حكمته ﷺ في الإصلاح وجمع القلوب
حكمته ﷺ في الإصلاح والتأسيس: عندما وصل رسول الله ﷺ إلى المدينة كان فيها مجموعات من السكان متباينة في عقيدتها، مختلفة في أهدافها، متفرقة في اجتماعاتها، وكانت لديهم خلافات بعضها قديم موروث، وبعضها حديث موجود، وقد كانت هذه المجموعات على ثلاثة أصناف:
١ - المسلمون، من: الأوس، والخزرج، والمهاجرين.
٢ - المشركون، من: الأوس، والخزرج، والذين لم يدخلوا في الإسلام.
٣ - اليهود، وهم عدة قبائل: بنو قينقاع، وقد كانوا حلفاء الخزرج، وبنو النضير، وبنو قُريظة، وهاتان القبيلتان كانتا حلفاء الأوس.
[ ٢٥٤ ]
بناء المسجد والاجتماع فيه أول عمل وحد بين القلوب
وقد كان هناك خلاف مستحكم بين الأوس والخزرج، وكانت بينهما حروب في الجاهلية، وآخرها يوم بُعاثٍ ولا يزال في النفوس شيء منها (١).
[أمثلة تطبيقية لحكمة النبي ﷺ في الإصلاح وجمع شمل المسلمين]
لقد قام النبي ﷺ بحل هذه المشكلات كلها، بحكمته العظيمة، وحسن سياسته، وكان حله وإصلاحه لهذه الأوضاع، وجمعه لشمل المسلمين كالآتي:
١ - بناء المسجد والاجتماع فيه أول عمل وحَّد بين القلوب: كان أول عمل قام به ﷺ في الإصلاح والتأسيس بناء المسجد النبوي، واشترك المسلمون جميعًا في البناء، وعلى رأسهم إمامهم محمد ﷺ، وكان أول عمل تعاوني عام، وَحَّد بين القلوب، وأظهر الهدف العام للعمل، وقد كان
_________________
(١) انظر: البداية والنهاية ٣/ ٢١٤، وسيرة ابن هشام ٢/ ١١٤، وزاد المعاد ٣/ ٦٢، والتاريخ الإسلامي لمحمود شاكر ٢/ ١٥٩، والرحيق المختوم ص١٧١، وهذا الحبيب يا محب ص١٧٤، وفقه السيرة لمحمد الغزالي ص١٨٨، والبخاري مع الفتح، باب هل تنبش قبور مشركي الجاهلية ويتخذ مكانها مساجد ١/ ٥٢٤ (رقم ٤٢٨)، ومسلم، كتاب المساجد، باب بناء مسجد النبي - ﷺ - ١/ ٣٧٣، ٣٧٤ (رقم ٥٢٤).
[ ٢٥٥ ]
لكل حي في المدينة - قبل قدوم النبي ﷺ - مكان يلتقون فيه، فيسمرون ويسهرون، وينشدون الأشعار، فكانت هذه الحال تدل على الفرقة والاختلاف، فعندما بُنيَ المسجد كان مركز المسلمين جمعيًا، ومكان تجمعهم، يلتقون به في كل وقت، ويسألون رسول الله ﷺ فيعلمهم ويرشدهم ويوجههم (١).
وبهذا تجمعت الأندية، والتفَّت الأحياء، واقتربت القبائل، وتحابَّت البطون، وانقلبت التفرقة إلى وحدة، ولم تعد في المدينة جماعات، بل جماعة واحدة، ولم تعد زعامات، بل قائد واحد، هو رسول الله ﷺ، يتلقى من ربه الأوامر والنواهي، ويُعلِّم أمته، فأصبح المسلمون صفًا واحدًا، وامتزجت النفوس والعقليات، وتقوت الوحدة، وتآلفت الأرواح، وتعاونت الأجسام (٢).
_________________
(١) انظر: البخاري مع الفتح، كتاب مناقب الأنصار، باب هجرة النبي - ﷺ - وأصحابه ٧/ ٢٣٩، ٢٤٠ (رقم ٣٩٠٦).
