[١]
كما هو الحال بشأن النصارى، فإن العلاقات بين المسلمين واليهود ترجع في بداياتها الأولى إلى السنين التي شهدت طفولة محمد ﷺ، بما تضمنته كتب اليهود ومصادرهم الدينية من تأكيد على النبوة الجديدة والأخيرة في تاريخ النبوات، وإن لم تصرّح جميعا ماذا سيكون هذا النبي: يهوديا أم غير يهودي؟.
عن زيد بن أسلم قال: بلغنا أن عبد الله بن سلّام كان يقول إن صفة رسول الله ﷺ في التوراة: «يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وحرزا للأميين، أنت عبدي ورسولي، سميتك المتوكل، لس بفظ ولا غليظ ولا صخب بالأسواق، ولا يجزي السيئة بالسيئة ولكن يعفو ويصفح، ولن أقبضه حتى أقيم به الملّة المتعوّجة بأن يقولوا لا إله إلا الله فيفتح به أعينا عميا وآذانا صما وقلوبا غلفا» . فبلغ ذلك كعب الأحبار فقال: صدق عبد الله بن سلام إلا أنها بلسانهم:
«أعينا عموميين وآذانا صموميين وقلوبا غلوفيين» «١» . وفي البلاذري عن عبد الله بن سلّام أن أباه كان يردد: إن كان النبي القادم الذي يجدون صفاته في كتبهم من ولد هارون اتبعته وإلا فلا «٢» ..
ونقرأ في التوراة، سفر حجّي، الإصحاح الثاني «(٦) لأنه هكذا قال رب الجنود هي مرة بعد قليل فأزلزل السماوات والأرض والبحر واليابسة (٧) وأزلزل
_________________
(١) ابن سعد: طبقات ١/ ٢/ ٨٧ وانظر المصدر نفسه ص ٨٨- ٨٩ للاطلاع على مزيد من الروايات بهذا الصدد.
(٢) أنساب الأشراف ١/ ٢٦٦، وانظر المصدر نفسه ص ٢٨٦.
[ ٢٦٥ ]
كل الأمم، ويأتي مشتهى كل الأمم فأملأ هذا البيت عدلا قال رب الجنود» . وقد جاء في حاشية الأصل العبري «مشتهى كل الأمم حمدوت، أي الذي تحمده كل الأمم» . فالتوراة إذن صرحت باسم محمد (حمدوت)، ولكن الترجمة أبعدت لفظة محمد لتضع مكانه مرادفا يصرف الذهن عن الاسم الحقيقي هو (مشتهى كل الأمم) . وفي سفر التثنية الإصحاح ١٨، فقرة ١٥ نقرأ «يقيم لك- لموسى- الرب إلهك نبيا من وسطك من إخوتك مثلك له تسمعون»، ويقول في الفقرة ١٨ «أقيم لهم نبيا من وسط إخوتهم مثلك، وأجعل كلامي في فمه، فيكلمهم بكل ما أوصيه به»، وهي عبارة مجملة فسرها اليهود بمجيء رسول منهم لا من ولد إسماعيل. وكأن الله تعالى جعل هذه العبارة مجملة وألهمهم هذا التفسير، حفظا لهذه البشارة، لأنهم لو عرفوا أن الرسول المبشر به سيكون من ولد إسماعيل لأخفوها أو محوها. وقد أثبتت الأيام أن الرسول المبشر به هو محمد ﷺ «١» .
وورد في سفر التثنية- أيضا- ٣٣/ ٣ «جاء الرب من سيناء، وأشرق لهم من سعير، وتلألأ في جبل فاران»، وتلك هي الرسالات الثلاث لموسى والمسيح ولمحمد ﷺ وهذا مصداق قوله تعالى: وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ. وَطُورِ سِينِينَ. وَهذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ لأن منبت التين والزيتون مهجر إبراهيم ومولد عيسى ﵇، وطور سيناء مكان مناجاة الله تعالى لموسى، وفاران في مكة مولد الرسول ﷺ «٢» .
هذا فضلا عن الروايات التاريخية العديدة التي تحمل إرهاصات مجيء الرسول الجديد وصفاته. فعن عاصم بن عمرو بن قتادة عن رجال من قومه قالوا:
«إنما دعانا إلى الإسلام ما كنا نسمع من يهود أنه قد تقارب زمان نبي يبعث فيقتلكم قتل عاد وأرم» . وعن سلمة بن سلامة الذي شهد بدرا قال: كان لنا جار من يهود بني عبد الأشهل، أشار بيده إلى مكة واليمن وقال: نبي يبعث من نحو هذه البلاد، قالوا: من يراه؟ فنظر إلي وأنا من أحدثهم سنا فقال: إن يستكمل هذا الغلام عمره يدركه. قال سلامة: والله ما ذهب الليل والنهار حتى بعث الله محمدا. وهذا ابن الهيبان من يهود الشام خرج من الشام إلى الحجاز، وحل في
_________________
(١) إبراهيم خليل أحمد: محمد بين التوراة والإنجيل والقرآن، المقدمات ص ٢٢.
(٢) سورة التين، الآيات: ١- ٣. المرجع السابق ص ٢٦- ٢٧، وانظر عن بشارات التوراة الآخرى بالتفصيل: نفس المرجع ص ٣٣- ٤٣ وسفر أشعيا، الإصحاح ٤٢، فقرة ١ وما بعدها وسفر التثنية ١٨/ ١٥ و١٨/ ١٨. وعن آثار محمد وأصحابه انظر: سفر المزامير ١/ ١١/ ٢٢- ٢٣ وسفر دانيال ١/ ٣١- ٤٥.
[ ٢٦٦ ]
بني قريظة ثم توفي قبل البعثة بسنتين، ولما شعر أنه ميت لا محالة قال: يا معشر يهود ما ترون أخرجني من (الشام) إلى أهل البؤس والجوع (الحجاز)؟ قالوا: أنت أعلم، قال: إنما قدمت هذه الأرض أتوكف- أتوقع- خروج نبي قد أظل زمانه، وهذه أرض مهاجره، وكنت أرجو أن يبعث فأتبعه «١» .
من أجل ذلك راح اليهود يعلنون، بين الحين والحين، عن قرب ظهور النبي الأخير، ويتباهون بذلك، ويهددون بالانتماء إليه، ويتوعدون مخالفيهم، من أجل مزيد من السيطرة والإذلال واحتكار المقدرات المادية والمعنوية لمئات الآلاف من العرب المحيطين بهم كجزيرة منقطعة «٢» . ولم يكن الكثيرون من أحبار اليهود يتوقعون أن النبي الجديد سيجيء هذه المرة من سلالة أخرى غير السلالة اليهودية المعروفة، وأنه بانتمائه العربي سيشكل خطرا ماحقا على وجودهم المستغل، وبدعوته العالمية المفتوحة سيكتسح تجمعاتهم القومية المغلقة، وبمبادئه العادلة الواضحة سيفضح طقوسهم وأسرارهم التي يرتزقون منها ويضمنون بقاءهم في المراكز العليا لبني قومهم.
وما أن حان الموعد، وحلّ الأجل المضروب في التوراة والإنجيل، ولم يظهر في اليهود النبي الذي ظنوه منهم، وولد محمد ﷺ يحمل علامات نبوته المادية والأدبية، حتى بدأ اليهود يتخوفون من أن تخطىء ظنونهم، وألاتكون النبوة فيهم فيصابون بخسارتين.. وأصبح الطفل الذي سيبعث إلى العالم في خطر دائم من مكر اليهود وعرقيتهم التي تتيح لهم اتخاذ أي أسلوب، مهما كان دنيئا، لوقف كل ما يتهدد مصالحهم ووجودهم، حتى لو كان هذا الأسلوب القتل والغيلة. وهذا هو الذي يفسر لنا تحذير الراهب النصراني بحيرا لأبي طالب «ارجع بابن أخيك إلى بلده واحذر عليه يهود، فو الله لئن رأوه وعرفوا منه ما عرفت، ليبغنّه شرا، فإنه كائن لابن أخيك هذا شأن عظيم» «٣» .
إن قصة بحيرا، إذا ما أسقطها النقد من الحساب، فإن دلالة واحدة فيها
_________________
(١) انظر: محمد رواس قلعجي: محمد في الكتب المقدسة (مجلة حضارة الإسلام عدد ١- ٢ سنة ٨) وانظر ابن كثير: البداية والنهاية ٢/ ٣٠٨- ٣١٠ وابن هشام ص ٤٢ والطبري تاريخ ٢/ ٢٩٥ وانظر كذلك رواية حسان ابن ثابت في ابن هشام ص ٢٨.
(٢) انظر الطبري: تاريخ ٢/ ٣٥٤.
(٣) ابن هشام ص ٣٦.
[ ٢٦٧ ]
[٢]
تظل باقية، تلك هي (التحذير) مما قد يمكن أن يفعله اليهود إزاء أي مخلوق ليس منهم قد يظنّون به النبوّة.
[٢]
وبعث الرسول ﷺ بعد أربعين سنة من ميلاده، وخاض بدعوته، في مرحلتيها السرية والعلنية، جهادا قاسيا ضد الوثنية التي استخدمت كل أسلوب لوقف نشاطه ووأد حركته. ورغم قلة الروايات وانعدامها أحيانا، فإننا نستطيع أن نجزم بأن اليهود وقفوا طيلة الصراع المكي، الذي دام ثلاثة عشر عاما، وراء قريش يتبادلون معها الوفود ويتصلون بها سرا من أجل أن يشددوا قبضتهم على النبي العربي، وأن يشلّوا حركته قبل أن يشتد ساعدها وتغدو قادرة على اكتساح كل ما يقف في طريقها، ليصدّها عن هدفها المحتوم، وثنيا كان أم يهوديا.
يذكر إسرائيل ولفنسون «١» أن المراجع العربية لم تشر إلى حركات يهود يثرب ونيّاتهم إزاء بيعة العقبة الكبرى، كأن الدعوة الإسلامية لم تصل إليهم وكأنهم لم يقفوا على شيء من أعمال البطون اليثربية العربية، ونحن نرجح أن اليهود لم يغافلوا عن تلك الحركة لأنها متصلة بمصالحهم السياسية والتجارية والاجتماعية، خصوصا إذا لا حظنا اتجاه الدعوة الإسلامية صوب المدينة وميل زعماء الخزرج إلى الاتصال بالرسول.. ونحن نعلم ما كان بينهم وبين اليهود من الحقد مما جعل زعماء بني النضير وقريظة يراقبون حركاتهم جميعا.. ثم نعلم أن الإسلام لم ينشر خفية في يثرب، وكيف أن مصعب بن عمير كان يدعو الناس إلى الله ورسوله على مرأى من جميع البطون.. ثم إننا نعلم أن عددا من تجار اليهود كان يشترك في مواسم الحج، فمن البعيد إذن أن يجهل اليهود تلك الشؤون كما صورتهم كتب الأخبار.. وكانت العلاقات بين اليهود وبين قريش في غاية الصفاء لذلك نفرض أنه إذا لم يفلح زعماء قريش في استمالة زعماء الخزرج فإنهم لا بد ذاهبون للتقرب من بعض زعماء اليهود ليعلموا على إحباط أعمال المسلمين في المدينة، وكذلك كان، فإن الذي يتأمل ما جرى بين كعب بن الأشرف زعيم بني النضير وبين الرسول يرى أن ذلك الرجل كان يقاوم الحركة الإسلامية منذ وصلت
_________________
(١) تاريخ اليهود في بلاد العرب، ص ١٠٦- ١٠٨.
[ ٢٦٨ ]
أرض يثرب، والعداء الذي استفحل أمره بين الجبهتين يؤيد ما نقول.
إلا أن محاولات الوثنية وحليفتها اليهودية أخفقت، وأعقب كفاح الرسول ﷺ الدائب وثبات أصحابه وصمودهم انتصارا عظيما تمخض عن الهجرة إلى يثرب وإنشاء دولة الإسلام فيها. ولم يكن يهود يثرب بقادرين- أول الأمر- على إعلان مجابهتهم المكشوفة للدولة الناشئة، وأتباعها من عرب المدينة يزدادون كثرة يوما بعد يوم، ولم يكن من مصلحتهم أيضا أن يتولوا بأنفسهم كبر مقاومة الإسلام، وقريش لا تزال على قوتها وقدرتها على الضرب. فلتلق تبعة الصراع إذن على قريش، وليظل اليهود في المواقع الخلفية يشاهدون الصراع ويخططون على ضوء نتائجه المتوقعة، حتى إذا ما وجدوا ثغرة لضرب الإسلام تسللوا منها لتسديد طعنة إليه، أو لمسوا ضعفا وإنهاكا انقضّوا يضربون ويطعنون.. وهكذا وافقت معظم القبائل اليهودية على الدستور الذي طرحه الرسول ﷺ لتنظيم الأمور السياسية والمدنية في يثرب ودخلوا أطرافا فيه كي يتيحوا لأنفسهم فترة من الوقت يستردون فيها أنفاسهم إزاء السرعة التي كانت الأحداث تتحرك بها. ورغم أن هذا الميثاق كان ينص- فيما ينص عليه- على إسهام اليهود مع المسلمين في صدّ أي عدوان قرشي يقع على المدينة، تعظية النفقات المالية للقتال، فإن اليهود لم ينفذوا هذا البند ماليا ولا عسكريا.. ولم يشأ الرسول ﷺ أن يلح عليهم لتنفيذه ما دامت استراتيجيته في الصراع تقوم على عدم ضرورة فتح أكثر من جبهة والدولة الإسلامية لم يشتد ساعدها بعد. المهم أن يجمد اليهود نشاطهم ضد الإسلام كي يتفرغ الرسول ﷺ للمجابهة الحاسمة مع قريش. وهذا ما يفسر لنا جواب الرسول ﷺ للأنصار يوم أحد عندما سألوه:
يا رسول الله ألا نستعين بحلفائنا اليهود؟ فكان جوابه: لا حاجة لنا فيهم «١» .
