[١]
ترجع البدايات الأولى لعلاقة الإسلام بالنصرانية وزعيمتها الدولة البيزنطية إلى اللحظة التي وقف فيها ورقة بن نوفل قبالة الرسول، بعد ساعات بعثه نبيا إلى العالم، لكي يقول له: «والذي نفسي بيده إنك لنبي هذه الأمة، ولقد جاءك الناموس الأكبر الذي جاء موسى، ولتكذبن ولتؤذين ولتخرجن ولتقاتلن ولئن أنا أدركت ذلك اليوم لأنصرن الله نصرا يعلمه!» ثم أدنى رأسه منه وقبله «١» . لكن ورقة توفي قبل أن يدرك (اليوم) الذي كذب فيه الرسول وأوذي وأخرج وقوتل من قبل الوثنية العربية.
بل إننا لنرجع بالبدايات إلى ما هو أبعد في الزمن.. إلى الإرهاصات المتبقية في العهدين القديم والجديد.. والحديث من رهبان النصارى وأحبار اليهود وكهان الوثنية وأحنافها كانوا قد تحدثوا، كما يقول ابن هشام «بأمر رسول الله ﷺ قبل مبعثه لما تقارب من زمانه. أما الأحبار من يهود والرهبان من النصارى فما وجدوا في كتبهم من صفته وصفة زمانه وما كان من عهد أنبيائهم إليهم فيه..» «٢» .
وقبل أن ندلف إلى تلك الإرهاصات والأحاديث لا بدّ أن نشير إلى الضعف
_________________
(١) ابن هشام: تهذيب ص ٤٨.
(٢) نفسه ص ٤٢ وانظر الطبري: تاريخ ٢/ ٢٩٥- ٢٩٧. وعن الأحناف انظر: ملحق ج. من كتاب (محمد في مكة) لمونتكمري وات وBell في مجلة العالم الإسلامي Islamic Quarterly أعداد ٢٠ سنة ٣٠ ومقالة (حنيف) لبوهل في دائرة المعارف الإسلامية.Tor Andrae:Mahomet،p. ٩٠١:
[ ٢٢٥ ]
والتهافت اللذين يسودان تلك الرواية التي سبق وأن عرضنا لها بإيجاز «١» والتي تتحدث عن لقاء مبكّر تمّ بين محمد الصبي الذي صحب عمه أبا طالب في رحلته الأولى إلى بلاد الشام وبين بحيرى الراهب.. ونستطيع أن نجد في بحث الدكتور محسن عبد الحميد تقييما للرواية يضعها في مكانها الأقرب إلى الصواب. فهو، بعد أن يعرض بالنقد لأسانيد الرواية ومتونها، يخلص إلى القول بأن «.. هذه الروايات كلها مردودة سندا ومتنا لما فيها من الضعف والنكارة ولما فيها من فساد المتون وبطلانها من الناحية التاريخية وتعارضها مع قواعد العمران البشري والقوانين مما يثبت إثباتا قاطعا أن هذه الرواية موضوعة، نقلها المؤرخون وبعض المحدثين الذين لا يتشدّدون في شروط الرواية، ظنا منهم أنهم بذلك يضيفون دليلا جديدا يسند نبوة رسولنا الأعظم ﵊، ولم ينتبهوا إلى أن أمثال هذه القصص فيها من الشرّ أكثر مما فيها من الخير، لأن أعداء الإسلام منذ القديم أرادوا أن يروجوا أمثال هذه الروايات الواهنة كي يثبتوا وجود بحيرى وغيره من القسس في أطراف الجزيرة العربية الذين كان الرسول الأعظم ﷺ- في زعمهم يتصل بهم ويأخذ عنهم.
ولقد اهتم بهذه الروايات الباطلة الكاذبة المؤرخون والمستشرقون الغربيون وبنوا عليها أبا طيل ما أنزل الله بها من سلطان، ولا يمكن أن تقف لحظة واحدة أمام الحقائق التاريخية، منهم وليام موير ومارغليوث ودرابر وغيرهم كثيرون حيث اعتبروا أن أسرار الإسلام كلها أخذها محمد ﷺ من هذا الراهب. ولم يدعهم تعصّبهم أن يفكروا كيف يمكن لطفل عمره تسع سنوات أن يأخذ كل هذه الأسرار في لقاء عابر من بحيرى أو أمثال بحيرى» «٢» .
والآن.. ما الذي قدمته الأناجيل ورجالاتها من معطيات بصدد النبوة الجديدة؟
عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ مكتوب في الإنجيل «لا فظ، ولا غليظ ولا صخاب في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة مثلها ولكن يعفو ويصفح» . وعن سهل مولى عتيبة- وكان نصرانيا من أهل مريس، يتيما في حجر
_________________
(١) انظر ص ٣٣ و٣٤.
(٢) تحقيق قصة بحيرى، مجلة الجامعة، العدد الرابع، السنة التاسعة ص ٦٩- ٧٣.
[ ٢٢٦ ]
أهله وعمه- قال: «أخذت مصحفا لعمي فقرأته حتى مرت بي ورقة فأنكرت كتابتها حين مرت بي، ومسستها بيدي، فنظرت فإذا فصول الورقة ملصق بغراء ففتقتها فوجدت فيها نعت محمد ﷺ أنه لا قصير ولا طويل أبيض ذو ضفيرتين، بين كتفيه خاتم، يكثر الاحتباء ولا يقبل الصدقة، ويركب الحمار والبعير، ويحتلب الشاة ويلبس قميصا مرقوعا، ومن فعل ذلك فقد برىء من الكبر، وهو يفعل ذلك، وهو من ذرية إسماعيل اسمه أحمد. فلما انتهيت إلى هذا جاء عمي فلما رأى الورقة ضربني وقال: ما لك وفتح هذه الورقة وقراءتها؟ فقلت: فيها نعت النبي أحمد. فقال: إنه لم يأت بعد» «١» . وقال أمية بن أبي الصلت لأبي سفيان- يوما-: إني لأجد في الكتب صفة نبي يبعث في بلادنا، فكنت أظنه أني هو، وكنت أتحدث بذلك، ثم ظهر لي أنه من بني عبد مناف. ووصف الراهب (بكا) من بلاد الشام الرسول المنتظر لأبان بن سعيد حتى قال أبان: «فوصفه فما أخطأ في وصفه شيئا، ثم قال لي: هو والله نبي هذه الأمة، والله ليظهرن» .
وتحدث راهب من عمورية إلى سلمان الفارسي وهو يجوب الأرض بحثا عن الحقيقة: «قد أظلّ زمان نبي مبعوث بدين إبراهيم يخرج بأرض العرب، مهاجره إلى أرض بين حرتين.. بين كتفيه خاتم النبوة» «٢» .
وماذا- بعد- في الإنجيل عن محمد، النبي الأخير؟: «من أبغضني- يقول عيسى ﵇- فقد أبغض الرب. ولولا أني صنعت بحضرتهم صنائع لم يصنعها أحد قبلي ما كانت لهم خطيئة. ولكن من الآية بطروا وظنوا أنهم يعزونني (يغلبونني) وأيضا للرب، ولكن لا بد من أن تتم الكلمة التي في الناموس. إنهم أبغضوني مجانا (باطلا) فلو قد جاء المنحمنا هذا الذي يرسله الله إليكم من عند الرب. روح القدس. هذا الذي من عند الرب خرج، فهو شهيد علي وأنتم أيضا، لأنكم قديما كنتم معي. في هذا قلت لكم لكيما تشكوا» «٣» . والمنحمنا بالسريانية تعني محمدا «٤» .
كما ورد في الإنجيل ما يدل على انتقال النبوة من ولد إسحاق إلى ولد إسماعيل في قوله: «الحجر الذي رفضه البناؤون قد صار رأس الزاوية، من قبل
_________________
(١) ابن سعد: الطبقات ١/ ٢/ ٨٩.
(٢) محمد رواس قلعجي: محمد في الكتب المقدسة، مجلة حضارة الإسلام عدد ١- ٢ سنة ٨.
(٣) إنجيل يوحنا ١٥: ٢٣- ٢٦.
(٤) ابن هشام ص ٤٤- ٤٥.
[ ٢٢٧ ]
الرب كان هذا، وهو عجيب في أعيننا، كذلك أقول لكم: إن ملكوت الله ينزع منكم ويعطى لأمة تعمل أثماره» «١» . والحجر الذي رفضه البناؤون كناية عن إسماعيل جد محمد ﷺ الذي قال: «مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بنيانا فأحسنه وأجمله، ألا موضع لبنة في زاوية من زواياه، فجعل الناس يطوفون به ويعجبهم البناء فيقولون: إلا وضعت هاهنا لبنة ليتمّ البناء؟ فأنا اللبنة، جئت، فختمت الأنبياء» . وقال المسيح للحواريين «إن لي أمورا كثيرة أيضا لأقول لكم، ولكن لا تستطيعون الآن أن تحتملوا، وأما متى جاء ذاك- روح الحق- فهو يرشدكم إلى جميع الحق، لأنه لا يتكلم عن نفسه، بل كل ما يسمع يتكلم به، ويخبركم بأمور آتية» «٢» .
ويؤخذ من المخطوطات التي عثر عليها بجوار البحر الميت أن عيسى ﵇ كان (مسيا) المسيحيين (ومسيا كلمة آرامية معناها الرسول) وأن هناك مسيا آخر سيأتي بعده وقد قال عنه المسيح «ومتى جاء المعزي- البارقليط- فهو يشهد لي» «٣» . ومحمد ﷺ هو الذي جاء بعده فشهد له وأنصفه ودافع عنه وعن العقيدة الصحيحة التي جاء بها. وقد جاء في إنجيل برنابا، الذي استبعدته الكنيسة في العهد الأول وحرم البابا جلاسيوس قراءته سنة ٤٩٢ م «٤» ما يؤيد هذه المخطوطات، ويوضح ما فيها من إجمال، قال: «فلما كان الناس قد دعوني الله،
_________________
(١) إنجيل متى ٢١: ٤٢، ٤٣.
(٢) إنجيل يوحنا ١٦: ١٢، ١٣.
(٣) كلمة (المعزي) هذه التي وردت في إنجيل يوحنا هي ترجمة) Paraclete (ومعناها محمد أو أحمد أو محمود. وهناك كلمة تشابهها وهي) Peraclyte (ومعناها المعزي فإن كانت الأولى فإن عيسى ﵇ يكون قد بشر بمحمد صراحة فيما ذكره إنجيل يوحنا، وهذا أمر لا لبس فيه ولا غموض، وإن كانت الثانية (المعزي) يكون عيسى قد كنى عن رسول الله بالمعزي بدلا من محمد، لأن الأوصاف التي ذكرت في إنجيل يوحنا لا تنطبق إلا على محمد: قلعجي: محمد في الكتب المقدسة، مجلة حضارة الإسلام، عدد ١- ٢ سنة ٨.
(٤) وقد أعلن تشارلس فرنسيس بوتر في كتابه (السنين المفقودة من عيسى تكشف) ص ١٢٧ ما يلي: «لدينا الآن وثائق كافية تدل على أن المخطوطات- المكتشفة في البحر الميت- هي حقيقة (هبة الله إلى البشر) لأن في كل ورقة تفتح تأتي إثباتات جديدة على أن عيسى كان كما قال عن نفسه (ابن الإنسان) أكثر منه (ابن الله) كما ادعي عليه وهو منه بريء» وقال في ص ١٢: «من العسير العثور على كتاب في العهد القديم لا يحتاج إلى تصحيحات تحت ضوء مخطوطات (البحر الميت) وكذلك ليس هناك كتاب في العهد الجديد لا يحتاج إلى تفسير شامل للآيات الأساسية التي تقوم عليها الشريعة» انظر: إبراهيم خليل أحمد: محمد في التوراة والإنجيل والقرآن، ص ٩٢- ٩٣.
[ ٢٢٨ ]
وابن الله، على أني كنت بريئا في العالم، أراد الله أن يهزأ الناس في هذا العالم بموت يهوذا معتقدين أنني أنا الذي مت على الصليب لكيلا تهزأ الشياطين بي في يوم الدينونة، وسيبقى هذا إلى أن يأتي محمد رسول الله ﷺ الذي متى جاء كشف هذا الخداع للذين يؤمنون بشريعة الله» «١» .
ويرد كذلك في نفس الإنجيل، غير المعتمد لدى النصارى، «ما أسعد الزمن الذي سيأتي فيه إلى العالم (٢٨) صدقوني إني رأيته وقدمت له الاحترام كما رآه كل نبي (٢٩) لأن الله يعطيهم روحه نبوة (٣٠) ولما رأيته امتلأت عزاء قائلا:
يا محمد ليكن الله معك (٣١)» «٢» . وعن نسب الرسول ﷺ يحدثنا الإنجيل المذكور «(٢٥) ومتى جاء رسول الله فمن نسل من يكون؟ (٢٦) أجاب التلاميذ:
من داود (٢٧) فأجاب يسوع: لا تغشوا أنفسكم (٢٨) لأن داود يدعوه في الأزل:
الروح قائلا: قال الله ربي اجلس عن يميني حتى أجعل أعداءك موطئا لقدميك (٣٠) صدقوني لأني أقول لكم الحق، إن العهد صنع بإسماعيل لا بإسحاق» «٣» . ونقرأ في إنجيل متى «لا تظنوا أني جئت لأنقض الناموس أو الأنبياء. ما جئت لأنقض بل لأكمل» «٤» .
هذا وقد عقد السيد رشيد رضا في الجزء التاسع من (تفسير المنار) فصلا طويلا عن بشارات الكتب المقدسة بمحمد ﷺ، أورد فيه ثماني عشرة بشارة مستمدة من أسفار العهد القديم والأناجيل، وناقش الشبهات التي يوردها المبشرون، وأورد من الحجج ما فيه المقنع بصواب استنتاجاته وقوة حججه.
وليس هناك أي دليل على أن الأسفار المتداولة اليوم من العهدين القديم والجديد هي كل ما كان متداولا في زمن النبي ﷺ وقبله، وليس يمنع أن يكون فيما لم يصل إلينا بشارات وأوصاف أكثر صراحة مما هو وارد في الأسفار المتداولة اليوم. [وآية الأعراف/ ١٥٧] الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ قد نزلت في الذين تبعوا النبي من أهل
_________________
(١) إنجيل برنابا، الباب ٢٢٠ وانظر إبراهيم خليل أحمد: المصدر السابق المقدمات ص ٢٢- ٢٣.
(٢) برنابا ٤١: ٢٧ فما بعد.
(٣) برنابا ٤٣: ٢٥ فما بعد.
(٤) الإصحاح الخامس فقرة: ١. وانظر عن آثار محمد وأصحابه: إنجيل متى ٤/ ١٧، ١١/ ٤٢- ٤٤، ١٣/ ٢٤- ٣٢، ٢٠/ ١٦.
