فصول نافعة في هديه ﷺ في الطب الذي تطبب به ووصفه لغيره
فصل
قد أتينا على جُمَلٍ من هديه - ﷺ - في المغازي والسِّيَر والبعوث والسرايا والرسل والكتب التي كتب بها إلى الملوك ونُوَّابهم. ونحن نُتبِع ذلك بذكر فصولٍ نافعةٍ في هديه في الطِّبِّ الذي تطبَّب به ووصَفه لغيره، ونبيِّن ما فيه من الحكمة الَّتي تعجز عقولُ أكثر الأطبَّاء عن الوصول إليها، وأنَّ نسبة طبِّهم إليها كنسبة طبِّ العجائز إلى طبِّهم؛ فنقول وبالله نستعين (^١) ومنه نستمدُّ الحول والقوَّة:
المرض نوعان: مرض القلوب ومرض الأبدان، وهما مذكوران في القرآن.
ومرض القلوب نوعان: مرض شبهةٍ (^٢) وشكٍّ، ومرض شهوةٍ وغيٍّ. وكلاهما في القرآن.
قال تعالى في مرض الشُّبهة: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ [البقرة: ١٠]. وقال تعالى: ﴿الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ﴾ [المدثر: ٣١]. وقال تعالى في حقِّ من دُعي إلى تحكيم القرآن والسُّنَّة، فأبى وأعرض: ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ (٤٨) وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ (٤٩) أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [النور: ٤٨ - ٥٠]. فهذا مرض الشُّبهات والشُّكوك.
وأمَّا مرض الشَّهوات، فقال تعالى: ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ [الأحزاب: ٣٢]. فهذا
_________________
(١) ث، ن: «المستعان». وفي د: «التوفيق»، ولم يرد فيها: «ومنه نستمد الحول والقوة».
(٢) د: «بشبهة».
[ ٤ / ٥ ]
مرض شهوة الزِّنا (^١).
فصل
وأمَّا مرض الأبدان فقال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ [النور: ٦١]. وذكر مرض البدن في الحجِّ والصَّوم والوضوء لسرٍّ بديعٍ يبيِّن لك عظمةَ القرآن والاستغناء به لمن فَهِمَه وعقَلَه عن سواه. وذلك أنَّ قواعد طبِّ الأبدان ثلاثةٌ: حفظ الصِّحَّة، والحِمْية عن المؤذي، واستفراغ الموادِّ الفاسدة. فذكر سبحانه هذه الأصول الثَّلاثة في هذه المواضع الثَّلاثة.
فقال في آية الصَّوم: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤]. فأباح الفطرَ للمريض لعذر المرض، وللمسافر طلبًا لحفظ صحَّته وقوَّته لئلَّا يُذْهِبها الصَّوم في السَّفر، لاجتماع شدَّةِ الحركة وما توجبه (^٢) من التَّحليل، وعدمِ الغذاء الذي يخلُف ما تحلَّل، فتخور القوَّة وتضعف؛ فأباح للمسافر الفطرَ حفظًا لصحَّته وقوَّته عمَّا يُضْعِفها.
وقال في آية الحجِّ: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦]. فأباح للمريض ومن به أذًى في (^٣) رأسه من قَمْلٍ أو حِكَّةٍ أو غيرها (^٤) أن يحلِق رأسَه في الإحرام استفراغًا لمادَّة الأبخِرة
_________________
(١) في ن وحدها بعده: «والله أعلم».
(٢) أهمل حرف المضارع في بعض النسخ، وفي بعضها: «يوجبه»، والمثبت من ن.
(٣) ما عدا ف، ز، د: «من».
(٤) ز: «وغيرها». س: «غيرهما».
[ ٤ / ٦ ]
الطب نوعان أيضا: طب القلوب وطب الأبدان
الرَّديَّة (^١) الَّتي أوجبت له الأذى في رأسه باحتقانها تحت الشَّعر، فإذا حلَق رأسه تفتَّحت المسامُّ، فخرجت تلك الأبخِرة منها. فهذا الاستفراغ يقاس عليه كلُّ استفراغٍ يؤذي انحباسُه.
والأشياء الَّتي يؤذي انحباسها ومدافعتها عشرةٌ: الدَّم إذا هاج، والمنيُّ إذا تبيَّغ (^٢)، والبول، والغائط، والرِّيح، والقيء، والعطاس، والنَّوم، والجوع، والعطش. وكلُّ واحدٍ من هذه العشرة يُوجِب حبسُه داءً من الأدواء بحسبه (^٣). وقد نبَّه سبحانه باستفراغ أدناها ــ وهو البخار المحتقِن في الرَّأس ــ على استفراغ ما هو أصعب منه، كما هي طريقة القرآن: التَّنبيه بالأدنى على الأعلى.
وأمَّا الحِمية، فقال تعالى في آية الوضوء: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣]. فأباح للمريض العدول عن الماء إلى التُّراب حميةً له أن يصيب جسدَه ما يؤذيه، وهذا تنبيهٌ على الحمية عن كلِّ مؤذٍ له من داخلٍ أو خارجٍ.
فقد أرشد سبحانه عباده إلى أصول الطِّبِّ ومجامع قواعده (^٤). ونحن نذكر هدي رسول الله - ﷺ - في ذلك، ونبيِّن أنَّ هديه فيه أكمل هديٍ.
فأمَّا طبُّ القلوب، فمسلَّمٌ إلى الرُّسل صلوات الله عليهم وسلامه، ولا سبيل إلى حصوله إلا من جهتهم وعلى أيديهم، فإنَّ صلاح القلوب أن تكون
_________________
(١) كذا بالتسهيل في جميع النسخ.
(٢) أي هاج ــ كما في حاشية ز، س ــ وغلب. ولم تحرر الكلمة في أكثر النسخ.
(٣) س، حط: «بحبسه»، تصحيف.
(٤) بعده في س، ث، ل وفوق السطر في ز: «الثلاثة».
[ ٤ / ٧ ]
عارفةً بربِّها وفاطرها وبأسمائه وصفاته وأفعاله وأحكامه، وأن تكون مُؤْثِرةً لمرضاته ومحابِّه (^١)، متجنِّبةً لمناهيه ومساخطه؛ ولا صحَّة لها ولا حياة البتَّة إلا بذلك، ولا سبيل إلى تلقِّيه إلا من جهة الرُّسل. وما يُظَنُّ من حصول صحَّة القلب بدون اتِّباعهم فغلطٌ ممَّن يظنُّ ذلك، وإنَّما ذلك حياة نفسه البهيميَّة الشَّهوانيَّة (^٢) وصحَّتها وقوَّتها؛ وحياةُ قلبه وصحَّتُه وقوَّتُه عن ذلك بمعزلٍ. ومن لم يميِّز بين هذا وهذا، فليبكِ على حياة قلبه فإنَّه من الأموات، وعلى نوره فإنَّه منغمسٌ في بحار الظُّلمات.
فصل
وأمَّا طبُّ الأبدان، فإنَّه (^٣) نوعان:
نوعٌ قد فطر الله عليه الحيوانَ ناطقَه وبهيمَه. فهذا لا يحتاج فيه إلى معالجة طبيبٍ، كطبِّ الجوع والعطش والبرد والتَّعب بأضدادها وما يزيلها.
والثَّاني: ما يحتاج إلى فكرٍ وتأمُّلٍ، كدفع الأمراض المتشابهة الحادثة في المزاج بحيث يخرج بها عن الاعتدال، إمَّا إلى حرارةٍ أو برودةٍ أو يبوسةٍ أو رطوبةٍ، أو ما يتركَّب من اثنين منها. وهي نوعان: إمَّا مادِّيَّةٌ وإمَّا كيفيَّةٌ، أعني: إمَّا أن يكون بانصباب مادَّةٍ أو بحدوث كيفيَّةٍ. والفرق بينهما أنَّ أمراض الكيفيَّة تكون بعد زوال الموادِّ الَّتي أوجبتها، فتزول موادُّها، ويبقى أثرها كيفيَّةً في المزاج. وأمراضُ المادَّة أسبابها معها تمدُّها. وإذا كان سبب المرض
_________________
(١) ما عدا ف، حط، د: «ولمحابه»، وهو ساقط من ن.
(٢) حط: «الشيطانية»، تحريف.
(٣) ز: «فهو».
[ ٤ / ٨ ]
معه، فالنَّظر في السَّبب ينبغي أن يقع أوَّلًا، ثمَّ في المرض ثانيًا، ثمَّ في الدَّواء ثالثًا.
أو الأمراضِ الآليَّةِ (^١)، وهي الَّتي تُخرج العضوَ عن هيئته إمَّا في شكلٍ أو تجويفٍ أو مجرًى أو خشونةٍ أو ملاسةٍ أو عددٍ أو عِظَمٍ أو وضعٍ، فإنَّ هذه الأعضاء إذا تألَّفت وكان منها البدن سمِّي تألُّفها اتِّصالًا، والخروجُ عن الاعتدال فيه يسمَّى تفرُّقَ الاتِّصال.
أو الأمراضِ العامَّةِ (^٢) الَّتي تعُمُّ المتشابهةَ والآليَّةَ.
والأمراض المتشابهة: هي الَّتي يخرج بها المزاج عن الاعتدال. وهذا الخروج يسمَّى مرضًا بعد أن يُضِرَّ بالفعل إضرارًا محسوسًا. وهي على ثمانية أضربٍ: أربعة بسيطة، وأربعة مركَّبة. فالبسيطة: البارد، والحارُّ، والرَّطب، واليابس. والمركَّبة: الحارُّ الرَّطب، والحارُّ اليابس، والبارد الرَّطب، والبارد اليابس. وهي إمَّا أن تكون بانصباب مادَّةٍ أو بغير انصباب مادَّةٍ. وإن لم يُضِرَّ المرضُ بالفعل سُمِّي (^٣) خروجًا عن الاعتدال صِحِّيًّا (^٤).
