النبي الكريم ﷺ رحمة للعالمين
أولًا: عموم رحمته ﷺ للإنس والجن، والمؤمنين والكافرين والحيوان:
قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧]، فالمؤمنون به ﷺ قبلوا هذه الرحمة، وشكروها، وغيرهم كفرها، وبدَّلوا نعمة الله كفرًا، وأبوا رحمة الله ونعمته (١). قال ابن عباس ﵄: (من آمن بالله واليوم الآخر كتب له الرحمة في الدنيا والآخرة، ومن لم يؤمن بالله ورسوله عوفي مما أصاب الأمم من الخسف والقذف) (٢).
قال الإمام الطبري ﵀: (أولى القولين في ذلك بالصواب القول الذي رُوي عن ابن عباس: وهو أن الله أرسل نبيه محمدًا ﷺ رحمة لجميع العالم: مؤمنهم
_________________
(١) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنّان، للسعدي، ص٥٣٢.
(٢) أخرجه الطبري في تفسيره جامع البيان، ١٨/ ٥٥٢.
[ ٥٦ ]
وكافرهم، فأما مؤمنهم فإن الله هداه به وأدخله بالإيمان به وبالعمل بما جاء به من عند الله الجنة، وأما كافرهم فإنه دفع به عنه عاجل البلاء الذي كان ينزل بالأمم المكذبة رسلها من قبله) (١).
ومما يدل على أن رحمة النبي ﷺ عامة للعالم؛ حديث أبي هريرة ﵁ قال: «قيل: يا رسول الله! ادعُ على المشركين، قال: إني لم أُبعث لَعَّانًا وإنما بُعِثْتُ رحمةً» (٢).
وحديث حذيفة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «أيُّما رجل من أمتي سببته سبةً أو لعنته لعنةً في غضبي؛ فإنما أنا من ولد آدم، أغضب كما يغضبون، وإنما بعثني رحمة للعالمين، فاجعلها عليهم صلاة يوم القيامة» (٣).
وجاء في الحديث عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه
_________________
(١) جامع البيان للطبري، ١٨/ ٥٥٢.
(٢) مسلم، برقم ٢٥٩٩.
(٣) أبو داود، برقم ٤٦٥٩، وصححه الألباني في صحيح أبي داود، ٣/ ١٣٤.
[ ٥٧ ]
المثال الأول رحمته ﷺ لأعدائه في الجهاد
قال: «إنما أنا رحمةٌ مهداةٌ» (١).
وقد قال ﷺ: «أنا محمد، وأحمد، والمُقَفِّي، والحاشر، ونبي التوبة، ونبي الرحمة» (٢).
ثانيًا: الأمثلة التطبيقية وأنواعها
النوع الأول: رحمته ﷺ لأعدائه:
المثال الأول: رحمته ﷺ لأعدائه في الجهاد: وقد شملت رحمته ﷺ الأعداء حتى في قتالهم ومجاهدتهم؛ فإن قوة الجهاد في سبيل الله تعالى في شريعته ﷺ لها ضوابط ينبغي أن يلتزم بها المجاهدون في سبيل الله - تعالى - ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [البقرة: ١٩٠]، فيدخل في ذلك ارتكاب
_________________
(١) رواه ابن سعد، ١/ ١٩٢، وابن أبي شيبة ١١/ ٥٠٤، والحاكم، ١/ ٣٥، وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة بطرقه، برقم ٤٩٠.
(٢) مسلم، برقم ٢٣٥٥.
[ ٥٨ ]
المناهي: من المثلة، والغلول، وقتل النساء، والصبيان، والشيوخ الذين لا رأي لهم ولا قتال، والرُّهبان، والمرضى، والعُمي، وأصحاب الصَّوامع؛ لكن من قاتل من هؤلاء أو استعان الكفَّار برأيه قتل (١).
ويدخل في ذلك قتل الحيوان لغير مصلحة، وتحريق الأشجار، وإفساد الزُّروع والثِّمار، والمياه، وتلويث الآبار، وهدم البيوت (٢) وقد "وُجدت امرأةٌ مقتولة في بعض مغازي رسول الله ﷺ، فنهى رسول الله ﷺ عن قتل النساء والصبيان" (٣)؛ ولهذا كان ﷺ إذا أمَّر أميرًا على جيش أوسريَّة أوصاه في خاصته بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيرًا، ثم قال: «اغزوا بسم الله في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغلوا ولا تغدروا، ولا تُمثِّلوا، ولا تقتلوا وليدًا، وإذا لقيت عدوَّك من المشركين
_________________
(١) انظر: المغني لابن قدامة ١٣/ ١٧٥ - ١٧٩.
(٢) انظر: تفسير ابن كثير ١/ ٢٢٧ وعناصر القوة في الإسلام ص٢١٢.
(٣) البخاري برقم ٣٠١٤، ورقم ٣٠١٥.
[ ٥٩ ]
المثال الثاني: وفاؤه بالعهد مع أعدائه ﷺ
فادعهم إلى ثلاث خصال. . .» (١) ثم بيَّنها ﷺ كالآتي:
(أ) الإسلام والهجرة، أو إلى الإسلام دون الهجرة، ويكونون كأعراب المسلمين.
(ب) فإن أبوا الإسلام دعاهم إلى بذل الجزية.
(ج) فإن امتنعوا عن ذلك كله استعان بالله وقاتلهم مسلم، كتاب الجهاد والسير، باب تأمير الإمام الأمراء على البعوث (٢).
المثال الثاني: وفاؤه بالعهد مع أعدائه ﷺ: من أعظم الضوابط في الجهاد الوفاء بالعهد وعدم الخيانة؛ لقول الله تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ [الأنفال: ٥٨].
فإذا كان بين المسلمين والكفار عهد أو أمان فلا يجوز
_________________
(١) مسلم، كتاب الجهاد والسير، باب تأمير الإمام الأمراء على البعوث ٣/ ١٣٥٧ (رقم ١٧٣١).
