(وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين﴾
•---------------------------------•
حين جعلت هذه الآية: عنوانا لهذا الباب رأيت من الواجب أن أراجع القرآن الكريم وأنظر ما هي الأشياء أو من هم الأشخاص الذين وردت في حقهم كلمة " العالمين "؟ وقد وجدتها في الآيات التالية:
١ - ﴿إن هو إلا ذكرى للعالمين﴾ (سورة الأنعام: ٩٠).
٢ - ﴿إن هو إلا ذكرى للعالمين﴾ (سورة يوسف: ١٠٤)، (سورة ص: ٨٧).
٣ - ﴿وما هو إلا ذكر للعالمين﴾ (سورة القلم: ٥٢).
٤ - ﴿إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين﴾ (سورة الأنبياء: ٧١).
٥ - ﴿إن أول بيت وضع للنالم! للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين﴾ (سورة آل عمران: ٩٦).
٦ - ﴿فأنجيناه وأصحاب السفينة وجعلناها آية للعالمين﴾ (سورة العنكبوت: ١٥).
٧ - ﴿وجعلناها وابنها آية للعالمين﴾ (سورة الأنبياء: ٩١).
٨ - ﴿ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم إن في ذلك لآيات للعالمين﴾. (سورة الروم: ٢٢).
إذا تدبرنا هذه الآيات ظهر لنا أن الآيات الثلاث الأولى ورد فيها القرآن بمعنى" ذكر للعالمين " ومما لا يختلف فيه اثنان أنه كلام الله الذي هو ذكر للعالمين جميعا.
وقد اشتق اسم النبي - ﷺ - أيضا من هذا المصدر قال تعالى: ﴿فذكر إنما أنت مذكر﴾ (سورة الغاشية: ٢١).
وفي الآيتين الرابعة والخامسة ورد لفظ البركة أما في الآية الرابعة فقد وردت في بيت المقدس وفي الآية الخامسة وردت في البيت الحرام. والمسلمون يحترمون هذين
[ ٥٥٩ ]
المسجدين كما أمرهم القرآن بذلك.
وبما أن لفظ البركة يشملها جميعا، ولفظ الهدى خاص بالمسجد الحرام فقط فالمسجد الحرام أرفع درجة من بيت المقدس.
وفي الآيات السادسة والسابعة والثامنة ورد لفظ آية ويختلف مصداق لفظ آية في كل من الآيات.
في الآية السادسة لسفينة نوح أو أصحاب السفينة آية.
وفي الآية السابعة مريم وابنها آية.
وفي الآية الثامنة اختلاف الألوان والألسنة آية.
وخلاصة ذلك كله:
أن ذكر للعالمين فقط القرآن الكريم.
وأن مبارك للعالمين: بيت المقدس وبيت الحرام.
وأن آيات للعالمين يندرج تحتها:
سفينة نوح، وأصحاب السفينة، ومريم، وابنها، واختلاف الألوان والألسنة للأمم.
أما لفظ الرحمة فقد استعمل للنبي - ﷺ - وحده ولم يستعمل لأحد غيره. ونرى أن الله تعالى يقول: ﴿ورحمتي وسعت كل شيء﴾ (سورة الأعراف: ١٥٦).
فلما جعل النبي - ﷺ - رحمة للعالمين جميعا ثبت أن نبوته أيضا تشمل العالمين جميعا. واعلموا أنه لا يتصف برحمة للعالمين إلا ذلك الوجود الطاهر الذي بذل حياته المقدسة في سبيل إسعاد العالم بل العالمين، وفي سبيل رخائهم وفلاحهم، وخيرهم وصلاحهم، ونهوضهم ورقيهم لا يريد به عوضا ولا يبغى به بدلا.
والذي وصل العباد بربهم.
والذي طهر القلوب ونور الأرواح وصحح العقول ومهد الطبائع.
والذي عززت تعاليمه السلام العالمي، ووطدت توجيهاته المصلحة العامة.
[ ٥٦٠ ]
والذي وجه الإنسان في كل مرحلة من مراحله في فقره وغناه، وشبابه وهرمه، وحربه وسلمه وخوفه ورجائه، ورقه وسيادته، وطربه وورعه، وفرحه وترحه.
والذي عرف الخلق بخالقهم، في علو السماء، وحضيض الأرض، وظلام الليل، وضوء النهار وأشعة الشمس، وتلألأ اليراعة، وتناثر الذرات، وطراوة القطرات.
