مراعاة أحوال الخبر واستحضار لوازمه وما يحتف به من قرائن وملابسات
٤- النقد الداخلي للأخبار.
إن قواعد البحث والنقد التي سبق بيانها تتعلق كلها ببحث وتحليل العناصر الخارجية للخبر. فاستقصاء الطرق والأسانيد يحصل بها جمع أجزاء الخبر وضم بعضها إلى بعض. وتحكيم قواعد الرجال يتم به معرفة مراتب رواة الخبر من حيث العدالة والضبط مما يمكن من سبر روايتهم. وترتيب المصادر يمكن من الرجوع إلى المصادر الصحيحة المعتمدة. لكن هذه العناصر كلها إنما هي من متعلقات الخبر ولوازمه، وليس من مضمونه ومعناه. وهي جزء مهم من النقد، لكن النقاد ينظرون بعد ذلك إلى متن الخبر ومضمونه، فيحللون أجزاءه ومضامينه. فقد يكون المصدر المرجوع إليه مصدرا معتمدا في السيرة النبوية، مثل السنن الأربعة أو المسانيد أو غيرها من أمهات السنة النبوية، ورواته ممن تقبل روايتهم. لكن مع هذا كله يزيد النقاد في التثبت، فيتوقفون: لعل أحد هؤلاء الرواة قد حصل له وهم أو غلط، لأنه لا أحد يسلم من الغلط، لأن الثقة والأمانة لا تمنع من الوهم والخطأ. فالحكم بالثقة على الرجل
[ ٢٣ ]
ليس قطعا بعدم احتمال صدور الخطأ منه، وإنما حكم بالظن الراجح. قال ابن الصلاح:" ومتى قالوا: "هذا حديث صحيح" فمعناه أنه اتصل سنده، مع سائر الأوصاف المذكورة. وليس من شرطه أن يكون مقطوعا به في حقيقة الأمر؛ إذ منه ما ينفرد بروايته عدل واحد، وليس من الأخبار التي أجمعت الأمة على تلقيها بالقبول". (١) . وبسبب هذا الاحتمال يعمد النقاد إلى النظر في متن الخبر فيحصرون عناصره المختلفة مثل ما ورد فيه من أعلام وأماكن ووقائع وغيرها، ثم يعرضونها على ما ثبت عندهم من الأخبار، وما تقرر من قواعد الشريعة وأصولها وقواعدها العامة، وما عرف من أصول العادة في أحوال البشر، وبناء على ذلك يكون الحكم على الخبر.
ويمكن تفصيل ذلك من خلال القواعد الآتية:
أ- مراعاة أحوال الخبر واستحضار لوازمه وما يحتفُّ به من قرائن وملابسات
إن الأخبار والحوادث حلقات متصلة بعضها ببعض، فكل حدث له صلة بما بعده وما قبله، وكل واقعة لا تكون مستقلة بذاتها شاذة عن غيرها من الحوادث. ولهذا فإن التحقيق في الحدث التاريخي يوجب النظر فيه موصولا بغيره من الحوادث السابقة واللاحقة، مضموما إلى ما سواه من الأخبار والحوادث المتصلة بالزمان الذي يتعلق به، والمكان الذي يجري فيه.
ولهذا فإن الناقد من علماء الإسلام لا ينظر في الخبر معزولًا عن غيره، وإنما
_________________
(١) مقدمة ابن الصلاح في علوم الحديث ص ٨٣.
[ ٢٤ ]
ينظر فيه آخذًا في الاعتبار كل ما يتصل به من الأخبار والحوادث، أي أنه يستحضر الإطار العام كله، فينظر في الخبر في انسجام مع الحوادث المتعلقة به سابقا ولاحقًا، وآخذًا بعين الاعتبار كل ما له صلة بالخبر المنظور فيه، وكل ما يتعلق بمضمونه وعناصره المتنوعة وكل ما يدخل في الظروف العامة للخبر. وإن هذه القاعدة – قاعدة استحضار ظروف الخبر ولوازمه- قاعدة عظيمة تدل على دقة مسلك النقد التاريخي عند علماء الإسلام، وتكشف تهافت ما تردد على بعض الألسنة من غفلة علماء الإسلام عن النقد الداخلي وفحص المتون، والاكتفاء بالنقد الخارجي المعتمد على أوصاف الرواة دون أحوال المتون.
وإن الظروف العامة للخبر متنوعة ومختلفة، ولا يمكن حصرها أو عدها، لأنها تختلف باختلاف الأخبار. فهي كل ما له تعلق بالخبر المنظور فيه من جهة موضوعه ومضمونه، ومن جهة الأطراف والعناصر المذكورة في الخبر، من أعلام وأشخاص ومواضع جغرافية، ومعالم حضارية وقيم فكرية ومعنوية.
والخطوة الأولى لعملية استحضار الظروف العامة للخبر هي حصر العناصر التي يتكون منها الخبر، فيتم تقسيمه إلى وحدات بحسب عناصره المتنوعة، فقد تكون عناصر جغرافية إذا ذكر في الخبر بلد أو موقع، وقد تكون عناصر فكرية وثقافية إذا كان الخبر يتعلق بقضية فكرية وعلمية، وقد تكون أعلامًا إذا ورد فيه أسماء أشخاص، وغيرها من العناصر المتنوعة التي يمكن أن يتضمنها الخبر. وهذه العناصر قد تكون منها عناصر أساسية هي صلب الخبر. وقد تكون ثانوية لأنها إنما تذكر فيه عرضا. وبعد حصر العناصر الواردة في الخبر، يعمد الناقد إلى كل عنصر فيبحث عنه مفصلا في مصادره ومظانه.