(٢) انظر المرجع السابق ٣/ ١٣٥٧، وزاد المعاد ٣/ ١٠٠.
[ ٦٠ ]
للمسلمين الغدر حتى ينقضي الأمد، فإن خاف المسلمون من أعدائهم خيانةً، بأن ظهر من قرائن أحوالهم ما يدل على خيانتهم من غير تصريح منهم بالخيانة، فيحنئذٍ يخبرهم المسلمون أنه لا عهد بيننا وبينكم حتى يستوي علم المسلمين وعلم أعدائهم بذلك.
ودلت الآية على أنه إذا وُجِدَت الخيانة المحققة من الأعداء لم يحتج أن يُنبذ إليهم عهدهم؛ لأنه لم يُخَف منهم بل عُلم ذلك.
ودل مفهوم الآية أيضًا أنه إذا لم يُخف منهم خيانة؛ بأن لم يوجد منهم ما يدل على ذلك، أنه لا يجوز نبذ العهد إليهم، بل يجب الوفاء إلى أن تتم مدته (١).
ولهذا قال سليم بن عامر: كان بين معاوية وبين الروم عهد، وكان يسير نحو بلادهم حتى إذا انقضى عهدهم
_________________
(١) انظر: تفسير ابن كثير ٢/ ٣٢١، وتفسير السعدي ٣/ ١٨٣ - ١٨٤.
[ ٦١ ]
المثال الثالث دفعه ﷺ نزول العذاب على أعدائه
غزاهم، فجاء رجل على فرس أو بِرْذَونٍ وهو يقول: الله أكبر، وفاء لا غدر. فنظروا فإذا عمرو بن عبسة، فأرسل إليه معاوية - ﵁ - فسأله، فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من كان بينه وبين قومٍ عهدٌ فلا يشدُّ عقدة ولا يحلها حتى ينقضيَ أمَدُها أو ينبذ إليهم على سواء» فرجع معاوية (١). وهذا كلُّه يدلُّ على أن الهدف والمراد من الجهاد هو إعلاء كلمة الله ﷿.
المثال الثالث: دفعه ﷺ نزول العذاب على أعدائه: ومن الأمثلة العظيمة على هذه الرحمة التي شملت حتى أعدائه ﷺ قصَّته مع مَلَك الجبال حينما بعثه الله إليه؛ ليأمره بما شاء عندما آذاه المشركون، فجاء ملك الجبال وسلَّم عليه وقال: «يا محمد إن الله قد سمع قول قومك
_________________
(١) أبو داود، كتاب الجهاد، باب في الإمام يكون بينه وبين العدو عهد فيسير إليه ٣/ ٨٣ (رقم ٢٧٥٩)، وانظر: صحيح سنن أبي داود ٢/ ٥٢٨، والترمذي، كتاب السير، باب ما جاء في الغدر (رقم ١٥٨٠) وقال: هذا حديث حسن صحيح.
[ ٦٢ ]
المثال الرابع: سلامة قلبه ﷺ، وحبه الخير لليهود وغيرهم
لك وأنا ملك الجبال، وقد بعثني ربِّي إليك لتأمرني بأمرك، فما شئت (١)؟ إن شئت أطبقت عليهم الأخشبين [والأخشبان جبلان عظيمان في مكة، تقع مكة بينهما]، فقال رسول الله ﷺ لملك الجبال: بل أرجوا أن يخرج اللهُ من أصلابهم من يعبُد الله وحده لا يُشرك به شيئًا» (٢).
المثال الرابع: سلامة قلبه ﷺ، وحُبُّه الخير لليهود وغيرهم: ومن الأمثلة العظيمة لرحمته ﷺ حديث أنس ﵁ قال: «كان غلام يهوديٌّ يخدم النبي ﷺ فمرض فأتاه النبي ﷺ يعوده فقعد عند رأسه فقال له: "أسلم" فنظر إلى أبيه وهو عنده فقال: له أطع أبا القاسم، فأسلم، [وفي رواية النسائي فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله]، فخرج النبي ﷺ وهو يقول: الحمد لله الذي أنقذه
_________________
(١) استفهام، أي فمرني بما شئت، انظر: فتح الباري، ٦/ ٣١٦.
(٢) البخاري برقم ٣٢٣١، ومسلم برقم ١٧٩٥.
[ ٦٣ ]
من النار» [وفي رواية أبي داود: أنقذه بي من النار] (١). وغير ذلك كثير.
النوع الثاني: رحمته للمؤمنين ﷺ:
قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨]، فقد بعث الله تعالى النبي ﷺ للناس كافة، وهو من أنفس المؤمنين خاصة، يعرفون حاله، ويتمكنون من الأخذ عنه، وهو في غاية النصح لهم، والسعي في مصالحهم، ويشق عليه الأمر الذي يشق عليهم، ويحب لهم الخير، ويسعى جاهدًا في إيصاله إليهم، ويحرص على هدايتهم إلى الإيمان، ويكره لهم الشر، وهو شديد الرأفة والرحمة بهم، أرحم بهم من
_________________
(١) البخاري، برقم ١٣٥٦، ورقم ٥٦٥٧، وانظر: فتح الباري، ٣/ ٢١٩.
[ ٦٤ ]
والديهم؛ ولهذا كان حقُّهُ مُقدَّمًا على سائر حقوق الخلق، وواجب على الأمة الإيمان به، وتعظيمه، وتعزيره وتوقيره (١).
وقال الله ﷿: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: ٦]، أقرب مال للإنسان نفسه، فالرسول أولى به من نفسه؛ لأنه ﷺ بذل لهم النصح والشفقة والرأفة؛ فلذلك وجب على العبد إذا تعارض مراد نفسه مع مراد الرسول ﷺ أن يُقدِّمَ مُراد الرسول ﷺ، وأن لا يُعارض قول الرسول ﷺ بقول أحد من الناس، كائنًا من كان، وأن يُقدِّم محبَّته على محبَّة الناس كلهم (٢).
وقال ﷾: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ
_________________
(١) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، للسعدي، ص٣٥٧.