وللبدن ثلاثة أحوالٍ: حالٌ طبيعيَّةٌ، وحالٌ خارجةٌ عن الطَّبيعيَّة، وحالٌ متوسِّطةٌ بين الأمرين. فالأول (^٥) بها يكون البدن صحيحًا، والثَّانية بها يكون
_________________
(١) معطوف على «الأمراض المتشابهة».
(٢) معطوف على «الأمراض الآلية».
(٣) حط: «يسمى». وكذا في طبعة الرسالة خلافًا لأصلها.
(٤) في طبعة الرسالة: «صحة» خلافًا لأصلها.
(٥) كذا في جميع النسخ الخطية والطبعة الهندية. وفي ل غيَّره بعضهم إلى «الأولى» وكذا في طبعة عبد اللطيف وما بعدها.
[ ٤ / ٩ ]
مريضًا. والحال الثَّالثة هي متوسِّطةٌ بين الحالتين، فإنَّ الضِّدَّ لا ينتقل إلى ضدِّه إلا بمتوسِّطٍ.
وسبب خروج البدن عن طبيعته إمَّا من داخله لأنَّه مركَّب من الحارِّ والبارد والرَّطب واليابس، وإمَّا من خارجٍ فلأنَّ ما يلقاه قد يكون موافقًا وقد يكون غير موافقٍ.
والضَّرر الذي يلحق الإنسان قد يكون من سوء المزاج بخروجه عن الاعتدال، وقد يكون من فسادٍ في العضو، وقد يكون من ضعفٍ في القوى أو الأرواح الحاملة لها. ويرجع ذلك إلى زيادةِ ما الاعتدالُ في عدم زيادته، أو نقصانِ ما الاعتدالُ في عدم نقصانه، أو تفرُّقِ ما الاعتدالُ في اتِّصاله، أو اتِّصالِ ما الاعتدالُ في تفرُّقه، أو امتدادِ ما الاعتدالُ في انقباضه، أو خروجِ ذي وضعٍ وشكلٍ عن وضعه وشكله بحيث يُخرجه عن اعتداله.
فالطَّبيب: هو الذي يفرِّق ما يضرُّ بالإنسان جمعُه، أو يجمع فيه ما يضرُّه تفرُّقُه، أو ينقص منه ما يضرُّه زيادته (^١)، أو يزيد فيه ما يضرُّه نقصُه؛ فيجلب الصِّحَّة المفقودة أو يحفظها بالمثل (^٢) والشِّبه، ويدفع العلَّة الموجودة بالضِّدِّ والنَّقيض، ويُخرجها أو يدفعها بما يمنع من حصولها بالحِمْية.
وسترى هذا كلَّه في هدي رسول الله - ﷺ - شافيًا كافيًا بحول الله وقوَّته وفضله ومعونته.
_________________
(١) د، ز: «نهايته»، تصحيف. وقبله في س، د، ن: «تضرُّه».
(٢) ز، ن: «بالشكل». وفي هامش ز أن في نسخة: «بالمثل». وفي حاشية س: «بالشكل صح». وفي د: «بالشك والشبهة»، تصحيف.
[ ٤ / ١٠ ]
من هدي النبي ﷺ: التداوي بالأدوية الطبيعية والروحانية
فصل
فكان (^١) من هديه - ﷺ -: فعلُ التَّداوي في نفسه، والأمرُ به لمن أصابه مرضٌ من أهله وأصحابه؛ ولكن لم يكن من هديه ولا هدي أصحابه استعمال هذه الأدوية المركَّبة الَّتي تسمَّى «أَقْراباذين» (^٢)، بل كان غالب أدويتهم بالمفردات، وربَّما أضافوا إلى المفرد ما يعاونه أو يكسر سَورته. وهذا غالب طبِّ الأمم على اختلاف أجناسها من العرب والتُّرك وأهل البوادي قاطبةً، وإنَّما عُنِي بالمركَّبات الرُّومُ واليونانيُّون. وأكثرُ طبِّ الهند بالمفردات.
وقد اتَّفق الأطبَّاء على أنَّه متى أمكن التَّداوي بالغذاء لا يُعدَل إلى الدَّواء، ومتى أمكن بالبسيط لا يُعدَل إلى المركَّب (^٣).
قالوا: وكلُّ داءٍ قدر على دفعه بالأغذية والحِمْية لم يحاول دفعه بالأدوية.
قالوا: ولا ينبغي للطَّبيب أن يُولَع بسقي الأدوية، فإنَّ الدَّواء إذا لم يجد في البدن داءً يحلِّله، أو وجد داءً لا يوافقه، أو وجد ما يوافقه فزادت كمِّيَّته عليه أو كيفيَّته= تشبَّث بالصِّحَّة، وعبِث بها. وأرباب التَّجارب من الأطبَّاء طبُّهم بالمفردات غالبًا، وهم أحد فِرَق الطِّبِّ الثَّلاث.
_________________
(١) ث، ل، حط، ن: «وكان».
(٢) ويقال: «أَقْرباذين» تخفيفًا، كما في طبعة عبد اللطيف وما بعدها. وهي كلمة يونانية. انظر تفسيرها في «القول الأصيل فيما في العربية من الدخيل» للدكتور ف. عبد الرحيم (ص ٢٨).
(٣) انظر: «لقط المنافع» لابن الجوزي (٢/ ٣٩).
[ ٤ / ١١ ]
والتَّحقيق في ذلك أنَّ الأدوية من جنس الأغذية، فالأمَّة والطَّائفة الَّتي غالبُ أغذيتها المفردات فأمراضها قليلةٌ جدًّا، وطبُّها بالمفردات. وأهلُ المدن الذين غلبت عليهم الأغذية المركَّبة يحتاجون إلى الأدوية المركَّبة. وسببُ ذلك أنَّ أمراضهم في الغالب مركَّبةٌ، فالأدوية المركَّبة أنفع لها. وأمراض أهل البوادي والصَّحاري مفردةٌ، فيكفي في مداواتها الأدوية المفردة. فهذا برهان بحسب الصِّناعة الطِّبِّيَّة.
ونحن نقول: إنَّ هاهنا أمرًا (^١) آخر، نسبةُ طبِّ الأطبَّاء إليه كنسبة (^٢) طبِّ الطُّرُقيَّة (^٣) والعجائز إلى طبِّهم. وقد اعترف به حذَّاقهم وأئمَّتهم، فإنَّ ما عندهم من العلم بالطِّبِّ، منهم من يقول: هو قياسٌ. ومنهم من يقول: هو تجربةٌ. ومنهم من يقول: هو إلهامٌ (^٤) ومناماتٌ وحدسٌ صائبٌ. ومنهم من يقول: أُخِذَ كثيرٌ منه من الحيوانات البهيميَّة، كما يُشاهَد (^٥) السَّنانيرُ إذا أكلت ذواتِ السُّموم تعمد إلى السِّراج، فتَلِغُ في الزَّيت تتداوى به؛ وكما رُئيت الحيَّاتُ إذا خرجت من بطون الأرض، وقد عَشِيت أبصارها، تأتي إلى ورق الرَّازِيانَج (^٦)، فتُمِرُّ عيونها عليه؛ وكما عُهِد من الطَّير الذي يحتقن بماء البحر
_________________
(١) ما عدا ف، حط: «أمر» وضبط في س بالرفع.
(٢) «طبّ الأطباء إليه كنسبة» ساقط من د.
(٣) هم الذين يبيعون في الطرقات غرائب العقاقير والحروز والتمائم وما إلى ذلك. وسيأتي في قول حبيش (ص ٤٨٥): «أطبَّاء الطرقات». وانظر: «تكملة دوزي» (٧/ ٤٥).
(٤) ن: «إلهامات».
(٥) س، حط: «تشاهد». ن: «نشاهد». وقد أهمل حرف المضارع في ث، ل.
(٦) تصحف في د، ث، ل إلى «الداريانج». وهي كلمة فارسية، والرازيانج هو الشَّمار أو الشَمَر.
[ ٤ / ١٢ ]
عند انحباس طبعه، وأمثال ذلك ممَّا ذُكِر في مبادئ الطِّبِّ (^١).
وأين يقع هذا وأمثاله من الوحي الذي يوحيه الله إلى رسوله بما ينفعه ويضرُّه! فنسبةُ ما عندهم من الطِّبِّ إلى هذا الوحي كنسبة ما عندهم من العلوم إلى ما جاءت به الأنبياء. بل هاهنا من الأدوية الَّتي تشفي من الأمراض ما لم يهتد إليها عقولُ أكابر الأطبَّاء، ولم تصل إليها علومهم وتجاربهم وأقيستهم، من الأدوية القلبيَّة والرُّوحانيَّة، وقوَّة القلب واعتماده على اللَّه، والتَّوكُّل عليه والالتجاء إليه، والانطراح والانكسار بين يديه، والتَّذلُّل له، والصَّدقة، والصلاة (^٢) والدُّعاء، والتَّوبة والاستغفار، والإحسان إلى الخلق، وإغاثة الملهوف، والتَّفريج عن المكروب. فإنَّ هذه الأدوية قد جرَّبتها الأمم على اختلاف أديانها ومللها فوجدوا لها من التَّأثير في الشِّفاء ما لا يصل إليه علمُ أعلم الأطبَّاء ولا تجربتُه ولا قياسُه.
وقد جرَّبنا نحن وغيرنا من هذا أمورًا كثيرةً، ورأيناها تفعل ما لا تفعل الأدوية الحسِّيَّة؛ بل تصير الأدوية الحسِّيَّة عندها بمنزلة أدوية الطُّرُقيَّة عند الأطبَّاء. وهذا جارٍ على قانون الحكمة الإلهيَّة، ليس خارجًا عنها. ولكنَّ الأسباب متنوِّعةٌ. فإنَّ القلب متى اتَّصل بربِّ العالمين، وخالق الدَّاء والدَّواء، ومدبِّر الطَّبيعة ومصرِّفها على ما يشاء= كانت له أدويةٌ أخرى غير الأدوية الَّتي يعانيها القلبُ البعيدُ منه، المعرِضُ عنه. وقد عُلِم أنَّ الأرواح متى قويت وقويت النَّفس والطَّبيعة تعاونا على دفع الدَّاء وقهره، فكيف ينكر
_________________
(١) انظر: «لقط المنافع» (١/ ٦٥ - ٦٨) و«الأحكام النبوية في الصناعة الطبية» لابن طرخان الكحال الحموي (ص ٢١١ - ٢١٤).
