خصائص القرآن
القرآن هو الكتاب المقدس الذي تلاه النبي (ص) بلسانه حرفا حرفا على أنه كلام الله تعالى، ولذا يجب على مؤلف السيرة النبوية أن يقدم المباحث اللازمة عن القرآن مع السيرة النبوية.
وقد سبق أن قدمنا عدة صفحات حول هذا المبحث في الجزء الأول من هذا الكتاب.
وهنا نقدم للقراء عدة مباحث أخرى مفصلة.
بلغ عدد أسماء القرآن الكريم أيضا ٩٩ اسما مثل الأسماء الحسنى، ولكن أخص أسمائه هو «كلام الله» وأشهرها «القرآن».
قال الإمام ابن القيم في كتابه (١) «المشوق إلى علوم القرآن»:
«أما القرآن فاشتقاقه فيه قولان، أحدهما: التتبع والجمع من قولهم: قرأت الماء في الحوض، إذا تتبعته وجمعته فيه، فهو جامع لما في كتب الأولين المنزلة على سائر النبيين. والثاني: أنه مشتق من الإظهار والبيان، لأنه أظهر سائر العلوم المحتاج إليها في أمر الدين والدنيا وجمع بينهما».
وفيما يلي نقدم بعض المباحث تحت عناوين شتى:
_________________
(١) المشوق إلى علوم القرآن (الفوائد) ص ٢٤٤.
[ ٨١٥ ]
الفصل الأول
ضرورة القرآن
من أراد معرفة ضرورة القرآن الكريم عليه أن يتدبر تاريخ ذلك العصر وأحوال العالم.
كان مجوس إيران غارقين في بحر الشرك، حتى أنهم تعدوا حدود الإنسانية وأباحوا للإنسان أمه وبنته وأخته.
وابتلى نصارى كنيسة روما بالوثنية الصريحة، وسفكوا دماء مئات الألوف من البشر فسالت أنهارا في سبيل نشر عقيدة الشرك.
وكانت الصين غارقة في عبادة القبور والعفاريت والغيلان، ثم ادعى أهلها بأنهم من أبناء السماء ووقعوا في براثن الفجور والفسق وجعلوا الخمر أحسن أفعال الإنسان وأقاموا تماثيل لعورات الإنسان واعتبروا وأد البنات والميسر علامة الكرامة الإنسانية. وكان العرب قد سبقوا أهل البلاد الأخرى في بعض القبائح المذكورة.
وهكذا كان الظلام مخيما على جميع المعمورة، وكانت الكتب المنزلة إلى الوقت غير كافية للقضاء على الزيغ والضلال، وكيف نتوقع لها تأثيرا في القضاء على فساد العالم كله إذا كانت الأمة التي نزلت عليها هذه الكتب قد خرجت على تعاليمها. وهكذا كانت هناك حاجة إلى كتاب مهيمن يستطيع إصلاح العالم كله، ويسع في طياته جميع الكتب السابقة، ويغني بمجموعه العالم كله عن الأوراق الأخرى المبعثرة.
فكما ينزل غيث الرحمة ينزل بعد الحر الشديد، وتطلع الشمس المنيرة بعد ظلام الليل الحالك، فكذا أظهرت الظلمة السائدة على العالم كله ضرورة القرآن الكريم والنور المبين، وأشعرت بها قلوب العالمين.
ولذا أنزلت الرحمة الربانية التي خلقت الإنسان من عدم وجعلت من النطفة إنسانا كاملا، هذا النور وهذه الهداية لسد حاجتنا الروحية.
ومن سوء الحظ وجدت في الهند طائفة تعتقد أن الله هو أرحم الراحمين، ولكنها
[ ٨١٦ ]
تنكر ضرورة نزول كلام الله إلى الدنيا، إن هؤلاء العمي يعترفون بأن نور السماوات والأرض منح العيون الرؤية فخلق لها ألوانا كثيرة، وخلق الأسماع فخلق لها أصواتا متنوعة، وخلق الأرجل فجعل لها الأرض تمشي عليها، وخلق الفم واللسان فجعل لهما ألوانا من اللذائذ والرغائب.
والحاصل أنه خلق عالما مستقلا لجميع الحواس الظاهرة والقوى الباطنة في جسم الإنسان.
ولكنها مع الاعتراف بذلك كله تنكر وجود عالم مستقل للروح الإنسانية التي تعتبر مخزنا للفطرة الإنسانية وحاكمة في دنياها. ولو أنها أنكرت الروح لما تأسفنا عليها هذا التأسف، ولكن الاعتراف بالروح وإنكار العالم الخاص بها من قبل الرحمة الإلهية، لا يدل إلا على الجهل بأسرار الفطرة.
هذا، ونضع لإثبات ضرورة القرآن الكريم تاريخ العالم أمام أهله، وكذلك كل ما تحقق لدين من أديان العالم من رقي ونهضة بعد نزول القرآن الكريم وانتشاره بين الناس، وكذلك الإصلاح الذي تحقق للأمم غير المسلمة في عهد الرسالة المحمدية التي صار لها الآن نحو ١٣٥٢ سنة (١)، بعد الاستفادة من القرآن، وبعد الاطلاع على هذه النهضة والإصلاح نرجو أن يعترف كل مؤلف بالضرورة بأن العالم كان في أمس الحاجة إلى نزول القرآن الكريم.
_________________
(١) سنة تأليف هذا الكتاب.
[ ٨١٧ ]
فصاحة القرآن وبلاغته
من أراد معرفة فصاحة القرآن وبلاغته فعليه أن يتذكر أن معرفة اللغة معرفة تامة شرط أساسي لذلك، ثم المهارة التامة في علم المعاني والبيان والبديع بالإضافة إلى الفهم السليم والطبع المستقيم، ولو توفرت هذه الصفات وهذه الوسائل لأحد فسوف يعلن أن فصاحة القرآن الكريم وبلاغته فوق الطاقة البشرية.
الف - كان جهلاء العرب محبي اللغة وكانوا مولعين بحسن البيان، ولذلك تمكنوا من إنشاء الأساليب الغريبة والقصائد العجيبة والرجز الفاجر والسجع الموجز والخطب البليغة، ومجرد وجود هذه الصلاحية جعل كبار اللغويين والخطباء والشعراء يعترفون ويقرون بأن القرآن ليس كلام البشر.
تأملوا هل وقع في بلد من بلاد العالم أن ادعى أحد ادعاء (لا مثيل له في العالم كما فعل خاتم النبيين ورسول كافة الناس ورحمة للعالمين ومطاع العالم (ص» وقدم في إثبات دعواه كتابا جعله معيارا لصدقه وكذبه، وقرع أسماع المنكرين بنسبتهم إلى الضلال والعماية وساق لهم وعيد الخلود في النار والخزي في الدنيا والآخرة؟
وفي مثل هذه الحالة آثر أهل بلاده الذين يتكلمون بلغته السكوت وأبدوا الدهشة والتحير!
إننا نؤمن بأن التاريخ يعجز عن الإتيان بنظير ذلك.
إن صاحب القرآن، فداه أبي وأمي، قد حدد المعارضين في ستة أقسام، وأعجز أصحاب هذه الأقسام جميعا، مقيما برهانا جليا مثل الشمس على صدقه.
فالقرآن الكريم مع كونه بلسان عربي مبين قد فاق كتب العالم فصاحة وبلاغة.
ب - والآن ينبغي أن نلاحظ أن فردوسي وهومر وسعدي وشكسبير ووالميك وملتن وجوته وبيكن والنابغة وسسرو وامرؤ القيس وخسرو وغيرهم قد حازوا ثناء حارا من أمم
شتى بلغات مختلفة، لقد كان حماسهم لتلك الكتب التي تضمنت أساسا الصور الخيالية والحكايات الأسطورية التي استخدم فيها مؤلفوها بحرية كاملة التشبيهات والاستعارات من كل نوع ولم يلتزموا بترك الغلو أو حتى التمسك بالصدق.
[ ٨١٨ ]
ولو كلف هؤلاء الأدباء بكتابة قواعد وأصول قانونية أو كتابة سطور في بيان حقائق الإلهيات وأسرار الطبيعة والكون، لأدرك العالم مدى ركاكة أسلوبهم وسماجته وتفكك العبارات وابتذال الألفاظ في كتاباتهم.
ولكن إعجاز القرآن الكريم أنه يسوق الآيات حول أحكام الشريعة والمواعظ والأمثال والأخبار والإنذار وقصص الماضي وأحوال المستقبل، ومع ذلك يظل الكلام على مستوى درجة الصدق والروحانية، ولا يبتعد عن أساس الفصاحة والبلاغة.
ج - ولابد أن نتذكر أن هناك اختلافا في مجالات الأدب وميادين البيان بين أدباء العالم المعترف بهم وذلك فيما يتعلق بتقييم الفصاحة والبلاغة فنصائح سعدي تشق سبيلها إلى أعماق القلب، ولكنه لا يستطيع أن يفرش بساط المتعة ويفتح أبواب الوصال، وقارئ ملحمة فردوسي يتخيل أنه يشاهد رواية، إلا أن قلم الفردوسي السيال يتعرج في طريق المواعظ والأخلاق، وهكذا حال شعراء وأدباء العرب: امرئ القيس وعنترة وأبي نواس وأبي العتاهية، ونفس هذا التفاوت يوجد لدى أدباء ألمانيا وفرنسا وإيطاليا وانجلترا من الشعراء والروائيين والمحررين واللغويين والمدرسين والمحاضرين.
إن «رينالد» لا يمكن أن يحل أبدا محل «غبن» وإن «كار لايل» لن يتحول إلى شكسبير، ولن يكون لكل من هربرت سبنسر ونارث بروك أسلوبا واحدا أو لغة متشابهة.
اقرأوا القرآن الكريم، إنه يستخدم الأدلة الساطعة والبراهين الواضحة عن الموجودات والماهيات والكيفيات، ويلقي ضوءا على رقي الأمم السابقة وانحطاطها وأسبابهما، ويتكلم عن المذاهب والأديان وعقائد الإنسان ومسلماته، ويكشف أسرار الروح والمادة والأعمال.
ويضع قوانين ومبادئ التدبير المنزلي وسياسة المدن وحقوق الأفراد وواجبات الأمم، وتطلب ذلك أقسام البيان المختلفة وأساليب الكلام المتنوعة، ولكن القرآن الكريم يحافظ في كل ذلك على جزالة الكلام وحسن المعاني وبهاء الألفاظ، كما كان شأنه في تقرير التوحيد ورد الشرك وإبطال الباطل وإحقاق الحق. ومواقع الكلام هذه لا يدركها إلا من أفنى عمره الطويل في التطلع إلى الفهم والتوصل إلى التذوق.
د - إن للفصاحة والبلاغة علاقة بجزالة الألفاظ ورشاقة المعاني، ونسوق هنا آيات
[ ٨١٩ ]
حتى يتدبرها القراء ويدركوا مدى إحاطتها لشئون تهذيب الأخلاق والنفس وتدبير المنازل وتحصين الأمم وسياسة المدن، وبهذا العدد من الآيات يتيسر قياس ٦٦٦٦ آية من القرآن وما فيها من العلوم والمعارف.
ولا يحسبن أحد بذكر هذه الآيات أنها هي التي تصلح أن تكون نموذجا بين آيات القرآن، كلا ثم كلا. إننا الآن مثل قاطف الأزهار الذي ذهب أيام الربيع إلى الحديقة ثم رجع منها حاملا معه عدة أزهار. فهل يستطيع أحد أن يدعي أنه لم يبق هناك زهرة بعد ذلك؟ أو أن الذي بقى ليس مثل المقطوف من ناحية اللون والرائحة واللطافة والرقة؟ لاشك أن الإجابة على السؤال بالسلب:
١ - أصول العبادة:
﴿وما لي لا أعبد الذي فطرني وإليه ترجعون﴾ (يس: ٢٢).
٢ - شرف الإنسانية:
﴿ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا﴾ (الإسراء: ٧٠).
٣ - أوامر يجب فعلها:
﴿إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإتاء ذي القربى﴾ (النحل: ٩٠).
٤ - نواه يجب اجتنابها:
﴿وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي﴾ (النحل: ٩٠).
٥ - المحرمات:
﴿قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن
تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون؟ (الأعراف: ٣٣).
٦ - التعاون:
﴿تعاونوا على البر والتقوى﴾ (المائدة: ٢).
٧ - عدم التعاون:
﴿ولا تعاونوا على الإثم والعدوان﴾ (المائدة: ٢).
٨ - مسئولية الجوارح الإنسائية عن أعمالها:
﴿إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا﴾ (الإسراء: ٣٦).
[ ٨٢٠ ]
٩ - وزن الأعمال:
﴿فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يراه (*) ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره﴾ (الزلزلة: ٧، ٨).
١٠ - العدل والرحم:
﴿وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله﴾ (الشورى: ٤٠).
١١ - العدل والرحم والعفو:
﴿ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل (*) إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق أولئك لهم عذاب أليم (*) ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم
الأمور﴾ (الشورى: ٤١ - ٤٣).
١٢ - العفو العام:
﴿وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم﴾ (النور: ٢٢).
١٣ - تحويل العدو إلى الصديق:
﴿ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم﴾ (فصلت: ٣٤).
١٤ - حرية الدين:
﴿لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي﴾ (البقرة: ٢٥٦).
١٥ - قول بلا عمل:
﴿كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون﴾ (الصف: ٣).
١٦ - مسئولية الأعمال:
﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾ (الأنعام: ١٦٤).
١٧ - مجاهرة السوء:
﴿لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم﴾ (النساء: ١٤٨).
١٨ - تعليم الحلم والتواضع:
﴿وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما﴾
(الفرقان: ٦٣).
١٩ - عادات غير مرضية:
﴿إن الله لا يحب كل مختال فخور﴾ (لقمان: ١٨).
[ ٨٢١ ]
٢٠ - التنفير من الغيبة:
﴿ولا يغتب بعضكم بعضا أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا﴾ (الحجرات: ١٢).
٢١ - ضرورة النفع وفضله:
﴿لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون﴾ (آل عمران: ٩٢).
٢٢ - تعليم الأخوة العامة: ﴿إنما المؤمنون إخوة﴾ (الحجرات: ١٠).
٢٣ - مساواة في حقوق الرجل والمرأة: ﴿ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف﴾ (البقرة: ٢٢٨).
٢٤ - اتحاد الزوجين:
﴿هن لباس لكم وأنتم لباس لهن﴾ (البقرة: ١٨٧).
٢٥ - النصح بإمساك الزوجة: ﴿أمك عليك زوجك واتق الله﴾ (الأحزاب: ٣٧).
٢٦ - الأمر بالشكر وفائدته: ﴿لئن شكرتم لأزيدنكم﴾ (إبراهيم: ٧).
٢٧ - ما به الابتلاء:
﴿أنما أموالكم وأولادكم فتنة﴾ (الأنفال: ٢٨).
٢٨ - تعليم التواضع:
﴿وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء﴾ (يوسف: ٥٣).
٢٩ - وسيلة تجنب الحرب:
﴿وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم﴾.
(الأنفال: ٦٠).
٣٠ - جميع المحامد للرب تعالى:
﴿الحمد لله رب العالمين﴾ (الفاتحة: ٢).
٣١ - تعريف الدين الإلهي:
﴿فطرت الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم﴾ (الروم: ٣٠).
[ ٨٢٢ ]
٣٢ - هدف الدين الصحيح:
﴿ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم
تشكرون﴾ (المائدة: ٦).
٣٣ - الرحمة بالمؤمنين:
﴿كتب ربكم على نفسه الرحمة﴾ (الأنعام: ٥٤).
﴿وهو الغفور الودود﴾ (البروج: ١٤).
﴿الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور﴾ (البقرة: ٢٥٧).
٣٤ - قيمة نفس الإنسان:
﴿أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا﴾ (المائدة: ٣٢).
٣٥ - النهي عن الفساد:
﴿فاذكروا آلاء الله ولا تعثوا في الأرض مفسدين﴾ (الأعراف: ٧٤).
٣٦ - أصول المصارف:
﴿والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما﴾ (الفرقان: ٦٧).
٣٧ - الانتفاع بالمال:
﴿وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك﴾ (القصص: ٧٧).
٣٨ - معونة الفقراء والمساكين:
﴿فأت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ذلك خير للذين يريدون وجه الله وأولئك هم المفلحون﴾ (الروم: ٣٨).
٣٩ - عدم الثقة بالحالف: ﴿ولا تطع كل حلاف مهين﴾ (القلم: ١٠).
٤٠ - دعاء الله تعالى:
﴿فادعوا الله مخلصين له الدين﴾ (غافر: ١٤).
٤١ - حمد الخالق ومدح المخلوق: ﴿الحمد لله وسلام على عباده﴾ (النمل: ٥٩).
[ ٨٢٣ ]
كلما تدبرنا هذه الجملة القصيرة وتقسيم الدرجات انكشفت الحقائق، ففيها التوحيد وفيها رد الشرك وفيها بيان الدرجات العليا لعباد الله المصطفين.
٤٢ - التناسب في النظام:
﴿ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت فارجع البصر هل ترى من فطور﴾ (الملك: ٣).
٤٣ - القرآن وبيت العنكبوت:
﴿إن أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون﴾ (العنكبوت: ٤١).
إن الإتيان بالعلم في فاصلة الآية هو للإشارة إلى وجود خطاب لأهل العلم فيما يتعلق ببيت العنكبوت ذلك لأن بيت العنكبوت يتضمن عجائب تستحق اهتمام أهل العلم. يقول الأساتذة الألمان: إن كل خيط في بيت العنكبوت تتضمن أربعة خيوط وكل من هذه الأربعة يكون منسوجا (مفتولا) من ألف خيط فكأن كل خيط يتضمن أربعة آلاف خيط، فليتأمل العلماء كيف أن الله تعالى منح العنكبوت الباني لأوهن البيوت الفهم والفراسة والقدرة على النسج والخياطة!.
٤٤ - القرآن والنحل: ﴿وأوحى ربك إلى النحل﴾ (النحل: ٦٨).
إن خلية النحل تتضمن القاعدة المتينة للنظام القومي، والتقسيم المنفرد لأهل الصنعة للجيش وللشغالين، ومواضع الأسر المنفصلة بعضها عن بعض، وحكومة الملكة الولادة، والمجموعة القائمة على تربية الأولاد، وذخيرة العسل، وطرق الحفاظ عليها، وجميع عصارة الزهور لإفراز العسل، وكون بيوت الخلية متساوية في الحجم، والشكل، جميع هذه الأمور تبرهن على عظمة الوحي الرباني إذا توجه بالاهتمام إلى كل ذي روح.
والقرآن مثل الوحي إذا توجه إلى جسم وروح الإنسان العاقل الفاهم الناطق المدبر رفعه إلى منازل عالية.
٤٥ - القرآن وتمثيل النمل:
﴿قالت نملة يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون﴾ (النمل: ١٨).
فسبحان الله! إن النمل يملك المساكن التي إذا دخلها لم تضره جنود سليمان!
[ ٨٢٤ ]
إن هذه الآية تعلم كل أمة ضعيفة دروس الحفاظ على كيانها أمام الأمم القوية، وأول درس في ذلك الاتحاد والاتفاق، أي إطاعة كل فرد رئيسه في كل أمر.
والدرس الثاني: توفير وسائل الأمن الذاني في كل وقت.
والدرس الثالث: عدم مواجهة القوة العليا.
والدرس الرابع: عدم توجيه اللوم في حالة التضرر إلى من لم ينو إلحاق الضرر.
والدرس الخامس: أن المسلمين إذا صاروا في حالتهم الاجتماعية مثل النمل فعليهم أن يدخلوا في حماية القرآن.
والدرس السادس: أن الإنذار بالخطر القادم واجب الأمير.
والدرس السابع: أن مخلوقا ضعيفا مثل النمل يستحق البقاء إذا أراد ذلك، فليس ضعف أمة دليلا على فنائها.
٤٦ - القرآن والاعتبار بما في الأرض والسماء:
﴿قل انظروا ماذا في السماوات والأرض﴾ (يونس: ١٠١).
وهذه الآية أصل جميع الاكتشافات، فالتفكر والاعتبار في مخلوقات الله والاطلاع على خواصها وماهياتها يوصلان الإنسان إلى مدارج الرقي، ولكن للأسف فرط المسلمون في الإتيان بهذه الأوامر تفريطا بالغا.
٤٧ - القرآن وفوائد البحر:
﴿وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحما طريا وتستخرجوا منه حلية تلبسونها وترى الفلك مواخر فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون﴾ (النحل: ١٤).
تشير الآية الكريمة إلى منافع البحر التالية:
١ - اللحم الطري، فمن اطلع على تجارة البحر وصيد السمك عرف أن أمم العالم تربح ملايين الدولارات بهذه التجارة، ولكن المسلمين الذين خوطبوا بالآية مباشرة جهلوها وحرموها تماما.
٢ - الدر والجواهر، فهما من زينة الإنسان ولباسه، وتجارتهما تدر ملايين الجنيهات. وكانت البحرين تحت سيطرة المسلمين في العهد النبوي وعهد الخلفاء
[ ٨٢٥ ]
الراشدين، ولكننا فقدناها (١).
٣ - الملاحة، إنها شرط أولي لملك العالم، وأنشأ أمير المؤمنين عثمان بن عفان أول أسطول بحري إسلامي، فتم فتح جزائر كريت ومالطه وطرابلس وغيرها.