(٢) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، ص٦٥٩.
[ ٦٥ ]
عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ [آل عمران: ١٥٩]. وقد قال ﷺ: «اللهم من ولي من أمر أمتي شيئًا فشق عليهم فاشقق عليه، ومن ولي من أمر أمتي شيئًا فرفق بهم فارفق به» (١) وقال ﷺ: «أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فمن مات وعليه دين ولم يترك وفاءً فعلينا قضاؤُهُ، ومن ترك مالًا فهو لورثته» (٢).
النوع الثالث: رحمته ﷺ للناس جميعًا:
١ - عن جرير بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «من لا يَرحَمِ الناس لا يَرحَمُه الله ﷿» (٣).
٢ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت أبا القاسم ﷺ
_________________
(١) مسلم، برقم ١٨٢٨.
(٢) البخاري، برقم ٦٧٣١، ورقم ٢٢٩٨، ومسلم، برقم ١٦١٩.
(٣) مسلم، برقم ٢٣١٩.
[ ٦٦ ]
يقول: «لا تُنزعُ الرحمة إلاَّ من شقي» (١).
٣ - وعن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: «الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا مَن في الأرض يرحمكم مَن في السماء، الرَّحِمُ شُجنةٌ من الرحمن، فمن وصلها وصله الله ومن قطعها قطعه الله» (٢).
النوع الرابع: رحمتهُ ﷺ للصبيان:
١ - عن أنس بن مالك ﵁ قال: جاء شيخٌ يريد النبي ﷺ فأبطأ القوم عنه أن يُوسِّعوا له فقال النبي ﷺ: «ليس مِنَّا من لم يرحم صغيرنا، ويوقِّرُ كبيرنا» (٣).
٢ - وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ: «ليس مِنَّا من لم يرحم صغيرنا،
_________________
(١) الترمذي، برقم ١٩٢٣، وحسنه الألباني في صحيح الترمذي، ٢/ ٣٥٠.
(٢) الترمذي، برقم ١٩٢٤، وصححه الألباني في صحيح الترمذي، ٢/ ٣٥٠.
(٣) الترمذي، برقم ١٩١٩، وصححه الألباني في صحيح الترمذي، ٢/ ٣٤٨.
[ ٦٧ ]
ويعرف شرف كبيرنا» (١).
النوع الخامس: رحمتهُ ﷺ للبنات:
١ - عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يكون لأحد ثلاث بنات، أو ثلاث أخوات، أو بنتان، أو أختان فيتقي الله فيهنَّ ويحسن إليهنَّ إلا دخل الجنة» (٢).
٢ - وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «مَن عال بنتين أو ثلاثًا، أو اختين أو ثلاثًا حتى يَبِنَّ (٣) أو يموت عنهن كُنتُ أنا وهو في الجنة كهاتين وأشار بأصبعه الوسطى والتي تليها» (٤).
_________________
(١) الترمذي، برقم ١٩٢٠، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي، ٢/ ٣٤٩.
(٢) أبو داود، برقم ٥١٤٧، والترمذي برقم ١٩١٢ و١٩١٦، وقال عنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب ٢/ ٤٢٩: (صحيح لغيره).
(٣) حتى يَبِنَّ: أي ينفصلن عنه بتزويج أو موت.
(٤) أحمد في المسند، ١٩/ ٤٨١، برقم ١٢٤٩٨، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب، ٢/ ٤٢٨.
[ ٦٨ ]
النوع السادس: رحمتهُ ﷺ للأيتام:
١ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «كافل اليتيم له أو لغيره أنا وهو كهاتين في الجنة» وأشار مالك أحد رواة الحديث بالسبابة والوسطى (١).
٢ - عن أبي هريرة ﵁: أن رجلًا شكا إلى رسول الله ﷺ قسوة قلبه، فقال له: «امسح رأس اليتيم، وأطعم المسكين» (٢).
النوع السابع: رحمتهُ ﷺ للمرأة والضعيف:
١ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ:
_________________
(١) مسلم، برقم ٢٩٨٣، والبخاري من حديث سهل بن سعد برقم ٦٠٥.
(٢) أحمد، ١٤/ ٥٥٨، برقم ٩٠١٨، وقال الإمام المنذري في الترغيب والترهيب، ٣/ ٣٢٣: «رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح» وحسّنه، الألباني لغيره في صحيح الترغيب والترهيب، ٢/ ٦٧٦. وقد ضعّفه أصحاب الموسوعة الحديثية في تحقيق مسند الإمام أحمد ١٣/ ٢١، برقم ٧٥٧٦، ولفظه: «إن أردت أن يلين قلبك فأطعم المسكين، وامسح رأس اليتيم» وفي ١٤/ ٥٥٨، برقم ٩٠١٨، بلفظ ما في متن هذا البحث.
[ ٦٩ ]
«اللهم إنِّي أُحَرِّج (١) حقَّ الضعيفين: اليتيم والمرأة» (٢).
٢ - وعن عامر بن الأحوص ﵁ أنه شهد حجة الوداع مع رسول الله ﷺ فحمد الله وأثنى عليه، وذَكَّرَ ووعظ ثم قال: «استوصوا بالنساء خيرًا؛ فإِنهنَّ عندكم عوانٍ، ليس تملكون منهنَّ شيئًا غير ذلك» (٣).
٣ - وعن أنس ﵁ قال: إن النبي ﷺ لم يكن يدخل بيتًا بالمدينة غير بيتِ أُمِّ سُليْمٍ إلا على أزواجه، فقيل له. فقال: «إني أرحمها، قُتل أخوها معي» (٤).
النوع الثامن: رحمتهُ ﷺ للأرملة والمسكين:
١ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ: «الساعي
_________________
(١) أحرّج: أي أضيقه وأحرمه على من ظلمهما. النهاية في غريب الحديث، ١/ ٣٦١.
(٢) ابن ماجه برقم ٣٦٧٨، وحسّنه الألباني في صحيح ابن ماجه، ٢/ ٢٩٨.