كان الغرض الذي يرمي إليه الرسول ﷺ من وراء الصحيفة وما إليها من العهود التي عقدها مع بطون يثرب هو هدم النظام القديم وإيجاد نظام جديد يمكن أن تتوحد به العناصر اليثربية، وأن تعود يثرب بعد فرقة أحيائها مدينة واحدة. فقد كانت يثرب منقسمة إلى عدة دوائر، وكانت كل دائرة تابعة إلى بطن من البطون، وكانت الدائرة تنقسم إلى قسمين يشتمل القسم الأول منها على الأراضي الزراعية
_________________
(١) ابن هشام ص ١٧٥- ١٧٦.
[ ٢٦٩ ]
بمنازلها وسكانها.. ويشتمل ثانيها على الآطام (أي الحصون) التي كانت ملكا خاصا بالأسر العريقة، وكان رئيس الأسرة صاحب السلطان في الأطم، كما كان يعتبر زعيما من زعماء البطون «١» .
ويلاحظ أن الصحيفة قد ذكرت اليهود الموالين للبطون العربية وأهملت ذكر القبائل الآخرى من اليهود وذلك يتفق تماما مع ما كانت عليه الحالة السياسية في يثرب، فإن البطون اليهودية الصغرى كانت قد دخلت في أحلاف مع الأوس أو مع الخزرج وذلك بعد سيادة هؤلاء في يثرب. أما قبائل اليهود الكبرى الثلاث «٢» فقد اعتزت بقوتها وبقيت محتفظة بشخصيتها، ثم إنها ناوأت الإسلام وأظهرت عداءها. ومع ذلك فقد وضعت الصحيفة بندا هاما لدخول اليهود في الدولة احتمالا لما قد يحدث من دخول هذه القبائل في النظام الجديد. وفعلا ألحقت هذه القبائل بالدولة في محالفات ملحقة «٣» .
وقد أشار المؤرخون إلى هذه المحالفات وإن لم يذكروا نصها، ويبدو أن نصوصها لم تكن تختلف عن الجوهر العام لنصّ الصحيفة، والأرجح أن هذه القبائل اليهودية لم تعاهد النبي في وقت واحد، فقد ذكرت المصادر أن بني قينقاع حين أجلاهم النبي ﷺ بعد بدر كانوا هم أول من نقض العهد. ولعل المعاهدات التي وقعها النبي ﷺ مع هذه القبائل لم تكن تشترط عليها أن تشارك معه في القتال، وهذا أمر طبيعي بعد أن فسدت الأمور بين المسلمين واليهود، فلم يكن النبي يثق باليهود حتى يشترط عليهم أن يشاركوا معه في الحرب، والدليل على ذلك أن اليهود لم يشاركوا فعلا في حروب النبي، وأن النبي رفض الاستعانة بهم يوم أحد كما رأينا. ونحن لا نوافق على ما ذهب إليه ولفنسون «٤» وغيره من أن النبي قد غضب على بني النضير لعدم اشتراكهم معه في موقعة أحد، لأن بني النضير كانت قد بدأت منهم الخيانة وممالأة العدو قبل أحد، كما حدث في غزوة السويق، فلم يكن النبي يقبل والحالة هذه أن يشاركوا في جيشه حتى لا يتعرض
_________________
(١) ولفنسون ص ١١٦- ١١٧ وعن الآطام انظر بالتفصيل المصدر نفسه ص ١١٦- ١١٨.
(٢) عن أصل بني النضير وبني قريظة انظر: المحاضرة الثالثة من كتاب Margoliuth:The Relations between Arabs and Israelites،Lec،٣.:
(٣) أحمد إبراهيم الشريف: مكة والمدينة في الجاهلية وعصر الرسول ﷺ ص ٣٩٤- ٣٩٥.
(٤) تاريخ اليهود في بلاد العرب ص ١٢١، ١٣٥.
[ ٢٧٠ ]
لخيانتهم في ميدان القتال «١» .
وفي أعقاب الهجرة، ولفترة من الوقت، سارت العلاقات بين الرسول ﷺ واليهود سيرا حسنا، وكان الرسول ﷺ يطمح من جهته أن يتفهم اليهود دوافع حركته الدينية وأهدافها والعوامل المشتركة التي تربط الأديان السابقة، بما فيها اليهودية، بالإسلام، لا سيما وأنهم يرون بأم أعينهم في صفحات كتبهم تلك التأكيدات المستمرة على نبوة محمد ﷺ. وقد أدى المصدر الواحد لكلا الدينين إلى أن تمارس بعض الطقوس والشعائر الإسلامية وفق بعض (الأشكال) التي يمارسها اليهود وهذا أمر منطقي بطبيعة الحال بالنسبة للدعوة الجديدة التي جاءت لتعلن أكثر من مرة أنها ليست سوى امتداد على نفس الطريق للدعوة الدينية الكبرى التي بدأها إبراهيم ﵇ ونادى بها فيما بعد موسى وعيسى ﵉. ومن هنا يبدو الخطأ الساذج الذي وقع فيه عدد كبير من الكتاب والمستشرقين، نذكر منهم على سبيل المثال بروكلمان الذي يقول: «تأثرت اتجاهات النبي الدينية في الأيام الأولى من مقامه في المدينة، بالصلة التي كانت بينه وبين اليهود، وأغلب الظن أنه كان يرجو عقب وصوله إلى المدينة أن يدخل اليهود في دينه، وهكذا حاول أن يكسبهم عن طريق تكييف شعائر الإسلام بحيث تتفق وشعائرهم في بعض المناحي» «٢» .
وقد أمّل اليهود، في مطلع العهد المدني، وقد رأوا هذا التعاطف الإسلامي إزاءهم دون أن يفهموا أسبابه العميقة، أن الرسول ﷺ ربما يقر بأرجحية العقيدة التي يؤمنون بها، وأنه سيتركهم وشأنهم مكتفيا بتشكيل وحدة يثربية تضم الطرفين وتحمي مصالحهما المشتركة بوجه العرب المشركين في الداخل والخارج، بل إنهم ذهبوا إلى أبعد من ذلك وظنوا أنهم ربما تمكنوا يوما من استمالة الرسول ﷺ إليهم وإدخاله وصحبه في دينهم!! إلا أن ظنهم سرعان ما خاب عندما أدركوا أن محمدا ﷺ ليس مجرد زعيم يحترف السياسة ويعتمد كل أسلوب لتحقيق أهدافه، وإنما هو صاحب رسالة عظمى إزاء العالم كله.. رسالة تتجاوز تعاليمها ومتطلباتها الحدود الإقليمية ليثرب، أو حتى الجزيرة العربية كلها، باتجاه الإنسان في كل مكان. وازداد الأمر وضوحا عندما توالت دعوات الرسول ﷺ وتأكيداته
_________________
(١) الشريف: مكة والمدينة، ص ٤٨٣- ٤٨٤- ٤٨٥.
(٢) تاريخ الشعوب الإسلامية، ص ٤٧.
[ ٢٧١ ]
على ضرورة دخولهم الدين الجديد، إن أرادوا الحفاظ على جوهر يهوديتهم التي حملها موسى إلى بني إسرائيل، وعندما راحت آيات القرآن الكريم تنزل سخطها وغضبها على ما يمارسه اليهود بحق دينهم وكتبهم من تزييف وتحريف من أجل أن يحموا مصالحهم ويضيفوا إلى أموالهم أموالا. أضف إلى ذلك ما كان يلقاه الإسلام من انتشار متزايد في يثرب وأطرافها، الأمر الذي كان يعني عزل اليهود والحد من نشاطهم الديني والاقتصادي على السواء، فضلا عن الوحدة العميقة التي أنشأها الإسلام بين الأوس والخزرج وسدّ بها الطريق على اليهود واستغلالهم الفاجر للصراع الدامي بين الحيين.
وبدأ يتضح لليهود، يوما بعد يوم، المصدر الأساسي للخطر الذي تشكله الدعوة الجديدة بمواجهة اليهودية.. إن النبي يدعو إلى (توحيد) غير الذي يؤمن به اليهود، على أساس قومي استعلائي مغلق، من أن الله الواحد هو إله إسرائيل الذي اختارهم لنفسه من دون الناس، وبذلك كانوا يرون لأنفسهم ميزة على الناس وكانت أمنيتهم دوما أن يجدوا من يأتي بما يهوون من سيطرة ونفوذ لا بما تتطلبه الدعوة من إصلاح وخير يعم الناس جميعا، ومن أجل ذلك كذبوا أنبياءهم وحاربوا المسيح ﵇ وسعوا إلى قتله، فإذا ما جاء محمد فدعا إلى هذا الإله الواحد للناس جميعا، بغضّ النظر عن أجناسهم، فإنه بذلك يزيل عن بني إسرائيل هذه الميزة التي يستفتحون بها على الآخرين، وإذن فلا تهادن بينهم وبين محمد الذي يسعى إلى تحطيم تلك القواعد المقررة التي سار عليها اليهود، فقامت بينهم وبين النبي ﷺ محاجات ومجادلات ما لبثت أن اتخذت من جانبهم موقف التحدي والمعاندة، بل إنهم اندفعوا في عدائهم فتورطوا في تفضيل الأصنام على التوحيد «١» .
ورغم أن ولفنسون أكد على خطورة مبدأ (التوحيد) الإسلامي وعالميته إزاء «العقلية اليهودية التي لا تلين أمام شيء يزحزحها عن دينها، وتأبى أن تعترف بأن يوجد نبي من غير بني إسرائيل»، إلا أنه يقع في خطأ القول بأن الرسول ﷺ لو لم يكلف اليهود الاعتراف برسالته، ولو وقفت تعاليمه عند حد محاربة الوثنية فحسب، لما وقع نزاع بينهم وبين المسلمين، ولكانوا قد نظروا بعين ملؤها
_________________
(١) الشريف: مكة والمدينة، ص ٤١٢- ٤١٥.
[ ٢٧٢ ]
التبجيل والاحترام لتعاليم الرسول ﷺ ولأيدوه وساعدوه بأموالهم وأنفسهم حتى يحطم الأصنام ويقضي على العقائد الوثنية.. ويمضي ولفنسون إلى القول بأن هذه (المسألة) يجب ألا تغرب عن الأذهان لأنها أساس كل ما حدث بين اليهود وبين الرسول من خلاف ونزاع، ولولا وجودها لما حدث شيء من الخلاف، أو لكان في الإمكان أن يتلافى ما قد ينشأ من ذلك. ونلاحظ هنا على معظم المستشرقين أنهم أهملوا هذه النقطة الجوهرية في بحثهم عن أسباب الخلاف بين الرسول ﷺ واليهود، مع أنه مما لا شك فيه أنه إذا أهملت هذه النقطة فلا سبيل مطلقا للبحث في هذا الموضوع «١» .
وفاتت ولفنسون حقيقة على درجة كبيرة من الأهمية تلك هي أن طبيعة الدعوة الإسلامية المنفتحة على العالم، وانتماء نبيها إلى العرب، وقيام دولتها في قلب المنطقة التي تتحرك فيها مصالح اليهود ونشاطاتهم المختلفة، يشكل بحد ذاته خطرا كبيرا على اليهود في دينهم ودنياهم على السواء، حتى لو لم يدعوا إلى الإسلام، لأن نجاح الإسلام كفيل بحد ذاته بحصر اليهود وعزلتهم وكشفهم أمام العالم، ومن ثم ضرب وجودهم ومصالحهم في الصميم، الأمر الذي دفعهم، بعد وقت قصير من إدراكهم أبعاد هذا الخطر، إلى أن يقفوا إلى جانب الوثنية ويمتدحوا أصنامها بمواجهة التوحيد الذي جاء به الإسلام.. ومن ثم فإن ولفنسون يناقض نفسه عندما يشير إلى انغلاق العقلية اليهودية من جهة وسكوتها، بل تعاونها- لو لم تدع إلى الإسلام- مع هذا الدين الذي جاء لكي (يفضح) المزاعم الدينية التحريفية التي مارسها اليهود طويلا، ولكي ينفتح على الإنسان والعالم ويقضي في طريقه على أسطورة (شعب الله المختار) وما يتمخض عنها لصالح اليهود من مكاسب لا يحصيها عد «٢» !!
هذه هي الحقيقة (النقطة الجوهرية) في البحث عن أسباب الخلاف بين الرسول ﷺ واليهود والتي إذا ما أهملت- دون غيرها- فلا سبيل مطلقا للبحث
_________________
(١) تاريخ اليهود في بلاد العرب ص ١٢٢- ١٢٣.
(٢) إن المكانة الدينية- العلمية التي كان اليهود يتمتعون بها جعلتهم- كما يقول دروزة- في مركز المعلم والمرشد والمرجع، بل القاضي، لسكان يثرب، على ما تلهمه آيات قرآنية عدة (انظر كتاب عصر النبي وبيثته للمؤلف المذكور) فكان لليهود من ذلك الحرمة والحصانة والقوة النافذة والأثر في حل المشكلات وتعليل الحوادث والقضاء في الخصومات والاستمتاع بالكيان والمركز الممتاز، وقد ارتبطوا بمواثيق الحلف مع جيرانهم العرب فكان هذا مما زاد مركزهم ورسوخ قدمهم قوة وشدة (سيرة الرسول ٢/ ١٢٢- ١٢٣) .