(٢) انظر: التاريخ الإسلامي لمحمود شاكر ٢/ ١٦١، ١٦٢، والرحيق المختوم ص١٧٩.
[ ٢٥٦ ]
دعوة اليهود إلى الإسلام بالقول الحكيم
ولم يكن المسجد موضعًا لأداء الصلوات الخمس فحسب، بل كان جامعة يتلقى فيها المسلمون تعاليم الإسلام وتوجيهاته، ويجتمعون فيه، وتلتقي فيه العناصر القبلية المختلفة التي طالما نافرت بينها النزعات الجاهلية وحروبها وقاعدة لإدارة جميع الشؤون، وبثِّ الانطلاقات، وموضعًا لعقد المجالس الاستشارية والتنفيذية.
ولهذا ما أقام رسول الله ﷺ بمكان في المدينة إلا كان أول ما يفعله بناء مسجد يجتمع فيه المؤمنون، فقد أقام مسجد قباء حين أقام فيها، وصلى الجمعة في بني سالم بن عوف، بين قباء والمدينة، في بطن وادي (رانوناء) فلما أن وصل إلى المدينة كان أول عمل عمله بناء المسجد فيها (١).
٢ - دعوة اليهود إلى الإسلام بالقول الحكيم: ومن قواعد الإصلاح والتأسيس التي قام بها النبي ﷺ
_________________
(١) انظر: السيرة النبوية دروس وعبر، ص٧٤، وفقه السيرة ص١٨٩، وهذا الحبيب يا محب ص١٨٠.
[ ٢٥٧ ]
- بعد أن دخل المدينة - الاتصال باليهود بواسطة عبد الله بن سلام - ﵁ - ودعوتهم إلى الإسلام.
فعن أنس - ﵁ - قال: «بلغ عبد الله بن سلام مقدم النبي ﷺ إلى المدينة، فأتاه، فقال: إني سائلك عن ثلاث لا يعلمهن إلا نبي، قال: ما أول أشراط الساعة؟ وما أول طعام يأكله أهل الجنة، وما بال الولد ينزع إلى أبيه أو إلى أمه؟ فقال رسول الله ﷺ: "خبَّرني بهن آنفًا جبريل" قال ابن سلام: ذاك عدو اليهود من الملائكة، فقال رسول الله ﷺ: "أما أول أشراط الساعة فنار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب، وأما أول طعام يأكله أهل الجنة فزيادة كبد حوت، وأما الشبه في الولد فإن الرجل إذا غشي المرأة فسبقها ماؤه كان الشبه له، وإذا سبق ماؤها كان الشبه لها" [قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله]، قال: يا رسول الله، إن اليهود قوم بُهْتٌ، إن علموا بإسلامي قبل أن تسألهم بَهَتُوني عندك، [فأرسل نبي الله
[ ٢٥٨ ]
ﷺ فأقبلوا فدخلوا عليه، فقال لهم رسول الله ﷺ: "يا معشر اليهود، ويلكم اتقوا الله فوالله الذي لا إله إلا هو إنكم لتعلمون أني رسول الله حقًا، وأني جئتكم بحق، فأسلموا"، قالوا: ما نعلمه، قالوا للنبي ﷺ - قالها ثلاث مرات - فقال رسول الله ﷺ: "فأي رجل فيكم عبد الله بن سلام؟ " قالوا: ذاك سيدنا وابن سيدنا، وأعلمنا وابن أعلمنا، قال: "أفرأيتم إن أسلم؟ " قالوا: حاشا لله ما كان ليسلم، قال: "أفرأيتم إن أسلم؟ " قالوا حاشا لله ما كان ليسلم، قال: "أفرأيتم إن أسلم؟ " قالوا: حاشا لله ما كان ليسلم، قال: "يا ابن سلام اخرج عليهم"، فخرج فقال: يا معشر اليهود، اتقوا الله فوالله الذي لا إله إلا هو إنكم لتعلمون أنه رسول الله، وأنه جاء بحق، فقالوا: كذبت، [شرنا، وابن شرنا]، ووقعوا فيه» (١).
