حب النبي - ﷺ -
•---------------------------------•
كثيرا ما يستعمل لفظ العشق في الغزل. ولا يخفى على الخبير بالكتاب والسنة أن هذه اللفظة لم ترد فيهما البتة (١). وفي القاموس: الجنون فنون والعشق من فنه يستجلبه المرء على نفسه باستحسان بعض الصور والشمائل.
فلما كان العشق قسما من الجنون كان لابد أن لا يستعمل هذا اللفظ في كلام الله ورسوله ولا يعد من الفضائل الحميدة والمحاسن الجميلة. أما لفظ المحبة فلا شك أنه قد ورد في كل من الكتاب والسنة وذلك يدل على أن المحبة صفة من صفات الكمال البشري. والفرق بين المحبة والعشق أن المحبة عبارة عن رغبة طاهرة للروح وهذا الشرط غير واجب الوجود في العشق. وأما المحبوب فهو في الواقع من تجدر محبته لأجل كمالاته العالية وأما المعشوق من استحسنه إنسان ما. فالمحبوب محبوب سواء أحبه أحد أم لم يحب، ولكن المعشوق لا يكون معشوقا إلا إذا وجد. والمثل الفارسي الذي يقول " إن ليلى ينبغي أن ينظر إليها بعين المجنون (العاشق) يعبر عن نفس المعنى بأسلوب آخر.
وقد ذكر بعض الناس معنى المحبة فقالوا هي الشوق إلى المحبوب.
وذكر بعضهم أنها إيثار للمحبوب وقال بعضهم "هي مواطأة القلب لمراد المحبوب "، والحب عندي هو ما ذكرته أولا، وهذه المعاني إشارة إلى ثمرات المحبة فقط.
إن الحب صفة نورانية للروح البشرية وجدت فيها قبل حلولها في جسم الإنسان.
وإلى هذا المعنى يشير قول النبي - ﷺ -: " الأرواح جنود مجندة ".
ومدارج المحبة تتوقف على مدارج المحبوب فالمحبة ترتفع درجتها بارتفاع درجة المحبوب وتشتد رغبتها فيه بقدر معرفتها له.
_________________
(١) ولا يحفظ عن رسول الله - ﷺ - لفظ العشق في حديث صحيح البتة. (زاد المعاد ج ٢) - وليعلم أن حديث من عشق فعف فمات فهو شهيد أو حديث من عشق وكتم وعف وصبر الخ ليس بصحيح. فقد ذكرهما ابن الجوزي في الموضوعات ولم يرو هذين الحديثين إلا سويد بن سعيد وقد طعن فيه أئمة الحديث.
[ ٥٦٩ ]
﴿يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله﴾ (سورة البقرة: ١٦٥).
وليعلم أن هدفي بل وهدف جميع العلماء من تأليف السيرة النبوية هو أن ينال قلب القارئ الإيمان، وينال فؤاده اليقين وتنال روحه الراحة، وصدره الإنشراح. وأن يفوز بعبق الحب الطاهر الذي كان قد تجمد لغثاء العلائق، أو تعثر أمام صخور الجهل، فينطلق كالنافورة عاليا ضاربا الأمواج مطاولا السماء رفعة.
إن الحب يدفع اليأس بعيدا ويواجه المصائب بسرور، وهو حياة للقلب ونجاح للحياة، به يتكلل الفوز بالبقاء، ثم يتبوأ هذا البقاء عرش الارتقاء.
إن الحب صفة قال عنها النبي - ﷺ -:
" المرء مع من أحب " (١).
ذكرنا آنفا أن المحبة تقوم على أساس فضيلة سامية. فمئات الألوف من الناس يحبون حاتما الطائي، لا لأنهم قد وجدوا من ماله نصيبا بل لأنهم يحبون فيه صفة الجود والسخاء. ومئات الألوف من الناس يحبون أنوشيروان العادل، لا لأنه قد أغاثهم في مظلمة أو حكم لهم في قضية، بل لأنهم يحبون فيه صفة العدل والإغاثة.
ومئات الألوف من الناس يتحمسون لقراءة قصص رستم وأسفنديار وينتشون لسماعها، لا لأنهم شاركوهم انتصاراتهم بل لأنهم يحبون فيهم صفة الفتوة والشجاعة. وعشرات الناس يذكرون سقراط وأفلاطون بحب وحنين، لا لأنهم تلقوا دروسا في مدرستهما الخاصة التي لم تزل أبوابها مغلقة دون عامة الناس، بل لأنهم يقدرون العلم، ويحبون الحكمة.
وعشرات الناس يبذلون أقصى قدرتهم الكلامية لبيان فصاحة شكسبير وهومر والفردوسي والسعدي والمتنبي وبياس ووالميك ووصف بلاغتهم، لا لأن لهم فضلا في نشر صيتهم بل لأنهم يشتاقون إلى الاطلاع على أسرار الطبيعة البشرية، فيحبون الثناء على كل من يتصل بهذا الفن.
