تفكيره في غزو الروم- جيش أسامة- بدء مرض النبي- ذهابه إلى مقابر المسلمين وصلاته على أهل أحد- شكواه من وجع رأسه- الحمى- أمره أبا بكر أن يصلي بالناس- صحو الموت- اختيار الرفيق الأعلى.
حجة الوداع
تمّت حجّة الوداع وآن لعشرات الألوف ممن صحبوا النّبي فيها أن يعودوا إلى ديارهم، فأنجد منهم أهل نجد، وأتهم أهل تهامة، وانحدر إلى الجنوب أهل اليمن وحضرموت وما حاذاها. وسار النبي وأصحابه ميممين المدينة حتى إذا بلغوها أقاموا بها في أمن من شبه الجزيرة كلها، وفي تفكير متصل من جانب محمد في أمر البلاد الخاضعة للروم والفرس بالشام ومصر والعراق. فهو قد أمن من ناحية شبه جزيرة العرب جمعاء بعد أن دخل الناس في دين الله أفواجا، وبعد أن جعلت الوفود تقبل تترى إلى يثرب تعلن الطاعة وتتفيأ ظلالها تحت لواء الإسلام، وبعد أن انحاز العرب جميعا إليه في حجّة الوداع. وكيف لا يخلص ملوك العرب في ولائهم للنبيّ ولدينه ولم يبق لهم أحد ما أبقاه لهم النبيّ الأميّ من سلطان واستقلال ذاتي. أو لم يبق بدهان عامل فارس على أرض اليمن في ملكه حين أعلن بدهان إسلامه وحرص على وحدة العرب وألقى نير المجوس؟ ولم يكن ما يقوم به بعضهم في أنحاء من شبه الجزيرة من حركات تشبه الانتقاض ليستغرق من النبي شيئا من التفكير أو ليثير في نفسه شيئا من المخاوف، بعد أن انبسط سلطان الدين الجديد على كل الأنحاء، وعنت الوجوه للحيّ القيوم، وآمنت القلوب بالله الواحد القهار.
مدعو النبوة طليحة والأسود ومسيلمة
لذلك لم يثر قيام الذين قاموا إذ ذاك يدّعون النبوّة عناية محمد ولا اهتمامه. صحيح أن بعض القبائل القاصية عن مكة كانت تسرع، بعد الذي عرفت عن محمد ونجاح دعوته، إلى الإستماع لمدّعي النبوّة من أهل قبيلتهم، وتودّ لو يكون لها من الحظ ما أوتيت قريش، وأن هذه القبائل كانت لبعدها عن مقرّ الدين الجديد لا تعرف كل أمره. لكن الدعوة الحق إلى الله كانت قد تأصلت في بلاد العرب، فلم تكن مقاومتها أمرا يسيرا.
وما لاقى محمد في سبيل هذه الدعوة كان قد انتشر في الآفاق خبره، ولم يكن مستطاعا لغير ابن عبد الله احتماله. وكل إدّعاء أساسه البهتان لا مفرّ أن ينكشف سريعا بهتانه. فكل إدّعاء للنبوّة لم يكن مقدّرا له أي نجاح ذي بال. قام طليحة، زعيم بني أسد وأحد أشاوس العرب في الحرب ومن ذوي السلطان بنجد، وزعم
[ ٣٠٨ ]
أنه نبيّ ورسول، وأيّد زعمه بالتنبؤ بموقع الماء في يوم كان قومه فيه يسيرون ويكاد الظمأ يقتلهم. لكنه بقي خائفا من الانتقاض على محمد طوال حياة محمد، ولم يعلن الثورة إلا بعد أن قبض الله إليه رسوله. وهزم ابن الوليد طليحة في ثورته هذه، فانضم من جديد إلى صفوف المسلمين وحسن إسلامه. ولم يكن مسيلمة ولا كان الأسود العنسيّ خيرا مكانا من طليحة طيلة حياة النبي. بعث مسيلمة إلى النبي ﵇ يقول: إنه نبيّ مثله، «وإن لنا نصف الأرض ولقريش نصف الأرض، ولكن قريشا قوم لا يعدلون» . فلما تلا الخطاب نظر النبي لرسولي مسيلمة وأبدى لهما أنه كان يأمر بقتلهما لولا أنّ الرسل في أمن، ثم أجاب مسيلمة بأنه سمع إلى كتابه وما فيه من كذب، وأن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده الصالحين، والسلام على من اتبع الهدى.
