[ ٧١ ]
٣٢ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ السِّنْدِيِّ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ بْنُ عَلُّوَيْهِ، قَالَ: ثنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عِيسَى، قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ بَشِيرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ كَعْبٍ، قَالَ: " أَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَى أَشْعِيَاءَ: أَنْ قُمْ فِي قَوْمِكَ أَوْحِي عَلَى لِسَانِكَ، فَقَامَ أَشْعِيَاءُ خَطِيبًا، فَلَمَّا أَطْلَقَ اللَّهُ ﷿ لِسَانَهُ بِالْوَحْيِ فَحَمِدَ اللَّهَ وَسَبَّحَهُ، وَقَدَّسَهُ، وَهَلَّلَهُ، ثُمَّ قَالَ: يَا سَمَّاءُ اسْمَعِي، وَيَا أَرْضُ أَنْصِتِي، وَيَا جِبَالُ أَوِّبِي، فَإِنَّ اللَّهَ ﷿ يُرِيدُ أَنْ يَفُضَّ شَأْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ الَّذِينَ رَبَّاهُمْ بِنِعْمَتِهِ، وَاصْطَفَاهُمْ لِنَفْسِهِ، وَخَصَّهُمْ بِكَرَامَتِهِ، فَذَكَرَ مُعَاتَبَةَ اللَّهِ إِيَّاهُمْ، ثُمَّ قَالَ: وَزَعَمُوا إِنْ شَاءُوا أَنْ يَطَّلِعُوا عَلَى الْغَيْبِ لِمَا تُوحِي إِلَيْهِمُ الشَّيَاطِينُ وَالْكَهَنَةُ اطَّلَعُوا، وَكُلُّهُمْ مُسْتَخِفٌّ بِالَّذِي يَقُولُ وَيَسُرُّهُ، وَهُمْ يَعْلَمُونَ أَنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَأَعْلَمُ مَا يُبْدُونَ وَمَا يَكْتُمُونَ، وَإِنِّي قَدْ قَضَيْتُ يَوْمَ خَلَقْتُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ قَضَاءً أَثْبَتُّهُ، وَحَتْمًا حَتَّمْتُهُ عَلَى نَفْسِي، وَجَعَلْتُ دُونَهُ أَجَلًا مُؤَجَّلًا، لَا بُدَّ أَنَّهُ وَاقِعٌ، فَإِنْ صَدَقُوا بِمَا يَنْتَحِلُونَ مِنْ عِلْمِ الْغَيْبِ فَيُخْبِرُونَكَ مَتَى هَذِهِ الْعِدَّةُ، وَفِي أَيِّ زَمَانٍ تَكُونُ، وَإِنْ كَانُوا يَقْدِرُونَ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ مَا يَشَاءُونَ فَلْيَأْتُوا بِمِثْلِ هَذِهِ الْقُدْرَةِ الَّتِي بِهَا ⦗٧٢⦘ أَمْضَيْتُهُ، فَإِنْ كَانُوا يَقْدِرُونَ أَنْ يُؤَلِّفُوا مَا يَشَاءُونَ فَلْيُؤَلِّفُوا مِثْلَ هَذِهِ الْحِكْمَةِ الَّتِي بِهَا أُدَبِّرُ، أَوْ مِثْلَ ذَلِكَ الْقَضَاءِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ، وَإِنِّي قَضَيْتُ يَوْمَ خَلَقْتُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ أَجْعَلَ النُّبُوَّةَ فِي غَيْرِهِمْ، وَأَنْ أُحَوِّلَ الْمُلْكَ عَنْهُمْ وَأَجْعَلَهُ فِي الرُّعَاءِ، وَالْعِزَّ فِي الْأَذِلَّاءِ، وَالْقُوَّةَ فِي الضُّعَفَاءِ، وَالْغِنَى فِي الْفُقَرَاءِ، وَالْكَثْرَةَ فِي الْأَقِلَّاءِ، وَالْمَدَائِنَ فِي الْفَلَوَاتِ، وَالْآجَامَ وَالْمَفَاوِزَ فِي الْغِيطَانِ، وَالْعِلْمَ فِي الْجَهَلَةِ، وَالْحِكْمَةَ فِي الْأُمِّيِّينَ، فَسَلْهُمْ مَتَى هَذَا؟ وَمَنِ الْقَائِمُ بِهَذَا؟ وَعَلَى يَدَيْ مَنْ أُثْبِتُهُ، وَمَنْ أَعْوَانُ هَذَا الْأَمْرِ وَأَنْصَارُهُ إِنْ كَانُوا يَعْلَمُونَ "
[ ٧١ ]
٣٣ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ، قِرَاءَةً عَلَيْهِ قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْبَرَاءِ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الْمُنْعِمِ بْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ أَبِيهِ إِدْرِيسَ بْنِ سِنَانٍ، عَنْ جَدِّهِ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ بِمِثْلِهِ، وَقَالَ: وَالْآجَامَ فِي الصَّحَارِي، وَالْبَرَارِيَّ فِي الْمَفَاوِزِ وَالْغِيطَانِ، وَزَادَ: فَإِنِّي مُبْتَعِثٌ لِذَلِكَ نَبِيًّا أُمِّيًّا، لَيْسَ أَعْمَى مِنْ عُمْيَانٍ، وَلَا ضَالًّا مِنَ الضَّالِّينَ، أَفْتَحُ بِهِ آذَانًا صُمًّا، وَقُلُوبًا غُلْفًا، وَأَعْيُنًا عُمْيًا، مَوْلِدُهُ مَكَّةَ، وَمُهَاجَرُهُ بِطِيْبَةَ، وَمُلْكُهُ بِالشَّامِ، عَبْدِي الْمُتَوَكِّلُ الْمُصْطَفَى الْمَرْفُوعُ الْحَبِيبُ الْمُتَحَبَّبُ الْمُخْتَارُ، لَا يَجْزِي السَّيِّئَةَ بِالسَّيِّئَةِ، وَلَكِنْ يَعْفُو وَيَصْفَحُ وَيَغْفِرُ، رَحِيمًا بِالْمُؤْمِنِينَ، يَبْكِي لِلْبَهِيمَةِ الْمُثْقَلَةِ، وَيَبْكِي لِلْيَتِيمِ فِي حِجْرِ الْأَرْمَلَةِ، لَيْسَ بِفَظٍّ، وَلَا غَلِيظٍ، وَلَا صَخَّابٍ فِي الْأَسْوَاقِ، وَلَا مُتَزَيِّءٍ بِالْفُحْشِ، وَلَا قَوَّالٍ بِالْخَنَا، أُسَدِّدُهُ بِكُلِّ جَمِيلٍ، وَأَهَبُ لَهُ كُلَّ ⦗٧٣⦘ خُلُقٍ كَرِيمٍ، أَجْعَلُ السَّكِينَةَ لِبَاسَهُ، وَالْبِرَّ شِعَارَهُ، وَالتَّقْوَى ضَمِيرَهُ، وَالْحِكْمَةَ مَعْقُولَهُ، وَالصِّدْقَ وَالْوَفَاءَ طَبِيعَتَهُ، وَالْعَفْوَ وَالْمَغْفِرَةَ وَالْمَعْرُوفَ خُلُقَهُ، وَالْعَدْلَ سِيرَتَهُ، وَالْحَقَّ شَرِيعَتَهُ، وَالْهُدَى إِمَامَهُ، وَالْإِسْلَامَ مِلَّتَهُ، وَأَحْمَدَ اسْمَهُ، أَهْدِي بِهِ بَعْدَ الضَّلَالَةِ، وَأُعَلِّمُ بِهِ بَعْدَ الْجَهَالَةِ، وَأَرْفَعُ بِهِ الْخَمَالَةِ، وَأُسَمِّي بِهِ بَعْدَ النُّكْرَةِ، وَأُكْثِرُ بِهِ بَعْدَ الْقِلَّةِ، وَأُغْنِي بِهِ بَعْدَ الْعَيْلَةِ، وَأَجْمَعُ بِهِ بَعْدَ الْفُرْقَةِ، وَأُؤَلِّفُ بِهِ بَيْنَ قُلُوبٍ وَأَهْوَاءٍ مُشَتَّتَةٍ، وَأُمَمٍ مُخْتَلِفَةٍ، وَأَجْعَلُ أُمَّتَهُ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ أَمْرًا بِالْمَعْرُوفِ، وَنَهْيًا عَنِ الْمُنْكَرِ، وَتَوْحِيدًا بِي، وَإِيمَانًا بِي، وَإِخْلَاصًا لِي، وَتَصْدِيقًا لِمَا جَاءَتْ بِهِ رُسُلِي، وَهُمْ رُعَاةُ الشَّمْسِ، طُوبَى لِتِلْكَ الْقُلُوبِ وَالْوُجُوهِ وَالْأَرْوَاحِ الَّتِي أَخْلَصَتْ لِي، أَلْهَمْتُهُمُ التَّسْبِيحَ وَالتَّكْبِيرَ وَالتَّحْمِيدَ وَالتَّوْحِيدَ فِي مَسَاجِدِهِمْ وَمَجَالِسِهِمْ، وَمَضَاجِعِهِمْ وَمُنْقَلَبِهِمْ، وَمَثْوَاهُمْ، وَيُصَفُّونَ فِي مَسَاجِدِهِمْ كَمَا تُصَفُّ الْمَلَائِكَةُ حَوْلَ عَرْشِي، هُمْ أَوْلِيَائِي، وَأَنْصَارِي أَنْتَقِمُ بِهِمْ مِنْ أَعْدَائِي عَبْدَةِ الْأَوْثَانِ، يُصَلُّونَ لِي قِيَامًا، وَقُعُودًا وَرُكُوعًا وَسُجُودًا، وَيَخْرُجُونَ مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي أُلُوفًا، وَيُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِي صُفُوفًا وَزُحُوفًا، أَخْتِمُ بِكِتَابِهِمُ الْكُتُبَ، وَبِشَرِيعَتِهِمُ الشَّرَائِعَ، وَبِدِينِهِمُ الْأَدْيَانَ، فَمَنْ أَدْرَكَهُمْ فَلَمْ يُؤْمِنْ بِكِتَابِهِمْ وَيَدْخُلْ فِي دِينِهِمْ وَشَرِيعَتِهِمْ فَلَيْسَ مِنِّي، وَهُوَ مِنِّي بَرِيءٌ، وَأَجْعَلُهُمْ أَفْضَلَ الْأُمَمِ، وَأَجْعَلُهُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِيَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ، إِذَا غَضِبُوا هَلَّلُونِي، وَإِذَا قُبِضُوا كَبَّرُونِي، وَإِذَا تَنَازَعُوا سَبَّحُونِي، يُطَهِّرُونَ الْوُجُوهَ وَالْأَطْرَافَ، وَيَشُدُّونَ الثِّيَابَ إِلَى الْأَنْصَافِ، وَيُكَبِّرُونَ وَيُهَلِّلُونَ عَلَى التِّلَالِ، وَالْأَشْرَافِ، قُرْبَانُهُمْ دِمَاؤُهُمْ، وَأَنَاجِيلُهُمْ صُدُورُهُمْ ⦗٧٤⦘، رُهْبَانًا بِاللَّيْلِ لُيُوثًا بِالنَّهَارِ، يُنَادِي مُنَادِيهِمْ فِي جَوِّ السَّمَاءِ، لَهُمْ دَوِيُّ كَدَوِيِّ النَّحْلِ، طُوبَى لِمَنْ كَانَ مِنْهُمْ، وَعَلَى دِينِهِمْ، وَمَنَاهِجِهِمْ، وَشَرِيعَتِهِمْ، ذَلِكَ فَضْلِي أُوتِيهِ مَنْ أَشَاءُ، وَأَنَا ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ "
[ ٧٢ ]
٣٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ بْنُ أَحْمَدَ، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ بْنُ الْفَضْلِ، وثنا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْحَسَنِ، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، قَالَ: ثنا مِنْجَابُ بْنُ الْحَارِثِ، قَالَ: ثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: ثنا زِيَادُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَا: عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: ثنا صَالِحُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ لَبِيدٍ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ سَلَامَةَ، قَالَ: " كَانَ لَنَا جَارٌ يَهُودِيُّ فِي بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ قَالَ: فَخَرَجَ عَلَيْنَا يَوْمًا مِنْ بَيْتِهِ، وَذَلِكَ قَبْلَ مَبْعَثِ النَّبِيُّ ﷺ بِيَسِيرٍ، حَتَّى وَقَفَ عَلَى مَجْلِسِ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ - قَالَ سَلَمَةُ: وَأَنَا يَوْمَئِذٍ أَحْدَثُ مَنْ فِيهِ سِنًّا، عَلَيَّ بُرْدَةٌ لِي، مُضْطَجِعٌ فِيهَا بِفِنَاءِ أَهْلِي - فَذَكَرَ الْبَعْثَ وَالْقِيَامَةَ، وَالْحِسَابَ، وَالْمِيزَانَ، وَالْجَنَّةَ، وَالنَّارَ، قَالَ: ذَلِكَ لِقَوْمٍ أَهْلِ شِرْكٍ أَصْحَابِ أَوْثَانٍ، لَا يَرَوْنَ أَنَّ بَعْثًا كَائِنٌ بَعْدَ الْمَوْتِ، فَقَالُوا: وَيْحَكَ، وَتَكُونُ دَارٌ فِيهَا جَنَّةٌ، وَنَارٌ، يُجْزَوْنَ فِيهَا بِأَعْمَالِهِمْ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَالَّذِي أَحْلِفُ بِهِ، وَلَوَدَّ أَنَّ حَظَّهُ مِنْ تِلْكَ النَّارِ أَعْظَمُ مِنَ التَّنُّورِ فِي هَذِهِ الدَّارِ، يُحْمُونَهُ، ثُمَّ يُدْخِلُونَهُ إِيَّاهُ، فَيُطْبِقُونَ عَلَيْهِ، ثُمَّ يَنْجُو مِنْ تِلْكَ النَّارِ غَدًا، قَالُوا: وَيْحَكَ، وَمَا آيَةُ ذَلِكَ؟ قَالَ: نَبِيٌّ يُبْعَثُ مِنْ هَذِهِ ⦗٧٥⦘ الْبِلَادِ. وَأَشَارَ بِيَدِهِ نَحْوَ مَكَّةَ، وَالْيَمَنِ، قَالُوا: فَمَتَى نَرَاهُ؟ فَرَمَى بِطَرْفِهِ، فَرَآنِي مُضْطَجِعًا بِفِنَاءِ بَابِ أَهْلِي، وَأَنَا أَحْدَثُ الْقَوْمِ سِنًّا، فَقَالَ: إِنْ يَسْتَنْفِدْ هَذَا الْغُلَامُ عُمْرَهُ يُدْرِكْهُ. قَالَ سَلَمَةُ: فَوَاللَّهِ مَا ذَهَبَ اللَّيْلُ، وَالنَّهَارُ، حَتَّى بَعَثَ اللَّهُ ﷿ نَبِيَّهُ، وَهُوَ حَيُّ بَيْنَ أَظْهُرِنَا، فَآمَنَّا بِهِ، وَكَفَرَ بِهِ بَغْيًا، وَحَسَدًا، فَقُلْنَا لَهُ: وَيْلَكَ يَا فُلَانُ، أَلَسْتَ الَّذِي قُلْتَ لَنَا مَا قُلْتَ: قَالَ: بَلَى، وَلَكِنْ لَيْسَ بِهِ، وَكَانَ يُقَالُ لَهُ يُوشَعُ. "
[ ٧٤ ]
