فصل
مَبْعَثُه ﷺ
قال المصنف: «ولما أرادَ الله تعالى رحمةَ العِبَاد، وكرامتَه بإرساله إلى العالمين؛ حَبَّب إليه الخلاءَ، فكان يتحنَّثُ بغار حِرَاءٍ، كما كان يصنعُ ذلك متعبّدوا ذلك الزمان، كما قال أبو طالبٍ في قصيدته المشهورة اللاميةِ:
وثَور ومن أرسى ثَبيرًا مكانَه … وراقٍ لِبِرّ في حِرَاءٍ ونَازل».
الكلام عليه من وجوه:
١ ــ شرع المصنف ﵀ في الحديث عن بدايات بعثته ﷺ وبعض ما تقدمها من حوادث.
وحاصل الأمر أن النبي ﷺ عندما دنت سنُّهُ من الأربعين حبَّب الله إليه الخلوة عن الناس، فكان يختلي كل عام شهرًا (^١) بغار حِراء للتعبد والتأمل وإطعام
_________________
(١) حدَّد مدة الشهر من كل عام: ابن إسحاق في سيرته ص ١٢١ من رواية عُبيد بن عمير مرسلًا: «كان رسول الله ﷺ يجاور في حراء من كلّ سنةٍ شهرًا»، بينما رواية الصحيحين لم تحدّد. لكن يقوي التحديد بالشهر ما ثبت في صحيح مسلم «٢٥٧» من حديث جابر بن عبد الله مرفوعًا: «جاورت بحراء شهرًا، فلما قضيت جواري نزلت ..». وقد جزم غير واحد كابن حجر في الفتح ١/ ٣٣ أن ذاك الشهر كان في رمضان.
[ ٣٧ ]
من يمرّ به من المساكين. وسأورد بعد قليل حديث عائشة في وصف خلوته ﷺ بغار حراء.
٢ ـــ وغار حراء يقع في جبل النور قريبًا من مكة (^١)، وقد كانت قريش تقصده للتعبد به في الجاهلية كما في سيرة ابن إسحاق عن عُبيد بن عمير بإسناد صحيح مرسل (^٢).
ويبدو أن التحنث كان من بقايا دين إبراهيم التي ظلت في قريش على طريقة الاعتكاف (^٣).
٣ ــ ولا يعرف على وجه التحديد متى كان بدء هذه العزلة، بيد أن المجزوم به أنها كانت قرب بعثته ﷺ، كما دل عليه حديث عائشة ﵂ في الصحيحين: «أول ما بُدئ به رسول الله ﷺ من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصُّبح، ثم حبّب إليه الخلاء، وكان يخلو بغار حراء فيتحنَّث فيه ـــ وهو التعبد ــــ الليالي ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله، ويتزود لذلك ..» (^٤).
٤ ــ وفي اختلائه ﷺ شهرًا من كل عام وهو ما عبرت عنه عائشة ﵂ "بالليالي ذوات العدد" دليل على ضرورة مراعاة الاعتدال والوسطية في الأمور كلها بما فيه أمور التعبد، فلم يكن ﷺ يخلو أيامًا قصيرة جدًا في الغار ولا أيامًا طويلة جدًا،
_________________
(١) وهو مطل على الكعبة، ويحتاج الصعود إليه نحوًا من نصف ساعة أو أكثر.
(٢) سيرة ابن هشام ١/ ٢٣٥.
(٣) فتح الباري ١٢/ ٣٥٥.
(٤) صحيح البخاري «٣» واللفظ له، صحيح مسلم «١٦٠» من حديث عائشة ﵂.
[ ٣٨ ]
وإنما وسطًا بين هذا وذاك، وهو الهدي الذي استمر عليه النبي ﷺ بعد بعثته في أموره كلها.
٥ ــ كذلك يؤخذ من هذه الخلوة حاجة المسلم إلى الاختلاء بين الحين والآخر خلوة إيجابية للتأمل والتفكر والتوبة ومراجعة النفس والتبصر فيها.
٦ ــ وقصيدة أبي طالب اللاميَّة المشار إليها: هي من عيون الشعر العربي، وقد أوردها المصنف بطولها في تاريخه، وقال عنها: "هذه قصيدة عظيمة فصيحة بليغة جدًا; لا يستطيع أن يقولها إلا من نُسبت إليه، وهي أفحل من المعلّقات السبع، وأبلغ في تأدية المعنى منها جميعًا" (^١).