[ ٢٥ ]
وكلما توسع الناظر في جمع ما يتعلق بالعناصر الواردة في الخبر، كان أكثر فائدة وأعظم لمعرفة حال الخبر المنظور فيه. مثال ذلك نقد العلماء لحديث صحيح من جهة رواته وإسناده وهو قول ابن عباس: "كان المسلمون لا ينظرون إلى أبي سفيان ولا يقاعدونه فقال للنبي ﷺ: ثلاث أعطنيهن، قال: نعم، قال: عندي أحسن العرب وأجمله أم حبيبة بنت أبي سفيان أزوجكها، قال: نعم، قال: ومعاوية تجعله كاتبًا بين يديك، قال: نعم، قال: وتؤمرني حتى أقاتل الكفار كما كنت أقاتل المسلمين، قال: نعم" (١) . ولفحص هذا الخبر عمد النقاد إلى البحث خارج الخبر عما عرف واشتهر عن عناصره التي وردت فيه وهي: أبو سفيان بن حرب، وبخاصة زمن إسلامه، وأم حبيبة بنت أبي سفيان، وزواج رسول الله ﷺ منها، ومعاوية بن أبي سفيان. ولما استحضر الأئمة ما عرف من أحوال هذه العناصر ظهر أن هذا الخبر لا ينسجم معها، لأن المعروف في أخبار السيرة أن أبا سفيان إنما أسلم عام الفتح، وأن زواج النبي ﷺ من أم حبيبة كان قبل ذلك بسنين. وفي ذلك يقول النووي: "إن هذا الحديث من الأحاديث المشهورة بالإشكال، وهذا مشهور لا خلاف فيه، وكان النبي ﷺ قد تزوج أم حبيبة قبل ذلك بزمن طويل" (٢) . ولهذا حكم ابن حزم لهذا الحديث بالوضع (٣) .
ومثاله أيضًا نقد الحافظ ابن حجر لخبر أورده الواقدي وهو أن قدوم
_________________
(١) صحيح مسلم، كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل أبي سفيان.
(٢) "شرح النووي على صحيح مسلم" ١٦/٦٣.
(٣) انظر "المنهج الإسلامي في الجرح والتعديل" ص: ٣٨٣.
[ ٢٦ ]
ضمام بن ثعلبة على النبي ﷺ كان سنة خمس. ولفحص هذا الخبر استحضر الحافظ ابن حجر ﵀ الظروف العامة المتعلقة بالخبر فرجع إلى ما ثبت من أخبار عن قوم ضمام بن ثعلبة، وأخبار الوفود وغيرها. وهذا ما بينه بقوله عن هذا الخبر: "لكنه غلط من أوجه:
أحدها: أن في رواية مسلم أن قدومه كان بعد نزول النهي عن سؤال الرسول ﷺ، وآية النهي في المائدة ونزولها متأخر جدا.
ثانيها: أن إرسال الرسل إلى الدعاء إلى الإسلام إنما كان ابتداؤه بعد الحديبية، ومعظمه بعد فتح مكة.
ثالثها: أن في القصة أن قومه أوفدوه، وإنما كان معظم الوفود بعد فتح مكة.
رابعها: في حديث ابن عباس أن قومه أطاعوه ودخلوا في الإسلام بعد رجوعه إليهم، ولم يدخل بنو سعد وهو ابن بكر بن هوزان في الإسلام إلا بعد وقعة حنين وكانت في شوال سنة ثمان فالصواب أن قدوم ضمام كان سنة تسع" (١) .
ومن أمثلة ذلك أيضا نقد الخطيب البغدادي لخبر فيه أن النبي ﷺ وضع الجزية عن يهود خيبر، وكتب لهم عهدا بذلك، وأمر الإمام عليا بالكتابة، وأشهد سعد بن معاذ ومعاوية بن أبي سفيان. فهذه وثيقة تاريخية يراد فحصها ونقدها. فلما نظر الخطيب البغدادي في الوثيقة قال: هذا مزور، قيل له وكيف عرفت ذلك؟ قال: لأن فيه شهادة سعد بن معاذ، وقد مات قبل فتح خيبر، وفيه شهادة معاوية بن أبي سفيان، وإنما أسلم عام الفتح بعد فتح خيبر (٢) . وإنما عرف الخطيب البغدادي زور هذه الوثيقة وعدم صحتها لما اعتبر بما يتصل بالعناصر الواردة في مضمونها، وبالظروف العامة التي ترجع إليها. فقد
_________________
(١) "فتح الباري" ١/١٥٢.
(٢) انظر " الوافي بالوفيات" ١/٤٤-٤٥، " الإعلان بالتوبيخ لمن ذم أهل التاريخ" ص: ٢٦.
