فصل
غزوة حُنين
قال المصنف: «ولمَّا بَلَغَ فتحُ مكة هَوازِنَ جَمَعَهم مالكُ بن عوف النَّصْري، فاجتمعَ إليه ثقيفٌ، وقومُه بنو نصر بن معاوية، وبنو جُشَم، وبنو سعد ابن بكر، ويسيرٌ من بني هلال بن عامر، وقد استصحبوا معهم أنعامَهم ونساءَهم لئلَّا يَفِرُّوا، وبَعَثَ ﷺ عبدَ الله بن أبي حَدْرَد الأسْلَمي فاستعلَم له خبر القوم وقصدهم، فتهيأ رسُولُ الله ﷺ للقائهم، واستعارَ من صَفوان بن أُمية أدراعًا، واقترض منه جملة من المال.
وسَارَ إليهم في العَشَرَةِ آلافٍ الذين كانوا معه في الفَتْحِ، وألفينِ من طُلقاءِ مكة (^١)، واستخلف على مكة عتَّاب بن أُسيد، وله نحو عشرين سنة».
الكلام عليه من وجوه:
١ ــ سمّيت هذه الغزوة حُنين نسبة إلى المكان الذي وقعت فيه، وحُنين: وادٍ يعرف اليوم بالشرائع، ويبعد عن مكة (٢٦) كيلًا شرقًا.
٢ ــ وكانت غزوة حنين في أول شهر شوال من السنة الثامنة من الهجرة (^٢).
_________________
(١) طلقاء مكة: هم الذين مَنَّ عليهم رسولُ الله ﷺ يوم الفتح فخلى سبيلهم ولم يسترقهم، ينظر شرح المواهب للزرقاني ٣/ ٤٩٨.
(٢) الدرر في اختصار المغازي والسير ص ٢٢٨.
[ ٢٧٧ ]
٣ ــ وخروج هوازن عن بكرة أبيها وقد جمعت أنعامها ونساءها وذراريها لملاقاة رسول الله ﷺ أخرجه أبو داود والنسائي وغيرهما بسند صحيح (^١)، وله شاهد في صحيح مسلم بنحوه (^٢).
٤ ــ وفي بعثه ﷺ عبد الله بن أبي حَدْرَد ليأتيه بخبر القوم دليل على جواز بثّ العيون بين الأعداء ليأتوا بأخبارهم وشأنهم، بل إنه واجب إذا دعت الحاجة إليه (^٣).
٥ ــ وفي استعارته ﷺ سلاحًا ومالًا من صفوان بن أُمية وكان لا يزال مشركًا دليل على جواز الاستعانة بالمشرك إذا كان موضع ثقة واطمئنان، وقد تقدمت هذه المسألة بشواهدها مرارًا.
٦ ــ ومسيره ﷺ إلى هوازن في جيشٍ تعداده عشرة آلاف ومعه من الطلقاء مخرج في الصحيحين من حديث أنس بن مالك (^٤).
٧ ــ وتحديد الطلقاء بألفين ذكره ابن إسحاق في السيرة بدون إسناد (^٥).
وكان عدد جيش هوازن ضعف عدد جيش المسلمين أو أكثر حسب قول الحافظ ابن حجر (^٦)، أي نحو عشرين ألفًا.
_________________
(١) سنن أبي داود «٢٥٠١»، سنن النسائي الكبرى «٨٨١٩».
(٢) صحيح مسلم «١٠٥٩».
(٣) فقه السيرة للبوطي ص ٢٩٠.
(٤) صحيح البخاري «٤٣٣٧»، صحيح مسلم «١٠٥٩».
(٥) سيرة ابن هشام ٢/ ٤٤٠.
(٦) فتح الباري ٨/ ٢٩.
[ ٢٧٨ ]
٨ ــ واستخلافه ﷺ عتّاب بن أُسيد على مكة ذكره ابن إسحاق في السيرة بدون إسناد (^١).