٧ ــ وقد كان العالم بأسره عند بعثة النبي ﷺ يعيش في ظلام حالك وجاهلية جهلاء، ومظاهر هذه الجاهلية كثيرة جدًا، فبلاد العرب في ذلك الوقت ــ على سبيل المثال ــ كان الناس فيها يعبدون الأصنام، ويستشفعون بها عند الله، وكانوا ينكرون البعث واليوم الآخر، ويقولون: إن هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا، وكانوا يزعمون أن الملائكة بنات الله، وأن الجن شركاء لله، ويطوفون بالكعبة عراة .. هذا فضلًا عن انحرافاتهم الاجتماعية والأخلاقية، كقطع الطريق، وإتيان الفواحش، وأكل الميتة، ووأد البنات .. وغير ذلك مما يطول الحديث عنه، سواء كان في بلاد العرب أو في غيرها من البلدان ذلك الوقت.
لكن هذه الانحرافات والمساوئ التي كان عليها العرب في ذلك الوقت لم تمنع من وجود بعض الفضائل والخصال الحميدة فيهم، كحُبّ الصّدق والشهامة، والأنفة والإباء، والشجاعة والصراحة، وحماية المستجير والمستغيث .. إلى غير ذلك
_________________
(١) البداية والنهاية ٤/ ١٤٢.
[ ٣٩ ]
من الفضائل التي أهّلتهم لحمل راية الإسلام وتحمّل أمانة الدعوة إلى دين الحق بعد ذلك.
مجيئ المَلَك في غَار حِرَاء:
قال المصنف: «فَجَاءه الحقُّ وهو بغَار حِرَاء في رمضانَ، ولهُ من العُمُر أربعونَ سنة، فجَاءه الملَكُ، فقالَ: اقرأ. قالَ: لستُ بقارئ، فغتَّه (^١) حتى بَلَغ منه الجَهْد، ثم أرسلَه فقال: اقرأ، قال: لستُ بقارئِ ثلاثًا، ثم قالَ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الإنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ١ ــ ٥]».
الكلام عليه من وجوه:
١ ــ كافة علماء السيرة على أن مجيء جبريل في الغار كان حقيقة في اليقظة، كما هو ظاهر الروايات الصحيحة.
لكن أشكل على هذا روايةٌ ذكرها ابن إسحاق تفيد أن مجيئه كان منامًا، ولفظها من طريق عُبيد بن عمير: «فجاءني جبريل، وأنا نائم، بنمطٍ من ديباج فيه كتاب، فقال اقرأ» (^٢).
ويجاب عن هذه الرواية بأنها رواية مرسلة (^٣)، فهي لا تحتمل مخالفة ظاهر روايات الصحيحين الدالة على أن هذا المجيء كان يقظة لا منامًا.
_________________
(١) ضمه وعصره.
(٢) سيرة ابن هشام ١/ ٢٣٦.
(٣) لأن راويها عبيد بن عمير تابعي، فروايته مرسلة، لكن ما ذكره الدكتور أكرم العُمري في صحيح السيرة ١/ ١٢٩ بأن "إسنادها واه" فيه نظر، فإن عبيد بن عمير من كبار التابعين والإسناد إليه صحيح، وكان بالإمكان قبول روايته هذه لولا معارضتها لظاهر روايات الصحيحين، والله أعلم.
[ ٤٠ ]
وأما محاولة السهيلي (^١) وابن سيد الناس (^٢) الجمع بين الروايتين بأن الحادثة تكررت مرتين، الأولى في المنام والأخرى في اليقظة، ففيه نظر، لأنه لو كان كذلك لما حصل للنبي كل ذلك الخوف من هول المفاجأة في المرة الثانية!!
٢ ــ وقوله: "في رمضان": أي أن مجيء جبريل إلى الغار كان في رمضان، قال ابن حجر: "هذا هو الراجح" (^٣).
وقال الألباني: "هو المشهور" (^٤).
واستدل له ابن إسحاق بقوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ﴾ [البقرة: ١٨٥] " (^٥).
