الْفَصْلُ الْخَامِسَ عَشَرَ ذِكْرُ أَخْذِ الْقُرْآنِ وَرُؤْيَةِ النَّبِيِّ ﷺ بِالْقُلُوبِ حَتَّى دَخَلَ كَثِيرٌ مِنَ الْعُقَلَاءِ فِي الْإِسْلَامِ فِي أَوَّلِ الْمُلَاقَاةِ إِنَّ اللَّهَ ﷿ جَلَّتْ عَظَمَتُهُ أَيَّدَ مُحَمَّدًا ﷺ بِمَا لَمْ يُؤَيِّدْ بِهِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ وَخَصَّهُ مِنْ خَصَائِصِهِ بِمَا يَفُوقُ حَدَّ كَرَامَاتِ الْأَنْبِيَاءِ وَمَرَاتِبِ الْأَوْلِيَاءِ فَكَانَتْ عَلَامَاتُ النُّبُوَّةِ عَلَى حَسَبِ مَنْزِلَتِهِ وَمَحَلِّهِ عِنْدَ اللَّهِ فَلَيْسَ مِنْ آيَةٍ وَلَا عَلَامَةٍ أَبْدَعَ وَلَا أَرْوَعَ مِنْ آيَاتِ محمدٍ ﷺ وَهُوَ الْقُرْآنُ الْمُبِينُ وَالذِّكْرُ الْحَكِيمُ وَالْكِتَابُ الْعَزِيزُ لَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا قَيِّمًا أَنْزَلَهُ عَلَيْهِ فِي أَوَانٍ وَزَمَانٍ فِيهِ الْخَلْقُ الْكَثِيرُ وَالْجَمُّ الْغَفِيرُ أُولُو الْأَحْلَامِ وَالنُّهَى وَالْأَفْهَامِ وَالْأَلْسُنِ الْحِدَادِ وَالْقَرَائِحِ الْجِيَادِ وَالْعُقُولِ السِّدَادِ أُولُو الْحُنْكِ وَالتَّجَارِيبِ وَالدَّهَاءِ وَالْمَكْرِ فَلَمَّا سَمِعُوا الْقُرْآنَ قَدَّرُوا أَنَّ فِيَ وُسْعِهِمْ مُعَارَضَتَهُ فَقَالُوا: ﴿لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الأنفال: ٣١] فَتَحَدَّاهُم ﷺ بِالْقُرْآنِ يَقْرَعُ بِهِ أَسْمَاعَهُمْ مَعَ مَا لَهُمْ مِنَ الْفَصَاحَةِ وَاللِّسَانِ وَالْبَلَاغَةِ وَالْبَيَانِ أَنْ يَأْتُوا بِسُورَةٍ يَخْتَرِعُونَهَا بِأَهْوَنِ سَعْيٍ وَأَدْنَى
[ ٢٢٩ ]
كُلْفَةٍ وَأَنَّى لَهُمْ ذَلِكَ وَاللَّهُ يَقُولُ: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨] مَعَ دُعَائِهِ ﷺ إِيَّاهُمْ أَنْ يَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ فَلَمْ يَقْدِرُوا لِأَنَّ كَلَامَ اللَّهِ الْمُنَزَّلَ عَلَيْهِ هُوَ كَمَا أَخْبَرَ اللَّهُ ﷿ عَنْهُ: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ﴾ [الطارق: ١٤] وَقَالَ: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج: ٢١]
[ ٢٣٠ ]
١٨٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْحَسَنِ قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ: ثنا مِنْجَابُ بْنُ الْحَارِثِ قَالَ: ثنا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنِ الْأَجْلَحِ، عَنِ الذَّيَّالِ بْنِ حَرْمَلَةَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: اجْتَمَعَتْ قُرَيْشٌ يَوْمًا فَقَالُوا: انْظُرُوا أَعْلَمَكُمْ بِالسِّحْرِ وَالْكَهَانَةِ وَالشِّعْرِ فَلْيَأْتِ هَذَا الرَّجُلَ الَّذِي فَرَّقَ جَمَاعَتَنَا وَشَتَّتَ أَمْرَنَا وَعَابَ دِينَنَا فَلْيُكَلِّمْهُ فَلْيَنْظُرْ مَاذَا يَرُدُّ عَلَيْهِ فَقَالُوا: مَا نَعْلَمُ أَحَدًا غَيْرَ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ فَقَالُوا: أَنْتَ يَا أَبَا الْوَلِيدِ فَأَتَاهُ عُتْبَةُ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ أَنْتَ خَيْرٌ أَمْ عَبْدُ اللَّهِ؟ فَسَكَتَ ثُمَّ قَالَ: أَنْتَ خَيْرٌ أَمْ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ؟ فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، [ثُمَّ قَالَ: أَنْتَ خَيْرٌ أَمْ هَاشِمٌ؟ فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ] قَالَ: فَإِنْ كُنْتَ تَزْعُمُ أَنَّ هَؤُلَاءِ خَيْرٌ مِنْكَ فَقَدْ عَبَدُوا الْآلِهَةَ الَّتِي عِبْتَهَا وَإِنْ كُنْتَ تَزْعُمُ أَنَّكَ خَيْرٌ مِنْهُمْ فَتَكَلَّمْ حَتَّى نَسْمَعَ قَوْلَكَ مَا رَأَيْنَا سَخْلَةً قَطُّ أَشْأَمَ عَلَى قَوْمِكَ مِنْكَ فَرَّقْتَ جَمَاعَتَنَا وَشَتَّتَ أَمْرَنَا وَفَضَحْتَنَا فِي الْعَرَبِ حَتَّى لَقَدْ طَارَ فِيهِمْ أَنَّ فِيَ قُرَيْشٍ سَاحِرًا وَأَنَّ فِي قُرَيْشٍ كَاهِنًا وَاللَّهِ مَا نَنْتَظِرُ إِلَّا مِثْلَ صَيْحَةِ ⦗٢٣١⦘ الْحُبْلَى أَنْ يَقُومَ بَعْضُنَا إِلَى بَعْضٍ بِالسُّيُوفِ حَتَّى نَتَفَانَى أَيُّهَا الرَّجُلُ إِنْ كَانَ إِنَّمَا بِكَ الْبَاءَةُ فَاخْتَرْ أَيَّ نِسَاءِ قُرَيْشٍ فَلْنُزَوِّجْكَ عَشْرًا وَإِنْ كَانَ إِنَّمَا بِكَ الْحَاجَةُ جَمَعْنَا لَكَ حَتَّى تَكُونَ أَغْنَى قُرَيْشٍ رَجُلًا وَاحِدًا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " فَرَغْتَ؟ قَالَ: نَعَمْ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿حم تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ﴾ [فصلت: ٢] حَتَّى قَرَأَ: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ [فصلت: ١٣] فَقَالَ لَهُ عُتْبَةُ: حَسْبُكَ مَا عِنْدَكَ غَيْرُ هَذَا؟ قَالَ: لَا. فَرَجَعَ إِلَى قُرَيْشٍ فَقَالُوا: مَا وَرَاءَكَ؟ قَالَ: مَا تَرَكْتُ شَيْئًا أَرَى أَنَّكُمْ تُكَلِّمُونَهُ إِلَّا وَقَدْ كَلَّمْتُهُ قَالُوا: فَهَلْ أَجَابَكَ؟ قَالَ: نَعَمْ قَالَ: لَا وَالَّذِي نَصَبَهَا بِنْيَةً، مَا فَهِمْتُ شَيْئًا مِمَّا قَالَ غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: ﴿أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ [فصلت: ١٣] قَالُوا: وَيْلَكَ يُكَلِّمُكَ رَجُلٌ بِالْعَرَبِيَّةِ لَا تَدْرِي مَا قَالَ؟ قَالَ: لَا وَاللَّهِ مَا فَهِمْتُ شَيْئًا مِمَّا قَالَ غَيْرَ ذِكْرِ الصَّاعِقَةِ"
[ ٢٣٠ ]
١٨٣ - حَدَّثَنَا حَبِيبُ بْنُ الْحَسَنِ قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ يُحْيِي الْمَرْوَزِيُّ قَالَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَيُّوبَ قَالَ: ثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي مُحَمَّدٍ مَوْلَى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ عَنْ عِكْرِمَةَ أَوْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: أَنَّ الْوَلِيدَ بْنَ الْمُغِيرَةِ اجْتَمَعَ إِلَيْهِ نَفَرٌ مِنْ قُرَيْشٍ وَكَانَ ذَا سِنٍّ فِيهِمْ وَقَدْ حَضَرَ الْمَوْسِمُ فَقَالَ لَهُمْ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ إِنَّهُ قَدْ حَضَرَ الْمَوْسِمُ وَإِنَّ وُفُودَ الْعَرَبِ سَتَقْدُمُ عَلَيْكُمْ فِيهِ وَقَدْ سَمِعُوا بِأَمْرِ صَاحِبِكُمْ هَذَا فَأَجْمِعُوا فِيهِ رَأْيًا وَاحِدًا وَلَا تَخْتَلِفُوا فَيُكَذِّبُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَيَرُدُّ قَوْلُكُمْ بَعْضَهُ بَعْضًا قَالُوا: فَأَنْتَ يَا أَبَا عَبْدِ شَمْسٍ فَقُلْ وَأَقِمْ لَنَا رَأْيًا نَقُلْ بِهِ فَقَالَ: بَلْ أَنْتُمْ فَقُولُوا وَأَسْمَعُ قَالُوا: نَقُولُ إِنَّهُ كَاهِنٌ قَالَ: مَا هُوَ بِكَاهِنٍ لَقَدْ رَأَيْنَا الْكُهَّانَ فَمَا هُوَ بِزَمْزَمَةِ الْكَاهِنِ وَلَا سَجْعِهِ قَالُوا: فَنَقُولُ: إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ قَالَ: مَا هُوَ بِمَجْنُونٍ لَقَدْ رَأَيْنَا الْجُنُونَ وَعَرَفْنَاهُ فَمَا هُوَ بِخَنْقِهِ وَلَا تَخَالُجِهِ وَلَا وَسْوَسَتِهِ قَالُوا: فَنَقُولُ إِنَّهُ شَاعِرٌ، قَالَ مَا هُوَ بِشَاعِرٍ لَقَدْ عَرَفْنَا الشِّعْرَ كُلَّهُ رَجَزَهَ وَهَزَجَهُ وَقَرِيضَهُ وَمَقْبُوضَهُ وَمَبْسُوطَهُ فَمَا هُوَ بِالشَّاعِرِ قَالُوا: فَنَقُولُ سَاحِرٌ قَالَ: مَا هُوَ بِسَاحِرٍ لَقَدْ رَأَيْنَا السُّحَّارَ وَسِحْرَهُمْ فَمَا هُوَ بِنَفْثِهِمْ وَلَا عَقْدِهِمْ قَالُوا: فَمَا تَقُولُ يَا أَبَا عَبْدِ شَمْسٍ؟ قَالَ: وَاللَّهِ إِنَّ لِقَوْلِهِ لَحَلَاوَةً، وَإِنَّ أَصْلَهُ لَمُغْدِقٌ، وَإِنَّ فَرْعَهُ لَجَنَاةٌ وَمَا أَنْتُمْ بِقَائِلِينَ مِنْ هَذَا شَيْئًا إِلَّا عُرِفَ أَنَّهُ بَاطِلٌ وَإِنَّ أَقْرَبَ الْقَوْلِ فِيهِ لَأَنْ تَقُولُوا سَاحِرٌ يُفَرِّقُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَأَبِيهِ وَبَيْنَ الْمَرْءِ وَأَخِيهِ وَبَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَبَيْنَ الْمَرْءِ وَعَشِيرَتِهِ فَتَفَرَّقُوا عَنْهُ بِذَلِكَ ⦗٢٣٣⦘ رَوَاهُ يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ
[ ٢٣٢ ]
١٨٤ - وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَا: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْكَرِيمِ قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ الْعَوْفِيُّ قَالَ: ثنا أَبِي قَالَ: ثنا عَمِّي، عَنْ أبيه عَنْ عَطِيَّةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: " أَقْبَلَ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ عَلَى أَبِي بَكْرٍ يَسْأَلُهُ عَنِ الْقُرْآنِ فَلَمَّا أَخْبَرَهُ خَرَجَ عَلَى قُرَيْشٍ فَقَالَ: يَا عَجَبًا لِمَا يَقُولُ ابْنُ أَبِي كَبْشَةَ فَوَاللَّهِ مَا هُوَ بِشِعْرٍ وَلَا سِحْرٍ وَلَا بِهُذَاءِ مِثْلِ الْجُنُونِ وَإِنَّ قَوْلَهُ لَمِنْ كَلَامِ اللَّهِ فَلَمَّا سَمِعَ بِذَلِكَ النَّفَرُ مِنْ قُرَيْشٍ ائْتَمِرُوا وَقَالُوا: وَاللَّهِ لَئِنْ صَبَأَ الْوَلِيدُ لَتَصْبُوَنَّ قُرَيْشٌ فَلَمَّا سَمِعَ بِذَلِكَ أَبُو جَهْلٍ قَالَ: وَاللَّهِ أَنَا أَكْفِيكُمْ شَأْنَهُ فَانْطَلَقَ حَتَّى دَخَلَ عَلَيْهِ بَيْتَهُ فَقَالَ لِلْوَلِيدِ أَلَمْ تَرَ قَوْمَكَ قَدْ جَمَعُوا لَكَ الصَّدَقَةَ قَالَ: أَلَسْتُ أَكْثَرَهُمْ مَالًا وَوَلَدًا؟ قَالَ أَبُو جَهْلٍ: يَتَحَدَّثُونَ أَنَّكَ إِنِّمَا تَدْخُلُ عَلَى ابْنِ أَبِي قُحَافَةَ فَتُصِيبُ مِنْ طَعَامِهِ قَالَ الْوَلِيدُ: قَدْ تَحَدَّثَتْ بِهِ عَشِيرَتِي فَلَا أَقْرَبُ أَبَا بَكْرٍ وَلَا عُمَرَ "
[ ٢٣٣ ]
١٨٥ - حَدَّثَنَا الْقَاضِي أَبُو أَحْمَدَ قَالَ: ثنا مُوسَى بْنُ إِسْحَاقَ قَالَ: ثنا دَاوُدُ بْنُ عُمَرَ قَالَ: ثنا أَبُو رَاشِدٍ صَاحِبُ الْمَغَازِي وَاسْمُهُ الْمُثَنَّى بْنُ زُرْعَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ قَالَ: ثنا نَافِعٌ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: أنَّ قُرَيْشًا اجْتَمَعَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَالِسٌ فِي الْمَسْجِدِ فَقَالَ عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ لَهُمْ: دَعُونِي حَتَّى أَقُومَ إِلَيْهِ أُكَلِّمَهُ فِإِنِّي ⦗٢٣٤⦘ عَسَى أَنْ أَكُونَ أَرْفَقَ بِهِ مِنْكُمْ فَقَامَ عُتْبَةُ حَتَّى جَلَسَ إِلَيْهِ فَقَالَ: يَا ابْنَ أَخِي أَرَاكَ أَوْسَطَنَا بَيْتًا وَأَفْضَلَنَا مَكَانًا وَقَدْ أَدْخَلْتَ عَلَى قَوْمِكَ مَا لَمْ يُدْخِلْ رَجُلٌ عَلَى قَوْمِهِ مِثْلَهُ فِإِنْ كُنْتَ تَطْلُبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ مَالًا فَذَلِكَ لكَ عَلَى قَوْمِكَ أَنْ يُجْمَعَ لَكَ حَتَّى تَكُونَ أَكْثَرَنَا مَالًا وَإِنْ كُنْتَ تَطْلُبُ شَرَفًا فَنَحْنُ نُشَرِّفُكَ حَتَّى لَا يَكُونَ أَحَدٌ مِنْ قَوْمِكَ أَشْرَفَ مِنْكَ وَلَا نَقْطَعَ أَمْرًا دُونَكَ وَإِنْ كَانَ هَذَا عَنْ مُلِمٍّ يُصِيبُكَ فَلَا تَقْدِرُ عَلَى النُّزُوعِ مِنْهُ بَذَلْنَا لَكَ خَزَائِنَنَا حَتَّى نُعْذَرَ فِي طَلَبِ الطِّبِّ لِذَلِكَ مِنْكَ وَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ مُلْكًا مَلَّكْنَاكَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " أَفَرَغْتَ يَا أَبَا الْوَلِيدِ؟ قَالَ: نَعَمْ فَقَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حم السَّجْدَةَ حَتَّى مَرَّ بِالسَّجْدَةِ فَسَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَعُتْبَةُ مُلْقٍ يَدَهُ خَلْفَ ظَهْرِهِ حَتَّى فَرَغَ مِنْ قِرَاءَتِهَا ثُمَّ قَامَ عُتْبَةُ مَا يَدْرِي مَا يَرْجِعُ بِهِ إِلَى نَادِي قَوْمِهِ فَلَمَّا رَأَوْهُ مُقْبِلًا قَالُوا: لَقَدْ رَجَعَ إِلَيْكُمْ بِوَجْهٍ غَيْرِ مَا قَامَ مِنْ عِنْدِكُمْ فَجَلَسَ إِلَيْهِمْ فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ قَدْ كَلَّمْتُهُ بِالَّذِي أَمَرْتُمُونِي بِهِ حَتَّى إِذَا فَرَغْتُ كَلَّمَنِي بِكَلَامٍ لَا وَاللَّهِ مَا سَمِعَتْ أُذُنَايَ مِثْلَهُ قَطُّ وَمَا دَرَيْتُ مَا أَقُولُ لَهُ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ فَأَطِيعُونِي الْيَوْمَ وَأعْصُونِي فِيمَا بَعْده وَاتْرُكُوا الرَّجُلَ وَاعْتَزِلُوهُ فَوَاللَّهِ مَا هُوَ بِتَارِكٍ مَا هُوَ عَلَيْهِ وَخَلُّوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَائِرِ الْعَرَبِ فَإِنْ يَظْهَرْ عَلَيْهِمْ يَكُنْ شَرَفُهُ شَرَفَكُمْ وَعِزُّهُ عِزَّكُمْ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْهِ تَكُونُوا قَدْ كُفِيتُمُوهُ بِغَيْرِكُمْ قَالُوا: صَبَأْتَ يَا أَبَا الْوَلِيدِ "
