والرد عليها
زعم أعداء السنة النبوية، أن رسول الله ﷺ، ليست له سنة، وأن سنته الحقيقية هى القرآن الكريم فقط، وزعموا أن القول بأن له سنة نبوية، تشويه لسيرته، وتجعله مشرعًا.
يقول إسماعيل منصور: "إن السنة الحقة، هى سنة واحدة، سنة الله ﷿، وليست هناك سنة أخرى غيرها، وإنما للرسول، بيان نبوى للقرآن، نرفعه على العين والرأس، متى ثبت تحقيقًا، لا يخالف بأى حال أحكام ومدلولات القرآن الكريم، فنقبله كبيان فحسب، وليس تشريعًا مستقلًا" (١) .
ويقول أحمد صبحى منصور: "إن تلك الأحاديث المذكورة فى كتب التراث ليست من الوحي، الذى نزل على النبى، وليس هناك فى الإسلام حديث إلا حديث الله تعالى فى القرآن، أما تلك الأحاديث التراثية، وأسفارها، فلا أول لها ولا آخر، وهى تتناقض حتى فى الكتاب الواحد، وربما فى الصفحة الواحدة وتخالف القرآن مثل الرجم وحد الردة" (٢) .
_________________
(١) بلوغ اليقين بتصحيح مفهوم ملك اليمن ص٢١، ٢٤ وينظر: مجلة المنار المجلد ٩/٩٠٨، ٩٢٤ مقال الدكتور توفيق صدقى (الإسلام هو القرآن وحده) .
(٢) مشروع التعليم والتسامح لأحمد صبحى وغيره ص٢٨٢، ٢٨٧، ٢٩٣ وينظر له أيضًا: لماذا القرآن ص٦٨، ٧٠ - ٧٨، ولا ناسخ ولا منسوخ فى القرآن ص٣٩، وعذاب القبر والثعبان الأقرع ص٥، ١٦، وحد الردة ص٤٠، ٨٩، ومقدمة أحمد صبحى لكتاب إعادة قراءة القرآن لجاك بيرك ص٢٥، ٢٦.
[ ٥٠٣ ]
.. ويقول صالح الوردانى: "وإذا ما تبين لنا أن مهمة الرسول ﷺ، هى تبليغ ما يوحى إليه من ربه، فلا يجوز للرسول أن يضيف أحكامًا فوق أحكام القرآن، فمهمته تنحصر فى تبليغ القرآن وتبيينه للناس، وتنتهى هذه المهمة بوفاته" (١) ويقول أيضًا: "الروايات المنسوبة للرسول، والتى تضيف على لسانه أحكامًا جديدة، وتخترع أحكامًا لا وجود لها فى القرآن تضع الرسول فى دائرة المشرع" (٢) .
ويجاب عن ما سبق بما يلى:
أولًا: سبق فى المطلب السابق تفصيل أن لرسول الله ﷺ فى رسالته مهمة ووظيفة، زائدة على مجرد البلاغ، وهى مهمة تبيان القرآن الكريم، وهذه المهمة تضاربت فيها أقوال من يسمون أنفسهم "القرآنيون". فبينما تجد بعضهم فيما سبق يجحد هذه المهمة من أصلها، ترى هنا بعضهم يؤمن بها، وبمفهومه الخاص، القائم على إنكار أن يكون لرسول الله ﷺ فى رسالته، وحى غير متلو - السنة المطهرة.
_________________
(١) الخدعة رحلتى من السنة إلى الشيعة ص٤٠، ٤١، وينظر: له أيضًا أهل السنة شعب الله المختار ص٧٩، ٨٠.
(٢) دفاع عن الرسول ضد الفقهاء والمحدثين ص١٢٩، وينظر: المواجهة مع رسول الله لأحمد حسين يعقوب ص٣٠٦،والسنة ودورها فى الفقه الجديد لجمال البنا ص٢٥٣، ٢٥٤، وينظر لها مقال فى جريدة الجيل العدد ٣٣ بتاريخ ١٣/٦/١٩٩٩، والإسلام فى الأسر للصادق النيهوم ص١٣٨ -= =١٤٠، والصلاة لمحمد نجيب ص٢٧٦، ٦٦٢، وحقيقة السنة لأحمد حجازى السقا ص٧، ٩، ١٣، ١٤، والكتاب والقرآن قراءة معاصرة ص٥٦٨، والدولة والمجتمع ص٢٣٢، كلاهما لمحمد شحرور، والإمام الشافعى لنصر أبو زيد ص٨٣، ٩٠، وجريدة الجيل العدد ٣٥ مقال لمحمد شبل.
[ ٥٠٤ ]
ثانيًا: إذا تقرر لك بالدليل القاطع أن لرسول الله ﷺ تبيانًا للقرآن الكريم، فاعلم أن لهذا التبيان صفة المبين، من حيث وجوب قبوله، ووجوب العمل به، وصلاحيته لكل زمان ومكان؛ ويستلزم هذا ضرورة أن هذا التبيان النبوى، هو الحكمة وهى السنة النبوية التى عبر عنها رسول الله ﷺ بقوله: "ألا إنى أوتيت القرآن ومثله معه" (١) .
وبناء الفعل للمجهول "أوتيت" يدل على أن الله تعالى، أعطى لرسوله ﷺ، القرآن ومثله معه، فما هو المماثل الذى تلقاه رسول الله ﷺ عن ربه؟ يصرح القرآن الكريم بأن هذا المماثل هو "الحكمة" التى قرنها رب العزة فى كتابه مع القرآن الكريم فى آيات عدة منها:
قوله تعالى: ﴿وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيمًا﴾ (٢) فالآية والحديث يفيدان أن الله تعالى، أنزل عليه ﷺ، الكتاب والحكمة، مثل القرآن، وهى معه، آتاهما الله له ﷺ، بل إن إحدى روايات هذا الحديث تتواءم مع الآية أكثر من هذه الرواية، ونصها: "أتانى الله ﷿ القرآن، ومن الحكمة مثليه" (٣) .
وقال تعالى: ﴿واذكرن ما يتلى فى بيوتكن من آيات الله والحكمة﴾ (٤) فعطف الحكمة على آيات الله، لتندرج تحت ما أضيف إليها وهو "التلاوة" وهذا يضفى على الحكمة – وهى السنة – أنها فى حجيتها، ووجوب تبليغها، كالقرآن سواء بسواء (٥) .
_________________
(١) سبق تخريجه ص١٣.
(٢) الآية ١١٣ النساء.
(٣) هذه رواية مكحول عن رسول الله ﷺ، وأخرجها أبو داود فى مراسيله ص١٦٦ رقم ٥٦٥.
(٤) الآية ٣٤ الأحزاب.
(٥) السنة بيانًا للقرآن للدكتور إبراهيم الخولى ص٤٤.