(٢) لفظ «والصلاة» لم يرد في ث، ل وهو مستدرك في ن.
[ ٤ / ١٣ ]
فصل في قوله ﷺ: «لكل داء دواء» وأن التداوي لا ينافي التوكل
لمن قويت طبيعته ونفسه، وفرحت بقربها من بارئها، وأنسها به، وحبِّها له، وتنعُّمها بذكره، وانصراف قواها كلِّها إليه، وجمعها عليه، واستعانتها به، وتوكُّلها عليه= أن يكون ذلك لها من أكبر الأدوية، وتُوجِبَ لها هذه القوَّةُ دفعَ الألم بالكلِّيَّة؟ ولا ينكر هذا إلا أجهلُ النَّاس، وأغلظُهم حجابًا، وأكثفُهم نفسًا، وأبعدُهم عن الله وعن حقيقة الإنسانيَّة. وسنذكر إن شاء الله السَّببَ الذي به أزالت قراءةُ الفاتحة داءَ اللَّدغة عن اللَّديغ الذي (^١) رُقي بها، فقام حتَّى (^٢) كأنَّ ما به قَلَبةٌ (^٣).
فهذان نوعان من الطِّبِّ النَّبويِّ، نحن بحول الله نتكلَّم عليهما بحسب الجهد والطَّاقة، ومبلغِ علومنا القاصرة ومعارفنا المتلاشية جدًّا، وبضاعتِنا المزجاة. ولكنَّا نستوهب مَن بيده الخيرُ كلُّه من فضله، فإنَّه العزيز الوهَّاب.
فصل
روى مسلم في «صحيحه» (^٤): من حديث أبي الزبير، عن جابر بن عبد اللَّه، عن النَّبيِّ - ﷺ - أنَّه قال: «لكلِّ داءٍ دواءٌ، فإذا أصيبَ دواءُ الدَّاء برَأ بإذن الله ﷿».
_________________
(١) ن: «التي»، وكذا في النسخ المطبوعة، وهو غلط.
(٢) «حتى» ساقط من س.
(٣) س، حط، ن: «ما كأنَّ به قلبة». واسم كأنَّ فيما أثبت ضمير الشأن محذوف. «ما به قَلَبة» أي ليس به وجع ولا علَّة. لا يقال إلا في النفي. والقصة في «الصحيحين» من حديث أبي سعيد الخدري، وسيأتي بنصه.
(٤) برقم (٢٢٠٤).
[ ٤ / ١٤ ]
وفي «الصَّحيحين» (^١): عن عطاء عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: «ما أنزل الله من داءٍ إلا أنزل له شفاءً».
وفي «مسند الإمام أحمد» (^٢) من حديث زياد بن عِلاقة عن أسامة بن شريك قال: كنت عند النَّبيِّ - ﷺ -، وجاءت الأعراب، فقالوا: يا رسول الله أنتداوى؟ فقال: «نعم يا عباد الله تداوَوا، فإنَّ الله ﷿ لم يضَع داءً إلا وضَع له شفاءً، غير داءٍ واحدٍ». قالوا: ما هو؟ قال: «الهرم».
وفي لفظٍ: «إنَّ الله لم يُنزِل داءً إلا أنزل له شفاءً. علِمَه مَن علِمَه، وجَهِله مَن جَهِله» (^٣).
وفي «المسند» (^٤) من حديث ابن مسعودٍ يرفعه: «إنَّ الله لم يُنزِل داءً إلا
_________________
(١) أخرجه البخاري (٥٦٧٨) فقط.
(٢) برقم (١٨٤٥٤). وأخرجه أيضًا البخاري في «الأدب المفرد» (٢٩١)، وأبو داود (٣٨٥٥)، والتِّرمذي (٢٠٣٨)، والنَّسائي في «الكبرى» (٧٥٥٣، ٧٥٥٤)، وابن ماجه (٣٤٣٦). قال التِّرمذي: «هذا حديث حسن صحيح»، وقال العُقيلي في «الضُّعفاء» (٢/ ١٩١): «إسناده جيِّد»، وصحَّحه ابن خزيمة كما في «المحرَّر» (١٢٨٧)، وابن حبَّان (٤٨٦، ٦٠٦١، ٦٠٦٤)، والحاكم (١/ ١٢١، ٤/ ١٩٨ - ١٩٩، ٣٩٩ - ٤٠٠)، والضِّياء في «المختارة» (١٣٨١ - ١٣٩٠).
(٣) «مسند أحمد» (١٨٤٥٦).
(٤) (٣٥٧٨، ٣٩٢٢، ٤٢٣٦، ٤٣٣٤). وأخرجه أيضًا ابن ماجه (٣٤٣٨) ــ شطرَه الأوَّل فقط ــ، والحُميديُّ (٩٠)، وأبو يعلى (٥١٨٣)، وغيرهم. واختُلف في إسناده؛ فرُوي أيضًا مَوقوفًا ومرسلًا، قال الدَّارقطني في «العلل» (٥/ ٣٣٤): «رفعُه صحيح»، وصحَّحه ابن حبَّان (٦٠٦٢)، والحاكم (٤/ ٣٩٩)، والضِّياء المقدسيُّ في «الأمراض والكفَّارات» (٣١).
[ ٤ / ١٥ ]
أنزل له شفاءً. علِمَه مَن علِمَه، وجَهِله مَن جَهِله».
وفي «المسند» و«السُّنن» (^١) عن أبي خِزامة (^٢) قال: قلت: يا رسول الله أرأيتَ رقًى نسترقيها، ودواءً نتداوى به، وتُقاةً نتَّقيها= هل تردُّ من قدر الله شيئًا؟ فقال: «هي من قدر اللَّه».
فقد تضمَّنت هذه الأحاديث إثباتَ الأسباب والمسبَّبات، وإبطال قول من أنكرها. ويجوز أن يكون قوله: «لكلِّ داءٍ دواءٌ» على عمومه حتَّى يتناول الأدواءَ القاتلة، والأدواءَ الَّتي لا يمكن طبيبًا (^٣) أن يُبرئها، ويكون الله ﷿ قد جعل لها أدويةً تُبرئها، ولكن طوى علمَها عن البشر، ولم يجعل لهم إليه (^٤) سبيلًا؛ لأنَّه لا علم للخلق إلا ما علَّمهم اللَّه. ولهذا علَّق النَّبيُّ - ﷺ - الشِّفاء على مصادفة الدَّواء للدَّاء (^٥) فإنَّه لا شيء من المخلوقات إلا له ضدٌّ، فكلُّ داءٍ له ضدٌّ من الدَّواء يعالَج بضدِّه؛ فعلَّق النَّبيُّ - ﷺ - البرءَ بموافقة الدَّاء
_________________
(١) «مسند أحمد» (١٥٤٧٢)، «سنن التِّرمذي» (٢١٤٨)، «سنن ابن ماجه» (٣٤٣٧)، من طريق الزُّهري عن ابن أبي خزامة عن أبيه به، وهذا الإسنادُ خطأ، صوابه: الزُّهري عن أبي خزامة عن أبيه، كما نبَّه على ذلك الإمام أحمد (١٥٤٧٥)، وأبو زرعة وأبو حاتم كما في «العلل» لابنه (٦/ ٢٩٣ - ٢٩٤)، والتِّرمذي، والدَّارقطني في «العلل» (٢/ ٢٥١). وقد أخرجه على الوجه الصَّواب أحمد (١٥٤٧٣، ١٥٤٧٤)، والتِّرمذيُّ (٢٠٦٥)، وقال: «هذا حديث حسن صحيح»، وصحَّحه عبد الحقِّ في «الأحكام الصُّغرى» (٢/ ٨٤١).
(٢) في جميع النسخ: «ابن خزامة» إلا ز التي تحتمل ما أثبت.
(٣) ل، س: «طبيب» وكذا في طبعتي الفقي والرسالة، وهو خطأ.
(٤) يعني: إلى علمها. وفي س، ث، ل، ن: «إليها».
(٥) ز: «الداء للدواء». ن: «الداءِ الدواءَ».
[ ٤ / ١٦ ]
للدَّواء. وهذا قدرٌ زائدٌ على مجرَّد وجوده، فإنَّ الدَّواء متى جاوز درجةَ الدَّاء في الكيفيَّة، أو زاد في الكمِّيَّة على ما ينبغي، نَقَله إلى داءٍ آخر، ومتى قصَر عنها لم يَفِ بمقاومته وكان العلاج قاصرًا (^١). ومتى لم يقع المداوي على الدَّواء (^٢) لم يحصل الشِّفاء. ومتى لم يكن الزَّمان صالحًا لذلك الدَّواء (^٣) لم ينفع. ومتى كان البدنُ غيرَ قابلٍ له، أو القوَّةُ عاجزةً عن حمله، أو ثمَّ مانعٌ يمنع من تأثيره= لم يحصل البرء لعدم المصادفة. ومتى تمَّت المصادفة حصل البرء، ولا بدَّ. وهذا أحسن المحملين في الحديث.
والثَّاني: أن يكون من العامِّ المراد به الخاصُّ، لا سيَّما والدَّاخلُ في اللَّفظ أضعافُ أضعافِ الخارج منه. وهذا يستعمل في كلِّ لسانٍ، ويكون المراد أنَّ الله لم يضع داءً يقبل الدَّواء إلا وضع له دواءً، فلا يدخل في هذا (^٤) الأدواءُ الَّتي لا تقبل الدَّواء. وهذا كقوله تعالى في الرِّيح الَّتي سلَّطها على قوم عادٍ: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ [الأحقاف: ٢٥] أي: كلَّ شيءٍ يقبل التَّدميرَ، ومن شأن الرِّيح أن تدمِّره. ونظائره كثيرةٌ.