_________________
(١) البخاري مع الفتح، في كتاب أحاديث الأنبياء ٦/ ٣٦٢، برقم ٣٣٢٩، وفي كتاب مناقب الأنصار ٧/ ٢٥٠ (رقم ٣٩١١)، ٧/ ٢٧٢ (رقم ٣٩٣٨)، والألفاظ من = = المواضع الثلاثة، وانظر أيضًا: البخاري مع الفتح ٨/ ١٦٥، برقم ٤٤٨٠، والبداية والنهاية ٣/ ٢١٠.
[ ٢٥٩ ]
المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار
وهذه أول تجربة تلقاها رسول الله ﷺ من اليهود عند دخول المدينة (١).
ومن حسن سياسته ﷺ أنه وافق على إخفاء عبد الله بن سلام حتى يسأل اليهود عن مكانته بينهم، وعندما أثنوا عليه، ورفعوا من قدره أمره بالخروج فخرج وأعلن شهادته، وأظهر ما كان يكتمه اليهود من صدق النبي ﷺ. ثم ضبطهم ﷺ بالمعاهدة التي ستأتي.
٣ - المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار: كما قام النبي ﷺ بالبدء ببناء المسجد ودعوة اليهود إلى الإسلام، قام ﷺ بالمؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، وهذا من الرشد، والكمال النبوي، والنضج السياسي،
_________________
(١) انظر: الرحيق المختوم ص١٧٥، وهذا الحبيب يا محب ص١٧٥، وفقه السيرة لمحمد الغزالي ص١٩٨، والتاريخ الإسلامي لمحمود شاكر ٢/ ١٧٣.
[ ٢٦٠ ]
والحكمة المحمدية (١).
آخى بينهم ﷺ في دار أنس بن مالك، وكانوا تسعين رجلًا، نصفهم من المهاجرين، ونصفهم من الأنصار، آخى بينهم على المواساة، يتوارثون بعد الموت دون ذوي الأرحام إلى حين وقعة بدر، فلما أنزل الله - ﷿ -: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٦]، ردَّ التوارث إلى الرحم دون عقد الأخوة (٢).
ذابت عصبيات الجاهلية، فلا حمية إلا للإسلام، وسقطت فوارق النسب واللون والوطن، فلا يتقدم أحد أو يتأخر إلا بمروءته وتقواه، وكانت عواطف الأخوة، والإيثار؛ والمواساة والمؤانسة تمتزج في هذه الأخوة، وتملأ المجتمع الجديد بأروع الأمثال؛ وفي هذه الأخوة أقوى
_________________
(١) انظر: هذا الحبيب يا محب، لأبي بكر الجزائري ص١٧٨.
(٢) انظر: زاد المعاد ٣/ ٦٣، والرحيق المختوم ص١٨٠.
[ ٢٦١ ]
مظهر من مظاهر عدالة الإسلام الإنسانية والأخلاقية (١).
ولم تكن هذه المؤاخاة معاهدة دُوِّنت على الورق فحسب، ولا كلمات قيلت باللسان فقط؛ وإنما كانت مؤاخاة سجلت على صفحات القلوب، وعملًا يرتبط بالدماء والأموال، لا كلامًا يثرثر به اللسان، إنها مؤاخاة في القول والعمل، والنفس والمتاع والأملاك، في العسر واليسر (٢).
ومن أروع الأمثال لذلك ما رواه البخاري في صحيحه: «آخى رسول الله ﷺ بين عبد الرحمن بن عوف، وسعد بن الربيع، فقال سعد: قد علمت الأنصار أني من أكثرها مالًا، فسأقسم مالي بيني وبينك نصفين، ولي امرأتان، فانظر أعجبهما إليك فسمها لي أطلقها، فإذا انقضت عدتها فتزوجها، فقال عبد الرحمن: بارك الله لك في أهلك ومالك، أين سوقكم؟ فدلوه على سوق بني قينقاع فما انقلب إلا ومعه فضل من أقط وسمن، ثم تابع
_________________
(١) انظر: زاد المعاد ٣/ ٦٣، والرحيق المختوم ص١٨٠.