والذي جعلت تعاليمه السامية من الوحوش حيوانات أليفة، ومن الذئاب رعاة، وقاطعي الطريق قادة، والعبيد ملوكا، والملوك إخوانا ناصحين، والذي فجر ينابيع العلوم والمعارف في الصحراء القاحلة الجرداء.
والذي جعل الطماعين الحريصين يؤثرون على أنفسهم في سبيل الله قومهم ووطنهم.
والذي جعل أعداءه أفلاذ كبده، وهو محب الفقير، ورفيق المسكين، وتاج الملوك، وقائد القادة، ومحسن العبيد، ومعين الأيتام، ومأوى البائسين، وملجأ الشاردين، ودواء المنكوبين، وناصح الناصرين، ومؤيد المساواة، ومؤسس الأخوة، ومقدر الحب، وطالب الإخلاص، ومنبع الصدق، ومعدن الصبر، وقدوة التواضع، ومظهر الرحمة، وآخر الرسل.
فالذي يجمع بين هذه الصفات كلها إن لم يلقب برحمة للعالمين فبأي شيء يلقب إذن؟ ألا إن رحمة للعالمين هو الذي قرب البلاد، وألف الشعوب وقضى على اختلاف الألوان والألسنة وملأ القلوب بعاطفة واحدة، والعقول بفكرة واحدة، وأنطق الألسنة بكلمة واحدة.
ألا إن رحمة للعالمين هو الذي لا يجعل النبي " لاوي " وسيلة لقبول النذور مثل اليهود.
ولا يعطي مفاتيح السماوات إلى رجل واحد مثل المجوس.
ولا يمنح البراهمة حق إدخال الروح في الجنة أو النار.
ولا يجعل أهل أرض خاصة أبناء ملكوت السماوات.
[ ٥٦١ ]
ولا يخصص رجال أسرة باصطفائهم عند الله.
ولا يغلق أبواب الرحمة والفضل دون غيره مثل اليهود والنصارى والزرادشتية والبراهمة والجينيين والبوذيين.
ألا إن رحمة للعالمين هو الذي يربط العبد بربه ويرشده إلى قوله ﴿ادعوني أستجب لكم﴾ ولا يجعل هناك واسطة بين العبد والرب.
ألا إن رحمة للعالمين هو الذي يجلس جنبا إلى جنب مع عداس النينوائي، وبلال الحبشي، وسلمان الفارسي، وصهيب الرومي، وضماد الأزدي، وطفيل الدوسي، وذو الكلاع الحميري، وعدي الطائي، وأثامة النجدي، وأبو سفيان الأموي، وأبو ذر الغفاري، وأبو عامر الأشعري، وكرز الفهري وأبو حارث المصطلقي، وسراقة المدلجي، وهل شوهد حول أحد هذا الجمع الحاشد الذي يضم شعوبا وقادة مختلفين، كل امرئ منهم يمثل بلده وقومه، ويملأ جيبه بالأزهار، بقدر سعة قلبه، ويعطر بها أنفاس بلاده.
ألا إن النبي - ﷺ - "رحمة للعالمين" هو الذي يوجد بحضرته عثمان بن طلحة الذي احتل مكانة سامية بين العرب لتوليه مفاتيح الكعبة، مثل ما يكرم سادن كنيسة روما لتوليه مفاتيح السماء بزعمهم، ويوجد بحضرته عبد الله بن سلام أيضا الذي ينتهي نسبه إلى يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ﵇، وإذا نظرت إلى وجاهته القومية وجدت أطفال بني قريظة وبني قينقاع وبني النضير وخيبر وفدك تقول إنه خيرنا وابن خيرنا. وإذا أردت أن تعرف فضيلته العلمية وعظمته القيادية فاعلم أن الربيين والأحبار كانوا يصفونه بسيدنا وابن سيدنا. فهذا هو الرجل العظيم يعتز ويفرح ويفتخر بجلوسه على عتبة النبي - ﷺ -.
ويوجد بحضرته صرامة بن أنس أيضا، وكان عالما بصحف الأنبياء، زار سوربا والقدس مرارا، درس التوراة والإنجيل باللغات القديمة، وكان معظما عند هرقل ملك الروم، معترفا بعظمته عند النجاشي ملك الحبشة، فكأنه أكبر أساقفة نصارى الحجاز، ولكنه يردد الآن قول الله تعالى: ﴿ما المسيح ابن مريم إلا رسول﴾ ويستغرق في لذة التوحيد الخالص.