ومن تأمَّل خَلْقَ الأضداد في هذا العالم، ومقاومةَ بعضها لبعضٍ، ودفعَ بعضها ببعضٍ (^٥)، وتسليط بعضها على بعضٍ= تبيَّن له كمالُ قدرة الرَّبِّ تعالى وحكمته، وإتقانه ما صنعه، وتفرُّده بالرُّبوبيَّة والوحدانيَّة والقهر، وأنَّ
_________________
(١) انظر: كتاب الحموي (ص ٦٠).
(٢) بعده في طبعتي الفقي والرسالة زيادة: «أو لم يقع الدواء على الداء».
(٣) «الدواء» ساقط من س.
(٤) ن: «هذه».
(٥) س، ث: «لبعض».
[ ٤ / ١٧ ]
كلَّ ما سواه فله ما يضادُّه ويمانعه، كما أنَّه الغنيُّ بذاته وكلُّ ما سواه محتاجٌ (^١) بذاته.
وفي هذه الأحاديث الصَّحيحة الأمرُ بالتَّداوي، وأنَّه لا ينافي التَّوكُّلَ كما لا ينافيه دفعُ داء الجوع والعطش والحرِّ والبرد بأضدادها. بل لا تتمُّ حقيقةُ التَّوحيد إلا بمباشرة الأسباب الَّتي نصَبها الله مقتضِياتٍ لمسبَّباتها قدرًا وشرعًا. وإنَّ تعطيلها يقدح في نفس التَّوكُّل ــ كما يقدح في الأمر والحكمة ــ ويُضْعِفه من حيث يظنُّ معطِّلها أنَّ تركها أقوى من التَّوكُّل، فإنَّ تركها عجزٌ (^٢) ينافي التَّوكُّل الذي حقيقته اعتماد القلب على الله في حصول ما ينفع العبد في دينه ودنياه، ودفعُ ما يضرُّه في دينه ودنياه؛ ولا بدَّ مع هذا الاعتماد من مباشرة الأسباب، وإلَّا كان معطِّلًا للحكمة والشَّرع؛ فلا يجعل العبد عجزَه توكُّلًا ولا توكُّلَه عجزًا.
وفيها ردٌّ على من أنكر التَّداوي وقال: إن كان الشِّفاء قد قُدِّر فالتَّداوي لا يفيد، وإن لم يكن قدِّر فكذلك. وأيضًا فإنَّ المرض حصل بقدر اللَّه، وقدرُ الله لا يُدفَع ولا يُرَدُّ. وهذا السُّؤال هو الذي أورده الأعراب على رسول الله - ﷺ -، وأمَّا أفاضل الصِّحابة فأعلَمُ بالله وحكمته وصفاته من أن يوردوا مثل هذا. وقد أجابهم النَّبيُّ - ﷺ - بما شفى وكفى، فقال: هذه الأدوية والرُّقى والتُّقاة (^٣) هي من قدر الله، فما خرج شيءٌ عن قدره، بل يُرَدُّ قدرُه بقدره، وهذا الرَّدُّ من قدره، فلا سبيل إلى الخروج عن قدره بوجهٍ ما. وهذا كردِّ قدر
_________________
(١) بعده في ز: «إليه»، وهو سهو من الناسخ.
(٢) حط، ن: «عجزًا».
(٣) حط، ن: «التقى».
[ ٤ / ١٨ ]
الجوع والعطش والبرد والحرِّ (^١) بأضدادها، وكردِّ قدر العدوِّ بالجهاد. وكلٌّ من قدر الله: الدَّافعُ والمدفوعُ والدَّفعُ.
ويقال لمُورِد هذا السُّؤال: هذا يوجب عليك أن لا تباشر شيئًا من الأسباب الَّتي تجلب بها منفعةً أو تدفع بها مضرَّةً، لأنَّ المنفعة والمضرَّة إن قدِّرتا لم يكن بدٌّ من وقوعهما، وإن لم تقدَّرا (^٢) لم يكن سبيلٌ إلى وقوعهما. وفي ذلك خراب الدِّين والدُّنيا وفساد العالم. وهذا لا يقوله إلا دافعٌ للحقِّ معاندٌ (^٣) له فيذكر القدرَ ليدفع حجَّة المُحِقِّ عليه، كالمشركين الذين قالوا: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا﴾ [الأنعام: ١٤٨]، و﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا﴾ [النحل: ٣٥]. فهذا قالوه دفعًا لحجَّة الله عليهم بالرُّسل.
وجواب هذا السَّائل أن يقال: بقي قسمٌ ثالثٌ لم تذكره، وهو أنَّ الله قدَّر كذا وكذا بهذا السَّبب، فإن أتيت بالسَّبب حصل المسبَّب، وإلَّا فلا.
فإن قال: إن كان قدَّر (^٤) لي السَّبب فعلته، وإن لم يقدِّره (^٥) لي لم أتمكَّن من فعله.
قيل: فهل تقبل هذا الاحتجاج من عبدك وولدك وأجيرك إذا احتجَّ به
_________________
(١) ن: «الحر والبرد».
(٢) في معظم النسخ: «يقدَّرا» بالياء.
(٣) د: «معاندًا».
(٤) س، ل: «قد قدر».
(٥) ث، ل: «يُقدَّر».
[ ٤ / ١٩ ]
عليك فيما أمرته به ونهيته عنه، فخالفك؟ فإن قبلتَه فلا تلُم من عصاك، وأخذ مالك، وقذف عرضك، وضيَّع حقوقك. وإن لم تقبله فكيف يكون مقبولًا منك في دفع حقِّ الله (^١) عليك؟ وقد روي في أثرٍ إسرائيليٍّ أنَّ إبراهيم الخليل قال: يا ربِّ ممَّن الدَّاء؟ قال: منِّي. قال: فممَّن الدَّواء؟ قال: منِّي. قال: فما بال الطَّبيب؟ قال: رجلٌ أُرسِلَ الدَّواءُ على يديه (^٢).
وفي قوله - ﷺ -: «لكلِّ داءٍ دواءٌ» تقويةٌ لنفس المريض والطَّبيب، وحثٌّ على طلب ذلك الدَّواء والتَّفتيش عليه؛ فإنَّ المريض إذا استشعرت نفسُه أنَّ لدائه دواءً يزيله، تعلَّق قلبه برَوح الرَّجاء، وبرَد من حرارة اليأس (^٣)، وانفتح له باب الرَّجاء. ومتى قويت نفسه انبعثت حرارته الغريزيَّة، وكان ذلك سببًا لقوَّة الأرواح الحيوانيَّة والنَّفسانيَّة والطَّبيعيَّة، ومتى قويت هذه الأرواح قويت القوى الَّتي هي حاملةٌ لها، فقهرت المرضَ ودفعته (^٤).
وكذلك الطَّبيب إذا علم أنَّ لهذا الدَّاء دواءً أمكنه طلبُه والتَّفتيشُ عليه. وأمراضُ الأبدان على وِزانِ (^٥) أمراض القلوب، وما جعل الله للقلب مرضًا إلا جعل له شفاءً بضدِّه، فإن علِمَه صاحبُ الدَّاء، واستعمله، وصادف داءَ قلبه= أبرأه بإذن الله.
_________________
(١) ن: «حقوق الله».
(٢) ينظر: «مختصر في الطِّبِّ» (ص ١٠) لعبد الملك بن حبيب. وفي كتاب الحموي (ص ٥٩ - ٦٠) أنه روي عن ابن عباس عن النبي - ﷺ -.
(٣) غيَّره الفقي إلى «وبردت عنده حرارة اليأس»، وكذا في طبعة الرسالة خلافًا لأصلها.
(٤) انظر: كتاب الحموي (ص ٦٠).
(٥) د، حط، ل: «وزن». س، ن: «أوزان».
[ ٤ / ٢٠ ]
فصل
في هديه في (^١) الاحتماء من التُّخم والزِّيادة في الأكل على قدر الحاجة، والقانون الذي ينبغي مراعاته في الأكل والشُّرب
في «المسند» (^٢) وغيره عنه - ﷺ - أنَّه قال: «ما ملأ آدميٌّ وعاءً شرًّا من بطنٍ. بحسب ابن آدم لُقَيماتٌ يُقِمْنَ صلبَه، فإن كان لا بدَّ فاعلًا فثلثٌ لطعامه، وثلثٌ لشرابه، وثلثٌ لنفسه».
الأمراض نوعان: أمراضٌ مادِّيَّةٌ تكون عن زيادة مادَّةٍ أفرطت في البدن حتَّى أضرَّت بأفعاله الطَّبيعيَّة، وهي الأمراض الأكثريَّة. وسببها إدخال الطَّعام على البدن قبل هضم الأوَّل، والزِّيادةُ في القدر الذي يحتاج إليه البدن، وتناولُ الأغذية القليلة النَّفع البطيئة الهضم، والإكثارُ من الأغذية المختلفة التَّراكيب المتنوِّعة. فإذا ملأ الآدميُّ بطنه من هذه الأغذية واعتاد ذلك أورثته أمراضًا متنوِّعةً، منها بطيءُ الزَّوال وسريعُه. فإذا توسَّط في الغذاء، وتناول منه قدرَ الحاجة، وكان معتدلًا في كمِّيَّته وكيفيَّته= كان انتفاع البدن به أكثر من انتفاعه بالغذاء الكثير.
ومراتب الغذاء ثلاثةٌ:
_________________
(١) ف، د، ل: «من».