(٢) انظر: التاريخ الإسلامي لمحمود شاكر ٢/ ١٦٥، وفقه السيرة لمحمد الغزالي، ص١٩٢.
[ ٢٦٢ ]
التربية الحكيمة
الغدوة ثم جاء يومًا وبه أثر صُفرة، فقال النبي ﷺ: "مَهْيَم؟ " (١) قال: تزوجت امرأة من الأنصار، فقال: "ما سقت فيها؟ " قال: وزن نواة من ذهب، أو نواة من ذهب، فقال: "أولِم ولو بشاة» (٢).
وهذه المؤاخاة حكمة فذَّة، وسياسة صائبة، وحلٌّ رائعٌ لكثير من المشكلات التي كان يواجهها المسلمون.
٤ - التربية الحكيمة: وقد كان ﷺ يتعهدهم بالتعليم والتربية وتزكية النفوس، والحث على مكارم الأخلاق، ويؤدبهم بآداب الود والإخاء والمجد والشرف والعبادة والطاعة (٣).
_________________
(١) مهيم: كلمة استفهام، أي: ما حالك، وما شأنك؟ انظر: القاموس المحيط، باب الميم، فصل الميم، ص١٤٩٩.
(٢) البخاري مع الفتح، كتاب مناقب الأنصار، باب إخاء النبي - ﷺ - بين المهاجرين والأنصار، ٧/ ١١٢ حديث رقم ٣٧٨٠، ٣٧٨١، واللفظ من الموضعين، وانظر: باب كيف آخى النبي - ﷺ - بين أصحابه، في الكتاب السابق نفسه.
(٣) انظر: الرحيق المختوم ص١٧٩، ١٨١، ٢٠٨، والتاريخ الإسلامي، لمحمود شاكر ٢/ ١٦٥.
[ ٢٦٣ ]
فقد كان يقول ﷺ: «يا أيها الناس: أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام» (١).
ويقول: «لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه» (٢) «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده» (٣).
ويقول: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه» (٤).
ويقول: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا،
_________________
(١) أخرجه الترمذي في كتاب صفة القيامة، باب حدثنا محمد بن بشار ٤/ ٦٥٢ (رقم ٢٤٨٥)، وقال: هذا حديث صحيح، وابن ماجه، كتاب الأطعمة، باب إطعام الطعام، ٢/ ١٠٨٣ (رقم ٣٢٥١)، والدارمي ١/ ١٥٦، وأحمد ١/ ١٦٥، ٢/ ٣٩١، وانظر: صحيح الترمذي، ٢/ ٣٠٣.
(٢) مسلم، في كتاب الإيمان، باب تحريم إيذاء الجار، ١/ ٦٨ (رقم ٤٦).
(٣) البخاري مع الفتح، في كتاب الإيمان، باب أي الإسلام أفضل ١/ ٥٤ (رقم ١١)، ومسلم كتاب الإيمان، باب بيان تفاضل الإسلام وأي أموره أفضل ١/ ٦٥ (رقم ٤١)، واللفظ له.
(٤) البخاري مع الفتح، كتاب الإيمان، باب من الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه ١/ ٥٦ (رقم ١٣)، ومسلم، كتاب الإيمان، باب الدليل على أن من خصال الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه ١/ ٦٧ (رقم ٤٥).
[ ٢٦٤ ]
وشبك بين أصابعه» (١).
ويقول: «لا تحاسدوا، ولا تناجشوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، ولا يبع بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد الله إخوانًا، المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يحقره، التقوى هاهنا - ويشير إلى صدره ثلاث مرات - بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام: دمه، وماله وعرضه» (٢).