[ ٢٢٩ ]
[٢]
الكتاب في مكة بناء على ما وجدوه فيه من صفات مطابقة لما كان بين أيديهم من أسفار، ومن المحال أن يكون ذلك جزافا. وهنالك إنجيل متداول ومنسوب إلى حواري اسمه برنابا فيه نصوص متفقة مع نصوص القرآن عن عيسى وحياته وشخصيته ورسالة النبي محمد ﷺ وصفاته «١» . وصدق الله العظيم الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ «٢» ، وَإِذْ قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يا بَنِي إِسْرائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جاءَهُمْ بِالْبَيِّناتِ قالُوا هذا سِحْرٌ مُبِينٌ «٣» .
ورغم هذه البينات كلها فإن الغالبية العظمى من حملة الإنجيل (شكّوا) ..
ليس هذا فحسب بل تحول شكهم إلى استنكار وسخرية ومعارضة ومقاومة ومجابهة، ثم إلى قتال مسلح حينا وتامر خفيّ أحيانا.. وكانت تلتمع بين الحين والحين أضواء تنير الطريق لرجالات النصرانية: رهبانا وقادة وحكاما إلى قلب الإسلام الرحيب المنفتح على كل دين جاء من عند الله، وقرآنه المصدق لما بين يديه من الكتاب، ونبيّه الممجّد لإخوانه الأنبياء الذين سبقوه كدحا على الدرب الطويل المنبثق عن المصدر الواحد والذاهب إلى المصير الواحد.
[٢]
ويحدثنا (درمنغم) كيف أن مكة كانت تضم عددا كبيرا من نصارى من مختلف الأصول حيث كانت لهم مقبرة فيها.. وكان أناس من نصارى الحبشة قد جاؤوا إلى مكة ليحيوا النبي الجديد الذي أعرب عن عطفه على دينهم فدمغ باطل المشركين بالحجج البالغة التي يقره عليها أهل الكتاب.. وكان يصادف في عكاظ وفي الأسواق الآخرى أناسا من عرب نجران والحيرة.. وكان- كما أشار القرآن- يرى في الأسواق التي يقصدها نصارى آخرين من بلاد أخرى ولا سيما من الشام
_________________
(١) دروزة: عصر الرسول ﷺ: هامش (١) جزء ١ ص ١١١. وعن نبوآت الأناجيل بالرسول وتحليلها انظر بالتفصيل: إبراهيم خليل أحمد: محمد بين التوراة والإنجيل والقرآن ص ٤٣- ٤٨، ومحمد رواس قلعجي: محمد في الكتب المقدسة: مجلة حضارة الإسلام عدد ١- ٢ سنة ٨، وجواد على: تاريخ العرب في الإسلام ص ٨٣- ٨٦ وانظر كذلك: علي عبد الجليل راضي: المسيح قادم، ومحمد فتحي عثمان: المسيح في الأناجيل الأربعة.
(٢) سورة البقرة: الآية ١٤٦.
(٣) سورة الصف: الآية ٦.
[ ٢٣٠ ]
لبيع ما معهم من البر.. وكان عملاء بني أسد من الغساسنة يقيمون بوسط مكة، أي بالقرب من الكعبة، ولكن أكثر أولئك النصارى كانوا يقيمون بالضواحي «١» .
ولا ريب أن إيراد قصة ولادة يحيى وعيسى وإنكار ألوهية عيسى مما يوحي بأن أكثر المخاطبين من أهل الكتاب كانوا نصارى، ثم أن خبر انهزام الروم والبشرى بفوزهم مما يدل على ذلك أيضا.. وتلهم الآيات القرآنية أن النبي قد اتصل بهؤلاء النصارى ودعاهم إلى التصديق برسالته، وإن كان منهم من كان ذا سعة في المال يمكنه من الإنفاق في سبيل الخير، وأن منهم من كان قوي الشخصية والنفس بحيث لا يبالي بلوم المشركين، وأن منهم من كان متميزا بثقافته الدينية بحيث كان أهلا للرجوع إليه والاستشهاد به في أمر الرسالة «٢» .
وكان القرآن الكريم منذ الوقت المبكر من العهد المكي يؤكد- وظل على ذلك في مختلف أدوار التنزيل- على وحدة المصدر الذي صدر عنه القرآن والكتب السماوية ووحدة الأهداف والمبادىء التي تضمنها القرآن وتلك الكتب، وتأييد القرآن والنبي ﷺ للأنبياء السابقين والكتب السابقة، والتنويه بهم، واستشهد، وظل يستشهد، بأهل الكتاب على صحة رسالته النبوية والتنزيل القرآني بأسلوب يلهم استعدادهم للشهادة الإيجابية، والثقة بهم والاعتماد عليهم فيها، كما يلهم طبيعة وتوقع استجابتهم للدعوة الإسلامية واندماجهم فيها ونصرها وتأييدها «٣» .
ولم يخف محمد عطفه على النصارى، والقرآن مملوء بالشواهد على
_________________
(١) درمنغم: حياة محمد ص ١٢٥- ١٢٦.
(٢) الشريف: مكة والمدينة ص ٢٣٢- ٢٣٣.
(٣) انظر: سورة المدثر: الآية ٣١، سورة الأعلى: الآيتان ١٨- ١٩، سورة الأعراف: الآيتان ١٥٦- ١٥٧، سورة فاطر: الآيتان ٣١- ٣٢، سورة يونس: الآيتان ٣٧، ٩٤، سورة يوسف: الآية ١١١، سورة الأحقاف: الآية ١٢، سورة طه: الآية ١٣٣، سورة الشعراء: الآية ١٩٧، سورة الأنعام: الآيات ٢٠، ٨٤- ٩٠، ٩٢، ١١٤، سورة غافر: الآيتان ٥٣- ٥٤، سورة الشورى: الآية ١٣، سورة الأنبياء: الآيتان ٧، ٩٣، وانظر سور: الفجر، القمر، ص، الأعراف، يس، مريم، طه، الشعراء، النحل، القصص، يونس، هود، يوسف، الحجر، الأنعام، الصافات، سبأ، غافر، الزخرف، الدخان، الذاريات، نوح، إبراهيم، الأنبياء، المؤمنون، حيث ترد قصص أنبياء أهل الكتاب وأحوالهم الخاصة وسيرة أقوامهم معهم، مما يتطابق قليلا أو كثيرا مع ما ورد في كتب أهل الكتاب وما فيها من ثناء على هؤلاء الأنبياء ودعوة للتأسي بهم واحترامهم، مما يتضمن معنى التساوق والاتحاد والتطابق بين القرآن والكتب السماوية وبالتالي بين الإسلام وأهل الكتاب: دروزة: عصر الرسول ١/ ٣٣٥- ٣٤٤.
[ ٢٣١ ]
ذلك.. فكان محمد يرى المثال في شهداء نصارى القرون القديمة وفي شهداء نصارى القرون الأخيرة في اليمن (شهداء الأخدود) وكان يثني على القسيسين والرهبان الذين قدر فضائلهم في تخوم الشام. وسرّ محمدا ما أسفر عنه انتصار الروم من عدم هدم كنائس النصارى وبيعهم التي (يذكر فيها اسم الله كثيرا) . وكان محمد ﷺ يرى في أهل الكتاب الحلفاء الذين يؤيدون ما يقول، ويؤمنون بالحق الذي يدعو إليه والذين وَإِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ «١» وكان محمد ﷺ يتخذ من انضمام حملة العلم من أهل الكتاب إليه دليلا على صدق الإسلام وبطلان دعوى المشركين، وكان يصرح بأن رسالته مما بشر به الكتاب المقدس «٢» .
وللمسيح في القرآن مقام عال، فولادته لم تكن عادية كولادة بقية الناس، وهو رسول الله الذي خاطبه الله جهرا.. وهو كلمة الله الناطقة من غير اقتصار على الوحي وحده.. والقرآن يقصد النصرانية الصحيحة حينما يقول إن عيسى كلمة الله أو روح الله ألقاها إلى مريم وإنه من البشر.. وهو يذم مذهب القائلين بألوهية المسيح ومذهب تقديم الخبز إلى مريم عادة ثم أكله، وما إلى ذلك من مذاهب الأسماء النصرانية لا النصرانية الصحيحة. ولا يسع النصراني إلا أن يرضى بمهاجمة القرآن للثالوث المؤلف من الله وعيسى ومريم وَإِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ «٣» .
وبدلا من أن تكون النصرانية موحدة في فرقة واحدة في جزيرة العرب قائلة بالنظام والمحبة، كانت مجزأة إلى شيع متعادية منهمكة في المجادلات العقيمة، فلا عجب إذا بقي الإسلام بعيدا عن هذه المناقشات البيزنطية حول العقائد.. وما كان يقع في سبيل النصرانية المشرقية من المنازعات المذهبية موجب للخزي، فقد صار النصارى يضطهد بعضهم بعضا في سبيل معنى إحدى الكلمات، والعلماء يصرون على مجادلاتهم الكلامية، والخرافات تفسد الجمهور بفضل العدوى «٤» .
ومن الطبيعي- يقول دروزة- أن يكون النبي ﷺ الذي أوحي إليه منذ الوقت المبكر بما أوحي، وظل يوحى إليه بمثله بأساليب متنوعة، قد وقف منذ البدء
_________________
(١) سورة المائدة: آية ٨٣.
(٢) درمنغم: المرجع السابق ص ١٢٨- ١٣٠.
(٣) سورة المائدة: آية ١١٦. المرجع السابق ص ١٣١- ١٣٢.
(٤) المرجع السابق ص ١٣٨- ١٣٩.
[ ٢٣٢ ]
موقف المسالم المتحبب من الكتابيين في مكة، المتحد معهم في الأهداف والمبادىء، المحترم لأنبيائهم وكتبهم والمعترف بها والمؤيد لها.. ومضامين المفردات القرآنية التي أشرنا إليها آنفا، والأسلوب الهادىء الذي ظل متّسقا في أدوار التنزيل واحتوى استشهاد أهل الكتاب.. ثانيا إلى ما احتواه القرآن المدني من حملات عنيفة على اليهود بسبب مواقفهم الجاحدة الماكرة في المدينة، ثالثا، كل ذلك يسوغ القول بجزم إن الكتابيين في الإجمال قد وقفوا منذ البدء من الدعوة القرآنية موقف العطف والتأييد وظلوا كذلك إلى آخر العهد المكي وأنه لم يقع بينهم وبين النبي احتكاك وعداء كما وقع مع اليهود في المدينة «١» .
إلا أن الكتابيين لم يبقوا عند هذا الحد، بل حقّقوا ما كان متوقعا من استجابتهم للدعوة واندماجهم فيها. ففي سورة الأعراف [الآية ١٥٧] نجد أن فريقا من النصارى واليهود في مكة وجدوا صفات النبي ﷺ مطابقة لما في أيديهم من أسفار التوراة والإنجيل فامنوا به واتبعوه ونصروه فاستحقوا التنويه الذي احتوته الآية «٢» . ولقد ذكرت روايات السيرة وكتب التراجم أسماء كثير من الكتابيين الذين اندمجوا في الدعوة في مكة تحمل طابع الأسماء النصرانية، كما أن بعض الروايات ذكرت قدوم وفد نصراني إلى مكة بعد البعثة مستطلعا نبأ النبي العربي وأعلن إيمانه به «٣» .
وفي نفس الوقت تنزلت آيات أخرى تعرض واقع الكتابيين من الاختلاف والنزاع والانشقاق مذاهب وشيعا فيما بينهم، ودعوتهم إلى الانضواء إلى راية القرآن الذي يمتّ إلى المصدر الذي تمتّ إليه كتبهم، والذي يعود بدين الله إلى صفائه ومبادئه السامية التي لا تحتمل في أصلها خلافا، واتباع النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل.. والتسليم بما جاء به القرآن من حلول لمشاكلهم وخلافاتهم المذهبية والنفسية.. ولعل من الحق أن يقال إنه كان لهذه الدعوة القرآنية أثر فيما كان من تنبه الكتابيين في مكة في مبدأ الأمر إلى ما
_________________
(١) دروزة: عصر الرسول ١/ ٣٤٤- ٣٤٥.
(٢) المرجع السابق ١/ ٣٤٥- ٣٤٨. وانظر كذلك سورة القصص: الآيات ٥٢- ٥٥، وسورة الإسراء: الآيات ١٠٧ ١٠٩، وسورة الأحقاف: الآية ١٠، وسورة الرعد: الآية ٣٦.
(٣) دروزة: عصر الرسول ١/ ٣٤٨- ٣٤٩.
[ ٢٣٣ ]
وصل إليه أمرهم من خلاف، فكان ذلك عاملا في إقبالهم على الإسلام «١» .
وبعد قليل احتضن نجاشي الحبشة المهاجرين من اضطهاد مكة، أولئك الذين قال لهم رسولهم وهو يبحث لهم عن موطن يأوون إليه ريثما تكسر حدة العدوان الوثني (لو خرجتم إلى أرض الحبشة فإن بها ملكا لا يظلم عنده أحد، وهي أرض صدق..) وردّ المبعوثين اللذين أرسلتهما قريش لاسترداد المسلمين بعد أن أبى إلا أن يستمع لصوت الإسلام بمواجهة صوت الوثنية متمثلا بايات من القرآن الكريم اختارها جعفر بن أبي طالب من سورة مريم دفعت النجاشي إلى أن يرفع عودا صغيرا من الأرض ويقول: والله ما عدا عيسى ابن مريم مما قلت هذا العود! فاعترض بطارقته فأسكتهم وقال للمهاجرين: اذهبوا فأنتم آمنون بأرضي من سبكم غرم، من سبكم غرم.. ثم التفت إلى المبعوثين المشركين قائلا: انطلقا فلا والله لا أسلمهم إليكما «٢» .
وفيما بعد، عندما خطب الرسول ﷺ أم حبيبة بنت أبي سفيان وهي بأرض الحبشة تقديرا لموقفها الفذ في سبيل الدعوة، بمواجهة إغراآت أبيها زعيم الوثنية، أصدقها النجاشي عن رسول الله ﷺ أربعمائة دينار وهو الذي ناب عن الرسول في خطبتها وكانت قبله عند عبيد الله بن جحش الذي كان قد ارتد إلى النصرانية «٣» !!
وفي المقابل نجد المسلمين، وهم قلة مضطهدة في مكة، يهزهم نبأ الهزيمة الساحقة التي مني بها الروم المسيحيون على أيدي الفرس الوثنيين، ويصيبهم بحزن عميق إزاء الفرح الذي غمر قلوب مشركي قريش، وتنزل آيات القرآن الكريم تتحدث عن الواقعة الحاسمة وتتنبأ بالانتصار الحاسم الذي سيحققه المعسكر النصراني ضد أعدائه المجوس، حيث يفرح المؤمنون الم. غُلِبَتِ الرُّومُ. فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ. فِي بِضْعِ سِنِينَ «٤» .
_________________
(١) المرجع السابق ١/ ٣٥٠- ٣٥٣ وانظر سورة هود: الآية ١١٠، وسورة فصلت: الآية ٤٥، وسورة الشورى: الآيتان ٣، ١٤، وسورة الزخرف: الآيات ٦٣- ٦٥، وسورة الجاثية: الآيتان ١٦- ١٧، وسورة مريم: الآيات ٣٤- ٣٦.
(٢) ابن هشام ص ٧٢- ٧٧.
(٣) المصدر السابق ص ٣٨١، الطبري ٢/ ٦٥٣- ٦٥٤.