وأمّا الأسود العنسيّ، صاحب اليمن بعد موت بدهان، فقد جعل يدّعي السحر ويدعو الناس إليه خفية، حتى إذا عظم أمره سار من الجنوب وطرد عمال محمد على اليمن، وتقدّم إلى نجران وقتل فيها ابن بدهان ووارث عرشه، وبنى بزوجه، ونشر في تلك الأصقاع سلطانه. ولم يثر استفحال أمره عناية محمد، ولا استدعى من اهتمامه أكثر من أن بعث إلى عمّاله باليمن كي يحيطوا بالأسود أو يقتلوه. ونجح المسلمون في تأليب اليمن من جديد على الأسود، وقتله زوجه انتقاما منه لقتله زوجها الأوّل ابن بدهان.
التفكير في غزو الروم
كان تفكير محمد وكانت عنايته متجهين إذا إلى الشمال بعد عوده من حجة الوداع، وكان من ناحية الجنوب آمنا مطمئنّا. والحق أنه منذ غزوة مؤتة، ومنذ عاد المسلمون قانعين من الغنيمة بالإياب، مكتفين بما أبدى خالد بن الوليد من مهارة في الانسحاب، كان محمد يحسب لناحية الروم حسابها، ويرى ضرورة توطيد سلطان المسلمين على حدود الشام حتى لا يعود إليها الذين جلوا عن شبه الجزيرة إلى فلسطين يناوئون أهلها.
ولهذا جهّز الجيش العرم الذي جهّز حين بلغه تفكير الروم في مهاجمة حدود شبه الجزيرة، وسار هو على رأسه حتى بلغ تبوك، فألفى الروم قد انسحبوا إلى داخل بلادهم وحصونهم من هيبته. لكنه مع هذا ظلّ يقدّر لناحية الشمال أن تثور الذكريات بحماة المسيحية وأصحاب الغلب في ذلك العصر من أهل الإمبراطورية الروميّة، فيعلنوا الحرب على من أجلوا النصرانية عن نجران وغير نجران من أنحاء بلاد العرب. لذلك لم يطل بالمسلمين المقام بالمدينة بعد عودهم من حجّة الوداع بمكة حتى أمر النبيّ بتجهيز جيش عرم إلى الشام، جعل فيه المهاجرين الأولين ومنهم أبو بكر وعمر، وأمّر على الجيش أسامة بن زيد بن حارثة.
وصية النبي لأسامة
وكان أسامة بن زيد يومئذ حدثا لا يكاد يعدو العشرين من سنّه؛ فكان لإمارته على المتقدمين الأوّلين من المهاجرين ومن كبار الصحابة ما أثار دهشة النفوس لولا إيمانها الصادق برسول الله. والنبيّ إنما أراد بتعيين أسامة بن زيد أن يقيمه مقام أبيه الذي استشهد في موقعة مؤتة، وأن يجعل له من فخار النصر ما يجري به ذلك الاستشهاد، وما يبعث إلى جانب ذلك في نفس الشباب الهمة والحميّة، ويعوّدهم الاضطلاع بأعباء أجسم التبعات. وأمر محمد أسامة أن يوطئ الخيل تخوم البلقاء والداروم من أرض فلسطين على مقربة من مؤتة حيث قتل أبوه، وأن ينزل على أعداء الله وأعدائه في عماية الصبح، وأن يمعن فيهم قتلا، وأن يحرقهم بالنار، وأن يتمّ ذلك دراكا حتى لا تسبق إلى أعدائه أنباؤه. فإذا أتمّ الله النّصر لم يطل بقاءه بينهم، وعاد غانما مظفرا.