[ ٢٧ ]
استحضر ما يتصل بالوثيقة من أخبار السيرة النبوية، مثل فتح خيبر، وعلاقة النبي ﷺ باليهود، وأخبار الصحابة خاصة تواريخ وفياتهم وزمن إسلامهم وحضورهم الغزوات والمشاهد مع النبي ﷺ، واستحضر أيضا أحكام الجزية في الإسلام فظهر له أن الوثيقة مجافية لجميع ذلك، فهي شاذة عن التوجه العام للمجتمع الإسلامي في عهد النبوة. وزاد ابن قيم الجوزية في العناصر المعتدّ بها، في قوله:" إن الجزية لم تكن نزلت حينئذ ولا يعرفها الصحابة ولا العرب، وإنما نزلت بعد عام تبوك إن فيه " وضع عنهم الكلف والسخر" ولم يكن في زمانه كلف ولا سخر ولا مكوس إن أهل خيبر لم يتقدم لهم من الإحسان ما يوجب وضع الجزية عنهم، فإنهم حاربوا الله ورسوله وقاتلوا أصحابه، وسَلُّوا السيوف في وجوههم، وَسَمُّوا النبي ﷺ، وآووا أعداءه إن النبي ﷺ لم يسقطها عن الأبعدين مع عدم معاداتهم له كأهل اليمن ليس في الصحابة رجل واحد قال: لا تجب الجزية على الخيبرية" (١) . فانظر: كيف يتحرك نظره ﵀ خارج الوثيقة، وكيف ينتقل بين الأخبار المختلفة والحوادث المتنوعة، فينظر في الوثيقة مع اتساع نظره لينتشر خارجها ويستوعب كل ما يتصل بها، ويحتف بها من أخبار السيرة وأحكام الإسلام وشرائعه المتصلة بمضمون الوثيقة، وهي أحكام الجزية وعلاقة المسلمين بأهل الكتاب عامة واليهود خاصة. ومن أمثلة ذلك أيضًا: ما فعله الإمامان أبو الفتح بن سيد الناس وشمس الدين الذهبي في فحص خبر بحيرى الراهب وهو عن أَبِي مُوسَى الأشعري. قَالَ: خَرَجَ أَبُو طَالِبٍ إِلَى الشَّامِ وَخَرَجَ مَعَهُ النَّبِيُّ ﷺ فِي أَشْيَاخٍ مِنْ قُرَيْشٍ فَلَمَّا أَشْرَفُوا
_________________
(١) "المنار المنيف في الصحيح والضعيف" ص: ٩٤-٩٧.
[ ٢٨ ]
عَلَى الرَّاهِبِ هَبَطُوا فَحَلُّوا رِحَالَهُمْ فَخَرَجَ إِلَيْهِمُ الرَّاهِبُ وَكَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ يَمُرُّونَ بِهِ فَلا يَخْرُجُ إِلَيْهِمْ وَلا يَلْتَفِتُ قَالَ: فَهُمْ يَحُلُّونَ رِحَالَهُمْ فَجَعَلَ يَتَخَلَّلُهُمُ الرَّاهِبُ حَتَّى جَاءَ فَأَخَذَ بِيَدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. قَالَ: هَذَا سَيِّدُ الْعَالَمِينَ هَذَا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ يَبْعَثُهُ اللَّهُ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ. فَقَالَ لَهُ أَشْيَاخٌ مِنْ قُرَيْشٍ: مَا عِلْمُكَ فَقَالَ إِنَّكُمْ حِينَ أَشْرَفْتُمْ مِنَ الْعَقَبَةِ لَمْ يَبْقَ شَجَرٌ وَلا حَجَرٌ إَِلا خَرَّ سَاجِدًا وَلا يَسْجُدَانِ إِلا لِنَبِيٍّ وَإِنِّي أَعْرِفُهُ بِخَاتَمِ النُّبُوَّةِ أَسْفَلَ مِنْ غُضْرُوفِ كَتِفِهِ مِثْلَ التُّفَّاحَةِ ثُمَّ رَجَعَ فَصَنَعَ لَهُمْ طَعَامًا فَلَمَّا أَتَاهُمْ بِهِ وَكَانَ هُوَ فِي رِعْيَةِ الإِبِلِ قَالَ أَرْسِلُوا إِلَيْهِ فَأَقْبَلَ وَعَلَيْهِ غَمَامَةٌ تُظِلُّهُ فَلَمَّا دَنَا مِنَ الْقَوْمِ وَجَدَهُمْ قَدْ سَبَقُوهُ إِلَى فَيْءِ الشَّجَرَةِ فَلَمَّا جَلَسَ مَالَ فَيْءُ الشَّجَرَةِ عَلَيْهِ. فَقَالَ: انْظُرُوا إِلَى فَيْءِ الشَّجَرَةِ مَالَ عَلَيْهِ. قَالَ: فَبَيْنَمَا هُوَ قَائِمٌ عَلَيْهِمْ وَهُوَ يُنَاشِدُهُمْ أَنْ لا يَذْهَبُوا بِهِ إِلَى الرُّومِ فَإِنَّ الرُّومَ إِذَا رَأَوْهُ عَرَفُوهُ بِالصِّفَةِ فَيَقْتُلُونَهُ. فَالْتَفَتَ فَإِذَا بِسَبْعَةٍ قَدْ أَقْبَلُوا مِنَ الرُّومِ فَاسْتَقْبَلَهُمْ فَقَالَ: مَا جَاءَ بِكُمْ؟ قَالُوا: جِئْنَا؛ إِنَّ هَذَا النَّبِيَّ خَارِجٌ فِي هَذَا الشَّهْرِ فَلَمْ يَبْقَ طَرِيقٌ إِلا بُعِثَ إِلَيْهِ بِأُنَاسٍ وَإِنَّا قَدْ أُخْبِرْنَا خَبَرَهُ بُعِثْنَا إِلَى طَرِيقِكَ هَذَا فَقَالَ: هَلْ خَلْفَكُمْ أَحَدٌ هُوَ خَيْرٌ مِنْكُمْ قَالُوا إِنَّمَا أُخْبِرْنَا خَبَرَهُ بِطَرِيقِكَ هَذَا قَالَ: أَفَرَأَيْتُمْ أَمْرًا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَقْضِيَهُ هَلْ يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ رَدَّهُ؟ قَالُوا: لا، قَالَ: فَبَايَعُوهُ وَأَقَامُوا مَعَهُ قَالَ: أَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ أَيُّكُمْ وَلِيُّهُ؟ قَالُوا: أَبُو طَالِبٍ. فَلَمْ يَزَلْ يُنَاشِدُهُ حَتَّى رَدَّهُ أَبُو طَالِبٍ وَبَعَثَ مَعَهُ أَبُو بَكْرٍ بِلالًا وَزَوَّدَهُ الرَّاهِبُ مِنَ الْكَعْكِ وَالزَّيْتِ* (١) . قال ابن سيد الناس: "في متنه نكارة وهي إرسال أبي بكر مع النبي ﷺ بلالًا، وكيف
_________________
(١) الخبر عند الترمذي في جامعه، كتاب المناقب، باب ما جاء في نبوة النبي ﷺ، والحاكم في المستدرك ٢/٦١٥ والطبري في تاريخه ٢/٢٧٧-٢٧٨.