[ ٥٠٥ ]
وقال تعالى: ﴿لقد من الله على المؤمنين إذا بعث فيهم رسولًا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة﴾ (١) قال الإمام الشافعى (٢): "فذكر الله الكتاب وهو القرآن، وذكر الحكمة، فسمعت من أرضى من أهل العلم بالقرآن يقول: الحكمة (٣) سنة رسول الله ﷺ، قال: وهذا يشبه ما قال، والله أعلم؛ لأن القرآن ذكر واتبعته الحكمة، وذكر الله منه على خلقه بتعليمهم الكتاب والحكمة، فلم يجز – والله أعلم – أن يقال الحكمة ههنا إلا سنة رسول الله، وذلك أنها مقرونة مع كتاب الله" (٤) .
_________________
(١) الآية ١٦٤ آل عمران.
(٢) هو: أبو عبد الله، محمد بن أدريس بن العباس بن شافع القرشى المطلبى، الإمام الجليل صاحب المذهب المعروف، من أشهر مصنفاته: الأم، والرسالة، وأحكام القرآن، مات سنة ٢٠٤هـ له ترجمة فى: طبقات الشافعية لابن السبكى ٢/٧١ رقم ١٤، وشذرات الذهب ٢/٩، ووفيات الأعيان ٤/١٦٤ رقم ٥٥٨، وطبقات الفقهاء للشافعيين لابن كثير ١/٣ – ٩٣.
(٣) الحكمة: تطلق فى اللغة على عدة معان سبق ذكر بعضها ص٢٥٨، ولقد اقتصرت على المعنى المراد فى الآيات التى استدل بها.
(٤) الرسالة للشافعى ص٧٨، ٧٩ فقرات رقم ٢٥٢ – ٢٥٧، والفقيه والمتفقه للخطيب ١/٢٥٨ رقم ٢٥٦، وينظر: مفتاح الجنة فى الاحتجاج بالسنة للسيوطى ص١٥٠.
[ ٥٠٦ ]
وعن ابن عباس ﵄ قال: "الكتاب والحكمة" الكتاب والسنة (١) وعن قتادة قال: والحكمة أى السنة (٢) ونفس القول قال به غيرهما (٣) وعلى هذا الفهم سلفنا الصالح من أئمة المسلمين (٤) .
ثالثًا: إذا تقرر أن تبيان رسول الله ﷺ للقرآن الكريم هو الحكمة، وأن هذه الحكمة هى السنة النبوية، وأنها متماثلة للقرآن كما قال رسول الله ﷺ، فهذا يعنى أنها مثل القرآن فى وجوب قبولها، والعمل بها، سواء بسواء؛ لأنها مثل القرآن وحى من عنده تعالى، وإليك تفصيل أدلة ذلك:
أ- الأدلة من القرآن الكريم على أن السنة وحى من الله تعالى:
قال تعالى: ﴿وما ينطق عن الهوى. إن هو إلا وحى يوحى﴾ (٥) فأعلمنا ربنا ﷾، أن رسوله ﷺ، لا ينطق عن هوى وغرض، وإنما ينطق حسبما جاءه الوحي من الله تعالى.
فكلمة "ينطق" فى لسان العرب تشتمل كل ما يخرج من الشفتين من قول أو لفظ (٦) أى ما يخرج نطقه ﷺ عن رأيه، إنما هو بوحى من الله ﷿ (٧) .
_________________
(١) أخرجه ابن المبارك فى زيادات الزهد ص٢٢ رقم ٨٩.
(٢) تفسير الطبرى ١/٥٥٧، والفقيه والمتفقه للخطيب ١/٢٦٠ رقم ٢٥٨، وابن المبارك فى زيادات الزهد ص٢٢ رقم ٩٠.
(٣) ينظر: المدخل إلى السنن للبيهقى، حيث نقل بأسانيده عن الحسن البصرى، وقتادة، ويحيى بن أبى كثير، أنهم قالوا: الحكمة: هى السنة النبوية.
(٤) ينظر: كلام الإمام الطبرى فى تفسيره ٤/١٦٣، ٢٢/ ٩، وابن قيم الجوزية فى مختصر الصواعق المرسلة ٢/٥١١، وللاستزادة ينظر: السنة بيانًا للقرآن للدكتور إبراهيم الخولى ص٣٢ - ٤٦، والمدخل إلى السنة للدكتور عبد المهدى عبد القادر ص٥٠، ٥١.
(٥) الآيتان ٣، ٤ النجم.
(٦) ينظر: القاموس المحيط ٣/٢٧٧، ومختار الصحاح ص٦٦٦، ولسان العرب ١٠/٣٥٤.
(٧) جامع أحكام القرآن ١٧/ ٨٤، ٨٥.
[ ٥٠٧ ]
ولقد جاءت الآيتان بأسلوب القصر عن طريق النفى والاستثناء، والفعل إذا وقع فى سياق النفى دل على العموم، وهذا واضح فى إثبات أن كلامه ﷺ، محصور فى كونه وحيًا لا يتكلم إلا به، وليس بغيره.
وقال سبحانه: ﴿ثم إن علينا بيانه﴾ (١) إنه وعد قاطع بأن بيان القرآن، سوف يتولاه الله تعالى، كما تولى ﴿إن علينا جمعه وقرآنه﴾ (٢) على حد سواء، ولا معنى لهذا سوى أن يوحى إلى رسوله ﷺ، هذا البيان، بصورة ما من صور الوحي.
وقال ﷿: ﴿وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك مالم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما﴾ (٣) .
وقال تعالى: ﴿واذكروا نعمة الله عليكم وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به﴾ (٤) إن هاتين الآيتين تفيدان - أن الله ﵎ - أنزل على رسوله شيئين: الكتاب: وهو القرآن، والحكمة: وهى سنته ﷺ.
السنة المطهرة إذن "وحى من الله تعالى" أنزلها على رسوله ﷺ، كما أنزل القرآن الكريم، سواء بسواء (٥) بشهادة القرآن البينة، وهى أيضًا وحى بشهادة السنة نفسها، وإليك شواهد ذلك:
ب- الأدلة من السنة النبوية على أنها وحى من الله تعالى:
قوله ﷺ: "ألا إنى أوتيت القرآن ومثله معه" وقد سبق قريبًا بيان دلالته على أن السنة وحى.
_________________
(١) الآية ١٩ القيامة.
(٢) الآية ١٧ القيامة.
(٣) الآية ١١٣ النساء.
(٤) الآية ٢٣١ البقرة.
(٥) وإن غايرت وحى القرآن الكريم بأمور إن شئت أنظرها فى: الإتقان فى علوم القرآن للسيوطى ٤/٣٣١.
[ ٥٠٨ ]
قوله ﷺ: لما سئل فى عام جدب: سعر لنا يا رسول الله. قال: "لا يسألنى الله عن سنة أحدثتها فيكم لم يأمرنى بها، ولكن اسألوا الله من فضله" (١) إن فى الحديث دلالته الصريحة فى أنه ﷺ، لا يحدث أى سنة، وإنما يبلغ عن الله تعالى، ما أمره به ﷿. مما يدل على أن السنة المطهرة، إنما تأتيه بوحى الله سبحانه.
وقوله ﷺ: "رأيت ما تعمل أمتى بعدى فاخترت لهم الشفاعة يوم القيامة" (٢) .
وقوله ﷺ: "قمت على باب الجنة، فإذا عامة من دخلها المساكين، وإذا أصحاب الجد (٣) محبوسون، إلا أصحاب النار، فقد أمر بهم إلى النار، وقمت على باب النار، فإذا عامة من دخلها النساء" (٤) .