وفتح موسى بن نصير والقائد طارق بن زياد الأندلس، وفرض خير الدين باربروسا سيطرة تركيا على أوربا بأسرها، ولكن المسلمين استهانوا بالملاحة البحرية فحرموا حكومة العالم.
٤ - التجارة البحرية، وفيها منافع كثيرة.
٥ - وبعد الثروة المذكورة وتوفر القوة الحاكمة تحقق شكر نعمة الله والاجتهاد في نشر الإسلام في الأرجاء النائية. وقد نشر تجار العرب في عهد الخليفة الأموي عبد الملك الإسلام في جنوبي الهند، وأسلم على أيديهم سكان آسام وبورما والبنغال الشرقية، حينما كان المهاجمون من ناحية الشمال الغربي للهند (مثل محمود الغزنوي وغيره) يجهلون الهند تماما.
_________________
(١) في زمن تأليف الكتاب.
[ ٨٢٦ ]
الفصل الثاني
المعاني البديعة والمضامين البارعة
ينظر إلى المضمون عادة من ناحيتين:
الأولى: السعة، والثانية: الجودة.
١ - إن القرآن بذاته صرح عن السعة فقال:
﴿ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين﴾ (الأنعام: ٥٩).
وبناء على هذا التصريح يستطيع عالم مسلم أن يخاطب العالم كله ويقول: هاتوا مسألة تتعلق بتهذيب النفس وتزكية الروح وصفاء القلب وحصول النجاة، سواء كانت مبنية على الفلسفة العليا أو الكشوف القديمة والجديدة أو التجربة، أو أخذت من إلهيات الإشراقين أو إشراقات الإلهيين، نأتي لكم ببيانها مع وضوح بالغ وصحة تامة من القرآن الكريم، يقول تعالى: ﴿ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا﴾ (الفرقان: ٣٣).
٢ - إن أمم العالم التي تؤمن بوجود الباري تعالى، تقول بمسألة التوحيد من الناحية العلمية، فنرى الوثني والقائل بالتثليث أيضا يسعى لإثبات الوحدة في الكثرة.
والآن انظروا إلى هذه المسألة (التي استحسنها العالم كله وحاول كل دين من أديانه إثباتها في كتبه) إنها لم تعرض بطريقة أفضل وأحسن مما عرضت في القرآن الكريم.
فعرض هذه الأديان لمسألة التوحيد هو بالنسبة لعرض القرآن يشبه الماء المكدر بالنسبة للماء الزلال.
ولو شك أحد في هذا فليأت بكتابه المقدس وليفتحه في أي موضع شاء، وليفتح القرآن هكذا وليترجم جزءا جزءا بعد ذلك الموضع، وتقدم الترجمة إلى صاحب دين ثالث، حتى يحكم في الكتابين أيهما أكمل وأوضح في بيان التوحيد وشرحه؟
ثم ليعلم أن قوله تعالى ﴿لا يأتون بمثله﴾ (الإسراء: ٨٨) يعني الأسلوب البديع والألفاظ العالية والترتيب الفريد والطريقة الفريدة وإعجاز الفصاحة والبلاغة وجزالة
[ ٨٢٧ ]
الأسلوب، وأكثر من هذا كله يعني معاني القرآن المقدسة التي تضمنتها الألفاظ تضمن الحلل البديعة للدرر الفريدة.
إن المعاني البديعة التي يحتوي عليها القرآن وتعد من خصائصه، هي البصائر التي تزيل حجب العيون القاصرة وتنور الأبصار، يقول تعالى:
﴿أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت (*) وإلى السماء كيف رفعت (*) وإلى الجبال كيف نصبت (*) وإلى الأرض كيف سطحت﴾ (الغاشية: ١٧ - ٢٠).
أشارت الآية الكريمة هنا إلى الإبل والسماء والأرض والجبال، أفلم تكن هذه الأشياء بمرأى ومشهد من كل بدوي؟ وأنه مع رؤيته إياها لم يهتم بالنظر في خلقها ورفعتها ومكانتها وفسحتها. ولما فتح القرآن الكريم عيونهم أدركوا كيفية هذه المعاني، وتجلت في كل شيء قدرة الخلق للخلاق المطلق، ورفعة رفيع الدرجات ذي العرش، وعزة العزيز الحكيم، وحكمته في خلق السكون والحركة، وتوفر الفوائد المتنوعة في صلابة الأجسام ولينها.
وهكذا صارت بوادي العرب المخيفة وأوديتها المهيبة أوراقا للفهم والعبرة أمام طلاب صحف الفطرة.
نعم، إن القرآن علم بالنظر إلى معانيه ﴿أنزله بعلمه﴾ (النساء: ١٦٦).
وخزينة العقل للسمع والبصر والفؤاد، وهداية للقوى المدركة والحواس الجارحة، إنه حياة القلب ونور الروح وراحة العاشقين وهداية الطالبين، تخدمه العظمة والثروة والتمكن في الأرض والسلطة، وتتبعه راحة القلب وأنس النفس وقرة العين وضياء البصيرة، ويحمل رايته العلم والحقيقة والصدق والهدى، ويرفع حاشيته القرب والانشراح والخير والفلاح. وتمنح خلع النجاة الأخروية والفوز الروحي والرضوان الإلهي من بين طياته.
فليت أصحاب العيون فتحوا له العيون، وأصغى لندائه أصحاب السمع، وأزال أصحاب القلوب الغشاوة عن قلوبهم وفتحوا أقفالها المغلقة، حتى يتجلى لهم نور جمال القرآن وضياؤه وهداه.
[ ٨٢٨ ]
الفصل الثالث
تأثير القرآن
رجل مثل عمر، الذي سمته أوربا «الجنرال عمر» خرج متسلحا من بيته كي يقضي على محمد (ص)، ولكن سيفه يسقط من يده بعد سماع آيات من القرآن الكريم، فخرج من بيت أخته خاشعا منكسرا فحضر مجلس النبي (ص) فأكرم بلقب «الفاروق» (١).
وخرج سعد بن معاذ رئيس المدينة الشهير من بيته متسلحا كي يطرد مصعب بن عمير أول دعاة الإسلام من المدينة، وبمجرد أن سمع عدة آيات من القرآن أسلم على يدي مصعب (٢).
وكان ثمامة بن أثال مفرطا في بغض النبي (ص) ومدينته، ولكنه وجد فرصة للاستماع إلى القرآن الكريم يومين فقط، فوصل صوت الرشد والهدى من السمع إلى أعماق القلب، حتى إنه لما تم الإفراج عنه دون قيد أو شرط حضر إلى النبي (ص) بنفسه فأسلم وقدم قلبه وروحه هدية متواضعة إلى رسول الله (ص).
وسمع خالد بن عقبة القرآن الكريم فاندهش أولا، ثم أفاق فقال: والله إن له لحلاوة، وإن عليه لطراوة، وإن أسفله لمغدق، وإن أعلاه لمثمر، وما يقول هذا بشر (٣).
.
وكان الوليد بن المغيرة شيخا كبيرا من قريش، وكان يكره الإسلام كراهية شديدة، ولكنه اعترف بأن القرآن تضمن حلاوة بديعة ليس لها نظير (٤).
وكان ذو البجادين راعيا من الرعاة، وكان يسمع آيات القرآن من المارين المسلمين،
_________________
(١) ابن هشام ١/ ٣٦٧.
(٢) ابن هشام ١/ ٤٣٥
(٣) الاستيعاب ٢/ ٤٣٣، والإصابة ١/ ٤١٠.
(٤) ابن هشام ١/ ٢٨٨.
[ ٨٢٩ ]
وفي يوم من الأيام ترك الأهل والبيت والمال والمتاع والأم والعم وحضر إلى النبي (ص) فأسلم (١).
ولمعرفة تأثير القرآن يحسن الاطلاع على أحوال الذين تمكنوا من فهمه فقد كانوا قبلا يقدمون على القتل إزاء درهم، ولكنهم فيما بعد استهانوا بالأهل والمال في سبيل الدين الحق.
إن الذين عبدوا طوال حياتهم نحو ٣٦٠ صنما، تحولوا بأنفسهم دعاة إلى التوحيد.
والذين تعودوا على أكل أموال اليتامى وخداع الأرامل هم الذين لقنوا الناس درس إعانة اليتامى ومواساة الأيامى.
إن القبائل الأبية التي لم تخضع قط لشخص أو قانون انقادت لشرائع الله تعالى، حتى أن أفرادها قدموا أنفسهم لتنفيذ الحدود الشرعية في قضايا القصاص والزنا والسرقة وشرب الخمر فهل توجد نظائر ذلك في بلد متمدن، وهل يوجد احترام للقانون لدى المجرمين في مكان مثل هذا؟
إن قراءة القرآن الكريم وتلاوة آياته قد أثرت في الناس حتى كسدت سوق الفصحاء المبرزين، وجمد نشاط سوق عكاظ، فرجع الناس إلى القرآن لتنشيط طبائعهم وللحصول على اليمن والبركة، والحاصل أن تأثير القرآن المجيد في قلب الإنسان ولسانه وطبعه وفكره وحواسه وقواه قوى جدا، سواء كان ذلك للفرد أو الأمة وللقرية أو المدينة.
_________________
(١) الإصابة ٣٣٨/ ٢.
[ ٨٣٠ ]
الفصل الرابع
نموذج التعليم
من أراد أن يعرف نموذج تعليم القرآن وتأثيره في النفوس البشرية عليه أن ينظر إلى أحوال الصحابة والتابعين وأئمة الدين وأن يطلع على مدى صبرهم على المصائب وتحملهم للنوائب وشكرهم على النعم، وأن يعرف تواضع المسلمين وخشيتهم لله ومواساتهم للناس وإخاءهم فيما بينهم ونفعهم لغيرهم وتعففهم وتساميهم وإكرامهم للضيوف، وأن يحيط علما بأصول الهدف والغاية عند المسلمين وأصول مدنيتهم وأصول حكومتهم. إن جميع هذه النماذج من إعداد القرآن وتوجيهه.
قال القبطان (ايزال تيلر) في خطابه الذي ألقاه أمام المؤتمر الألماني للكنيسة في دولور همتين يوم ١٢ مايو ١٨٨٧ م بصراحة:
«إن المناطق الهمجية التي أظلها الإسلام في أفريقيا قد انعدم منها إلى الأبد الزنا والميسر ووأد البنات ونقض الوعد والقتل والنهب والخرافات وشرب الخمر وغيرها. ولكن ديانة أخرى غير الإسلام إذا دخلت في جزء آخر من هذه المناطق رسخت الفواحش المذكورة بين أهلها وسكانها» (١).
إن القرآن الكريم بنفسه يصرح عن نموذجيته:
﴿كنتم خير أمة أخرجت للناس﴾ (آل عمران: ١١٠).
اقرأوا أحوال صهيب، كان حدادا ولما منعته قريش من الهجرة إلى المدينة سلم لهم جميع ما ادخره ومضى لسبيله. فمن علمه هذا الإيثار (٢).
فكروا في سيرة أم سلمة، حيل بينها وبين زوجها، وسلب ولدها منها، ولكنها آثرت في سبيل الله سفر ثلاثمائة ميل وهي وحيدة، وانطلقت إلى مدينة الرسول (ص)، فمن أين جاءتها هذه الجرأة والتضحية والعاطفة (٣).
_________________
(١) ملخص من جريدة «سانت جيمس جازيت» لندن، ٨ / اكتوبر ١٨٨٧ م.
(٢) الاستيعاب ٢/ ٧٢٨.
(٣) ابن هشام ٢/ ١١٢.
[ ٨٣١ ]
كان عمر الفاروق يرعى إبل أبيه الخطاب، خائفا من فظاظته وغلظته (١)، ثم صار يحكم أيام خلافته على رقعة بلغت مساحتها نحو ثلاثة ملايين كيلو مربعا، وكانت عدالته في الحكم ومراعاته للشعب وتمسكه بالدين مضرب المثل وموجب الغبطة. تأملوا في كفاءته للحكم وصلاحيته لفتح البلاد، لقد أخضع ثلاث قارات لحكمه، ولم يتيسر له ذلك إلا بالعمل بتعليم القرآن الكريم.
وكان خالد بن الوليد قد هزم في غزوة مؤتة بمساعدة جنوده المتطوعين جنود روما النظاميين خبراء الحرب، وكان عددهم يزيد على جيش المسلمين بخمسين ضعفا. انظروا كيف نشأت فيهم هذه العزيمة والهمة والثبات والشجاعة والتضحية والفداء. لو بحثنا بالفكر الصحيح والرغبة الصادقة لعرفنا أن السبب الحقيقي لهذه الإنجازات هو القرآن الكريم، الذي جاء به الرسول (ص) إلى محبي الإيمان هؤلاء.
قبولية القرآن وتأثيره: من القبولية التداول بين الناس وكثرة الانتشار بينهم. تأملوا، لا يوجد الآن على وجه الأرض كتاب يقرأه ويسمعه يوميا أربعمائة مليون (٢) شخصا خمس مرات، صحيح أن ثروة أوربا زادت كثيرا في عدد الأناجيل المطبوعة، ولكن لا يكفي هذا الأمر وحده في التداول والانتشار، إذ إن معنى التداول استخدام الشيء في الغرض الذي أعد له، وهذه الصفة لا تتحقق إلا في القرآن الكريم وتعني القبولية العظمة والاحترام الذي رسخ في القلوب نحو الكتاب.
كان أصحمة النجاشي نصرانيا، وتلا عليه جعفر بن أبي طالب سورة مريم وكان أصحمة على عرشه، فجعل يبكي ويروي بدموعه رياضه في الجنة (٣)، وكان عمر الفاروق أيام خلافته ذاهبا إلى المجد مرة إذ وقع مريضا فاتكأ إلى جدار وجلس ثم حمل إلى البيت، وعلم بعد السؤال عما أصابه فجأة، أنه سمع قارئا للقرآن يقرأ آية العذاب فتغيرت حالته (٤).
كان لبيد العامري شاعرا مبدعا يضرب المثل بأشعاره، وقد قيل فيها: اكتبوها على الحناجر ولو بالخناجر، وقيل إنه جاء مرة ليقابل عمر، فأكرمه أمير المؤمنين واستنشده
_________________
(١) طبقات ابن سعد ٣/ ٢٦٦.
(٢) ازداد عددهم اليوم فبلغ أكثر من ٩٠٠ مليون.
(٣) ابن هشام ١/ ٣٦٠.
(٤) حلية الأولياء ١/ ٥١.
[ ٨٣٢ ]
الشعر، فقال لبيد: أمير المؤمنين، ما أحببت الشعر منذ أبدلني الله به القرآن، وقد سر عمر بإجابته وزاد في راتبه خمسمائة درهم سنويا (١).
وسمع أبو طلحة الأنصاري قوله تعالى:
(لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون﴾ (آل عمران: ٩٢).
وكانت عنده حديقة يبلغ دخلها خمسين ألف درهم سنويا، فحضر مجلس النبي (ص) وأنفقها في سبيل الله (٢).
ولو جمعنا مثل هذه النظائر لبلغت مئات.
وكانت آية من القرآن تقضي على شدة الغضب والانتقام لدى الملوك العظام مثل محمود وصلاح الدين يوسف وعبد الرحمن الداخل والمنصور العباسي، آية واحدة من القرآن يتلوها أحد من المسلمين فكانت تغير أحوال الجبابرة وتهدئ حدتهم كأن جرة من الماء أسكنت شرارة من نار. وهذه الوقائع هي التي تدل على قبولية القرآن وتوضح مدى سيطرة عظمته وحرمته على القلوب.
خصائص القرآن الكريم
إن الخصائص التي تميز هذا الإمام المبين من الصحف السابقة وتعلي منزلته عليها كثيرة نذكر منها ما يأتي:
١ - سعة تعليم القرآن وعمومه للعالم كله. وهذه الميزة خاصة بالقرآن وحده. ومن يقرأ في التوراة في مئات المواضع عبارة «رب بني إسرائيل» ثم ينظر في القرآن كلمة «رب العالمين» يدرك فضل القرآن على التوراة جيدا.
والقرآن نفسه يصرح عن ميزته هذه فيقول:
﴿إن هو إلا ذكر وقرآن مبين (*) لتنذر من كان حيا﴾ (ص: ٦٩ - ٧٠).
إن لفظ «من» يأتي في العربية لذوي العقول، ولذا يشمل كل فرد من أفراد الإنسان،
_________________
(١) الاستيعاب٣/ ١٣٣٧، والإصابة ٣/ ٣٢٦.
(٢) البخاري رقم ١٤٦١.
[ ٨٣٣ ]
ثم جاء وصفه بقوله «كان حيا». وهكذا يمكن للقارئ أن يقدر عمومية الآية وسعتها.
فكل من دخل في ذوي العقول واتصف بكونه حيا، كفل له القرآن التذكير والتقريب إلى الله وإنذاره من عواقب الأمور، فهل نجد هذه الدعوى لدى كتاب آخر؟ إن المسيح جعل بشارته وإنجيله مثل الخبز، وجعل بني إسرائيل أولاده، والأمم الأخرى كلابا، يقول متى: ليس حسنا أن يؤخذ خبز البنين ويطرح للكلاب (١).
٢ - شمولية تعاليم القرآن الكريم: إني قرأت التوراة والزبور والإنجيل وصحف الأنبياء الآخرين الواردة في الكتاب المقدس، ورأيت بعض تراجم كتاب القيد وعرفت تاريخ ترتيبه وتأليفه، واستخرجت من الكتب المختلفة مبادئ كونفوشيوس مصلح الصين والبوذية التي أسسها بوذا وأصولها، وعرفت أحكام زرادشت وجاماسب، فوجدت أنها جميعها لها شكل واحد ولون واحد.
وتوخيا للسهولة انظروا إلى الكتاب المقدس فقط، تجدوا في التوراة مجرد الأخبار والأحكام، وفي الزبور مجموعة المناجاة وفي الإنجيل الأمثال والمواعظ.
والآن انظروا إلى القرآن الكريم، لقد تضمن المواعظ والأحكام والأخبار والأمثال والإنذار والبشارة، وفيه بيان الصفات الإلهية وإثبات الذات الربانية وطريقة الوصول إلى التقرب والتوحيد والتوكل والتفويض وتفصيل أيام الله وذكر الحياة والمماة ووجود العالم والفطرة البشرية وأسرار القدرة الإلهية ونتائج السطوة الربانية وبدائع النصرة الإلهية بأسلوب فريد يعمل على تطهير النفس البشرية من الرذائل وإنقاذها من آثار الحياة المادية، وخضوع الإنسان للخالق، وتحصيل نور اليقين، والتجرد من العلائق الدنيوية، والتشبه بالصفات الملكية. وهو أسلوب يعلو ولا يعلى عليه.
٣ - يختص القرآن الكريم بين الكتب السماوية بأن نهري العلوم الأخروية والعلوم العقلية يزخران فيه جنبا إلى جنب، ومع أن معانيه العالية وردت بأسلوب بديع إلا أن الأدنى والأعلى معا يستطيعان التمتع بها.
لقد كانت آية واحدة من القرآن هي التي حيرت الفيلسوف اليهودي إسحاق بن حنين، وهي نفسها التي ملأت جيب قلب الوحشي الافريقي بالدر المطلوب، والآية التي
_________________
(١) إنجيل متى ٢٦/ ١.
[ ٨٣٤ ]
أعجز تفسيرها الرازي والغزالي، اهتدى بها بدوي تهامة إلى حل مشكلاته.
فالحق أن القرآن الكريم بحر عميق بداخله الدر والنفع وأمواجه تقذف بزبد الشبهات والشكوك إلى الساحل وتأسر ألفاظه الألسنة وتمتلك معانيه القلوب، فهل سمعتم عن كتاب نثر غيره يحفظه الإنسان من أوله إلى آخره، ولا يسأم من إعادة تلاوته ولا تتقضي أسراره ولطائفه؟!
٤ - ومن خصائص القرآن الكريم أنه هداية الدين والدنيا لأهل الشرق والغرب، وهو أيضا تشريع مدني لأهل الشمال والجنوب. وليس تعليمه خاص بأمة أو بلد أو لسان، كما أن توجيهاته لا تتعارض مع الفطرة البشرية الصحيحة، إنه لا يجعل الجنة اقطاعا لجنس واحد مثل اليهودية، ولا يجعل العالم كله مفتقرا إلى أسرة واحدة للتقرب إلى الله، ولا يعلم الإنسان أحكاما فوق جبلته مثل النصرانية، ولا يجعل نفسه مجموعة لأحكام غير صالحة للعمل ولا يخرج الأغنياء عن ملكوت السماء.
ولا يعيب على عباد الله التزوج والتأهل.
فهل يوجد كتاب غيره نجح في حكم أخصب المناطق على وجه الأرض حكما شرعيا، وأفاد جميع بني آدم بفوائده بعد القضاء على فروق اللون والوطن والنسل واللغة؟
٥ - ومن خصائص القرآن أنه يثتي على جميع الأديان المقدسة الطاهرة ويمدح دعاتها وهداتها وتوجيهاتهم.
إنه لا يريد تكذيب صدق أبدا، ومن محاسنه حب السلام والأمن والعدالة والصدق.
وسمى القرآن نفسه ﴿مصدقا لما بين يديه﴾ (البقرة: ٩٧) وجعل تصديق الصادقين هدفه الأول.