وقال: «لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال، يلتقيان فيعرض هذا، ويعرض هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام» (٣).
_________________
(١) البخاري مع الفتح، كتاب الصلاة باب تشبيك الأصابع في المسجد ١/ ٥٦٥ (رقم ٤٨١)، ومسلم، كتاب البر والصلة، باب تراحم المؤمنين وتعاطفهم وتعاضدهم ٤/ ١٩٩٩ (رقم ٢٥٨٥).
(٢) مسلم، كتاب البر والصلة، باب تحريم ظلم المسلم وخذله واحتقاره وتحريم دمه وعرضه وماله ٤/ ١٩٨٦ (رقم ٢٥٦٤).
(٣) البخاري مع الفتح، كتاب الأدب، باب الهجر، وقول الرسول - ﷺ -: «لا يحل لرجل أن يهجر أخاه فوق ثلاث» ١٠/ ٤٩١ (رقم ٦٠٧٧)، ومسلم في كتاب البر والصلة، باب تحريم الهجر فوق ثلاث بلا عذر شرعي ٤/ ١٩٨٦ (رقم ٢٥٦٠).
[ ٢٦٥ ]
وقال: «تفتح أبواب الجنة يوم الإثنين، ويوم الخميس، فيغفر لكل عبد لا يشرك بالله شيئًا إلا رجلًا كانت بينه وبين أخيه شحناء، فيقال: أنظِروا هذين حتى يصطلحا، أنظِروا هذين حتى يصطلحا، أنظِروا هذين حتى يصطلحا» (١).
وقال: «تعرض الأعمال في كل يوم خميس وإثنين فيغفر الله - ﷿ - في ذلك اليوم لكل امرئٍ لا يُشرك بالله شيئًاَ إلا امرأ كانت بينه وبين أخيه شحناء، فيقال: اركوا (٢) هذين حتى يصطلحا، اركوا هذين حتى يصطلحا» (٣).
وقال ﷺ: «انصُر أخاك ظالمًا أو مظلومًا، قيل: يا رسول الله، هذا نصرته مظلومًا، فكيف أنصره إذا كان
_________________
(١) أخرجه مسلم، كتاب البر والصلة، باب النهي عن الشحناء والتهاجر ٤/ ١٩٨٧ (رقم ٢٥٦٥).
(٢) اركوا هذين: أي أخروا، يقال: ركاه، يركوه ركوا، إذا أخره، انظر: شرح النووي على صحيح مسلم ١٦/ ١٢٢.
(٣) أخرجه مسلم في كتاب البر والصلة والآداب، باب النهي عن الشحناء والتهاجر، ٤/ ١٩٨٨ (رقم ٢٥٦٥/ ٣٦).
[ ٢٦٦ ]
ظالمًا؟ قال: تحجزه أو تمنعه من الظلم فذلك نصره» (١).
وقال: «حق المسلم على المسلم ست، قيل: ما هن يا رسول الله؟ قال: إذا لقيته فسلِّم عليه، وإذا دعاك فأجبه، وإذا استنصحك فانصح له، وإذا عطس فحمد الله فشمِّته، وإذا مرض فعُده، وإذا مات فاتبعه» (٢).
وعن البراء بن عازب قال: «أمرنا رسول الله ﷺ بسبع ونهانا عن سبع: أمرنا بعيادة المريض، واتباع الجنازة، وتشميت العاطس، وإجابة الداعي، وإفشاء السلام، ونصر المظلوم، وإبرار المقسم، ونهانا عن خواتيم الذهب، وعن الشُّرب في الفضة - أو قال: في آنية
_________________
(١) أخرجه مسلم في كتاب البر، باب انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا ٤/ ١٩٩٨ (رقم ٢٥٨٤)، بمعناه، وأخرجه أحمد بلفظه ٣/ ٩٩، والبخاري مع الفتح في كتاب المظالم، باب أعن أخاك ظالمًا أو مظلومًا ٥/ ٩٨ (رقم ٢٤٤٣، ٢٤٤٤)، وكتاب الإكراه، باب يمين الرجل لصاحبه ١٢/ ٢٢٣ (رقم ٦٩٥٢).