وخرج أسامة والجيش معه إلى الجرف (على مقربة من المدينة) يتجهّزون للسفر إلى فلسطين. وإنهم
[ ٣٠٩ ]
لفي جهازهم إذ حال مرض رسول الله، ثم اشتداد المرض به، دون مسيرهم. وقد يسأل إنسان: كيف يحول مرض رسول الله دون مسيرة جيش أمر بجهازه وسفره؟ لكن مسيرة جيش إلى الشام يقطع البيد والصحاري أياما طويلة ليست بالأمر الهين ولم يكن يسهل على المسلمين، والنبي أحبّ إليهم من أنفسهم، أن يتركوا المدينة وهو يشكو المرض وهم لا يعلمون ما وراء هذا المرض. ثم إنهم لم يعرفوا قط من قبل أنه شكا مرضا ذا بال، فهو لم يصب من المرض بأكثر من فقد الشهيّة في السنة السادسة من الهجرة حين قيل كذبا إن اليهود سحروه، ومن ألم أصابه واحتجم من أجله حين أكل من الشاة المسمومة في السنة السابعة من الهجرة. ثم إن حياته وتعاليمه كانت تنأى به وبكل من يتّبعها عن المرض. فهذا الزّهد في الطعام ونيل القليل منه، وهذه البساطة في الملبس والعيش، وهذه النظافة التامة نظافة يقتضيها الوضوء ويحبها محمد ويحرص عليها، حتى ليقول: إنه لولا خيفته أن يشق على قومه لفرض عليهم السّواك في اليوم خمس مرات، وهذا النشاط الدائم؛ نشاط العبادة من ناحية ونشاط الرياضة من ناحية أخرى. وهذا القصد في كل شيء، وفي الملذات قبل كل شيء. وهذا السموّ عن عبث الأهواء، وهذه الرفعة النفسيّة لا تدانيها رفعة، وهذا الاتصال الدائم بالحياة وبالكون في خير صور الحياة وأدق أسرار الكون- هذا كله يجنب صاحبه المرض ويجعل الصحة بعض حظه. فإذا كان سليم التكوين، قوي الخلق، كما كان محمد، جفاه المرض ولم يعرف إليه سبيلا. فإذا مرض كان طبيعيّا أن يخاف محبوه وأصحابه، وكان طبيعيّا أن يخافوا وهم قد رأوا ما عاناه من مصاعب الحياة خلال عشرين سنة متتابعة.
فهو منذ بدأ يجهز بدعوته في مكة مناديا الناس بعبادة الله وحده لا شريك له وبترك الأصنام مما كان يعبد آباؤهم، قد لقى من العنت ما تنوء به النفوس مما شتّت عنه أصحابه الذين أمرهم فهاجروا إلى الحبشة، وما اضطرّه للاحتماء بشعاب الجبل حين أعلنت قريش قطيعته. وهو حين هاجر من مكة إلى المدينة بعد بيعة العقبة قد هاجر في أدقّ الأحوال وأشدها تعرّضا للخطر، وهاجر وهو لا يعرف ما قدر له بالمدينة. وقد كان بها في الفترة الأولى من مقامه موضع دسّ اليهود وعبثهم. فلما نصره الله وأذن أن يدخل الناس من أنحاء شبه الجزيرة في دين الله أفواجا، ازداد عمله وتضاعف مجهوده وظلّ تعهّد ذلك كله يقتضيه من بذل الجهود ما ينوء بالعصبة أولى القوة، وإن له﵊- في بعض الغزوات لمواقف تشيب من هولها الولدان. وأيّ موقف أشدّ هولا من موقفه يوم أحد حين ولى المسلمون، وسار وهو يصعد في الجبل ورجال قريش يشتدّون في تتبعه، ويرمونه حتى كسرت زباعيته! وأيّ موقف أشدّ هولا من موقفه يوم حنين حين ارتدّ المسلمون في عماية الصبح مولّين الأدبار، حتى قال أبو سفيان: إن البحر وحده هو الذي يردّهم، ومحمد واقف لا يرتد ولا يتراجع وينادي في المسلمين: إلى أين، إلى أين! إليّ، إليّ، حتى عادوا وحتى انتصروا!. والرسالة! والوحي! وهذا المجهود الروحي المضني في اتصاله بسرّ الكون وبالملأ الأعلى، هذا المجهود الذي روي بسببه عن النبيّ أنه قال: شيبتني هود وأخواتها! رأى أصحاب محمد هذا كله، ورأوه يحمل العبء صلبا قويّا لا يعرف المرض إليه طريقا. فإذا مرض من بعد ذلك، فمن حق أصحابه أن يخافوا وأن يتمهّلوا في السير من معسكرهم بالجرف إلى الشام، حتى تطمئن نفوسهم إلى ما يكون من أمر الله في نبيه ورسوله.
