حلمه وعفوه ﷺ
بلغ النبيُّ ﷺ في حلمه، وعفوه في دعوته إلى الله - تعالى - الغاية المثالية، والدلائل على ذلك كثيرة جدًّا، منها على سبيل المثال لا الحصر ما يأتي:
المثال الأول: مع من قال: هذه قسمة ما عُدِلَ فيها: عن ابن مسعود - ﵁ - قال: «لما كان يوم حنينٍ آثر النبيُّ ﷺ أُناسًا في القسمة، فأعطى الأقرع بن حابس مائة من الإبل، وأعطى عُيَينة مثل ذلك، وأعطى أُناسًا من أشراف العرب فآثرهم يومئذ في القسمة، قال رجل: والله إن هذه القسمة ما عُدِلَ فيها، وما أُريدَ بها وجه الله، فقلت: والله لأُخْبَرِنَّ النبيَّ ﷺ. فأتيته فأخبرته، فقال: فمن يعدل إذا لم يعدل الله ورسوله؟! رحم الله موسى فقد أوذي بأكثر من هذا فصبر» (١).
_________________
(١) البخاري مع الفتح بلفظه، كتاب فرض الخمس، باب ما كان النبي - ﷺ - يعطي المؤلَّفة قلوبهم وغيرهم من الخُمس ٦/ ٢٥١، برقم ٣١٥٠، ومسلم، كتاب الزكاة، باب إعطاء المؤلّفة قلوبهم على الإسلام وتصبر من قوي إيمانه ٢/ ٧٣٩، برقم ١٠٦٢.
[ ١٤٤ ]
المثال الثاني مع من قال كنا أحق بهذا
وهذا من أعظم مظاهر الحلم في الدعوة إلى الله - تعالى - وقد اقتضت حكمة النبي ﷺ أن يقسم تلك الغنائم بين هؤلاء المؤلَّفة قلوبهم، ويُوكِلَ من قلبه ممتلئ بالإيمان إلى إيمانه (١).
المثال الثاني: مع من قال: كُنَّا أَحَقَّ بهذا: عن أبي سعيد الخدري - ﵁ - قال: «بعث علي بن أبي طالب - ﵁ - إلى رسول الله من اليمن بذهيبة (٢) في أديم مقروظ (٣) لم تحصل من ترابها، قال: فقسمها بين أربعة نفر: بين عيينة بن بدر (٤) وأقرع بن حابس، وزيد الخيل (٥) والرابع إما علقمة (٦) وإما عامر بن الطفيل،
_________________
(١) انظر: فتح الباري، شرح صحيح البخاري ٨/ ٤٩.
(٢) أي: ذهب. انظر: فتح الباري ٨/ ٦٨.
(٣) مدبوغ بالقرظ. انظر: فتح الباري ٨/ ٦٨.
(٤) وهو عيينة بن حصن بن حذيفة، نسب لجده الأعلى. الفتح ٨/ ٦٨.
(٥) زيد الخيل بن مهلهل الطائي، وسماه النبي - ﷺ - زيد الخير، بالراء بدل اللام. انظر: فتح الباري ٨/ ٦٨.
(٦) ابن علاثة العامري، أسلم وحسن إسلامه، واستعمله عمر على حوران، فمات بها في خلافته. انظر: فتح الباري ٨/ ٦٨.
[ ١٤٥ ]
فقال رجل من أصحابه: كُنَّا نحن أحقُّ بهذا من هؤلاء، قال: فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: "ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء، يأتيني خبر السماء صباحًا ومساء؟ " قال: فقام رجل غائر العينين، مُشرف الوجنتين، ناشز الجبهة، كث اللحية، محلوق الرأس، مُشمِّر الإزار، فقال: يا رسول الله! اتق الله، قال: "ويلك، أولستُ أحقُّ أهل الأرض أن يتقي الله؟ " قال: ثم ولى الرجل، قال خالد بن الوليد: يا رسول الله! ألا أضرب عنقه؟ قال: "لا، لعله أن يكون يصلي" فقال خالد: وكم من مصلٍّ يقول بلسانه ما ليس في قلبه! قال رسول الله ﷺ: "إني لم أُومر أن أَنقُب قلوب الناس ولا أشقَّ بطونهم". قال: ثم نظر إليه وهو مُقَفٍّ فقال: "إنه يخرج من ضئضيء هذا قوم يتلون كتاب الله رطبًا لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرَّميَّة، لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد» (١).
_________________
(١) البخاري مع الفتح، كتاب المغازي، باب بعث علي بن أبي طالب، وخالد بن الوليد= = - ﵄ - إلى اليمن ٨/ ٦٧ برقم ٤٣٥١، ومسلم، في كتاب الزكاة، باب ذكر الخوارج وصفاتهم ٢/ ٧٤١، برقم ١٠٦٤.