[ ٢٧٣ ]
[٣]
في هذا الموضوع!! وسيؤكد سياق الأحداث هذا الذي نذهب إليه.
ومن هذا الخطأ يجد ولفنسون وعدد من المستشرقين أنفسهم مسوقين إلى خطأ آخر، وهو أنه ما دام القتال قد نشب بين المسلمين واليهود في أعقاب بدر فإن معنى هذا أن اليهود كان عليهم أن يندمجوا في الدين الجديد أو أن يجابهوا (بحرب دموية) حتى يفنوا أو يجلوا إلى مكان بعيد.. وأنه ما دام قد وقع قتال بين الطرفين فإن معنى هذا «أن المهاجرين كانوا ينتظرون بفارغ الصبر نتيجة مقاومة اليهود في يثرب لأن حالتهم كانت سيئة جدا، إذ لم يكن لهم مال ولا مزارع ولا منازل بل كانوا يسكنون مع الأنصار من الأوس والخزرج» «١» .
وفات هؤلاء المؤرخين أن طبيعة التعارض العقائدي بين الدينين اللذين يقوم أحدهما على (الانفتاح الكامل) والآخر على (الانغلاق الكامل) كان لا بد وأن يؤول إلى صراع حاسم من أجل انفراد أحدهما بالكلمة العليا، حتى لو كان المهاجرون يسكنون القصور الفخمة ويأكلون أحسن الطعام!! وهل بالإمكان- فوق هذا كله- أن يتناسى المؤرخ الجاد أن الرسول ﷺ لم يكن يشن حربا إلا ضد الفئة اليهودية التي تبدأ بالعدوان، أو أن يتجاهل مغزى إصدار الدستور الذي منح اليهود حريتهم الدينية والمدنية الكاملتين دون قيد زمني مشروط؟
[٣]
بدأ النزاع بين النبي ﷺ واليهود بالمناقشة الدينية المتبادلة بين الطرفين، فكان أحبار اليهود يوجهون الأسئلة إلى رسول الله ﷺ ويصلون فيها إلى حد التعنت، وكان القرآن ينزل فيما يسألون عنه، وكانوا يطالبون النبي ﷺ بأن يأتي إليهم بالمعجزات. ثم انتقلت المناقشة إلى مخاصمة كلامية فجعل التنزيل يلوم اليهود ويعنفهم وَلَمَّا جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ كِتابَ اللَّهِ وَراءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ «٢» . ثم ظهرت العداوة، فأخذ النبي ﷺ يطعن في يهود يثرب، وأخذ اليهود يرمون الأنصار بقوارص الكلم.. وهكذا اشتد النفور حتى كانت المخاصمات تقع بين اليهود
_________________
(١) إسرائيل ولفنسون: تاريخ اليهود ص ١٢٦- ١٢٧.
(٢) سورة البقرة: الآية ١٠١.
[ ٢٧٤ ]
والأنصار في الشوارع. ولم يمض ثمانية عشر شهرا على قدوم النبي ﷺ إلى يثرب حتى تليد الجو بالغيوم الكثيفة وجعل كل فريق يتواصى بالحذر والنفور من الفريق الآخر «١» .
وزاد الأمر توترا انضمام المنافقين إلى اليهود في حربهم النفسية مع المسلمين. ولقد جاء في الآيات الأولى من سورة البقرة، التي هي أول السور المدنية في ترتيب النزول وبصدد الحديث عن المنافقين وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ، فقد قال جمهور المفسرين إن شياطينهم هم اليهود، ويدل هذا على أن اليهود هم الذين أغروا المنافقين بالنفاق أو شجعوهم في مواقف الخداع، وعلى أن النبي ﷺ والمسلمين لم يغب عنهم ذلك «٢» .
وبلغ الجدل بين محمد ﷺ واليهود مبلغا من الشدة يشهد به ما نزل من القرآن فيه، فقد نزل إحدى وثمانون آية من سورة البقرة، وقسم كبير من سورة النساء وكله يذكر هؤلاء اليهود وإنكارهم لما في كتابهم ويلعنهم، لكفرهم وإنكارهم، أشد اللعنة «٣» .
ولم يكتف اليهود بالوقيعة بين المهاجرين والأنصار، وبين الأوس والخزرج، ولم يكفهم فتنة الناس عن دينهم، ومحاولة ردهم إلى الشرك، دون تهويدهم، وصدهم من يريد الإسلام من المشركين، بل حاولوا فتنة محمد ﷺ- كما رأينا- بإلقاء أسئلة محرجة عليه- مستعينين بما عندهم من علم الكتاب- كان القرآن يتصدى لدحضها أو الإجابة عليها، أو فضح نواياها «٤» .
وحين ضاق اليهود ذرعا بمحمد فكروا في أن يقنعوه بالجلاء عن المدينة كما أجلته قريش عن مكة، فذكروا له أن من سبقه من الرسل ذهبوا إلى بيت المقدس وكان مقامهم به.. لكن محمدا أدرك ما يرمون إليه، وأوحى الله إليه على رأس سبعة عشر شهرا من مقامه بالمدينة أن يجعل قبلته المسجد الحرام،
_________________
(١) تاريخ اليهود، ص ١٢٣- ١٢٥.
(٢) سورة البقرة، الآية: ١٤. دروزة: سيرة الرسول ٢/ ١٢١.
(٣) انظر: سورة البقرة: الآيات ٨٧- ٨٩، تفسير الطبري ٢/ ٣٣٣.
(٤) الشريف: مكة والمدينة ص ٤٧٤- ٤٧٩.
[ ٢٧٥ ]
بيت إبراهيم وإسماعيل «١»، فأنكر اليهود ذلك وأدركوا مدى خطورته، إذ أنه بادرة لتوحيد العرب وتجميعهم حول الدين الجديد، وفرض مزيد من العزلة على اليهود، لذلك أنكروا هذا وحاولوا فتنة النبي مرة أخرى بقولهم: إنهم يتبعونه إن هو رجع إلى قبلته الأولى «٢» . ويوما بعد يوم اشتد النفور بين الطرفين، وكثرت بينهم المخاصمات، وبدت الكراهية والبغضاء، حتى نزل القرآن ينهى عن الاختلاط باليهود واتخاذ بطانة للمسلمين منهم يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبالًا وَدُّوا ما عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ مِنْ أَفْواهِهِمْ وَما تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ. ها أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتابِ كُلِّهِ وَإِذا لَقُوكُمْ قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ «٣» .
ورغم هذه المواقف العدائية العامة التي صدرت عن الأكثرية الساحقة من اليهود فإننا نجد ثمة آيات تضمنت استثناء لبعضهم وتنويها بسلامة مواقفهم واعتدالهم ومنها ما تضمن إشارة إلى إيمانهم وإخلاصهم، مما يدل- من جهة- على أن فئة من اليهود- وفيها فريق من العلماء- قد استطاعوا أن يفلتوا من المؤثرات العنصرية والاقتصادية والنفسية والأنانية التي خضع لها اليهود، فلم يسعهم إلا أن يصدقوا بالنبي ويؤمنوا بالتنزيل ومن جهة أخرى على أن الدعوة النبوية قد قوبلت باستجابة حرة لا إكراه فيها من بعض اليهود في العهد المدني، بل عن إقبال قد يؤدي إلى أذى المقبلين كما كان في العهد المكي.. وعلى أن مواقف الكيد والتامر إنما كانت لأسباب لا تمت إلى الحق والإنصاف، بل إلى هوى الأحبار والزعماء وأغراضهم. وهذا وذاك يدعم ما قلناه من أنه لم تكن هناك أية فكرة مضادة لليهود منذ البدء كعنصر ولليهودية كدين «٤» . ولقد قامت علاقة طيبة بين المهاجرين وبعض اليهود حتى ليغشون مجالسهم ويذهبون إلى بيوت
_________________
(١) سورة البقرة: الآية ١٤٤.
(٢) سورة البقرة: الآيتان ١٤٢- ١٤٣.
(٣) سورة آل عمران: الآيتان ١١٨- ١١٩، الشريف: مكة والمدينة ٤٧٩- ٤٨٣. وانظر بالتفصيل عن مواقف اليهود إزاء الدعوة، ومجادلاتهم وحربهم النفسية والفكرية: دروزة: سيرة الرسول ٢/ ١٣٠- ١٦٥. وعن دسائسهم وتامرهم مع المنافقين والمشركين ضد المسلمين انظر: المصدر نفسه ٢/ ١٦٦- ١٨٦.
(٤) دروزة: سيرة الرسول ٢/ ٢٠٧- ٢٠٨ وانظر: سورة البقرة: الآيات ٥٩، ٦٢، ٦٦، ٨٠، ٨٣، وسورة آل عمران: الآيات ١١٣- ١١٥، ١٩٩، وسورة النساء: الآية ١٦٢.
[ ٢٧٦ ]
مدارسهم، يتحدثون إليهم ويسألونهم ويسمعون منهم، ويرون التوراة تصدق القرآن والقرآن يصدق التوراة «١» . ولن ننسى هنا إسلام الحبر اليهودي المعروف عبد الله بن سلّام القينقاعي وأهل بيته «٢»، ومجابهته اليهود بإسلامه ودعوته إياهم إلى الدين الجديد «٣» .
وبدأ الصراع المرير بين الإسلام وبين الوثنية العربية بقيادة قريش حروب عصابات وحصارا اقتصاديا أول الأمر، ومجابهات عسكرية نظامية حاسمة بعد ذلك.. وبدأ يتضح لليهود- بعد الانتصار الذي حققه المسلمون في بدر- أن بقاءهم ساكتين إزاء ما يجري من صراع سيمكن الرسول ﷺ من تصفية أعدائه وتعزيز مركز الدولة الإسلامية في الجزيرة، وسيجد اليهود أنفسهم آنذاك منفردين بمواجهة الإسلام، مرغمين على قبول سلطته السياسية بشكل نهائي، وهذا ما لا يمكن أن يتصوروه لأنه يمثل خطرا على مصالحهم وانغلاقهم وتفرّدهم التاريخي الطويل بالسلطان. ومن ثم بدؤوا يتحركون باتجاهات شتى لعرقلة الحركة الإسلامية، ووضع المصاعب في طريقها وسحقها في نهاية المطاف، ضاربين عرض الحائط بكل التزاماتهم تجاه الإسلام في الدستور الذي وقعوه مع الرسول ﷺ، ولم يدع اليهود، في تحركاتهم المضادة تلك، أسلوبا إلا اتبعوه تصعيدا للحرب النفسية والمطاردات الجدلية «٤»، فتنة اجتماعية، اغتيالا فرديا، تحركا عسكريا، خيانة في الأوقات الحرجة، وتأليبا للقوى المعادية للإسلام وتجميعها كي تضرب عن قوس واحدة، إلا أن من سوء حظ اليهود أنهم لم يتحركوا مجتمعين ويقفوا صفا واحدا بمواجهة الإسلام، الأمر الذي مكّن الرسول ﷺ من التصدي لكل منهم على انفراد، وتصفيته واحدا بعد آخر. وربما فكر اليهود في هذا التحرك الجماعي المشترك لولا خوفهم العاقبة حيث سيؤدي ذلك إلى كشفهم نهائيا وهم لم يعتادوا العمل المكشوف، ومن ثم آثروا الأسلوب الآخر، وهو أن يختار كل قبيلة منهم الفرصة المناسبة لضرب الإسلام وإضعاف دولته.
_________________
(١) الشريف: مكة والمدينة ص ٤٧٤ عن تفسير الطبري ٢/ ٣٨١- ٣٨٤.
(٢) ابن الأثير: أسد الغابة ٣/ ١٧٦.
(٣) الشريف: مكة والمدينة ص ٤٧٤ فما بعد وانظر السمهودي: وفاء الوفا ١/ ١٩٤- ١٩٥.
(٤) انظر: الطبري ٢/ ٤٠١، ٤١٢، الواقدي ١/ ١٨٤- ١٨٥، ٢٠٤، ٤١٣، البلاذري: أنساب ١/ ٢٨٤- ٢٨٥.
[ ٢٧٧ ]
[٤]
[٤]
كان أول صدام مبكر بين الإسلام واليهود هو ذلك الذي حدث في أعقاب معركة بدر.. بدأ اليهود الذين صدمتهم نتيجة المعركة التي لم يكونوا يتوقعوها يروجون الشائعات ضد المسلمين ويشنون حربا نفسية ضد رسوله ودعاته، ويمارسون التجسس على المسلمين لصالح المشركين حيث نقلوا كافة المعلومات عن نوايا المسلمين وحركاتهم إلى قريش «١»، كما أنهم كانوا قد تلقوا رسالة من قريش تحرضهم فيها على قتال الرسول ﷺ «٢»، وأظهروا للرسول، كما يقول الطبري، الحسد والبغي، وقالوا: لم يلق محمد من يحسن القتال، ولو لقينا لاقى عندنا قتالا لا يشبهه قتال أحد، وأظهروا نقض العهد «٣» فجمعهم الرسول ﷺ في سوق بني قينقاع وقال لهم: يا معشر اليهود، احذروا من الله ﷿ مثل ما نزل بقريش من النقمة، وأسلموا، فإنكم قد عرفتم أني نبيّ مرسل، تجدون ذلك في كتابكم، وفي عهد الله إليكم. قالوا: يا محمد، إنك ترى أنا مثل قومك لا يغرنّك أنك لقيت قوما لا علم لهم بالحرب، فأصبت منهم فرصة، إنا والله لئن حاربتنا لتعلمن إنا نحن الناس «٤» .