٣ ــ وقوله: "وله أربعون سنة": هذا هو المشهور، وتدل عليه الروايات الصحيحة، منها ما ثبت عن ابن عباس قال: «أُنزل على رسول الله ﷺ وهو ابن أربعين» (^٦).
_________________
(١) الروض الأنف ٢/ ٣٩٢.
(٢) عيون الأثر ١/ ١٠٨.
(٣) فتح الباري ١٢/ ٣٥٦، ٨/ ٧١٨. ووهم الدكتور مهدي رزق الله في كتابه السيرة النبوية في ضوء المصادر الأصلية ص ١٣٠ عندما قال: "روى الشيخان أن أمين الوحي فجأ الرسول ﷺ لأول مرة في يوم الاثنين، الحادي والعشرين من شهر رمضان"!! وهذا وهم منه، فليس في الصحيحين تحديد تاريخ المجيء باليوم والشهر، والثابت فيهما التحديد بيوم الاثنين فقط.
(٤) صحيح السيرة للألباني ص ٨٩.
(٥) سيرة ابن هشام ١/ ٢٣٩.
(٦) صحيح البخاري «٣٨٥١».
[ ٤١ ]
لكن بيّن الحافظُ ابنُ حجر أنه ﷺ كان بالتحديد ابن أربعين سنة وستة أشهر، لأنه ولد في ربيع الأول ونُبّيء في رمضان (^١).
٤ ــ ولعل الحكمة في اختيار الأربعين: أنها سنّ النضج واكتمال العقل وحصول التجربة في الحياة.
٥ ــ وأما ما أشتهر بين الناس من أنه لم يبعث نبي إلا بعد الأربعين فهذا لم أطلع على دليل يسنده بالرغم من اشتهاره.
ومعلوم أن نبي الله عيسى كان في سنّ الثلاثين عندما بعث، فإن صحّ أن النبوة تكون في الأربعين فيكون أمرًا أغلبيًا وليس لجميع الأنبياء، والله أعلم.
٦ ــ قوله: "فجاءه الملَك فقال له اقرأ": المراد بالملَكِ: جبريل ﵇ بغير خلاف كما قال الحافظ العراقي (^٢).
٧ ــ وقوله: "لست بقارئ": معناه: لا أحسن القراءة، لأنه ﷺ كان أميًّا لا يقرأ ولا يكتب.
ولفظ رواية الصحيح: «ما أنا بقارئ» (^٣)، والمؤلف أتي بجملة تفسيرية لرواية الصحيح، وكان الأولى التزام اللفظ الوارد.
رجوعه ﷺ إلى خديجة وفؤاده يرجف:
قال المصنف: «فرجعَ بها رسُولُ الله ﷺ ترجُفُ بوادِرُه، فأخبرَ بذلك خديجةَ رضي الله تعالى عنها، وقال: قد خشيتُ على عقلي، فثبّتته، وقالت: أبْشر،
_________________
(١) فتح الباري ٧/ ١٦٤، ١٢/ ٣٥٦.
(٢) طرح التثريب ٤/ ١٨٧.
(٣) صحيح البخاري «٣»، صحيح مسلم «١٦٠».
[ ٤٢ ]
كلا والله! لا يخزيك الله أبدًا، إنك لتصلُ الرحمَ، وتَصدُقُ الحديثَ، وتحملُ الكَلَّ (^١)، وتُعين على نوائب الدهر (^٢)، في أوصافٍ أُخر جميلة عدّدتها من أخلاقه ﷺ، وتصديقًا منها له، وتثبيتًا، وإعانة على الحقّ، فهي أولُ صِدّيقٍ له رضي الله تعالى عنها وأكرمها».
الكلام عليه من وجوه:
١ ــ قوله: "ترجف بوادره": هذه إحدى روايات الصحيحين (^٣)، وفسرها المصنف في حاشية الأصل بقوله: "البوادر هي: اللحم الذي بين العُنُق والمنكب" (^٤). وقد جاء في بعض روايات الصحيحين: «يرجف فؤاده» (^٥).
٢ ــ وسبب هذا الخوف أن النبي ﷺ لم يعهد مثل هذا الأمر من قبل، ولم يسمع به، وقد طال عهد انقطاع العرب عن النبوة والأنبياء.
