليس فيهم احد رأى شيئا من ذلك، وليس إلا الدعاوى التي تقدم ذكرها والذكران والاعياد، فيلحدون ويظنون بما يدّعى لموسى وهارون وعيسى ﵈ بمثل ما يدّعى للرهبان.
ومما يؤثر ان النصارى جلسوا في ذكران جورجس، وما جرى عليه من القتل مرة بعد مرة وهو يعود ويقوم من قبره الى الصومعة. فيقول قائل منهم: لو صدقنا انفسنا لعلمنا ان هذا كذاب لا اصل له، المسيح صاحب جورجس ذاق مرّ الحديد مرة واحدة فما عاد ولا تعرض لمثلها، فكيف بتعرض لها جورجس وهو دونه في الصبر والبصيرة، فأضحكهم.
وأكثر ما عند اهل البصائر منهم ان يقولوا: سبيلنا ان نسلم للرؤساء ونقنع في الدين بالتقليد ولا نطلب فيه البرهان، فليس امر الشريعة والبيعة من امر الطبيعة في شيء. وهذا شيء ألقاه لهم هؤلاء الرؤساء الذين يستأكلونهم ويسخرون منهم، وأكثرهم ملحدة كما قدمنا. وهم يريدون بالطبيعة ما يقوله أرسطاطاليس وأمثالهم من الملحدة: في ان الشمس والقمر وسائر أجساد السماء لا يجوز ان تتصدع ولا تتفرق، ولا ان تكون حارة ولا باردة ولا رطبة ولا يابسة ولا حلوة ولا حامضة/ ولا ثقيلة ولا خفيفة، وما اشبه ذلك من جهالاتهم التي تزيد على جهالات النصارى أضعافا مضاعفة.
ويدعون انهم قالوا ذلك ببرهان. وان الربوبية والنبوات والشرائع لا يقوم عليها برهان فخاصة النصارى ورؤساؤهم أجهل من عامتهم بطبقات.
والقبط تبغض بني اسرائيل لما جرى عليهم وعلى فرعون من موسى.
[ ١ / ٢٠٩ ]
فلما غلبت الروم على بني اسرائيل وملكت مصر والشام والجزيرة، وأخذت الناس بهذا الدين بالرغبة والرهبة كما بيّنا وكما ترى وتشاهد، اسرعت القبط الى ذلك، وخالطت الروم قبائل العرب من غسان وغيرها بالشام فدعتها الى النصرانية، وبذلت لها الملك، وذكروا لهم دين المسيح وما يذهبون اليه من المعجزات التي ذكرناها، فسهل ذلك عليهم وهم كانوا عبّاد أصنام، فلم يبعد عليهم ذلك.
وقد صار في هذه الامة من يسلك هذا السبيل، ويؤكد دعواه بادّعاء الآيات والمعجزات والتواريخ والايام، كادّعاء الحنبلية ان المعتصم بن الرشيد لما ضرب احمد بن حنبل انحل عنه مئزره فخرجت كف فشدت مئزره، وان المعتصم وتلك الجماعة من القضاة والفقهاء والمحدثين لما رأوا ذلك راعهم وخلى المعتصم ضربه وخضع له وسأله بعد أن اعتذر اليه ان يحله فأجابه احمد الى ذلك، فخلع عليه وكرمه، وسأله ان يدعو له، وصرفه الى منزله.
ويدّعون لمعروف الكرخي وغيره ما قد علمت «١» .
وادّعى آخرون ان رسول الله «٢» ﷺ استخلف على أمته رجلا بعينه، وان امته اجابته الى ذلك وأظهرت السمع والطاعة، فلما قبض رسول الله ﷺ
_________________
(١) كانت محنة الامام احمد بن حنبل (توفي سنة ٢٤١) بسبب موقفه الصلب الذي اتخذه في مشكلة القرآن هل هو مخلوق ام قديم، فقد كان من رأي المعتزلة اصحاب السلطة آنذاك ان كلام الله فعله فهو مخلوق، وقد حاولوا ان يأخذوا الناس والعلماء بعقيدتهم واضطر الكثيرون الى مجاراتهم بسبب ضغط خلفاء بني العباس: المأمون والمعتصم والواثق وبتأثير كبير وزرائهم احمد ابن ابي دؤاد، الا ان الامام ابن حنبل رغم التعذيب على رأيه من انه لا يطلق على القرآن لفظا يرد فيه نص. وقد أحيطت محنته بمبالغات كثيرة، اما معروف الكرخي فينسب له الصوفية كثيرا من الكرامات، توفي سنة ٢٠٠ هـ
(٢) عبارة «ان رسول الله» مكررة في الاصل.
[ ١ / ٢١٠ ]
عطلوا ذلك كلهم، وارتدوا/ بأسرهم. وهذا قول الكاملية، ورئيس هذه المقالة ابو كامل معاذ بن الحصين النبهاني الكوفي. وقال هشام بن الحكم «١»:
قد ارتدوا كلهم إلا نفرا يسيرا، فانهم أقاموا على اعتقاد هذا النص بضمائرهم وقلوبهم دون الإظهار بألسنتهم. قالوا: وهذا اليوم هو يوم الغدير «٢»، وحين ظهروا هذه الطائفة في سني نيف وخمسين وثلثمائة للهجرة عيّدوا في ذلك اليوم ليؤكدوا كذبهم في المهاجرين والانصار في انهم ارتدوا، فاعرف ذلك.
والحنبلية والإمامية يحتجون بكثرتهم وان مقالتهم قد غلبت على البلدان، وقد تقدم لك القول: ان الكثرة لا تدل على صحة النحلة وانما يدل عليها قيام الحجة، وان قلّ عدد العاملين. بل لو كان القائل بالحق رجلا واحدا، وقامت له الحجة، لكان اولى بالحق ولو خالفه جميع اهل الارض. وقد قال أمير المؤمنين علي بن ابي طالب ﵁: إن الحق لا يعرف بالرجال، ولكن اعرف الحق تعرف اهله، واعرف الباطل تعرف اهله.
وقد كانت الحنبلية تحتج على خصومهم من الرافضة بالكثرة وتقرع الرافضة بالقلة، والرافضة تحتج بأن الله قد ذم الكثرة ومدح القلة وتتلو ما في من القرآن، فلما اتفقت لهم منذ سني ونيف وخمسين وثلثمائة للهجرة احتجوا بالكثرة،
_________________
(١) هشام بن الحكم الشيباني: من كبار مفكري الشيعة ومتكلميهم توفي سنة ١٩٩ هـ. منتهى المقال ٣٢٢- ٣٢٣
(٢) يقصد غدير خم، وهي بئر على ثلاثة اميال من مكة، وقد روي ان الرسول ﵊ خطب المسلمين فكان من جملة قوله: «ألست أولى بكم من انفسكم؟ فقالوا اللهم نعم، فقال: فمن كنت مولاه فهذا علي مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه » وهذا الحديث مشهور، وقد استدل به الشيعة على ان الرسول ﵊ قد نصّ على الخلافة من بعده لعلي ﵁، ولم يجد باقي المسلمين فيه اكثر من الدلالة على فضله.
[ ١ / ٢١١ ]
وكتب رؤسائهم القدماء مملوءة بذكر ذم الكثير ومدح القليل، فاعرف ذلك.
ثم يقال للامامية: إن النص الذي ادعيتموه من النصوص التي تلزم الكافة من الرجال والنساء والأحرار والعبيد والمسافرين والمقيمين والخاصة والعامة، لو كان له أصل لكان العلم به عند كل عاقل سمع الأخبار كالعلم بأمثاله من نصوص الكافة وإن لم يعرف اليوم الذي كان فيه ولا المكان ولا عين اللفظ به، لأن قول النبي ﷺ: فلان خليفتي عليكم/ وحجة الله بعدي عليكم، كقوله: أنا رسول الله اليكم، وحجة الله عليكم، وقد عرف هذا من نصوصه ﵇ كل عاقل سمع الاخبار ممن صدقه او كذبه، وإن لم يعرف الوقت الذي قال هذا فيه ولا المكان، فإن عرفه كان من الفضل.
وهذا بيّن كاف، بل نصوص الإمامة والرئاسة الصحيحة منها والفاسدة إذا وقعت حصل العلم بها عند كل من سمع ذلك الخبر، ألا ترى ان نص عمر على عليّ ابن ابي طالب ﵄ بالإمامة والخلافة في الشورى قد عرفه كل من سمع الأخبار، وكذا نص اهل المدينة عليه بعد عثمان، ونص ابي بكر على عمر، ونص الصحابة على ابي بكر، ونص معاوية على يزيد، ونص مروان على عبد الملك، ونص عبد الملك على ابنه الوليد، ونص المنصور على المهدي. فلو كان النبي ﷺ قد نص على رجل من اصحابه بأي لفظ كان لكان العلم به اقوى من العلم بهؤلاء، لأنه ليس في هؤلاء احد يعتقد في نصه وفرضه ما يعتقده المسلمون في نصوص رسول الله ﷺ وأوامره، وفي فقد العلم بذلك دليل على انه امر لا اصل له بوجه من الوجوه. وبمثل هذا يعلم ان أمير المؤمنين ما نص على ابنه الحسن ﵄، وبمثل هذا نستدل على فساد قول أهل التناسخ وما يدعونه على العقلاء من الاكوار والادوار، وبمثله يعرف بطلان قول الملحدة في دعواهم في النفس، ونزولها من عالم العقل
[ ١ / ٢١٢ ]
الى عالم الحس.
فإن قيل: إن هذا قد حسد الناس صاحبه، ونافسوه عنه، ودفعوه ومنعوه من استعماله وذكره.
قيل له: انك لم تطعن في الدلالة، بل تركت ذلك وادّعيت دعوى اخرى، فدعواك الحسد والمنافسة كدعواك/ النص، وهذا فيه أتم كفاية على بطلان قولك.
ثم يقال له: إن هذا الدليل قد دل على ان ليس هناك من رسول الله ﷺ نص على رجل بعينه ينافس فيه او يحسد لأجله، فلو اراد اصحاب رسول الله ﷺ أن يعصوا الله بتعطيل نصه على امير المؤمنين لما قدروا على ذلك، ولا وجدوا سبيلا اليه، لأنه شيء ما كان قط ولا وجد.
ثم يقال له: لو كان هناك نص حتى ينافس صاحبه او يحسد لما قدح ذلك في العلم به، ولما زادته المنافسة إلا قوة. ألا ترى ان اهل المدينة لما نصوا عليه بعد عثمان قد نافسه معاوية ودفعه عن الخلافة فما اثر ذلك في العلم بعقد أهل المدينة عليه، بل زاده قوة ونشره وبسطه. وقد عقد اهل الكوفة للحسن بعد أبيه ﵄، فدفعه معاوية ونافسه وزاحمه وغالبه وغلبه، فما اثر ذلك في العلم بالعقد له بل زاده قوة. وقد ترشح سعد ابن عبادة الأنصاري للخلافة بعد رسول الله ﷺ، ورأى نفسه أهلا لذلك، فدفعه أبو بكر الصديق عن ذلك ومنعه منه.
وقد ادعى مسيلمة النبوة فدفعه أبو بكر الصديق عن ذلك ومنعه وقتله، وادعى طليحة ذلك فمنعه ابو بكر ودفعه وأسره، فما أثر ذلك في العلم بما
[ ١ / ٢١٣ ]
ادعى هؤلاء ودعوا اليه بل زاده قوة وعرف الناس الدعوى والمدعى، والرافع والمرفوع، والمانع والممنوع، هذا وليس لسعد احد يقول بامامته ولا يخاصم فيها، ولا يضع فيها الكتب، ولا يسير فيها الاشعار، ولا يقيم فيها المناحات، وكذا ما ادعاه مسيلمة وطليحة، فعلمت ان هذا شيء ما فعله رسول الله ﷺ ولا ادعاه، ولا ادعاه امير المؤمنين ولا دعا اليه، ولا كان احد من الصحابة يتديّن بذلك، ولا يذهب اليه حرّ ولا عبد، ولا ذكر ولا أنثى. يزيدك وضوحا بذلك، ان امير المؤمنين لما عقد له اهل المدينة كان قوم معه وقعد قوم عنه فلم يكونوا معه ولا عليه وكانوا في المدينة معه، كأسامة بن زيد، ومحمد بن مسلمة، وسعد بن مالك، وغيرهم. ثم رجع قوم ممن كانوا معه فصاروا عليه، وهناك قوم لم يكونوا معه بل كانوا في جميع الاحوال عليه، ويعلم بذلك كل عاقل سمع الأخبار.
وهؤلاء زعموا ان رسول الله ﷺ قام بهذا النص الشامل العام، وعرف الناس هذا الفرض وقدره عندهم، وأداه اليهم بحسب عمومه وشمولاه، وأعلمهم انه شيء يلزم كل واحد منهم، من حر وعبد وذكر وأنثى ومسافر ومقيم وعليل وصحيح، وانهم أظهروا له القبول والرضا، فلما مات ارتدوا كلهم ورجعوا عن هذا النص.
وقال هشام: ارتدوا كلهم إلا ستة نفر منهم، قلنا: فقد كان ينبغي ان يكون العلم بهذا عند كل من سمع الاخبار، وان يكون أقوى وأقهر واغلب من العلم بالذين قعدوا عن امير المؤمنين فلم يكونوا معه ولا عليه، ومن العلم بالخوارج الذين كانوا معه ثم صاروا عليه، ومن العلم بما كان بينه وبين معاوية، ومن العلم بالتحكيم، وإلا فكنا نكون كمن قال: ترون الحصاة وهي على ابي
[ ١ / ٢١٤ ]
قبيس «١»، ولا ترون أبا قبيس، وهو مكان الحصاة لأن ذاك العقد من رسول الله ﷺ اعظم، وفرضه أعم وأشمل من النص على القبلة، وعلى صيام شهر رمضان، وعلى/ الجمعة وغسل الجنابة. ألا ترى ان فرض القبلة يسقط عمن خفيت عليه الدلالة وعن المتأنف «٢» وعن المسافر في التطوع ولا يسقط عنه اعتقاد الإمامة وطاعة الإمام، وقد تسقط الجمعة عن المسافرين والمرضى والنساء والعبيد ولا يسقط عن احد منهم اعتقاد الإمامة وطاعة الامام، وقد يسقط الصوم عن المسافرين والمرضى والحيض ولا يسقط عن أحد منهم اعتقاد الامامة وطاعة الامام، فلو كان كما ادعوا لكان العلم بذلك عند كل عاقل سمع الأخبار أقوى وأقهر وأغلب من العلم بالقبلة وبصيام شهر رمضان، وبالجمعة وبغسل الجنابة. ومثله في النصوص، نص النبي ﷺ على انه رسول الله الى الناس جمعا، ألا ترى أن العلم بذلك حاصل عند كل عاقل سمع الأخبار، ممن صدقه او كذبه، فلو كان لهذا النص أصل لكان يعلمه كل عاقل سمع الأخبار وإن لم يقبله وإن لم يتدين به. كما علم اليهود والنصارى والمجوس انه ﵇ نص على انه رسول الله اليهم، وأن طاعته ﵇ تلزمهم وتجب عليهم، وفي عدم العلم بذلك دليل على أن هذا شيء ما فعله رسول الله ﷺ ساعة قط، ولا كان منه فيه إشارة ولا إيماء بوجه من الوجوه.
ولسنا نقول: إنه لو فعله لقبلوه وعملوا به، بل نقول: كان العلم يحصل
_________________
(١) ابو قبيس: جبل بمكة سمي برجل من مذحج حداد لأنه اول من بنى فيه. القاموس ٢: ٢٣٨
(٢) المتأنف: المبتدىء، والائتناف: الابتداء.
[ ١ / ٢١٥ ]
به عند كل من سمع الأخبار وإن لم يعملوا به، وإن اجمعوا على تعطيله كما اجمعوا على تعطيل إمامة سعد بن عبادة، ونبوة مسيلمة وطليحة.
فاعرف ذلك.
ومما يزيدك بيانا، ان النبي ﷺ قد نصّ على اشياء، فلما قبض ارتدت العرب عن ذلك بألوان الردة، / فادعى مسيلمة النبوة في ربيعة بأرض اليمامة وادعى مثل ذلك طليحة في بني اسد، ورجعت قبائل كثيرة من فزارة وقضاعة وغيرهم ممن هو معلوم عن الشريعة كلها، واستثقلوا ما حرّم عليهم من الخمر والزنا والربا والسرقة والغارة وغير ذلك، وارتد من بالبحرين وبنو يربوع وغيرهم لمنع الزكاة، وقالوا لأبي بكر: نشهد الشهادتين، ونقيم الصلاة، ونجاهد معك العدو؛ فإن ابيت ذلك لحقنا بالعدو وحاربناك.
وأقام ابو بكر والمهاجرون والانصار على الاسلام، وجاهدوا المرتدين كلهم، فحصل العلم بذلك عند كل من سمع الاخبار. فلو كان لما ادعاه هؤلاء القوم ادنى إشارة، لكان العلم بذلك مثل العلم بهذه الامور، بل قد كان ينبغي ان يكون اقوى واقهر، وإنما هذا شيء ادعاه ابو كامل وهشام «١» بعد انقراض الصحابة، والتابعين وتابعي التابعين، وتابعي تابعي التابعين.
وعلى ان قوله ﵇: «انت مني بمنزلة هرون من موسى»، «ومن كنت مولاه فعلي مولاه»، وما اشبه ذلك مما يجعلونه حجة في دعاويهم، ليس من ألفاظ النصوص والاستخلاف والوصايا في لغة ولا في عقل ولا في شريعة، وانما هي فضائل ادخلها هؤلاء في هذه الدعاوي، وانه امر
_________________
(١) سبق ان مر التعريف بأبي كامل وهشام بن الحكم.
[ ١ / ٢١٦ ]
لا تقوم به حجة، ولا يجدون فيه حيلة، فلجئوا الى التعلق بهذه الفضائل، وقالوا: هي نصوص، فلو لم يدلك على فساد قولهم إلا تعلقهم بهذه الاشياء لكفاك وأغناك.
وقد رفع الله قدر رسول الله ﷺ ان تكون نصوصه ووصاياه بمثل هذه الالفاظ؛ يزيدك بيانا انه ﵇ قد نص على خلق كثير بالولاية والإمارة، فقال/ في غزاة مؤتة للجيش الذي أنفذه: اميركم زيد بن حارثة، فإن هلك فجعفر بن ابي طالب، فان هلك فعبد الله بن رواحة. ومثل ذلك في الامراء ولعلهم نحو ألف امير، ما فيه نص بهذه الالفاظ التي يدعونها هؤلاء.
وقد استخلف ابو بكر عمر بن الخطاب، وعمر اهل الشورى، فليس فيهم من قال من كنت مولاه ففلان مولاه، وكذا سائر من عهد الى احد لم يذكر هذا اللفظ، وهم عرب وفصحاء، وفي دعوة الاسلام، وينتمون الى رسول الله ويؤكدون عقودهم بكل ما يقدرون عليه مما هو مستعمل في اللغة والشريعة؛ وهم لا يعرفون هذا اللفظ في العقود، وانما هذه فضائل لا مدخل لها في النصوص والوصايا والعقود. وقد قال رسول الله ﷺ في رجال كثير ما هو آكد وأشف من هذا وأوضح؛ ألا ترى انه قال:
«اقتدوا بالذين من بعدي: ابو بكر وعمر «١»»، وقال ﵇: «هما كالملائكة والأنبياء» في قصة أسارى بدر، لما أشار عليه ابو بكر بالعفو عنهم
_________________
(١) انظر كتب المناقب وفضائل الصحابة في كتب الحديث ففيها الكثير من الاحاديث في فضائل الصحابة جميعا.
[ ١ / ٢١٧ ]
واستبقائهم، واشار عليه عمر بقتلهم واستئصالهم، فقال رسول الله ﷺ: إن لأبي بكر وعمر إخوة من الملائكة والنبيين تشبههما، فأبو بكر كميكائيل في الملائكة ينزل بالعفو والرأفة والرحمة، وهو كابراهيم الخليل اذ يقول:
«فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ «١»»، وهو كالمسيح اذ يقول: «إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ «٢»» .
ومثل عمر مثل جبرائيل ينزل بالعقوبة والنعمة، ومثله في الأنبياء كنوح إذ يقول: «رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّارًا «٣»»، وكموسى إذ يقول: «رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ «٤»» . وإن الله ليشدّ في هذا الدين قلوبا فيجعلها كالحجارة، ويلين فيه قلوبا/ فيجعلها ألين من اللبن. وشبّه عثمان بلوط ﵇، فانه لما اسلم آذته قريش، فهرب بدينه الى ارض الحبشة ومعه امرأته رقيّة بنت رسول الله ﷺ ودعهما رسول الله ﷺ وعانق عثمان وقال: «إنه لأول من هاجر بدينه مع اهله بعد لوط»، وقال ﵇: «من احب ان يسمع القرآن غضا كما أنزل فليسمعه من ابن ام عبد «٥»»، وقال ﵇: «رضيت لأمتي ما رضي لها ابن ام عبد، وكرهت لها ما كرهه ابن ام عبد «٦»»، وقال للأنصار:
«إنكم لتكثرون عند الفزع وتقلون عند الطمع»، «ولو سلك الناس شعبا
_________________
(١) ابراهيم ٣٦
(٢) المائدة ١١٨
(٣) نوح ٢٦
(٤) يونس ٨٨
(٥) رواه الامام احمد في مسنده وابن ماجه والحاكم عن ابي بكر وعمر. انظر الزيادة على الجامع الصغير ٣: ١٤٨
(٦) رواه الحاكم عن ابن مسعود. انظر الجامع الصغير ٤: ٣٣
[ ١ / ٢١٨ ]
وواديا وسلكت الانصار شعبا وواديأ لسلكت شعب الانصار وواديهم»، وقال: «الانصار كرستي وغيبتي، ولولا الهجرة لكنت امرأ من الانصار «١»» وقال في عمه العباس وفي تفضيله وتفضيل ولده الاقوال الكثيرة، وقال في معاذ، وفي عبد الرحمن، وأبي عبيدة «٢»، وغيرهم من المهاجرين والانصار ما هو معروف مكشوف لا يشك فيه؛ فقد كان ينبغي على ما يدعي هؤلاء ان تكون هذه الفضائل نصوصا «٣» اذا كانت الالفاظ على خلاف ما يعرف منها في اللغة العربية.
وهؤلاء يقولون: انتم لستم من العرب ولا تعرفون العربية، فلهذا ذهب عليكم ان قوله: «من كنت مولاه فعلي مولاه، «وانت مني بمنزلة هرون من موسى» [يعني الاستخلاف] «٤» .
قلنا قد فرغنا من هذا مرة وبينا ان هذا ليس من الفاظ الاستخلاف البتة، لا في عقل، ولا في لغة، ولا في شريعة.
وأيضا، فلو كان هذا من ألفاظ الاستخلاف لكان اولئك القوم الذين سمعوا هذا من رسول الله ﷺ قد عرفوا صدقه وقصده، فكان من بعدهم يعرف ذلك كما عرفوا وان لم يكن من العرب ولا يعرف العربية، لأن مدار الامر في ذلك/ وأشباهه على المعاني لا على الالفاظ. ألا ترى ان رسول
_________________
(١) لفضل الانصار انظر مناقب الانصار والصحابة في كتب الحديث.
(٢) انظر لفضلاء هؤلاء ابواب المناقب في كتب الحديث، وانظر الرياض النضرة في فضائل العشرة للطبري.
(٣) في الاصل: نصوص
(٤) في العبارة نقص، ولعلها ان تستقيم باضافة «يعني الاستخلاف» في آخرها.
[ ١ / ٢١٩ ]
الله ﷺ لما دعا ونصّ: أني رسول الله الى الناس كافة، وأنه حجة الله على كل ما يأتي الى يوم القيامة، وانه لا شيء معه ولا بعده، وجميع ما دعا اليه وحرمه من المحرمات، علم ذلك من قصده وما عناه وأراده كل عاقل سمع اخباره من العرب والروم والفرس والهند والقبط والأرمن، ممن يحسن العربية وممن لا يحسنها ولا يدور لسانه بها، ولا يحسن [التلفظ] «١» بقول رسول الله، ولا يحسن يتلفظ بشيء من المحرمات؛ كلّ قد عرف ذلك من قصده بإشارة الخرس الذين بلغتهم الدعوة من المؤمنين والكافرين. فيعلم بطلان هذه الدعاوى.
بل لو تكلم ﷺ بما لا يعرفونه في اللغة، وقصد به معنى من المعاني، ونقلهم عما يعرفون في لغتهم لعرفوا قصده ومراده. ألا ترى ان الوضوء في اللغة انما هو التنظيف، فجعله اسما لغسل هذه الأعضاء الاربعة فعرفوا قصده، وان لم يكن قبل ذلك في اللغة. والصلاة في اللغة: الاتباع والدعاء، لا يعرفون إلا هذا، فجعل ﷺ هذا اسما للتوجه الى القبلة بعد الوضوء مع الركوع والسجود، فعرفوا قصده وإن لم يكن ذلك في لغتهم.