(٣) ابن ماجه، برقم ١٨٥١، وحسّنه الألباني في صحيح ابن ماجه، ٢/ ١٢٠، ورواه الترمذي أيضًا والنسائي، وانظر: إرواء الغليل، برقم ١٩٩٧.
(٤) البخاري، برقم ٢٨٤٤، وانظر: فتح الباري لابن حجر، ٦/ ١٦١.
[ ٧٠ ]
على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله، أو القائم الليل الصائم النهار»، ولفظ مسلم: «الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله، وكالقائم لا يفتر، والصائم لا يفطر» (١).
٢ - عن عبد الله بن أبي أوفى ﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ يُكثِرُ الذِّكر، ويُقِلُّ اللَّغْوَ، ويُطيل الصلاة، ويقصر الخطبة، ولا يأنف أن يمشي مع الأرملة والمسكين يقضي له الحاجة» (٢).
٣ - عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: «ربما ذكرت قول الشاعر وأنا أنظر إلى وجهِ رسول الله ﷺ على المنبر، فما نزل حتى جيَّش (٣) كل ميزاب بالمدينة، فأذكر قول الشاعر:
_________________
(١) البخاري، برقم ٥٣٥٣، ٦٠٦، ٦٠٧، ومسلم، برقم ٢٩٨٢.
(٢) النسائي، برقم ١٤١٥، وصححه الألباني في صحيح النسائي، ١/ ٤٥٦.
(٣) جيّش: أي تَدَفَّقَ وجرى الماء.
[ ٧١ ]
وأبيض يُستسقى الغمام بوجهه ثِمَالُ (١) اليتامى عصمة للأرامل
وهو قول أبي طالب» (٢).
والأرملة: المرأة التي مات زوجها، والأرمل الرجل الذي ماتت زوجته، وسواء كانا غنيين أو فقيرين، ويُقال لكلِّ واحدٍ من الفريقين على انفراده: أراملُ، وهو بالنساء أخصُّ وأكثر استعمالًا (٣)؛ ولهذا قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁: (لئن سلَّمَني اللهُ تعالى لأَدَعَنَّ أرامل العراق لا يحتجن إلى رجلٍ بعدي أبدًا) (٤).
فاتضح من الأحاديث آنفة الذكر أن رسول الله ﷺ كان
_________________
(١) ثمال: أي غياث.
(٢) ابن ماجه، برقم ١٢٧٢، وحسّنه الألباني في صحيح ابن ماجه، ١/ ٣٨٢، وأخرجه البخاري تعليقًا وموصولًا، وبهذا قوّاه الحافظ ابن حجر، انظر: صحيح ابن ماجه، ١/ ٣٨٢.
(٣) النهاية في غريب الحديث، ٢/ ٦٦.
(٤) البخاري، برقم ٣٧٠٠.
[ ٧٢ ]
يرحم الأرامل والمساكين، ويَحُثُّ على العناية بهم، وسدِّ حاجاتهم، فصلوات الله وسلامه عليه.
٤ - عن أمِّ بُجيدٍ ﵂، أنها قالت: «يا رسول الله صلى الله عليك: إن المسكين ليقومُ على بابي فما أجد له شيئًا أُعطيه، فقال لها رسول الله ﷺ: إن لم تجدي له شيئًا تُعطينه إيَّاه إلا ظلفًا مُحرَّقًا فادفعيه إليه في يده» (١) وهذا فيه رحمة النبي ﷺ بالمساكين وحثَّه على إطعامهم، على حسب القدرة والاستطاعة رحمةً بهم، وشفقةً عليهم.
النوع التاسع: رحمته ﷺ لطلاب العلم والشفقة عليهم:
١ - عن أبي سعيد ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: «سيأتيكم أقوامٌ يطلبون العلم، فإذا رأيتموهم فقولوا: مرحبًا مرحبًا بوصية رسول الله ﷺ، وأقنوهم» قلت
_________________
(١) أبو داود، برقم ١٦٦٧، وصححه الألباني في صحيح أبي داود، ١/ ٤٦٤.
[ ٧٣ ]
للحكم: ما أقنوهم؟ قال: علِّموهم (١).
٢ - عن مالك بن الحويرث ﵁ قال: «أتينا إلى النبي ﷺ ونحن شَبَبَةٌ متقاربون فأقمنا عنده عشرين يومًا وليلة، وكان رسول الله ﷺ رحيمًا رفيقًا، فلما ظنَّ أنَّا قد اشتهينا أهلنا أو قد اشتقنا [وفي رواية: فلما رأى شوقنا إلى أهالينا] سألنا عمن تركنا بعدنا فأخبرناه، قال: ارجعوا إلى أهليكم فأقيموا فيهم، وعلِّموهم، ومروهم،. . . وصلُّوا كما رأيتموني أصلي، فإذا حضرت الصلاة فليؤذِّن لكم أحدُكم وليؤمُّكم أكبَرُكُم» (٢) وهذا فيه شفقة النبي ﷺ ورحمته لطلاب العلم.
النوع العاشر: رحمة النبي ﷺ للأسرى:
عن أبي موسى ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «فُكُّوا
_________________
(١) الترمذي، برقم ٢٦٥٠، ٢٦٥١، وابن ماجه برقم ٢٤٧، وحسّنه الألباني في صحيح ابن ماجه ١/ ٩٨.
(٢) البخاري، برقم ٦٢٨، ورقم ٦٣١.
[ ٧٤ ]
العاني - يعني الأسير - وأطعموا الجائع، وعُودوا المريض» (١) وهذا الحديث فيه رحمة النبي ﷺ للأسرى المسلمين، والأمر بفَكِّهم، والأمر بإطعام الجائع، وعيادة المريض.
النوع الحادي عشر: رحمة النبي ﷺ للمرضى والشفقة عليهم:
١ - عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «حقُّ المسلم على المسلم ستٌّ قيل: ما هُنَّ يا رسول الله؟ قال: إذا لقيته فسلِّم عليه، وإذا دعاك فأجبه، وإذا استنصحك فانصح له، وإذا عطس فحمد الله فشمته، وإذا مرض فعده، وإذا مات فاتبعه» (٢).