(٢) برقم (١٧١٨٦) من طريق يحيى بن جابر الطَّائي عن المقدام بن معدي كرب به. وأخرجه أيضًا التِّرمذي (٢٣٨٠)، والنَّسائي في «الكبرى» (٦٧٦٩، ٦٧٧٠)، وأُعلَّ بالانقطاع. قال التِّرمذي: «هذا حديث حسن صحيح»، وصحَّحه ابن حبَّان (٦٧٤)، والحاكم (٤/ ٣٣١ - ٣٣٢)، وحسَّنه ابن حجر في «الفتح» (٩/ ٥٢٨).
[ ٤ / ٢١ ]
أحدها (^١): مرتبة الحاجة.
والثَّانية: مرتبة الكفاية.
والثَّالثة: مرتبة الفضلة.
فأخبر النَّبيُّ - ﷺ -: أنَّه يكفيه لقيماتٌ يُقِمْنَ صلبَه، فلا تسقط قوَّته ولا تضعف معها. فإن تجاوزها فليأكل في ثلث بطنه، ويدع الثُّلث الآخر للماء، والثَّالث للنَّفس. وهذا من أنفع ما للبدن والقلب، فإنَّ البطن إذا امتلأ من الطَّعام ضاق عن الشَّراب، فإذا ورد عليه الشَّراب ضاق عن النَّفس وعرَض له الكربُ والتَّعبُ بحمله (^٢)، بمنزلة حامل الحمل (^٣) الثَّقيل. هذا إلى ما يلزم ذلك من فساد القلب، وكسل الجوارح عن الطَّاعات، وتحرُّكها في الشَّهوات الَّتي يستلزمها الشِّبَع. فامتلاءُ البطن من الطَّعام مضرٌّ للقلب والبدن.
هذا إذا كان دائمًا أو أكثريًّا. وأمَّا إذا كان في الأحيان فلا بأس به، فقد شرب أبو هريرة بحضرة النَّبيِّ - ﷺ - من اللَّبن حتَّى قال: والَّذي بعثك بالحقِّ لا أجد له مسلكًا (^٤). وأكل الصِّحابة بحضرته مرارًا حتَّى شبعوا (^٥).
والشِّبَع المفرط يُضْعِف القوى والبدن وإن أخصبه. وإنَّما يقوى البدن بحسب ما يقبل من الغذاء، لا بحسب كثرته.
_________________
(١) كذا في جميع النسخ.
(٢) في طبعة الشيخ عبد الغني للطب النبوي: «والتعب، وصار محمله».
(٣) لفظ «الحمل» ساقط من ز، حط، ومستدرك في ن.
(٤) أخرجه البخاري (٦٤٥٢).
(٥) انظر حديث أنس (٥٣٨١) وغيره في «صحيح البخاري»: باب من أكل حتى شبع.
[ ٤ / ٢٢ ]
مسألة: هل في البدن جزء ناري؟
ولمَّا كان في الإنسان جزءٌ أرضيٌّ وجزءٌ مائيٌّ (^١) وجزءٌ هوائيٌّ قسَم النَّبيُّ - ﷺ - طعامه وشرابه ونفَسه على الأجزاء الثَّلاثة.
فإن قيل: فأين حظُّ الجزء النَّاريِّ؟
قيل: هذه مسألةٌ تكلَّم فيها الأطبَّاء وقالوا: إنَّ في البدن جزءًا ناريًّا (^٢) بالفعل، وهو أحد أركانه وأُسْطُقُصَّاته (^٣). ونازعهم في ذلك آخرون من العقلاء من الأطبَّاء وغيرهم، وقالوا: ليس في البدن جزءٌ ناريٌّ بالفعل، واستدلَّوا بوجوهٍ:
أحدها (^٤): أنَّ ذلك الجزء النَّاريَّ إمَّا أن يُدَّعى أنَّه نزل عن الأثير واختلط بهذه الأجزاء المائيَّة والأرضيَّة، أو يقال: إنَّه تولَّد فيها وتكوَّن. والأوَّل مستبعدٌ لوجهين أحدهما: أنَّ النَّار بالطَّبع صاعدةٌ، فلو نزلت لكانت بقاسرٍ من مركزها إلى هذا العالم. الثَّاني: أنَّ تلك الأجزاء النَّاريَّة لا بدَّ في نزولها أن تعبر على كرة الزَّمهرير الَّتي هي في غاية البرد (^٥)، ونحن نشاهد في
_________________
(١) الجزء المائي مؤخر في النسخ المطبوعة على الجزء الهوائي. وفي الكلام لفّ ونشر مرتَّب.
(٢) ف: «جزء ناري».
(٣) ما عدا ف، س (وقد ضبط فيها): «استقصائه»، تصحيف. وهي في أصلها كلمة يونانية معرَّبة، بالسين أو بالصاد بعد القاف كما هنا، ويرى الدكتور ف. عبد الرحيم أنها دخلت في العربية من السريانية. ويراد بها العناصر الأربعة: الأرض والماء والهواء والنار. انظر: «مفاتيح العلوم» للخوارزمي (ص ١٣٧) و«القول الأصيل» (ص ١٦ - ١٧).
(٤) «أحدها» ساقط من د.
(٥) بعده في د زيادة: «ونحوه».
[ ٤ / ٢٣ ]
هذا العالم أنَّ النَّار العظيمة تنطفئ بالماء القليل، فتلك الأجزاء الصَّغيرة عند مرورها بكُرة الزَّمهرير الَّتي هي في غاية البرد ونهاية العِظَم أولى بالانطفاء.
وأمَّا الثَّاني ــ وهو أن يقال إنَّها تكوَّنت هاهنا ــ فهو أبعد وأبعد، لأنَّ الجسم الذي صار نارًا بعد أن لم يكن كذلك، قد كان قبل صيرورته إمَّا أرضًا وإمَّا ماءً وإمَّا هواءً، لانحصار الأركان في هذه الأربعة. وهذا الذي قد صار نارًا قد كان مختلطًا بأحد هذه الأجسام ومتَّصلًا بها، والجسمُ الذي لا يكون نارًا إذا اختلط بأجسامٍ عظيمةٍ ليست بنارٍ ولا واحدٌ منها، لا يكون مستعدًّا لأن ينقلب نارًا، لأنَّه في نفسه ليس بنارٍ. والأجسامُ المختلطة به باردة، فكيف يكون مستعدًّا لانقلابه نارًا؟
فإن قلتم: لم لا تكون هناك أجزاءٌ ناريَّةٌ تقلِبُ هذه الأجسامَ وتجعلها نارًا بسبب مخالطتها إيَّاها؟ قلنا: الكلام في حصول تلك الأجزاء النَّاريَّة كالكلام في الأوَّل.
فإن قلتم: إنَّا نرى من رشِّ الماء على النُّورة (^١) المطفأة تنفصل منها نارٌ، وإذا وقع شعاع الشَّمس على البلُّورة ظهرت النَّار منها، وإذا ضربنا الحجر على الحديد ظهرت النَّار= وكلُّ هذه النَّاريَّة حدثت عند الاختلاط، وذلك يُبطل ما قرَّرتموه في القسم الأوَّل أيضًا.
قال المنكرون: نحن لا ننكر أن تكون المصاكَّة الشَّديدة مُحْدِثةً للنَّار كما في ضرب الحجارة على الحديد، أو تكون قوَّةُ تسخين الشَّمس محدثةً للنَّار كما في البلُّورة، لكنَّا نستبعد ذلك جدًّا في أجرام النَّبات والحيوان، إذ ليس في أجرامها من الاصطكاك ما يوجب حدوث النَّار، ولا فيها من الصَّفاء
_________________
(١) النُّورة: حجر الكِلس.
[ ٤ / ٢٤ ]
والصِّقال ما يبلغ إلى حدِّ البلُّورة. كيف وشعاع الشَّمس يقع على ظاهرها فلا تتولَّد النَّار البتَّة، فالشُّعاع الذي يصل إلى باطنها كيف يولِّد النَّار؟
الدليل (^١) الثَّاني في أصل المسألة: أنَّ الأطبَّاء مجمعون على أنَّ الشَّراب العتيق في غاية السُّخونة بالطَّبع، فلو كانت تلك السُّخونة بسبب الأجزاء النَّاريَّة لكانت محالًا، إذ تلك الأجزاء النَّاريَّة مع حقارتها كيف يُعقَل بقاؤها في الأجزاء المائيَّة الغالبة دهرًا طويلًا بحيث لا تنطفئ، مع أنَّا نرى النَّار العظيمة تُطفأ بالماء القليل؟
الوجه الثَّالث: أنَّه لو كان في الحيوان والنَّبات جزءٌ ناريٌّ بالفعل لكان مغلوبًا بالجزء المائيِّ الذي فيه، وكان الجزء النَّاريُّ مقهورًا به. وغلبةُ بعض الطَّبائع والعناصر على بعضٍ يقتضي انقلاب طبيعة المغلوب إلى طبيعة الغالب، فكان يلزم بالضَّرورة انقلاب تلك الأجزاء النَّاريَّة القليلة جدًّا إلى طبيعة الماء الذي هو ضدُّ النَّار.
الوجه الرَّابع: أنَّ الله سبحانه ذكر خلقَ الإنسان في كتابه في مواضع متعدِّدةٍ، يخبر في بعضها أنَّه خلقه من ماءٍ، وفي بعضها أنَّه خلقه من ترابٍ، وفي بعضها أنَّه خلقه من المركَّب منهما وهو الطِّين، وفي بعضها أنَّه خلق (^٢) من صلصالٍ كالفخَّار، وهو الطِّين الذي (^٣) ضربته الشَّمس والرِّيح حتَّى صار صلصالًا كالفخَّار. ولم يخبر في موضعٍ واحدٍ أنَّه خلقه من نارٍ، بل جعل ذلك خاصِّيَّة إبليس.
_________________
(١) في النسخ المطبوعة: «الوجه».
(٢) ث: «خلقه».
(٣) «الذي» لم يرد في د.