وكذا الزكاة، انما هي في اللغة اسم للزيادة والنماء في المال، فجعله اسما»
لما يؤخذ من اموالهم، فعرفوا قصده، وعرف من بعدهم ممن بلغه خبرهم مثل ما عرفوا، فيعلم ان رسول الله ﷺ ما عنى بالأخبار التي يروونها عنه ما ظنوه وعنوه.
وقد دعا امير المؤمنين علي بن ابي طالب الى نفسه، وفرض على الناس
_________________
(١) اضافة على الاصل
(٢) في الاصل: اسم
[ ١ / ٢٢٠ ]
طاعته، وابتلى بمن خالفه، / وبمن قعد عنه، وبمن ضلله، وبمن ارتد عنه من اصحابه؛ فما احتج على مخالفيه إلا بالاختيار، وان طاعته قد وجبت لأنه قد بايعه الذين بايعوا ابا بكر، وعمر، وعثمان. وقد احتج لنفسه، واحتج عنه ولده وشيعته وأهل بيته، وكاتب معاوية وراسله. ثم صار الى الشام، واحتج على اهل الشام واهل البصرة واهل النهر هو وأصحابه؛ فما احتجوا في مكاتبة ولا في مراسلة ولا في مشافهة، إلا بأنه قد بايعه الذين بايعوا ابا بكر وعمر وعثمان وانه لا تحل مخالفته كما لم يحل مخالفتهم، ولا يذكرون في احتجاجهم كما يذكر هؤلاء من الآيات ولا من الاخبار، ولا قوله «من كنت مولاه»، ولا «انت مني بمنزلة هرون من موسى»، مما يحتجون به. فلو كانوا هؤلاء شيعته ﵁ لسلكوا سبيله واقتفوا اثره؛ فقد بلي من هذا الأمر، ومن خلاف الناس عليه، ومن رجوع اصحابه عنه، ومن اكفارهم له، ما لم يبتل به ابو بكر، ولا عمر، ولا عثمان، ولا احد من اهل الشورى والبدريين. وقد بالغ في اقامة الحجة عليهم وكلهم من اهل القبلة واهل الصلاة والى القرآن يرجعون، وبأحاديث رسول الله ﷺ يحتجون، والحجة من قبله يطلبون؛ فما قال قط ولا ولده ولا من يحتج عنه من اهل بيته: ان رسول الله ﷺ قد قال فيّ: «من كنت مولاه فعليّ مولاه» ولا «انت مني بمنزلة هارون من موسى»، وهذا نص منه على استخلافي، وهذا شيء تأويله النص، وباطنه الاستخلاف.
ولا قال هو ولا احد من اصحابه ومن يحتج له: لم تكفرونني وتضللوني والنبي قد استخلفني ونص عليّ وشهد بعصمتي، وأني لا أخطىء ولا أزل ولا أضلّ ولا يقع مني معصية لله. وهو ﵁ أعلم بدين الله وبالحجة، وأفقه وأبصر وأشجع، فلو كان لذلك أدنى إشارة/ من رسول الله ﷺ
[ ١ / ٢٢١ ]
لاحتج بها وبيّنها قبلوا ذلك منه أو لم يقبلوا. وفي هذا أتم بيان وأوضح حجة.
وأعلم، أن هؤلاء يحتجون مذ زمن ابن الراوندي: ان رسول الله ﷺ وسلم نص عليه نصا مكشوفا لا يحتمل التأويل، فقال: عليّ بن ابي طالب الخليفة عليكم من بعدي، وقال لهم: «سلموا عليه بإمرة المؤمنين «١»»، وأن رسول الله ﷺ قام فيه في مقام بعد مقام، وفي عام بعد عام، نحو مائة مقام مذ بعثه الله بمكة والمدينة، والسفر والحضر، الى ان توفاه الله؛ فينبغي ان لا تكلمهم إلا في هذا النص المكشوف المعروف، وتقول لهم، المصير الى الأمر المكشوف والحجة الواضحة اولى بنا وبكم من المصير الى المشكل الملتبس الذي يحتمل التأويل، فإن الكلام عليهم حينئذ يكون اوضح وأقصر؛ فيجري هذا مثل نصه ﵇ على النبوة.
وهم يفرّون شديدا من هذا النص المكشوف مع من يعلم ويحصل، فإن ابتليت منهم بمن يقول: لا أتكلم في النص المكشوف بهذا، فقل له: إن كنت لا تتكلم فيه فسلم لنا بطلانه وكذب من ادعاه وادّعى نقله. فان قال: لا أسلم، قيل له: ليس يخلو من ان يكون حقا وصدقا فينبغي أن تصير بنا اليه، أو كذبا وباطلا فينبغي ان تتبرأ منه وتخطىء من احتج به.
فإن قال: كذلك أفعل، قيل له: فهذا شيء قد ادّعته أمم عظيمة،
_________________
(١) ان اكثر الاحاديث التي رويت في خلافة علي ضعيفة او موضوعة، وعلى فرض صحتها فانها تشير الى الخلافة على اهله ﷺ، منها: «ان اخي ووزيري وخليفتي من اهلي وخير من اترك بعدي يقضي ديني وينجز موعدي علي» . انظر تنزيه الشريعة عن الاخبار الشنيعة لعلي بن القرن الكتاني، الجزء الاول، ففيه الكثير من هذه الاخبار.
[ ١ / ٢٢٢ ]
وادّعت معرفته ونقله. فإن قال: هم كذاك يدّعون، وإنما وضعه لهم واحد من الناس وقال لهم: إن هذا قد قاله النبي ﷺ ونقلته عنه الامم فأحسنوا به الظن وصدّقوه وإن كان لا أصل له.
قيل له: وكذلك ما تدعيه انت من التأويل في الآيات/ والأحاديث التي تحتج بها، ما أراد رسول الله ﷺ ولا امير المؤمنين بها ما تعنيه انت وتعتقده، وإنما هي فضائل، ولكن هشام بن الحكم قال هي نصوص والنبي ﷺ اراد بها الاستخلاف؛ فأحسن به قوم الظنّ فقبلوا ذلك منه واعتقدوه وادّعوا انهم ومن قبلهم قد نقل ذلك عن رسول الله ﷺ، وليس هناك شيء ينقل ولا يكتب، ولكنهم قوم سمّوا اعتقادهم نصا ودعواهم نقلا، كما يدّعي اليهود ان موسى ﵇ نصّ لهم على تأييد شريعته؛ وكما يدعون هم والنصارى من الصلب وكما يدعي النصارى خاصة قيامه من قبره وانه ﵇ أقام معهم اربعين يوما ثم صعد الى السماء وهم يرونه؛ وكما ادعوا ان هيلانة الحرانية وقع اليها [الخشبة] «١» التي صلب عليها المسيح مع خشب غيرها فلم تعرفها وأشكلت عليها فامتحنت ذلك بجنازة مرت بها، فجعلت تضع عليها خشبة بعد اخرى من خشب المصلين، فلم يقم الميت إلا باخر خشبة، قالوا: فعلمت انها هي الخشبة التي صلب عليها المسيح. فقالوا:
وقد شهد هذا الأمم الكثيرة ببيت المقدس من اليهود والروم غير ان اليهود كتموا ذلك، ويسمّون هذا اليوم: عيد الصليب «٢»؛ ويوم قيام المسيح من قبره بزعمهم عيد السلامة. ولهم مثل ذلك كثير، وهذا امر لا
_________________
(١) في الاصل: الصليب، وقد صححها المعلق بالخشبة.
(٢) في الحاشية عنون الكاتب او المعلق لهذا البحث بقوله: عيد الصليب عيد السلامة.
[ ١ / ٢٢٣ ]
أصل له، وانما هو موضوع لهم أحسنوا به الظن كما اصاب هؤلاء الرافضة من اصحاب النص.
على ان هشام بن الحكم قد أقر بذلك فقال: قد ادركت الشيعة في الصدر الاول وهم يتولون أبا بكر وعمر وعثمان ويصوبونهم، ويقولون: هؤلاء ما دفعوا امير المؤمنين عن حقه ومقامه، وانما دفعه المنافقون/ الذين كان القرآن يهتف بهم فنظر هؤلاء فاذا ليس احد أحق بالإمامة بعد علي منهم، فقاموا ذلك المقام بحق.
وقال هشام بن الحكم: ومنهم من قال: لما رأى الوصيّ عليّ بن ابي طالب المنافقين قد أزالوه عن موضعه، قدّم أبا بكر واستخلفه ليكون بمكانه الى ان يتمكن فيزيله.
قال هشام: وهذا كله تلزيق وتلفيق دعاهم اليه الجبن من الإقدام على التبرؤ من ابي بكر وعمر وعثمان والمهاجرين والانصار ولو عرفوهم كما عرفتهم أنا لأقدموا على البراءه منهم «١» .
وقد ذكر هذا ايضا ابن الراوندي في كتابه «الإمامة» الذي نصر فيه قول الرافضة في البراءة من المهاجرين والانصار وحكاه عن هشام.
فهذا ما أقرّ به الخصم فكيف ما لم يقر به؛ ولو لم يقر به لعلمنا ان الامر كذلك. وهشام انما كان في ايام بني العباس وهلك في دولة هارون
_________________
(١) علق الناسخ او المعلق على هذا بقوله: «لعن الله ناقل هذا القول وقائله، حيث كانوا يطلبون تغريب شموس الدين وإطفاء انوار الاسلام والمسلمين، عذبهم الله تعالى وأقوالهم، وأطفأهم وآثارهم آمين، آمين، آمين.
[ ١ / ٢٢٤ ]
الرشيد، لتعلم ان الذي ادّعى النص وجرّأ الناس على شتم ابي بكر وعمر وعثمان والمهاجرين والأنصار هشام بن الحكم، وهو ابتدأه ووضعه، وما ادعى هذا النص والاستخلاف احد قبله.
ولو كان هشام من اهل القبلة، لما كان دعواه ودعوى مائة ألف معه مثله حجة، فكيف به وليس من اهل القبلة، وهو معروف بعداوة الأنبياء، وقد أخذ مع ابي شاكر الديصاني «١» صاحب الديصانية «٢» وكان معروفا به وبصحبته، فادعى انه من الشيعة، فخلصه بعض اصحاب المهدي حين ادعى انه يتشيع لبني هاشم فلم يصلبه مع ابي شاكر.
وقد ذكره العلماء بالمقالات بمذهب الديصانية، وذكره الحسن بن موسى النوبختي في كتابه «في الآراء والديانات» «٣» حين نقض عليه/ مذهبه في ان الله جسم ونور يتحرك؛ فقال له الحسن: هذا مذهب المانوية نعوذ بالله من موافقتهم. وانما ذكرنا الحسن بن موسى، لأنه من الرافضة.
وقد حكى عن هشام ايضا ابو عيسى الوراق، وابن الراوندي، وأبو سهل بن نوبخت، وهؤلاء كلهم رافضة.
والذين حكى هشام عنهم من الشيعة أن المنافقين أزالوا امير المؤمنين عن مقامه، فقد غلطوا ايضا، فإنه قد بيّنا ان رسول الله ﷺ ما كان منه نص في ذلك فيزيله احد من الناس.
_________________
(١) انظر الفهرست لابن النديم ص ٤٨٧
(٢) الديصانية احدى فرق الثنوية، وتعتبر اصلا للمانوية وانما اختلفت الفرقتان في كيفية اختلاط النور بالظلمة. انظر الفهرست ٤٨٨
(٣) من كبار المتكلمين ومؤرخي الفرق، ويعتبر كتابه «الآراء والديانات» من اهم ما كتب حول الاديان والمذاهب والفرق. انظر الفهرست ٢٦٥- ٢٦٦
[ ١ / ٢٢٥ ]
وأيضا، فإن الغلبة بعد موت رسول الله ﷺ لم تكن للمنافقين وانما كانت للبدريين والمهاجرين والانصار، الذين يعتقدون نبوته صلى الله عليه، وصدقه، وإقامة نصوصه، وإحياء شريعته، وإذلال عدوه، وإعزاز وليّه، وهم الذين ردّوا الى الاسلام من ارتد من العرب، وغزوا من أعداء رسول الله ﷺ ملوك الفرس والروم والهند والترك وسائر الامم المشركين وأدخلوهم في دينه وأدخلوا بلدانهم في ممالكه ﷺ، وانما يدّعي أن الغلبة كانت للمنافقين من لا علم له ولا تحصيل عنده.
وكان هشام يقول: لعمري إن عليّ بن ابي طالب ﵁ ما احتج في إمامته بنصّ النبي ﷺ ولا بوصيته في الأمة إليه، وأنه كتم ذلك خوفا من المهاجرين والانصار، فأمسك وسكت.
قيل له: قد فرغنا من هذا، وبينا ان ليس هناك نص ولا وصية ولا شيء يكتم ولا ينقل.
وأيضا، فان امير المؤمنين ما سكت ولا أمسك، بل تدين بالاختيار وأظهره وجعله الحجة على من خالفه وقال: وجبت طاعتي وإمامتي لأنه بايعني اهل دار الهجرة الذين/ بايعوا ابا بكر وعمر وعثمان، فوجبت طاعتي وإمامتي كما وجبت طاعتهم، وحرمت مخالفتي كما حرمت مخالفتهم، وأعاد هذا وأبداه في خطبه وكتبه وجعله الحجة؛ فمتى سكت وأمسك.
وأيضا، فلم يكن سلطان ابي بكن وعمر وعثمان وعليّ سلطانا يخاف فيه محقق ولو كانت امرأة ارملة ذمية، فضلا عن غيرها. ألا ترى ان الأنصار قد تكلموا مع سعد بن عبادة والعباس وبني هاشم وأبي سفيان وبني عبد مناف في الإمامية بما ارادوا، وكلموا أبا بكر ونابذوه الى ان أقام الحجة.
[ ١ / ٢٢٦ ]
وعارضوه في انفاذ جيش أسامة بن زيد وقالوا له: ليس علينا في هذا الوقت من الروم خوف، ولا حاجة بنا الى غزوهم في هذا الوقت والعرب قد ارتدت وأحاطت بنا، فدع هذا الجيش يكون لنا، فقال لهم ابو بكر ﵁: إن رسول ﷺ يقول والوحي ينزل عليه: أنفذوا جيش أسامة ونقول نحن لا نرى ذلك، برأينا؛ فقال له قوم: فأقم على جيشه اميرا مكانه احسن منه فإنه حدث وفي جيشه المشيخة والكهول، فقال: أيوليه رسول الله ﷺ وأنزعه انا، لا يحل هذا.
ولما جاء الذين منعوا الزكاة ونزلوا على المهاجرين وقالوا لهم: قولوا لخليفة رسول الله ﷺ يعفينا من الزكاة فانا نقيم الصلاة ونجاهد معكم، فان لم يفعل صرنا مع العدو وحاربناكم. فمشوا الى ابي بكر ﵁، وسألوه أن يقبل ذلك منهم، فقال: لا أفعل، ولا يحل لي هذا ولا لكم، قالوا: فنحن في قلة والعرب قد ارتدت، فمن نقاتل ومن ندع؟ لا طاقة لنا بقتال الناس كلهم، فاقبل منهم الى ان تنكشف هذه الفتن فانا قد خفنا على المدينة وعلى اثقال رسول الله ﷺ وأثقالنا، فقال: ما كنت لأفعل ولو بقيت وحدي، اني إن قبلت رأيكم نقضت/ الاسلام عروة فعروة. ايها الناس، إن مات رسول الله نبيكم ﷺ، وكثر عدوكم، وقل عددكم، ركب الشيطان هذه منكم؛ والله ليظهرنّ الله دينه على الدين كله ولو كره المشركون، وليستخلفنكم في الأرض كما وعدكم، وتلا قوله ﷿: «هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ «١»» وقوله: «وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ
_________________
(١) التوبة ٣٣ والصف ٩.
[ ١ / ٢٢٧ ]
لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ، وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ، وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا، يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا «١»» وقوله: «كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ، وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ «٢»» .
وقالوا له: أفتقاتلهم وتقتلهم وقد قالوا: لا إله الا الله؟ قال: انها غير مقبولة منهم لأنهم منعوا الزكاة؛ قالوا: فتقتلهم على ابن لبون «٣» وعلى الحقة والشاة وقد قال رسول الله ﷺ: «أمرت ان اقاتل الناس حتى يقولوا:
لا إله الا الله، فاذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم «٤»» فقال ابو بكر فان فيه: إلا بحقها، وهذا من حقها. فطال ما بينهم في ذلك، فحين اقام الحجة صاروا الى قوله.
ولما فتح الفتوح وواتته «٥» الاموال من كل وجه سوى بين الناس في العطاء، فعارضوه في ذلك، وقالوا: سويت بين من اسلم الآن وبين من سبق وبين من نصر وهاجر، فقال: هؤلاء عمال الله وأجورهم على الله، وانما الدنيا بلاغ؛ والله لو شئتم معشر الانصار ان تقولوا: طردتم فاويناكم وخذلتم فنصرناكم
_________________
(١) النور ٥٥
(٢) البقرة ٢٤٩
(٣) ابن لبون من الإبل: ما له سنتان، والحقة من الإبل بنت ثلاث.
(٤) حديث متواتر، رواه الستة باسناد صحيح. انظر الجامع الصغير شرح المناوي ٢: ١٨٨
(٥) واتته في الأصل،، لعل اضافة الواو تجعل اسياق اكثر انسجاما.
[ ١ / ٢٢٨ ]
وأفقرتم فواسيناكم، واني لأجد/ مثلنا ومثلكم في قول طفيل الغنوى:
جزى الله عنا جعفرا حين شرفت «١» بنا فعلنا في الواطئين فزلت
أبوا أن يحلونا ولو ان امنا تلاقي الذي يلقون منا لملت
فذو الحظ موفور وكل مقسم لدى حجرات اثفات «٢» أظلّت
وراسلته فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وعليها وقالت:
ما بالك خليفة رسول الله ورثت رسول الله دوننا، فقال: ما ورثته، قالت: فأين نصيبنا من امواله بخيبر وفدك، فقال: اني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «هذا المال لمحمد وآله حياته، فاذا متّ فهو الى والي الامر بعدي، فان كان معك من رسول الله ﷺ عهد صرت الى قولك؛ والله ما اريد شاهدا معك غيرك. فرجع الرسول فقال: تقول لك فاطمة:
لا والله ما معي عهد من رسول الله ﷺ، ولكن رسول الله دخل علينا وهو يتلو: «ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ، كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِياءِ مِنْكُمْ» «٣»، فقال: ابشروا آل محمد بالغنى. قال ابو بكر: إن كان بكم الغنى ولكم الغنى. ثم صار اليها ابو بكر وسألها عن عهد من رسول الله ﷺ، فقالت: ما معي اكثر مما قلت، فقال: إذا لم يكن معك عهد من رسول الله ﷺ فما كنت لأدع ما اسمعه من رسول الله ﷺ بقول احد.
وكلمه العباس في ذلك وطالبه بالحجة، فذكر ما سمعه من رسول الله ﷺ
_________________
(١) ووردت في موضع آخر «ازلقت» . انظر فتوح البلدان ٣١
(٢) ووردت في موضع آخر «ارفأت» .
(٣) الحشر ٧
[ ١ / ٢٢٩ ]
وقال: انا اوجه هذا المال/ في الوجوه التي كان رسول الله ﷺ يجعلها فيها، ورد ابو بكر هذه الاموال الى علي بن ابي طالب وقال له: افعل فيها ما كان رسول الله ﷺ يفعله. وكذا فعل امير المؤمنين ﵁ حين صارت اليه الخلافة بعد عثمان، وهو فعل الخلفاء الاربعة وجميع الصحابة والتابعين بعدهم، فاعرف ذلك.
وعارضوه حين شاروهم في استخلاف عمر، فقال له قوم: هو الخيرة بعدك غير أن فيه شدة وهو مهيب، وفي الناس الأرملة والضعيف وذو الحاجة، فاستعمل علينا من هو ألين منه كنفا؛ وكانت لهم معه في ذلك مطالبات ومراجعات وعمر يسمعها ويعلمها، الى أن قال لهم ابو بكر: انما أستعمله عليكم لأنه أقواكم عليكم وأنفعكم لكم وأردّكم عليكم، شهيدي الله: ما أردت إلا ذلك، وقد خاب من تزوّد من أعمالكم بظلم، إن عمر ليس ولدي ولا من اهلي، وانما أردت الخير لكم؛ وإني قد رمقته فكنت اذا لنت في الشيء أراني فيه الشدة، واذا أشددت أراني فيه اللين، ولو قد وليكم للان واشتد.
ثم قال: ان عمر لا يأنف من التعلم، فحين أقام الحجة سلموا ورضوا. ثم عهد تلك العهود المعروفة، وكم من شيء قد عارضوه فطالبوه بالحجة مما هو اكثر من هذا.
ومعارضتهم لعمر في امر السواد «١»، وفي فتوح الشام، وفي تأمير الامراء، وفي الفتوى والقضاء؛ حتى كان يعارضه في ذلك المرأة والبدوي فضلا عن المهاجرين مما هو معروف الى ان يقيم الحجة او يرجع الى قول من معه الحجة.
_________________
(١) يقصد هنا اختلاف من آراء المسلمين في امر سواد العراق لما فتح الله على المسلمين العراق وفارس، فقد كان من رأي البعض توزيعه على المسلمين، بينما رأى عمر ﵁ ابقاء الأرض في ايدي اصحابها ليستفيد من خراجها المسلمون جميعا وقد وافقه المسلمون على رأيه.
[ ١ / ٢٣٠ ]
وعثمان، فقد عارضوه في إتمام الصلاة بمنى، وفي الحمى، وفي الحكم بن ابي العاص، وفيمن ولاه من اهله، وأخذوه بإقامة الحدود عليهم، وبإقامة الحجة فيما يأتيه بما هو معلوم «١» .
وعليّ ﵁ قد عارضوه في تولية أقاربه وفي الحكم الذي أنفذه بما هو معلوم/؛ حتى كان يجري على هؤلاء الخلفاء الاربعة من صغار رعيتهم في الفروع وفي صغار الامور ما هو معروف، فكيف يجوز ان يتوهم عاقل تدبر أمورهم وعرف سيرهم. أنه قد كان اقل من الناس فخافهم ان يذكر لهم الحق، او ينطق بحضرتهم، او يتوقى ان يذكر ان يذكر لهم عهدا من رسول الله (ﷺ) او وصية لرسول الله (ﷺ)؛ هذا لا يظنه الا أجهل الناس بهم وبأحوالهم، او عاقل بقيس أحوالهم بأحوال من رأى وسمع من الجبابرة وولاة الجور، فاعرف هذا.
وانما القى هذا الى الإمامية فيما صنفوه لهم قوم من أعداء الانبياء ادعوا التشيع وتستروا بالرفض، لينفروا الناس عمن شيد الاسلام وبناه ونصر الرسول في حياته وبعد موته، ليخرجهم من الاسلام من حيث لا يشعرون.
وكما صنفوا في تهمة المهاجرين والانصار فقد صنفوا ايضا في تهمة الانبياء
_________________
(١) مجموع الماخذ على عثمان ﵁ ثمانية عشر هي: ضربه لعمار بن ياسر، ولابن مسعود، وجمع القرآن وتوحيده في مصحف واحد، وأنه حمى الحمى وأجلى ابا ذر الى الربذة، وأخرج من الشام ابا الدرداء، ورد الحكم بعد ان نفاه الرسول، وأبطل سنة القصر في الصلوات في السفر، وولى معاوية ومروان والوليد بن عقبة، وأعطى مروان خمس افريقية، وضرب بالعصا وعلا على درجة رسول الله في المنبر، ولم يحضر بدرا، ولم يقتل عبيد الله بن عمر بالهرمزان، وكتب الى ابن ابي سرح في قتل البعض. وقد رد ابن العربي على هذا كله في كتابه القيم: العواصم من القواصم.
[ ١ / ٢٣١ ]
وشتمهم وتكذيبهم، وأنهم قد كانوا يتكلمون بالكذب وبالبهت بحضرة أممهم فيسكتون عنهم خوفا منهم؛ وهذا فعله بالانبياء عمر بن زياد الحداد، وأبو الوراق، وأبو الحسين بن الراوندي، وأبو سعيد الحسن بن علي الحصري، وجابر بن حيان، وهشام بن الحكم، وأمثالهم، كما قد عرفه العلماء «١»، وكل هؤلاء الذين طعنوا علي ابي بكر وعمر والمهاجرين والانصار لفضل غيظهم على رسول الله ﷺ، ولأن هؤلاء قاموا بأمره ونصروه في حياته، وقاموا بدينه بعد وفاته وبثوه في مشارق الارض ومغاربها، وقتلوا أعداءه ﷺ من العرب وملوك الفرس وملوك الروم وملوك القبط وملوك الهند والترك وأمم الشرك وأدخلوا اممهم في دينه ﷺ.