وازداد الموقف توترا في أعقاب الحادثة التي شهدها سوق بني قينقاع، حيث كانت امرأة عربية قد قدمت السوق ببضاعة تريد بيعها فيه، وجلست إلى صائغ هناك، فتقدم إليها عدد من اليهود وطلبوا منها أن تكشف عن وجهها فأبت، فعمد الصائغ إلى التحرش بها، مما أضحك اليهود المتجمعين حولها، فصاحت المرأة فما وسع رجل من المسلمين إلا أن وثب على الصائغ اليهودي فقتله، فشدّ اليهود على المسلم فقتلوه، واستصرخ أهل المسلم أتباعهم، فوقع الشر بينهم وبين بني قينقاع «٥» .
وفي رواية للزهري، يوردها الطبري، أن جبريل نزل على الرسول ﷺ بهذه
_________________
(١) شيت خطاب: الرسول القائد، ص ٩٢.
(٢) محمد حميد الله: الوثائق، ص ٦٦.
(٣) الطبري: تاريخ ٢/ ٤٧٩، البلاذري: أنساب ١/ ٣٠٨ الواقدي ١/ ١٧٦.
(٤) المصادر السابقة، نفس الصفحات.
(٥) ابن هشام، ص ١٧١، الواقدي ١/ ١٧٦، البلاذري: أنساب ١/ ٣٠٩، جوامع السيرة ص ١٥٤، السمهودي: وفاء الوفا ١/ ١٩٧- ١٩٨، ابن الأثير: الكامل ٢/ ١٣٧- ١٣٩، ابن كثير: البداية والنهاية ٤/ ٣- ٤.
[ ٢٧٨ ]
الآية وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ «١»، فلما فرغ جبريل من تلاوة الآية قال الرسول ﷺ: إني أخاف بني قينقاع، وسار لقتالهم «٢» . ومهما كان الأمر فإن يهود بني قينقاع قد تحدوه صراحة سواء في أقوالهم وحربهم النفسية، أم في مواقفهم وأعمالهم، حتى أن الواقدي يذكر أن بني قينقاع اجتمعوا على الرجل فقتلوه «ونبذوا العهد إلى النبي ﷺ وحاربوا وتحصنوا في حصنهم» «٣» . ومن ثم يبدو تهافت ما ذكره ولفنسون من أن الأسباب التي حملت النبي على البدء بمحاربة بني قينقاع- من بين جميع اليهود- ترجع إلى أن بني قينقاع كانوا يسكنون داخل المدينة، في حي واحد من أحياء الأقوام العربية، فأراد النبي ﷺ أن يطهر المدينة وأحياء الأنصار من المشركين ومن جميع من يخالفون دينه، وغني عن البيان أن بني قينقاع كانوا أغنى طوائف اليهود في يثرب.. ثم كان عددهم غير كثير، فكان من السهل مقاتلتهم واستئصال شأفتهم «٤» .
لم يقف الرسول ﷺ ساكتا إزاء تحدي بني قينقاع، وهم ينقضون صراحة بنود الدستور، ويثيرون فتنة كان الدستور قد أكد على معاقبة مرتكبيها واعتبارهم ناقضين للعهد، ومن ثم فرض الحصار على حصونهم الواقعة داخل المدينة، في شوال من السنة الثانية للهجرة، وقد استمر الحصار خمس عشرة ليلة وانتهى بنزول اليهود على حكم الرسول الذي قضى بإجلائهم عن يثرب إلى أي مكان يشاؤون «٥»، دون أن ينزل أية عقوبة- أخرى- بهم، كي يجيء حكمه بمستوى الجرم الذي اقترفوه. وبخروجهم إلى أذرعات من بلاد الشام تخلص المسلمون من واحدة من القبائل اليهودية الرئيسية الثلاث المنتشرة- منذ زمان بعيد- داخل المدينة وخارجها، فازدادت وحدة المدينة تماسكا، وازداد اليهود ضعفا. ويظهر أن إجلاء بني قينقاع كان له وقع عظيم في نفوس اليهود، فقد امتنعوا في أعقاب ذلك عن المجادلة الدينية، وكفوا عن رمي المسلمين بقوارص الكلم، ودخلت
_________________
(١) سورة الأنفال: الآية ٥٨.
(٢) الطبري: تاريخ ٢/ ٤٨٠، ابن سعد: طبقات ٢/ ١/ ١٩.
(٣) المغازي: ١/ ١٧٧.
(٤) تاريخ اليهود: ص ١٢٨.
(٥) ابن هشام ص ١٧١- ١٧٢، ابن سعد ٢/ ١/ ١٩- ٢٠، الواقدي ١/ ١٧٧- ١٨٠، البلاذري: أنساب ١/ ٣٠٩، ابن الأثير: الكامل ٢/ ١٣٨- ١٣٩.
[ ٢٧٩ ]
هيبة المسلمين في قلوب البطون العربية التي لم تكن قد دخلت في الإسلام، وانفسح المجال أمام النبي ﷺ لنشر دعوته «١» .
ولم يمض على ذلك كبير وقت حتى سدد الرسول ﷺ لليهود ضربة أخرى بقتل كعب بن الأشرف، أحد كبار زعمائهم، في ربيع الأول من السنة الثالثة للهجرة. وكان كعب قد صعّد نشاطه ضد الإسلام في اللحظة التي قدم فيها إلى المدينة مبعوثا الرسول ﷺ من معركة بدر، زيد بن حارثة وعبد الله ابن رواحة، لإعلان بشرى انتصار المسلمين في لقائهم الحاسم مع المشركين.
فقال كعب: ويلكم أحق هذا؟ أترون أن محمدا قتل هؤلاء الذين يسمي هذان الرجلان وهؤلاء أشراف العرب وملوك الناس؟ والله لئن كان محمد أصاب هؤلاء القوم لبطن الأرض خير لنا من ظهرها.. هؤلاء سراة الناس قد قتلوا وأسروا، فما عندكم؟ قالوا: عداوته ما حيينا. قال: وما أنتم وقد وطىء قومه وأصابهم، ولكني أخرج إلى قريش فأحضهم وأبكي قتلاهم فلعلهم ينتدبون فأخرج معهم. وبعد أن تيقن من صحة الخبر غادر كعب المدينة متوجها إلى مكة ونزل هناك على أحد زعمائها، وراح يحرض على رسول الله ﷺ وينشد الأشعار في هجائه ويبكي أصحاب القليب من قادة قريش الذين صرعوا في بدر، وقفل عائدا إلى المدينة لكي ينشد قصيدة يشبب فيها بامرأة مسلمة تدعى أم الفضل بنت الحارث:
إحدى بني عامر جنّ الفؤاد بها ولو تشاء شفت كعبا من السقم
لم أر شمسا بليل قبلها طلعت حتى تجلت لنا في ليلة الظلم!!
وتحول من أم الفضل إلى نساء مسلمات أخريات مشببا بهن حتى آذاهن.
وعند ذلك قال الرسول ﷺ لأصحابه: من لي من ابن الأشرف؟ فقال رجل من الأنصار يدعى محمد بن مسلمة: أنا لك به يا رسول الله، أنا أقتله. قال الرسول ﷺ: فافعل إن قدرت على ذلك!!
توجه محمد بن مسلمة إلى دار ابن الأشرف، في بني النضير، يصحبه أربعة من رفاقه. وعندما اقتربوا من داره بعثوا إليه أحدهم، أبا نائلة، فجاءه فتحدث معه ساعة، وتناشدا شعرا، ثم قال أبو نائلة: ويحك يا ابن الأشرف! إني قد جئتك
_________________
(١) ولفنسون: تاريخ اليهود ص ١٣١.
[ ٢٨٠ ]
بحاجة أريد ذكرها لك فاكتم عني. أجاب كعب: أفعل. قال أبو نائلة: كان قدوم هذا الرجل (يعني محمدا ﷺ) بلاء علينا، عادتنا العرب ورمتنا عن قوس واحدة، وقطعت عنا السبل حتى ضاع العيال وجهدت الأنفس وأصبحنا قد جهدنا وجهدت عيالنا. فقال كعب: أنا ابن الأشرف، أما والله لقد كنت أخبرتك أن الأمر سيصير إلى ما كنت أقول. فقال أبو نائلة: إني قد أردت أن تبيعنا طعاما ونرهنك ونوثق لك وتحسن في ذلك. وطلب كعب أن يرهنوه أبناءهم فأقنعه أبو نائلة أن ذلك مما لا ترضاه العرب وأن من الأفضل لو يجعل الرهن سلاحا- وكان هدفه ألا ينكر كعب وجماعته السلام إذا جاءهم به- فوافق كعب على ذلك. وفي بقيع الغرقد اجتمعوا بالرسول ﷺ وتلقوا منه التعليمات وقال لهم: انطلقوا على اسم الله، اللهم أعنهم. فأقبلوا حتى انتهوا إلى حصن كعب وناداه أبو نائلة، فنزل إليهم وتحدث معهم ساعة، حتى إذا توغلوا بعيدا عن مساكن اليهود أخذ أبو نائلة برأسه وصاح: اضربوا عدو الله، فصرخ كعب صرخة لم يبق من جرائها حصن يهودي إلا أوقدت عليه النار، وما لبثت سيوف المسلمين أن تناوشته وأجهزت عليه، وقفلوا عائدين بعد أن أصيب أحدهم بجرح. وسرعان ما تبدت ردود فعل اليهود إزاء مقتل فارسهم وشاعرهم خوفا وجبنا «فليس في المدينة يهودي إلا وهو يخاف على نفسه» «١» . ودفعهم الفزع إلى مقابلة الرسول ﷺ حيث قالوا له: قد طرق صاحبنا الليلة، وهو سيد من ساداتنا، قتل غيلة بلا جرم ولا حدث علمناه.
فأجابهم الرسول: إنه لو قرّ كما قرّ غيره ممن هو على مثل رأيه ما اغتيل، ولكنه نال منا الأذى وهجانا بالشعر، ولم يفعل هذا أحد منكم إلا كان له السيف.
ثم ما لبث أن عرض عليهم أن يكتب بينهم كتابا ينتهون إلى ما فيه، فأجابوه إلى ذلك حيث أصابهم الخوف والذل «٢» .
_________________
(١) الطبري: تاريخ ٢/ ٤٨٧- ٤٩١، ابن سعد ٢/ ١/ ٢١- ٢٣، البخاري: التجريد ٢/ ٧٩- ٨٠، الواقدي ١/ ١٢١- ١٢٢، ١٨٤- ١٩٣، ابن حزم: جوامع السيرة ص ١٥٤- ١٥٦، ابن الأثير: الكامل ٢/ ١٤٣- ١٤٤، المقدسي ٤/ ١٩٧، ابن كثير: البداية والنهاية ٤/ ٥- ٩.
(٢) الواقدي: ١/ ١٩٢.
[ ٢٨١ ]
[٥]
[٥]
وما لبثت هزيمة أحد أن أفسحت لليهود مجالا ينفسون فيه عن أحقادهم ويظهرون ضغائنهم على الإسلام ونبيه، وراحوا يطلقون الأقوال السيئة ويقولون: ما محمد إلا طالب ملك، ما أصيب هكذا نبي قط، أصيب في بدنه وأصيب في أصحابه، حتى أن ذلك استفز عمر بن الخطاب ﵁ فاستأذنه في قتل الرؤوس اليهودية التي نفثت سمومها في قلب المحنة فأجابه الرسول ﷺ: يا عمر إن الله مظهر دينه ومعزّ نبيه، ولليهود ذمة فلا أقتلهم «١» . ولم يقف اليهود عند حدود الحرب النفسية بل إنهم مضوا إلى أبعد من ذلك مستغلين فرصة ضعف المسلمين ومأساتي الرجيع وبئر معونة وتألب الأعراب الوثنيين ضدهم فقرر زعماء بني النضير «٢» التامر على حياة الرسول ﷺ في السنة الرابعة للهجرة.
ذلك أنه ذهب إلى حصونهم، بصحبة عدد من كبار أصحابه، يستعينهم في دية قتيلين من بني عامر، كان أحد أصحابه قد قتلهما خطأ في أعقاب نجاته من مجزرة بئر معونة، وفق ما تقضي به المواثيق التي كان اليهود قد أمضوها مع الرسول ﷺ. وعندما عرض عليهم الرسول ﷺ ما جاء من أجله، قالوا: نعم يا أبا القاسم، نعينك على ما أحببت مما استعنت بنا عليه. ثم خلا بعضهم ببعض فقالوا: إنكم لن تجدوا الرجل على مثل حاله هذه- وكان ﷺ قد جلس يستريح أسفل جدار بيت من بيوتهم- فمن رجل يعلو على هذا البيت فيلقي عليه صخرة فيريحنا منه؟ فقال عمرو بن جحاش بن كعب: أنا لذلك، وصعد لتنفيذ المهمة، فنزل الوحي الأمين لكي يخبر الرسول ﷺ بما أراد القوم، فما لبث أن غادر المكان عائدا إلى المدينة، ولما انتظره أصحابه طويلا ولم يعد، قاموا في طلبه، وفي الطريق لقوا رجلا مقبلا من المدينة أعلمهم أنه رأى النبي ﷺ داخلا، ولما التقوا به أخبرهم بما اعتزمه اليهود من الغدر به. وأرسل إلى بني النضير ينذرهم بضرورة مغادرة المدينة خلال عشرة
_________________
(١) الواقدي: ١/ ٣١٧- ٣١٨، المقريزي: إمتاع الأسماع ١/ ١٦٥.
(٢) عن أصل بني النضير وبني قريظة انظر Margoliuth:The Relations between Arabs Israelites،Lec،٣.:
[ ٢٨٢ ]
أيام وإن من شوهد منهم بعد انتهاء المدة ضربت عنقه. لكن اليهود لم يستجيبوا للإنذار وراحوا يهيئون أنفسهم لحصار طويل، وحينذاك أصدر الرسول ﷺ أوامره بالتهيؤ للمسير إلى حصون بني النضير وقتالهم.