٣ ــ وقوله: "قد خشيت على عقلي": هذه الرواية ذكرها المؤلف بالمعني، ولفظ رواية الصحيحين: «لقد خشيت على نفسي» (^٦)، ومعناها خشيت على نفسي من الجنون ومسّ الشياطين. وكان هذا قبل أن يعلم أن الذي جاءه ملَكٌ ووحي من عند الله.
_________________
(١) الكلّ: الضعيف، والمرد إعانته والإنفاق عليه.
(٢) حوادثه.
(٣) صحيح البخاري «٤٩٥٣»، صحيح مسلم «١٦٠».
(٤) انظر الفصول ص ٥٩، حاشية: ٣.
(٥) صحيح البخاري «٣»، صحيح مسلم «١٦٠».
(٦) صحيح البخاري «٣»، صحيح مسلم «١٦٠».
[ ٤٣ ]
٤ ــ قوله: "فهي أول صدّيق له": أي أنها أول من آمن به وصدّقه ﷺ، وهذا هو القول الصحيح الذي تقتضيه المرويات الصحيحة؛ أن أول من آمن بالنبي ﷺ على الإطلاق هي زوجه خديجة بنت خويلد ﵂.
واختلف فيمن آمن بعدها، والذي ذكره ابن إسحاق: أنه علي بن أبي طالب ﵁، ثم زيد بن حارثة، ثم أبو بكر الصديق ﵁ (^١).
ونقل ابن عبد البر عن بعض السلف أن أبا بكر أسلم قبل علي (^٢)، والأمر في هذا يسير.
٥ ــ وفي مبادرة هؤلاء الناس إلى الإسلام دلالة على صدق النبي ﷺ، فقد كانوا أقرب الناس إليه وأعرفهم بحاله فبادروا إلى تصديقه.
٦ ــ وفي قول خديجة للنبي ﷺ: "كلا والله لا يخزيك الله أبدًا، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكلّ .. " دليل على أن التحلي بمكارم الأخلاق سبب في وقاية المرء من مصارع السوء ووقوع المكاره (^٣).
فتور الوحي عنه ﷺ:
قال المصنف: «ثم مكَثَ رسُولُ الله ﷺ مَا شَاءَ أنْ يَمكُثَ لَا يَرَى شيئًا، وفَتَرَ عنهُ الوحيُ، فاغتمَّ لذلكَ، وذهبَ مرارًا ليتردّى من رُؤوس الجبَالِ، وذلك مِنْ شوْقه إلى مَا رأى أولَ مرَّةٍ، ومِن حَلاوةِ ما شاهدَه من وحي الله إليهِ، ثم تبدَّى له الملَكُ بين السَّماءِ والأرضِ على كرسيّ، وثبَّته، وبشَّره بأنه رسُولُ الله حقًا، فلمَّا رآه
_________________
(١) سيرة ابن إسحاق ص ١٤٠.
(٢) الدرر في اختصار المغازي والسير ص ٣٨.
(٣) دراسات في السيرة النبوية ص ٥٢.
[ ٤٤ ]
رسُولُ الله ﷺ فَرِقَ منهُ، وذهبَ إلى خديجةَ، وقال: زمّلُوني. دثّرُوني. فأنزَلَ اللهُ عليه: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ١ - ٤]».
الكلام عليه من وجوه:
١ ــ مقصود المؤلف بفترة الوحي: أن جبريل بعد مجيئه إلى النبي ﷺ في الغار انقطع عنه مدة من الزمن قبل أن يعاوده المجيء مرة أخرى.
ـــ ولعل الحكمة في هذا الانقطاع: حتى يذهب عنه ما أصابه من الخوف والفزع في اللقاء الأول، وحتى يحصل له الشوق إلى لقاء جبريل مرة أخرى.
وفترة الوحي ثابت في حديث عائشة السابق في الصحيحين.
٢ ــ وقد اختلف في مدة الانقطاع على أقوال، ولم تأت رواية حاسمة في المسألة، والذي رجحه الشيخ أبو شهبة (^١) والمباركفوري (^٢) أنها دامت أيامًا، وهو مروي عن ابن عباس (^٣). وقال الدكتور العُمَري: "يبدو أنها لم تدم طويلًا" (^٤).
