إنّ الحمد لله نحمده، ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيّئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضلّ له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له. وأشهد أنّ محمّدا عبده ورسوله:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [سورة آل عمران ٣/ ١٠٢] .
يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها وَبَثَّ مِنْهُما رِجالًا كَثِيرًا وَنِساءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [سورة النّساء ٤/ ١] .
يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١) إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُومًا جَهُولًا (٧٢) [سورة الأحزاب ٣٣/ ٧١- ٧١] .
أمّا بعد:
فإنّ خير ما يتدارسه النّاشئة وطلّاب العلم، ويعنى به الباحثون والمؤلّفون دراسة السّيرة النّبويّة، إذ هي خير وسيلة للتّعلّم والتّهذيب والتّأديب، وفيها ما يرجوه المؤمن من دين ودنيا، وعلم وعمل، وآداب وأخلاق، ورحمة وعدل، وجهاد واستشهاد في سبيل الله، ثمّ نشر العقيدة والشّريعة، والقيم الإنسانيّة النّبيلة.
إنّ السّيرة النّبويّة نور ساطع وهّاج، أفضى إلى ظلمات الجهل والوثنيّة، فانجابت كما ينجاب الغمام، وهدى من الله أرسله إلى الإنسانيّة الضّالّة، فانتشلها من ضياع، وانتاشها من هلاك، وأنقذها ممّا كانت تتخبّط فيه من دياجير الظّلام، وعقابيل الضّلال.
وإذا كانت السّيرة في اللّغة بمعنى: الطّريقة والسّنّة، فإنّها يراد بها التّعرّف على حياة الرّسول ﷺ قرّة العين وريحانة القلب؛ منذ ظهور الإرهاصات الّتي مهّدت لرسالته، وما سبق مولده من ظواهر وأحداث تلقي أضواء رحمانيّة على طريقة الدّعوة المحمّديّة، ثمّ مولده ﷺ،
[ ١٣ ]
ونشأته حتّى مبعثه، وما جاء بعد ذلك من دعوة النّاس إلى الدّين القيّم، وما لقي ﷺ في سبيل نشر هذا الدّين من عنت ومعارضة، وما جرى بينه ﵊ وبين من عارضوه من صراع بالبيان والسّنان، وذكر من استجاب له، حتّى علت راية الحقّ، وأضاءت شعلة الإيمان.
تاريخ التّأليف في السّيرة وأشهر كتبها:
إنّ أوّل ما يلفت الانتباه في سير الأنبياء أنّ السّيرة النّبويّة أصحّ سيرة لتاريخ نبيّ مرسل، ولم نعرف على مدى التّاريخ البشريّ كلّه أمّة من أمم الرّسل عليهم الصّلاة والسّلام، سعدت بمثل ما جاء في القرآن الكريم عن الرّسالة والرّسول، ولا حظيت بمثل تلك المجموعة الثّمينة من الأحاديث النّبويّة، ذلك السّجل الخالد، بل كانت هناك حلقات مفقودة في حياة رسلها، لا يمكن البحث عنها، والاهتداء إليها.
أمّا خاتم الرّسل محمّد ﷺ فهو الرّسول الّذي نعرف عنه كلّ دقيق وجليل، ونعرف عنه من دقائق الأخلاق والصّفات، والميول والرّغبات، والقول والعمل، ما لا نعرفه عن غيره من النّبيّين عليهم الصّلاة والسّلام.
ومن رحمة الله تعالى أن كانت هذه الأمّة تملك قوّة الذّاكرة، وسرعة الحفظ والاستظهار، ممّا يسّر لها الجمع والاستحضار، ولا عجب في ذلك فقد بهرهم الوحي بقوّة بيانه، وأخذ عليهم مشاعرهم بسطوة سلطانه، واستأثر بكريم مواهبهم في لفظه ومعناه، فكان الحفظ في الصّدور، والتّدوين في السّطور، وكانت الصّبغة الّتي شاء الله أن تكون.