٦ - ومن خصائص القرآن أنه «قول فصل»، يصدر قراره الحاسم في جميع القضايا المعقدة التي عجزت عن حلها الكتب السماوية. ومن هذه القضايا والأمور: قضية معرفة الذات والصفات، وقضية الوجود والشهود، ومسألة بقاء الروح وارتقائها، ماهية النجاة وكيفية الرضوان، والفرق بين الخالق والمخلوق، والرازق والمرزوق، ومسألة
[ ٨٣٥ ]
الشفاعة والأعمال، ومسألة العقاب والجزاء، ومدارج الصبر والشكر، ومنازل التوكل والتفويض، وماهية العبادة والاستعانة، وروحانية الأنس والمحبة، وحقيقة النصرة الإلهية والمعية الربانية، ومسألة المعصية وحقيقة التوبة، ومراتب الدعاء وقبوله، وقضية الرهبانية والتأهل، ومسألة الطلاق والوراثة، وحقوق الأولاد والجيران، وحقوق الوالدين والزوجين، وحقوق الجسد وحقوق الإنسانية، وحقوق العمران، وعلم الفرائض، وأحكام الشفعة، وحقوق الأمة، والحكم الفردي والشورى والإمارة، وماهية الفساد وفيوض الأمن، والتمكن في الأرض والتمكن في الدين، وحدود العدل، وسعة الرحم، وقضية الراعي والرعية، وأصول الاستبداد والأثرة وغيرها.
والأحكام التي أصدرها الإسلام في هذه القضايا وأمثالها، تعرف قيمتها ومنزلتها حين تسمع حجج المتخاصمين قبل القضاء.
الله أكبر، إنه أعاد إلى نقطة الاعتدال كثيرا من قضايا الإفراط والتفريط، وهدى إلى الصراط المستقيم من ضل وبين الطرق الملتوية المعوجة، فلاشك أنه فعل القادر المطلق الحكيم، الذي أحاط علمه بالماضي والحال والمستقبل، وعلم فطرة الإنسان علما كاملا، وقدر على تربيته قدرة تامة.
٧ - ومن خصائص هذا الكتاب الذي لا ريب فيه أن مقدمه شخص واحد رسول الله (ص).
انظروا إلى كتاب القيد، يكتب مع كل آية ثلاثة أسماء. والتحقيق الحالي للآريين أن اسما واحدا منهما للمصلح الذي أعطى هذه الآية. وبتعبير إسلامي هو الشخص الذي نزل عليه الكلام، فلو عددنا هذه الأسماء لبلغت مئات، وثبت بذلك أن كتاب القيد قام بتقديمه مئات ض المصلحين، وتتفاوت أزمنتهم تفاوتا يصل إلى مئات السنين أيضا.
وانظروا إلى كتاب «العهد القديم» إنه مجموعة إلهامات أو مؤلفات (موسى) و(يسوع) و(القضاة) و(صموئيل) و(الملوك) و(مؤلف التواريخ) و(عزرا) و(يحمياه) و(مصنف كتاب ردت) و(مؤلف كتاب آستر) و(أيوب) و(داود صاحب الزبور) و(سليمان صاحب الأمثال) و(غزل الغزلات) و(الواعظ) و(اشعياء) و(ارمياه)
و(حرقي ايل) و(داني ايل) و(هو سيع) و(يوايل) و(عاموس) و(عبدياه) و(يونا) و(ميخة) و(نحوم) و(حبقوق) و(ضفياه) و(حجي) و(زكريا) و(ملاخي).
[ ٨٣٦ ]
وهكذا العهد الجديد من عمل تلاميذ المسيح: (متى) و(مرقس) و(لوقا)
و(يوحنا) و(بولس) و(يعقوب) و(بطرس).
ولكن معلم القرآن الأول ومبلغه واحد (ص)، به بدأت هذه الصحيفة، وبه اختتمت، ومع ذلك اتصف بالكمال في معانيه ودعوته وتفرده في الدعوة إلى الله وفي الرشد والهداية، ولم يكن بحاجة في إتمام موضوعه ومفهومه إلى كتاب آخر، مع أن (رك فيد) يحتاج إلى (يجرفيد) و(سام فيد)، ويحتاج (أتهرفيد) إلى الثلاثة.
ولا يكتمل العهد الجديد دون العهد القديم، وتبقى مطالب الأناجيل الأربعة ناقصة دون كتاب الأعمال، وأعمال الرسل ضرورية ضرورة الأناجيل. وبذلك يتضح سمو القرآن الكريم وشموله وكماله، وإن أردنا القياس الدقيق فلابد من الاطلاع على معانيه ومطالبه اطلاعا كاملا.
٨ - ومن خصائص القرآن الكريم أن أسلوبه نقي نزيه لم ترد فيه كلمة فحش أو عبارة تنافي الحياء.
اقرءوا كتاب حرقي ايل الذي قص فيه الرب على العباد قصة زوجتيه أهولة وأهوليبة. ويرى أفاضل النصارى أن هذه القصة وضعت للتمثيل ليس إلا، ولكن هل يترك هذا التمثيل زوجا على حسن ظن في زوجته؟ هل تتمنى الأسرة البشرية نموذجا أعلى من هذين الزوجين النورانيين؟
نعم انظروا إلى بذاءة الألفاظ:
١ - في نشيد الأنشاد يبدي شاب حبه نحو فتاة، وكذلك الفتاة تبدي عواطفها الغرامية نحو الشاب.
٢ - ومن حسن تصرف النصارى أنهم جعلوا الفتاة أوروشليم وجعلوا الفتى المسيح، مع أن كلمة من كلماتها لا تشير إلى ذلك، بل الرجل يخاطب حبيبته بالأخت العروس (١).
هل يرضي أهل هذا العصر بهذا الأسلوب، وهل كان اليهود في الماضي يتخاطبون فيما بينهم بهذه الطريقة؟
_________________
(١) نشيد الأنشاد ٤/ ٩، ١٠.
[ ٨٣٧ ]
٣ - في جميع كتب العهد القديم جعل فجور اليهود فجور أروشليم، ثم افترض أنها امرأة واستعملت كلمات نابية فاضحة لا تصلح أن تقرأ في الكنيسة أمام السادة والسيدات.
٤ - اقرءوا الدرس العشرين من الأصحاح (٢٣) لكتاب حزقي ايل، لن أقول أو أذكر الأخت أو الأم أو الابنة بل أسأل هل يمكن لامرأة شريفة أن تقرأها أمام زوجها وهل يمكن لرجل شريف أن يقرأها أمام زوجته. وهل يمكن أن يخبرها بمقصود هذه الألفاظ؟ وهل يدرس أستاذ تلميذته مع التزام الحياء ويشرح الأجزاء التالية في يجرفيد:
باب ١٩ درس (منتر) ٧٧
وباب ١٩ درس ٨٨
وباب ٢٠ درس ٩
وباب ٢٥ درس ٧
أما القرآن الكريم فإنه يستعمل الألفاظ بلطف لم يعهد له نظير، فيعبر عن فراغ الإنسان من الحاجة بقوله: ﴿أو جاء أحد منكم من الغائط﴾ (النساء: ٤٣). والغائط هو الأرض المنخفضة التي يتستر فيها الإنسان لقضاء الحاجة.
وهكذا بلغ القرآن غاية السمو والرفعة في هذا الباب.
[ ٨٣٨ ]
الفصل الخامس
منزل القرآن الكريم
هناك مثل معروف يقول: كلام الملوك ملوك الكلام. والقرآن الكريم هو كلام الملك الحقيقي مالك الملكوت الذي خلق الكلام وعلم قطعة اللحم النطق، وعلم العظم السمع، وعلم الأعصاب إدراك الكلام، والذي نشأ بأمره وإرادته اختلاف الألسنة وتباين اللغات في أولاد أب واحد وأم واحدة.
إن بعض الكتاب النصارى الذين يخفون التعصب تحت ستار البحث يعترفون بكثير من محاسن القرآن الكريم، ولكنهم بعد ذلك يدعون أنه كلام محمدي.
ونسأل مثل هؤلاء الناس:
١ - أليس اتصاف الإنسان بكونه مؤلفا لكتاب مثل القرآن هو الشرف الأعلى، فلماذا حرم النبي (ص) نفسه شرف كونه مؤلفا لمثل هذا الكتاب الأسمى؟
٢ - أيتلطخ مؤلف كتاب مثل القرآن برذيلة مثل الكذب؟
وهل الكتاب الذي علم ألوفا من الناس الصدق، وغير أحوال العرب في سنوات قلائل، وأثبت في القلوب عقيدة وجود الله الحي القيوم أحيا مئات الألوف من الناس، يخرج من قلب ولسان رجل لا يكون بنفسه صادقا؟
فكروا في النقطتين، إن موقف مؤلفي العالم كله يؤيد ما قلنا، وتصدق فلسفة الفطرة الإنسانية هذه الحقيقة.
والآن نتوجه إلى إنجيل النصارى، فمنه يتضح أن خبر إرسال كلام الله إلى الدنيا كان قد جاء قبل آلاف السنين.
١ - جاء موسى إلى قومه بألواح الوصايا العشر فشك فيها القوم.
٢ - طلب القوم أن يكلم رب إسرائيل موسى بحضرتهم.
٣ - ذهب موسى بمن اختارهم من قومه إلى الطور، فغشيهم الظلام هناك، وظلل الغمام وهبت الريح بسرعة وشدة ولمع البرق واشتد الرعد وزلزلت الأرض واضطربت الجبال.
[ ٨٣٩ ]
٤ - ولما رأى بنو إسرائيل هذه الحالة صرخوا قائلين لموسى:
«تكلم أنت معنا فنسمع، ولا يتكلم معنا الله لئلا نموت» (١).
٥ - ثم طلب بنو إسرائيل أن يضع الرب كلامه في فم موسى وهو يسمعهم إياه.
٦ - وأجاب الله طلبهم هذا، وأخبرهم بأن كلامه يوضع في فم نبي آخر يكون من إخوان بني إسرائيل، وهو يقول للناس ما يسمعه من الله، ومن لا يسمع كلامي الذي يقوله ذلك النبي باسمي يحاسبه الله (٢).
وليلاحظ اليهود والنصارى تلك الوقائع الآن ثم يخبرونا:
من هو النبي الذي وضع في فمه كلام الله سوى سيدنا محمد (ص)، ومن هو النبي (ص) لذي أخبر بأن كلام الله في فمه؟
ونحن نقول لهم جميعا: إنهم لن يستطيعوا الدلالة على النبي الذي صرح بلسانه بأن كلام الله في فمه، فضلا عن إسماع كلام الله.
وهذه هي حجة رب العالمين على كاتمي الحق من أهل الكتاب وعليه تقوم محكمة الله يوم الدين.
وقبل الإجابة يجب أن يتذكروا عبارة أشعياء (انظروا أعطى الأمي كتابا) وعلى اليهود والنصارى أن يدلوا على الأمي صاحب الكتاب.
أيها اليهود أيها النصارى: ذلك الأمي هو محمد رسول الله (ص) الذي كان يلقب دائما بالنبي الأمي، ولم يلقب نبي غيره بالنبي الأمي ولا عرف بهذا اللقب.
_________________
(١) سفر الخروج ١٠/ ١٩ وسفر التثنية ١٦/ ١٦.
(٢) سفر التثنية ١٨/ ١٨، ١٩، ٢٠.
[ ٨٤٠ ]
الفصل السادس
تنبؤ القرآن ذي الذكر
هل يستطيع من يجعل القرآن من تأليف محمد (ص)، ولا يؤمن بنبوته، تعليل إخبار القرآن عن المغيبات القادمة، وإعلانه عن الزمن المستقبل؟
وإتماما للحجة على المنكرين وشرحا لصدور المؤمنين نذكر تلك التنبؤات الثابتة بالقرآن الكريم. والزمن الطويل الممتد عبر القرون الأربعة عشر يشهد بصدق تلك التنبؤات بدقة منذ نزول القرآن إلى اليوم أمام العالم كله.
سبعة تنبؤات عن القرآن الكريم
التنبؤ الأول: عدم الإتيان بمثل القرآن. قال تعالى:
﴿قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا﴾ (الإسراء: ٨٨).
إن عظمة ألفاظ الدعوى وقوتها بادية بالتأمل في الآية السابقة.
عصر النبوة: على الذين يزعمون أن القرآن كلام محمد (ص) أن يتأملوا كيف أخزى التحدي المذكور زهيرا والنابغة وامرئ القيس وعنترة؟
إنهم كانوا يستكتبون كلامهم بماء الذهب على جلد الظبي ويعلقونه على جدران الكعبة أيام الحج، فكيف لم يقبلوا هذا التحدي؟
كان أبو لهب وأبو جهل وكعب بن أشرف وسلام بن مشكم من القرشيين واليهود قد ضحوا بالمال والنفس والولد في سبيل القضاء على الإسلام، فلماذا لم يلتفتوا إلى أمر يسير ووسيلة سهلة؟
ما أعجب الأمر! رجل تربى وترعع فيهم وتكلم بلغتهم، ثم استخدم كلمات مستنفرة لهممهم وموقظة لحماسهم في دينهم وعاداتهم وتقاليدهم وآلهتهم، وقدم لتأييد
[ ٨٤١ ]
دعواه دليلا بكلام جرى على لسانه. وفي مثل هذه الحالة لم يستطع أحد أن يتكلم بمثل كلامه وأن يبطل تحديه بإتيان كلام مثل كلامه!.
العصر الحاضر: وإذا ما صرفنا النظر عن ذلك الزمن ونظرنا إلى عصرنا وجدنا مئات الألوف من اليهود والنصارى في سوريا وبيروت ودمشق ومصر وفلسطين، لغتهم الأم العربية، ويقدرون على إنشاء النثر العربي، ويصدرون الجرائد والمجلات، فلماذا لا يقفون أمام تحدي القرآن؟
إن فيهم الأدباء واللغويين الذين قاموا بتأليف المعاجم الشهيرة مثل: قطر المحيط والمنجد وأقرب الموارد والمحيط وغيره. فلماذا لم يسعوا لتأليف كتاب مثل القرآن ولو بعشر سور أو بسورة؟
والحقيقة أن الرجل كلما كان متفوقا في العربية وصاحب يد طولى في الأدب كلما تملكه رعب القرآن.
إن الملايين تنفق اليوم في نشر النصرانية بسخاء، ولكن لم يظهر من يقبل تحدي القرآن الكريم.
ويمكن أن يقول معترض أن النبي (ص) كان قد أتى بالتحدي المذكور بعد الاطلاع على كفاءة أدباء عصره، ولكن ماذا يقال عن الأدباء الذين جاءوا بعد عصره (ص)؟
التنبؤ الثاني: هو أن القرآن الكريم سيظل محفوظا إلى الأبد.
قال تعالى: ﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون﴾ (الحجر: ٩).
تتجلي قيمة هذا الوعد وعظمة حفظ القرآن إذا ما عرفنا شيئا من أحوال الصحف السابقة.
١ - كان اللوحان اللذان أعطيهما موسى مكتوبين على جبل الطور وهما أصل التوراة، وكانا قد تحطما حين جاء موسى إلى الميدان فوجد قومه يعبدون العجل، فأقلق موسى هذا الأمر كثيرا فرمى الألواح وأخذ أخاه.
وبعد هذا الحادث تمت كتابة الوصايا العشر وغيرها في حياة موسى ووضعت في تابوت عهد الرب (١). وهذه هي النسخة التي يعتقد أنها كانت محفوظة إلى عهد داود في
_________________
(١) التثنية (٢٤، ٩/ ٣١).
[ ٨٤٢ ]
خيمة العبادة. ولكن الأصحاح الثامن من الملوك الأول يوضح أن تابوت العهد حينما أتى به من خيمة العبادة إلى هيكل سليمان لم يكن فيه سوى اللوحين الحجريين المنكسرين (١).
والآن علينا أن نفترض دون أي سند كيف جمع سليمان شريعة التوراة ثم وضعها في صندوق العهد. لكن من المسلم به أن النسخة التي كانت في الهيكل قد أحرقت سنة ٥٨٦ ق. م. على يد بخت نصر مع الهيكل، وفي عهد الملك دارا ملك إيران بنى الهيكل من جديد (زروبابل) وغيره من رؤساء بني إسرائيل، وتم البحث عن الكتاب ولكن لم يعثر عليه (كتاب عزرا). وهنا أعد عزرا بذاكرته وبمعونة حجي وزكريا الكتاب الذي يطلق عليه اليهود اسم «التوراة» (وهو الذي ترجم إلى اليونانية بأمر ابن توكس) وكان ذلك في عام ٢٠٠ ق. م.
وحينما هجم ابن توكس الرابع على مصر أحرق قائده تلك النسخة والهيكل، وتم البحث عن جميع كتب اليهود وأحرقت وأمر اليهود بالوثنية، وكان ذلك في عام ١٦٦ ق. م. وكان شيخ كاهن قد فر مع أبنائه الثلاثة إلى موطنه في مدينة مودن، وكتب أحد أبنائه ويدعى مقاييس كتابا في مجلدين عرف باسمه، وتعتقد عدة فرق من اليهود أنه هو الكتاب السماوي.
انظروا إلى النقاط السابقة ولاحظوا أنه لا أساس لوجود ألفاظ الكتاب الأصلي.
٢ - والآن اسمعوا قصة الإنجيل، اشتهر لدى النصارى أربعة كتب باسم الإنجيل وهي: إنجيل متى وإنجيل مرقس وإنجيل لوقا وإنجيل يوحنا.
وحكاية إنجيل متى هي أنه كتب أولا بالعبرية في مدينة يهوذا بالشام، ولكن لا وجود لهذه النسخة العبرية الآن في العالم، وتوجد لها ترجمة يونانية، ولكن لا يستطيع أسقف نصراني أن يذكر الترجمة أو شخصية المترجم، أما حال الكتاب الحالي فيقول عنه شارح الإنجيل الأستاذ نورتن أن الباب الأول والثاني منه لا يصح نسبتهما إلى إنجيل لوقا، واعترف بأنهما من تأليف المؤلف الأصلي (كتاب الإسناد ص ٥٣، النسخة المطبوعة ١٨٣٧ م).
ومؤلف الإنجيل «لوقا» تلميذ بولس، وهو لم ير المسيح، وخالف أستاذه المسيح
_________________
(١) سفر الملوك (٦/ ٨ - ٩).
[ ٨٤٣ ]
في حياته. وألف لوقا إنجيله في مدينة انطاكية باللغة اليونانية، وقد صرح في بداية إنجيله أنه يؤلف الوقائع بعد التحقق من صحتها. وكان هناك أمل في صحة الوقائع التي وردت في إنجيله بعد هذا التصريح ولكن يقول الفاضل نورتن شارح الأناجيل: إن المعجزات التي أوردها لوقا دخلتها روايات كاذبة، وقد بالغ كاتبها مبالغة الشعراء، ويصعب التمييز بين الصدق والكذب في هذا العصر. (كتاب الإسناد ص ٦١).
ولنتفكر هنا كيف يوصف الكتاب الذي يصعب فيه التمييز بين الصدق والكذب بأنه محفوظ؟
ومرقص تلميذ شمعون بطرس، ألف هو أيضا كتابه في انطاكية باليونانية، ويوجد خلاف بين موضوعات مرقس ولوقا.
ولعل إنجيل يوحنا آخر الأناجيل تأليفا، وهو أيضا مؤلف باليونانية، ويقال إنه كان تلميذ المسيح، ولكن إنجيله احتوى على أثر كبير من العقيدة اليونانية القديمة.
وما أجمع عليها النصارى كلهم هو أن إنجيلا من الأناجيل الأربعة لم ينزل على المسيح من الله، بل إنها من تأليف المؤلفين الذين نسبت إليهم. ثم أضيفت عليها صفة التقديس فذكروا أن مؤلفيها ألفوها بتأييد روح القدس، ولو صح ذلك لما كان هناك تناقض بين مطالبها ومضامينها، ولكنها تحتوي على تناقض يصعب بعده التطبيق. إن من
شراح الأناجيل المعروفين (آدم كلارك) و(نورتن) و(هارون)، وهم متفقون على تعذر التطابق بين المعاني المتناقضة في الأناجيل.
وقد اعترف الأسقف فرنج أن التحريف دخل في أربع أو خمس آيات من الأناجيل، وكذلك اعترف بأنها تتضمن نحو ثلاثين ألف خطأ ما بين صغير وكبير.
ومجموعة الأناجيل الأربعة لا تزيد على مائة صفحة، ووجود نحو ثلاثين ألف خطأ في مائة صفحة ينفي تصور كونها محفوظة. ولا نريد الزيادة على هذا في هذا البحث.
٣ - واسمعوا الآن حال كتاب المجوس، إن الأمة الإيرانية أمة قديمة، ولعل كتبها وجدت في زمن من الأزمان، ولكن كتاب (الزند) (١) كان قد فقد قبل عهد زرادشت.
_________________
(١) ومعنى الزند وتكتب الزاي بثلاثة نقط زند الحجر الذي تخرج منه النار وقد أطلق عليه هذا الاسم لأن بداخله نور وشرحه موجود في الأوستا التي ذكرها المؤرخون العرب أيضا باسم الأبستاق.
[ ٨٤٤ ]
ويقال إن كتاب الزند كان قد احتوى على خمسة وعشرين بابا، ويوجد منها الآن الباب التاسع عشر فقط واسمه (فنديداد) وبعد كتاب الزند حل محله كتاب يازند، ولكنه فقد أيضا بعد فتح الاسكندر المقدوني لإيران. وبعد الاسكندر استمرت طوائف الملوك نحو ثلاثة قرون وساءت الحالة الدينية أيضا. ولما ولي اردشير بن بابك ملك إيران تم تأليف الدساتير مكان كتاب الزند وكتاب اليازند، وأنزل منزلة الكتاب السماوي، ولما أنشأ ماني دينه قضى على الدساتير وبعد ماني أسس مزدك دينه، فقضى على كتب المجوس الدينية قضاء تاما، ووقع ذلك كله قبل الإسلام.
