﴿يقول الذين كفروا إن هذا إلا أساطير الأولين﴾ (سورة الأنعام: ٢٥)
•---------------------------------•
كان الكفار في جزيرة العرب إذا تليت عليهم آيات القرآن التي تتناول أحوال الأمم الغابرة وأخبار الأنبياء السابقين طعنوا في القرآن الكريم وقالوا ما هو بشيء ولا يقص علينا محمد إلا أساطير الأولين.
والأساطير في المعجم هي القصص الخرافية التي تتضمن قليلا من الحقيقة وكثيرا من الطرافة والفكاهة. وكفار جزيرة العرب الذين كانوا بعيدين عن العلوم والمعارف لا يعرفون الخط والكتابة ويجهلون أمور العالم وأحواله لدرجة يرثى لها، ولكن العجيب هو أن يعجب أهل الكتاب بهذا اللفظ الصادر عن هؤلاء الجهلة المتوحشين عبدة الأصنام فرددوها في كتبهم مرارا وبأساليب مختلفة.
حتى كتب بعض القساوسة أن محمدا - ﷺ - تلقى جميع هذه القصص من راهب نصراني ثم صاغها للناس بلغته.
وسوف نقارن في هذا الباب بين قصة تكون قد وردت في الإنجيل الحالي، وورد ذكرها أيضا في القرآن الكريم، وسيعلم القراء بهذه الدراسة المقارنة مدى سمو تعاليم القرآن إزاء الكتب السماوية الأخرى. وإلى أي مدى يكون خطأ من يظن أن هذا الرجل الذي يتلو مثل هذا الكتاب الطاهر كان يستوحي من قصص الكتب السابقة ثم يتلوها بأسلوبه الخاص على الناس.
ولما كان اعتراض النصارى هذا موجه إلى شخصية الرسول - ﷺ - من هنا وجب أن نلحق هذا الباب بالسيرة النبوية.
آدم ﵇: ورد في سفر التكوين (الأصحاح رقم ٢ - ٣) ذكر ولادة آدم وإقامته في جنات عدن وأكله من شجرة معرفة الخير والشر وخروجه من الجنة. كما ورد في الدرس السابع عشر من الأصحاح الثالث من التكوين "ملعونة الأرض بسببك". ولم
[ ٤٩١ ]
يذكر في أي موضع من الكتاب المقدس أن آدم قد غفرت له خطيئته هذه، أما فضائل آدم التي ذكرها القرآن وسكت عنها الكتاب المقدس فهي كما يلي:
١ - كان آدم قد نسي عهد الله حين أكل من الشجرة: ﴿ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي﴾ (سورة طه: ١١٥).
٢ - لم ينقض آدم عهد الله متعمدا: ﴿ولم نجد له عزما﴾ (سورة طه: ١١٥).
٣ - تاب الله على آدم وغفر له خطيئته هذه وهداه فيما بعد إلى الصراط المستقيم وجعله في جناب منه مريع: ﴿ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى﴾ (سورة طه: ١٢٢).
٤ - نزل كلام الله على آدم: ﴿فتلقى آدم من ربه كلمات﴾ (سورة البقرة: ٣٧).
وهذه كلها فضائل لو جرد عنها أبو البشرية ما بقي فيه شيء من الفضيلة. والأمر الذي سكت عنه القرآن وذكره الكتاب المقدس عن آدم هذه الفقرة:
" خلق الله آدم وجعله على شبهه ". (التكوين ٥/ ١)
وورد نفس الأمر في التكوين (التكوين ١/ ٢٦) بهذه الألفاظ:
" وقال الله نعمل الإنسان على صورتنا كشبهنا "
ليت شعري كيف يكون لأحد من أهل الكتاب بعد هذا البيان أن ينكر التجسيم لله وينزهه عن التحديد ويقنع الناس بأن ذاته تفوق البشر.
طبعا لقد أثبت القرآن الكريم بترك هذا البيان أن ما علمه للناس من تقديس وتنزيه لله تعالى هو أعلى وأسمى مما علمهم غيره.
قابيل وهابيل ابنا آدم ﵇: ورد في الكتاب المقدس:
١ - أن قابيل قام على هابيل أخيه وقتله. (التكوين ٤/ ٨).
٢ - جعل الرب لقابيل علامة لكي لا يقتله كل من وجده. (التكوين ٤/ ١٥).
[ ٤٩٢ ]
٣ - قال الرب كل من قتل قابيل فسبعة أضعاف ينتقم منه. (التكوين ٤/ ١٥).
لا يخفى ما في هذا النظام الذي وضع للقاتل من ضرر وخطر كبيرين على السلام العالمي. وقد ذكر القرآن هذه القصة فقال فيها:
١ - كان قابيل من أصحاب النار ومن الخاسرين لقتله أخاه: ﴿فتكون من أصحاب النار﴾ (سورة المائدة: ٢٩). ﴿فقتله فأصبح من الخاسرين﴾ (سورة المائدة: ٣٠).
٢ - ثم بين ما للحياة الإنسانية من قيمة، وما في قتل الإنسان من عذاب وإثم شديد فقال: ﴿من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا﴾ سورة المائدة: ٣٢).
وهنا يستطيع القارئ أن يدرك ما بين الكتاب المقدس وبين القرآن الكريم من فرق وما للقرآن من تفوق.
نوح ﵇: يبدأ ذكر نوح ﵇ في الكتاب المقدس من الأصحاح السادس من سفر التكوين، وفي الأصحاحين السابع والثامن جاء ذكر الطوفان وفي الأصحاح التاسع جاء ذكر نوح بعد الطوفان وفي الأصحاح العاشر جاء ذكر أولاد نوح ﵇.
وعلى كل من يستطيع أن يقرأ الكتاب المقدس ويفهمه، أن يقرأه وليرى أنه:
١ - لم ترد فيه أية فقرة تشير إلى وعظ نوح ﵇ لقومه.
