ربك واعملي عمل أهلك فإذا أخذت مضجعك فسبحي ثلاثا وثلاثين واحمدي ثلاثا وثلاثين وكبري أربعا وثلاثين فتلك مائة فهي خير لك من خادم (١) " قالت فاطمة ﵂: رضيت عن الله وعن رسوله، وقال علي: ولم يخدمها.
هذا الحديث يدل على اقتصاد أسرة علي وزهد فاطمة ورضاها عن الله والرسول، وبراءة رسول الله - ﷺ - وبراءة أهله من الدنيا وزخارفها.
اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما تحب وترضى له.
٤ - وهناك حديث آخر رواه ابن عدي والبيهقي عن أنس مرفوعا قال: قال رسول الله - ﷺ -:
"يافاطمة من يمنعك أن تسمعي ما أوصيك به أن تقولي يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين وأصلح لي شأني كله".
أبناء فاطمة ﵂
١ - الإمام الحسن بن علي ﵄: سبط النبي - ﷺ - ولدته أمه فاطمة في النصف من شهر رمضان سنة ثلاث من الهجرة، واسم قابلته سودة بنت مسرح الكندية، وعق عنه رسول الله - ﷺ - يوم سابعه، بكبش وحلق رأسه، وأمر أن يتصدق بزنة شعره فضة.
وعن علي ﵁ قال: كان الحسن أشبه الناس برسول الله ما بين الصدر إلى الرأس والحسين أشبه الناس بالنبي - ﷺ - ما كان أسفل من ذلك.
وتواترت الآثار الصحاح عن النبي - ﷺ - أنه قال في شأن الحسن بن علي: "إن ابني هذا سيد، وعسى الله أن يبقيه حتى يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين".
وقد روى الإمام أحمد في "مسنده" دعاء القنوت عن الإمام الحسن ﵁ قال: علمني رسول الله - ﷺ - كلمات أقولهن في الوتر:
"اللهم اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، وتولني فيمن توليت، وبارك لي فيما أعطيت، وقني شر ما قضيت، فإنك تقضي ولا يقضى عليك، إنه لا يذل من
_________________
(١) كلمة الخادم في اللغة العربية تشمل الذكر والأنثى والمراد هنا الخادمة.
[ ٣٦٥ ]
واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت وصلى الله على النبي" وفي رواية الحاكم: علمني رسول الله - ﷺ - في وتري.
قال الإمام الترمذي: ولا نعرف عن النبي - ﷺ - في القنوت في الوتر شيئا أحسن من هذا.
وكان الإمام الحسن من المبادرين إلى نصرة عثمان، والذابين عنه. ولما قتل أبوه علي ﵁ بايعه أكثر من أربعين ألفا من الشجعان، وكلهم ممن كانوا بايعوا أباه عليا على الموت. وكانوا من قبل أطوع وأحب للحسن، فبقى نحوا من أربعة أشهر خليفة بالعراق وما وراء خراسان. ثم سار إلى معاوية وسار معاوية إليه. فلما تراءى الجمعان، رق قلب الحسن فقد علم أنه لن تغلب إحدى الفئتين حتى تذهب أكثر الأخرى، فكتب إلى معاوية يخبره أنه يصير الأمر إليه، على أن يشترط عليه أن لا يطلب أحدا من أهل المدينة والحجاز ولا أهل العراق بشيء كان في أيام أبيه، وبعد مراسلات ومناقشات سلم الإمام الحسن ﵁ الخلافة إلى معاوية وكان ذلك في الجامع المسجد بالكوفة في شهر جمادي الأول سنة ٤١ هـ.
وفي الكوفة أتى الحسن شيخ من الكوفة يسمى أبا عامر سفيان بن ليلى فقال: السلام عليك يا مذل المؤمنين. فقال: لا تقل هذا يا أبا عامر فإني لم أذل المؤمنين، ولكني كرهت أن أقتلهم في طلب الملك.
وذهب الحسن إلى المدينة المنورة، وحين مرض قال: لقد سقيت السم مرارا، وما سقيته مثل هذه المرة، لقد لفظت طائفة من كبدي، فرأيتني أقلبها بعود معي. فقال له الإمام الحسين: يا أخي! من سقاك؟ قال: وما تريد إليه! أتريد أن تقتله؟ قال: نعم. قال: لئن كان الذي أظن فالله أشد نقمة، ولئن كان غيره ما أحب أن تقتل بي بريئا.
حفظ الإمام الحسن بن علي عن رسول الله - ﷺ - أحاديث رواها عنه، منها حديث دعاء القنوت، ومنها:
"إنا آل محمد لا تحل لنا الصدقة".
وقد روى الإمام أحمد والترمذي والدارمي والنسائي عن الحسن مرفوعا:
"دع ما يريبك إلى ما لا يريبك فإن الصدق طمأنينة وإن الكذب ريبة".