[ ٤ / ٢٥ ]
وثبت في «صحيح مسلم» (^١) عن النَّبيِّ - ﷺ - قال: «خُلِقت الملائكةُ من نورٍ، وخُلِق إبليس من مارجٍ من نارٍ، وخُلِق آدمُ ممَّا وُصِف لكم». وهذا صريحٌ في أنَّه خُلِق ممَّا وصفه الله في كتابه فقط، ولم يصِفْ لنا سبحانه أنَّه خلقه من نارٍ ولا أنَّ في مادَّته شيئًا من النَّار.
الوجه الخامس: أنَّ غاية (^٢) ما يستدلِّون به ما يشاهَد (^٣) من الحرارة في أبدان الحيوان، وهي دليلٌ على الأجزاء النَّاريَّة. وهذا لا يدلُّ، فإنَّ أسباب الحرارة أعمُّ من النَّار، فإنَّها تكون عن النَّار تارةً، وعن الحركة أخرى، وعن انعكاس الأشعَّة، وعن سخونة الهواء، وعن مجاورة النَّار، وذلك بواسطة سخونة الهواء أيضًا، وتكون عن أسبابٍ أخر= فلا يلزم من الحرارة النَّار.
قال أصحاب النَّار: من المعلوم أنَّ التُّراب والماء إذا اختلطا فلا بدَّ لهما من حرارةٍ تقتضي طبخهما وامتزاجهما، وإلَّا كان كلٌّ منهما غير ممازجٍ للآخر ولا متَّحدٍ به. وكذلك إذا ألقينا البذر في الطِّين بحيث لا يصل إليه الهواء ولا الشَّمس فَسَد، فلا يخلو إمَّا أن يحصل في المركَّب جسمٌ منضجٌ طابخٌ بالطَّبع أو لا. فإن حصل فهو الجزء النَّاريُّ، وإن لم يحصل لم يكن المركَّب مسخِّنًا بطبعه، بل إن سخَّن كان التَّسخين عرضيًّا. فإذا زال التَّسخين العرضيُّ لم يكن الشَّيء حارًّا في طبعه ولا في كيفيَّته، وكان باردًا مطلقًا. لكن من الأغذية والأدوية ما يكون حارًّا بالطَّبع، فعلمنا أنَّ حرارتها إنَّما كانت لأنَّ فيها جوهرًا ناريًّا.
_________________
(١) من حديث عائشة (٢٩٩٦).
(٢) حط، ن: «عامة»، تصحيف.
(٣) حط، ن: «يشاهدونه». وفي د: «يشاهده».
[ ٤ / ٢٦ ]
وأيضًا فلو لم يكن في البدن جزءٌ مسخِّنٌ لوجب أن يكون في نهاية البرد، لأنَّ الطَّبيعة إذا كانت مقتضيةً للبرد وكانت خاليةً من المُعاوِق (^١) والمُعارِض وجب انتهاء البرد إلى أقصى الغاية. ولو كان كذلك لما حصل لها الإحساس بالبرد، لأنَّ البرد الواصل إليه إن كان في الغاية كان مثله، والشَّيء لا ينفعل عن مثله، وإذا لم ينفعل عنه لم يحسَّ به، وإذا لم يحسَّ به لم يتألَّم عنه. وإن كان دونه فعدمُ الانفعال يكون أولى. فلو لم يكن في البدن جزءٌ مسخِّنٌ بالطَّبع لما انفعل البدن (^٢) عن البرد ولا تألَّم به.
قالوا: وأدلَّتكم إنَّما تُبطل قول من يقول: الأجزاء النَّاريَّة باقيةٌ في هذه المركَّبات على حالها وطبيعتها النَّاريَّة، ونحن لا نقول بذلك، بل نقول: إنَّ صورتها النَّوعيَّة تفسد عند الامتزاج.
قال الآخرون: لم لا يجوز أن يقال: إنَّ الأرض والماء والهواء إذا اختلطت، فالحرارة المنضجة الطَّابخة لها هي حرارة الشَّمس وسائر الكواكب؛ ثمَّ ذلك المركَّب عند كمال نضجه يستعدُّ لقبول الهيئة التَّركيبيَّة بواسطة السُّخونة، نباتًا كان أو حيوانًا أو معدنًا؟ وما المانع أنَّ تلك السُّخونة والحرارة الَّتي في المركَّبات هي بسبب خواصَّ وقوًى يُحدثها الله عند ذلك الامتزاج، لا من أجزاءٍ ناريَّةٍ بالفعل؟ ولا سبيل لكم إلى إبطال هذا الإمكان البتَّة، وقد اعترف جماعةٌ من فضلاء الأطبَّاء بذلك.
وأمَّا حديث إحساس البدن بالبرد، فنقول: هذا يدلُّ على أنَّ في البدن حرارةً وتسخينًا، ومن ينكر ذلك؟ لكن ما الدَّليل على انحصار المسخِّن في
_________________
(١) ن: «المعاون»، وكذا في النسخ المطبوعة، وهو تصحيف.
(٢) لم ترد كلمة «البدن» في د، ث، ل؛ واستدركت في هامش ف، س.
[ ٤ / ٢٧ ]
فصل: كان علاجه ﷺ للمرض بثلاثة أنواع من الأدوية: الطبيعية، والإلهية، والمركبة منهما
النَّار، فإنَّه وإن كان كلُّ نارٍ تسخِّن، فإنَّ هذه القضيَّة لا تنعكس كلِّيَّةً، بل عكسها الصَّادق: بعض المسخِّن نارٌ.
وأمَّا قولكم بفساد صورة النَّار النَّوعيَّة، فأكثر الأطبَّاء على بقاء صورتها النَّوعيَّة. والقولُ بفسادها قولٌ فاسدٌ قد اعترف بفساده (^١) أفضلُ متأخِّريكم في كتابه المسمَّى بـ «الشفاء» (^٢)، وبرهن على بقاء الأركان أجمع على طبائعها في المركَّبات. وباللِّه التَّوفيق.
فصل
وكان علاجه - ﷺ - للمرض ثلاثة أنواعٍ:
أحدها: بالأدوية الطَّبيعيَّة.
والثَّاني: بالأدوية الإلهيَّة.
والثَّالث: بالمركَّب من الأمرين.
ونحن نذكر الأنواع الثَّلاثة من هديه - ﷺ -،ونبدأ بذكر الأدوية الطَّبيعيَّة الَّتي وصفها واستعملها، ثمَّ نذكر الأدوية الإلهيَّة، ثمَّ المركَّبة.
وهذا إنَّما نشير إليه إشارةً، فإنَّ رسول الله - ﷺ - إنَّما بُعِث هاديًا وداعيًا إلى اللَّه وإلى جنَّته، ومعرِّفًا باللَّه، ومبيِّنًا للأمَّة مواقعَ رضاه وآمرًا لهم بها، ومواقعَ سخطه وناهيًا لهم عنها، ومخبرَهم أخبارَ الأنبياء والرُّسل وأحوالهم مع أممهم، وأخبارَ تخليق العالم، وأمرَ المبدأ والمعاد، وكيفيَّة شقاوة النُّفوس
_________________
(١) د: «بفسادها»، وهو خطأ.
(٢) انظر: قسم الطبيعيات منه، تحقيق محمود قاسم (ص ١٥٥ - ١٧١ و١٨٨ - ١٨٣).
[ ٤ / ٢٨ ]
وسعادتها وأسبابَ ذلك. وأمَّا طبُّ الأبدان، فجاء من تكميل شريعته ومقصودًا لغيره بحيث إنَّما يستعمل عند الحاجة إليه، فإذا قُدِّر الاستغناءُ عنه كان صرفُ الهمم والقوى إلى علاج القلوب والأرواح، وحفظِ صحَّتها، ودفعِ أسقامها، وحِمْيتِها ممَّا يفسدها= هو المقصود بالقصد الأوَّل. وإصلاحُ البدن بدون إصلاح القلب لا ينفع، وفسادُ البدن مع إصلاح القلب مضرَّته يسيرةٌ جدًّا، وهي مضرَّةٌ زائلةٌ يعقبها المنفعة الدَّائمة التَّامَّة. وباللَّه التَّوفيق.
[ ٤ / ٢٩ ]
ذكر القسم الأوَّل وهو العلاج بالأدوية الطَّبيعيَّة
فصل
في هديه في علاج الحمَّى
ثبت في «الصَّحيحين» (^١) عن نافع عن ابن عمر أنَّ النَّبيَّ - ﷺ - قال: «إنَّما الحمَّى ــ أو: شدَّة الحمَّى ــ من فَيْحِ جهنَّم، فأَبرِدُوها بالماء».
وقد أشكل هذا الحديث على كثيرٍ من جهلة الأطبَّاء (^٢)، ورأوه منافيًا لدواء الحمَّى وعلاجها. ونحن نبيِّن بحول الله (^٣) وجهَه وفقهَه، فنقول: خطاب النَّبيِّ - ﷺ - نوعان: عامٌّ لأهل الأرض، وخاصٌّ ببعضهم (^٤). فالأوَّل كعامَّة خطابه. والثَّاني كقوله: «لا تستقبلوا القبلة بغائطٍ ولا بولٍ ولا تستدبروها، ولكن شرِّقوا أو غرِّبوا» (^٥)، فهذا ليس بخطابٍ لأهل المشرق ولا المغرب ولا العراق، ولكن لأهل المدينة وما على سَمْتِها كالشَّام وغيرها. وكذلك قوله: «ما بين المشرق والمغرب قبلةٌ» (^٦).
_________________
(١) البخاري (٣٢٦٤) ومسلم (٢٢٠٩).
(٢) وانظر: «المفهم» للقرطبي (٥/ ٥٩٩ - ٦٠١).
(٣) بعده في ن: «وقوته»، وكذا في النسخ المطبوعة.
(٤) س، ث، ل: «لبعضهم».
(٥) أخرجه البخاري (٣٩٤) ومسلم (٢٦٤) من حديث أبي أيوب الأنصاري.