٢ - ولم يأت في أي موضع منه ذكر ذنب الذين أغرقوا في الطوفان.
٣ - لم يرد فيه لماذا كان إهلاكهم هو العلاج الأخير.
٤ - لم يرد فيه ذكر من بعث إليهم نوح ﵈.
٥ - ومن هم أولئك الذين أغرقوا في الطوفان.
أما القرآن الكريم فإنه يشير إلى هذه الأمور جميعا.
١ - فقد أخبر القرآن أن نوحا ﵇ بعث إلى قومه:
[ ٤٩٣ ]
﴿إنا أرسلنا نوحا إلى قومه﴾ (سورة نوح: ١).
٢ - وأخبر أن نوحا ﵇ وعظ قومه ألف سنة إلا خمسين عاما فقال: ﴿فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما﴾ (سورة العنكبوت: ١٤)
٣ - وأخبر أن نوحا ﵇ دعا قومه فأعلن لهم وأسر لهم إسرارا.
٤ - وأخبر أن قومه كانوا قد انغمسوا في معصية الشرك.
٥ - وأخبر أنهم كانوا قد انغمسوا في الشرك إلى حد أنهم نصحوا أولادهم وأحفادهم وأصدقاءهم بالتمسك به: ﴿وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا﴾ (سورة نوح: ٢٣).
٦ - وأخبر أنه لم يكن يرجى من أجيالهم اللاحقة أي صلاح ﴿ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا﴾ (سورة نوح: ٢٧).
٧ - وأخبر أنه لم يغرق منهم إلا من تمادى في الشرك والغي والطغيان: ﴿كذبت قبلهم قوم نوح وعاد وفرعون ذو الأوتاد () وثمود وقوم لوط وأصحاب الأيكة أولئك الأحزاب () إن كل إلا كذب الرسل فحق عقاب﴾ (سورة ص: ١٢ - ١٤).
٨ - إن الأمور التي ذكرها القرآن عن نوح ﵇ وسكت عنها الكتاب المقدس كثيرة جدا ومنها قصة ابنه العاصي التي أشير فيها إلى أن الرجل يجب عليه إيثار أمر الله على حب أولاده وأن علو النسب وعراقة المجد لا يغني عنه شيئا إن لم يكن صالحا: ﴿إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح﴾ (سورة هود: ٤٦).
وكيف أن الأب الصالح يفارق العصاة من أولاده: ﴿رب إني أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم﴾ (سورة هود: ٤٧).
٩ - وأخبر القرآن بأن نوحا كان معه رجال آمنوا به فأنجاهم الله من العذاب: ﴿وما آمن معه إلا قليل﴾ (سورة هود: ٤٠).
﴿يا نوح اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك﴾ (سورة هود: ٤٨).
١٠ - وأخبر القرآن بأن ذرية نوح لا تنقطع أبدا:
[ ٤٩٤ ]
إبراهيم ﵇
﴿وجعلنا ذريته هم الباقين﴾ (سورة الصافات: ٧٧)
وهذه كلها أمور لم ينطق بها الكتاب المقدس.
نعم هناك أمر ذكره الكتاب المقدس لم يرد ذكره في القرآن وهو:
" شرب (نوح) من الخمر فسكر وتعرى داخل خبائه فأبصر حام أبو كنعان عورة أبيه ". (التكوين ٩/ ٢١ - ٢٢).
ولا ريب أن القرآن سكت عنه وما أحسن سكوته.
إبراهيم ﵇: ذكرت قصة إبراهيم ﵇ في سفر التكوين من الأصحاح الثاني عشر إلى الأصحاح الخامس والعشرين ومع ذلك فقد سكت الكتاب المقدس عن ما نطق به القرآن من فضائل إبراهيم ﵇.
١ - فقد ورد في القرآن بيان مفصل عن تفكر إبراهيم في ملكوت السماوات والأرض واستدلاله بذلك على أن النجوم والقمر والشمس لا تصلح لأن تكون إلها. ولنا في ذلك درس وعبرة فالسعداء هم الذين يصلون إلى مدارج المعرفة الإلهية بالتدبر في هذه الصحيفة الكونية.
٢ - كما ورد في القرآن ذكر تحطيم إبراهيم الأصنام وأخبرت الآية الكريمة ﴿فجعلهم جذاذا﴾ أن إبراهيم ترعرع وشب كارها للشرك محبا للتوحيد.
٣ - ورد في القرآن أيضا ذكر مناظرة إبراهيم قومه فيما يتعلق بالتوحي وعدم اكتراثه بمخالفتهم له في تمسكه بالعقيدة السليمة: ﴿وحاجه قومه قال أتحاجوني في الله وقد هدان﴾ (سورة الأنعام: ٨٠).
٤ - وورد في القرآن الكريم أيضا ذكر نصيحة إبراهيم لأبيه آذر: ﴿إذ قال لأبيه يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا﴾ (سورة مريم: ٤٢)
وذكر القرآن الكريم تشدد الأب مع إبراهيم وهجره له: ﴿يا إبراهيم لئن لم تنته لأرجمنك واهجرني مليا﴾ (سورة مريم: ٤٦).
٥ - كما ذكر القرآن الكريم مناظرة إبراهيم ﵇ الملك وكان الملك رأس المبطلين
[ ٤٩٥ ]
وكان منكرا لوجود الله مستبدا برأيه فلما سمع أدلة إبراهيم الناصعة الدامغة احتار ودهش. ﴿فبهت الذي كفر﴾ (سورة البقرة: ٢٥٨).
٦ - ذكر القرآن الكريم مؤامرة قومه عليه وإلقائه في النار وإنقاذ الله له: ﴿قلنا يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم﴾ (سورة الأنبياء: ٦٩).