خطاب النبي أهل المقابر
وحادث وقع جعلهم أشد خوفا؛ فقد أرق محمد ليلة أوّل ما بدأ يشكو وطال أرقه، وحدّثته نفسه أن يخرج في ليل تلك الأيام، أيام الصيف الرقيقة النسيم، فيما حول المدينة، وخرج ولم يستصحب معه أحدا إلا مولاه أبا مويهبة. أفتدري أين ذهب؟ ذهب إلى بقيع الغرقد حيث مقابر المسلمين على مقربة من المدينة. فلمّا وقف بين المقابر قال يخاطب أهلها: «السلام عليكم يا أهل المقابر ليهنئ لكم ما أصبحتم فيه مما أصبح الناس
[ ٣١٠ ]
فيه. أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم يتبع آخرها أوّلها، الآخرة شرّ من الأولى» . حدّث أبو مويهبة أن النبيّ قال له أوّل ما بلغنا بقيع الغرقد: «إني أمرت أن أستغفر لأهل هذا البقيع فانطلق معي» . فلمّا استغفر لهم وآن له أن يؤوب، أقبل على أبي مويهبة فقال له: «يا أبا مويهبة، إني قد أوتيت مفاتيح خزائن الدنيا والخلود فيها ثم الجنة، فخيّرت بين ذلك وبين لقاء ربي والجنة» . قال أبو مويهبة: بأبي أنت وأمي! فخذ مفاتيح خزائن الدنيا والخلد فيها ثم الجنة. قال محمد: «لا والله يا أبا مويهبة! لقد اخترت لقاء ربي والجنّة» .
تحدّث أبو مويهبة بما رأى وما سمع؛ لأنّ النبيّ بدأ يشكو المرض غداة تلك الليلة التي زار فيها البقيع، فاشتد خوف الناس ولم يتحرّك جيش أسامة. صحيح أن هذا الحديث الذي يروى عن أبي مويهبة يلقاه بعض المؤرخين بشيء من الشك، ويذكرون أن مرض محمد لم يكن وحده هو الذي حال دون تحرّك الجيش إلى فلسطين، وأن تذمّر الكثيرين من تعيين حدث كأسامة على رأس جيش يضم جلّة المهاجرين الأوّلين والأنصار، كان أكبر من مرض محمد في عدم تحرّك الجيش أثرا. وقد اعتمد هؤلاء المؤرخون في تدوين رأيهم هذا على وقائع يتلوها القارئ في هذا الفصل. وإذا كنا لا نناقش أصحاب هذا الرأي رأيهم في تفاصيل هذا الذي روى أبو مويهبة، فإننا لا نرى مسوّغا لإنكار الحادث من أساسه، وإنكار ذهاب النبيّ إلى بقيع الغرقد واستغفاره لأهل المقابر من ساكنيه ودقة إدراكه اقتراب ساعته، ساعة، ساعة الدنو من جوار الله. فالعلم لا ينكر في عصرنا الحاضر مناجاة الأرواح على أنها بعض المظاهر النفسية.) Psychique (ودقّة الإدراك لدنوّ الأجل يؤتاها الكثيرون حتى ليستطيع أي إنسان أن يقص مما عرف من وقائع ذلك شيئا غير قليل. ثم إن هذه الصلة بين الأحياء والموتى، وهذه الوحدة بين الماضي والمستقبل، وحدة لا يحدّها زمان ولا مكان، قد أصبحت مقررة اليوم وإن كنا بطبيعة تكويننا نقصر عن استجلاء صورتها. فإذا كان ذلك بعض ما نرى اليوم وبعض ما يقرّه العلم، فلا محلّ لإنكار هذا الحادث الذي روى أبو مويهبة من أسامه، ولا محل لهذا الإنكار بعد الذي ثبت من اتصال محمد النفسيّ والرّوحيّ بعوالم الكون اتصالا يجعله يدرك من أمره أضعاف ما يدرك الموهوبون في هذه الناحية.