لقد اهتمّ المسلمون الأوائل اهتماما كبيرا بأحاديث رسول الله ﷺ وسننه الفعليّة والقوليّة، قبل أن تدوّن الأحاديث تدوينا عامّا في آخر القرن الأوّل الهجري- ولم يكن قد دوّن في تاريخ العرب أو السّيرة شيء إلى أن مضت أيّام الخلفاء الرّاشدين- فكتب الخليفة عمر بن عبد العزيز إلى عامله على المدينة أبي بكر بن محمّد بن حزم- وهو من كبار المحدّثين- طالبا منه أن يدوّن أحاديث رسول الله ﷺ في كتاب وزّعه على البلاد الإسلاميّة.
وقد قام المحدّثون بعدها بجمع أحاديث رسول الله ﷺ في كتب لا تلتزم منهجا معيّنا في التّرتيب والتّصنيف، ولم تخل كتبهم من ذكر ما يتعلّق بسيرة النّبيّ ﷺ وحياته ومغازيه ومناقبه وما إلى ذلك. وقد استمرّ هذا المنهج حتّى بعد انفصال السّيرة عن الأحاديث في التّأليف.
ثمّ صنّفت في السّيرة النّبويّة مصنّفات خاصّة بها. وقد كان في مقدّمة المؤلّفين في السّيرة أربعة:
١- عروة بن الزّبير (المتوفّى سنة ٩٣ هـ)، وكان فقيها، محدّثا، عالما بالحديث، معروفا
[ ١٤ ]
بتدوينه العلم والحديث، أسلم قديما، وشهد الغزوات والمشاهد كلّها. ولم يصل كتابه إلينا.
٢- أبان بن عثمان بن عفّان (المتوفّى سنة ١٠٥ هـ)، كان فقيها، محدّثا. وقد كتب ما سمع من أخبار السّيرة في مصنّف لم يصل إلينا.
٣- وهب بن منبّه (المتوفّى سنة ١١٤ هـ)، كان مؤرّخا، وكانت له معرفة بأخبار الأوائل، وأحوال الأمم السّابقة. وقد أكثر من الرّواية عن الإسرائيليات.
٤- شرحبيل بن سعد الخطمي المدني (المتوفّى سنة ١٢٣ هـ)، كان عالما بالمغازي والبدريّين.
ويعدّ هؤلاء الأربعة الطّبقة الأولى الّتي صنّفت في السّيرة النّبويّة.
ثمّ جاء بعد هؤلاء طبقة أخرى، عاشت في العصر الأموي، اشتهر منها في كتابة السّيرة النّبويّة ثلاثة:
١- عاصم بن عمر بن قتادة (المتوفّى سنة ١٢٠ هـ)، وهو راوية للعلم، عالم بالمغازي والسّيرة، وقد أمره الخليفة عمر بن عبد العزيز أن يجلس في مسجد دمشق فيحدّث النّاس بالمغازي ومناقب الصّحابة، ففعل. وقد اعتمد ابن إسحاق والواقدي على مصنّفاته، وجعلوها من مراجعهم المهمّة.
٢- محمّد بن شهاب الزّهريّ (المتوفّى سنة ١٢٤ هـ)، عالم محدّث، وهو أوّل من دوّن الحديث، وقيل: إنّ سيرته أوّل سيرة صنّفت في الإسلام، وهي من أوثق السّير وأفضلها، وقد اعتمد ابن إسحاق عليها في سيرته.
٣- عبد الله بن أبي بكر بن حزم الأنصاريّ (المتوفّى سنة ١٢٥ هـ)، وقد كان عالما، محدّثا، ثبتا، وكان من أهل العلم والبصر، وقد نقلت عنه روايات كثيرة، اعتمدها ابن إسحاق وابن سعد والطّبريّ في كتبهم.
ثمّ جاء بعد هؤلاء طبقة أخرى، عاشت في العصر العبّاسيّ الأوّل، وكان من أشهرهم أربعة:
١- موسى بن عقبة (المتوفّى سنة ١٤١ هـ)، كان عالما بالسّيرة النّبويّة، وقد صنّف كتابا في المغازي، اعتمد عليه ابن سعد والطّبريّ في كتبهم. ولم يصل كتابه إلينا.