_________________
(١) أخرجه الطبرانى فى الكبير بإسناد رجاله ثقات، سوى بكر بن سهل الدمياطى فإنه ضعفه النسائى، ووثقه غيره، كذا فى مجمع الزوائد ٤/١٠٠ من حديث عبيد بن نضيلة، وللحديث شاهد عن أبى هريرة وأنس ﵄ أخرجهما أبو داود فى سننه كتاب البيوع، باب فى التسعير ٣/٢٧٢ رقمى ٣٤٥٠، ٣٤٥١، وأحمد فى المسند ٣/٨٥ عن أبى سعيد الخدرى، ورجال أحمد رجال الصحيح كما قال الهيثمى فى مجمع الزوائد ٤/٩٩.
(٢) أخرجه أبو يعلى فى مسنده ضمن مسند أم سلمة ١٢/ ٣٨٢ رقم ٦٩٤٩، وسكت عنه الهيثمى فى مجمع الزوائد ١٠/٣٧١. قلت: لكن أصل حديث الشفاعة فى الصحيحين وغيرهما أهـ.
(٣) أى أصحاب الغنى، والحظوظ الدنيوية، وإنما حبسوا للحساب. ينظر: النهاية ١/٢٣٧.
(٤) أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب الرقاق، باب أكثر أهل الجنة الفقراء ٩/٦٢ رقم ٢٧٣٦، والبخارى (بشرح فتح البارى) كتاب النكاح، باب رقم ٨٧ جـ٩/٢٠٩ رقم ٥١٩٦، من حديث أسامة بن زيد ﵁.
[ ٥٠٩ ]
إن هذين الحديثين، وما فى معناهما، مما يفيد أن الله تعالى أرى نبيه ﷺ، كذا وكذا، يأتى تأكيدًا لقوله تعالى: ﴿إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله﴾ (١) .
فتأمل قوله تعالى: ﴿بما أراك الله﴾ وكل الأحاديث الصحيحة التى جاء فيها أن الله أطلع نبيه ﷺ، وأراه ما أراه، تعلم أن السنة النبوية وحى من الله تعالى إلى رسول الله ﷺ ٠
حديث جبريل المشهور الذى سأل فيه النبى ﷺ، عن الإيمان، والإسلام، والإحسان، والساعة، ففى نهايته قال ﷺ: يا عمر! أتدرى من السائل؟ قلت الله ورسوله أعلم. قال: فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم" (٢) .
عن أبى سعيد الخدرى ﵁، قال: بينما رسول الله ﷺ يصلى بأصحابه إذ خلع نعليه فوضعهما عن يساره، فلما رأى ذلك القوم، ألقوا نعالهم، فلما قضى رسول الله ﷺ صلاته قال: "ما حملكم على إلقائكم نعالكم؟ قالوا: رأيناك ألقيت نعليك، فألقينا نعالنا، فقال رسول الله ﷺ، إن جبريل ﵇ أتانى فأخبرنى أن فيها قذرًا" وقال: إذا جاء أحدكم إلى المسجد فلينظر فإن رأى فى نعليه قذرًا أو أذى فليمسحه، وليصل فيهما" (٣) وهكذا يراقبه الوحي، فإذا أصاب نعله شئ من النجاسة نبهه.
_________________
(١) الآية ١٠٥ النساء.
(٢) سبق تخريجه ص٢٥٥.
(٣) سبق تخريجه ص١٩.
[ ٥١٠ ]
وبالجملة: فالأحاديث التى قالها رسول الله ﷺ، فتحققت وفق ما أخبر، هذه يعترف العقل أنها لابد من وحى الله إليه ﷺ (١) والأحاديث التى تحدث فيها عن أخبار السابقين، وهو الصادق المصدوق ناطقة بأنها من وحى الله إليه، فما الذى أعلمه أخبار الأمم السابقة، وأنبيائها، إلا الوحي من الله تعالى إليه؟ (٢) .
والأحاديث التى تحدث فيها عن سنن الله الكونية، وأسرار الخليقة، كتحدثة عن تكوين الجنين فى بطن أمه، وأنه كيف يشبه أخواله أو أعمامه، وتحدثه عن الكثير من أسباب الصحة، فيحذر من امتلاء البطن، ويحث على النظافة، هذه مما يسلم العقل أنها من وحى الله تعالى إليه ﷺ (٣) .
_________________
(١) ينظر: أمثلة على ذلك فى: دلائل النبوة لأبى نعيم ٢/٤٦٤ – ٥٣٦، ودلائل النبوة للبيهقى ٦/٣١٢،والخصائص الكبرى للسيوطى ٢/١٦٨، ومعجزات الرسول ﷺ التى ظهرت فى زماننا للدكتور عبد المهدى عبد القادر.
(٢) ينظر: أمثلة على ذلك فى: صحيح البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب بدء الخلق ٦/٣٣٠، وكتاب الأنبياء ٦/٤١٦، وغير ذلك من المصادر السابقة.
(٣) ينظر: الطب فى السنة للدكتور محمد السنهورى فصل "القواعد الطبية العامة المستنبطة، ص١٥٤ – ١٩٦، وفصل "الطب الوقائى فى السنة" ص١٩٧، وفصل::"سبق السنة إلى مفاهيم طبية سبقت بها لعصر" ص١٩٧ – ٢٥٠، وينظر: الإبداعات الطبية لرسول الإنسانية للأستاذ مختار سالم، والطب الوقائى فى الإسلام للعميد الصيدلى عمر محمود عبد الله، والطب النبوى فى العلم الحديث للدكتور محمود النسيمى.
[ ٥١١ ]
ومن أقوى الأدلة على أن السنة من وحى الله الخالق سبحانه إلى رسول الله ﷺ؛ أن السنة على كثرة أحاديثها، وذيوعها وانتشارها، لا يجد فيها العقلاء إلا الحق الذى يسعد البشرية فى كل ناحية من نواحى الحياة، فى صحتها، فى اجتماعيتها، فى اقتصادها، فى نسلها، فى عقلها، فى كل شئون حياتها.
إن أحاديث رسول الله ﷺ، منذ أن قالها إلى الآن تنهل البشرية من خيرها وصوابها، يعترف بذلك المسلون، والمنصفون من غير المسلمين وهذا دليل قوى على أنها وحى الله ﷾، إلى رسول الله ﷺ (١) .
جـ- السلف يؤمنون بأن السنة وحى:
وإنى قد ذكرت الأدلة من كتاب ربنا، وسنة نبينا ﷺ، على أن السنة وحى من الله إلى رسوله، فإنى أزيد ذلك توضيحًا ورسوخًا بإيراد أقوال بعض السلف، بما يفيد أن السنة النبوية وحى من الله ﷿، إلى رسول الله ﷺ.
_________________
(١) المدخل إلى السنة النبوية للدكتور عبد المهدى عبد القادر ص٦١.