يداعب عائشة على رغم مرضه
وأصبح محمد في الغداة ومرّ بعائشة، فوجدها تشكو صداعا في رأسها وتقول: وا رأساه. فقال لها وقد بدأ يحسّ ألم المرض: بل أنا والله يا عائشة وا رأساه. لكن شكوه لم يكن قد اشتدّ إلى الحدّ الذي يلزمه الفراش، أو يحول بينه وبين ما عوّد أهله وأزواجه من تلطّف ومفاكهة. وكرّرت عائشة الشكوى من صداعها حين سمعته يشكو؛ فقال لها وما ضرّك لو متّ قبلي فقمت عليك وكفنتك وصلّيت عليك ودفنتك! وأثارت هذه الدّعابة غيرة الأنوثة في نفس عائشة الشابة كما أثارت عندها حبّ الحياة والحرص عليها، فأجابت:
«ليكن ذلك حظّ غيري. والله لكأني بك لو قد فعلت ذلك لقد رجعت إلى بيتي فأعرست فيه ببعض نسائك» . وتبسّم النبيّ وإن لم يمكّنه الألم من متابعة الدعابة، فلمّا سكن عن الألم بعض الشيء قام يطوف بأزواجه كما عوّدهن. لكن الألم جعل يعاوده وتزداد به شدّته، حتى إذا كان في بيت ميمونة لم يطق مغالبته، ورأى نفسه في حاجة إلى التمريض. هنالك دعا نساءه إليه في بيت ميمونة واستأذنهنّ، بعد أن رأين حاله، أن يمرّض في بيت عائشة. وأذن له أزواجه في الانتقال؛ فخرج عاصبا رأسه، يعتمد في مسيرته على عليّ بن أبي طالب وعلى عمه العباس، وقدماه لا تكادان تحملانه حتى دخل بيت عائشة.
[ ٣١١ ]
اشتداد الحمى وخروجه إلى المسجد
وزادت به الحمى في الأيام الأولى من مرضه، حتى لكان يشعر كأن به منها لهبا. لكن ذلك لم يكن يمنعه ساعة تنزل الحمى من أن يمشي إلى المسجد ليصلي بالناس. وظلّ على هذا عدّة أيام، لا يزيد على الصلاة ولا يقوى على محادثة أصحابه ولا خطابهم، وإن لم يحل ذلك دون أن يصل الهمس إلى أذنه بما يقول الناس إنه أمّر غلاما حدثا على جلّة المهاجرين والأنصار لغزو الشام. ومع أنه كان يزداد وجعه كلّ يوم شدّة، لقد شعر من هذا الهمس بضرورة التحدّث إلى الناس حتى يعهد إليهم؛ فقال لأزواجه وأهله: «هريقوا عليّ سبع قرب من آبار شتّى حتى أخرج إلى الناس فأعهد إليهم» . وجىء بالماء من آبار مختلفة، وأقعده أزواجه في مخضب «١» لحفصة، وصببن عليه ماء القرب السبع حتى طفق يقول: حسبكم حسبكم. ولبس ثيابه وعصب رأسه وخرج إلى المسجد وجلس على المنبر، فحمد الله ثم صلى على أصحاب أحد واستغفر لهم وأكثر من الصلاة عليهم، ثم قال: «أيها الناس أنفذوا بعث أسامة. فلعمري لئن قلتم في إمارته لقد قلتم في إمارة أبيه من قبله. وإنه لخليق للإمارة وإن كان أبوه لخليقا لها» . وسكت محمد هنيهة خيّم الصمت على الناس أثناءها. ثم عاد إلى الحديث فقال: «إن عبدا من عباد الله خيّره الله بين الدنيا والآخرة وبين ما عنده فاختار ما عند الله» .
وسكت محمد من جديد والناس كأنما على رؤسهم الطير. لكن أبا بكر أدرك أن النبي إنما يعني بهذه العبارة الأخيرة نفسه، فلم يستطع لرقّة وجدانه وعظيم صداقته للنبي أن يمسك عن البكاء، فأجهش وقال: بل نحن نفديك بأنفسنا وأبنائنا! وخشي محمد أن تمتد عدوى التأثر من أبي بكر إلى الناس، فأشار إليه قائلا: على رسلك يا أبا بكر. ثم أمر أن تقفل جميع الأبواب المؤدية إلى المسجد إلا باب أبي بكر فلمّا أقفلت قال: «إني لا أعلم أحدا كان أفضل في الصحبة عندي يدا منه. وإني لو كنت متخذا من العباد خليلا لا تخذت أبا بكر خليلا ولكن صحبة وإخاء إيمان حتى يجمع الله بيننا عنده» . ونزل محمد عن المنبر يريد أن يعود بعد ذلك إلى بيت عائشة، على أنه لم يلبث أن التفت إلى الناس وقال:
إيصاؤه المهاجرين بالأنصار
«يا معشر المهاجرين استوصوا خيرا؛ فإن الناس يزيدون والأنصار على هيئتها لا تزيد. وإنهم كانوا عيبتي «٢» التي أويت إليها، فأحسنوا إلى محسنهم وتجاوزوا عن مسيئهم» .