ما إن علم بنو النضير بتحرك المسلمين حتى لجؤوا إلى حصونهم يحتمون بها، ففرض المسلمون الحصار عليهم، وأمر الرسول ﷺ بقطع نخيلهم وتحريقها لإرغامهم على التسليم وهم الحريصون على المال والمتاع، فنادوه أن يا محمد قد كنت تنهي عن الفساد وتعيبه على من صنعه فما بال قطع النخيل وتحريقها؟
فلم يلتفت الرسول ﷺ لمثالياتهم التي يعرف جيدا أنهم أول الناس بتخطيها إذا ما تعارضت ومصالحهم، فشدد الحصار عليهم. وراح بنو النضير يقاومون بانتظار النجدة التي وعدهم بها عبد الله بن أبيّ زعيم المنافقين، دون جدوى، وبدأ الرعب يدب في نفوسهم، ثم ما لبثوا أن أعلنوا عن استسلامهم، بعد خمسة عشر يوما من الحصار، وموافقتهم على الجلاء أسوة برفاقهم من بني قينقاع، على أن يحقن الرسول ﷺ دماءهم ويسمح لهم بحمل ما تقدر إبلهم على حمله فيما عدا السلاح، فأجابهم إلى ذلك، فحملوا إبلهم الكثير من الأموال والمتاع وانطلقوا شمالا حيث استقر بعضهم في خيبر وعلى رأسهم زعماء بني النضير: سلام بن أبي الحقيق وكنانة بن الربيع بن أبي الحقيق وحيي بن أخطب حيث دان لهم أهلها بالطاعة، واستمرت طائفة أخرى في مسيرها صوب الشام. ووضع الرسول ﷺ يديه على ما تركوه من أموال، فقسمها على المهاجرين الأولين الذين كانوا يعانون الفقر والجوع ولم يمنح للأنصار شيئا سوى رجلين فقيرين منهم، رغبة منه ﷺ في إعادة التوازن الاجتماعي بين أصحابه، وهي سابقة عملية أخرى، لا تقل خطورة عن تجربة (المؤاخاة) في دلالتها الاجتماعية على رغبة الإسلام العميقة في تنفيذ التوازن الاجتماعي وتذويب الفروق الطبقية بين فئات المجتمع الواحد، وإحلال التعاون والوفاق محل التقاتل والتحاقد والصراع «١» .
ولم يفلت عمرو بن جحاش من طائلة العقاب إذ سرعان ما أمر الرسول ابن يامين بن عمير- الذي أعلن إسلامه خلال فترة الحصار- أن يدبر أمر اغتياله
_________________
(١) ابن هشام ص ٢٠٢- ٢٠٥: الطبري: تاريخ ٢/ ٥٥٠- ٥٥٥، ابن سعد ٢/ ١/ ٤٠- ٤٢، الواقدي ١/ ٣٦٣- ٣٨٠، اليعقوبي ٢/ ٤٠، ابن الأثير: الكامل ٢/ ١٧٣، البلاذري: فتوح البلدان ١/ ١٨- ١٩، أنساب ١/ ٣٣٩، ابن حزم: جوامع السيرة ص ١٨١- ١٨٢، ابن كثير: البداية والنهاية ٤/ ٧٤- ٨٠، المقدسي ٤/ ٢١٢- ٢١٣.
[ ٢٨٣ ]
[٦]
فأجابه أنا أكفيكه يا رسول الله، وما لبث أن اتصل برجل من قيس وأعطاه عشرة دنانير لقاء تعهده بقتل ابن جحاش، فأدى الأعرابي المهمة، وعاد ابن يامين لكي يخبر الرسول ﷺ بالقضاء على الخائن «١» .
وهكذا تم إجلاء طائفة أخرى من اليهود بسبب خرقها الميثاق وخفرها الذمة وخيانتها الرسول ﷺ. ولقد جاء انتصار المسلمين هذا في أعقاب محنتهم في أحد وفجيعتهم في حادثتي الرجيع وبئر معونة، ومن ثم تولوا زمام المبادرة ثانية، وتغيّر بانتصارهم هذا مجرى الأحداث، ونزلت- بعد قليل- سورة بأكملها هي سورة (الحشر) تعرض لظروف هذا الحدث الخطير، وتعلق على مجرياته ونتائجه التي ما كانت لتحدث هكذا لولا إرادة الله الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ دِيارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ ما ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ. وَلَوْلا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابُ النَّارِ «٢» وإن كان ثمة شيء يزاد على روايات التاريخ فهو المدى الواسع الذي ينطوي في الآية الرابعة من السورة الآنفة ذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ إذ يصحّ أن يقال إن محاولة بني النضير اغتيال النبي إنما كانت سببا مباشرا، وأنه كان منهم قبل ذلك مواقف مشاقة مؤذية ومزعجة كثيرة طفح بها الكيل وحق عليهم من أجلها التنكيل «٣» .
[٦]
لم يشأ زعماء بني النضير الذين استقروا في خيبر أن يظلوا ساكتين إزاء هزيمتهم وامتداد الإسلام إلى كل مكان، وتدارسوا الأمر فرأوا أن أحد أكبر الأسباب في الهزائم التي مني بها أعداء الإسلام من الوثنيين واليهود هي قتالهم المسلمين كل على انفراد، الأمر الذي مكّن هؤلاء من تصفية خصومهم وتحقيق
_________________
(١) الواقدي: ١/ ٣٧٣- ٣٧٤.
(٢) ابن هشام ص ٢٠٥ الواقدي ١/ ٣٨٠- ٣٨٣ وعن الآيات المتعلقة بإجلاء بني النضير انظر سورة الحشر: الآيات ٢- ٧، ١١- ١٧.
(٣) دروزة: عصر الرسول ﷺ ٢/ ١٩٨.
[ ٢٨٤ ]
الانتصارات المتتالية عليهم، وإذن فإن خير أسلوب لتفادي الهزيمة كرة أخرى هي أن يسعوا لتشكيل حلف قوي يضم كافة القوى الوثنية واليهودية وتوجيه ضربة مشتركة للإسلام لا تقوم له بعدها قائمة. وسرعان ما انطلق نفر منهم على رأسهم سلام بن أبي الحقيق وحيي بن أخطب وكنانة بن أبي الحقيق، وغيرهم للاتصال بقريش وغطفان وبقية القبائل الوثنية الكبرى وإقناعهم جميعا بالفكرة التي توصلوا إليها. وعندما قدموا على قريش ودعوها إلى حرب رسول الله ﷺ وقالوا: إنا سنكون معكم حتى نستأصله، أرادت قريش أن تستوثق من خطة اليهود فسألت حييا عن قومه من بني النضير فقال: تركتهم بين خيبر والمدينة يترددون حتى تأتوهم فتسيروا معهم إلى محمد وأصحابه. فسألوه عن بني قريظة فقال: أقاموا بالمدينة مكرا بمحمد حتى تأتوهم فيميلوا معكم. وتساءل بعض رجالات قريش:
يا معشر اليهود، إنكم أهل الكتاب الأول والعلم بما أصبحنا نختلف فيه نحن ومحمد، أفديننا خير أم دينه؟ أجاب اليهود: بل دينكم خير من دينه، وأنتم أولى بالحق منه. كان اليهود مستعدين لأن يزيفوا كل شيء، ويتجاوزوا منطقهم الديني نفسه في سبيل التودد إلى الوثنية وتحريكها لضرب الإسلام. ولقد نجحوا في هذا السبيل، بعد أن اتصلوا بالقبائل العربية الآخرى، وانطلق الأحزاب في هجوم شامل على المدينة لاستئصال الإسلام «١» .
ولقد أدرك زعماء بني النضير أن هدفهم لن يكسب ضمانه النهائي إلا بإقناع يهود بني قريظة في يثرب، أولئك الذين كانوا لا يزالون ملتزمين بميثاقهم مع الرسول ﷺ، بالتمرد على التزامهم والإنضواء إلى صفوف الأحزاب، والعمل سوية على توجيه الضربة القاصمة للعدو المشترك. فانطلق حيي بن أخطب «٢»، وقد حوصرت المدينة، إلى حصون بني قريظة القابعة إلى الجنوب منها، وقصد زعيمها كعب بن أسد. فلما سمع هذا بقدوم حيي أغلق دونه باب حصنه تجنبا للمشاكل والتزاما بعهد رسول الله ﷺ، فاستأذنه حيي بالدخول عليه فأبى أن يفتح له، فناداه حيي محاولا إقناعه بما جاء من أجله: ويحك يا كعب.. افتح لي. أجابه كعب: ويحك يا حيي، إنك امرؤ مشؤوم وإني قد
_________________
(١) ابن هشام ص ٢١١- ٢١٢، الواقدي: ٢/ ٤٤١- ٤٤٢، وانظر: الشريف: مكة والمدينة ص ٤٥٥.
(٢) يذكر ابن سعد ٢/ ١/ ٤٨ بأن أبا سفيان هو الذي دس حييا إلى بني قريظة كي ينقضوا عهدهم، ويذهب الواقدي إلى ما ذهب إليه ابن سعد: المغازي ٢/ ٤٥٤- ٤٥٥.
[ ٢٨٥ ]
عاهدت محمدا فلست بناقض ما بيني وبينه، ولم أر منه إلا وفاء وصدقا. قال حيي: ويحك افتح لي أكلمك. أجاب كعب: ما أنا بفاعل. قال حيي مستفزا رفيقه: «والله إن أغلقت الحصن دوني إلا على جشيشتك «١» أن أكل منها معك» فاضطر كعب إلى أن يفتح له.
وما أن دخل زعيم بني النضير حتى بادر رفيقه قائلا: ويحك يا كعب جئتك بعز الدهر وببحر طام، جئتك بقريش على قادتها وسادتها حتى أنزلتهم بمجتمع الأسيال من رومة، وبغطفان على قادتها وسادتها حتى أنزلتهم بجانب أحد، وقد عاهدوني وعاقدوني على ألايبارحوا حتى نستأصل محمدا ومن معه. أجابه كعب وهو يخمن المصير الذي ينتظره وقومه إذا ما تمردوا على العهد: جئتني والله بذل الدهر وبجهام قد أهراق ماءه، فهو يرعد ويبرق ليس فيه شيء، ويحك يا حيي فدعني وما أنا عليه فإني لم أر من محمد إلا صدقا ووفاء. فلم يزل حيي بكعب يخاتله ويراوغه ويمنيه حتى أجابه كعب بعد أن شرط عليه أنه إذا ما عادت قريش وغطفان ولم يصيبوا محمدا دخل معه حصنه حتى يصيبه ما أصابه. وعند ذلك قام كعب بنقض العهد وأعلن براءته مما كان بينه وبين محمد ﷺ «٢» .
عندما بلغت رسول الله ﷺ أنباء نقض بني قريظة عهدها معه بعث سعد ابن معاذ سيد الأوس وسعد بن عبادة سيد الخزرج وآخرين وقال لهم: انطلقوا حتى تنظروا أحق ما بلغنا عن هؤلاء القوم أم لا؟ فتوجه هؤلاء إلى حصون قريظة وسألوهم عما بلغهم عنهم، فما كان جوابهم إلا أن قالوا: من رسول الله؟ لا عهد بيننا وبين محمد ولا عقد، وعندما عنفهم سعد بن معاذ شتموه! وعاد الرجال لكي يخبروا الرسول ﷺ عن صحة ما ورده من أنباء زادت المسلمين بلاء على بلاء «٣» .
وسرعان ما همت بنو قريظة في القيام بهجوم ليلي على قلب المدينة، وأرسل زعماؤها حيي بن أخطب إلى معسكر قريش لكي يأتي بألفي رجل منها ومن غطفان يستعينون بهم على هذا الهجوم، الأمر الذي دفع الرسول ﷺ إلى
_________________
(١) الجشيشة: طعام من البر يطحن غليظا.
(٢) ابن هشام ص ٢١٤- ٢١٥، الطبري: تاريخ ٢/ ٥٧١- ٥٧٢، الواقدي ٢/ ٤٥٤- ٤٥٧.
(٣) ابن هشام ص ٢١٥، الطبري: تاريخ ٢/ ٥٧٢، الواقدي ٢/ ٤٥٧- ٤٥٩.
[ ٢٨٦ ]
تجريد كتيبتين من خمسمائة فارس لحراسة المدينة والطواف في أحيائها ورفع معنويات أهاليها. ويحدثنا أبو بكر الصديق ﵁ فيقول: «لقد خفنا على الذراري بالمدينة من بني قريظة أشد من خوفنا من قريش وغطفان.. فكان مما رد الله به بني قريظة عما أرادوا أن المدينة كانت تحرس» «١» . وكان الرسول ﷺ يبعث العيون من جهته إلى بني قريظة لكي يجيئوه بأماكن خللهم ونقاط ضعفهم «٢» وقد تمكن عشرة من أشداء اليهود من التسلل يوما إلى أطراف المدينة فتصدى لهم نفر من المسلمين واشتبكوا معهم في قتال بالنبال أسفر عن تراجع اليهود واحتمائهم بحصونهم، وسيطر الرعب عليهم «فلم يقدروا أن يطلعوا من حصنهم وخافوا خوفا شديدا» «٣» .