[ ١٤٦ ]
المثال الثالث مع الطفيل بن عمرو ﵁
وهذا من مظاهر حلم النبي ﷺ، فقد أخذ بالظاهر ولم يؤمر أن ينقب قلوب الناس، ولا أن يشق بطونهم، والرجل قد استحق القتل واستوجبه؛ ولكن النبي ﷺ لم يقتله؛ لئلا يتحدث الناس أنه يقتل أصحابه ولاسيما من صلَّى (١).
المثال الثالث: مع الطفيل بن عمرو ﵁: من مواقف الحلم ما فعله رسول الله ﷺ مع الطفيل بن عمرو الدوسي - ﵁ -، فقد أسلم الطفيل - ﵁ - قبل الهجرة في مكة، ثم رجع إلى قومه يدعوهم إلى الإسلام، فبدأ بأهل بيته، فأسلم أبوه وزوجته، ثم دعا قومه وعشيرته إلى الله - ﷿ - فأبت عليه وعصت، وأبطؤوا عليه، فجاء الطفيل إلى رسول الله ﷺ وذكر له أن دوسًا هلكت وكفرت وعصت وأبت.
_________________
(١) انظر: فتح الباري شرح صحيح البخاري ٨/ ٦٩.
[ ١٤٧ ]
فعن أبي هريرة - ﵁ - قال: «جاء الطفيل بن عمرو الدوسي إلى رسول الله ﷺ فقال: إن دوسًا قد عصت وأبت، فادع الله عليهم، فاستقبل رسول الله القبلة ورفع يديه، فقال الناس: هلكوا. فقال: اللهم اهد دوسًا وائت بهم، اللهم اهد دوسًا وائت بهم» (١).
وهذا يدل على حلم النبي ﷺ وصبره وتأَ نِّيه في الدعوة إلى الله - ﷿ -؛ فإنه ﷺ لم يعجل بالعقوبة، أو الدعاء على من رد الدعوة؛ ولكنه ﷺ دعا لهم بالهداية، فاستجاب الله دعاءه، وحصل على ثمرة الصبر والتأنِّي وعدم العجلة، فقد رجع الطفيل إلى قومه، ورفق بهم،
_________________
(١) البخاري مع الفتح، في كتاب الجهاد، باب الدعاء للمشركين بالهدى ليتألفهم ٦/ ١٠٧، برقم ٢٩٣٧، وفي كتاب المغازي، باب قصة دوس والطفيل بن عمرو الدوسي ٨/ ١٠١، برقم ٤٣٩٢، وفي كتاب الدعوات، باب الدعاء على المشركين ١١/ ١٩٦، برقم ٦٣٩٧، ومسلم، في كتاب فضائل الصحابة، باب فضل غفار وأسلم وجهينة وأشجع وتميم ودوس وطي ٤/ ١٩٥٧، برقم ٢٥٢٤، وأخرجه أحمد واللفظ له ٢/ ٢٤٣، ٤٤٨، وانظر: البداية والنهاية ٦/ ٣٣٧، ٣/ ٩٩، وسيرة ابن هشام ١/ ٤٠٧.
[ ١٤٨ ]
المثال الرابع مع من أراد قتله ﷺ
فأسلم على يديه خلقٌ كثير، ثم قدم على النبي ﷺ وهو بخيبر، فدخل المدينة بثمانين أو تسعين بيتًا من دوس، ثم لحقوا بالنبي ﷺ بخيبر، فأسهم لهم مع المسلمين (١).
الله أكبر! ما أعظمها من حكمةٍ أسلم بسببها ثمانون أو تسعون أسرة.
وهذا مما يوجب على الدعاة إلى الله - ﷿ - العناية بالحلم في دعوتهم، ولا يحصل لهم ذلك إلا بفضل الله ثم بمعرفة هدي النبي ﷺ في دعوته.
المثال الرابع: مع من أراد قتله ﷺ: روى البخاري ومسلم، عن جابر بن عبد الله - ﵄ - قال: «غزونا مع رسول الله ﷺ غزوة قِبَلَ نجدٍ (٢) فأدركنا رسول الله ﷺ في وادٍ كثير العضاه، فنزل
_________________
(١) انظر: سير أعلام النبلاء للذهبي ١/ ٣٤٦، وزاد المعاد ٣/ ٦٢٦، والإصابة في تمييز الصحابة ٢/ ٢٢٥.
(٢) وقع في رواية البخاري التصريح باسمها "ذات الرقاع"، انظر: البخاري مع الفتح ٧/ ٤٢٦، برقم ٤١٣٦.