فهذا ذنبهم عند/ علماء الرافضة، ولكن عوامهم لا يفطنون. ولهذا قالت العلماء حين حدثت هذه البدع: لا تسبّوا اصحاب محمد ﷺ، فإنهم أسلموا من خوف الله وأسلم الناس بعدهم من خوف أسيافهم. ثم يقال لهؤلاء:
قد وجدنا امير المؤمنين علي بن ابي طالب ﵁ مكاشفا بالحق في جميع احواله، لا يخاف من احد من المخلوقين وان كان وحده والناس عليه؛ فإن رسول الله ﷺ خلّفه بمكة وهي إذ ذاك دار كفر فما خافهم ولا فارقهم مع وحدته وتفرده، وقد كاشف معاوية وهو في مائة ألف سيف، ولعنه بلسانه، وقنت عليه في صلاته، وضربه بسيفه، وبيّن له وإن علم انه لا يقبل، وقد كاشف الخوارج وبرىء منهم وان علم انهم لا يقبلون وهم كانوا
_________________
(١) سبق ان عرفنا بهؤلاء الأشخاص، اما جابر بن حيان فهو ابو عبد الله جابر بن حيان بن عبد الله الكوفي، قال ابن النديم: «واختلف الناس في امره»، فقالت الشيعة: انه من كبارهم، وزعم الفلاسفة انه كان منهم، وذهب اهل صناعة الذهب والفضة الى انه رئيسهم. وذلك انه كان واسع الثقافة، له باع طويل في التأليف في مختلف العلوم.
[ ١ / ٢٣٢ ]
أصحابه وبهم صال على عدوه واستطال، وأقام على مخالفتهم وإن فرقوا عنه اصحابه وإن قتلوه «١»، فما قاربهم في كلمة، لأنهم قالوا له: إن تبت من الحكومة رجعنا لك كما كنا وقاتلنا عدوك، وإن أبيت اقمنا على حربك وقاتلناك حتى نقتلك او تقتلنا، فقال لهم: انتم دعوتموني الى الحكومة، قالوا: صدقت فقد تبنا وما كان لنا ان ندعوك وما كان لك ان تجيبنا ولا تحكم الرجال في دين الله، فقال: بل كان لي ان احكم، فلو كان ذلك معصية لما أجبتكم اليه، ومن زعم ان الحكومة ضلال فهو أضل، ومن زعم اني ارجع عنها فقد كذب. فصبر ﵁ على ذلك ولم يقاربهم في لفظة تحتمل التأويل، لأنه لو قال انا تائب الى الله من كل ذنب وخطيئة وهو يعني غير الحكومة، لكان اللفظ يحتمل، ويتلافاهم ويردّهم ويكون بهم في عسكر عظيم/ كما كان قبل رجوعهم عنه، ويصول بهم على عدوه. فلم يفعل، وأقام على حربهم، الى ان قتلهم وقتلوه ﵁؛ فما لان في كلمة تحتمل التأويل، ليبيّن للأولين والآخرين امر الدين، فما داراهم ولا قاربهم مع حاجته اليهم وخوفه من أسيافهم؛ فهو ما كان يخاف الجبابرة والأحياء الذين هم في عساكر ويخافهم الناس فكيف يخاف من ابي بكر وعمر وعثمان في حياتهم وبعد مماتهم، وهم في حياتهم وسلطانهم ما خافهم محق قط وإن كان عبدا او امرأة ارملة ذمية. وانما يقول هذا من لا يعرف عليا ولا ابا بكر ولا عمر ولا عثمان؛ فعليك بالمعرفة فانها حياة، والذهاب عن طلبها موت، وقد علم اهل المعرفة والعناية ان عليا كان في زمن ابي بكر وعمر وعثمان في علو الكلمة ونفاذ الامر مثله في سلطانه، وأنه كان في سلطان هؤلاء أنفذ امرا وأعلا قولا وأبسط لسانا منه في زمن رسول الله ﷺ وفي حياته.
_________________
(١) لعلها: قاتلوه
[ ١ / ٢٣٣ ]
ولا فرق بين من ادّعى ان عليا كان يخاف من هؤلاء الخلفاء او ان رسول الله ﷺ كان يخافهم ايضا، وأنه من خوفهم كان يشهد لهم بالجنة ويزكيهم.
وهذا لازم لهم، بل هو قول الرافضة لأنهم قالوا: ان عليّ بن ابي طالب حجة الله على خلقه كما كان رسول الله ﷺ، وأنه معصوم كعصمة الانبياء.
وقالوا مع هذا: قد زكى ابا بكر وعمر وعثمان، وصاهر بعضهم، وصلى خلفهم، وحج معهم، ودخل الشورى وعمل بالاختيار، وصلى خلف صهيب كما وصّى عمر، وأطاع عمر كما وصّى ابو بكر، وعمل لهم اعمالا كثيرة، وأظهر تزكيتهم، ومدحهم بايمانهم وإن كانوا كفارا، كل هذا خوفا منهم وممن بعدهم من شيعتهم فما تبين/ الحق الى ان خرج من الدنيا.
قلنا: فاذا كان هذا هو الحجة والمعصوم والقائم مقام الرسول فعل هذا بغير حق، لم نأمن أن يكون كل من صاهر النبي ومدحه ونص عليه وشهد له بالجنة وأمر الناس بطاعته ان لا يكون هذا حاله، وأنه فعل مثل فعل هذا الحجة، وهذا ما لا حيلة لهم فيه، وفيه فساد الديانات كلها، وإلى هذا قصد هشام ابن الحكم حين وضع هذه البدعة فاعرف ذلك «١» .
_________________
(١) وردت بهامش اللوحة ١١١ التعليق التالي: رحمك الله يا سيدنا اقضى قضاة الحكم القاضي عبد الجبار، أحسنت في حججك على الفاسقين الملاعين الكلاب المارقين الكاذبين الخاطئين المنحرفين عن الحق الخبثاء الروافض، كبتهم الله تعالى وأبعدهم، حيث يفسقون اصحاب رسول الله ﷺ ﵃ اجمعين، قلت: ما رأيت كلام رد على الملاعين الروافض أحسن وأدق وأثبت وأقوى وأنجح من هذه الحجج التي ذكرها القاضي عبد الجبار المعتزلي في كتابه هذا، فلا بد للمعتني بردهم ان ينظر في هذا الكتاب المبارك، وهذا قليل الوجود وغير معلوم لأكثر الناس، ولو علموا اسمه لا يعلمون ما فيه من الفوائد الكثيرة، فاحتفظ وكرر نظره. ولكن مؤلفه مشهور بالاعتزال فان تاب منه فمحله الفردوس الأعلى في مقام المقدمين ان شاء الله حيث نفع المسلمين بهذه الحجج والله اعلم.
[ ١ / ٢٣٤ ]
باب آخر [اكفار الرسول ﷺ للعرب وسائر الامم الاخرى واسخاطها وكيف عصمه الله من اذاهم]
قد علمت الحال التي ابداها رسول الله ﷺ حين ادعى النبوة ودعا الى الله، فانه اكفر الامم كلها وتبرأ منها واسقطها واسخطها واغضبها، فما اعتصم بمخلوق كما قد تقدم ذكر ذلك. فكانت العرب واليهود والنصارى وقريش وغيرهم يدا واحدة في عداوته وطلب عثراته والحرص على قتله، وهو بينهم على وحدته، فيصرفهم الله عن ذلك بوجوه لا هو يعرفها ولا هم، وبوجوه يعرفها ويعرفونها. غير انهم قد كانوا ينالونه بالشتم والضرب ويلقونه بالأرض ويدوسونه بأقدامهم ويلقون الفرث والتراب على رأسه، ثم صار الواحد بعد الواحد والنفر بعد النفر يجيبونه وهذه حاله، فيلقون معه الضرب والهوان، ويعذبون ويجاعون ويحصرون في الشعاب، ومنهم من يقتل، ولا يمكنهم المقام معه بمكة فيهربون بأديانهم، ويعبرون البحار، والنبي ﷺ مقيم بمكة معه ابو بكر ونفر يسير.
وكان يخرج في المواسم الى العرب، ويتلو القرآن، ويدعو الى الله، ويقيم الحجة، وقريش من اهل بيته يخرجون الى العرب يقولون لهم: لا تسمعوا منه فانه ساحر كذاب ونحن اهل بيته وأعرف به، ويقولون: «لا تسمعوا لهذا القرآن والغوافيه لعلكم تغلبون» ويمنعونه ﷺ/ من البيان والاستيفاء، وربما شغلوه بالضرب، يتولى ذلك منه عمه ابو لهب وأشباهه، فيقول له العرب:
اهلك اعلم بك، ما نجيبك، فاذهب عنا فقد عاديتنا وخالفتنا واسمعتنا في آلهتنا وآبائنا وأنفسنا ما لا نحب، وتستجيب له القبيلة بعد القبيلة من قبائل طيء وقبائل اسلم. وتسامعت به قبائل عبد القيس من ربيعة فأتوه وسمعوا
[ ١ / ٢٣٥ ]
منه واسلموا طوعا بهذه الشرائط، وتسامعت به بنو قيلة من قبائل الاوس والخزرج فأتوه وسمعوا منه القرآن والحجة فأسلموا، ورجعوا الى قومهم فجاؤوا بهم اليه عاما بعد عام فأسلموا وبايعوه، ورجعوا الى قومهم وهم قبائل كثيرة فأسلم اكثرهم طوعا بهذه الشرائط.
وهاجر اصحابه الى المدينة بعد الذين هاجروا الى ارض الحبشة، وقال الانصار للنبي ﷺ: انا كثرة ونمنع منك ونجاهد الأمم كلها معك ونطيعك في المحيا وبعد المحات ولا تأخذنا في الله لومة لائم؛ فأخذ ذلك عليهم وانصرفوا. ثم صار إليهم مع ابي بكر الصديق ﵁، وصار في عز ومنعة وفي عسكر، ودعا الى الله، وكانت له غزوات ووقائع، وما زال امره يقوى حتى ذلت اليهود والنصارى في جزيرة العرب وهم قبائل كثيرة، حتى ادوا إليه الجزية، وحتى صار من لا يعتقد نبوته في جزيرة العرب لا يمكنه اظهار ذلك لكثرة المهاجرين والأنصار وأمثالهم ممن يعتقد نبوته وصدقه، وحتى غزا الروم غزاة تبوك وهي آخر غزواته في ثلاثين ألفا غير من خلفه من عماله واصحابه في جزيرة العرب وهي «١»، اوسع من بلاد الروم.
وقبض ﷺ بالمدينة والغلبة فيها لمن يعتقد صدقه ونبوته من المهاجرين والانصار واتباعهم/ وامثالهم، وهم الذين احاطوا بأبي بكر وأقاموه خليفة وغزوا من ارتد عن دين رسول الله ﷺ حتى غلبوهم وأذلوهم وقتلوهم، وغزوا فارس والروم وامم الشرك وجميع اعداء رسول الله ﷺ وأذلوهم
_________________
(١) في الاصل: ولها، ولعل الصحيح ما اثبتناه
[ ١ / ٢٣٦ ]
وقتلوا ملوكهم وادخلوهم طوعا وكرها في دين رسول الله وفي شريعته وادخلوا بلدانهم في بلدان الاسلام، ولم يكن لهم شغل إلا اعزاز دينه، وإقامة نصوصه، واحياء شريعته وبثها ونشرها وإظهارها، وإعزاز من اقام بدينه واذلال من تعرض لامانة شيء منه.
وكانوا بعد وفاته اشد بصيرة منهم في حياته، لأنهم كانوا في حياته يتكلمون على تدبيره، فلما مات، وصار الامر إليهم، زاد تيقظهم، فرفضوا كل راحة، وهجروا كل لذة، وقصدوا لإقامة نصوصه واحياء شريعته الى ان يلقوا الارض كلها بذلك؛ وما عندهم عمل ازكى من هذا.
وانما يظن ان نصوصه كانت تبدل وان كتابه كان يغير وان بننه كانت تلطم، الذي لم ينظر ولم يتدبر، وهو كمن قال انه ﷺ كان بالمدينة يضرب ويشتم ويداس بحضرة المهاجرين كما كان بمكة، وهذا لا يظنه إلا الغاية في الجهل بشأن المهاجرين والانصار.
فان قيل: او ليس قوم موسى قد عبد قوم منهم العجل في حياته وحياة اخيه هرون، فلم انكرتم ان يرتد المهاجرون والانصار عن دين محمد ﷺ، او ليس قد كانوا على ذلك قادرين؟
قيل له: إن هذا السؤال لا يسأل عنه من فهم ما قلنا، لأنا لم نقل:
ان هؤلاء ما ارتدوا من طريق التزكية لهم، ولا من طريق حسن الظن بهم، ولا محاباة لهم، ولا لأنهم ما قدروا على ذلك؛ بل قد كانوا على ذلك قادرين ولكنهم ما اختاروا ذلك ولا/ فعلوه، كما علمنا ان صاحبهم رسول الله ﷺ ما رجع عما كان عليه وان كان على ذلك قادرا، وان كان عدوه قد ادعى عليه انه رجع واظهر الشك في امره بقوله: «ما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي
[ ١ / ٢٣٧ ]
وَلا بِكُمْ» «١» وبقوله: «فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ» «٢» . وهذا قد ادعاه عليه رؤساء الرافضة الذين قدمنا ذكرهم.
ولا تكون الردة بالقياس فيقال: كما ارتد قوم موسى ينبغي ان يرتد قوم محمد ﷺ؛ هذا لا يظنه إلا الغاية في الجهل والبله والنقص، وهؤلاء قالوا: كما قتل يزيد بن معاوية الحسين فينبغي ان يكون ابو بكر قد ضرب فاطمة وقتل الحسن، فالعلم بأنه ﵇ ما رجع عن دينه وأن ابا بكر وعمر والمهاجرين والأنصار ما رجعوا عن دينه بعده قبل العلم بنبوته وصدقه وأنه دعا الى حق، والعلم بإقامة ابي بكر وعمر والمهاجرين والانصار على دينه ﵇ كالعلم بإقامته هو على ذلك، والعلم بذلك قبل العلم بنبوته.
وما منزلة من ادّعى عليهم ذلك إلا كمن قال لنا: كنت بالقسطنطينة من بلاد الروم فوجدتهم يشتمون بولص ويبرؤون منه ويبسقون «٣» على الصليب، فقلنا له: كذبت، فقال: ولم كذبتموني وما كنتم معي، او ليس بولص كافر يستحق الشتم ويجب ان يبسق على الصليب ولا يعظم؟ قلنا: وإن لم نكن معك فعقولنا معنا، وعلمنا ان الغلبة هناك لمن يعظم الصليب وبولص «٤» .
_________________
(١) الاحقاف ٩
(٢) يونس ٩٤
(٣) يبسقون: اي يبصقون
(٤) لم نحاول ان نعلق على ما يورده القاضي حول ما يوجهه الرافضة الى الخلفاء الراشدين من اتهامات لأن القاضي يتبنى وجهة نظر اهل السنة تماما، وفي شرحه ما يكفي عن التعليق.
[ ١ / ٢٣٨ ]
او بمنزلة من قال لنا: كنت بالأندلس فوجدتهم يلعنون معاوية ويبرؤون منه ومن مروان بن الحكم وولده كما يفعل ذلك بالكوفة والمدينة، لقلنا:
كذبت، فقال: انتم لم تكونوا معي فصدقوني او شكوا في خبري، قلنا: / وإن لم نكن معك فعقولنا معنا، وقد علمنا ان الغلبة هناك لمن يقول بإمامة معاوية ومروان وولده.
فهذه سبيل من ادّعى على ابي بكر وعمر والمهاجرين والانصار ما يدّعيه الرافضة.
ومن عجيب امورهم قولهم: هذا كعبادة قوم موسى العجل، فيجعلون الردة والكفر والايمان بالقياس، والذي اخبرنا ان قوم موسى عبدوا العجل هو الذي عرفنا بعقولنا ان أصحاب محمد ﷺ أقاموا على دينه، والذي عرفنا بالخبر ان يزيد بن معاوية قتل الحسين وأشخص ذريته الى الشام هو الذي عرفنا بعقولنا أن ابا بكر ما ضرب فاطمة ولا قتل المحسن؛ وهذا في القياس كمن قال: اذا كان يزيد بن معاوية قد غزى المدينة ومكة واستباحهما ان يكون ابو بكر قد فعل مثل ذلك، وإذا كان معاوية قد قتل عمار بن ياسر ان يكون ابو بكر «١» قد قتل العباس بن عبد المطلب، وإذا كان معاوية قد قتل ولدين لعبد الله بن العباس ان يكون ابو بكر قد قتل اربعة اولاد من ولد العباس، وأن يكون عمر وعثمان قد فعلا مثل ذلك؛ او كمن قال اذا كان بنو اسرائيل قتلوا الانبياء ان يكون اصحاب محمد ﷺ قد فعلوا ذلك.
_________________
(١) في الاصل: أبا بكر
[ ١ / ٢٣٩ ]
وقيل ايضا للرافضة: اذا كان ابو بكر قد ضرب فاطمة وقتل المحسن فقد كان ينبغي ان يحصل العلم بذلك عند كل من سمع الأخبار، وأن يكون العلم بذلك مثل العلم بقتل يزيد الحسين، ومثل قتل معاوية حجر بن عدي، وعبيد الله بن زياد مسلم بن عقيل. بل كان ينبغي ان يكون العلم بما ادعيتم اقوى من العلم بهؤلاء القتلى، لأن هذه الحادثة التي ادعيتموها على ابي بكر كانت بالمدينة، وقد شهدها العباس وولده، وعليّ بن ابي طالب وولده، وعقيل وولده، وجميع بن هاشم ومواليهم ونسائهم، وجميع/ المهاجرين والانصار وأولادهم ونسائهم؛ وقد كان بالمدينة حين توفي رسول الله ﷺ اكثر من مائة ألف إنسان، فكان يكون العلم بهذا أقوى مما «١» كان بكربلاء، ولكن دعاوى الرافضة في ضرب فاطمة ﵍ وقتل ولدها وأمر ابي بكر خالد بن الوليد بقتل عليّ بن ابي طالب، كدعواهم على رسول الله ﷺ النصوص التي يدّعونها، وكل من تأمل امرهم تبين له بطلان ذلك ووضح له وضوح الشمس.
ومما يزيدك بيانا بشأن هؤلاء الخلفاء والمهاجرين والانصار ولزومهم لوصايا رسول الله ﷺ، ان عثمان بن عفان لما اتم الصلاة بمنى انكر عليه للوقت علي ابن ابي طالب بحضرة الناس كلهم فقال له: ألم تصل مع رسول الله ﷺ ها هنا ركعتين؟ قال: بلى، قال: افلم تصل مع ابي بكر ها هنا ركعتين؟
قال: بلى، قال: افلم تصل مع عمر ها هنا ركعتين، قال: بلى، قال:
افلم تصل بنا ها هنا شطر خلافتك ركعتين؟ قال: بلى، قال: فلم اتممت، وما عذرك في ذلك؟ قال: نكحت امرأة بمكة وسمعت رسول الله ﷺ يقول: من تأهل بأرض فهو من اهلها، ولي مال بالطائف نويت مطالعته؛
_________________
(١) في الاصل: ما
[ ١ / ٢٤٠ ]
وبعد، فقد بلغني عن طغام من اهل اليمن انهم قالوا: صلاة المقيم ركعتان، هذا امير المؤمنين عثمان يصلي ركعتين.
ولما نهى عثمان عن القرآن «١» وأمر الناس بإفراد الحج بلغ ذلك عليا، فدخل عليه فقال له: بلغني انك نهيت من القرآن، ثم قال عليّ: لبيك اللهم لبيك بحجة وعمرة، فقال له عثمان: لم فعلت هذا وقد نهينا عنه؟ قال: ما كنت لأدع شيئا أجازه رسول الله ﷺ لقول احد.
ولما ادّعى على الوليد بن عقبة عامل عثمان على الكوفة وأخوه لأمه شرب الخمر، قال له عليّ أشخصه فاسمع الشهادة، فأشخصه وسمع الشهادة فجلده عليّ بيده، والوليد من اشراف قريش، وقد كان رسول الله/ ﷺ يستعمله، واستعمله عمر وعثمان، وهو كثير الفتوح في الاسلام، وهو اخو امير المؤمنين فما تهيبه.
ولما تكلم من تكلم في عثمان لأنه ولىّ أقاربه وآثرهم، وقالوا لعليّ إن عمر لم يفعل مثل هذا بأقاربه، فقصده عليّ وقال له: ورائي قوم وقد كلموني فيك وما ادري ما اقول لك؟ ما نعرف شيئا تجهله، ولا ادلك على امر لا تعرفه، ما سبقناك الى أمر فنبلغكه، ولا خلونا بأمر فنخبرك به، ولا خصصنا بأمر دونك، وإنك لتعلم ما نعلم. والله ما ابن ابي قحافه بأولى من عمل الحق منك، ولا ابن الخطاب بأولى بشيء من الخير منك، انت أقرب الى رسول الله ﷺ رحما وقد نلت من صهره ما لم ينالاه، فالله الله في امرك فانك والله ما تعلم من جهل، ولا تبصر من عمى، وإن الحق لواضح بيّن، وإن اعلام الدين لقائمة. فقال له عثمان: لقد علمت ليقولن الذي قلت،
_________________
(١) القرآن: اي ان يقرن الحج بالعمرة
[ ١ / ٢٤١ ]
ولو كنت مكاني ما عتقتك ولا اسلمتك، ولا جئت منكرا ان وصلت رحما، وسددت خلة، وآويت ضائعا، ووليت شبيها بمن كان عمر يولي. أنشدك الله يا عليّ، هل علمت ان المغيرة بن شعبة ليس هناك؟ قال: نعم، قال:
فهل علمت ان عمر كان يوليه؟ قال: نعم، قال: فلم تلومني انت ان وليت ابن عامر مع رحمه وقرابته؟ فقال له عليّ: سأخبرك، إن عمر كان من ولّاه فإنما يطأ على سماخه، إن بلغه حرف جلبه وبلغ منه الغاية، وأنت لا تفعل ذلك، ضعفت ورفقت على اقاربك. فقال له عثمان: وهم اقاربك ايضا، فقال له عليّ: أجل، إن قرابتهم مني لقريبة ولكن الفضل في غيرهم، قال له عثمان: هل تعلم ان عمر استخلف معاوية؟ قال: نعم، قال: فقد/ استخلفته كما استخلفه، قال له عليّ: انشدك الله، هل تعلم ان معاوية كان أخوف من عمر من أرفا غلام عمر من عمر؟ قال عثمان: نعم، قال له عليّ:
فإن معاوية لا يخافك ويقتطع الأمور دونك، ويقول للناس: هذا امير المؤمنين عثمان.
وكان عليّ يعنفه في أقاربه، ويقول له في وجوههم: لا يغلب عليك مروان والوليد وسعيد «١»، لا تطعهم؛ فيقول أهله له: هذا قوله لك في وجهك ووجوهنا فكيف بما يقوله للناس من ورائك وأنت امامه وابن عمه؛ فيقول لهم عثمان: هو انصح لي منكم.
وكان عليّ ﵁ يوافقه على صغار الأمور وكبارها ويدبر أمره، فإذا لم يقبل منه في أمر من الأمور عنفه ولامه وقعد عنه، فيرسل اليه عثمان ويجيء به، فيقول له: قعدت عني وكنت لأبي بكر وعمر انصح، وأنا
_________________
(١) يقصد مروان بن الحكم، والوليد بن عقبه، وسعيد بن العاص.
[ ١ / ٢٤٢ ]
أولى بذلك منك، وأنا إمامك وابن عمك، فيقول له عليّ: كانا يقبلان ولا تقبل، أكون معك على امر فيجيئك مرران وسعيد والوليد فيزيلانك عنه.
ثم يقول عليّ ﵁ للناس: من عذيري من هذا؟ أكون معه على أمر فيدع رأيي ويأخذ برأي مروان والوليد، فإن قعدت عنه يشكوني ويقول:
قطعت رحمي ولم تقض حق بيعتي.
فانظر كيف يصنع به الأمور الصغار التي غيرها اولى، ويأخذه بما هو أفضل، ويشير عليه ان يسير بالمسلمين سيرة ابي بكر وعمر، وأن يأخذ بالفضل ولا يترخص ولا يزول من سيرتهما، فأي عاقل تدبر وفكر يقع له ان هؤلاء كانوا يظلمون بنت رسول الله ﷺ ويبدلون القرآن ويعطلون النصوص ويغيرون الشريعة فيسكت عنهم.
وبمثل هذا كانت تشير عليه عائشة ﵂، وتحذره مخالفة سيرة ابي بكر وعمر، وبهذا كتبت إليه ام سلمة: أي بني، ما لي ارى رعيتك/ عنك مزورين، وعن جنابك نافرين، لا تعف سبيلا كان رسول الله ﷺ لحبها «١»، ولا تقدح بزند كان اكباها»
، وتوخ حيث توخى صاحباك فإنهما ثكما الأمر ثكما ولم يظلما «٣» والسلام. فأجابها بالجواب المعروف «٤» .
وعتب قوم عليه ان حمى الحمى، وما رآه في خمس أفريقية كما فتحها، وفيمن سيره من اللعّابين بالحمام والرامين بالجلاهق «٥» فيما كان في الكتاب
_________________
(١) في القاموس: لحب: سلك، واللحب: الطريق الواضح.
(٢) في القاموس: كبا الزند لم يور.
(٣) في القاموس: ثكم آثارهم: اقتصها، وثكم الطريق: لزمه.