٧ - وذكر القرآن الكريم أيضا وجه الاستدلال الذي جعله إبراهيم نموذجا ومثالا لمن يتدبر في مسألة إحياء الموتى: ﴿رب أرني كيف تحي الموتى﴾ (سورة البقرة: ٢٦٠).
(الف) وإذا كان هناك ما ذكره الكتاب المقدس ولم يذكره القرآن فهو: " قال (إبرام) لسارة امرأته قولي إنك أختي " (التكوين ١١/ ١٢).
(ب) وقد ورد في الكتاب المقدس: أن إبراهيم كان طرد ابنه إسماعيل وزوجته هاجر من بيته بناء على طلب زوجته سارة. (التكوين ٢١/ ١٠ - ١٤). وهذا البيان يعني الطعن في عدل إبراهيم ورحمته.
ولكن القرآن الكريم حين ذكر هذه القصة أخبر بأن إبراهيم لم يكن قد طرد ابنه وزوجته من بيته وإنما كان قد أنشأ مركزا لنشر رسالة التوحيد فبعث ذريته في البلاد النائية البعيدة لنشر تعاليم التوحيد ﴿ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم﴾ (سورة ابراهيم: ٣٧).
وهذه غاية نبيلة وغرض سام يرفع من شأن إبراهيم ويسمو به إلى القمة.
وبعد هذا كله هل يستطيع أحد القول بأن موضوعات القرآن مستمدة من الكتاب المقدس؟
والخلاصة أن الكتاب المقدس ساكت عن جميع ما صرح به القرآن من الأمور حتى إنه لم يذكر ولو خدمة دينية واحدة قام بها إبراهيم ﵇.
لوط ﵇:
١ - ورد ذكر لوط ﵇ ومصير قومه في سفر التكوين (الأصحاح ١٩).
[ ٤٩٦ ]
إسحاق ﵇
يعقوب ﵇
ويذكر الكتاب المقدس شيئا عن الجهود المكثفة التي بذلها لوط ﵇ في سبيل الدعوة والإرشاد. أما القرآن الكريم فقد ذكر البراهين القاطعة التي استدل بها لوط في وعظه: ﴿ولوطا إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين﴾ (سورة الأعراف: ٨٠).
٢ - ذكر الكتاب المقدس سبب تحول امرأة لوط إلى عمود من ملح، أنها كانت نظرت من ورائه (١٩/ ٢٦) ولكن القرآن أخبر بأنها كانت تخون زوجها: ﴿كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما﴾ (سورة التحريم: ١٠).
٣ - والموضوع الذي انفرد بذكره الكتاب المقدس هو قصة ابنتي لوط. انظروا الأصحاح رقم (١٩) أما القرآن الكريم فقد ترفع عن ذكر مثل هذه القصص.
ونحن نستطيع إثبات بطلان هذه القصة القذرة بأدلة من الكتاب المقدس نفسه انظروا سفر التكوين (١٩/ ٣١ - ٣٢) فالدليل الذي أقامته البكر على جواز الفاحشة هو قولها: " ليس في الأرض رجل ليدخل علينا كعادة كل الأرض ".
وهذا الدليل باطل تماما فقد ورد في الأصحاح التاسع عشر (٢٠ - ٢٣) ذكر وجود مدينة صوغر وبقائها فكيف تقول هذه الجواري ليس على الأرض رجل؟.
وبذلك نستطيع التأكيد على أن هذه القصة لا أساس لها من الصحة.
إسحاق ﵇: ورد ذكر إسحاق ﵇ في الأصحاح (٢٦) من سفر التكوين. والأمر الذي ورد هنا ولم يرد ذكره في القرآن الكريم هو: " أقام إسحاق في جرار وسأله أهل المكان عن امرأته فقال هي أختي " آية (٦).
ويستطيع القراء أن يفهموا هل ينقص عدم ذكر هذا البيان في القرآن من شأن إسحاق شيئا؟
يعقوب ﵇: يظهر من الأصحاح (٢٥) من سفر التكوين أن يعقوب وعيسو كانا توأمين وكان عيسو أسبق ولادة من يعقوب.
والآن فكروا وتدبروا فيما يلي:
ـ[أولا]ـ: ورد في الدرس من التاسع والعشرين إلى الرابع والثلاثين: " طبخ يعقوب
[ ٤٩٧ ]
طبيخا فأتى عيسو من الحقل وهو قد أعيا فقال عيسو ليعقوب: أطعمني من هذا الأحمر لأني قد أعييت فقال يعقوب: بعني اليوم بكوريتك فقال عيس،: ها أنا ماض إلى الموت فلماذا لي بكورية. فقال يعقوب: أحلف لي اليوم فحلف له فباع بكوريته ليعقوب فأعطى يعقوب عيسو خبزا وطبيخ عدس فأكل وشرب وقام ومضى فاحتقر عيسو
البكورية ".
وليتدبر القراء قليلا هل في القصة المذكورة مدح وثناء على يعقوب الذي لم يعط شقيقه الخبز والعدس حتى أخذ منه ذلك الحق الذي أعطاه الله إياه؟
والحمد لله على أن هذه القصة لا توجد في القرآن.
ـ[ثانيا]ـ اقرءوا الأصحاح (٢٧) من سفر التكوين الذي جاء فيه: " دعا إسحاق عيسو ابنه الأكبر وقال له: يا ابني اخرج إلى البرية وتصيد لي صيدا حتى تباركك نفسي وأخذت رفقة (أم يعقوب) ثياب عيسو ابنها الأكبر الفاخرة التي كانت عندها في البيت وألبست يعقوب ابنها الأصغر وألبست يديه وملاسة عنقه جلود جديي المعزى وأعطت الأطعمة والخبز التي صنعت في يد يعقوب ابنها فدخل إلى أبيه وقال: يا أبي فقال: ها أنا ذا من أنت يا ابني؟ فقال يعقوب لأبيه: أنا عيسو بكرك قد فعلت كما كلمتني. قم اجلس وكل من صيدي لكي تباركني نفسك ". فانخدع إسحاق به وبارك يعقوب بدل عيسو".