٣٥ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْبَرَاءِ، قَالَ: ثنا الْفَضْلُ بْنُ غَانِمٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ بْنُ الْفَضْلِ، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، وَأَحْمَدُ بْنُ صَالِحِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَسْعَدَ بْنِ زُرَارَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَنْ شِئْتُ مِنْ رِجَالِ قَوْمِي، عَنْ حَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ، أَنَّهُ قَالَ: وَاللَّهِ إِنِّي لَغُلَامٌ يَفَعَةٌ ابْنُ ثَمَانِ سِنِينَ، أَوْ سَبْعٍ، أَعْقِلُ مَا سَمِعْتُ، إِذْ سَمِعْتُ يَهُودِيًّا يَصْرُخُ عَلَى أُطُمِهِ يَثْرِبَ: يَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ، حَتَّى اجْتَمَعُوا إِلَيْهِ، فَقَالُوا لَهُ: وَيْلَكَ مَا لَكَ؟ قَالَ: «طَلَعَ اللَّيْلَةَ نَجْمُ أَحْمَدَ الَّذِي وُلِدَ بِهِ»
[ ٧٥ ]
وَذَكَرَهُ الْوَاقِدِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي سَبْرَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ الْعَبْسِيِّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُمِّ الْحَكَمِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ جَارَيَةَ سَمِعْتُ حَسَّانَ بْنَ ثَابِتٍ يَقُولُ قَبْلَ وَفَاتِهِ بِيَسِيرٍ، شَهْرٍ، أَوْ نَحْوِهِ: " وَاللَّهِ إِنِّي لَفِي مَنْزِلِي ابْنُ سَبْعِ سِنِينَ، وَأَنَا أَحْفَظُ مَا أَرَى، وَأَعِي مَا أَسْمَعُ، وَأَنَا مَعَ أَبِي إِذَا دَخَلَ عَلَيْنَا فَتًى مِنَّا يُقَالُ لَهُ: ثَابِتُ بْنُ الضَّحَّاكِ، وَهُوَ يَوْمُ نَجْوَى، فَتَحَدَّثَ، فَقَالَ: زَعَمَ يَهُودِيُّ مِنْ يَهُودِ قُرَيْظَةَ السَّاعَةَ، وَهُوَ ⦗٧٦⦘ يُلَاحِينِي قَدْ أَظَلَّ خُرُوجُ نَبِيٍّ يَأْتِي بِكِتَابٍ مِثْلِ كِتَابِنَا، يَقْتُلُكُمْ قَتْلَ عَادٍ. قَالَ حَسَّانُ: فَوَاللَّهِ إِنِّي لَعَلَى فَارِعٍ - يَعْنِي أُطُمَ - حِسَانٍ فِي السَّحَرِ، إِذْ سَمِعْتُ صَوْتًا مَا أَسْمَعُ صَوْتًا قَطُّ أَنْفَذَ مِنْهُ، فَإِذَا يَهُودِيُّ عَلَى أُطُمٍ مِنْ آطَامِ الْمَدِينَةِ، مَعَهُ شُعْلَةٌ مِنْ نَارٍ، فَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ النَّاسٌ، فَقَالُوا: مَا لَكَ وَيْلَكَ؟ قَالَ حَسَّانُ: فَأَسْمَعُهُ يَقُولُ: هَذَا كَوْكَبُ أَحْمَدَ قَدْ طَلَعَ. هَذَا كَوْكَبٌ لَا يَطْلُعُ إِلَّا بِالنُّبُوَّةِ، وَلَمْ يَبْقَ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ إِلَّا أَحْمَدُ. قَالَ: فَجَعَلَ النَّاسُ يَضْحَكُونَ مِنْهُ، وَيَعْجَبُونَ لِمَا يَأْتِي مِنْهُ. فَكَانَ حَسَّانُ عَاشَ مِائَةَ سَنَةٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً، سِتِّينَ سَنَةً فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَسِتِّينَ سَنَةً فِي الْإِسْلَامِ
[ ٧٥ ]
أَخْبَرَنَا بِذَلِكُ أَبُو عُمَرَ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ حَمْزَةَ قَالَ: ثنا الْحَسَنُ بْنُ الْجَهْمِ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ بْنُ الْفَرَجِ، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ الْوَاقِدِيُّ، بِهِ، قَالَ الْوَاقِدِيُّ: فَحَدَّثَنِي أَبُو سَبْرَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ، قَالَ: " لَمَّا صَاحَ الْيَهُودِيُّ مِنْ فَوْقِ الْأُطُمِ: هَذَا كَوْكَبُ أَحْمَدَ قَدْ طَلَعَ، وَهُوَ لَا يَطْلُعُ إِلَّا بِالنُّبُوَّةِ، قَالَ: وَكَانَ أَبُو قَيْسٍ مِنْ بَنِي عَدِيِّ بْنِ النَّجَّارِيِّ قَدْ تَرَهَّبَ، وَلَبِسَ الْمُسُوحَ، فَقَالَ: يَا أَبَا قَيْسٍ، انْظُرْ مَا يَقُولُ هَذَا الْيَهُودِيُّ، قَالَ: انْتِظَارِي النَّبِيَّ صَنَعَ بِي هَذَا، فَأَنَا أَنْتَظِرُهُ حَتَّى أُصَدِّقَهُ، وَأَتَّبِعَهُ قَالَ ابْنُ حَزْمٍ: وَقَدْ كَانَ صَدَّقَ النَّبِيَّ وَهُوَ بِمَكَّةَ، وَلَمْ يَخْرُجْ، وَكَانَ شَيْخًا كَبِيرًا حِينَ قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ الْمَدِينَةَ ⦗٧٧⦘
٣٦ - قَالَ الْوَاقِدِيُّ: فَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ زُهَيْرٍ الْكَعْبِيُّ، عَنْ فُطَيْرٍ الْحِرَّاثِيِّ، عَنْ حِزَامِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ مُحَيِّصَةَ، عَنْ حُوَيِّصَةَ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: كُنَّا وَيَهُودُ فِينَا كَانُوا يَذْكُرُونَ نَبِيًّا يُبْعَثُ بِمَكَّةَ اسْمُهُ أَحْمَدُ، وَلَمْ يَبْقَ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ غَيْرُهُ، وَهُوَ فِي كُتُبِنَا، وَمَا أَخَذَ عَلَيْنَا مِنْهُ، وَصِفَتُهُ كَذَا وَكَذَا، حَتَّى يَأْتُوا عَلَى نَعْتِهِ قَالَ: وَأَنَا غُلَامٌ وَمَا أَرَى أَحْفَظُ، وَمَا أَسْمَعُ أَعِي، إِذْ سَمِعْتُ صِيَاحًا مِنْ نَاحِيَةِ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ، فَأَرَى قَوْمًا فَزِعُوا وَخَافُوا أَنْ يَكُونَ أَمْرٌ حَدَثَ، ثُمَّ خَفِيَ الصَّوْتُ، ثُمَّ عَادَ، فَصَاحَ، فَفَهِمْنَا صِيَاحَهُ: يَا أَهْلَ يَثْرِبَ، هَذَا كَوْكَبُ أَحْمَدَ الَّذِي وُلِدَ بِهِ. قَالَ: فَجَعَلْنَا نَعْجَبُ مِنْ ذَلِكَ، ثُمَّ أَقَمْنَا دَهْرًا طَوِيلًا، وَنَسِينَا ذَلِكَ، فَهَلَكَ قَوْمٌ، وَحَدَّثَ آخَرُونَ، وَصِرْتُ رَجُلًا كَبِيرًا، فَإِذَا مِثْلُ ذَلِكَ الصَّيَّاحِ: يَا أَهْلَ يَثْرِبَ، قَدْ خَرَجَ أَحْمَدُ وَتَنَبَّأَ، وَجَاءَهُ النَّامُوسُ الْأَكْبَرُ الَّذِي كَانَ يَأْتِي مُوسَى ﵇، فَلَمْ أَلْبَثْ أَنْ سَمِعْتَ أَنَّ بِمَكَّةَ رَجُلًا خَرَجَ يَدَّعِي النُّبُوَّةَ، وَخَرَجَ مَنْ خَرَجَ مِنْ قَوْمِنَا، وَتَأَخَّرَ مَنْ تَأَخَّرَ، وَأَسْلَمَ فِتْيَانٌ مِنَّا أَحْدَاثٌ، وَلَمْ يُقْضَ لِي أَنْ أُسْلِمَ، حَتَّى قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ.
[ ٧٦ ]
٣٧ - حَدَّثَنَا حَبِيبُ بْنُ الْحَسَنِ قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الْمَرْوَزِيُّ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَيُّوبَ، قَالَ: ثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، قَالَ: حُدِّثْتُ عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيٍّ، أَنَّهَا قَالَتْ: " كُنْتُ أَحَبَّ وَلَدِ أَبِي إِلَيْهِ، وَإِلَى عَمِّي أَبِي يَاسِرٍ، لَمْ أَلْقَهُمَا قَطُّ مَعَ وَلَدٍ لَهُمَا، إِلَّا أَخَذَانِي دُونَهُ، قَالَتْ: فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ⦗٧٨⦘ الْمَدِينَةَ، وَنَزَلَ فِنَاءَ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ غَدَا عَلَيْهِ أَبِي حُيَيُّ بْنُ أَخْطَبَ، وَعَمِّي أَبُو يَاسِرِ بْنُ أَخْطَبَ مُغَلِّسَيْنِ، قَالَتْ: فَلَمْ يَرْجِعَا، حَتَّى كَانَ مَعَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، قَالَتْ: فَأَتَيَا كَالَّيْنِ، كَسْلَانَيْنِ، سَاقِطَيْنِ، يَمْشِيَانِ الْهُوَيْنَا، قَالَتْ: فَهَشَشْتُ إِلَيْهِمَا، كَمَا كُنْتُ أَصْنَعُ، فَوَاللَّهِ مَا الْتَفَتَ إِلَيَّ وَاحِدٌ مِنْهُمَا مَعَ مَا بِهِمَا مِنَ الْهَمِّ، قَالَتْ: فَسَمِعْتُ عَمِّي أَبَا يَاسِرٍ وَهُوَ يَقُولُ لِأَبِي حُيَيِّ بْنِ أَخْطَبَ: أَهُوَ هُوَ؟ قَالَ: نَعَمْ وَاللَّهِ، قَالَ: أَتَعْرِفُهُ وَتُثْبِتُهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَمَا فِي نَفْسِكَ مِنْهُ؟ قَالَ: عَدَاوَتُهُ وَاللَّهِ مَا بَقِيتُ أَبَدًا. "
[ ٧٧ ]
٣٨ - حَدَّثَنَا حَبِيبُ بْنُ الْحَسَنِ قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الْمَرْوَزِيُّ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَيُّوبَ، قَالَ: ثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: وَكَانَ مِنْ حَدِيثِ مُخَيْرِيقٍ، وَكَانَ حَبْرًا عَالِمًا، وَكَانَ رَجُلًا غَنِيًّا، كَثِيرَ الْأَمْوَالِ مِنَ النَّخْلِ، وَكَانَ يَعْرِفُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِصِفَتِهِ، وَبِمَا يَجِدُ فِي عِلْمِهِ، وَغَلَبَ عَلَيْهِ إِلْفُ دِينِهِ، فَلَمْ يَزَلْ عَلَى ذَاكَ، حَتَّى إِذْ كَانَ يَوْمُ أُحِدٍ، وَكَانَ يَوْمَ السَّبْتِ، قَالَ: يَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ، وَاللَّهِ إِنَّكُمْ لَتَعْلَمُونَ أَنَّ نَصْرَ مُحَمَّدٍ عَلَيْكُمْ لَحَقٌّ، قَالُوا: إِنَّ الْيَوْمَ يَوْمُ السَّبْتِ، قَالَ: لَا سَبْتَ بَعْدَ الْيَوْمِ. ثُمَّ أَخَذَ سِلَاحَهُ، وَخَرَجَ حَتَّى أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابَهُ بِأُحِدٍ، وَعَهِدَ إِلَى مَنْ وَرَاءَهُ مِنْ قَوْمِهِ: إِنْ قُتِلْتُ هَذَا الْيَوْمَ فَمَالِي لِمُحَمَّدٍ، يَصْنَعُ فِيهِ مَا أَرَاهُ اللَّهُ. فَلَمَّا اقْتَتَلَ النَّاسُ ⦗٧٩⦘ قَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِيمَا بَلَغَنِي يَقُولُ: «مُخَيْرِيقٌ خَيْرُ يَهُودَ» . وَقَبَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَمْوَالَهُ، فَعَامَّةُ صَدَقَاتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالْمَدِينَةِ مِنْهَا
[ ٧٨ ]
٣٩ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، قَالَ: ثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ السِّنْدِيِّ، قَالَ: ثنا النَّضْرُ بْنُ سَلَمَةَ، قَالَ: ثنا يَحْيَى بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ صَالِحِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ عَمْرِو بْنِ قَتَادَةَ، عَنْ نَمْلَةَ بْنِ أَبِي نَمْلَةَ، عَنْ أَبِيهِ أَبِي نَمْلَةَ، قَالَ: «كَانَتْ يَهُودُ بَنِي قُرَيْظَةَ يَدْرُسُونَ ذِكْرَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي كُتُبِهِمْ، وَيُعَلِّمُونَ الْوِلْدَانَ بِصِفَتِهِ، وَاسْمِهِ، وَمُهَاجَرِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَلَمَّا ظَهَرَ حَسَدُوا، وَبَغُوا، وَأَنْكَرُوا»
[ ٧٩ ]