٢ - عن ثوبان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «من عاد مريضًا لم يزل في خرفة الجنة حتى يرجع، قيل: يا رسول الله! وما خرفة الجنة؟ قال: جناها» (٣).
_________________
(١) البخاري، برقم ٣٠٤٦.
(٢) البخاري، برقم ١٢٤٠، ورقم ٢١٦٢.
(٣) مسلم، برقم ٢٥٦٨.
[ ٧٥ ]
٣ - عن علي ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما من مسلم يعودُ مسلمًا غدوة إلا صلَّى عليه سبعون ألف ملكٍ حتى يُمسي، وإن عاده عشية إلا صلى عليه سبعون ألف ملك حتى يُصبح، وكان له خريفٌ في الجنة» (١).
٤ - عن ابن عباس ﵄، عن النبي ﷺ قال: «مَن عاد مريضًا لم يحضر أجله فقال عنده سبع مرات: أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يشفيك، إلاَّ عافاه الله من ذلك المرض» (٢).
وهذه الأحاديث فيها الرحمة الظاهرة من النبي ﷺ بالمرضى، ورغبته العظيمة في نفعهم وشفائهم، وترغيبه لأمته في العناية بالمرضى وإدخال السرور عليهم.
_________________
(١) الترمذي، برقم ٩٦٩، وصححه الألباني في صحيح الترمذي، ١/ ٤٩٧.
(٢) أبو داود، برقم ٣١٠٦، والترمذي برقم ٢٠٨٣، وصححه الألباني في صحيح أبي داود، برقم ٣١٦٠.
[ ٧٦ ]
النوع الثاني عشر: رحمتهُ ﷺ للحيوان، والطير، والدواب:
١ - في حديث أبي هريرة «أن رجلًا وجد كلبًا يأكل الثرى من العطش، فسقاه فغفر الله له، قالوا: يا رسول الله! وإنَّ لنا في البهائم أجرًا؟ قال: في كُلِّ كبدٍ رطبة أجر» وفي لفظ للبخاري: «فشكر الله له فأدخله الجنة» (١).
٢ - عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «غُفِرَ لامرأة مومسةٍ مرَّت بكلبٍ على رأس ركيٍّ كاد يقتله العطش، فنزعت خُفَّها فأوثقته بخمارها فنزعت له من الماء فغُفر لها بذلك» (٢).
٣ - عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «عُذِّبت امرأة في هرة حبستها حتى ماتت جوعًا فدخلت فيها النار، لا هي أطعمتها ولاسقتها إذ حبستها،
_________________
(١) البخاري، برقم ١٧٣، ٢٤٦٦، ومسلم، برقم ٢٢٤٤.
(٢) البخاري برقم ٣٣٢١.
[ ٧٧ ]
ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض» (١).
٤ - عن أنس ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: «ما من مسلم يغرس غرسًا أو زرعًا، فيأكل منه طير، أو إنسان، أو بهيمة إلا كان له به صدقة» (٢).
٥ - عن ابن عباس ﵄: «أن رجلًا أضجع شاةً وهو يحدُّ شفرته، فقال النبي ﷺ: أَتُريدُ أن تُميتَها موتاتٍ هَلاَّ أحددتَ شفرتك قبل أن تُضْجِعَهَا؟» (٣).
٦ - وعن شداد بن أوس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الله كتب الإحسان على كل شيء فإذا قتلتم فأحسنوا القِتْلَةَ، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذِبْحَةَ، وليُحِدَّ
_________________
(١) البخاري برقم ٢٣٦٥، ورقم ٣٤٨٢، ومسلم، برقم ٢٢٤٣.
(٢) البخاري، برقم ٢٣٢٠، ومسلم، برقم ١٥٥٢.
(٣) الحاكم، ٤/ ٢٣٣، وصححه على شرط الشيخين، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد، ٤/ ٣٣، وقال: (رواه الطبراني في الكبير والأوسط، ورجاله رجال الصحيح) وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب، ٢/ ٥٥٢.
[ ٧٨ ]
أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته» (١).
٧ - وعن ابن عمر ﵄ يرفعه قال: «من قتل عصفورًا فما فوقها بغير حقِّها [إلا سأله] الله ﷿ عنها يوم القيامة قيل: يا رسول الله فما حقُّها؟ قال: أن تذبحها فتأكلها ولا تقطع رأسها فَيُرمى بها» (٢) وسمعت سماحة شيخنا ابن باز ﵀ يقول: (قتل العصفور لا يجوز إذا كان للتلاعب، أما من قتله؛ لأكله أو الصدقة به فلا بأس) (٣).
٨ - وعن ابن عمر ﵄: «أنه مرَّ بصبيانٍ من قريش قد نصبوا طيرًا أو دجاجةً يترامونها، وقد جعلوا لصاحب الطير كلَّ خاطئةٍ من نبلهم، فلما رأوا ابن عمر تفرَّقَوا فقال ابن عمر: من فعل هذا؟ لعن الله من فعل
_________________
(١) مسلم، برقم ١٩٥٥.
(٢) النسائي، برقم ٤٤٤٥، ٧/ ٢٣٩، والحاكم، ٤/ ٢٣٣، وصححه ووافقه الذهبي، وما بين المعكوفين له، وحسّنه الألباني في صحيح الترغيب، ٢/ ٥٥٢.
(٣) سمعته أثناء تقريره على سنن النسائي، الحديث رقم ٤٤٤٥.
[ ٧٩ ]
هذا؛ إن رسول الله ﷺ: لعن من اتخذ شيئًا فيه الروحُ غرضًا» (١) (٢).