(٤) أم سلمة هي هند بنت أبي امية، احدى زوجات الرسول (ص)، وكانت قبله عند ابي سلمة عبد الله بن الاسد المخزومي توفيت سنة تسع وخمسين هجرية.
(٥) الجلاهق: البندق الذي يرمى به
[ ١ / ٢٤٣ ]
المنسوب إليه في شأن محمد بن ابي بكر الصديق والنفر المصريين؛ وهي كانت الطامة في السخط عليه والنكير له، وما اقر بأنه كتب الكتاب ولا قامت عليه بينة، فقالوا: كاتبك كتبه فما اقر كاتبه، وقال لهم: الخط قد يشبه الخط. فلم يزل الانكار عليه في هذه الأمور الى ان اغتيل بالسحر وقتل.
وليس في هذه تعطيل نص ولا تبديل قرآن ولا تغيير شريعة، وانما هي امور من طريق الرأي والاجتهاد كان له أن يفعلها فجرى عليه. هذا كله في شيء هذه سبيله، وهو الخليفة والسلطان والملك، وإليه السوط والعصا وبيده الضر والنفع، مع شرف رهطه وقرب قرابته وظهور ثروته وكثرة عدوه وأعوانه ومن تعصب له، فكيف يتوهم عاقل تدبر، ان النصوص كانت تعطل والقرآن يغير والشريعة تبدل وهم سكوت.
وهذا علي بن ابي طالب مع فضله وزهده وعلمه وسوابقه وآثاره الجميلة في الاسلام وقريب قرابته، قد انكروا عليه ان ولى اقاربه، فقيل له: علام قتل عثمان بالأمس؟ اي لأنه ولى اقاربه، فقال لهم: ما علمت إلا خيرا، فإن انكرتم فأنكروا. ولما بعث الحكم ارتدوا عنه «١»، وقالوا: ضعفت وحكمت الرجال في دين الله وما كان ذلك لك، / وشككت في نفسك؛ فتب الى الله وإلا قاتلناك وجاهدناك، او تقتلنا او نقتلك. فقال لهم: لو كانت الحكومة معصية لما جئت إليها وكان لي ان احكم، وقد امر الله بالحكومة في شقاق يكون بين المرأة وزوجها وفي ارنب تصاب في الحرم
_________________
(١) يقصد قصة التحكيم المشهورة، وذلك حين الح اهل العراق على علي بقبول التحكيم الذي عرضه معاوية، فارسل ابا موسى الاشعري بالحاح منهم وكان يريد ارسال عبد الله بن العباس، وبعث معاوية بداهية العرب عمرو بن العاص، وكان ما كان من الحادثة المشهورة وما تلاها من خروج الخوارج على علي وتكفيره لقبول التحكيم.
[ ١ / ٢٤٤ ]
تساوي ربع درهم؛ فقال ﷿: «يحكم به ذوا عدل منكم»، فكيف بإمامة قد اشكلت على المسلمين فقاتلوه وقاتلهم، وقتلهم وقتلوه، في امر ليس فيه تعطيل نص ولا تغير قرآن، وإنما هو شيء من طريق الاجتهاد، وكان له ﵁ ان يفعله. وقد بلغوا في الانكار عليه هذا المبلغ، فكيف بتغير القرآن والنصوص وظلم ابنة رسول الله ﷺ، لتعلم فحش غلط هؤلاء القوم، وان ابا بكر وعمر وعثمان وعليا ﵃ لو راموا بأجمعهم تعطيل نص لرسول الله، او تغير آية واحدة من كتاب الله، او ظلم امرأة ارملة ذمية لقتلوا بأجمعهم. وقد عرف اهل العلم والتحصيل، ان اهل البصائر، ومن يعتقد دين محمد ﷺ ونبوته وصدقه واجلال من اجل وتعظيم من عظم وإهانة من اهان في زمن ابي بكر وعمر اكثر وأوافر، والغلبة لهم، والامر بأيديهم، وهم كانوا الظاهرين القاهرين، وهم ولّوا ابا بكر وعظموه واجلوه وقدموه تقربا الى الله، لأن رسول الله قد كان يقدمه ويعظمه ويجله ويكرمه؛ ولهذا كان يقول الرؤساء في ذلك الزمان من اقارب رسول الله ﷺ، وقد رأوا تعظيم المهاجرين والأنصار ابا بكر، وطاعتهم له، وتنفيذهم وصاياه ووصايا خليفته بعده: كان والله حلوا في افواههم، جليلا في اعينهم، مهيبا في صدورهم، على سكون ريحه ولين جانبه. / فلا تظن ما يقول طوائف الامامية والرافضة فيهم إلا الغاية في الغافله وترك النظر؛ وتعليل الرجال هو الذى يوقع الناس في الضلال.
وباب آخر [الاخوة والمودة التي كانت قائمة بين الصحابة]
إن بين ابي بكر وعمر وتلك الجماعة وبين بني هاشم مع اخوة الاسلام فضل مودة وصداقة، يمدح بعضهم بعضا ويزكّي بعضهم بعضا، ويتصاهرون،
[ ١ / ٢٤٥ ]
ويرى بعضهم بعضا أهلا للإمامة والولاية، وينصح بعضهم بعضا. ألا ترى أنهم بايعوا ابا بكر، وصلّوا خلفه، وغزوا معه؛ ونفذوا وصيته بعد موته في عمر، فاجتمعوا كلهم في طاعته؛ ونفذوا وصايا عمر بعد موته وصلّوا خلف صهيب، ورجعوا الى عبد الرحمن كما وصّى، فغزا امير المؤمنين علي بن ابي طالب مع ابي بكر ﵄ الربذة والى ذي القصّة «١» .
ولما همّ ابو بكر بالخروج عن المدينة والمسير الى اصل الردة، اخذ امير المؤمنين علي بعنان فرسه وقال له: اقول لك كما قال لك رسول الله ﷺ يوم أحد: سمّ سيفك، وارجع مكانك، ومتعنا بنفسك، وأتا أقول لك:
أنقذ جيشك وارجع الى المدينة، فإنك إن هلكت لم يكن للاسلام بعدك نظام، فقبل رأيه ورجع.
وقد غزا غير واحد من بني هاشم في زمن عمر، وفي غزواته هلك الفضل ابن العباس بالشام في طاعون عمواس في خلافة عمر، وقد خرج العباس معه الى الشام وغيره من بني هاشم، وخلف عليا أميرا على المدينة في بعض خرجاته الى الشام، فانه خرج اليها اربع مرات، فدخلها في بعضها، وفي بعضها لم يدخل، وزوجه امير المؤمنين عليّ ابنته ام كلثوم وأمها فاطمة بنت رسول الله ﷺ، / وكان له منها زيد ورقية.
وقبل ذلك ما زوج رسول الله ﷺ ابا بكر الصديق اسماء بنت عميس الخثعمية، وكانت تحل من رسول الله ﷺ محل ابن الأخوات وتختص به وبنسائه وتكون في بيوته. وكانت من المهاجرات بدينها الى ارض الحبشة وإلى المدينه، وكانت قبل ذلك امرأة جعفر بن ابي طالب، وكان له منها
_________________
(١) انظر الطبري ٣: ٢٤١ و٢٤٧
[ ١ / ٢٤٦ ]
غير واحد من الأولاد، فجعل رسول الله ﷺ أبا بكر كافل بني هاشم ومربي ابنائهم، فربّى اولاد جعفر بن ابي طالب وكفلهم وأدبهم، منهم: عبد الله ابن جعفر بن ابي طالب، وأخوه محمد. وكان عبد الله بن جعفر يذكر من برّ ابي بكر بهم ورأفته وتأديبه لهم ما يطول شرحه. وخلف امير المؤمنين علي وعمر على المدينة في خروجه الى جسر مهران «١»، وأشار عليه حين تكاتبت الأعاجم بإخراج المسلمين من ديارهم «٢»؛ وكان يزدجرد بن شهريار ملك فارس الذي أخرجه عمر من ملكه حيّا مقيما عند خاقان ملك الترك وقد صاهره يستعينه على المسلمين، فراسل أهل مملكته بإخراج المسلمين من ديارهم، وأنه يوافيهم في الجيوش ويسير الى المدينة فيقتل عمر ويستأصل الاسلام، فكتب المسلمون الذين في ممالك الفرس الى المسلمين بالكوفة بهذا، وكتب أهل الكوفة الى امير المؤمنين عمر، فخطب الناس وقال: ايها الناس، إن الشيطان قد جمع جموعه، وإن الأعاجم من اهل جرجان وطبرستان والريّ وأصفهان وهمدان ونهاوند، قد تكاتبوا وتعاهدوا في اخراج المسلمين من ديارهم وقصدهم الى بلادكم، وهذا يوم له ما بعده، فأشيروا عليّ.
فقام طلحة بن عبد الله، فقال، / فجزاه خيرا ثم امره بالجلوس، ثم قال:
أشيروا عليّ، فقام عثمان بن عفان، فقال: أرى يا امير المؤمنين ان تكتب
_________________
(١) سمي الجسر بذلك لأن قائد الفرس كان مهران بن مهر بنداد الهمذاني وكان قائد المسلمين المثنى بن الحارثة، وسميت المعركة معركة جسر مهران. وكان عمر ﵁ قد هم بالخروج مع المسلمين في تلك الموقعه.
(٢) كان ذلك في سنة ١٩- ٢٠ للهجرة. فقد تكاتبت الفرس واهل الري وقوس واصبهان وهمذان والماهي وتجمعوا الى يزدجرد آخر ملوك فارس. فبعث عمر بعد مشورة الصحابة بجيش وولى عليه النعمان بن مقرن المزني. فتوح البلدان، ٤٢٤.
[ ١ / ٢٤٧ ]
الى اهل اليمن فيسيروا اليك من يمنهم، وإلى اهل الشام فيسيروا اليك من شامهم، وتسري بأهل هذين «١» الحرمين وأهل المصرين: الكوفة والبصرة، وتلقي العدوّ بنفسك، فاذا رآك في جموعك وعساكرك هاله أمرك، وقل هو وجيوشه في أعين المسلمين، ففعلت وفعلت، فجزاه خيرا وأمره بالجلوس، ثم قال: أشيروا عليّ، فقام علي بن ابي طالب، فقال له: يا امير المؤمنين، أما ما كرهته من مسيرهم فان الله ﷿ لذلك أكره، وإنك يا امير المؤمنين إن سيّرت اهل اليمن من يمنهم سارت الحبشة الى ديارهم، وإن سيّرت اهل الشام من شامهم سارت الروم الى ديارهم، وإن سرت بأهل الحرمين انتقضت العرب عليك، فكان ما وراءك اهم لك مما بين يديك، وإن رآك العدوّ ازداد كلبه عليك وقال لأصحابه: هذا واحد العرب فان قطعتموه قطعتم العرب كلها. ولكن أرى ان تكتب الى اهل اليمن، فيكون ثلثهم في اهل عهدهم وثلثهم في ثغورهم ويسير منهم الثلث اليك، وتكتب الى أهل الشام بمثل ذلك، وتقيم بمكانك وتنفذ اميرا يلقاهم، فان هلك أنفذت اميرا مكانه، فقد علمت انّا كنّا في زمن رسول الله ﷺ نقاتل بالبصيرة لا بالكثرة، فجزاه خيرا وأمره بالجلوس، ثم قال: هذا والله هو الرأي؛ إن انا أشخصت أهل اليمن من يمنهم سارت الحبشة الى ديارهم، وإن سيّرت اهل الشام من شامهم سارت الروم اليهم، هذا والله هو الرأي ان ساعدتموني عليه، فقالوا: نساعدك، فعمل على ذلك، وأنفذ الجيش، وأقام على ما اشار عليه عليّ؛ وكم له معه مثل هذا، وشرحه/ يطول.
وكم قد أشار عليه العباس ونصح له مما هو مذكور معروف عند العلماء،
_________________
(١) في الأصل: هذه
[ ١ / ٢٤٨ ]
وكم قد اشارا جميعا على عثمان وغيرهما من بني هاشم، وكم قد غزا الحسن، والحسين، وعبد الله بن جعفر، وعبد الله بن العباس، وغيرهم من بني هاشم مع امراء عثمان الى خراسان وغيرها، وكم كان يقول عمر على المنبر: أقضانا عليّ، ويقول: لا تكون نازلة لا يشهدها علي بن ابي طالب؛ وولاه القضاء بالمدينة، وتولى، فكان يقضي ويفتي، واستسقى بالعباس، وألحق الحسن والحسين في العطاء بالبدريين، ولما دوّن الدواوين، كتبوا اسمه في اول الديوان، فقال لهم: لم فعلتم هذا؟ فقالوا له: انت امير المؤمنين، فقال:
ابدؤوا بطرفي رسول الله ﷺ: هاشم وزهرة، وضعوا عمر وآل عمر حيث وضعهم الله، وأدخل عليا في الشورى: وكان لعليّ في اولاده من يسمى أبا بكر وعمر وعثمان كما يسمي الرجل اولاده بأسماء أحبابه وأئمته، وقد كان للحسين ﵇ ولد يقال له ابو بكر قتل معه بكربلاء، وكان ليلي بن الحسين ولد اسمه عمر، وقد كان في أولادهم مثل هذا كثير، وشرح هذا يطول، وكذلك شرح ما كان بينهم من المودة والصداقة وحراسة بعضهم لبعض، ومدح بعضهم لبعض يطول، وللعلماء فيه كتب مفردة مخلدة، انت تجدها اذا طلبتها. ولكن طال العهد وغلب الجهل، فظن من لا علم له انهم كانوا متباعدين متباغضين، وأن الذي كان بينهم من العداوة والبغضاء أشد مما كان بينهم وبين معاوية وولده ومروان بن الحكم وولده كما ظنت المنانية ومن ذهب مذهبها، ان عيسى بن مريم «١» ﵇ كان عدوا لموسى وهرون وداود وسليمان/، وأنه كان يحرم أكل اللحمان وذبح الحيوان، وكما يظن من لا يعلم ان هذه الطوائف من النصارى على دين المسيح وفي طاعته. وللبغضاء رحمك الله حال مبينة، وللمحبة آثار وأعلام. ألا ترى ان
_________________
(١) في الأصل بعد كلمة مريم لفظة كان، وهي زائدة.
[ ١ / ٢٤٩ ]
معاوية وآل ابي سفيان وآل مروان، لمّا ابغضوهم وعادوهم، ما ذكروهم في الإمامة ولا رجعوا اليهم في القضاء والفتوى، بل لعنوهم وحاربوهم وقتلوهم، ووصوا اولادهم بذلك، وكذا فعل بنو هاشم من ولد العباس وولد ابي طالب ببني امية.
فإن قالت الرافضة: إنما صنع ابو بكر وعمر هذا ببني هاشم حيلة وخديعة وليخرجوهم من الرئاسة، قيل لهم: من الحيلة والخديعة ان لا يدخلوهم في الشورى، ولا ينبهوا عليهم في الرئاسة ولا يستسقوا بهم، ولا يستشفعوا الى الله بجاههم ومكانهم، ولا يشهدوا لهم بالجنة، ولا يسيروا إليهم بالعلم والمعرفة؛ ألا ترى ان معاوية لما عاداهم ما جعلهم اهلا للخلافة، ولا ذكرهم للرئاسة، ولا استسقى بهم، ولا استفتاهم، ولا استقضاهم، ولا شهد لهم بالجنة، بل كانت سيرته فيهم ما قد علم الناس؛ ولا فرق بين من ادعى هذا، او ادعى ان ما كان من مدح رسول الله ﷺ لأهله وأصحابه انما كان على طريق المداراة والخديعة، او ادعى ان ما كان من معاوية [مع] «١» آل بني هاشم إنما كان على طريق الرأفة والرحمة.
وبعد فما لأبي بكر وعمر على قولكم الى مداراة الناس وخديعتهم في بني هاشم، وعندكم ان الناس قد علموا ان رسول الله ﷺ قد استخلف عليا ونص عليه، وعرف الكافة انه الحجة على العالم. ثم ان ابا بكر دعاهم الى خلاف ذلك فأجابوه بأسرهم على/ قول بعضكم وهم الكاملية، وعلى قول الهشامية اجابوه إلا نفرا يسيرا كانوا مغلوبين. ودعاهم هو وعمر بعده وعثمان بعدهما الى تغيير القرآن والشريعة، من الطهارة، والأذان، والصلاة
_________________
(١) اضافة على الاصل يقتضيها السياق
[ ١ / ٢٥٠ ]
ومواقيتها، والصيام ومواقيته، والمواريث، والمناكح، والطلاق، والعتاق، الى غير ذلك، فأجابوهم اليه.
وما سمع الناس بأعجب من امر هؤلاء القوم في دعواهم على ابي بكر وعمر، انهم إنما زكوا بني هاشم مثل العباس وعلي وغيرهما، وأدخلوهم في الشورى، وقدموهم في القضاء والفتوى والرئاسة، للنقص منهم، والحيلة عليهم؛ وهو كمن قال: ان ابا بكر وعمر وعثمان اخذوا الروم والعجم وملوك العرب بالدخول في دين النبي ﷺ، وإدخال اممهم في دينه، والشهادة برسالته، وإقامة شرائعه، وموالاة اوليائه، ومجاهدة اعدائه، انما فعلوا ذلك عداوة له صلى الله عليه، وللحيلة عليه، واخراجه من الرئاسة والنبوة، ولإماتة ذكره؛ وكل امرهم عجب وخروج عما يعقل ويفهم.
فإن قالوا: إنما أدخله عمر في الشورى وقال يصلح للخلافة والرئاسة ليمحو نصّ النبي عليه واستخلافه له، قلنا: فإن ذلك قد امحى على قولكم وأجابه الناس الى محوه وإزالته، فما حاجته الى ادخاله في الشورى لولا محبته له والتنبيه على فضله، ولو اراد ان يخرجه من الرئاسة لما أدخله في الشورى، ولا قال انه يصلح للخلافة والرئاسة؛ وانما الشورى وضعها عمر ليطلب الناس من يصلح في دين رسول الله ﷺ للقيام بأمر امته ﵇، وليرجعوا الى وصاياه وعهوده فيمن يصلح لذلك في دينه وشريعته؛ فلو كان هناك منصوص عليه، او من فيه أدنى اشارة، لما ادخله عمر في الشورى والرئاسة إن كان/ يريد ان يميت ذلك على ما يدعونه عليه، وهذا لا يظنه عاقل، وهو كمن قال انما استسقى بالعباس واستشفع الى الله به ليميت ذكره وليخرجه من الفضل والرئاسة ومن استخلاف النبي له ونصّه عليه، فان الراوندية
[ ١ / ٢٥١ ]
من شيعة بني العباس تدّعي ان النبي ﷺ نص على العباس واستخلفه وجعله وارث مقامه، وأن الخلافة تكون في ولده الى يوم القيامة، كما تدعي ذلك الرافضة في امير المؤمنين.
وبعد فإن كان الذي صنعه عمر في الشورى حيلة على امير المؤمنين ليخرجه من الرئاسة، فلم دخل هو وقبله، وصلى خلف صهيب، ورجع الى عبد الرحمن في الاختيار، فكيف شعرتم انتم بهذا وخفي عليه.
فإن قالوا: فعل هذا خوفا وتقية، فقد بينا ان سلطان هؤلاء الخلفاء الأربعة ما كان سلطانا يخافه محقّ ولو كان عبدا او ذميا، وكشفنا ذلك من غير وجه. واعلم ان الكلام اذا انتهى الى مثل هذا فليس إلا السكوت، فإن شرح المشروح والمجاذبة في امر المكشوف عناء وادخال له فيما يغمض ويخفى، فارجع رحمك الله الى ما كان من ابي بكر وعمر وقول بعضهم في بعض وصنع بعضهم ببعض، تجدهم أولياء واخوانا واصدقاء، وقد تقدم لك في صدر هذا الكتاب ان ابا بكر وعمر وتلك الجماعة من المهاجرين والانصار كانوا احباب رسول الله ﷺ، وكان يحبهم ويودهم، ويوجب على الناس مجبتهم، ويفرض عليهم مودتهم، وكانوا يحبونه، وهو أحب اليهم من أبنائهم وأنفسهم، ويحبون من أحبّ، ويبغضون من ابغض، وإن العلم بذلك قبل العلم بنبوته، فارجع اليه.
وباب آخر [افعال رسول الله وأقواله تشهد بأنه ما عهد لرجل بعينه]
وهو ان افعال رسول الله ﷺ وأقواله ووصاياه وعهوده، تشهد بأنه ما عهد في رجل بعينه، وان الامر في الخلافة بعده الى خواصه واصحابه ليختاروا من يرون، وان الخلفاء بعده يجوز عليهم الخطأ والزلل؛ ألا تسمع
[ ١ / ٢٥٢ ]
قوله ﷺ «١»: «أنفذوا جيش أسامة» وقوله: «لا تتركوا بعدي في جزيرة العرب دينين، ولا تجمعوا فيها دينين» «٢» وقوله: «استقيموا لقريش ما استقاموا لكم، فإن لم يستقيموا لكم فخذوا سيوفكم على عواتقكم فأبيدوا خضراءهم، وإلا فكونوا أشقياء حرّاثين تمشون خلف أذناب البقر، وتأكلون كدّ أيديكم. أطيعوهم ما أطاعوا الله ورسوله، فاذا عصوا الله ورسوله فلا طاعة لهم عليكم؛ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق» «٣» .
وقوله: «هذا الأمر في قريش ما اذا استرحموا رحموا، واذا حكموا عدلوا، واذا قسموا أقسطوا، واذا عاهدوا وفوا؛ فإن لم يفعلوا ذلك، فعليهم لعنة الله والملائكة والناس اجمعين، لا يقبل منهم صرف ولا عدل» .
ومثل هذا من اقواله كثير، ويعلم هذا من دينه، كما يعلم من دينه أن الولد للفراش وللعاهر الحجر، وان اليمين على المنكر والبينة على المدعي، والنفقة على الزوج دون المرأة، وما أشبه ذلك من شريعته. وهذه الوصايا منه انما هي لأصحابه وخاصته، فمن اشكل عليه بعد هذا انه ما نص على رجل بعينه، وان الخلفاء بعده يجوز ان يقع منهم الخطأ والزلل، وأنه ليس فيهم من يؤمن منه ذلك، فقد اشكل عليه الواضح من شريعة رسول الله ﷺ/ وجلّى سيرته، والمكشوف عن شريعته ووصاياه.
_________________
(١) في الحاشية كتب: وصايا رسول الله (ص)
(٢) انظر طبقات ابن سعد. الجزء الثاني القسم الثاني ص ٢٤ بلفظ آخر «لا يجتمع في جزيرة العرب دينان» .
(٣) انظر شرح الجامع الصغير للمناوي ١: ١٤٩، وخضراءهم اي سوادهم ودهماءهم. وهنالك احاديث كثيرة في هذا المعنى، كلها تضع شرطا في التبعية لقريش هي الاستقامة على الحق والتقوى والرحمة.
[ ١ / ٢٥٣ ]
فإن قيل: كيف اشكل هذا على هؤلاء القوم؟ قيل له: ليس يعرف هذا بكمال العقل وان كان واضحا، وانما يعرف بكثرة السماع وحسن الاصغاء والتأمل، وجودة التحصيل وصحة النقل.
ألا ترى ان في هؤلاء من يقول: ان في القرآن زيادة، وفيهم من يقول:
فيه نقصان، وفيهم من يقول: للطهارة والصلاة والصيام وسائر الشريعة باطن يخالف ما عليه الفقهاء والعامة، والى ما يذهب اهل التناسخ وقوم من الصوفية. وكل من جالس العلماء وكثر سماعه وجاد تحصيله، يعلم علما يقينا ان هذا خلاف دين النبي ﷺ؛ وقد عرف اصحابه من سيرته جواز الاختيار في الائمة والامراء، وعملوا بذلك في حياته ﷺ. ألا ترى انه لما انفذ عسكرا لغزو الروم قال لهم: اميركم زيد بن حارثة، فإن هلك فجعفر بن ابي طالب، فإن هلك فعبد الله بن رواحة؛ فهلك هؤلاء الامراء الثلاثة فاستعمل الجيش بعدهم خالد بن الوليد المخزومي اميرا عليهم، فدبرهم وساسهم ولقى العدو بهم، فما انكر النبي ﷺ ذلك بل صوبهم، وسمي خالد بن الوليد سيف الله. وقد كان النبي ﷺ انفذ عما لأبي موسى الاشعري اميرا على جماعة فهلك، فاستعملوا بعده ابا موسى، فما انكر رسول الله ﷺ ذلك بل صوبهم؛ بل انهم انما فعلوا هذا لأنهم قد عرفوه من سيرته.
وقد ولى رسول الله ﷺ ابو العلاء بن الحضرمي «١» البحرين، وانفذه في
_________________
(١) أرسل الرسول (ص) العلاء بن الحضرمي الى المنذر الساوي بالبحر بالكتاب التالي: بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد رسول الله الى المنذر ساوي. سلام عليك فاني احمد الله إليك الذي لا إله الا هو، واشهد ان لا اله الا وان محمدا عبده ورسوله. أما بعد، فإني اذكرك الله ﷿ فان من ينصح فانما ينصح لنفسه وان من يطع رسلي ويتبع امرهم فقد أطاعني ومن نصح لهم فقد نصح لي، وان رسلي قد اثنوا عليك خيرا، واني قد شفعتك في قومك، فاترك للمسلمين ما اسلموا عليه، وعفوت عن اهل الذنوب فاقبل منهم، وانك مهما تصلح يغفر لك عن عملك، ومن اقام على يهوديته او مجوسيته فعليه الجزية» . السيرة الحلبية ٣: ٢٥٢.
