موت النبي ﷺ شهيدًا
عن عائشة ﵂ قالت: «كان النبي ﷺ يقول في مرضه الذي مات فيه: يا عائشة ما أزال أجد ألم الطعام (١) الذي أكلت بخيبر (٢) فهذا أوان وجدت انقطاع أبْهَري (٣) من ذلك السم» (٤)
وقد عاش ﷺ بعد أكله من الشاة المسمومة بخيبر ثلاث سنين حتى كان وجعه الذي قُبض فيه (٥) وقد ذُكِرَ
_________________
(١) ما أزال أجد ألم الطعام: أي أحس الألم في جوفي بسبب الطعام. الفتح ٨/ ١٣١.
(٢) وذلك أنه عندما فتح خيبر أُهديت له - ﷺ - شاة مشوية فيها سم، وكانت المرأة اليهودية قد سألت: أي عضو من الشاة أحب إليه؟ فقيل لها الذراع فأكثرت فيها من السم، فلما تناول الذراع لاك منها مضغة ولم يسغها، وأكل معه بشر بن البراء فأساغ لقمته، ومات منها، وقال لأصحابه: أمسكوا عنها فإنها مسمومة، وقال لها: ما حملك على ذلك؟ فقالت: أردت إن كُنْتَ نبيًّا فيطلعك الله، وإن كنت كاذبًا فأريح الناس منك انظر: فتح الباري ٧/ ١٩٧، والقصة في البخاري برقم ٣١٦٩، و٤٢٤٩، ٥٧٧٧، والبداية والنهاية لابن كثير ٤/ ٢٠٨.
(٣) الأبهر عرق مستبطن بالظهر متصل بالقلب إذا انقطع مات صاحبه. الفتح ٨/ ١٣١.
(٤) البخاري مع الفتح ٨/ ١٣١ برقم ٤٤٢٨ وقد وصله الحاكم والإسماعيلي. انظر: الفتح ٨/ ١٣١.
(٥) انظر: الفتح ٨/ ١٣١ فقد ساق آثارًا موصولة عند الحاكم وابن سعد. الفتح ٨/ ١٣١.
[ ٤٠٠ ]
أن المرأة التي أعطته الشاة المسمومة أسلمت حينما قالت: من أخبرك؛ فأخبر ﷺ أن الشاة المسمومة أخبرته، وأسلمت وعفى عنها رسول الله ﷺ أولًا ثم قتلها بعد ذلك قصاصًا ببشر بن البراءة بعد أن مات ﵁ (١) وقد ثبت الحديث متصلًا أن سبب موته ﷺ هو السم، فعن أبي سلمة قال: «كان رسول الله ﷺ يقبل الهدية ولا يأكل الصدقة فأهدت له يهودية بخيبر شاة مصلية سمَّتها، فأكل رسول الله ﷺ منها وأكل القوم فقال: "ارفعوا أيديكم فإنها أخبرتني أنها مسمومة" فمات بشر بن البراء ابن معرور الأنصاري، فأرسل إلى اليهودية: "ما حملك على الذي صنعت"؟ قالت: إن كنت نبيًّا لم يضرك الذي صنعت، وإن كنت ملكًا أرحت الناس منك "فأمر بها رسول الله ﷺ فقتلت" ثم قال في وجعه الذي مات فيه: "ما زلت أجد من الأكلة التي أكلت بخيبر فهذا أوان
_________________
(١) انظر: التفصيل في فتح الباري ٧/ ٤٩٧، والبداية والنهاية لابن كثير ٤/ ٢٠٨ - ٢١٢.
[ ٤٠١ ]
انقطاع أبهري» (١).
«وقالت أم بشر للنبي ﷺ في مرضه الذي مات فيه: ما يتهم بك يا رسول الله؟ فإني لا أتهم بابني إلا الشاة المسمومة التي أكل معك بخيبر: وقال النبي ﷺ: "وأنا لا أتهم بنفسي إلا ذلك فهذا أوان انقطاع أبهري» (٢)
وقد جزم ابن كثير رحمه الله تعالى أن النبي ﷺ مات شهيدًا (٣) ونقل: "وإن كان المسلمون ليرون أن رسول الله ﷺ مات شهيدًا مع ما أكرمه الله به من النبوة" (٤) وقال ابن مسعود ﵁: لئن أحلف تسعًا أن رسول الله ﷺ قتل قتلًا أحب إلي من أن أحلف واحدة أنه لم يقتل، وذلك؛ لأن الله اتخذه نبيًّا واتخذه شهيدًا (٥).
_________________
(١) أبو داود برقم ٤٥١٢، وقال الألباني: حسن صحيح. انظر: صحيح سنن أبي داود ٣/ ٨٥٥.
(٢) أبو داود برقم ٤٥١٣ وصحح إسناده الألباني. انظر: صحيح سنن أبي داود ٣/ ٨٥٥.
(٣) انظر: البداية والنهاية ٤/ ٢١٠ و٢١١ و٤/ ٢١٠ - ٢١٢ و٥/ ٢٢٣ - ٢٤٤.