والحمد لله أن هذه القصة أيضا لا توجد في القرآن الكريم.
ـ[ثالثا]ـ: وفي الأصحاح (٣٤) من سفر التكوين وردت قصة دينة ابنة يعقوب ﵇. وفي نفس الأصحاح أن بني يعقوب عاهدوا حمور الحوي رئيس الأرض يعطونهم بناتهم زوجات ويعطيهم بناته فحدث أن ابني يعقوب شمعون ولاوي أخوى دينة أخذ كل واحد سيفه وأتيا على المدينة بأمن وقتلا كل ذكر وقتلا حمور وشكيم ابنه بحد السيف وأخذا دينة من بيت شكيم وخرجا ثم أتى بنو يعقوب على القتلى ونهبوا المدينة لأنهم بخسوا أختهم وغنمهم وبقرهم وحميرهم وكل ما في المدينة وما في الحقل أخذوه وسبوا ونهبوا كل ثروة وكل أطفالهم ونسائهم وكل ما في البيوت ".
والحمد لله أن القرآن لم يذكر لفظة تتعلق بهذا الأمر.
[ ٤٩٨ ]
يوسف ﵇
ـ[رابعا]ـ: وفي الأصحاح (٣٥/ ٢٢) قصة راؤبين بكر يعقوب وقصة سرية أبيه.
والحمد لله على أن هذه القصة أيضا لا توجد في القرآن.
ـ[خامسا]ـ: وفي الأصحاح (٣٨) من سفر التكوين قصة يهوذا ثالث بني يعقوب وقصة ثامار كنته. ولتبرئة يهوذا من التهمة يقول الكتاب المقدس: " لأنه لم يعلم أنها كنته " (آية ١٦).
وبعد هذا العذر أيضا نجد يهوذا ملتبسا بجريمة نحو امرأة وهذه الجريمة أشد وأبشع بالنسبة إلى رجل يعد من أبناء النبي وأحفاده ويعتبر أبا بني إسرائيل - بعد قليل من الأنبياء - والحمد لله على أن القرآن لا يلصق مثل هذه التهم برجل من رجال هذه الأسرة الكريمة بل يمدحها فيقول: ﴿وتمت كلمت ربك الحسنى على بني إسرائيل﴾ (سورة الأعراف: ١٣٧).
وبغض النظر عن هذه الأمور كلها فإن ما ذكره القرآن مما ليس في الكتاب المقدس يدل على عظمة يعقوب وعلى أنه كان جديرا بأن ينال لقب إسرائيل أي (عبد الله).
١ - أخبر القرآن الكريم بأن الله كان قد بشر إبراهيم مقدما بابن وحفيد صالحين: ﴿فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب﴾ (سورة هود: ٧١).
٢ - وأخبر كذلك بأن الله وهب ليعقوب وأبيه من رحمته وجعل لهما ثناء جميلا وذكرا حسنا في الدنيا: ﴿وهبنا له إسحاق ويعقوب وكلا جعلنا نبيا () ووهبنا لهم من رحمتنا وجعلنا لهم لسان صدق عليا﴾ (سورة مريم: ٤٩، ٥٠).
هل يمكن لأحد بعد دراسة هذه النصوص القرآنية القول بأنها مستمدة من الكتاب المقدس؟
يوسف ﵇: ورد ذكر أحوال يوسف في سفر التكوين الأصحاح (٣٧)، ثم من الأصحاح (٣٩) إلى الأصحاح (٥٠). وهذه الأصحاحات الاثنتا عشرة وإن كانت مليئة بمحاسن يوسف حافلة بمكارمه إلا أنها ألصقت به (تهمة) في جملة تقول: وأتى يوسف بنميمتهم الرديئة إلى أبيهم. (التكوين ٣٧/ ٢).
[ ٤٩٩ ]
هذه الجملة تدل على أن يوسف نعوذ بالله من ذلك كان مشاءا بنميم وأن إخوته كانوا شريرين.
١ - ذكر القرآن أيضا قصة يوسف ولكنه كان أبلغ بيانا وأروع أسلوبا، مما كان عليه بيان الكتاب المقدس في كثير من الأمور.
٢ - وفي القرآن أن يعقوب كان عبر رؤيا يوسف حين سمعها: ﴿يجتبيك ربك ويعلمك من تأويل الأحاديث ويتم نعمته عليك﴾ (سورة يوسف: ٦).
٣ - ورد في الكتاب المقدس ذكر الرؤيا ولكن لم يرد فيه ذكر هذا التعبير وإن كانت توجد فيه بعض المضامين التي يثبت منها أن التفسير الذي ذكره يعقوب تحقق كما ذكره تماما.
٤ - وفي القرآن الكريم لما أجمع إخوة يوسف أمرهم وأرادوا إلقاءه في غيابة الجب أخبره الله مطمئنا إياه فقال ﴿وأوحينا إليه لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون﴾ (سورة يوسف: ١٥).
لكن لا نجد ذكر هذا في الكتاب المقدس.
٥ - وفي القرآن أن قميص يوسف كان قد قد من دبر بيد امرأة العزيز وحكم رجل من أهلها بأنه إن كان قميصه قد من قبل فصدقت ويوسف مجرم وإلا فالمرأة هي المجرمة، ومن هذه الحجة الدامغة وضحت براءة يوسف للعزيز، فطلب من يوسف الإعراض والعفو وقرر خطأ امرأته وقال لها استغفري لذنبك: ﴿يوسف أعرض عن هذا واستغفري لذنبك إنك كنت من الخاطئين﴾ (سورة يوسف: ٢٩).
والذي يثبت من الكتاب المقدس أن براءة يوسف لم تكن تحققت لعزيز مصر.