[ ٥١٢ ]
فعن حسان بن عطية (١) قال: كان جبريل ينزل على النبى ﷺ بالسنة، كما ينزل عليه بالقرآن، ويعلمه إياها كما يعلمه القرآن (٢) ونحو هذا القول روى عن الأوزعى (٣) .
وعن عبد الله بن المبارك (٤) قال: كان جبريل إذا نزل بالقرآن على النبى ﷺ يأخذه كالغشوة، فيلقيه على قلبه، فيسرى عنه وقد حفظه فيقرؤه، وأما السنن فكان يعلمه جبريل ويشافهه بها (٥) .
_________________
(١) هو: حسان بن عطية المعاربى، أبو بكر الدمشقى، ثقة، فقيه، عابد، ومن أفاضل أهل زمانه، مات بعد العشرين ومائة بعد الهجرة. له ترجمة فى: تقريب التهذيب ١/١٩٩ رقم ١٠٢٨، والكاشف ١/٣٢٠ رقم ١٠٠٤، والثقات للعجلى ص١١٢ رقم ٢٦٩، وحلية الأولياء ٦/٧٠ رقم ٣٣٠، وصفوة الصفوة ٤/٢٢٢ رقم ٧٥٥.
(٢) أخرجه الدارمى فى سننه المقدمة، باب السنة قاضية على كتاب الله ١/١٥٣ رقم ٥٨٨، والخطيب فى الفقيه والمتفقه ١/٢٦٦ رقمى ٢٦٨، ٢٦٩، وابن المبارك فى زيادات الزهد ص٢٣ رقم ٩١، والمروزى فى السنة ص٣٢ رقم ١٠٢، وابن عبد البر فى جامع بيان العلم ٢/١٩١، وأبو داود فى المراسيل ص١٦٧ رقم ٥٦٧، ورجال الخطيب فى أحد أسانيده برقم ٢٦٨ كلهم ثقات – فالإسناد صحيح.
(٣) أخرجه الخطيب فى الفقيه ١/٢٦٧ رقم ٢٧٠، وفيه إسحاق بن إبراهيم قال فيه الدارقطنى ليس بالقوى تاريخ بغداد ٦/٣٨١ فالإسناد ضعيف لكن يعضده ما سبق من الروايات.
(٤) هو: عبد الله بن المبارك بن واضح الحنظلى التميمى مولاهم، أبو عبد الرحمن، أحد الأئمة الأعلام، وكان ثقة، عالمًا، متثبتًا صحيح الحديث. مات سنة ١٨١هـ له ترجمة فى: تذكرة الحفاظ ١/٢٧٤ رقم ٢٦٠، والثقات لابن حبان ٧/٧، والديباج المذهب لابن فرحون ص٢١٢ رقم ٢٦١، وطبقات المفسرين للداودى ١/٢٥٠ رقم ٢٣٢.
(٥) أخرجه المروزى فى السنة ص٣٤ رقم ١١٢.
[ ٥١٣ ]
وعن عمر بن عبد العزيز (١) قال فى إحدى خطبه: "يا أيها الناس، إن الله لم يبعث بعد نبيكم نبيًا، ولم ينزل بعد هذا الكتاب الذى أنزله عليه كتابًا، فما أحل الله على لسان نبيه ﷺ، فهو حلال إلى يوم القيامة، وما حرم على لسان نبيه ﷺ، فهو حرام إلى يوم القيامة" (٢) .
وقال أيضًا: "سن رسول الله ﷺ، وولاة الأمر من بعده سننًا، الأخذ بها اتباع لكتاب الله ﷿، واستكمال لطاعة الله، وقوة على دين الله، ليس لأحد من الخلق تغييرها، ولا تبديلها، ولا النظر فى شئ خالفها، من اهتدى بها فهو المهتد، ومن انتصر بها فهو منصور، ومن تركها اتبع غير سبيل المؤمنين، وولاه الله ما تولاه، وأصلاه جهنم، وساءت مصيرًا" (٣) .
_________________
(١) هو: عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم بن أبى العاص الأموى، أمير المؤمنين، أمه: أم عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطاب، ولى إمرة المدينة للوليد، وكان مع سليمان كالوزير، وولى الخلافة بعده، فعد من الخلفاء الراشدين، مدة خلافته سنتان ونصف، مات سنة ١٠١هـ له ترجمة فى: طبقات الحفاظ للسيوطى ص٥٣ رقم ١٠١، وتقريب التهذيب ١/٧٢٢ رقم ٤٩٥٦، ومشاهير علماء الأمصار ص٢٠٩ رقم ١٤١١.
(٢) أخرجه الدارمى فى سننه المقدمة، باب ما يتقى من تفسير حديث النبى ﷺ وقول غيره عند قوله ﷺ ١/١٢٦ رقم ٤٣٣.
(٣) الشريعة للآجرى ص٤٨، ٦٥، وجامع بيان العلم لابن عبد البر ٢/١٨٦، ١٨٧.
[ ٥١٤ ]
فتأمل ما قاله خامس الخلفاء الراشدين على ملأ من الحاضرين لخطبته: "فما أحل الله على لسان نبيه ﷺ، فهو حلال إلى يوم القيامة، وما حرم الخ، وقوله: "الأخذ بما سن رسول الله ﷺ اتباع لكتاب الله، واستكمال لطاعة الله، وقوة على دين اللهالخ. تأمل ذلك تعلم عن يقين إيمان السلف جميعًا، بأن سنة رسول الله ﷺ، وحى من عند الله ﷿، واجبة الاتباع إلى يوم الدين.
وهكذا توضح الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية، وأقوال السلف أن السنة النبوية وحى من الله تعالى، إلى رسوله ﷺ، وهى صالحة لكل زمان ومكان، وواجبه الاتباع كالقرآن سواء بسواء، وعلى ذلك إجماع الأمة (١) منذ عهد نبيها ﷺ، إلى يومنا هذا، وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، دون اعتبار لقول من شذ، من المرجفين فى دين الله، العاملين على هدم كيان السنة المطهرة، والسيرة العطرة.
رابعًا: إذا تقرر لك أن لرسول الله ﷺ، سنة، هى وحى من ربه ﷿، واجب قبولها واتباعها، فقد حان الوقت لبيان حقيقة وهدف تمسح أعداء السنة، بإيمانهم ببيان نبوى لرسول الله ﷺ فى رسالته.
_________________
(١) ينظر: إرشاد الفحول للشوكانى ١/١٥٨، وتيسير التحرير لمحمد أمين ٣/٢٢، والتقرير والتحبير لابن أمير الحاج ٢/٢٢٥، والتلويح فى كشف حقائق التنقيح لسعد الدين التفتازانى ١/٣٨، وفواتح الرحموت لعبد العلى الأنصارى ١/١٦، ١٧.