(٤) سورة الروم، الآيات: ١- ٤.
[ ٢٣٤ ]
[٣]
وقد تحققت النبوءة القرآنية التي لا تخطىء، وفي بضع سنين ألحقت القوات البيزنطية، بقيادة هرقل، هزيمة ساحقة بالقوات الفارسية، استردت في أثرها بلاد الشام وفلسطين وأجزاء واسعة من العراق، وذهب هرقل إلى بيت المقدس لكي يسجد شكرا لله، وغمرت الفرحة قلوب القلة المضطهدة في ظلمات الوثنية.
لكن هذا كله لم يمنع الكثرة من النصارى العرب أن تلعب دورها في العصر المدني بمواجهة الإسلام وتتخذ المواقف العدائية ضده على شتى المستويات بدفع من الدولة والكنيسة البيزنطية في معظم الأحيان، وبمعزل عنهما في بعض الأحيان.
[٣]
والعصر المدني، على خلاف العصر المكي، غني بالروايات والأحداث التي تلقي ضوآ شاملا على العلاقات بين الطرفين، سيما وأن الإسلام كان قد تمكن آنذاك من بناء دولته التي تتجاوز في سياساتها وعلاقاتها الحدود الإقليمية والقومية صوب العالم المحيط حيث تقبع الدولة البيزنطية وحلفاؤها العرب وهم جميعا محسوبون على المعسكر النصراني، منتمون إليه جدا وإخلاصا، أو هزلا واكتسابا.. والأمر سواء.
في السنين الأولى من العصر المدني كان الرسول ﷺ منهمكا في تثبيت أسس الدولة الجديدة وفي مجابهة القوى الوثنية واليهودية، ولم يكن الامتداد الجغرافي للدولة الإسلامية آنذاك قد بلغ الحدّ الذي يستفز الدولة البيزنطية وحلفاءها العرب، ويدفعهم إلى إثارة المشاكل في طريق الإسلام وحكومته.
ورغم ذلك فإننا نجد في السور المدنية آيات كثيرة في النصارى وعقائدهم وما كان بينهم من خلاف ونزاع وهي أكثر وأحدّ منها في القرآن المكي، وهي تحمل تنديدا أكثر.. وهذا الفرق يلهم أن دائرة الاتصال بين النبي ﷺ والنصارى في العهد المدني كانت أوسع منها في ذلك العهد، وأن المؤثرات التي كان يخضع لها النصارى الذين لقيهم النبي واحتك بهم أكثر تنوعا، وأن الذين لقيهم في العهد المكي كانوا أكثر تجردا عن الهوى والرغبات المادية وأكثر استعدادا للاستجابة للدعوة والاندماج فيها. وهناك رواية تذكر إنه كان في المدينة جالية
[ ٢٣٥ ]
من النصارى تسكن في مكان يقال له سوق النبط «١» .
إلا أنه تجدر الإشارة إلى أن الجالية النصرانية في المدينة لم تكن ذات شأن وكيان يؤدي إلى أن يقع بينها وبين النبي والمسلمين صدام، وأن يصدر عنها مواقف عملية مؤذية وخطرة كما كان شأن اليهود، ومن ثم فإن الآيات التي وردت في حالة النصارى والتنديد بهم- مع ما في بعضها من عنف- إلا أنه لا يمكن أن تنعقد أية نسبة بينها وبين ما جاء في حق اليهود. هذا إلى أن هناك آيات تحتوي ثناء محببا عليهم وعلى أخلاقهم ومواقفهم مما يلهم أن الذين لقيهم النبي منهم في المدينة كانوا دمثي الأخلاق ليني الجانب غير جانحين إلى عنف وكيد «٢» .
وبمرور الوقت واتساع نفوذ الإسلام شمالا، ووصول أنباء انتصاراته على الوثنية واليهودية إلى قبائل الشمال.. بدأ المعسكر البيزنطي يفتح عينيه على الخطر المحدق بوجوده من جهة الجنوب. وأغلب الظن أن الأمبراطور البيزنطي وكبار قادته تصوروا الأمر- في بدايته- مجرد اندفاع قبلي كبير صوب الشمال، أو محاولة إمارة عربية ناشئة توسيع رقعتها الجغرافية كما كانت تفعل إمارة (كندة) أو (تدمر) على سبيل المثال، ورأوا أن بإمكان حلفائهم العرب أنفسهم أن يكفوا الدولة البيزنطية عناء وقف هذا الامتداد، وصد هذه الإمارة الطموحة عن الامتداد إلى الشمال.
أكثر من هذا أنهم اعتقدوا أن بإمكان قبيلة من أتباعهم أن تتحرك صوب الجنوب- بإشارة من سادتها- لتضرب القوة الجديدة في قاعدتها نفسها وتقصم ظهرها.. وأغلب الظن أيضا أن هذا الاعتقاد هو الذي دفع القبائل القاطنة في دومة الجندل، في أقصى الشمال، والتي يتزعمها أكيدر بن عبد الملك الكندي الذي يدين بالنصرانية ويخضع لهرقل، إلى أن تتجمع وتتهيأ في زحف سريع
_________________
(١) دروزة: عصر الرسول ٢/ ٢١٦- ٢٢٢.
(٢) المرجع السابق ٢/ ٢١٥، ٢٥٣، وانظر عن وصف القرآن الكريم لحالة النصارى في العصر المدني ونقد أخطائهم: المصدر السابق ٢/ ٢١٦- ٢٢٢ وعن دعوتهم للإسلام ومواقفهم إزاءها ٢/ ٢٢٣- ٢٣٠ وانظر بشكل خاص عن مسألة قدوم وفد من نصارى الشمال في أواسط العهد المدني ومناقشته للرسول بحكمة واعتناقه الدين الجديد: المصدر نفسه ٢/ ٢٢٥- ٢٢٧ وتفاسير آيات سورة المائدة: الآيات ٨٢- ٨٦ (وبخاصة تفسير الطبري) وعن المناظرات والمناقشات بين النصارى والمسلمين انظر: المصدر السابق ٢/ ٢٣٦- ٢٥٢، وعن وفد نجران ٢/ ٢٣٧- ٢٤٨، والمؤلف يميل إلى أن قدوم الوفد كان بعد صلح الحديبية أي في أواخر السنة السادسة للهجرة.
[ ٢٣٦ ]
لضرب المسلمين في المدينة (في ربيع الأول من السنة الخامسة للهجرة)، إلا أن الرسول ﷺ أخذ زمام المبادرة، وتحرك بسرعة صوب الشمال، على رأس ألف من أتباعه، معتمدا أسلوب (إضرب قبل أن تضرب) . ومن أجل أن يباغت القوم في ديارهم أخذ يسير بأصحابه ليلا ويمكن نهارا، حتى اقترب من هدفه فجعلت القبائل العربية القاطنة هناك تهرب من بين يديه لا تلوي على شيء. وبعد أن بث سراياه في المنطقة قفل الرسول ﷺ عائدا دون أن يلقى من العدو كيدا «١» .
وهكذا يمكن اعتبار غزوة (دومة الجندل) هذه أول حلقة في سلسلة الصراع الحربي بين عالمي الإسلام والنصرانية، يؤكد هذا ما ذكره الواقدي من أنه قيل للرسول ﷺ وهو بصدد مهاجمة دومة الجندل: إنها طرف من أفواه الشام فلو دنوت لها لكان ذلك مما يفزع قيصر «٢» .
ولم يمض سوى عام وبعض عام حتى قام الرسول ﷺ بإرسال عبد الرحمن بن عوف (في شعبان من السنة السادسة) لقتال قبيلة كلب النصرانية في نفس المنطقة وقال له: (اغز باسم الله وفي سبيل الله فقاتل من كفر بالله، لا تغل ولا تغدر ولا تقتل وليدا)، وطلب منه أن يتزوج ابنة ملكهم إن استجابوا له، تعزيزا للعلاقات بين الطرفين وكسبا لودّ هذه القبيلة الموالية للعدو البيزنطي.
فتقدم عبد الرحمن إلى دومة الجندل، ومكث هناك ثلاثة أيام يدعوهم إلى الإسلام، فأسلم الأصبغ بن عمرو الكلبي، أميرهم النصراني، وأسلم معه ناس كثير من قومه، بينما وافق الآخرون على الاستمرار في دفع الجزية مع البقاء على دينهم. ونفذ عبد الرحمن أمر الرسول ﷺ وتزوج تماضر ابنة الأصبغ وقدم بها إلى المدينة «٣» .
وقد كان من نتائج هذين الانتصارين أن أدركت القبائل الضاربة هناك أن حجم القوة الإسلامية وقدرتها على التحرك أكبر مما كانت تظن، وربما بلغ ذلك القيادة البيزنطية نفسها فكفت عن تكرار المحاولة، ردحا طويلا من الزمن، أتاح للمسلمين تحقيق انتصارهم على الوثنية، في صلح الحديبية، وتصفية المواقع
_________________
(١) ابن هشام ص ٢١١، الطبري: تاريخ ٢/ ٥٦٤، ابن سعد ٢/ ١/ ٤٤- ٤٥، الواقدي ١/ ٤٠٢- ٤٠٤، المسعودي: التنبيه والإشراف ص ٢١٤- ٢١٥، ابن حزم: جوامع ص ١٨٤- ١٨٥ ابن كثير: البداية والنهاية ٤/ ٩٢.
(٢) مغازي رسول الله ١/ ٤٠٣.
(٣) ابن سعد ٢/ ١/ ٦٤- ٦٥.
[ ٢٣٧ ]
[٤]
اليهودية في الشمال: خيبر والقرى المحيطة بها، وقيام رسولهم ﷺ بمكاتبة ملوك وأمراء العالم، بمن فيهم الأمبراطور البيزنطي وأتباعه الغساسنة وحكام مصر والحبشة.
[٤]
والحق أن المعسكر البيزنطي- النصراني هو الذي حظي بالقسط الأعظم من حركة الرسول العالمية المعروفة في التاريخ باسم (مكاتبة الملوك والأمراء)، ربما لأن الرسول ﷺ أدرك أن الوشائج التي تربط الإسلام بهذه الجبهة، باعتبارها تنتمي إلى دين سماوي تنص مصادره الدينية على نبوة الرسول ﷺ، ستقودهم إلى تفهم دعوته التي انطلق بها سفراؤه إلى ملوك وحكام هذا المعسكر، فضلا عن قربه الجغرافي من شبه الجزيرة، إلا أن ردود الفعل النصرانية لم تكن سواء، وتدرجات بين الانتماء إلى الدعوة الجديدة أو الموقف الودي منها، وبين الرفض الغاضب الوقح!!
ولم يحدد مؤرخونا القدامى تواريخ هذه السفارات، فيجعلونها حينا في أواخر السنة السادسة، ويجعلونها حينا آخر السنة السابعة أو ما بعدها، إلا أن هذا الالتباس يزول فيما ذكره ابن إسحاق من أن الرسول ﷺ فرق رجالا من أصحابه إلى ملوك العرب والعجم دعاة إلى الله ﷿ فيما بين الحديبية ووفاته «١» . وقد خرج الرسول ﷺ على أصحابه ذات غداة فقال لهم: (إني بعثت رحمة وكافة، فأدوا عني يرحمكم الله، ولا تختلفوا علي كاختلاف الحواريين على عيسى ابن مريم) قالوا: يا رسول الله وكيف كان اختلافهم؟
قال: (دعا إلى مثل ما دعوتكم إليه، فأما من قرب به فأحب وسلم، وأما من بعد به فكره وأبى..) «٢» .
في أعقاب صلح الحديبية بعث الرسول ﷺ أربعة من رجاله إلى العالم النصراني: دحية بن خليفة الكلبي إلى الأمبراطور البيزنطي هرقل، حاطب بن أبي بلتعة إلى المقوقس حاكم مصر، عمرو بن أمية الضمري إلى النجاشي حاكم
_________________
(١) الطبري: تاريخ ٢/ ٦٤٤- ٦٤٥.
(٢) المصدر السابق ٢/ ٦٤٥، ابن هشام ص ٣٧٥- ٣٧٦.
[ ٢٣٨ ]
الحبشة، شجاع بن وهب الأسدي إلى المنذر بن الحارث بن أبي شمر الغساني حاكم دمشق «١» .
انطلق دحية إلى هرقل يحمل كتابا جاء فيه «بسم الله الرحمن الرحيم: من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم، السلام على من اتبع الهدى. أما بعد، أسلم تسلم، وأسلم يؤتك الله أجرك مرتين، وإن تتولى فإن إثم الأكارين عليك» «٢» . ويورد محمد حميد الله صورة أخرى للكتاب جاء فيها «.. إني أدعوك إلى الإسلام فإن أسلمت فلك ما للمسلمين وعليك ما عليهم. فإن لم تدخل في الإسلام فاعط الجزية فإن الله ﵎ يقول: قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ «٣»، وإلا فلا تحل بين الفلاحين وبين الإسلام أن يدخلوا فيه أو يعطوا الجزية» «٤» . وهذه الصيغة أكثر انسجاما مع طبيعة الدعوة الإسلامية من الصيغة السابقة التي تكتفي بعرض الإسلام فقط دون تمييز بينه وبين الخضوع لسلطان الدولة الإسلامية بدفع الجزية والسماح للمواطنين بدفعها.
وصادف أن وصل مبعوث رسول الله ﷺ بلاد الشام وهرقل يحج إلى بيت المقدس في احتفال مهيب، شكرا لله على ما منحه إياه من نصر حاسم على أعدائه الفرس. وهناك تسلم الأمبراطور كتاب الرسول ﷺ وقرأه. ويسرد لنا كل من ابن إسحاق والطبري نقلا عن رواتهما وبضمنهم بعض نصارى الشام، وأبو سفيان الذي كان حينذاك في رحلة تجارية لقريش إلى الشام، عددا من الروايات تشير إلى أن هرقل وكبير أساقفته المدعو (صغاطر) لما اطلعا على الكتاب قالا:
إنه للنبي الذي كنا ننتظره، لا شك فيه، نعرفه بصفته ونجده في كتبنا باسمه. وإن صغاطر خرج على الروم وهم في الكنيسة فقال: يا معشر الروم، إنه قد جاءنا كتاب من أحمد، يدعونا فيه إلى الله ﷿، وإني أشهد إن لا إله إلا الله وأن أحمد عبده ورسوله، فوثبوا عليه وثبة رجل واحد وضربوه حتى قتلوه. فلما عرف
_________________
(١) الطبري: تاريخ ٢/ ٦٤٤، خليفة بن خياط: تاريخ ١/ ٤١.
(٢) الطبري: تاريخ ٢/ ٦٤٩.
(٣) سورة التوبة، الآية: ٢٩.
(٤) مجموعة الوثائق ص ١١٠، وانظر المصدر نفسه ص ١٠٦- ١١٤.