٤٠ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، قَالَ: ثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ السِّنْدِيِّ، قَالَ: ثنا النَّضْرُ بْنُ سَلَمَةَ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ سَعِيدٍ الْمُسَاحِقِيُّ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْعَامِرِيِّ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ سُحَيْمٍ، وَرُبَيْحِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، كِلَاهُمَا عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي مَالِكَ بْنَ سِنَانٍ، يَقُولُ: جِئْتُ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ يَوْمًا، لِأَتَحَدَّثَ فِيهِمْ، وَنَحْنُ يَوْمَئِذٍ فِي هُدْنَةٍ مِنَ الْحَرْبِ، فَسَمِعْتُ يُوشَعَ الْيَهُودِيَّ يَقُولُ: أَظَلَّ خُرُوجُ نَبِيٍّ، يُقَالُ لَهُ أَحْمَدُ يَخْرُجُ مِنَ الْحَرَمِ، فَقَالَ لَهُ خَلِيفَةُ بْنُ ثَعْلَبَةَ الْأَشْهَلِيُّ كَالْمُسْتَهْزِئِ بِهِ: مَا صِفَتُهُ؟ قَالَ: رَجُلٌ لَيْسَ بِقَصِيرٍ، وَلَا بِالطَّوِيلِ، فِي عَيْنَيْهِ حُمْرَةٌ، يَلْبَسُ الشَّمْلَةَ، وَيَرْكَبُ الْحِمَارَ، سَيْفُهُ عَلَى عَاتِقِهِ، وَهَذَا الْبَلَدُ مُهَاجَرُهُ. قَالَ: فَخَرَجْتُ إلَى قَوْمِي بَنِي خُدْرَةَ، وَأَنَا يَوْمَئِذٍ أَتَعَجَّبُ مِمَّا قَالَ، فَأَسْمَعُ رَجُلًا يَقُولُ: وَيُوشَعُ يَقُولُ هَذَا وَحْدَهُ، كُلُّ يَهُودِ يَثْرِبَ تَقُولُ هَذَا؟ قَالَ أَبِي مَالِكُ بْنُ سِنَانٍ: فَخَرَجْتُ حَتَّى جِئْتُ بَنِي قُرَيْظَةَ، فَأَجِدُ جَمْعًا، فَتَذَاكَرُوا النَّبِيَّ ﷺ، فَقَالَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَاطَا: قَدْ طَلَعَ ⦗٨٠⦘ الْكَوْكَبُ الْأَحْمَرُ الَّذِي لَمْ يَطْلُعْ إِلَّا بِخُرُوجِ نَبِيٍّ وَظُهُورِهِ، وَلَمْ يَبْقَ أَحَدٌ إِلَّا أَحْمَدُ، وَهَذِهِ مُهَاجَرُهُ قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ أَخْبَرَهُ أَبِي هَذَا الْخَبَرَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَوْ أَسْلَمَ الزُّبَيْرُ وَذَوُوهُ مِنْ رُؤَسَائِهِمْ كُلُّهُمْ لَهُ تَبَعٌ»
[ ٧٩ ]
٤١ - حَدَّثَنَا حَبِيبُ بْنُ الْحَسَنِ، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ سُلَيْمَانَ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَيُّوبَ، قَالَ: ثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، قَالَ: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ، وَأَبُو عَامِرٍ عَبْدُ عَمْرِو بْنُ صَيْفِيِّ بْنِ النُّعْمَانِ بْنِ ضُبَيْعَةَ بْنِ زَيْدٍ كَانَ قَدْ تَرَهَّبَ وَلَبِسَ الْمُسُوحَ، وَكَانَ يُقَالُ لَهُ: الرَّاهِبُ، كَانَ قَدْ أَدْرَكَ وَسَمِعَ، وَفِي رِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ مُحَمَّدٍ: مَا كَانَ فِي الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ رَجُلٌ وَاحِدٌ أَوْصَفَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْهُ، كَانَ يَأْلَفُ الْيَهُودَ، وَيُسَائِلُهُمْ عَنِ الدِّينِ، وَيُخْبِرُونَهُ بِصِفَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الشَّامِ، فَسَأَلَ النَّصَارَى، فَأَخْبَرُوهُ بِصِفَةِ النَّبِيِّ ﷺ، فَرَجَعَ أَبُو عَامِرٍ وَهُوَ يَقُولُ: أَنَا عَلَى دِينِ إِبْرَاهِيمَ الْحَنِيفِيِّ، فَأَقَامَ مُتَرَهِّبًا، وَزَعَمَ أَنَّهُ يَنْتَظِرُ خُرُوجَ النَّبِيِّ ﷺ، فَلَمَّا ظَهَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَكَّةَ لَمْ يَخْرُجْ إِلَيْهِ، وَأَقَامَ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ، فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حِينَ قَدِمَ الْمَدِينَةَ، فَقَالَ: مَا هَذَا الدِّينُ الَّذِي جِئْتَ بِهِ؟ قَالَ: " جِئْتُ بِالْحَنِيفِيَّةِ دِينِ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: فَأَنَا عَلَيْهَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:، إِنَّكَ لَسْتَ عَلَيْهَا، قَالَ: بَلَى، أَدْخَلْتَ يَا مُحَمَّدُ فِي الْحَنِيفِيَّةِ مَا لَيْسَ فِيهَا، قَالَ:، مَا فَعَلْتُ، وَلَكِنِّي جِئْتُ بِهَا بَيْضَاءَ نَقِيَّةً، قَالَ أَبُو عَامِرٍ، الْكَاذِبُ - أَمَاتَهُ اللَّهُ طَرِيدًا، غَرِيبًا، وَحِيدًا - يُعَرِّضُ ⦗٨١⦘ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ -: إِنَّكَ جِئْتَ كَذَلِكَ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:، أَجَلْ، فَمَنْ كَذَبَ فَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ بِهِ، فَكَانَ هُوَ عَدُوُّ اللَّهِ خَرَجَ إِلَى مَكَّةَ، فَلَمَّا افْتَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَكَّةَ خَرَجَ إِلَى الطَّائِفِ، فَلَمَّا أَسْلَمَ أَهْلُ الطَّائِفِ لَحِقَ بِالشَّامِ، فَمَاتَ طَرِيدًا، غَرِيبًا، وَحِيدًا
[ ٨٠ ]
٤٢ - حَدَّثَنَا حَبِيبُ بْنُ الْحَسَنِ، قَالَ: ثنا ابْنُ يَحْيَى الْمَرْوَزِيُّ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَيُّوبَ، قَالَ: ثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ، عَنْ شَيْخٍ، مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ قَالَ: " هَلْ تَدْرِي مَا كَانَ عَلَامَةُ إِسْلَامِ ثَعْلَبَةَ بْنِ سُعْنَةَ، وَأُسَيْدِ بْنِ سُعْنَةَ، وَأَسَدِ بْنِ عُبَيْدٍ؟ نَفَرٌ مِنْ بَنِي ذُهْلٍ، لَيْسُوا مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ، وَلَا بَنِي نَضِيرٍ، نَسَبُهُمْ مِنْ بَنِي ذُهْلٍ، أَوْ ذُهَيْلٍ، أَتَوْا بَنِي قُرَيْظَةَ كَانُوا مَعَهُمْ فِي جَاهِلِيَّتِهِمْ، ثُمَّ كَانُوا سَادَتَهُمْ فِي الْإِسْلَامِ، قَالَ: قُلْتُ: لَا، قَالَ: فَإِنَّ رَجُلًا مِنْ يَهُودِ أَهْلِ الشَّامِ يُقَالُ لَهُ: ابْنُ الْهَيَّبَانِ، قَدِمَ عَلَيْنَا قَبْلَ الْإِسْلَامِ بِسَنَوَاتٍ، فَحَلَّ بَيْنَ أَظْهُرِنَا، وَاللَّهِ مَا رَأَيْنَا رَجُلًا قَطُّ يُصَلِّي الْخَمْسَ أَفْضَلَ مِنْهُ، فَأَقَامَ عِنْدَنَا، فَكُنَّا إِذَا قَحَطَ الْمَطَرُ قُلْنَا لَهُ: يَا ابْنَ الْهَيَّبَانِ، قُمْ، فَاسْتَسْقِ لَنَا، فَيَقُولُ: لَا، وَاللَّهِ حَتَّى تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ مُخْرِجِكُمْ صَدَقَةً، فَيَقُولُونَ: كَمْ؟ فَيَقُولُ: صَاعًا تَمْرًا، أَوْ مُدًّا مِنْ شَعِيرٍ عَنْ كُلِّ إِنْسَانٍ، قَالَ: فَنُخْرِجُهَا، فَيَخْرُجُ بِنَا إِلَى ظَاهَرِ حَرَّتِنَا، فَيَسْتَسْقِي لَنَا، فَوَاللَّهِ مَا يَبْرَحُ مِنْ مَجْلِسِهِ، حَتَّى يَمُرَّ السَّحَابُ السَّرَاحُ سَائِلَةً، وَنُسْقَى بِهِ، فَفَعَلَ ذَلِكَ غَيْرَ مَرَّةٍ، وَلَا مَرَّتَيْنِ، وَلَا ثَلَاثًا: ثُمَّ حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ، فَلَمَّا عَرَفَ أَنَّهُ مَيِّتٌ قَالَ: يَا مَعْشَرَ يَهُودَ، مَا تَرَوْنَهُ أَخْرَجَنِي مِنْ ⦗٨٢⦘ أَرْضِ الْخَمْرِ وَالْخَمِيرِ إِلَى أَرْضِ الْجُوعِ وَالْبُؤْسِ؟ قَالَ: قُلْنَا: اللَّهُ أَعْلَمُ، قَالَ: فَإِنِّي قَدِمْتُ إِلَى هَذَا الْبَلَدِ لِتَوَكُّفِ خُرُوجِ نَبِيٍّ قَدْ أَظَلَّ زَمَانُهُ، هَذِهِ الْبَلْدَةُ مُهَاجَرُهُ، فَكُنْتُ أَرْجُو أَنْ يُبْعَثَ فَأَتَّبِعَهُ، وَقَدْ أَظَلَّكُمْ زَمَانُهُ، فَلَا يَسْبِقَنَّكُمْ إِلَيْهِ يَا مَعَاشِرَ الْيَهُودِ أَحَدٌ، فَإِنَّهُ يُبْعَثُ بِسَفْكِ الدِّمَاءِ، وَسَبْيِ الذَّرَارِي وَالنِّسَاءِ مِمَّنْ خَالَفَهُ، فَلَا يَمْنَعْكُمْ ذَلِكَ مِنْهُ، فَلَمَّا بُعِثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَحَاصَرَ بَنِي قُرَيْظَةَ قَالَ هَؤُلَاءِ الْفِتْيَةُ، وَكَانُوا شَبَابًا أَحْدَاثًا: يَا بَنِي قُرَيْظَةَ، وَاللَّهِ إِنَّهُ لَلنَّبِيُّ الَّذِي عَهِدَ إِلَيْكُمُ ابْنُ الْهَيَّبَانِ، فَقَالُوا: لَيْسَ بِهِ، قَالُوا: بَلَى، وَاللَّهِ إِنَّهُ لَهُوَ بِصِفَتِهِ، وَنَزَلُوا وَأَسْلَمُوا، فَأَحْرَزُوا دِمَاءَهُمْ، وَأَمْوَالَهُمْ، وَأَهْلِيهِمْ "
[ ٨١ ]
٤٣ - حَدَّثَنَا حَبِيبُ بْنُ الْحَسَنِ، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الْمَرْوَزِيُّ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ أَيُّوبَ، قَالَ: ثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، أَنَّهُ قَالَ: بَلَغَنِي عَنْ عِكْرِمَةَ، مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ يَهُودَ، كَانُوا يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَبْلَ مَبْعَثِهِ، فَلَمَّا بَعَثَهُ اللَّهُ ﷿ مِنَ الْعَرَبِ كَفَرُوا بِهِ، وَجَحَدُوا مَا كَانُوا يَقُولُونَ فِيهِ، فَقَالَ لَهُمْ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَبِشْرُ بْنُ الْبَرَاءِ بْنِ مَعْرُورٍ أَخُو بَنِي سَلَمَةَ: يَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ، اتَّقُوا اللَّهَ، وَأَسْلِمُوا، وَقَدْ كُنْتُمْ تَسْتَفْتِحُونَ عَلَيْنَا بِمُحَمَّدٍ، وَإِنَّا أَهْلُ الشِّرْكِ، وَتُخْبِرُونَا بِأَنَّهُ مَبْعُوثٌ، وَتَصِفُونَهُ لَنَا بِصِفَتِهِ، فَقَالَ سَلَّامُ بْنُ مِشْكَمٍ: مَا هُوَ بِالَّذِي كُنَّا نَذْكُرُ لَكُمْ مَا جَاءَنَا بشَيْءٍ نَعْرِفُهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﷿ فِي ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِمْ ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ ⦗٨٣⦘ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا، فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ "
[ ٨٢ ]
٤٤ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ السِّنْدِيِّ بْنِ بَحْرٍ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ بْنُ عَلُّوَيْهِ الْقَطَّانُ، قَالَ: ثنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عِيسَى، قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ بْنُ بِشْرٍ أَبُو حُذَيْفَةَ، قَالَ: ثنا سَعِيدُ بْنُ بَشِيرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ كَعْبِ الْأَحْبَارِ، قَالَ: " كَانَ سَبَبُ اسْتِنْقَاذِ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ أَرْضِ بَابِلَ رُؤْيَا بُخْتُنَصَّرَ، فَإِنَّهُ رَأَى رُؤْيَا فَزِعَ مِنْهَا، فَدَعَا كَهَنَتَهُ، وَسَحَرَتَهُ، فَأَخْبَرَهُمْ بِمَا أَصَابَهُ مِنَ الْكَرْبِ فِي رُؤْيَاهُ، وَسَأَلَهُمْ أَنْ يَعْبُرُوهَا لَهُ؟ فَقَالُوا: قُصَّهَا عَلَيْنَا، قَالَ: قَدْ نَسِيتُهَا، فَأَخْبِرُونِي بِتَأْوِيلِهَا، قَالُوا: فَإِنَّا لَا نَقْدِرُ أَنْ نُخْبِرَكَ بِتَأْوِيلِهَا حَتَّى تَقُصَّهَا. فَغَضِبَ، وَقَالَ: اخْتَرْتُكُمْ، وَاصْطَنَعْتُكُمْ لِمِثْلِ هَذَا، اذْهَبُوا فَقَدْ أَجَّلْتُكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَإِنْ أَتَيْتُمُونِي بِتَأْوِيلِهَا، وَإِلَّا قَتَلْتُكُمْ، وَشَاعَ ذَلِكَ فِي النَّاسِ، فَبَلَغَ ذَلِكَ دَانْيَالَ، وَهُوَ مَحْبُوسٌ، فَقَالَ لِصَاحِبِ السِّجْنِ، - وَهُوَ إِلَيْهِ مُحْسِنٌ -: هَلْ لَكَ أَنْ تَذْكُرَنِي لِلْمَلِكِ، فَإِنَّ عِنْدِي عِلْمَ رُؤْيَاهُ، وَإِنِّي أَرْجُو أَنْ تَنَالَ عِنْدَهُ بِذَلِكَ مَنْزِلَةً، وَتَكُونَ سَبَبَ عَافِيَتِي، قَالَ لَهُ صَاحِبُ السِّجْنِ، إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكَ سَطْوَةَ الْمَلِكِ، لَعَلَّ غَمَّ السِّجْنِ حَمَلَكَ عَلَى أَنْ تَتَرَوَّحَ بِمَا لَيْسَ عِنْدَكَ فِيهِ عِلْمٌ، مَعَ أَنِّي أَظُنُّ إِنْ كَانَ عِنْدَ أَحَدٍ فِي هَذِهِ الرُّؤْيَا عِلْمٌ فَأَنْتَ هُوَ، قَالَ دَانْيَالُ: لَا تَخَفْ عَلَيَّ، فَإِنَّ لِي رَبًّا يُخْبِرُنِي بِمَا شِئْتُ مِنْ حَاجَتِي. فَانْطَلَقَ صَاحِبُ السِّجْنِ، فَأَخْبَرَ بُخْتُنَصَّرَ بِذَلِكَ، فَدَعَا دَانْيَالَ، فَأُدِخَلَ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَدْخُلْ عَلَيْهِ أَحَدٌ إِلَّا يَسْجُدُ لَهُ، فَوَقَفَ دَانْيَالَ، فَلَمْ يَسْجُدْ، فَقَالَ الْمَلِكُ لِمَنْ فِي الْبَيْتِ: اخْرُجُوا فَخَرَجُوا، فَقَالَ بُخْتُنَصَّرَ لِدَانْيَالَ ⦗٨٤⦘: مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِي؟ قَالَ دَانْيَالُ: إِنَّ لِي رَبًّا آتَانِي هَذَا الْعِلْمَ الَّذِي سَمِعْتَ بِهِ عَلَى أَنْ لَا أَسْجُدَ لِغَيْرِهِ، فَخَشِيتُ أَنْ أَسْجُدَ لَكَ؛ فَيَنْسَلِخَ عَنِّي هَذَا الْعِلْمُ، ثُمَّ أَصِيرُ فِي يَدِكَ أُمِّيًّا، فَلَا تَنْتَفِعُ بِي، فَتَقْتُلُنِي، فَرَأَيْتُ تَرْكَ السَّجْدَةَ أَهْوَنَ مِنْ قَتْلِي، وَخَطَرُ سَجْدَةٍ أَهْوَنُ مِنَ الْكَرْبِ، وَالْبَلَاءِ الَّذِي أَنْتَ فِيهِ، فَتَرَكْتُ السُّجُودَ نَظَرًا إِلَى ذَلِكَ، فَقَالَ بُخْتُنَصَّرَ: لَمْ يَكُنْ أَوْثَقُ فِي نَفْسِي مِنْكَ حِينَ وَفَيْتَ لِإِلَهِكَ، وَأَحَبُّ الرِّجَالِ عِنْدِي الَّذِينَ يُوفُونَ لِأَرْبَابِهِمْ بِالْعُهُودِ، فَهَلْ عِنْدَكَ عِلْمٌ بِهَذِهِ الرُّؤْيَا الَّتِي رَأَيْتُ؟ قَالَ: نَعَمْ عِنْدِي عِلْمُهَا، وَتَفْسِيرُهَا، رَأَيْتَ صَنَمًا عَظِيمًا رِجْلَاهُ فِي الْأَرْضِ، وَرَأْسُهُ فِي السَّمَاءِ، أَعْلَاهُ مِنْ ذَهَبٍ، وَأَوْسَطُهُ مِنْ فِضَّةٍ، وَأَسْفَلُهُ مِنْ نُحَاسٍ، وَسَاقَاهُ مِنْ حَدِيدٍ، وَرِجْلَاهُ مِنْ فَخَّارٍ، فَبَيْنَا أَنْتَ تَنْظُرُ إِلَيْهِ قَدْ أَعْجَبَكَ حُسْنَهُ، وِإِحْكَامَ صَنْعَتِهِ قَذَفَهُ اللَّهُ ﷿ بِحَجَرٍ مِنَ السَّمَاءِ، فَوَقَعَ عَلَى قِمَّةِ رَأْسِهِ، فَدَقَّهُ حَتَّى طَحَنَهُ، فَاخْتَلَطَ ذَهَبُهُ، وَفِضَّتُهُ وَنُحَاسُهُ، وَحَدِيدُهُ، وَفَخَّارُهُ، حَتَّى تَخَيَّلَ إِلَيْكَ لَوِ اجْتَمَعَ جَمِيعُ الْإِنْسِ، وَالْجِنِّ عَلَى أَنْ يُمَيِّزُوا بَعْضَهُ مِنْ بَعْضٍ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَى ذَلِكَ، وَلَوْ هَبَّتْ رِيحٌ لَأَذْرَتْهُ، وَنَظَرْتَ إِلَى الْحَجَرِ الَّذِي قُذِفَ بِهِ يَرْبُو، وَيَعْظُمُ وَيَنْتَشِرُ، حَتَّى مَلَأَ الْأَرْضَ كُلَّهَا، فَصِرْتَ لَا تَرَى إِلَّا السَّمَاءَ، وَالْحَجَرَ، فَقَالَ لَهُ بُخْتُنَصَّرَ: صَدَّقْتَ هَذِهِ الرُّؤْيَا الَّتِي رَأَيْتُ، فَمَا تَأْوِيلُهَا؟ قَالَ دَانْيَالُ: فَأَمَّا الصَّنَمُ، فَأُمَمٌ مُخْتَلِفَةٌ فِي أَوَّلِ الزَّمَانِ، وَفِي أَوْسَطِهِ، وَفِي آخِرِهِ، وَأَمَّا الذَّهَبُ فَهَذَا الزَّمَانُ، وَهَذِهِ الْأُمَّةُ الَّتِي أَنْتَ فِيهَا، وَأَنْتَ مَلِكٌ لَهَا، وَأَمَّا الْفِضَّةُ فَابْنُكَ يَمْلِكُ بَعْدَكَ، وَأَمَّا النُّحَاسُ، فَإِنَّهُ الرُّومُ، وَأَمَّا الْحَدِيدُ فَفَارِسُ، وَأَمَّا الْفَخَّارُ فَأُمَّتَانِ يَمْلِكُهُمَا امْرَأَتَانِ إِحْدَاهُمَا فِي مَشْرِقِ الْيَمَنِ، وَالْأُخْرَى فِي غَرْبِ الشَّامِ، وَأَمَّا الْحَجَرُ الَّذِي قُذِفَ بِهِ ⦗٨٥⦘ الصَّنَمُ فَدِينُ اللَّهِ ﷿ يَقْذِفُ بِهِ هَذِهِ الْأُمَّةَ فِي آخِرِ الزَّمَانِ؛ لِيُظْهِرَهُ عَلَيْهَا، فَيَبْعَثُ اللَّهُ نَبِيًّا أُمِّيًّا مِنَ الْعَرَبِ، فَيُدَوِّخُ اللَّهُ بِهِ الْأُمَمَ، وَالْأَدْيَانَ، كَمَا رَأَيْتَ الْحَجَرَ دَوَّخَ أَصْنَافَ الصَّنَمِ، وَيُظْهِرُهُ عَلَى الْأَدْيَانِ وَالْأُمَمِ كَمَا رَأَيْتَ الْحَجَرَ ظَهَرَ عَلَى الْأَرْضِ، وَانْتَشَرَ فِيهَا، حَتَّى عَلَاهَا، فَيُمَحِّصُ اللَّهُ بِهِ الْحَقَّ، وَيُزْهِقُ بِهِ الْبَاطِلَ، وَيَهْدِي بِهِ الضَّلَالَةَ، وَيُعَلِّمُ بِهِ الأُمِّيِّينَ، وَيُقَوِّي بِهِ الضَّعَفَةَ، وَيُعِزُّ بِهِ الْأَذِلَّةَ، وَيَنْصُرُ بِهِ الْمُسْتَضْعَفِينَ، قَالَ بُخْتُنَصَّرَ: مَا أَعْلَمُ أَحَدًا اسْتَعَنْتُ بِهِ مُنْذُ وُلِّيتُ الْمُلْكَ عَلَى شَيْءٍ غَلَبَنِي غَيْرَكَ، وَلَا أَحَدَ لَهُ عِنْدِي يَدٌ أَعْظَمُ مِنْ يَدِكَ، وَأَنَا أُجَازِيكَ بِإِحْسَانِكَ. وَذَكَرَ الْقِصَّةَ بِمَا يَلِيهَا.
[ ٨٣ ]
٤٥ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْحَسَنِ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ بْنُ الْجَهْمِ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ بْنُ الْفَرَجِ، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ الْوَاقِدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدٍ الثَّقَفِيُّ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ، وَعَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عِيسَى الثَّقَفِيُّ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْلَى بْنِ كَعْبٍ الثَّقَفِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ عُتْبَةَ، عَنْ أَبِيهِ، وَغَيْرِهِمْ، كُلٌّ قَدْ حَدَّثَنِي مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ بِطَائِفَةٍ. قَالَ: قَالَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ فِي خُرُوجِهِ إِلَى الْمُقَوْقِسِ مَعَ بَنِي مَالِكٍ، وَأَنَّهُمْ لَمَّا دَخَلُوا عَلَى الْمُقَوْقِسِ قَالَ لَهُمْ: كَيْفَ خَلَصْتُمْ إِلَيَّ مِنْ طَلَبَتِكُمْ، وَمُحَمَّدٌ وَأَصْحَابُهُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ؟ قَالُوا: لَصَقْنَا بِالْبَحْرِ، وَقَدْ خِفْنَاهُ عَلَى ذَلِكَ، قَالَ: كَيْفَ صَنَعْتُمْ فِيمَا دَعَاكُمْ إِلَيْهِ؟ قَالُوا: مَا تَبِعَهُ مِنَّا رَجُلٌ وَاحِدٌ ⦗٨٦⦘ قَالَ: لِمَ؟ قَالُوا: " جَاءَنَا بِدِينٍ مُحْدَثٍ لَا تَدِينُ بِهِ الْآبَاءُ، وَلَا يَدِينُ بِهِ الْمَلِكُ، وَنَحْنُ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ آبَاؤُنَا، قَالَ: كَيْفَ صَنَعَ قَوْمُهُ؟ قَالَ: اتَّبَعَهُ أَحْدَاثُهُمْ، وَقَدْ لَاقَاهُ مَنْ خَالَفَهُ مِنْ قَوْمِهِ وَغَيْرُهُمْ مِنَ الْعَرَبِ فِي مَوَاطِنَ، مَرَّةً تَكُونُ عَلَيْهِمُ الدَّبْرَةُ، وَمَرَّةً تَكُونُ لَهُ، قَالَ: أَلَا تُخْبِرُونَنِي، وَتَصْدُقُونَنِي إِلَى مَاذَا يَدْعُو؟ قَالُوا: يَدْعُو إِلَى أَنْ نَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَنَخْلَعَ مَا كَانَ يَعْبُدُ الْآبَاءُ، وَيَدْعُو إِلَى الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ، قَالَ: وَمَا الصَّلَاةُ وَالزَّكَاةُ، أَلَهُمَا وَقْتٌ يُعْرَفُ، وَعَدَدٌ يَنْتَهِي؟ قَالُوا: يُصَلُّونَ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ خَمْسَ صَلَوَاتٍ، كُلُّهَا لِمَوَاقِيتَ، وَعَدَدٍ سَمُّوهُ لَهُ، وَيُؤَدُّونَ مِنْ كُلِّ مَال بَلَغَ عِشْرِينَ مِثْقَالًا مِثْقَالًا، وَكُلِّ إِبِلٍ بَلَغَتْ خَمْسًا شَاةً، وَأَخْبَرُوهُ بِصَدَقَةِ الْأَمْوَالِ كُلِّهَا، قَالَ: أَفَرَأَيْتُمْ إِذَا أَخَذَهَا، أَيْنَ يَضَعُهَا؟ قَالُوا: يَرُدُّهَا عَلَى فُقَرَائِهِمْ، وَيَأْمُرُ بِصِلَةِ الرَّحِمِ، وَوَفَاءِ الْعَهْدِ، وَتَحْرِيمِ الرِّبَا، وَالزِّنَا، وَالْخَمْرِ، وَلَا يَأْكُلُ مَا ذُبِحَ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى، قَالَ: هُوَ نَبِيُّ مُرْسَلٌ إِلَى النَّاسِ كَافَّةً، وَلَوْ أَصَابَ الْقِبْطَ وَالرُّومَ تَبِعُوهُ، وَقَدْ أَمَرَهُمْ بِذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ، وَهَذَا الَّذِي تَصِفُونَ مِنْهُ بُعِثَ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ مِنْ قَبْلِهِ، وَسَتَكُونُ لَهُ الْعَاقِبَةُ حَتَّى لَا يُنَازِعَهُ أَحَدٌ، وَيَظْهَرُ دِينُهُ إِلَى مُنْتَهَى ⦗٨٧⦘ الْخُفِّ، وَالْحَافِرِ، وَمُنْقَطِعِ الْبُحُورِ، وَيُوشِكُ قَوْمُهُ يُدَافِعُونَهُ بِالرِّمَاحِ. قَالَ: قُلْنَا: لَوْ دَخَلَ النَّاسُ كُلُّهُمْ مَعَهُ مَا دَخَلْنَا، قَالَ: فَأَنْغَضَ رَأْسَهُ وَقَالَ: أَنْتُمْ فِي اللَّعِبِ. ثُمَّ قَالَ: كَيْفَ نَسَبُهُ فِي قَوْمِهِ؟ قُلْنَا: هُوَ أَوْسَطُهُمْ نَسَبًا، قَالَ: كَذَلِكَ الْمَسِيحُ، وَالْأَنْبِيَاءُ ﵈، تُبْعَثُ فِي نَسَبِ قَوْمِهَا، قَالَ: كَيْفَ صِدْقُهُ فِي حَدِيثِهِ؟ قَالَ: قُلْنَا: مَا يُسَمَّى إِلَّا الْأَمِينُ مِنْ صِدْقِهِ، قَالَ: انْظُرُوا فِي أَمْرِكُمْ، أَتَرَوْنَهُ يَصْدُقُ فِيمَا بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ، وَيَكْذِبُ عَلَى اللَّهِ قَالَ: فَمَنْ تَبِعَهُ؟ قُلْنَا: الْأَحْدَاثُ، قَالَ: هُمْ - وَالْمَسِيحِ - أَتْبَاعُ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلَهُ، قَالَ: فَمَا فَعَلَتْ يَهُودُ يَثْرِبَ فَهُمْ أَهْلُ التَّوْرَاةِ؟ قُلْنَا: خَالَفُوهُ، فَأَوْقَعَ بِهِمْ، فَقَتَلَهُمْ، وَسَبَاهُمْ، وَتَفَرَّقُوا فِي كُلِّ وَجْهٍ، قَالَ: هُمْ حَسَدَةٌ، حَسَدُوهُ، أَمَا أَنَّهُمْ يَعْرِفُونَ مِنْ أَمْرِهِ مِثْلَ مَا نَعْرِفُ. قَالَ الْمُغِيرَةُ: فَقُمْنَا مِنْ عِنْدِهِ، وَقَدْ سَمِعْنَا كَلَامًا ذَلَّلَنَا لِمُحَمَّدٍ ﷺ، وَخَضَّعَنَا، وَقُلْنَا: مُلُوكُ الْعَجَمِ يُصَدِّقُونَهُ، وَيُخَافُونَهُ فِي بُعْدِ أَرْحَامِهِمْ مِنْهُ، وَنَحْنُ أَقْرِبَاؤُهُ وَجِيرَانُهُ لَمْ نَدْخُلْ مَعَهُ قَدْ جَاءَنَا دَاعِيًا إِلَى مَنَازِلِنَا. قَالَ الْمُغِيرَةُ: فَرَجَعْنَا إِلَى مَنَازِلِنَا، فَأَقَمْتُ بِالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ، لَا أَدَعُ كَنِيسَةً إِلَّا دَخَلْتُهَا ⦗٨٨⦘، وَسَأَلْتُ أَسَاقِفَهَا مِنْ قِبْطِهَا، وَرُومِهَا، عَمَّا يَجِدُونَ مِنْ صِفَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَكَانَ أَسْقُفٌ مِنَ الْقِبْطِ هُوَ رَأْسُ كَنِيسَةِ أَبِي غَنِيٍّ، كَانُوا يَأْتُونَهُ بِمَرْضَاهِمْ، فَيَدْعُو لَهُمْ، لَمْ أَرَ أَحَدًا قَطُّ يُصَلِّي الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ أَشَدَّ اجْتِهَادًا مِنْهُ، فَقُلْتُ: أَخْبِرْنِي هَلْ بَقِيَ أَحَدٌ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَهُوَ آخِرُ الْأَنْبِيَاءِ، لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ أَحَدٌ، وَهُوَ نَبِيُّ قَدْ أَمَرَنَا عِيسَى بِاتِّبَاعِهِ، وَهُوَ النَّبِيُّ الْأُمِّيُّ الْعَرَبِيُّ، اسْمُهُ أَحْمَدُ، لَيْسَ بِالطَّوِيلِ، وَلَا بِالْقَصِيرِ، فِي عَيْنَيْهِ حُمْرَةٌ، لَيْسَ بِالْأَبْيَضِ، وَلَا بِالْآدَمِ، يُعْفِي شَعْرَهُ، وَيَلْبَسُ مَا غَلُظَ مِنَ الثِّيَابِ، وَيَجْتَزِئُ بِمَا لَقِيَ مِنَ الطَّعَامِ، سَيْفُهُ عَلَى عَاتِقِهِ، وَلَا يُبَالِي مَنْ لَاقَى، يُبَاشِرُ الْقِتَالَ بِنَفْسِهِ، وَمَعَ أَصْحَابِهِ، يُفْدُونَهُ بِأَنْفُسِهِمْ، هُمْ لَهُ أَشَدُّ حُبًّا مِنْ أَوْلَادِهِمْ وَآبَائِهِمْ، يَخْرُجُ مِنْ أَرْضِ الْقَرَظِ، وَمِنْ حَرَمٍ يَأْتِي إِلَى حَرَمٍ، يُهَاجِرُ إِلَى أَرْضٍ سِبَاخٍ وَنَخْلٍ، يَدِينُ بِدِينِ إِبْرَاهِيمَ ﵇. قَالَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ: زِدْنِي فِي صِفَتِهِ، قَالَ: يَأْتَزِرُ عَلَى وَسَطِهِ، وَيَغْسِلُ أَطْرَافَهُ، وَيُخَصُّ بِمَا لَمْ يُخَصُّ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ قَبْلَهُ، كَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ، وَبُعِثَ إِلَى النَّاسِ كَافَّةً، وَجُعِلَتْ لَهُ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا، أَيْنَمَا أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ تَيَمَّمَ وَصَلَّى، وَمَنْ كَانَ قَبْلَهُ مُشَدَّدًا عَلَيْهِمْ، لَا يُصَلُّونَ إِلَّا فِي الْكَنَائِسِ وَالْبِيَعِ ⦗٨٩⦘ قَالَ الْمُغِيرَةُ: فَوَعَيْتُ ذَلِكَ كُلَّهُ مِنْ قَوْلِهِ، وَقَوْلِ غَيْرِهِ، فَرَجَعْتُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَأَسْلَمْتُ، وَأَخْبَرْتُهُ بِمَا قَالَ الْمَلِكُ، وَقَالَتِ الْأَسَاقِفَةُ الَّذِينَ كُنْتُ أُسَائِلُهُمْ، وَأَسْمَعُ مِنْهُمْ مِنْ رُؤَسَاءِ الْقِبْطِ وَالرُّومِ، وَأَعْجَبَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، وَأَحَبَّ أَنْ يَسْمَعَهُ أَصْحَابُهُ، فَكُنْتُ أُحَدِّثُهُمْ ذَلِكَ فِي الْيَوْمَيْنِ، وَالثَّلَاثَةِ. قَالَ الشَّيْخُ: وَنُعُوتُهُ وَصِفَاتُهُ فِي الْكُتُبِ الْمُنَزَّلَةِ، وَعِنْدَ الرَّهَابِنَةِ، وَالْأَسَاقِفَةِ، وَالْأَحْبَارِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابَيْنِ مُسْتَفِيضٌ، وَكَانُوا يَرْجِعُونَ فِي أَمْرِ بِعْثَتِهِ، وَإِرْسَالِهِ إِلَى عِلْمٍ مُتَيَقَّنٍ كَالضَّرُورِيِّ؛ لِتَبْشِيرِ الْأَنْبِيَاءِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ بِهِ، وَبِإِرْسَالِهِ، وَإِيصَائِهِمْ أُمَّتَهُمْ بِتَصْدِيقِهِ إِنْ أَدْرَكَتْهُ، وَمَا كَانَتْ فِي أَيْدِيهِمْ مِنَ الْكُتُبِ وَالْعُهُودِ الْمُتَقَدِّمَةِ الْمُتَوَاتِرَةِ عَنْ آبَائِهِمْ، وَأَسْلَافِهِمْ
[ ٨٥ ]
٤٦ - وَذَلِكَ مَا حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ، قَالَ: ثنا عَلِيُّ بْنُ الْمُبَارَكِ الصَّنْعَانِيُّ، قَالَ: ثنا زَيْدُ بْنُ الْمُبَارَكِ بن مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ زَبَالَةَ الْمَخْزُومِيُِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ طَلْحَةَ التَّيْمِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ التَّيْمِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، قَالَ: كَانَ كَعْبُ بْنُ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبِ بْنِ فِهْرِ بْنِ مَالِكٍ يَجْمَعُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَكَانَتْ قُرَيْشٌ تُسَمِّي يَوْمَ الْجُمُعَةِ عَرُبَةً، فَيَخْطُبُهُمْ، فَيَقُولُ: " أَمَّا بَعْدُ، فَاسْمَعُوا، وَتَعَلَّمُوا، وَافْهَمُوا، وَاعْلَمُوا، لَيْلٌ سَاجٍ، وَنَهَارٌ ضَاحٍ، وَالْأَرْضُ مِهَادٌ، وَالسَّمَاءُ بِنَاءٌ، وَالْجِبَالُ أَوْتَادٌ، وَالنُّجُومُ أَعْلَامٌ، وَالْأَوَّلُونَ كَالْآخِرِينَ، وَالْأُنْثَى وَالذَّكَرُ وَالزَّوْجُ إِلَى بِلًى صَائِرِينَ، فَصِلُوا أَرْحَامَكُمْ، وَاحْفَظُوا أَصْهَارَكُمْ، وَثَمِّرُوا أَمْوَالَكُمْ، فَهَلْ رَأَيْتُمْ مِنْ هَالِكٍ رَجَعَ، أَوْ مَيِّتٍ ⦗٩٠⦘ نُشِرَ، الدَّارُ أَمَامَكُمْ، وَالظَّنُّ غَيْرُ مَا تَقُولُونَ، حَرَمُكُمْ زَيِّنُوهُ، وَعَظِّمُوهُ، وَتَمَسَّكُوا بِهِ، فَسَيَأْتِي لَهُ نَبَأٌ عَظِيمٌ، وَسَيَخْرُجُ مِنْهُ نَبِيُّ كَرِيمٌ. ثُمَّ يَقُولُ:
[البحر الطويل]
نَهَارٌ وَلَيْلٌ كُلُّ أَوْبٍ بِحَادِثٍ سَوَاءٌ عَلَيْهَا لَيْلُهَا وَنَهَارُهَا
يَؤُوبَانِ بِالْأَحْدَاثِ حِينَ تَأَوَّبَا وَبَالنِّعَمِ الضَّافِي عَلَيْنَا سُتُورُهَا
عَلَى غَفْلَةٍ يَأْتِي النَّبِيُّ مُحَمَّدٌ فَيُخْبِرُ أَخْبَارًا صَدُوقًا خَبِيرُهَا
ثُمَّ يَقُولُ: وَاللَّهِ لَوْ كُنْتُ فِيهَا ذَا سَمْعٍ، وَبَصَرٍ، وَيَدٍ، وَرِجْلٍ لَتَنَصَّبْتُ فِيهَا تَنَصُّبَ الْجَمَلِ، وَلَأَرْقَلْتُ فِيهَا إِرْقَالَ الْفَحْلِ. ثُمَّ يَقُولُ:
[البحر البسيط]
يَا لَيْتَنِي شَاهِدٌ فَحْوَاءَ دَعْوَتِهِ حِينَ الْعَشِيرَةُ تَبْغِي الْحَقَّ خِذْلَانَا
وَكَانَ بَيْنَ مَوْتِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ وَبَيْنَ مَبْعَث النَّبِيِّ ﷺ خَمْسُمِائَةِ سَنَةٍ وَسِتُّونَ سَنَةً"
[ ٨٩ ]
٤٧ - حَدَّثَنَا أَبُو عَمْرِو بْنُ حَمْدَانَ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ، قَالَ: ثنا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: ثنا مُلَازِمُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بَدْرٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ طَلْقٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: خَرَجْنَا وَفْدًا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَبَايَعْنَاهُ، وَصَلَّيْنَا مَعَهُ، وَأَخْبَرَنَاهُ أَنَّ بِأَرْضِنَا بَيْعَةً لَنَا، وَاسْتَوْهَبْنَاهُ مِنْ فَضْلِ طَهُورِهِ، فَدَعَا بِمَاءٍ، فَتَوَضَّأَ مِنْهُ، وَتَمَضْمَضَ مِنْهُ، وَصَبَّ لَنَا فِي إِدَاوَةٍ، ثُمَّ قَالَ: " اذْهَبُوا بِهَذَا الْمَاءِ، فَإِذَا قَدِمْتُمْ بَلَدَكُمْ، فَاكْسِرُوا بَيْعَتَكُمْ، وَانْضَحُوا مَكَانَهَا مِنْ هَذَا الْمَاءِ، وَاتَّخِذُوا مَكَانَهَا مَسْجِدًا، قُلْنَا: إِنَّ الْبَلَدَ بَعِيدٌ، وَالْحَرَّ شَدِيدٌ، وَالْمَاءَ يَنْشَفُ، قَالَ:، فَأَمِدُّوهُ مِنَ الْمَاءِ، فَإِنَّ الْمَاءَ لَا يَزِيدُهُ إِلَّا طِيبًا،. قَالَ ⦗٩١⦘: فَخَرَجْنَا وَتَشَاحَحْنَا عَلَى حَمْلِ الْإِدَاوَةِ، أَيُّنَا يَحْمِلُهَا، فَجَعَلَهَا نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ بَيْنَنَا نَوْبًا عَلَى كُلِّ رَجُلٍ يَوْمًا وَلَيْلَةً، فَخَرَجْنَا حَتَّى قَدِمْنَا بَلَدَنَا، فَفَعَلْنَا الَّذِي أَمَرَنَا بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَرَاهِبُنَا يَوْمَئِذٍ رَجُلٌ مِنْ طَيِّئٍ، فَأَذَّنَّا، فَقَالَ رَاهِبُنَا لَمَّا سَمِعَ الْأَذَانَ: دَعْوَةُ حَقٍّ، ثُمَّ اسْتَقْبَلَ تَلْعَةً مِنْ تِلَاعِنَا، ثُمَّ ذَهَبَ فَلَمْ يُرَ بَعْدُ
[ ٩٠ ]
قِصَّةُ إِسْلَامِ زَيْدِ بْنِ سُعْنَةَ
[ ٩١ ]
٤٨ - ثنا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَمْدَانَ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُتَوَكِّلِ الْعَسْقَلَانِيُّ، وثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: ثنا ابْنُ قُتَيْبَةَ، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي السَّرِيِّ، قَالَ: ثنا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ حَمْزَةَ بْنِ يُوسُفَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامِ: إِنَّ اللَّهَ ﷿ لَمَّا أَرَادَ هُدَى زَيْدِ بْنِ سُعْنَةَ قَالَ زَيْدُ بْنُ سُعْنَةَ: إِنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنْ عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ شَيْءٌ، إِلَّا وَقَدْ عَرَفْتُهَا فِي وَجْهِ مُحَمَّدٍ ﷺ حِينَ نَظَرْتُ إِلَيْهِ، إِلَّا اثْنَتَيْنِ لَمْ أُخْبَرْهُمَا مِنْهُ، يَسْبِقُ حِلْمُهُ جَهْلَهُ، وَلَا يَزِيدُهُ شِدَّةُ الْجَهْلِ عَلَيْهِ إِلَّا حِلْمًا، فَكُنْتُ أَتَلَطَّفُ لَهُ لِأَنْ أُخَالِطَهُ فَأَعْرِفَ حِلْمَهُ وَجَهْلَهُ قَالَ: فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا مِنَ الْحُجُرَاتِ، وَمَعَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، فَأَتَاهُ ⦗٩٢⦘ رَجُلٌ عَلَى رَاحِلَتِهِ كَالْبَدَوِيِّ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ قَرْيَةَ بَنِي فُلَانٍ قَدْ أَسْلَمُوا، وَدَخَلُوا فِي الْإِسْلَامِ، فَكُنْتُ حَدَّثْتُهُمْ أَنَّهُمْ إِنْ أَسْلَمُوا أَتَاهُمُ الرِّزْقُ رَغَدًا، وَقَدْ أَصَابَتْهُمْ سَنَةٌ وَشِدَّةٌ وَقُحُوطٌ مِنَ الْغَيْثِ، وَإِنِّي أَخْشَى يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ الْإِسْلَامِ طَمَعًا كَمَا دَخَلُوا فِيهِ طَمَعًا، فَإِنْ رَأَيْتَ أَنْ تُرْسِلَ إِلَيْهِمْ بشَيْءٍ تُعِينُهُمْ بِهِ، قَالَ: فَنَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى رَجُلٍ إِلَى جَانِبِهِ - أُرَاهُ عَلِيًّا -، فَقَالَ: مَا بَقِيَ مِنْهُ شَيْءٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ زَيْدُ بْنُ سُعْنَةَ: فَدَنَوْتُ إِلَيْهِ، فَقُلْتُ لَهُ: يَا مُحَمَّدُ، هَلْ لَكَ أَنْ تَبِيعَنِي تَمْرًا مَعْلُومًا مِنْ حَائِطِ بَنِي فُلَانٍ إِلَى أَجْلِ كَذَا وَكَذَا؟ فَقَالَ: لَا يَا يَهُودِيُّ، وَلَكِنْ أَبِيعُكَ تَمْرًا مَعْلُومًا عَلَى أَجَلِ كَذَا وَكَذَا، وَلَا أُسَمِّي حَائِطَ بَنِي فُلَانٍ، قَالَ: فَقُلْتُ: نَعَمْ، فَبَايَعَنِي، فَأَطْلَقْتُ هِمْيَانِي، فَأَعْطَيْتُهُ ثَمَانِينَ مِثْقَالًا مِنْ ذَهَبٍ فِي تَمْرٍ مَعْلُومٍ إِلَى أَجْلِ كَذَا وَكَذَا، فَأَعْطَى الرَّجُلَ، وَقَالَ: أَعْجِلْ عَلَيْهِمْ وَأَغِثْهُمْ بِهَا، قَالَ زَيْدُ بْنُ سُعْنَةَ: فَلَمَّا كَانَ قَبْلَ مَحَلِّ الْأَجَلِ بِيَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي جِنَازَةِ رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ، وَمَعَهُ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ فِي نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَلَمَّا صَلَّى عَلَى الْجِنَازَةِ وَدَنَا مِنْ جِدَارٍ لِيَجْلِسَ إِلَيْهِ أَتَيْتُهُ، فَأَخَذْتُ بِجَوَامِعِ قَمِيصِهِ وَرِدَائِهِ، وَنَظَرْتُ إِلَيْهِ بِوَجْهٍ غَلِيظٍ، وَقُلْتُ: أَلَا تَقْضِينِي يَا مُحَمَّدُ حَقِّي، فَوَاللَّهِ مَا عَلِمْتُكُمْ يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ إِلَّا لَمُطْلٌ، وَلَقَدْ كَانَ لِي بِمُخَالَطَتِكُمْ عِلْمٌ، قَالَ: فَنَظَرَ إِلَيَّ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَعَيْنَاهُ تَدُورَانِ فِي وَجْهِهِ كَالْفَلَكِ الْمُسْتَدِيرِ، ثُمَّ رَمَانِي بِطَرْفِهِ وَقَالَ: يَا عَدُوَّ اللَّهِ أَتَقُولُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا أَسْمَعُ، وَتَفْعَلُ بِهِ مَا أَرَى؟ فَوَالَّذِي بَعَثَهُ بِالْحَقِّ لَوْلَا مَا أُحَاذِرُ فَوْتَهُ لَضَرَبْتُ بِسَيْفِي رَأْسَكَ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَنْظُرُ إِلَى عُمَرَ فِي سُكُونٍ وَتُؤَدَةٍ وَتَبَسُّمٍ ثُمَّ قَالَ ⦗٩٣⦘: أَنَا وَهُوَ كُنَّا أَحْوَجَ إِلَى غَيْرِ هَذَا مِنْكَ يَا عُمَرُ، أَنْ تَأْمُرَنِي بِحُسْنِ الْأَدَاءِ، وَتَأْمُرَهُ بِحُسْنِ التِّبَاعَةِ، اذْهَبْ بِهِ يَا عُمَرُ، فَاقْضِهِ حَقَّهُ، وَزِدْهُ عِشْرِينَ صَاعًا مَكَانَ مَا رُعْتَهُ، قَالَ زَيْدٌ: فَذَهَبَ بِي عُمَرُ، فَقَضَانِي حَقِّي، وَزَادَنِي عِشْرِينَ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، فَقُلْتُ: مَا هَذِهِ الزِّيَادَةُ؟، فَقَالَ: أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ أَزِيدَكَ مَكَانَ مَا رُعْتُكَ، فَقُلْتُ: أَتَعْرِفُنِي يَا عُمَرُ؟ قَالَ: لَا، فَمَنْ أَنْتَ؟ فَقُلْتُ: أَنَا زَيْدُ بْنُ سُعْنَةَ، قَالَ: الْحَبْرُ؟ قُلْتُ: الْحَبْرُ، قَالَ: فَمَا دَعَاكَ أَنْ تَقُولَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا قُلْتَ، وَتَفْعَلُ بِهِ مَا فَعَلْتَ؟ قُلْتُ: يَا عُمَرُ كُلُّ عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ قَدْ عَرَفْتُ فِي وَجْهِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِينَ نَظَرْتُ إِلَيْهِ، إِلَّا اثْنَتَيْنِ، لَمْ أَخْبُرْهُمَا مِنْهُ يَسْبِقُ حِلْمُهُ جَهْلَهُ، وَلَا يَزِيدُهُ شِدَّةُ الْجَهْلِ عَلَيْهِ إِلَّا حِلْمًا فَقَدْ خَبَرْتُهُمَا، فَأُشْهِدُكَ يَا عُمَرُ أَنِّي قَدْ رَضِيتُ بِاللَّهِ رَبًّا، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا، وَأُشْهِدُكَ أَنَّ شَطْرَ مَالِي - فَإِنِّي أَكْثَرُهَا مَالًا - صَدَقَةٌ عَلَى أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَقَالَ عُمَرُ: أَوْ عَلَى بَعْضِهِمْ، فَإِنَّكَ لَا تَسَعُهُمْ كُلَّهُمْ؟ قُلْتُ: أَوْ عَلَى بَعْضِهِمْ قَالَ: فَرَجَعَ عُمَرُ وَزَيْدٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ زَيْدٌ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، فَآمَنَ بِهِ وَصَدَّقَهُ وَتَابَعَهُ، وَشَهِدَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَشَاهِدَ كَثِيرَةً، ثُمَّ قُتِلَ فِي غَزَاةِ تَبُوكَ شَهِيدًا مُقْبِلًا غَيْرَ مُدْبِرٍ، ﵀
[ ٩١ ]
٤٩ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَانَ، قَالَ: ثنا عُمَرُ بْنُ ⦗٩٤⦘ عَلِيٍّ، قَالَ: ثنا الْعَلَاءُ بْنُ الْفَضْلِ بْنِ أَبِي سَوِيَّةَ بْنِ خَلِيفَةَ بْنِ عَبْدَةَ، قَالَ: ثنا أَبِي، عَنْ جَدِّهِ أَبِي سَوِيَّةَ بْنِ خَلِيفَةَ، وَكَانَ، خَلِيفَةُ مُسْلِمًا قَالَ: سَأَلْتُ مُحَمَّدَ بْنَ عَدِيِّ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ سَوَاءَةَ بْنِ جُشُمِ بْنِ سَعْدٍ فَقُلْتُ: كَيْفَ سَمَّاكَ أَبُوكَ مُحَمَّدًا؟ فَضَحِكَ، ثُمَّ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي عَدِيُّ بْنُ رَبِيعَةَ قَالَ: خَرَجْتُ أَنَا وَسُفْيَانُ بْنُ مُجَاشِعٍ، وَيَزِيدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَأُسَامَةُ بْنُ مَالِكٍ نُرِيدُ ابْنَ جَفْنَةَ، فَلَمَّا قَرُبْنَا مِنْهُ نَزَلْنَا إِلَى شَجَرَاتٍ وَغَدِيرٍ، فَقُلْنَا: لَوِ اغْتَسَلْنَا وَزَهَّيْنَا ثِيَابَنَا هَهُنَا مِنْ قَشَفِ السَّفَرِ، فَجَعَلْنَا نَتَحَدَّثُ، فَأَشْرَفَ عَلَيْنَا دِيرَانِيُّ مِنْ قَائِمٍ لَهُ، فَقَالَ: إِنِّي أَسْمَعُ لُغَةَ قَوْمٍ لَيْسَتْ بِلُغَةِ أَهْلِ هَذِهِ الْبِلَادِ، قُلْنَا: نَحْنُ قَوْمٌ مِنْ مُضَرَ، قَالَ: مِنْ أَيِّ الْمُضَرِيِّينَ؟ قُلْنَا: مِنْ خَنْدَفَ، قَالَ: " إِنَّهُ سَيُبْعَثُ وَشِيكًا نَبِيُّ مِنْكُمْ، فَخُذُوا نَصِيبَكُمْ مِنْهُ تَسْعَدُوا، قُلْنَا: مَا اسْمُهُ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ، فَأَتَيْنَا ابْنَ جَفْنَةَ، فَقَضَيْنَا حَاجَتَنَا، ثُمَّ انْصَرَفْنَا، فَوُلِدَ لِكُلِّ رَجُلٍ مِنَّا ابْنٌ فَسَمَّاهُ مُحَمَّدًا، يَدُورُ عَلَى ذَلِكَ الِاسْمِ "
[ ٩٣ ]
تَوَقُّعُ الْكُهَّانِ وَمُلُوكِ الْأَرْضِ بَعْثَتَهُ
[ ٩٥ ]
٥٠ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ، إِمْلَاءً سَنَةَ إِحْدَى وَخَمْسِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ خَالِدِ بْنِ حَيَّانَ الرَّقِّيُّ بِمِصْرَ سَنَةَ ثَمَانِينَ وَمِائَتَيْنِ قَالَ: ثنا عَمْرُو بْنُ بُكَيْرِ بْنِ بَكَّارٍ الْقَعْنَبِيُّ، عَنْ أَبِي الْقَاسِمِ الطَّائِيِّ، عَنِ الْكَلْبِيِّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: " لَمَّا ظَهَرَ سَيْفُ بْنُ ذِي يَزِنَ عَلَى الْيَمَنِ، وَظَفَرَ بِالْحَبَشَةِ، وَنَفَاهُمْ عَنْهَا، - وَذَلِكَ بَعْدَ مَوْلِدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِسَنَتَيْنِ - أَتَتْهُ وُفُودُ الْعَرَبِ وَأَشْرَافُهَا وَشُعَرَاؤُهَا تُهَنِّئُهُ وَتَمْدَحُهُ، فَأَتَاهُ وَفْدُ قُرَيْشٍ، وَفِيهِمْ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ بْنُ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ جُدْعَانَ، وَخُوَيْلِدُ بْنُ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى، وَوُهَيْبُ بْنُ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ زُهْرَةَ فِي نَاسٍ مِنْ وُجُوهِ قُرَيْشٍ، فَقَدِمُوا عَلَيْهِ بِصَنْعَاءَ، وَهُوَ فِي رَأْسِ قَصْرٍ لَهُ يُقَالُ لَهُ غُمْدَانُ. قَالَ: فَاسْتَأْذَنُوا عَلَيْهِ، فَأَذِنَ لَهُمْ، فَإِذَا الْمَلِكُ مُتَضَمِّخٌ بِالْعَبِيرِ يَنْطِفُ وَبِيصُ ⦗٩٦⦘ الْمِسْكِ مِنْ مَفْرِقِ رَأْسِهِ، وَعَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ الْمُلُوكُ وَأَبْنَاءُ الْمُلُوكِ وَالْمَقَاوِلُ، فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ دَنَا مِنْهُ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ، فَاسْتَأْذَنَهُ فِي الْكَلَامِ، فَقَالَ لَهُ سَيْفُ بْنُ ذِي يَزِنَ: إِنْ كُنْتَ مِمَّنْ يَتَكَلَّمُ بَيْنَ يَدَيِ الْمُلُوكِ أَذِنَّا لَكَ، فَقَالَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ: أَيُّهَا الْمَلِكُ، إِنَّ اللَّهَ ﷿ قَدْ أَحَلَّكَ مَحَلًّا رَفِيعًا، شَامِخًا مَنِيعًا، وَأَنْبَتَكَ مَنْبَتًا طَابَتْ أَرُومَتُهُ، وَغُذِّيَتْ جُرْثُومَتُهُ، وَثَبَتَ أَصْلُهُ، وَبَسَقَ فَرْعُهُ، فِي أَطْيَبِ مَوْطِنٍ، وَأَكْرَمِ مَعْدِنٍ، فَأَنْتَ - أَبَيْتَ اللَّعْنَ - رَأْسُ الْعَرَبِ وَرَبِيعُهَا الَّذِي تَخْصِبُ بِهِ، وَأَنْتَ أَيُّهَا الْمَلِكُ رَأْسُ الْعَرَبِ الَّذِي لَهُ تَنْقَادُ، وَعَمُودُهَا الَّذِي عَلَيْهِ الْعِمَادُ، وَمَعْقِلُهَا الَّذِي تَلْجَأُ إِلَيْهِ الْعِبَادُ، سَلَفُكَ لَنَا خَيْرُ سَلَفٍ، وَأَنْتَ لَنَا مِنْهُمْ خَيْرُ خَلَفٍ، وَلَمْ يَهْلِكْ مَنْ أَنْتَ خَلَفُهُ، وَلَمْ يَخْمَلْ ذِكْرُ مَنْ أَنْتَ سَلَفُهُ، نَحْنُ أَيُّهَا الْمَلِكُ أَهْلُ حَرَمِ اللَّهِ وَسَدَنَةُ بَيْتِهِ، أَشْخَصَنَا إِلَيْكَ الَّذِي أَبْهَجَنَا، لِكَشْفِكَ الْكَرْبَ الَّذِي فَدَحَنَا، فَنَحْنُ وَفْدُ التَّهْنِئَةِ، لَا وَفْدُ الْمُرْزِئَةِ. فَقَالَ سَيْفُ بْنُ ذِي يَزِنَ: وَأَيُّهُمْ أَنْتَ أَيُّهَا الْمُتَكَلِّمُ؟ قَالَ: أَنَا عَبْدُ الْمُطَّلِبِ بْنُ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ قَالَ: ابْنُ أُخْتِنَا؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَأَدْنَاهُ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْهِ وَعَلَى الْقَوْمِ فَقَالَ: مَرْحَبًا وَأَهْلًا، وَنَاقَةً وَرَحْلًا، وَمُسْتَنَاخًا سَهْلًا، وَمُلْكًا رِبَحْلًا، يُعْطِي عَطَاءً جَزْلًا، قَدْ سَمِعَ الْمَلِكُ مَقَالَتَكُمْ، وَعَرَفَ قَرَابَتَكُمْ، وَقَبِلَ وَسِيلَتَكُمْ، فَأَنْتُمْ أَهْلُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَلَكُمُ الْكَرَامَةُ مَا أَقَمْتُمْ، وَالْحِبَاءُ إِذَا ظَعَنْتُمْ، انْهَضُوا إِلَى دَارِ الضِّيَافَةِ وَالْوُفُودِ ⦗٩٧⦘، وَأَمَرَ لَهُمْ بِالْإِنْزَالِ، فَأَقَامُوا شَهْرًا لَا يَصِلُونَ إِلَيْهِ، وَلَا يَأْمُرُهُمْ بِالِانْصِرَافِ، ثُمَّ انْتَبَهَ لَهُمُ انْتِبَاهَةً، فَأَرْسَلَ إِلَى عَبْدِ الْمُطَّلِبِ دُونَهُمْ، فَلَمَّا دَخَلَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ أَدْنَاهُ، وَقَرَّبَ مَجْلِسَهُ، وَاسْتَحْيَاهُ. ثُمَّ قَالَ: يَا عَبْدَ الْمُطَّلِبِ، إِنِّي مُفَوِّضٌ إِلَيْكَ مِنْ سِرِّ عِلْمِي مَا لَوْ غَيْرُكَ يَكُونُ لَمْ أَبُحْ بِهِ، وَلَكِنْ وَجَدْتُكَ مَعْدِنَهُ، فَأَطْلَعْتُكَ طَلْعَهُ، فَلْيَكُنْ عِنْدَكَ مَطْوِيًّا حَتَّى يَأْذَنَ اللَّهُ ﷿ فِيهِ، فَإِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ، إِنِّي أَجِدُ فِي الْكِتَابِ الْمَكْنُونِ وَالْعِلْمِ الْمَخْزُونِ الَّذِي اخْتَرْنَاهُ لِأَنْفُسِنَا، وَاحْتَجَبْنَاهُ دُونَ غَيْرِنَا خَبَرًا عَظِيمًا، وَخَطَرًا جَسِيمًا، فِيهِ شَرَفُ الْحَيَاةِ، وَفَضِيلَةُ الْوَفَاةِ لِلنَّاسِ كَافَّةً، وَلِرَهْطِكَ عَامَّةً، وَلَكَ خَاصَّةً، قَالَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ: مَثْلُكَ أَيُّهَا الْمَلِكُ سَرَّ وَبَرَّ، فَمَا هُوَ؟ - فِدَاكَ أَهْلُ الْوَبَرِ، زُمَرًا بَعْدَ زُمَرٍ، قَالَ: إِذَا وُلِدَ بِتِهَامَةَ غُلَامٌ بِهِ عَلَامَةٌ، بَيْنَ كَتِفَيْهِ شَامَةٌ، كَانَتْ لَهُ الْإِمَامَةُ، وَلَكُمْ بِهِ الزَّعَامَةُ، إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، قَالَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ: - أَبَيْتَ اللَّعْنَ - لَقَدْ أُبْتَ بِخَيْرٍ مَا آبَ بِهِ وَافِدُ قَوْمٍ، وَلَوْلَا هَيْبَةُ الْمُلْكِ وَإِعْظَامِهِ وَإِجْلَالِهِ لَسَأَلْتُهُ مِنْ بِشَارَتِهِ إِيَّايَ مَا أَزْدَادُ بِهِ سُرُورًا. قَالَ سَيْفُ بْنُ ذِي يَزِنَ: هَذَا زَمَنُهُ الَّذِي يُولَدُ فِيهِ، أَوْ قَدْ وُلِدَ اسْمُهُ مُحَمَّدٌ، بَيْنَ كَتِفَيْهِ شَامَةٌ، يَمُوتُ أَبُوهُ، وَأُمُّهُ، وَيَكْفُلُهُ جَدُّهُ وَعَمُّهُ، وَقَدْ وَجَدْنَاهُ مِرَارًا، وَاللَّهُ بَاعِثُهُ جِهَارًا، وَجَاعِلٌ لَهُ مِنَّا أَنْصَارًا يُعِزُّ بِهِمْ أَوْلِيَاءَهُ، وَيُذِلُّ بِهِمْ أَعْدَاءَهُ، وَيَضْرِبُ بِهِمُ النَّاسَ عَنْ عَرْضٍ، وَيَسْتَبِيحُ بِهِمْ كَرَائِمَ الْأَرْضِ ⦗٩٨⦘، يَعْبُدُ الرَّحْمَنَ، وَيَدْحَرُ الشَّيْطَانَ، وَيُخْمِدُ النِّيرَانَ، وَيَكْسِرُ الْأَوْثَانَ، قَوْلُهُ فَصْلٌ، وَحُكْمُهُ عَدْلٌ، يَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَيَفْعَلُهُ، وَيَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُبْطِلُهُ. قَالَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ: أَيُّهَا الْمَلِكُ عَزَّ جَارُكَ، وَسَعِدَ جَدُّكَ، وَعَلَا كَعْبُكَ، وَنَمَا أَمْرُكَ، وَطَالَ عُمْرُكَ، وَدَامَ مُلْكُكَ، فَهَلِ الْمَلِكُ سَارِّي بِإِفْصَاحٍ، فَقَدْ أَوْضَحَ بَعْضَ الْإِيضَاحِ؟ فَقَالَ سَيْفُ بْنُ ذِي يَزِنَ: وَالْبَيْتِ ذِي الْحُجُبِ، وَالْعَلَامَاتِ عَلَى النُّصُبِ، إِنَّكَ يَا عَبْدَ الْمُطَّلِبِ لَجَدُّهُ غَيْرَ كَذِبٍ قَالَ: فَخَرَّ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ سَاجِدًا، فَقَالَ: ارْفَعْ رَأْسَكَ، فَقَدْ ثَلُجَ صَدْرُكَ، وَعَلَا أَمْرُكَ، فَهَلْ أَحْسَسْتَ شَيْئًا مِمَّا ذَكَرْتُ لَكَ؟ قَالَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ: نَعَمْ أَيُّهَا الْمَلِكُ، إِنَّهُ كَانَ لِيَ ابْنٌ، وَكُنْتُ بِهِ مُعْجَبًا، وَعَلَيْهِ رَقِيقًا، فَزَوَّجْتُهُ كَرِيمَةً مِنْ كَرَائِمِ قَوْمِي آمِنَةَ بِنْتَ وَهْبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ زُهْرَةَ، فَجَاءَتْ بِغُلَامٍ سَمَّيْتُهُ مُحَمَّدًا، مَاتَ أَبُوهُ وَأُمُّهُ، وَكَفَلْتُهُ أَنَا وَعَمُّهُ، وَبَيْنَ كَتِفَيْهِ شَامَةٌ، وَفِيهِ كُلُّ مَا ذَكَرْتَ مِنْ عَلَامَةٍ. قَالَ سَيْفُ بْنُ ذِي يَزِنَ: إِنَّ الَّذِي ذَكَرْتُ لَكَ كَمَا ذَكَرْتُ لَكَ، فَاحْتَفِظْ بِابْنِكَ وَاحْذَرْ عَلَيْهِ الْيَهُودَ، فَإِنَّهُمْ لَهُ أَعْدَاءٌ، وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُمْ عَلَيْهِ سَبِيلًا، وَاطْوِ مَا ذَكَرْتُ لَكَ دُونَ هَؤُلَاءِ الرَّهْطِ الَّذِينَ مَعَكَ، فَإِنِّي لَسْتُ آمَنُ أَنْ تَدْخُلَهُمُ النَّفَاسَةُ، مِنْ أَنْ تَكُونَ لَهُ الرِّئَاسَةُ، فَيَبْغُونَ لَهُ الْغَوَائِلَ، وَيَنْصِبُونَ لَهُ الْحَبَائِلَ، وَهُمْ فَاعِلُونَ أَوْ أَبْنَاؤُهُمْ، وَلَوْلَا أَنِّي أَعْلَمُ أَنَّ الْمَوْتَ مُجْتَاحِي قَبْلَ مَبْعَثِهِ لَسِرْتُ بِخَيْلِي وَرَجِلِي، حَتَّى أُصَيِّرَ يَثْرِبَ دَارَ مُلْكِي، فَإِنِّي أَجِدُ فِي الْكِتَابِ النَّاطِقِ، وَالْعِلْمِ السَّابِقِ، أَنَّ بِيَثْرِبَ اسْتِحْكَامُ أَمْرِهِ، وَمَوْضِعُ قَبْرِهِ، وَأَهْلُ نُصْرَتِهِ، وَلَوْلَا أَنِّي أَقِيهِ مِنَ الْآفَاتِ، وَأَحْذَرُ عَلَيْهِ الْعَاهَاتِ، لَأَوْطَأْتُ أَسْنَانَ الْعَرَبِ كَعْبَهُ، وَلَأَعْلَنْتُ عَلَى حَدَاثَةٍ مِنْ سِنِّهِ ذِكْرَهُ، وَلَكِنِّي صَارِفٌ إِلَيْكَ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ تَقْصِيرٍ بِمَنْ مَعَكَ ⦗٩٩⦘، ثُمَّ أَمَرَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِمِائَةٍ مِنَ الْإِبِلِ، وَعَشَرَةِ أَعْبُدٍ، وَعَشْرِ إِمَاءٍ، وَعَشَرَةِ أَرْطَالٍ مِنْ فِضَّةٍ، وَخَمْسَةِ أَرْطَالٍ ذَهَبًا، وَكَرْشٍ مَمْلُوءَةٍ عَنْبَرًا، وَأَمَرَ لِعَبْدِ الْمُطَّلِبِ بِعَشَرَةِ أَضْعَافِ ذَلِكَ، وَقَالَ لَهُ: إِذَا كَانَ رَأْسُ الْحَوْلِ، فَأْتِنِي بِخَبَرِهِ، وَمَا يَكُونُ مِنْ أَمْرِهِ، فَهَلَكَ ابْنُ ذِي يَزِنَ قَبْلَ رَأْسِ الْحَوْلِ، وَكَانَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ يَقُولُ: لَا يَغْبِطُنِي يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ رَجُلٌ مِنْكُمْ بِجَزِيلِ عَطَاءِ الْمَلِكِ وَإِنْ كَثُرَ، فَإِنَّهُ إِلَى نَفَادٍ، وَلَكِنْ لِيَغْبِطُنِي بِمَا يَبْقَى لِي شَرَفُهُ وَذِكْرُهُ، وَلِعَقِبِي مِنْ بَعْدِي، وَكَانَ إِذَا قِيلَ لَهُ: مَا ذَاكَ؟ قَالَ: سَيُعْلَنُ، وَلَوْ بَعْدَ حِينٍ. "
[ ٩٥ ]
٥١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي يَحْيَى، ثنا سَعِيدُ بْنُ عُثْمَانَ، ثنا عَلِيُّ بْنُ قُتَيْبَةَ الْخُرَاسَانِيُّ، قَالَ: ثنا خَالِدُ بْنُ إِلْيَاسَ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي الْجَهْمِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا طَالِبٍ، يُحَدِّثُ عَنْ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، قَالَ: " بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ، فِي الْحِجْرِ، إِذْ رَأَيْتُ رُؤْيَا هَالَتْنِي، فَفَزِعْتُ مِنْهَا فَزَعًا شَدِيدًا، فَأَتَيْتُ كَاهِنَةَ قُرَيْشٍ، وَعَلَيَّ مُطْرَفُ خَزٍّ وَجَمَّتِي تَضْرِبُ مَنْكِبِي، فَلَمَّا نَظَرَتْ إِلَيَّ عَرَفَتْ فِي وَجْهِيَ التَّغَيُّرَ، وَأَنَا يَوْمَئِذٍ سَيِّدُ قَوْمِي، فَقَالَتْ: مَا بَالُ سَيِّدَنَا قَدْ أَتَانَا مُتَغَيِّرَ اللَّوْنِ، هَلْ رَأَيْتَ مِنَ حِدْثَانِ الدَّهْرِ شَيْئًا؟ فَقُلْتُ: بَلَى، - وَكَانَ لَا يُكَلِّمُهَا أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ، حَتَّى يُقَبِّلَ يَدَهَا الْيُمْنَى، ثُمَّ يَضَعُ يَدَهُ عَلَى أُمِّ رَأْسِهَا يَبْدُو بِحَاجَتِهِ، وَلَمْ أَفْعَلْ، لِأَنِّي كُنْتُ كَبِيرَ قَوْمِي -، فَجَلَسْتُ، فَقُلْتُ: إِنِّي رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ وَأَنَا نَائِمٌ فِي الْحِجْرِ، كَأَنَّ شَجَرَةً نَبَتَتْ قَدْ نَالَ رَأْسُهَا السَّمَاءَ، وَضَرَبَتْ بِأَغْصَانِهَا الْمَشْرِقَ وَالْمَغْرِبَ، وَمَا رَأَيْتُ نُورًا أَزْهَرَ مِنْهَا أَعْظَمَ مِنْ نُورِ الشَّمْسِ سَبْعِينَ ضِعْفًا، وَرَأَيْتُ الْعَرَبَ ⦗١٠٠⦘ وَالْعَجَمَ سَاجِدِينَ لَهَا، وَهِيَ تَزْدَادُ كُلَّ سَاعَةٍ عِظَمًا وَنُورًا وَارْتِفَاعًا، سَاعَةَ تُزْهِرُ، وَرَأَيْتُ رَهْطًا مِنْ قُرَيْشٍ قَدْ تَعَلَّقَ بِأَغْصَانِهَا، وَرَأَيْتُ قَوْمًا مِنْ قُرَيْشٍ يُرِيدُونَ قَطْعَهَا، فَإِذَا دَنَوْا مِنْهَا أَخَّرَهُمْ شَابٌّ لَمْ أَرَ قَطُّ أَحْسَنَ مِنْهُ وَجْهًا، وَلَا أَطْيَبَ مِنْهُ رِيحًا، فَيَكْسِرُ أَضْلُعَهُمْ، وَيَقْلَعُ أَعْيُنَهُمْ، فَرَفَعْتُ يَدَيَّ لِأَتَنَاوَلَ مِنْهَا نَصِيبًا فَمَنَعَنِي الشَّابُّ، فَقُلْتُ: لِمَنِ النَّصِيبُ؟ فَقَالَ: النَّصِيبُ لِهَؤُلَاءِ الَّذِينَ تَعَلَّقُوا بِهَا وَسَبَقُوكَ إِلَيْهَا، فَانْتَبَهْتُ مَذْعُورًا فَزِعًا، فَرَأَيْتُ وَجْهَ الْكَاهِنَةِ قَدْ تَغَيَّرَ، ثُمَّ قَالَتْ: لَئِنْ صَدَقَتْ رُؤْيَاكَ لَيَخْرُجَنَّ مِنْ صُلْبِكَ رَجُلٌ يَمْلِكُ الْمَشْرِقَ وَالْمَغْرِبَ، وَيَدِينُ لَهُ النَّاسُ، ثُمَّ قَالَ لِأَبِي طَالِبٍ: لَعَلَّكَ تَكُونُ هَذَا الْمَوْلُودَ، فَكَانَ أَبُو طَالِبٍ يُحَدِّثُ بِهَذَا الْحَدِيثِ والنَّبيُِّ ﷺ قَدْ خَرَجَ، وَيَقُولُ: كَانَتِ الشَّجَرَةُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَبَا الْقَاسِمِ الْأَمِينَ، فَيُقَالُ لَهُ: أَلَا تُؤْمِنُ بِهِ؟ فَيَقُولُ: السُّبَّةَ وَالْعَارَ "
[ ٩٩ ]
٥٢ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، قَالَ: ثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ السِّنْدِيِّ، قَالَ: ثنا النَّضْرُ بْنُ سَلَمَةَ، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى أَبُو غَزِيَّةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ عِيسَى بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ الْعَدَوِيِّ قَالَ: لَقِيتُ زَيْدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ، وَهُوَ خَارِجٌ مِنْ مَكَّةَ يُرِيدُ حِرَاءً يُصَلِّي فِيهِ، وَإِذَا هُوَ قَدْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْمِهِ سُوءٌ فِي صَدْرِ النَّهَارِ فِيمَا أَظْهَرَ مِنْ خِلَافِهِمْ وَاعْتِزَالِ آلِهَتِهِمْ، وَمَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُهُمْ، فَقَالَ زَيْدُ بْنُ عَمْرٍو: يَا عَامِرُ، إِنِّي خَالَفْتُ قَوْمِي، فَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلِ اللَّهِ، وَمَا كَانَ يَعْبُدُ ابْنُهُ إِسْمَاعِيلُ ﵉ مِنْ بَعْدِهِ، وَمَا كَانَ يُصَلُّونَ إِلَى هَذِهِ الْقِبْلَةِ، فَأَنَا أنْتَظِرُ نَبِيًّا ⦗١٠١⦘ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ مِنْ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ اسْمُهُ أَحْمَدُ، وَلَا أُرَانِي أُدْرِكُهُ، فَأَنَا يَا عَامِرُ أُومِنُ بِهِ وَأُصَدِّقُهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّهُ نَبِيُّ، فَإِنْ طَالَتْ بِكَ الْمُدَّةُ فَرَأَيْتَهُ فَأَقْرِئْهُ مِنِّي السَّلَامَ، وَسَأُخْبِرُكَ يَا عَامِرُ مَا نَعْتُهُ حَتَّى لَا يَخْفَى عَلَيْكَ، قُلْتُ: هَلُمَّ، قَالَ: هُوَ رَجُلٌ لَيْسَ بِالْقَصِيرِ، وَلَا بِالطَّوِيلِ، وَلَا بِكَثِيرِ الشَّعْرِ، وَلَا بِقَلِيلِهِ، وَلَيْسَ تُفَارِقُ عَيْنَيْهِ حُمْرَةٌ، وَخَاتَمُ النُّبُوَّةِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ، وَاسْمُهُ أَحْمَدُ، وَهَذَا الْبَلَدُ مَوْلِدُهُ وَمَبْعَثُهُ حَتَّى يُخْرِجَهُ قَوْمُهُ مِنْهَا، وَيَكْرَهُونَ مَا جَاءَ بِهِ، حَتَّى يُهَاجِرَ إِلَى يَثْرِبَ فَيَظْهَرُ أَمْرُهُ، فَإِيَّاكَ أَنْ تُخْدَعَ عَنْهُ، فَإِنِّي بَلَغْتُ الْبِلَادَ كُلَّهَا أَطْلُبُ دِينَ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلَ ﵇، وَكُلُّ مَنْ أَسْأَلُ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسِ يَقُولُ: هَذَا الدِّينُ وَرَاءَكَ، وَيَنْعَتُونَهُ مِثْلَ مَا نَعَتُّهُ لَكَ، وَيَقُولُونَ: لَمْ يَبْقَ نَبِيٌّ غَيْرُهُ، قَالَ عَامِرٌ: فَوَقَعَ فِي نَفْسِيَ الْإِسْلَامُ مِنْ يَوْمِئِذٍ، فَلَمَّا تَنَبَّأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كُنْتُ رَجُلًا حَلِيفًا فِي قَوْمِي، وَكَانَ قَوْمِي أَقَلَّ قُرَيْشٍ عَدَدًا، فَلَمْ أَقْدِرْ عَلَى اتِّبَاعِهِ ظَاهِرًا، فَأَسْلَمْتُ سِرًّا، وَكُنْتُ أَخْبَرْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِمَا أَخْبَرَنِي بِهِ زَيْدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ، فَتَرَحَّمَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ، وَقَالَ: " لَقَدْ رَأَيْتُهُ فِي الْجَنَّةِ يَسْحَبُ ذَيْلًا لَهُ، أَوْ ذُيُولًا،
[ ١٠٠ ]
٥٣ - عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ، أَنَّ هِرَقْلَ قَالَ لِدِحْيَةَ الْكَلْبِيِّ حِينَ قَدِمَ عَلَيْهِ بِكِتَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: وَيْحَكَ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأَعْلَمُ أَنَّ صَاحِبَكَ لَنَبِيٌّ مُرْسَلٌ، وَأَنَّهُ لَلَّذِي كُنَّا نَنْتَظِرُهُ نَجِدُهُ فِي كَتُبِنَا، وَلَكِنِّي أَخَافُ الرُّومَ عَلَى نَفْسِي، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَاتَّبَعْتُهُ، فَاذْهَبْ إِلَى ضَغَاطِرَ الْأُسْقُفِ فَاذْكُرْ لَهُ أَمْرَهُ، فَهُوَ وَاللَّهِ فِي الرُّومِ أَعْظَمُ مِنِّي، وَأَجْوَزُ عِنْدَهُمْ قَوْلًا، حَتَّى أَنْظُرَ مَاذَا يَقُولُ. قَالَ: فَجَاءَهُ دِحْيَةُ الْكَلْبِيُّ، فَأَخْبَرَهُ بِمَا جَاءَ بِهِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى هِرَقْلَ، وَإِلَى مَا يَدْعُو إِلَيْهِ قَالَ