ويقول المحققون عن الدساتير إنها مجموعة الأدعية فقط، التي تردد صباح مساء.
ويشتهر عن كتاب الأفستا (الأبستاق) أنه ألف بعد نزول القرآن، وأثبت في بدايته ترجمة «بسم الله الرحمن الرحيم» وهذا المعنى أثبت باللغة الدرية (١) حتى يظل قائما.
وهذه الأحوال تدل على أن الأمة الإيرانية لم توجد لديها بعد غزو الاسكندر صحيفة تستحق وصفها بأنها سماوية.
٤ - من أقدم كتب الهند (القيد) وتدين له بالاحترام والتعظيم فرقتا الهنادك: آريا وسناتن دهرم. وبعد الاتفاق على احترامه تختلفان، فتقول فرقة آريا: إن القيد اسم لمنتربهاك (متن القيد) فقط، وتقول سناتن دهرم: إن برهمن بهاك أيضا القيد الأصلي، وهو ضعف (منتر بهاك) في الحجم. وقد أدى هذا الخلاف إلى أن الأمم المؤمنة بالقيد إما تخرج ثلثي القيد من الأصل، أو تدخلهما في القيد الأصلي. والصورتان تدلان على عدم حفظ كتاب القيد.
وفي العصر الحاضر يقول جميع الهنادكة أن القيد أربعة، ووردت في سمرتي منو الكبير أسماء ثلاثة من كتب القيد ولم يرد فيه اسم أثر قيد.
وهناك كتب قديمة أخرى بالسنسكريتية وردت فيها ثلاثة أسماء فقط، ولكن هناك بعض الكتب القديمة الأخرى التي أطلقت على نحو ٣٢ كتابا اسم القيد.
والهنادكة كلهم يعتقدون أن القيد ض عمل الله، ولكن مؤلف كتاب «نيائروشن»
_________________
(١) أي اللغة الفارسية التي ظهرت بعد دخول الإسلام إلى إيران.
[ ٨٤٥ ]
يدعى أن «غوتم قيد» من كلام الإنسان. وغوتم منزلته كبيرة، فكتابه من الكتب الستة المقدسة التي يؤمن بها كل من آريا وسناتن دهرم.
ومن أديان الهند القديمة الجينية، وأتباعها لا يرون كلمة واحدة من القيد صحيحة، ولا يؤمنون بكونه نداء سماويا. وهم يدعون وجودهم من قبل القيد، ويرون كتبهم أقدم منه.
والآن آمل أن يكون القارئ قد عرف من خلال هذا العرض الموجز أن العناية الإلهية لم تصحب واحدا من الكتب المذكورة بالحفظ والصيانة، ولذا شك في وجود كل كتاب شكا كليا أو جزئيا، أتباع دين ذلك الكتاب نفسه.
فكما أن القدرة الإلهية لم تحفظ تلك الكتب، فقد انصرفت عن حفظ اللغة التي نزلت بها.
فانظروا أولا هل تستعمل الآن اللغة العبرية القديمة لغة التوراة، والخالدية لغة المسيح، والدرية لغة زند ويازند، والسنسكريتية لغة القيد في أي قطر من أقطار العالم؟ فالقدرة الإلهية أصدرت حكمها بإعدام هذه اللغات وأصدرت قرارها بأن البشرية لم تعد في حاجة إلى هذه الكتب التي نزلت باللغات المذكورة.
ثم قدروا العناية الإلهية التي أحاطت بالقرآن الكريم ثانيا، فكل حركة من حركات حروفه وكل حرف من حروفه وكلماته ثابت بالتوالي والتواتر، حتى إننا نجد أن جميع حروفه في الصين هي هي كما نجدها في مراكش.
ولو لم يتول الله حفظ هذا الكتاب لوجب وجود آلاف الأخطاء فيه، فقد وصف بقوله تعالى: ﴿ولا تخطه بيمينك﴾ (العنكبوت: ٤٨). فالدليل المذكور قطعي في حفظ الله له.
وبالمناسبة نقدم مذكرة عن حروف القرآن، وذلك لأن عدد السور والأضراب والآيات يثبت في كل مصحف على وجه العموم.
[ ٨٤٦ ]
كشف تعداد حروف الهجاء
الحرفعدد ورودها في القرآن
أ٤٨٩٩٢
ب ١٢٢٢٨
ت ٢٤٠٤
ث ٣١٠٥
ج ٤٢٣٢
ح ٤١٢٠
خ ٢١٠٥
د ٥٩٧٢
ذ ٤٧٣٩
ر ١٢٦٤٠
ز ٣٥٨٠
س ٥٩٧٦
ش ٢١١٥
ص ٢٠٠٨٣
ض ٦٨٢
ط ١٣٠٧
ظ ٧٨٢
ع ٩٢٧٤
غ ٩٢١١
ف ٤٤١٨
ق ٦٦١٢
ك ١٠٦٢٨
ل ٣٣٥٢٠
م ٢٦٥١٥
ن ٤٤١٩٠
و ٢٥٥٨٩
هـ ١٦٠٧٠
ي ٢٥٩٠٩
[ ٨٤٧ ]
أمير المؤمفين عثمان وحفظ رسم القرآن
وفي ختام هذا البرهان تنبغي الإشارة إلى أن أمير المؤمنين عثمان ﵁ قام أيضا بخدمة جليلة في حفظ قراءة وكتابة القرآن، فقد استكتب تحت إشراف كاتب الوحي زيد بن ثابت سبع نسخ من القرآن الكريم، وأرسلها إلى أمرائه السبعة وأثبت عليها توقيعه وأمهرها بختم الرسالة. وكان الهدف من ذلك أيضا حفظ القرآن الكريم، حتى لا ينشأ تغير في رسم الخط أيضا. ولا شك أن نسخة القرآن بقلم كاتب الوحي وتوقيع الخليفة الراشد وختم الرسالة ذات قيمة كبيرة للكتبة التاليين من أجل توخي الصحة والنقل والمقابلة.
النقل وطريق الإيجادة: تعتمد النقود اليوم على الإجادة، أن معيار الصحة لكتاب ما هو أن يكون نسخة طبق الأصل من النسخة التي نسخ منها، وهنا يبقى السؤال عن مدى ثبوت صحة النقود عنه، وللقضاء على الشك والاختلاف في النقل والصحة وضع الخليفة الراشد «الأصل» الذي يرجع إليه عند الحاجة.
وذلك من خصائص القرآن الكريم، وهي خاصية لم تكن من نصيب أي كتاب مقدس في العالم.
اعتراض: أراد معارضو الإسلام تشويه واقعة حفظ القرآن المشار إليه للحصول على غرضهم فقالوا: إن عثمان قد تصرف في القرآن. ولكنهم بقصور نظرهم لم يعلموا حالة البلدان الإسلامية في ذلك العهد ولا انتشار القرآن الكريم فيه. وكذلك جهلوا العلاقة بين عثمان وتلك البلاد، ولو اطلعوا على ذلك لما تفوهوا باعتراضهم.
الصلاة والقراءة: من المعلوم أن الصلوات الخمس فرض في الإسلام، وفي ثلاث منها يجهر بقراءة القرآن، وبما أن المصلي مخير في أن يقرأ مما يشاء وما شاء، فإن ملايين المصلين في مئات المناطق والأمكنة يقرأون عديدا من آيات وسور القرآن كل يوم، الإمام يقرأ ومئات من المأمومين يسمعون، ومنهم كثيرون يحفظون ما يقرأه الإمام، وهذه الطريقة مستمرة منذ عهد النبي (ص) حتى الآن ومعمول بها في كل مدينة وقرية ونجع.
انتشار نسخ القرآن: كان عدد قراء القرآن قد بلغ قبل خلافة عثمان الملايين، وكانت توجد ألوف النسخ في القرى والأمصار، فلم يكن في مستطاع عثمان أن يزيد حرفا أو ينقصها باستيلائه على ألسنة الناس وعقولهم وما لديهم من نسخ.
[ ٨٤٨ ]
عثمان واختلافه مع الجمهور: نعم، نحن نعلم المسائل الفقهية التي اختلف فيها الصحابة مع عثمان، مثل إتمام الصلاة في منى، وأكل المحرم من صيد غير المحرم فإذا كان الصحابة قد اختلفوا معه في مثل هذه المسائل الصغيرة وبقوا على اجتهادهم، فكيف يتصور سكوتهم على تغيير يصدر عن سيدنا عثمان ﵁ في القرآن؟
عثمان وخروج أهل مصر: وأكثر من ذلك نرى أن المصريين انتقدوا بعض أفعال الخليفة الراشد عثمان ﵁، فاتهموه بالإسراف في بيت المال وبإعطائه المناصب أقرباءه، ولهذا ثاروا عليه حتى انتهى الأمر إلى شهادته.
ومع ذلك لم نجد أحدا من المصريين ولا غيرهم يقول كلمة عن جمعه للقرآن.
خلافة علي ومصحف عثمان: ولي علي الخلافة بعد عثمان، وطيلة خلافته لم يغير في ترتيب عثمان للقرآن، ولا قال كلمة في معارضته، بل كان يقرأ دائما من ذلك المصحف في الصلوات وغيرها.
رفع المصحف في صفين: وقعت حرب صفين بين علي ومعاوية، فرفع أهل الشام المصاحف وقالوا: هذا هو الحكم بيننا وبينكم، فلم يقل أحد من أصحاب علي أنه لا يثق بمصحف أهل الشام، مع أن الفريق المحارب لو وجد سعة لكلمة لأبطل حيلة الخصم، ولكن الاتفاق تم على مصحف أهل الشام وانعقد الصلح الموقت بين الفريقين، وتدل هذه الوقائع على أن أمير المؤمنين عثمان ﵁ قام بخدمة عظيمة لحفظ القرآن اتفق عليها المسلمون، ولم يشك فيها عالم أو جاهل أو صديق أو عدو، وهذا الاتفاق تحقق للقرآن وحده، فصار خاصية قوية وميزة قوية لحفظ الكتاب المجيد.
التنبؤ ايالث: عن جمع قراءة القرآن. قال الله تعالى:
﴿إن علينا جمعه وقرآنه (*) فإذا قرأناه فاتبع قرآنه﴾ (القيامة: ١٧ - ١٨).
نزلت أحكام القرآن في أوقات مختلفة، لذلك كان ترتيبه وجمعه أمرا صعبا، ولكن الله رب العالمين تولى هذا الأمر مثلما يتولى كل مؤلف في الدنيا ترتيب كتابه بنفسه، ولذا لم يحصل تقديم ولا تأخير في آية فيما بعد، فأهل العالم جميعا في الشرق والغرب يقرأون القرآن الكريم بنفس الترتيب. واتضح بالتنبؤ المذكور أن صورة الجمع والترتيب الموجودة في جميع أنحاء العالم توافق نفس الترتيب والقراءة الخاصة بالعلم الإلهي والقراءة السماوية.
[ ٨٤٩ ]
فالزعم أو الوهم بأن أحدا من أفراد الأمة قد تصرف في القرآن زعم خاطيء باطل.
ووهم لا أساس له من الصحة.
التنبؤ الرابع: عن حفظ القرآن.
قال تعالى: ﴿بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم﴾ (العنكبوت: ٤٩).
إن فكرة حفظ الكتاب كله فكرة بديعة، ذلك لأنه لم يحفظ كتاب بكامله قبل القرآن الكريم، فمجرد ظهور هذه الفكرة دليل على كونها إلهاما. وطبقا لهذا التنبؤ يوجد عدد كبير من حفاظ القرآن في كل بلد وإقليم ومديرية ومدينة. وهم يتلون القرآن تلاوة صحيحة وبإتقان ويقين حتى أن الكتابة تصح طبقا لقراءتهم وليس العكس، لم يحتاجوا قط لتصحيح قراءتهم بنسخة مطبوعة أو مخطوطة. ولو شك حافظ في قراءته لرجع إلى حفاظ آخرين لتصحيح قراءته.
وهذا التنبؤ تنبؤ قوي عجز العالم عن الإتيان بنظيره، ونظام الحفظ هذا من عند الله، وليس له مثيل.
التنبؤ الخامس: عن مهولة حفظ القرآن.
قال تعالى: ﴿ولقد يسرنا القرآن للذكر﴾ (القمر: ١٧).
ذكرنا قبلا أن فكرة حفظ الكتاب كله فكرة بديعة. ومن الظاهر أن ألوفا من المسلمين لما أسمعوا القرآن عن ظهر قلب لأمم العالم ظهرت لديهم فكرة تقليد هذا الأمر في كتبهم أيضا فأمامهم نظير لذلك.
لكن لم نجد أحدا من اليهود أو النصارى أو المجوس أو الهنادك حفظ كتاب دينه المختار، وقد أفصح القرآن نفسه عن علة ذلك فقال إن الله تعالى أودع القرآن الكريم ميزة تيسر حفظه.
انظروا فالله تعالى لم يضع هذه الميزة في أي كلام آخر حتى لو كان منزلا من السماء في أي زمان، فكيف يتيسر لأتباع ديانة حفظ كتاب دينهم، وكيف يجرؤ هؤلاء على إسماع كتابهم عن ظهر قلب بصحة وتيقن كما يفعل حفاظ القرآن؟
[ ٨٥٠ ]
هذه هي قوة القدرة الإلهية العظيمة، وسر إرادة الفطرة الإنسانية، السر الذي وقف العالم أمامه عاجزا عن الإتيان بمثله.
التنبؤ السادس: عن استمرارية كتابة القرآن وتزايد نشره وطبعه في صورة كتاب. قال تعالى: ﴿وكتاب مسطور (*) في رق منشور﴾ (الطور: ٢ - ٣).
الرق هو الجلد المرقق الذي يعد للكتابة، وكذا الصحيفة الرقيقة البيضاء النقية التي تعد للكتابة.
وأطلق في الآية على القرآن كلمة الكتاب والمسطور ثم المنشور، ومعنى النشر هو البسط والامتداد، وهو الذي نعبر عنه اليوم بالانتشار والذيوع. التنبؤ السابع: عن عدم وقوف الباطل أمام القرآن. قال تعالى:
﴿لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد﴾ (فصلت: ٤٢).
بذلت الفلسفة القديمة (باطل من بين يديه) والفلسفة الجديدة (باطل من خلفه)
أقصى الجهود ولكنهما لم تستطيعا الوقوف أمام القرآن، ولم تقاوما أصلا من أصوله ولا معنى من معانيه، أي لم تنقص الفلسفة القديمة فيه شيئا، ولا زادت الفلسفة الجديدة فيه شيئا، فالقرآن كتاب كامل لا يسع تدخلا من أحد.
أربعة تنبؤات عن الإسلام
التنبؤ الاول: عن غلبة هدى الإسلام مع كره الكفار. قال تعالى:
﴿هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون﴾ (التوبة: ٣٣).
جنوب الجزيرة العربية والنصرانية: من أحوال الجزيرة العربية السياسية، زمان البعثة المحمدية أن سلطتة الحبشة كانت في جنوبها، وكانت روما تسيطر على القطاع الشمالي منها، وكانت الدولتان تدين بالنصرانية التي دخلت الجزيرة العربية في عام ٣٢٠ م،
[ ٨٥١ ]
واعتنقها بنو غسان، ثم انتشرت تدريجيا في العراق والجزيرة العربية والبحرين وصحراء فاران ودومة الجندل. يقول الأستاذ سيديو: إن جهودا كبيرة بذلت لنشر النصرانية في الفترة ما بين ٣٩٥ م إلى ٥١٣ م ولكن الإسلام سيطر على هذه المناطق جميعا في عدة سنوات فدخلت هذه البلاد في الدين الحق.
الجزيرة العربية واليهودية: قدم اليهود إلى جزيرة العرب حينما طردهم اليونان والسريان من بلادهم، فانتشرت ديانتهم في الحجاز ونواحي خيبر والمدينة وقويت. وبمجئ الإسلام انتهت أيضا سيطرة اليهودية التي دامت نحو أربعة قرون.
شرق الجزيرة العربية والمجوسية: كان الجزء الشرقي من الجزيرة العربية تحت سيطرة فارس، فكان حاكمها يعين من قبل ملك إيران وبموافقته، وقد انتشرت في هذا الجزء من الجزيرة العربية عبادة النار وتقاليدها على مستوى كبير. وقد نعتت كتب التاريخ العرب الذين تزوجوا البنت والأخت بأتباع المجوسية، ولم تصمد المجوسية أيضا مقابل تعليم الإسلام الطاهرة الزكية.
وسط جزيرة العرب والوثنية: كان عمرو بن لحي قد أتى من الشام إلى الحجاز بصنم، فانتشرت الوثنية بين القبائل المشهورة وسط الجزيرة العربية قبل الإسلام بثلاثة قرون.
أديان أخرى: وكانت هناك أديان أخرى في الجزيرة العربية مثل الصابئية والدهرية والمادية وإنكار القيامة وعبودية النفس وغير ذلك. وبلغ عدد أتباعها المئات أو الألوف.
إلا أن الإسلام أنقذ هؤلاء جميعا من عبودية الباطل، وهكذا تحقق معنى قوله تعالى ﴿ليظهره على الدين كله﴾ في حياة نبي الإسلام (ص). التنبؤ الثاني: عن إتمامه وإكماله.
قال تعالى: ﴿والله متم نوره ولو كره الكافرون﴾ (الصف: ٨).
موسى لم يدخل في أرض الميعاد: تأملوا سيرة موسى، لقد ظهرت على يديه آيات باهرة ليس لها نظير، فقد أهلك الله فرعون مصر، وجعل لبني إسرائيل طريقا في البحر يبسا. وأنزل عليهم المن والسلوى، وهداهم في النهار بزوبعة التراب، وأنار لهم بها خيامهم في الليل، كل ذلك تحقق ولكن لم يتحقق الهدف الأصلي في حياة موسى، ألا وهو إدخال بني إسرائيل في أرض الميعاد.
[ ٨٥٢ ]
داود لم يمكن من بناء بيت الله: انظروا في سيرة داود، إنه أعطى الحكم على أسباط بني إسرائيل الاثنى عشر، وقتل جالوت، وهزم صموئيل، وبنى السور والحصون، ولكن لم يؤذن له ببناء بيت الله.
جهد المسيح وانتقاص تعليمه: ادرسوا حياة المسيح، لقد استمر في الدعوة ليلا ونهارا، حتى لم تتيسر له الإقامة في مكان واحد ليلتين طوال أيام الدعوة التي استمرت ثلاث سنوات، ومع ذلك أعلن في كتاب يوحنا (١) أنه لم يتم تعليمه ولم يعلم الصدق كله.
وفي مثل هذه الحالة يعلن القرآن أن الإسلام سيبلغ مدارج التمام والكمال ويصل نور الإسلام إلى هدفه.
وقد نزلت الآية المذكورة حينما كان المهاجرون والأنصار خائفين وهم يتأولون طعامهم ويؤدون صلاتهم وكانوا مهددين من قبل أعدائهم في اليقظة والمنام، ولكن جاء وقت تحقق فيه الوعد، وطلعت شمس ذلك اليوم السعيد الذي أعلن فيه نبي الله (ص) في ساحة عرفة من على جبل الرحمة - وهو على ناقته القصواء كأنه واضع رجله على رأس أقصى علو العالم المادي - البشري الربانية فتلا قوله تعالى:
﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا﴾ (المائدة: ٣).
وهكذا رأى القراء التنبؤ ثم رأوا تحققه وصدقه.
التنبؤ الثالث: عن ازدياد قوة الإسلام وانتشاره. قال تعالى: ﴿ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء (*) تؤتي أكلها كل حين بإذن
ربها﴾ (إبراهيم ٢٥، ٢٤).
قوله تعالى «ثابت» اسم الفاعل الذي يدل على الاستمرار، و«السماء» من السمو بمعنى الرفعة والشوكة والعزة والكمال.
والشجرة التي امتدت جذورها في الأرض تكون أقوى وتحصل على غذاء أكثر.
_________________
(١) إنجيل يوحنا ١٢/ ١٦ وما بعدها.
[ ٨٥٣ ]
والشجرة التي تستمر في النمو وتبقى طراوتها تمتد فروعها وتتأرجح في الفضاء وترتفع إلى السماء وتتغذى ببركات السماء من الندى والمطر وتنال من بركات الأرض من ماء الأنهار والعيون يكون جذعها واحدا في تجمعها ولكن تعدد فروعها، وهذا هو التشبيه البليغ لكلمة الإسلام الطيبة، لقد قامت ودامت حيث بذرت بنورها، وامتدت فروعها إلى الصين وبلاد أفريقيا وانجلترا وأمريكا.
يحكى عن الأمة الهندوكية أنها جاءت من وسط آسيا، ويقال إنها انحدرت من التبت، فاذهبوا إلى التبت وتركستان وما وراء النهر واسألوا الناس هناك، وانظروا هل تجدون أحدا يصدق هذه الدعوى؟ كلا، وهذا يعني أن جذورها لم تثبت، وهكذا حال أكثر أمم العالم.
كانت أرض فلسطين قد أعطيت لبني إسرائيل على أنهم لو بقوا على اتباع الشريعة لسلمت لهم مملكتهم وحكومتهم إلى الأبد، ولكن هل ثبتت جذورهم في أرض الميعاد تلك؟
في الحرب العالمية الأولى (١٩١٤ - ١٩١٨ م) قدم اليهود قروضا سخية إلى الدول الكبرى حتى تجعل أرض الميعاد وطنا قوميا، ولكن سكان تلك الأرض لم يسمحوا باستقرارهم فيها.