[ ٢٣٩ ]
هرقل الخبر تنازل عن أقواله وقال: إنا نخافهم على أنفسنا! صغاطر والله كان أعظم عندهم وأجوز قولا مني «١» . ويورد اليعقوبي صيغة الرسالة الجوابية التي بعث بها هرقل إلى النبي ﷺ وجاء فيها «إلى أحمد رسول الله الذي بشر به عيسى. من قيصر ملك الروم. إنه جاءني كتابك مع رسولك وإني أشهد أنك رسول الله، نجدك عندنا في الإنجيل، بشرنا بك عيسى ابن مريم، وإني دعوت الروم إلى أن يؤمنوا بك فأبوا، ولو أطاعوني لكان خيرا لهم..» «٢» !.
غير أنا نشك في صحة هذه الروايات لما يغلب عليها من مبالغة وسرد قصصي سيما وأنها تتحدث عن فترة كان أمبراطور الروم قد غدا فيها سيد العالم في أعقاب انتصاره على غريمه الفارسي، وأن نشوة النصر لا يمكن أن تقوده إلى الحذر والتحسب لما ستجيء به الأيام، ولما يمكن أن يتمخض على أيدي قوم من العرب، لم يكن لهم حتى ذلك الحين وزن في الميدان الدولي «٣» .
ورغم ذلك فإن الاهتمام الذي أبداه هرقل تجاه السفارة النبوية وترحيبه بمبعوث النبي ﷺ دفع حاشيته إلى الهياج، وزادهم هياجا ما عرضه عليهم- لا ندري جادا أم هازلا- من اعتناق الدين الجديد. وهرقل في نظرنا رجل سياسي، وأمر الدين لا يعنيه إلا بقدر ما يدعم ملكه، وقد تولى شؤون الدولة في وقت كانت الخلافات الكنسية حول طبيعة المسيح تغلي غليان المرجل وتثير في الأمة انقسامات مخيفة، وقد حاول التقريب بين وجهات النظر المتباينة وجمع الكنائس المتخاصمة على مذهب واحد، فعجز وتمرد عليه اليعاقبة وغيرهم في مصر والشام. فالكلام في الإلهيات ليس غريبا عليه، والتقريب بين وجهات النظر لمصلحة الدولة ديدنه، ولعله في أعماق قلبه يحس سخف أولئك المختلفين جميعا.. وشاءت لباقة قيصر السياسي أن يستدعي دحية وأن يحاول إيهامه بأنه أسلم، ثم أعطاه قدرا من الدنانير وصرفه. وعاد دحية إلى رسول الله بالنبأ فقال النبي: كذب عدو الله ليس بمسلم، وأمر بالدنانير فقسمت على المحتاجين «٤» .
_________________
(١) انظر: الطبري، تاريخ ٢/ ٢٤٦- ٦٥١، وابن سعد ١/ ٢/ ١٦.
(٢) تاريخ اليعقوبي: ٢/ ٦٧.
(٣) انظر الطبري: تاريخ ٢/ ٦٥١.
(٤) الغزالي: فقه السيرة ص ٣٨٥- ٣٨٦.
[ ٢٤٠ ]
وانطلق شجاع بن وهب إلى المنذر بن الحارث بن أبي شمر الغساني أمير دمشق، يحمل كتابا جاء فيه «سلام على من اتبع الهدى وآمن به. إني أدعوك إلى أن تؤمن بالله وحده لا شريك له، يبقى لك ملكك» . فماذا كان جواب الأمير الذي يتعاطى العمالة والتبعية لسيده البيزنطي؟ «من ينزع مني ملكي؟ أنا سائر إليه ولو كان باليمن» وأمر بإعداد الخيول، ثم قال للرسول: أخبر صاحبك ما ترى، كما كتب إلى قيصر يطلعه على ما جرى وما اعتزم عمله، فكتب إليه قيصر ألا تسير إليه، وأله عنه، ووافني بإيلياء «١» .
ولم يستطع الحارث- بالطبع- أن يتحرك ضد المسلمين لأن أمره ليس بيده ولأن سيده البيزنطي كان أكثر ذكاء منه فلم يتحرك إلا بعد حوالي السنتين، وبعد أن تأكد من طبيعة الدولة الجديدة في الجنوب وأدرك أبعادها الحقيقية.. لكن (الصغار) كثيرا ما يندفعون أمام (الكبار) ويجاوزونهم خطوات وخطوات، ملتفتين إليهم بين الحين والحين بإعجاب، لكي يحظوا بتشجيعهم وهداياهم!
وإلى النجاشي، حاكم الحبشة، بعث الرسول ﷺ عمرو بن أمية الضمري ليتكلم معه بشأن المهاجرين، وليدعوه في الوقت نفسه إلى الإسلام، حاملا معه كتابيه بهذا الشأن وقد جاء في كتاب دعوته إلى الإسلام «.. من محمد رسول الله إلى النجاشي الأصحم ملك الحبشة. سلم أنت، فإني أحمد إليك الله الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن، وأشهد أن عيسى ابن مريم روح الله وكلمته ألقاها إلى مريم البتول الطيبة الحصينة، فحملت بعيسى، فخلقه الله من روحه ونفخه كما خلق آدم بيده ونفخه. وإني أدعوك إلى الله وحده لا شريك له والولاء على طاعته، وأن تتبعني وتؤمن بالذي جاءني، فإني رسول الله، وقد بعثت إليك ابن عمي جعفرا ونفرا معه من المسلمين، فإذا جاؤوك فأكرمهم، ودع التجبر، فإني أدعوك وجنودك إلى الله، فقد بلغت ونصحت فاقبلوا نصحي، والسلام على من اتبع الهدى» «٢» .
ويحدثنا ابن إسحاق وابن سعد كيف أن النجاشي تقبّل الرسالة بقبول حسن وأجاب الرسول ﷺ برسالة رقيقة يعلن فيها إسلامه وأن ما قاله في عيسى عليه
_________________
(١) الطبري: تاريخ ٢/ ٦٥٢، وابن سعد ١/ ٢/ ١٧.
(٢) الطبري: تاريخ ١/ ٦٥٢، ابن سعد ١/ ٢/ ١٥، وانظر النص الكامل في محمد حميد الله: الوثائق ص ٩٩- ١٠٦.
[ ٢٤١ ]
السلام هو الصدق والحق. وأنه قد استضاف ابن عمه وأصحابه على الرحب والسعة.. ويختم رسالته قائلا: «وقد بايعتك وبايعت ابن عمك، وأسلمت على يديه لله رب العالمين. وقد بعثت إليك بابني أرها بن الأصحم.. وإن شئت أن أتيك فعلت يا رسول الله، فإني أشهد أن ما تقول حق، والسلام عليك يا رسول الله» . ويختتم ابن إسحاق حديثه قائلا: «وقد ذكر لي أن النجاشي بعث ابنه في ستين من الحبشة في سفينة، فإذا كانوا في وسط البحر غرقت بهم سفينتهم فهلكوا» «١»، ولا يوجد من الوقائع والأدلة والروايات الآخرى ما يؤيد هذا الذي ذهب إليه ابن إسحاق.. وربما يكون موقف النجاشي الودي، سواء من مهاجري المسلمين أو خطبة الرسول لأم حبيبة بنت أبي سفيان، أو الرسالة التي دعاه فيها إلى الإسلام، هو الذي دفع إلى المبالغة في تقدير موقفه الطيب وإيصاله حد إعلانه الإسلام.
وإلى المقوقس حاكم مصر القبطي انطلق حاطب بن أبي بلتعة، فاستقبله استقبالا حسنا لا يقل كرما وطيبة عن استقبال زميله الحبشي لمبعوث الرسول ﷺ وجرى حوار بين حاطب والمقوقس قال فيه حاطب: إن هذا النبي دعا الناس، فكان أشدهم عليه قريش وأعداهم له اليهود وأقربهم منه النصارى. وما بشارة موسى بعيسى ﵇ إلا كبشارة عيسى بمحمد ﷺ، وما دعاؤنا إياك إلى القرآن إلا كدعائك أهل التوراة إلى الإنجيل. وكل نبي أدرك قوما فهم أمته، فحق عليهم أن يطيعوه، وأنت ممن أدرك هذا النبي ولسنا ننهاك عن دين المسيح ولكننا نأمرك به.
وقد أعرب المقوقس عن موقفه الودي من الرسول بأن بعث إليه رسالة جاء فيها: «لمحمد بن عبد الله من المقوقس عظيم القبط، سلام عليكم، أما بعد: فقد قرأت كتابك وفهمت ما ذكرت فيه وتدعو إليه، وقد علمت أن نبيا قد بقي وكنت أظن أنه يخرج بالشام، وقد أكرمت رسولك وبعثت لك بجاريتين لهما مكان عظيم في القبط، وبثياب، وأهديت لك بغلة تركبها» . وقد دعا حاطب- في طريق عودته الجاريتين مارية وأختها سيرين إلى الإسلام فأسلمتا. وردا على هذا الموقف الطيب تقبل الرسول الهدية وتزوج مارية التي ولدت له- فيما بعد- إبراهيم،
_________________
(١) الطبري: تاريخ ٢/ ٦٥٢- ٦٥٣، ابن سعد ١/ ٢/ ١٥- ١٦، وانظر البلاذري: أنساب ١/ ٢٢٩.
[ ٢٤٢ ]
وبعث الآخرى إلى شاعره حسان بن ثابت فولدت له عبد الرحمن «١» . وكان من حصيلة هذه الزيجات المباركة والمواقف الطيبة، تعاطف أكثر لأصهار الرسول ﷺ الأقباط مع المسلمين، وتعاون صادق مع فاتحيهم وهم يتحركون على أرض مصر لإسقاط الحكم البيزنطي وتحرير المصريين من تعسفه وتعصبه وجوره «٢» .
ويلاحظ أن كتاب الرسول ﷺ إلى مصر يستهل بهذه العبارة «بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى المقوقس عظيم القبط..» «٣» . وهنا يجب أن نقف قليلا عند شخصية المقوقس هذا الذي تعرفه الرواية الإسلامية دائما بأنه عظيم القبط. فقد كانت مصر يومئذ ولاية رومانية تخضع لقيصر قسطنطينية، ولم يكن لأهلها القبط أي نوع من الاستقلال. ولم تكن هذه الحقيقة مجهولة في المدينة حيث تدل كتب النبي ورسائله على أن الأحداث والأوضاع السياسية التي كانت تسود الجزيرة العربية وما يجاورها من الممالك كانت معروفة من النبي وصحبه. وقد كان حاكم مصر الروماني في الوقت الذي نتحدث عنه هو الحبر كيروس، وهو في نفس الوقت حاكم مصر وبطريقها الأكبر، وقد استطاع البحث الحديث أن يلقي كثيرا من الضياء على شخصية المقوقس وأن يتعرف فيها على شخصية كيروس نفسه. وإذن فالمرجح أن المقوقس الذي تردد الرواية العربية اسمه إنما هو كيروس حاكم مصر الروماني «٤» . ومما يؤيد هذه الحقيقة أن السفير النبوي قصد إلى الإسكندرية ليؤدي مهمته، وقد كانت الإسكندرية يومئذ مقر الحاكم العام الروماني «٥» .
_________________
(١) ابن سعد ١/ ٢/ ١٦- ١٧، الطبري: تاريخ ٣/ ٢١- ٢٢، الغزالي: فقه السيرة ص ٣٨٧، وانظر محمد حميد الله: الوثائق ص ١٣٥- ١٣٨.
(٢) يمكن الرجوع في هذا المجال إلى كتابي: بتلر (فتح العرب لمصر) وتوماس أرنولد (الدعوة إلى الإسلام) .
(٣) راجع نص الكتاب في أخبار مصر لابن عبد الحكم ص ٤٦ وصبح الأعشى للقلقشندي ٦/ ٣٧٧.
(٤) انظر بتلر: فتح العرب لمصر ص ١٢٦، ٤٤٤ وما بعدها.
(٥) محمد عبد الله عنان: مواقف حاسمة في تاريخ الإسلام ص ٢٠٤- ٢٠٥ وهوامشهما. ويشكك عبد الحميد بخيت (عصر الخلفاء الراشدين ص ٥٤٣- ٥٤٤) دون دليل مقنع بصحة النتيجة التي توصل إليها بتلر ونقلها عنه عنان، فيقول: «حاول ألفريد بتلر أن يحل بعض المشكلات المتعلقة بشخصية المقوقس فلم يخرج إلا بنتيجة واحدة قبلها الناس زمانا ولكنها الآن موضع شك كبير، ونعني بذلك قوله إن المقوقس هو قيرس (كيروس) ولم يستند في ذلك القول إلا على عبارات تحتمل أكثر من تفسير وجدها عند ساويرس بن المقفع أسقف الأشمونين ولو أن المقوقس هذا كان قيرس بالذات لذكرت ذلك المراجع العربية أو واحد منها على الأقل» وانظر: تاريخ الحضارة المصرية عدد ٥ من المجلد الثاني ص ٣٢٥.
[ ٢٤٣ ]
ونحن نجد في رسائل الرسول ﷺ إلى حكام العالم تأكيده الدائم على شهادة (لا إله إلا الله) في عصر طغت فيه الربوبيات الزائفة واتخاذ الناس بعضهم بعضا أربابا من دون الله. ولم يتهادن الرسول ﷺ في طرح هذا الشعار إزاء حكام العالم، كما لم يتهادن به في صراعه مع الوثنية العربية منذ أول لحظة، فهو المنطلق الأساسي للدعوة الجديدة، والقاعدة التي يقوم عليها صرح الإسلام وبدونها يتميع ويتفكك ويضيع. ونلمح، في الوقت نفسه- وفيما وراء هذا الشعار- مرونة وتكييفا دبلوماسيا كان الرسول يصوغ بموجبه رسائله إلى الحكام فيعرض عليهم بعض جوانب اللقاء الديني بين الإسلام والنصرانية، ويمنيهم بالخير العميم في الدنيا والآخرة في حال انتمائهم للدين الجديد، الذي هو ليس سوى إتمام للشوط الذي كان موسى وعيسى ﵉ قد سارا عليه من قبل، ولكنه ﷺ كان يدفع خلال السطور كلمات وعبارات ينذرهم فيها أنهم إن لم يستجيبوا فإنهم سيعرضون مراكزهم للخطر وزعاماتهم للبوار!! وكان ﷺ فضلا عن هذا وذاك يقدر طبيعة الموقف الذي يصدر عنه (الحاكم) فيرد عليه بما يشبهه ويوازيه: تهديدا للحاكمين الذين يتمادون في الضلال ويشيحون عن مصدر النداء، ويعربون عن مواقفهم بكلمات وألفاظ عدائية، وقبولا وانفتاحا على الساسة الذين يصدرون عن نيات طيبة وإخلاص صادق.
إلا أن المكسب الأكبر الذي حققه ﷺ من وراء مكاتباته تلك، أنها جاءت حملة (إعلامية) على النطاق الدولي من أن هذا الدين ليس دين عرب أو جزيرة عربية، وإنما هو دين الإنسان حيثما كان هذا الإنسان.. ونداء إلى السلطات الحاكمة أن تستجيب للدعوة أو تسمح- على الأقل- لدعاتها بممارسة نشاطهم بحرية ولشعوبها في مقابلة هؤلاء الدعاة والاستماع إليهم لكي يختاروا عقيدتهم على بيّنة، بعيدا عن الضغط والقسر والإكراه.. وإنذارا لهذه السلطات بأنها إن لم تلبّ وتستجيب فإن جيوش الدعوة الجديدة ستنساح عما قريب في مشارق الأرض ومغاربها، لكي تسقط التيجان وتثل العروش وتنزل السلطات من مناصبها العليا، وتخرج الناس- بذلك وحده- من ضيق الدنيا إلى سعتها ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام ومن عبادة العباد إلى عبادة الله وحده.