٩ - وعن ابن مسعود ﵁ قال: «كنا مع رسول الله ﷺ في سفرٍ، فانطلق لحاجته فرأينا حُمَّرةً (٣) معها فرخان فأخذنا فرخيها، فجاءت الحُمَّرةُ فجعلت تَفرش [أي تُرَفرِفُ بجناحيها وتقرب من الأرض] فجاء النبي ﷺ فقال: من فَجعَ هذه بولدها؟ ردُّوا ولدها إليها ورأى قرية نملٍ (٤) قد حرَّقناها فقال: مَن حرَّق هذه؟ قلنا: نحن، قال: إنه لا ينبغي أن يُعَذِّب بالنار إلا ربُّ النار» (٥).
١٠ - وعن جابر بن عبد الله ﵄ «أن النبي
_________________
(١) الغرض: بفتح الغين المعجمة والراء: هو ما ينصبه الرماة يقصدون إصابته من قرطاس ونحوه. [الترغيب والترهيب للمنذري، ٣/ ١٥٣].
(٢) البخاري، برقم ٥٥١٥، ومسلم، برقم ١٩٥٨.
(٣) حُمَّرةٌ: بضم الحاء وتشديد الميم، وقد خُفِّف: طائر صغير، كالعصفور أحمر اللون. [النهاية في غريب الحديث لابن الأثير، ١/ ٤٣٩].
(٤) قرية نملٍ: موضع النمل مع النمل.
(٥) أبو داود، برقم ٢٦٧٥، وصححه الألباني في صحيح أبي داود، ٢/ ١٤٦.
[ ٨٠ ]
ﷺ مَرَّ على حمارٍ قد وُسِمَ في وجهِهِ فقال: لعن الله الذي وسمه» (١) [الوسم الكي بحديدة].
١١ - وعنه ﵁: «نهى رسول الله ﷺ عن الضرب في الوجهِ، وعن الوسم في الوجه» (٢).
١٢ - وعن عبد الله بن جعفر ﵄ قال: «أردفني رسول الله ﷺ ذات يوم خلفه، وفيه: فدخل رسول الله ﷺ حائطًا لرجلٍ من الأنصار فإذا جملٌ فلمَّا رأى النبيَّ ﷺ حَنَّ وذرفت عيناه، فأتاه النبي ﷺ فمسح ذفراه (٣) فسكت، فقال: من ربُّ هذا الجمل؟ لمن هذا الجمل؟ فجاء فتىً من الأنصارِ فقال: لي يا رسول الله، فقال: أفلا تتقي الله في هذه البهيمةِ التي ملَّكَكَ الله
_________________
(١) مسلم، برقم ٢١١٧.
(٢) مسلم، برقم ٢١١٦.
(٣) ذفراه: ذفرا البعير بكسر الذال المعجمة مقصور: هي الموضع الذي يعرق في قفا البعير عند أذنه، وهما ذفران. [الترغيب والترهيب للمنذري، ٣/ ١٥٧].
[ ٨١ ]
إيَّاها؛ فإنه شكا إليَّ أنَّك تُجيعه وتُدئبُهُ» (١). (٢)
وهذه نماذج يسيرة من أنواع رحمة النبي ﷺ؛ لأعدائه، وأحبابه، والمسلم، والكافر، والذكر والأنثى، والصغير، والكبير، والإنس، والحيوان، والطير، والنمل، وغير ذلك كثير لا يحصر في مثل هذا المقام. فصلوات الله وسلامه عليه ما تتابع الليل والنهار.
النوع الثالث عشر: رقة قلبه ﷺ وبُكاؤه في مواطن كثيرة:
لم يكن النبي ﷺ يبكي بشهيقٍ ورفع صوتٍ، كما لم يكن ضحكه قهقهة، ولكن كانت تدمع عيناه حتى تَهمُلا ويُسْمَعُ لصدره أزيز، وكان بكاؤُه تارة رحمة للميت، وتارة خوفًا على أمته وشفقة عليها، وتارة من خشية الله
_________________
(١) تُدْئِبُهُ: بضم التاء ودال مهملة ساكنة، بعدها همزة مكسورة، وباء موحدة: أي تتعبه بكثرة العمل. [الترغيب والترهيب للمنذري، ٣/ ١٥٧].
(٢) أحمد، ١/ ٢٠٥، وأبو داود، برقم ٢٥٤٩، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ٢/ ١١٠.
[ ٨٢ ]
تعالى، وتارة عند سماع القرآن وهو بكاء اشتياقٍ ومحبةٍ وإجلالٍ (١).
ومن الحالات التي بكى فيها النبي ﷺ ما يأتي:
١ - بكاؤه من خشية الله في صلاة الليل، فقال بلال: «يا رسول الله لِمَ تبكي وقد غفر الله لك ما تقدَّم من ذنبك وما تأخر، قال: أفلا أكون عبدًا شكورًا، لقد نزلت عليَّ الليلة آية ويل لمن قرأها ولم يتفكَّر فيها: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ١٩٠]». (٢)
٢ - بكاء النبي ﷺ في الصلاة من خشية الله تعالى،
_________________
(١) انظر: زاد المعاد، لابن القيم، ١/ ١٨٣.
(٢) ابن حبان في صحيحه، برقم ٦٢٠، وقال شعيب الأرنؤوط: «إسناده صحيح على شرط مسلم»، وقال الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة، برقم ٦٨: «وهذا إسناد جيد».
[ ٨٣ ]
فعن عبد الله بن الشخِّير قال: «أتيت رسول الله ﷺ وهو يصلي ولصدره أزيز كأزيز المِرجل من البكاءِ» (١).
٣ - بكاء النبي ﷺ عند سماع القرآن، فعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: «قال لي رسول الله ﷺ: "اقرأ عليَّ القرآن" فقلت: يا رسول الله! أقرأ عليك؛ وعليك أُنزل؟ فقال: "نعم، فإني أُحِبُّ أن أسمعه من غيري" قال ابن مسعود: فافتتحتُ سورة النساء فلما بلغت: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١]، فإذا عيناه تذرفان» (٢).
٤ - بكاء النبي ﷺ عند فقد الأحبة، «بكى النبي ﷺ عند موت ابنه إبراهيم، فجعلت عيناه تذرفان، فقال له
_________________
(١) أبو داود، برقم ٩٠٤، وصححه الألباني في مختصر شمائل الترمذي، برقم ٢٧٦.