[ ١ / ٢٥٤ ]
جماعة، وعهد إليه عهدا معروفا، وقال ﷺ/ في هذا العهد: وانا اشهد الله على رجل وليته امرا من امور المسلمين فلم يعدل فيه قليلا كان ام كثيرا فانه لا طاعة له، وهو خليع محاولتيه، واني قد برأت المسلمين الذين معه من عهدهم وايمانهم منه ومن ولايته، فليستخيروا عند ذلك الله ثم ليستعملوا عليهم افضلهم في انفسهم؛ واشباه هذا في وصاياه وعهوده وسيره كثيرة، وأنت تجده متى طلبته، وفيما معك اتم كفاية.
باب آخر [كيف خاض الصحابة في امر الامارة ولم يذكروا انه نص على أحد بعينه]
وهو ان الصحابة قد خاضوا في باب الامارة في مرض رسول الله ﷺ وقبل ذلك في ازمان مختلفة، وجرى لهم من الخوض في ذلك اكثر مما جرى لهم من كل شيء في كبار الامور وصغارها، فأقوالهم وأفعالهم افعال من لا عهد عنده في رجل بعينه؛ وان الائمة بعد رسول الله ﷺ يجوز ان تقع منهم المعاصي والخطايا.
فمن ذلك، ان الصحابة سألوا عليا في مرض رسول الله ﷺ فقالوا:
كيف اصبح رسول الله يا أبا الحسن؟ فقال: اصبح رسول الله بحمد الله بارئا، فقال له العباس: أحلف بالله لقد عرفت الموت في وجه رسول الله ﷺ كما أعرفه في وجوه بني عبد مناف، وإني لأرى رسول الله ﷺ سيتوفى في وجعه هذا، فانطلق بنا الى رسول الله ﷺ نسائله فإن كان هذا الامر فينا علمنا، وإن كان في غيرنا امرناه فوصى الناس بنا. فقال له علي: ما كنت لأسألها رسول الله ﷺ، فإنا إن سألناه فقال ليست فيكم منعناها الناس وقالوا: رسول الله ﷺ قال ليست فيكم، والله لا سألتها ابدا.
فانظر كم في هذا من بيان على صحة ما قلنا؛ فهذا العباس، وهذا علي،
[ ١ / ٢٥٥ ]
وهؤلاء الصحابة، فلو كان النبي ﷺ/ قد نص لما جاز ان يذهب علمه عنهم، أو لو قال قولا يحتمل تأويله هذا المعنى لما ذهب عنهم، فإن البحث والنظر والخوض يخرج خفيات الأمور ويذكر بغوامضها وبما قد تقدم عهده وزمانه، فكيف بالشيء الواضح القريب العهد، ورسول الله ﷺ حي بينهم، فكيف لم يقل علي للعباس: يا عم، أما تعلم ان رسول الله ﷺ قد نص علي وجعلني حجة على العالم واستخلفني وولديّ على امته الى يوم القيامة، وكيف نسيت مع قرب العهد، أو ليس قد قال: «من كنت مولاه فعليّ مولاه»، و«انت مني بمنزلة هرون من موسى»، وهذا نص واستخلاف. فإن كان امير المؤمنين علي ﵁ نسي ان النبي ﷺ استخلفه كما نسي العباس فكيف لم يذكرهما الصحابة وهم يسمعون ما يجري، وهذا لا يخفى على متأمل، فقد وجدت رحمك الله عليا والعباس والصحابة قد اطبقوا على ان رسول الله ﷺ ما نص ولا استخلف رجلا بعينه، ولا قال قولا قصد به هذا المعنى. فان قيل: ومن سلم لكم ان هذا قد جرى بين علي والعباس ﵄؟ قيل له: إن هذا كالذي جرى في السقيفة وفي الشورى، لا يرتاب بذلك اهل العلم، والعجب انكم تقولون أن النبي ﷺ قال: «من كنت مولاه فعلي مولاه» وتنكرون مثل هذا وهو أصح، والعلم به اقوى، وما زال ولد العباس وولد علي من قديم الدهر يتذاكرون هذا الذي جرى من آبائهما في أنهما أصوب رأيا، ويخوض اهل العلم في ذلك، كالشعبيّ وعبد الرزاق «١»، وإنما يذهب مثل هذا على معاند أو من لا نصيب له
_________________
(١) الشعبي هو عامر بن شراحيل الشعبي الحميري (ابو عمرو) راوية من التابعين، وهو من رجال الحديث التقات توفي سنة ١٠٣ هـ. تهذيب التهذيب ٥: ٦٥ واما عبد الرزاق فهو عبد الرزاق بن همام بن نافع الحميري (ابو بكر) من حفاظ الحديث التقات. له «الجامع الكبير» في الحديث. توفي سنة ٢١١ هـ، تهذيب التهذيب ٦: ٣١٠
[ ١ / ٢٥٦ ]
في العلم.
وفي هذا الباب، ان النبي ﷺ لما مرض جزع اصحابه لمرضه، فكانوا معه وحوله ومسجده بهم مثل الرمانة، وعنده في بيته ازواجه وعماته وبناته، فكان/ اذا وجد خفّا خرج فصلى بهم، فاشتد به يوما مرضه فقالوا:
الصلاة يا رسول الله، فقال: ما أستطيع الخروج، صلوا، قالوا: يا رسول الله من يصلي قال: يؤذّن بلال ويصلّي أبو بكر.
ففي قولهم: من يصلّي، دليل على انه ما استخلف رجلا بعينه، لأنه لو كان فعل ذلك لما قالوا من يصلي ولا خفي عليهم مكانه، كما لا تخفى عليهم القبلة وقد فرغ لهم منها، فلا يقولون الى اين نصلي. وأكد ذلك ايضا بقوله: يصلي بكم ابو بكر، ولو كان قد استخلف رجلا بعينه لقال:
او ليس قد استخلفت عليكم عليا، فكيف نسيتم مع قرب العهد، ولأمر عليا بالصلاة.
فان قيل: ومن سلم لكم هذا، وإنما عائشة قالت له لا رسول الله، وأن رسول الله ﷺ لما احس به خرج وصرفه.
قيل لهم: انه ليس لرسول الله عهد اوثق ولا عهد اوضح من عهده الى ابي بكر في الصلاة بالناس في مرضه، فانه عقد كان منه في بيته وبحضرة أصحابه، الذين صفتهم على المحافظة على دينه الصفة التي قدمنا، والعلم بذلك يجري مجري مرضه في بيت عائشة ودفنه فيه، ومجرى العلم بأن ابا بكر وعمر دفنا عنده؛ والعجيب ممن يقول: قد علمنا ان رسول الله ﷺ قال:
من كنت مولاه معلّي مولاه وعليّ مني بمنزلة هرون من موسى، وقال:
انفذوا جيش اسامة، وينكر امر ابي بكر في الصلاة بالناس، وهذا من
[ ١ / ٢٥٧ ]
العناد الشديد والجهل الفائض، وهو كمن قال: إن رسول الله ﷺ ما اختار أبا بكر للهجرة معه ولا كان معه في الغار، ولا اختصه بأن يكون معه في العريش يوم بدر دون الناس كلهم، ولا كان معه في بيعة الرضوان، ولا اقامه مقام نفسه في الحج بالناس في سنة تسع ولم يقدم غيره في ذلك، وهو اول امير حج بعده ﷺ/ في حياته من المدينة.
ولقد امر ابو بكر بالصلاة، فصلى بجميع اصحابه وأهل بيته كالعباس وعليّ وجميع بني هاشم ومواليه، وهو ينظر اليهم من بيته وفي مسجده وهم يصلون خلف ابي بكر، فصلى بهم ابو بكر [عدة] «١» ايام. ففي بعض تلك الايام يخرج رسول الله ويصلي معهم، وفي بعضها يخرج وقد فرغ ابو بكر فيجلس معهم، وفي بعضها يحس به ابو بكر فيتنحى ويقدمه ويصلي بهم. لا يتدافع اهل العلم من الصحابة والتابعين والذين يلونهم والذين يلونهم في ذلك. ولقد صلى بهم ابو بكر الظهر في اليوم الذي مات فيه رسول الله ﷺ قبل دفنه وقبل البيعة له بذلك العهد الذي كان من رسول الله ﷺ لا ينازعه في ذلك احد.
وقد روى هذا الحديث وأمر رسول الله ﷺ لأبي بكر بالصلاة علي بن ابي طالب، ذكر ذلك في خلافته وعلى منبره مرات كثيرة، ورواه العباس وابنه عبد الله، وذكره عمر على منبره في خلافته، ورواه ابو عبيدة، وعبد الله بن مسعود، وأنس بن ملك، والبراء بن عازب، وسالم بن عبد الله، وعبد الله بن زمعة، ومن لا يحصى كثرة من المهاجرين والانصار. وانما كان سبب ذكرهم له، لأنهم كانوا يذكرون مرض رسول الله وكيف صنع، وانما
_________________
(١) في الاصل فراغ املأته بعدة، ويمكن ان يقرأ بدونها فنقول حينذاك: فصلى بهم ابو بكر أياما.
[ ١ / ٢٥٨ ]
يظن ان ابا بكر تقدم فصلى بالمهاجرين والانصار بغير عهد من رسول الله ﷺ، من لا يعرف المهاجرين والانصار، وشدة بصائرهم، وإعظامهم لمقام رسول الله ﷺ ان يقوم فيه احد مقامه سيما في خاصته بغير امره.
وبعد فان مسجده في بيته ونصب عينيه، يسمع وهو في بيته صوت من في مسجده ويراهم، وأمره لأبي بكر/ بالصلاة بحضرة اصحابه، ويسمع ذلك جميع ازواجه وبناته وعماته، فقد كنّ في مرضه هذا اجتمعن كلهنّ عنده في بيت عائشة. وكان امره له بذلك مرة بعد مرة، فان الصحابة كانوا يدخلون في اوقات الصلاة فان وجد خفّا خرج معهم، وإلا قال لهم:
يصلي بكم ابو بكر. وكان في اول امره امر بذلك، قالت عائشة: يا رسول الله، إن ابي رجل أسيف «١» لا يستطيع ان يسمع الناس، فلو امرت غيره، فأبى رسول الله ﷺ ذلك ولم يجبها اليه، فاستعانت ببعض ازواجه عليه ليشفعها ويأمر غير ابي بكر بالصلاة، فردّهن رسول الله وغضب وقال:
يأبى الله والمؤمنون غير ابي بكر، إليكنّ عني صويحبات يوسف. فهذا الذي كان من عائشة فادعوا عليها ما لم يكن، وهذا شأنهم. ولقد قيل لعائشة لم كرهت ان يصلي ابوك بالناس في مرض رسول الله ﷺ وراجعت رسول الله ﷺ في ذلك حتى غضب؟ قالت: ظننت بحداثة سني انه لا يطيق ذلك، وأن المسلمين يتشاءمون به.
وقد قال بعض العلماء في قول رسول الله ﷺ: إليكن عنى صويحبات يوسف، ان اولئك النساء ظنن ان يوسف ﵇ إذا دفع الى شدة
_________________
(١) الرجل الأسيف: الشيخ الفاني والسريع الحزن والرقيق القلب، انظر قاموس المحيط.
[ ١ / ٢٥٩ ]
يضعف ويجيب الى المعصية فلم يكن كما ظنن، فأراد رسول الله ان ابا بكر سيدفع الى شدائد فيصبر ويحتمل.
ثم يقال لهم: وكيف طمع ابو بكر ان يتقدم بأصحاب رسول الله ﷺ وقد علم ان رسول الله ﷺ قد استخلف عليا وعرفهم انه حجة الله عليهم وعلى رسول الله وجميع الصحابة حضور شهود، كيف يتوهم عاقل هذا؟
وبعد فكيف اقرّ رسول الله ﷺ عائشة/ في ازواجه واقام عليها وقد ارتدت بهذا الصنيع، وقد قال الله ﷿: «وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوافِرِ» «١»؟
فادعيتم ان ابا بكر اغتصب هذا المقام، وان ذلك بلغ رسول الله ﷺ، وانه غضب من ذلك وانكره، وخرج وعزل ابا بكر، وانكر على الصحابة طاعتهم لأبي بكر في الصلاة خلفه؛ هذا امر عظيم، ومراجعات كثيرة، إذ لو كانت لكان العلم بها اقوى من العلم بما كان من المراجعة لرسول الله ﷺ من المراجعة والمناقلة يوم الحديبية مع سهيل بن عمرو «٢» وما اشبه ذلك، ولكن مذاهبكم مقصورة على دعاويكم. ومن العجب كونكم ما ادعيتم ان رسول الله ﷺ لما غضب وخرج وعزل ابا بكر ان يكون قد قدم عليا فصلى بالناس ليتم بهتكم، بل لو كنتم صادقين في دعوى النص عليه لكان هذا وقت تقديمه والغضب لأجله لو ادعيتم ان رسول الله ﷺ لم يختر
_________________
(١) الممتحنة ١٠
(٢) كان سهيل بن عمرو سفير قريش الى الرسول يوم الحديبية، وقد عرض على الرسول الانصراف عن مكة ذلك العام على ان يأتيها في العام الذي يليه وعلى ان يقوم بينه (ص) وبين قريش صلح متصل عشرة اعوام. وقد حدثت اتناء المفاوضات مراجعات من المسلمين واحداث تجدها في كتب السيرة
[ ١ / ٢٦٠ ]
بيت عائشة لمرضه ودفنه والموت فيه وانما اختار بيت ابنته فاطمة ولكن ابا بكر مضى واغتصبه وحمله وجاء به الى بيت عائشة، فهذا رحمك الله من الأدلة التي تشهد ان رسول الله ﷺ ما استخلف عليا ولا نص عليه كما يدعي هؤلاء وانما ينكرون الاخبار.
فان قالوا: لو كان رسول الله ﷺ ما استخلفه لعلمنا باضطرار انه لم يستخلفه.
قيل لهم: ما لم يفعله رسول الله ﷺ لا يعلم بالاضطرار، انما يعلم بالاستدلال، فمن استدل علم ومن لم يستدل جاز ان يظن انه قد فعل.
ولو كان فعل شيئا أو فرض شيئا على الامة من سائر احكام الشريعة لجاء مجيء العلم كما جاء غيره، وهذا هو الاصل كما شرحنا وقدمنا.
باب آخر [كيف فكر الانصار بالامارة ثم عدلوا عن ذلك بعد تبين الحق]
من هذا، ان الانصار لما قبض رسول الله ﷺ حزنوا لفراقه، فاشتد حزنهم وعظمت مصيبتهم، فقالوا هدانا الله به، وجمع إلفتنا بدعوته، وعظمت علينا بركاته. فرجع بعضهم على بعض فقالوا: احمدوا/ الله فقد قبض وهو عنكم راض، فقالوا: الحمد لله، ولكن قد وترنا الأمم، وقد قبض رسول الله ﷺ ولم يستخلف، ولا بد لنا من امير نقيمه فنغزوا معه ونجاهد، فقال قائل منهم: لا بد لكم من هذا، فأقيموا رجلا منكم.
فانظر كيف أفصحوا بأنه لم يستخلف، ولو كان كما يدّعون هؤلاء لفيل لهم ذلك ورد عليهم هذا القول والنبي ﷺ لم يدفن بعد، وكيف لم يستدل
[ ١ / ٢٦١ ]
عليهم بالآيات والأحاديث التي تروونها وتستدلون انتم بها فلو لم يكن إلا هذا لكفى في الدلالة على بطلان ما يدعونه هؤلاء، وما يدعيه العباسية والبكرية.
فإن قيل: فالنبي ﷺ قد قال: «الأئمة من قريش» في الجماعات الكثيرة وقد ذهب هذا على الانصار، فما تنكرون ان يكون قد نص على علي والعباس وأبي بكر وذهب عنهم؟
قلنا: لا ندعي ان رسول الله ﷺ قال: «الأئمة من قريش» في الجماعات الكثيرة، ولا قام فيهم خطيبا كما تقولون في دعواكم لعلي، ولا اخذه على الناس، ولا هو ايضا من فرض الكافة، وانما هو من فرض الفقهاء والخاصة، فيعقده اربعة نفر أو خمسة لواحد، وهو يجري مجرى قوله ﵇:
«لا وصية لوارث» «١»، و«أهل ملتين لا يتوارثون» «٢»، و«الخراج بالضمان» «٣»، وليس كذلك ما يدّعونه من انه نص على رجل بعينه وفرض طاعته على جميع أمته وجعله الحجة عليهم بعده، فأوجب على الرجال والنساء والأحرار والعبيد والمقيمين والمسافرين طاعته، وأعلمهم هذا الغرض وأداه اليهم بحسب وجوبه وشمول عمومه، فجرى في الغرض مجرى قوله:
«انا رسول الله اليكم وحجة الله عليكم»، فهذا لا يذهب على النفر اليسير ممن هو دون الانصار في الرتبه والاختصاص برسول الله ﷺ، وهو يقول:
«الانصار كرشي وعيبتي» «٤»، يريد بذلك انهم موضع سرّي وخاصتي،
_________________
(١) حديث لا وصية لوارث في الجامع الصغير، في الدارقطني عن جابر ٢: ٥٠٢
(٢) ورد معنى هذا الحديث بلفظ آخر في الجامع الصغير ٢: ٥٠٥، مسند ابن حنبل والبخاري ومسلم وابي يعلى عن اسامة.
(٣) الحديث في شرح الجامع الصغير ١: ٥٢٥، عن مسند ابن حنبل، والبخاري ومسلم والترمزي وابن ماجه عن عائشة،
(٤) انظر الحديث في مناقب الانصار من صحيح مسلم وغيره
[ ١ / ٢٦٢ ]
فأين/ فرض هذا من قوله: «الأئمة من قريش» «١»، ومع كون هذا من فرض الخاصة، فعند الحاجة ذكر وقبله الأنصار كلهم وعملوا به، فلو كان دعواكم انتم ايضا كذلك لكان قيل وعمل به مثل هذا.
وباب آخر [رفض علي ما عرض عليه من المبايعة بالامارة بعد وفاة الرسول]
من هذا ان العباس وبني هاشم بلغهم قول الانصار وما عزموا عليه، فما أنكروا قولهم ان رسول الله ﷺ قبض ولم يستخلف، وان الإمامة تجب بالاختيار، بل مدحهم العباس وأثنى عليهم وأقبل على عليّ وقال له: قد كنت قلت لك ورسول الله ﷺ حيّ عليل انطلق بنا اليه نسأله فيمن يكون هذا الامر فان كان فينا لم تنازع فلم تفعل، والآن فامدد يدك أبايعك فيقال: هذا عم رسول الله بايع ابن عم رسول الله فلا يختلف عليك اثنان.
فتأمل رحمك الله هذا البيان وهذا الإفصاح من الجميع، ان رسول الله ﷺ ما نص ولا استخلف، فكيف لم يقل علي لعمه: كيف نقول إنك لو بايعتني ما اختلف عليّ اثنان ورسول الله قد عقد لي وجعلني الحجة وقد خالفوني.
وانما كان قوله ﵁ للعباس لما قال له أمدد يدك: هذا امر المسلمين، وما كنت لأفتات عليهم بأمر، فإن ارادوني فقد عرفوا مكاني.
_________________
(١) انظر الجامع الصغير شرح المناوي ١: ٤٢٧، وفي الحاكم والسنن الكبرى عن علي. قال الحاكم: صحيح، ونعقب بأنه منكر.
[ ١ / ٢٦٣ ]
فقيل له: أقبل فانهم لا يخالفونك ولا يكرهونك، وقال له ابو سفيان:
اقبل يا ابا الحسن ما يقول ابو الفضل وانا أبايعك، فقال له العباس: اقبل فهذا شيخ بني عبد مناف يبايعك ايضا، فقال ابو سفيان عليّ بنو عبد مناف كلها، بل عليّ قريش ان تبايع ولا تخالف، فقال له العباس: افعل، فقال:
لا يا عم إلا عن ملأ من المسلمين.
فانظر كيف بين ﵁ امر الامامة للمسلمين وباختيارهم، وانه لا يبادر الى القبول لئلا يظن به الحرص على الامارة، فقال له قائل من بني هاشم: فأخبر الناس أن رسول الله ﷺ جعلها/ في بني هاشم، فقال ﵁: والله لئن كنت أول من آمن به فلا اكون اول من كذب عليه.
ومقام آخر، وهو ان العباس خرج الى ابي بكر وهو في المسجد فأخبره بما بلغه عن الانصار، وسأله ان يمضي اليهم ويبين لهم، لعلم العباس بعظم قدر ابي بكر في المهاجرين والانصار. فنهض ابو بكر وتبعه عمرو وأبو عبيدة، وصاروا الى الانصار، فأنكر عليهم ابو بكر ما عزموا عليه، فعجبوا من إنكاره وقالوا: لم تنكر ان تكون الامارة فينا، فقد مضى رسول الله ﷺ وما استخلف، وقد قال فينا كذا، ومدحنا بكذا، فقال ابو بكر:
صدقتم، وقد قال رسول الله ﷺ: ولو سلك الناس شعبا وواديا وسلكت الانصار شعبا وواديا لسلكت شعب الانصار وواديهم؛ ثم قال ابو بكر ولكن هذا الامر ينبغي ان يكون في الحيّ من المهاجرين من قريش، فلا تنفسوا عليهم الامارة: أسلمنا قبلكم، وقدمنا الله في القرآن عليكم، وما كان في قريش نفاق.
فقال الحباب بن المنذر بن الجموح: فإن ابيتم فمنا امير، ومنكم امير. ثم
[ ١ / ٢٦٤ ]
اقبل على قومه من الانصار فقال لهم: البلاد بلادكم، والبادية باديتكم، وأنتم شعب الاسلام الذي لجأ اليه، وإنما عزّ الاسلام بأسيافكم، فإن ابي هؤلاء [ان] «١» يكون منا امير ومنهم امير فأخرجوهم من بلادكم، ثم اقبل على المهاجرين وقال: إن شئتم اعدناها جذعة، انا عزيقها المرجّب وجذيلها المحكك «٢» .
فقال ابو عبيدة: الله الله معشر الانصار، إنكم اول من نصر وآزر فلا تكونوا اول من بدل وغير، وقال ابو بكر لسعد بن عبادة: قد علمت يا سعد إن رسول الله ﷺ قال «٣»: «الناس تبع لقريش، فخيار الناس تبع لخيارهم، وشرارهم تبع لشرارهم» «٤» / قال: صدقت، فقال بشير بن سعد الانصاري: والله لئن كنا اولي فضيلة في جهاد عدونا فما أردنا بذلك الارضاء ربنا والكدح لأنفسنا، وما ينبغي أن نستطيل على الناس، فالمنة لله ورسوله علينا. ورجع الانصار عما كانوا عليه، وأقبلوا على ابي بكر وقالوا: من ترضى لنا يا ابا بكر، فقال: رضيت لكم عمرو أبا عبيدة، إن رسول الله اتاه قوم فقالوا: ابعث معنا امينا حق امين فبعث معهم ابا عبيدة، وقد قال في عمر كذا وكذا، فقال عمر: اما انا فلأن اضجع فأذبح في غير
_________________
(١) زيادة على الاصل يقتضيها السياق
(٢) الجذيل: تصغير جذل، وهو عود يكون في وسط مبرك الابل تحتك به وتستريح اليه، ويضرب به المثل في الرجل يشتفي برأيه. والعذيق تصغير عذق وهو النخلة نفسها، والمرجب: الذين تبنى الى جانبه دعامة ترفده لكثرة حمله ولعزه على اهله، فصرب به المثل في الرجل الشريف الذي يعظمه أهله. انضر لمناقشة الحباب بن المنذر الطبري ٣: ٢٢٠
(٣) كتب في حاشية الصفحة: قال رسول الله (ص): الناس تبع لقريش.
(٤) في شرح الجامع الصغير للمناوي ٢: ٤٦٢. وقد ورد في مسند ابن حنبل ومسلم عن جابر. بلفظ آخر.
[ ١ / ٢٦٥ ]
مأثم احب اليّ أن اتقدم قوما فيهم ابو بكر، ولكن انت يا ابا عبيدة ان شئت بايعتك، فقال ابو عبيدة لعمر: ما سمعت منك فهة «١» في الاسلام قبلها، اتقول هذا لي وفيكم الصديق وثاني اثنين إذ هما في الغار، وخليفة رسول الله، وقد أمّنا حياة رسول الله ﷺ. فقال عمر: معشر الانصار، قد علمتم ان رسول الله ﷺ قدم ابا بكر واقامه مقامه في الصلاة بالناس، فأيكم تطيب نفسه ان يتقدم علي من قدمه رسول الله ﷺ، قالوا: معاذ الله أن نتقدم أبا بكر، فقال بشير بن سعد الانصاري ثم الخزرجي: قوموا الى خليفة رسول الله ﷺ فبايعوه، فانثالوا على ابي بكر ومدّوا يده فقبضها وقال: بايعوا عمر او ابا عبيدة، ودفعهم عن نفسه بجهده، وقبص يده فمدها عمر، فقال له ابو بكر: أنت أنت يا عمر، انت اقوى وأشد، فقال عمر: شدتي لك انت احق، انت خليفة رسول الله ﷺ، رضيك لنا؛ فما زالوا به حتى بايعوه.
فانظر الى طول هذه المراجعة بين المهاجرين والانصار وهم يطلبون ويفتشون ما يجوز في دين رسول الله/ ﷺ، ويرجعون الى أفعاله ووصاياه، ويبتغون مرضاته، هل تجد احدا منهم يذكر عن رسول الله ﷺ نصا على رجل بعينه او ما يشبه النصّ او ما تأويله النص من انه كتاب الله او من حديث عن رسول الله ﷺ، والعهد قريب وهو يوم موته، ولم يدفن بعد، وهذا موضع الحاجة الى ذكر ذلك؛ والمناظرة والمباحثة تذكّر بالأمور البعيدة وتخرج الغوامض فكيف بالأمر الواضح مع العهد القريب؟ وما أراد الانصار بالبدار الى إقامة امير يكون على الناس إلا الله، وإلا إحياء الاسلام
_________________
(١) الفهة من العي والغلط
[ ١ / ٢٦٦ ]
وقمع اعداء رسول الله ﷺ، لينضبط الأمر ولا ينشر «١»؛ فقد كان معهم وحولهم اليهود وقبائل العرب من النصارى، وقد كانوا راسلوا ملوك الروم وأطمعوهم في الاسلام، ومسيلمة مقيم على حربهم وكذا طليحة، وقد ارتد من ارتدّ، فكان الصواب في المبادرة الى إقامة امير، فلما قيل لهم: إن رسول الله ﷺ قد قال: الأئمة من قريش سمعوا وأطاعوا، وقصدوا الى افضل قريش في انفسهم فعقدوا له وقاتلوا بين يديه كما كانوا يقاتلون بين يدي رسول الله، وتفانوا في طاعته؛ ولو أرادوا الملك والدنيا لما أطاعهم المهاجرون ولا غيرهم، فإن البلاد بلادهم، والبادية باديتهم، والبأس والنجدة والكثرة لهم وفيهم، وانما المهاجرون ضيفانهم ونزال عليهم، وبهم عزّوا، وبهم صار رسول الله ﷺ في عساكر وجماعات، وبهم غزا العدو وقد كان ﷺ وهو مقيم بمكة منذ دعا الى النبوة خمسة عشر سنة يعرض نفسه في المواسم على قبائل العرب، ويتلو القرآن، ويدعو الى الله؛ فسمعته/ قبائل الأوس والخزرج، وأصغوا الى دعوته، وأجابوه الى معاداة ملوك الأمم وجبابرة الأرض في طاعته، وأن ينفقوا اموالهم، ويسفكوا دماءهم في نصرة دينه، وأن يطيعوه حيا وميتا. فلما أجابوه الى ذلك، أمر اصحابه بالهجرة اليهم، فقبلوهم وأظهروا الاسلام في المدينة وفي قبائلهم وبواديهم، فهاجروا اليهم فوفوا بجميع ذلك، وكان باطنهم في الايمان كظاهرهم، فلهذا أسماهم الله الانصار وكذا المهاجرون، ولهذا قال الله: «لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ، يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانًا، وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ» «٢» فأخبر ﷿ عن صحة نياتهم وصدق
_________________
(١) يقصد: كي لا يتفرق المسلمون
(٢) الحشر ٨
[ ١ / ٢٦٧ ]
ضمائرهم، وشهد لهم بالصدق، ثم ذكر الانصار وقال: «وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا، وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ، وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ»»
، لأن الانصار كانوا بالمدينة قبل المهاجرين، فلما جاءهم المهاجرون أحباب رسول الله ﷺ آثروهم على انفسهم بمنازلهم، وشاطروهم اموالهم بطيب من انفسهم، فشهد لهم بالفلاح، وفرض على من جاء من بعدهم مولاتهم والاستغفار لهم فقال: «والذين جاؤا من بعدهم يقولون ربّنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم»، وأمرهم بالتعوذ من بغضهم وعداوتهم، فهؤلاء الذين قاموا بدين رسول الله ﷺ بعده، وهم الذين اختاروا أبا بكر، والقرآن مملوء بمدحهم والثناء عليهم، وأنت تحفظه؛ فارجع الى ما في سورة بعد سورة من ذلك وتدبره، فذكر جميعه يطول ولا يحتمله/ هذا الموضع.
فهم لما بايعوا ابا بكر سكنت نفوسهم، وباتوا وكأن رسول الله ﷺ لم يمت ولم يفقد من بينهم، فهذا الذي قصدوا بالبدار، وهم كانوا اعلم بما يباشرونه ويقولونه، وقد علموا انهم قد وتروا الامم كلها في طاعة رسول الله ﷺ؛ فقد خلفهم ولا امير عليهم، فخافوا ان يبيتوا وقد فقدوا نبيهم وليس عليهم امير فينشر امرهم، فلشدة اهتمام هؤلاء بحراسة الاسلام بادروا الى من يعقدون له، وإنما ذكرت لك هذا لتعرف الحال فإن من لا يعلم ومن همه الطعن في الاسلام يدعي عليهم انهم إنما فعلوا ذلك حبا للدنيا ولسرورهم بموت رسول الله ﷺ، ولاغتباطهم بالراحة.
_________________
(١) الحشر ٩
[ ١ / ٢٦٨ ]
وأنت تجدهم وقد شهدت افعالهم بأنهم بعد موته اشد حبا له، وأشد بصيرة في دينه.
ثم إن ابا بكر عاد من السقيفة وقام خطيبا، وأخبر المهاجرين بما كان وقال: والله ما اردت الامارة، ولا نويتها، ولا تمنينها في يوم ولا ليلة، ولا رغبت فيها، ولقد حرصت أن اجعلها في عمر فما تركت، وإنما قبلتها خشية الفتنة، ولأنه لم يكن عليّ امير، وقد رجعت اموركم اليكم فاقيلوني وولوا من شئتم. فقال له عليّ: والله لا يقيلونك ولا يستقيلونك، رضيك رسول الله لديننا فرضيناك لدنيانا، قدّمك رسول الله فمن ذا يؤخرك، فصوّب الصحابة جميعهم قوله واستحسنوه «١» .
وانظر اعترافهم ان رسول الله ﷺ قد اعطى أبا بكر اكثر مما اعطوه، وعجب علي ﵁ من طمع الانصار في الامارة وقال: أما سمعوا قول رسول الله ﷺ: «اوصيكم بالانصار خيرا، اقبلوا من محسنهم وتجاوزوا عن مسيئهم «٢»»، فلو كانوا هم الامراء لكانت الوصية لهم لا فيهم، ولكن نتجاوز لهم كما وصّى رسول الله ﷺ، والله يرحم الانصار.
فان قال: انهم لم يعارضوا أبا بكر/ خوفا وتقية، فقد بيّنا غير مرة ان سلطان هؤلاء الخلفاء الاربعة لم يكن سلطانا يتقيه محق.
وقيل: إن ابا سفيان لقي علي بن ابي طالب بعد البيعة لأبي بكر فقال له: يا ابا الحسن، ما بال هذا الأمر في اقل حيّ من قريش، إنما هي بنو عبد مناف، إن شئت ملأتها على ابي بكر خيلا ورجلا، فقال له علي: ما
_________________
(١) كتب في الحاشية: صوابه ان مقامه بعد قتل مسيلمة
(٢) انظر الحديث في مناقب الانصار.
[ ١ / ٢٦٩ ]
اريد ذلك، إنا رأينا ابا بكر لها اهلا، واني لأعد بيعتي له من جهادي مع رسول الله ﷺ. ثم اتى ابو سفيان العباس وبني هاشم فقال: ما لنا ولأبي فضل «١»، إنما هي بنو عبد مناف، يا بني عبد مناف ذبوا عن مجدكم وانصحوا عن سؤددكم، ولا تخلعوا تاج الكرامة إذ ألبسكم الله فضلها، انها عقب نبوة، من قصر عنها اتبع، ومن ذبّ عنها اتبع؛ فقال العباس: إن الاسلام قيد الفتك وأخذ بعنان الباطل، فأمهل نراجع الفكر، فإن يكن لنا من الأمر مخرج نبسط اكفا للجد لا نقبضها او نبلغ المدى، وإن تكن الاخرى فلا لقلة في العدد ولا وهن في الأيد. فأنكر علي قول ابي سفيان، ونهى بني هاشم عن الخلاف، وقال لهم: عرجوا عن طريق المنافرة وحطوا تيجان المفاخرة. وقال لأبي سفيان: يا ابا سفيان، إن المسلمين قوم نصحة وإن تباعدت انسابهم، وان المنافقين قوم غششة وان تقاربت انسابهم، يا ابا سفيان، طالما عاديت الاسلام واهله فلم يضره ذلك شيئا، انا وجدنا ابا بكر لها اهلا، ولو لم نره اهلا لما وليناه.
وقد ذكر من هذا امير المؤمنين علي ﵁ بعد مضي عثمان في رسالته الى معاوية إذ يقول له في فصل منها: وقد كان ابوك اتاني حين وليّ ابو بكر ﵀ الناس، فقال انت احق بهذا الأمر بعد محمد ﷺ فهلم ابايعك وانا بذلك على من خالفك، فكرهنا ذلك مخافة الفرقة، / فكان ابوك اعرف بحقنا منك، فإن تعرف منه ما كان يعرف تصب رشدك، وإلا فسيغنى الله عنك.
وقد ذكر معاوية هذا المعنى لابن عباس وبني هاشم حين اخذ الأمر من الحسن، فقالوا له: اغتصبت وأخذت ما ليس لك، فقال لهم: إن كان امر الخلافة يستحق بالقرابة دون الرضا والاجماع فما منع العباس منها وهو
_________________
(١) كذا في الاصل، ولعلها بكر
[ ١ / ٢٧٠ ]
عم رسول الله ﷺ وقد ضمن له ابو سفيان بني عبد مناف؟ فكان جوابهم ان ذاك امر رضيه المهاجرون والانصار واجمع عليه المسلمون، وانت فما رضيناك.
وما كنا في صحة امامة ابي بكر، وإنما كنا في ان الصحابة في كل زمان وأوان يخوضون فيمن يصلح للامامة ولا يذكرون عهدا من رسول الله ﷺ في انسان بعينه مع حاجتهم الى ذلك، بل يجمعون على العمل بالاختيار، فعرض لنا ما كان بين بني عبد مناف، فذكرنا قول بني هاشم، وان ابا سفيان احب ان تكون الخلافة في بني هاشم لأنهم اهله وأقاربه من بني عبد مناف، ولأن السؤدد والرئاسة كانت فيهم قبل الاسلام.
ولهذا قال خالد بن سعيد بن العاص عامل رسول الله ﷺ على اليمن وقد قدم بعد وفاته وقد بايع الناس أبا بكر، فعجب من كون الخلافة في أبي بكر دون العباس او علي او عثمان فهؤلاء اعمام رسول الله ﷺ وبنو «١» اعمامه، فقال لعثمان وعلي وقد أتياه ليسلما عليه حين قدم من سفره: أرضيتم بني عبد مناف ان يلي امركم بنو تيم، فقال علي: رضينا، فقال خالد: انتم الشجر الطوال ذوات الظلال فاذا رضيتم رضيناه.
فولاية ابي بكر، وتقدمه على اهل رسول الله وأعمامه وبني اعمامه/ وهم كثرة وفي عزة ومنعة وفيهم اليسار وليس لأبي بكر شيء من ذلك من العجائب، ولهذا قال ابو قحافة وقد جال الناس جولة وهو بمكة: ما هذا؟
قالوا: مات رسول الله ﷺ، قال: فما صنع الناس بعده قالوا: اقاموا ابنك مقامه، قال: أفرضيت بنو عبد مناف؟ قالوا: نعم، قال: افرضيت
_________________
(١) في الأصل: بني
[ ١ / ٢٧١ ]
بنو المغيرة؟ فقالوا: نعم، قال: ودانت لرجل من تيم؟ قالوا: نعم، قال: فلا مانع لما أعطى الله.
فعجب ابو قحافة من تقدم ابنه والسيّادة والرئاسة انما كانت في بني عبد مناف وبني المغيرة من بني مخزوم دون بني تيم، فلما قدّم المهاجرون والأنصار ومن كان على دين رسول الله ﷺ ابنه ابا بكر، علم ان ذلك الإسلام ومن قبل الله، وان ابنه قد كان اولى بالحسد والابعاد، ولكن القوم رجعوا في توليته الى الدين والاسلام دون الأحساب والأنساب.
ولما بلغ اهل اليمن والبحرين وعمان قالوا لعمال رسول الله ﷺ: هذا الذي بايعه الناس بعد رسول الله ﷺ ابنه او اخوه؟ فقيل لهم: لا، قالوا:
فأقرب الناس منه؟ قيل: لا، قالوا: فما شأنهم؟ قيل: اختاروا أخيرهم فأمّروه عليهم، قالوا: لن يزالوا بخير ما صنعوا هذا.
فتأمل رحمك الله حال القوم لتعرف حقيقتها وتعلم انها بالضد مما قاله هؤلاء، فقد طال العهد وقل التأمل.
وباب آخر
وهو ان أبا بكر غزا اليمامة، ومسيلمة، وربيعة، وطلحة، وبني اسد، وتلك القبائل المرتدة، ومانعي الزكاة، مع إذعانهم بإقامة الصلاة، وأنكر ﵁ «١» تغير دين رسول الله ﷺ، وأنه لا يقرهم على ترك خصلة واحدة من دينه ولا تعطيل شيء منه، وقد غزاهم بالمهاجرين والانصار ونكل بهم كل التنكيل، وقتلهم ألوان القتل، وصنع بالرجال والنساء منهم
_________________
(١) في الاصل: عنهم
[ ١ / ٢٧٢ ]
من النكال ما يطول شرحه لأنهم غيروا دين رسول الله ﷺ، / وعطلوا حدوده، فما استطاعوا ان يقولوا لأمراء ابي بكر لم تنكرون علينا هذا وأنتم قد عطلتم نصوص صاحبكم، وغيرتم دينه، وبدلتم كتابه، وانصرفتم عن وصيه وعمّن استخلفه، وضربتم ابنته، وقتلتم جنينها في بطنها، وهذا موضع حاجة هؤلاء اليه، ولو كان لذلك ادنى اشارة لعوّلوا عليه واستراحوا اليه، فعلمت ان ما يدّعيه هؤلاء لا اصل له.
ولو كان بدا منهم شيء لكان العلم به اقوى مما كان بين امير المؤمنين وأهل النهر، وبينه وبين اهل الشام وغيرهم.
وباب آخر [طلب ابي بكر من المسلمين اقالته ورفضهم ذلك]
ان ابا بكر لما قتل مسليمة، وأسر طلحة، ورد اهل الردة، واستولى على جزيرة العرب الاسلام وأنفذ جيوشه الى العراق واستظهر المسلمون، قام في المسلمين خطيبا فقال: ان اموركم قد عادت اليكم وبحمد الله استظهرتم على عدوكم فأقيلوني فقد تقلدت امرا ما لي فيه راحة ولا يدان الا بمعونة الله، فقال له عليّ ﵁: ما يقيلونك ولا يستقيلونك، وما منك بدل ولا بدل عنك حول، ومشى في الناس ثلاثا يستقيل فما اقالوه.
وباب آخر [تمنى ابي بكر ان لا يكون قد ولي إمرة المسلمين]
ان ابا بكر لما مرض مرض موته قال: يا ليتني يوم ظلة بني ساعدة قد كنت وليت عمر او ابا عبيدة، فكنت أكون وزيرا خيرا من ان اكون اميرا، وليتني حين بعثت خالدا الى الشام كنت بعثت عمر الى العراق فكنت
[ ١ / ٢٧٣ ]
قد بسطت يميني وشمالي. ثم عزم على استخلاف خليفة يكون بعده، وأخذ يشاور في ذلك؛ فقال لرهط من المسلمين: إن وليت عليكم رجلا منكم أترضون؟ فقال عليّ بن ابي طالب: لا إلا ان يكون عمر، فأمسك؛ ثم خلا بعبد الرحمن بن عوف وشاوره في عمر وأخذ رأيه فيه ثم قال له: اكتم يا ابا محمد ما كان بيننا الى ان اقوله لك، ثم شاور عثمان بن عفان، ثم شاور اسيد بن حضير في رهط من الأنصار في ذلك، فقال له اسيد: / ما اعلمه إلا الخيرة بعدك لولا ما فيه من شدة فقال له ابو بكر: يا ابا يحيى اني قد رمقته، فكنت اذا شددت في الشيء اراني فيه اللين، وإذا لنت في الشيء اراني فيه الشدة، ولو قد وليكم للان واشتد.
ثم اظهر ابو بكر الامر للناس وذكر لهم رأيه في عمر، فقال طلحة وغيره: ان عمر رجل مهيب، له هيبه وليس بخليفة، فكيف اذا صار خليفة؟ فاعدل بنا عنه الى رجل هو اخفض جناحا وألين جانبا فكان جواب ابي بكر ما قد تقدم؛ فكيف يظن عاقل تدبر الامور ان هناك رجلا قد اقامه رسول الله ﷺ وفرغ لهم منه، وكلهم ومعهم ذلك الرجل الذي يدّعي هؤلاء، يطلبون رجلا يصلح في دين رسول الله وعند رسول الله للقيام بأمر امته؟ وهل هذا إلا كقائل قال في جماعة كثيرة قيام في الشمس وهم يطلبون الشمس ويسألون عن الشمس، وتأمل الحال، وكيف ينطق كل واحد بما عنده وبما يراه، غير راهب ولا خائف من الأنصار ومن المهاجرين ومن ابي سفيان ومن بني هاشم ومن خالد بن سعيد لتعلم سلطان هؤلاء الخلفاء كيف كان.
فكان المسلمون يفرغون الى ابي بكر في كل صغير وكبير، فيقول لهم:
أتظنون انكم تجدون عندي ما كنتم تجدونه عند رسول الله ﷺ، لا تجدون
[ ١ / ٢٧٤ ]
ذلك، إن رسول الله ﷺ كان يأتيه الوحي، وإنما انا مثلكم، فان احسنت فأعينوني وإن زغت فقوموني؛ ويسأل عن مسألة فيقول: اقول فيها برأي، فإن يك صوابا فمن الله، وإن يك خطأ فمني ومن الشيطان، فيستحسن المسلمون هذا منه ويحمدونه عليه، ولا يقول قائل كيف يزيغ إمام المسلمين وكيف يخطىء، وعند الإمامية ان إمام المسلمين لا يخطىء ولا يزل.
وقد قال عمر ايضا مثل قول ابي بكر مرات كثيرة، وقال عثمان مثل ذلك.
وما بلي به علي/ وما قاله في هذا الباب فأكثر مما ابتلي به أبو بكر وعمر وعثمان، فإنه ابتلي من اهل زمانه ومن اصحابه طول خلافته بالإضلال والإكفار فما احتج هو لنفسه بالنص ولا بالعصمة، ولا احتج له من في زمانه ممن كان يخاصم عنه من ولده وأهل بيته وشيعته بشيء من ذلك، وكانوا وكان هو ايضا لا يأبون ان يجوز عليه ما يجوز على اهل الشووى وعلى الخلفاء قبله.
وكان ما يتدين به من الاختيار اكثر وأشهر مما كان من الخلفاء قبله، ولهذا قالت العلماء: إن العلم بأن رسول الله ما نص على علي ولا استخلفه اقوى من العلم بأنه ما نصّ على بلال، أو عمار، وأبي ذر، او ابن مسعود، فانه ﵁ قد بقي بعد الخلفاء خليفة وإماما معه مائة الف سيف تطيعه، وقد نازعه خلق كثير في الإمامة وناظروه، وادّعوا عليه الخطأ والضلال والإكفار، فما ادّعى النص ولا العصمة ولا احتج في مشافهة ولا مراسلة ولا مكاتبة بشيء من ذلك، بل كان يحتج بأن طاعتي وجبت لأنه بايعني الذين بايعوا ابا بكر وعمر وعثمان، فوجبت طاعتي كما وجبت طاعتهم.
ومن نعمة الله على المسلمين ان بقاءه ﵁ بعد الخلفاء خليفة وإماما وسلطانا ومعه مائة الف سيف تطيعه، فما سار في تركات رسول الله ﷺ
[ ١ / ٢٧٥ ]
إلا سيرة ابي بكر وعمر وعثمان، ولا حبا السواد ومصر وفارس وأرمينية وأذربيجان وخراسان إلا ما حباه الخلفاء قبله، ولا قرأ إلا المصحف، ولا أقرأ اولاده والناس الا هذا المصحف، وملك الارض كان كله بيده إلا كرة فلسطين، وأقام التراويح بنفسه وأقامه عماله في ممالكه كلها، وكان يقيم إماما للنساء في التراويح، وأثنى على الخلفاء قبله بما يطول شرحه وقد ماتوا وبلوا، وهو يلعن معاوية ويبرأ منه وهو حي ومعه اكثر من مائة الف/ سيف، وكذا صنع بالخوارج. فهو لا يخاف الجبابرة الاحياء، وعند الإمامية انه قد خاف الموتى وهو سلطان عظيم الشأن، وقد بيّنا ان هؤلاء في حياتهم وسلطانهم ما كان يخافهم محق «١» .
فإن قيل: ومن سلم لكم انه كان يقيم التراويح، بل يقول انه قد نهاهم عنها، فقالوا: واعمراه، فلما قالوا ذلك، اقامها لهم.
قيل له: لا فرق بين من ادعى هذا، او ادعى انه قد كان نهاهم عن هذا المصحف فقالوا وا محمداه، او قال: قد كان نهاهم عن هذه الصلاة وقال لهم:
لها باطن وهي شخص، ألا تسمعونه يقول: إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، ولا ينهى إلا الشخص كما يدعيه عليه الاسماعيلية فصاحوا وا محمداه، او كمن ادعى انه كان يعيد في آخر ذي الحجة ويقول: هذا اليوم الذي نص عليّ فيه رسول الله ﷺ واستخلفني كما يفعل الامامية ذلك في زماننا ببغداد، وانه كان يقيم المناحات بالشعر على فاطمة وابنها الحسن الذي زعم الامامية ان عمر قتله، كما يفعل الامامية ذلك ببغداد والكوفة. وبأي شيء يعلم العاقل
_________________
(١) في الاصل: يخاف، ولكن السياق يقتضي ما اثبتناه
[ ١ / ٢٧٦ ]
المتأمل ان العباس وولده وبنو هاشم كانوا يقيمون التراويح الا والعلم الذي يعلم به ان عليا كان يقيمها بنفسه وعامله قرظه بن كعب «١» بالكوفة وعامله بالبصرة وبمكة والمدينة وسائر بلدان الاسلام التي في ملكه وسلطانه اقوى واقهر.
ولو ادّعى مدّع ان ابن مسعود بالكوفة وابا عبيدة ومعاذ بن جبل بالشام كانوا لا يرونها ولا يقيمونها، هل كانت الدلالة على بطلان دعواه الا ظاهرة، والدلالة على بطلان من ادّعى ذلك على امير المؤمنين اقوى واقهر. والعجب ان رؤساءهم والذين لقنوهم هذا/ المذهب قد قالوا: انه اقام التراويح.
وإذا قيل لهم: هبكم انكم ادعيتم انه كان في زمن ابي بكر وعمر وعثمان كان مغلوبا مقهورا، فما باله حين مات هؤلاء [و] «٢» صارت الخلافة اليه وصار السلطان بيده والفيء يجبى اليه فيعطيه من يرى وهو في العساكر والجيوش، لم يدّع «٣» النص وتعطيل التراويح ويظهر المصحف الذي تدعون ويسير في اموال رسول الله ﷺ ما تدعون ويظهر البراءة من ابي بكر وعمر وعثمان سيما وقد ماتوا، كما اظهرها في معاوية والخوارج وهم احياء وفي عساكر؟
قالوا: ما فعل ذلك ولا قدر عليه لأن جنده وأعوانه من المهاجرين والانصار والتابعين بعدهم كانوا اولياء ابي بكر وعمر، فلو اتهموه ببغضهم لقتلوه، فما زال مظهرا لنصرتهم وموالاتهم الى ان خرج من الدنيا.
قالوا: وكذا فعل الحسن والحسين ﵃ اجمعين.
_________________
(١) في الاصل: كعب بن قرظه، والصواب ما اثبتناه، وهو احد كبار مساعدي علي بن ابي طالب ﵁ وحضر معه صفين سنة ٣٧ هـ.
(٢) في الاصل: صارت
(٣) في الاصل: يدعي
[ ١ / ٢٧٧ ]
والآن يدعي هذا المدعي في هذا الزمان انه كان قد نهى عن التراويح، فلما صاحوا واعمراه خافهم فتقدم واقامها لهم، فما يجري كلامهم على تحصيل ولكن كما يسنح لهم.