أما الشخصية التي نتحدث هنا عن حبها فهي عظيمة ولكم أن تتصوروا قدر عظمتها هنا:
_________________
(١) أخرجه البخاري عن أبي موسى في باب علامة الحب ضمن كتاب البر والصلة.
[ ٥٧٠ ]
فإن آدم ﵇ كشف سر الإنابة إلى الله.
وإدريس ﵇ قام بتدريس علوم الأولين والآخرين.
ونوح ﵇ دعا قومه فأعلن لهم وأسر لهم إسرارا.
وإبراهيم ﵇ سأل ربه العفو عن المجرمين.
وإسماعيل ﵇ جعل بيت الله معظما.
ويعقوب ﵇ عاهد الله فوفى بعهده.
ويوسف ﵇ تعطف على حاسديه.
وموسى ﵇ أكرم قومه بالعز والكرامة.
وهارون ﵇ كان إماما فصيحا.
ويحيى ﵇ كان داعيا متواضعا.
وداود ﵇ جمع شمل قومه.
وسليمان ﵇ بنى لله بيتا.
صلى الله عليه وعلى جميع إخوانه من النبيين والمرسلين.
نعم ما أعظم تلك الشخصية التي أخبر موسى عن نزول كلام الله عليها، نعم تلك الشخصية التي وصفها عيسى بروح الحق، نعم تلك الشخصية التي خوف داود بهيبتها الأعداء، نعم تلك الشخصية التي تغنى سليمان بجمالها في بيت المقدس، وتلك الشخصية التي ملأ حبقوق بحمدها ما بين السماء والأرض، وكرم ملاكي ﵇ بتهنئة قدومها بيت الله، ورأى يوحنا لباسها وقرأ ما كان مكتوبا من أنه " ملك الملوك وسيد السادة ".
أفلا يحب من وهب نور البصيرة والفؤاد أن يفدي بمهجته مثل هذا المحبوب والمحمود والمصطفى ومحمد ويعتبر ذلك غاية شرفه وكمال فخره؟.
هذا هو السر الذي كشفت عنه هذه الآية: ﴿قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره﴾ (سورة التوبة: ٢٤)
[ ٥٧١ ]
إن الحب لجميع ما ذكره الله في هذه الآية من الأشخاص والرجال مسلم وطبيعي، ولذا نرى أن الله الذي فطر الناس عليه، ما نفى الحب عن هؤلاء، بل أمرهم بأن ينزلوا الأشياء منازلها وإلا ضلوا.
وهذا هو السر الذي كشفه الحديث الذي رواه أنس ﵁ في الصحيحين: " لايؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين".
وروى ابن خزيمة في صحيحه (١)." لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من أهله وماله ".
ونحن نعتقد أن النبي - ﷺ - ليس بمحبوب فحسب بل حبيب أيضا يعني أن صفاته العالية وفضائله المتكاثرة، ومحاسنه الجميلة أو نعوته الرفيعة التي جعلته محب الله، ومحبوب الخلق، خالدة باقية ثابتة مستقرة.
وأريد أن أقدم هنا نماذج من حسن خلقه وشرف أفعاله وأبين من يرغب عن محبة هذا الرجل عظيم الصفات.
جوده وسخاؤه:
١ - بلغت غنائم يوم حنين ستة آلاف أسيرا، وأربعا وعشرين ألفا من الإبل، وأربعين ألفا من الغنم، وأربعة آلاف أوقية من الفضة. ولكن النبي - ﷺ - لم يأخذ منها شيئا وعاد إلى بيته كما خرج منه بالخير والبركة.
٢ - وعن عائشة قالت: ما ترك رسول الله - ﷺ - دينارا ولا درهما ولا شاة ولا بعيرا ولا أوصى بشيء.
٣ - روى معلى بن زياد عن حسن أن سائلا حضر إلى النبي - ﷺ - فأجلسه وقال له الله العاطي، ثم جاء آخر وجاء ثالث فأجلسهم النبي - ﷺ - ولم يكن لدى الرسول آنذاك ما يعطيهم إياه وبينما هم جلوس إذا برجل أتى النبي - ﷺ - بأربع أوقيات من فضة فأعطى النبي لكل من السائلين أوقية وراح ينادي لعله يجد من يأخذ الأوقية الرابعة، لكنه لم يجد أحدا، وجاء الليل ولم ينم النبي - ﷺ - وظل يصلي ثم يرقد وينهض فيصلي ثم يرقد فاستفسرت منه أم المؤمنين عما يقلقه فقال لا فسألته هل تلقى من ربه أمرا جعله هكذا قال
_________________
(١) الزرقاني (٦/ ٢٨٠).
[ ٥٧٢ ]
لا فقالت ولم القلق؟، عندئذ أخرج النبي - ﷺ - الفضة قائلا: هذا ما يقلقني، خشيت أن تبقى هذه لدي وألقى وجه ربي (يأتيني الموت) (١).