[ ١٤٩ ]
رسول الله ﷺ تحت شجرةٍ، فَعلَّق سيفه بغصنٍ من أغصانها، قال: وتفرَّق الناس في الوادي يستظلون بالشجر، قال: فقال رسول الله ﷺ: "إن رجلًا أتاني وأنا نائم، فأخذ السيف فاستيقظت وهو قائم على رأسي، فلم أشعر إلا والسيف صلتًا (١) في يده، فقال لي، من يمنعنك مني؟ قال: قلت: الله، ثم قال في الثانية: من يمنعك مني؟ قال: قلت: الله، قال: فشام (٢) السيف، فهاهو ذا جالس"، ثم لم يعرض له رسول الله ﷺ» (٣).
الله أكبر! ما أعظم هذا الخلق! وما أكبر أثره في النفس!
_________________
(١) والسيف صلتًا: أي مسلولًا. انظر: شرح النووي ١٥/ ٤٥.
(٢) شام السيف: أي رده في غمده. انظر: المرجع السابق ١٥/ ٤٥.
(٣) البخاري مع الفتح، كتاب الجهاد، باب من علق سيفه بالشجر في السفر عند القائلة ٦/ ٩٦، ٩٧، برقم ٢٩١٠، وكتاب المغازي، باب: غزوة ذات الرقاع ٧/ ٤٢٦، برقم ٤١٣٥، ومسلم، واللفظ له، كتاب الفضائل، باب: توكله على الله - تعالى -، وعصمة الله - تعالى - له من الناس ٤/ ١٧٨٦، ١/ ٥٧٦، برقم ٨٤٣، وأحمد ٣/ ٣١١، ٣٦٤. وانظر: الأخلاق الإسلامية وأسسها للميداني فقد ذكر رواية مطولة عزاها لأبي بكر الإسماعيلي في صحيحه ٢/ ٣٣٥.
[ ١٥٠ ]
المثال الخامس مع زيد الحبر
أعرابي يريد قتل النبي ﷺ ثم يعصمه الله منه، ويمكِّنه من القدرة على قتله، ثم يعفو عنه! إن هذا لخلقٌ عظيم وصدق الله العظيم إذ يقول للنبي ﷺ: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤]، وهذا الخلق الحكيم قد أثر في حياة الرجل، وأسلم بعد ذلك، فاهتدى به خلق كثير (١).
المثال الخامس: مع زيد الحبر: كان النبي ﷺ يعفو عند القدرة، ويحلم عند الغضب، ويحسن إلى المسيء، وقد كانت هذه الأخلاق العالية من أعظم الأسباب في إجابة دعوته والإيمان به، واجتماع القلوب عليه، ومن ذلك ما فعله مع زيد بن سعنة، أحد أحبار اليهود وعلمائهم الكبار (٢).
_________________
(١) انظر: فتح الباري ٧/ ٤٢٨، وشرح النووي على مسلم ١٥/ ٤٤، وذكر ابن حجر والنووي في هذا الموضع أن اسم الأعرابي: غورث بن الحارث.
(٢) انظر: هذا الحبيب يا محب ص٥٢٨، وهداية المرشدين ص٣٨٤.
[ ١٥١ ]
«جاء زيد بن سعنة إلى رسول الله ﷺ يطلبه دينًا عليه، فأخذ بمجامع قميصه وردائه وجذبه، وأغلظ له القول، ونظر إلى النبي ﷺ بوجهٍ غليظٍ وقال: يا محمد، ألا تقضيني حقي، إنكم يا بني عبد المطلب قوم مُطْلٌ، وشدَّد له في القول، فنظر إليه عمر وعيناه تدوران في رأسه كالفلك المستدير، ثم قال: يا عدو الله، أتقول لرسول الله ﷺ ما أسمع، وتفعل ما أرى، فوالذي بعثه بالحق لولا ما أُحاذر لومه لضربت بسيفي رأسك، ورسول الله ﷺ ينظر إلى عمر في سكون وتُؤَدَةٍ وتَبَسُّمٍ، ثم قال: "أنا وهو يا عمر كنا أحوج إلى غيره هذا منك يا عمر، أن تأمرني بحسن الأداء، وتأمره بحسن التقاضي، اذهب به يا عمر فاقضه حقه، وزده عشرين صاعًا من تمرٍ"، فكان هذا سببًا لإسلامه، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
وكان زيد قبل هذه القصة يقول: (لم يبق شيء من
[ ١٥٢ ]
المثال السادس مع زعيم المنافقين
علامات النبوة إلا وقد عرفتها في وجه محمد ﷺ إلا اثنتين لم أخبرهما منه: يسبق حلمه جهله، ولا يزيده شدة الجهل عليه إلا حلمًا)» (١).
