قال المصنف: «ووُلد رسُولُ الله ﷺ يومَ الاثنين لليلتين خلتا من ربيع الأوّلِ. وقِيل: ثامنُه، وقِيل عاشرُه، وقِيل لثنتي عشرة منه، وذلكَ عَام الفيلِ على الصحيح.
ومات أبوه وهو حَمْل، واستُرضع له في بني سَعْدٍ، فأرضعته حَلِيمة السَّعدية، وأقامَ عندها في بني سَعْدٍ نحوًا من أربعِ سنين، وشُقّ عن فُؤادِه هناك، فردَّته إلى أُمّه. فخَرجتْ به أمُّه إلى المدينة؛ تزورُ أخوالَه بالمدينة، فتوفيت بالأَبواء، وهي راجعةٌ إلى مكة، وله من العُمُر ستّ سنين وثلاثة أشهر وعشرة أيام».
الكلام عليه من وجوه:
١ ــ قوله: "وُلد ﷺ يوم الاثنين .. إلى آخره": قلت: ثمة مواضع اتفاق ومواضع اختلاف في تحديد تاريخ مولده ﷺ.
فقد اتفق العلماء على أن مولده ﷺ كان في يوم الاثنين، كما صح بذلك حديث أبي قتادة الأنصاري أنه ﷺ سئل عن صوم يوم الاثنين؟ فقال: «ذاك يوم ولدت فيه، ويوم بعثت فيه» (^١). وكذلك اتفقوا تقريبًا على أن
_________________
(١) صحيح مسلم «١١٦٢»
[ ٢١ ]
مولده كان عام الفيل (^١).
وأما الشهر، فقال الحافظ ابن حجر: "الصحيح المشهور أنه في ربيع الأول" (^٢).
وحدده الجمهور باليوم الثاني عشر من شهر ربيع الأول، وهو قول ابن إسحاق شيخ السيرة (^٣)، الموافق لسنة: (٥٧١) للميلاد.
٢ ــ وقد صحبت ولادته الشريفة بعض العجائب والآيات؛ من ذلك أن أمه رأت حين حملت به كأن نورًا خرج منها، أضاءت له قصور الشام (^٤).
ــــ كذلك اشتهر في كتب السيرة أنه في اليوم الذي ولد فيه: إرتجس إيوان كسرى، وسقطت منه أربع عشرة شرفة، وخمدت نارُ المجوس، ولم تكن خمدت منذ ألف عام، وأن ماء بحيرة ساوة (^٥) ذَهَبَ في الأرض.
وهذه الثلاث الآيات وإن كانت قد اشتهرت في كتب السيرة إلا أنها لم تثبت من طريق يمكن الوثوق به (^٦).
_________________
(١) إكمال المعلم للقاضي عياض ٧/ ٣١٦، سبل الهدى والرشاد ١/ ٣٣٤.
(٢) فتح الباري ٧/ ١٦٤.
(٣) سيرة ابن هشام ١/ ١٤٦، البداية والنهاية ٣/ ٣٧٥، السيرة الحلبية ٣/ ٦٣٧.
(٤) رواه أحمد في المسند «١٧١٥١» بسند حسنه الحافظ الهيثمي مجمع الزوائد ٨/ ٢٢٢، وقال شعيب الأرناؤوط: "صحيح لغيره".
(٥) بحيرة ساوة: بحيرة مغلقة مالحة قرب نهر الفرات بالعراق، ترشح إليها المياه الجوفية من نهر الفرات عبر الصدوع والشقوق. وعمق المياه فيها يتراوح ما بين ٤ إلى ٥ أمتار، كما في الموسوعة الحرة المنشورة على شبكة الإنترنت.
(٦) السيرة النبوية الصحيحة للعُمري ١/ ١٠٠.
[ ٢٢ ]
وكأن المقصود بهذه الآيات تنبيه البشرية بأنها مقبلة على حدث كبير سوف يغير العالم، ويدخله دورًا جديدًا في الدين والأخلاق (^١).
٣ ــ وقوله: "ومات أبوه وهو حمل": هذا هو القول الراجح الذي عليه عامة علماء السيرة، وصححه الحافظ الذهبي (^٢). وقد ثبت ما يؤيده عن الإمام الزهري، أنه قال: "ولدت آمنةُ رسول الله ﷺ بعدما توفي أبوه" (^٣).