ولو أثمرت جهود انجلترا وتحققت مملكتهم لما كانت المملكة التي تم وعدها مع إبراهيم وموسى وداود ﵈، بل كانت طاعة عبودية كتلك التي سمحت لليهود بالإقامة في تلك الأرض من قبل بخت نصر وكشتاسب، حينما كانوا في عهد المسيح تحت تبعية الروم.
إن الوطن القومي للأمة المجوسية هو إيران، ولكن لا نجد الآن من يسأل عنهم هناك، فهل يصدق على مثل هذه الأمم قوله تعالى «أصلها ثابت»؟ وهل تدعى الأمة اليهودية والهندوكية والمجوسية وغيرها في جمودها الحالي وانحصارها داخل بلادها أنها مصداق قوله تعالى «فرعها في السماء»؟
أما الإسلام فليست شجرته مدينة لبيت أحد أو فنائه أوحديقته، بل الخلاء الواسع تحت السماء مكانها وهي تمتد وتنتشر فيه.
أعيدوا النظر إلى الآية، إنها تبين خمسة محاسن للإسلام:
[ ٨٥٤ ]
١ - شجرة طيبة. فليعلم أن الإسلام يمتاز بتعليم الوحدة ومساواة الحقوق، ولذا جاء تشبيهه بالشجرة التي يكون لها أصل واحد وفروع وأوراق كثيرة تشبيها رائعا، فهي كلها تستفيد وتنتفع في الغذاء والنماء بذلك الأصل.
٢ - وهي طيبة، ويدخل فيها جمال المنظر، ولها ظل وثمر. وكذا حال الإسلام فإنه يجذب القلوب بشكله الجميل ومظهره الطيب، وإنه طيب لتعاليمه الطيبة الزكية.
٣ - أصلها ثابت.
٤ - فرعها في السماء، وقد سبق أن تكلمنا عن ذلك في الدليل الأول.
٥ - تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها. إن وقت إثمار الشجرة محدد فبعضها يثمر في الصيف وبعضها في الشتاء وبعضها في الربيع وبعضها في الخريف. والله تعالى وصف الإسلام بأنه يثمر في كل وقت.
انتشار الإسلام أثناء إقامة النبي (ص) بمكة: انظروا إلى بداية عهد الإسلام حينما كان النبي (ص) يقيم بمكة، وكان المسلمون يلجأون إلى البلدان المختلفة حفاظا على أرواحهم وإيمانهم، فانتشر الإسلام في اليمن والحبشة في ذلك الوقت.
انتشاره أيام إقامته بالمدينة: وانظروا إلى الدور الثاني حيث كان النبي (ص) يقيم في المدينة، فقد دخل الإسلام في تلك الفترة أهل البحرين وعمان ودومة الجندل وثغور الشام.
وانظروا إلى الدور الثالث حينما احتجبت شمس النبوة، فانكسرت قلوب المخلصين وتشجع المنافقون.
انتشاره في عهد الصديق: كان المعاهدون قد أعلنوا نقض المعاهدة، وجمع المتخاصمون جيوشهم على حدود العراق وإيران. فتقدم الأعراب تحت قيادة أبي بكر الصديق خليفة الرسول (ص) فاستنار ضعاف القلوب بنور الإسلام.
انتشاره في عهد الخلافة الراشدة: وفي الدور الرابع جاءت خلافة عمر الفاروق ﵁ وعثمان الغني ﵁، فوصل الإسلام من شرق سيبيريا إلى غرب
تونس.
وفي العصر الأموي تخطى الإسلام جبل الطارق وعبر البحر حتى سيطر على الأندلس.
[ ٨٥٥ ]
إسلام المغول: وبعد نهضة دامت نحو سبعة قرون دب الضعف والانحطاط في الدولة الإسلامية حتى تعرضت بغداد للدمار والهلاك، ولكن في نفس تلك الأيام تحول المغول، الذين كانوا يقطعون شجر الإسلام ويستأصلونه، إلى حماة للإسلام وصاروا من ثمار شجرته الطيبة.
فلسفة اليونان وأوهام الهنادكة: والحاصل أن الإسلام تقدم وانتشر أيام الشدة والاضطهاد وأيام النهضة واليسر على حد سواء. وقد تعرض هذا الدين لهجمات الفلسفة اليونانية والأوهام الهندية والترف الإيراني والتوحش البربري، ولكنه استمر في الانتشار والتقدم مع هذه العراقيل.
السياسة الأوربية والفلسفة الجديدة: وفي عصرنا هذا تصوب الفلسفة الجديدة سهام نقدها إلى الإسلام بالإضافة إلى ما أحدثته القوى الأوربية من شتات فكري، وتعرضت دول الإسلام للهلاك، وتقلص ظل تركيا التي كانت دولة عظمى، وتحول المغرب من دولة عظيمة إلى دولة مستضعفة، وافتقرت حكومات شبه الجزيرة العربية والعراق إلى الأجانب، واختل أمر تنظيم الأمة، ومع ذلك فالإسلام يبسط ظله على انجلترا وألمانيا وأمريكا، فتدخل في كنفه كبار الشخصيات.
نهضة الإسلام في العهد الحالي: تضاعف عدد المسلمين في الصين وأفريقيا في عشر سنوات، فانظروا إلى هذه الأحوال واعتبروا، وتصوروا مدى صدق قوله تعالى: ﴿تؤتي
أكلها كل حين﴾.
إن الإنسان حينما ينظر إلى نهضة الإسلام والمسلمين في حين واحد يدرك قوة الأمر الإلهي وحكمة الرب الكريم.
التنبؤ الرابع: عن تقدم الإسلام بأدلته الحقة، واهتداء الناس بآيات الأنفس والآفاق إليه. قال تعالى:
﴿سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق﴾ (فصلت: ٥٣).
هذا هو الأمر الذي جذب العرب إلى الإسلام ودفعهم إلى قبوله فتدبروا هل يرفض رجل سليم العقل شهادة صدق أمر اجتمعت عليه آيات القدرة الداخلية والخارجية؟
وحينما تتوفر أمام السمع والبصر والفؤاد البراهين الساطعة - التي ترتفع بالحواس
[ ٨٥٦ ]
الظاهرة والباطنة إلى قمة التصديق - فكيف يتيسر لأحد إبطالها؟
إن الله تعالى أرى من خاطبهم النبي (ص) الآيات التي شهدت بها ضمائرهم، والآيات التي أيدتها حوادث الأرض والسماء وتقلباتهما، وهناك أقروا بصدق الإسلام وتساقطوا مثل الفراش على مصباح الهداية، ونثروا مثل الزهور أنفسهم وأموالهم حول منبع الأنوار.
إن أغلب آيات موسى التسع كانت تتعلق بالآفاق، فقامت حجة الله على آل فرعون، ولكنهم بقوا منعزلين عن الهداية. أما الآيات القرآنية فكانت تتعلق بالأنفس والآفاق معا، ولذا اقترب مخاطبو النبي (ص) من نور الحق، واستناروا به حتى ساروا نورا للآخرين، وهذا هو تأويل قوله (ص) «أصحابي كالنجوم».
تنبؤ عن غلبة المسلمين: قال الله تعالى: ﴿وإن جندنا لهم الغالبون﴾ (الصافات: ١٧٣).
تعرض المسلمون لأنواع من الظلم والاضطهاد طوال المدة التي لم يؤذن لهم فيها بالقتال والدفاع الحربي، ثم رحمهم الله تعالى بسبب اضطهادهم وتضعضعهم فأذن لهم بالقتال، وانتظمت جماعة المسلمين بالتنظيم العسكري حتى صح إطلاق لفظ «الجند» عليهم، ومنذذ ذلك الوقت لم ينهزم المسلمون في موقعة، بل توالت عليهم الفتوح وحالفهم النصر والظفر، واقرأوا عن حروب العراق وفلسطين والشام وإيران وخراسان وتركستان ومصر والسودان حتى تعرفوا أن المسلمين لم ينهزموا في موقعة من هذه المواقع، بل تمت لهم الغلبة والنصرة في كل مكان. ومثل هذا التنبؤ لا يصدر إلا عن الذات التي تملك إذلال الأمم وإعزازها، الذات التي أحاط علمها بالمستقبل أكثر من إحاطة الإنسان بالعهد الماضي.
وقوله تعالى «جندنا» يتطلب مزيدا من التأمل، ومعناه الجيش الإلهي، والظاهر أن هدف مثل هذا الجيش لا يكون إلا إعلاء كلمة الله، بعيدا عن فتح الكنوز وتملك الخزائن، فإذا تغير هذا الهدف لا يليق بهذا الجيش أن يتصف بهذه الصفة وإذا لم يتصف جيش بهذه الصفة ينهزم ويتراجع أمام الأمم الأخرى.
وإذا كان المسلمون قد حرموا الغلبة التامة في القرون المتأخرة فسبب ذلك هو ابتعادهم عن كونهم جندا لله، وعلى هذا فإن الآية الكريمة المذكورة تضمنت تنبؤين:
[ ٨٥٧ ]
- لن ينهزم المسلمون ما دام هدفهم إعلاء كلمة الله.
٢ - إن وعد الله المذكور لا يصدق ما لم يبق المسلمون على هدفهم المذكور. تنبؤ عن خلافة الأرض: قال تعالى: ﴿ويجعلكم خلفاء الأرض﴾ (النمل: ٦٢).
في هذه الآية خطاب لعامة المسلمين. وقد تحقق هذا التنبؤ إذ حكم بنو أمية في دمشق نحو ألف شهر، ثم سيطروا على غرناطة وغيرها، ودام حكمهم على الأندلس قرونا عديدة. ومن تحققه أن خضعت مصر لحكم المسلمين منذ العصر الفاروقي إلى الآن، وتعاقبت على عرشها أسر عديدة. ومن تحققه أن بني العباس حكموا في بغداد بعد انقراض الدولة الأموية نحو ستة قرون. وكذلك حكم المماليك في التركستان وخراسان وغيرها، ثم فتح فرع منهم القسطنطينية فحكموا أوربا، وحكم فرع آخر الهند قرونا عديدة.
والحاصل أن حكم الأمويين والعباسيين والأتراك والأكراد والمماليك والآفغان لبلاد فراعنة مصر وأكاسرة إيران وقياصرة روما تحقيق للتنبؤ المذكور، ومن الواضح أن مثل هذا التنبؤ لا يكون إلا من عند الله تعالى عالم الغيب. تنبؤ عن حالة المؤمنين في الدنيا:
قال تعالى: ﴿للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة ولدار الآخرة خير ولنعم دار المتقين﴾ (النحل: ٣٠).
هذه الآية من سورة النحل، وهي مكية، ومن المعلوم أن المؤمين كانوا في مكة في ضيق وشدة وفقر وعسرة، حتى إن البعض لم يكن يجد ملبسا كاملا، وواجه البعض الأسر والحبس بسبب إيمانه، وكان البعض يلقى على الأرض الحامية ويوضع الحجر الثقيل على صدره ويوضع اللجام في فم البعض ويضرب بالسوط ويساق مثل الفرس، ويلقى البعض على النار، وكان الكفار يحسبون أن يبقى المسلمين على هذه الحالة دائما.
ولكن الله تعالى أخبر بكلامه أن هذه الحالة سوف تتغير وتتحسن حالة المؤمنين.
ورأى العالم بعد الفتوح أن مسلمي القرون الأولى قد استمتعوا بالنعيم والترف والعزة والكرامة، حتى اعترف الكفار بصدق تنبؤ القرآن وإخباره عن هذا الأمر. أخرج أبو داود عن جابر قال قال لي رسول الله (ص):
[ ٨٥٨ ]
«أتخذتم أنماطا؟» قلت: وأنى لنا الأنماط؟ فقال: «أما إنها ستكون لكم أنماطا) (١).
ثلاثة تنبؤات عن المهاجرين:
١ - قال الله تعالى: ﴿ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغما كثيرا وسعة﴾
(النساء: ١٠٠).
٢ - وقال تعالى: ﴿فالذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم وأوذوا في سبيلي وقاتلوا وقتلوا لأكفرن عنهم سيأتهم ولأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار ثوابا من عند الله والله عنده حسن الثواب﴾ (آل عمران: ١٩٥).
٣ - وقال تعالى: ﴿الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله وأولئك هم الفائزون (*) يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات لهم فيها نعيم مقيم (*) خالدين فيها أبدا إن الله عنده أجر عظيم﴾ (التوبة: ٢٠ - ٢٢).
هذه الآيات الثلاث عن المهاجرين الطيبين خاصة، والوعد في الآية الأولى خاص بالدنيا، بينما هو في الآية الثانية والثالثة عن الدنيا والآخرة كليهما.
كان المهاجرون قد تركوا الأهل والوطن والمال وهاجروا مع رسول الله (ص) إلى المدينة، فملكهم الله تعالى حسب الآية الأولى صناعات كبيرة، وتجارات واسعة. أما وعد الجنات والنعيم المقيم فقد تحقق جزء منه في الدنيا، تأملوا إن الذين فتحوا العراق والشام وإيران ومصر وخراسان والسودان كانوا من المهاجرين، ومن القادة الكبار خالد بن الوليد سيف الله، وأبو عبيدة بن الجراح أمين الأمة وسعد بن أبي وقاص، وعمرو بن العاص، وعبد الله بن أبي سرح، وهم الذين نشروا نور الإسلام في البلاد المذكورة، وعمموا نعيمها المقيم لأهل الإيمان. تنبؤ عن غنى المسلمين:
قال الله تعالى: ﴿وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله﴾ (التوبة: ٢٨).
إن كلمة «سوف» تدخل على المضارع فتجعله بمعنى الاستقبال البعيد، فقد تحقق هذا التنبؤ بعد انقراض عصر النبوة، فقد كثرت ثروة الصحابة بحيث لم يستطيعوا تقديرها.
فلما توفي عبد الرحمن بن عوف القرشي ترك ألف إبل وثلاثة آلاف من الغنم ومائة
_________________
(١) أبو داود في اللباس ١١/ ٢٠٣ - عون العبود.
[ ٨٥٩ ]
فرس ناهيك عن النقود والأمتعة وقد استحقت إحدى زوجاته سهما بمعدل (٨/ ٣) وقد بلغ (٨٣٠٠٠) دينار (١).
وكان عند الزبير بن العوام ألف غلام يأتون إليه بما يكسبون، وكان الزبير ينفقه كله في الصدقات ولا يمسكه حبة (٢).
تنبؤ عن انعدام الوثنية:
قال الله تعالى: ﴿ويمح الله الباطل ويحق الحق بكلماته﴾ (الشورى: ٢٤).
المراد بالباطل الأصنام، كما دل عليه النبي (ص) بنفسه، فقد أخرج البخاري (٣) عن عبد الله قال: دخل النبي (ص) مكة يوم الفتح وحول البيت ستون وثلاثمائة نصب، فجعل يطعنها بعود في يده ويقول: ﴿جاء الحق وزهق الباطل﴾.
ومن تحقق التنبؤ المذكور وصدقه أن البلاد العربية بمعزل عن الوثنية إلى الآن فلا نكاد نجد صنما في أي جزء منها.
وقوله «بكلماته» يتطلب التفكير مرة أخرى، فإن وظيفة القضاء على الباطل وإحقاق الحق هي للكلمات الإلهية، ومن تأثير كلام الله أن الباطل لا يقف أمامه.
كانت الصين والهند وآسام وغيرها من البلاد الوثنية، وإعراض ألوف العباد من سكانها عن الوثنية كان نتيجة تأثير كلام الله تعالى، فحيثما انتشر الكلام الرباني انعدمت الوثنية، وظهور فرقة البروتستانت في النصرانية من هذا التأثير نفسه. فأتباع هذه الفرقة لا يعبدون الصور ولا ينصبون في كنائسهم تماثيل المسيح ومريم ويوحنا، ولا يسجدون لها.
تنبؤ عن المهاجرين المظلومين ومصيرهم: قال تعالى: ﴿والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا لنبوئنهم في الدنيا حسنة ولأجر الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون﴾ (النحل: ٤١).
وحتى نعرف الذين تنعموا بالنعم الربانية وفق هذه الآية الكريمة ينبغي أن ننظر إلى
_________________
(١) الاستيعاب ٢/ ٨٤٧.
(٢) الاستيعاب ١/ ٥٦٣.
(٣) البخاري ٨/ ١٥ رقم ٤٢٨٧.
[ ٨٦٠ ]
أسماء المهاجرين ونطلع على أحوالهم ونقارن بين نجاحهم في الدنيا وأجرهم العظيم في
الآخرة.
إن آية صغيرة أعلنت عن مصير مئات من الصالحين، وهي وحدها دليل واضح على كون القرآن كلام الله تعالى وعلى فوز المهاجرين في الدنيا والآخرة.
وذكر سعادة الدنيا والآخرة ورد في ذكر يوسف أيضا، فقال الله تعالى:
﴿قال أنا يوسف وهذا أخي قد من الله علينا إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين﴾ (يوسف: ٩٠).
والآية المذكورة تدل على أن الله تعالى كان قد جمع للمهاجرين سعادة الدارين، مثلما جمع ليوسف ﵇.
تنبؤ عن تقدم الصحابة ببطء وبالتدريج حتى يملوا إلى الكمال فيما بعد:
قال تعالى: ﴿كزرع أخرج شطئه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار﴾ (الفتح: ٢٩).
ذكرت الاية ست وقائع ومدارج:
* خروج شطأ الزرع من الأرض.
* قوة هذا الشطأ.
* وكان هذا في مكة المكرمة.
* استغلاظ هذا الشطأ.
* استواؤه على سوقه.
تحقق هذا في المدينة المنورة.
وبعد المدارج الأربعة يأتي ذكر نتيجتين خارجيتين.
* فرح الزراع برؤية ذلك الزرع، وهذا رضوان من الله تعالى.
وقد جاء إعلانه في آية الإكمال.
* موت الكفار غيظا وحسدا برؤية ذلك المشهد.
وهذا عن الأفراد والأمم الذين لم يعجبهم وصول المهاجرين إلى هذه المكانة العالية.
[ ٨٦١ ]
وهكذا تضمنت الآية المذكورة ستة تنبؤات.
وينبغي أن ننظر إلى هذا التنبؤ مع التنبؤ الذي شبه فيه الإسلام بالشجرة الطيبة.
تنبؤ عن زيد بن حارثة: كان جبير بن مطعم (١) اشترى زيد بن حارثة لخديجة الكبرى من سوق عكاظ، ولما تزوجت خديجة النبي (ص) أمرت زيدا بخدمة النبي، ولما بعث النبي (ص) آمن به زيد في اليوم الأول الذي آمنت فيه خديجة وآمن فيه علي وأبو بكر ﵃، فهو من السابقين الأولين، وقال الله تعالى عنه:
﴿إذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه﴾ (الأحزاب: ٣٧).
وبهذه الآية علمنا أن زيدا ممن أنعم الله عليهم. وتم تحديد المنعم عليهم في آية أخرى، يقول تعالى:
﴿فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين﴾ (النساء: ٦٩).
والنتيجة أن الشهيد منعم عليه من الله، والمنعم عليه إن لم يكن نبيا أو صديقا فلابد أنه شهيد أو صالح. وهكذا أخبرت الآية الكريمة عن زيد بن حارثة بشهادته، وقد استشهد في غزوة مؤتة عام ٨ من الهجرة وهو قائد الجيش، وبذلك تحقق التنبؤ المذكور. تنبؤ عن إسلام الأمم الأخرى:
قال تعالى: ﴿وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم﴾ (محمد: ٣٨).
في الآية خطاب للذين أعرضوا عن الجهاد، كما يتضح من العبارة المذكورة للقرآن، والآن انظروا إلى الذين جاهدوا في إفريقيا والأندلس وخراسان والسند والهند فقد كانوا من الأمم التي لم تتعلق بهؤلاء المنافقين في الحسب والنسب.
والخدمات التي قام بها الأتراك والمغول والخلجيون والسوريون والغوريون لإعلاء كلمة الله تندرج كلها تحت هذا التنبؤ.
_________________
(١) في الاستيعاب ٢/ ٥٤٣ أن حكيم بن حزام اشترى زيدا، وكذا في الإصابة ٥٦٣/ ١.
[ ٨٦٢ ]
تنبؤات عن المؤمنين
التنبؤ الأول: عن الخلافة الراشدة، وقد وردت فيه أمارتها بوضوح، وهذا التنبؤ الواحد يتضمن ستة تنبؤات. والآية الكريمة التالية تضمنت ستة تنبؤات، ووعيدا واحدا. قال تعالى:
﴿وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات،
١ - لسيتخلفنهم في الأرض،
٢ - كما استخلف الذين من قبلهم،
٣ - وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم،
٤ - وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا،
٥ - يعبدونني لا يشركون بي شيئا،
٦ - ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون﴾ (النور: ٥٥).
وهذا الوعد هو للذين يمثلون تعليم النبوة ويتصفون بالعمل الصالح. وهو يتضمن التنبؤات الستة الآتية: الأول: الخلافة في الأرض:
ألف: قوله تعالى قد تفرد دائما بإقامة الخلافة، فقال عن خلافة آدم:
﴿إني جاعل في الأرض خليفة﴾ (البقرة: ٣٠).
وقال عن خلافة داود: ﴿يا داوود إنا جعلناك خليفة في الأرض﴾ (ص: ٢٦).
وقال حينما وعد المؤمنين: ﴿لسيتخلفنهم﴾.