٢- محمّد بن إسحاق المطلبي (المتوفّى سنة ١٥١ هـ)، وهو من أصل فارسيّ، صنّف كتابه «المغازي» بناء على طلب الخليفة المنصور، جمع فيه تاريخ الخليقة من آدم ﵇ إلى
[ ١٥ ]
زمنه، وقد أطال فيه فلم يرضه المنصور وأمره باختصاره فاختصره. وهو أوّل كتاب وصل إلينا.
٣- معمر بن راشد (المتوفّى سنة ١٥٠ هـ)، فقيه، حافظ، متقن. صنّف كتابا في المغازي لم يصل إلينا، ما خلا نقولا أوردها الواقديّ وابن سعد في كتبهم.
٤- محمّد بن عمر الواقديّ (المتوفّى سنة ٢٠٧ هـ)، وقد كان عالما بالمغازي واختلاف النّاس وأحاديثهم. صنّف كتاب «المغازي»، ونهج فيه منهجا تاريخيا علميّا جغرافيا. وقد كان هذا الكتاب الأساس الّذي بنى عليه المؤلّفون في السّيرة كتبهم.
ثمّ جاء بعدهم طبقة أخرى، من أشهرهم:
١- أبو محمّد عبد الملك بن هشام (المتوفّى سنة ٢١٨ هـ)، كان مؤرّخا، عالما بالسّير والأنساب واللّغة وأخبار العرب، روى لنا سيرة ابن إسحاق بعد أن هذّبها، وحذف منها الكثير ممّا ليس فيه صلة بسيرته ﷺ، فجاء على نحو مخالف تماما لما وضعه ابن إسحاق، لكن دون أن يغيّر منه كلمة واحدة. ولهذا فقد نسي ابن إسحاق، وذكر ابن هشام. ولم يعد الكتاب مقرونا إلّا باسم ابن هشام.
ثمّ جاء بعد هؤلاء الأعلام علماء كثيرون صنّفوا في السّيرة، منهم من أطال، ومنهم من اقتصر، ومنهم من اعتنى بذكر الأسانيد، ومنهم من حذفها.
ومن أشهر هذه المصنّفات:
١- عيون الأثر في فنون المغازي والشّمائل والسّير، لابن سيّد النّاس الأندلسيّ، (المتوفّى سنة ٧٣٤ هـ) .
٢- جوامع السّيرة، لابن حزم الأندلسي، (المتوفّى سنة ٤٥٦ هـ) .
٣- المواهب اللّدنيّة. للقسطلّانيّ، (المتوفّى سنة ٩٢٣ هـ) .
٤- سبل الهدى والرّشاد في سيرة خير العباد، للصالحي، (المتوفى سنة ٩٤٢ هـ) .
٥- إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون، المعروف بالسيرة الحلبية، للحلبي، (المتوفّى سنة ١٠٤٤ هـ) .
ومن بين هؤلاء الأئمة الأعلام- صاحب هذا الكتاب الّذي بين أيدينا- محمّد بن عمر بن مبارك (بحرق) الحضرمي. حيث نهج في تأليف هذا الكتاب نهج من سبقه من علماء السّير، فصنّفه في وقت كثر فيه التّأليف في السّيرة. وكانت مؤلّفات المحدّثين في السّيرة تحظى بالقبول والتّقدير، لأنّها من أفضل الكتب صحّة، وأروعها تأليفا، وأصدقها لهجة، على حين كانت
[ ١٦ ]
مؤلّفات المؤرّخين وأصحاب المغازي والملاحم لا تصل إلى تلك الرّفعة الّتي حظيت بها كتب المحدّثين؛ ذلك لأنّ المحدّثين كانوا لا ينقلون في كتبهم إلّا عن الثّقات، ويطرحون ما لم يصحّ عندهم من الرّوايات، ويذكرون الأحاديث الصّحيحة، ويبتعدون عن تدوين الأحاديث الضّعيفة، ويهجرون الرّوايات الموضوعة والمنحولة.
لقد كان المؤلّف- رحمه الله تعالى- أحد أولئك المحدّثين، حيث نهج في كتابه هذا منهجهم، فانتقى الأحاديث الصّحيحة، والأخبار الثّابتة، واختار موضوعاته من أمّهات كتب السّيرة النّبويّة الّتي قرأها وتعلّمها. ولا عجب في ذلك، فهو ممّن عرف بطول اليد في علم الحديث وفنونه.