٦ - ويظهر من القرآن أن كثيرا من نسوة مصر كن قد حاولن إرضاء يوسف بأمر امرأة العزيز وراودنه عن نفسه ففشلن في محاولتهن. وقد سكت الكتاب المقدس عن ذلك أيضا.
٧ - وأخبر القرآن بأنه لما سأل أصحاب السجن يوسف عن تأويل رؤياهم بدأ يوسف بدعوتهم إلى التوحيد وأداء فريضة الدعوة:
[ ٥٠٠ ]
موسى ﵇
﴿يا صاحبي السجن أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار () ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون﴾ (سورة يوسف: ٣٩، ٤٠).
وذلك يدل على ما كان عليه يوسف من العزيمة، فلم يقصر في القيام بمهمة الدعوة إلى الله حتى في السجن، ولم يضيع فرصة تهيأت له لهداية الخلق. وهو نموذج رائع للراغبين في الاشتغال بالدعوة والإرشاد، إلا أن الكتاب المقدس لم يذكر هذا الأمر.
٨ - وفي الكتاب المقدس طلب الملك يوسف ليفسر له رؤياه فانطلق يوسف إليه على الفور وفي القرآن الكريم أنه أبى أن يخرج من السجن وطلب من الملك أن يحقق أولا فيما وجه له من اتهام. ﴿ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن﴾ (سورة يوسف: ٥٠).
وهذه أحسن شهادة تدل على عصمة يوسف وتقواه وصموده واعتزازه بنفسه.
٩ - وفي القرآن الكريم أن نسوة مصر شهدن ببراءة يوسف: ﴿قلن حاش لله ما علمنا عليه من سوء﴾ (سورة يوسف: ٥١).
وأن امرأة العزيز هي الأخرى شهدت على صدق يوسف وطهارته: ﴿قالت امرأت العزيز الآن حصحص الحق أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين () ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب وأن الله لا يهدي كيد الخائنين () وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي﴾. (سورة يوسف: ٥١ - ٥٣).
وقد سكت الكتاب المقدس عن بيان هذه الأوصاف والمحاسن وغيرها مما تضمنته هذه السورة المباركة التي يستنتج منها عشرات القضايا والنكات. وينبغي الرجوع في ذلك إلى كتابي "الجمال والكمال" (تفسير سورة يوسف).
وبدراسة البداية من هذا الكتاب سيعلم القارئ أن هذه السورة المباركة (سورة يوسف) بأكملها تضمنت أيضا ما تنبأ به القرآن الكريم عن أحوال النبي - ﷺ - المباركة.
بعد هذه الإفادات هل يصح القول أن النبي - ﷺ - سمع موضوعات الكتاب المقدس ثم صاغها من عنده؟
موسى ﵇: لا يفيض الكتاب المقدس في ذكر أحد من الأنبياء مثل إفاضته في
[ ٥٠١ ]
ذكر موسى ﵇ فسفر الخروج وسفر الأخبار وسفر العدد وسفر التثنية كل هذه الأسفار تضمنت ذكر أحواله. كما أن القرآن الكريم أيضا لم يذكر قصص أحد بقدر ما ذكر قصص موسى ﵇. ومع ذلك فإن مجموع ما ذكره لا يبلغ حجمه سفرا من أسفار الكتاب المقدس سابقة الذكر.
ونقتبس هنا أكثر المواضع مرتبة طبقا لموضوعاتها:
١ - ففي سفر الخروج (٤/ ١٤): " حمى غضب الرب على موسى ".
وذلك حين أبى موسى أن يقبل الرسالة من الله. وقد أخبر القرآن في هذه المناسبة بأن الله خاطب موسى برفق ولين ﴿يا موسى لا تخف إني لا يخاف لدي المرسلون﴾ (سورة النمل:١٠).
٢ - وفي سفر الخروج (٦٠/ ٢٧): " وأخذ عمرام يكابد عمته زوجة له فولدت له هارون وموسى ".
ولا ندري ماذا يعني الكتاب المقدس من هذا البيان فإن القرآن يشيد بذكر أم موسى ﵇:
ألف - ﴿وأوحينا إلى أم موسى﴾ (سورة القصص: ٧).
وليعلم أن النساء اللاتي أوحى الله إليهن قليلات جدا في العالم ويظهر من القرآن أن هؤلاء هن أم موسى وعيسى وتحتل أم إسماعيل هذه المنزلة في الكتاب المقدس وقد جاء إليها الملك مرتين في حياة إسماعيل وبلغها رسالة الله وبشرها بما سيحدث في المستقبل.
انظروا سفر التكوين (الأصحاح ١٦/ ٧ - ١١)، والأصحاح (٢١/ ١٧).
ب - وقال تعالى في موضع آخر مشيدا بأم موسى ﴿لولا أن ربطنا على قلبها﴾ (سورة القصص:١٠).
وهذا يدل على وجود الرابطة بين قلب أم موسى الطاهر وبين الرب جل وعلا.
٣ - وفي سفر الخروج (٧/ ١): " فقال الرب لموسى انظر أنا جعلتك إلها لفرعون ".
وليتأمل القراء في كلمة " إله " أهكذا يتم تعليم التوحيد؟ إذا كان أحد يستطيع أن يكون مشابها لله فكيف تبقى إذن وحدانيته في الذات والصفات؟ قال تعالى في كتابه المجيد: ﴿ليس كمثله شيء﴾ (سورة الشورى: ١١).
[ ٥٠٢ ]
وقال: ﴿فلا تضربوا لله الأمثال﴾ (سورة النحل: ٧٤).
٤ - (ألف) في سفر الخروج (٧/ ١١ - ١٢): " كذلك طرح كل واحد من عرافي مصر عصاه فصارت العصى ثعابين ".
(ب) وفي سفر الخروج (٧/ ٨): " وفعل كذلك العرافون وأصعدوا الضفادع على أرض مصر ".