٤ ــ وقوله: "واستُرضع له في بني سعد": بنو سعد يُنسبون إلى سعد بن بكر بن هوازن، إحدى فروع قبيلة هوازن المعروفة التي كانت تسكن الطائف، وكانوا مشهورين بالفصاحة وسلامة اللغة، لذلك كانت قريش ترسل أبناءها إليهم في سنواتهم الأولى.
ورضاعه ﷺ في بني سعد بن بكر مما لا شك في ثبوته، وقد دلت عليه نصوص كثيرة، منها ما رواه ابن إسحاق قال: حدثني ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان، عن أصحاب رسول الله ﷺ أنهم قالوا: يا رسول الله، أخبرنا عن نفسك، فقال: «دعوة أبي إبراهيم، وبشرى عيسى، واستُرضعت في بني سعد بن بكر» (^٤).
٥ ــ وقوله: "فأرضعته حليمة السعدية": حليمة السعدية هي: بنت أبي ذؤيب، أسلمت بعد ذلك، وترجم لها غير واحد في الصحابة (^٥).
_________________
(١) السيرة النبوية للندوي ص ١٠٠.
(٢) تاريخ الإسلام ١/ ٤٩٩.
(٣) صحيح مسلم «١٧٧١».
(٤) سيرة ابن إسحاق ص ٥١، وقال ابن كثير في البداية والنهاية ٣/ ٤١٣: "إسناده جيد قوي".
(٥) الإصابة لابن حجر ٨/ ٨٧.
[ ٢٣ ]
وكذا أسلم زوجها، واسمه الحارث بن عبد العزى، والد النبي ﷺ بالرضاعة (^١).
ورضاعته ﷺ من حليمة ثابت من طرق عدة (^٢).
٦ ــ وكان النبي ﷺ قد رضع من ثويبة جارية عمّه أبي لهب بضعة أيام قبل أن يرضع من حليمة السعدية (^٣).
٧ ــ واسترضاعه ﷺ في بني سعد بن بكر فيه دلالة على عناية العرب ذلك الوقت بلغتهم العربية، حيث كانوا يرضعون أطفالهم في البادية لإكسابهم سلامة اللغة وفصاحة اللسان، وأيضًا لما في البادية من نقاء الهواء، وبعد أهلها عن مفاسد المدنية.
٨ ــ وقوله: "وأقام عندها في بني سعد نحوًا من أربع سنين": اختلف في عمر النبي ﷺ عندما ردّته حليمة إلى أمه، والمشهور الذي جزم به الحافظان العراقي وابن حجر ورجحه الزرقاني أنه كان في سنّ الرابعة بعد حادثة شقّ الصدر مباشرة (^٤).
وكان سبب ردّها له هو ما حصل له من حادثة شقّ الصدر، فقد خافت حليمة عليه، ورغبت في إخلاء مسؤوليتها عنه، بالرغم من شدة حبّها له وتعلقها به.
_________________
(١) المصدر السابق ١/ ٦٧٦.
(٢) السيرة النبوية الصحيحة للعُمري ١/ ١٠٣.
(٣) صحيح البخاري «٥١٠١»، صحيح مسلم «١٤٤٩».
(٤) شرح المواهب للزرقاني ١/ ٢٨٢.
[ ٢٤ ]
٩ ــ وقوله: ""وشُقّ عن فؤاده هناك فردّته إلى أمه": حادثة شقّ الصدر ذكرها ابن إسحاق في السيرة بإسناد جيد: أن النبي ﷺ قال: «استرضعت في بني سعد بن بكر، فبينا أنا مع أخ لي في بَهْمٍ لنا، أتاني رجلان عليهما ثياب بياض، معهما طست من ذهب مملوءة ثلجًا، فأضجعاني، فشقّا بطني، ثم استخرجا قلبي فشقاه، فأخرجا منه علقة سوداء، فألقياها، ثم غسلا قلبي وبطني بذاك الثلج، حتى إذا أنقياه، ردّاه كما كان» (^١).
وكان عمره ﷺ عندما شُقَّ صدره في بني سعد أربع سنوات أو خمسة (^٢).
١٠ ــ وقد حاول بعض المستشرقين ومن تلوث بأفكارهم إنكار حادثة الشقّ، وزعموا أنها أسطورة وخيال (^٣)!!