٣ ــ وقوله: "وذهب مرارًا ليتردى من رؤوس الجبال": بنى المؤلف هذا على رواية وردت في البخاري من كلام الزهري، وفيها: «وفتر الوحيُ فترة حتى حَزن النبيُّ ﷺ، فيما بلغنا، حُزنًا غدا منهُ مِرارًا كي يتردَّى مِنْ رءوس شَواهِق الجبَال» (^٥).
_________________
(١) السيرة النبوية لأبي شهبة ١/ ٢٦٤.
(٢) الرحيق المختوم ص ٥٨.
(٣) شرح المواهب للزرقاني ١/ ٤٤١.
(٤) السيرة النبوية الصحيحة ١/ ١٢٧.
(٥) صحيح البخاري «٦٩٨٢».
[ ٤٥ ]
وهذه الرواية مع كونها مخرجة في البخاري إلا أنها ضعيفة الإسناد منكرة المتن، لأسباب منها:
أولًا: أن إسنادها منقطع، فلم يذكرها البخاري بإسناد متصل، وإنما ذكرها بلاغًا من كلام الزهري، وذلك في قوله: «فيما بلغنا». ولعل البخاري إنما ذكرها لينبّه على ضعفها وأنه ليس لها إسناد متصل.
ثانيًا: أن محاولة النبي ﷺ قتل نفسه لمجرد انقطاع الوحي عنه مدة هذا يتنافى مع عصمته ﷺ، ويتنافى مع ما عرف عنه من رباطة الجأش وقوة النفس. وقد مرّ عليه في مسيرة دعوته شدائد وأهوال آلمته وأحزنته لكنه لم يفكر بمثل هذا قط.
ثالثًا: زعمُ الراوي أنه ﷺ كان يريد التردّي من فوق رؤوس الجبال زعمٌ باطلٌ، لأنه مبني على الظن والتخمين، فكيف عَلِمَ الراوي مقصد النبي ﷺ؟
ولِمَ لا يقال إنه ﷺ كان يصعد رؤوس الجبال بحثًا عن جبريل ﵇ وليس لقصد التردي وقتل نفسه كما حسب الراوي (^١)!!
وأما تعليل المصنف بأن النبي ﷺ كان يفعل ذلك بسبب شوقه لحلاوة الوحي ففيه نظر؛ أولًا: لأنه مخالف لتعليل رواية الزهري التي اعتمد عليها، والتي تقول أن ذلك كان بسبب الهم والحزن وليس بسبب الحلاوة والشوق.
وثانيًا: فلأن الإنسان إنما يفكر بقتل نفسه بسبب ما قد يصيبه من الهم والحزن وليس بسبب ما يجده من شوق وحلاوة!!
_________________
(١) أطال العلامة محمد الصادق العرجون في نقد هذه الرواية ومناقشتها سندًا ومتنًا في كتابه: محمد رسول الله ﷺ ١/ ٣٨٥.
[ ٤٦ ]
٤ ــ وقوله: "ثم تبدَّى له الملَكُ بين السماء والأرض على كرسيّ": هذه الرواية ثابتة في الصحيح (^١).
قيامُه ﷺ بالدَّعوة:
قال المصنف: «ثم أَمَرَه اللهُ في هذه الآيةِ (^٢) أن يُنذرَ قومَه ويدعُوهم إلى الله، فشمَّر ﷺ عن سَاقِ التكليفِ، وقامَ في طاعةِ الله أتمَّ قيامٍ، يدعو إلى الله سبحانَه: الكبيرَ والصغيرَ، والحرَّ والعبدَ، والرجالَ والنساءَ، والأسودَ والأحمرَ، فاستجابَ له عِبَادُ الله من كلّ قبيلةٍ. وكان حائِزَ سبْقهم: أبو بكرٍ عبدُ الله بن عثمان التَّيمي، وآزَرهُ في دينِ الله، ودعا معه إلى الله على بصيرةٍ، فاستجابَ لأبي بكر: عثمانُ بنُ عفان، وطلحةُ، وسعدٌ بن أبي وقَّاصٍ. وأما عليٌّ فأسلم صغيرًا ابنَ ثمانِ سنين، وكذلك أسلمتْ خديجةُ، وزيدُ بن حَارثة».