[ ٢٩ ]
وأبو بكر حينئذ لم يبلغ العشر سنين، فإن النبي ﷺ أسنُّ من أبي بكر بأزيد من عامين، وكانت للنبي ﷺ تسعة أعوام على ما قاله أبو جعفر محمد بن جرير الطبري وغيره، واثنا عشر على ما قاله آخرون، وأيضا فإن بلالًا لم ينتقل لأبي بكر إلا بعد ذلك بأكثر من ثلاثين عامًا، فإنه كان لبني خلف الجمحيين، وعندما عذب في الله على الإسلام اشتراه أبو بكر ﵁ رحمة له واستنقاذًا له من أيديهم، وخبره بذلك مشهور" (١) .
فقد نظر ابن سيد الناس في الخبر مع استحضار الأخبار المتصلة به والظروف العامة المحيطة به، وهي أخبار أبي بكر وتاريخه، وبلال بن رباح وعلاقته بأبي بكر وتاريخ عتقه، فتبين له أن الخبر لا يستقيم، ولو حصر نظره في الخبر منفردًا معزولًا عن غيره ما اجتمعت له هذه الفوائد.
وتبع أبا الفتح بن سيد الناس في ذلك الإمام شمس الدين الذهبي وزاد عليه في تفصيل نقد الخبر من داخله فقال:" وأيضا فإذا كان عليه غمامة تظله كيف يتصور أن يميل فيء الشجرة، لأن ظل الغمامة يعدم في الشجرة التي نزل تحتها، ولم نر النبي ﷺ ذكر أبا طالب قط بقول الراهب، ولا تذاكرته قريش ولا حكته الأشياخ مع توافر هممهم ودواعيهم على حكاية مثل ذلك، فلو وقع لاشتهر بينهم أيما اشتهار، ولبقي عنده ﷺ حس من النبوة، ولما أنكر مجيء الوحي إليه أولا بغار حراء وأتى خديجة خائفا على عقله، ولما ذهب إلى شواهق الجبال ليرمي نفسه. وأيضا فلو أثر
_________________
(١) "عيون الأثر" ١/٥٥.
[ ٣٠ ]
هذا الخوف في أبي طالب ورده كيف كانت تطيب نفسه أن يمكنه من السفر إلى الشام تاجرا لخديجة؟ " (١) ولهذا حكم الذهبي على الخبر بقوله: "أظنه موضوعا وبعضه باطل" (٢) فانظر سعة نظر الذهبي ﵀، وانتشار فكره خارج الخبر المنظور فيه ليستحضر وقائع بعيدة في الظاهر عن خبر بحيرى، لكن بالتدبر يظهر فائدتها في فحص الخبر. فبادئ النظر لا يجد وجها للصلة بين خبر بحيرى وبين دخول النبي ﷺ على خديجة بعد أن جاءه الوحي بحراء. وأيضا ما وجه الصلة بين خبر بحيرى وذهاب النبي إلى الجبال ليرمي نفسه؟ فهذه الوقائع تبدو بعيدة عن هذا الخبر، ولهذا فهي مظنة الغفلة عنها، ولن يستحضرها إلا من فطن لفائدتها وصلتها بالخبر المنظور فيه. ففي هذه الأمثلة يظهر كيف كان علماء الإسلام ينقدون متون الأخبار اعتمادا على الظروف العامة واللوازم والملابسات.
ومن فوائد استحضار الظروف العامة معرفة كون الخبر منسجما مع غيره من الأخبار والوقائع المعروفة المقررة، أو معارضته لذلك، فإن وجد ما يعارضه من الوقائع والأخبار الثابتة فإنه يكون موضعا للتوقف في صحته، أو يرد بالمرة، ولهذا يحرص النقاد – وهم ينظرون في متن الخبر- على استحضار ما قد يكون معارضا للخبر محل البحث والنظر، وهو ما يمكن تسميته باستحضار معارض الخبر.
_________________
(١) "السير" للذهبي ١ / ٤٩، وانظر " السيرة النبوية الصحيحة" ١/١٠٧-١٠٨.
(٢) "تلخيص المستدرك" بهامش المستدرك ٢/٦١٥-٦١٦.