[ ٥١٥ ]
إن من يتسترون بعباءة القرآن، ويستدلون بظاهره، على أن مهمة الرسول الوحيدة هى تبليغ القرآن فقط، وجدوا أنفسهم فى مأزق من القرآن الكريم، حيث يصرح بتبيان لرسول الله ﷺ فى رسالته زائد على مجرد البلاغ، فاعترف بعضهم بهذا التبيان، إلا أنهم لا يعترفون بأن هذا التبيان، المراد به الحكمة، والتى فسرت بأنها سنة رسول الله ﷺ، وأنها بوحى من الله تعالى على ما سبق قريبًا ومن هنا كان إيمانهم بهذا التبيان النبوى إيمانًا كاذبًا من وجهين:
الوجه الأول: أنهم يشترطون لهذا البيان النبوى أن يوافق القرآن الكريم بمفهومهم هم، القائم على إنكار السنة المطهرة؛ بدليل أنهم ينكرون جميع أنواع بيان السنة للقرآن؛ من تأكيد السنة لما جاء فى القرآن الكريم، وتفصيل لمجمله، وتقييد لمطلقه، وتخصيص لعامه، وتوضيح لمشكله، سواء كان هذا البيان فى العبادات من طهارة، وصلاة، وزكاة، وحج، أو فى المعاملات من بيع وشراء، ورهن، وسلم الخ أو فى الحدود من قطع، ورجم، الخ، أو فى الأحوال الشخصية من نكاح، وطلاق، ورضاع، وميراث. وغير ذلك (١) .
وبالجملة: ينكرون جميع أنواع بيان رسول الله ﷺ، لما اشتمل عليه القرآن الكريم، من عقائد وأحكام فى الدين والدنيا (٢) .
_________________
(١) ينظر: تفصيل كل ما سبق بأمثلته فى: منزلة السنة من الكتاب للأستاذ محمد سعيد منصور ص١٢٥ – ٤٦٦، والمدخل إلى السنة النبوية للدكتور عبد المهدى عبد القادر ص١٣٥ – ١٤٨، ومنزلة السنة فى التشريع الإسلامى للدكتور محمد الجامى ص٢٢ – ٣٠.
(٢) يراجع: مصادرهم السابقة ص٣٢٧ – ٣٢٨.
[ ٥١٦ ]
والوجه الثانى: أنهم حتى مع تظاهرهم بالإيمان بالبيان النبوى؛ فقيمة هذا الإيمان كعدمه. وتأمل كلام إسماعيل منصور بعد قوله السابق: "أن لرسول الله، بيان نبوى للقرآن، نرفعه على العين والرأس، متى ثبت تحقيقًا، لا يخالف بأى حال، أحكام ومدلولات القرآن الكريمالخ (١) قال فى وصف قيمة هذه السنة البيانية: "إنها للاستئناس لا للاستدلال، وللبيان لا للإثبات، الأمر الذى يجعل الآخذين بها والرافضين لها، أمام الشرع على حد سواء. فلا إلزام لأى طرف منهما على قبول رأى الآخر، فالأخذ بها فعله مقبول، والرافض لها فعله مقبول كذلك" (٢) .
قلت: فإذا كان هذا البيان لكتاب الله، الآخذ به والرافض له سواء! فأى قيمة لهذا البيان، حتى لو اعترفوا بأن هذا البيان هو السنة؟!.
_________________
(١) يراجع: ص٣٣٩.
(٢) تبصير الأمة بحقيقة السنة ص٦٦٣.
[ ٥١٧ ]
وتأمل أيضًا ما قاله عبد العزيز الخولى: "وأما ما ورد فى السنة من أحكام، فإن كان مخالفًا لظاهر القرآن، فالقرآن مقدم عليه، ويعتبر ذلك طعنًا فى الحديث من جهة متنه ولفظه، وإن صح سنده، فإن الحديث لا يكون حجة إلا إذا سلم سنده ومتنه من الطعن، ولذلك أجاز بعض المسلمين (١) نكاح المرأة على عمتها أو خالتها إلى أن قال: "وإن كل ما فى السنة لا يخالف ظاهر القرآن، فهو اجتهاد من الرسول، يرجع إلى أصل قرآنى عرفه الرسول، وجهلناه نحن أو عرفناه" (٢) فتأمل قوله فى البيان النبوى: "وجهلناه نحن أو عرفناه" إذ العبرة عنده فى أول الأمر وآخره، هى: ظاهر القرآن، سواء عرف السنة البيانية أم جهلها، فهى فى حالة معرفته بها، لم تضف جديدًا، وفى هذه الحالة العبرة بالقرآن، وفى حالة استقلالها بتشريع أحكام جديدة، تكون السنة مخالفة لظاهر القرآن؛ فلا حجة فيها. هكذا حال لسانه! ولا أدرى من أين فهموا قيمة هذا البيان النبوى للقرآن الكريم؟ حيث أن آيات القرآن الكريم السابق ذكرها، والتى تسند مهمة البيان، تصرح بأن هذا البيان وحى من الله ﷿: ﴿ثم إن علينا بيانه﴾ (٣) ﴿إن أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله﴾ (٤) وغير ذلك من الآيات (٥) .
فهل فى الإسلام، وحى واجب الاتباع؛ ووحى الآخذ به، فعله مقبول والرافض له، فعله مقبول أيضًا؟!!.
_________________
(١) صرح فى هامش كتابه مفتاح السنة ص٧، بأنهم الخوارج، والشيعة، والروافض فهل هؤلاء مسلمون؟!! ينظر: نيل الأوطار للشوكانى ٦/١٤٨ حيث نقل عن الإمام القرطبى إجماع المسلمين على التحريم، واستثنى الخوارج. قال: ولا يعتد بخلافهم لأنهم مرقوا من الدين أهـ.
(٢) مفتاح السنة ص٦ – ١١.
(٣) الآية ١٩ القيامة.
(٤) الآية ١٠٥ النساء.
(٥) يراجع: ص٣٤٢، ٣٤٣.
[ ٥١٨ ]
.. وإذا كان هذا البيان النبوى يحل مشاكل الاختلاف التى يمكن أن تحدث بين العباد، فى فهم وتطبيق، المراد من مجمل القرآن، وعامة، ومطلقة، ومشكلة الخ كما صرح بذلك القرآن الكريم فى قوله تعالى: ﴿وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذى اختلفوا فيه وهدى ورحمة لقوم يؤمنون﴾ (١) .
فهل يعقل أو يقبل بعد ذلك أن يكون هذا البيان النبوى غير ملزم؛ ولا واجب الاتباع؟! وما فائدة تنويه القرآن إلى هذا البيان النبوى حينئذ؟! وما قيمة المبين (القرآن) مع عدم حجية البيان (السنة)؟ إن البيان النبوى (السنة المطهرة) متى صح تكون منزلته، ومنزلته القرآن، سواء بسواء فى حجيته، ووجوب العمل به؛ وعلى هذا انعقد إجماع من يعتد به من علماء الأمة قديمًا وحديثًا (٢) .
خامسًا: زعم بعضهم أن ما استقلت به السنة المطهرة من أحكام، مرفوض بحجة مخالفته للقرآن الكريم، وفيه تشويه لسيرة رسول الله ﷺ بجعله مشرعًا (٣) ويضربون أمثلة بحد المحصن "الرجم" وحد الردة "القتل".
وهذه المزاعم يجاب عنها بما يلى:
_________________
(١) الآية ٦٤٠ النحل مع آية ٣٩ من نفس السورة ﴿ليبين لهم الذى يختلفون فيه وليعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين﴾ ٠
(٢) ينظر: منزلة السنة من الكتاب للأستاذ محمد سعيد منصور ص٤٦٩، ٤٧٠، وحجية السنة للدكتور عبد الغنى عبد الخالق ص٤٤٤، ٤٤٥.