إن توسيع ميدان الدعوة بحيث تشمل المعمور من أرض الله يومئذ أمر يثير التأمل. لقد كان العرب يستكثرون النبوة على واحد منهم ويوسعونه جحودا، فما
[ ٢٤٤ ]
[٥]
يكون شأن الروم والعجم وهم يرون العرب دونهم منزلة وحضارة وثقافة وسياسة؟
بيد أن أصحاب الرسالات لا ينظرون إلى الأمور على ضوء الحاضر الضيق، فإن ثقتهم العميقة في سيادة فكرتهم وامتداد نطاقها تعترض العقبات المفروضة في الطريق وتجعلها هباء منثورا.. ثم إن الخرافة التي أفسدت عقل بدوي تترب ثيابه رياح نجد هي بعينها الخرافة التي تفسد فكر كسرى عاهل الفرس العظيم. ما الفارق بين الحمى تصيب ملكا أو تصيب صعلوكا؟ إن الطبيب يصف لهما على الحالين دواء واجدا ويتخذ ضد عدواهما حصانات واحدة. وقد أراد النبي أن يشفي الكبار والصغار من أمراض نفوسهم، وأن يناولهم جميعا الدواء الذي يصحون به.. قد يكون أولئك الملوك محجبين وراء أسوار مشيدة وحولهم من الأتباع والجند والأبهة والرياش ما يبهر العين، لكن أي عين تنبهر لهذه المظاهر؟
إن الأنبياء لا يرون في القوم إلا أنهم جهال يجب أن يتعلموا، سفهاء يجب أن يسترشدوا، وأن ما حولهم من الدنيا يجعل تبعتهم أخطر «١» .
لقد كانت سفارات الرسول وكتبه عملا بديعا من أعمال الدبلوماسية، بل كانت أول عمل قام به الإسلام في هذا الميدان.. لم يذهب عبثا كما رأينا.. ولا ريب أن النبي لم يكن يتوقع أن يلبي أولئك الملوك الأقوياء دعوته وهو ما يزال يكافح في بثها بين قومه وعشيرته، بيد أن إيفاد هذه البعوث يعد عملا متمما للرسالة النبوية. وكان العالم القديم الذي يتجه إليه النبي العربي بدعوته يقوم يومئذ على أسس واهية تنذر بالانهيار من وقت إلى آخر، وكانت الأديان القديمة قد أدركها الانحلال والوهن، فكانت الدعوة الإسلامية تبدو في جدتها وبساطتها وقوتها ظاهرة تستحق البحث والدرس، ولم يكن عسيرا أن يستشف أولو النظر البعيد ما وراء هذه الدعوة الجديدة من قوى تنذر بالانفجار، وقد كان الانفجار في الواقع سريعا جدا «٢» .
[٥]
في السنة الثامنة كان على الرسول ﷺ أن يتخذ موقفا حاسما إزاء القبائل العربية النصرانية الموالية للبيزنطيين، بعد المواقف الغادرة التي اتخذها بعض
_________________
(١) الغزالي: فقه السيرة ص ٣٩١- ٣٩٢.
(٢) عنان: مواقف حاسمة ص ٢٠٨.
[ ٢٤٥ ]
أمرائها من دعاة الإسلام ورسلهم إلى الشام. وكانت حادثة مقتل الحارث بن عمير الأزدي مبعوث الرسول ﷺ إلى ملك بصرى على يد شر حبيل بن عمرو الغساني في مؤتة هي التي استفزت الرسول ﷺ لتأديب عرب الشمال الموالين للبيزنطيين «١»، فجهز جيشا كبيرا- نسبيا- يبلغ ثلاثة آلاف مقاتل ولى قيادته زيد بن حارثة «٢» وأمره بالانطلاق صوب الشمال لتأديب القبائل العربية على فعلتها- إن لم تستجب لدعوة الإسلام- وإشعارها بقوة الدولة الإسلامية وقدرتها على ردع الغادرين والمعتدين الذين يرون في الحماية البيزنطية سببا يدفعهم إلى الجرأة والعدوان، ولاستطلاع قوة وكفاية وطبيعة الأرض هناك.
ونظرا لبعد الطرق واحتمال مجابهة قوى كثيرة العدد، ألحق الرسول ﷺ بقائد الجيش قائدين احتياطيين هما جعفر بن أبي طالب وعبد الله بن رواحة، يتوليان الأمر، أحدهما بعد الآخر، في حالة إصابة القائد الأول، مما يدل على مدى بعد النظر الذي كان الرسول ﷺ يتمتع به. ومن السذاجة أن يتبادر إلى الأذهان أنه ﷺ كان يعلم مسبقا المصير الذي كان ينتظر أعزّ أصحابه، فلم يعرف عنه أبدا أنه ساق أتباعه إلى حتوفهم أو رمى بهم في عمليات ينتحرون فيها. كل ما هنالك أن كثرة مشاغله منعته من قيادة الجيش بنفسه، ومن أجل ضمان وحدة قواته ومنعا للفوضى والاضطراب في أرض متطرفة شمالا، عين هؤلاء القادة الاحتياطيين «٣» .
خرج المسلمون في جمادى الأولى، رجالا ونساء وأطفالا، لتوديع المقاتلين الذاهبين إلى أقصى الشمال، وتعالت أصواتهم (صحبكم الله ودفع عنكم، وردكم إلينا صالحين)، وراح عبد الله بن رواحة الشاعر ينشد:
لكنني أسأل الرحمن مغفرة وضربة ذات فرع «٤» تقذف الزبدا «٥»
أو طعنة بيدي حرّان مجهزة بحربة تنفذ الأحشاء والكبدا
_________________
(١) ابن سعد ٢/ ١/ ٩٢، الواقدي ٢/ ٧٥٥- ٧٥٦، المسعودي: التنبيه والإشراف ص ٢٣٠.
(٢) يورد اليعقوبي كعادته (تاريخ ٢/ ٥٤) رواية خاطئة مفادها أن جعفر بن أبي طالب ربما كان الأمير الأول على الجيش الذاهب إلى مؤنة.
(٣) ابن هشام ص ٢٧٠، الطبري: تاريخ ٣/ ٣٦، ابن سعد ٢/ ١/ ٩٢- ٩٣، الواقدي ٢/ ٧٥٦، البخاري: التجريد ٢/ ٨٩.
(٤) الفرع: السعة.
(٥) الزبد: رغوة الدم.
[ ٢٤٦ ]
حتى يقال، إذا مروا على جدثي، يا أرشد الله من غاز وقد رشدا
وعندما ودعهم الرسول ﷺ وانصرف راجعا أنشد ابن رواحة:
خلف السلام على امرىء ودعته في النخل خير مشيع وخليل «١»
مضت قوات المسلمين حتى بلغت معان جنوبي الأردن، فعسكرت فيها، وبلغ قادتها هناك أن الأمبراطور البيزنطي قد سمع نبأ التحرك الإسلامي فتقدم على رأس مائة ألف من الروم- فيما تذكر الروايات- وعسكر في ماب من أرض البلقاء. ويذكر المسعودي أن هرقل كان مقيما آنذاك في أنطاكية وأنه ولّى قيادة جيشه تيادوتس البطريق «٢»، ويؤكد بروكلمان ما ذهب إليه المسعودي مصححا اسم القائد البيزنطي (ثيودورس) «٣» . وفي ماب التحقت بالقوات البيزنطية القبائل العربية الموالية من لخم وجذام وبلقين وبهراء وبلى، قادهم شرحبيل بن عمرو الغساني وبلغوا- فيما تذكره الروايات- مائة ألف. ولا ريب أن المبالغات التي أعقبت هذه المعركة التي انسحب فيها المسلمون كثرت من عدد العدو وجعلته يبلغ هذا الرقم الخيالي، وإن كان بمستطاع القبائل العربية الضاربة في المنطقة أن تهرع لنجدة سيدها بعشرات الآلاف من المقاتلين «٤» .
ظل المسلمون معسكرين في معان طيلة ليلتين، يتدبرون أمرهم، وقال بعضهم: نكتب إلى رسول الله ﷺ فنخبره بعدد عدونا، فإما أن يمدنا بالرجال وإما أن يأمرنا بأمره فنمضي له. إلا أن عبد الله بن رواحة اندفع بفورة حماس يعرفها جيدا من يعيش فورات التجربة الشعرية وانفعاليتها مقترنة بزخم إيماني لا ترده رؤية أو تمهل، راح ينادي أصحابه: يا قوم، والله إن التي تكرهون للتي خرجتم تطلبون: الشهادة!! وما نقاتل الناس بعدد ولا قوة ولا كثرة ما نقاتلهم إلا بهذا الدين الذين أكرمنا الله به، فانطلقوا فإنما هي إحدى الحسنيين: إما ظهور وإما شهادة!! فأجابه الناس الذين لم يعرفوا خوفا يوما أو تراجعا، والذين يدركون جيدا كم هو عظيم الهدف الذي خرجوا من أجله، وكم هي غالية (الشهادة) على
_________________
(١) ابن هشام ص ٢٧٠- ٢٧١، الطبري: تاريخ ٣/ ٣٧، الواقدي ٢/ ٧٥٦- ٧٥٩.
(٢) التنبيه والإشراف ص ٢٣٠.
(٣) تاريخ الشعوب الإسلامية ص ٥٩.
(٤) ابن هشام ص ٢٧١، الطبري ٣/ ٣٧، ابن سعد ٢/ ١/ ٩٣، الواقدي ٢/ ٧٦٠.
[ ٢٤٧ ]
قلوب أصحاب رسول الله ﷺ: قد والله صدق ابن رواحة «١» .
غادر المسلمون معسكرهم في معان وانطلقوا شمالا حتى إذا بلغوا تخوم البلقاء لقيتهم جموع الروم والعرب في قرية من قرى البلقاء تدعى مشارف، فانحازوا صوب قرية مؤتة، وهناك عبأوا أنفسهم فجعلوا على ميمنتهم رجلا من بني عذرة يقال له قطبة بن قتادة، وعلى ميسرتهم رجلا من الأنصار يسمى عباية ابن مالك وبدأ القتال المرير. وانطلق زيد بن حارثة براية رسول الله ﷺ يقاتل حتى شاط في رماح القوم وغرق بدمائه، فتسلّم الراية جعفر بن أبي طالب ذو الثلاث والثلاثين سنة من العمر وانطلق يقاتل حتى إذا أحاط به العدو من كل مكان وسددوا إليه ضرباتهم، اقتحم عن فرسه الشقراء وضرب قوائمها بالسيف وراح يجالد القوم وهو ينشد:
يا حبذا الجنة واقترابها طيبة وباردا شرابها
والروم روم قد دنا عذابها كافرة بعيدة أنسابها
علي إذ لاقيتها ضرابها
كان جعفر يحمل الراية بيمينه فلما قطعوها أخذها بشماله، فلما قطعوها احتضنها بعضديه حتى قتل في أعقاب ضربة من جندي رومي قطعته نصفين، فانقض عبد الله بن رواحة وحمل الراية وتقدم بها على فرسه. وفي موجة من الرعب الذي لا يرحم، منبثقا هذه المرة أيضا عن انفعالية الشعراء وتأرجحهم النفسي، وحساسيتهم، تردد عبد الله بعض التردد إلا أنه ما لبث أن تفوق على خوفه وتردده، ونزل عن فرسه لكي يشتبك بأعداء الله وهو ينشد:
أقسمت يا نفس لتنزلنه لتنزلنه أو لتكرهنه
إن أجلب الناس وشدوا الرنة «٢» ما لي أراك تكرهين الجنة؟
يا نفس إلّا تقتلي تموتي هذا حمام الموت قد صليت
وما تمنيت فقد أعطيت أن تفعلي فعلهما هديت
وأتاه ابن عم له بقطعة لحم وقال: شد بها صلبك، فإنك قد لقيت في أيامك هذه ما لقيت!! فأخذها منه واقتطع منها مضغة لكنه ما لبث أن سمع احتدام
_________________
(١) ابن هشام ص ٢٧١- ٢٧٢، الطبري: تاريخ ٣/ ٣٧- ٣٨، الواقدي ٢/ ٧٦٠.
(٢) الرنة: ترجيع شبيه بالبكاء.
[ ٢٤٨ ]
القتال قريبا منه، فخاطب نفسه: وأنت في الدنيا؟ ألقى قطعة اللحم من يده ثم أخذ سيفه وتقدم، فقاتل حتى قتل «١» .
أخذ الراية رجل من المسلمين يدعى ثابت بن أقرم ونادى: يا معشر المسلمين اصطلحوا على رجل منكم. قالوا: أنت. قال: ما أنا بفاعل. فتشاور الناس واتفقوا على تسليم القيادة لخالد بن الوليد. وفي قلب الفجيعة واحتدام القتال كان المسلمون ينفذون (قيما) ويصنعون أخرى.. ثابت بن أقرم وهو يرفض القيادة، لا خوفا أو جبنا ولكن إدراكا لقدراته وطلبا للأكفأ والأحسن، والمقاتلون وهم (يتشاورون) لاختيار قائدهم الجديد بعد فجيعتهم برؤسائهم الثلاث «٢» ..
ولقد كان خالد عند ظن أصحابه، التمعت عبقريته القتالية في لحظة الامتحان الخطير هذه، فجعل هدفه أن ينسحب بالمسلمين وأن يجنبهم عملية إبادة شاملة هي الآن قاب قوسين أو أدنى منهم.. وماذا بعد ضياع زهرة قوات المسلمين وتبعثر جثث ثلاثة آلاف مقاتل في الصحراء بعيدا عن رسولهم وأهليهم؟
سيقول الأمبراطور إن اندفاعا حماسيا من جزيرة العرب قد سحق، وعلى أعراب الجنوب ألا يفكروا مرة أخرى بمصارعة سيدة العالم، المنتصرة على الساسانيين، وسيقول أتباعه من نصارى العرب إن كلمة سيدنا هي الكلمة، وإن تبعيتنا وطاعتنا في مكانها، لن يحرفها نداء رجل جاء يدعونا إلى عبادة الله وحده وترك عبادة العباد! وسترفع الوثنية واليهودية وحركة النفاق رؤوسها ثانية في قلب الجزيرة في محاولة لاسترداد مواقعها القديمة التي أزاحها عنها الإسلام.
ولقد بدأ خالد تحقيق هدفه هذا بأن رسم خطة سعى فيها إلى إيهام العدو أن المسلمين لا زالوا في أماكنهم يقاتلون، فدفع مقدمتهم إلى مناوشة العدو، وأجرى تغييرات في مواقع جنده، بين ميمنة وميسرة ومقدمة ومؤخرة، وأرسل خلف الجيش عددا من الرجال والخيول يحدثون جلبة شديدة ويثيرون النقع، ليوهم العدو أن مددا قد جاءه، وما أن حلّ الظلام حتى انسحب من الميدان، وأخذ طريقه جنوبا، منقذا معظم المسلمين من فناء محقق «٣»، ولم يخسر
_________________
(١) ابن هشام: ص ٢٧٢- ٢٧٣، الطبري: تاريخ ٣/ ٣٩- ٤٠، ابن سعد: ٢/ ١/ ٩٣، الواقدي ٢/ ٧٦١.