[ ٢٣٣ ]
١٨٦ - حَدَّثَنَا أَبِي وَأَبُو مُحَمَّدِ بْنُ حَيَّانَ قَالَا: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عِمْرَانَ قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُمَرَ قَالَ: ثنا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرٍو، عَنْ عِكْرِمَةَ ⦗٢٣٥⦘: أَنَّ الْوَلِيدَ بْنَ الْمُغِيرَةِ قَالَ: قَدْ سَمِعْتُ الشِّعْرَ رَجَزَهُ وَقَرِيضَهُ وَمُخَمَّسَهُ فَمَا سَمِعْتُ مِثْلَ هَذَا الْكَلَامِ يَعْنِي الْقُرْآنَ مَا هُوَ بِشِعْرٍ إِنَّ لَهُ لَحَلَاوَةً وَإِنَّ عَلَيْهِ لَطَلَاوَةً وَإِنَّ لَهُ لَنُورًا وَإِنَّ لَهُ لَفَرْعًا وَإِنَّهُ لَيَعْلُو وَمَا يُعْلَى "
[ ٢٣٤ ]
١٨٧ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْحَسَنِ قَالَ: ثنا الْحَسَنُ بْنُ الْجَهْمِ قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ بْنُ الْفَرَجِ قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ الْوَاقِدِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَلِيطٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْعَدَوِيِّ قَالَ: قَالَ ضِمَادٌ: قَدِمْتُ مَكَّةَ مُعْتَمِرًا فَجَلَسْتُ مَجْلِسًا فِيهِ أَبُو جَهْلٍ وَعُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ وَأُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ: هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي فَرَّقَ جَمَاعَتَنَا وَسَفَّهَ أَحْلَامَنَا وَأَضَلَّ مَنْ مَاتَ مِنَّا وَعَابَ آلِهَتَنَا فَقَالَ أُمَيَّةُ: الرَّجُلُ مَجْنُونٌ غَيْرَ شَكٍّ قَالَ ضِمَادٌ: فَوَقَعَتْ فِي نَفْسِي كَلِمَتُهُ وَقُلْتُ: إِنِّي رَجُلٌ أُعَالِجُ مِنَ الرِّيحِ فَقُمْتُ مِنْ ذَلِكَ الْمَجْلِسِ أَطْلُبُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَلَمْ أُصَادِفْهُ ذَلِكَ الْيَوْمِ حَتَّى كَانَ الْغَدُ فَجِئْتُهُ فَوَجَدْتُهُ جَالِسًا خَلْفَ الْمَقَامِ يُصَلِّي فَجَلَسْتُ حَتَّى فَرَغَ ثُمَّ جِئْتُ إِلَيْهِ فَقُلْتُ: يَا ابْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَأَقْبَلَ عَلَيَّ فَقَالَ: مَا تَشَاءُ؟ فَقلتُ: إِنِّي أُعَالِجُ مِنَ الرِّيحِ فَإِنْ أَحْبَبْتَ عَالَجْتُكَ وَلَا تُكَبِّرَنَّ مَا بِكَ فَقَدْ عَالَجْتُ مَنْ كَانَ بِهِ أَشَدُّ مِمَّا بِكَ فَبَرَأَ وَسَمِعْتُ قَوْمَكَ يَذْكُرُونَ فِيكَ خِصَالًا سَيِّئَةً مِنْ تَسْفِيهِ أَحْلَامِهِمْ وَتَفْرِيقِ جَمَاعَتِهِمْ وَتَضْلِيلِ مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ وَعَيْبِ آلِهَتِهِمْ فَقُلْتُ: مَا فَعَلَ هَذَا إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " الْحَمْدُ لِلَّهِ أَحْمَدُهُ وَأَسْتَعِينُهُ وَأُؤْمِنُ بِهِ ⦗٢٣٦⦘ وَأَتَوَكَّلُ عَلَيْهِ مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ قَالَ ضِمَادٌ: فَسَمِعْتُ كَلَامًا لَمْ أَسْمَعْ كَلَامًا قَطُّ أَحْسَنَ مِنْهُ فَاسْتَعَدْتُهُ الْكَلَامَ فَأَعَادَ عَلَيَّ فَقُلْتُ: إِلَام تَدْعُو؟ قَالَ: إِلَى أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَتَخْلَعَ الْأَوْثَانَ مِنْ رَقَبَتِكَ وَتَشْهَدَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ فَقُلْتُ: فَمَاذَا لِي إِنْ فَعَلْتُ؟ قَالَ: لَكَ الْجَنَّةُ فَقُلْتُ: فَإِنِّي أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَخْلَعُ الْأَوْثَانَ مِنْ رَقَبَتِي وَأَبْرَأُ مِنْهَا وَأَشْهَدُ أَنَّكَ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ فَأَقَمْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى عَلِمْتُ سُوَرًا كَثِيرَةً مِنَ الْقُرْآنِ ثُمَّ رَجَعْتُ إِلَى قَوْمِي قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْعَدَوِيُّ: فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ فِي سَرِيَّةٍ وَأَصَابُوا عِشْرِينَ بَعِيرًا بِمَوْضِعٍ وَاسْتَاقُوهَا وَبَلَغَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ أَنَّهُمْ قَوْمُ ضِمَادٍ فَقَالَ: رُدُّوهَا إِلَيْهِمْ فَرُدَّتْ "
[ ٢٣٥ ]
١٨٨ - حَدَّثَنَا أَبُو عَمْرِو بْنُ حَمْدَانَ قَالَ: ثنا الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ: ثنا زَكَرِيَّا بْنُ يُحْيِي قَالَ: ثنا هُشَيْمٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أَتَيْتُ النبي ﷺ لِأُكَلِّمَهُ فِي أُسَارَى بَدْرٍ قَالَ: " فَوَافَقْتُهُ يُصَلِّي بِأَصْحَابِهِ صَلَاةَ عِشَاءِ الْمَغْرِبِ قَالَ: فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ﴾ [الطور: ٨] قَالَ: فَكَأَنَّمَا صُدِعَ قَلْبِي "
[ ٢٣٦ ]
١٨٩ - حَدَّثَنَا أَبُو عَمْرِو بْنُ حَمْدَانَ قَالَ: ثنا الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ: ثنا هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ أَنَّ ابْنَ شِهَابٍ أَخْبَرَهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّهُ جَاءَ فِي فِدَاءِ أُسَارَى أَهْلِ بَدْرٍ قَالَ: " فَوَافَقْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ فِي صَلَاةِ الْمَغْرِبِ: وَالطُّورِ وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ فَأَخَذَنِي مِنْ قِرَاءَتِهِ كَالْكَرْبِ فَكَانَ ذَلِكَ أَوَّلَ مَا سَمِعْتُ مِنَ أَمْرِ الْإِسْلَامِ "
[ ٢٣٧ ]
١٩٠ - حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ قَالَ: ثنا أَبُو خَلِيفَةَ قَالَ: ثنا الْعَبَّاسُ بْنُ الْفَرَجِ الرِّيَاشِيُّ قَالَ: ثنا أَبُو أَيُّوبَ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ الْمُقْرِي قَالَ: ثنا الْحَكَمُ بْنُ ظُهَيْرٍ، عَنِ السَّرِيِّ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: وَفَدَ مُلُوكُ حَضْرَمَوْتَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَنُو وَلِيعَةَ جَمَدُ وَمِخْوَسٌ وَمِشْرَحٌ وَإِبْضَعَةُ وَأُخْتُهُمُ الْعَمْرَدَةُ وَفِيهِمُ الْأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ وَهُوَ أَصْغَرُهُمْ فَقَالُوا: أَبَيْتَ اللَّعْنَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَسْتُ مَلِكًا، إِنَّمَا أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ» قَالُوا: لَا نُسَمِّيكَ بِاسْمِكَ، قَالَ: «لَكِنَّ اللَّهَ سَمَّانِي، وَأَنَا أَبُو الْقَاسِمِ» َقَالُوا: يَا أَبَا الْقَاسِمِ إِنَّا قَدْ خَبَأْنَا لَكَ خَبَأً فَمَا هُوَ؟ وَكَانُوا خَبَأُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَيْنَ جَرَادَةٍ فِي حُمَيْتِ سَمْنٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «سُبْحَانَ اللَّهِ، إِنَّمَا يَفْعَلُ ذَلِكَ الْكُهَّانُ، وَالْكَهَانَةُ وَالتَّكَهُّنُ فِي النَّارِ» قَالُوا: كَيْفَ نَعْلَمُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ؟ فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَفًّا مِنْ حَصًى فَقَالَ: «هَذَا يَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ» فَسَبَّحَ الْحَصَى فِي يَدِهِ فَقَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، قَالَ: «إِنَّهُ قَدْ بَعَثَنِي بِالْحَقِّ، وَأَنْزَلَ كِتَابًا لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا ⦗٢٣٨⦘ مِنْ خَلْفِهِ، أَثْقَلَ فِي الْمِيزَانِ مِنَ الْجَبَلِ الْعَظِيمِ، وَفِي اللَّيْلَةِ الظَّلْمَاءِ فِي مِثْلِ نُورِ الشِّهَابِ» قَالُوا: فَأَسْمِعْنَا مِنْهُ، فَتَلَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَالصَّافَّاتِ صَفًّا حَتَّى بَلَغَ ﴿وَرَبِّ الْمَشَارِقِ﴾ [الصافات: ٥] ثُمَّ سَكَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَسَكَنَ رُوحُهُ فَمَا يَتَحَرَّكُ مِنْهُ شَيْءٌ وَدُمُوعُهُ تَجْرِي عَلَى لِحْيَتِهِ فَقَالُوا: إِنَّا نَرَاكَ تَبْكِي أَفَمِنْ مَخَافَةِ مَنْ أَرْسَلَكَ تَبْكِي؟ قَالَ: " إِنَّ خَشْيَتِي مِنْهُ أَبْكَتْنِي بَعَثَنِي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ فِي مِثْلِ حَدِّ السَّيْفِ إِنْ زُغْتُ مِنْهُ هَلَكْتُ ثُمَّ تَلَا: ﴿وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ [الإسراء: ٨٦] إِلَى آخِرِهَا "
[ ٢٣٧ ]