وصمد المسلمون لمحنة (الأحزاب) وتمكنوا من دحر أخطر هجوم في تاريخ دعوتهم، فتفككت عرى الأحزاب وقفلت عائدة إلى ديارها، وحان الوقت لإنزال العقاب العادل بالجماعة اليهودية التي نقضت العهد في أخطر ساعة عاشها المسلمون. جاء جبريل ﵇ إلى الرسول ﷺ وسأله: أوقد وضعت السلاح يا رسول الله؟ أجاب الرسول: نعم. فقال جبريل: فما وضعت الملائكة السلاح بعد، وما رجعت الآن إلا من طلب القوم. إن الله ﷿ يأمرك يا محمد بالمسير إلى بني قريظة، فإني عامد إليهم فمزلزل بهم. فأمر الرسول ﷺ مؤذنا يؤذن في الناس (من كان سامعا مطيعا فلا يصلين العصر إلا ببني قريظة) «٤»، إسراعا بالمسلمين إلى هدفهم واستنهاضا لهم بعد الجهد والعناء الذي أصابهم خلال أيام الحصار الشاقة.
لقد أدرك الرسول ﷺ بثاقب فكره أهمية الوقت في الحصول على نتائج باهرة في القتال، فلو أنه أبطأ في حركته هذه لاستفاد اليهود من الوقت في الاستعانة بحلفائهم، أو إقناع اليهود الآخرين بمعاونتهم، أو التشبث بالحصول على قوات من القبائل لتدعيم قوتهم، ولكان بإمكانهم إكمال قضاياهم الإدارية
_________________
(١) الواقدي، ٢/ ٤٦٠.
(٢) المصدر السابق ٢/ ٤٦١- ٤٦٢.
(٣) المصدر السابق ٢/ ٤٦٢.
(٤) ابن هشام ص ٢٢٣، الطبري: تاريخ ٢/ ٥٨١، ابن سعد ٢/ ١/ ٥٣- ٥٥، الواقدي: ٢/ ٤٩٦- ٤٩٩، البلاذري: أنساب ١/ ٣٤٧- ٣٤٨.
[ ٢٨٧ ]
التي يحتاجونها في القتال حتى يستطيعوا الصمود في حصارهم أطول مدة ممكنة.
ولكن إسراع الرسول لتطويقهم حال بين اليهود وبين كل ذلك، إذ لم يكن اليهود يعلمون بالموعد الأكيد لانسحاب الأحزاب ليسبقوا النظر في إعداد كافة متطلبات القتال المتوقع ضد المسلمين، بل إن حركة المسلمين السريعة لم تترك لهم الوقت الكافي لتنظيم خطة دفاعية عن حصونهم، كما لم تترك لهم الوقت الكافي لتنظيم أي خطة على الإطلاق.. كما أن حركة المسلمين مبكرا شلّت معنويات اليهود وقضت على روح المقاومة فيهم «١» .
ومما يزيد في قيمة حرص المسلمين على المحافظة على الوقت أن ظروفهم لم تكن حسنة بعد انسحاب الأحزاب، لقد كانوا منهوكي القوى لسهرهم على حراسة مواضعهم مدة حوالي شهر في موقف عصيب يحطم أعصاب الشجعان، وكان الطقس باردا وقد تحملوا البرد في العراء وقتا طويلا أثناء حصارهم فلما انسحبت الأحزاب آن لهم أن ينالوا بعض الدفء في بيوتهم القريبة. وكانت قضاياهم الإدارية بشكل لا يحسدون عليه، إذ ما هي إمكانيات إعاشتهم مثلا وهي أهم ما يديم قوة المقاتلين؟ إن عدم اكتراث المسلمين بكل هذه المشاكل لغرض الإسراع بتطويق حصون بني قريظة يدعو إلى الإعجاب والتقدير «٢» .
استمر الحصار خمسا وعشرين ليلة وبدأ الرعب يتسرب إلى قلوب اليهود، وأدركوا ألا قدرة لهم على الصمود حتى النهاية. ولما أيقن زعيمهم كعب بن أسد أن الرسول ﷺ غير منصرف عنهم حتى ينزل بهم عقابه، عرض على قومه حلولا عدة علها تخلصهم من المأزق الذي أوقعوا أنفسهم فيه فقال: يا معشر يهود، قد نزل بكم من الأمر ما ترون، وإني عارض عليكم خلالا ثلاثا فخذوا أيها شئتم. قالوا: وما هي؟ قال: نتابع هذا الرجل ونصدقه، فو الله لقد تبين لكم أنه نبي مرسل، وأنه للذي تجدونه في كتابكم، فتأمنون على دمائكم وأموالكم وأبنائكم ونسائكم قالوا: لا نفارق حكم التوراة أبدا، ولا نستبدل به غيره. قال: إذا أبيتم علي هذه فهلم فلنقتل أبناءنا ونساءنا ثم نخرج إلى محمد وأصحابه رجالا مصلتين السيوف، لم نترك وراءنا ثقلا، حتى يحكم الله بيننا وبين محمد، فإن نهلك نهلك ولم نترك وراءنا نسلا
_________________
(١) شيت خطاب: الرسول القائد ص ١٦٧.
(٢) المرجع السابق، ص ١٦٨.
[ ٢٨٨ ]
نخشى عليه، وأن نظهر فلعمري لنجدن النساء والأبناء. قالوا: نقتل هؤلاء المساكين فما خير العيش بعدهم؟ قال: فإن أبيتم علي هذه فإن الليلة ليلة السبت، وأنه عسى أن يكون محمد وأصحابه قد أمنونا فيها فانزلوا لعلنا نصيب من محمد وأصحابه غرة. قالوا: نفسد علينا سبتنا، ونحدث فيه ما لم يحدث من كان قبلنا إلا من قد علمت، فأصابه ما لم يخف عليك من المسخ؟ وقال نباش بن قيس، أحد زعمائهم: وكيف نصيب منهم غرة وأنت ترى أمرهم كل يوم يشتد، كانوا أول ما يحاصروننا إنما يقاتلون بالنهار ويرجعون بالليل فهم الآن يبيتون الليل ويظلون النهار، فأي غرة نصيب منهم؟ قال كعب: ما بات رجل منكم، منذ ولدته أمه، ليلة من الدهر حازما.
ومن ثم أعلن اليهود نزولهم على حكم الرسول ﷺ «١» .
عهد الرسول ﷺ إلى سعد بن معاذ، زعيم الأوس، وقد كان بنو قريظة مواليهم، بإصدار الحكم. وكان سعد آنذاك يمرض من جراحه التي أصابته في معركة الخندق تشرف على تمريضه في المسجد امرأة تدعى رفيدة كانت تداوي الجرحى، وتتولى رعاية من لا أهل له من المقاتلين. فجاء به قومه يحملونه وهم يقولون: يا أبا عمرو أحسن في مواليك، فإن رسول الله ﷺ إنما ولاك ذلك لتحسن فيم. فلما ألحوا عليه قال: لقد آن لسعد ألا تأخذه في الله لومة لائم، ثم أصدر حكمه بقتل الرجال المحاربين، وتقسيم الأموال، وسبي الذراري والنساء، فما كان من الرسول ﷺ إلا أن قال له (لقد حكمت فيهم بحكم الله- من فوق سبع سماوات- وحكم رسوله) «٢» !!.
لم يكن رجال بني قريظة سوى مجرمي حرب، وفق قوانين القتال المعاصرة، نقضوا العهد، وانضموا إلى الأعداء والحرب قائمة بين المسلمين والأحزاب. فكان نقضهم خيانة عظمى، ولم يكن عقابهم العادل المكافىء لفعلتهم سوى القتل. وقد أنزلوا من حصونهم مقرنين في الأصفاد، وحفرت لهم
_________________
(١) ابن هشام: ص ٢٢٤- ٢٢٥، الطبري: تاريخ ٢/ ٥٨٣- ٥٨٤، الواقدي ٢/ ٥٠١- ٥٠٣، ابن الأثير: الكامل ٢/ ١٨٥- ١٨٧، السمهودي: وفاء الوفا ١/ ٢١٨- ٢٢٠.
(٢) ابن هشام ٢٢٦- ٢٢٨، الطبري: تاريخ ٢/ ٥٨٦- ٥٨٨، ابن سعد ٢/ ١/ ٥٤، الواقدي: ٢/ ٥١٠- ٥١٢، اليعقوبي ٢/ ٤٣، البلاذري: فتوح ١/ ٢٣- ٢٤، أنساب ١/ ٣٤٧، البخاري: تجريد ٢/ ٨٢- ٨٣، ابن كثير: البداية والنهاية ٤/ ١١٦- ١٢٦.
[ ٢٨٩ ]
الخنادق، ثم جيء بهم فوجا فوجا حيث لاقوا مصيرهم ودفنوا هناك، وبلغ عددهم بين الستمائة والسبعمائة رجل فيهم سيدهم كعب بن أسد وحيي بن أخطب، زعيم بني النضير الذي كان قد لجأ إلى حصون بني قريظة بعد انسحاب الأحزاب، وامرأة كانت قد ألقت- خلال الحصار- رحى على مسلم يدعى خلاد ابن سويد فقتلته.
وما أن تم تنفيذ الحكم برجال بني قريظة حتى انفجر بسعد بن معاذ جرحه فمات شهيدا «١» بعد أن استجاب ربه لدعائه يوم جرح في معارك الخندق «اللهم إن كنت أبقيت من حرب قريش شيئا فأبقني لها فإنه لا قوم أحب إليّ أن أجاهدهم من قوم آذوا رسولك وكذبوه وأخرجوه. اللهم وإن كنت قد وضعت الحرب بيننا وبينهم فاجعله لي شهادة ولا تمتني حتى تقر عيني من بني قريظة» «٢» .
وبفتح حصون بني قريظة يكون المسلمون قد تخلصوا من آخر كتلة يهودية في المدينة اختارت بنفسها- كسابقاتها- أن تقف من الإسلام موقف الحقد والعداء، وأن تنقض ميثاقها مع الرسول ﷺ. ولم يكن الرسول ﷺ ليستخدم أسلوب العقاب الجماعي إزاء اليهود الذين لم يروا منه- كما قال سيدهم كعب بن أسد- إلا وفاء وصدقا. فكان لا يعاقب إلا القبائل التي نقضت عهدها معه تاركا القبائل الآخرى تمارس حريتها الدينية والمدنية كاملة ما دامت على عهدها.
وهكذا لم تؤد حادثة سوق الصاغة إلا إلى إجلاء مسببيها من بني قينقاع، كما لم تؤد محاولة اغتياله إلا إلى طرد القائمين بها من بني النضير، ولو ظلت بنو قريظة على عهدها، ولم تمارس خيانتها الخطيرة في معركة الخندق لكان لها شأن آخر غير المصير الذي انتهت إليه، هذا فضلا عن أن العقاب الذي كان الرسول ﷺ ينزله بخصومه اليهود كان يجيء دوما مكافئا لحجم الجرم الذي مارسته الكتل اليهودية، إذ سمح لكل من بني قينقاع وبني النضير بالخروج إلى أي مكان يشاؤون داخل الجزيرة أم خارجها، بعد أن حقن دماءهم ولم يستخدم أسلوب القتل إلا إزاء أولئك الذين خانوا العهد في ساحة الحرب وتعاونوا مع الأعداء، وهو العقاب الذي تمارسه جميع القوانين. أما اليهود، كأفراد لا ينتمون إلى هذه الكتلة وتلك من الكتل اليهودية ذات الوجود السياسي والعسكري، فقد ظلوا حتى
_________________
(١) ابن هشام ص ٢٢٨- ٢٢٩، ٢٣٢، الطبري: تاريخ ٢/ ٥٨٨- ٥٨٩، ٥٩٢، الواقدي: ٢/ ٥١٣- ٥١٨، السمهودي: وفاء الوفا ١/ ٢٢٠- ٢٢١، ابن كثير: البداية والنهاية: ٤/ ١٢٦- ١٣٠.
(٢) الطبري: تاريخ ٢/ ٥٧٥، ابن سعد ٢/ ١/ ٥٦، الواقدي ٢/ ٥١٢، ٥٢٥.
[ ٢٩٠ ]
[٧]
النهاية يمارسون حقوقهم وحريتهم في مدينة الرسول بدليل أنه توفي ﷺ ودرعه مرهونة عند واحد من هؤلاء!!
[٧]
راح الرسول ﷺ ينتظر الفرصة المؤاتية لضرب التجمع اليهودي السياسي الأخير في خيبر والمواقع المجاورة بسبب ما كانت تمارسه ضد الإسلام. فمنها انطلق زعماء اليهود لدعوة القبائل العربية وتحزيبها ضد المسلمين، ومنها خرج حيي بن أخطب ودفع بني قريظة إلى الانتفاض في اللحظات العصيبة. وقد غدت خيبر بمرور الأيام ملجأ يأوي إليه اليهود المبعدون عن المدينة، ينتظرون الفرصة للانتقام من الإسلام، واسترداد مواقعهم ومصالحهم التي جردهم الرسول ﷺ منها، وقد اتضح هذا في الأيام القلائل التي أعقبت هزيمة بني قريظة، إذ بلغت خيبر أنباء هزيمة قريظة فاتصل بعض اليهود بزعيمهم سلام بن مشكم وسألوه الرأي فأجابهم: نسير إلى محمد بما معنا من يهود خيبر فلهم عدد، ونستجلب يهود تيماء وفدك ووادي القرى، ولا نستعين بأحد من العرب، فقد رأيتم في غزوة الخندق ما صنعت بكم العرب.. ثم نسير إليه في عقر داره. فقالت اليهود:
هذا الرأي «١» . ولكن بعض الزعماء عارضه في الإقدام على مجازفة كهذه غير مأمونة النتيجة. وفضلا عن هذا كله فإن يهود خيبر كانوا السبب في خروج سرية يقودها علي بن أبي طالب ﵁ أواخر العام السادس الهجري، كانت وجهتها فدك حيث يقطن حي من بني سعد بن بكر كانوا قد سعوا إلى مدّ أيديهم لأولئك اليهود لقاء أن يمنحوهم جزآ من ثمار خيبر «٢» .