(٢) البخاري مع الفتح بنحوه في كتاب الجنائز، باب الأمر باتباع الجنائز ٣/ ١١٢ (رقم ١٢٤٠)، ومسلم في كتاب السلام، باب من حق المسلم على المسلم رد السلام (٤/ ١٧٠٥)، برقم ٢١٦٢.
[ ٢٦٧ ]
الفضة - وعن المياثر (١) والقسي (٢) وعن لبس الحرير، والديباج (٣) والإستبرق» (٤).
وقال: «لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أَوَلا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم، أفشوا السلام بينكم» (٥).
«وسئل ﷺ: أي الإسلام خير؟ فقال: تُطعم الطعام، وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف» (٦).
ويقول: «مَثَل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم،
_________________
(١) المياثر: سروج من الديباج أو الحرير. الفتح ١٠/ ٢٩٣.
(٢) ثياب مضلعة بالحرير: أي فيها خطوط منه. الفتح ١٠/ ٢٩٣.
(٣) الديباج والإستبرق: صنفان من الحرير. انظر: فتح الباري ١٠/ ٣٠٧.
(٤) البخاري مع الفتح، في كتاب الجنائز، باب الأمر باتباع الجنائز ٣/ ١١٢ (رقم ١٢٣٩)، ٥/ ٩٩، ٩/ ٢٤٠، ١٠/ ٩٦، وانظر مواضع الحديث في البخاري مع فتح الباري ٣/ ١١٢.
(٥) مسلم، في كتاب الإيمان، باب بيان أنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون ١/ ٧٤ (رقم ٥٤).
(٦) البخاري مع الفتح في كتاب الإيمان، باب إطعام الطعام من الإسلام ١/ ٥٥ (رقم ١٢)، ومسلم في الإيمان باب بيان تفاضل الإسلام ١/ ٦٥ (رقم ٣٩).
[ ٢٦٨ ]
مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى» (١).
وقال ﷺ: «من لا يرحَم لا يُرحم» (٢).
وقال: «من لا يرحم الناس لا يرحمه الله ﷿» (٣).
وقال ﷺ: «سباب المسلم فسوقٌ، وقتاله كفر» (٤).
وسواء وصلت هذه النصوص للأنصار من النبي ﷺ مباشرة، أو سمعوا بعضها من المهاجرين الذين سمعوا من النبي ﷺ قبل الهجرة، فكل ذلك تربية منه ﷺ لأصحابه
_________________
(١) البخاري مع الفتح، كتاب الأدب، باب رحمة الناس والبهائم ١٠/ ٤٣٨ (رقم ٦٠١١)، ومسلم في كتاب البر والصلة، باب تراحم المؤمنين وتعاطفهم ٤/ ٢٠٠٠ (رقم ٢٥٨٦).
(٢) البخاري مع الفتح، كتاب الأدب، باب رحمة الناس والبهائم ١٠/ ٤٣٨ (رقم ٦٠١٣)، ومسلم، كتاب الفضائل، باب رحمته - ﷺ - الصبيان والعيال وتواضعه وفضل ذلك ٤/ ١٨٠٩ (رقم ٢٣١٩).
(٣) مسلم، في كتاب الفضائل، الباب السابق ٤/ ١٨٠٩.
(٤) البخاري مع الفتح، كتاب الإيمان، باب خوف المؤمن من أن يحبط عمله وهو لا يشعر ١/ ١١٠ (رقم ٤٨)، ومسلم، كتاب الإيمان، باب بيان قول النبي - ﷺ -: «سباب المسلم فسوق وقتاله كفر» (رقم ٦٤).
[ ٢٦٩ ]
جميعًا، ولمن بلغته هذه النصوص إلى يوم الدين.