وبذلك ثبت أن أسماء الخلفاء الراشدين قد وضعت في القرآن الكريم وأن تعيينهم وانتخابهم كان من الله تعالى.
ب - نزلت الآية في العام الخامس من الهجرة، إذ ذكرت قصة الإفك في سورة النور التي منها هذه الآية، وهذه القصة وقعت في العام الخامس من الهجرة باتفاق علماء السيرة. ومن هنا علم أن الوعد المذكور يدخل فيه كل من آمن قبل العام الخامس الهجري
[ ٨٦٣ ]
ولذا ورد قوله «آمنوا وعملوا» بصيغة الماضي. وينتج عن هذا الوعد أن من أسلم أو ولد بعد نزول الآية المذكورة وادعى الخلافة الراشدة التي يتم تحديدها من الله تعالى لم تصح دعواه.
ج: لقوله «الأرض» معنى عام وخاص، فإن كان معناه أرض الميعاد كان خاصا، وإن كان معناه مطلقا كان عاما. وقد ورد إطلاقه في القرآن على الصورتين، فقوله تعالى:
﴿له ما في السماوات وما في الأرض﴾ (البقرة: ٢٥٥).
يراد فيه بالأرض جميع الكرة الأرضية.
ويراد في قوله: ﴿وكذلك مكنا يوسف في الأرض﴾ (يوسف: ٥٦). (أرض مصر).
ويراد مثلا بالأرض في قوله تعالى:
﴿يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم﴾ (المائدة: ٢١).
أرض الميعاد التي قال تعالى عنها؟
﴿ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون﴾ (الأنبياء: ١٠٥).
وهكذا يراد بالأرض في الآية أرض الميعاد، وهي تخبر أن أرض فلسطين التي أعطاها الله تعالى أولاد خليله إبراهيم، وكان بنو إسرائيل يملكونها منذ آلاف السنين، يسيطر عليها الآن خلفاء الأمة المحمدية.
وعلى هذا المعنى أيضا تتضمن الآية تنبؤا صريحا، فلم تكن هناك علامات وقرائن حين نزول القرآن وكذا طيلة الحياة النبوية على أن المسلمين تمتد سيطرتهم خارج الجزيرة إلى الأرض المقدسة.
فكان الأعداء (وخاصة دولة روما المسيطرة على الأرض المقدسة) يستعدون للهجوم الشامل المفاجئ على الجزيرة بعد وفاة النبي (ص) بينما يهاجم ملوك مصر والحبشة أصحاب الجزية من بلادهم، ويتقدم قيصر من جهة الشام، وبهذه الخطة تتم السيطرة على الجزيرة كلها في وقت واحد، ويقضي على هذا الدين الجديد الذي سيطر على النصرانية في الجزيرة العربية، وزلزل بالأدلة العلمية أسس التثليث في عيون العالم كله.
[ ٨٦٤ ]
ومع استعداد الأعداء المذكور يصرح القرآن الكريم بأن أرض الميعاد ستكون للمؤمنين، وفعلا تحقق ما ورد ذكره، وتحقق تشبيه قوله «كما استخلف».
ويمكن أن يراد بالأرض عامة البلاد، فإن العراق وفلسطين والشام وآسيا الصغرى ومصر وإيران والبحرين وخراسان والمغرب وتونس والسودان وغيرها من البلاد التي كانت انضمت إلى الأعداء المهاجمين قد دخلت كلها في حوزة الخلفاء.
الثاني: أن الآية لو اقتصرت على الفتوح المكية لقال قائل: إن الخلافة الموعودة كانت تتضمن البركات الدنيوية فقط، ولكن التعمق في قراءة الآية يوضح أن الآية تتضمن كذلك وعد التمكين للدين وعزته وشوكته.
ويمكن أن يقول قائل: إن التعبير بالدين قد جاء عن غير الإسلام أيضا، كما في قوله تعالى: ﴿لكم دينكم ولي دين﴾ (الكافرون: ٦)، ودفعا لهذا القول زاد الله تعالى قوله ﴿الذي ارتضى لهم﴾، وقوله تعالى ﴿ورضيت لكم الإسلام دينا﴾ (المائدة: ٣) - في آية الإكمال يفسر ما أجملته الآية المذكورة ﴿الذي ارتضى لهم﴾، ثم تأتي آية أخرى عن الإسلام فتقول: ﴿إن الدين عند الله الإسلام﴾ (آل عمران: ١٩).
وهذه الآيات البيات توضح بقوة أن دين الخلفاء هو الدين المرضي المختار عند الله تعالى.
الثالث: قوله تعالى: ﴿وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا﴾.
وهذا المقطع من الآية يخبر عن الأمن الشامل والراحة التامة والرخاء الكامل الذي تحقق في عصر الخلفاء الراشدين. وكذلك تحقق فيه التنبؤ الذي ذكره النبي (ص) لعدي بن حاتم من أن امرأة من صنعاء تحج البيت وحدها ولا تخاف إلا الله.
فهذه الكلمات الطاهرة من الآية تدل على النظام الداخلي والخارجي، كما أن الكلمات السابقة تبين فتح البلاد وتملك الأرض ويتعذر اجتماع الوصفين في عصر فاتح من فاتحي العالم.
فقد خرج الاسكندر من مقدونية ودمر إيران وأخضع مصر وقضى على بابل ووصل إلى آسيا الصغرى، وخرج تيمور من تاتارستان وسيطر على التركستان واحتل عرش كابل
[ ٨٦٥ ]
وحكم على الهند وخرب بغداد وأمر السلطان بايزيد يلدرم في أنقره، وأخضع روسيا ثم عاد إلى تاتارستان. إن الصين كانت تخافه وتقدم له دولتا منغوليا وكوريا الخراج، ولكن نظام بلادهما لم يكن شيئا يذكر. وتنبؤ القرآن يصرح بأن الخلافة تكون جامعة للوصفين العاليين، وتضرب مثالا للحكم تعجز عن تقليده ديمقراطية فرنسا وأمريكا.
الرابع: قوله «يعبدونني» شهادة وتصديق لإخلاص الخلفاء في الطلب وصدقهم في الإرادة وثباتهم في العلم والعمل، فإن إخبار الله عن قبوله لعبد منتهى العزة والفخر، وكان القرآن قد خصه بالأنبياء، والآية قد أشركت فيه الخلفاء الراشدين أيضا.
الخامس: قوله: «لا يشركون بي» هذا المقطع من الآية يكمل ما سبقه. والصفات العالية تقسم بين الإثبات والسلب، ففي قوله تعالى: ﴿قل هو الله أحد (*) الله الصمد﴾ صفة موجبة، وفي قوله ﴿لم يلد ولم يولد (*) ولم يكن له﴾ صفة منفية وهكذا الآية الكريمة نفت الشرك فاتضح جيدا كمال التوحيد ورسوخ العقيدة وسلامة الإيمان ودوام العمل.
السادس: من قوله «شيئا» يعني نفي الشرك الخفي مع الشرك الجلي، وانتهت بهذا شائبة الرياء والسمعة وظهر نور الصدق والصفاء كاملا.
السابع: وأخبر بعد هذه العلامات أن إنكار بركات الخلفاء أو الشك في التنبؤ المذكور يؤدي إلى عاقبة أسوأ ويستوجب لعنة الله على المنكر المتشكك.
فليتدبر القراء أن الخلافة التي أخبر عنها والنصر والسلام والتدين والصدق الذي تم التنبؤ عنه قد تحقق كله في الخلافة الراشدة بالتمام والكمال، ولم يشهد بذلك تاريخ المسلمين فقط، بل شهدت به كتابات الأعداء الأخرى غير المسلمة وتاريخ البلاد أيضا. وعلينا أن نعيد النظر إلى الآية حتى نعرف هل تنبئ عن عدو الخفاء أم لا؟
وأقول: نعم إنها تنبئ عن ذلك، وذلك أن الله تعالى استعمل صيغة الجمع في قوله «ليستخلفنهم وارتضى لهم» وأقل الجمع في العربية ثلاثة، وهو يدل على أكثر من ذلك. ولكن إذا كان العدد أقل من ثلاثة فتستخدم صيغة التثنية لا الجمع، ولذا صح ما ذهب إليه المسلمون من أن الخلفاء الراشدين أربعة؛ أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، أو خمسة بإضافة الحسن. ومن بلاغة القرآن أن علامة «آمنوا وعملوا الصالحات» منطبقة تماما على الأربعة أو الخمسة وقت نزول الآية.
[ ٨٦٦ ]
وكان قصدنا من هذا البحث كله ذكر تنبؤات القرآن عن الخلافة الراشدة، وقد بدأت الخلافة بعد وفاة النبي (ص) حينما انقطع الوحي، ولذا كان على الله إنشاء هذه الخلافة وتدعيمها وفق تلك العلامات والأمارات والبشارات، فهو الذي أنزل كلامه على رسوله واصطفى من أمته (ص) عدة نفوس زكية للخلافة، وكانت أقوالهم وأفعالهم مصداقا لكتاب الله تعالى، وكان كتاب الله تعالى مصدقا لهم.
تنبؤ سابق عن فتنة تقع بين مخاطبي القرآن الأوائل:
قال الله تعالى: ﴿واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة﴾ (الأنفال: ٢٥).
إن هذه الآية تخبر عن فتنة عامة تشمل الظالمين وغيرهم. ولاشك أن فقدان القومية واختلال نظام الأمة مصيبة تؤثر على الجميع.
إن شهادة عثمان ووقعة الجمل ووقعة صفين وشهادة علي وحادثة كربلا هي الأحداث التي صدقت بوقوعها ذلك التنبؤ. واشترك في هذه الأحداث عدد كبير من مخاطبي القرآن الكريم الأوائل، ولذا جاء ضمير المخاطب في قوله تعالى «منكم»، ووقوع هذه الفتنة بعد الخلافة الراشدة التي جمعت بين بركات الدنيا وأنوار الآخرة لم يكن في الحسبان، ولكن علم الله تعالى ومع الأحداث المستقبلة، وكلامه ذخيرة لها، ولذا أخبر بألفاظ واضحة أن الفتنة تعم الظالم وغيره.
ولم يقل أن يشترك الناس في الفتنة، بل أمرهم بأن يجتنبوها ويتقوها، فقد أخرج البخاري عن أبي هريرة عن الفتنة ما يأتي:
«ستكون الفتن، القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي خير من الساعي».
ولا نود تفصيل تلك المآسي والأحداث المحزنة المقلقة بل القصد هو إثبات تنبؤ القرآن الكريم عن هذه الوقائع، وهذا هو الدليل على كونه كلام الله. تنبؤ ضد مستهزئي مكة:
قال تعالى: ﴿فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين (*) إنا كفيناك المستهزئين﴾ (الحجر ٩٤ - ٩٥).
سبق أن ذكرنا في البداية من هذا الكتاب طائفة المتهزئين، وكان قصد هذه
[ ٨٦٧ ]
الطائفة الضحك على النبي (ص) وتقليد أفعاله والتشويش عليه وإحداث الضجة في وعظه وتحقيره والنيل منه.
انظروا إلى أعمال هذه الطائفة القبيحة وتصوروا كيف يسطيع أحد القيام بالدعوة والإرشاد في تواجد هذه الموانع؟
ولكن الآية الكريمة تأمر النبي (ص) بالاستمرار في وظيفته في الدعوة والإرشاد والإبلاغ والإنذار، أما المستهزءون وموقفهم فالله يخبر أنه يكفي رسوله إياهم. وحتى يتبين صدق هذا التنبؤ نذكر هنا أسماء المتهزئين ومصيرهم.
١ - أبي بن خلف: كان رأس الكفر يؤذي سيدنا بلالا، فأذاقه الله الموت على يده وأوصله دار البوار.
٢ - العاص بن وائل: خرج على حمار له يريد الطائف فربض به على شبارقة فدخلت في أخمص رجليه شوكة فقتلته.
٣ - النضر بن الحارث: قتل بأيدي المسلمين، وكان على رأس المستهزئين.
٤ - عتيب: كان حفيد أسود بن المطلب.
٥ - حارث بن زمعة: كان ابن عم عتيب.
٦ - طعيمة بن عدي: كان بذئ اللسان.
٧ - أسود بن عبد المطلب: كان يمثل أفعال النبي (ص) سخرية، نام في ظل شجرة ثم قام قلقا مضطربا يقول كأن شوكة تشاك في عينيه.
٨ - العاص بن منبه: ركب حمارا إلى الطائف فأصابته شوكة مات بسمها.
٩ - منبه بن الحجاج: عمي ثم هلك متألما.
١٠ - أبو قيس بن ناكة: كان يرتاح بإيذاء النبي (ص).
١١ - أمية بن أبي خلف: عرف ببذاءة اللسان.
١٢ - أبو جهل: كان رأس الأشرار.
١٣ - عقبة بن أبي معيط: كان ألقى الحبل في عنق النبي (ص).
١٤ - الحارث بن قيس: (أدعيطل) أخذ الماء الأصفر في بطنه حتى خرج خرؤه من فيه، فمات منها.
[ ٨٦٨ ]
١٥ - الوليد بن المغيرة: مر برجل من خزاعة وهو يريش نبلا له فتعلق سهم من نبله بإزاره فخدش في رجله ذلك الخداش وليس شيء فانتقض به فقتله.
١٦ - أبو لهب: أصيب بالطاعون فهلك، ولم يمس أقرباؤه وأصدقاؤه جثته، بل رموا عليها أحجارا من السطح فغطته وصارت قبرا له.
١٧ - الأسود بن عبد يغوث: خرج في رأسه قروح فمات منها.
١٨ - زبير بن أمية: مات موبوءا.
١٩ - الحارث بن الطلاطل: امتحض قيحا فقتله.
٢٠ - ركانة بن عبد يزيد: مات في بؤس وخيبة. انظروا كم من شخص تضمن هذا التنبؤ هلاكه، وكيف لقى كل منهم مصيره في حالة يرثى لها.
وقد سبق أن ذكرنا الآيات الأخرى الخاصة بالنبي (ص) في مبحث خصائص النبي (ص).
تنبؤ عن مودة رؤساء قريش:
قال تعالى: ﴿عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة﴾ (الممتحنة: ٧). ولهذا التنبؤ أيضا أمثلة، وينبغي أن نتذكر أن كلمة «عسى» تدل على رجاء أمر مرغوب.
١ - كان عبد الله بن أبي أمية بن المغيرة ابن عمة النبي (ص)، ومن شدة عدائه للإسلام أنه قال للنبي (ص): فوالله لا أؤمن لك أبدا حتى تتخذ إلى السماء سلما، ثم ترقى منه وأنا أنظر حتى تأتيها وتأتي معك بنسخة منشورة ومعك أربعة من الملائكة يشهدون لك أنك كما تقول، وايم الله لو فعلت ذلك لظننت أني لا أصدقك (١).
وقد حالفه التوفيق الإلهي فحضر في العام الثاني من البعثة إلى النبي (ص) وأسلم. فليتصور الخبراء، ما الذي أدى إلى إسلام عبد الله؟ لابد وأنه رأى أمرا أعظم من الصعود إلى السماء والنزول منها ونزول الملائكة وشهادتها بصدق النبي (ص).
_________________
(١) البداية والنهاية ٣/ ٥١.
[ ٨٦٩ ]
٢ - كان ثمامة بن أثال سيد اليمامة، وكان يقول: «يا محمد، والله ما كان على الأرض وجه أبغض إلي من وجهك، وما كان دين أبغض إلي من دينك» فبقى أسيرا بالمدينة ثلاثة أيام، ولما أطلقه النبي أسلم وأخلص في إسلامه حتى صار وجه محمد (ص) أحب الوجوه إليه (١).
٣ - كان عمرو بن العاص نشطا في معاداة الإسلام، حتى أن قريشا أرسلته سفيرا إلى النجاشي لاستعادة المسلمين الذين هاجروا إلى الحبشة لاجئين: وبعد سنوات حضر إلى النبي (ص) مطرق الرأس خجلا، ثم ذهب داعية إلى الإسلام فعاد ببشرى إسلام ملك عمان، ثم صار فاتح مصر الأول (٢).
٤ - كان أبو سفيان صخر بن حرب قد هاجم المسلمين في أحد وغزوة السويق والأحزاب، وجميع الجموع الكبيرة ضد المسلمين. ولكنه لما أسلم ثبت ضد الردة وساهم في فتوح المشام وغيرها مساهمة فعالة (٣).
٥ - كان أبو سفيان بن حارث ابن عم النبي (ص) شاعرا قديرا، وهجا المسلمين والإسلام في أول الأمر، ثم تشرف بالهداية الربانية ولقب ب «سيد فتيان أهل الجنة» (٤).
٦ - كان سهيل بن عمرو سفير قريش في صلح الحديبية، ولما أسلم ألقى خطبة بعد وفاة النبي (ص) على أهل مكة فمنحتهم ثباتا وطمأنينة، ثم ارتحل من الدنيا شهيدا (٥).
٧ - كان عكرمة بن أبي جهل في أول أمره معاديا للإسلام ومدافعا عن الكفر أكثر من أبيه. ولما دخل في أتباع النبي (ص) أحبه وأخلص في حبه، وكان الساعد الأيمن لخالد بن الوليد، وكان وحده أقوى على ألفي كافر (٦).
٨ - عاش حكيم بن حزام القرشي الأسدي ستين عاما في الكفر، وبذل جهدا كبيرا ضد المسلمين في بدر، ثم أسلم وخدم الإسلام ستين عاما، وقد حج مرة فنحر مائة إبل
_________________
(١) الاستيعاب ١/ ٢١٥.
(٢) الاستيعاب ٣/ ١١٨٥.
(٣) الاستيعاب ٢/ ٧١٤.
(٤) نفسه ٤/ ١٦٧٤.
(٥) نفسه ٢/ ٦٧٠.
(٦) نفسه ٣/ ١٠٨٢.
[ ٨٧٠ ]
وألف شاة، وأعتق مائة رقبة (١).
٩ - كان عبد ياليل قد حرض الغلمان والأوباش على النبي (ص) حينما ذهب إلى الطائف للدعوة، فرموه بالأحجار والأوحال. وبعد أعوام عديدة جاء إلى المدينة مع رؤساء قريش فآمن وعاد إلى قومه يبلغهم دعوة الإسلام حتى أسلمت قبيلته كلها في يوم واحد (٢).
١٠ - كان بريدة الأسلمي خرج من بيته مع سبعين راكبا للقبض على النبي (ص) طمعا في جائزة قريش بمائة إبل، ولما وقعت عينه على وجه النبي (ص) وسمع صوته أنزل عمامته من رأسه وجعل منها علما فصار صاحب علم الرسول (ص) (٣).
ويمكن أن نقدم مئات من الأمثلة من هذا القبيل، وهي كلها دليل واضح على صدق ما تنبأت به الآية الكريمة السابقة. والحق أن الله هو القادر على أن يخبر عن عواطف قلوب الألوف من الناس ومصائرهم.
تنبؤ عن منع كفار مكة من دخول الكعبة:
قال تعالى: ﴿ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين﴾ (البقرة: ١١٤).
وكان إعلان منع المشركين من دخول مكة على يد أبي بكر الصديق عام تسع من الهجرة. واستمر هذا الحكم إلى الآن، والذين يذهبون هناك متنكرين في زي إسلامي يظلون خائفين على أرواحهم.
تنبؤات عن كفار العرب بصفة عامة
التنبؤ الأول:
قال تعالى: ﴿واعلموا أنكم غير معجزي الله وأن الله مخزي الكافرين﴾ (التوبة: ٢).
نزلت هذه الآية حينما وجه إنذار الأربعة أشهر إلى جميع ناقضي العهد من الكفار.
وهنا يتساءل الإنسان: كيف يوجه المسلمون وحدهم هذا الإنذار إلى هذه القبائل
_________________
(١) نفسه ١/ ٣٦٢.
(٢) ابن هشام ٤/ ١٨٢.
(٣) الاستيعاب ١/ ١٨٥.
[ ٨٧١ ]
والأقوام، وما نتيجة هذا الإنذار؟ والله تعالى أخبر هنا عن أمرين:
١ - إن الكفار لا يستطيعون مع قوتهم وطاقتهم وكثرة عددهم هزيمة المسلمين، وهنا أخبر الله تعالى بأن هزيمة المسلمين هزيمة للدين الإلهي، لأن عداء الكفار للمسلمين إنما هو بسبب عدائهم لدين الله وبسبب البغض الإلهي الكامن في قلوبهم.
٢ - سيهزم الكفار ويلحق بهم الذل، فقد كانوا يعدون أعظم المحاربين الشجعان في جزيرة العرب، لكن مواجهة المسلمين لهم تكشف عن حقيقة شجاعتهم ومدى بسالتهم، وحينئذ يلحق بهم الذل والهوان في الجزيرة العربية كلها، ويتبين لنا مدى صدق هذا التنبؤ حينما نطلع على نتائج مهاجمة قبائل بني الأسد وبني غسان وبني غطفان وغيرها.
التنبؤ الثاني:
قال تعالى: ﴿سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب بما أشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا﴾ (آل عمران: ١٥١).
إن المعارك الصغيرة التي تعرض لها المسلمون في عصر النبي (ص) كانت مع قريش أو مع حلفائها، ومني فيها الأعداء بالهزيمة واشتبكت القبائل المذكورة مع المسلمين مرة أو مرتين، والقبيلة التي قاومت مرة لم تجترئ مرة أخرى على المقاومة، حتى عم السلام جميع البلاد في فترة قصيرة لم تتراوح السبع سنوات.