٤ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: " من ترك دينا فعلي ومن ترك مالا فلورثته " (٢).
٥ - وعن جابر بن عبد الله الصحابي الأنصاري قال: ما سئل رسول الله - ﷺ - شيئا قط فقال " لا " (٣).
وعن هذا المعنى عبر أحد الشعراء بقوله:
ما قال لا قط إلا في تشهده لولا التشهد كانت لاؤه نعم.
إذا نظرتم إلى هذه الروايات وتدبرتم معناها علمتم أن النبي - ﷺ - كان بحق أجود الناس بالخير.
عدله:
١ - اعترف أعداء النبي - ﷺ - بهذه الصفة فعن الربيع بن خثيم قال: كان يتحاكم إلى رسول الله - ﷺ - في الجاهلية قبل الإسلام (٤).
٢ - ذكرنا في البداية من هذا الكتاب الاختلاف الذي حدث بين قريش في وضع الحجر، وما يجدر هنا بالذكر هو أنهم حكموا أول داخل عليهم فإذا به النبي - ﷺ - فقالوا: هذا محمد هذا الأمين قد رضينا به (٥). وكان ذلك قبل نبوته.
كم كان يقينهم بعدله محكما حتى أظهروا رضاهم بحكمه قبل أن يحكم.
٣ - سرقت فاطمة بنت الأسود، فأخذت، فكلم فيها أسامة بن زيد النبي - ﷺ - فغضب النبي - ﷺ - وقال:
" أتشفع في حد من حدود الله، وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها".
_________________
(١) انظر النص في أعلام النبوة [ص:١٥٥].
(٢) أعلام النبوة [ص:١٥٥].
(٣) أخرجه الشيخان.
(٤) كتاب الشفا (١/ ٧٨).
(٥) الشفا (١/ ٧٨).
[ ٥٧٣ ]
شجاعته ونجدته:
أما النجدة فهى ثقة النفس عند استرسالها إلى الموت حيث يحمد فعلها دون خوف، وأما الشجاعة فهي كمال قوة الغضب الذي يحصل لانقياده للعقل. وقد حفظت عن النبي - ﷺ - عشرات الروايات التي شهدها الرواة أنفسهم تدل على هاتين الصفتين له.
١ - من ذا الذي لا يعرف عليا ﵁ ومواقفه وبطولاته وهو الذي قال: إنا كنا إذا حمى البأس واحمر الحدق اتقينا برسول الله - ﷺ - فما يكون أحد أقرب إلى العدو منه.
٢ - وهذا يوم حنين أمطر فيه الأعداء المسلمين بالسهام حتى غيروا وجهة الجيش الإسلامي الذي كان يضم اثنى عشر ألف رجل. وقد سأل رجل البراء بن عازب: أفررتم يوم حنين عن رسول الله - ﷺ - قال: لكن رسول الله - ﷺ - لم يفر، ثم قال: لقد رأيته على بغلته البيضاء وأبو سفيان آخذ بلجامها والنبي - ﷺ - يقول: " أنا النبي لا كذب ".
إن ركوبه على البغلة البيضاء دليل على الثبات والصمود فإن الفار إنما يحب الجواد السريع واختياره البغلة البيضاء دليل على الشجاعة فإن الناس ليختارون في الحرب ركوبا يتوارى في الغبار، ويختارون للجنود بذلك غبراء لهذا الغرض. أما ثباته في ساحة الحرب بعد فرار اثنى عشر ألف جندي دليل على بسالته. وكذلك تنويهه بالسمه ليعرفه من ليس يعرفه وترديده لهم الكلمة المثيرة لبغضهم كل ذلك لا يتأتى إلا للنبي - ﷺ -.
وإلى هذا تشير رواية عباس عم النبي - ﷺ -: ولى المسلمون مدبرين فطفق رسول الله - ﷺ - يركض بغلته نحو الكفار وأنا آخذ بلجامها أكفها إرادة أن لا تسرع وأبو سفيان آخذ بركابه.
وفي صحيح مسلم: نزل النبي - ﷺ - عن بغلته.
إن من غاية الشجاعة أن يتقدم النبي - ﷺ - ببغلته نحو الذين فر عنهم اثنا عشر ألف جندي ويتقدم إليهم ماشيا حين أمسك رجلان من أهل البيت بغلته وهما عمه وابن عمه.
٣ - وعن أنس بن مالك ﵁ قال: " كان النبي - ﷺ - أحسن الناس وأجود الناس وأشجع الناس لقد فزع أهل المدينة ليلا فانطلق أناس قبل الصوت فتلقاهم رسول الله - ﷺ - راجعا قد سبقهم إلى الصوت، وقد استبرأ الخبر على فرس لأبي طلحة عري والسيف في عنقه وهو يقول لم تراعوا لم تراعوا.