(٢) ابن هشام ص ٢٧٣، ابن سعد ٢/ ١/ ٦٤، الطبري: تاريخ ٣/ ٤٠، الواقدي ٢/ ٧٦٣- ٧٦٤.
(٣) انظر الواقدي ٢/ ٧٦٤.
[ ٢٤٩ ]
المسلمون، في رواية للواقدي، سوى ثمانية قتلى «١» أو إثني عشر على الأغلب، بينما كانت خسائر العدو أضعافا مضاعفة مما أثر في معنوياتهم وصدهم عن مطاردة المسلمين. ومعروف أن عملية الانسحاب تعد من أصعب العمليات العسكرية، لاحتمال انقلاب الانسحاب إلى هزيمة، والهزيمة كارثة تؤدي إلى خسائر فادحة بالمنهزمين.. ولا تعد خسائر المسلمين الضئيلة في مؤتة شيئا يذكر بجانب الفائدة العسكرية التي أفادها الإطلاع على خواص قوات الروم وتنظيمها وتسليحها وأساليب قتالها مما اتضح أثره في المعارك التي خاضها المسلمون فيما بعد «٢» .
ابتعد المقاتلون عن ميدان القتال قبل أن تصلهم النجدة التي كان الرسول ﷺ قد استنفرها لدى سماعه أنباء القتال «٣»، ووصلوا المدينة بعد مسيرة مجهدة في جحيم الصحراء، وتلقاهم رسول الله ﷺ والمسلمون، والصبيان يعدون من ورائهم ويهتفون: يا فرّار فررتم في سبيل الله؟ فيجيبهم الرسول ﷺ:
ليسوا بالفرار ولكنهم الكرار إن شاء الله تعالى «٤» . ولقد كرّوا فعلا على أعدائهم بعد قليل، فأمة يستنكر فيها الهزيمة حتى أطفالها الصغار الذين لم (يعتادوا) عودة (كبارهم) مقهورين، لا بد أن يجول كبارها جولات وجولات حتى تتحقق الكلمة التي حملوها إلى العالم!!
ولم يمض شهر واحد على معركة مؤتة حتى بلغ الرسول ﷺ أن جمعا من قضاعة، القاطنين في الشمال والموالين للروم، قد تجمعوا يريدون القيام بهجوم على أطراف الدولة الإسلامية، فدعا عمرو بن العاص ووجهه على رأس ثلاثمائة من أبطال المهاجرين والأنصار، وأمره أن يستعين بمن يمر بهم من قبائل بلى وعذرة وبلقين، الموالية للمسلمين. فانطلق عمرو يسير ليلا ويكمن نهارا، فلما اقترب من القوم بلغه أن لهم جمعا كثيرا، فبعث إلى الرسول ﷺ يطلب منه مددا فأسرع بإرسال أبي عبيدة بن الجراح على رأس مائتي مقاتل من كبار المهاجرين
_________________
(١) الواقدي، المصدر السابق ٢/ ٧٦٩.
(٢) شيت خطاب: الرسول القائد ص ٢٠٦- ٢٠٧، وعن مؤتة انظر كذلك Encyclopeadia of Islam،art،Muta.:
(٣) الطبري: تاريخ ٣/ ٤١.
(٤) ابن هشام ص ٢٧٤، الطبري: تاريخ ٣/ ٤٢، ابن سعد ٢/ ١/ ٩٣، الواقدي ٢/ ٧٦٥.
[ ٢٥٠ ]
[٦]
والأنصار فيهم أبو بكر وعمر ﵃ وأمره أن يلحق بابن العاص وأن يعملا سوية لإنجاز المهمة التي كلفا بها. وانطلق عمرو- بعد أن وصله مدد أبي عبيدة- حتى «وطىء بلاد بلى ودوخها، حتى أتى إلى أقصى بلادهم وبلاد عذرة وبلقين» . ولقي في نهاية زحفه جمعا فحمل عليهم فهربوا بين يديه وتفرقوا في البلاد، بعد أن قتل منهم عدد كبير «١» ثم قفل جيش الرسول ﷺ عائدا بعد أن غطى بانتصاراته الأخيرة هذه في أقصى الشمال، على مأساة مؤتة، ومكن للنفوذ الإسلامي في أقصى الشمال، وأشعر العرب الموالين للبيزنطيين بأن هزيمة المسلمين في معركة لا تعني أبدا انحسار دولتهم في أراضي الشمال.
[٦]
بعد عودة الرسول ﷺ إلى المدينة في أواخر السنة الثامنة، في أعقاب دخوله مكة وانتصاره في حنين، بلغته أنباء خطيرة عن تحركات يعتزم الروم وحلفاؤهم العرب من لخم وجذام وغسان وعاملة، القيام بها ضد الدولة الإسلامية قبل أن يشتد ساعدها وتتفرد في قيادة الجزيرة العربية، وتشكل خطرا حاسما على الوجود البيزنطي في بلاد الشام، وقد قامت هذه القبائل فعلا بإرسال طلائعها إلى البلقاء.
كان الوقت صيفا، والصحراء تحترق نارا، والبلاد تعاني جدبا ومحلا، والطريق طويلا، والناس يحبون المقام في ثمارهم وظلالهم، ويكرهون الشخوص لقطع آلاف الأميال عبر الصحراء، وقتال قوم هم سادة الدنيا، ومحنة مؤتة، فوق هذا كله، ليست بعيدة عن الأذهان، لكن منطق الرسول ﷺ يفوق التحديات ويتجاوز المصاعب، لأن السكوت على التحرك البيزنطي معناه الاندحار، وانتظارهم لكي يوجهوا (هم) ضربتهم معناه الانتحار، فلا بد إذن من التجهز بسرعة، وتولي زمام المبادرة، والانطلاق عبر المتاعب والمصاعب للرد على تحدي سيدة العالم، وإشعار العرب الخاضعين لها أن هناك دولة ثانية وكلمة أخرى.
وفي معظم الغزوات كان الرسول ﷺ لا يحدد هدفه العسكري زيادة في الكتمان، على العكس إنه كان يعلن عن أهداف غير تلك التي يريد قصدها، أما
_________________
(١) ابن سعد ٢/ ١/ ٩٤- ٩٥، الواقدي ٢/ ٧٧٠- ٧٧١، الطبري: تاريخ ٣/ ٢٩، ٣١- ٣٢ البلاذري: أنساب ١/ ٣٨٠- ٣٨١، اليعقوبي: تاريخ ٢/ ٦٤، المسعودي: التنبيه والإشراف ص ٢٣١، ابن الأثير: الكامل ٢/ ٢٣٢، ابن كثير: البداية والنهاية ٤/ ٢٧٣- ٢٧٥.
[ ٢٥١ ]
في غزوة تبوك فقد بينه للناس «لبعد الشقة وشدة الزمان وكثرة العدو، ليتأهب الناس لذلك أهبته» . وأمر ﷺ بالتجهز وبعث إلى مكة وإلى قبائل العرب يستنفرهم وحضّ الذين يملكون على النفقة في سبيل الله وتهيئة الدواب التي ستنقل المقاتلين إلى الشمال. ثم ما لبث أن انطلق في رجب بأكبر جيش عرفه تاريخ الدعوة حتى ذلك الحين، قيل إنه بلغ ثلاثين ألفا، تصحبها عشرة آلاف فرس، مستخلفا في المدينة عليا بن أبي طالب ﵁ «١»، ودافعا لواءه الأعظم إلى أبي بكر ورايته إلى الزبير ﵄ «٢» .
بدأ المسلمون مسيرتهم التي قطعوا فيها آلاف الأميال، وعانوا آلام العطش والجوع والحر وقلة وسائل الركوب وبعد الطريق.. ويحدثنا عبد الله بن عباس أنه قيل لعمر بن الخطاب: حدثنا عن شأن ساعة العسرة، فقال: خرجنا إلى تبوك في قيظ شديد، فنزلنا منزلا وأصابنا فيه عطش حتى ظننا أن رقابنا ستنقطع، حتى إن الرجل لينحر بعيره فيعتصر فرثه فيشربه ثم يجعل ما بقي على كبده «٣» . لقد كان جوب البادية- يقول درمنغم- صعبا، وجعل محمد ﷺ وجنوده يعسكرون بعد غروب الشمس المحرقة تحت عاصفة من الرمال جياعا عطاشا، وتوارى هؤلاء الجنود خلف جمالهم، مولين الرياح ظهورهم مدثرين بأرديتهم، متشبثين بالأرض، وخرج اثنان من العسكر فاختنق أحدهما واحتملت الريح الآخر. فلما أصبح الناس بدؤوا يزحفون منهوكين محمري العيون، مفطّري الأرجل، مجمّدي الريق، مدويي الآذان، مفريي الجلود، زالقين على ألواح حجرية سود، متخرقين لصخور بادية على شكل سوق الشجر.. وبلغ بعضهم من الهذيان ما صب معه في حلوقهم ووضع على صدورهم سوائل، أخذت من كروش الإبل «٤» .
انتهى المطاف بالمسلمين إلى تبوك في أقصى الشمال، ويبدو أن الروم
_________________
(١) ابن هشام ص ٣٢٥، الطبري: تاريخ ٣/ ١- ١٠١، ١٠٣- ١٠٤، ابن سعد ٢/ ١/ ١١٨- ١١٩ ويذكر الأخير أن (محمد بن مسلمة) هو الذي استخلف على المدينة، الواقدي ٣/ ٩٨٩- ٩٩١.
(٢) الواقدي ٣/ ٩٩٦. ويخطىء اليعقوبي (تاريخ ٢/ ٥٦) كشأنه مرارا في قوله متحدثا عن غزوة تبوك أن الرسول ﷺ خرج إلى أرض الشام «يطلب بدم جعفر بن أبي طالب» بينما يشير سياق الأحداث، وحجم التحرك العسكري، وطبيعة الظروف السياسية، إلى أن الأمر أكبر بكثير من مجرد هجمة ثأرية لمقتل رجل من المسلمين.
(٣) ابن كثير: البداية والنهاية ٤/ ٩.
(٤) حياة محمد ص ٣٦٥.
[ ٢٥٢ ]
وحلفاءهم سمعوا أنباء هذا الجيش الكبير، وقدرته على اجتياز المصاعب، وإصراره على لقاء الأعداء فاثروا الانسحاب إلى الداخل، عبر أراضي الأردن وفلسطين، صوب حمص حيث استقر هرقل، مستهدفين- في الوقت نفسه- جر القوات الإسلامية إلى الداخل والانقضاض عليها هناك «١» . إلا أن الرسول ﷺ لم يتح لهم تحقيق هدفهم هذا وعسكر في تبوك جاعلا إياها آخر نقطة في توغله شمالا. ويذكر الواقدي أن النبي ﷺ شاور أصحابه في التقدم، فأجابه عمر بن الخطاب: يا رسول الله إن للروم جموعا كثيرة، وليس بها أحد من أهل الإسلام، وقد دنوت منهم حيث ترى وقد أفزعهم دنوك، فلو إنك رجعت هذه السنة حتى ترى، أو يحدث الله ﷿ لك في ذلك أمرا «٢» .
وفي تبوك راح الرسول ﷺ يراقب الروم ويتحداهم أن يبرزوا له ويقاتلوه.
ويذكر المسعودي أنه جرت خلال ذلك مراسلات بين الرسول ﷺ وبين هرقل الذي كان يقيم آنذاك في حمص وربما في دمشق «٣» . ويشير درمنغم إلى أن اتفاقا سريا تم بين محمد وهرقل يقضي بسماح الأخير لعرب الشمال باعتناق الإسلام «٤»، ويبدو أن درمنغم بنى استنتاجه هذا على رواية المسعودي آنفة الذكر وإن لم يكن من المستبعد أن يقرّ هرقل اتفاقا كهذا يخلصه من كثير من المشاكل التي بدأت دولة الإسلام تسببها لحدوده الجنوبية.
أخذ الرسول ﷺ يتصل في الوقت نفسه بزعماء القبائل النصرانية المنتشرة في المنطقة ويتلقى سفاراتهم، فيعقد معهم معاهدات الصلح والتعاون، ويقطع- بذلك- ولاءهم للدولة البيزنطية ويحولهم إلى مواطنين أو حلفاء للدولة الإسلامية، وهو الهدف الذي كان يطمح إلى تحقيقه منذ بدء صراعه مع الروم.
_________________
(١) في رواية للواقدي (٣/ ١٠١٩) إن هرقل ظل في موقعه في حمص لم يتحرك ولم يزحف، وكان الذي خبر النبي من بعثته أصحابه ودنوه إلى أدنى الشام باطلا، ولم يرد ذلك ولم يزحف، ولم يهم به. وليس من السهل الأخذ بهذه الرواية، سيما وأن الواقدي نفسه يذكر في بدء حديثه عن غزوة تبوك أن الذي نقل أنباء احتشاد الروم وحلفائهم شهود عيان من الأقباط الذين كانوا يردون على المدينة حينا بعد حين لبيع الدقيق، والزيت (٣/ ٩٨٩- ٩٩٠) كما أن سير الأحداث وما قدمته الروايات الآخرى من تفاصيل، لا ينسجم وما يذهب إليه الواقدي في روايته تلك. ويذكر البلاذري (أنساب ١/ ٣٦٨) أن الرسول ﷺ لما سار إلى هرقل وحلفائه «هابوا محاربته فلم يلق كيدا» .
(٢) مغازي رسول الله ٣/ ١٠١٩.
(٣) التنبيه والإشراف ص ٢٣٦.
(٤) حياة محمد ص ٣٦٦.
[ ٢٥٣ ]
وكان ممن جاء إلى تبوك يوحنة بن رؤبة صاحب أيلة حيث صالح الرسول ﷺ ووافق على منحه الجزية. كما جاءه أهل جرباء وأذرح وأعطوه الجزية التي تعني إشعارا ماديا بانتمائهم إلى الدولة الإسلامية وقطع علاقاتهم وارتباطاتهم بمن سواها. وقد كتب الرسول ﷺ ليوحنة عهدا يمثل (نموذجا) للعهود التي كان يكتبها للجماعات النصرانية مانحا إياهم فيها حرية الدين والمواطنة على السواء، ومؤكدا على كونهم قد غدوا مرتبطين بالدولة الإسلامية وحمايتها وسلطتها: «بسم الله الرحمن الرحيم. هذه أمنة من الله ومحمد النبي رسول الله ليوحنة بن رؤبة وأهل أيلة، سفنهم وسيارتهم في البر والبحر، لهم ذمة الله وذمة محمد النبي ومن كان معهم من أهل الشام وأهل اليمن وأهل البحر. فمن أحدث منهم حدثا فإنه لا يحول ماله دون نفسه، وإنه طيب لمن أخذه من الناس وإنه لا يحل أن يمنعوا ماء يردونه ولا طريقا يريدونه من بر أو بحر» . كما وجه ﷺ خالدا بن الوليد على رأس كتيبة إلى أمير دومة النصراني المدعو أكيدر بن عبد الملك، فتمكن خالد من أسره وقتل أخيه والعودة بالأمير إلى رسول الله ﷺ فحقن الرسول دمه، وصالحه على الجزية، ثم أطلق سبيله فرجع إلى بلده «١» .