ويوجد في حضرته آيضا سلمان الفارسي وهو بكر رجل من كبار أهل فارس، فارق المجوسية واعتنق المسيحمة الكاثوليكية، ولما لم يطمئن لها قلبه خرج باحثا عن الدين
[ ٥٦٢ ]
الحق، ولم يزل يتنقل من الشام إلى العراق، ومن العراق إلى الحجاز، والآن جعل من روحه وقلبه فداء للنبي - ﷺ - وإذا سأله أحد عن اسم أبيه قال: سلمان بن إسلام بن إسلام ابن إسلام سبعين مرة.
ويوجد بحضرته خالد بن الوليد الذي أبلى البلاء الحسن في تأييد الوثنية، ونصرة الأصنام وهزم الجيش الإسلامي يوم أحد، وكان ينبغي أن يزيده الفتح والغلبة كبرا ورعونة، لكن تواضع النبي - ﷺ - رحمة للعالمين، فتح قلب هذا الفاتح، فيلجأ إليه بنفسه، ويطلب منه أن يهدم اللات والعزى.
ويقدم إلى حضرته كتاب ملك الحبشة يريد أن يتنازل عن سلطنته ويحضر إليه.
ويوجد أيضا ذو البجادين الذي فارق أهله وبيته وعليه كساء من صوف، وقميص مخيط من أشواك السمرة يبدو من فرط شوقه وسروره أنه أعظم من أي ملك.
ألا إن رحمة للعالمين هو الذي يعاهد اليهود الأمة المخذولة المقهورة بهذه الألفاظ:
الف - " أن يعود بني عوف أمة مع المؤمنين "
ب - " وأن بينهم النصر على من حارب ".
ج - " وأن بينهم النصح والنصيحة والبر دون الإثم "
د - " وأن بطانة يهود كأنفسهم "
هـ - " وأن النصر للمظلوم " (١).
إن رحمة للعالمين هو الذي يعاهد النصارى المنهزمين دافعي الجزية بهذه الألفاظ:
١ - " لنجران جوار الله وذمة محمد النبي على أنفسهم وملتهم وأرضهم وأموالهم وغائبهم وشاهدهم وعشيرتهم وتبعهم ".
٢ - " وأن لا يغيروا لما كانوا عليه ".
٣ - " ولا يغير حق من حقوقهم "
٤ - " ولا يغير كل ما تحت أيديهم من قليل أو كثير (٢).
_________________
(١) السيرة النبوية لابن هشام (١/ ١٧٨).
(٢) فتوح البلدان للبلاذري.
[ ٥٦٣ ]
إن رحمة للعالمين هو الذي يصرح للكافرين بقوله: ﴿لكم دينكم ولي دين﴾ (سورة الكافرون: ٦).
إن رحمة للعالمين هو الذي يعلم الدنيا كلها مبدأ دينيا وهو: ﴿لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي﴾ (سورة البقرة: ٢٥٦).
ثم يظهر مكانته في ذلك بصراحة: ﴿ما على الرسول إلا البلاغ﴾ (سورة المائدة: ٩٩).
إن رحمة للعالمين هو الذي يعلم البر بالناس والمعاملة الحسنة معهم فيقول: ﴿لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين﴾ (سورة المتحنة: ٨).
إن رحية للعالمين هو الذي يعلم السلوك الحسن تجاه العدو فيقول: ﴿ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم﴾ (سورة فصلت: ٣٤).
إن رحمة للعالمين هو الذي يأمرنا بالتخلي عن عواطف العداوة والبغضاء في أمور العدل وبالقيام بالعدل فيقول: ﴿ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون﴾ (سورة المائدة: ٨).
ويقول: ﴿ولا يجرمنكم شنآن قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان واتقوا الله إن الله شديد العقاب﴾ (سورة المائدة: ٢).
إن رحمة للعالمين هو الذي حث الناس على الشهادة فقال: ﴿يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط﴾ (سورة المائدة: ٨).