[ ٥٧٤ ]
٤ - لعل القراء يعلمون سبب لقاء بيعة العقبة الأساسي حيث اضطر ركب إلى اللجوء إلى عقبة الجبل خوفا من وحشة الطريق وظلمة الليل، فاتجه إليه النبي - ﷺ - في مثل هذا الأوان يدعوهم إلى الهدى وينقذهم من الضلال.
٥ - إن القيام بإعلان المبادئ السلمية أمام العالم كله، وإعلان ضلال كل المذاهب في بلاد سادها حكم سفك الدماء، وعدم الاكتراث بغضب كسرى، وقيصر، وملوك الحبشة، والقبائل العربية الضارية، كل هذا يدل على شجاعة النبي - ﷺ - ورباطة جأشه، مما يندر وجود نظير له في التاريخ.
تواضعه:
أما التواضع فكان من صفاته اللازمة، كان من تواضعه - ﷺ - أن يركب البغلة والحمار، ويحمل خلفه الآخرين، وكان يعود المساكين ويجالس الفقراء ويجلس بين أصحابه مختلطا بهم، وحيثما انتهى به المجلس، جلس ويجيب دعوة العبيد، ويحمل بضاعته من السوق، ويعقل البعير ويعلف ناضحه، وكان في بيته في مهنة أهله.
وعن أنس ﵁ قال: حج رسول الله - ﷺ - على رحل رث، وعليه قطيفة ما تساوي أربعة دراهم.
وكان النبي - ﷺ - يوم بني قريظة على حمار مخطوم بحبل عليه أكاف من ليف وعن أبي هريرة ﵁ قال: دخلت السوق مع النبي - ﷺ - فاشترى سراويل وقال للوزان: " زن وأرجح " وذكر القصة قال فوثب إلى يد النبي - ﷺ - يقبلها فجذب يده وقال: " هذا تفعله الأعاجم بملوكها ولست بملك إنما أنا رجل منكم ".
حياؤه:
١ - عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: كان رسول الله - ﷺ - أشد حياء من العذراء في خدرها وكان إذا كره شيئا عرفناه في وجهه. - متفق عليه.
وكان من أثر هذه الصفة أنه لا يسمي أحدا فيه عيب.
٢ - روى أنس ﵁ أنه كان عند رسول الله - ﷺ - رجل به أثر صفرة وكان رسول الله - ﷺ - لا يكاد يواجه أحدا بشيء يكره فلما قام قال للقوم: " لو قلتم له يدع هذه الصفرة " (١).
_________________
(١) شمائل الترمذي.
[ ٥٧٥ ]
شفقته ورأفته
العفو والكرم
شفقته ورأفته: روى أن أعرابيا جاءه يطلب منه شيئا فأعطاه ثم قال: " أحسنت إليك! " قال الأعرابي: لا، ولا أجملت، فغضب المسلمون، وقاموا إليه، فأشار إليهم أن كفوا، ثم قام ودخل منزله وأرسل إليه رسول الله - ﷺ - وزاده شيئا، ثم قال: "أحسنت إليك " قال: نعم فجزاك الله من أهل وعشيرة خيرا فقال له النبي - ﷺ -: " إنك قلت ما قلت وفي نفس أصحابي من ذلك شيء، فإن أحببت فقل بين أيديهم ما قلت بين يدي حتى يذهب ما في صدورهم عليك " قال: نعم. فلما كان الغد أو العشي جاء فقال - ﷺ -: "إن هذا الأعرابي قال ما قال فزدناه فزعم أنه رضى أكذلك: قال: نعم فجزاك الله من أهل وعشيرة خيرا فقال النبي - ﷺ -: "مثلي ومثل هذا مثل رجل له ناقة شردت عليه، فاتبعها الناس، فلم يزيدوها إلا نفورا فناداهم صاحبها خلوا بيني وبين ناقتي، فإني أرفق بها منكم، وأعلم، فتوجه بها بين يديها، فأخذ لها من قمام الأرض، فردها حتى جاءت واستناخت وشد عليها رحلها، واستوى عليها، وإني لو تركتكم حيث قال الرجل ما قال فقتلتموه دخل النار".
٢ - ومن شفقته - ﷺ - أن دعا ربه وعاهده فقال: " أيما رجل سببته أو لعنته فاجعل ذلك له زكاة ورحمة وصلاة وطهورا وقربة تقربه بها إليك يوم القيامة ".
٣ - روى الإمام أحمد والطبراني أنه جيئ إليه برجل فقيل هذا أراد أن يقتلك فقال النبي - ﷺ -: لن تارع، لن تارع، ولو أردت ذلك لم تسلط علي " (١).
العفو والكرم: أما العفو فهو ترك المؤاخذة مع تحقق الجريمة والقدرة على معاقبة المجرم. وأما الكرم فهو السخاء والسماحة.
١ - عن أنس ﵁ قال: كنت مع النبي - ﷺ - وعليه برد غليظ الحاشية فجذبه أعرابي بردائه جذبة شديدة حتى أثرت حاشية البرد في صفحة عاتقه ثم قال: يا محمد احمل لي على بعيري هذين من مال الله الذي عندك فإنك لا تحمل لي من مالك ولا من مال أبيك فسكت النبي - ﷺ - ثم قال:
_________________
(١) كتاب الشفاء [ص:٤٨].