وبعد عشرين ليلة قضاها الرسول ﷺ وقواته في تبوك، قفل عائدا إلى المدينة بعد أن حقق بحركته الصعبة تلك انتصارا على الجبهة النصرانية- البيزنطية، لا يقل خطرا عن انتصاراته الحاسمة على جبهات الوثنية واليهودية. فقد كسب عددا من القبائل العربية القاطنة في جنوب الشام إلى جانب الدولة الإسلامية، وقطع علاقاتها بالروم، وأشعر القبائل الآخرى بمدى قوة الدولة الجديدة وامتداد نفوذها إلى قلب الديار التي كان أهلها يعملون لصالح سادتهم الروم، ويلعبون دورا خطيرا في مقاومة امتداد الإسلام صوب الشمال. ولم تكن محنة مؤتة سوى محاولة واحدة من عدد من محاولات هؤلاء العرب بوجه الإسلام. وها هم الآن- بعد تبوك- قد اقتنعوا بأن الاحتماء بالسلطة البيزنطية سوف لن ينقذهم من العقاب، فبدؤوا يتهافتون على الرسول ﷺ طالبين الصلح معه ودفع الجزية له!!
_________________
(١) ابن هشام ص ٣٣٢- ٣٣٤، الطبري: تاريخ ٣/ ١٠٨- ١٠٩، ابن سعد ١/ ٢/ ٢٨- ٢٩، ٣٧ و٢/ ١/ ١٢٠، الواقدي ٣/ ١٠٢٥- ١٠٣٢، البلاذري: فتوح ١/ ٧١- ٧٣، المسعودي: التنبيه والإشراف ص ٢٣٦، وانظر حميد الله: الوثائق ص ١١٦- ١١٨، ١١٨- ١١٩، ١١٩- ١٢٤.
[ ٢٥٤ ]
إلا أن الانتصار الأهم، هو أن استجابة الرسول ﷺ لتحدي الروم، وتقدمه لقتالهم وانسحابهم من طريقه، وانتظاره إياهم قرابة عشرين يوما دون أن يحركوا ساكنا، جاء ضربة قاصمة للسيادة البيزنطية في بلاد الشام، وإضعافا لمركزها الأدبي وسطوتها على القبائل العربية، وكسرا لجدار الخوف العربي من القوة البيزنطية، وهو انتصار نفسي حاسم مكن العرب، بعد سنين معدودات، من تجاوز ولائهم القديم والانطلاق لضرب البيزنطيين وإلحاق الهزائم بهم وطردهم إلى بلادهم التي جاؤوا منها.
إن غزوة تبوك تمثل خطوة من خطوات الحركة الإسلامية المسلحة صوب الخارج، وتخطيا لنطاق العرب وجزيرتهم إلى العالم، وبادرة متقدمة لحركة الفتوحات التي شهدها عصر الراشدين.
ولقد جاءت تجربة تبوك التي سماها المسلمون (غزوة العسرة) وقالوا إنها جاءت عسرة من الماء وعسرة من الظهر وعسرة من النفقة، شبيهة بمحنة (أحد)، نارا ممحصة على حريقها ووهجها تميز المنتمون إلى معسكر الإسلام، درجات بعضها فوق بعض، وهذا شأن كل معسكر في تاريخ البشرية، فليس بنو آدم ملائكة يقفون صفا واحدا ولكنهم يتميزون في إيمانهم وإخلاصهم وانتمائهم، تميزهم الانتصارات الحاسمة والإنكسارات الخطيرة وتفرّق بينهم تجارب الراحة والسعادة وآلام المحن والنكبات. فها نحن أولاء نجد، والرسول ﷺ يدعو المسلمين أن يتجهزوا للرد على التحدي البيزنطي عبر المجاعة والعطش وجحيم الصحراء وطريقها الطويل، أناسا يقفون في القمة، وآخرين يتحركون صعدا في منتصف الطريق لا يقدرون على الصعود خطوات أخرى إلى أعلى، وهم مع ذلك يحاولون ويحاولون، وفئة ثالثة حرنت في مواقعها لا تريد أن تسعى ولا أن تتحرك.. وهنالك في الأسفل، عند جدار المرتفع وفي منخفضاته، طوائف كثيرة من المنافقين والمنهزمين، يتخبطون كالحشرات والديدان دوارا على أنفسهم وبقاء في الحفر الضيقة!!
أنفق عثمان بن عفان- يومها- نفقة عظيمة لم ينفق أحد مثلها، بلغت- فيما ذكره البلاذري- سبعين ألف درهم «١»، وتصدى بماله لمشكلة النقص الخطير في
_________________
(١) أنساب الأشراف ١/ ٣٦٨.
[ ٢٥٥ ]
وسائل الركوب.. فردّد الرسول ﷺ «ما ضرّ عثمان ما عمل بعد اليوم» وجاء أبو بكر بماله كله: أربعة آلاف درهم فقال له ﷺ: هل أبقيت شيئا؟ فأجابه: الله ورسوله أعلم. وجاء عمر بنصف ماله. يقول الواقدي: «ورغب أهل الغنى في الخير والمعروف، وقووا أناس دون هؤلاء من هو أضعف منهم، حتى أن الرجل ليأتي بالبعير إلى الرجل والرجلين فيقول: هذا البعير بينكما تتعاقبانه، ويأتي الرجل بالنفقة فيعطيها بعض من يخرج، حتى إن كنّ النساء ليعنّ بكل ما قدرن عليه!! قالت أم سنان الأسلمية: لقد رأيت ثوبا مبسوطا بين يدي رسول الله ﷺ في بيت عائشة ﵂ فيه أسورة ومعاضد وخلاخل وأقرطة وخواتيم..
مما يبعث به النساء يعنّ به المسلمين في جهازهم..» «١» .
وجاء سبعة من الأنصار من فقراء بني عمرو بن عوف، وتوسلوا إلى الرسول ﷺ أن يحملهم على الدواب، فأجابهم (لا أجد ما أحملكم عليه) فتولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون. ولقي رجل من أهل المدينة اثنين منهما يبكيان فسألهما (ما يبكيكما؟) أجابا: جئنا رسول الله ﷺ ليحملنا فلم نجد عنده ما يحملنا عليه، وليس عندنا ما نتقوى به على الخروج معه، فأعطاهما جملا له يستقي عليه الماء، وزودهما بشيء من التمر، فارتحلا الجمل وخرجا مع رسول الله ﷺ «٢» .
ورجع أبو خيثمة، بعد أن سار رسول الله ﷺ أياما، إلى أهله في يوم حار فوجد امرأتين له في عريشين لهما في بستانه قد رشت كل واحدة منهما عريشها وبردت له فيه ماء وهيأت له فيه طعاما. فلما دخل قام على باب العريش فنظر إلى امرأتيه وما صنعتا له، فقال: رسول الله ﷺ في الشمس والريح والحر، وأبو خيثمة في ظل بارد وطعام مهيأ وامرأة حسناء في ماله مقيم؟ ما هذا بالنصف. والله لا أدخل عريش واحدة منكما حق ألحق برسول الله ﷺ. فهيئا لي زادا «٣» .
وأبو ذر!! لما أبطأ عليه بعيره، تعبا وإرهاقا، أخذ متاعه فحمله على ظهره وخرج يتبع أثر المسلمين ماشيا!! وفي مكان ما من الصحراء الممتدة نظر ناظر من
_________________
(١) مغازي رسول الله ٣/ ٩٩١- ٩٩٢.
(٢) ابن هشام ص ٣٢٦- ٣٢٧، الطبري: تاريخ ٣/ ١٠٢، الواقدي ٣/ ٩٩٣- ٩٩٤، البخاري ٢/ ٩٩.
(٣) ابن هشام ص ٣٢٨- ٣٢٩، الطبري ٢/ ١٠٤- ١٠٥، الواقدي ٣/ ٩٩٨- ٩٩٩.
[ ٢٥٦ ]
المسلمين فقال: يا رسول الله إن هذا رجل يمشي على الطريق وحده، فقال الرسول ﷺ بحدسه العميق: كن أبا ذر، فلما تأمله القوم قالوا: يا رسول الله هو والله أبو ذر. فقال الرسول ﷺ: (رحم الله أبا ذر، يمشي وحده، ويموت وحده، ويبعث وحده) «١» .
وهنالك من أبطأت بهم نياتهم عن الاستجابة للنداء، ولكن من وراء نياتهم وأفعالهم الظاهرة هذه قلوب يعمرها الإيمان والرغبة في العطاء والندم العميق على أي تهاون أو تفريط. ومن منا لم يسمع قصة الثلاثة المخلفين: كعب بن مالك ومرارة بن الربيع وهلال بن أمية؟!
قال كعب بن مالك، فيما رواه البخاري: «لم أتخلف عن رسول الله ﷺ في غزوة غزاها إلا في غزوة تبوك حين طابت الثمار والظلال وتجهز رسول الله ﷺ والمسلمون معه فطفقت أغدو لكي أتجهز معهم فأرجع ولم أقض شيئا، فأقول في نفسي أنا قادر عليه، فلم يزل يتمادى بي حتى اشتد بالناس الجدّ.. ثم غدوت ثم رجعت ولم أقض شيئا، فلم يزل بي حتى أسرعوا وهممت أن أرتحل فأدركهم وليتني فعلت فلم يقدر لي ذلك. فكنت إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول الله ﷺ فطفت بهم أحزنني أني لا أرى إلا رجلا مغموصا عليه في النفاق أو رجلا ممن عذر الله تعالى من الضعفاء» ..
«فلما بلغني أنه توجه قافلا حضرني همي فطفقت أتذكر الكذب وأقول بماذا أخرج من سخطه غدا؟ واستعنت على ذلك بكل ذي رأي من أهلي، فلما قيل إن رسول الله ﷺ قد أظل قادما زاح عني الباطل وعرفت أني لن أخرج منه أبدا بشيء فيه فأجمعت صدقه. وأصبح رسول الله ﷺ قادما وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فيركع فيه ركعتين ثم جلس للناس، فلما فعل ذلك جاءه المخلفون فطفقوا يعتذرون إليه ويحلفون له، وكانوا بضعة وثمانين رجلا، فقبل منهم رسول الله ﷺ علانيتهم واستغفر لهم ووكل سرائرهم إلى الله تعالى. فجئته فلما سلمت عليه تبسّم تبسم المغضب ثم قال: تعال، فجئت أمشي حتى جلست بين يديه، فقال لي: ما خلفك؟ ألم تكن قد ابتعت ظهرك؟ فقلت: بلى والله يا رسول الله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أن سأخرج من سخطه بعذر، ولقد
_________________
(١) ابن هشام ص ٣٣١، الطبري ٣/ ١٠٧، الواقدي ٣/ ١٠٠٠.
[ ٢٥٧ ]
أعطيت جدلا، ولكني والله لقد علمت لئن حدثتك اليوم حديث كذب ترضى به عني ليوشكن الله أن يسخطك علي، ولئن حدثتك حديث صدق تجد علي فيه أني لأرجو فيه عفو الله، لا والله ما كان لي من عذر، والله ما كنت قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنك. فقال رسول الله ﷺ: أما هذا فقد صدق فقم حتى يقضي الله فيك» .
«فقمت وثار رجال من بني سلمة فاتبعوني، فقالوا لي: والله ما كنا علمناك أذنبت ذنبا قبل هذا ولقد عجزت ألاتكون اعتذرت إلى رسول الله ﷺ بما اعتذر به المتخلفون.. فو الله ما زالوا يؤنبونني حتى كدت أن أرجع فأكذب نفسي، ثم قلت لهم: هل لقي هذا معي أحد؟ قالوا نعم، رجلان قالا مثل ما قلت فقيل لهما ما قيل لك. فقلت: من هما؟ قالوا: مرارة بن الربيع وهلال بن أمية، فذكروا لي رجلين صالحين قد شهدا بدرا فيهما أسوة، فمضيت حين ذكروهما لي» .
«ونهى رسول الله ﷺ عن كلامنا من بين من تخلف عنه فاجتنبنا الناس وتغيروا لنا حتى تنكرت في نفسي الأرض فما هي التي أعرف. فلبثنا على ذلك خمسين ليلة. فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان، وأما أنا فكنت أشب القوم وأجلدهم، فكنت أخرج فأشهد الصلاة مع المسلمين، وأطوف في الأسواق ولا يكلمني أحد، وآتي رسول الله ﷺ فأسلم عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة، فأقول في نفسي هل حرّك شفتيه بردّ السلام عليّ أم لا؟ ثم أصلي قريبا منه حتى إذا طال علي ذلك من جفوة الناس مشيت حتى تسورت جدار حائط أبي قتادة، وهو ابن عمي وأحب الناس إلي، فسلمت عليه فو الله ما ردّ عليّ السلام.. ففاضت عيناي وتوليت حتى تسورت الجدار. فبينا أنا أمشي بسوق المدينة إذا نبطي من أنباط الشام- ممن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة- يقول: من يدلني على كعب بن مالك؟ فطفق الناس يشيرون له حتى إذا جاءني دفع إلي كتابا من ملك غسان فإذا فيه: أما بعد، فإنه قد بلغني أن صاحبك قد جفاك، ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة فالحق بنا نواسك، فقلت لما قرأتها، وهذا أيضا من البلاء، فتيممت بها التنور فسجرته بها..» .
«حتى إذا كملت خمسين ليلة من حين نهى رسول الله ﷺ عن كلامنا، وصليت الفجر، وأنا على ظهر بيت من بيوتنا، قد ضاقت عليّ نفسي، وضاقت
[ ٢٥٨ ]
عليّ الأرض بما رحبت، سمعت صوت صارخ ينادي بأعلى صوته: يا كعب بن مالك أبشر! فخررت ساجدا، وعرفت أن قد جاء الفرج وآذن رسول الله بتوبة الله علينا حين صلى صلاة الفجر، فذهب الناس يبشروننا، فذهب قبل صاحبي مبشرون.. فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني نزعت له ثوبيّ فكسوته إياهما ببشراه، والله ما أملك غيرهما يومئذ. واستعرت ثوبين فلبستهما وانطلقت إلى رسول الله ﷺ فتلقاني الناس فوجا فوجا يهنئوني بالتوبة.. حتى دخلت المسجد، فلما سلمت على رسول الله ﷺ قال وهو يبرق وجهه من السرور: أبشر بخير يوم مرّ عليك منذ ولدتك أمك. قلت: أمن عندك يا رسول الله أم من عند الله؟ قال:
لا بل من عند الله، وكان رسول الله ﷺ إذا سرّ استنار وجهه حتى كأنه قطعة قمر، وكنا نعرف ذلك منه. فلما جلست بين يديه قلت: يا رسول الله إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسول الله، فقال: أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك.. فقلت: يا رسول الله إن الله إنما نجاني بالصدق، وإن من توبتي ألاأحدث إلا صدقا ما بقيت، فو الله ما أعلم أحدا من المسلمين أبلاه الله في صدق الحديث منذ ذكرت ذلك لرسول الله ﷺ أحسن مما أبلاني، ما تعمدت منذ ذكرت ذلك لرسول الله ﷺ إلى يومي هذا كذبا وأني لأرجو أن يحفظني الله فيما بقيت..» «١» .