ومما كان ينبغي ان يقدم قبل هذا، ما كان من عهد عمر حين جرحه فيروز النصرانيّ، فإنه ورد على عليّ والمهاجرين والانصار وجميع المسلمين من ذلك ما ذهلت له عقولهم أسفا عليه؛ فانه قد كان دوّخ ملوك الفرس والروم وأذلهم، وغلب على ممالكهم، وألجأهم الى الهرب، وبلغت خيوله افريقية وأوائل خراسان وأوائل الهند، فذلّ الشرك كله به، وغزا الاسلام بمكانه وسلطانه. فخاف المسلمون ان تكرّ ملوك الشرك عليهم بفقده، فاجتمعوا وانفردوا عنه/ مفكرين، وأملوا ان يبتدىء ويستخلف عليهم. فدخل عليه أهل الامصار فقالوا له: أوصنا يا امير المؤمنين، قال: أوصيكم بالقرآن فتمسكوا به، فيه هدى الله نبيّكم وهداكم من بعده، وفيه نجاتكم، قالوا:
أوصنا، قال: أوصيكم بالمهاجرين والانصار وذكر فضلهم، قالوا: أوصنا، قال: أوصيكم بالعرب فإنهم مادة الاسلام، قالوا: اوصنا، قال: اوصيكم بذمتكم فإنهم ذمة نبيكم وقوت عيالكم، قالوا: اوصنا، قال: قوموا عني وإلا قمت عنكم. فلما رآه اصحاب رسول الله ﷺ لا يذكر أحدا للخلافة دخلوا عليه، وابتدأ ابن عباس يسأله الاستخلاف؛ وافتتح الكلام، فقال:
قد توليتها حياتي واجتهدت لكم رأيي ونصحت لكم جهدي ومنعت نفسي وأهلي، وأرجو ان انجو منها كفافا لا عليّ ولا لي؛ فأثنوا، وابتدأ علي يبشره عن رسول الله ﷺ بالجنة، وقال له: وأشار الى ابن عباس يشهد على رسول الله ﷺ بمثل ما شهدت، وشيع غيرهما ذلك وسألوه الاستخلاف، فقال: ما أحب ان اتحملها حيا وميا، قالوا: بل تفعل، ولك في ذلك
[ ١ / ٢٧٨ ]
الاجر؛ انظر يا امير المؤمنين لأمة محمد ﷺ، فقال: دلوني على من أستخلف، فقال له المغيرة: انا أدلك عليه: عبد الله بن عمر، فقال له عمر: والله ما أردت بذلك الله، فقال له ابن عباس: يا امير المؤمنين، وما يمنعك من إخوانك، وأشار الى عليّ وعثمان وعبد الرحمن وتلك الجماعة، فقال عمر:
إن أستخلف فقد استخلف من هو خير مني، وإن أترك فقد ترك من هو خير مني- يعني أن رسول الله ما استخلف وأن ابا بكر استخلف- ثم قال:
هي في واحد من هؤلاء الستة الذين شهد لهم/ رسول الله بالجنة وقبض وهو عنهم راض: علي وعثمان ابنا عبد مناف، وسعد وعبد الرحمن خالا رسول الله ﷺ، والزبير حواريّ رسول الله ﷺ، وطلحة وقاية رسول الله. ثم حذر كل واحد منهم من خلق كرهه له. وقال لعلي: إن وليت هذا فاعدل ولا تحمل بني هاشم على رقاب الناس، وقال لعثمان مثل ذلك، وقال له:
لا تحمل بني ابي معيط على رقاب الناس، ثم اقبل على عمار ومقداد في ان يكونا في ثلاثين من المهاجرين، وقال لأبي طلحة الانصاري: إن الله لم يزل يعزّ هذا الاسلام بقومك فكن في خمسين منهم، فإذا متّ فليصلّ عليّ صهيب، وليصلّ بالناس الى ان يقيموا خليفة، وكونوا عليهم رقباء لئلا يستبدّ مستبد، وقال: لا يأتي اليوم الثالث إلا وقد أقمتم احدا من هؤلاء الستة خليفة، وجدّوا في امركم، وجاهدوا عدوكم.
فلما قبض أنفذوا وصيته كما رسم، فكم في هذا من شاهد على بطلان دعاوي هؤلاء القوم، وما حاجة الصحابه ان يختار لهم عمر خليفة وقد فرغ لهم من ذلك رسول الله ﷺ وهو قائم العين نصب اعينهم. وأعجب من هذا قول عمر وهم يسمعون ان رسول الله ﷺ ما استخلف، وأعجب منه ان الذي يدّعون ان رسول الله استخلفه معهم في ان رسول الله ما استخلف،
[ ١ / ٢٧٩ ]
وأن الخلافة بالاختيار لا بالنص، وأنها في واحد منهم وفيهم الهاشمي والاموي والزهري والتيمي والاسديّ، ففيمن كانت منهم كان صوابا، لا ينكر ذلك احد من المسلمين. وأعجب من هذا قوله لعلي: ان ولوك فاعدل ولا تحمل بني هاشم على رقاب الناس، فكيف لم يقل له: ما أحتاج الى توليتهم لي؛ ولأنّي رسول الله واختارني وشهد بعصمتي، / وكيف تقول هذا لي؛ وكيف تقول إن رسول الله ﷺ ما استخلف؟
وباب آخر [كيف رد المسلمون الأمر الى عبد الرحمن بن عوف]
ان عليا والجماعة ردّوا الامر الى عبد الرحمن ليختار واحدا منهم للخلافة وعليهم الرضا بحكمه، فقال لهم: تكلموا فأخبروا الناس بذلك، فتكلموا، وقام امير المؤمنين عليّ ﵁، فحمد الله وأثنى عليه وصلى على نبيه ثم قال: لو عهد الينا رسول الله ﷺ عهدا لجالدنا عليه حتى نموت، او قال لنا قولا انفدنا قوله على رغمنا، لن يسرع احد قبلي الى صلة رحم ودعوة حق، والأمر اليك يا ابن عوف وعليّ صدق اليقين وجهد النصح وأستغفر الله لي ولكم. فلم يقل «١» ﵁ إن رسول الله ﷺ ما ولّاه ولا ولّى عليه.
ثم انظر في باب آخر في امر عثمان وما لحقه في آخر امره من الإعراض والخصومة، حتى تجرأ عليه العبيد والنساء والصغير والكبير، هل قرّعه احد من خصومه وأعدائه بأنه جلس في غير مجلسه؟ وقد بالغوا في التشنيع عليه، وهو كان يسمى الخليفة المستضعف، فكيف لم يتقدم الخليفة المنصوص عليه فيأخذ الامر من هذا الذي قد قهر وحصر.
_________________
(١) في الاصل: يقول
[ ١ / ٢٨٠ ]
وأعجب من هذا، ان المصريين أتوه ﵁ بعد ان مضى عثمان فقالوا: امدد يدك نبايعك، فقال: ليس هذا اليكم، هذا للمهاجرين والانصار، من أمّره اولئك فكان اميرا. فانظر كم يقول إن هذا امر المسلمين وأنه بالاختيار. ثم ان المصريين انصرفوا عنه، فجاءه المهاجرون والانصار، فقالوا: امدد يديك نبايعك، فقال لهم: اختاروا غيري تبايعونه وأبايعه، فلأن اكون لكم وزيرا خير من ان اكون اميرا، فدفعهم عن نفسه، فعاودوه فقال لهم: إن عمر كان رجلا مباركا/ وقد جعلها شورى، قالوا: فأنت من الشورى وقد رضيناك، فقال: اختاروا غيري، فدفعهم، فعادوا فقال: قد علمتم اني اسمعكم وأطوعكم لمن وليتموه امركم، قالوا: قد رضيناك، فدفعهم ومشى الى طلحة والزبير فعرضها عليهما، وقال: من شاء منكما بايعته، فقالا: لا، الناس بك ارضى، فترددوا اليه وهو يأبى ويقول: اختاروا غيري فيقال انهم اختلفوا اليه بعد مضي عثمان ثمانية ايام، ومنهم من يقول [] «١» يوما وهو يقول: اختاروا غيري ابايعه وتبايعونه.
هذا، وقد مات ابو بكر وعمر وعثمان وما هناك سلطان ولا خليفة، فأين ما ادعيتموه؟ ثم انه لما اتوا وألحوا عليه فقال بعد الحمد والثناء والصلاة:
ايها الناس، ان احق الناس بهذا الامر اقواهم عليه واتقاهم لله، ولا يحل بعد إلا برضى المهاجرين والانصار، فاذا رضوا لم يكن الخيار، فان شغب شاغب استتيب، فان ابي قوتل حتى يفيء الى امر الله.
_________________
(١) فراغ في الاصل، والقول الصحيح ما ذكره القاضي من ان عثمان ﵁ قتل يوم ١٨ ذي الحجة سنة ٣٥ هـ. وان عليا ﵁ بويع يوم الجمعة لخمس بقين من ذي الحجة. انظر الطبرى.
[ ١ / ٢٨١ ]
فانظر الى هذا البيان والكشف، وان الامامة بالاختيار، وانها الى المهاجرين والانصار، فقالوا نبايعك على كتاب الله وسنة رسول الله، فإن لم تف فلا بيعة لك، قال: نعم.
ثم خطبهم فقال بعد الحمد والثناء والصلاة على النبي ﷺ مقدار نعم الله على الخلائق برسول الله ﷺ، ثم قال: ان الله يعلم اني كنت كارها للولاية على امة محمد ﵇ حتى اجتمع رأيكم على ذلك لأني سمعت رسول الله ﷺ يقول: ايما وال ولي الامر بعدي اقيم على حد الصراط، ونشرت الملائكة صحيفته، فان كان عادلا انجاه الله بعد له، وان كان جائرا انتفض به الصراط انتفاضة حتى تتزايل ما بين مفاصله، ثم تتحرق به الصراط فيكون اول ما يتقي به النار انفه وحر وجهه، ولكن/ لما اجتمع رأيكم لم يسعني ترككم. اقول ما سمعتم، واستغفر الله لي ولكم.
فانظر الى هذا ففيه اتم كفاية، وانظر الى بيانه ان الامام يجور ويخطىء ويزل.
وخطبته المشهورة بالعراق التي لا يستطاع دفعها:
ايها الناس، انه لما توفي رسول الله ﷺ بايعتم ابا بكر فبايعت ورضيت، ثم بايعتم عمر فبايعت ورضيت، ثم بايعتم عثمان فبايعت ورضيت، حتى إذا مضى عثمان تداككتم عليّ كتداك «١» عرف الصبع، فمددتم يدي فقبضتها وقلت: اختاروا لأنفسكم فأبيتم الا مبايعتي، حتى اذا كثر الجمع ووطىء الحسبان وشق عطافه، فأبيت الا أن تكون بيعتي ظاهرة مكشوفة على منبر رسول الله ﷺ وفي مسجده، فبايعني كلّ، لا أرى منكرا، فلما قلد تمونيها
_________________
(١) تداككتم: تهالكتم. وفي الحاشية كتب: صوابه تهالكتم.
[ ١ / ٢٨٢ ]
نكث ناكثون ممن بايعني وقسط قاسطون، فلم اجد إلا قتال من بغى ومحاكمة من اعتدى الى كتاب الله؛ وليس يجب انكار امامة من عقدت له الامامة إلا أن يجور في حكم، او يعطل حدا، او يضعف عن القيام بها؛ فو الله ما عطلت لكم حدا، ولا جرت عليكم في حكم، ولا ضعفت عن القيام بالامامة، فأوجبوا لي على انفسكم مثل ما اوجبتموه لمن تقدمني من ابي بكر وعمر وعثمان يرحمهم الله.
فانظر كيف يذكرهم ببيعة الخلفاء قبله ورضاه بهم، ويجعلهم إجماعا وحجة على الأمة، ويذكر انه صار إماما ببيعتهم له، وأنهم هم قلدوه إياها، وأنه لا يحل انكار امامة الامام الا ان يجور في حكم او يعطل حدا او يضعف عن القيام بها، وأن هذا جائز على كل امام بعد رسول الله ﷺ، وهو ﵁ اعلم بنفسه وبدينه وأفقه في دين الله، فينبغي الرجوع الى قوله لا الى قول هؤلاء/. وقد قال في خطبة له بالمدينة وهو يأمر الناس بتفقد افعاله وأحكامه: رحم الله رجلا رأى حقا فأعان عليه، ورأى جورا فردّه، وكان عونا بالحق على من خالفه.
وقد قال الحسن ابنه ﵄ لأهل الكوفة حين استنفرهم الى ابيه: يا ايها الناس، إن امير المؤمنين يقول اني خرجت مخرجي هذا ظالما او مظلوما، وإني اذكر الله رجلا رعى الله حقا إلا نفر، فان كنت مظلوما أعانني، وإن كنت ظالما اخذ مني.
ومن مقاماته بالبصرة يوم الجمل بعد انقضاء الحرب فقال: اين مثوى القوم؟ قالوا: صرعى حول الجمل، فقام خطيبا فقال بعد حمد الله والثناء:
توفي رسول ولم يعهد الينا في الامارة عهدا فنتبع اثره، ولكنا رأيناها من
[ ١ / ٢٨٣ ]
تلقاء انفسنا، فان يك صوابا فمن الله، وإن يك خطأ فمنا ومن الشيطان.
استخلف ابو بكر ويرحم الله ابا بكر فاستقام وأقام، ثم استخلف عمر ويرحم الله عمر فاستقام وأقام، ثم ضرب الدين بحرانه، يرحم الله من يشاء ويعذب من يشاء.
ثم القول الذي كان يقوله ويعيده ويبديه ويذكر ايام الإلفة والاستقامة وما حدث بعد ذلك من الخلاف في آخر ايام عثمان: سبق رسول الله ﷺ، وصلى ابو بكر، وثلّث عمر، ثم خبطتنا فتنة فما شاء الله «١» - قوله ما شاء الله على طريق الاستغاثة بالله لأن الله يشاء نصرة الحق ولا يشاء الله الباطل- أي اللهم افعل ما تشاء، قد قال الحسن البصري فيما حكاه الله عن احد الرجلين: «وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ ما شاءَ اللَّهُ» «٢» اي ما شاء الله من شكره وحمده والرجوع اليه.
ولما فرغ امير المؤمنين/ من امر البصرة وبلغه خلاف معاوية وندب الناس الى حربه، دخل عليه ابن الكوّاء وقيس بن عباد اليشكريّ وهناك اصحابه فقالا له: أخبرنا عن مسيرك هذا الذي سرت، تضرب الناس بعضهم ببعض ليتبين الناس أمورهم فتستولي بها عليهم، أمن رأي رأيته حين تفرقت الأمة واختلفت الدعوة أنك احق الناس بهذا الامر، فإن كان رأيا رأيته أجبناك في رأيك، وإن كان عهدا عهده اليك رسول الله ﷺ فأنت الموثوق به والمصدق المأمون على رسول الله فيما حدثت عنه.
_________________
(١) في الحاشية: قوله ما شاء الله على طريق الاستغاثة
(٢) الكهف ٣٩
[ ١ / ٢٨٤ ]
قالوا: فتشهّد امير المؤمنين وحمد الله وقال: لأنا والله اول من صدقه فلا اكون اول من كذب عليه، اما ان يكون عندي عهد من رسول الله ﷺ فلا والله، ولو كان عهد من رسول الله ما تركت أخا تيم ابن مرة «١» ولا ابن الخطاب على منبره ولو لم آحذ الا بيدي هذه، ولكن نبيكم نبي الرحمة لم يقتل قتلا ولم يمت فجأة، مرض ليالي وأياما، يأتيه بلال يؤذن بالصلاة فيقول له: ائت ابا بكر- وهو يرى مكاني- فلما قبض الله نبيه ﵇ نظرنا في امرنا، فإن الصلاة أعظم الاسلام وقوام الدين فرضينا لدنيانا من رضي رسول الله ﷺ لديننا، فولينا ابا بكر امورنا، فأقام بين أظهرنا:
الكلمة جامعة والامر واحد، لا يختلف علينه منا اثنان، ولا يشهد أحد منا الى صاحبه بالشرك ولا يقطع منه البراءة، فكنت والله آخذ اذا اعطاني، وأغزو اذا أغزاني، واضرب بيدي هذه الحدود بين يديه.
فلما قبض ابو بكر ظن ان عمر اقوانا عليها وأحمل لها منا فولاها عمر، فأقام عمر بين اظهرنا: الكلمة جامعة والامر واحد، لا/ يختلف عليه منا اثنان ولا يشهد احد منا على صاحبه بالشرك، فكنت والله آخذ اذا اعطاني وأغزو اذا أغزاني، واضرب هذه الحدود بين يديه.
فلما حضرت عمر الوفاة ظن انه إن يستخلف خليفة فيعمل ذلك الخليفة بخطئه إلا لحقت عمر في قبره، فأخرج منها ولده واهل بيته وجعلها في ستة رهط من قريش، وكان فينا عبد الرحمن بن عوف فقال: هل لكم الى ان ادع لكم نصيبي منها على ان اختار لله ولرسوله والمسلمين، فقلنا: نعم، فأخذنا ميثاقه على ذلك، واخذ ميثاقنا على ان نسمع ونطيع لمن ولاه امرنا،
_________________
(١) يقصد أبا بكر الصديق ﵁
[ ١ / ٢٨٥ ]
فضرب بيده على يد عثمان، فنظرت في امري فإذا طاعتي قد سبقت بيعتي، واذا ميثاقي لغيري في عنقي، فأديت الى عثمان حقه، وكنت اضرب بين يديه الحدود.
فلما قتل عثمان ﵀، نظرت فاذا الخليفتان «١» اللذان اخذاها من رسول الله ﷺ بالعهد في الصلاة قد هلكا ولا عهد لهما واذا الخليفة الذي اخذها بمشورة المسلمين قد قتل وخرجت ربقته من عنقي وقتل ولا عهد له.
فلما قتل، بايعني اهل هذين الحرمين: مكة والمدينة، واهل هذين المصرين البصرة والكوفة؛ فجاء معاوية يقاتلني مع اهل الشام وكنت احق بالامر منه:
كنت مهاجرا وكان اعرابيا، وكنت سابقا وكان طليقا، وكان لي الصحبة؛ قالوا: صدقت، انت احق من معاوية.
فتأمل هذا الشرح والكشف وحصّل ما فيه، فلو لم يكن معك غيره لكان فيه اتم كفاية؛ وإنما سألوه هل معه في ذلك عهد من رسول الله ﷺ ألقاه اليه وحده كما سأل عمران/ بن حصين وأبو الأسود الدؤلي عائشة وطلحة والزبير كل واحد منهم على انفراده، هل معه العهد من رسول الله في مسيره فكلهم قال: لا.
فإن قيل: قد علمنا انه كان يأخذ اذا اعطوه، ويقيم الحدود بين ايديهم، ويعينهم، فمن اين لنا انهم غزوه؟ قلنا: لو لم يكن معنا خبر بأنهم قد غزوه إلا هذا لكفى وأغنى.
وكان ﵁ قد انكر من معاوية تبسطه في زمن عثمان فتنكر له، وأشار عليه بعض اصحابه فقال: انت بقية الناس ولك حق الطاعة،
_________________
(١) في الاصل: الخليفة
[ ١ / ٢٨٦ ]
فأقر ابن عامر «١» ومعاوية وغيرهما فانهم يبايعون لك الناس، ويهدئون البلاد ويسكنونهم. فقال له: والله لو كان ساعة من نهار لاجتهدت فيها رأيي ولا وليت هؤلاء ولا مثلهم يولى، والله لا اداهن في ديني ولا اعطي الدني في امري.
وكان المغيرة هو الذي اشار عليه بهذا، فلما قدم ابن عباس من مكة استشاره امير المؤمنين فقال: ما ترى فقد اشار المغيرة بإقرار معاوية، فقال:
قد نصح لك يا امير المؤمنين فافعل واقبل، فقال: والله ما اشك ان ذلك خير في عاجل الدنيا لأصحابها، وما الذي يلزمني من الحق والمعرفة ألا اولي منهم احدا، فإن قبلوا ذلك فخير لهم، وإن ادبروا بذلت لهم السيف، وما علي إلا الاجتهاد. فقال له ابن عباس: خلنى اولّه ثم انزعه من غير نقصان ولا إثم، فقال: لا افعل، ما كنت متخذ المضلين عضدا، اخاف ان يظلم مسلما او معاهدا فأجده في صحيفتي، لا اوليه ساعة واحدة.
فراجعه ابن عباس فقال: لا يظلم، فقال: لا أشرك في امانتي الا من ارضاه.
فانظر الى هذه المكاشفة بالحق في جميع اموره لتعلم فرية من نسبه الى الخوف من المخلوقين وقولهم انه كان يقي نفسه بدينه. وكان ﵁ اذا سئل المداراة وخوّف من/ الخلاف يقول: ابا الموت تخوفونني، فو الله ما أبالي سقطت على الموت ام سقط الموت عليّ، وكان يقول: عليّ آنس بالموت من الطفل بثدي امه، ومذ امره الله ونهاه ما رأى منكرا قط ولا
_________________
(١) يقصد عبد الله بن عامر بن كريز، عامل عثمان على البصرة
[ ١ / ٢٨٧ ]
سمعه إلا ردّه وأنكره، ولا رأى معروفا إلا شيده وقوّاه ونصره. وكان ظاهره كباطنه، وسره كعلانيته. وكان لا يخاف الجبابرة الطغاة الذين يخافهم البشر فكيف [يخاف] «١» ابا بكر وعمر وعثمان، ولا يخاف سلطانهم محق ولو انه عبد او امرأة او ذمي كما تقدم شرح ذلك؟ لتعلم ان معونته لهم ونصرته لسلطانهم وطاعته لهم في حياتهم وتنفيذه وصاياهم بعد موتهم لأنهم أئمة هدى.
وقد كتب ﵁ الى معاوية «٢»: بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله علي امير المؤمنين الى معاوية بن ابي سفيان. اما بعد، فان بيعتي بالمدينة لزمتك وأنت بالشام لأنه بايعني القوم الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان ﵃ على ما بويعوا عليه، فلم يكن للشاهد ان يختار ولا للغائب ان يرد، وإنما الشورى للمهاجرين والانصار، فاذا اجتمعوا على رجل فسموه إماما كان ذلك رضى لله، فان خرج من امرهم ردوه الى ما خرج منه، فان ابى قاتلوه على ابتغائه غير سبيل المؤمنين وولاه الله ما تولى وأصلاه جهنم وساءت مصيرا.
فما دخل معاوية فيما دخل فيه المسلمون، فان احب الامر اليّ فيك العافية الا ان تتعرض للبلاء، فان تعرضت قاتلتك واستعنت بالله عليك، فقد اكثرت في قتلة عثمان يرحمه الله. فادخل فيما دخل فيه الناس، ثم حاكم القوم الي احملك وإياهم على الحق وعلى كتاب الله، فأما تلك التي تريدها فهي خدعة الصبي عن اللبن، ولعمري لئن نظرت بعقلك دون هواك لتجدني أبرأ قريش من دم عثمان ﵁. واعلم يا معاوية انك من الطلقاء
_________________
(١) اضافة على الاصل يقتضيها السياق
(٢) كتب في الحاشية: كتاب علي ﵁ الى معاوية
[ ١ / ٢٨٨ ]
الذين لا يحل لهم الخلافة ولا يعرض فيهم الشورى، وقد/ اتاك ومن قبلك جرير بن عبد الله «١»، وهو من اهل الايمان والهجرة فبايع، ولا قوة إلا بالله.
فانظر هل يحتج الا بالاختيار وبالشورى وبالاجماع وبسنة الخلفاء قبله، فهم عنده حجة وقدوة، وكم يقول ويبين ان الامامة الى المهاجرين والانصار فمن بايعون وعقدوا له كان اماما؛ فهو يحتج بأن طاعته طاعة الخلفاء قبله، وعند الامامية ان التدين بالاختيار وبالشورى والاقتداء بأبي بكر وعثمان شرك وكفر، وهم مع هذا يدّعون انهم شيعة لأمير المؤمنين، فهل سمعت بأعجب من هذا.
وانظر مكاشفته بالحق لمعاوية، وقوله في كل انسان ما فيه، وقوله له انك اظهرت الطلب بدم عثمان وما ذاك قصدك ونيتك، وانما نيتك وقصدك وضميرك الملك والدنيا، ولم يكن لك سابقة في الدين تحل لك بها الخلافة، فما تأخذه ﵁ لومة لائم ولا يتقي احدا من المخلوقين. وكان يقول:
ايها الناس، انما اهلك من كان قبلكم خبث اعمالهم حين لم ينههم الربانيون والأحبار فيأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر، فان ذلك لن يقدم من أجل ولن يؤخر رزقا. وكان يقول: لا خير في قوم لا يرون الامر بالمعروف والنهي عن المنكر فرضا، ولا خير في قوم يأمن بينهم اهل المعاصي ويعملون بينهم بالكبائر. وكان يقول: قال لي رسول الله ﷺ: «اقرب الشهداء مني وأفضلهم عندي بعد حمزة وجعفر من قام الى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله» «٢» .