فاختبره بهذه الحادثة فوجده كما وُصِفَ، فأسلم وآمن وصدق، وشهد مع النبي ﷺ مشاهده، واستشهد في غزوة تبوك مقبلًا غير مدبر (٢).
فقد أقام محمد ﷺ براهين عديدة من أخلاقه على صدقه، وأن ما يدعو إليه حق.
المثال السادس: مع زعيم المنافقين: قدم النبي ﷺ المدينة، وقد أجمع الأوس والخزرج على
_________________
(١) ذكر ابن حجر في كتاب الإصابة في تمييز الصحابة هذه القصة وعزاها إلى الطبراني، والحاكم، وأبي الشيخ في كتابه أخلاق النبي - ﷺ -، وابن سعد، وغيرهم، ثم قال ابن حجر: ورجال إسناده موثّقون ومحمد بن أبي السري وثّقه ابن معين والوليد قد صرح بالتحديث ١/ ٥٦٦. وذكره ابن كثير في البداية والنهاية، وعزاه إلى أبي نعيم في الدلائل. البداية والنهاية ٢/ ٣١٠، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ٨/ ٢٤٠: رواه الطبراني، ورجاله ثقات.
(٢) الإصابة في تمييز الصحابة ١/ ٥٦٦.
[ ١٥٣ ]
تمليك عبد الله بن أُبيٍّ، ولم يختلف عليه في شرفه اثنان، ولم تجتمع الأوس والخزرج قبله ولا بعده على رجل من أحد الفريقين، وكانوا قد نظموا له الخرز، ليُتَوِّجوه ثم يملِّكوه عليهم، فجاءهم الله - تعالى - برسول الله ﷺ وهم على ذلك، فلما انصرف قومه عنه إلى الإسلام امتلأ قلبه حقدًا وعداوةً وبغضًا، ورأى أن رسول الله ﷺ قد استلبه ملكه، فلما رأى قومه أبوا إلا الإسلام، دخل فيه كارهًا مصرًا على النفاق والحقد والعداوة (١) ولم يأل جهدًا في الصَّدِّ عن الإسلام، وتفريق جماعة المسلمين، والذَّبِّ عن اليهود ومساعدتهم.
وقد ظهرت مواقفه الخبيثة في معاداته لدعوة الإسلام، ولكن عن طريق التستر والنفاق، وقد كان النبي ﷺ يقابل عداوته بالعفو والصفح والحلم؛ لأنه يُظهر الإسلام؛ ولأن له أعوانًا من المنافقين، هو رئيسهم وهم
_________________
(١) انظر: سيرة ابن هشام ٢/ ٢١٦، والبداية والنهاية ٤/ ١٥٧.
[ ١٥٤ ]
تَبَعٌ له، فكان ﷺ يحسن إليه بالمقال والفعل، ويقابل إساءته بالعفو والإحسان في عدة مواقف، منها على سبيل المثال ما يأتي:
١ - شفاعته لليهود - بنو قينقاع - عندما نقضوا العهد: نقض بنو قينقاع العهد بعد بدر بكشف عورة امرأة من المسلمين في السوق، وبقتل رجل نصرها من المسلمين (١) فسار إليهم رسول الله ﷺ يوم السبت للنصف من شوال، على رأس عشرين شهرًا من الهجرة، وحاصرهم خمسة عشر يومًا، وتحصَّنوا في حصونهم، فحاصرهم أشد الحصار، وقذف الله في قلوبهم الرعب، فنزلوا على حكم رسول الله ﷺ فأمر بهم فَكُتِّفُوا، وكانوا سبعمائة مقاتل، فقام إلى النبي ﷺ عبد الله بن أُبيٍّ حين أمكنه الله منهم، فقال: يا محمد، أحسن في مواليَّ، فأبطأ عليه رسول الله
_________________
(١) انظر: سيرة ابن هشام ٢/ ٤٢٧، والبداية والنهاية ٤/ ٤، والرحيق المختوم ص٢٢٨، وهذا الحبيب ص٢٤٦.
[ ١٥٥ ]
ﷺ، فقال: يا محمد، أحسن في موالي، فأعرض عنه، فأدخل يديه في جيب درع النبي ﷺ، وقال: والله لا أرسلك حتى تحسن في موالي أربع مائة حاسر، وثلاث مائة دارع (١) قد منعوني من الأحمر والأسود تحصدهم في غداة واحدة، إني والله امرؤ أخشى الدوائر، فوهبهم النبي ﷺ له (٢) وأمرهم أن يخرجوا من المدينة ولا يجاوروه بها، فخرجوا إلى أذرعات من أرض الشام، وقبض منهم أموالهم، وخمس غنائمهم صلوات الله وسلامه عليه (٣).
فلم يعاقبه رسول الله ﷺ، على هذه الشفاعة وعلى شدته القبيحة، بل عفى عنه ﷺ.