وغير ذلك من النصوص التي ربَّى بها محمد ﷺ أصحابه فقد كان يحثهم على الإنفاق، ويذكر من فضائله ما يشوِّق النفوس والقلوب، وكان يحث على الاستعفاف عن المسألة، ويذكر لهم فضل الصبر والقناعة، وكان يرغبهم في العبادات بما فيها من الفضائل والأجر والثواب، وكان يربطهم بالوحي النازل من السماء ربطًا موثقًا يقرؤه عليهم ويقرؤونه؛ لتكون هذه الدراسة إشعارًا بما عليهم من حقوق الدعوة، فضلًا عن ضرورة الفهم والتدبر.
وهكذا رفع ﷺ معنوياتهم، ودربهم على أعلى القيم والمثل حتى صاروا صورة لأعلى قمة من الكمال الإنساني.
بمثل هذا استطاع النبي ﷺ أن يبني مجتمعًا مسلمًا أروع وأشرف مجتمع عرفه التاريخ، وأن يضع لمشاكل هذا المجتمع حلًا بعد أن كان يعيش في ظلمات الجهل والخرافات، فأصبح مجتمعًا يضرب به المثل في جميع
[ ٢٧٠ ]
ميثاق المهاجرين والأنصار وموادعة اليهود
الكمال الإنساني، وهذا بفضل الله وحده، ثم بفضل هذا النبي الحكيم، فحَريٌّ بالدعاة إلى الله أن يسلكوا مسلكه، ويهتدوا بهديه ﷺ (١).
٥ - ميثاق المهاجرين والأنصار وموادعة اليهود: بعد أن قام رسول الله ﷺ بالمؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، عقد معاهدة أزاح بها كل ما كان من حزازات الجاهلية والنزعات القبلية، ولم يترك مجالًا لتقاليد الجاهلية، وقد وضع في هذه المعاهدة ميثاقًا للمهاجرين والأنصار، متضمنًا موادعة اليهود بالمدينة، وهذا من أبرز الجهود التي بذلها ﷺ في الإصلاح والتأسيس.
كتب رسول الله ﷺ كتابًا بين المهاجرين والأنصار، وادع فيه اليهود، وعاهدهم، وأقرهم على أموالهم، واشترط عليهم، وشرط لهم (٢).
_________________
(١) انظر: الرحيق المختوم، ص١٨٣.
(٢) انظر: البداية والنهاية لابن كثير ٣/ ٢٢٤ - ٢٢٦، وزاد المعاد ٣/ ٦٥، وانظر: كتابة الميثاق بين المسلمين ويهود المدينة في سيرة ابن هشام ٢/ ١١٩ - ١٢٣.
[ ٢٧١ ]
وهذا الميثاق في غاية الدقة، وحسن السياسة، وكمال الحكمة من النبي ﷺ، فقد ربط بين جميع المسلمين في المدينة وبين اليهود، فأصبحوا كتلة واحدة، يستطيعون أن يقفوا في وجه كل من يريد أهل المدينة بسوء.
وهذه الخطوات الخمس: بناء المسجد، ودعوة اليهود إلى الإسلام، والمؤاخاة بين المؤمنين وتربيتهم، وكتابة الميثاق، هي التي حل بها النبي ﷺ - بفضل الله تعالى - الخلاف المستحكم بين سكان المدينة، وأزال بها جميع آثار الماضي، ووحَّد بها قلوب المسلمين، وطبَّق بها النظام المتقن داخل المدينة، ومن ثم انتشر هذا النظام، والدعوة إلى الله من هذه المدينة إلى جميع أقطار العالم (١).
_________________
(١) انظر: الرحيق المختوم ص١٧١، ١٧٨، ١٨٥، والتاريخ الإسلامي لمحمود شاكر ٢/ ١٦٦، ٢/ ٦٩، ١٦٠، وهذا الحبيب يا محب ص١٧٦، ١٧٤.
[ ٢٧٢ ]