[ ٥٧٦ ]
زهده في الدنيا
" المال مال الله وأنا عبده " ثم قال: " ويقاد منك يا أعرابي ما فعلت بي " قال: لا، قال: "لم " قال: لأنك لا تكافىء بالسيئة السيئة، فضحك النبي - ﷺ - ثم أمر: " أن يحمل له على بعير شعير وعلى الآخر تمر ".
٢ - وجاءه زيد بن سعنة اليهودي قبل إسلامه يتقاضاه دينا عليه فجذب ثوبه عن منكبه وأخذ بمجامع ثيابه وأغلظ له ثم قال إنكم يا بني عبد المطلب مطل فانتهره عمر وشدد له في القول والنبي - ﷺ - يتبسم فقال رسول الله - ﷺ -:
" أنا وهو كنا إلى غير هذا منك وأحوج يا عمر تأمرني بحسن القضاء وتأمره بحسن التقاضي " ثم قال: " لقد بقي من أجله ثلاث وأمر عمر يقضيه ماله ويزيده عشررين صاعا لما روعه" فكان سبب إسلامه (١).
٣ - وقال أنس: هبط ثمانون رجلا من التنعيم صلاة الصبح ليقتلوا رسول الله - ﷺ - فأخذوا فأعتقهم رسول الله - ﷺ - (٢).
٤ - وقال لأبي سفيان بن حرب وقد سيق إليه وهو الذي جلب إليه الأحزاب وقاتل المسلمين في أحد وغيرها فلاطفه الرسول - ﷺ - في القول وقال له: ويحك يا أبا سفيان ألم يأن لك أن تعلم أن لا إله إلا الله؟ فقال أبو سفيان: بأبي أنت وأمي ما أحلمك وأوصلك وأكرمك ".
٥ - ومن عظيم خبره في العفو عفوه عن اليهودية (٣) التي سمته في الشاة بعد اعترافها على الصحيح من الرواية.
زهده في الدنيا: إن وقائع زهده التي سنذكرها الآن تتعلق بزمن كان الرسول - ﷺ - يحكم فيه العرب كلها، وكانت كلمته هي النافذة من البحرين إلى الحبشة، وليعلم القراء أن زهده لم يكن لاضطرار وإنما كان باختيار منه. ولم يكن لفقر، وإنما كان لرقته الروحية، فما كان يهتم بالعلائق المادية.
١ - عن عائشة ﵂ قالت: لم يمتلئ جوف النبي - ﷺ - لا شبعا قط، ولم يبث
_________________
(١) الشفا (٦٣ - ٦٤) ورواه البيهقي مفصلا.
(٢) رواه مسلم وأبوداود والترمذي والنسائي.
(٣) وهي زينب بنت الحارث بن سلام وكانت وضعت السم في اللحم تريد قتل النبي - ﷺ - واعترفت بذلك.
[ ٥٧٧ ]
أخلاقه العامة
شكوى إلى أحد. وكان الفقر أحب إليه من الغنى، وإن كان ليظل جائعا يتلوى طول ليله من الجوع، فلا يمنعه صيام يومه، ولو شاء سأل ربه جميع كنوز الأرض وثمارها ورغد عيشها، ولقد كنت أبكي له رحمة، مما أرى به، وأمسح بيدي على بطنه، مما به من الجوع وأقول: نفسي لك الفداء لو تبلغت من الدنيا بما يقوتك فيقول:
" ياعائشة مالي وللدنيا إخواني من أولي العزم من الرسل صبروا على ما هو أشد من هذا فمضوا على حالهم فقدموا على ربهم فأكرم ما بهم وأجزل في ثوابهم فأجدني استحيي إن ترفهت في معيشتي أن يقصر بي غدا دونهم وما من شيء هو أحب إلي من اللحوق بإخواني وأخلائي " قالت: فما أقام بعده إلا شهرا حتى توفي - ﷺ - (١).
اللهم داحي المدحوات وبارئ المسموكات وجبار القلوب على فطرتها شقيها وسعيدها اجعل شرائف صلواتك ونوامي بركاتك ورأفة تحننك على محمد عبدك ورسولك الخاتم لما سبق والفاتح لما أغلق والمعلن الحق بالحق والدامغ لجيشات الأباطيل كما حمل فاضطلع بأمرك لطاعتك مستوفزا في مرضاتك بغير نكل عن قدم ولا وهن في عزم داعيا لوحيك حافظا لعهدك ماضيا على نفاذ أمرك حتى أورى قبسا لقابس آلاء الله تصل بأهله أسبابه، به هديت القلوب بعد خوضات الفتن والإثم وأبهج موضحات الأعلام ومنيرات الإسلام ونائرات الأحكام فهو أمينك المأمون وخازن علمك المخزون وشهيدك يوم الدين وبعيثك نعمة ورسولك بالحق رحمة (٢).