فجاء الكتاب جليل النّفع، عظيم الفائدة، عزير المعلومات، واضح الأسلوب، جزل العبارة.
نسخ الكتاب:
اعتمدت في تحقيق هذا الكتاب على نسختين خطّيتين:
الأولى: نسخة (دار الكتب المصريّة)، برقم (١٢٦١)؛ وهي من كتب المرحوم (جعفر أفندي بناسكجي)، الّذي آل الكتاب إليه من مكتبة المرحوم المبرور (موسى بن السيد جعفر مبرك) طاب ثراه، تقع في ستّ وثلاثين ومئة ورقة، في كلّ ورقة ثلاثة وعشرون سطرا، خطّها نسخيّ متقدّم، ليس عليها ما يشير إلى اسم ناسخها،
الثّانية: نسخة مكتبة الأحقاف بتريم. عدد أوراقها سبع ومئة ورقة، ومتوسّط عدد أسطرها خمسة وعشرون سطرا، خطّها بين الثّلث والنّسخ المعتاد. ذات الرّقم (٣٠١٠) . لم أجد ما يشير إلى اسم ناسخها، كان الفراغ من نسخها يوم الأربعاء سادس عشر ذي القعدة سنة إحدى وأربعين ومئتين وألف للهجرة.
منهج التّحقيق:
١- بعد نسخ المخطوط المعتمد أصلا، قابلته على النّسخة الآخرى، فما كان بين النّسختين أدنى خلاف؛ أثبتّ ما في المخطوط المعتمد أصلا؛ إلا أن يكون خطأ ظاهرا أو زيادات لم ترد في الأصل، فأثبتّ ما في النّسخة الآخرى.
٢- أضفت ما كان مناسبا من العبارة ليستقيم المعنى، وميزته ب []، وهذه الزّيادة اعتمدتّها لدى رجوعي إلى الأصول الّتي نهل المؤلّف منها.
٣- ضبطت النّصّ ضبطا أسأل الله العليّ العظيم أن يكون صحيحا، قريبا إلى الصّواب، كما أراده المؤلّف﵀-.
[ ١٧ ]
٤- أثبتّ أرقام صفحات المخطوط المعتمد عند بداية كلّ صفحة، ورمزت لها ب [ق ] .
٥- خرّجت الآيات الكريمة بذكر اسم السّورة، وترتيبها في القرآن، ورقم الآية.
٦- عزوت الأحاديث النّبوية الشّريفة إلى مظانّها من كتب السّنّة المطهّرة.
٧- أحلت الموضوعات الرّئيسة إلى مصادرها.
٨- وضّحت ما كان مغلقا ومبهما بالشّرح والتّبيان.
٩- عنونت فقر الكتاب بعنوانات مناسبة، ووضعتهما على هامش الكتاب، وذلك للفصل بين موضوعات الكتاب المتتابعة، بطريقة تجعله سهلا متناولا في هذا العصر.
١٠- ربّما أجد تناقضا أو مخالفة لم يجمع عليها علماء السّير أثناء مقابلة المصادر الّتي أخذ عنها المؤلّف مع مصادر السّيرة الآخرى، لذلك وجدت من الواجب والأمانة أن أنبّه على ذلك وأشير إليه في الحاشية، رامزا له ب (قلت) .
١١- تعرّضت أثناء الكتاب للرّدّ على بعض المستشرقين وأبواقهم المقلّدين لهم، وذلك في المواضع الّتي تحتاج لذلك.
يحسن بي أن أشير إلى أنني عدت إلى معظم كتب المغازي والسّير الّتي كتبت قديما وحديثا لمعارضتها بهذا الكتاب.
وإنّي أجد من البرّ والوفاء أن أتوقّف عند أهمّ كتابين كانا لي عونا، فقد استفدت منهما وأفدت.