_________________
(١) الحاسر: هو الذي لا درع له، والدارع: هو لابس الدرع. انظر: المعجم الوسيط، مادة "حسر" ١/ ١٧٢، ومادة "درع" ١/ ٢٨٠.
(٢) انظر: سيرة ابن هشام ٢/ ٤٢٨، والبداية والنهاية لابن كثير ٤/ ٤.
(٣) انظر: زاد المعاد ٣/ ١٢٦، ١٩٠.
[ ١٥٦ ]
٢ - ما فعله مع النبي ﷺ يوم أُحُد: خرج النبي ﷺ إلى معركة أحد، فلما صار بين أحد والمدينة انخزل عبد الله بن أُبيٍّ بنحو ثلث العسكر، ورجع بهم إلى المدينة فتبعهم عبد الله بن عمرو بن حرام، والد جابر - ﵄ - فوبَّخهم، وحضَّهم على الرجوع، وقال: تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا، قالوا: لو نعلم أنكم تقاتلون لم نرجع، فرجع عنهم وسبهم (١).
فلم يعاقبه رسول الله ﷺ على هذا الجرم العظيم، وتخذيل المسلمين.
٣ - صدُّه الرسولَ ﷺ عن الدعوة إلى الله تعالى: ركب النبي ﷺ إلى سعد بن عبادة، فمر بعدو الله عبد
_________________
(١) انظر: زاد المعاد في هدي خير العباد ٣/ ١٩٤، وسيرة ابن هشام ٣/ ٨، ٣/ ٥٧، والبداية والنهاية ٤/ ٥١.
[ ١٥٧ ]
الله بن أُبَيٍّ وحوله رجال من قومه، فنزل ﷺ فسلم ثم جلس قليلًا، فتلا القرآن، ودعا إلى الله - ﷿ -، وذكَّر بالله، وحذَّر وبشَّر وأنذر، وعندما فرغ النبي ﷺ من مقالته، قال له عبد الله بن أُبيٍّ: يا هذا، إنه لا أحسن من حديثك هذا، إن كان حقًّا فاجلس في بيتك فمن جاءك فحدِّثْهُ إيَّاه، ومن لم يأتك فلا تغته (١) ولا تأته في مجلسه بما يكره منه (٢) فلم يؤاخذه النبي ﷺ، وعفا عنه وصفح.
٤ - تثبيته بني النضير: عندما نقض يهود بني النضير العهد بِهَمِّهِم بقتل النبي ﷺ، بعث إليهم محمد بن مسلمة يأمرهم بالخروج من جواره وبلده، فبعث إليهم أهل النفاق - وعلى رأسهم عبد الله بن أُبيٍّ - أن اثبتوا وتمنَّعوا فإنا لن نسلمكم، إن
_________________
(١) أي: لا تكثر عليه به وتتردد به عليه، أو لا تعذبه به. انظر: القاموس المحيط، باب التاء، فصل الغين ص٢٠٠، والمعجم الوسيط مادة "غتَّ" ٢/ ٦٤٤.
(٢) انظر: سيرة ابن هشام ٢/ ٢١٨، ٢١٩.
[ ١٥٨ ]
قُوتلتم قاتلنا معكم، وإن أُخرجتم خرجنا معكم، فقويت عزيمة اليهود، ونابذوا رسول الله ﷺ بنقض العهد، فخرج إليهم حتى نزل بهم وحاصرهم، فقذف الله في قلوبهم الرعب، وأجلاهم النبي ﷺ وخرجوا إلى خيبر، ومنهم من سار إلى الشام (١).
وترك النبي ﷺ عبد الله بن أُبيٍّ فلم يُعاقبه على ذلك الفعل القبيح!
٥ - كيدُهُ وغدره للنبي ﷺ ومن معه من المسلمين في غزوة المريسيع: في هذه الغزوة قام عبد الله بن أُبيٍّ بعدة مواقف مخزية توجب قتله وعقابه، ومنها:
دَبَّر المنافقون في هذه الغزوة قصة الإفك، وتولى كبره عبد الله بن أُبيٍّ بن سلول (٢).
_________________
(١) انظر: سيرة ابن هشام ٣/ ١٩٢، والبداية والنهاية ٤/ ٧٥، وزاد المعاد ٣/ ١٢٧.