إن العدل يقوم على الشهادة لذا كرر تعليم الشهادة بهذه الألفاظ: ﴿يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين
[ ٥٦٤ ]
والأقربين إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا وإن تلوا أو تعرضوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا﴾ (سورة النساء: ١٣٥).
إن رحمة للعالمين هو الذي يعلم كل رجل كيف يعامل زوجته: ﴿ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون﴾ (سورة الروم: ٢١).
إن رحمة للعالمين هو الذي جعل الرابطة الزوجية رابطة طاهرة فبشرهما بأن يكونا معا وقت دخول الجنة. ﴿ادخلوا الجنة أنتم وأزواجكم تحبرون﴾ (سورة الزخرف: ٧٠).
إن رحمة للعالمين هو الذي بين حقوق الزوجن فقال: ﴿ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف﴾ (سورة البقرة: ٢٢٨).
ثم أوضح قوامة الرجل فقال: ﴿الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم﴾ (سورة النساء: ٣٤).
إن رحمة للعالمين هو الذي عرف قيمة نفس الإنسان بهذه الألفاظ: ﴿من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا﴾ (سورة المائدة: ٣٢).
إن رحمة للعالمين هو الذي أوقف الحروب الدامية وحرم الحرب من أجل بسط السيطرة أو تحقيق المطامع التوسعية أو إظهار قوة أو الثأر، وإنما جعلها آخر طريق لنصرة المظلوم، وآخر وسيلة لإنقاذ الضعفاء والبؤساء والأطفال والنساء من يد الظلم، وآخر وسيلة لإقامة العدل وإيجاد التوازن بين الأديان المختلفة، ولا يستطيع أحد مهما كان رحيما أن ينكر الحاجة إلى الحرب في سبيل هذه المبادئ، ولا يتردد رجل عادي في القول بأن هذه الحروب رحمة.
واسمعوا الآن الأحكام التي بينها رحمة للعالمين حسب المبادئ المذكورة قبلا:
١ - ﴿أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير الذين أخرجوا من
[ ٥٦٥ ]
ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا﴾ (سورة الحج: ٣٩، ٤٠).
٢ - ﴿وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها﴾ (سورة النساء: ٧٥).
هذه الأحكام تبين أن الإسلام اختار الحرب لا رغبة في السيطرة ولا طموحا إلى السلطان بل لتخليص المستضعفين من النساء والولدان من براثن الظلم والطغيان، واختارها لا لإكراه الناس على قبول الإسلام، بل لصيانة الصوامع والبيع والصلوات من أن تهدم.
وهل جاء في كتاب مقدس لدين من الأديان ما ينص على أن قوما حاربوا لأجل حماية الأديان الأخرى وإقامة معابدها؟ إذا كان الجواب بالنفي - ونحن نثق بذلك - فلابد من الاعتراف بأن الرأفة التي اتصف بها رحمة للعالمين هي التي جعلت للحرب غاية نبيلة لا ينكرها دين من الأديان.
وقد أوجب رحمة للعالين في حالة الحرب أن تكون مدة الإنذار الأخير طويلة حتى يتم فيها التفاهم وينجلي خطر الحرب. ففي القرآن الكريم: ﴿فسيحوا في الأرض أربعة أشهر﴾ (سورة التوبة: ٢).
وهذه الفرصة التي أتيحت قبل الحرب ما هي إلا رحمة وقد استثنى الله أشياء بعد نشوب الحرب أيضا فقال:
ألف - ﴿إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق﴾ (سورة النساء: ٩٠).
ب - ﴿أو جاءوكم حصرت صدورهم أن يقاتلوكم أو يقاتلوا قومهم﴾ (سورة انساء: ٩٠) فهؤلاء مستثنون من القتال وقد صرح القرآن بذلك: ﴿فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم وألقوا إليكم السلم فما جعل الله لكم عليهم سبيلا﴾ (سورة النساء: ٩٠).
فانظروا كيف توضح هذه الأحكام أن هذه الحروب لا تقوم على إكراه الناس على قبول الإسلام.
وإذا فكرتم وجدتم أن هناك قوما ذميين ليسوا من المسلمين، فلو كانوا مسلمين لما
[ ٥٦٦ ]
جاء قوله بينكم وبينهم ميثاق، بل كانوا منهم في درجة ﴿فإخوانكم في الدين﴾.