وفيه دليل على عنايته ﷺ بعنصر الشباب وتربيتهم على القيام بالمهام الكبيرة، فإن عتَّابًا كان عمره عشرين عامًا عندما استخلفه النبي ﷺ واليًا على مكة، وسيأتي أنه ﷺ أوكل إليه أيضًا مهمة الحج بالناس عام حنين.
اجعل لنا ذات أنواط!!
قال المصنف: «ومرَّ ﷺ في مسيره ذلك على شجرة يعظِّمُها المشركون، يُقال لها ذاتُ أَنْوَاط، فقال بعض جُهَّال العَرَب: اجعل لنا ذاتَ أَنْوَاط كما لهم ذاتُ أَنْوَاط. فقال: «قلتم ــ والذي نفسي بيده ــ كما قال قومُ موسى: اجعلْ لنا إلهًا كما لهم آلهةٌ، لتركبن سَنَنَ من كان قبلكم»».
الكلام عليه من وجوه:
١ ــ حادثة ذات أنواط مخرجة في مسند أحمد، وصححها الألباني وشعيب الأرناؤوط (^٢).
٢ ــ وفي الحادثة دليل تحريم التبرك بالأشجار والأحجار والعكوف عندها، وسدّ جميع المنافذ التي قد تفضي إلى الشرك، ونحوه العكوف على القبور والتماس البركة منها.
٣ ــ ولا شك أن الذين طلبوا من النبي ﷺ هذا الطلب العجيب من أن يجعل
_________________
(١) سيرة ابن هشام ٢/ ٤٤٠.
(٢) مسند الإمام أحمد «٢١٨٩٧» بتحقيق الأرناؤوط، تعليق الألباني على مشكاة المصابيح «٥٤٠٨».
[ ٢٧٩ ]
لهم ذات أنواط كانوا يجهلون معنى إخلاص التوحيد لله تعالى، ولعله بسبب حداثة دخولهم في الإسلام.
كمون هوازن للمسلمين في عماية الصبح:
قال المصنف: «ثم نَهَضَ ﷺ فوافى حنينًا، وهو واد حَدُوْر (^١) من أودية تهامة. وقد كَمَنَتْ لهم هَوازِنُ فيه، وذلك في عَمَاية الصُّبْحِ، فحَمَلُوا على المسلمين حَمْلَةَ رجُل واحدٍ، فولّى المسلمون لا يلوي أحدٌ على أحدٍ، فذلك قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ [التَّوْبَةِ: ٢٥].
وذلك أن بعضَهم قال: لن نُغلب اليوم من قلّة. وثَبَتَ رسُولُ الله ﷺ، ولم يفرَّ، ومعه من الصحابة: أبو بكر، وعمر، وعليّ، وعمّه العبّاس، وابناه: الفضل، وقُثَم، وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، وابنه جعفر، وآخرون. وهو ﷺ يومئذ راكب بغلته التي أهداها له فَرْوَة بن نُفَاثَة الجِذَامي، وهو يَرْكُضُها إلى وجهِ العدو، والعبّاسُ آخذٌ بحكَمَتها يكفُّها عن التقدم، وهو ﷺ يُنَوّه باسمه يقول: أنا النبيُّ لا كذب .. أنا ابنُ عبد المطلب».
الكلام عليه من وجوه:
١ ــ هجوم هوازن في عماية الصبح وانهزام المسلمين في أول الأمر وثبات النبي ﷺ في جمع من أصحابه ذكره ابن إسحاق في السيرة، ومن طريقه أحمد في المسند بإسناد حسنه شعيب الأرناؤوط (^٢).
_________________
(١) منحدر.
(٢) سيرة ابن هشام ٢/ ٤٤٢، ومسند أحمد «١٥٠٢٧».
[ ٢٨٠ ]
٢ - وفي هذه الغزوة دليل على أن الكثرة لا تفيد شيئًا إذا لم يكونوا صابرين محتسبين منظمين، فقد انضم لجيش المسلمين جموع كثيرة لم يتمكن الإيمان في نفوسهم وفرحوا بكثرة عددهم، فكانوا سبب الهزيمة في أول الأمر (^١).