(٢) انظر قصة الإفك في البخاري مع الفتح، كتاب المغازي، باب حديث الإفك ٧/ ٤٣١، برقم ٤١٤١، وكتاب التفسير، سورة النور، باب: = = ﴿««««إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا «««««(هَذَا ««««عَظِيمٌ﴾ ٨/ ٤٥٢، برقم ٤٧٥٠، ومسلم، كتاب التوبة، باب حديث الإفك ٤/ ٢١٢٩، برقم ٢٧٧٠، وزاد المعاد ٣/ ٢٥٦ - ٢٦٨. وانظر: البخاري مع الفتح، كتاب التفسير، سورة المنافقون، باب ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ ««««اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا «««(الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ ٨/ ٦٤٨، ٦٥٢، برقم ٤٩٠٥، وفي كتاب المناقب، باب ما ينهى عنه من دعوى الجاهلية ٦/ ٥٤٦، برقم ٣٥١٨، ومسلم، كتاب البر والصلة، باب انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا ٤/ ١٩٩٨، برقم ٢٥٨٤، وانظر: سيرة ابن هشام ٣/ ٣٣٤. والحديث في البخاري مع الفتح، كتاب التفسير، سورة المنافقون، باب قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ﴾ ٨/ ٦٤٨، برقم ٤٩٠٤، = = ومسلم، كتاب صفات المنافقين وأحكامهم ٤/ ٢١٤٠، برقم ٢٧٧٢.
[ ١٥٩ ]
وفي هذه الغزوة قال عبد الله بن أُبيٍّ: ﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ [المنافقون: ٨] (١).
وفي هذه الغزوة قال عدو الله: ﴿لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا﴾ [المنافقون: ٧] (٢).
_________________
(١) البخاري مع الفتح، كتاب التفسير، سورة المنافقون، باب ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ ٨/ ٦٤٨، ٨/ ٦٥٢، ٦/ ٥٤٦، برقم ٤٩٠٥، ومسلم، كتاب البر والصلة، باب انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا ٤/ ١٩٩٨، برقم ٦٣ - (٢٥٨٤).
(٢) والحديث في البخاري مع الفتح، كتاب التفسير، سورة المنافقون، باب قوله تعالى: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ) ٨، برقم ٤٩٠٤، ومسلم، كتاب صفات المنافقين وأحكامهم ٤، برقم ٢٧٧٢.
[ ١٦٠ ]
وقد ظهرت الحكمة المحمدية، وتجلت السياسة الرشيدة في إخماد النبي ﷺ نار الفتنة، وقطع دابر الشر - بفضل الله ثم بصبره - على عبد الله بن أُبيٍّ، وتَحمُّله له، والإحسان إليه، ومقابلة هذه المواقف المخزية من هذا الزعيم المنافق بالعفو؛ لأنه هذا الرجل له أعوان، ويخشى من شرهم على الدعوة الإسلامية؛ ولأنه يظهر إسلامه، ولهذا «قال النبي ﷺ لعمر بن الخطاب - حينما قال: يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق -: دعه حتى لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه» (١).
فلو قتله رسول الله ﷺ لكان ذلك منفِّرًا للناس عن الدخول في الإسلام؛ لأنهم يرون أن عبد الله بن أُبيٍّ
_________________
(١) البخاري مع الفتح، كتاب التفسير، سورة المنافقون، باب (سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ) ٨، ٨، ٦، برقم ٤٩٠٥، ومسلم، كتاب البر والصلة، باب انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا ٤، برقم ٦٣ - (٢٥٨٤).
[ ١٦١ ]
المثال السابع مع ثمامة بن أثال
مسلم، ومن ثم سيقول الناس: إن محمدًا يقتل المسلمين، فعند ذلك تظهر المفاسد، وتتعطل المصالح.
فظهرت حكمة النبي ﷺ وصبره على بعض المفاسد خوفًا من أن تترتب على ذلك مفسدة أعظم؛ ولتقوى شوكة الإسلام، وقد أُمر بالحكم بالظاهر، والله يتولى السرائر.
وقد ظهرت الحكمة لعمر بعد ذلك في عدم قتل عبد الله بن أُبيٍّ فقال: (قد والله علمت، لأمر رسول الله ﷺ أعظم بركة من أمري) (١).
وهكذا ينبغي للدعاة إلى الله أن يسلكوا طريق الحكمة في دعوتهم اقتداء بنبيهم ﷺ.
المثال السابع: مع ثمامة بن أثال: روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة - ﵁ - أنه قال:
_________________
(١) ذكره ابن كثير في البداية والنهاية ٤/ ١٨٥، وانظر: شرح النووي على مسلم ١٦/ ١٣٩، وهذا الحبيب يا محبّ ص٣٣٦.
