هو الأخ الأصغر للإمام الحسن ﵇، ولد بالمدينة المنورة لخمس من شعبان سنة أربع من الهجرة، قال الواقدي وآخرون: استقر الحسين ﵇ برحم أمه بعد مولد الحسن بخمسين ليلة. وروى الإمام جعفر الصادق عن أبيه قوله: لم يكن بين الحسن والحسين إلا طهرا واحدا (١).
وفي رواية لمصعب الزبيري أن الحسين بن علي حج خمسا وعشرين حجة ماشيا وهذه رواية الاستيعاب. وفي "الكافي": حج الإمام الحسن عشرين حجة. وقد صحت عندي كلتا الروايتين الواردتين في الإمام الحسن والحسين. وصورة الجمع بينهما
_________________
(١) إن قوله "لم يكن بين الحسن والحسين إلا طهرا واحدا" يدل على خطأ القول الشائع من أن الإمام الحسين كان لبث في بطن أمه ستة أشهر وذلك لأنه قد تعين تاريخ الحمل ..
[ ٣٧٠ ]
أنهما حجا عشرين حجة معا ثم حج الحسين خمس حجات وكانت في الغالب بعد وفاة الحسن.
وعن معاوية بن أبي مزرد عن أبيه قال سمعت أبا هريرة يقول: أبصرت عيناي هاتان، وسمعت أذناي رسول الله - ﷺ - وهو آخذ بكفي الحسين وقدماه على قدم رسول الله - ﷺ - وهو يقول: "ترق عين بقة" قال: فرقى الغلام حتى وضع قدميه على صدر رسول الله - ﷺ -، ثم قال له رسول - ﷺ -:
"افتح فاك - فقبله، ثم قال - اللهم أحبه فإني أحبه".
وقد حدث الزهري عن علي بن الحسين عن أبيه بقول رسول الله - ﷺ -: "من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه".
وعن الإمام الحسن ﵁ قال: سألت خالي هند بن أبي هالة، وكان وصافا عن حلية النبي - ﷺ - وأنا أشتهي أن يصف لي منها شيئا فقال: كان رسول الله - ﷺ - فخما مفخما يتلألأ وجهه تلألأ القمر ليلة البدر. قال الحسن فكتمتها الحسين زمانا ثم حدثته فوجدته قد سبقني إليه (١).
وروى الإمام أحمد في "مسنده" وأبو داود في "سننه" عن الحسين مرفوعا:
"إن للسائل حقا وإن جاء على فرس".
وكان الإمام الحسين شاعرا، قال الأبيات التالية في زوجته الرباب بنت امرئ القيس الكلبي (٢) وبنته
_________________
(١) شمائل الترمذي ([ص:١٣]، ١٤).
(٢) روى صاحب الأغاني عن عوف بن خارجة المري أنه بينما كنت عند عمر بن الخطاب ﵁ في خلافته، إذ أقبل رجل أفحج أجلح أصفر، يتخطى رقاب الناس، حتى قام بين يدي عمر فحياه بتحية الخلافة، فقال له عمر: فمن أنت؟ قال: أنا امرؤ نصراني، أنا امرؤ القيس بن عدي الكلبي؛ فلم يعرفه عمر، فقال له رجل من القوم: بلى هذا صاحب بكر بن وائل الذي أغار عليهم في الجاهلية يوم فلج. قال فما تريد؟ قال: أريد الإسلام. فعرضه عليه عمر ﵁ فقبله، ثم دعا له برمح فعقد له على من أسلم بالشام من قضاعة، فأدبر الشيخ واللواء يهتز على رأسه، فوالله ما رأيت رجلا لم يصل لله ﷿ ركعة فقط، أمر على جماعة من المسلمين قبله، ونهض =
[ ٣٧١ ]
سكينة (١) التي ولدت من بطن الرباب:
لعمرك إني لأحب أرضا تحل بها سكينة والرباب
أحبهما وأبذل جل مالي وليس لعاتب عندي عتاب
فلست لهم وإن غابوا مضيعا حياتي أو يغيبني التراب
كأن الليل موصول بليل إذا زارت سكينة والرباب (٢)
وكانت الرباب التي قيلت هذه الأشعار في مدحها وفية للحسين محبة له إذ لم تنكح أحدا غيره بعد شهادته رغم تقدم الكثير من الناس لخطبتها.
روى صاحب الأغاني بسند متصل الأبيات التالية التي قالتها بعد شهادته:
إن الذي كان نورا يستضاء به بكربلا قتيل غير مدفون
سبط الرسول جزاك الله صالحة عنا وجنبت خسران الموازين
قد كنت لي جبلا صعبا ألوذ به وكنت تصحبنا بالرحم والدين
من لليتامى ومن للسائلين ومن يعنى ويأوي إليه كل مسكين
والله لا أبتغي صهرا بصهركم حتى أغيب بين الرمل والطين
كانت شهادة الإمام يوم الجمعة لعشر خلت من المحرم يوم عاشوراء التي يطلق عليها أيضا الطف. إنا لله وإنا إليه راجعون.
﴿ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون () فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم
_________________
(١) = علي بن أبي طالب من المجلس ومعه ابناه حسن وحسين ﵃ حتى أدركه فأخذ بثيابه، فقال له: يا عم، أنا علي بن أبي طالب، ابن عم رسول الله - ﷺ - وصهره وهذان ابناي من ابنته، وقد رغبنا في صهرك فأنكحنا. فقال: قد أنكحك يا علي المحياة وأنكحتك يا حسن سلمى وأنكحتك يا حسن الرباب. وهكذا تزوج الإمام الحسين الرباب. (مختار الأغاني لمحمد بن منظور الإفريقي المصري ٥/ ٢٤٧، ٢٤٨).
(٢) سكينة على صيغة التصغير إسمها أميمة أو أمينة. تزوجت أزواجا فتزوجها عبد الله بن الحسن بن علي ﵁ ثم تزوجها مصعب بن الزبير وأصدقها ألفا. وليس صحيحا أن سكينة ماتت في سجن الشام وهي صغيرة.
(٣) الأبيات الثلاث الأول نقلا عن "الأغاني" والبيت الرابع من "روض الأنف" للسهيلي.
[ ٣٧٢ ]
يحزنون () يستبشرون بنعمة من الله وفضل وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين () الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم﴾. (سورة آل عمران: ١٦٩ - ١٧٢).
وقد كنت كتبت مقالا حول واقعة كربلا وأردت أن أضمه إلى هذا الكتاب ولكن اقترح على أصدقائي نشره على حدة ليصل إلى أيدي الكثير من القراء لقلة ثمنه. وقد ذكرت في هذا المقال الأحداث بعد تحقيقها، والتأكد من صحة كل ما ذكرت بدقة كما ذكرت نصوص الرسائل الأصلية، وحققت أسماء الشهداء وقبائلهم.