٣ ــ وفي ركوبه ﷺ البغلة دليل على تواضعه الشديد، وكان بإمكانه اصطفاء أفضل فرس ليركبه.
٤ ــ وفي ثباته ﷺ حين ولّي أكثر المسلمين في بداية المعركة دليل على فرط شجاعته وقوة يقينه، قال المصنف في تفسيره تعليقًا على هذه الحادثة: "وهذا في غاية ما يكون من الشجاعة التامة، إنه في مثل هذا اليوم في حومة الوغى، وقد انكشف عنه جيشه، هو مع ذلك على بغلة وليست سريعة الجري، ولا تصلُح لكرّ ولا لفرّ ولا لهرب، وهو مع هذا أيضًا يركضها إلى وجوههم وينوه باسمه ليعرفه من لم يعرفه، وما هذا كلّه إلا ثقة بالله، وتوكلًا عليه، وعلْما منه بأنه سينصره، ويتم ما أرسله به، ويظهر دينه على سائر الأديان" (^٢).
ثبات المؤمنين وهزيمة المشركين:
قال المصنف: «ثم أَمَرَ العبَّاسَ ــ وكان جَهِيرَ الصّوت ــ أن يُنادي: يا معشرَ الأنصار، يا معشرَ أصحابِ الشجرةِ، يا معشرَ أصحابِ السَّمُرة، فلمَّا سمعه المسلمونَ وهم فارُّون كرُّوا وأجابوه: لبيْك لبيْك.
وجَعَلَ الرجلُ إذا لم يستطع أن يُثني بعيره لكثرة المنهزمين نَزَلَ عن بعيرِه وأخذ دِرْعَه فلبسها، وأخذ سيفه وتِرسَه، ويرجع راجلًا إلى رسُولِ الله ﷺ، حتى
_________________
(١) فقه السيرة للبوطي ص ٢٨٩.
(٢) تفسير ابن كثير ٤/ ١٢٨.
[ ٢٨١ ]
إذا اجتمعَ حوله عِصَابةٌ منهم نحو المائة، استقبلوا هَوزِانَ فاجتلدوا هُمْ وإيّاهم، واشتدّت الحربُ، وألقى الله في قلوبِ هَوازِن الرعبَ حينَ رجعوا، فلم يملكوا أنفُسَهم.
ورماهم ﷺ بقبضة حصى بيده، فلم يبقى منهم أحدٌ إلا ناله منها. وتَفِرُّ هَوازِنُ بين يدي المسلمين، ويتبعونهم يقتلون ويأسرون، فلم يرجع آخرُ الصحابة إلى رسُولِ الله ﷺ إلا والأُسارى بين يده، وحازَ ﷺ أموالَهم وعيالَهم».
الكلام عليه من وجوه:
١ ــ أمره ﷺ العبّاس بمناداة الأنصار وأصحاب الشجرة إلى قول المصنف: ورماهم ﷺ بقبضة حصى فلم يبق منهم أحدٌ إلا ناله منها .. أخرجه مسلم في صحيحه بنحوه من حديث سَلَمَة بن الأكوع ﵁، وقد ذكره أيضًا ابن إسحاق في السيرة بإسناد صحيح (^١).
٢ ــ وفي رميه ﷺ كفًا من حصى بيده وإصابته جميع جيش المشركين معجزة ظاهرة له ﷺ وقد تقدم نظيرها في غزوة بدر (^٢).
٣ ــ وقد دل القرآن الكريم على اشتراك الملائكة في هذه المعركة وتأييد الله للمؤمنين بهم، وذلك في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ * ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ
_________________
(١) صحيح مسلم «١٧٧٧»، سيرة ابن هشام ٢/ ٤٤٤.
(٢) سيرة ابن هشام ١/ ٦٢٨.
[ ٢٨٢ ]
جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾ [التوبة: ٢٥ ــ ٢٦]. وهؤلاء الجنود الذين أنزلهم الله تعالى هم الملائكة كما قال ابن عباس وغيره (^١).