ولهؤلاء القوم المعاهدين من الاحترام ما لو انضم إليهم أحد من الفريق المحارب لخرج عن حكم المحاربين، وكذلك يخرج عن حكم المحاربين من يعاهد المسلمين بالحياد، لا يتعصب للمسلمين ولا لخصومهم. فلو كانت الحرب على أساس إكراه الناس على اعتناق الإسلام لما قررت هذه المبادئ لغير المسلمين.
إن رحمة للعالمين هو الذي لقن الناس دروس الأخلاق الفاضلة، والفضائل المحمودة والمحاسن الجميلة، والصفات الشاملة فيما يتعلق بالوالدين علمهم قوله تعالى: ﴿واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا﴾ (سورة الإسراء: ٢٤).
أمرهم هنا بالطاعة والخدمة كما أمرهم بأن يدعوا لهما لأن كل إنسان يحتاج إلى رحمة الله احتياج الطفل إلى تربية أبويه.
وحث على الصفح عن المخطئين فقال: ﴿وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم﴾ (سورة النور: ٢٢).
إن العفو أمر يشق على الإنسان، ومن هنا أفهم الناس أنه إذا كان هو نفسه يطلب من الله العفو فما باله لا يحب أن يعفو عن غيره، فكأن الله يرشده إلى مبدأ "اصفح تصفح".
وقد اختير نفس الأسلوب لبيان قبح الزنا قال تعالى: ﴿ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة وساء سبيلا﴾ (سورة الإسراء: ٣٢).
إن الماجن وهو في حالته تلك قد لا يعتبر الزنا أمرا شائنا، ولكن ينبغي له أن يفكر أنه إن كان لا يكره أن يزنى بابنة غيره، ألا يكره ذلك لابنته، فإن كانت غيرته لا تسمح له بذلك، فليعلم أنه نفسه يمهد السبيل بعمله هذا لمثل هذه الفاحشة، وهذا السبيل سوف ينطلق مباشرة إلى بيته.
إن رحمة للعالمين هو الذي بلغ تحريم الخمر والميسر إلى العالم كله وأوضح أن الخمر رجس من عمل الشيطان، وأنها أساس العداوة، مبعث البغضاء، ومجلب الغفلة،
[ ٥٦٧ ]
ووسيلة البعد عن الله تعالى. وقد أصدر هذا الحكم في زمن كان العالم كله قد أشرب في قلبه الخمر، فأتباع بولس يرون شرب الماء بدونها حطا من شأنهم، وأهل إيران يعتبرون كأسها كأسا ملكية، وأهل الهند لا يجدون بدا من استعمالها للتقرب إلى الآلهة، وكانت معظم الطقوس الدينية والدنيوية لا تكتمل بدونها، وكان كلام الشعراء العرب لا يخلو من وصفها، لقد ظل العالم طيلة ثلاثة عشر قرنا يواجه هذا الحكم الذي جاء به الإسلام حتى كشفت الحرب العالمية الأولى (من سنة ١٩١٤ م إلى سنة ١٩١٨ م) عن حقيقته.
فجورج الخامس ملك بريطانيا هو أول من كان قدوة لقومه في الإقلاع عن شرب الخمر واتبعته روسيا وإنكلترا وفرنسا في ذلك إلى حد ما. وعقدت أمريكا العزم على عدم صنع الخمر، والواقع أن تركها رحمة.
إن رحمة للعالمين هو أول شخصية مباركة هدت العالم إلى هذه المسئلة، وهذا الحكم ومثله من الأحكام الواردة في الكتاب والسنة يبلغ عددها المئات.
إذا أمعن القارئ النظر، علم أن جميع المسائل التي ذكرناها في هذا البحث، هي مما ينفع المسلمين وغير المسلمين على السواء، ولا يمكن لأحد أن يتصور قيام حضارة أو استمرار تمدن دون التمسك بها، ولهذا يضطر العالم إلى الاعتراف بأن النبي - ﷺ - كان رحمة للعالمين بحق.
إلا أن عطف النبي - ﷺ - على المسلمين أشد وأكبر، وهم يسعون للاستنارة بهذه الشمس أكثر فأكثر. ولهذا السبب وصفه الله بقوله ﴿بالمؤمنين رؤف رحيم﴾ فقد أضاف إليه صفة الرأفة مع صفة الرحمة.
فهنيئا للذين يستفيضون من رحمة النبي - ﷺ - ورأفته.
[ ٥٦٨ ]