[ ٣١ ]
ب- استحضار معارض الخبر:
لقد نص المحدثون من علماء الإسلام على أن النظر في الخبر الواحد لتحقيقه وفحصه، تستصحب معه الأخبار التي تعارضه حقيقة أو ظاهرا، لأنه قد يكون في الوقائع المقررة ما قد يعارضه، أو يرد في أخبار أخرى ما قد يشوش عليه. ولهذا فقد أفرد المصنفون في مصطلح الحديث نوعين لمعارض الحديث وهما معرفة الناسخ والمنسوخ من الحديث، ومعرفة مختلف الحديث.
وقد طبق النقاد هذا المنهج فكانوا ينظرون: لعل للخبر ما يناقضه. وإن هذا المنهج مقرر في مناهج النقد التاريخي عامة، وليس فقط في مجال الحديث والسيرة النبوية. فالواجب على المؤرخ الناقد - وهو ينظر في الخبر- أن يستحضر احتمال وجود خبر يعارضه، ينفي ما يثبته، أو يثبت ما ينفيه. ولهذا فالواجب عليه أن ينتشر بحثه ويتسع نظره خارج الخبر، فإن وجد له معارضا وجب ضمه إليه. "فقد تتعدد الروايات التاريخية في أمر واحد، فتتوافق أو تتناقض، وحيث تتناقض يحسن بالمؤرخ أن يؤكد بادئ ذي بدء وقوع التعارض". (١) ثم عليه في هذه الحال الترجيح بين الخبرين. فلا يجوز بحال للمؤرخ أن يقتصر على خبر واحد له ما يعارضه. ولهذا نجد ابن جرير الطبري – وهو من أشهر من ألف في التاريخ - قد يورد في تاريخه الروايات المتناقضة في الحدث الواحد، في موضع واحد من كتابه (٢)، وقصده من ذلك التيسير على المؤرخ الناقد ليعتبر هذه الروايات بعضها ببعض فيجتهد في الترجيح. ثم إن المؤرخ لا ينزل الخبر الذي له معارض منزلة الخبر الذي لم يجد له معارضًا.
_________________
(١) "مصطلح التاريخ" ص: ٨٦.
(٢) "انظر " مصادر السيرة النبوية وتقويمها" للدكتور فاروق حمادة، ص: ١١١.
[ ٣٢ ]
وهذا الأصل - كما تقدم - راسخ عند علماء الحديث حتى عَدُّوه نوعًا من مصطلح الحديث سموه "مختلف الحديث".
ومن أمثلة استحضار معارض الخبر في نقد أخبار السيرة النبوية أن البخاري أخرج في صحيحه (١) حديث ابن عباس: "تزوج النبي ﷺ ميمونة وهو محرم". والحديث من جهة إسناده صحيح ثابت عن ابن عباس، ومع ذلك فإن الحافظ ابن حجر لم يقتصر عليه، وإنما بحث له عن معارض فوجد أحاديث تعارضه، ونقل عن العلماء أقوالًا في بيان وقوع التعارض وفي الترجيح. مما ذكر من ذلك قول ابن عبد البر:"اختلفت الآثار في هذا الحكم، لكن الرواية أنه تزوجها وهو حلال، جاءت من طرق شتى، وحديث ابن عباس صحيح الإسناد، لكن الوهم من الواحد أقرب من الوهم من الجماعة، فأقل أحوال الخبرين أن يتعارضا فتطلب الحجة من غيرهما، وحديث عثمان صحيح في منع نكاح المحرم فهو المعتمد". (٢)
ومما حصل فيه التعارض أيضًا في سيرة الخلفاء الراشدين المهديين بيعة عليٍّ أبا بكر ﵄، ففيه روايات أنه من أول من بايع كما بايع غيره من الصحابة في السقيفة، وفيه أنه بايع مرتين، وفيه أنه لم يبايع إلا متأخرًا. فلا يجوز للمؤرخ أن يقف على رواية دون أخرى، وإنما الواجب ضم الروايات بعضها إلى بعض والترجيح بينها. من هنا يظهر لنا القصور الكبير الذي وقع لكثير من المصنفين في السيرة النبوية وتاريخ الإسلام في العصر
_________________
(١) كتاب النكاح، باب نكاح المحرم. (فتح الباري ٩/١٦٥)
(٢) "فتح الباري" ٩/١٦٥-١٦٦.
[ ٣٣ ]
الحديث، عندما يظفرون برواية فيوردونها مقتصرين عليها، والحال أن ما يعارضها أكثر عددًا وأقوى درجة. من ذلك مثلا أن هناك رواية نقلها غير واحد من المؤرخين، واعتمدها كثير من الباحثين المعاصرين دون شك أو تردد، وهي أن عثمان بن عفان في خلافته نفى أبا ذر إلى الربذة لمعارضته توسع الصحابة، وبخاصة الولاة، في الأموال واقتناء متاع الدنيا. وقد بنى غير واحد من الباحثين المحدَثين من المستشرقين وغيرهم على هذه الرواية أحكامًا خطيرة منها أن عثمان قد اشتط في السلطة وقرب عشيرته وأجزل لهم العطاء، وغض الطرف عن ظلمهم واغتنائهم بسبب الولاية والسلطة، وأنه لحماية هذا الوضع كان لا يتردد في إنزال العقاب بمن يخالفه، فكان يضرب خيار الصحابة وينفيهم. انظر من ذلك قول أحدهم وهو يتحدث عن مالية الدولة في عهد عثمان: "فقد رأى فيها عثمان ﵁ والولاة من أقاربه وفي مقدمتهم معاوية ﵁ أن المال مال الله الموكول إليهم للتصرف فيه، كيفما شاؤوا، بينما رآه آخرون، وعلى رأسهم الصحابي الجليل أبو ذر الغفاري ﵁ مال المسلمين، وللمسلمين الحق في مراجعة الخليفة بشأنه ومحاسبته عليه".