وها هم الآن يتحالفون مع غطفان في محاولة جديدة ضد المدينة. وقد علم الرسول ﷺ بما يدور في خلدهم فأخذ يتهيأ لقتالهم ويمهد لذلك بإرسال مجموعات من فدائيي الأنصار لاغتيال بعض قادة اليهود هناك كسلّام بن أبي الحقيق وأسير بن رزام الذي كان يجتمع ببني غطفان ليعقد معهم العقود والاتفاقات ليكونوا مع اليهود في حالة دخول أهل خيبر في حرب مع المسلمين «٣» . ويحدثنا عبد الله بن عتيك أمير السرية الأنصارية ذي الرجال الخمسة
_________________
(١) الواقدي: ٢/ ٥٣٠- ٥٣١.
(٢) الطبري: تاريخ ٢/ ٦٤٢، ابن سعد ٢/ ١/ ٦٥.
(٣) ولفنسون: تاريخ اليهود ص ١٥٧- ١٥٨.
[ ٢٩١ ]
والتي كلفها الرسول ﷺ مهمة قتل الزعيم اليهودي فيقول: «لما دنونا من الحصن وقد غربت الشمس وراح الناس بسرحهم، قلت لأصحابي: اجلسوا مكانكم فإني سانطلق واتلطف إلى البواب لعلي أدخل» ..
ثم أقبل حتى إذا دنا من الباب تقنع بثوبه كأنه يقضي حاجة، وقد دخل الناس، فهتف به البواب: إن كنت تريد أن تدخل فادخل فإني أريد أن أغلق الباب. فتناول المفاتيح التي كان البواب قد علقها على وتد هناك ثم اتجه إلى حيث يقيم سلام بن مشكم الملقب بأبي رافع.. «كان أبو رافع يسمر في علالي، فلما ذهب عنه أهل سمره صعدت إليه، فجعلت كلما فتحت بابا أغلقته عليّ من داخل.. حتى انتهيت إليه، فإذا هو في بيت مظلم وسط عياله، لا أدري أين هو من البيت؟ قلت: أبا رافع. قال: من هذا؟ فأهويت نحو الصوت أضربه بالسيف، فما أغنى شيئا وصاح، فخرجت من البيت ومكثت غير بعيد، ثم دخلت إليه وقلت: ما هذا الصوت يا أبا رافع؟ قال: لأمك الويل، إن رجلا بالبيت ضربني بالسيف، فانقضضت عليه ووضعت حد السيف في بطنه حتى أخرجته من ظهره، فعرفت أني قد قتلته وجعلت أفتح الأبواب بابا فبابا، حتى انتيت إلى الأرض، فوقعت فانكسرت ساقي فعصبتها بعمامتي ثم انطلقت حتى جلست عند الباب فقلت: والله لا أرجع الليلة حتى أعلم أقتلته أم لا؟ فلما صاح الديك قام الناعي على السور ينعي أبا رافع، فانطلقت إلى أصحابي وقلت: النجاء.. قد قتل الله أبا رافع» .. وقفل عبد الله بن عتيك ورفاقه عائدين إلى المدينة ليخبروا الرسول بالمهمة التي انجزوها «١» . وبعد أبي رافع جاء دور أسير بن رزام حيث ندب له الرسول ﷺ ثلاثين رجلا بقيادة عبد الله بن رواحة، فاستدرجوه وعددا من أصحابه واحتالوا عليهم وقتلوا أميرهم أسير ومعظم أصحابه ثم قفلوا عائدين إلى المدينة دون أن يفقدوا أحدا «٢» !!
كان الرسول ﷺ قد عقد صلح الحديبية مع قريش في أواخر السنة السادسة
_________________
(١) انظر بالتفصيل الطبري: تاريخ ٢/ ٤٨٣- ٤٩٠ الواقدي ١/ ٣٩١، ابن سعد ٢/ ١/ ٦٦، البلاذري: أنساب ١/ ٣٧٦، البخاري: تجريد ٢/ ٨٠، ابن الأثير: الكامل ٢/ ١٤٦- ١٤٨، ابن حزم: جوامع السيرة ص ١٩٨- ٢٠٠، ابن كثير: البداية والنهاية ٤/ ١٣٧- ١٤٠، ويلاحظ أن هذه المصادر لا تتفق في تحديد تاريخ هذه الحادثة فبعضهم يجعلها قبل الخندق وبعضهم الآخر يجعلها بعدها إلا أن المرجح- كما يبدو من سياق الأحداث- أن ذلك حدث بعد معركة الخندق.
(٢) ابن سعد ٢/ ١/ ٦٧.
[ ٢٩٢ ]
للهجرة وأمن- بموجبه- جانبها، ووجد الفرصة سانحة لتوجيه نشاطه صوب الشمال حيث يقبع الخطر اليهودي الذي لا يكف عن التامر والعدوان متمثلا يخيبر والمواقع المجاورة، وما لبث ﷺ بعد أسابيع من عودته إلى المدينة أن انطلق (مطلع السنة السابعة)، صوب خيبر على رأس حملة استنفر لها الراغبين في الجهاد فحسب دون الغنائم. ذلك أن يهود خيبر كانوا أقوى الطوائف اليهودية بأسا وأعظمها دربة على القتال، ولذلك وقفت شبه الجزيرة كلها متطلعة إلى هذه الغزوة. وكان كثيرون يتوقعون أن تدور الدائرة على المسلمين «١»، وكان النبي ﷺ يدرك أنه لو فشل أمام خيبر فسيتغير ميزان القوى من جديد وربما حدثت نكسة أعادت لأعدائه قوتهم وحماستهم لقتاله، وحالت دون إتمام الوحدة التي يعمل لها النبي ويسعى إليها، لذلك كان يريد جيشا مؤمنا بأهدافه مقدرا للظروف.. يريد سيوفا تحركها قوة النفس لا جشعها، وكان جيش محمد كما أراده، قليلا بعدده كثيرا بإيمان رجاله وثبات نفوسهم وتصميمهم على الوصول لأهدافهم «٢» . ويذكر المقريزي أن عدد المسلمين الذين توجهوا إلى خيبر كانوا ألفا وأربعمائة مقاتل يصحبهم مائتا فرس «٣»، ربما اعتمادا على عددهم يوم الحديبية القريب، كما أسهم في الخروج عدد من النسوة، خرجن ليداوين الجرحى وينسجن الملابس ويهيئن الطعام.
جعل الرسول ﷺ هدفه أول الأمر السيطرة على الطريق الواصل بين خيبر وغطفان ليحول بين هؤلاء وبين أن يمدوا حلفاءهم في خيبر. وكان بنو غطفان، لدى سماعهم بتوجه الرسول إلى خيبر، قد خرجوا ليساندوا اليهود ضده لقاء نصف ثمار خيبر لذلك العام، فاضطرهم الرسول ﷺ للعودة إلى ديارهم بعد أن أوهمهم أن هجومه متجه إليهم، ومن ثم انفرد بخيبر وباغتها فجرا حيث كان أهلوها ورجالها قد خرجوا إلى مزارعهم بمساحيهم ومكاتلهم، فلما رأوا الرسول ﷺ يقود جيش المسلمين تمالكهم الخوف ونادوا «محمد والخميس» وهربوا لائذين بحصونهم، وهيؤوا أنفسهم لحصار طويل، فنادى الرسول ﷺ ملقيا مزيدا من الرعب في قلوبهم: «الله أكبر، خربت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة
_________________
(١) انظر ولفنسون: تاريخ اليهود في بلاد العرب ص ١٦٢.
(٢) الشريف: مكة المدينة ص ٤٩٥- ٤٩٨.
(٣) إمتاع الأسماع ١/ ٣٢٧.
[ ٢٩٣ ]
قوم فساء صباح المنذرين» «١» .
كانت خطة الرسول ﷺ في الاستيلاء على حصون اليهود المنيعة في خيبر تتلخص بمشاغلة بعضها بقوات صغيرة، وتركيز الهجوم على حصن واحد بقواته الرئيسية حتى يتم له الاستيلاء على الحصن ثم ينتقل بهجومه المركز إلى حصن آخر، كما أنه قسم قواته إلى أقسام بالنسبة إلى قبائلها وبطونها، وجعل لكل قسم قائدا حتى يشتد التنافس بين القوات ولكي يقوم بعضها بالمشاغلة بينما يأخذ الباقي قسطا من الراحة ليستأنف القتال مرتاحا عند الحاجة. إن هذه الخطة تتفق مع أحدث الخطط العسكرية الحديثة في قتال المدن والأحراش، ولو أنه قام بالقتال بأسلوب الكر والفر أو بأسلوب الصفوف في مثل هذا الموقف لما كتب للمسلمين النصر «٢» .
وبدأ الهجوم، وراحت حصون خيبر الممتدة في المنطقة على شكل سلاسل والمنقسمة إلى ثلاث مناطق هي: النطاة والشق والكتيبة «٣» يدافع عنها زهاء عشرة آلاف مقاتل «٤» تسقط بأيدي المسلمين حصنا بعد حصن، وكان أو؟؟ لها سلاسل حصون ناعم والقموص، وراح عدد من المدافعين يتسللون هاربين من حصونهم، واتصل بعضهم بالرسول ﷺ ودلّه على نقاط الضعف في مواقع اليهود. ومن أجل أن يعجل الرسول ﷺ بكسب المعركة حضّ أصحابه على الجهاد وأخبرهم أن اليهود قد أسلمها حلفاؤها وهربوا، وإنها قد تجادلت واختلفت فيما بينها فزاد من ثقة المسلمين بالنصر. وكان آخر الحصون مقاومة للمسلمين سلاسل الوطيح والسلالم وقلعة الزبير حيث عصى اليهود وظلوا يقاومون بضعا وعشرين ليلة جرت خلالها مبارزات فردية بين فرسان الفريقين وهجمات عديدة قادها كبار الصحابة وسقط فيها ما يقرب من مائة قتيل يهودي وخمسة عشر مسلما، حتى إذا أيقن المدافعون بالهلكة سألوا الرسول ﷺ أن يجليهم عن المنطقة وأن يحقن دماءهم فأجابهم إلى طلبهم، فلما نزلوا إليه عرضوا عليه أن يبقيهم في أرضهم لقاء أن يدفعوا للمسلمين نصف حاصلاتهم فوافق الرسول ﷺ على العرض تقديرا
_________________
(١) ابن هشام ص ٢٥٩- ٢٦١، الطبري تاريخ ٣/ ٩، ابن سعد ٢/ ١/ ٧٧ الواقدي ٢/ ٦٣٤- ٦٤٣.
(٢) شيت خطاب، الرسول القائد ص ٢٠٨- ٢٠٩.
(٣) انظر ولفنسون: تاريخ اليهود ص ١٩٦.
(٤) يخطىء اليعقوبي ٢/ ٤٦ في جعلهم عشرين ألفا وهو يمارس المبالغة وعدم الدقة في أكثر من موضع.
[ ٢٩٤ ]
منه لإمكاناتهم الزراعية ورغبة منه في الإفادة من أية طاقة في إعمار الأراضي واستثمارها إلا أنه بيّن لهم أن موافقته هذه غير ملزمة إلى الأبد «فإنا إن شئنا أن نخرجكم أخرجناكم» لما يعرفه عن طبع اليهود من عدم الوفاء بالعهد ومن انتهاز أية فرصة تسنح للغدر والخيانة «١» .
ويزيد ولفنسون مسألة معاملة يهود خيبر وضوحا فيبين أن خيبر كانت واسعة الأطراف وفيها من الحدائق والمزارع ما يحتاج للأيدي الكثيرة التي مارست أشغال الزراعة والفلاحة، ولم يكن من العرب من مارس ذلك إلا النزر اليسير. وفوق ذلك لم يرض الرسول أن يترك من أنصاره من يستوطن هذه الأرض ويعمل بها لاحتياجه إليهم في الأعمال الحربية، ولم يكن في الإمكان ترك هذه الأرض الخصبة بورا لا تنتج زرعا ولا ثمرا والدولة الإسلامية الناشئة كانت في أشد الحاجة إلى الأموال الكثيرة، فلم يكن بد من الإبقاء على اليهود ليعملوا في هذه الأرض وينتجوا منها الزرع والثمر، ولذا كانت شروط الصلح التي عقدت بين الطرفين في مصلحة المسلمين أكثر منها في جانب المغلوبين، وما دامت شوكة اليهود في الحجاز قد انكسرت فليس ما يخشى من وجود يهود خيبر في أراضيهم «٢» .
وهناك أمر يستوقف النظر وهو أنه كان بين الغنائم التي غنمها المسلمون في غزوة خيبر صحائف متعددة من التوراة، فلما جاء اليهود يطلبونها أمر النبي بتسليمها لهم. ويدل هذا على ما كان لهذه الصحائف في نفس الرسول ﷺ من المكانة العالية مما جعل اليهود يشيرون إلى النبي بالبنان حيث لم يتعرض بسوء لصحفهم المقدسة. ويذكرون بإزاء ذلك ما فعله الرومان حين تغلبوا على أورشليم وفتحوها سنة ٧٠ ب. م إذ أحرقوا الكتب المقدسة وداسوها بأرجلهم، وما فعله المتعصبون من النصارى في حروب اضطهاد اليهود في الأندلس حين أحرقوا أيضا صحف التوراة. هذا هو البون الشاسع بين الفاتحين ممن ذكرناهم وبين رسول الإسلام «٣» .