ورُدّ عليهم بأن الحادثة ذكرها عامة علماء السيرة في كتبهم المعتمدة، وأصلها مخرج في صحيح الإمام مسلم، ولم ينكرها أحدٌ من علماء المسلمين، فالواجب التصديق بها.
وما أحسن قول الحافظ ابن حجر في الرد على هؤلاء: "وجميع ما ورد من شقّ الصدر واستخراج القلب وغير ذلك من الأمور الخارقة للعادة مما يجب التسليم له دون التعرض لصرفه عن حقيقته لصلاحية القدرة فلا يستحيل شيء من ذلك" (^٤).
_________________
(١) سيرة ابن إسحاق ص ٥١، وقال ابن كثير في البداية والنهاية ٣/ ٤١٣: "إسناده جيد قوي". والحادثة أصلها في صحيح مسلم «٢٦١».
(٢) السيرة النبوية الصحيحة ١/ ١٠٣.
(٣) "حياة محمد"!! لهيكل ص ٨٠.
(٤) فتح الباري ٧/ ٢٠٥.
[ ٢٥ ]
١١ ــ وقد تكررت حادثة شقّ الصدر للنبي ﷺ على ما رجحه السهيلي مرتين (^١)، مرة في بني سعد بن بكر عندما كان صغيرًا، والثانية قبيل صعوده في رحلة الإسراء والمعراج، وسيأتي الحديث عنها بمشيئة الله تعالى.
١٢ - قوله: "فخرجت به أمّه إلى المدينة تزور أخواله (^٢)، فتوفيت بالأبواء وهي راجعة إلى مكة": هذه الحادثة رواها ابن إسحاق، قال حدثني عبد الله بن أبي بكر بن حزم به مرسلًا (^٣)، وبهذا جزم الذهبي وعامة كتاب السيرة (^٤).
١٣ - وقوله: "وله من العُمُر ستّ سنين وثلاثة أشهر وعشرة أيام": قلت: هكذا جزم به ابن إسحاق (^٥) والذهبي (^٦) وغيرهما دون ذكر عدد الأشهر والأيام.
حضانة أمّ أَيمن وكفالة عمّه أبي طالب:
قال المصنف: «فلمَّا ماتت أمُّه: حضنته أمُّ أَيمن وهي مولاتُه، ورثها من أبيه، وكَفلهُ جدُّه عبد المطَّلب، فلما بَلَغَ رسُولُ الله ﷺ من العُمُر ثماني سنين توفي جدُّه، وأوصى به إلى عمّه أبي طالب، لأنه كان شقيقَ عبد الله فكَفَلَه، وحاطَه أتم حِياطة، ونَصَرَه حين بعثَه الله أعزَّ نصرٍ، مع أنه كان مستمرًا على شركه إلى أن ماتَ،
_________________
(١) الروض الأنف ٢/ ١٧٣.
(٢) وهم بنو عدي بن النجار، ويطلق عليهم أخوال النبي تجوزًا، وإنما هم أخوال جدّه عبد المطلب، أما أخواله المباشرون فكانوا من قريش من بني زهرة.
(٣) سيرة ابن إسحاق ص ٦٥.
(٤) تاريخ الإسلام ١/ ٥٠٠.
(٥) سيرة ابن إسحاق ص ٦٥.
(٦) تاريخ الإسلام ١/ ٥٠٠.
[ ٢٦ ]
فخفَّفَ الله بذلك من عذابه كما صَحَّ الحديثُ بذلك».
الكلام عليه من وجوه:
١ ــ قوله: "حضنته أم أيمن": اسمها: بركة بنت ثعلبة الحبشية، مولاة النبي ﷺ وحاضنته، وقد زوجها ﷺ بمولاه زيد بن حارثة، وأنجبت له أسامة بن زيد ﵄، معدودة في الصحابة (^١).
٢ ــ وقوله: "فكَفَلَه ــ أبو طالبٍ ــ وحاطَه أتم حِياطةٍ، ونَصَرَه حين بعَثَه الله .. ": قلت: كفالة أبي طالب للنبي ﷺ وحَدَبه عليه وذوده عنه ونصرته له بعد بعثته قد صحت بها الأحاديث، كحديث العباس الآتي بعد قليل.