والقبائل التي داومت على الحرب والقتال وكأنها تدفع بخيلها إلى حلبة رهان لمدة خمسين سنة، ظنا منها أن الحرب شيء تافه جدا أصيبت من المسلمين برعب أقعدها إلى الأبد، بل إنها تخلت عن مناوأة المسلمين بعد نقض عهدهم مع القبائل المتحاربة. وكل ذلك كان بالتنبؤ الذي ذكر الله تعالى فيه أنه ألقى الرعب في قلوب الكفار. ولاشك أن هذا السكوت عن المسلمين والابتعاد عن الحرب في بلد مولع بالقتل وسفك الدماء كان نموذجا حيا للقدرة الإلهية.
تنبؤان عن أهل مكة: ألف: نفقاتهم تكون حرة عليهم. ب - إنهم جميعا يتغلبون.
قال الله تعالى: ﴿إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون﴾ (الأنفال: ٣٦).
[ ٨٧٢ ]
نعلم مدى إنفاق الكفار بما أنفقوا في غزوة أحد وحدها، فقد ورد أنهم أنفقوا خمسين ألف مثقال ذهب، وألف رأس إبل. وكان كل رئيس يطعم الجيش يوما. ولكن جميع هذه الجهود لم تسفر إلا عن الألم والخيبة والحرمان، إذ لم يستطيعوا منع تقدم الإسلام ولا ردوا أحدا من المسلمين، بل رأوا بأم أعينهم أن عادات آبائهم قد اختفت وضلالهم قد انتهي. تنبؤ عن أبي لهب:
قال تعالى: ﴿تبت يدا أبي لهب وتب (*) ما أغنى عنه ماله وما كسب (*) سيصلى نارا ذات لهب﴾ (المسد ١ - ٣).
حضر أبو لهب بن عبد المطلب جد النبي (ص) أول دعوة للنبي (ص) على جبل الصفا.
ولما سمع النبي (ص) يدعو إلى الإيمان بالحياة بعد الموت، ويخبر أن النتائج مستقبلا تترتب على الأعمال، أشار بيده إلى النبي (ص) إشارة تحقير وقال: تبا لك سائر اليوم، ألهذا دعوتنا؟.
ولما كان النبي (ص) صابرا عفوا لم يشأ أن يرد على أبي لهب، ولكن الله تعالى لم يسكت على هذه الكلمات القبيحة ضد حبيبه (ص) فرد على أبي لهب وأخبر بمصيره
المخزي.
وقد تضمن هذا التنبؤ أمورا ثلاثة:
١ - فشل جميع حيله ضد الإسلام والنبي (ص).
٢ - عدم نفع أولاده وماله إياه.
٣ - كونه وقودا للنار.
كان لأبي لهب أربعة أبناء، مات اثنان منهم كافرين في حياة أبي لهب، فلم تحصل منهما له فائدة بل تألم بموتهما، وحزن لفراقهما، أما الآخران وبنت واحدة فدخلوا في
الإسلام وخيبوا أمل أبيهم.
وهلك أبو لهب بالطاعون، وكان العرب يخافون الطاعون فلم يحملوا جسده من بيته وفتحوا فتحة في السقف وراحوا يلقون الحجارة على جثته القذرة حتى واروها، فكان الأمر كما أخبر به القرآن، ورأى الكفار ذلك بعيونهم بعد نزول الآية بخمس عشرة سنة.
[ ٨٧٣ ]
تنبؤ عن امرأة أبي لهب:
قال تعالى: ﴿وامرأته حمالة الحطب (*) في جيدها حبل من مسد﴾ (المسد ٥، ٤).
كانت هذه المرأة شديدة العداوة للرسول (ص)، وكانت تحمل حزمة من الشوك والحسك فتنثرها بالليل في طريق النبي (ص) لإيذائه.
قال الخازن في تفسيره (١) ماتت هذه المرأة كما أخبر القرآن الكريم، كانت حزمة الحطب على رأسها وتعبت في الطريق فأسندت الحزمة إلى حجر حتى تستريح، ولما أرادت استئناف المشي وقح ذلك الحبل في عنقها وتعلقت حزمة الحطب إلى جانب الظهر فصار الحبل مشنقة لها فماتت وقد أخبر القرآن عن موتها بهذه الطريقة البشعة من قبل.
تنبؤات عن المنافقين
١ - قال تعالى: ﴿وما لهم في الأرض من ولي ولا نصير﴾ (التوبة: ٧٤).
كانت القبائل العربية تستعين بدولة الروم أو الفرس في الحروب الداخلية. ولكن حين جاء خبر إخراج المناففين من المدينة، جاء التنبؤ بعدم قدرة أي دولة على نصرهم.
فبعد هزيمتهم في غزوة أحد بذل الراهب فالق أقصى جهده للحصول على مساعدة دولة الروم وأساقفتهم، لكن خاب سعيه ولم يحصل على أية مساعدة، واتصل جبلة بن الأيهم الغساني بعد ارتداده ببلاط هرقل سنوات عديدة، ولكنه لم ينجح في الحصول منه على معونة يستخدمها ضد المسلمين، وهكذا كانت أحوال أغلب المعارضين فصدق التنبؤ بألفاظه ومعانيه.
٢ - قال تعالى: ﴿سنعذبهم مرتين ثم يردون إلى عذاب عظيم﴾ (التوبة: ١٠١).
هذه الآية عن المنافقين الذين تخلفوا عن الجهاد دون سبب، وكان عذابهم الأول أنهم اضطروا إلى الكذب من أجل تقديم الأعذار الكاذبة فصاروا في عيون القوم من الكافرين الغادرين ولم يبق لهم في نظر الجميع مكانة تذكر. وهذا العذاب النفسي يكون شديدا، فالضمير الإنساني يؤلم دائما. والعذاب الثاني هو الحرمان مما تركوا الجهاد
_________________
(١) تفسير الخازن / ٢٦٣.
[ ٨٧٤ ]
لأجله وهو المال والولد.
وقد ذاقوا العذابين في حياتهم، أما العذاب الأليم وهو الثالث فإن موعده الآخرة.
٣ - قال تعالى: ﴿أولئك حزب الشيطان ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون﴾ (المجادلة: ١٩).
يبين سياق الكلام أن هذا التنبؤ خاص بالمنافقين الذين أحبوا اليهود وصادقوهم، والآية أخبرت أن التودد إلى أعداء الله والانضمام إليهم من عمل الشيطان، وأن هؤلاء سوف يلقون الخسران. وقد صدق هذا التنبؤ على المنافقين بعد غزوة الأحزاب حيث كانوا لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء.
٤ - أخبر الله تعالى أولا عن المنافقين وعن مكانهم فقال:
﴿ومن أهل المدينة مردوا على النفاق﴾ (التوبة: ١٠١).
والحكمة في هذا الإخبار عن العيب أن لا يتهم من صحابة رسول الله (ص) أحد في الزمن الآتي بالنفاق بمجرد رأي أو ظن أو تعصب. فالشرط الأول بوصف أحد بالنفاق هو أن يكون من سكان المدينة، فلا يشك في يمني أو شامي أو مكي أو حضرمي من الصحابة بأنه منافق.
وبعد هذه العلامة الواضحة قال تعالى:
﴿فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين﴾ (العنكبوت: ٣).
وفسر هذا التنبؤ بآية أخرى فقال:
﴿لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلا (*) ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا﴾ (الأحزاب: ٦٠، ٦١).
وهذا التنبؤ يخبر عن مصير المنافقين مع تحديد مدة هذا المصير وأيامه. وهذه الآية من سورة الأحزاب، وغزوة الأحزاب وقعت عام ٥ هـ، وكان أكثر من ثلاثمائة منافق من طائفة أبي بن سلول على قيد الحياة، فأخبرت الآية أنهم جميعا ينقرضون في حياة الرسول (ص)، يتم إخراجهم من المدينة، ثم يلقون حتفهم بذل ومهانة، وهكذا حدث، فقبل أن يغمض الرسول الأكرم سيد ولد آدم (ص) عينيه عن مشهد العالم رأى المدينة وقد طهرت من الأشرار، وهذا هو السر في تسمية النبي (ص) المدينة «طيبة» في العام التاسع من
[ ٨٧٥ ]
الهجرة في حديث تميم الداري الذي ذكره على المنبر. والآية الثانية للتنبؤ تتضمن الأمور التالية:
١ - لنغرينك بهم.
٢ - لا يجاورونك فيها إلا قليلا.
٣ - ملعونين.
٤ - أينما ثقفوا أخذوا.
٥ - قتلوا تقتيلا.
ويعلم خبراء التاريخ الإسلامي أن المنافقين لم يتقرضوا إلا بعد تحقق التنبؤات الخمسة المذكورة.
تنبؤان عن المتخلفين عن الجهاد:
التنبؤ الأول:
قال تعالى: ﴿فرح المخفلفون بمقعدهم خلاف رسول الله وكرهوا أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله وقالوا لا تنفروا في الحر قل نار جهنم أشد حرا لو كانوا يفقهون﴾ (*)
فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا جزاء بما كانوا يكسبون (*) فإن رجعك الله إلى طائفة منهم فاستئذنوك للخروج فقل لن تخرجوا معي أبدا ولن تقاتلوا معي عدوا إنكم رضيتم بالقعود أول مرة فاقعدوا مع الخالفين﴾ (التوبة: ٨١ - ٨٣).
ذكرت الآيات الأقوام الذين تركوا الخروج مع النبي (ص) للجهاد، ثم جاء على سبيل التنبؤ أن طائفة منهم تأتي بعد عودة النبي (ص) وتستأذن للاشتراك في الجهاد. ثم أخبر بحسم وتأكيد أنهم لن يتشرفوا بالجهاد مع رسول الله (ص) بعد ذلك.
وقد ورد ذكر هذه الواقعة في سورة الفتح. قال تعالى:
(سيقول المخلفون إذا انطلقتم إلى مغانم لتأخذوها ذرونا نتبعكم يريدون أن يبدلوا كلام الله قل لن تتبعونا كذلكم قال الله من قبل﴾ (الفتح: ١٥).
وبالآيتين يتحدد زمن نزولهما، فقد نزلت سورة الفتح في غزوة الحديبية، وبدأ حصول المغانم الكثيرة بخيبر، فهؤلاء هم الذين رفضوا الذهاب معه. وقت الحديبية، ثم ذهب إلى خيبر من شهدوا الحديبية، وهؤلاء المخلفون لم يستطيعوا أبدا مصاحبة النبي
[ ٨٧٦ ]
وقد عاش النبي (ص) بعد نزول هذه الآيات نحو خمس سنوات. وتحقق هذه التنبؤات على النحو الذي بيناه لا يكون إلا في كلام رب العالمين.
التنبؤ الثاني:
قال تعالى: ﴿قل للمخلفين من الأعراب ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد تقاتلونهم أو يسلمون فإن تطيعوا يؤتكم الله أجرا حسنا وإن تتولوا كما توليتم من قبل يعذبكم عذابا إليما﴾ (الفتح: ١٦).
تدبروا هذه الآية في ضوء الآيتين السابقتين:
١ - حرم المخلفون دائما معية الرسول (ص).
٢ - أخبر بدعوة المخلفين بعد الرسول (ص) في زمن قريب للجهاد.
٣ - وأخبر باتصاف الأعداء بالبأس الشديد.
٤ - وأخبر أن مصير الحرب هو القتال أو استسلام الأعداء.
٥ - الأجر الحسن على إجابة الدعوة.
٦ - العذاب الأليم على رفض الدعوة.
وانظروا الآن إلى عصر أبي بكر، واقرأوا دعوته العامة التي أوردها الواقدي، وتعرفوا على أسماء الجند الذين قدموا إلى أبي بكر، ومن الاطلاع على أسماء القبائل والشعوب تبين لنا أنها أسماء من لم تسنح لهم الفرصة بالجهاد في معية الرسول الكريم (ص).
ثم إنكم ترون أنهم أرسلوا لمواجهة دولة مثل روما التي كانت تحكم نصف العالم وقد أثبت هؤلاء كفاءتهم الحربية وخبرتهم العسكرية بإخضاع دولة إيران التي كانت تحكم نصف العالم الشرقي بجيوشها المنظمة ونظامها الحربي المتقدم، وقد اضطرت إلى البقاء في بلادها لمجرد الدفاع لا أكثر، أما المسلمون فكانوا أهل بادية بعيدين عن بلادهم، ولم يتوفر لديهم عتاد الحرب أو الأسلحة والوسائل الحربية الأخرى، وكانت نتيجة القتال القضاء على الأعداء، وانتفعت الرعية بالصلح فدخلت الألوف في الإسلام، وهذه الآية توضح بجلاء التطور الذي حدث في جزيرة العرب والشام وفتوح الأعراب ومجتمع روما ومصير روما فيما بعد.
[ ٨٧٧ ]
وهي تخبر عن طاعة أبي بكر وعمر لله ﵎، وتوعد من يعصى بالعقاب، والأجر الحسن ليس خاصا بالآخرة بل إنه يتضمن الدنيا أيضا، وهو تنبؤ مستقل عن بلوغ جنود أبي بكر وعمر المكانة السامية للحضارة والمدنية وإن إمارتهم ستكون أيضا ذات محاسن.
وتحقق هذا التنبؤ ويصدقه تاريخ البلاد والأمم بوضوح مما يعد دليلا قطعيا على كون القرآن الكريم كلام الله.
ثلاثة تنبؤات عن بعض الغزوات النبوية الخاصة
تنبؤ عن غزوة بدر:
قال تعالى: ﴿وإن يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم وتوذون أن غير ذات الشوكة تكون لكم ويريد الله أن يحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين﴾ (الأنفال: ٧).
اشترك في غزوة بدر من المسلمين من لم يتمكن من إعداد العدة للحرب، ومن هنا ودوا أن تتم مواجهتهم مع العدو غير المتسلح حتى تكون الكفتان متساويتين، ولكن الله تعالى جاء بالأعداء المدججين بالآلات الحربية، وكانوا قد تقدموا ثماني مراحل متجهين للحرب معلنين بوضوح أنهم يريدون الهجوم على المدينة، وكان عددهم ثلاثة أضعاف عدد المسلمين، ولم يكن من سبيل للمقاومة في الظاهر، ولكن صدق كلام رب الجنود، وانتصر أهل الحق، وانهزم الكفار هزيمة نكراء وقطع دابرهم، وأخبرت الآية التالية أيضا عن غزوة بدر: ﴿سيهزم الجمع ويولون الدبر﴾ (القمر: ٤٥).
وقد أخرج البخاري عن عكرمة أن عمر قال: لما نزلت «سيهزم الجمع ويولون الدبر» جعلت أقول: أي جمع يهزم؟ فلما كان يوم بدر رأيت النبي (ص) يثبت في الدرع وهو يقول: «سيهزم الجمع».
تنبؤ عن غزوة خيبر: وهو يتضمن تنبؤ عمن بايعوا بيعة الرضوان، قال تعالى:
﴿لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا﴾ (الفتح: ١٨).
هذه الآية عن صلح الحديبية، وقد رأى فيه المسلمون أنهم منعوا حق العبادة (أي
[ ٨٧٨ ]
العمرة) الذي كان يتمتع به أهل العالم جميعا، كما رأى المسلمون أن المكان الذي حرم فيه إيذاء الأعداء أيضا، ولم يتعرض فيه الإنسان لقاتل أبيه أو ابنه، منع فيه بنو إبراهيم من العبادة على سنة الخليل.
كان يتردد إلى بيت الله وأرض الحرم بمرأى من المسلمين عباد اللات ومناة والعزى وذو الخلصة، والساجدون للأحجار والأشجار والتماثيل والنصب، وعباد النجوم وأصحاب التثليث والإلحاد وأتباع الهوى والنفس. ولكن عباد الله الذين جاءوا محرمين ومعهم الهدي منعوا من التقدم إلى الكعبة.
كان المسلمون يواجهون هذا الموقف الصعب إذ جاء إليهم أبو جندل يرسف في قيوده ودقات قلبه تسرع بداخل صدره فذكر أن المشركين حبسوه بإسلامه، فأفلت منهم وجاء إلى المسلمين يطلب الملاذ، ولكن الكفار أصروا على إعادته كشرط لعقد الصلح.
إن مصلحة الأمة المسلمة اقتضت التضحية بحرية فرد منها. وقد سر أبو جندل كثيرا برؤية النبي (ص) وبشارته حتى لم يشق عليه العودة كثيرا. والحاصل أن المسلمين
صاروا في حاجة ماسة إلى كثير من الصبر وضبط النفس والهدوء والحلم، ولم يتيسر لهم ذلك إلا بنزول السكينة الربانية والعناية الإلهية، كان ذلك ابتلاء، ونجح المسلمون فيه ثم وصلوا إلى المدينة، وبعد ذلك بأسبوعين أتى أمر الله بأن يخرج هؤلاء المسلمون أنفسهم لمواجهة يهود خيبر الذين كانوا قد أحكموا تسعة حصون فيها، وكانوا خبراء في استخدام المنجنيق وغيره من آلات الحرب التي لم يعرفها العرب، ولكن المسلمين أبلوا بلاء حسنا في هذه الحرب، وفتحوا الأراضي الواسعة والحصون المحاطة بالخنادق العريضة والجدران الحجرية المتينة، لم يمنعهم شيء مما تحصن به يهود خيبر.
والتنبؤ السابق ذكر للمسلمين الصفتين معا، وأوضح للناس أن تحمل المسلمين لأنواع الظلم والأذى لم يكن عن عجز، بل عن مصابرتهم على الدين الحق، وبذلك تمكنوا من نشر دعوة الإسلام وإعلان الحق أمام الأمم التي كانت تفوقهم في العدد والعدة وتملك كثيرا من الشجاعة والخبرة العسكرية ووسائل الحرب.
لقد قطع النبي (ص) مسافة ٢٥٠ ميلا ووصل إلى حدود مكة ثم اضطر للعودة وهو على بعد خمسة أميال فقط، ولعل الكفار وسائر العرب ظنوا حينئذ أن المسلمين المساكين البائسين كانوا عاجزين أمام قريش.
[ ٨٧٩ ]
ولكن هؤلاء المسلمين أنفسهم حينما خرجوا إلى اليهود المفسدين الماكرين الناقضين على بعد ثمانية أميال وهزموهم تبين للناس جميعا أن خشوعهم وخضوعهم مرده إلى التقوى، وعجزهم ومسكنتهم من أجل العمل بأحكام الدين الحقة، وهم كالأسود التي لاتهاجم أحدا إلا إذا تعرضت لمعاكسة أو مناوشة. والحاصل أن التنبؤ المذكور تحقق إبراز صفتين متعارضتين حميدتين للمؤمنين.
وقوله تعالى: ﴿أنزل السكينة عليهم﴾ في الآية المذكورة يتطلب مزيدا من التدبر، فمن تأثير السكينة الإلهية أن لا يتزلزل القلب في الزمن الآتي أبدا، وهكذا فإن ذلك تنبؤ بأن أهل بيعة الرضوان هم المؤمنون الذين لا يتزلزل إيمانهم أبدا.
تنبؤ عن غزوة الأحزاب: كان الهجوم في هذه الغزوة شديدا على المسلمين، فقد اشتركت فيه قبائل اليهود وقريش ونجد وكنانة، ثم إن يهود المدينة كانوا متواطئين مع المهاجمين، وكانوا يخبرونهم بمواطن ضعف المسلمين وتحركاتهم لحظة بعد لحظة، وبلغت القلوب الحناجر، وقد حملت هيبة الكفار وقوتهم المسلمين على التفكير العميق، وذلك أن جيوش الأعداء ضمت عساكر عديدة، وسمى كل منها حزبا، ومجموع العساكر جندا، وكانوا مغترين باتحادهم ضد المسلمين وباستعدادهم الحربي العظيم.
فاستمعوا إلى كلام الله تعالى، يقول:
﴿جند ما هنالك مهزوم من الأحزاب﴾ (ص: ١١). ويقول:
﴿أم يقولون نحن جميع منتصر (*) سيهزم الجمع ويولون الدبر﴾ (القمر: ٤٤ - ٤٥).
ووفق هذا التنبؤ وقعت الفرقة بين أحزاب القبائل المحاصرة بعد نزول الآية المذكورة بخمسة وعشرين يوما، فهرب الجميع في الليل. وبعد هذه الواقعة لم يجرؤ أحد على الهجوم على المدينة.
تنبؤ عن عهود اليهود والمنافقين:
قال تعالى: ﴿ألم تر إلى الذين نافقوا يقولون لإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب لئن أخرجتم لنخرجن معكم ولا نطيع فيكم أحدا أبدا وإن قوتلتم لننصرنكم﴾ (الحشر: ١١).
[ ٨٨٠ ]
وقد صدق قوله تعالى، فأجلى بنو النضير ولم ينصرهم المنافقون ولم يخرجوا معهم.
وقد أوضح القرآن أيضا:
﴿ولئن نصروهم يولن الأدبار ثم لا ينصرون﴾ (الحشر: ١٢).
فقد نصر المنافقون يهود بني قريظة، ولكنهم لم يثبتوا أمام أسود الإسلام، وهكذا ذهبت قوة المنافقين أيضا مع قوة اليهود، وتحقق الجزء الأخير للتنبؤ أيضا.
أخبار عن كفر اليهود وإسلام قوم لن يكفروا أبدا:
قال تعالى: ﴿أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين﴾ (الأنعام: ٨٩).