١٩١ - حَدَّثَنَا ابْنُ الْحَسَنِ قَالَ: ثنا يَحْيَى الْمَرْوَزِيُّ قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَيُّوبَ قَالَ: ثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ قَالَ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى مَا يَرَى مِنْ قَوْمِهِ يَبْذُلُ لَهُمُ النَّصِيحَةَ وَيَدْعُوهُمْ إِلَى النَّجَاةِ مِمَّا هُمْ فِيهِ وَجَعَلَتْ قُرَيْشٌ حِينَ مَنَعَهُ اللَّهُ مِنْهُمْ يُحَذِّرُونَهُ النَّاسَ وَمَنْ قَدِمَ عَلَيْهِمْ مِنَ الْعَرَبِ وَكَانَ طُفَيْلُ بْنُ عَمْرَةَ الدَّوْسِيُّ يُحَدِّثُ أَنَّهُ قَدِمَ مَكَّةَ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِهَا وَمَشَى إِلَيْهِ رِجَالٌ مِنْ قُرَيْشٍ وَكَانَ الطُّفَيْلُ رَجُلًا شَرِيفًا شَاعِرًا لَبِيبًا فَقَالُوا لَهُ: يَا طُفَيْلُ إِنَّكَ قَدِمْتَ بِلَادَنَا فَهَذَا الَّذِي بَيْنَ أَظْهُرِنَا قَدْ أَعْضَلَ بِنَا فَرَّقَ جَمَاعَتَنَا وَإِنَّمَا قَوْلُهُ كَالسَّحَرَةِ يُفَرِّقُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَبَيْنَ أَبِيهِ وَبَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ أَخِيهِ وَبَيْنَ الرَّجُلِ ⦗٢٣٩⦘ وَزَوْجَتِهِ وَإِنَّمَا نَخْشَى عَلَيْكَ وَعَلَى قَوْمِكَ مَا قَدْ دَخَلَ عَلَيْنَا فَلَا تُكَلِّمْهُ وَلَا تَسْمَعْ مِنْهُ قَالَ: فَوَاللَّهِ مَا زَالُوا بِي حَتَّى أَجْمَعْتُ عَلَى أَلَّا أَسْمَعَ مِنْهُ شَيْئًا وَلَا أُكَلِّمَهُ حَتَّى حَشَوْتُ أُذُنِي حِينَ غَدَوْتُ إِلَى الْمَسْجِدِ كُرْسُفًا فَرَقًا مِنْ أَنْ يَبْلُغَنِي مِنْ قَوْلِهِ وَأَنَا لَا أُرِيدُ أَنْ أَسْمَعَهُ قَالَ: فَغَدَوْتُ إِلَى الْمَسْجِدِ فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَائِمٌ يُصَلِّي عِنْدَ الْكَعْبَةِ قَالَ: فَقُمْتُ قَرِيبًا مِنْهُ فَأَبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُسْمِعَنِي بَعْضَ قَوْلِهِ: قَالَ: فَسَمِعْتُ كَلَامًا حَسَنًا قَالَ: فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: وَاثُكْلَ أُمِّي إِنِّي لَرَجُلٌ لَبِيبٌ شَاعِرٌ مَا يَخْفَى عَلَيَّ الْحَسَنُ مِنَ الْقَبِيحِ فَمَا يَمْنَعُنِي أَنْ أَسْمَعَ مِنْ هَذَا الرَّجُلِ مَا يَقُولُ فَإِنْ كَانَ الَّذِي يَأْتِي بِهِ حَسَنًا قَبِلْتُهُ وَإِنْ كَانَ قَبِيحًا تَرَكْتُهُ فَمَكَثْتُ حَتَّى انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى بَيْتِهِ فَاتَّبَعْتُهُ حَتَّى إِذَا دَخَلَ بَيْتَهُ دَخَلْتُ عَلَيْهِ فَقُلْتُ: يَا مُحَمَّدُ إِنَّ قَوْمَكَ قَالُوا لِي: كَذَا وَكَذَا - الَّذِي قَالُوا لِي - فَوَاللَّهِ مَا بَرِحُوا يُخَوِّفُونِي أَمْرَكَ حَتَّى شَدَدْتُ أُذُنَيَّ بُكُرْسُفٍ لِئَلَّا أَسْمَعَ قَوْلَكَ ثُمَّ أَبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُسْمِعَنِيَهُ فَسَمِعْتُ قَوْلًا حَسَنًا فَاعْرِضْ عَلَيَّ أَمْرَكَ فَعَرَضَ عَلَيَّ الْإِسْلَامَ وَتَلَا عَلَيَّ الْقُرْآنَ قَالَ: فَوَاللَّهِ مَا سَمِعْتُ قَوْلًا قَطُّ أَحْسَنَ وَلَا أَمْرًا أَعْدَلَ مِنْهُ قَالَ: فَأَسْلَمْتُ وَشَهِدْتُ شَهَادَةَ الْحَقِّ وَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ إِنِّي امْرُؤٌ مُطَاعٌ فِي قَوْمِي وَأَنَا رَاجِعٌ إِلَيْهِمْ وَدَاعِيهِمْ إِلَى الْإِسْلَامِ فَادْعُ اللَّهَ لِي أَنْ يَجْعَلَ لِي آيَةً تَكُونُ لِي عَوْنًا عَلَيْهِمْ فِيمَا أَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ قَالَ: فَقَالَ: اللَّهُمَّ اجْعَلْ لَهُ آيَةً قَالَ: فَخَرَجْتُ إِلَى قَوْمِي حَتَّى إِذَا كُنْتُ بِثَنِيَّةٍ تُطْلِعُنِي عَلَى الْحَاضِرِ وَقَعَ نُورٌ بَيْنَ عَيْنَيَّ مِثْلُ الْمِصْبَاحِ قَالَ: فَقُلْتُ: اللَّهُمَّ فِي غَيْرِ وَجْهِي فَإِنِّي أَخْشَى أَنْ يَظُنُّوا أَنَّهَا مُثْلَةٌ وَقَعَتْ فِي وَجْهِي لِفِرَاقِي دِينَهُمْ ⦗٢٤٠⦘ قَالَ: فَتَحَوَّلَ فَوَقَعَ فِي رَأْسِ سَوْطِي فَجَعَلَ الْحَاضِرُ يَتَرَاءَوْنَ ذَلِكَ النُّورَ فِي سَوْطِي كَالْقِنْدِيلِ الْمُعَلَّقِ وَأَنَا هَابِطٌ إِلَيْهِمْ مِنَ الثَّنِيَّةِ حَتَّى جِئْتُهُمْ فَأَصْبَحْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا نَزَلْتُ أَتَانِي أَبِي وَكَانَ شَيْخًا كَبِيرًا قَالَ: فَقُلْتُ: إِلَيْكَ عَنِّي يَا أَبَتِ فَلَسْتَ مِنِّي وَلَسْتُ مِنْكَ قَالَ: وَلِمَ أَيْ بُنَيَّ؟ قَالَ: قُلْتُ: أَسْلَمْتُ وَتَابَعْتُ دِينَ مُحَمَّدٍ ﷺ قَالَ أَبِي: دِينِي دِينُكَ فَاغْتَسَلَ وَطَهَّرَ ثِيَابَهُ ثُمَّ جَاءَ فَعَرَضْتُ عَلَيْهِ الْإِسْلَامَ فَأَسْلَمَ قَالَ: ثُمَّ أَتَتْنِي صَاحِبَتِي فَقُلْتُ لَهَا: إِلَيْكِ عَنِّي فَلَسْتُ مِنْكِ وَلَسْتِ مِنِّي قَالَتْ: لِمَ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي؟ قَالَ: قُلْتُ: فَرَّقَ بَيْنِي وَبَيْنَكِ الْإِسْلَامُ أَسْلَمْتُ وَتَابَعْتُ دِينَ مُحَمَّدٍ ﷺ قَالَتْ: فَدِينِي دِينُكَ الْإِسْلَامُ فَأَسْلَمَتْ وَدَعَوْتُ دَوْسًا إِلَى الْإِسْلَامِ فَأَبْطَأُوا عَلَيَّ ثُمَّ جِئْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِمَكَّةَ فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ إِنَّهُ قَدْ غَلَبَنِي دَوْسٌ فَادْعُ اللَّهَ عَلَيْهِمْ فَقَالَ: اللَّهُمَّ اهْدِ دَوْسًا ارْجِعْ إِلَى قَوْمِكَ فَادْعُهُمْ وَارْفُقْ بِهِمْ قَالَ: فَرَجَعْتُ فَلَمْ أَزَلْ بِأَرْضِ دَوْسٍ أَدْعُوهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ حَتَّى هَاجَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْمَدِينَةِ وَقَضَى بَدْرًا وَأُحُدًا وَالْخَنْدَقَ ثُمَّ قَدِمْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِمَنْ أَسْلَمَ مَعِي مِنْ قَوْمِي وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِخَيْبَرَ حَتَّى نَزَلْتُ الْمَدِينَةَ بِسَبْعِينَ أَوْ ثَمَانِينَ بَيْتًا مِنْ دَوْسٍ "
[ ٢٣٨ ]
وَمِمَّا يَدْخُلُ فِي الْبَابِ مَنْ أَخَذَ الْقُرْآنَ بِالْقُلُوبِ ⦗٢٤١⦘ إِسْلَامُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁
[ ٢٤٠ ]
١٩٢ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ: ثنا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ صَالِحٍ قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ أَبَانَ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبَانَ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: سَأَلْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁: لِأَيِّ شَيْءٍ سُمِّيتَ الْفَارُوقَ؟ قَالَ: " أَسْلَمَ حَمْزَةُ قَبْلِي بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَخَرَجْتُ بَعْدَهُ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فَإِذَا فُلَانٌ ابْنُ فُلَانٍ الْمَخْزُومِيُّ قُلْتُ لَهُ: أَرَغِبْتَ عَنْ دِينِ آبَائِكَ وَاتَّبَعْتَ دِينَ مُحَمَّدٍ؟ قَالَ: إِنْ فَعَلْتُ فَقَدْ فَعَلَهُ مَنْ هُوَ أَعْظَمُ حَقًّا مِنِّي عَلَيْكَ قُلْتُ: مَنْ هُوَ؟ قَالَ: خَتَنُكَ وَأُخْتُكَ قَالَ: فَانْطَلَقْتُ فَوَجَدْتُ الْبَابَ مُغْلَقًا وَسَمِعْتُ هَمْهَمَةً قَالَ: فَفُتِحَ لِيَ الْبَابُ فَدَخَلْتُ فَقُلْتُ: مَا هَذَا الَّذِي أَسْمَعُ عِنْدَكُمْ؟ قَالُوا: مَا سَمِعْتَ شَيْئًا فَمَا زَالَ الْكَلَامُ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ حَتَّى أَخَذْتُ رَأْسَ خَتَنِي فَضَرَبْتُهُ ضَرْبَةً فَأَدْمَيْتُهُ فَقَامَتْ أُخْتِي فَأَخَذَتْ بِرَأْسِي فَقَالَتْ: قَدْ كَانَ ذَلِكَ ⦗٢٤٢⦘ عَلَى رَغِمَ أَنْفِكَ قَالَ: فَاسْتَحْيَيْتُ حِينَ رَأَيْتُ الدِّمَاءَ فَجَلَسْتُ وَقُلْتُ: أَرُونِي هَذَا الْكِتَابَ فَقَالَتْ أُخْتِي: إِنَّهُ لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ فَإِنْ كُنْتَ صَادِقًا فَقُمْ فَاغْتَسِلْ قَالَ: فَقُمْتُ فَاغْتَسَلْتُ وَجِئْتُ فَجَلَسْتُ فَأَخْرَجُوا إِلَيَّ الصَّحِيفَةَ فِيهَا: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ»، قُلْتُ: أَمَّا ظَاهِرُهُ طَيِّبٌ: ﴿طه مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾ [طه: ٢] إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [طه: ٨] قَالَ: فَتَعَظَّمَتْ فِي صَدْرِي وَقُلْتُ: مِنْ هَذَا فَرَّتْ قُرَيْشٌ؟ ثُمَّ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرِي لِلْإِسْلَامِ فَقُلْتُ: لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى، قَالَ: فَمَا فِي الْأَرْضِ نَسَمَةٌ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. قُلْتُ: أَيْنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ؟ قَالَتْ: عَلَيْكَ عَهْدُ اللَّهِ وَمِيثَاقُهُ أَنْ لَا تَجْبَهَهُ بِشَيْءٍ يَكْرَهُهُ قُلْتُ: نَعَمْ قَالَتْ: فَإِنَّهُ فِي دَارِ أَرْقَمَ بْنِ أَبِي أَرْقَمْ فِي دَارٍ عِنْدَ الصَّفَا فَأَتَيْتُ الدَّارَ وَحَمْزَةُ فِي أَصْحَابِهِ جُلُوسٌ فِي الدَّارِ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْبَيْتِ فَضَرَبْتُ الْبَابَ فَاسْتَجْمَعَ الْقَوْمُ فَقَالَ لَهُمْ حَمْزَةُ: مَا لَكُمْ؟ قَالُوا: عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ قَالَ: افْتَحُوا لَهُ الْبَابَ فَإِنْ قَبِلَ قَبِلْنَا مِنْهُ، وَإِنْ أَدْبَرَ قَتَلْنَاهُ، فَسَمِعَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «مَا لَكُمْ» قَالُوا: عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ قَالَ: فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَخَذَ بِمَجَامِعِ ثِيَابِهِ ثُمَّ نَتَرَهُ نَتْرَةً فَمَا تَمَالَكَ أَنْ وَقَعَ عَلَى رُكْبَتَيْهِ عَلَى الْأَرْضِ قَالَ: مَا أَنْتَ بِمُنْتَهٍ يَا عُمَرُ؟ قَالَ: قُلْتُ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ قَالَ: فَكَبَّرَ أَهْلُ الدَّارِ تَكْبِيرَةً سَمِعَهَا أَهْلُ الْمَسْجِدِ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَسْنَا عَلَى الْحَقِّ إِنْ مِتْنَا وَإِنْ حَيِينَا؟ قَالَ: بَلَى وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّكُمْ لَعَلَى الْحَقِّ إِنْ مُتُّمْ وَإِنْ حَيِيتُمْ قَالَ: فَقُلْتُ: فَفِيمَ الِاخْتِفَاءُ؟ وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَتَخْرُجَنَّ فَأَخْرَجْنَاهُ فِي صَفَّيْنِ حَمْزَةُ فِي أَحَدِهِمَا وَأَنَا فِي الْآخَرِ لَهُ كَدِيدٌ كَكَدِيدِ الطَّحِينِ حَتَّى دَخَلْنَا الْمَسْجِدَ، قَالَ: فَنَظَرَتْ إِلَيَّ قُرَيْشٌ وَإِلَى حَمْزَةَ ⦗٢٤٣⦘ فَأَصَابَتْهُمْ كَآبَةٌ لَمْ يُصِبْهُمْ مِثْلُهَا فَسَمَّانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْفَارُوقَ وَفَرَّقَ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ "
[ ٢٤١ ]
١٩٣ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ خَالِدٍ الْحَرَّانِيُّ قَالَ: ثنا أَبِي قَالَ: ثنا ابْنُ لَهِيعَةَ قَالَ: ثنا أَبُو الْأَسْوَدِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ فِي خُرُوجِ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَأَصْحَابِهِ إِلَى الْحَبَشَةِ قَالَ: فَبَعَثَتْ قُرَيْشٌ فِي آثَارِهِمْ عُمَارَةَ بْنَ الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ الْمَخْزُومِيَّ وَعَمْرَو بْنَ الْعَاصِ السَّهْمِيَّ وَأَمَرُوهُمَا أَنْ يُسْرِعَا السَّيْرَ حَتَّى يَسْبِقَاهُمْ إِلَى النَّجَاشِيِّ فَفَعَلَا فَقَدِمَا عَلَى النَّجَاشِيِّ فَدَخَلَا عَلَيْهِ فَقَالَا لَهُ: " إِنَّ هَذَا الرَّجُلَ الَّذِي بَيْنَ أَظْهُرِنَا وَأَفْسَدَ فِينَا تَنَاوَلَكَ لِيُفْسِدَ عَلَيْكَ دِينَكَ وَمُلْكَكَ وَأَهْلَ سُلْطَانِكَ وَنَحْنُ لَكَ نَاصِحُونَ وَأَنْتَ لَنَا عَيْبَةُ صِدْقٍ تَأْتِي إِلَى عَشِيرَتِنَا بِالْمَعْرُوفِ وَيَأْمَنُ تَاجِرُنَا عِنْدَكَ فَبَعَثَنَا قَوْمُنَا إِلَيْكَ لِنُنْذِرَكَ فَسَادَ مُلْكِكَ وَهَؤُلَاءِ نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِ الرَّجُلِ الَّذِي خَرَجَ فِينَا وَنُخْبِرُكَ بِمَا نَعْرِفُ مِنْ خِلَافِهِمُ الْحَقَّ أَنَّهُمْ لَا يَشْهَدُونَ أَنَّ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَحْسِبُهُ قَالَ: إِلَهًا وَلَا يَسْجُدُونَ لَكَ إِذَا دَخَلُوا عَلَيْكَ فَادْفَعْهُمْ إِلَيْنَا فَلَنَكْفِيَكَهُمْ فَلَمَّا قَدِمَ جَعْفَرٌ وَأَصْحَابُهُ وَهُمْ عَلَى ذَلِكَ مِنَ الْحَدِيثِ وَعَمْرٌو وَعُمَارَةُ عِنْدَ النَّجَاشِيِّ وَجَعْفَرٌ وَأَصْحَابُهُ عَلَى ذَلِكَ الْحَالِ قَالَ: فَلَمَّا رَأَوْا أَنَّ الرَّجُلَيْنِ قَدْ سَبَقَا وَدَخَلَا صَاحَ جَعْفَرٌ عَلَى الْبَابِ يَسْتَأْذِنُ حِزْبَ اللَّهِ فَسَمِعَهَا النَّجَاشِيُّ فَأَذِنَ لَهُمْ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ وَعَمْرُو وَعُمَارَةُ عِنْدَ النَّجَاشِيِّ قَالَ: أَيُّكُمْ صَاحَ عِنْدَ الْبَابِ؟ فَقَالَ جَعْفَرٌ: أَنَا هُوَ فَأَمَرَهُ فَعَادَ لَهَا فَلَمَّا دَخَلُوا سَلَّمُوا تَسْلِيمَ أَهْلِ الْإِيمَانِ وَلَمْ يَسْجُدُوا لَهُ فَقَالَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ وَعُمَارَةُ بْنُ الْوَلِيدِ: أَلَمْ نُبَيِّنْ لَكَ خَبَرَ الْقَوْمِ فَلَمَّا سَمِعَ النَّجَاشِيُّ ذَلِكَ أَقْبَلَ عَلَيْهِمْ فَقَالَ: أَخْبِرُونِي أَيُّهَا الرَّهْطُ مَا جَاءَ بِكُمْ وَمَا ⦗٢٤٤⦘ شَأْنُكُمْ وَلِمَ أَتَيْتُمُونِي وَلَسْتُمْ بِتُجَّارٍ وَلَا سُؤَّالٍ وَمَا نَبِيُّكُمْ هَذَا الَّذِي خَرَجَ وَأَخْبِرُونِي مَا لَكُمْ لِمَ لَا تُحَيُّونِي كَمَا يُحَيِّينِي مَنْ أَتَانِي مِنْ أَهْلِ بَلَدِكُمْ وَأَخْبِرُونِي مَا تَقُولُونَ فِي عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ؟ فَقَامَ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَكَانَ خَطِيبَ الْقَوْمِ فَقَالَ: إِنَّمَا كَلَامِي ثَلَاثُ كَلِمَاتٍ إِنْ صَدَقْتُ فَصَدِّقْنِي وَإِنْ كَذَبْتُ فَكَذِّبْنِي فَأْمُرْ أَحَدًا مِنْ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ فَلْيَتَكَلَّمْ وَلْيُنْصِتِ الْآخَرُ قَالَ عَمْرٌو: أَنَا أَتَكَلَّمُ قَالَ النَّجَاشِيُّ: أَنْتَ يَا جَعْفَرُ فَتَكَلَّمْ قَبْلَهُ فَقَالَ جَعْفَرٌ: إِنَّمَا كَلَامِي ثَلَاثُ كَلِمَاتٍ سَلْ هَذَا الرَّجُلَ أَعَبِيدٌ نَحْنُ أَبَقْنَا مِنْ أَرْبَابِنَا فَارْدُدْنَا إِلَى أَرْبَابِنَا فَقَالَ النَّجَاشِيُّ: أَعَبِيدٌ هُمْ يَا عَمْرُو؟ قَالَ عَمْرٌو: بَلْ أَحْرَارٌ كِرَامٌ قَالَ جَعْفَرٌ: سَلْ هَذَا الرَّجُلَ: هَلْ أَهْرَقْنَا دَمًا بِغَيْرِ حَقِّهِ فَادْفَعْنَا إِلَى أَهْلِ الدَّمِ فَقَالَ: هَلْ أَهْرَقُوا دَمًا بِغَيْرِ حَقِّهِ؟ فَقَالَ: وَلَا قَطْرَةً وَاحِدَةً مِنْ دَمٍ ثُمَّ قَالَ جَعْفَرٌ: سَلْ هَذَا الرَّجُلَ: أَخَذْنَا أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ فَعِنْدَنَا قَضَاءٌ؟ فَقَالَ النَّجَاشِيُّ: يَا عَمْرُو إِنْ كَانَ عَلَى هَؤُلَاءِ قِنْطَارٌ مِنْ ذَهَبٍ فَهُوَ عَلَيَّ فَقَالَ عَمْرٌو: وَلَا قِيرَاطٌ فَقَالَ النَّجَاشِيُّ: مَا تُطَالِبُونَهُمْ بِهِ؟ ⦗٢٤٥⦘ قَالَ عَمْرٌو: فَكُنَّا نَحْنُ وَهُمْ عَلَى دِينٍ وَاحِدٍ وَأَمْرٍ وَاحِدٍ فَتَرَكُوهُ وَلَزِمْنَاهُ فَقَالَ النَّجَاشِيُّ: مَا هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ عَلَيْهِ فَتَرَكْتُمُوهُ وَتَبِعْتُمْ غَيْرَهُ؟ فَقَالَ جَعْفَرٌ: أَمًّا الَّذِي كُنَّا عَلَيْهِ فَدِينُ الشَّيْطَانِ وَأَمْرُ الشَّيْطَانِ نَكْفُرُ بِاللَّهِ وَنَعْبُدُ الْحِجَارَةَ وَأَمَّا الَّذِي نَحْنُ عَلَيْهِ فَدِينُ اللَّهِ ﷿ نُخْبِرُكَ أَنَّ اللَّهَ بَعَثَ إِلَيْنَا رَسُولًا كَمَا بَعَثَ إِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا، فَأَتَانَا بِالصِّدْقِ وَالْبِرِّ وَنَهَانَا عَنْ عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ فَصَدَّقْنَاهُ وَآمَنَّا بِهِ وَاتَّبَعْنَاهُ، فَلَمَّا فَعَلْنَا ذَلِكَ عَادَانَا قَوْمُنَا وَأَرَادُوا قَتْلَ النَّبِيِّ الصَّادِقِ، وَرَدَّنَا فِي عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ، فَفَرَرْنَا إِلَيْكَ بِدِينِنَا وَدِمَائِنَا، وَلَوْ أَقَرَّنَا قَوْمُنَا لَاسْتَقْرَرْنَا، فَذَلِكَ خَبَرُنَا، وَأَمَّا شَأْنُ التَّحِيَّةِ فَقَدْ حَيَّيْنَاكَ بِتَحِيَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَالَّذِي يُحَيِّي بِهِ بَعْضُنَا بَعْضًا، أَخْبَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنَّ تَحِيَّةَ أَهْلِ الْجَنَّةِ السَّلَامُ، فَحَيَّيْنَاكَ بِالسَّلَامِ، وَأَمَّا السُّجُودُ فَمَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَسْجُدَ إِلَّا لِلَّهِ، وَأَنْ نَعْدِلَكَ بِاللَّهِ، وَأَمَّا فِي شَأْنِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ جَلَّ أَنْزَلَ فِي كِتَابِهِ عَلَى نَبِيِّنَا أَنَّهُ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ، وَلَدَتْهُ الصِّدِّيقَةُ الْعَذْرَاءُ الْبَتُولُ الْحَصَانُ، وَهُوَ رُوحُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ، وَهَذَا شَأْنُ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، فَلَمَّا سَمِعَ النَّجَاشِيُّ قَوْلَ جَعْفَرٍ أَخَذَ بِيَدِهِ عُودًا ثُمَّ قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ: صَدَقَ هَؤُلَاءِ النَّفَرُ وَصَدَقَ نَبِيُّهُمْ، وَاللَّهِ مَا يَزِيدُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ عَلَى مَا يَقُولُ هَذَا الرَّجُلُ وَلَا وَزْنَ هَذَا الْعُودِ، فَقَالَ لَهُمُ النَّجَاشِيُّ: امْكُثُوا فَإِنَّكُمْ سُيُومٌ، وَالسُّيُومُ آمِنُونَ، قَدْ مَنَعَكُمُ اللَّهُ، وَأَمَرَ لَهُمْ بِمَا يُصْلِحُهُمْ، فَقَالَ النَّجَاشِيُّ: أَيُّكُمْ أَدْرَسُ لِلْكِتَابِ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَى نَبِيِّكُمْ؟ قَالُوا: جَعْفَرٌ فَقَرَأَ عَلَيْهِمْ جَعْفَرٌ سُورَةَ مَرْيَمَ فَلَمَّا سَمِعَهَا عَرَفَ أَنَّهُ الْحَقُّ وَقَالَ النَّجَاشِيُّ ⦗٢٤٦⦘: زِدْنَا مِنْ هَذَا الْكَلَامِ الطَّيِّبِ، ثُمَّ قَرَأَ عَلَيْهِ سُورَةً أُخْرَى فَلَمَّا سَمِعَهَا عَرَفَ الْحَقَّ وَقَالَ: صَدَقْتُمْ وَصَدَقَ نَبِيُّكُمْ ﷺ، أَنْتُمْ وَاللَّهِ صِدِّيقُونَ، امْكُثُوا عَلَى اسْمِ اللَّهِ وَبَرَكَتِهِ آمِنَيْنَ مَمْنُوعِينَ، وَأُلْقِيَ عَلَيْهِمُ الْمَحَبَّةُ مِنَ النَّجَاشِيِّ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ عُمَارَةُ بْنُ الْوَلِيدِ وَعَمْرُو بْنُ الْعَاصِ سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمَا وَأَلْقَى اللَّهُ بَيْنَ عَمْرٍو وَعُمَارَةَ الْعَدَاوَةَ فِي مَسِيرِهِمَا قَبْلَ أَنْ يَقْدُمَا عَلَى النَّجَاشِيِّ لِيُدْرِكَا حَاجَتَهُمَا الَّتِي خَرَجَا لَهَا مِنْ طَلَبِ الْمُسْلِمِينَ، فَلَمَّا أَخْطَأَهُمَا ذَلِكَ رَجَعَا بِشَرِّ مَا كَانَا عَلَيْهِ مِنَ الْعَدَاوَةِ وَسُوءِ ذَاتِ الْبَيْنِ، فَمَكَرَ عَمْرٌو بِعُمَارَةَ فَقَالَ: يَا عُمَارَةُ، إِنَّكَ رَجُلٌ جَمِيلٌ وَسِيمٌ، فَأْتِ امْرَأَةَ النَّجَاشِيِّ فَتَحَدَّثْ عِنْدَهَا إِذَا خَرَجَ زَوْجُهَا تُصِيبُهَا فَتُعِينُنَا عَلَى النَّجَاشِيِّ، فَإِنَّكَ تَرَى مَا وَقَعْنَا فِيهِ مِنْ أَمْرِنَا لَعَلَّنَا نُهْلِكُ هَؤُلَاءِ الرَّهْطَ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ عُمَارَةُ انْطَلَقَ حَتَّى أَتَى امْرَأَةَ النَّجَاشِيِّ فَجَلَسَ إِلَيْهَا يُحَدِّثُهَا وَخَالَفَ عُمَرُو بْنُ الْعَاصِ إِلَى النَّجَاشِيِّ فَقَالَ: إِنِّي لَمْ أَكُنْ أَخُونُكَ فِي شَيْءٍ عَلِمْتُهُ إِذَا اطَّلَعْتُ عَلَيْهِ، وَإِنَّ صَاحِبِي الَّذِي رَأَيْتَ لَا يَتَمَالَكُ عَنِ الزِّنَا إِذَا هُوَ قَدَرَ عَلَيْهِ، وَإِنَّهُ قَدْ خَالَفَ إِلَى امْرَأَتِكَ، فَأَرْسَلَ النَّجَاشِيُّ إِلَى امْرَأَتِهِ فَإِذَا هُوَ عِنْدَهَا، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ أَمَرَ بِهِ فَنَفَخَ فِي إِحْلِيلِهِ سِحْرَهُ، ثُمَّ أُلْقِيَ فِي جَزِيرَةِ الْبَحْرِ فَعَادَ وَحْشِيًّا مَعَ الْوَحْشِ، يَرِدُ وَيَصْدُرُ مَعَهَا زَمَانًا حَتَّى ذُكِرَ لِعَشِيرَتِهِ، فَرَكِبَ أَخُوهُ فَانْطَلَقَ مَعَهُ بِنَفَرٍ مِنْ قَوْمِهِ فَرَصَدُوهُ حَتَّى إِذَا وَرَدَ أَوْثَقُوهُ فَوَضَعُوهُ فِي سَفِينَةٍ لِيَخْرُجُوا بِهِ، فَلَمَّا فَعَلُوا بِهِ ذَلِكَ مَاتَ، وَأَقْبَلَ عَمْرٌو إِلَى مَكَّةَ قَدْ أَهْلَكَ اللَّهُ صَاحِبَهُ وَمَنَعَ حَاجَتَهُ "
[ ٢٤٣ ]
١٩٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ أَبُو أَحْمَدَ قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ شِيرَوَيْهِ ⦗٢٤٧⦘ قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: ثنا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمِ بْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ الْمَخْزُومِيِّ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ بِنْتِ أَبِي أُمَيَّةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ زَوْجِ النبي ﷺ قَالَتْ: لَمَّا نَزَلْنَا أَرْضَ الْحَبَشَةِ جَاوَرْنَا خَيْرَ جَارٍ النَّجَاشِيَّ أَمِنَّا عَلَى دِينِنَا وَعَبَدْنَا اللَّهَ ﷿ لَا نُؤْذَى وَلَا نَسْمَعُ شَيْئًا نَكْرَهُهُ فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ قُرَيْشًا ائْتَمَرُوا عَلَى أَنْ يَبْعَثُوا إِلَى النَّجَاشِيِّ فِينَا رَجُلَيْنِ جَلْدَيْنِ وَأَنْ يُهْدَى لِلنَّجَاشِيِّ هَدَايَا مِمَّا يُسْتَطَرَّفُ مِنْ مَتَاعِ مَكَّةَ وَكَانَ مِنْ أَعْجَبِ مَا يَأْتِيهِ مِنْهَا الْأُدُمُ فَجَمَعُوا لَهُ أُدُمًا كَثِيرًا وَلَمْ يَتْرُكُوا مِنْ بَطَارِقَتِهِ بِطْرِيقًا إِلَّا أَهْدَوْا لَهُ هَدِيَّةً ثُمَّ بَعَثُوا بِذَلِكَ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ [أبي] رَبِيعَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ الْمَخْزُومِيِّ وَعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ بْنِ وَائِلٍ السَّهْمِيِّ وَأَمَرَوهُمَا أَمْرَهُمْ وَقَالُوا لَهُمَا: ادْفَعا إِلَى كُلِّ بِطْرِيقٍ هَدِيَّتَهُ قَبْلَ أَنْ تُكَلِّما النَّجَاشِيَّ فِيهِمْ ثُمَّ قَدِّما إِلَى النَّجَاشِيِّ هَدَايَاهُ ثُمَّ سَلَاهُ أَنْ يُسْلِمَهُمْ إِلَيْكُمَا قَالَتْ: فَخَرَجَا حَتَّى قَدِمَا عَلَى النَّجَاشِيِّ وَنَحْنُ عِنْدَهُ بِخَيْرِ دَارٍ وَعِنْدَ خَيْرِ جَارٍ فَلَمْ يَبْقَ مِنْ بَطَارِقَتِهِ بِطْرِيقٍ إِلَّا دَفَعَا إِلَيْهِ هَدِيَّتَهُ قَبْلَ أَنْ يُكَلِّمَا النَّجَاشِيَّ ثُمَّ قَالَا لِكُلِّ بِطْرِيقٍ مِنْهُمْ: قَدْ ضَوَى إِلَى بَلَدِ الْمَلِكِ مِنَّا غِلْمَانٌ سُفَهَاءُ فَارَقُوا دِينَ قَوْمِهِمْ وَلَمْ يَدْخُلُوا فِي دِينِكُمْ وجَاءُوا بِدِينٍ مُبْتَدَعٍ لَا نَعْرِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنْتُمْ وَقَدْ بَعَثَ أَشْرَافُ قَوْمِهِمْ لِيَرُدُّوهُمْ إِلَيْهِمْ فَإِذَا كَلَّمْنَا الْمَلِكَ فِيهِمْ فَأَشِيرُوا عَلَيْهِ بِأَنْ ⦗٢٤٨⦘ يُسْلِمَهُمْ إِلَيْنَا وَلَا يُكَلِّمَهُمْ فَإِنَّ قَوْمَهُمْ أَعْلَمُ بِمَا عَابُوا عَلَيْهِمْ فَقَالُوا لَهُما: نَعَمْ ثُمَّ إِنَّهُمَا قَرَّبَا هَدَايَاهُمَا إِلَى النَّجَاشِيِّ فَقَبِلَهَا ثُمَّ كَلَّمَاهُ فَقَالَا: أَيُّهَا الْمَلِكُ إِنَّهُ قَدْ ضَوَى إِلَى بَلَدِكَ مِنَّا غِلْمَانٌ سُفَهَاءُ فَارَقُوا دِينَ قَوْمِهِمْ وَلَمْ يَدْخُلُوا فِي دِينِكَ وَجَاءُوا بِدِينٍ مُبْتَدَعٍ لَا نَعْرِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنْتَ وَقَدْ بَعَثَتْ إِلَيْكَ فِيهِمْ أَشْرَافُ قَوْمِهِمْ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَعْمَامِهِمْ وَعَشَائِرِهِمْ؛ لِتَرُدَّهُمْ إِلَيْهِمْ قَالَتْ: وَلَمْ يَكُ شَيْءٌ أَبْغَضَ إِلَى النَّجَاشِيِّ مِنْ أَنْ يَسْمَعَ كَلَامَهُمْ فَقَالَتْ بَطَارِقَتُهُ حَوْلَهُ: صَدَقُوا أَيُّهَا الْمَلِكُ قَالَتْ: فَغَضِبَ النَّجَاشِيُّ ثُمَّ قَالَ: هَؤُلَاءِ وَايْمُ اللَّهِ إِذًا لَا أُسْلِمُهُمُ إِلَيْكُمَا وَلَا أُكَادُ قَوْمًا جَاوَرُونِي وَنَزَلُوا بِلَادِي وَاخْتَارُونِي عَلَى مَنْ سِوَايَ حَتَّى أَدْعُوَهُمْ وَأَسْأَلَهُمْ مَا يَقُولُ هَذَانِ فِي أَمْرَهُمْ ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَدَعَاهُمْ فَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولُهُ اجْتَمَعُوا فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: مَا تَقُولُونَ لِلرَّجُلِ إِذَا أَجَبْتُمُوهُ؟ قَالُوا: نَقُولُ وَاللَّهِ مَا عَلِمْنَا وَمَا أَمَرَنَا بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَائِنٌ فِي ذَلِكَ مَا هُوَ كَائِنٌ فَلَمَّا جَاءُوهُ وَقَدْ دَعَا النَّجَاشِيُّ أَسَاقِفَتَهُ فَنَشَرُوا مَصَاحِفَهُمْ حَوْلَهُ سَأَلَهُمْ فَقَالَ: مَا هَذَا الدِّينُ الَّذِي فَارَقْتُمْ فِيهِ قَوْمَكُمْ وَلَمْ تَدْخُلُوا بِهِ فِي دِينِي وَلَا فِي دَيْنِ أَحَدٍ مِنْ هَذِهِ الْأُمَمِ؟ قَالَتْ: فَكَانَ الَّذِي كَلَّمَهُ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فَقَالَ: " أَيُّهَا الْمَلِكُ كُنَّا قَوْمًا أَهْلَ جَاهِلِيَّةٍ نَعْبُدُ الْأَصْنَامَ وَنَأْكُلُ الْمَيْتَةَ وَنَأْتِي الْفَوَاحِشَ وَنَقْطَعُ الْأَرْحَامَ وَنُسِيءُ الْجِوَارَ وَيَأْكُلُ الْقَوِيُّ مِنَّا الضَّعِيفَ فَكُنَّا عَلَى ذَلِكَ حَتَّى بَعَثَ اللَّهُ إِلَيْنَا رَسُولًا مِنَّا نَعْرِفُ نَسَبَهُ وَصِدْقَهُ وَأَمَانَتَهُ وَعَفَافَهُ فَدَعَانَا إِلَى اللَّهِ لِنُوَحِّدَهُ وَنَعْبُدَهُ وَنَخْلَعَ مَا كُنَّا نَعْبُدُ نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنَ ⦗٢٤٩⦘ الْحِجَارَةِ وَالْأَوْثَانِ وَأَمَرَنَا بِصِدْقِ الْحَدِيثِ وَأَدَاءِ الْأَمَانَةِ وَصِلَةِ الرَّحِمِ وَحُسْنِ الْجِوَارِ وَالْكَفِّ عَنِ الْمَحَارِمِ وَالدِّمَاءِ وَنَهَانَا عَنْ قَوْلِ الْفَوَاحِشِ وَقَوْلِ الزُّورِ وَأَكْلِ مَالِ الْيَتِيمِ وَقَذْفِ الْمُحْصَنَةِ وَأَمَرَنَا أَنْ نَعْبُدَ اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَأَمَرَنَا بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصِّيَامِ، قَالَتْ: فَعَدَّدَ عَلَيْهِ أُمُورَ الْإِسْلَامِ، فَصَدَّقْنَاهُ وَآمَنَّا بِهِ وَاتَّبَعْنَاهُ عَلَى مَا جَاءَ بِهِ مِنَ اللَّهِ عزوجل فَعَبَدْنَا اللَّهَ وَحْدَهُ فَلَمْ نُشْرِكْ بِهِ شَيْئًا وَحَرَّمْنَا مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَأَحْلَلْنَا مَا أَحَلَّ اللَّهُ فَعَدَا عَلَيْنَا قَوْمُنَا فَعَذَّبُونَا وَفَتَنُونَا عَنْ دِينِنَا؛ لِيَرُدُّونَا إِلَى عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ مِنْ عِبَادَةِ اللَّهِ وَأَنْ نَسْتَحِلَّ مَا كُنَّا نَسْتَحِلُّ مِنَ الْخَبَائِثِ فَلَمَّا قَهَرُونَا وَظَلَمُونَا وَضَيَّقُوا عَلَيْنَا وَحَالُوا بَيْنَنَا وَبَيْنَ دِينِنَا؛ خَرَجْنَا إِلَى بِلَادِكَ وَاخْتَرْنَاكَ عَلَى مَنْ سِوَاكَ وَرَغِبْنَا فِي جِوَارِكَ وَرَجَوْنَا أَنْ لَا نُظْلَمَ عِنْدَكَ أَيُّهَا الْمَلِكُ قَالَتْ: فَقَالَ النَّجَاشِيُّ: هَلْ مَعَكَ مِمَّا جَاءَ بِهِ عَنِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ؟ قَالَ لَهُ جَعْفَرٌ: نَعَمْ فَقَالَ لَهُ النَّجَاشِيُّ: فَاقْرَأْ عَلَيَّ قَالَتْ: فَقَرَأَ صَدْرًا مِنْ كهعيص قَالَتْ: فَبَكَى وَاللَّهِ النَّجَاشِيُّ حَتَّى اخْضَلَّتْ لِحْيَتُهُ وَبَكَتِ الْأَسَاقِفَةُ حَتَّى أَخْضَلُوا مَصَاحِفَهُمْ حِينَ سَمِعُوا مَا تَلَا عَلَيْهِمْ ثُمَّ قَالَ النَّجَاشِيُّ: إِنَّ هَذَا وَالْحَقَّ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى لَيَخْرُجُ مِنْ مِشْكَاةٍ وَاحِدَةٍ انْطَلِقَا فَوَاللَّهِ لَا أُسْلِمُهُمْ إِلَيْكُمَا وَلَا أُكَادُ قَالَ النَّجَاشِيُّ: مَا تَقُولُونَ فِي عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ؟ فَقَالَ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: نَقُولُ فِيهِ الَّذِي جَاءَ بِهِ نَبِيُّنَا هُوَ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ وَرُوحُهُ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ الْعَذْرَاءِ الْبَتُولِ قَالَ: فَضَرَبَ بِيَدِهِ إِلَى الْأَرْضِ فَأَخَذَ مِنْهَا عُودًا ثُمَّ قَالَ: مَا عَدَا عِيسَى مِمَّا قُلْتَ وَزْنَ هَذَا الْعُودِ فَتَنَاخَرَتْ بَطَارِقَتُهُ حَوْلَهُ حِينَ قَالَ مَا قَالَ فَقَالَ: وَإِنْ ⦗٢٥٠⦘ نَخَرْتُمْ وَاللَّهِ اذْهَبُوا سُيُومًا بِأَرْضِي، - وَالسُّيُومُ: الْآمِنُونَ -، مَنْ سَبَّكُمْ غَرِمَ ثُمَّ مَنْ سَبَّكُمْ غَرِمَ ثُمَّ مَنْ سَبَّكُمْ غَرِمَ مَا أُحِبُّ أَنَّ لِي دَبْرَ ذَهَبٍ وَإِنِّي آذَيْتُ رَجُلًا مِنْكُمْ، - وَالدَّبْرُ بِلِسَانِ الْحَبَشَةِ: الْجَبَلُ -، رُدُّوا عَلَيْهِمَا هَدَايَاهُمَا فَلَا حَاجَةَ لِي بِهَا فَوَاللَّهِ مَا أَخَذَ اللَّهُ مِنِّي الرِّشْوَةَ حِينَ رَدَّ عَلَيَّ مُلْكِي فَآخُذَ الرِّشْوَةَ فِيهِ وَمَا أَطَاعَ النَّاسُ فِيَّ فَأُطِيعَهُمْ فِيهِ قَالَتْ: فَخَرَجَا مِنْ عِنْدِهِ مَقْبُوحَيْنَ مَرْدُودًا عَلَيْهِمَا مَا جَاءَا بِهِ وَأَقَمْنَا بِخَيْرِ دَارٍ مَعَ خَيْرِ جَارٍ حَتَّى قَدِمْنَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالْمَدِينَةِ "
[ ٢٤٦ ]
١٩٥ - حَدَّثَنَا حَبِيبُ بْنُ الْحَسَنِ قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: ثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ: قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ: فَحَدَّث عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ حَدِيثَ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النبي ﷺ فَقَالَ: هَلْ تَدْرِي مَا قَوْلُ النَّجَاشِيِّ: مَا أَخَذَ اللَّهُ مِنِّي الرِّشْوَةَ حِينَ رَدَّ عَلَيَّ مُلْكِي فَآخُذَ الرِّشْوَةَ فِيهِ وَمَا أَطَاعَ النَّاسُ فِيَّ حَتَّى أُطِيعَهُمْ فِيهِ؟ قَالَ: قُلْتُ: لَا قَالَ: فَإِنَّ عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ حَدَّثَتْنِي أَنَّ أَبَاهُ كَانَ مَلِكَ قَوْمِهِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ إِلَّا النَّجَاشِيَّ وَكَانَ لِلنَّجَاشِيِّ عَمٌّ لَهُ مِنْ صُلْبِهِ اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا وَكَانُوا أَهْلَ بَيْتِ مَمْلَكَةِ الْحَبَشَةِ فَقَالَتِ الْحَبَشَةُ بَيْنَهَا: لَوْ أَنَّا قَتَلْنَا أَبَا النَّجَاشِيِّ فَإِنَّهُ لَا وَلَدَ لَهُ غَيْرُ هَذَا الْغُلَامِ وَمَلَّكْنَا أَخَاهُ فَإِنَّ لَهُ مِنْ صُلْبِهِ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا فَيَتَوَارَثُونَ مُلْكَهُ مِنْ بَعْدِهِ بَقِيَتِ الْحَبَشَةُ بَعْدَهُ دَهْرًا فَعَدَوْا عَلَى أَبِي النَّجَاشِيِّ فَقَتَلُوهُ وَمَلَّكُوا أَخَاهُ فَمَكَثُوا عَلَى ذَلِكَ حِينًا وَنَشَأَ النَّجَاشِيُّ مَعَ عَمِّهِ وَكَانَ لَبِيبًا حَازِمًا مِنَ الرِّجَالِ فَغَلَبَ عَلَى أَمْرِ عَمِّهِ وَنَزَلَ مِنْهُ كُلَّ مَنْزِلَةٍ فَلَمَّا رَأَتِ الْحَبَشَةُ مَكَانَهُ مِنْهُ قَالَتْ بَيْنَهَا: وَاللَّهِ لَقَدْ غَلَبَ هَذَا الْفَتَى ⦗٢٥١⦘ عَلَى عَمِّهِ وَإِنَّا لَنَتَخَوَّفُ أَنْ يُمَلِّكَهُ عَلَيْنَا وَلَئِنْ مَلَّكَهُ عَلَيْنَا لَيَقْتُلَنَا أَجْمَعِينَ؛ لَقَدْ عَرَفَ أَنَّا قَتَلْنَا أَبَاهُ فَمَشَوْا إِلَى عَمِّهِ فَقَالُوا لَهُ: إِمَّا أَنْ تَقْتُلَ هَذَا الْغُلَامَ وَإِمَّا أَنْ تُخْرِجَهُ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِنَا؛ فَإِنَّا قَدْ خِفْنَاهُ عَلَى أَنْفُسِنَا فَقَالَ: وَيْلَكُمْ قَتَلْتُمْ أَبَاهُ بِالْأَمْسِ وَأَقْتُلُهُ الْيَوْمَ؟ لَا بَلْ أَخْرِجُوهُ مِنْ بِلَادِكُمْ قَالَتْ: فَخَرَجُوا بِهِ إِلَى السُّوقِ فَبَاعُوهُ مِنْ رَجُلٍ مِنَ التُّجَّارِ بِسِتِّمِائَةِ دِرْهَمٍ ثُمَّ قَذَفَهُ فِي سَفِينَةٍ فَانْطَلَقَ بِهِ حَتَّى إِذَا كَانَ الْعِشَاءُ مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ هَاجَتْ سَحَابَةٌ مِنْ سَحَابِ الْخَرِيفِ فَخَرَجَ عَمُّهُ يَسْتَمْطِرُ تَحْتَهَا فَأَصَابَتْهُ صَاعِقَةٌ فَقَتَلَتْهُ قَالَتْ: فَفَزِعَتِ الْحَبَشَةُ إِلَى وَلَدِهِ فَإِذَا هُمْ حُمْقٌ لَيْسَ فِي وَلَدِهِ خَيْرٌ فَمَرَجَ عَلَى الْحَبَشَةِ أَمْرُهُمْ فَلَمَّا ضَاقَ عَلَيْهِمْ مَا هُمْ فِيهِ مِنْ ذَلِكَ قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: تَعْلَمُونَ وَاللَّهِ أَنَّ مَلِكَكُمُ الَّذِي لَا يُقِيمُ أَمْرَكُمْ غَيْرُهُ الَّذِي بِعْتُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ بِأَمْرِ الْحَبَشَةِ حَاجَةٌ فَأَدْرِكُوا الْغُلَامَ قَالَتْ: فَخَرَجُوا فِي طَلَبِهِ وَطَلَبِ الرَّجُلِ الَّذِي اشْتَرَاهُ فَأَدْرَكُوهُ فَأَخَذُوهُ ثُمَّ جَاءُوا بِهِ فَعَقَدُوا عَلَيْهِ التَّاجَ وَأَقْعَدُوهُ عَلَى سَرِيرِ الْمَمْلَكَةِ فَمَلَّكُوهُ فَجَاءَهُمُ التَّاجِرُ الَّذِي كَانُوا بَاعُوهُ مِنْهُ فَقَالَ لَهُمْ: إِمَّا أَنْ تُعْطُونِي مَالِي وَإِمَّا أَنْ أُكَلِّمَهُ قَالُوا: فَدُونَكَ قَالَتْ: فَجَاءَهُ فَجَلَسَ بَيْنَ يَدَيْهِ فَقَالَ: أَيُّهَا الْمَلِكُ ابْتَعْتُ غُلَامًا مِنْ قَوْمٍ فِي السُّوقِ بِسِتِّمِائَةِ دِرْهَمٍ فَأَسْلَمُوا إِلَيَّ غُلَامِي وَأَخَذُوا دَرَاهِمِي حَتَّى إِذَا سِرْتُ بِغُلَامِي أَدْرَكُونِي فَأَخَذُوا غُلَامِي وَمَنَعُونِي دَرَاهِمِي فَقَالَ: إِمَّا تَرُدُّونَ عَلَيْهِ دَرَاهِمَهُ أَوْ لِيُسْلَمَنَّ إِلَيْهِ غُلَامُهُ يَدُهُ فِي يَدِهِ فَلْيَذْهَبَنَّ بِهِ حَيْثُ يَشَاءُ قَالُوا: بَلْ نُعْطِيهِ دَرَاهِمَهُ قَالَتْ: فَلِذَلِكَ يَقُولُ: مَا أَخَذَ اللَّهُ مِنِّي الرِّشْوَةَ حِينَ رَدَّ عَلَيَّ مُلْكِي فَآخُذَ الرِّشْوَةَ فِيهِ وَمَا أَطَاعَ النَّاسَ فِيَّ فَأُطِيعَ النَّاسَ فِيهِ فَكَانَ ذَلِكَ أَوَّلَ مَا اخْتُبِرَ مِنْ صَلَابَتِهِ فِي دِينِهِ وَعَدْلِهِ فِي حُكْمِهِ "
[ ٢٥٠ ]