٣ ــ وقوله: "فخفَّفَ الله بذلك من عذابه": قلت: يشير إلى حديث العباس بن عبد المطلب في الصحيحين: أنه قال: يا رسول الله، هل نفعتَ أبا طالب بشيء، فإنه كان يحوطك ويغضب لك؟ قال: «نعم، هو في ضحضاح من نار، ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار» (^٢).
٤ ــ ولعل من أسباب بقاء أبي طالب على شركه رغم نصرته للنبي ﷺ ووقوفه معه هو التمسك بالإلف والعادة واتباع الآباء، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنْزَلَ اللّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ [المائدة: ١٠٤].
خروج عمّه به إلى الشَّام وما صَحِبَه من الآيات:
قال المصنف: «وخَرَجَ به عمُّه إلى الشَّام في تجارة وهو ابنُ ثنتي عشرة سنة، وذلك من تمام لطفِه بهِ، لعدمِ من يقوم به إذا تركه بمكة، فرأى هو وأصحابه ممن
_________________
(١) الإصابة لابن حجر ٨/ ٣٥٨.
(٢) صحيح البخاري «٣٨٨٣»، صحيح مسلم «٢٠٩» واللفظ لمسلم.
[ ٢٧ ]
خَرَجَ معه إلى الشَّام من الآيات فيه ﷺ ما زاد عمَّه في الوصاة بهِ والحرصِ عليهِ؛ كما رواه الترمذي في جامعه بإسنادٍ رجالُه كلُّهم ثقاتٍ، من تظليل الغَمَامةِ له ومَيْلِ الشجرة بظلّها عليه، وتبشير بَحيرا الرَّاهب به، وأمره لعمّه بالرجوع به لئلَّا يراه اليهود فيرومونه سوءًا، والحديث له أصلٌ محفوظٌ، وفيه زياداتٌ أُخر».
الكلام عليه من وجوه:
١ - قوله: "وخرج به عمه إلى الشام": هذه الحادثة أخرجها الترمذي في سننه، وابن إسحاق في السيرة (^١)، ورجالها كلهم ثقات ولها أصل محفوظ كما قال المصنف.
وقال الحافظ ابن حجر: "إسناده قوي" (^٢)، وقد صححها الحاكم في المستدرك (^٣)، وصححها بمجموع طرقها وشواهدها الدكتور أكرم ضياء العُمري (^٤)، والألباني (^٥)، على نكارة في بعض ألفاظ الحديث نبّه عليها العلماء.
٢ ــ وقد اكتفى المصنف بالإشارة إلى الحادثة، وخلاصتها: أن أبا طالب كان قد أراد الخروج إلى بلاد الشام في تجارة له، فرغب ابن أخيه في صحبته، فرقّ له واصطحبه. فلما وصل الركبُ بُصرى من بلاد الشام، كان بها راهب نصراني (^٦)
_________________
(١) سنن الترمذي (٣٦٢٠)، سيرة ابن هشام ١/ ١٨١.
(٢) فتح الباري ٧/ ٧١٦.
(٣) مستدرك الحاكم (٤٢٢٩).
(٤) السيرة النبوية الصحيحة ١/ ١٠٩.
(٥) صحيح سنن الترمذي ٣٦٢٠، والتعليق على فقه السيرة للغزالي ص ٦٩.
(٦) وقيل: يهودي.
[ ٢٨ ]
يقال له بَحِيرا، وكان عنده عِلْمٌ بالكتب السماوية، وقد علم منها قرب مبعث نبيّ، فكان يتحرّى خروجه.
فلما وصلت قافلة أبي طالب قرية بُصرى جذب انتباه الراهبَ غمامةٌ كانت تظلل شخصًا في القافلة، والشجر يميل عليه بفيئه، فدعاهم إلى طعام، وهناك تعرّف الراهب على النبي ﷺ من خلال صفاته وأحواله وخاتم النبوة الذي كان بين كتفيه.
وقد ورد عند ابن إسحاق (^١): أن بحيرا سأل أبا طالب: ما هذا الغلام منك؟ قال: ابني.
قال له بحيرا: ما هو بابنك، وما ينبغي لهذا الغلام أن يكون أبوه حيًا.
قال: فإنه ابن أخي. قال: فما فعل أبوه؟ قال: مات وأمه حبلى به.