وهنالك من ظلوا يتخبطون في بدايات الطريق ولا يقدرون على الخروج من حفره الضيقة: المعذرون من الأعراب الذين جاؤا يلتمسون الأعذار من الرسول كيلا يذهبوا إلى القتال فلم يعذرهم الله، والمنافقون الذين راحوا يروجون شائعات الخوف والجبن والتردد، ويهمس بعضهم في أذن البعض الآخر: لا تنفروا في الحر!! ولقد تحدث عنهم القرآن فيما بعد، بضربات كاوية كجمرات جهنم وَقالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ «٢»، وعند ما انطلقوا مع زعيمهم عبد الله بن أبيّ، ما لبثوا أن انقلبوا عائدين في أول الطريق «٣» وزعيمهم يردد «يغزو محمد بني الأصفر، مع جهد الحال والحر والبلد البعيد إلى ما لا قبل له به، يحسب محمد أن قتال بني
_________________
(١) البخاري: التجريد: ٢/ ١٠٠- ١٠٤، الواقدي ٣/ ١٠٤٩- ١٠٥٦، ابن كثير: البداية والنهاية ٥/ ٢٣- ٢٦.
(٢) سورة التوبة، الآية: ٨١.
(٣) ابن سعد ٢/ ١/ ١٩.
[ ٢٥٩ ]
[٧]
الأصفر اللعب؟! والله لكأني أنظر إلى أصحابه غدا مقرنين في الحبال » «١» !!
ضربة في الصميم من ضربات النفاق وهو يزحف في الظلمات بطيئا بطيئا، ليلدغ على حين غفلة، كما تلدغ العقارب والحيات «٢» .
انكسر تحدي الروم المعلن للدولة الإسلامية، في أعقاب تبوك، ولم يستطيعوا ولا حلفاؤهم من نصارى العرب أن يتحركوا أو يقوموا بعمل عسكري، سيما وأن الرسول ﷺ قد أقام- بمحالفاته ومصالحاته مع القبائل النصرانية في الشمال- جدارا يصد العدوان ويكبته.. لكن بعض أمراء العرب في الأردن وفلسطين، من أجل إرضاء سادتهم، راحوا يتحرشون بدعاة الإسلام ورجاله في المنطقة ويصدونهم عن أداء مهمتهم. وقد ذكر ابن سعد- على سبيل المثال- أن فروة بن عمرو الجذامي، عامل قيصر على عمان من أرض البلقاء، أعلن إسلامه، رغم أنه لم يتلق كتابا من الرسول ﷺ، وكتب إلى النبي ﷺ بإسلامه كتابا حمله رسولا من قومه يدعى مسعود بن سعد. فقرأ النبي الكتاب ورد عليه بكتاب من عنده، وأجاز المبعوث بمبلغ من الدراهم ردا على الهدية التي تلقاها من الأمير العربي «٣» . ولما بلغ أمبراطور الروم إسلام عامله دعاه وقال له: ارجع عن دينك بملكك. فأجاب فروة: لا أفارق دين محمد، وإنك تعلم أن عيسى قد بشر به، ولكنك تضن بملكك. فحبسه الأمبراطور ثم أخرجه وصلبه «٤» .
[٧]
في الفترة التالية انهمك الرسول ﷺ باستقبال الوفود القادمة إلى المدينة من كل مكان، وكان من بينها وفد نجران النصرانية «٥» الذي توجه إلى المدينة في أعقاب كتاب بعثه إليهم الرسول ﷺ، جاء فيه: «.. إني أحمد إليكم إله إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب، أما بعد: فإني أدعوكم إلى عبادة الله من عبادة
_________________
(١) الواقدي ٣/ ٩٩٥- ٩٩٦ وانظر فصل (حركة النفاق) .
(٢) عن الآيات المتعلقة بغزوة تبوك وما رافقها من مواقف (بشرية) انظر سورة التوبة: الآيات ٤٣- ٤٩، ٥٢- ٥٤، ٨١- ٨٧، ٩٠- ٩٤، ١١٧- ١١٨، ١٢٠.
(٣) الطبقات الكبرى ١/ ٢/ ١٨.
(٤) المصدر السابق ١/ ٢/ ٣١.
(٥) انظر هامش رقم (٢) ص ٢٣٤ من هذا الفصل.
[ ٢٦٠ ]
العباد وأدعوكم إلى ولاية الله من ولاية العباد، فإن أبيتم فالجزية وإن أبيتم فقد آذنتكم بحرب والسلام» «١» . وكانت النصرانية تسود جنوبي الجزيرة كما تسود شماليها فرأى المسلمون وهم في حرب مع دولة الروم أن يحددوا موقفهم مع نصارى الجنوب خصوصا وأن الروم كانوا يغدقون العطايا على مبشريهم هناك، ويبنون لهم الكنائس، ويشجعونهم على المضي في تنصير القبائل المتوطنة في هذه الأرجاء «٢» .
كان الوفد يضم أربعة عشر رجلا من أشراف النصارى، دخلوا المسجد بأرديتهم الملونة الثمينة، فسلموا على الرسول ﷺ فردّ ﵈، ودعاهم إلى الإسلام وتلا عليهم شيئا من القرآن، فأبوا ودخلوا معه في مناقشات عقيمة تضيع في لجتها ملامح الحق البين الذي جاء به القرآن. من ذلك قولهم له وقد عرض عليهم الإسلام: إنا قد أسلمنا قبلك! فقال مخاطبا السيد والعاقب راهبي نجران: كذبتما!! يمنعكما من الإسلام ثلاث: أكلكما الخنزير وعبادتكما الصليب وقولكما لله ولد. قالا: فمن أبو عيسى؟ فلم يجد الرسول ﷺ إزاء ذلك إلا أن يوقف جدلا كهذا لا يوصل إلى نتيجة، ويعرض عليهم- بدلا من ذلك- المباهلة التي حددتها آيات القرآن الكريم التي تنزلت لكي تحسم أمرا لا يحتمل مناقشة ولجاجا: إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ. الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ. فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ «٣» .
وكانت المباهلة تقضي بأن يجتمع الطرفان على صعيد واحد ويستنزلا لعنة الله وغضبه على الفئة الكاذبة. إلا أن رجال الوفد النصراني تخوفوا عاقبة الأمر وقال زعيمهم: «إني أخاف أن يكون صادقا» . ومما لا ريب فيه أن النبي ﷺ قد تلا عليهم آيات آل عمران القوية النافذة، وخاطبهم بما في نطاقها، ودعاهم إلى ما أمر أن يدعوهم إليه من استنزال سخط الله على الكاذبين، ومن أن يجتمع الطرفان ويعلنا معا أنهما لا يعبدون إلا الله ولا يتخذ بعضهم بعضا أربابا من دونه فإن لم
_________________
(١) اليعقوبي: تاريخ ٢/ ٧٠- ٧١.
(٢) الغزالي: فقه السيرة ص ٤٥٨.
(٣) سورة آل عمران، الآيات: ٥٩- ٦١.
[ ٢٦١ ]
يعلنوها معه فليعلنها هو، باسمه وباسم أتباعه. ومضمون الآيات «١» وروحها يلهمان أن النبي كان في موقف القوي المطمئن بقوة موقفه وصحة دعواه والمستعلي على مناظره بالحجة الدامغة والتحدي المفحم والدعوة التي لا يردها إلا الممتري. وهنالك الكثير من الإضافات المناقضة للمعقول والمنقول ترد حول مسألة المباهلة (أو الملاعنة) رغم أن ابن هشام الذي انفرد بتفصيل خبر المناظرة لم يذكر أن النبي ﷺ استعد للمباهلة لأن أسلوب الآية لا يقتضي ذلك، وهو أسلوب تحد وإفحام «٢» .
وقد ارتأى الوفد النصراني أن يعرض على الرسول ﷺ الحكم فيهم بما يراه، فصالحهم ﷺ وكتب لهم عهدا يمثل قمة من قمم العدل والسماحة والحرية، لم يفرض عليهم سوى جزية عينية قدرها ألفي حلّة في السنة وقد جاء فيه « ولنجران وحاشيتهم جوار الله وذمة محمد النبي رسول الله على أنفسهم، وملتهم وأرضهم وأموالهم وغائبهم وشاهدهم وبيعهم وصلواتهم، لا يغيروا أسقفا عن أسقفيته ولا راهبا عن رهبانيته ولا واقفا عن وقفانيته، وكل ما تحت أيديهم من قليل أو كثير ومن سأل منهم حقا فبينهم النصف غير ظالمين ولا مظلومين ولا يؤاخذ أحد منهم بظلم آخر. وعلى ما في هذه الصحيفة جوار الله وذمة النبي أبدا حتى يأتي الله بأمره إن نصحوا وأصلحوا فيما عليهم..» «٣» . وقد دخل يهود نجران في هذا الصلح إذ كانوا كالأتباع لهم «٤» .
وبتلك المعاهدة السمحة «٥» قطع الإسلام الصلة بين أولئك العرب المتنصرين وبين دولة الروم التي يشتبك معها في الحرب، بعد ما ضمن الحرية
_________________
(١) سورة آل عمران: الآيات ٣٤- ٥٧، ٥٨- ٦٤.
(٢) دروزة: سيرة الرسول ٢/ ٢٤٦- ٢٤٨.
(٣) ابن سعد ١/ ٢/ ٣٦، ٨٤- ٨٥ البخاري: تجريد ٢/ ٩٧- ٩٨ البلاذري: فتوح ١/ ٧٦- ٧٨، اليعقوبي: تاريخ ٢/ ٧١- ٧٢ وانظر دروزة ٢/ ٢٣٧- ٢٣٨ (بالتفصيل) .
(٤) البلاذري: فتوح ١/ ٧٨ وقد ظلوا على ذلك طيلة عهد الرسول ﷺ وخلافة أبي بكر (﵁) فلما استخلف عمر (﵁) «أصابوا الربا- الذي منعوا من التعامل به- وكثروا فخافهم على الإسلام» فأجلاهم إلى العراق والشام (المصدر السابق ١/ ٧٨) ويبدو أن دورهم في إسناد حركات الردة لم يكن خافيا عليه. ويتضح هذا من عبارة البلاذري الآنفة (فخافهم على الإسلام) وعند ما التمسوا من علي (﵁) في خلافته إعادتهم أجابهم «أن عمر (﵁) كان رشيد الأمر وأنا أكره خلافه»: المصدر السابق ١/ ٨٠.
(٥) انظر عن نصوص المعاهدات المتعلقة بنصارى نجران: محمد حميد الله: الوثائق ١٧٥- ٢٠١.
[ ٢٦٢ ]
[٨]
الدينية لمن سالموه وكفوا عنه. ترى- يقول الغزالي- هل احترم أهل الكتاب ما عليهم من واجب، وهل أنصفوا الدين الذي رعى ذمامهم؟ كلا!! فإنهم سرعان ما راحوا يساعدون على إشعال الثورات في جنوب الجزيرة، كما كاتبوا الأسود العنسي (المتنبىء) فسار إليهم في طريقه إلى اليمن تماما كما فعل نصارى تغلب في تأييدهم مسيلمة الكذاب حين ادعى- هو الآخر- أنه نبي!!
.. ولم يكن الأمر إيمانا منهم بهذه النبوات الزائفة ولكنه الإعانة على حرب الإسلام بأي سلاح ومع أي حليف «١» .
[٨]
وما أن أتم الرسول ﷺ لقاآته بالوفود العربية القادمة إليه من كل مكان، وحج بأتباعه حجة (الوداع)، حتى قام بتجهيز جيش كبير في مطلع السنة الحادية عشر للهجرة في أعقاب عودته من مكة، وأمّر عليه القائد الشاب أسامة بن زيد بن حارثة تقديرا من الرسول ﷺ للكفاآت الشابة، ورفضا لسلم الطبقات الاجتماعية الذي لا يسمح لمن كان آباؤهم عبيدا يباعون ويشترون، أن يتولوا قيادة السادة!! وردا عمليا على محنة المسلمين في مؤتة حيث كان زيد بن حارثة، والد القائد الشاب، قد شاط في رماح القوم!! وأمر الرسول ﷺ مولاه أسامة أن (يوطىء) الخيل تخوم البلقاء والداروم من أرض فلسطين.
وانطلق أسامة ومن ورائه زهرة قوات المسلمين، لم يتخلف منهم أحد، وعلى رأسهم المهاجرون الأولون «٢» .
تقدم أسامة باتجاه الشمال وعسكر في (الجرف) على بعد فرسخ من المدينة، ريثما يتم تجميع المقاتلين، وهناك بلغته أنباء مرض رسول الله ﷺ فتوقف عن المسير وظل معسكرا بجنده لينظر ما الله قاض برسوله ﷺ. ولم يطق المسلمون وقائدهم صبرا على البقاء والانتظار، ورسولهم يعاني الآلام، فهبطوا عائدين إلى المدينة. ودخل أسامة على رسول الله ﷺ، وقد عجز عن
_________________
(١) فقه السيرة ص ٤٦٣- ٤٦٤.
(٢) ابن هشام ص ٣٧٤، الطبري: تاريخ ٣/ ١٨٤، البلاذري: أنساب ١/ ٣٨٤.
[ ٢٦٣ ]
الكلام، فجعل يرفع يديه إلى السماء ويضعهما على أسامة.. وعرف أسامة أنه يدعو له «١» .
وعما قليل، حينما لحق الرسول ﷺ برفيقة الأعلى، وتولى أبو بكر الصديق ﵁ قيادة الأمة التي صنعها محمد بن عبد الله ﷺ وتحركت بوادر الارتداد عن الطريق «واشرأبت- كما تقول عائشة ﵂- اليهودية والنصرانية ونجم النفاق، وصار المسلمون كالغنم المطيرة في الليلة الشاتية» «٢»، أعلن أبو بكر أنه سيقف بوجه الردة وسيقاتلها ولو تخطفته الذئاب!! وأصر في الوقت نفسه على أن يمضي جيش أسامة إلى هدفه، كما أراد رسول الله ﷺ. وعند ما اعترض عليه الصحابة بأن قاعدة الإسلام مهددة من كل جانب، ولا جيش فيها، قال خليفة رسول الله ﷺ: «ما كنت لأرد جيشا جرده رسول الله ﷺ» .. ومضى أسامة وأوطأ، كما أمره رسوله ﷺ، خيول المسلمين تخوم البلقاء والداروم من أرض فلسطين ووضع خطواته الأولى على الطريق التي سيجتازها الفاتحون عما قريب صوب بلاد الشام، يحملون معهم تعاليم الإسلام ونداء رسوله الكريم..
_________________
(١) ابن هشام ص ٣٨٦- ٣٨٧، ٣٨٨.
(٢) ابن هشام ص ٤٠٤.
[ ٢٦٤ ]