١٩٦ - وَحَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ شِيرَوَيْهِ قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ ⦗٢٥٢⦘ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: ثنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى قَالَ: ثنا إِسْرَائِيلُ كُلُّهُمْ عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ نَنْطَلِقَ مَعَ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ فَبَلَغَ ذَلِكَ قُرَيْشًا فَبَعَثُوا عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ وَعُمَارَةَ بْنَ الْوَلِيدِ وَجَمَعُوا لِلنَّجَاشِيِّ هَدِيَّةً فَقَدِمَا عَلَى النَّجَاشِيِّ فَأَتَيَاهُ بِالْهَدِيَّةِ فَقَبِلَهَا ثُمَّ قَالَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ: إِنَّ نَاسًا مِنْ أَرْضِنَا رَغِبُوا عَنْ دِينِنَا وَهُمْ بِأَرْضِكَ فَبَعَثَ إِلَيْنَا فَقَالَ لَنَا جَعْفَرٌ: لَا يَتَكَلَّمْ مِنْكُمْ أَحَدٌ أَنَا خَطِيبُكُمُ الْيَوْمَ، فَانْتَهَيْتُ إِلَى النَّجَاشِيِّ وَهُوَ جَالِسٌ فِي مَجْلِسِهِ وَعَمْرُو بْنُ الْعَاصِ عَنْ يَمِينِهِ وَعُمَارَةُ عَنْ يَسَارِهِ وَالْقِسِّيسُونَ وَالرُّهْبَانُ سِمَاطَيْنِ قَدْ قَالَ لَهُمْ عَمْرٌو وَعُمَارَةُ: إِنَّهُمْ لَا يَسْجُدُونَ فَلَمَّا انْتَهَيْنَا بَدَرَنَا مَنْ عِنْدَهُ مِنَ الْقِسِّيسِينَ وَالرُّهْبَانِ: اسْجُدُوا لِلْمَلِكِ، فَقَالَ لَهُمْ جَعْفَرٌ: لَا نَسْجُدُ إِلَّا لِلَّهِ ﷿ قَالَ لَهُ النَّجَاشِيُّ: وَمَا ذَاكَ؟ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ ﷿ بَعَثَ فِينَا رَسُولًا الرَّسُولَ الَّذِي بَشَّرَ بِهِ عِيسَى ﵇ فَأَمَرَنَا أَنْ نَعْبُدَ اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَنُؤْتِيَ الزَّكَاةَ وَأَمَرَنَا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَانَا عَنِ الْمُنْكَرِ فَأَعْجَبَ النَّجَاشِيَّ ذَلِكَ وَذَكَرَ نَحْوًا مِنَ الْقِصَّةِ الْأُولَى وَقَالَ فِيهِ النَّجَاشِيُّ: وَأَنَا أَشْهَدُ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ وَأَنَّهُ الَّذِي بَشَّرَ بِهِ عِيسَى وَلَوْلَا مَا أَنَا فِيهِ مِنَ الْمُلْكِ لَأَتَيْتُهُ حَتَّى أُقَبِّلَ نَعْلَهُ امْكُثُوا مَا شِئْتُمْ وَأَمَرَ لَنَا بِالطَّعَامِ وَالْكُسْوَةِ وَقَالَ: رُدُّوا عَلَى هَذَيْنِ هَدِيَّتَهُمَا وَكَانَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ رَجُلًا قَصِيرًا وَكَانَ عُمَارَةُ رَجُلًا جَمِيلًا وَكَانَا أَقْبَلَا فِي الْبَحْرِ إِلَى النَّجَاشِيِّ فَشَرِبُوا وَمَعَ عَمْرٍو امْرَأَتُهُ فَلَمَّا ⦗٢٥٣⦘ شَرِبُوا قَالَ عُمَارَةُ لِعَمْرٍو: مُرِ امْرَأَتَكَ فَلْتُقَبِّلْنِي فَقَالَ لَهُ عَمْرٌو: أَلَا تَسْتَحِي؟ فَأَخَذَ عُمَارَةُ عَمْرًا فَرَمَى بِهِ فِي الْبَحْرِ فَجَعَلَ عَمْرٌو يُنَاشِدُهُ حَتَّى أَدْخَلَهُ السَّفِينَةَ فَحَقَدَ عَلَيْهِ عَمْرٌو ذَلِكَ فَقَالَ عَمْرٌو لِلنَّجَاشِيِّ: إِنَّكَ إِذَا خَرَجْتَ خَلَفَ عُمَارَةُ فِي أَهْلِكَ فَدَعَا النَّجَاشِيُّ عُمَارَةَ فَنَفَخَ فِي إِحْلِيلِهِ فَطَارَ مَعَ الْوَحْشِ. قَالَ الشَّيْخُ: قُلْتُ: فَكَانَ بَيْنَ خُرُوجِ الْمُهَاجِرِينَ إِلَى الْحَبَشَةِ وَبَيْنَ وَقْعَةِ بَدْرٍ عَلَى مَا دَوَّنَهُ أَهْلُ السِّيَرِ خَمْسُ سِنِينَ وَأَشْهُرٌ وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَكُلُّ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ عَمَّنْ لَا يَدْفَعُ عَنْ صِدْقٍ وَفَهْمٍ فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ قُرَيْشًا بَعَثَتْ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ دَفْعَتَيْنِ: مَرَّةً مَعَ عُمَارَةَ بْنِ الْوَلِيدِ وَمَرَّةً مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ
[ ٢٥١ ]
ذِكْرُ إِسْلَامِ أَبِي ذَرٍّ الْغِفَارِيِّ ﵁
[ ٢٥٣ ]
١٩٧ - حَدَّثَنَا أَبُو عَلِيٍّ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْحَسَنِ قَالَ: ثنا بِشْرُ بْنُ مُوسَى قَالَ: ثنا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُقْرِي قَالَ: ثنا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الصَّامِتِ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ الْغِفَارِيِّ ﵁ قَالَ: خَرَجْنَا مِنْ قَوْمِنَا غِفَارٍ وَكَانُوا يَحِلُّونَ الشَّهْرَ الْحَرَامَ قَالَ: فَخَرَجْتُ أَنَا وَأَخِي أُنَيْسٌ وَأُمُّنَا فَانْطَلَقْنَا حَتَّى نَزَلْنَا عَلَى خَالٍ لَنَا فَأَكْرَمَنَا خَالُنَا وَأَحْسَنَ إِلَيْنَا فَحَسَدَنَا قَوْمُنَا وقَالُوا لَهُ: إِنَّكَ إِذَا خَرَجْتَ مِنْ أَهْلِكَ خَالَفَ إِلَيْهِمْ أُنَيْسٌ فَجَاءَ خَالُنَا فَنَثَى عَلَيْنَا مَا قِيلَ لَهُ فَقُلْتُ لَهُ: أَمَّا مَا مَضَى مِنْ مَعْرُوفِكَ فَقَدْ كَدَّرْتَ وَلَا جِمَاعَ لَكَ فِيمَا بَعْدُ قَالَ: فَقَرَّبْنَا صِرْمَتَنَا ⦗٢٥٤⦘ فَاحْتَمَلْنَا عَلَيْهَا وَتَغَطَّى خَالُنَا بِثَوْبِهِ يَبْكِي فَانْطَلَقْنَا حَتَّى نَزَلْنَا بِحَضْرَةِ مَكَّةَ وَقَدْ صَلَّيْتُ يَا ابْنَ أَخِي قَبْلَ أَنْ أَلْقَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِثَلَاثِ سِنِينَ فَقُلْتُ: لِمَنْ؟ فَقَالَ: لِلَّهِ، قُلْتُ: أَيْنَ تَوَجَّهُ؟ قَالَ: أَتَوَجَّهُ حَيْثُ وَجَّهَنِي اللَّهُ أُصَلِّي عِشَاءً حَتَّى إِذَا كَانَ مِنَ السَّحَرِ أُلْقِيتُ كَأَنِّي خِفَاءٌ، - يَعْنِي خِبَاءً -، حَتَّى تَعْلُوَنِي الشَّمْسُ فَقَالَ أُنَيْسٌ: إِنَّ لِي حَاجَةً بِمَكَّةَ فَاكْفِنِي حَتَّى آتِيَكَ فَانْطَلَقَ أُنَيْسٌ فَرَاثَ عَلَيَّ - يَعْنِي أَبْطَأَ -، ثُمَّ جَاءَ فَقُلْتُ لَهُ: مَا حَبَسَكَ؟ قَالَ: لَقِيتُ رَجُلًا بِمَكَّةَ عَلَى دِينِكَ يَزْعُمُ أَنَّ اللَّهَ أَرْسَلَهُ قَالَ: قُلْتُ لَهُ: فَمَا يَقُولُ النَّاسُ لَهُ؟ قَالَ: يَقُولُونَ: شَاعِرٌ كَاهِنٌ سَاحِرٌ وَكَانَ أُنَيْسٌ أَحَدَ الشُّعَرَاءِ قَالَ أُنَيْسٌ: وَاللَّهِ لَقَدْ سَمِعْتُ قَوْلَ الْكَهَنَةِ فَمَا هُوَ بِقَوْلِهِمْ وَلَقَدْ وَضَعْتُ قَوْلَهُ عَلَى أَقْرَاءِ الشُّعَرَاءِ فَمَا يَلْتَئِمُ عَلَى لِسَانِ أَحَدٍ يُقْرِي أَنَّهُ شِعْرٌ وَاللَّهِ إِنَّهُ لَصَادِقٌ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ فَقُلْتُ: اكْفِنِي حَتَّى أَذْهَبَ فَأَنْظُرَ قَالَ: نَعَمْ وَكُنْ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ عَلَى حَذَرٍ فَإِنَّهُمْ قَدْ شَنَفُوا لَهُ وَقَدْ تَجَهَّمُوا لَهُ قَالَ: فَانْطَلَقْتُ وَقَدِمْتُ مَكَّةَ فَاسْتَضْعَفْتُ رَجُلًا مِنْهُمْ فَقُلْتُ: أَيْنَ هَذَا الَّذِي تَدْعُونَهُ الصَّابِئَ؟ فَأَشَارَ إِلَيَّ وَقَالَ: الصَّابِئَ؟ قَالَ: فَمَالَ عَلَيَّ أَهْلُ الْوَادِي بِكُلِّ مَدَرَةٍ وَعَظْمٍ فَخَرَرْتُ مَغْشِيًّا عَلَيَّ فَارْتَفَعْتُ حِينَ ارْتَفَعْتُ كَأَنِّي نُصُبٌ أَحْمَرُ فَأَتَيْتُ زَمْزَمَ فَشَرِبْتُ مِنْ مَائِهَا وَغَسَلْتُ عَنِّي الدِّمَاءَ فَلَبِثْتُ بِهَا يَا ابْنَ أَخِي ثَلَاثِينَ مِنْ بَيْنِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ مَا لِي طَعَامٌ إِلَّا مَاءُ زَمْزَمَ فَسَمِنْتُ حَتَّى تَكَسَّرَتْ عُكَنُ بَطْنِي وَمَا وَجَدْتُ عَلَى بَطْنِي سُخْفَةَ ⦗٢٥٥⦘ جُوعٍ فَبَيْنَا أَهْلُ مَكَّةَ فِي لَيْلَةٍ قَمْرَاءَ إِضْحِيَانٍ إِذْ ضَرَبَ اللَّهُ عَلَى أَسْمِخَتِهِمْ فَمَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ أَحَدٌ غَيْرُ امْرَأَتَيْنِ فَأَتَتَا عَلَيَّ وَهُمَا تَدْعُوَانِ إِسَافًا وَنَائِلَةَ قَالَ: قُلْتُ: أَنْكِحَا أَحَدَهُمَا الْأُخْرَى قَالَ: فَمَا تَنَاهَتَا عَنْ قَوْلِهِمَا قَالَ: فَأَتَتَا عَلَيَّ فَقُلْتُ: هَنٌ مِثْلُ الْخَشَبَةِ غَيْرَ أَنِّي لَمْ أَكْنِ فَانْطَلَقَتَا تُوَلْوِلَانِ وَتَقُولَانِ: لَوْ كَانَ هَا هُنَا أَحَدٌ مِنْ أَنْفَارِنَا؟ فَاسْتَقْبَلَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ وَهُمَا هَابِطَانِ مِنَ الْجَبَلِ فَقَالَ: مَا لَكُمَا؟ قَالَتَا: الصَّابِئُ بَيْنَ الْكَعْبَةِ وَأَسْتَارِهَا قَالَ: فَمَا قَالَ لَكُمَا؟ قَالَتَا: قَالَ لَنَا كَلِمَةً تَمْلَأُ الْفَمَ قَالَ: فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَصَاحِبُهُ فَاسْتَلَمَ الْحَجَرَ وَطَافَ بِالْبَيْتِ فَأَتَيْتُهُ حِينَ قَضَى صَلَاتَهُ فَكُنْتُ أَوَّلَ مَنْ حَيَّاهُ بِتَحِيَّةِ الْإِسْلَامِ قَالَ: وَعَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللَّهِ مِمَّنْ أَنْتَ؟ قُلْتُ: مِنْ غِفَارٍ فَأَهْوَى بِيَدِهِ إِلَى جَبْهَتِهِ هَكَذَا فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: كَرِهَ أَنِ انْتَمَيْتُ إِلَى غِفَارٍ فَذَهَبْتُ لِآخُذَ يَدَهُ فَدَفَعَنِي عَنْهُ صَاحِبُهُ وَكَانَ أَعْلَمَ بِهِ مِنِّي فَقَالَ: مَتَى كُنْتَ هَاهُنَا؟ فَقُلْتُ: كُنْتُ هَاهُنَا مُنْذُ ثَلَاثِينَ مِنْ بَيْنِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ قَالَ: فَمَنْ كَانَ يُطْعِمُكَ؟ قُلْتُ: مَا كَانَ لِي طَعَامٌ إِلَّا مَاءَ زَمْزَمَ فَسَمِنْتُ حَتَّى تَكَسَّرَتْ عُكَنُ بَطْنِي وَمَا وَجَدْتُ عَلَى بَطْنِي سُخْفَةَ جُوعٍ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِنَّهَا مُبَارَكَةٌ إِنَّهَا طَعَامُ طُعْمٍ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ائْذَنْ لِي فِي طَعَامِهِ اللَّيْلَةَ قَالَ: فَفَعَلَ فَانْطَلَقَ النبي ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ وَانْطَلَقْتُ مَعَهُمَا فَفَتَحَ أَبُو بَكْرٍ بَابًا فَجَعَلَ يَقْبِضُ لَنَا مِنْ زَبِيبِ الطَّائِفِ قَالَ أَبُو ذَرٍّ: فَذَلِكَ أَوَّلُ طَعَامٍ أَكَلْتُهُ بِهَا قَالَ: فَغَبَرْتُ مَا ⦗٢٥٦⦘ غَبَرْتُ فَلَقِيتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: إِنِّي وُجِّهْتُ إِلَى أَرْضٍ ذَاتِ نَخْلٍ وَلَا أَحْسَبُهَا إِلَّا يَثْرِبَ فَهَلْ أَنْتَ مُبَلِّغٌ عَنِّي قَوْمَكَ؛ عَسَى أَنْ يَنْفَعَهُمُ اللَّهُ بِكَ وَيَأْجُرَكَ فِيهِمْ؟ قَالَ: فَانْطَلَقْتُ حَتَّى لَقِيتُ أَخِي أُنَيْسًا فَقَالَ: مَا صَنَعْتَ؟ قُلْتُ: صَنَعْتُ أَنِّي قَدْ أَسْلَمْتُ وَصَدَّقْتُ قَالَ: مَا بِي رَغْبَةٌ عَنْ دِينِكَ فَإِنِّي قَدْ أَسْلَمْتُ وَصَدَّقْتُ قَالَ: فَأَتَيْنَا أُمَّنَا فَقَالَتْ: مَا بِي رَغْبَةٌ عَنْ دِينِكُمَا فَإِنِّي قَدْ أَسْلَمْتُ وَصَدَّقْتُ قَالَ: فَاحْتَمَلْنَا فَأَتَيْنَا قَوْمَنَا فَأَسْلَمَ نِصْفُهُمْ قَبْلَ أَنْ يَقْدُمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ وَكَانَ يَؤُمُّهُمْ إِيمَاءُ بْنُ رَحَضَةَ وَكَانَ سَيِّدَهُمْ وَقَالَ بَقِيَّتُهُمْ: إِذَا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَسْلَمْنَا فَقَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَسْلَمَ بَقِيَّتُهُمْ وَجَاءَتْ أَسْلَمُ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ نُسْلِمُ عَلَى الَّذِي أَسْلَمَ عَلَيْهِ إِخْوَتُنَا فَأَسْلَمُوا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " غِفَارٌ غَفَرَ اللَّهُ لَهَا وَأَسْلَمُ سَالَمَهَا اللَّهُ. وَفِي رِوَايَةِ ابنِ عَبَّاسٍ: فَخَرَجَ فَنَادَى: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: صَبَأَ الرَّجُلُ صَبَأَ الرَّجُلُ فَضَرَبُوهُ حَتَّى سَقَطَ فَمَرَّ بِهِ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَأَكَبَّ عَلَيْهِ وَقَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ إِنَّكُمْ تُجَّارٌ وَإِنَّ طَرِيقَكُمْ عَلَى غِفَارٍ تُرِيدُونَ أَنْ تُقْطَعَ الطَّرِيقُ عَلَيْكُمْ؟ فَأَمْسَكُوا عَنْهُ فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الثَّانِي عَادَ لِمِثْلِ مَقَامِهِ فَعَادُوا لِضَرْبِهِ فَمَرَّ بِهِ الْعَبَّاسُ فَقَالَ لَهُمْ تِلْكَ؛ فَأَمْسَكُوا.