[ ١٠١ ]
: فَقَالَ ضَغَاطِرُ: صَاحِبُكَ وَاللَّهِ نَبِيُّ مُرْسَلٌ نَعْرِفُهُ بِصِفَتِهِ، وَنَجِدُهُ فِي كُتُبِنَا بِاسْمِهِ قَالَ: ثُمَّ دَخَلَ فَأَلْقَى ثِيَابًا كَانَتْ عَلَيْهِ سُودًا، وَلَبِسَ ثِيَابًا بِيضًا، ثُمَّ أَخَذَ عَصَاهُ، فَخَرَجَ عَلَى الرُّومِ وَهُمْ فِي الْكَنِيسَةِ، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الرُّومِ إِنَّهُ قَدْ جَاءَنَا كِتَابُ أَحْمَدَ يَدْعُونَا فِيهِ إِلَى اللَّهِ، وَإِنِّي أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ أَحْمَدَ عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، قَالَ: فَوَثَبُوا إِلَيْهِ وَثْبَةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ، فَضَرَبُوهُ حَتَّى قَتَلُوهُ، فَلَمَّا رَجَعَ دِحْيَةُ إِلَى هِرَقْلَ وَقَدْ أَخْبَرَهُ الْخَبَرَ قَالَ: قَدْ قُلْتُ لَكَ إِنَّا نَخَافُهُمْ عَلَى أَنْفُسِنَا، فَضَغَاطِرُ وَاللَّهِ كَانَ أَعْظَمَ عِنْدَهُمْ مِنِّي وَأَجْوَزَ قَوْلًا مِنِّي
[ ١٠٢ ]
٥٤ - حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ،: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمٍ، بِعَبَّادَانَ، ثنا عَلِيُّ بْنُ دَاوُدَ الْقَنْطَرِيُّ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ الرَّاسِيُّ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، وَجَّهَ إِلَى سَعْدٍ أَنْ وَجِّهْ، نَضْلَةَ بْنَ مُعَاوِيَةَ الْأَنْصَارِيَّ إِلَى حُلْوَانَ الْعِرَاقِ لِيُغِيرَ عَلَى ضَوَاحِيهَا وَلِيَفْتَتِحَهَا، قَالَ: فَوَجَّهَ سَعْدٌ نَضْلَةَ فِي أَرْبَعِمِائَةِ فَارِسٍ، فَأَتَوْا حُلْوَانَ الْعِرَاقِ، فَأَغَارُوا عَلَى ضَوَاحِيهَا فَفَتَحُوهَا، فَأَصَابُوا غَنِيمَةً وَسَبْيًا، وَكَانَ وَقْتَ الظُّهْرِ، فَأَلْجَأَ نَضْلَةُ الْغَنِيمَةَ وَالسَّبْيَ إِلَى سَفْحِ الْجَبَلِ، ثُمَّ قَامَ فَأَذَّنَ فَقَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، فَسَمِعَ مُجِيبًا مِنَ الْجَبَلِ: " كَبَّرْتَ كَبِيرًا يَا نَضْلَةُ، فَلَمَّا أَنْ قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، إِذَا مُجِيبٌ يُجِيبُهُ: بِذَلِكَ شَهِدَ أَهْلُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، فَلَمَّا قَالَ: أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، فَإِذَا مُجِيبٌ يُجِيبُهُ: نَبِيٌّ بُعِثَ وَلَا نَبِيَّ بَعْدَهُ، فَلَمَّا أَنْ قَالَ: حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، قَالَ: طُوبَى لِمَنْ مَشَى إِلَيْهَا وَوَاظَبَ عَلَيْهَا، فَلَمَّا أَنْ قَالَ: حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، قَالَ: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ أَجَابَ مُحَمَّدًا وَهُوَ الْبَقَاءُ لِأُمَّتِهِ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ أَذَانِهِ قُمْنَا، فَقُلْنَا: مَنْ أَنْتَ رَحِمَكَ ⦗١٠٣⦘ اللَّهُ؟ قَالَ: أنَّا وَفْدُ اللَّهِ وَوَفْدُ نَبِيِّهِ وَوَفْدُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَانْفَلَقَ عَنْ شَيْخٍ عَلَيْهِ ثَوْبَانِ مِنَ الصُّوفِ، رَأْسُهُ كَرَأْسِ رَحَاءٍ، فَقُلْنَا: مَنْ أَنْتَ رَحِمَكَ اللَّهُ؟ قَالَ: أَنَا زُرَيْبُ بْنُ بَرثْمَلَا وَصِيُّ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، أَسْكَنَنِي فِي هَذَا الْجَبَلِ، وَدَعَا لِي بِطُولِ الْحَيَاةِ إِلَى حِينِ نُزُولِهِ مِنَ السَّمَاءِ فَيَنْزِلُ فَيَكْسِرُ الصَّلِيبَ، وَيَقْتُلُ الْخِنْزِيرَ، وَيَتَبَرَّأُ مِمَّا عَلَيْهِ النَّصَارَى، أَمَا إِذْ فَاتَنِي لِقَاءُ مُحَمَّدٍ ﷺ فَأَقْرِئُوا عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ مِنِّي السَّلَامَ، وَقُولُوا: يَا عُمَرُ، سَدِّدْ وَقَارِبْ، فَقَدْ دَنَا الْأَمْرُ، وَأَخْبِرُوهُ بِهَذِهِ الْخِصَالِ، فَإِذَا ظَهَرَتْ فِي أُمَّةِ مُحَمَّدٍ فَالْهَرَبَ الْهَرَبَ، إِذَا اسْتَغْنَى الرِّجَالُ بِالرِّجَالِ، وَالنِّسَاءُ بِالنِّسَاءِ، وَانْتَسَبُوا إِلَى غَيْرِ مَنَاسِبِهِمْ، وَانْتَمَوْا إِلَى غَيْرِ مَوَالِيهِمْ، وَلَمْ يَرْحَمْ كَبِيرُهُمْ صَغِيرَهُمْ، وَلَمْ يُوَقِّرْ صَغِيرُهُمْ كَبِيرَهُمْ، وَتُرِكَ الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَلَمْ يُؤْمَرْ بِهِ، وَتُرِكَ الْمُنْكَرُ وَلَمْ يُنْهَ عَنْهُ، وَتَعَلَّمَ الْعُلَمَاءُ الْعِلْمَ لِيَجْلِبُوا إِلَيْهِمُ الدِّرْهَمَ وَالدِّينَارَ، وَكَانَ الْمَطَرُ قَيْظًا، وَالْوَلَدُ غَيْظًا، وَطَوَّلُوا الْمَنَارَ، وَفَضَّضُوا الْمَصَاحِفَ، وَزَخْرَفُوا الْمَسَاجِدَ، وَشَيَّدُوا الْبِنَاءَ، وَبَاعُوا الدِّينَ بِالدُّنْيَا، وَقَطَعُوا الْأَرْحَامَ، وَبَاعُوا الْأَحْكَامَ، وَخَرَجَ الرَّجُلُ مِنْ بَيْتِهِ، فَقَامَ إِلَيْهِ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ فَسَلَّمَ، وَرَكِبَتِ الْفُرُوجُ السُّرُوجَ، فَعِنْدَ ذَلِكَ قِيَامُ السَّاعَةِ، قَالَ: ثُمَّ غَابَ عَنَّا، فَكَتَبَ سَعْدٌ إِلَى عُمَرَ بِمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْهِ، وَمَا كَانَ مِنْ خَبَرِ نَضْلَةَ، وَكَتَبَ عُمَرُ إِلَى سَعْدٍ: لِلَّهِ أَبُوكَ، سِرْ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَدَّثَنَا أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ عِيسَى نَزَلَ ذَلِكَ الْجَبَلَ، فَسَارَ سَعْدٌ فِي أَرْبَعَةِ آلَافٍ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ يُنَادِي بِالْأَذَانِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، فَلَا جَوَابَ "
[ ١٠٢ ]
٥٥ - حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ ⦗١٠٤⦘ الزُّهْرِيُّ، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ دَاوُدَ، قَالَ: ثنا مَحْبُوبُ بْنُ الْحَسَنِ، عَنِ ابْنِ السَّائِبِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، ﵄ قَالَ: لَمَّا قَدِمَ وَفْدُ إِيَادٍ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " أَيُّكُمْ يَعْرِفُ قُسَّ بْنَ سَاعِدَةَ الْإِيَادِيَّ؟، قَالُوا: كُلُّنَا نَعْرِفُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ:، فَمَا فَعَلَ؟، قَالُوا: مَاتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: رَحِمَ اللَّهُ قُسَّ بْنَ سَاعِدَةَ مَا أَنْسَاهُ، وَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ بِسُوقِ عُكَاظٍ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ عَلَى جَمَلٍ لَهُ أَوْرَقَ أَحْمَرَ وَهُوَ يَخْطُبُ النَّاسَ، وَيَتَكَلَّمُ بِكَلَامٍ عَلَيْهِ حَلَاوَةٌ وَهُوَ يَقُولُ: أَيُّهَا النَّاسُ اجْتَمِعُوا وَاسْتَمِعُوا وَاحْفَظُوا وَعُوا، مَنْ عَاشَ مَاتَ، وَمَنْ مَاتَ فَاتَ، وَكُلُّ مَا هُوَ آتٍ آتٍ، لَيْلٌ دَاجٍ، وَسَمَاءٌ ذَاتُ أَبْرَاجٍ، بِحَارٌ تَزْخَرُ، وَنُجُومٌ تُزْهِرُ، وَمَطَرٌ وَنَبَاتٌ، وَآبَاءٌ وَأُمَّهَاتٌ، وَذَاهِبٌ وَآتٍ، وَضَوْءٌ وَظَلَامٌ، وَبِرٌّ وَآثَامٌ، لِبَاسٌ وَمَرْكَبٌ، وَمَطْعَمٌ وَمَشْرَبٌ، إِنَّ فِي السَّمَاءِ لَخَبَرًا، وَإِنَّ فِي الْأَرْضِ لَعِبَرًا، مِهَادٌ مَوْضُوعٌ، وَسَقْفٌ مَرْفُوعٌ، وَنُجُومٌ تَمُورُ، وَبِحَارٌ لَا تَغُورُ، أَقْسَمَ قُسٌّ قَسَمًا حَقًّا، لَئِنْ كَانَ فِي الْأَرْضِ رِضًا لَيَكُونُ سَخَطًا، إِنَّ لِلَّهِ دِينًا هُوَ أَحَبُّ الْأَدْيَانِ إِلَيْهِ مِنْ دِينِكُمُ الَّذِي أَنْتُمْ عَلَيْهِ، مَا لِي أَرَى النَّاسَ ⦗١٠٥⦘ يَذْهَبُونَ وَلَا يَرْجِعُونَ، أَرَضُوا بِالْمُقَامِ هُنَاكَ فَأَقَامُوا، أَمْ تُرِكُوا هُنَاكَ فَنَامُوا؟ ثُمَّ قَالَ: أَقْسَمَ قُسٌّ قَسَمًا بَرًّا لَا إِثْمَ فِيهِ مَا لِلَّهِ عَلَى الْأَرْضِ دِينٌ هُوَ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ دِينٍ أَظَلَّكُمْ إِبَّانُهُ، وَأَدْرَكَكُمْ أَوَانُهُ، طُوبَى لِمَنْ أَدْرَكَهُ فَاتَّبَعَهُ، وَوَيْلٌ لِمَنْ أَدْرَكَهُ فَفَارَقَهُ، ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُولُ:
[البحر الكامل]
فِي الذَّاهِبِينَ الْأَوَّلِينَ مِنَ الْقُرُونِ لَنَا بَصَائِرْ
لَمَّا رَأَيْتُ مَوَارِدًا لِلْمَوْتِ لَيْسَ لَهَا مَصَادِرْ
وَرَأَيْتُ قَوْمِيَ نَحْوَهَا تَمْضِي الْأَصَاغِرُ وَالْأَكَابِرْ
لَا يَرْجِعُ الْمَاضِي إِلَيَّ وَلَا مِنَ الْبَاقِينَ غَابِرْ
أَيْقَنْتُ أَنِّي لَا مَحَالَةَ حَيْثُ صَارَ الْقَوْمُ صَائِرْ
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:، يَرْحَمُ اللَّهُ قُسَّ بْنَ سَاعِدَةَ، لَأَرْجُو أَنْ يَأْتِيَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أُمَّةً وَحْدَهُ،. وَفِي حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ الْحَسَنِ، فَوَثَبَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، بَيْنَا نَحْنُ فِي مَلَاعِبِنَا إِذْ أَشْرَفَ عَلَيْنَا مِنْ شُرْفَةِ الْجَبَلِ، وَرَأَيْتُ طَيْرًا كَثِيرًا، وَوَحْشًا كَثِيرًا فِي بَطْنِ الْوَادِي، فَإِذَا ابْنُ سَاعِدَةَ مُؤْتَزِرٌ بِشَمْلَةٍ مُرْتَدٍ بِأُخْرَى، وَبِيَدِهِ هَرَاوَةٌ، وَهُوَ وَاقِفٌ عَلَى عَيْنٍ مِنْ مَاءٍ، وَهُوَ يَقُولُ: «لَا وَإِلَهِ السَّمَاءِ لَا يَشْرَبُ الْقَوِيُّ قَبْلَ الضَّعِيفِ، بَلْ يَشْرَبُ الضَّعِيفُ قَبْلَ الْقَوِيِّ ⦗١٠٦⦘، فَوَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ نَبِيًّا يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَقَدْ رَأَيْتُ الْقَوِيَّ مِنَ الطَّيْرِ يَتَأَخَّرُ عَنْ شُرْبِ الضَّعِيفِ، وَلَقَدْ رَأَيْتُ الْقَوِيَّ مِنَ الْوَحْشِ يَتَأَخَّرُ عَنْ شُرْبِ الضَّعِيف» ِ، فَلَمَّا تَنَحَّى مَا حَوْلَهُ، هَبَطْتُ إِلَيْهِ مِنْ ثَنِيَّةِ الْجَبَلِ، فَرَأَيْتُهُ وَاقِفًا بَيْنَ قَبْرَيْنِ يُصَلِّي، فَقُلْتُ: أَنْعِمْ صَبَاحًا، مَا هَذِهِ الصَّلَاةُ الَّتِي لَا تَعْرِفُهَا الْعَرَبُ؟ قَالَ: صَلَّيْتُهَا لِإِلَهِ السَّمَاءِ، قُلْتُ: وَهَلْ لِلسَّمَاءِ مِنْ إِلَهٍ سِوَى اللَّاتِ وَالْعُزَّى؟، فَانْتَفَضَ. ثُمَّ قَالَ: إِلَيْكَ عَنِّي يَا أَخَا إِيَادٍ، إِنَّ لِلسَّمَاءِ إِلَهًا عَظِيمَ الشَّأْنِ، هُوَ الَّذِي خَلَقَهَا فَسَوَّاهَا، وَبِالْكَوَاكِبِ زَيَّنَهَا، وَبِالْقَمَرِ الْمُنِيرِ وَالشَّمْسِ أَشْرَقَهَا، أَظْلَمَ لَيْلَهَا، وَأَضَاءَ نَهَارَهَا، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ
[ ١٠٣ ]