ويقول أيضًا: "هذا الفهم العثماني لطبيعة السلطة هو الذي دفع عثمان ﵁ إلى التخشن في معاملة كثيرين من خيار الصحابة مثل عبد الله ابن مسعود وعمار بن ياسر وأبي ذر ﵃، فضرب بعضهم ونف
_________________
(١) ى بعضهم الآخر." (١) وإن المنهج التاريخي في التعامل مع الروايات
(٢) انظر " نحو رؤية جديدة للتاريخ الإسلامي" لعبد العظيم الديب، ص: ١٧٤، ١٧٩.
[ ٣٤ ]
لايجيز تفسير الرواية وقبولها وبناء الأحكام عليها، إلا بعد إثبات سلامتها من المعارضة، أو بيان أن الروايات المعارضة مرجوحة لا تقوم أمامها، وفي هذه الحالة يجب الإشارة إلى الروايات المرجوحة. ولا تجد أثرا لذلك عند هؤلاء الباحثين، وإنما يذكرون هذه الرواية الوحيدة، ويوردونها وكأنها من البدهيات المسلمة التي لا معارض لها بوجه من الوجوه، ولو معارضة ضعيفة. وهذه – كما لا يخفى، ومن دون أدنى شك - مخالفة صريحة وخيانة واضحة لمنهج النقد التاريخي، القائم، من بين ما يقوم عليه على اعتبار الروايات المتعارضة ومقابلة بعضها ببعض.
وإعمال هذه القاعدة في هذا الخبر يوجب البحث في المصادر التاريخية والتفتيش في سائر مظان الرواية التاريخية، لعل هناك ما يعارضها. وإن هذه الرواية إذا كانت تذكر أن عثمان بن عفان نفى أبا ذر وأخرجه من المدينة إلى الربذة، فإن هناك روايات أخرى تنفي ذلك وتثبت خلافه، منها ما أخرجه البخاري عن زيد بن وهب قال: مررت بالربذة، فإذا أنا بأبي ذر ﵁، فقلت له: ما أنزلك منزلك هذا؟ قال: كنت بالشام فاختلفت أنا ومعاوية في ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ﴾، قال معاوية: نزلت في أهل الكتاب. قلت: نزلت فينا وفيهم، فكان بيني وبينه في ذاك، وكتب إلى عثمان ﵁ يشكوني، فكتب إليَّ عثمان أن اقدم المدينة، فقدمتها فكثر علي الناس حتى كأنهم لم يروني قبل ذلك، فذكرت ذلك لعثمان، فقال لي: إن شئت تنحيت وكنت قريبًا. فذلك
[ ٣٥ ]
الذي أنزلني هذا المنزل، ولو أمروا علي حبشيًا لسمعت وأطعت (١) . ورواية أخرى أوردها الحافظ ابن حجر وعزاها إلى أبي الحسن بن جدلم في فوائده عن عبد الله بن الصامت قال: "دخلت مع أبي ذر على عثمان فحسر عن رأسه فقال: والله ما أنا منهم، يعني الخوارج. فقال: إنما أرسلنا إليك لتجاورنا بالمدينة، فقال: لا حاجة لي في ذلك، ائذن لي بالربذة. قال نعم." (٢) ورواية أخرى أوردها الشيخ محب الدين الخطيب في تعليقه على كتاب "العواصم من القواصم" لابن العربي، وعزاها إلى القاضي أبي الوليد بن خلدون وهي أن أبا ذر استأذن عثمان في الخروج من المدينة وقال: "إن رسول الله ﷺ أمرني أن أخرج منها إذا بلغ البناء سلعًا، فأذن له ونزل الربذة وبنى بها مسجدًا، وأقطعه عثمان صرمة من الإبل، وأعطاه مملوكين، وأجرى عليه رزقًا، وكان يتعاهد المدينة". (٣) وإن أيَّ مؤرخ محقق يريد أن يسجل في تاريخه خروج أبي ذر إلى الربذة وسببه، يفترض فيه أن يضع هذه الروايات جميعًا بين يديه، فينظر فيها على الاجتماع ثم يرجح ما تؤيده الشواهد بحسب الاعتبارات الأخرى. ومن اكتفى برواية دون غيرها، وأغفل الروايات المعارضة، فمثله مثل القاضي الذي استمع إلى شهادة شاهد واحد، وتجاهل أمثاله من الشهود الذين يخالفونه في شهادته.
ويجب التنبيه هنا على أن المعارضة قد تكون صريحة، كما في هذه الروايات في خروج أبي ذر إلى الربذة، وقد تكون غير صريحة، كأن يكون
_________________
(١) البخاري: كتاب الزكاة، باب ما أدي زكاته فليس بكنز.
(٢) "فتح الباري" ٣/٢٧٤.
(٣) " العواصم من القواصم" ص: ٨٨، تعليق رقم ٩٢، وانظر " حلية الأولياء" ١ / ١٦٠.