٢ - وعن علي ﵁ قال سألت رسول الله - ﷺ - عن سنته (أي طريقته) فقال: " المعرفة رأس مالي، والعقل أصل ديني، والحب أساسي، والشوق مركبي، وذكر الله أنيسي، والثقة كنزي، والحزن رفيقي، والعلم سلاحي، والصبر ردائي، والرضا غنيمتي، والعجز فخري، والزهد حرفتي، واليقين قوتي، والصدق شفيعي، والطاعة حبسي، والجهاد خلقي، وقرة عيني في الصلاة " (٣).
أخلاقه العامة: شهدت خديجة الكبرى أم المؤمنين ﵂ للنبي - ﷺ - بحسن
_________________
(١) الشفا (٨٣/ ١ - ٨٤).
(٢) الحزب الأعظم. المنزل السادس.
(٣) الشفا (١/ ٨٥ - ٨٦).
[ ٥٧٨ ]
الخلق قبل بعثته في ضوء تجربتها معه التي دامت خمس عشرة سنة فقالت: "إنك لتصل الرحم وتحمل الكل وتكسب المعدوم وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق " (١).
٢ - وعن أبي قتادة قال: قدم وفد النجاشي على رسول الله - ﷺ - فقام يخدمهم فقال أصحابه: نحن نكفيك يا رسول الله؟ فقال: " إنهم كانوا لأصحابنا مكرمين وإني أحب أن أكافئهم ".
٣ - قال أنس ﵁: خدمت رسول الله - ﷺ - عشر سنين فما قال لي أف قط، وما قال لشيء صنعته لم صنعته، ولا لشيء تركته لم تركته.
وعنه قال: كان رسول الله - ﷺ - من أحسن الناس خلقا، فأرسلنى يوما لحاجة فقل: والله لا أذهب، وفي نفسي أن أذهب لما أمرني به نبي الله - ﷺ -، فخرجت حتى أمر على الصبيان وهم يلعبون في السوق فإذا رسول الله - ﷺ - قد قبض بقفاي من ورائي قال: فنظرت إليه وهو يضحك فقال: " يا أنس أذهبت حيث أمرتك " قال قلت: نعم أنا أذهب يا رسول الله، (٢)
٤ - وكان النبي - ﷺ - كثير السكوت، لا يتكلم في غير حاجة، وكان كلامه فصلا، لا فضول ولا تقصير، مجلسه مجلس حلم وحياء وخير وأمانة، وجل ضحكه التبسم وكان ضحك أصحابه عنده التبسم.
وكان النبي - ﷺ - معروفا بالصدق لدى الناس حتى قال النضر بن الحارث وكان من ألد الأعداء لقريش: قد كان محمد " منذ صباه " أرضاكم فيكم وأصدقكم حديثا وأعظمكم أمانة، حتى إذا رأيتم في صدغيه الشيب وجاءكم بما جاءكم به قلتم: ساحر، لا والله ما هو بساحر.
وباختصار إن الخوض في هذا البحر الزاخر محال، وغاية القول: هل يليق بنا أن نحب من يهدي إلى هذه الأخلاق الفاضلة ومن يحمل هذه المحاسن الجميلة وصاحب هذه الأقوال الشريفة ومصدر هذه السجايا الحميدة أم لا؟
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب مبعث النبي - ﷺ -.
(٢) أخرجه الشيخان.
[ ٥٧٩ ]
أقول بكل ثقة، إن من لم يحب مثل هذا الرسول، ومثل هذا المحمود، ومثل هذا الوجود ذي الجود، ومثل هذا المصطفى، ومثل هذا المجتبى فكأنه حقا لم يحب هذه الأخلاق والصفات وبالتالي فإنه لا يصلح لأن يتصف هو بهذه الصفات ونعوذ بالله من هذا ..
تعالوا نحبه ونتعلم الحب ممن اختارهم الله لمحبة حبيبه وصحبة نبيه.
وليعلم أن المحبة هي التي تعلمنا الأدب والاحترام، وتحثنا على الطاعة والاستسلام، ولا يكون التعظيم تعظيما إلا إذا نشأ عن المحبة، ولا يكون الإكرام إكراما إلا إذا نبع عن المحبة.
كانت قريش قد بعثت عروة بن مسعود رسولا إلي النبي - ﷺ - وأوصته قبل صلح الحديبية بأن ينظر حال المسلمين ويخبرهم بها، فلما جاء عروة النبي - ﷺ - رأى أن رسول الله - ﷺ - ما تنخم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدون إليه النظر تعظيما له. فلما رجع عروة إلى أصحابه حكى لهم ذلك وقال: أي قوم! لقد وفدت على الملوك، ووفدت على قيصر وكسرى والنجاشي، والله ما رأيت ملكا قط يعظمه أصحابه مثلما يعظم أصحاب محمد محمدا.