(٢) البخاري، برقم ٤٥٨٢، ومسلم، برقم ٨٠٠.
[ ٨٤ ]
عبد الرحمن بن عوف ﵁: وأنت يا رسول الله؟ فقال: يا ابن عوف! إنها رحمة. . . إن العين تدمع والقلب يحزن ولا نقول إلا ما يرضى ربُّنا، وإنَّا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون» (١).
٥ - بكاء النبي ﷺ عند وفاة إحدى بناته، قيل: هي أُمُّ كلثوم زوجة عثمان بن عفان رضي الله عن الجميع، فعن أنس ﵁ قال: «شهدنا بنتًا للنبي ﷺ قال: ورسول الله ﷺ جالس على القبر، فرأيت عينيه تدمعان، فقال: "هل فيكم أحد لم يُقارف الليلة؟ " فقال أبو طلحة: أنا، قال: "فانزل في قبرها" قال: فنزل في قبرها فقَبَرها» (٢).
٦ - وبكى ﷺ عند موت ابنة له أيضًا، فعن ابن عباس ﵄ قال: «أخذ رسول الله ﷺ ابنة له تقضي (٣)
_________________
(١) البخاري، برقم ١٣٠٣، ومسلم، برقم ٢٣١٥.
(٢) البخاري، برقم ١٢٨٥، ورقم ١٣٤٢.
(٣) تقضي: تشرف على الموت.
[ ٨٥ ]
فاحتضنها فوضعها بين يديه فماتت وهي بين يديه، فصاحت أُمُّ أيمن، فقال: يعني رسول الله ﷺ: "أتبكين عند رسول الله؟ " فقالت: ألست أراك تبكي؟ قال: إني لست أبكي إنما هي رحمة، إن المؤمن بكل خير على كلِّ حال، إنَّ نفسه تُنزع من بين جنبيه وهو يحمد الله ﷿» (١).
٧ - وبكى ﷺ عند وفاة أحد أحفاده، فعن أسامة بن زيد ﵄ قال: «أرسلَتْ بنتُ النبيِّ ﷺ (٢) إنَّ ابني قد احتُضِرَ فاشْهَدنا، فأرسل يُقرِئُ السلام ويقول: "إنَّ لله ما أخذ، وله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجل مسمًّى، فلتصبر ولتحتسب" فأرسلت إليه تقسم عليه ليأتينَّها، فقام ومعه سعد بن عبادة، ومعاذ بن جبل، وأُبَيُّ بن كعب، وزيد بن ثابت، ورجال ﵃، فرُفِعَ إلى النبي ﷺ الصبيُّ، فأقعده في حجره ونفسه تقعقع،
_________________
(١) أحمد، ١/ ٢٦٨، والترمذي في الشمائل، برقم ٣٢٤، وصححه الألباني في مختصر الشمائل، برقم ٢٧٩.
(٢) قيل: إنها زينب ﵂؛ بنت رسول الله - ﷺ -.
[ ٨٦ ]
قال: كأنها شَنٌّ، وفي رواية: تقعقع (١) كأنها في شنٍّ (٢) ففاضت عيناه، فقال سعد: يا رسولَ الله ما هذا؟ قال: هذه رحمة جعلها الله في قلوب عباده" وفي رواية: "هذه رحمة جعلها الله في قلوب مَن شاء من عباده، إنما يرحم الله من عباده الرُّحماءُ» (٣).
٨ - بكى النبي ﷺ عند موت عثمان بن مظعون، فعن عائشة ﵂ قالت: «رأيتُ رسولَ الله ﷺ يُقَبِّل عثمان بن مظعون وهو ميِّتٌ حتى رأيت الدموع تسيل». ولفظ الترمذي: «أن النبي ﷺ قَبَّل عثمانَ بن مظعون، وهو ميِّتٌ وهو يبكي، أو قال: عيناه تذرفان» (٤).
٩ - بكى ﷺ على شهداء مؤتة، فعن أنسٍ ﵁ «أن النبي
_________________
(١) تقعقع: تضطرب وتتحرك.
(٢) الشن: القربة البالية.
(٣) البخاري، برقم ١٢٨٤، ومسلم، برقم ٩٢٣.
(٤) أبو داود، برقم ٣١٦٣، والترمذي برقم ٩٨٩، وابن ماجه برقم ١٤٥٦، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ٢/ ٢٨٩.
[ ٨٧ ]
ﷺ نعى زيدًا وجعفرًا للناس قبل أن يأتيهم خبرهم، فقال: أخذ الرَّايةَ زيدٌ فأصيب، ثم أخذ جعفر فأصيب، ثم أخذ ابن رواحة فأصيب - وعيناه تذرفان - حتى أخذ الراية سيف من سيوف الله حتى فُتِح عليهم» (١).
١٠ - بكى عند زيارة قبر أمه، فعن أبي هريرة ﵁ قال: «زار النبي ﷺ قبر أمه فبكى وأبكى من حوله، فقال: استأذنت ربي في أن أستغفر لها فلم يؤذن لي، واستأذنته في أن أَزورَ قبرها فَأذِنَ لي، فزورُوا القبور فإنها تذكركم الموت» (٢).
١١ - بكى ﷺ عند سعد بن عبادة وهو مريض، فعن عبد الله بن عمر ﵄ قال: «اشتكى سعد بن عبادة شكوى له، فأتاه النبي ﷺ يعوده مع عبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن مسعود رضي
_________________
(١) البخاري، برقم ٤٢٦٢.
(٢) مسلم، برقم ١٠٨ - (٩٧٦).
[ ٨٨ ]
الله عنهم، فلما دخل عليه وجده في غاشية أهله (١) فقال: "قد قضى؟ " قالوا: لا يا رسول الله، فبكى النبي ﷺ، فلما رأى القوم بكاء النبي ﷺ بَكَوْا، فقال: ألا تسمعون؟ إن الله لا يُعذِّب بدمع العين ولا بحزن القلب، ولكن يُعذب بهذا (٢) - وأشار إلى لسانه - أو يرحم. . .» (٣) الحديث (٤).