(٣) يراجع: كلام صالح الوردانى ص٣٣٩.
[ ٥١٩ ]
يتفق العلماء أجمع على وجود أحكام، لم ترد فى القرآن، لا نصًا ولا صراحة، ولكنهم يختلفون خلافًا لفظيًا، حول تسمية تلك الأحكام الواردة فى السنة. فالجمهور من العلماء يقولون: إن هذا هو الاستقلال فى التشريع بعينه؛ لأنه إثبات لأحكام لم ترد فى القرآن، وأن هذه الأحكام واجبة الاتباع، عملًا بعشرات الآيات التى تأمر بطاعة رسول الله ﷺ، واتباعه، وتحذر من مخالفته، وهذه الآيات جميعها (١) تستلزم أن يكون هناك أمور من الدين تأتى بها السنة، وهى حجة، وإلا فلا معنى للأمر بطاعته ﷺ.
أما الإمام الشاطبى (٢) ومن نحا نحوه: فإنهم مع إقرارهم بوجود أحكام لم ترد فى القرآن إلا أنهم يقولون: إنها ليست زيادة على شئ ليس فى القرآن، وإنما هى زيادة الشرح، المستنبط من المشروح بإلهام إلهى، ووحى ربانى وتأييد سماوى، وبعبارة أخرى: هى داخلة تحت أى نوع من أنواع السنة البيانية، أو داخلة تحت قاعدة من قواعد القرآن الكريم. وهم بذلك يرون أن تلك الأحكام لا تخالف القرآن الكريم.
_________________
(١) سيأتى تفصيل تلك الآيات فى المطلب التالى ص٣٦٤.
(٢) هو إبراهيم بن موسى الغرناطى، الشهير بالشاطبى، أبو إسحاق، مفسر، أصولى، لغوى، محدث، ورع زاهد، من مؤلفاته النفيسة: الموافقات فى أصول الفقه، والاعتصام فى الحوادث والبدع، مات سنة= =٧٩٠هـ له ترجمة فى: شجرة النور الزكية لمحمد مخلوف ٢٣١ رقم ٨٢٨، والمجددون فى الإسلام لعبد المتعال الصعيدى ص٣٠٥، والفتح المبين لعبد الله المراغى ٢/٢٠٤، وأصول الفقه وتاريخه للدكتور شعبان إسماعيل ص٣٨٤.
[ ٥٢٠ ]
وفى ذلك يقول الإمام الشاطبى ردًا على دعوى مخالفة الرجم للقرآن الكريم يقول: "قولهم (١) هذا مخالف لكتاب الله ﷿، لأنه قضى ﷺ بالرجم والتغريب (٢) وليس للرجم ولا للتغريب فى كتاب الله ذكر، فإن كان الحديث باطلًا فهو ما أردنا، وإن كان حقًا فقد ناقض كتاب الله بزيادة الرجم والتغريب. يقول الشاطبى: فهذا اتباع للمتشابه، لأن الكتاب فى كلام العرب، وفى الشرع يتصرف على وجوه منها: الحكم والفرض كقوله تعالى: ﴿كتاب الله عليكم﴾ (٣) أى فرض الله عليكم وقوله: ﴿كتب عليكم الصيام﴾ (٤) أى فرض عليكم، وكذا قوله ﴿وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال﴾ (٥) فكان المعنى: "لأقضين بينكما بكتاب الله" أى بحكم الله وفرضه الذى شرع لنا، ولا يلزم أن يوجد هذا الحكم فى القرآن، كما أن الكتاب يطلق على القرآن، فتخصيصهم الكتاب بأحد المحامل من غير دليل اتباع لما تشابه من الأدلة" (٦) .
_________________
(١) يحكى الإمام هذا الكلام عن أهل الابتداع قديمًا، وحديثًا تابعهم من سبق ذكرهم ص٣٣٩، ٣٤٠.
(٢) إشارة إلى قوله ﷺ، لوالد الزانى بامرأة الرجل الذى صالحه على الغنم والخادم: "والذى نفسى بيده لأقضين بينكما بكتاب الله، الوليدة والغنم رد. وعلى ابنك، جلد مائة، وتغريب عام" أخرجه من حديث أبى هريرة وزيد بن خالد الجهنى، مسلم (بشرح النووى) كتاب الحدود، باب من اعترف على نفسه بالزنا ٦/٢١٤ رقمى ١٦٩٧، ١٦٩٨، والبخارى (بشرح فتح البارى) كتاب الحدود، باب الاعتراف بالزنا ١٢/١٤٠ رقمى ٦٨٢٧، ٦٨٢٨.
(٣) جزء من الآية ٢٤ النساء.
(٤) جزء من الآية ١٨٣ البقرة.
(٥) جزء من الآية ٧٧ النساء.
(٦) الاعتصام ١/١٩٩، ٢٠٠، ٢/٥٥٨، ٥٥٩، وينظر: تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة ص٨٨ – ٩٠، وضلالات منكرى السنة للدكتور طه حبيشى ص٢٩٥.
[ ٥٢١ ]
ثم قال الإمام الشاطبى: "وقول من زعم (١) أن قوله تعالى فى الإماء: ﴿فإن أتين بفاحشة
فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب﴾ (٢) لا يعقل مع ما جاء فى الحديث: أن النبى ﷺ رجم، ورجمت الأئمة بعده (٣)؛ لأنه يقتضى أن الرجم ينتصف، وهذا غير معقول، فكيف يكون نصفه على الإماء؟ هذا ذهابًا منهم إلى أن المحصنات هن ذوات الأزواج، وليس كذلك، بل المحصنات هنا المراد بهن الحرائر، بدليل قوله أول الآية: ﴿ومن لم يستطع منكم طولًا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات﴾ (٤) وليس المراد هنا إلا الحرائر؛ لأن ذوات الأزواج لا تنكح" (٥) .
_________________
(١) حكاية منه عن أهل الابتداع قديمًا، وتابعهم حديثا. توفيق صدقى فى مقاله: "الإسلام هو القرآن وحده" فى مجلة المنار المجلد ٩/٥٢٣، ٥٢٤، وأحمد حجازى السقا فى كتابيه إعجاز القرآن ص٧٩، ودفع الشبهات ص١٠٨، والسيد صالح أبو بكر فى الأضواء القرآنية ص٣١٣، ٣١٤، ومصطفى المهدوى فى البيان بالقرآن ١/٣٣٤، ٣٥٦، ونيازى عز الدين فى دين السلطان ص٩٤٨، وأحمد صبحى منصور فى لماذا القرآن ص١١٢ وغيرهم.
(٢) جزء من الآية ٢٥ النساء.
(٣) يشير إلى قول عمر بن الخطاب: "رجم رسول الله ﷺ، ورجم أبو بكر، ورجمت الحديث أخرجه الترمذى فى سننه، كتاب الحدود، باب ما جاء فى تحقيق الرجم ٤/٢٩ رقم ١٤٣١ وقال حسن صحيح، ومالك فى الموطأ كتاب الحدود، باب ما جاء فى الرجم ٢/٦٢٨ رقم ١٠، والشافعى فى مسنده ص٢٩٤ رقم ٧٩٢، والبيهقى فى السنن الكبرى ٨/٢١٣.