(٦) أخرجه التِّرمذي (٣٤٤)، وابن ماجه (١٠١١)، من حديث أبي هريرة - ﵁ -. وقد تكلَّم فيه أحمد، وأنكره النَّسائي (٤/ ١٧١)، وقوَّاه البخاري، وقال التِّرمذي: «هذا حديث حسن صحيح»، وصحَّحه عبد الحقِّ في «الأحكام الصُّغرى» (١/ ٢٢٤). ورُوي عن ابن عمر مرفوعًا، وعن أبي قلابة مُرسلًا، وعن عمر وعليٍّ وابن عبَّاس موقوفًا.
[ ٤ / ٣٠ ]
وإذا عُرِف هذا، فخطابه في هذا الحديث خاصٌّ بأهل الحجاز وما والاهم، إذ كان أكثر الحُمَّيَات الَّتي تعرض لهم من نوع الحمَّى اليوميَّة العرضيَّة الحادثة عن شدَّة حرارة الشَّمس، وهذه ينفعها الماء البارد شربًا واغتسالًا، فإنَّ الحمَّى حرارةٌ غريبةٌ تشتعل في القلب، وتنبثُّ (^١) منه بتوسُّط الرُّوح والدَّم في الشَّرايين والعروق إلى جميع البدن، فتشتعل فيه اشتعالًا يضرُّ بالأفعال الطَّبيعيَّة (^٢).
وهي تنقسم إلى قسمين: عَرَضيَّة: وهي الحادثة إمَّا عن الورم أو الحركة أو إصابة حرارة الشَّمس أو الغيظ (^٣) الشَّديد ونحو ذلك.
ومَرَضيَّةٌ: وهي ثلاثة أنواعٍ، وهي لا تكون إلا في مادَّةٍ أولى ثمَّ منها يسخُن جميع البدن. فإن كان مبدأ تعلُّقها بالرُّوح سمِّيت «حمَّى يومٍ»، لأنَّها في الغالب تزول في يومٍ، ونهايتها ثلاثة أيَّامٍ. وإن كان مبدأ تعلُّقها بالأخلاط سمِّيت «عَفَنيَّةً» وهي أربعة أصنافٍ: صفراويَّةٌ وسوداويَّةٌ وبلغميَّةٌ ودمويَّةٌ. وإن كان مبدأ تعلُّقها بالأعضاء الصُّلبة الأصليَّة سمِّيت «حمَّى دِقٍّ». وتحت هذه الأنواع أصنافٌ كثيرةٌ.
_________________
(١) تصحفت الكلمة فيما عدا ف، ث، ن إلى «تثبت» أو «تنبت»، وأهملت في بعضها.
(٢) تعريف الحمى بهذا اللفظ لابن سينا في «القانون» (٣/ ٥) ولكن المؤلف صادر عن «الأحكام النبوية» للحموي (ص ٦٥).
(٣) كذا في جميع النسخ والطبعة الهندية. وطبعة عبد اللطيف وما بعدها: «القيظ»، وكذا أثبت الشيخ عبد الغني عبد الخالق في «الطب النبوي». وقد ذكر ابن سينا وغيره أن الفرح والغضب والهم من أسباب الحمى. انظر: «القانون» (٣/ ١٤).
[ ٤ / ٣١ ]
وقد ينتفع البدن بالحمَّى انتفاعًا عظيمًا لا يبلغه الدَّواء، وكثيرًا ما تكون حمَّى يومٍ وحمَّى العَفَن سببًا لإنضاج موادَّ غليظةٍ لم تكن تنضَج بدونها، وسببًا لتفتُّح سُدَدٍ لم تكن تصل إليها الأدوية المفتِّحة.
وأمَّا الرَّمَد الحديث والمتقادم، فإنَّها تُبرئ أكثر أنواعه برءًا عجيبًا سريعًا. وتنفع من الفالج واللَّقوة والتَّشنُّج الامتلائيِّ وكثيرٍ من الأمراض الحادثة عن الفضول الغليظة (^١).
وقال لي بعض فضلاء الأطبَّاء: إنَّ كثيرًا من الأمراض نستبشر فيها بالحمَّى، كما يستبشر المريض بالعافية، فتكون الحمَّى فيه أنفعَ من شُرب الدَّواء بكثيرٍ، فإنَّها تُنضِج من الأخلاط والموادِّ الفاسدة ما يضرُّ بالبدن، فإذا أنضجتها صادفها الدَّواء متهيِّئةً للخروج بنِضاجها، فأخرَجَها، فكانت سببًا للشِّفاء.
وإذا عُرِف هذا فيجوز أن يكون مراد الحديث من أقسام الحمَّيات: «العرَضيَّة»، فإنَّها تسكن على المكان بالانغماس في الماء البارد وسقي الماء البارد المثلوج، ولا يحتاج صاحبها مع ذلك إلى علاجٍ آخر، فإنَّها مجرَّد كيفيَّةٍ حارَّةٍ متعلِّقةٍ بالرُّوح، فيكفي في زوالها مجرَّدُ وصولِ كيفيَّةٍ باردةٍ تسكِّنها وتُخْمِد لهبَها، من غير حاجةٍ إلى استفراغ مادَّةٍ أو انتظار نُضْجٍ (^٢).
ويجوز أن يراد به جميع أنواع الحمَّيات، وقد اعترف فاضل الأطبَّاء جالينوس بأنَّ الماء البارد ينفع فيها. قال في المقالة العاشرة من كتاب «حيلة
_________________
(١) من قوله: «خاصٌّ بأهل الحجاز» إلى هنا مأخوذ من كتاب الحموي (٦٤ - ٦٦).
(٢) كتاب الحموي (ص ٦٨).
[ ٤ / ٣٢ ]
معنى قوله: الحمى من فيح جهنم
البُرْء» (^١): ولو أنَّ رجلًا شابَّا خَشِنَ (^٢) اللَّحم خِصْبَ البدن، في وقت القيظ، في وقت (^٣) منتهى من الحمَّى (^٤)، وليس في أحشائه ورمٌ= استحمَّ بماءٍ باردٍ أو سبَح فيه لانتفع بذلك. قال: ونحن نأمر بذلك بلا توقُّف.
وقال الرازي في كتابه «الكبير» (^٥): إذا كانت القوَّة قويَّةً، والحمَّى حادَّة جدًّا، والنُّضجُ بيِّنٌ، ولا ورم في الجوف ولا فَتْق= ينفع الماء البارد شُربًا. وإن كان العليلُ خِصْبَ البدن، والزَّمانُ حارٌّ، وكان معتادًا لاستعمال الماء البارد من خارجٍ= فليؤذَن فيه.
وقوله: «الحمَّى من فَيح جهنَّم» هو شدَّة لهبها وانتشارها. ونظيره قوله: «شدَّة الحرِّ من فَيح جهنَّم». وفيه وجهان:
أحدهما: أنَّ ذلك أنموذجٌ ورَقيقةٌ (^٦) اشتقَّت من جهنَّم ليستدلَّ بها العباد
_________________
(١) ث، ل، حط: «حلية البرء»، تصحيف. والنقل عن كتاب الحموي (ص ٦٩).
(٢) هكذا في جميع النسخ بالشين المعجمة. وفي النسخ المطبوعة: «حسن»، وكذا في كتاب الحموي و«فتح الباري» (١٠/ ١٧٧) ــ وقد نقل من كتابنا ــ وهو تصحيف. انظر: «الحاوي» للرازي (٢/ ٣٩٥).
(٣) لفظ «وقت» ساقط من س، ث، ل.
(٤) في طبعة عبد اللطيف وما بعدها: «منتهى الحمى».
(٥) يعني: «الحاوي» (٤/ ٢٦١) والنص منقول من كتاب الحموي (ص ٢٩٨).
(٦) أي قطعة يسيرة. انظر ما علَّقته على قوله في «طريق الهجرتين» (١/ ٦٩): «رقيقة من نعيم أهل الجنة». ومنه قوله في «المدارج» (١/ ٢٢٠): «رقيقة من العجب». ومنه قول أبي العباس البُوني (ت ٦٢٢ هـ): «ربِّ أوقِفْني مواقف العزِّ حتى لا أجد فيَّ ذرَّةً ولا رقيقةً ولا دقيقةً إلا قد غشَّاها من عزِّ عزِّتك ما يمنعها من الذلِّ لغيرك». انظر كتابه «اللمعة النورانية» خ جامعة الملك سعود (ق ٨/أ). وكأن الكلمة بهذا المعنى من ألفاظ المتصوفة.
[ ٤ / ٣٣ ]
عليها، ويعتبروا بها. ثمَّ إنَّ الله سبحانه قدَّر ظهورها بأسبابٍ تقتضيها، كما أنَّ الرُّوح والفرح والسُّرور واللَّذَّة من نعيم الجنَّة، أظهرها الله في هذه الدَّار عبرةً ودلالةً، وقدَّر ظهورها بأسبابٍ توجبها.
والثَّاني: أن يكون المراد التَّشبيه، فشبَّه شدَّة الحمَّى ولهبها (^١) بفَوح جهنَّم (^٢)، وشبَّه شدَّة الحرِّ به أيضًا، تنبيهًا للنُّفوس على شدَّة عذاب النَّار وأنَّ هذه الحرارة العظيمة مشبَّهةٌ بفَيحها، وهو ما يصيب مَن قرُبَ منها من حرِّها.
وقوله: «فأَبرِدُوها» روي بوجهين: بقطع الهمزة وفتحها، رباعيٌّ من أبرد الشَّيءَ إذا صيَّره باردًا، مثل: أسخنه (^٣): صيَّره سُخْنًا (^٤). والثَّاني: بهمزة الوصل مضمومةً من برَد الشَّيءَ يبرُده، وهو أفصح لغةً واستعمالًا. والرُّباعيُّ لغةٌ رديَّة عندهم (^٥). قال الحماسي (^٦):
_________________
(١) د: «ولهيبها».
(٢) حط: «بفيح جهنم» والمثبت رواية أخرى جاءت في «صحيح البخاري» (٥٧٢٦).