(ج) وفي سفر الخروج أيضا (٨/ ١٦ - ١٧): " ضرب موسى عصاه على تراب الأرض. فكل تراب الأرض صار بعوضا في جميع أرض مصر ".
وفي آية (١٨): " وفعل كذلك العرافون بسحرهم ليخرجوا البعوض فلم يستطيعوا".
وفي آية (١٩): " فقال العرافون لفرعون هذا أصبع الله ".
هذا ما ذكره الكتاب المقدس عن السحرة ولم يذكر مصيرهم.
أما القرآن فيقول عنهم:
﴿فألقي السحرة سجدا قالوا آمنا برب هارون وموسى () قال آمنتم له قبل أن آذن لكم إنه لكبيركم الذي علمكم السحر فلأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم في جذوع النخل ولتعلمن أينا أشد عذابا وأبقى () قالوا لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات والذي فطرنا فاقض ما أنت قاض إنما تقضي هذه الحياة الدنيا () إنا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا وما أكرهتنا عليه من السحر والله خير وأبقى﴾ (سورة طه: ٧٠ - ٧٣).
كما أن هذا النص القرآني يدل على أن معجزات موسى لم تكن من نوع السحر، وكذلك يعلم منها كيف شرحت الهداية الإلهية صدور السحرة للإسلام، ويعلم منها أيضا أنه لا ينبغي للرجل التردد في إظهار الإسلام خوفا من مصيبة أو خضوعا لضغوط وأنه إذا أكره على ترك الإسلام وعذب وأهين فعليه أن يخاطر بنفسه، ولا يترك الإسلام، لا يؤثر الدنيا الفانية على الآخرة دار البقاء.
هذه كلها دروس رائعة لا يتناولها الكتاب المقدس بالذكر في أي موضع.
٥ - واقرأوا الأصحاح (٢٤) من سفر الخروج من الآية (٩ إلى الآية ١١):
" ثم صعد موسى وهارون وناداب وأبيهو وسبعون من شيوخ إسرائيل ورأوا إله
[ ٥٠٣ ]
إسرائيل وتحت رجليه شبه صنعته من العقيق الأزرق الشفاف وكذات السماء في النقاوة ولكنه لم يمد يده إلى أشراف بني إسرائيل فرأوا الله وأكلوا وشربوا".
وعلى القارئ هنا أن ينتبه إنهم رأوا قدم الإله وكذلك رأوا لونه الذي يشبه العقيق الأزرق وبذلك ظنوا أن جسمه كله يشبه في اللون العقيق الأزرق، ولعل الهنادكة درسوا هذا البيان وقالوا: إن إلههم كرشنا جي لونه أزرق. ونتساءل هل هناك شك في أن الإله الذي شوهد صفاء جسمه ولونه هو إله مجسم؟
هذه هي المرحلة التي تؤدي بالعباد إلى الشرك الجلي. إن القرآن الكريم يقدس الله ﷾ ويجعله أجل من أن يكون مجسما فيقول:
﴿لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار﴾ (سورة الأنعام: ١٠٣).
وليتدبر القارئ هل يمكن بعد كل هذا أن تكون تعاليم القرآن مستمدة من تعاليم الكتاب المقدس؟
٦ - اقرأوا الأصحاح (٣٤) من سفر الخروج من الدرس (٤) إلى الدرس (٦):
" وصنع (هارون من أقراط الذهب) عجلا مسبوكا. فقالوا هذه آلهتك يا إسرائيل التي أصعدتك من أرض مصر فلما نظر هارون بنى مذبحا أمامه ".
هل من تهمة أشد وأنكى من أن نقول في نبي اختاره الله لنفسه وجعله إماما للبرية وموسى أخوه، بأنه صنع عجلا بيده وقرب له القرابين وجعله إلها لبني إسرائيل؟ إن المرتكب لمثل هذه الأعمال لا يستحق في نظر المسلمين أن يسمى مسلما عاديا فضلا عن أن يكون نبيا وإماما لبني إسرائيل. والحمد لله على أن الله قد أوضح في كتابه الطاهر أن هذا الخطأ فعل السامري: ﴿فكذلك ألقى السامري () فأخرج لهم عجلا جسدا له خوار فقالوا هذا إلهكم وإله موسى﴾ (سورة طه: ٨٧ - ٨٨).
وكذلك أخبر القرآن بأن موسى سأل هارون عن تقاعسه في منع الضالين عن ضلالهم وزيغهم: ﴿قال يا هارون ما منعك إذ رأيتهم ضلوا﴾ (سورة طه: ٩٢).
ثم ذكر أيضا ما أجاب به هارون موسى فقال:
[ ٥٠٤ ]
داود ﵇
﴿إني خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرائيل ولم ترقب قولي﴾ (سورة طه: ٩٤).
والحمد لله على أن القرآن الكريم طهر شأن هذا الرجل الكريم وإلا فأهل الكتاب كانوا يصفون إمامهم بأنه صانع للأصنام ودع إلى الوثنية!!!.
وهل يقول عاقل بعد هذا كله أن القرآن يكرر موضوعات الكتاب المقدس في قصصه؟
داود ﵇: اقرأوا سفر صموئيل الثاني واقرأوا فيه الأصحاح الحادي عشر الذي ورد فيه ذكر شبع امرأة أوريا الحتى وذكر داود ﵇ وفي آخره:
" وضمها (داود) إلى بيته وصارت له امرأة. فقبح (هذا الفعل) في عيني الرب ".
والحمد لله على أنه لا توجد في القرآن مثل هذه القصة عن داود بل على العكس يثني القرآن عليه: ﴿يا داوود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق﴾ (سورة ص: ٢٦)
ويقول بعض الناس إن قول الله: ﴿وهل أتاك نبأ الخصم إذ تسوروا المحراب﴾. (سورة ص: ٢١).