الكلام عليه من وجوه:
١ ــ قوله: "وكان حائز سبقهم أبو بكر": تقدم الكلام عن أول الناس إسلامًا قبل قليل.
٢ ــ وقوله: "وأما عليّ فأسلم صغيرًا ابن ثمانِ سنين": قلت: رجح الحافظان الذهبي وابن حجر أنه أسلم وعمره عشر سنين (^٣).
٣ ــ ثم إن في قول المصنف: "وقامَ ﷺ في طاعة الله أتم قيام، يدعو إلى الله: الكبيرَ والصغيرَ .. إلى آخره": قلت: هذا فيه عموم وإجمال، والتحقيق أن النبي ﷺ
_________________
(١) صحيح البخاري «٤٩٢٥»، صحيح مسلم «١٦١» من حديث جابر بن عبد الله ﵁.
(٢) يعني بها الآيات الأول من صدر سورة المدثر: يا أيها المدثر قم فأنذر ..
(٣) تاريخ الإسلام للذهبي ١/ ٥٣٩، فتح الباري ٧/ ٧٢.
[ ٤٧ ]
بدأ أولًا بالدعوة سرًا، واستمر على هذه الحال طيلة ثلاث سنوات كما ذكر ابن إسحاق (^١) والواقدي (^٢) وغيرهما.
٤ ــ وإنما اختار ﷺ البدء بالدعوة سرًا لما كان يعلمه من تعنّت قريش وشدّة تعصبها لشركها ووثنيتها، فلم يكونوا ليقبلوا بدعوة التوحيد بسهولة ابتداء.
٥ ــ لكن بعد مرور ثلاث سنوات أمره الله بإظهار دينه، ونزل قول الحق ﵎: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِين﴾ [الحجر: ٩٤].
فحينها جَهَرَ النبيُّ ﷺ بدعوته واستعلن بها، فوقع الصدام بينه وبين قريش.
وبعض علماء السيرة يذكر أن الدعوة السرية انتهت بنزول قول الله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ﴾ [الشُّعَرَاءِ: ٢١٤].
إسلام وَرَقَة بن نَوْفَل:
قال المصنف: «وأسلَمَ القِسّ وَرَقَة بن نَوْفَلٍ، وصَدَّق بما وجدَ من وحي الله، وتمنّى أن لو كان جَذَعًا (^٣)، وذلك أولَ ما نَزَل الوحيُ، وجاء في حديثٍ أن رسُولَ الله ﷺ قال: «رأيتُ القِسّ عليه ثيابٌ بيضٌ»، وفي الصحيحين أنه قال: هذا الناموسُ الذي جاء موسى بن عِمْران. لما ذهبت خديجةُ به إليه، فَقَصَّ عليه رسُولُ الله ﷺ ما رأى من أمرِ جبريلَ ﵇».
الكلام عليه من وجوه:
١ ــ ورقة بن نوفل هو: ابن أسد بن عبد العزى القرشي، ابن عمّ خديجة
_________________
(١) بلاغًا بدون إسناد، انظر سيرة ابن هشام ١/ ٢٣٧.
(٢) طبقات ابن سعد ١/ ١٥٦.
(٣) شابًا قويًا.
[ ٤٨ ]
بنت خويلد زوج النبي ﷺ.
كان قد تنصّر في الجاهلية وتفقه في دينها، وهو الذي ذهبت إليه خديجة برفقة النبي ﷺ بعدما جاءه جبريل في الغار، فثبّته وطمأنه، وقال له: "هذا الناموس الذي نزّل الله على موسى، يا ليتني فيها جذعًا، ليتني أكون حيًّا إذ يُخرجك قومُك .. إلى أن قال: وإن يُدركني يومُك أنصرك نصرًا مُؤزرًا"، كما في الصحيحين (^١).
٢ ــ وقد اختلف في إسلام ورقة، والصواب أنه أسلم وآمن كما حققه جمع من أهل العلم، منهم المصنف، والحافظ العراقي (^٢)، وابن حجر (^٣)، والقسطلاني (^٤)، ويشهد لهذا ظاهر رواية الصحيحين التي سقناها.