(٤) الآية ٢٥ النساء.
(٥) الاعتصام ٢/٥٠٩، ٥٦٠، وينظر: تأويل مختلف الحديث ص١٧٧، ١٧٨.
[ ٥٢٢ ]
قلت: وكذلك حد الردة الذى يزعمون أنه يناقض القرآن الكريم تجد أصله فى كتاب الله ﷿، وتأمل قوله تعالى: ﴿إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون فى الأرض فسادًا أن يقتلوا﴾ (١) والمحاربة والإفساد يكون باليد وباللسان، بل إن محاربة الله ورسوله باللسان أشد، والسعى فى الأرض لفساد الدين باللسان أوكد، ومن هنا كان المرتد عن دين الإسلام، المحارب لله ورسوله، أولى باسم المحارب المفسد من قاطع الطريق. ويؤيد أن المحارب لله ورسوله باللسان قد يفسر بالمحارب قاطع الطريق، ما رواه أبو داود فى سننه مفسرًا لقوله ﷺ: "التارك لدينه المفارق للجماعة" (٢) عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ: "لا يحل دم امرئ مسلم، يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، إلا بإحدى ثلاث، رجل زنى بعد إحصان، فإنه يرجم، ورجل خرج محاربًا لله ورسوله، فإنه يقتل أو يصلب، أو ينفى من الأرض، أو يقتل نفسًا فيقتل بها" (٣) .
ويؤيد أن المرتد عن دين الإسلام، المشكك والطاعن فى كتاب الله ﷿، وسنة رسوله ﷺ، محارب لله ورسوله، وتشمله الآية الكريمة ما روى عن أنس، وابن عمر، وابن عباس، وغيرهم. أن آية المحاربة نزلت فى قوم عرينة: سرقوا، وقتلوا، وكفروا بعد إيمانهم، وحاربوا الله ورسوله.
_________________
(١) الآية ٣٣ المائدة.
(٢) عن ابن مسعود مرفوعًا: "لا يحل دم امرئ مسلم، يشهد أن لا إله إلا الله، وأنى رسول الله، إلا بإحدى ثلاث، الثيب الزانى، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة" أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب القسامة، باب ما يباح به دم المسلم ٦/١٧٩ رقم ١٦٧٦، والبخارى (بشرح فتح البارى) كتاب الديات، باب قوله تعالى: "أن النفس بالنفس" ١٢/٢٠٩ رقم ٦٨٧٨.
(٣) أخرجه أبو داود فى سننه كتاب الحدود، باب الحكم فيمن ارتد ٤/١٢٦ رقم ٤٣٥٣، ورجاله كلهم ثقات فالإسناد صحيح.
[ ٥٢٣ ]
فعن ابن عمر: أن ناسًا أغروا على إبل النبى ﷺ، فاستقوها، وارتدوا عن الإسلام، وقتلوا راعى رسول الله ﷺ، مؤمنًا، فبعث فى آثارهم، فأخذوا، فقطع أيديهم وأرجلهم، وسَمَلَ أعينهم، قال: ونزلت فيهم آية المحاربة (١) .
ويدل أيضًا على قتل المرتد قوله تعالى: ﴿لئن لم ينته المنافقون والذين فى قلوبهم مرض والمرجفون فى المدينة لنغرينك بهم ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلًا ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا سنة الله فى الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلًا﴾ (٢) .
قال الحسن البصرى (٣): أراد المنافقون أن يظهروا ما فى قلوبهم من النفاق، فأوعدهم الله فى هذه الآية، فكتموه وأسروه (٤) وهذا يعنى: أن المنافق حين يظهر كفره، ويطعن فى دين الله ﷿؛ يأخذ ويقتل عقابًا له.
_________________
(١) أخرجه أبو داود فى سنته كتاب الحدود، باب ما جاء فى المحاربة ٤/١٣١ رقم ٤٣٦٩، وينظر: الروايات الأخرى أرقام: ٤٣٦٤ – ٤٣٧٢، ففيها أيضًا التصريح بنزول آية المحاربة فيمن ارتدوا وحاربوا. وأصل قصة العرنيين فى الصحيحين. ينظر: صحيح البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب الحدود، باب المحاربين من أهل الكفر والردة ١٢/١١١ – ١١٤ أرقام ٦٨٠٢ – ٦٨٠٥، ومسلم (بشرح النووى) كتاب القسامة، باب حكم المحاربين المرتدين ٦/١٦٧ رقم ١٦٧١.
(٢) الآية ٦٠ الأحزاب.
(٣) هو: أبو سعيد الحسن بن أبى الحسن يسار البصرى، مولى زيد بن ثابت، كان عالمًا رفيعًا، ثقة، حجة، ولد لسنتين بقيتا من خلافة عمر. مات سنة ١١٠هـ له ترجمة فى: تذكرة الحفاظ ١/٧١ رقم ٦٦، ووفيات الأعيان ٢/٦٩ رقم ١٥٦، وتهذيب التهذيب ٢/٢٦٣ رقم ٤٨٨، وطبقات المفسرين للداودى ١/١٥٠ رقم ١٤٤.
(٤) الصارم المسلول على شاتم الرسول لابن تيميه ص٣٤٨، ٣٤٩، وينظر: الدر المنثور ٥/٢٢٢، وروح المعانى ٢٢/ ٩٠، ٩١.
[ ٥٢٤ ]
والسؤال هنا: هل هناك شك فى أن المرتد عن دين الإسلام منافق؟ يسعى إلى تفريق جماعة المسلمين، وإفساد دينهم عليهم!.
إن المرتد، إن كانت ردته بينه وبين نفسه، دون أن ينشر ذلك بين الناس، ويثير الشكوك فى قلوبهم، فلا يستطيع أحد أن يتعرض له بسوء، فالله وحده هو المطلع على ما تخفى الصدور. أما إذا أظهر المرتد عن دين الإسلام ردته، وأثار الشكوك فى نفوس المسلمين بالنطق بكلمة الكفر، وإنكار ما هو معلوم من الدين بالضرورة، كان حاله حينئذ، حال المنافق الذى يظهر ما فى قلبه من الكفر والنفاق، وجهاده واجب عملًا بقوله تعالى: ﴿يا أيها النبى جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ومأواهم جهنم وبئس المصير. يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم وهموا بما لم ينالوا وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله فإن يتوبوا يك خيرًا لهم وإن يتولوا يعذبهم الله عذابًا أليمًا فى الدنيا والآخرة وما لهم فى الأرض من ولى ولا نصير﴾ (١) .