يتضمن قصة أورياه هذه. ولا يصدر مثل هذا القول إلا ممن استولت على مشاعره القصة الواردة في الكتاب المقدس. ذلك لأن القرآن الكريم لا توجد فيه حتى إشارة إلى هذه القصة. ومن الطريف أن القصة التي ذكرها القرآن عن قدوم هؤلاء الخصم وتسورهم المحراب لا يوجد لها ذكر في الكتاب المقدس وذلك يدل على أنهما قصتان تختلف إحداهما عن الأخرى تماما.
فالقصة التي ذكرها القرآن يثبت منها أن يكون ولاة الأمر ورجال الحكم أكثر اهتماما بإقامة العدل وتعميم القسط منه بأداء النوافل، وأن يختاروا لمسكنهم موضعا يتسنى للمستغيث الوصول إليه ولا يواجه الفقراء من الرعايا العراقيل والعقبات في الاستغاثة بهم (١).
_________________
(١) بعد كتابة المقال المذكور بأشهر اتفق لي أن قرأت كتاب الفصل لابن حزم وقد أبطل هذا الإمام ظن الذين يصفون هؤلاء الخصم ملائكة ويقولون إن المراد بالنعاج النساء وبقوله (إنما فتناه) صدور إثم عن داود. انظروا الجزء الرابع [ص:١٨].
[ ٥٠٥ ]
سليمان ﵇
واقرأوا سفر صموئيل الثاني (الأصحاح ١٣/ ١٤ - ٢٩) الذي تضمن قصة أمنون بن داود وأخته ثامار وكذلك قصة أبشالوم بن داود الذي كان شقيقا لثامات لأم ومفادها أنه دعا أمنون إلى المأدبة وأمر خدمه فقتلوه.
٣ - وكذلك في سفر صموئيل (١٦/ ٢٠ - ٢٢) قصة أبشالوم بن داود مع رابته.
والحمد لله على أنه لا توجد في القرآن مثل هذه القصص التي كرهنا أن نذكرها هنا مفصلة.
سليمان ﵇: ورد في الأصحاح (٣/ ٥) من كتاب الملوك الأول: " تراءى الرب لسليمان في حلم ليلا وقال الله اسأل ماذا أعطيك ".
وفي الدرس (٩): " قال سليمان فأعط عبدك قلبا فهيما لأحكم على شعبك وأميز بين الخير والشر".
وفي الدرس (١٢): " قال الرب هوذا أعطيتك قلبا حكيما ومميزا حتى إنه لم يكن مثلك قبلك ولا يقوم بعدك نظيرك ".
وكذلك ورد في الأصحاح (٦/ ١١) من كتاب الملوك الأول ذكر نزول كلام الله على سليمان. ورغم كل هذه المحامد والمحاسن ورد أيضا في الأصحاح (١١/ ٤) من كتاب الملوك الأول: " وكان في زمان شيوخة سليمان أن نساءه أملن قلبه وراء آلهة أخرى ولم يكن قلبه كاملا مع الرب إلهه كقلب داود أبيه فذهب سليمان وراء عشتورث إلهة الصيدونيين وملكوم رجس العمونيين وهكذا فعل لجميع نسائه الغريبات اللواتي كن يوقدن ويذبحن لألهتهن ".
ليتدبر القراء وليحكموا هل يمكن أن يكون الرجل الذي شرفه الله بالمثول بين يديه وكلمه وأعطاه قلبا حكيما ما أعطى مثله قبله ولا بعده أحدا، والذي بنى بيت المقدس لعبادة الله هل يمكن أن يكون قد مال إلى عبادة الأصنام لأن أزواجه قالوا بذلك؟ كلا! وألف كلا! ونفسي فداء لتعاليم القرآن التي تقول: ﴿وما كفر سليمان﴾ وتقول أيضا ﴿وورث سليمان داوود﴾.
ويجب أن نعلم أن الله ذكر سليمان وحده وارثا لداود ﵇ مع أن داود كان
[ ٥٠٦ ]
أيوب ﵇
له سبعة عشر ابنا ذكورا (١). ومن هذا يتضح أن المراد بالوراثة هنا وراثة الكلام الإلهي لا وراثة الأموال والمتاع. وقد دعاني إلى ذكر هذه الآية هنا ما قد رأيته في كتاب الملوك الأول (١١/ ٤) في شأن سليمان: " أن قلبه لم يكن كاملا مع الرب إلهه كقلب داود أبيه ".
فكلما قرأ القارئ بعد هذه الفقرة قول الله ﷿ ﴿وورث سليمان داوود﴾ ظهر له أن سليمان كان في طاعته لله ورضوانه والنبوة على ما كان عليه داود أبوه تماما وأنه هو الوارث لميراث النبوة عن داود.
أيوب ﵇: استقل الكتاب المقدس بكتاب عن أيوب يشتمل على اثنتين وأربعين صفحة ببنط صغير أما في القرآن فقد ورد اسمه مرتين (في سورة النساء وسورة الأنعام) ضمن الأنبياء أوردت قصته في موضعين، وفي كلا الموضعين، انتهت هاتان القصتان في سطرين:
ففي سورة الأنبياء: ﴿وأيوب إذ نادى ربه أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين () فاستجبنا له فكشفنا ما به من ضر وآتيناه أهله ومثلهم معهم رحمة من عندنا وذكرى للعابدين﴾ (سورة الأنبياء: ٨٣ - ٨٤).
وقد وصل الكتاب المقدس أيضا إلى نفس النتيجة بعد بحث شغل ٤٢ صفحة كما يظهر من كتاب أيوب (٤١/ ١٠ - ١٥) ومن غريب ما ذكره الكتاب المقدس ولا يوجد إليه أي إشارة في القرآن هو البيان الوارد في كتاب أيوب (١/ ٦): " وكان ذات يوم أنه جاء بنو الله ليمثلوا أمام الرب وجاء الشيطان أيضا في وسطهم فقال الرب للشيطان من أين جئت؟ ".
وقد وردت نفس الألفاظ في الأصحاح (٢/ ١ - ٢).