هذه الآية من سورة الأنعام وهي مكية نزلت حينما كان الإسلام في بدايته في مكة لم يخرج منها، وأخبرت الآية بأن اليهود المرابين إن لم يؤمنوا فلا بأس، لأن القبائل الكبيرة التي استبدت بالحكم ولم تبال بأحد، سوف تخضع وتنقاد لك، مثل أياد وقضاعة وربيعة ومضر وغيرها.
وكذلك يخضع لك شهر بن باذام ملك صنعاء، والمنذر بن ساوى ملك البحرين، وجيفر وعباد ابنا جلندي ملكا عمان، وأصحمة النجاشي ملك الحبشة، وأكيدر صاحب دومة الجندل، وذو الكلاع الحميري الذي كان يسجد له رعيته ويسير خلقه ألف عبد له، وذو ظليم وذو زود وذو مران وذو عمرو أصحاب التيجان الذين استمر الحكم في أسرهم منذ الأجيال.
ادرسوا أحوال هذه الملوك، كانت منطقة حكمهم أكبر من الحجاز، وجيوشهم أكثر من أصحاب النبي (ص)، ولم يكونوا خائفين من أحد، ولا يطمعون في المال والثروة، ولم يصل إلى بلادهم أحد من الغزاة والمجاهدين سوى دعاة الإسلام، ومع ذلك انشرحت صدورهم للإسلام فقبلوه طائعين راغبين.
ولم يكن كل ذلك إلا بقدرة الله تعالى وفضله، إن اليتيم، ابن الأرملة خافه الملوك فارتعدت فرائصهم، والمتواضع الفقير أحبه الناس حبا سهل لهم التضحية بالمال
والنفس في سبيل الحق.
[ ٨٨١ ]
ثم تدبروا كلمة «وكلنا» في الآية، إنها تضمنت تنبؤين، الأول: انقياد قلوبهم، والثاني: رؤية النبي (ص) هذا التغير. وقد كان كذلك أي دخلت البلاد التي تقع بين الخليج العربي والبحر الأحمر والبحر الأبيض وجبال الشام في الإسلام، وارتفعت أصواتها جميعا بكلمة «لا إله إلا الله» تعمل بالتوحيد وأحكام الدين الحنيف.
انظروا سعة التنبؤ وصدقه وكيف تحقق خلال اثتى عشر عاما من نزول الآيات!
تنبؤ عن الارتداد وعن زيادة عدد المسلمين:
قال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم﴾ (المائدة: ٥٤).
هذه الآية أخبرت على سبيل التنبؤ أن من المسلمين من يرتد، ثم أخبرت بأن الله تعالى يجعل الأقوام الكبرى محبة للإسلام تعويضا عن النقص العددي الناتج عن الارتداد، ويكون أمرهم مع الله أمر الحب والإخلاص، ومع المؤمنين أمر التواضع واللين، ويعاملون أعداء الدين معاملة العزة والفتح والانتصار والكرامة، ويترفعون عن ثناء الدنيا وهجوها الكاذبين، ويبدون المشجاعة والتضحية في سبيل الحق، وتجلى صدق هذه الآية منذ نزولها إلى الآن وسيتجلى هكذا على مر الأيام إن شاء الله تعالى.
بعد ارتحال النبي (ص) ظهر مسيلمة الكذاب، وتبعه آلاف الناس، وكان ارتدادهم غريبا، فكان مسيلمة وأتباعه يعترفون بنبوة محمد (ص) بطريق خفي، ثم يثبتون النبوة لمسيلمة أيضا.
وقد أقام الله تعالى في قوم مسيلمة نفسها ثمامة بن أثال الحنفي وأمثاله، فقاوموا المرتدين دون مراعاة للقومية أو للقرابة.
وادعى الأسود العنسي النبوة، فأقام الله له فيروز وذازويه الفارسيين صاحبي الفضل والكمال، فكسرا شوكة الأسود وقوته.
وتنبأ أيضا طليحة وسجاح، ولكن ضيق عليهما أقوام منطقتهما وقبائلهما حتى تابا عن الارتداد وأخلصا الطاعة للإسلام ثم لم يقصروا في خدمة الدين الحنيف.
ولما طغى وتجاوز بعض بني أمية أقام الله تعالى أهل خراسان فقضوا على الدولة الأموية وآل أمر المسلمين إلى بني العباس.
[ ٨٨٢ ]
وتهاون العباسيون في الجهاد فبعث الله سلاطين الأندلس في المغرب وآل بويه واسبكتغين في الشرق لإعلاء كلمة الله تعالى.
وفي محنة بغداد وقف المسلمون أنفسهم في جانب الكفار، وسببوا دمار عروس البلاد (بغداد) بأيدي التتار، ثم أدخل الله الإسلام في الترك أنفسهم، الذين خربوا بغداد وأفسدوا فيها، حتى أن طرقاتها احمرت بالدماء ومياه دجلة اسودت بمداد الكتب.
فهؤلاء الأتراك رفعوا راية الإسلام في أوربا، واعتزوا بلقب (خادم الحرمين الشريفين) بدل السلطان ابن السلطان.
وقام الآريون بحركة (شدهي) التي تهدف إلى هندكة المسلمين، فبعث الله منهم أمثال (كنور عبد الوهاب خان) فقاموا بنشر الإسلام بين الهنادك وأعلن الإسلام شمس الإسلام محمد أمين وخالد لطيف وغيرهما من المحامين والمثقفين، وبايع على الإسلام العديد من دعاة الآريين أنفسهم وتم ذلك على أيدي علماء مسلمين بررة.
وفي أوربا أشهر إسلامه (سر جورج هملتن) قريب الملك جورج، وهكذا اقترب الإسلام من عرش انجلترا، وتشرف بأخوة الإسلام اللورد هيدلي ومحمد بكتال وخالد شيلدر وأمثالهم من العلماء الأفاضل.
وإن انهدم مسجد قديم في منطقة دهلي، فقد بني مسجد جامع في باريس عاصمة فرنسا، وفي ألمانيا أنشئ مسجد كبير أظل نحو ثمانية آلاف من المسلمين، وقد تم الحصول على الأرض لبناء مسجد في لندن نفسها، وقريبا يبدأ البناء.
إن قلة من الناس في (ملكانه) الجاهلة ارتدوا عن الإسلام، ولكن دخل فيه الملايين من سكان الصين وأفريقيا، وازداد عدد المسلمين في القسطنطينية ازديادا ملموسا.
وهذه الآثار الطيبة المباركة كلها تدخل تحت التنبؤ المذكور في الآية الكريمة، وسوف يستمر الحال على هذا إلى قيام الساعة بإذن الله، يرتد عن الإسلام واحد، ويدخل فيه عشرة، ولن تنفع الناس أمنيتهم بأنهم لو أدخلوا الأجانب في ديانتهم لقاوموا المسلمين: ﴿والله متم نوره ولو كره الكافرون﴾ (الصف: ٨).
[ ٨٨٣ ]
تسعة تنبؤات عن اليهود
١ - قال تعالى عن اليهود:
﴿لن يضروكم إلا أذى وإن يقاتلوكم يولوكم الأدبار ثم لا ينصرون﴾ (آل عمرن: ١١١).
كان اليهود يتآمرون سرا، ويحرضون قبائل العرب ضد المسلمين ويتجسسون ضدهم، ويمدون الثائرين على المسلمين بالمال والسلاح، ولكن لم يشف كل ذلك صدورهم فجاهروا بالحرب والقتال.
كانوا أعلم بفنون الحرب، فكانت لديهم وحدهم آلات هدم الحصون، وكانوا وحدهم يستخدمون المنجنيق، ولذلك كانت قبائل العرب كلها تخشاهم وتطيعهم، ولذا كان التنبؤ عن انهزامهم بعيدا عن تصديق الكفار، ولكن ما حدث مع يهود بني قينفاع وبني النضير وبني قريظة وخيبر وفدك وتيماء ماثل أمام المؤرخين، فقد لقيت كل قبيلة منها المصير الذي تنبأت به الآية.
وهذه الآية تضمنت ثلاث تنبؤات:
١ - لن يضر اليهود المسلمين شيئا أكثر من الإيذاء.
٢ - ولو قاتلوا المسلمين للحقتهم الهزيمة وكان النصر حليف المسلمين.
٣ - وبعدها لا ينصرون.
ومثل هذا التنبؤ عن اليهود المنتشرين في مئات الأميال من الأرض لا يصدر إلا عن رب العالمين الذي يملك مشارق الأرض ومغاربها وينصر من يشاء.
٢ - قال تعالى عنهم:
﴿قل يا أيها الذين هادوا إن زعمتم أنكم أولياء لله من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين (*) ولا يتمنونه أبذا بما قدمت أيديهم﴾ (الجمعة: ٦؛ ٧).
كان ادعاء اليهود العام أنهم أبناء الله وأحباؤه، فطالبهم القرآن بتمني الموت إن صدقوا في ادعائهم، ولاشك أن الحياة الدنيا حجاب لأولياء الله، ولو زال هذا الحجاب لواجه الحبيب الحبيب.
[ ٨٨٤ ]
ومن الأمثال العربية: الموت جسر يوصل الحبيب إلى الحبيب.
ومعنى تمني الموت من ولي هو طلب الوصال، ومن لوازم المحبة والولاية تكرار مثل هذا الطلب والإصرار عليه.
والآية طالبت اليهود يتمني الموت ولو مرة واحدة، ثم قالت على سبيل التنبؤ إنهم لن يفعلوا ذلك، وذلك أنهم يرسلون ادعاءاتهم العريضة بالألسنة فقط ولكن قلوبهم لا ترضى بذلك، فإن معاصيهم وسيئاتهم قد تمثلت أمامهم وسيطرت الأفعال القبيحة على قلوبهم وأفكارهم، فهم يكرهون الموت ويهربون من المثول بين يدي الله تعالى فإن كان اليهود صادقين لبادروا إلى تكذيب القرآن وبيان صدقهم وتمنوا الموت ولو مرة واحدة حتى يسمعه المسلمون. ولكن التنبؤ المذكور كان من الله ولذا لم يستطيعوا التصريح بالتمني، وقد ضحك الكفار والمشركون أيضا على حالة اليهود هذه.
وكان مقصد التنبؤ المذكور كشف حقيقة ادعاء اليهود بأنهم أولياء الله وأبناؤه، والدلالة على أن أحدا لا يستطيع أن يتكابر في القول أمام الله الذي يملك الموت ويتصف
بالجبروت.
٣ - قال تعالى عنهم:
﴿ضربت عليهم الذلة أينما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس﴾ (آل عمران: ١١٢).
وهذه الآية تدل على:
١ - أن اليهود لا يستطيعون أن يعيشوا في الدنيا كأمة حرة فيما يأتي من الزمن.
٢ - وأنهم يتعرضون للذل والمسكنة ولا تكون لهم دولة.
٣ - وأنهم إما أن يدفعوا الجزية للمسلمين، وقد عبر عنه بحبل الله فإنه تعالى منح الذميين حقوقهم.
٤ - وإما أن يدفعوا الضريبة إلى أقوام أخرى، وقد عبر عنه بحبل من الناس. فالآية الواحدة تضمنت أربع تنبؤات.
انظروا إلى الزمن التالي لنزول الآية، هل قامت لليهود دولة حرة في أي قطر من الدنيا؟ هل وجد فيهم أحد لا يدفع الضريبة لقوم غير قومه؟
[ ٨٨٥ ]
وبمدلول قوله تعالى: «بحبل من الله» يوجد اليهود في تركيا وإيران والمغرب وتونس تحت إمرة المسلمين يدفعون لهم الجزية.
وبمدلول من قوله تعالى: «بحبل من الناس» يسكنون في روسيا وأمريكا وفرنسا وانجلترا خاضعين لأقوام أجانب، دافعين الضرائب العديدة.
وقد أنفق اليهود في الحرب العالمية الأولى (١٤ - ١٩١٨ م) ملايين الدولارات على الاتحاديين حتى يعترفوا لهم بدولة صغيرة حرة في بقعة من الأرض وظنت كل دولة كانت تأخذ منهم الذهب أن مطلب اليهود يمكن تحقيقه في المناطق المهزومة، فلما انتهت الحرب وحان موعد الوفاء طلب من اليهود أن يسكنوا فلسطين ويؤسسوا لهم دولة تابعة فيها، ولم يتحقق هذا الشرط بأكمله إلى الآن، ولم يعترف سكان فلسطين السابقون بسيادة اليهود.
وبصرف النظر عن الصورة العملية نلاحظ ماذا يقدم لليهود؟ لا شيء سوى معونات لدولة تابعة، واقرأوا الآن آيات القرآن الكريم بتمعن، إن عبارة «بحبل من الناس» عبارة تحمل معنى واسع جدا.
إن كلبا يكون عند غني يتمتع باللبن واللحم وغيره، ولكن القيد لا يفارق عنقه، فهل يبلغ منزلة يظن فيها نفسه أعلى من إنسان فقير حر، لمجرد أن الإنسان لا يجد من الغذاء ما يجده ذلك الكلب؟ إن هذا الوضع نفسه هو وضع يهود فلسطين، إن قيد «بحبل من الناس» لن يفارق رقابهم. وهذا تنبؤ عظيم أعجز دبلوماسية وزراء دول أوربا كلها. تنبؤ عن تباغض اليهود:
قال تعالى: ﴿فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة﴾ (المائدة: ١٤).
يوجد الآن لدى اليهود اثنتان من التوراة، الأولى: يونانية، والثانية: سامرية.
ويكفر أتباع توراة أتباع توراة أخرى بصورة قاطعة، ولا يسمحون بأن يتكلم أحد من أتباع توراة مع أحد من أتباع توراة أخرى. وحسب تنبؤ القرآن يستمر بينهم هذا البغض والعداوة.
ثلاثة تنبؤات عن النصارى
التنبؤ الأول عن ثروتهم:
قال تعالى: ﴿قالوا اتخذ الله ولدا سبحانه هو الغني له ما في السماوات وما في الأرض
[ ٨٨٦ ]
إن عندكم من سلطان بهذا أتقولون على الله ما لا تعلمون (*) قل إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون (*) متاع في الدنيا ثم إلينا مرجعهم﴾ (يونس: ٦٨ - ٧٠).
تشير الآية بوضوح إلى النصارى الذين يزعمون أن المسيح ابن الله، وقيل فيهم «متاع في الدنيا» وعامة الناس حينما يرون لدى النصارى كثرة الثروة ووفرة المال يتحيرون كيف تمتعت الأمة التي تعبد الأقانيم الثلاثة بهذه النعم والألطاف! ولكن الآية توضح أن ذلك ليس لطفا ولا فضلا، بل هو متاع في الدنيا وقد لحق قوله تعالى: «لا يفلحون» هذا المتاع.
ويمكن أن يتمنى هذه الثروة قصار النظر، ويقولوا مثلما قال معاصرو قارون: ﴿يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون﴾ (القصص: ٧٩).
ولهذا يمكن القول بكل اطمئنان وثقة أن المؤمن لن يرضى أن تصدق عليه عبارة «متاع في الدنيا» وهو ما يخسر معه الفلاح والنجاح.
ولكن هل يود أحد أن ينال ثروة قارون مع مصيره أيضا؟ لا أظن عاقلا يود ذلك، على كل حال هذا بحث آخر، ويكفي أن أقول إن غنى النصارى وتنعمهم قد تنبأ به القرآن الكريم، ويكفي هذا الأمر دليلا على كون القرآن من الله.
التنبؤ الثاني عن المعاداة بين فرق النصارى:
قال تعالى: ﴿ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم فنسوا حظا مما ذكروا به فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة﴾ (المائدة: ١٤).
وكل من يطلع على العداء والخلاف والبغض والتكفير بين فرق النصارى من الكاثوليك والبروتستانت واليونيتيرين والكنيسة الإغريقية والآسيوية والانجليزية والأمريكية، يصدق الآية المذكورة جيدا، ويعلم أن هذا الكتاب من الله تعالى.
التنبؤ الثالث عن مودة النصارى للمسلمين وعداء اليهود والمشركين لهم:
قال تعالى: ﴿ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى﴾ (المائدة: ٨٢).
ويدخل ضمن هذا التنبؤ دخول نصارى العراق والشام من الملوك وغيرهم مثل أصحمة النجاشي والأكيدر وعدي بن حاتم وأبي مريم الغساني وانتشار الإسلام الذي نراه اليوم في انجلترا وألمانيا وأمريكا يندرج تحت هذه الآية.
[ ٨٨٧ ]
تنبؤ عن الروم والفرس وقريش والمؤمنين:
قال تعالى: ﴿الم (*) غلبت الروم (*) في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون (*) في بضع سنين لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون (*) بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم﴾ (الروم: ١ - ٥).
* المراد بالأرض أرض الميعاد فلسطين، وبأدنى الأرض منطقة الشام وآسيا الصغرى حيث هزم خسرو برويز الروم وأخرجهم من تلك البلاد ومن مصر. وكان كلام الله قد أخبر بأن الروم يغلبون الفرس في ظرف تسع سنين مرة أخرى.
وكان هذا التنبؤ في ذلك الزمان خلاف القياس والظن تماما، فإن التغلب على أمة غالبة عظيمة بعد تلك الهزيمة الكبرى في ظرف تسع سنوات كان مستحيلا في نظر أهل الدنيا، ومن هنا جعل أبي بن خلف هذه الآية معيارا لصدق القرآن الكريم، وكذبه، وأوعز لأبي بكر أن يراهن على ذلك لو كان مؤمنا بالقرآن. وكان هذا الحادث وقع في العام السابع من البعثة، وقبل أبو بكر هذا الرهان لأن النهي عنه لم يكن نزل بعد (١).
وبعد نزول الآية بسبع سنين وقع ما جاء فيها، فقد انتهت الحرب الأهلية والفوضى الداخلية بروما بتبوؤ هرقل عرش الحكم، فاستعاد البلاد التي فقدها الملوك السابقون، ودخلت مصر والشام وفلسطين وآسيا الصغرى تحت حوزة سلطنة القسطنطنية.
وكانت الكلمات القرآنية قد تضمنت بشارة في بشارة، وذلك أنها ذكرت أن المؤمنين أيضا يتمتعون بالنصر في ذلك الحين، وتحقق ذلك أيضا، فإن انتصار أهل الكتاب على المجوس وقع في الوقت الذي انتصر فيه أهل التوحيد على المشركين في وقعة بدر.
ومما يجدر بالذكر أن عبارة قرآنية قصيرة قد تنبأت عن أربعة أمم وأربعة بلاد ودولتين عظيمتين بألفاظ صريحة وبتحديد السنة، وتحقق ذلك التنبؤ كما ورد في الآية. فهل يقدر إنسان على ذلك بعلمه وقدرته؟ كلا.
وهذا يثبت بوضوح أن القرآن كلام الله ﷿.
_________________
(١) تفسير ابن جرير ١١/ ١١ تفسير سورة الروم.
[ ٨٨٨ ]
فصل
سبق أن عرضنا كبرهان ذكر القرآن الكريم الأخبار المستقبلية، وهكذا فذكره للأخبار الماضية أيضا دليل قوي على كونه كلام الله تعالى.
إن ذكر قوم هود وقوم صالح لم يوجد في صحيفة إسرائيلية، ولكن القرآن الكريم قد بين أحوالهما. وهكذا ذكر عاد إرم وعاد الأولى ووقعة سيل العرم العظيمة.
وهو الذي أخبر بحكم بني إسرائيل مدة على مصر بعد غرق فرعون، أما التوراة فقد سكتت عنه، كما سكت تاريخ مصر عن وقع معجزات موسى في مصر. إن أعمال المسيح لم تذكر في تاريخ روما ولا تصدقها كتابات اليهود.
ولم يكن النصارى يعلمون ولا يصدقون أن مريم الصديقة كانت تعتبر أقنوما من أقانيم التثليث، وبعد إخبار القرآن بهذا، بحث هذا الأمر محققو النصارى فعلموا صدق القرآن في إخباره عن ذلك.
وكون الكعبة أول مسجد بني في الدنيا كان قد خفي على المؤرخين، ولكنه صار الآن أمرا مسلما به.
وإخبار القرآن بأن الله تعالى أرسل رسوله إلى كل أمة، فبلغوهم الرسالة بلغتهم، وقامت عليهم حجة الله، كان كنزا مخفيا لأهل الأديان جميعا. ولذلك كان الإسرائيليون يكذبون المجوس، والمجوس يكذبون الإسرائيليين، وهم جميعا كذبوا أهل الهند، وأهل الهند كذبوهم كلهم. ثم هؤلاء الثلاثة كذبوا أهل مصر، وأهل مصر كذبوهم كلهم، والأربعة كذبوا أهل الصين واليابان، وهؤلاء كذبوا أولئك، وهكذا أحاط التكذيب أهل الدنيا جميعا، ولكن القرآن الكريم كشف عن هذا السر، ودل على طريقة التقارب بين الأقوام والبلاد. ثم إنه أخبر بانتهاء هذه السلسلة وجعل محمدا. خاتم النبيين، وبذلك علمهم درس الاتحاد الكلي ووحدة الأمة.
وبمجرد أن أعلن القرآن ختم النبوة على محمد (ص) سكت اليهود والنصارى والمجوس والهنادكة والمصريون والصينيون، ولم يدع أحد منهم تلقي الوحي الرباني من
[ ٨٨٩ ]
السماء بواسطة الملك. وهذا هو أقوى الأدلة على كون القرآن كلام الله تعالى.
وهنا نختم باب خصائص القرآن، وأكتفي بذكر آية واحدة منه تكفي ليتبدر أهل الفكر والفهم، يقول تعالى: ﴿أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها﴾ (محمد: ٢٤).
[ ٨٩٠ ]