(٤) انظر: المرجع السابق ٤/ ٢١١.
(٥) ذكره ابن كثير وعزاه بإسناده إلى البيهقي. انظر: البداية والنهاية ٥/ ٢٢٧.
[ ٤٠٢ ]
وعن أنس ﵁: «أن أبا بكر ﵁ كان يصلي بهم في وجع النبي ﷺ الذي توفي فيه حتى إذا كان يوم الإثنين وهم صفوف [في صلاة الفجر] ففجأهم النبي ﷺ وقد كشف سِترَ حجرةِ عائشة ﵂ [وهم في صفوف الصلاة] وهو قائم كأن وجهه ورقة مصحف (١) ثم تبسم رسول الله ﷺ يضحك [وهَمَّ المسلمون أن يفتتنوا في صلاتهم فرحًا] [برؤية رسول الله ﷺ] [فنكص (٢) أبو بكر ﵁ على عقبيه ليصل الصف، وظنَّ أن رسول الله ﷺ خارج إلى الصلاة] فأشار إليهم رسول الله ﷺ [بيده] أن أتموا صلاتكم [ثم دخل رسول الله ﷺ] [الحجرة] وأرخى الستر فتوفي رسول الله ﷺ من يومه ذلك،
_________________
(١) كأن وجهه ورقة مصحف: عبارة وكناية عن الجمال البارع وحسن البشرة وصفاء الوجه واستنارته. شرح الأبي على صحيح مسلم ٢/ ٣١٠.
(٢) فنكص على عقبيه: أي رجع القهقرى فتأخر، لظنه أن النبي - ﷺ - خرج ليصلي بالناس، الفتح ٢/ ١٦٥.
[ ٤٠٣ ]
وفي رواية: [وتوفي من آخر ذلك اليوم] (١) وفي رواية: [لم يخرج النبي ﷺ ثلاثًا] (٢)
فأقيمت الصلاة فذهب أبو بكر يتقدم، فقال نبي الله ﷺ بالحجاب فرفعه فلما وضح وجه النبي ﷺ ما نظرنا منظرًا كان أعجب إلينا من وجه النبي ﷺ حين وضح لنا، فأومأ النبي ﷺ بيده إلى أبي بكر أن يتقدم وأرخى النبي ﷺ الحجاب فلم يُقدر عليه حتى مات» (٣)
[الدروس والفوائد والعبر]
وخلاصة القول: أن الدروس والفوائد والعبر في هذا المبحث كثيرة، ومنها:
١ - موت النبي ﷺ وانتقاله إلى الرفيق الأعلى شهيدًا؛
_________________
(١) وقد ذكر ابن إسحاق أنه - ﷺ - مات حين اشتد الضحى، ويجمع بينهما بأن إطلاق الأخير بمعنى: ابتداء الدخول في أول النصف الثاني من النهار وذلك عند الزوال واشتداد الضحي يقع قبل الزوال ويستمر حتى يتحقق زوال الشمس، وقد جزم موسى بن عقبة عن ابن شهاب بأنه - ﷺ - مات حين زاغت الشمس. الفتح ٨/ ١٤٣ - ١٤٤.
(٢) ابتداء من صلاته بهم قاعد يوم الخميس كما تقدم. انظر: فتح الباري ٢/ ١٦٥، والبداية ٥/ ٢٣٥ ..
(٣) البخاري برقم ٦٠٨، ٦٨١، ٧٥٤، ١٢٠٥، ٤٤٤٨، ومسلم برقم ٤١٩ والألفاظ مقتبسة من جميع المواضع، وانظر: مختصر صحيح الإمام البخاري للألباني ١/ ١٧٤ برقم ٣٧٤.
[ ٤٠٤ ]
لأن الله اتخذه نبيًّا واتخذه شهيدًا ﷺ.
٢ - عداوة اليهود للإسلام وأهله ظاهرة من قديم الزمان فهم أعداء الله ورسله.
٣ - عدم انتقام النبي ﷺ لنفسه، بل يعفو ويصفح؛ ولهذا لم يعاقب من سمَّت الشاة المصلية، ولكنها قُتِلتْ بعد ذلك قصاصًا ببشر ابن البراء بعد أن مات بِصُنعها:
٤ - معجزة من معجزاته ﷺ وهي أن لحم الشاة المصلية نطق وأخبر النبي ﷺ أنه مسموم.
٥ - فضل الله تعالى على عباده أنه لم يقبض نبيهم إلا بعد أن أكمل به الدين وترك أمته على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك.
٦ - محبة الصحابة ﵃ لنبيهم ﷺ حتى أنهم فرحوا فرحًا عظيمًا عندما كشف الستر في صباح يوم الاثنين وهو ينظر إليهم وصلاتهم، فأدخل الله بذلك
[ ٤٠٥ ]
السرور في قلبه ﷺ؛ لأنه ناصح لأمته يحب لهم الخير؛ ولهذا ابتسم وهو في شدة المرض فرحًا وسرورًا بعملهم المبارك.
[ ٤٠٦ ]