ميراثه ﷺ
عن عمرو بن الحارث ﵁ قال: «ما ترك رسول الله ﷺ عند موته: دِرْهمًا، ولا دينارًا، ولا عبدًا، ولا أمَةً، ولا شيئًا، إلا بغلته البيضاء [التي كان يركبها] وسلاحه، [وأرضًا بخيبر] جعلها [لابن السبيل] صدقة» (١). وعن عائشة ﵂ قالت: «ما ترك رسول الله ﷺ دينارًا، ولا درهمًا، ولا شاة، ولا بعيرًا، ولا أوصى بشيء» (٢) (٣).
وقال ﷺ: «لا نورث ما تركنا فهو صدقة» (٤) وذلك
_________________
(١) البخاري ٥/ ٣٥٦، برقم ٢٧٣٩، ٢٨٧٣، ٢٩١٢، ٣٠٩٨، ٤٤٦١، واللفظ من هذه المواضع.
(٢) مسلم برقم ١٦٣٥.
(٣) أي لم يوص بثلث ماله ولا غيره إذ لم يكن له مال، أما أمور الدين فقد تقدم أنه أوصى بكتاب الله وسنه نبيه، وأهل بيته، وإخراج المشركين من جزيرة العرب، وبإجازة الوفد، والصلاة وملك اليمين وغير ذلك. انظر: شرح النووي ١١/ ٩٧.
(٤) البخاري في عدة مواضع من حديث عائشة ومالك بن أوس، وأبي بكر ﵃، برقم ٣٠٩٣، ٣٧١٢، ٤٠٣٦، ٤٢٤٠، ٥٣٥٨، ٦٧٢٦، و٦٧٢٧، ٧٣٠٥. ومسلم برقم ١٧٥٧، و١٧٥٨، ١٧٥٩، و١٧٦١، واللفظ لعائشة عند مسلم.
[ ٤٢٥ ]
لأنه لم يبعث ﷺ جابيًا للأموال وخازنًا إنما بعث هاديًا، ومبشرًاً، ونذيرًا، وداعيًا إلى الله بإذنه، وسراجًا منيرًا، وهذا هو شأن أنبياء الله ورسله عليهم الصلاة والسلام؛ ولهذا قال ﷺ: «إن العلماء ورثة الأنبياء، إن الأنبياء لم يُوَرِّثوا دينارًا ولا درهمًا إنما وَرَّثُوا العلم فمن أخذه أخذ بحظٍّ وافر» (١).
وقد فَهِمَ الصحابة ﵃ ذلك، فعن سليمان ابن مهران: بينما ابن مسعود ﵁ يومًا معه نفر من أصحابه إذ مرَّ أعرابي فقال: على ما اجتمع هؤلاء؟ قال ابن مسعود ﵁: (على ميراث محمد ﷺ يقسِّمونه) (٢).
فميراث النبي ﷺ هو الكتاب والسنة والعلم والاهتداء بهديه ﷺ؛ ولهذا توفي ﷺ ولم يترك درهمًا، ولا دينارًا، ولا
_________________
(١) أبو داود ٣/ ٣١٧، برقم ٣٦٤١، والترمذي ٥/ ٤٩، برقم ٢٦٨٢، وابن ماجه ١/ ٨٠، برقم ٢٢٣، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه ١/ ٤٣.
(٢) أخرجه الخطيب البغدادي بسنده في شرف أصحاب الحديث ص ٤٥.
[ ٤٢٦ ]
عبدًا، ولا أمة، ولا بعيرًا، ولا شاة، ولا شيئًا، إلا بغلته وأرضًا جعلها صدقة لابن السبيل.
وعن عائشة ﵂ قالت: «توفي النبي ﷺ ودرعه مرهونة عند يهودي بثلاثين صاعًا من شعير» (١). وهذا يبين أن النبي ﷺ كان يتقلل من الدنيا، ويستغني عن الناس؛ ولهذا لم يسأل الصحابة أموالهم أو يقترض منهم؛ لأن الصحابة لا يقبلون رهنه وربما لا يقبضوا منه الثمن، فعدل إلى معاملة اليهودي؛ لئلا يضيِّق على أحد من أصحابه ﷺ (٢). وقد كان ﷺ يصيبه الجوع وهو حي؛ ولهذا يمر ويمضي الشهر والشهران وما أوقدت في أبيات رسول الله ﷺ نار، «قال عروة لعائشة رضي الله عن الجميع: ما كان يقيتكم؟ قالت: الأسودان: التمر
_________________
(١) البخاري برقم ٢٠٦٨ وكرره بفوائده في عشرة مواضع، ومسلم برقم ١٦٠٣، وانظر: جميعها في مختصر البخاري للألباني ٢/ ٢١.
(٢) انظر: شرح النووي ١١/ ٤٣.
[ ٤٢٧ ]
والماء. . .» (١). ومع هذا كان يقول ﷺ: «مالي وللدنيا ما مثلي ومثل الدنيا إلا كراكب سار في يوم صائف فاستظل تحت شجرة ساعة من نهار ثم راح وتركها» (٢).
[الدروس والفوائد والعبر]
وخلاصة القول: أن الدروس والفوائد والعبر في هذا المبحث كثيرة، ومنها:
١ - الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لم يُبعثوا لجمع الأموال وإنما بُعِثُوا لهداية الناس وإخراجهم من الظلمات إلى النور؛ ولهذا لم يُوَرِّثُوا دينارًا ولا درهمًا وإنما وَرَّثُوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر.
٢ - زهد النبي ﷺ في الدنيا وحطامها الفاني؛ وإنما هو كالراكب الذي استظل تحت شجرة ثم راح وتركها.
_________________
(١) انظر: البخاري مع الفتح ١١/ ٢٨٣، برقم ٦٤٥٩.
(٢) أحمد ٦/ ١٥٤ وقال ابن كثير في البداية والنهاية ٥/ ٢٨٤، وإسناده جيد، وأخرجه الترمذي، برقم ١٣٧٧، وابن ماجه، برقم ٤١٠٩، وانظر: الأحاديث الصحيحة برقم ٤٣٩، وصحيح الترمذي ٢/ ٢٨٠.
[ ٤٢٨ ]
٣ - استغناء النبي ﷺ عن سؤال الناس فهو يقترض ويرهن حتى لا يكلف على أصحابه؛ ولهذا مات ودرعه مرهونة في ثلاثين صاعًا من شعير.
٤ - شدة الحال وقلة ما في اليد عند النبي ﷺ؛ ولهذا يمضي الشهر والشهران ولم تُوقَدْ في أبياته نار وإنما كان يقيتهم الأسودان.
فصلوات الله وسلامه عليه ما تعاقب الليل والنهار، وأسأل الله العلي العظيم أن يجعلنا من أتباعه المخلصين، وأن يحشرنا في زمرته يوم الدين.
[ ٤٢٩ ]