ودخل محمد بيت عائشة. لكن المجهود الذي أنفقه يومئذ وهو في مرضه قد كان من شأنه أن زاد وطأة المرض شدّة. وأي مجهود بالنسبة لمريض تساوره الحمى يخرج بعد أن تصبّ عليه سبع قرب من الماء، ويخرج تثقله أكبر الشواغل: جيش أسامة، ومصير الأنصار من بعده، ومصير هذه الأمة العربية التي ربط الدين الجديد بأقوى الأواصر وأمتن الروابط بينها. لذلك حاول أن يقوم في غده ليصلي بالناس كما عوّدهم، فإذا هو لا يقدر. إذ ذاك قال: مروا أبا بكر فليصلّ بالناس. وكانت عائشة تحرص على أن يؤدّي النبيّ الصلاة لما في ذلك من مظهر الصحة، فقالت: إن أبا بكر رجل رقيق ضعيف الصوت كثير البكاء إذا قرأ القرآن. قال محمد: مروه فليصل بالناس، فكررت عائشة قولها. فصاح محمد بها والمرض يهزّه: إنّكن صواحب يوسف! مروه فليصلّ بالناس. وصلى أبو بكر بالناس كأمر النبي. وإنه لغائب يوما إذ دعا بلال إلى الصلاة ونادى عمر أن يصلي بالناس مكان أبي بكر. وكان عمر جهير الصوت؛ فلما كبّر في المسجد سمعه محمد من بيت عائشة
_________________
(١) المخضب: الطست.
(٢) عيبتي: خاصتي وموضع سري. والعرب تكنى عن القلوب والصدور بالعياب، لأنها مستودع السرائر ومستودع الثياب.
[ ٣١٢ ]
فقال: «فأين أبو بكر؟ يأبى الله ذلك والمسلمون» . ومن هنا ظنّ بعضهم أن النّبيّ استخلف أبا بكر من بعده أن كانت الصلاة بالناس أول مظهر للقيام مقام رسول الله.
ابنته فاطمة وحديثه لها
وبلغت به شدة المرض حدّا آلمه. ذلك أن الحمّى زادت به حتى لقد كانت عليه قطيفة، فإذا وضع أزواجه وعوّاده أيديهم من فوقها شعروا بحرّ هذه الحمّى المضنية. وكانت ابنته فاطمة تعوده كل يوم، وكان يحبها ذلك الحب الذي يمتلئ به وجود الرجل للابنة الواحدة الباقية له من كل عقبه. لذلك كانت إذا دخلت على النبقّي قام إليها وقبّلها وأجلسها في مجلسه. فلمّا بلغ منه المرض هذا المبلغ دخلت عليه فقبّلته؛ فقال:
مرحبا بابنتي، ثم أجلسها إلى جانبه وأسرّ إليها حديثا فبكت، ثم أسرّ إليها حديثا آخر فضحكت. فسألتها عائشة في ذلك؛ فقالت: ما كنت لأفشي سرّ رسول الله ﷺ. فلمّا مات ذكرت أنه أسرّ إليها أنه سيقبض في مرضه هذا فبكت، ثم أسرّ أنها أول أهله يلحقه، فضحكت. وكانوا لاشتداد الحمّى به يضعون إلى جواره إناء به ماء بارد، فما يزال يضع يده فيه ويمسح بها على وجهه. وكانت الحمّى تصل به حتى يغشى عليه أحيانا ثم يفيق وهو يعاني منها أشد الكرب؛ حتى قالت فاطمة يوما وقد حزّ الألم في نفسها لشدة ألم أبيها: واكرب أبتاه! فقال: لا كرب على أبيك بعد اليوم. يريد أنه سينتقل من هذا العالم عالم الأسى والألم.