٤ ــ وفي الغزوة دليل ظاهر على فضل الأنصار وأصحاب الشجرة أهل بيعة الرضوان لأنهم أول من أمر النبي ﷺ بمناداتهم عندما انهزم جيش المسلمين في البداية، وهم أول من فاء إليه وثبت معه حينها.
انحياز المشركين إلى أوطاس:
قال المصنف: «وانحازتْ طوائفُ من هَوازِن إلى أَوْطَاس (^٢)، فبَعَثَ ﷺ إليهم أبا عَامر الأشعري واسمه عُبَيْد ومعه ابن أخيه أبو موسى الأشعري حاملًا راية المسلمين في جماعة من المسلمين، فقتلوا منهم خَلْقًا.
وقُتِلَ أميرُ المسلمين أبو عَامر، رماه رجلٌ فأصاب ركبته، وكان منها حتفه، فَقَتَل أبو موسى قاتله، وقيل: بل أسلم قاتلُه بعد ذلك. ولما أخبر أبو موسى رسُولَ الله ﷺ بذلك استغفرَ ﷺ لأبي عَامر.
وكان أبو عَامر رابع أربعة استشهدوا يوم حنين، وأما المشركون فقُتل منهم خلقٌ كثيرٌ. وفي هذه الغزوة قال ﷺ: «من قَتَلَ قتِيلًا فَلَه سَلَبُه»».
الكلام عليه من وجوه:
١ ــ انحياز طوائف من هوازن إلى أوطاس وبعْثه ﷺ أبا عامر الأَشعري إليهم .. إلى استشهاده واستغفار رسول الله ﷺ له كله مخرج في الصحيحين من
_________________
(١) زاد المسير لابن الجوزي ٢/ ٢٤٧.
(٢) واد في ديار هوازن قرب حنين.
[ ٢٨٣ ]
حديث أبي موسى الأشعري (^١).
٢ ــ وفي هذا دليل على فضل أبي عامر الأشعري ــ واسمه: عُبيد بن سُليم ــ حيث استغفر له رسولُ الله ﷺ، وثبت عنه ﷺ أيضًا أنه قال: «اللهم اجعله يوم القيامة فوق كثيرٍ من خلقك» (^٢).
٣ ــ وقوله: "فَقَتَلَ أبو موسى قاتلَ أبي عامر، وقيل بل أسلم قاتلُه بعد ذلك"، قلت: الصواب الأول لثبوته في الصحيحين، وأما رواية إسلامه فقال ابن حجر: "هذا يخالف الحديث الصحيح في أن أبا موسى قَتَل قاتِل أبي عامر، وما في الصحيح أولى بالقبول" (^٣).
٤ ــ وقوله ﷺ: «من قتل قتيلًا فله سلبه» مخرج في الصحيحين (^٤) من حديث أبي قتادة ﵁. والسلب هو: ما يكون مع القتيل من سلاح ونحوه.
وقد استدل به على أن للقاتل أخذ سلب القتيل في المعركة، لكن وقع اختلاف بين العلماء هل يستحق القاتلُ السلبَ في جميع الحروب ولو بدون إذن القائد، أم لا بد أن يصرح القائد بذلك قبل الحرب فيقول: من قتل قتيلًا فله سلبه؟ قولان لأهل العلم (^٥).
٥ ــ وقد كانت غزوة حنين هي آخر الغزوات داخل الجزيرة العربية، حيث
_________________
(١) صحيح البخاري «٤٣٢٣»، صحيح مسلم «٢٤٩٨».
(٢) صحيح البخاري «٤٣٢٣»، صحيح مسلم «٢٤٩٨».
(٣) فتح الباري ٨/ ٤٣.
(٤) صحيح البخاري «٤٣٢١»، صحيح مسلم «١٧٥١».
(٥) شرح النووي على صحيح مسلم ١٢/ ٥٩.
[ ٢٨٤ ]
ابتدأت ببدر وانتهت بحنين.
٦ ــ وربما كانت أيضًا آخر محاولة يائسة لمحاربة الرسول ﷺ، ووقف مدّ الإسلام في جزيرة العرب (^١).
_________________
(١) السيرة النبوية للندوي ص ٣٥٣.
[ ٢٨٥ ]