_________________
(١) ابن هشام ص ٢٦١- ٢٦٤، الطبري: تاريخ ٣/ ١٠- ١٥، ٢٠- ٢١، ابن سعد ٢/ ١/ ٨٠ الواقدي ٢/ ٦٤٣- ٦٧٧، ٦٩٠- ٦٩١، البلاذري: فتوح ١/ ٢٥- ٢٦، أنساب ١/ ٣٥٢، وانظر المقريزي: إمتاع الأسماع ١/ ٣١٠- ٣٣٢.
(٢) تاريخ اليهود ص ١٦٩.
(٣) تاريخ اليهود ص ١٧٠.
[ ٢٩٥ ]
لكن اليهود تناسوا، بعد قليل، هذه المواقف السمحة، العادلة إزاءهم، وسعوا إلى الثأر لأنفسهم كلما سنحت الفرصة لهم بذلك. كانت أولى المحاولات ما تم على يد زينب ابنة الحارث، زوجة سلام بن مشكم، إذ أهدت للرسول شاة مشوية نثرت فيها السم، فلما مضغ من ذراعها مضغة لم يسغها ولفظها قائلا: إن هذا العظم ليخبرني أنه مسموم. وكان بشر بن البراء قد أكل هو الآخر فمات بعد قليل، وجيء بالجانية فاعترفت وقالت للرسول ﷺ: بلغت من قومي ما لم يخف عليك، فقلت: إن كان ملكا استرحت منه، وإن كان نبيا فسيخبر، فتجاوز عنها الرسول «١» وقيل إنه قتلها «٢» . ويذكر الواقدي «٣» وعدد آخر من المؤرخين أن وفاة الرسول ﷺ التي جاءت بعد ثلاث سنوات كانت بسبب السم الذي دسّ له يوم خيبر «٤»، وهو احتمال ضعيف بعد مرور هذه المدة الطويلة.
بعد فترة قصيرة قام يهود خيبر باغتيال عبد الله بن سهل الأنصاري، إلا أن الرسول ﷺ وأبا بكر ﵁، من بعده، أبقياهم على ما كان الرسول ﷺ قد اشترط عليهم، سيما وأنهما- كما يقول ابن سعد- لم يكن لهما من العمال ما يكفون عمل الأرض «٥» . وعندما تولى عمر ﵁ الخلافة وبلغته أنباء اغتيال المسلم من قبل يهود خيبر واعتدائهم على عبد الله بن عمر، وكثر عمال المسلمين وتقووا على استثمار الأرض، وتنفيذا لحديث الرسول ﷺ يوم وفاته:
ألا يجتمع في جزيرة العرب دينان، أصدر إنذاره إلى يهود خيبر «إن من كان عنده عهد رسول الله ﷺ فليأتني به أنفذه له، ومن لم يكن عنده عهد فليتجهز للجلاء، ومن ثم قام بإجلاء عدد من يهود خيبر وقسم أموالهم على المسلمين «٦» .
_________________
(١) ابن هشام، ص ٢٦٤- ٢٦٥، الطبري: تاريخ ٣/ ١٥- ١٦، الواقدي ٢/ ٦٧٧- ٦٧٩.
(٢) ابن سعد ٢/ ١/ ٧٨.
(٣) المغازي، ٢/ ٦٧٨- ٦٧٩.
(٤) انظر المسعودي: الإشراف والتنبيه ص ٢٢٣- ٢٢٤.
(٥) الطبقات الكبرى: ٢/ ١/ ٨٢- ٨٣.
(٦) الواقدي ٢/ ٧١٣- ٧٢١، ابن سعد ٢/ ١/ ٨٣، الطبري: تاريخ ٣/ ٢٠- ٢١، البلاذري: فتوح ١/ ٢٥، ٢٧، ٢٨، ٣١، ٤٠. ويذكر ولفنسون (تاريخ اليهود ص ١٨٣) أن عمر (﵁) لم يتعرض ليهود وادي القرى وتيماء بسوء وأنه يؤخذ من هذا أن أهاليها كان لهم عقد خاص لم يسمح للخليفة بإخراجهم من بلادهم. كما يذكر أنه بقيت الأغلبية لليهود في وادي القرى إلى القرن الحادي عشر، وكذلك وجدت طوائف منهم في جهات تيماء في الثاني عشر أما في بلاد اليمن فقد بقي اليهود طوال العصور القديمة ولم يزل لهم وجود في جهات مختلفة من أطراف الجزيرة إلى أيامنا هذه (المصدر السابق ص ١٨٦) وعن
[ ٢٩٦ ]
[٨]
ونحن لا نستطيع أن ندرك مغزى حديث الرسول ﷺ إلا إذا عدنا بأذهاننا إلى الوراء، إلى السنة التاسعة للهجرة، حيث نزلت آيات براءة تعلن إنهاء الوجود الوثني في جزيرة العرب. وقلنا هناك إن الضرورتين الاستراتيجية والحضارية هما اللتان دفعتا إلى اتخاذ هذا الموقف، ومن ثم يجيء تأكيد الرسول ﷺ في أخريات حياته (ألا يجتمع دينان في الجزيرة)، ضمانة أخرى بصدد تعزيز الاستراتيجية الإسلامية التي رسمها ﷺ واستهدف منها جعل جزيرة العرب قاعدة إسلامية خالصة مهيّأة لانطلاق أتباعه برسالته إلى العالم كله، وهم قد أمنوا على ظهورهم من طعنات أتباع الديانات الآخرى في قلب بلادهم، ومن السموم التي يمكن أن تنفثها جيوبهم المنبثة هناك، والتي لم تكن حركات الردة والتنبؤ بأقلها خطرا.. وهذا الموقف لا يتعارض مع بقاء بعض التجمعات اليهودية المسالمة التي لا تملك تأثيرا كبيرا في بعض مناطق الجزيرة والتي كانت تربطها مع الرسول ﷺ عهود خاصة.
لما سمع يهود فدك، القرية اليهودية المجاورة، بما حل برفاقهم في خيبر من معاملة طيبة بعثوا إلى الرسول ﷺ يعلنون رغبتهم في المصالحة على مناصفة أراضيهم «١» . أما وادي القرى فقد ظلت عاصية، فتوجه إليها الرسول ﷺ وفرض الحصار عليها، ودعا أهاليها إلى الإسلام، وأخبرهم أنهم إن أسلموا أحرزوا أموالهم وحقنوا دماءهم، وحسابهم على الله، ولكنهم أبوا وأصروا على القتال، وجرت بين الطرفين مناوشات محدودة، والرسول يعرض عليهم الإسلام وهم يأبون مما دفعه إلى تشديد الحصار عليهم حيث تمكن بعد قليل من فتح بلدهم عنوة، وبقي هناك أربعة أيام قسم خلالها الغنائم على أصحابه وترك المزارع بيد اليهود مناصفة عليها. ولما بلغت يهود تيماء أنباء الانتصارات الإسلامية صالحوا الرسول ﷺ على الجزية وأقاموا في بلدهم «٢» .
[٨]
وبسقوط خيبر والمواقع المجاورة تم تصفية آخر تجمع يهودي لعب دوره
_________________
(١) فتح خيبر ومسألة إخراج اليهود من الجزيرة انظر كذلك كتاب الخراج لأبي يوسف ص ٢٩ وكتاب الأموال لأبي عبيد ص ٩٩ وابن كثير: البداية والنهاية ٤/ ١٨١- ٢٢٠.
(٢) الواقدي ٢/ ٧٠٦- ٧٠٧، البلاذري: فتوح ١/ ٣٣ خليفة بن خياط: تاريخ ١/ ٤٧- ٤٨.
(٣) الواقدي ٢/ ٧٠٩- ٧١١، البلاذري: فتوح ١/ ٣٩- ٤٠، المسعودي: التنبيه والإشراف ٢٢٤- ٢٢٥.
[ ٢٩٧ ]
في مواجهة الإسلام وخصومته، ووضع العوائق في طريقه، وحبك المؤامرات ضده، وقضى قضاء تاما على القوة السياسية والاقتصادية والعسكرية ليهود الحجاز، وغدت كلمة الإسلام وحدها هي العليا في معظم مساحات الجزيرة العربية، وكبتت كل الجيوب التي كانت تشكل نقاط ضعف في جسد هذه الدولة التي يحيط بها الأعداء من كل مكان.
ويذكر ابن سعد أن الرسول ﷺ نشط في نفس العام (٧ هـ) في الكتابة إلى زعماء بقايا التجمعات اليهودية في أقصى الشمال لتحديد موقفها من الإسلام. فبعث إلى بني جنبة بمقنا القريبة من أيلة على خليج العقبة «أما بعد، فقد نزل علي رسلكم، راجعين إلى قريتكم، فإذا جاءكم كتابي هذا فإنكم آمنون لكم ذمة الله وذمة رسوله، وإن رسول الله غافر لكم سيئاتكم وكل ذنوبكم لا ظلم عليكم ولا عدى، وإن رسول الله جاركم مما منع منه نفسه.. وإن عليكم.. ربع ما أخرجت نخلكم وربع ما صادت عروككم (مراكبكم) وربع ما اغتزل نساؤكم وإنكم برئتم- بعد- من كل جزية أو سخرة. فإن سمعتم وأطعتم فإن على رسول الله أن يكرم كريمكم ويعفو عن مسيئكم.. وإن ليس عليكم أمير إلا من أنفسكم أو من أهل رسول الله »،
وكتب لجماعة أخرى من اليهود تدعى بني غاديا (.. إن لهم الذمة وعليهم الجزية ولا عداء..) كما كتب لبني عريض كتابا آخر يحدد فيه ما عليهم أن يدفعوه للمسلمين لقاء حمايتهم لهم وعدم ظلمهم إياهم» .
وكتب لأهل جرباء وأذرح من اليهود، «أنهم آمنون بأمان الله وأمان محمد، وأن عليهم مائة دينار في كل رجب وافية طيبة، والله كفيل عليهم بالنصح والإحسان للمسلمين ومن لجأ إليهم من المسلمين» «٢» . وبذلك تمكن الرسول ﷺ من تحويل هذه التجمعات اليهودية في أقصى الشمال إلى جماعات من المواطنين في الدولة الإسلامية، يدفعون لها ما تفرضه عليهم من ضرائب نقدية أو عينية، ويحتمون بقوتها وسلطانها، ويتمتعون بعدلها وسماحتها.
ولقد ظل اليهود بعدئذ، كمواطنين وليسوا كتلا سياسية أو عسكرية، يمارسون حقوقهم في إطار الدولة الإسلامية، لا يمسهم أحد بسوء، وعاد بعضهم
_________________
(١) الطبقات الكبرى ١/ ٢/ ٢٨- ٣٠.
(٢) المصدر السابق ١/ ٢/ ٣٧- ٣٨.
[ ٢٩٨ ]
إلى المدينة بدليل ما ورد عن عدد منهم في سيرة ابن هشام وفي مغازي الواقدي.
وهناك الكثير من الروايات والنصوص التاريخية التي تدل على أن الرسول ﷺ كان يعامل اليهود بعد غزوة خيبر بروح التسامح، حتى أنه أوصى عامله معاذ بن جبل (بألا يفتن اليهود عن يهوديتهم) . وعلى هذا النحو عومل يهود البحرين إذ لم يكلفوا إلا بدفع الجزية وبقوا متمسكين بدين آبائهم.. وأهم من كل ذلك تلك الحقوق والامتيازات التي منحها الرسول لآل بني حنينة الخيبرية وأهل مقنا كما منح الرسول أسرا غير قليلة من أهل خيبر حقوقا لم يمنحها لبقية اليهود، ما عدا الإقرار على الأراضي وإبقاءه لهم نصف الثمار- فإن هذا كان من حق كل يهود خيبر- وقد نص على ذلك ابن هشام والبخاري «١» .
ومضت السنون الأخيرة من حياة الرسول ﷺ والإسلام يزداد قوة ومنعة وانتشارا، لكنه ما إن توفي ﷺ حتى وجد اليهود المبعثرون في الجزيرة وبلاد العراق والشام بغيتهم المنشودة والتقوا بيومهم الموعود، فراحوا يتكالبون، كما تكالب غيرهم من أعداء الإسلام، ضد الدولة التي مات قائدها ومؤسسها، فليس من طبع المنهزمين عامة، واليهود على وجه الخصوص، أن يسكتوا على هزائمهم وهم لا بد أن يسعوا معتمدين أي أسلوب، لاسترداد مواقعهم ومصالحهم التي جردوا منها، وليس أدلّ في هذا المجال من حديث عائشة ﵂ حيث تقول: «لما توفي رسول الله ﷺ ارتدت العرب، واشرأبت اليهودية والنصرانية، ونجم النفاق، وصار المسلمون كالغنم المطيرة في الليلة الشاتية، لفقد نبيهم ﷺ حتى جمعهم الله على أبي بكر» «٢» .
ومن ثم فإن لنا أن نتصور- رغم قلة الروايات وانعدامها أحيانا- حجم الدور اليهودي في حركات الردة والتنبؤ في عهد أبي بكر الصديق ﵁.. وفيما بعد في «الفتنة» التي زعزعت أركان الخلافة الراشدة، والتي لعب ابن سبأ فيها- وآخرون غيره لم تنكشف أسماؤهم بعد- دورا خطيرا.
_________________
(١) ولفنسون: تاريخ اليهود ص ١٧٥- ١٧٦، ١٧٧، ١٧٨، ١٨١، وانظر البلاذري: فتوح ١/ ٦٦، ٨٥، ٩١ وانظر كذلك هامش رقم (٦) في ص ٢٩٤.
(٢) ابن هشام ص ٤٠٤.
[ ٢٩٩ ]