أراد أن يكتب لهم كتابا فاختلفوا
وحاول أصحابه يوما تهوين الألم على نفسه، فذكروا له نصائحه ألا يشكو المريض. فأجابهم: إن ما به أكثر مما يكون في مثل هذه الحال برجلين منهم. وفيما هو في هذه الشدّة وفي البيت رجال قال: «إيتوني بدواة وصحيفة أكتب لكم كتابا لا تضلّوا بعده أبدا» . قال بعض الحاضرين: إن رسول الله ﷺ قد غلبه الوجع، وعندكم القرآن، وحسبنا كتاب الله. ويذكرون أن عمر هو الذي قال هذه المقالة. واختلف الحضور، منهم من يقول: قربوا يكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده. ومنهم من يأبى ذلك مكتفيا بكتاب الله، فلمّا رأى محمد خصومتهم قال: قوموا! ما ينبغي أن يكون بين يدي النبيّ خلاف. وما فتئ ابن عباس بعدها يرى أنهم أضاعوا شيئا كثيرا بأن لم يسارعوا إلى كتابه ما أراد النبيّ إملاءه. أمّا عمر فظلّ ورأيه، أن قال الله في كتابه الكريم: (ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ) «١» .
وتناقل الناس ما بلغ من اشتداد المرض بالنبي، حتى هبط أسامة وهبط الناس معه الجرف إلى المدينة.
ودخل أسامة على النبيّ في بيت عائشة، فإذا هو قد أصمت «٢» فلا يتكلم. فلما بصر بأسامة جعل يرفع يده إلى السماء ثم يضعها على أسامة علامة ادّعاء له.
غضبه لمعالجة أهله إياه
ورأى أهله وهذه حاله أن يسعفوه بعلاج، فأعدّت أسماء قريبة ميمونة شرابا كانت عرفت أثناء مقامها بالحبشة كيف تعدّه، وانتهزوا فرصة إغماءة من إغما آت الحمّى فصبّوه فيه. فلما أفاق قال: من صنع هذا؟
ولم فعلتموه؟!. قال عمه العبّاس: خشينا يا رسول الله أن تكون بك ذات الجنب. قال: ذلك داء ما كان الله ﷿ ليقذفني به!. ثم أمر بمن في الدار، خلا عمّه العباس، أن يتناولوا هذا الدواء لم تستثن منهم ميمونة على رغم صيامها.
_________________
(١) سورة الأنعام آية ٣٨.
(٢) أصمت العليل: اعتقل لسانه.
[ ٣١٣ ]
وكان عند محمد أوّل ما اشتد به المرض سبعة دنانير خاف أن يقبضه الله إليه وما تزال باقية عنده، فأمر اهله أن يتصدّقوا بها. لكن اشتغالهم بتمريضه والقيام في خدمته واطّراد المرض في شدّته أنساهم تنفيذ أمره.
فلما أفاق يوم الأحد الذي سبق وفاته من إغمائه سألهم: ما فعلوا بها؟ فأجابت عائشة إنها ما تزال عندها.
فطلب إليها أن تحضرها، ووضعها في كفه ثم قال: «ما ظنّ محمد بربه لو لقي الله عنده هذه» . ثم تصدق بها جميعا على فقراء المسلمين.
وقضى محمد ليله هادئا مطمئنّا نزلت عنه الحمّى، حتى لكأن الدواء الذي سقاه أهله قد فعل فعله وقضى على المرض عنده. وبلغ من ذلك أن استطاع أن يخرج ساعة الصبح إلى المسجد عاصبا رأسه معتمدا على عليّ بن أبي طالب والفضل بن العباس. وكان أبو بكر ساعتئذ يصلي بالناس. فلما رأى المسلمون النبيّ وهم في صلاتهم قد خرج إليهم كادوا يفتنون فرحا به وتفرّجوا، فأشار إليهم أن يثبتوا على صلاتهم. وسرّ محمد بما رأى من ذلك أكبر سرور واغتبط له أعظم الغبطة. وأحسّ أبو بكر بما صنع الناس، وأيقن أنهم لم يفعلوه إلا لرسول الله، فنكص عن مصلّاه يريد أن يتخلّى لمحمد عن مكانه. فدفعه محمد في ظهره وقال: صلّ بالناس؛ وجلس هو إلى جنب أبي بكر فصلّى قاعدا عن يمينه. فلمّا فرغ من صلاته أقبل على الناس رافعا صوته حتى سمعه من كان خارج المسجد فقال: «أيها الناس؛ سعرت النار وأقبلت الفتن كقطع الليل المظلم، وإني والله ما تمسّكون عليّ بشيء. إني والله لم أحلّ إلا ما أحلّ القرآن ولا أحرّم إلا ما حرّم القرآن. لعن الله قوما اتّخذوا قبورهم مساجد» .