وأما حديث الترمذي الذي ساقه المصنف: «رأيت القسَّ عليه ثياب بيض»، فإسناده ضعيف (^٥)، ويغني عنه حديث الصحيحين المتقدم.
وأيضًا ورد بإسناد صحيح مرفوعًا: «لا تسبوا ورقة بن نوفل فإني قد رأيت له جنة أو جنتين» (^٦).
_________________
(١) صحيح البخاري «٣»، صحيح مسلم «١٦٠».
(٢) التقييد والإيضاح للعراقي ص ٣١٢.
(٣) الإصابة لابن حجر ٦/ ٤٧٥.
(٤) إرشاد الساري ١/ ٤٢.
(٥) ضعف إسناده الألباني في ضعيف الترمذي «٢٢٨٨»، وشعيب الأرناؤوط في تحقيق مسند أحمد «٢٤٣٦٧».
(٦) أخرجه الحاكم في المستدرك ٢/ ٦٦٦، وقال: «صحيح على شرط الشيخين»، ووافقه الذهبي، وصححه العراقي في التقييد والإيضاح ص ٣١٢، والألباني في صحيح الجامع، «٧٣٢٠».
[ ٤٩ ]
٣ ــ وقد ترجم لورقة غير واحد من العلماء في الصحابة، منهم: ابن الأثير (^١) وابن حجر (^٢).
حماية أبي طالب للنبي ﷺ:
قال المصنف: «ودَخَلَ مَنْ شَرَحَ اللهُ صدرَه للإسلامِ على نورٍ وبصيرةٍ ومُعاينةٍ، فأخذهُم سفهاءُ أهلِ مكة بالأذى والعقوبة، وصَانَ اللهُ رسُولَه وحماه بعمّهِ أبي طالبٍ، لأنه كان شَريفًا مطاعًا فيهم، نبيلًا بيْنهم، لا يتجاسَرونَ على مفاجأته بشيءٍ في أمر محمد ﷺ لما يعلَمونَ من محبَّته له.
وكان من حكمةِ اللهِ بقاؤُه على دِينهم لما في ذلك من المصلحةِ. هذا ورسُولُ الله يدعو إلى الله ليلًا ونهارًا، سرًا وجهارًا، لا يصدُّه عن ذلك صَادٌّ، ولا يردُّه عنه رادٌّ، ولا يأخذُه في الله لومةُ لائمٍ».
الكلام عليه من وجوه:
١ ــ قوله: "فأخذهم سفهاء أهل مكة بالأذى": يشير إلى ما تعرض له المسلمون بمكة من ألوان الأذى والبلاء من قبل أقوامهم بسبب إسلامهم.
وكتب السنّة والسيرة طافحة بشواهد ذلك، وسيذكر المصنف بعضًا منها في الفصل القادم.
٢ ــ بل حتى من أسلم من ذوي الشرف والمكانة لم يسلموا من أذية أقوامهم، وكان الواحد منهم يُهَدَّدُ ويُقال له: "لنسفهنّ حلمك، ولنضعنّ شرفك"، وإن كان
_________________
(١) أسد الغابة ٥/ ٤١٦.
(٢) الإصابة لابن حجر ٦/ ٤٧٤.
[ ٥٠ ]
تاجرًا قيل له: "لنكسدنّ تجارتك، ولنهلكنّ مالك" (^١)، حتى يصدوه عن دين الله.
٣ ــ وأما النبي ﷺ فلم تجترئ قريش على أذيته جسديًا بسبب حماية عمّه أبي طالب له ووقوفه معه.
لكن بعد موت أبي طالب في السنة العاشرة من البعثة نالت قريش من النبي ﷺ جسديًا (^٢) أكثر من مرة، حتى قرروا قتله في النهاية، مما كان سببًا مباشرًا لهجرته إلى المدينة كما سيأتي تفصيله.
_________________
(١) سيرة ابن هشام ١/ ٢٧٩.
(٢) انظر على سبيل المثال حادثة خنق عقبة بن أبي معيط للنبي ﷺ عند الكعبة في صحيح البخاري «٣٨٥٦»، ووضعهم سلا الجزور على ظهره في صحيح مسلم «١٧٩٤».
[ ٥١ ]
فصل