١٢ - بكى ﷺ عند القبر، فعن البراء بن عازب ﵄ قال: «كُنَّا مع رسول الله ﷺ في جنازة فجلس على شفير القبر فبكى حتى بَلَّ الثَّرى ثم قال: يا إخواني! لِمِثْلِ هذا فأعِدُّوا» (٥).
١٣ - بكى ﷺ في ليلة بدر وهو يصلي يناجي ربه
_________________
(١) غاشية أهله: أي الذين يغشونه للخدمة وغيرها [فتح الباري لابن حجر، ٣/ ١٧٥].
(٢) ولكن يعذب بهذا: أي إن قال: سوءًا. [فتح الباري ٣/ ١٧٥].
(٣) أو يرحم: أي إن قال خيرًا. [فتح الباري ٣/ ١٧٥].
(٤) البخاري، برقم ١٣٠٤، ومسلم، برقم ٩٢٤.
(٥) ابن ماجه، برقم ٤١٩٥، وحسّنه الألباني في صحيح ابن ماجه، ٣/ ٣٦٩، وفي سلسلة الأحاديث الصحيحة برقم ١٧٥١. وكذلك أخرجه أحمد، ٤/ ٢٩٤.
[ ٨٩ ]
ويدعوه حتى أصبح، فعن علي بن أبي طالب ﵁، قال: «ما كان فينا فارس يوم بدرٍ غير المقداد، ولقد رأيتنا وما فينا إلا نائم إلا رسول الله ﷺ تحت شجرةٍ يُصلِّي ويبكي حتى أصبح» (١).
١٤ - بكى ﷺ في صلاة الكسوف، فعن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: «انكسفتِ الشمس يومًا على عهد رسول الله ﷺ، فقام رسول الله ﷺ يُصلِّي، ثم سجد فلم يكد يرفع رأسه، فجعل ينفخ ويبكي، وذكر الحديث، وقال: فقام فحمد الله وأثنى عليه، وقال: "عُرِضَتْ عليَّ النار فجعلت أنفخها، فخفت أن تغشاكم" وفيه: ربِّ ألم تعدني ألا تُعذَّبهم» (٢).
١٥ - بكى ﷺ لقبوله الفداء في أسرى معركة بدر،
_________________
(١) ابن خزيمة، برقم ٨٩٩، ٢/ ٥٣، وأحمد ١/ ١٢٥، ٢/ ٢٢٢، وصحح إسناده الألباني والأعظمي في صحيح ابن خزيمة، ٢/ ٥٢.
(٢) ابن خزيمة في صحيحه، برقم ٩٠١، وقال الألباني والأعظمي: إسناده صحيح، انظر: صحيح ابن خزيمة، ٢/ ٥٣، وصححه الألباني في مختصر شمائل الترمذي برقم ٢٧٨.
[ ٩٠ ]
ففي حديث عبد الله بن عباس عن عمر بن الخطاب ﵃: «. . . فلما أسروا الأسارى قال رسول الله ﷺ لأبي بكر وعمر: "ما ترون في هؤلاء؟ " فقال أبو بكر: يا نبي الله! هم بنوا العم والعشيرة، أرى أن تأخذ منهم فديةً فتكون لنا قوةً على الكفار، فعسى الله أن يديهم للإسلام، فقال رسول الله ﷺ: "ما ترى يا ابن الخطاب؟ " قال: قلت: لا والله يا رسول الله ما أرى الذي رأى أبو بكرٍ، ولكني أرى أن تُمكِّنَّا فنضرب أعناقهم، فتُمكِّن عليًا من عقيلٍ فيضربُ عُنقه، وتُمكِّنِّي من فلانٍ - نسيبًا لعمر - فأضربَ عنقه؛ فإن هؤلاء أئمة الكفر وصناديدُها، فَهَوِيَ رسولُ الله ﷺ ما قال أبو بكرٍ، ولم يَهْوَ ما قُلْتُ، ولَمَّا كان مِنَ الغَدِ جئتُ فإذا رسول الله ﷺ وأبو بكر قاعدين يبكيان، قلت: يا رسول الله! أخبرني من أيِّ شيءٍ تبكي أنت وصاحبُك؟ فإن وجدتُ بُكاءً بكيت، وإن لم أجد بُكاءً تباكيتُ لبكائكما؟ فقال رسول الله ﷺ:
[ ٩١ ]
"أبكي للذي عرض عليَّ أصحابُك من أخذهم الفداء، لقد عُرِضَ عليَّ عذابهم أدنى من هذه الشجرة" شجرةٍ قريبةٍ من نبيِّ الله ﷺ، وأنزل الله ﷿: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ (١) فِي الْأَرْضِ﴾ [الأنفال: ٦٧] إلى قوله: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ [الأنفال: ٦٩] فأحلَّ الله الغنيمة لهم» (٢).
١٦ - بكى النبيُّ ﷺ شفقة على أمته، فعن عبد الله بن عمرو ﵄: «أنَّ النبيَّ ﷺ تلا قول الله ﷿ في إبراهيم: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ [إبراهيم: ٣٦] الآية، وقال عيسى ﵇:
_________________
(١) يثخن في الأرض: يُكثر القتل والقهر في العدوِّ. شرح النووي ١٢/ ٨٧.
(٢) مسلم، برقم ١٧٦٣.
[ ٩٢ ]
﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٨] الآية، فرفع يديه وقال: "اللهم أُمَّتي أُمَّتي" وبكى، فقال الله ﷿: "يا جبريل اذهب إلى محمد وربُّك أعلم فسله ما يُبكيك؟ فأتاه جبريل ﵊ فسأله، فأخبره رسول الله ﷺ بما قال وهو أعلم، فقال الله: يا جبريل! اذهب إلى محمد فقل: إنَّا سَنُرضيك في أُمَّتك ولا نسوءك» (١).
_________________
(١) مسلم، برقم ٢٠٢.
[ ٩٣ ]