قَالَ الشَّيْخُ: فَسَّرَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ وَغَيْرُهُ غَرِيبَ الْأَلْفَاظِ: قَوْلُهُ:
(أُلْقِيتُ كَأَنِّي خِفَاءٌ): يَعْنِي كِسَاءً غَلِيظًا يُتَّخَذُ مِنْ وَبَرٍ
(شَنَفُوا): أَبْغَضُوا
(وَتَجَهَّمُوا): أَسْمَعُوهُ مَا يَكْرَهُ
(وَالنُّصُبُ): حَجَرٌ يَذْبَحُونَ عَلَيْهِ
(سُخْفَةُ جُوعٍ): خَفْتُهُ
⦗٢٥٧⦘
(الصَّابِئُ): الَّذِي لَا عَقْلَ لَهُ
(الْأَنْفَارُ): جَمْعُ نَفَرٍ
[ ٢٥٣ ]
ذِكْرُ إِسْلَامِ عَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ السُّلَمِيِّ وَمَا أَخْبَرَهُ أَهْلُ الْكِتَابِ مِنْ بَعْثِ النَّبِيِّ ﷺ
[ ٢٥٧ ]
١٩٨ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ هَارُونَ بْنِ مُحَمَّدٍ قَالَ: ثنا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفِرْيَابِيُّ قَالَ: ثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْعَلَاءِ الزُّبَيْدِيُّ الْحِمْصِيُّ قَالَ: ثنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي عَمْرٍو السَّيْبَانِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَّامٍ الدِّمَشْقِيِّ وَعَمْرِو بْنِ عَبْدِ اللَّهِ السِّيبَانِيِّ أَنَّهُمَا سَمِعَا أَبَا أُمَامَةَ الْبَاهِلِيَّ يُحَدِّثُ عَنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ السُّلَمِيِّ قَالَ: رَغِبْتُ عَنْ عِبَادَةِ آلِهَةِ قَوْمِي فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَرَأَيْتُ أَنَّهَا الْبَاطِلُ يَعْبُدُونَ الْحِجَارَةَ لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ قَالَ: فَلَقِيتُ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ فَسَأَلْتُهُ عَنْ أَفْضَلِ الدِّينِ فَقَالَ: يَخْرُجُ رَجُلٌ مِنْ مَكَّةَ يَرْغَبُ عَنْ آلِهَةِ قَوْمِهِ وَيَدْعُو إِلَى غَيْرِهَا وَهُوَ يَأْتِي بِأَفْضَلِ الدِّينِ فَإِذَا سَمِعْتَ بِهِ فَاتَّبِعْهُ فَلَمْ يَكُنْ لِي هَمٌّ إِلَّا مَكَّةَ آتِيهَا فَأَسْأَلُ: هَلْ حَدَثَ فِيهَا أَمْرٌ؟ فَيَقُولُونَ: لَا، فَأَنْصَرِفُ إِلَى أَهْلِي وَأَهْلِي مِنَ الطَّرِيقِ غَيْرُ بَعِيدٍ فَأَعْتَرِضُ الرُّكْبَانَ خَارِجَةً مِنْ مَكَّةَ فَأَسْأَلُهُمْ: هَلْ حَدَثَ فِيهَا خَبَرٌ أَوْ أَمْرٌ؟ فَيَقُولُونَ: لَا فَإِنِّي لَقَاعِدٌ عَلَى الطَّرِيقِ إِذْ مَرَّ بِي رَاكِبٌ فَقُلْتُ: مِنْ أَيْنَ جِئْتَ؟ قَالَ: مِنْ مَكَّةَ قُلْتُ: هَلْ حَدَثَ فِيهَا خَبَرٌ؟ قَالَ: نَعَمْ رَجُلٌ رَغِبَ عَنْ آلِهَةِ قَوْمِهِ وَدَعَا إِلَى غَيْرِهَا قُلْتُ: صَاحِبِي الَّذِي أُرِيدُ فَشَدَدْتُ رَاحِلَتِي فَجِئْتُ مَنْزِلِي الَّذِي كُنْتُ أَنْزِلُ فِيهِ فَسَأَلْتُ عَنْهُ فَوَجَدْتُهُ مُسْتَخْفِيًا بِشَأْنِهِ وَوَجَدْتُ قُرَيْشًا عَلَيْهِ ⦗٢٥٨⦘ حُسَّرًا فَتَلَطَّفْتُ لَهُ حَتَّى دَخَلْتُ عَلَيْهِ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَقُلْتُ: مَا أَنْتَ؟ قَالَ: نَبِيُّ اللَّهِ قُلْتُ: وَمَا نَبِيُّ اللَّهِ؟ قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ قُلْتُ: وَمَنْ أَرْسَلَكَ؟ قَالَ: اللَّهُ تَعَالَى قُلْتُ: وَبِمَاذَا أَرْسَلَكَ؟ قَالَ: " أَنْ تَصِلَ الرَّحِمَ وَتَحْقِنَ الدِّمَاءَ وَتَأْمَنَ السَّبِيلَ وَتَكْسِرَ الْأَوْثَانَ وَتَعْبُدَ اللَّهَ لَا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا قَالَ: قُلْتُ: نِعْمَ مَا أَرْسَلَكَ بِهِ أُشْهِدُكَ أَنِّي آمَنْتُ بِكَ وَصَدَّقْتُ أَفَأَمْكُثُ مَعَكَ أَمْ مَاذَا تَرَى؟ قَالَ: قَدْ تَرَى كَرَاهِيَةَ النَّاسِ لِمَا جِئْتُ بِهِ؛ فَامْكُثْ فِي أَهْلِكَ فَإِذَا سَمِعْتَ بِي قَدْ خَرَجْتُ مَخْرَجًا فَاتَّبِعْنِي فَلَمَّا سَمِعْتُ بِهِ خَرَجَ إِلَى الْمَدِينَةِ سِرْتُ حَتَّى قَدِمْتُ عَلَيْهِ ثُمَّ قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَتَعْرِفُنِي؟ قَالَ: نَعَمْ أَنْتَ السُّلَمِيُّ الَّذِي جِئْتَنِي بِمَكَّةَ فَقُلْتُ لَكَ كَذَا وَكَذَا وَقُلْتَ لِي كَذَا وَكَذَا فَقُمْتُ مِنْ ذَلِكَ الْمَجْلِسِ فَعَرَفْتُ أَنَّهُ لَا يَكُونُ الدَّهْرُ أَفْرَغَ مِنْهُ فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَيُّ السَّاعَاتِ أَسْمَعُ لِلدُّعَاءِ؟ قَالَ: جَوْفُ اللَّيْلِ الْآخِرُ وَالصَّلَاةُ مَشْهُودَةٌ مُتَقَبَّلَةٌ "
[ ٢٥٧ ]
ذِكْرُ إِسْلَامِ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ ﵁
[ ٢٥٨ ]
١٩٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْحَسَنِ قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ وَثنا أَبُو عَمْرِو بْنُ حَمْدَانَ قَالَ: ثنا الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ قَالَا: ثنا مَسْرُوقُ بْنُ الْمَرْزُبَانِ الْكِنْدِيُّ قَالَ: ثنا يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا بْنِ أَبِي زَائِدَةَ قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ حَدَّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: حَدَّثَنِي سَلْمَانُ حَدِيثَهُ مِنْ فِيهِ إِلَيَّ قَالَ: كُنْتُ رَجُلًا فَارِسِيًّا مِنْ أَهْلِ أَصْبَهَانَ مِنْ أَهْلِ قَرْيَةٍ يُقَالُ لَهَا جَيُّ وَكَانَ أَبِي دِهْقَانَ قَرْيَتِهِ وَكُنْتُ مِنْ ⦗٢٥٩⦘ أَحَبِّ الْخَلْقِ إِلَيْهِ فَمِنْ حُبِّهِ إِيَّايَ حَبَسَنِي فِي بَيْتٍ كَمَا تُحْبَسُ الْجَارِيَةُ وَكُنْتُ قَدِ اجْتَهَدْتُ فِي دَارِ الْمَجُوسِيَّةِ حَتَّى كُنْتُ قَطَنَ النَّارِ أُوقِدُهَا لَا أَتْرُكُهَا تَخْبُو سَاعَةً اجْتِهَادًا فِي دِينِي وَكَانَ لِأَبِي ضَيْعَةٌ فِي بَعْضِ عَمَلِهِ وَكَانَ يُعَالِجُ بُنْيَانًا لَهُ فِي دَارِهِ فَدَعَانِي فَقَالَ: أَيْ بُنَيَّ إِنَّهُ قَدْ شَغَلَنِي بُنْيَانِي كَمَا تَرَى فَانْطَلِقْ إِلَى ضَيْعَتِي هَذِهِ وَلَا تَحْتَبِسْ عَنِّي؛ فَإِنَّكَ إِنِ احْتَبَسْتَ عَلَيَّ كُنْتَ أَهَمَّ إِلَيَّ مِنْ ضَيْعَتِي وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَشَغَلْتَنِي عَنْ كُلِّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِي قَالَ: فَخَرَجْتُ أُرِيدُ الضَّيْعَةَ الَّتِي بَعَثَنِي إِلَيْهَا قَالَ: فَمَرَرْتُ بِكَنِيسَةٍ مِنْ كَنَائِسِ النَّصَارَى فَسَمِعْتُ أَصْوَاتَهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ وَكُنْتُ لَا أَدْرِي مَا أَمْرُ النَّاسِ لِحَبْسِ أَبِي إِيَّايَ فِي بَيْتِهِ فَلَمَّا سَمِعْتُ أَصْوَاتَهُمْ دَخَلْتُ عَلَيْهِمْ أَنْظُرُ مَاذَا يَصْنَعُونَ فَلَمَّا رَأَيْتُهُمْ أَعْجَبَنِي صَلَاتُهُمْ وَرَغِبْتُ فِي أَمْرِهِمْ وَقُلْتُ: هَذَا وَاللَّهِ خَيْرٌ مِنَ الدِّينِ الَّذِي نَحْنُ عَلَيْهِ فَوَاللَّهِ مَا بَرِحْتُهُمْ حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ وَتَرَكْتُ ضَيْعَةَ أَبِي فَلَمْ آتِهَا ثُمَّ قُلْتُ لَهُمْ: أَيْنَ أَصْلُ هَذَا الدِّينِ؟ قَالُوا: بِالشَّامِ قَالَ: ثُمَّ رَجَعْتُ إِلَى أَبِي وَقَدْ بَعَثَ فِي طَلَبِي فَشَغَلْتُهُ عَنْ عَمَلِهِ كَمَا قَالَ فَلَمَّا جِئْتُهُ قَالَ: يَا بُنَيَّ أَيْنَ كُنْتَ؟ أَلَمْ أَكُنْ أَعْهَدُ إِلَيْكَ مَا عَهِدْتُ؟ قَالَ: قُلْتُ: يَا أَبَتِ مَرَرْتُ بِنَاسٍ يُصَلُّونَ فِي كَنِيسَةٍ لَهُمْ فَأَعْجَبَنِي مَا رَأَيْتُ مِنْ دِينِهِمْ فَوَاللَّهِ مَا زِلْتُ عِنْدَهُمْ حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ قَالَ: أَيْ بُنَيَّ لَيْسَ فِي ذَلِكَ خَيْرٌ بَلْ دِينُكَ وَدِينُ آبَائِكَ خَيْرٌ قُلْتُ: كَلَّا وَاللَّهِ إِنَّهُ لَخَيْرٌ مِنْ دِينِنَا قَالَ: فَخَافَنِي؛ فَجَعَلَ فِي رِجْلَيَّ قَيْدًا ثُمَّ حَبَسَنِي فِي بَيْتٍ قَالَ: وَبَعَثْتُ إِلَى النَّصَارَى فَقُلْتُ: إِذَا قَدِمَ عَلَيْكُمْ رَكْبٌ مِنَ الشَّامِ فَأَخْبِرُونِي قَالَ: فَقَدِمَ عَلَيْهِمْ رَكْبٌ مِنَ الشَّامِ تُجَّارٌ مِنَ النَّصَارَى قَالَ: فَأَخْبَرُونِي قَالَ: قُلْتُ: إِذَا قَضَوْا حَوَائِجَهُمْ وَأَرَادُوا ⦗٢٦٠⦘ الرَّجْعَةَ إِلَى بِلَادِهِمْ فَآذِنُونِي فَلَمَّا أَرَادُوا الرَّجْعَةَ إِلَى بِلَادِهِمْ أَعْلَمُونِي بِهِمْ قَالَ: فَأَلْقَيْتُ الْحَدِيدَ عَنْ رِجْلَيَّ ثُمَّ خَرَجْتُ مَعَهُمْ حَتَّى قَدِمْتُ الشَّامَ فَلَمَّا قَدِمْتُهَا قُلْتُ: مَنْ أَفْضَلُ أَهْلِ هَذَا الدِّينِ عِلْمًا؟ قَالُوا: الْأُسْقُفُّ فِي الْكَنِيسَةِ قَالَ: فَجِئْتُهُ فَقُلْتُ لَهُ: إِنِّي قَدْ رَغِبْتُ فِي هَذَا الدِّينِ وَأَكُونُ مَعَكَ أَخْدُمُكَ فِي كَنِيسَتِكَ وَأَتَعَلَّمُ مِنْكَ وَأُصَلِّي مَعَكَ قَالَ: فَافْعَلْ فَادْخُلْ فَدَخَلْتُ مَعَهُ قَالَ: وَكَانَ رَجُلَ سَوْءٍ يَأْمُرُ بِالصَّدَقَةِ وَيُرَغِّبُهُمْ فِيهَا فَإِذَا جَمَعُوا لَهُ شَيْئًا مِنْهَا اكْتَنَزَهُ لِنَفْسِهِ وَلَمْ يُعْطِ الْمَسَاكِينَ شَيْئًا فَأَعْلَمْتُهُمْ بِذَلِكَ بَعْدَ مَوْتِهِ فَقَالُوا لِي: وَمَا عِلْمُكَ بِذَلِكَ؟ قُلْتُ: أَنَا أَدُلُّكُمْ عَلَى كَنْزِهِ فَقَالُوا لِي: دُلَّنَا عَلَيْهِ قَالَ: فَأَرَيْتُهُمْ مَوْضِعَهُ فَاسْتَخْرَجُوا سَبْعَ قِلَالٍ مَمْلُوءَةً ذَهَبًا وَوَرِقًا فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا: لَا وَاللَّهِ لَا نَدْفِنُهُ فَصَلَبُوهُ ثُمَّ رَمَوْهُ بِالْحِجَارَةِ ثُمَّ جَاءُوا بِرَجُلٍ آخَرَ قَالَ: فَجَعَلُوهُ مَكَانَهُ قَالَ: يَقُولُ سَلْمَانُ: فَمَا رَأَيْتُ رَجُلًا لَا يُصَلِّي الْخَمْسَ أَرَى أَنَّهُ أَفْضَلُ مِنْهُ قَالَ: فَأَحْبَبْتُهُ حُبًّا لَمْ أُحِبَّ شَيْئًا كَانَ مِثْلَهُ فَأَقَمْتُ مَعَهُ زَمَانًا ثُمَّ حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ فَقُلْتُ: يَا فُلَانُ إِنِّي قَدْ كُنْتُ مَعَكَ وَأَحْبَبْتُكَ حُبًّا لَمْ أُحِبَّ شَيْئًا كَانَ قَبْلَكَ وَقَدْ حَضَرَكَ مَا تَرَى مِنْ أَمْرِ اللَّهِ فَإِلَى مَنْ تُوصِي بِي؟ وَبِمَ تَأْمُرُنِي؟ قَالَ: أَيْ بُنَيَّ وَاللَّهِ مَا أَعْلَمُ أَحَدًا الْيَوْمَ عَلَى مَا كُنْتُ عَلَيْهِ لَقَدْ هَلَكَ النَّاسُ وَبَدَّلُوا كَثِيرًا مِمَّا كَانُوا عَلَيْهِ إِلَّا رَجُلًا بِالْمَوْصِلِ وَهُوَ فُلَانٌ وَهُوَ عَلَى مَا كُنْتُ عَلَيْهِ فَالْحَقْ بِهِ قَالَ: فَلَمَّا غُيِّبَ لَحِقْتُ بِصَاحِبِ الْمَوْصِلِ فَقُلْتُ: يَا فُلَانُ إِنَّ فُلَانًا أَوْصَانِي عِنْدَ مَوْتِهِ أَنْ أَلْحَقَ بِكَ وَأَخْبَرَنِي أَنَّكَ عَلَى أَمْرِهِ فَقَالَ: أَقِمْ عِنْدِي قَالَ: فَأَقَمْتُ عِنْدَهُ فَوَجَدْتُهُ خَيْرَ ⦗٢٦١⦘ رَجُلٍ عَلَى أَمْرِ صَاحِبِهِ قَالَ: فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ مَاتَ فَلَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ قُلْتُ لَهُ: يَا فُلَانُ إِنَّ فُلَانًا أَوْصَى بِي إِلَيْكَ وَأَمَرَنِي بِاللُّحُوقِ بِكَ وَقَدْ حَضَرَكَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ مَا تَرَى فَإِلَى مَنْ تُوصِي بِي؟ قَالَ: إِنِّي وَاللَّهِ مَا أَعْلَمُ رَجُلًا عَلَى مَا كُنَّا عَلَيْهِ إِلَّا رَجُلًا بِنَصِيبِينَ وَهُوَ فُلَانٌ فَالْحَقْ بِهِ فَلَمَّا مَاتَ وَغُيِّبَ لَحِقْتُ بِصَاحِبِ نَصِيبِينَ فَجِئْتُهُ فَأَخْبَرْتُهُ خَبَرِي وَمَا أَمَرَنِي بِهِ صَاحِبِي فَقَالَ: أَقِمْ عِنْدِي فَأَقَمْتُ عِنْدَهُ فَوَجَدْتُهُ عَلَى أَمْرِ صَاحِبِهِ فَأَقَمْتُ مَعَهُ فَوَجَدْتُهُ خَيْرَ رَجُلٍ فَوَاللَّهِ مَا لَبِثَ إِذْ نَزَلَ بِهِ الْمَوْتُ فَلَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ قُلْتُ: يَا فُلَانُ إِنَّ فُلَانًا أَوْصَى بِي إِلَى فُلَانٍ ثُمَّ أَوْصَى بي فُلَانٌ إِلَيْكَ فَإِلَى مَنْ تُوصِي بِي؟ وَمَا تَأْمُرُنِي بِهِ؟ قَالَ: يَا بُنَيَّ مَا أَعْلَمُ أَحَدًا بَقِيَ عَلَى أَمْرِنَا آمُرُكَ أَنْ تَأْتِيَهُ إِلَّا رَجُلًا بِعَمُّورِيَّةَ مِنْ أَرْضِ الرُّومِ فَإِنَّهُ عَلَى مِثْلِ أَمْرِنَا فَإِنْ أَحْبَبْتَ فَأْتِهِ فَإِنَّهُ عَلَى أَمْرِنَا قَالَ: فَلَمَّا مَاتَ وَغُيِّبَ لَحِقْتُ بِصَاحِبِ عَمُّورِيَّةَ وَأَخْبَرْتُهُ خَبَرِي فَقَالَ: أَقِمْ، فَأَقَمْتُ عِنْدَهُ فَوَجَدْتُهُ خَيْرَ رَجُلٍ عَلَى هُدَى أَصْحَابِهِ وَأَمْرِهِمْ لَمْ أَرَ أَزْهَدَ فِي الدُّنْيَا وَلَا أَرْغَبَ فِي الْآخِرَةِ وَلَا أَدْأَبَ لَيْلًا وَنَهَارًا مِنْهُ قَالَ: ثُمَّ اكْتَسَبْتُ حَتَّى كَانَتْ لِي بَقَرَاتٌ وَغُنَيْمَةٌ قَالَ: ثُمَّ نَزَلَ بِهِ أَمْرُ اللَّهِ فَلَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ قُلْتُ لَهُ: يَا فُلَانُ إِنِّي كُنْتُ مَعَ فُلَانٍ فَأَوْصَى بِي أَنْ آتِيَ فُلَانًا ثُمَّ أَوْصَى بِي فُلَانٌ إِلَى فُلَانٍ ثُمَّ أَوْصَى بِي فُلَانٌ إِلَيْكَ فَإِلَى مَنْ تُوصِي بِي وَمَا تَأْمُرُنِي؟ قَالَ: أَيْ بُنَيَّ وَاللَّهِ مَا أَعْلَمُ أَصْبَحَ عَلَى مَا كُنَّا عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ آمُرُكَ أَنْ تَأْتِيَهُ وَلَكِنْ قَدْ أَظَلَّكَ زَمَانُ نَبِيٍّ هُوَ مَبْعُوثٌ بِدِينِ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ يَخْرُجُ بِأَرْضِ الْعَرَبِ مُهَاجَرَهُ إِلَى أَرْضٍ بَيْنَ حَرَّتَيْنِ بِهَا نَخْلٌ بِهِ عَلَامَاتٌ لَا تَخْفَى يَأْكُلُ الْهَدِيَّةَ وَلَا يَأْكُلُ ⦗٢٦٢⦘ الصَّدَقَةَ، بَيْنَ كَتِفَيْهِ خَاتَمُ النُّبُوَّةِ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَلْحَقَ بِتِلْكَ الْبِلَادِ فَافْعَلْ قَالَ: ثُمَّ إِنَّهُ مَاتَ وَغُيِّبَ وَمَكَثْتُ بِعَمُّورِيَّةَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ أَمْكُثَ ثُمَّ مَرَّ بِي نَفَرٌ مِنْ كَلْبٍ تُجَّارٌ فَقُلْتُ لَهُمْ: تَحْمِلُونِي إِلَى أَرْضِ الْعَرَبِ وَأُعْطِيكُمْ بَقَرَاتِي هَذِهِ وَغُنَيْمَتِي هَذِهِ قَالَ: فَأَعْطَيْتُهُمْ إِيَّاهَا وَحَمَلُونِي مَعَهُمْ حَتَّى إِذَا قَدِمُوا بِي وَادِيَ الْقُرَى ظَلَمُونِي فَبَاعُونِي مِنْ رَجُلٍ يَهُودِيٍّ عَبْدًا فَكُنْتُ عِنْدَهُ وَرَأَيْتُ النَّخْلَ فَرَجَوْتُ أَنْ يَكُونَ الْبَلَدَ الَّذِي وَصَفَ لِي صَاحِبِي وَلَمْ يُحَقِّقْ لِي فِي نَفْسِي فَبَيْنَا أَنَا كَذَلِكَ إِذْ قَدِمَ عَلَيْهِ ابْنُ عَمٍّ لَهُ مِنَ الْمَدِينَةِ مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ فَابْتَاعَنِي مِنْهُ فَحَمَلَنِي إِلَى الْمَدِينَةِ فَوَاللَّهِ مَا هُوَ إِلَّا أَنْ رَأَيْتُهَا فَعَرَفْتُهَا بِصِفَةِ صَاحِبِي فَأَقَمْتُ بِهَا وَبَعَثَ اللَّهُ رَسُولَهُ فَأَقَامَ بِمَكَّةَ مَا أَقَامَ لَا أَسْمَعُ لَهُ بِذِكْرٍ لِمَا أَنَا فِيهِ مِنْ شُغْلِ الرِّقِّ ثُمَّ هَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ فَوَاللَّهِ إِنِّي لَفِي رَأْسِ عِذْقٍ لِسَيِّدِي أَعْمَلُ فِيهَا بَعْضَ عَمَلِهِ وَسَيِّدِي جَالِسٌ تَحْتِي إِذْ أَقْبَلَ ابْنُ عَمٍّ لَهُ فَوَقَفَ عَلَيْهِ فَقَالَ: يَا فُلَانُ قَاتَلَ اللَّهُ بَنِي قَيْلَةَ وَاللَّهِ إِنَّهُمُ الْآنَ يَجْتَمِعُونَ بِقُبَاءٍ عَلَى رَجُلٍ قَدِمَ عَلَيْهِمْ مِنْ مَكَّةَ الْيَوْمَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُ نَبِيٌّ قَالَ: فَلَمَّا سَمِعْتُهَا أَخَذَتْنِي الْعَرُورَاءُ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنِّي سَاقِطٌ عَلَى سَيِّدِي فَلَمَّا نَزَلْتُ عَنِ النَّخْلَةِ جَعَلْتُ أَقُولُ لِابْنِ عَمِّهِ ذَلِكَ مَا تَقُولُ قَالَ: فَغَضِبَ سَيِّدِي فَلَكَمَنِي لَكْمَةً شَدِيدَةً ثُمَّ قَالَ: مَا لَكَ وَلِهَذَا؟ أَقْبِلْ عَلَى عَمَلِكَ قُلْتُ: لَا شَيْءَ أَرَدْتُ أَنْ أَسْتَثْبِتَهُ مِمَّا قَالَ فَكَانَ عِنْدِي شَيْءٌ قَدْ جَمَعْتُهُ فَلَمَّا أَمْسَيْتُ أَخَذْتُهُ ثُمَّ ⦗٢٦٣⦘ ذَهَبْتُ بِهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ بِقُبَاءٍ فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّكَ رَجُلٌ صَالِحٌ مَعَكَ أَصْحَابٌ لَكَ غُرَبَاءُ ذَوُو حَاجَةٍ وَهَذَا شَيْءٌ عِنْدِي لِلصَّدَقَةِ فَرَأَيْتُكُمْ أَحَقَّ بِهِ مِنْ غَيْرِكُمْ ثُمَّ قَرَّبْتُهُ إِلَيْهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَصْحَابِهِ: كُلُوا وَأَمْسَكَ يَدَهُ فَلَمْ يَأْكُلْ قَالَ: فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: هَذِهِ وَاحِدَةٌ ثُمَّ انْصَرَفْتُ عَنْهُ فَجَمَعْتُ شَيْئًا ثُمَّ تَحَوَّلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْمَدِينَةِ ثُمَّ جِئْتُهُ فَقُلْتُ لَهُ: إِنِّي رَأَيْتُكَ لَا تَأْكُلُ الصَّدَقَةَ وَهَذِهِ هَدِيَّةٌ أَكْرَمْتُكَ بِهَا قَالَ: فَأَكَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ فَأَكَلُوا مَعَهُ فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: هَاتَانِ ثِنْتَانِ ثُمَّ جِئْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ بِبَقِيعِ الْغَرْقَدِ قَدْ تَبِعَ جِنَازَةَ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِهِ عَلَيْهِ شَمْلَتَانِ لَهُ، هُوَ جَالِسٌ فِي أَصْحَابِهِ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ ثُمَّ اسْتَدْبَرْتُهُ أَنْظُرُ إِلَى ظَهْرِهِ هَلْ أَرَى الْخَاتَمَ الَّذِي وَصَفَ لِي صَاحِبِي فَلَمَّا رَأَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنِّي اسْتَدْبَرْتُهُ عَرَفَ أَنِّي أَسْتَثْبِتْهُ فِي شَيْءٍ وُصِفَ لِي فَأَلْقَى رِدَاءَهُ عَنْ ظَهْرِهِ فَنَظَرْتُ إِلَى الْخَاتَمِ فَعَرَفْتُهُ فَانْكَبَبْتُ عَلَيْهِ أُقَبِّلُهُ وَأَبْكِي فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: تَحَوَّلْ فَتَحَوَّلْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَقَصَصْتُ عَلَيْهِ حَدِيثِي كَمَا حَدَّثْتُكَ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ فَأَعْجَبَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَأَحَبَّ أَنْ يَسْمَعَ ذَلِكَ أَصْحَابُهُ ثُمَّ قَالَ لِي: كَاتِبْ يَا سَلْمَانُ فَكَاتَبْتُ صَاحِبِي عَلَى ثَلَاثِمِائَةِ نَخْلَةٍ بِالْفَقِيرِ وَبِأَرْبَعِينَ أُوقِيَّةً فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " أَعِينُوا أَخَاكُمْ فَأَعَانُونِي بِالنَّخْلِ الرَّجُلُ بِثَلَاثِينَ وَدِيَّةً وَالرَّجُلُ بِخَمْسَةَ عَشَرَ وَالرَّجُلُ بِقَدْرِ مَا عِنْدَهُ حَتَّى جَمَعُوا ثَلَاثَمِائَةِ وَدِيَّةٍ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: اذْهَبْ يَا سَلْمَانُ فَفَقِّرْهُمَا فَإِذَا فَرَغْتَ ⦗٢٦٤⦘ فَآذِنِّي؛ حَتَّى أَكُونَ أَنَا الَّذِي أَضَعُهَا بِيَدِي قَالَ: فَفَقَّرْتُ لَهَا وَأَعَانَنِي أَصْحَابِي حَتَّى فَرَغْتُ فَجِئْتُهُ فَأَخْبَرْتُهُ فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَعِي إِلَيْهَا فَجَعَلْنَا نُقَرِّبُ لَهُ الْوَدِيَّ وَيَضَعُهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِهِ حَتَّى فَرَغْنَا فَوَالَّذِي نَفْسُ سَلْمَانَ بِيَدِهِ مَا مَاتَ مِنْهَا وَدِيَّةٌ وَاحِدَةٌ فَأَدَّيْتُ النَّخْلَ وَبَقِيَ عَلَيَّ الْمَالُ فَأُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمِثْلِ بَيْضَةِ الدَّجَاجَةِ مِنْ ذَهَبٍ مِنْ بَعْضِ الْمَعَادِنِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَا فَعَلَ الْفَارِسِيُّ الْمُكَاتَبُ؟ قَالَ: فَدُعِيتُ لَهُ فَقَالَ: خُذْ هَذِهِ فَأَدِّهَا مِمَّا عَلَيْكَ يَا سَلْمَانُ قَالَ: قُلْتُ: فَأَيْنَ تَقَعُ هَذِهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ مِمَّا عَلَيَّ؟ قَالَ: خُذْهَا فَإِنَّ اللَّهَ سَيُؤَدِّي بِهَا عَنْكَ، فَوَزَنْتُ لَهُمْ مِنْهَا وَالَّذِي نَفْسُ سَلْمَانَ بِيَدِهِ أَرْبَعِينَ أُوقِيَّةً فَأَوْفَيْتُهُمْ حَقَّهُمْ وَعُتِقَ سَلْمَانُ فَشَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْخَنْدَقَ حُرًّا ثُمَّ لَمْ يَفُتْنِي مَشْهَدٌ "
[ ٢٥٨ ]