عن عائشة قالت: جاء رجل إلى النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله إنك لأحب إلي من نفسي، وأحب إلي من أهلي، وأحب إلي من ولدي، وإني لأكون في البيت فأذكرك فما أصبر حتى آتيك فانظر إليك، وإذا ذكرت موتي وموتك عرفت أنك إذا دخلت الجنة رفعت مع النبيين، وإن دخلت الجنة خشيت أن لا أراك، فلم يرد عليه النبي - ﷺ - حتى نزلت عليه: ﴿ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا﴾ (سورة النساء: ٦٩).
وفي حديث آخر: كان رجل عند النبي - ﷺ - ينظر إليه لا يطرف فقال: "ما بالك؟ " قال: بأبي أنت وأمي، أتمتع من النظر إليه فإذا كان يوم القيامة رفعك الله بتفضيله، فأنزل الله: ﴿ومن يطع الله والرسول ..﴾ الآية.
[ ٥٨٠ ]
وفي حديث أنس قال قال النبي - ﷺ -: " من أحبني كان معي في الجنة ".
وفي بداية هذا الحديث أن النبي - ﷺ - قال: " إن قدرت أن تصبح وتمسي وليس في قلبك غش لأحد فافعل " ثم قال: " يا بني وذلك من سنتي ومن أحيا سنتي فقد أحبني ومن أحبني كان معي في الجنة " (١).
وروى أن امرأة أصيب زوجها وأخوها وأبوها مع رسول الله - ﷺ - بأحد، فلما نعوا لها قالت: فما فعل رسول الله - ﷺ -؟ قالوا: خيرا يا أم فلان هو بحمد الله كما تحبين. قالت: كل مصيبة بعدك جلل (٢).
وكان عبد الله بن أبي رئيسا للمنافقين وكان ابنه عبد الله من الصادقين، قال عبدالله ابن عبد الله للنبي - ﷺ -: لو شئت لأتيتك برأسه يعني أباه، فأبى النبي - ﷺ -.
وعن عمرو بن العاص قال: وما كان أحد أحب إلي من رسول الله - ﷺ - ولا أجل في عيني وما كنت أطيق أن أملأ عيني منه إجلالا له.
وعن أنس أن رسول الله - ﷺ - كان يخرج على أصحابه من المهاجرين والأنصار وهم جلوس، فيهم أبو بكر وعمر، فلا يرفع أحد منهم إليه بصره إلا أبو بكر وعمر، فإنهما كانا ينظران إليه وينظر إليهما، ويتبسمان إليه ويتبسم لهما.
ومن هذا لما أذنت قريش لعثمان ﵁ في الطواف بالبيت، حين وجهه النبي - ﷺ - في القضية أبى وقال: ما كنت لأفعل حتى يطوف به رسول الله - ﷺ -.
وسئل علي بن أبي طالب ﵁ كيف كان حبكم لرسول الله - ﷺ -؟ قال: كان والله أحب إلينا من أموالنا وأولادنا وآبائنا وأمهاتنا ومن البارد على الظمأ.
إذا أردت أن تعرف عواطف الحب والحنين فانظر حين يذكر صحابي رسول الله - ﷺ -:
عن أنس قال: كان رسول الله - ﷺ - من أحسن الناس خلقا، ولا مست خزا قط
_________________
(١) رواه الترمذي.
(٢) الزرقاني ج ٦. هذه السيدة هي هند زوجة عمرو بن الجموح الأنصارية.
[ ٥٨١ ]
ولا حريرا ولا شيئا كان ألين من كف رسول الله - ﷺ - ولا شممت مسكا قط ولا عطرا كان أطيب من عرق النبي - ﷺ - (١).
ووصف جابر بن سمرة رسول الله - ﷺ - فقال له رجل: أوجهه مثل السيف؟ فقال: لا، بل كان مثل الشمس والقمر.
وعن أنس ﵁ قال: كان رسول الله - ﷺ - أزهر اللون كأن عرقه اللؤلؤ (٢).
وعن جابر بن سمرة قال: صليت مع رسول الله - ﷺ - صلاة الأولى ثم خرج إلى أهله وخرجت معه فاستقبله ولدان فجعل يمسح خدي أحدهم واحدا واحدا، وأما أنا فمسح خدي، قال: فوجدت ليده بردا أو ريحا كأنما أخرجها من جؤنة عطار (٣).
وعن علي ﵁ قال: من رآه بديهة هابه ومن خالطه معرفة أحبه. يقول ناعته: لم أر قبله ولا بعده مثله (٤).
وعن ربيع بنت معوذ أن حفيد عمار بن ياسر قال: صفي لي النبي - ﷺ -، فقالت: لو رأيته لرأيت الشمس طالعة.
وعن جابر بن سمرة قال: كانت ليلة البدر وكان رسول الله - ﷺ - في حلته الحمراء، فأنظر إليه وأنظر إلى القمر فإذا هو أحسن عندي من القمر.