[ ١٦٢ ]
«بعث رسول الله ﷺ خيلًا قِبَلَ نجد، فجاءت برجل من بني حنيفة، يقال له ثمامة بن أُثال، سيد أهل اليمامة، فربطوه بسارية من سواري المسجد، فخرج إليه رسول الله ﷺ فقال: "ماذا عندك يا ثمامة؟ " فقال: عندي يا محمد خير، إن تقتل تقتل ذا دم (١)
وإن تُنعم تُنعم على شاكر، وإن كنت تريد المال فسل تعط منه ما شئت، فتركه رسول الله ﷺ حتى كان بعد الغد، فقال: "ما عندك يا ثمامة؟ " فقال: ما قلت لك، إن تنعم تنعم على شاكر، وإن تقتل تقتل ذا دم، وإن كنت تريد المال فسل تعط منه ما شئت، فتركه رسول الله ﷺ حتى كان من الغد، فقال: "ماذا عندك يا ثمامة؟ " فقال: عندي ما قلت لك، إن تنعم تنعم على شاكر، وإن تقتل تقتل ذا دم، وإن كنت تريد المال فسل تعط منه ما شئت، فقال رسول الله ﷺ:
_________________
(١) معناه: أن تقتل تقتل صاحب دم يدرك قاتله به ثأره لرئاسته وفضيلته، وقيل: معناه تقتل من عليه دم مطلوب به، وهو مستحق عليه فلا عتب عليك في قتله. انظر: فتح الباري ٨/ ٨٨ ..
[ ١٦٣ ]
"أطلقوا ثمامة "، فانطلق إلى نخل قريب من المسجد، فاغتسل، ثم دخل المسجد فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، يا محمد! والله ما كان على الأرض وجهٌ أبغض إليَّ من وجهك، فقد أصبح وجهك أُحبَّ الوجوه كلها إليَّ، والله ما كان من دين أبغض إليَّ من دينك، فأصبح دينك أحب الدين كله إليَّ، والله ما كان من بلد أبغض إليَّ من بلدك، فأصبح بلدك أحب البلاد كلها إليَّ، وإن خيلك أخذتني وأنا أريد العمرة فماذا ترى؟ فبشره رسول الله ﷺ، وأمره أن يعتمر، فلما قدم مكة قال له قائل: أصبوت؟ فقال: [لا والله]، ولكني أسلمت مع رسول الله ﷺ، ولا والله لا يأتيكم من اليمامة حبة حنطة حتى يأذن فيها رسول الله ﷺ» (١).
(ثم خرج - ﵁ - إلى اليمامة فمنعهم أن يحملوا إلى
_________________
(١) البخاري مع الفتح، كتاب المغازي، باب وفد بني حنيفة وحديث ثمامة بن أثال ٨/ ٨٧، برقم ٤٣٧٢، ومسلم - واللفظ له إلا ما بين المعكوفين فمن البخاري - في كتاب الجهاد والسير، باب ربط الأسير وحبسه وجواز المنّ عليه ٣/ ١٣٨٦، برقم ١٧٦٤.
[ ١٦٤ ]
مكة شيئًا، فكتبوا إلى رسول الله ﷺ: إنك تأمر بصلة الرحم، وإنك قد قطعت أرحامنا، وقد قتلت الآباء بالسيف والأبناء بالجوع، فكتب رسول الله ﷺ إلى ثمامة أن يخلي بينهم وبين الحمل) (١).
وذكر ابن حجر أن ابن منده روى بإسناده عن ابن عباس قصة إسلام ثمامة ورجوعه إلى اليمامة، ومنعه قريش عن الميرة، ونزول قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ﴾ [المؤمنون: ٧٦]. (٢)
وقد ثبت ثمامة على إسلامه لما ارتد أهل اليمامة، وارتحل هو ومن أطاعه من قومه فلحقوا بالعلاء بن الحضرمي فقاتل معه المرتدين من أهل البحرين (٣).
_________________
(١) سيرة ابن هشام ٤/ ٣١٧ بتصرف يسير، وفتح الباري بشرح صحيح البخاري ٨/ ٨٨.
(٢) وقال ابن حجر عن هذا الأثر: إسناده حسن. انظر: الإصابة في تمييز الصحابة ١/ ٢٠٣.
(٣) انظر: الإصابة في تمييز الصحابة ١/ ٢٠٣.
[ ١٦٥ ]
الله أكبر، ما أحلم النبي محمدًا ﷺ، وما أعظمه من موقف، فقد كان ﷺ يتألَّف القلوب، ويلاطف من يُرجى إسلامه من الأشراف الذين يتبعهم على إسلامهم خلق كثير.
وهكذا ينبغي للدعاة إلى الله - ﷿ - أن يعظموا أمر الحلم والعفو عن المسيء؛ لأن ثمامة أقسم أن بغضه انقلب حبًّا في ساعة واحدة؛ لما أسداه النبي ﷺ إليه من الحلم والعفو والمنِّ بغير مقابل، وقد ظهر لهذا العفو الأثر الكبير في حياة ثمامة، وفي ثباته على الإسلام ودعوته إليه (١)؛ ولهذا قال:
أَهِمُّ بترك القول ثم يردني إلى القول إنعام النبي محمد
شكرتُ له فكي من الغل بعدما رأيت خيالًا من حسام مهند (٢)
_________________
(١) انظر: شرح النووي على مسلم ١٢/ ٨٩، وفتح الباري بشرح صحيح البخاري ٨/ ٨٨.