قال: صدقت، فارجع بابن أخيك إلى بلده، واحذر عليه يهود، فوالله لئن رأوه وعرفوا منه ما عرفتُ ليبغنَّه شرًا، فإنه كائن لابن أخيك هذا شأن عظيم، فأسرع به إلى بلاده.
٣ ــ وقد استغل هذه الحادثة بعض المستشرقين والمبشرين للطعن في النبي ﷺ، فزعموا أنه عندما التقى مع الراهب بَحيرا تعلَّم منه مبادئ الدين، وأمدَّه الراهبُ بكثير من علوم أهل الكتاب، مما كان له بالغ الأثر في ادعائه النبوة بعد ذلك!!
بل زعم بعضهم أن النبي ﷺ تلقى القرآن كله من الراهب بحيرا!!
وكل هذا محض كذب وافتراء وخيال، لأن قصة التعليم والتلقي المزعوم ليس في الروايات ما يدل عليها؟!
_________________
(١) سيرة ابن هشام ١/ ١٨٢.
[ ٢٩ ]
ثم إن النبي ﷺ وقتها كان عمره ما بين العاشرة والثانية عشرة، وكان لقاؤه بالراهب قصيرًا عابرًا على دعوة طعام، فكيف تسنَّى في ذاك العمر الصغير وذاك اللقاء العابر أن يتعلَّم منه علوم أهل الكتاب وعقائدهم، هذه دعاوى باطلة عقلًا ونقلًا.
والعجيب أن هؤلاء المستشرقين لا يفتؤون يرددون مثل هذه الأباطيل في كتبهم، فتارة يزعمون أن النبي ﷺ تعلَّم من بحيرا الراهب!
وتارة يزعمون أنه تعلَّم من ورقة بن نوفل، أو من يهود مكة .. ومعلوم أن مكة لم يكن بها يهود آنذاك، إلى غير ذلك من الأباطيل والتفسيرات التي يريدون من ورائها إنكار الوحي وتكذيب الرسالة، كما قال أسلافهم من قبل: ﴿إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ [النحل: ١٠٣].
٤ ــ وقوله: "وفيه زيادات أخر": يريد المصنف أن الحديث مع كون أصله محفوظًا إلا أن بعض رواياته اشتملت على ألفاظ منكرة وباطلة.
ففي رواية الترمذي أن أبا طالب ردّ النبي ﷺ إلى مكة ومعه أبو بكر وبلال!!
وقد استنكر العلماء هذه اللفظة وقالوا: إن أبا بكر وقتها كان صبيًا في التاسعة، وبلال لعله من يخلق بعد. ورجح ابن حجر أن تكون هذه الزيادة وهم من أحد الرواة (^١).
خُروجُه الثَّاني إلى الشَّام وزواجُهُ من خَدِيجة:
قال المصنف: «ثم خَرجَ ثانيًا إلى الشامِ في تجارة لخديجة بنتِ خُويلد مع
_________________
(١) الإصابة لابن حجر ١/ ٤٧٦، تحفة الأحوذي للمباركفوري ١٠/ ٦٦.
[ ٣٠ ]
غلامها مَيْسَرة على سبيلِ القِراض (^١)، فرأى مَيْسَرةُ ما بَهَرَهُ من شأنه، فرجعَ فأخبر سيّدته بما رأى، فرغبت إليهِ أن يتزوجها؛ لما رجَتْ في ذلك من الخيرِ الذي جَمَعَه الله لها، وفوقَ ما يخطرُ ببال بشرٍ، فتزوَّجها رسُولُ الله ﷺ وله خمسٌ وعشرونَ سنة».
الكلام عليه من وجوه:
١ ــ خروجه ﷺ في تجارة لخديجة إلى أرض الشام ذكره ابن إسحاق مرسلًا بدون إسناد (^٢)، وصحح الرواية الحاكم في المستدرك، ووافقه الذهبي (^٣).
٢ ــ وهذا الخروج هو الثاني له ﷺ إلى بلاد الشام، وكان عمُرُه كما قال المصنف خمسًا وعشرين سنة، وعزاه الحافظ ابن حجر إلى الجمهور (^٤).