إن كلمة " عندي " في هذه الرواية تظهر عجيب لذة اللقاء وذوق النظر.
إن الوجه الذي أشرقت له عينا جابر قد أنار قلب عبد الله بن سلام. ففي حديث الترمذي قال: جئته لأنظر إليه فلما استبنت وجهه عرفت أن وجهه ليس بوجه كذاب.
وعن أنس عن أم سليم أن النبي - ﷺ - كان يأتيها فيقيل عندها، فتبسط له نطعا فيقيل عليه، وكان كثير العرق فكانت تجمع عرقه فتجعله في الطيب والقوارير، فقال النبي - ﷺ -: " يا أم سليم ما هذا؟ " قالت: عرقك أدوف به طيبي.
_________________
(١) رواه مسلم.
(٢) رواه الشيخان.
(٣) رواه مسلم في الفضائل.
(٤) رواه الترمذي.
[ ٥٨٢ ]
وخرج عمر ﵁ ليلة يحرس الناس فرأى مصباحا في بيت فإذا عجوز تنفش صوفا وتقول:
على محمد صلاة الأبرار صلى عليه الطيبون الأخيار
قد كنت قواما بكى بالأسحار ياليت شعري والمنايا أطوار
هل تجمعني وحبيبي الدار
فجلس عمر يبكي. والحكاية طويلة، والغرض هنا ذكر عواطف الحب والحنين فقط.
وانظروا إلى هذه الأبيات التي قالها حسان بن ثابت على وفاة الرسول - ﷺ -:
حينا يقيك الترب لهفي ليتني غيبت قبلك في بقيع الغرقد
أأقيم بعدك بالمدينة بينهم يالهف نفسي ليتني لم أولد
فظللت بعد وفاته متلذذا ياليتني أسقيت سم الأسود
أوحل أمر الله فينا عاجلا من يومنا في روحة أو في غد
فتقوم ساعتنا فنلقى طيبا محضا ضرائبه كريم المحتد
والله أسمع ما حييت بهالك إلا بكيت على النبي محمد
صلى الإله ومن يحف بعرشه والطيبون على المبارك أحمد
إن الصحابة كانوا يعرفون جيدا أن المحبة لا تثبت بالإيماء اللفظي وكيف وقد قال لهم ربهم: ﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني﴾ (سورة آل عمران: ٣١).
ولذلك نراهم قاموا لآلاف السنين بأعمال تمثل بحق صدق الإسلام وإخلاص الصحابة وحب النبي - ﷺ -.
تدل أحوال الصحابة على ما كان في قلوبهم من توقير للرسول - ﷺ - وإجلال له. فعن المغيرة كان أصحاب رسول الله - ﷺ - يقرعون بابه بالأظافر.
وكذلك لا يرفع أحد منهم صوته فوق صوت النبي - ﷺ - وكان ذلك من تعليم الله لهم: ﴿لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي﴾ (سورة الحجرات: ٢).
[ ٥٨٣ ]
إن العلماء يقولون: إن هذا الحكم ثابت على الدوام فالحديث النبوي صوت للنبي - ﷺ - ومع وجود الحديث النبوي إذا حاول أحد فرض رأيه، وتقديم أقواله، فإنه يرفع صوته فوق صوت النبي - ﷺ -. وقد أثنى الله - مع هذا النهي - على الذين يلتزمون بهذه الآداب فقال: ﴿إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى﴾ (سورة الحجرات: ٣).
فمن علامات الحب أن نحب قول الرسول من أعماق القلب، ولا نتردد في العمل بما صدر عنه من قول أو فعل مما أوجب الله علينا طاعته ولا نتعذر في تركه بأعذار واهية. ومن علامات المحبة أن يكون ذكره جاريا على لساننا دائما. ففي الحديث قال النبي - ﷺ -: " من أحب شيئا أكثر ذكره " (١).
ومن علامات المحبة للنبي - ﷺ - محبة آله بقلب صاف. يحكى عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه لما فرض لابنه عبد الله ثلاثة آلاف ولأسامة بن زيد ثلاثة آلاف وخمسمائة، قال عبد الله لأبيه: لم فضلته فوالله ما سبقني إلى مشهد؟ فقال له: لأن زيدا كان أحب إلى رسول الله - ﷺ - من أبيك، وأسامة أحب إليه منك، فآثرت حب رسول الله على حبي.
ومحبة الإمامين الشهيدين الحسن والحسين هي عين المحبة للرسول - ﷺ - وكذا حفظ فضائلهما وبيانها واتباع طريقهما عين محبة النبي - ﷺ -.
ومن علامات المحبة محبة الأنصار والمهاجرين الذين وردت أوصافهما الكثيرة في القرآن. ومن علاماتها اتباع جميع الصحابة واتباع سنة الخلفاء الراشدين.
اللهم ارزقنا حبك وحب من يحبك وحب عمل يقربنا إلى حبك.
_________________
(١) الزرقاني ج ٦.
[ ٥٨٤ ]