[ ٣٦ ]
الخبر يتعلق بحادثة أخرى غير الحادثة التي يتعلق بها الخبر المنظور فيه أولا، لكنه بالتأمل والتدبر تظهر معارضته له في جهة من جهاته. مثال ذلك أن رواية فيها أن علي بن أبي طالب وبني هاشم رفضوا بيعة أبي بكر. فقد وردت روايات تعارضها معارضة صريحة. وهناك أخبار تعارضها، لكنها ليست صريحة في ذلك لأنها ليست في موضوع البيعة، وإنما في موضوع آخر بعيد عن ذلك، وهي سائر أخبار علي بن أبي طالب وأحواله وأعماله ومواقفه في سائر الأحداث التي شهدها زمن أبي بكر.
ومن هذه الأخبار:
- أن عليًا لم ينقطع عن صلاة من الصلوات خلف أبي بكر الصديق.
- أن عليًا خرج مع أبي بكر إلى ذي القصة لما خرج إليها لقتال المرتدين.
- لم يتخلف علي بن أبي طالب عن مشهد من المشاهد التي شهدها عامة الصحابة مع أبي بكر في خلافته.
فهذه الأخبار - وإن لم تكن في بيعة علي أبا بكر أو عدم بيعته- فإنها تتصل بذلك؛ لأن ما تفيده يعارض أن يكون علي قد رفض بيعة أبي بكر، فلو رفضها فكيف يشهد الصلوات خلفه، وكيف يخرج معه إلى الجهاد؟، وكيف يحضر المجالس التي يجلس فيها أبو بكر خليفة يبتُّ في أمور الدولة؟.
فهذه الأخبار ليست صريحة في المعارضة، لكن مضمونها لا ينسجم مع هذه الرواية. والاعتبار بالمعارض غير الصريح يلتقي مع الاعتبار بالظروف
[ ٣٧ ]
العامة للخبر وبكل ما له صلة به، لأن هذه الأخبار المعارضة إنما تعرف من خلال استحضار ظروف الخبر وما يتصل به.
فلابد للناقد إذن من الالتفات إلى كل ما يعارض الخبر المنظور فيه معارضة صريحة أو ضمنية، وعلى هذا المنهج سار النقاد من علماء الإسلام كما يظهر من الأمثلة المتقدمة.
[ ٣٨ ]
ج- تحكيم قواعد العادة وسنن الكون والحياة:
لقد تقرر عند المحدِّثين أن من علامات الحديث الموضوع فساد معناه ومخالفته الصريحة لمقتضيات العقول السليمة، ومناقضته لقواعد العادة التي فطر الله عليها البشر. يقول ابن الجوزي:" ما أحسن قول القائل: إذا رأيت الحديث يباين المعقول أو يخالف المنقول أو يناقض الأصول فاعلم أنه موضوع" (١) وورد أيضا قولهم" من جملة دلائل الوضع أن يكون مخالفا للعقلويلتحق به ما يدفعه الحس والمشاهدة أو يكون خبرا عن أمر جسيم تتوفر الدواعي على نقله بمحضر الجمع ثم لا ينقله منهم إلا واحد". (٢) وقد اعتمد النقاد من علماء الإسلام هذا المنهج في تحقيق أخبار السيرة النبوية. لكن يجب التنبيه في هذا المقام على مسألة مهمة تتصل بهذا الموضوع وهي أن هناك أخبارا في السيرة النبوية في بيان معجزات الرسول ﷺ، فالنظر فيها بهذا المنظار إبطال لما ثبت قطعا من النبوة والرسالة، وإنما يشترط في ذلك أن يكون النقل نقل الثقة في دينه، العاقل الضابط لما يحدث به، وألا
_________________
(١) "تدريب الراوي في شرح تقريب النووي" للسيوطي ١ / ٢٧٧.
(٢) المصدر نفسه ١ / ٢٧٦.
[ ٣٨ ]
يوجدَ من أمثاله المعاصرين له، مَنْ ينكر ذلك، أما من سوى النبي ﷺ فلا يقبل ذلك عنه كائنًا من كان حتى يتفق مع قوانين الكون والحياة وقواعد العادة. (١) ومعنى ذلك أن رد ما يخالف قواعد العادة من أخبار السيرة النبوية ليس على إطلاقه، وإنما هو خاص بالأخبار التي ليست في سياق دلائل النبوة. فإذا ورد خبر فيه أن رسول الله ﷺ قد خصه الله بما لا يخص به غيره من التصرفات التي هي على خلاف العادة، وثبت ذلك بالسند الصحيح عن الثقات الأثبات، فإنه يقبل دون تردد، لأن الله تعالى خص نبيه ﷺ بالوحي، فكيف لا يخصه بما دون ذلك من خوارق العادات؟ أما ما سوى ذلك فقد عمل فيه النقاد بهذا المنهج. والشواهد على ذلك كثيرة منها ما تقدم في خبر بحيرى الراهب، فقد حكم قواعد العادة وسنن الحياة وقوانين الاجتماع الإنساني، يظهر ذلك من بيانه عدم اشتهار هذا الخبر مع أن دواعي العادة توجب اشتهار مثله لأنه خطير في أمره عظيم فيما يدل عليه، بل كيف يغيب هذا حتى على صاحب الخبر نفسه ﷺ، فلا يذكره، ولو في حال حاجته إليه؟ ويتجلى ذلك أيضا في إنكار الذهبي أن يميل فيء الشجرة مع وجود ظل الغمامة؛ فقواعد العادة وسنن الحياة لا تؤيد ذلك.
_________________
(١) انظر "المنهج الإسلامي في الجرح والتعديل" ص ١٣٣، هامش ١٤٢.