٣ ــ وخلاصة الحادثة أن خديجة بنت خويلد كانت امرأة تاجرة، وكانت تستأجر الرجال للعمل في مالها على سبيل القِراض والمضاربة. فلما سمعت عن صدق رسول الله وأخلاقه أرسلت إليه وطلبت منه أن يخرج إلى بلاد الشام في تجارة لها، فَقَبِلَ ذلك، وخرج في صحبته غلام لخديجة اسمه: ميسرة (^٥).
_________________
(١) القِراض: أن يكون المال من طرف والعمل من طرف آخر والربح بينهما على ما شرطا، ويسمى المضاربة.
(٢) سيرة ابن هشام ١/ ١٨٧.
(٣) المستدرك للحاكم ٢/ ٢٠٠، ورواية الحاكم تقول: إنها كانت سَفرتين.
(٤) فتح الباري ٧/ ١٣٤.
(٥) ذكر ابن حجر ميسرة في كتابه "الإصابة في تمييز الصحابة" ٦/ ١٨٩، وقال: "لم أقف على رواية صريحة بأنه بقي إلى البعثة، فكتبته على الاحتمال".
[ ٣١ ]
٤ ــ وقد حالف التوفيق هذه الرحلة فربحت تجارتُها، ورأى ميسرةُ من أمانة النبي ﷺ واستقامته ما أثار إعجابه فأخبر سيدته بذلك فرغبت في الزواج منه، ورأت فيه ضالتها المنشودة (^١).
٥ ــ وقد اختلفت الروايات في سنّ خديجة عندما تزوجت به ﷺ، فالمشهور أنها كانت في سنّ الأربعين، وهو قول الواقدي (^٢).
وقال ابن إسحاق: كانت في الثامنة والعشرين (^٣).
وليس عندنا رواية مسندة تفصل في المسألة، فالله أعلم.
٦ ــ وكانت خديجة هي أول امرأة تزوجها النبي ﷺ، وولدت له كل ولده، إلا إبراهيم فإنه من مارية القبطية كما تقدم.
٧ ــ وفي الحادثة دليل على اعتماد النبي ﷺ على نفسه في الكسب والعيشة قبل بعثته، فقد عمل أجيرًا لدى خديجة، وعمل قبلها راعيًا للغنم لبعض أهل مكة، وهكذا استطاع ﷺ في صغره وفي شبابه أن يستغني عمَّا في أيدي الناس، أو انتظار إحسانهم وشفقتهم.
صيانة الله لنبيّهِ ﷺ في صِغَره وشَبَابه:
قال المصنف: «وكان اللهُ سُبحانَه قد صَانَه وحَمَاه من صِغَره، وطهَّره من دَنَس الجاهِلية، ومن كلّ عَيب، ومَنَحَه كلّ خُلقٍ جَمِيل، حتى لم يَكن يُعرفُ بين قومِه إلا بالأَمين، لما شاهدوا مِنْ طهارتِه وصِدقِ حديثِه وأمانتِه. حتى إِنه لما بنت قريشٌ
_________________
(١) سيرة ابن هشام ١/ ٢٧٢، سبل الهدى والرشاد ٢/ ١٦٤.
(٢) طبقات ابن سعد ١/ ١٠٥.
(٣) مستدرك الحاكم ٣/ ٢٠٠.
[ ٣٢ ]
الكعبةَ في سنةِ خمسٍ وثلاثين من عمرِه فوصلوا إلى موضِعِ الحَجَر الأسودِ اشتجروا فيمن يَضَع الحَجَر موضعه، فقالت كلُّ قبيلة: نحن نَضَعه، ثم اتَّفقُوا على أن يَضَعَه أولُّ داخلٍ عليهم، فكان رسُولُ الله ﷺ، فقالوا: جاء الأَمينُ، فَرضُوا به، فأَمَر بثوبٍ، فوَضَع الحَجَر في وسَطَه، وأَمرَ كلّ قبيلةٍ أن تَرفَع بجانبٍ مِنْ جَوانب الثوبِ، ثم أخذ الحَجَر فوَضَعَه موضِعَه ﷺ».
الكلام عليه من وجوه:
١ ــ صيانة الله ﷿ لنبيّه وحفظه له منذ صغره مما تواترت به النصوص، فلم يُعرف عنه شيء ﷺ من انحرافات أهل، سواء في العقيدة أو السلوك. ولم يُعرف عنه ﷺ أنه مسَّ صنمًا أو شرب خمرًا، وكان يأبى مشاركة قريش في أعيادهم وشعائرهم الوثنية (^١).