(٢) انظر: الإصابة في تمييز الصحابة ١/ ٢٠٣.
[ ١٦٦ ]
المثال الثامن مع من جبذه بردائه ﷺ
المثال الثامن: مع من جبذه بردائه ﷺ: عن أنس بن مالك - ﵁ - قال: «كنت أمشي مع النبي ﷺ وعليه برد نجراني غليظ الحاشية، فأدركه أعرابي فجبذه بردائه جبذةً شديدة حتى نظرت إلى صفحة عاتق النبي ﷺ قد أثَّرت به حاشية الرداء من شدة جبذته، ثم قال: يا محمد، مُرْ لي من مال الله الذي عندك، فالتفت إليه رسول الله ﷺ فضحك، ثم أمر له بعطاء» (١).
وهذا من روائع حلمه ﷺ وكماله، وحسن خلقه، وصفحه الجميل، وصبره على الأذى في النفس، والمال، والتجاوز على جفاء من يريد تألُّفه على الإسلام؛ وليتأسى به الدعاة إلى الله، والولاة بعده في حلمه، وخلقه الجميل من الصفح، والإغضاء، والعفو، والدفع
_________________
(١) البخاري مع الفتح، كتاب فرض الخمس، باب ما كان النبي - ﷺ - يعطي المؤلفة قلوبهم وغيرهم من الخمس ونحوه ٦/ ٢٥١، برقم ٣١٤٩، ومسلم، كتاب الزكاة، باب إعطاء من سأل بفحش وغلظة ٢/ ٧٣٠، برقم ١٠٥٧.
[ ١٦٧ ]
المثال التاسع: اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون
بالتي هي أحسن (١).
المثال التاسع: اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون: ومن عظيم حلمه عدم دعاؤه على من آذاه من قومه، وقد كان باستطاعته أن يدعو عليهم، فيهلكهم الله، ويدمرهم، ولكنه ﷺ حليم حكيم يهدف إلى الغاية العظمى، وهي رجاء إسلامهم، أو إسلام ذرياتهم؛ ولهذا قال عبد الله بن مسعود - ﵁ -: «كأني أنظر إلى رسول الله ﷺ يحكي نبيًّا من الأنبياء، صلوات الله وسلامه عليهم، ضربه قومه فأدْمَوْهُ وهو يمسح الدم عن وجهه ويقول: اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون» (٢).
وقد مدح النبي ﷺ الحلم، وعظَّم أمره، فقال لأشج عبد القيس: «إن فيك خصلتين يحبهما الله: الحلم
_________________
(١) انظر: فتح الباري ١٠/ ٥٠٦، وشرح النووي على مسلم ٧/ ١٤٦، ١٤٧.
(٢) البخاري مع الفتح، كتاب أحاديث الأنبياء، باب حدثنا أبو اليمان ٦/ ٥١٤، برقم ٣٤٧٧، ومسلم، في كتاب الجهاد والسير، باب غزوة أحد ٣/ ١٤١٧، برقم ١٧٩٢.
[ ١٦٨ ]
المثال العاشر عفوه ﷺ عن اليهودي الذي سحره
والأناة» (١) وفي رواية، قال الأشج: يا رسول الله، «أنا تخلَّقت بهما أمِ الله جبلني عليهما؟ قال: "بل الله جبلك عليهما". قال الحمد لله الذي جبلني على خُلُقينِ يحبهما الله ورسوله» (٢). والنبي ﷺ يحب الحلم ويتصف به.
المثال العاشر: عفوه ﷺ عن اليهودي الذي سحره: لقد كان من عظيم عفوه ﷺ ما فعله مع اليهودي الذي سحره؛ فإنه لم يذكر لذلك اليهودي شيئًا، ولا رآه في وجهه حتى مات (٣).
_________________
(١) مسلم، كتاب الإيمان، باب الأمر بالإيمان بالله تعالى، وروسله - ﷺ -، ١/ ٤٨، برقم ١٧/ ٢٥.
(٢) أبو داود، كتاب الأدب، باب في قبلة الجسد، ٤/ ٣٥٧، برقم ٥٢٢٥، وأحمد، ٤/ ٢٠٦، و٣/ ٢٣.
(٣) أحمد، ٤/ ٣٦٧، برقم ١٩٢٨٦.
[ ١٦٩ ]