فتدبروا ما أصعب وجود الشيطان مع الأنبياء في حضور الرب جل وعلا إن لم يكن
_________________
(١) أسماء أبناء داود الستة الذين ولدوا بحبرون مذكورة في كتاب صموئيل الثاني الأصحاح (٣/ ٢ - ٥) وأسماء أبنائه الأحد عشر الذين ولدوا في يروشلم مذكورة في صموئيل الثاني. الأصحاح (٣/ ١٢ - ١٦).
[ ٥٠٧ ]
ذلك مستحيلا، أليس فيه تذليل للأنبياء وإهانة للحضرة الإلهية؟ ولا أدري إلى أي منقبة من مناقب أيوب يشير هذا البيان.
والحمد لله على أن القرآن لا توجد فيه هذه الفقرة.
زكريا ﵇:
١ - أورد لوقا في إنجيله ذكر زكريا ﵇ في الأصحاح (١/ ٥ - ٢٥) وورد ذكره في القرآن في الحزب الأول من سورة مريم. ولم يذكر لوقا نص دعاء زكريا الموجود في القرآن مع أن هذا الدعاء هو الذي يوضح سبب رغبته في "الولد" . ألتلك الأغراض التي لأجلها يبغي الناس الأولاد عامة أم لغرض ديني غير هذه الأغراض؟ ففي القرآن أن زكريا قال: ﴿فهب لي من لدنك وليا (٥) يرثني ويرث من آل يعقوب﴾ (سورة مريم: ٥ - ٦).
هذه الألفاظ تدل على أنه كان يتمنى ولدا نبيا يقوم معه وبعده، بنشر الدين الإلهي ويعمل على إسعاد الأمة والنهوض بها. وهذا هو السبب الذي جعل دعوة زكريا ﵇ تستحق الإجابة من عند الله. ولا يغتر أحد بكلمة الإرث بأن زكريا يسأل وارثا يرث عنه الأملاك الثابتة وغير الثابتة، لأنه إذا كان هو المراد، فكيف يمكن لابن زكريا الوحيد أن يرث آل يعقوب الذين لا حصر لهم؟ إن كلمة آل يعقوب تتطلب مزيدا من التفكير حيث إن الله لم يقل بني إسرائيل وإنما قال آل يعقوب. فهذان الدليلان يدلان على أن زكريا لم يبغ من الله إلا ولدا نبيا ولذلك بشر به فور دعائه. وقد ذكر لوقا في الأصحاح (١/ ٢٥) هذا الأمر بالكلمات التالية: " هكذا قد فعل بي الرب في الأيام التي فيها نظر إلي ينزع عاري بين الناس ".
هذه الألفاظ إنما تدل على أن زكريا ما تمنى الولد إلا للأغراض والآمال التي يعقدها أهل الدنيا وبصفة عامة على أولادهم.
٢ - جاء في إنجيل لوقا (١/ ٢٠) أن جبريل كان قال لزكريا: " وها أنت تكون صامتا ولا تقدر أن تتكلم إلى اليوم الذي يكون فيه هذا لأنك لم تصدق كلامي الذي سيتم في وقته".
ويظهر من هذا أمران:
[ ٥٠٨ ]
يحيى ﵇
عيسى المسيح ﵇
(١) جعل الله زكريا أبكم جزاء لعدم تصديقه كلام جبريل.
(٢) كانت مدة بكمه إلى ولادة الولد الموعود به.
وفي القرآن الكريم أن زكريا كان سأل ربه عن آية حين بشر بهذا الأمر فجعل الله آيته ألا يكلم الناس ثلاث ليال إلا رمزا.
وهنا يستطيع القارئ أن يفهم هل يستمد القرآن هذه المضامن من كتاب قبله أم أنه يصلح خلل ما قبله وينفي عن زكريا ما ينسب إليه من عيب.
يحيى ﵇: وصف يحيى في الإنجيل يوحنا أى " المعمد" ورد ذكره في إنجيل لوقا في الأصحاح (١/ ٥٧ - ٨١)، ثم في الأصحاح (٣/ ١ - ٢٠)، ثم في الأصحاح (٧/ ١٩ - ٢٩). وورد ذكره في القرآن في سورتي مريم وآل عمران بإيجاز.
ففي سورة مريم: ﴿يا يحيى خذ الكتاب بقوة وآتيناه الحكم صبيا () وحنانا من لدنا وزكاة وكان تقيا () وبرا بوالديه ولم يكن جبارا عصيا﴾ (سورة مريم: ١٢ - ١٤).
وجاء وصفه في سورة آل عمران بهذه الألفاظ: ﴿مصدقا بكلمة من الله وسيدا وحصورا ونبيا من الصالحين﴾ (سورة ال عمران: ٣٩).
هذه الصفات الاثنتا عشرة لا نجدها في إنجيل لوقا كله.
ويفهم من هذا أن ما ذكره القرآن عن زكريا كثير رغم إيجازه ومن الخطأ أنه مستمد من الكتاب المقدس.
عيسى المسيح ﵇: أخبر القرآن الكريم أن عيسى ﵇ كان بشرا ويعتقد النصارى أنه إله. وكذلك أخبر القرآن أنه كان رسولا وهم يقولون: إنه ابن الله. وعلى ذلك لا يملك النصارى أن يقولوا إن ما ورد في القرآن الكريم عن أحوال المسيح مستمد من الأناجيل وهكذا لسنا بحاجة إلى أن نفصل القول في المسيح ﵇.
إلا أن إحسان القرآن على النصارى سوف يبقى على الدوام، لأنه كذب اليهود ورفع من شأن عيسى بوصفه مريم بالصديقة، وهكذا صدقت على الرسول - ﷺ - الفقرة الواردة في الأصحاح (١٦) من إنجيل يوحنا وهى: " ذاك الذي يمجدني ".
[ ٥٠٩ ]