٢ ــ ومن شواهد حفظ الله له في أيام شبابه أنه ﷺ: أراد مرّة حين كان شابًا أن يسمُر كما يسمُر فتيان مكة، فقال لغلام كان يرعى الغنم معه: لو أبصرتَ لي غنمي حتى أدخل مكة وأسمُر بها كما يسمُر الفتيان! فخرج حتى إذا كان عند أول دار سمع عزفًا، فقال: ما هذا؟ فقالوا: تزوج فلان بفلانة، فجلس يستمع، فضرب الله على أذنيه، فنام، فما أيقظه إلا حرّ الشمس، ثم إنه حاول مرة أخرى فأصابه مثل ما أصابه في المرة الأولى، فما عاد إلى ذلك بعدها (^٢).
_________________
(١) عيون الأثر ١/ ٥٦.
(٢) رواه ابن إسحاق في سيرته ص ٧٩، ومن طريقه الحاكم في المستدرك ٤/ ٢٣٧، وصححه على شرط مسلم، ووافقه الذهبي، وقال الحافظ ابن حجر: "إسناده حسن متصل" كما نقله عنه الصالحي في سبل الهدى والرشاد ٢/ ١٤٨.
[ ٣٣ ]
٣ ــ ومن الشواهد ما رواه زيد بن حارثة، قال: كان صنم من نحاس يقال له: إِساف أو نائلة، يتمسح به المشركون إذا طافوا، فطاف رسول الله ﵌ فطفت معه، فلما مررت مسحت به، فقال رسول الله ﵌: لا تمسَّه! فقال زيد: فطفت فقلت في نفسي لأمسَّنَّه حتى أنظر ما يكون، فمسحته، فقال رسول الله ﵌: ألم تُنه؟! (^١).
٤ ــ وفي الصحيحين من حديث جابر بن عبد الله يحدث: «أن رسول الله ﷺ كان ينقل معهم الحجارة للكعبة وعليه إزاره»، فقال له العبَّاس عمّه: يا ابن أخي، لو حللتَ إزارك فجعلت على منكبيك دون الحجارة، قال: «فحلَّه فجعله على منكبيه، فسقط مغشيًا عليه، فما رُئي بعد ذلك عريانًا ﷺ» (^٢).
وعلق الحافظ ابن حجر على هذا الحديث قائلًا: "وفي الحديث أنه ﷺ كان مصونًا عما يستقبح قبل البعثة وبعدها" (^٣).
٥ ــ ويكفي في الدلالة على حال النبي ﷺ قبل بعثته شهادة زوجه خديجة له وهي أعلم الناس به حين قالت له: "إنك لتصل الرحم، وتحمل الكَلّ، وتُكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق" (^٤).
٦ ــ وأما حادثة اختصام قريش حول من يضع الحجر الأسود في مكانه عندما جددت بناء الكعبة، وما أشار به النبي ﷺ من الرأي السديد، فهذه حادثة مشهورة
_________________
(١) دلائل النبوة للبيهقي ٢/ ٣٤، وحسنه الذهبي في تاريخ الإسلام ١/ ٥١٦.
(٢) صحيح البخاري «٣٦٤» واللفظ له، صحيح مسلم «٣٤٠».
(٣) فتح الباري ١/ ٤٧٥.
(٤) صحيح البخاري «٣»، صحيح مسلم «٢٥٢».
[ ٣٤ ]
مخرجة في مسند أحمد وغيره من كتب السنة بإسناد صحيح (^١).
٧ ــ وفي الحادثة دليل على ما كان يتمتع به ﷺ من مكانة أدبية في أوساط قريش قبل البعثة، فإن قريشًا قالت لما دخل عليهم النبي ﷺ من باب المسجد: "جاء الأمين"، ورضوا بحكمه كما ورد في الرواية المذكورة.
_________________
(١) مسند أحمد «١٥٥٠٤»، وقال الحاكم في المستدرك ١/ ٦٢٨: "صحيح على شرط مسلم، وله شاهد صحيح على شرطه"، وكذا صحح إسناده شعيب الأرناؤوط.
[ ٣٥ ]