أوّلهما: السّيرة النّبويّة في ضوء القرآن والسّنّة. للدّكتور محمّد بن محمّد أبو شهبة- رحمه الله تعالى- الّذي اعتمد على ذكر الآيات المتعلّقة بحوادث السّيرة ووقائعها. وبذكر الأحاديث الصّحيحة، وترك الأحاديث الموضوعة أو الإسرائيليات المكذوبة. واعتمد أيضا على كتب التّاريخ والسّير قديمها وحديثها، بعد الفحص والتّمحيص والتّحقيق، والموازنة بين الرّوايات، والأخذ بما يصلح للاحتجاج منها، والرّد على أوهام المؤرّخين الّذين بالغوا في مخالفة المحدّثين، وخاصّة إذا عارضت روايتهم ما هو أصحّ منها كرواية صاحبي الصّحيحين. ثمّ تصدّى- رحمه الله تعالى- لأولئك الّذين يحاولون أن يتألكوا بالباطل من المبشّرين والمستشرقين الّذين لا يجدون ثغرة ينفثون منها أحقادهم وسمومهم إلّا نفذوا منها، فكان لهم بالمرصاد.
وكذلك فقد تصدّى للكتّاب المسلمين الّذين تأثّروا بالمستشرقين، وراحوا يلوكون أقوالهم دون تثبّت ومعرفة. فجزاه الله عنّا وعن المسلمين كلّ خير.
[ ١٨ ]
ثانيهما: الجامع في السّيرة النّبويّة. تأليف الأخت سميرة الزّايد. فقد كان هذا الكتاب- الّذي يقع في ستّة مجلدات من القطع الكبير- عملا فريدا من نوعه، وينمّ عن جلالة هذا العمل ومدى أهميّته، الجهد الكبير الّذي بذل في سبيل إنجازه. أمّا ثمرة هذا الجهد المبارك فتتجلّى في فائدتين لا تقلّ إحداهما عن الآخرى قيمة وأهمّيّة:
الأولى: الإحاطة بمعظم أحداث السّيرة النّبويّة، وتسجيلها في كتاب جامع، يطلّ القارىء من خلاله على حياة الرّسول ﷺ عامّة، بكلّ جوانبها ومراحلها، وسائر ما فيها وما يتّصل بها.
الثّانية: ربط سائر مرويات السّيرة النّبويّة بمصادرها الأصليّة المتنوّعة. مع بيان أماكن كلّ منها من تلك المصادر على اختلافها.
وهذا الكتاب، من خلال هاتين الفائدتين؛ يعدّ أوّل جهد من نوعه في نطاق الكتابات الحديثة في السّيرة النّبويّة. أرفع للأخت سميرة الشّكر الوفير لجهدها المبارك هذا الّذي قلّما يستطيع أن ينهض به فرد واحد.
وإنّي أجد من البرّ والوفاء أيضا- وتحقيقا لقوله ﷺ: «من لم يشكر النّاس لم يشكر الله» - أن أقدّم جزيل الشّكر والامتنان لمشايخنا وأساتذتنا وإخواننا من طلبة العلم؛ الّذين أسهموا بمجهود مشكور وعمل مذكور في مراجعة وتدقيق وتصحيح نصّ هذا الكتاب المبارك، وكذلك لما أسدوه من ملاحظات وإيضاحات لحواشى الكتاب؛ ممّا أغنى الكتاب وجعله من الكتب المخدومة بحقّ. ونحن لا نزكّي عملنا هذا؛ وإنّما هو من باب التّحدّث بنعمة الله، ولسوف يلمس القارىء الكريم ذلك عند تصفّحه لهذا الكتاب.
نسأل الله أن يقبل ما بذلوه وعملوه، وأن يجزيهم عنّا خير الجزاء.
وإليك أيّها القارئ الغالي أقدم سيرة رسول الله ﷺ مبسّطة، مبوّبة، مرتّبة. بذلت فيها طوقي واستنفدت طاقتي، فإن أصبت فمن الله تعالى، وإن قصّرت عن بلوغ الهدف فمن نفسي، وحسبي بذل الجهد وحسن النّيّة.
أسأل الله العليّ القدير أن ينفع بهذا الكتاب الأمّة المحمّديّة، وأن يكرمهم باتباع سيرة الرّسول وسنّته وأقواله وأفعاله وأحواله ﷺ، إنّه على ما يشاء قدير.
وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.
وكتبه
محمّد غسّان نصوح عزقول
[ ١٩ ]