ووجه الدليل فى الآيتين: أن الله ﷿، أمر رسول الله ﷺ، بجهاد المنافقين كما أمره بجهاد الكافرين، وأن جهادهم إنما يمكن إذا ظهر منهم، من القول أو الفعل ما يوجب العقوبة، فإنه ما لم يظهر منهم شئ ألبتة لم يكن لنا سبيل عليهم. فإذا ظهر منهم كلمة الكفر. كما قال ﷿: ﴿وكفروا بعد إسلامهم﴾ فجهادهم بالقتل؛ وهو العذاب الأليم الذى توعدهم به رب العزة فى الدنيا بقوله: ﴿وإن يتولوا يعذبهم الله عذابًا أليمًا فى الدنيا والآخرة﴾ ٠
_________________
(١) الآيتان ٧٣، ٧٤ التوبة.
[ ٥٢٥ ]
وهذه الآية نظير قوله تعالى: ﴿قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا﴾ (١) قال أهل التفسير: "أو بأيدينا" بالقتل؛ إن أظهرتم ما فى قلوبكم قتلناكم، وهو كما قالوا؛ لأن العذاب على ما يبطنونه من النفاق بأيدينا لا يكون إلا بالقتل لكفرهم (٢) .
فهل بعد كل هذه الآيات الكريمات شك فى أن المرتد عن الإسلام إذا أظهر كلمة الكفر مثل المنافق جزاؤه القتل بصريح القرآن الكريم؟! وهل بعد ذلك شك فى أن حد الردة الوارد فى السنة المطهرة لا يناقض القرآن الكريم؟!.
إن ما زعمه أدعياء العلم، من مخالفة حد الرجم، وحد الردة، لكتاب الله ﷿، زعم باطل، فتلك الأحكام الجديدة التى جاءت بها السنة المطهرة، هى تبيان لكتاب الله ﷿، ولا تخالفه على ما سبق، وهذا على رأى من لا يسمى الأحكام الزائدة أو الجديدة فى السنة استقلالًا. أما من يسميها استقلالًا، فيقر بها، ويرى أنها واجبة الاتباع، عملًا بنص القرآن على وجوب طاعة رسول الله ﷺ، ووجوب قبول كل ما أخبر به أو قضى به.
وأنت ترى هنا أن الخلاف بين العلماء فى الأحكام الجديدة الواردة فى السنة المطهرة، الخلاف بينهم لفظى، فالكل يعترف بوجود أحكام فى السنة المطهرة، لم تثبت فى القرآن الكريم، ولكن بعضهم لا يسمى ذلك استقلالًا، والبعض الآخر يسميه. والنتيجة واحدة؛ وهى حجية تلك الأحكام الزائدة، ووجوب العمل بها.
_________________
(١) الآية ٥٢ التوبة؛ وهذه الآية نظير قوله تعالى: ﴿سنعذبهم مرتين ثم يردون إلى عذاب عظيم﴾ الآية ١٠١ التوبة، والمراد بالمرة الأولى فى الدنيا بقتلهم، والثانية فى البرزخ فى قبورهم. ينظر: تفسير القرآن العظيم ٤/١٤٣، وفتح البارى ٣/٢٨٦ رقم ١٣٦٩.
(٢) الصارم المسلول على شاتم الرسول ﷺ ص٣٤٥.
[ ٥٢٦ ]
ب- ليس فى الأحكام الزائدة على كتاب الله ﷿، ما يشوه سيرة رسول الله ﷺ، بجعله مشرعًا؛ كما يزعم أعداء السنة المطهرة! لأن الله تعالى قد جعل من جملة صفات رسوله ﷺ، ومن مهامه الكبار، أنه يحلل ويحرم، وهكذا جاء وصفه ﷺ فى الكتب السماوية السابقة، وهو ﵊، لا يشرع من عند نفسه، إنما يشرع حسب ما يريه الله تعالى ويوحيه إليه، لأنه لا ينطق عن الهوى، وتأمل قوله تعالى: ﴿الذين يتبعون الرسول النبى الأمى الذى يجدونه مكتوبًا عندهم فى التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التى كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذى أنزل معه أولئك هم المفلحون﴾ (١) .
فقوله تعالى: "يحل، يحرم، يضع" هذه من خصائص المشرع الحقيقى، ولكنه ﷺ، لا يفعل من عند نفسه كما قلت، إنما يوحى الله تعالى إليه. فأطايب اللحم، كان محرمًا على بنى إسرائيل: ﴿إلا ما حرم إسرائيل على نفسه﴾ (٢) فقد أباحه النبى ﷺ، كلحم الإبل، وشحم البقر، والغنم، على التفصيل المذكور فى قوله تعالى: ﴿وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذى ظفر ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما إلا ما حملت ظهورهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم ذلك جزيناهم ببغيهم وإنا لصادقون﴾ (٣) .
_________________
(١) الآية ١٥٧ الأعراف.
(٢) جز من الآية ٩٣ آل عمران.
(٣) الآية ١٤٦ الأنعام.
[ ٥٢٧ ]
.. وقوله تعالى: ﴿ويحرم عليهم الخبائث﴾ كالميتة، والخنزير، والخمر، والربا الخ وقوله تعالى: ﴿ويضع عنهم إصرهم﴾ أى ثقلهم ﴿والأغلال﴾ أى القيود التى كانت عليهم، كوجوب قتل النفس فى التوبة، بينما فى ديننا هو الاستغفار والندم، وغسل النجاسة بالماء، بينما كانت تقرض بالمقراض، فهذا كله تخفيف من الله تعالى ورحمة، أوحى به إلى نبيه ﷺ، وعلينا السمع والطاعة والامتثال.
وبالجملة: إذا قيل إن رسول الله ﷺ، له حق التشريع، فمرد هذا التشريع عند من يقول بذلك إلى الله ﷿. لأن ما يصدر عن رسول الله ﷺ فى تبيانه لكتاب الله، لا يخلو عن أن يكون هذا البيان النبوى – حتى ولو كان بأحكام زائدة – أوحى الله تعالى بمعناه إلى رسوله ﷺ، وعبر عنه رسول الله، بألفاظ من عنده، وهذا هو الأعم الأغلب فى السنة النبوية، فيجب قبوله، لما تقرر من عصمته ﷺ فى بلاغه لوحى الله تعالى – قرآنًا وسنة – وإما أن يقول رسول الله تبيانًا أو حكمًا باجتهاده مما يعلم أنه من شرع الله تعالى، فإن وافق قوله أو فعله أو حكمه مراد الله ﷿، فالأمر كما أخبر به ﵊. وإن كان الأمر يحتاج إلى صحيح أو توضيح؛ أوحى الله تعالى إلى نبيه بالتصحيح. وهذا هو الأقل النادر فى السنة النبوية.
وبهذا التصحيح تصبح السنة فى هذه الحالة؛ حكم الله فى النهاية، حجة على العباد إلى يوم الدين، وتجب طاعة رسول الله ﷺ. فى هذه السنة، بيانية كانت، أو زائدة على كتاب الله عزوجل. يدل على ذلك عشرات الآيات القرآنية التى تحض على طاعته ﷺ وتحذر من مخالفته.
وإذا كان أعداء السنة المطهرة، والسيرة العطرة، ينكرون ذلك. ويزعمون أن طاعته ﷺ تنحصر فى القرآن فقط.
فإلى بيان شبهتهم فى المطلب التالى والرد عليها
[ ٥٢٨ ]