[ ٣٦٦ ]
وروي أن الحسن بن علي لما حضرته الوفاة قال للحسين أخيه: قد كنت طلبت إلى عائشة إذا مت أن تأذن لي فأدفن في بيتها مع رسول الله. فقالت: نعم. وإني لا أدري لعل ذلك حياء منها، فإذا أنا مت فاطلب ذلك إليها فإن طابت نفسها فادفني في بيتها. وما أظن القوم إلا سيمنعونك إذا أردت ذلك، فإن فعلوا فلا تراجعهم في ذلك وادفني في بقيع الغرقد.
فلما مات الإمام الحسن أتى الحسين عائشة فطلب ذلك إليها فقالت: نعم وكرامة. فبلغ ذلك مروان، فقال: كذب وكذبت، والله لا يدفن هناك أبدا، منعوا عثمان من دفنه في المقبرة ويريدون دفن الحسن في بيت عائشة (١).
وهكذا مات الإمام الحسن في ربيع الأول سنة ٥٩ هـ وهو في السادسة والأربعين، ودفن في جنب والدته (٢). وفي حديث أبي بكرة في ذلك:
"وإنه ريحانتي من الدنيا" (٣).
وروى عن النبي - ﷺ - من وجوه أنه قال في الحسن والحسين:
"إنهما سيدا شباب أهل الجنة" وقال: "اللهم إني أحبهما فأحبهما وأحب من يحبهما" (٤).
ويذكر العلامة ابن القيم حكاية عن رأي شرعي للإمام حسن ﵁ في إحدى القضايا: أنه أتى برجل وجد في خربة بيده سكين متلطخ بدم وبين يديه قتيل يتشحط في دمه. فسأله علي ﵁ فقال: أنا قتلته، قال: اذهبوا به فاقتلوه. فلما ذهبوا به أقبل رجل مسرعا، فقال: يا قوم! لا تعجلوا، ردوه إلى علي، فردوه. فقال الرجل: يا أمير المؤمنين ما هذا صاحبه، أنا قتلته. فقال علي للأول: ما حملك على أن قلت: أنا قاتله ولم تقتله؟ قال: يا أمير المؤمنين! وما أستطيع أن أصنع؟ وقد وقف العسس على
_________________
(١) يظهر من قول مروان أن الظلم الذي تعرض له عثمان ﵁ من قبل الثوار والبغاة شارك فيه أهل البيت أيضا، وهذا بهتان عظيم ويبدو أن هؤلاء الظلمة اتخذوا اسم عثمان الكريم جنة لإخفاء أعمالهم السيئة. وإلا ما كانوا من عثمان في شيء.
(٢) الاستيعاب (١/ ٣٨٩).
(٣) الاستيعاب (١/ ٣٨٥).
(٤) روى الإمام ابن عبد البر كلا الحديثين في كتابه "الاستيعاب".
[ ٣٦٧ ]
الرجل يتشحط في دمه، وأنا واقف وفي يدي سكين وفيها أثر الدم، وقد أخذت في خربة، فخفت أن لا تقبل مني، وأن يكون قسامة فاعترفت بما لم أصنع. واحتسبت نفسي عند الله. فقال علي: بئسما صنعت، فكيف كان حديثك؟ قال: إني رجل قصاب خرجت إلى حانوتي في الغلس، فذبحت بقرة وسلختها، فبينما أنا أصلحها والسكين في يدي أخذني البول، فأتيت خربة كانت بقربي فدخلتها، فقضيت حاجتي، وعدت أريد حانوتي، فإذا أنا بهذا المقتول يتشحط في دمه. فراعني أمره فوقفت أنظر إليه والسكين في يدي فلم أشعر إلا بأصحابك، قد وقفوا علي فأخذوني فقال الناس: هذا قتل هذا، ما له قاتل سواه، فأيقنت أنك لا تترك قولهم لقولي، فاعترفت بما لم أجنه، فقال علي للمقر الثاني: فأنت كيف كانت قصتك؟ فقال: أغواني إبليس، فقتلت الرجل طمعا في ماله، ثم سمعت حس العسس، فخرجت من الخربة، واستقبلت هذا القصاب على الحال التي وصف فاستترت منه ببعض الخربة حتى أتى العسس، فأخذوه وأتوك به. فلما أمرت بقتله علمت أني سأبوء بدمه أيضا، فاعترفت بالحق. فقال الحسن: ما الحكم في هذا؟ قال: يا أمير المؤمنين إن كان قد قتل نفسا فقد أحيا نفسا وقد قال الله تعالى: ﴿ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا﴾. (سورة المائدة: ٣٢)
فخلى علي عنهما وأخرج دية القتيل من بيت المال (١).