غبطة المسلمين بظاهرة إبلاله
ولقد عظم فرح المسلمين بما رأوا من مظاهر التقدم في صحة النبيّ، حتى أقبل عليه أسامة بن زيد يستأذنه في مسيرة الجيش إلى الشام، وحتى مثل بين يديه أبو بكر قائلا: يا نبيّ الله إني أراك قد أصبحت بنعمة من الله وفضل كما تحبّ، واليوم يوم بنت خارجة، أفاتيها؟ فأذن النبيّ له في ذلك، وانطلق أبو بكر إلى السنح بأطراف المدينة حيث تقيم زوجه. وانصرف عمر وعليّ لشئونهما. وتفرّق المسلمون وكلهم سعيد مستبشر، بعد أن كانوا إلى أمس عابسين مغمومين لما يتّصل بهم من أخبار النبيّ ومرضه واشتداد الحمّى به وإغمائه. وعاد هو إلى بيت عائشة والسرور لرؤية هؤلاء المسلمين قد امتلأ بهم المسجد يفعم قلبه، وإن كان يحس جسمه ضعيفا غاية الضعف، وعائشة تنظر إلى هذا الرجل الذي يمتلئ قلبها تقديسا لجلال عظمته، وقد ملكها الإشفاق عليه لضعفه ومرضه، فهي تودّ لو تبذل له حشاشة نفسها لتردّ إليه القوّة والحياة.
الصحو الذي يسبق الموت
لكن خروج النبيّ إلى المسجد لم يكن إلا الصحو الذي يسبق الموت. فقد كان يزداد بعد دخوله إلى البيت في كل لحظة ضعفا، وكان يرى الموت يدنو، ولم يبق لديه ريب في أنه لم يبق له في الحياة إلا سويعات. ترى ماذا عساه كان يشهد في هذه السويعات الباقية له على فراق الحياة؟ أفكان يستذكر حياته منذ بعثه الله هاديا ونبيّا، وما لاقى فيها، وما أتم الله عليه من نعمته، وما شرح به صدره من فتح قلوب العرب لدين الحق؟ أم كان يقضيها مستغفرا ربه متوجّها إليه بكل روحه على نحو ما كان يفعل كلّ حياته؟ أم كان يعاني هذه الساعات الأخيرة من آلام النزع ما لم يبق لديه قوّة الاستذكار؟ تختلف الروايات في ذلك اختلافا كبيرا وأكثرها على أنه دعا في هذا اليوم القائظ من أيام شبه الجزيرة، ٨ يونيو سنة ٦٣٢ م، بإناء فيه ماء بارد كان يضع يده فيه ويمسح بمائه وجهه؟ وأن رجلا من آل أبي بكر دخل على عائشة وفي يده سواك، فنظر إليه محمد نظرا دل على أنه
[ ٣١٤ ]
يريده، فأخذته عائشة من قريبها ومضغته له حتى لان وأعطته إياه فاستنّ به «١»؛ وأنه وقد شق عليه النزع، توجّه إلى الله يدعوه: اللهم أعني على سكرات الموت. قالت عائشة، وكان رأس النبي في هذه الساعة في حجرها: «وجدت رسول الله ﷺ يثقل في حجري، فذهبت أنظر في وجهه فإذا بصره قد شخص وهو يقول:
«بل الرفيق الأعلى من الجنة» . قلت: خيرات فاخترت والذي بعثك بالحق. وقبض رسول الله بين سحري «٢» ونحري ودولتي ولم أظلم فيه أحدا. فمن سفهي وحداثة سني أنه ﷺ قبض وهو في حجري، ثم وضعت رأسه على وسادة وقمت ألتدم مع النساء وأضرب وجهي» .
أمات محمد حقّا؟ ذلك ما اختلف العرب يومئذ فيه اختلافا كاد يثير بينهم الفتنة، وما تؤدي الفتنة إليه من حرب أهلية، لولا أن أراد الله بهم وبدينهم الحق الحنيف خيرا.
_________________
(١) استن به: استاك به.
(٢) السحر: الرئة، أي أنه كان مستندا إلى ما يحاذي الرئة من صدرها.
[ ٣١٥ ]