_________________
(١) هو جرير بن عبد الله البجلي المتوفي سنة ٥١ هـ.
(٢) انظر شرح الجامع الصغير ١: ٦٤. وقد اورده الحاكم عن جابر بلفظ آخر.
[ ١ / ٢٨٩ ]
وكم له ﵁ مثل هذا الكتاب الى معاوية، يمدح فيه الخلفاء قبله، ويذم معاوية، وكم له من الرسل اليه في هذا المعنى، وما رضى من إنكار المنكر حتى سافر الى اهله بعد المكاتبة فشافههم به. فسار الى معاوية ونزل بصفين، وأقام نحو الشهرين لا يحارب/ ولا يقاتل، ويقيم الحجة على معاوية، ويبين براءته من دم عثمان ومن خذلانه، وانه قد بذل لعثمان النصرة فأباها عثمان وكره القتال، وأراد ان ينصرف القوم عنه راضين بغير قتال، وانه ما ظن ولا ظن عثمان انه يقتل، وان القوم اغتالوه وتسلقوا عليه وقتلوه ليلا. ويستشهد على ذلك المهاجرين والانصار، ثم يحلف بعد هذا ويقول: والله ما قتلت عثمان ولا مالأت على قتله ولا رضيت ولا هويت، ويلعن قتلة عثمان ويقول: اللهم العن قتلة عثمان في الليل والنهار والبر والبحر، ويرفع يديه بذلك حتى يبين ما تحت منكبيه.
وقد فعل مثل ذلك بالبصرة، فقال معاوية نحن نصدقه، ولكن في عسكره شناة عثمان وغزاته يسلمهم الينا. الى ان قال اهل الشام تخلّي معاوية على الولاية وهو يسمع لك ويطيع، فقال: لا افعل، وسألوه في ذلك فما أجاب. فأتاه وفد اهل الشام وفيهم رجل يقال له حوشب ذو ظليم له قدر ونباهة، فقام فقال: ألا ترى يا علي ان الله قد قسم لك قسما حسنا فخذه بشكر، إن لك قدما في الاسلام وسابقة وقرابة من رسول الله ﷺ، وصهرا وتجربة وسنا، فإن تتلف بيننا غدا فإنه لبوار العرب وضيعة الحرمات، ولكن انصرف راشدا وخلّ بيننا وبين شامنا واحقن دماءنا ودماء اصحابك.
فقال له ﵁: إنك لم تأل عن النصيحة بجهدك، ولو علمت ان
[ ١ / ٢٩٠ ]
ذلك يسعني في ديني أجبتك ولكان اهون عليّ من المؤونة، ولكن الله لم يرض لأهل القرآن ان يعمل بمعاصي الله في اكناف الارض وهم سكوت لا يأمرون بمعروف ولا ينهون عن منكر، واعلم يا حوشب اني قد ضربت الامر ظهره وبطنه وأنفه وعينه، حتى لقد منعني من نوم/ الليل، فما وجدته يسعني إلا قتالهم او الكفر بما جاء به محمد ﷺ، فكان معالجة القتال اهون من معالجة الاغلال، وكانت مؤونات الدنيا اهون علي من النار.
فتأمل ما في هذا القول من الانوار والحجج الشاهدة ببطلان دعاوي هؤلاء القوم، فانهم زعموا انه مكث خمسا وعشرين سنة مع ابي بكر وعمر وعثمان وقد كفروا وارتدوا لا ينكر عليهم بل كان اكبر اعوانهم، وهو يقول هذا القول. وكان اصحابه يقولون لأهل الشام- مثل عمار بن ياسر، وقيس ابن سعد، وشريح بن هانىء، وعديّ بن حاتم، وصعصعة بن صوحان، والأشتر-: ان عليا اذا ظهر سار فيكم سيرة ابي بكر وعمر، وان معاوية لا يفعل ذلك، انما يريد العاجلة ويطلب الدنيا، وان صاحبنا كان يتقدم عند ابي بكر وعمر ويرجعان الى رأيه، وقولهم «١» ان صاحبنا من البدريين والمهاجرين وليس صاحبكم كذلك. فانظر بأي شيء يمدحونه وبأي شيء يحتجون له لتعرف بطلان دعاوي هؤلاء القوم، فانهم يقولون: الحجة في إمامته نصّ النبي عليه، وظهور المعجزات عليه بعد النبي ﷺ، وهو ﵁ لا يذكرها هو ولا يحتج بها ولا يعرفها، ولا احد من ولده وأهل بيته وشيعته في زمانه.
_________________
(١) في الاصل: وقوله، ولعل الصواب ما اثبتناه
[ ١ / ٢٩١ ]
ولما رفع اهل الشام المصاحف وقالوا: بيننا وبينكم ما جاء به رسول الله ﷺ، ردونا اليه فقد رضينا به، وهذا كتاب الله؛ فما قال لهم هو ولا اصحابه: فرسول الله قد نصّ عليّ وقال من كنت مولاه فعلي مولاه، وهذا نصّ او تأويله النص او معناه النصّ، او آية كذا او حديث كذا، فما احتج عليهم لا هو ولا شيعته الذين قتلوا بين يديه بشيء مما يذكره هؤلاء.
ولما قال له اصحابه: ضعفت وسكنت في نفسك حتى حكمت الرجال/ في امرك، وأي حاجة كانت بك الى هذا وقد بايعك المهاجرون والانصار، وما احوجنا واياك الى امام مثل عمر يسوسنا ويسوسك، وقد كفرت بما صنعت. فما احتجّ عليهم لا هو ولا من كان يحتج عنه مثل ابن عباس وصعصعة بأني معصوم ولا اخطىء ولا اعصي، وان النبي ﷺ قد نص عليّ وقد رأيتم المعجزات او قد بلغتكم، وما احتج عليهم الا بما قد تقدم لك في كل وقت وكل حال.
وكان يقول والله لتخضبن هذه من هذه ويشير الى لحيته وهامته، فيقول له اصحابه: لو علمنا من ذلك لأبدنا وأبّرنا «١»، فيقول: كيف تقتلونه ولم يقتلني، فيقولون: يا امير المؤمنين اوص واستخلف، فيقول: ما اوصى رسول الله فأوصى ولا استخلف رسول الله ﷺ فاستخلف، فيراجعونه فيرجع عليهم بمثل ذلك ثم يقول: ان ادع فقد ترك من هو خير مني، وان أستخلف فقد استخلف من هو خير مني. ولما ضربه ابن ملجم الملعون دخلوا عليه، فقالوا: استخلف، فقال: لا، انا دخلنا على رسول الله ﷺ فقلنا يا رسول الله: استخلف فقال: لا، اخاف ان تفرقوا عنه كما تفرقت بنو
_________________
(١) في القاموس: أبر القوم: اهلكهم
[ ١ / ٢٩٢ ]
اسرائيل عن هرون، ولكن ان يعلم الله في قلوبكم خيرا يخر لكم. قال امير المؤمنين فعلم [الله والله] «١» في قلوبنا خيرا فاختار لنا ابا بكر، ثم اقبل على صعصعة بن صوحان وكان في القوم فقال: ولكن يا صعصعة، إن يعلم الله في قلوبكم خيرا يخر لكم. فتركوه ثم عاودوه فما فعل، وسألوه أن يشير عليهم بأحد فما فعل، فقالوا له: ان فقدناك يا امير المؤمنين فلا نفقدك ان نبايع الحسن، فقال لا آمركم ولا انهاكم. فعادوا القول فقال كذلك انتم ابصر، وكان آخر عهدهم به، وقبض صلوات الله عليه، فلم يقل «٢» غير هذا.
فإن قالوا: فانا/ لا نقبل هذه الاخبار، قلنا: لو قلتم انه ما جرى بينه وبين العباس ما قلنا، ولا كان من الانصار في السقيفه ما ذكرنا، ولا كان من ابي بكر والصحابة في استخلاف عمر ما قلنا، ولا دخل عليّ في الشورى، ولا صلّى خلف صهيب، ولا رجع الى عبد الرحمن، ولا سأل القوم عمر أن يستخلف عليهم ولا قال ان استخلف فقد استخلف من هو خير مني وان اترك فقد ترك من هو خير مني، بل ما وضع عمر شورى اصلا، وهذا كله كذب، ما كان عندنا في ذلك الا ما عندنا في انكاركم ما كان من امير المؤمنين. وكذا لو قلتم ما كاتب معاوية، ولا رفع معاوية المصاحف، ولا كان من امير المؤمنين وبين اصحابه الذين صاروا خوارج ما ذكرنا، ولكنكم لو سلمتم هذا لبطل مذهبكم، ولو انصفتم لتركتموه وصرتم الى مذاهب امير المؤمنين وهي هذه التي قد ذكرناها، وما شأنكم إلا انكار «٣» ما قد كان وادعاء ما لم يكن، وما لو كان له اصل لكان العلم به قد قهر.
_________________
(١) كذا في الاصل، ولعلها: الله ان
(٢) في الاصل: يقول
(٣) في الاصل: الانكار
[ ١ / ٢٩٣ ]
وفي اقل قليل مما كتبت دليل على بطلان دعاويهم، وانما ذكرنا لك هذا في هذا الموضع لأنك طلبته وذكرت حاجتك اليه.
وكثيرا تسأل الامامية عما كان من عثمان في تولية اقاربه وغير ذلك، وفي سير طلحة والزبير وعائشة الى البصرة، وما ذاك الا لضعفهم وانقطاعهم لأن عثمان لو لم يول اقاربه ولم يصنع ما صنع لكان كافرا مشركا عندهم بادعائه الامامة لنفسه ولأبي بكر وعمر، ولو كان طلحة والزبير وعائشة في عسكر امير المؤمنين وفي المحاربين معه ما كانوا إلا مشركين باعتقادهم امامة ابي بكر وعمر وعثمان، فكلام الامامية/ في هذا الكلام مسلم لو كلم اليهود في وجوب النية في الطهارة، او كلم النصارى في استحلالهم الخمر، وانما يكلم في هذا من قال: لا ذنب لعثمان إلا ما اتاه من الحمى وتولية الاقارب ولولا ذلك لكان مثل عمر، ومن قال: لا ذنب لطلحة والزبير وعائشة إلا مسيرهم الى البصرة ولولا ذلك لكانوا مثل ابي عبيدة وعبد الرحمن وابن مسعود.
فاعرف هذا ولا تكلمهم فيه البتة، وكلمهم فيما يدعونه من النص فهو الاصل. واما طلحة والزبير وعائشة فانهم انما سلموا علينا لأنهم سلموا على امير المؤمنين، وتوليناهم وزكيناهم لأنه زكاهم وتولاهم ومدحهم وترحم عليهم بعد كان منهم بالبصرة وبعد موتهم، فلو عاديناهم لكنا قد خالفناه وسرنا بغير سيرته وسلكنا غير سبيله، ونحن لا نرى خلافه، بل هو إمامنا وسيدنا والقدوة عندنا، وهو الذي ظاهره كباطنه وسريرته كعلانيته.
وهذا كلام مع الخوارج فيقال لهم: علي بن ابي طالب إمام هدي، وانما برئتم منه وادعيتم انه كفر بالتحكم وقبل ذلك كان مرضيا، وقد زكى هؤلاء قبل التحكيم، وقد وجب عليكم الاقتداء به. فإن قالوا: ومتى كان
[ ١ / ٢٩٤ ]
هذا منه؟ قلنا: قد كان يتصفح القتلى بعد انقضاء الحرب، فمر بطلحة وهو صريع فنزل اليه واخذ رأسه في حجره ومسح التراب عنه وقال: يرحمك الله يا ابا محمد، يعزّ عليّ ان اراك قتيلا تحت نجوم السماء وفي اودية الارض، ثم انشد:
فتى كان يدنيه الغنى من صديقه اذا ما هو استغنى ويبعده الفقر
وامر بجمع القتلى وصلى عليهم وامر بدفنهم، ودخل عليه ولد طلحة فأدناه وقربه/ وقال له: يا ابن اخي، خذ كتابي الى قرظة بن كعب الانصاري ليرد عليكم اموالكم وما اخذ منها، فما امرته بإدخال يده فيها، انما اردت قبضها لئلا تمتد اليها ايدي السفهاء وليحفظها عليكم، اتبسط يا ابن اخي في الحاجة تكون لكم فاني ارجو ان اكون انا وطلحة والزبير من الذين قال الله: «وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوانًا عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ» «١» .
ولما قيل له ﵁: قاتل الزبير بالباب يستأذن، انزعج هو وأولاده حزنا عليه وإنكارا لقتله، وصار عندهم مأتم ومصيبة عظيمة، وقال: كيف قتله وليس من اقرانه؟ قالوا اعتاله ومعه سيفه، فقال:
خذوا السيف منه وبشروه بالنار، فأخذ السيف منه؛ فما زال امير المؤمنين يقلب السيف ويقول كم كربة كشفها صاحب هذا السيف عن وجه رسول الله ﷺ، ولم يأذن له في الدخول عليه. ثم دخل عليه بعد ذلك مع الناس فقال: نحن اهل البلاء فلم نجفا؟ قال: من تكون؟ قال: قاتل الزبير،
_________________
(١) سورة الحجر ٤٦
[ ١ / ٢٩٥ ]
قال امير المؤمنين: بفيك الحجر، بفيك الحجر، ليلج قاتل الزبير النار، سمعت رسول الله ﷺ يقول: لكل نبي حواريّ، وحواري الزبير. وسمعته يقول: الزبير في الجنة وطلحة في الجنة، فقال ابن جرموز: انما قتلته أبتغي بقتله عند عليّ الزلفة فبشرني بالنار، وندم على قتله، وصار ينكر ان يكون قتله.
وجهز عائشة بكل ما تحتاج اليه، وشيعها هو وأولاده وقال لأخيها ومن خرج معها: بلغوها، ووصّى باكرامها، وكان يقول لها: يا أمّه، وأمّ المؤمنين سائرة، فمن اراد المسير معها ممن قدم بقدومها فليسر، وقال:
ايها الناس، انها امكم وزوجة نبيكم في الدنيا وزوجته في الجنة، وردها الى سدانة قبر رسول الله والى بيتها، وأعطاها ما كان يعطيها من قبله من الخلفاء.
ولا يحل لامرأة/ زعم هؤلاء انها كافرة، يردها امير المؤمنين الى قبر رسول الله ﷺ [وتعطى] «١» ما يعطى امهات المؤمنين، سيما والمدينة في ملكه وسلطانه، وفيها عماله، وليس به في امرها حاجة الى المداراة والمداهنة بعد مقاتلتها كما كان بزعمهم يفعل مع من تقدم من الخلفاء.
وكم كان يركب اليهاهو واولاده وابن عباس وعبد الله بن جعفر، ويجلسون اليها ويعظمونها، وقد استغفرت واستغفر لها امير المؤمنين، وقد سمع عمار ابن ياسر رجلا ينال منها والحرب قائمة فقال له: اسكت مقبوحا منبوحا، والله إنا لنقاتلها وإنا لنعلم انها زوجة نبيكم ومعه في الجنة، ولكن الله ابتلانا بها ليعلم إياه نطيع أم إياها؛ وشرح إكرامه لها واكرام اولاده وهم بالبصرة يطول.
_________________
(١) في الاصل ولا تعطى، ولعل الصواب ما اثبتناه
[ ١ / ٢٩٦ ]
وكانت هي تلعن اصحابه الذين ارتدوا عنه ولعنوه وصاروا خوارج وتبرأ منهم، وتروي عن رسول الله ﷺ تصويبه وتضليلهم، وتقول: أمروا بالاستغفار لأصحاب محمد فسبّوهم، وتسميهم كلاب النار، ولما بلغها موته استرجعت وقالت: ذهب والله من لم يسفهه الملك ولا أطغته الدنيا، لتصنع العرب ما شاءت فما بقي بعد ابن ابي طالب من يكفّها ولا يردعها، ثم انشدت:
فألقت عصاها واستقر «١» بها النوى كما قر عينا بالإياب المسافر
وكم قد طعنت على معاوية وواجهته بالتخطئة لما ورد المدينة ودخل عليها، حتى اخجلته وهو جبار قد غلب، وكم فعل ذلك به اخوها عبد الرحمن بما يطول شرحه. ولا يرد هذه الأخبار إلا معاند أو من قال انه كان يلعنها كما يلعن معاوية ولم يردّها الى المدينة، ومن قال هذا فقد أتى في البهت على ما لا فيه حيلة.
والإمامية تقول: قد فعل هذا ولكن «٢» / على طريق حسن العشرة وعلى سبيل التكرم والتفضل، قيل لهم: هو ﷺ أجل قدرا وأشد ورعا من ان يرد امرأة كافرة او فاسقة الى قبر رسول الله ﷺ ويمكنها منه، ويعطيها ما يعطي امهات المؤمنين ويسميها ام المؤمنين، ويشهد لها بما قلنا، ويترحم على كافرين، ويرد الاموال ويشهد لهما بالجنة، هذا لا يحل في دين الله ولا يفعله مثله ﷺ بوجه من الوجوه، وإنما قوله بشّر قاتل ابن صفية بالنار، وقوله: ليلج قاتل الزبير النار على طريق التزكية له كقول
_________________
(١) في الاصل: استقرت
(٢) مكررة في الاصل لانها اول الصفحة وآخرها
[ ١ / ٢٩٧ ]
رسول الله ﷺ: «تقتل عمار الفئة الباغية» «١» على طريق التزكية لعمار.
فإن قالوا: لم لم يقتل قاتل الزبير؟ قلنا: لم يكن ذلك له وانما هو لولد الزبير، فان شاؤوا قتلوا وإن شاؤوا عفوا.
ومن عجيب الامور ان عبد الله بن الزبير قام بعد معاوية ودعا الى نفسه لإمرة المؤمنين، وغلب على الارض بسبع سنين إلا كورة فلسطين، وانبثّ عماله في الامصار، وعمرو»
بن جرموز حيّ بالبصرة فما تعرضوا له، ولقد قرئت جريدة اهل البصرة على مصعب بن الزبير بالبصرة، فقرأ الكاتب عمرو بن جرموز، فقال قائل لمصعب أصلح الله الامير وعمرو «٣» بن جرموز وقد ساح في الارض وسار في البلاد فقال مصعب: او ظن ابن جرموز اني أقيده بأبي عبد الله، ليظهر ابن جرموز آمنا وليأخذ عطاءنا مسلما فظهر وأخذ وأمن وترفع «٤» ولد الزبير عن قتله وقد كان لهم ذلك، وهو اليهم، فكيف يتعجب عاقل من عفو امير المؤمنين عنه وليس القود له.
وكان عمرو بن جرموز بعد الذي سمعه من أمير المؤمنين شديد الندم على قتله، كثير الاستغفار، شديد/ الاشفاق، وقد بقي بعد زوال آخر آل الزبير ومصير الملك الى عبد الملك، فكان الحجاج يقول له: انت قتلت الزبير؟ - لشدة عداوة الحجاج وبني امية لآل الزبير- فيقول ابن جرموز: ما قتلت احدا، فيقول له الحجاج: وما عليك في قتله،
_________________
(١) انظر شرح الجامع الصغير ٢: ١٤٧. وقد اورده ابو نعيم في الحلية عن ابي قتادة
(٢) في الاصل عمير، الا انه ورد في معظم الكتب التاريخية باسم عمرو
(٣) في الاصل ابن عمير وابن زائدة
(٤) مطموسة في الاصل، والقراءة اجتهادية
[ ١ / ٢٩٨ ]
وقتله خير لك من جزاء وتدبير حسنات؛ يشجعه الحجاج لينصرف عن الغم والندم بما قاله أمير المؤمنين له في دخول النار بقتل الزبير، لتعلم رحمك الله شهرة انكار امير المؤمنين على من اعترف بقتل الزبير.
ولكن طال الأمر وقل الطالب المتأمل.
فإن قيل: فكيف سبيل تلك الدماء التي كانت بينهم يوم الجمل؟ قيل له: ان امير المؤمنين ﵁ اعلم بذلك وافقه في الدين وأشد في الورع، ولم يكن ليقول في هؤلاء وفي غيرهم ما لا يحل ولا يجوز في الدين، فقد كفانا حكمه عن البحث والطلب، وان كان العلماء قد ذكروا اتفاق رأي امير المؤمنين وطلحة والزبير وعائشة على الصلح ووضع الحرب واستقبال النظر في الأمر، وان من كان في العسكر من اعداء عثمان كرهوا ذلك وخافوا ان تتفرغ الجماعة لهم، وقالوا: لنشغلهم عنا بنفوسهم، فدبروا في القاء الحرب بينهم ما هو مذكور فتم لهم ذلك، وما بك حاجة هاهنا الى ذكره، وأفعال امير المؤمنين تغنيك، فإن اردته وجدته في كتب العلماء «١» .
_________________
(١) بياض في الاصل حتى نهاية الورقة ١٤٠ ثم الورقة ١٤١ فراغ ايضا. ويبدأ بعد ذلك قسم جديد يبتدىء ب بسم الله الرحمن الرحيم، بداية الجزء الثاني من الكتاب.
[ ١ / ٢٩٩ ]
فهرس الموضوعات «١»
الصفحة الموضوع المقدمة ٥ البدء بما في القرآن من إكفار الرسول للامم والبراءة منهم وهو وحيد ضعيف
٧ سلامته ﷺ مع حرصهم على إيذائه
٨ وعده وهو في وحدته اته سيكون في جماعات كثيرة
٣٨ استرواح المشركين لأدنى غم يصيب الرسول
٤٠ عرض المشركين على الرسول ان يعبد آلهتهم ويعبدوا إلهه
٤٤ وعد الرسول اصحابه في حال ضعفهم ان الله سيضرهم
٤٦ اسراء الرسول من المسجد الحرام الى المسجد الأقصى
٥٢ ما نزل بمكة في رجال بأعيانهم انهم يصرون على شركهم الى ان يموتوا
٥٥ ما كان بمكة من انشقاق القمر
٥٩ ما كان بمكة من غلبة الفرس على ارض الجزيرة ادنى ارض الروم
٦٤ من اعلامه ﷺ انقضاض الكواكب بمكة
٨٠ دعوة رسول الله على مضر وإمساك القطر عنهم
٨٣ ما كان بمكة حين بكى الرسول عليهم قوله تعالى: اقتربت الساعة
٨٤ ما نزل بمكة من قوله تعالى «فاستمسك الذي اوحى اليك »
٨٥ من اعلامه قوله ﷿ «قل لئن اجتمعت الانس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن»
_________________
(١) اكتفينا هنا بفهرس الموضوعات، وأجلنا باقي الفهارس الى نهاية الجزء الثاني.
[ ١ / ٣٠١ ]
الصفحة الموضوع ٩١ من اعلامه اخباره عن النصرانية ومذاهبها
١٠٨ ما اشار إليه من اختلاف النصارى حول المسيح ﵇
١٢١ ما جاء به الرسول حول الزعم بصلب المسيح، واختلاف النصارى حول الاناجيل، وتأثر المجتمعات النصرانية بعقائد الروم واخلاقهم
٢٣٥ اكفار الرسول ﷺ للعرب وسائر الامم الاخرى واسخاطها وكيف عصمه الله من اذاهم
٢٤٥ الاخوة والمودة التي كانت قائمة بين الصحابة
٢٥٢ افعال رسول الله وأقواله تشهد بأنه ما عهد لرجل بعينه
٢٥٥ كيف خاض الصحابة في امر الامارة ولم يذكروا انه نص على أحد بعينه
٢٦١ كيف فكر الانصار بالامارة ثم عدلوا عن ذلك بعد تبين الحق
٢٦٣ رفض علي ما عرض عليه من المبايعة بالامارة بعد وفاة الرسول
٢٧٣ طلب ابي بكر من المسلمين اقالته ورفضهم ذلك
٢٧٣ تمنى ابي بكر ان لا يكون قد ولي إمرة المسلمين
٢٨٠ كيف رد المسلمون الأمر الى عبد الرحمن بن عوف
[ ١ / ٣٠٢ ]
خطأ وصواب
الصفحة السطر خطأ صواب ١٧/ ١٨/ مارد/ مادة
٣٠/ ١٠/ القعقاع/ القينقاع
٣٥/ ١٩/ كونين/ كونان
٣٨/ ٧/ فسينفضون/ فسينغضون
٥١/ ٢١/ الدافع/ الدامغ
٧٢/ ٢٠/ للعرب على العجم/ للعجم على العرب
١٠٣/ ١٣/ الات/ الآب
١٣٧/ ١٢/ المسح/ المسيح
١٤٥/ ١٢/ وإذ أمرك/ و«إذ آمرك»
١٥٧/ ١٩/ الشاؤول/ لشاؤول
١٥٨/ ٢٢/ الملوك/ الملك
١٧٧/ ٤/ والبعير/ والبصير
١٨٨/ ١/ وقألوا/ وقالوا
٢٢٩/ ٢/ فعلنا/ نعلنا
٢٣٤/ ١٥/ وردت/ ورد
٢٤١/ ٣ و٢١/ القرآن/ القران
٢٥٤/ ١٨/ بالبحر/ بالبحرين
[ ١ / ٣٠٣ ]
الجزء الثّاني
[ ٢ / ٣١١ ]