[ ٣٩ ]
د- استحضار الكليات وتحكيم الأصول القطعيات:
ومعنى ذلك أن الناقد الفاحص لخبر من الأخبار لا تغيب عنه أصول الشريعة وأحكامها الكلية وما ثبت منها من القطعيات. فكل خبر يجب أن ينسجم مع أصول الشريعة. وكل خبر يناقض أصلا مقررا بالقطع في الشريعة يحكم عليه بالرد من غير تردد. ولهذا رد علماء الإسلام أخبارًا وردت في السيرة، لما رأوها تعارض ما تقرر من عصمة النبي ﷺ. فهذا الأصل يوجب رد كل خبر فيه أن النبي ﷺ سجد لصنم، أو مدحه أو أقر باطلا أو نحو ذلك مما لا يتفق مع أصل العصمة. وعلى هذا المنهج رد المحققون خبر قصة الغرانيق. وفيه: أن الشيطان ألقى على لسان النبي ﷺ مدح آلهة العرب وهي اللات والعزى ومناة. ففي بعض رواياته أن النبي ﷺ جلس في ناد من أندية قومه، كثير أهله، فتمنى يومئذ ألا يأتيه من الله شيء فينفروا عنه يومئذ، فأنزل الله: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾ [النجم:١] فقرأ حتى إذا بلغ إلى قوله: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى، وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ [النجم: ١٩–٢٠] ألقى الشيطان كلمتين: تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجى وقد رد النقاد هذا الخبر من جهات مختلفة، منها مناقضته لما ثبت بالقطع من أحكام الشريعة وأصول الملة. وفي هذا المعنى يقول ابن العربي المعافري في نقد الخبر: "اعلموا أنار الله أفئدتكم بنور هداه ويسر لكم مقصد التوحيد ومغزاه، أن الهدى هدى الله، فسبحان من يتفضل به على من يشاء، ويصرفه عمن يشاء ونحن الآن نجلو بتلك الفصول الغمَّاءَ، ونرقيكم بها عن حضيض الدهماء إلى بقاع العلماء في عشرة مقامات:
[ ٤٠ ]
المقام الأول:
أن النبي إذا أرسل الله إليه المَلَك بوحيه، فإنه يخلق له العلم به حتى يتحقق أنه رسول من عنده، ولولا ذلك ما صحت الرسالة ولا تبينت النبوة ولو كان النبي إذا شافهه الملك بالوحي لا يدري أملك هو أم إنسان، أم صورة مخالفة لهذه الأجناس ألقت عليه كلاما وبلغت إليه قولا، لم يصح له أن يقول إنه من عند الله ولا ثبت عندنا أنه أمر اللهولا خلاف في المنقول ولا في المعقول فيها، ولو جاز للشيطان أن يتمثل فيها أو يتشبه بها، ما أمناه على آية ولا عرفنا منه باطلا من حقيقة، فارتفع بهذا الفصل اللبس وصح اليقين في النفس.
المقام الثاني:
أن الله قد عصم رسوله من الكفر وآمنه من الشرك، واستقر ذلك في دين المسلمين بإجماعهم فيه وإطباقهم عليه، فمن ادعى أنه يجوز عليه أن يكفر بالله أو يشرك فيه طرفة عين، فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه، بل لا تجوز عليه المعاصي في الأفعال، فضلًا عن أن ينسب إلى الكفر في الاعتقاد.
المقام الثالث:
أن الله قد عرف الرسول بنفسه وبصره بأدلته وأراه ملكوت سمواته وأرضه، وعرفه سنن من كان قبله من إخوته، فلم يكن يخفى عليه من أمر الله ما نعرفه اليوم، ومن خطر له ذلك فهو ممن يمشي مكبًا على وجهه غير عارف بنبيه ولا بربه.
[ ٤١ ]
المقام الرابع:
تأملوا – فتح الله أغلاق النظر عنكم - إلى قول الرواة الذين هم بجهلهم أعداء على الإسلام ممن صرح بعداوته، أن النبي ﷺ لما جلس مع قريش تمنى ألا ينزل عليه من الله وحي، فكيف يجوز لمن معه أدنى مسكة أن يخطر بباله أن النبي ﷺ آثر وَصْلَ قومه على وَصْلِ ربه، وأراد ألا يقطع أنسه بهم بما ينزل عليه من ربه الذي كان حياة جسده وقلبه وأنس وحشته وغاية أمنيته! وكان رسول الله ﷺ أجود الناس، فإذا جاءه جبريل كان أجود بالخير من الريح المرسلة، فيؤثر على هذا مجالسة الأعداء.!
المقام الخامس:
وأنا من أدنى المؤمنين منزلة، وأقلهم معرفة بما وفقني الله له لا يخفى علي وعليكم أن هذا كفر لا يجوز وروده من عند الله (١) فهذه - كما لا يخفى - كلها أصول مقررة في الشريعة جعلها ابن العربي حكما تعرض عليه الأخبار. بعد أن أقام ﵀ الحجة على بطلان خبر الغرانيق، واستحالة وقوعه لمناقضته أصول الشريعة، عبر عن هذا المنهج الذي اعتمده وأوصى به من أراد التحقيق فقال: "وقد أوعدنا إليكم توصية أن تجعلوا القرآن إمامكم وحروفه أمامكم". (٢) وذلك لأن القرآن والسنة الصحيحة هما الأصل المعتمد في معرفة أصول الشريعة وكلياتها.
_________________
(١) أحكام القرآن ٣ / ١٣٠٠ – ١٣٠١.
(٢) نفسه ٣ / ١٣٠٣.
[ ٤٢ ]