(٣) في حط، ن بعده زيادة: «إذا». وكذا في النسخ المطبوعة. وقد أضيفت في س فوق السطر.
(٤) ل: «ساخنًا».
(٥) هذا قول الجوهري في «الصحاح» (٢/ ٤٤٥).
(٦) كذا في جميع النسخ الخطية والطبعات القديمة. ولم أجد الشعر في «حماسة أبي تمام»، وقد أنشده المؤلف في «روضة المحبين» (ص ٧٣) دون عزو، وفيه (ص ٢٥٦) لعروة بن أذينة في قصة مشهورة. وكأنه تابع في كل موضع المصدر الذي نقل منه. وقد حذفت طبعة الرسالة لفظ «الحماسي».والبيتان لعروة في «الشعر والشعراء» (٢/ ٥٨٠) و«الأغاني» (١٨/ ٢٤٦ - الثقافة) وغيرهما. وانظر: «شعر عروة» بتحقيق الجبوري (٣١٥ - ٣١٧).
[ ٤ / ٣٤ ]
إذا وجدتُ لهيبَ الحبِّ في كبدي أقبلتُ نحو سِقاء القوم أَبترِدُ
هَبْني بردتُ ببرد الماء ظاهره فمَن لنارٍ على الأحشاء تتَّقدُ
وقوله: «بالماء» فيه قولان. أحدهما: أنَّه كلُّ ماءٍ، وهو الصَّحيح. والثَّاني: أنَّه ماء زمزم. واحتجَّ أصحاب هذا القول بما رواه البخاريُّ في «صحيحه» (^١) عن أبي جَمْرة (^٢) نصر بن عمران الضُّبَعي قال: كنت أجالس ابن عبَّاسٍ بمكَّة، فأخذتني الحمَّى، فقال: أَبْرِدْها عنك بماء زمزم، فإنَّ رسول الله - ﷺ - قال: «إنَّ (^٣) الحمَّى من فيح جهنَّم، فأبرِدوها بالماء» أو قال: «بماء زمزم». وراوي هذا قد شكَّ فيه. ولو جزم به لكان أمرًا لأهل مكَّة بماء زمزم إذ هو متيسِّرٌ عندهم، ولغيرهم بما عندهم من الماء.
ثمَّ اختلف من قال إنَّه على عمومه: هل المراد به الصَّدقة بالماء أو استعماله؟ على قولين، والصَّحيح أنَّه استعماله. وأظنُّ الذي حمل من قال: المراد الصَّدقة به (^٤): أنَّه أشكل عليه استعمال الماء البارد في الحمَّى ولم يفهم وجهَه، مع أنَّ لقوله وجهًا حسنًا، وهو أنَّ الجزاء من جنس العمل، فكما أخمد لهيبَ العطش عن الظَّمآن بالماء البارد، أخمد الله لهيبَ الحمَّى عنه جزاءً وفاقًا. ولكن هذا يؤخذ من فقه الحديث وإشارته، وأمَّا المراد به فاستعماله.
_________________
(١) برقم (٣٢٦١).
(٢) ما عدا س، ن: «حمزة»، تصحيف.
(٣) لم ترد «إنَّ» في س.
(٤) «به» ساقط من ز، ث، ل. وفي ث، ل، حط، ن: «المراد به». وفي س، ث: «إن المراد». والقول بأن المراد الصدقة قول ابن الأنباري. انظر: «أعلام الحديث» (٣/ ٢١٢٦).
[ ٤ / ٣٥ ]
وقد ذكر أبو نعيم (^١) وغيره من حديث أنس يرفعه: «إذا حُمَّ أحدُكم فليرُشَّ (^٢) عليه الماء البارد ثلاث ليالٍ من السَّحر».
وفي «سنن ابن ماجه» (^٣) عن أبي هريرة يرفعه: «الحمَّى من كِير جهنَّم، فنحُّوها عنكم بالماء البارد».
وفي «المسند» (^٤) وغيره من حديث الحسن عن سَمُرة يرفعه: «الحمَّى قطعةٌ من النَّار، فأبردوها عنكم (^٥) بالماء البارد». وكان رسول الله - ﷺ - إذا حُمَّ
_________________
(١) «الطِّب النَّبوي» (٦٠١). وأخرجه أيضًا النَّسائيُّ في «الكبرى» (٧٦١٢)، وأبو يعلى (٣٧٩٤)، والطَّحاوي في «مشكل الآثار» (١٨٦٠)، وغيرهم. ورجَّح بعض الأئمَّة إرسالَه، وصحَّحه الحاكم (٤/ ٢٠٠، ٤٠٣)، وعبد الحقِّ في «الأحكام الصُّغرى» (٢/ ٨٣٥)، والضِّياء في «المختارة» (٢٠٤٣ - ٢٠٤٥)، وحسَّنه ابن حجر في «الفتح» (١٠/ ١٧٧)، وهو في «السلسلة الصحيحة» (١٣١٠).
(٢) اللفظ الوارد في الحديث: «فليَشُنَّ»، والشنُّ: الصبّ المتقطع، وهو الرَّشّ رشًّا متفرقًا. وبلفظ: «فليرش» نقله الحموي (ص ٢٩٩).
(٣) برقم (٣٤٧٥) من طريق الحسن البصري عن أبي هريرة - ﵁ -. وأخرجه أيضًا ابن أبي الدُّنيا في «المرض والكفَّارات» (١٢٠). وصحَّح إسناده البوصيريُّ في «المصباح» (٤/ ٦١). وفي سماع الحسن من أبي هريرة خلاف مشهور، وأكثر الأئمَّة على أنَّه لم يسمع منه، وللحديث شواهد كثيرة في الصَّحيحين وغيرهما.
(٤) ليس هو في «مسند أحمد»، وإنَّما في «مسند البزَّار» (٤٥٩٩). وأخرجه أيضًا الطَّحاوي في «مشكل الآثار» (١٨٥٧)، والطَّبراني في «الكبير» (٧/ ٢٧٥)، والحاكم (٤/ ٤٠٣ - ٤٠٤) وصحَّحه، وقد تفرَّد به إسماعيل بن مسلم، وهو المكِّي أبو إسحاق البصري ضعيفُ الحديث، وبه ضعَّفه البزَّار، والعقيلي في «الضُّعفاء» (١/ ٩٢)، وابن حجر في «الفتح» (١٠/ ١٧٧)، وهو في «السِّلسلة الضَّعيفة» (٤١٨٤).
(٥) «من حديث الحسن عنكم» ساقط من د.
[ ٤ / ٣٦ ]
دعا بقِربةٍ من ماءٍ، فأفرغها على رأسه، فاغتسل.
وفي «السُّنن» (^١): من حديث أبي هريرة قال: ذُكرت الحمَّى عند رسول الله - ﷺ -، فسبَّها رجلٌ، فقال رسول الله - ﷺ -: «لا تسُبَّها، فإنَّها تنفي الذُّنوبَ كما تنفي النَّارُ خبَثَ الحديد».
لما (^٢) كانت الحمَّى يتبعها حِمْيةٌ (^٣) عن الأغذية الرَّديَّة، وتناولُ الأغذية والأدوية النَّافعة، وفي ذلك إعانةٌ على تنقية البدن ونفيِ أخباثه وفضوله، وتصفيتهِ من موادِّه الرَّديَّة، وتفعل فيه كما تفعل النَّارُ في الحديد في نفي خَبَثه وتصفية جوهره= كانت أشبهَ الأشياء بنار الكِير الَّتي تصفِّي جوهرَ الحديد. وهذا القدر هو المعلوم عند (^٤) أطبَّاء الأبدان. وأمَّا تصفيتها القلبَ من وسَخه ودرَنه، وإخراجُها خبائثه، فأمرٌ يعلمه أطبَّاء القلوب، ويجدونه كما أخبرهم به نبيُّهم (^٥). ولكن مرض القلب إذا صار مأيوسًا من برئه (^٦) لم ينفع
_________________
(١) «سنن ابن ماجه» (٣٤٦٩). وأخرجه أيضًا ابن أبي شيبة (١٠٩١٥)، والبزَّار (٨٢٠٢)، والطَّبراني في «الأوسط» (٦٢٤٨). وفي إسناده موسى بن عُبَيدة، وهو الرَّبَذي ضَعيف، وبه ضعَّفه البوصيري في «المصباح» (٤/ ٦٠). وله شاهد من حديث جابر بن عبد الله - ﵄ - عند مسلم (٢٥٧٥).
(٢) س: «ولما». وكذا في كتاب الحموي (ص ٦٦)، والفقرة إلى قوله: «جوهر الحديد» منقولة منه.
(٣) د: «الحمية». وفي س، ث: «حمية من».
(٤) حط، ن: «عن».
(٥) في طبعة الرسالة بعده: «رسول الله - ﷺ -». والزيادة من طبعة عبد اللطيف.
(٦) رسمها في النسخ ما عدا س: «بروه» بالواو، ومن ثم أثبت ناسخ حط: «برده» بالدال.
[ ٤ / ٣٧ ]
فيه هذا العلاج. فالحمَّى تنفع البدن والقلب، وما كان بهذه المثابة فسبُّه ظلمٌ وعدوانٌ.
وذكرتُ مرَّةً وأنا محمومٌ قولَ بعض الشُّعراء (^١) يسُبُّها:
زارت مكفِّرةُ الذُّنوب وودَّعَتْ تبًّا لها من زائرٍ ومودِّعِ
قالت وقد عزمَت على تَرحالها ماذا تريد؟ فقلت: أن لا ترجعي
فقلت: تبًّا له إذ سبَّ ما نهى رسولُ الله - ﷺ - عن سبِّه! ولو قال:
زارت مكفِّرةُ الذُّنوب لصبِّها أهلًا بها من زائرٍ ومودِّع
قالت وقد عزمَتْ على ترحالها ماذا تريد؟ فقلت: أن لا تُقلعي
لكان أولى به، ولأقلعَتْ عنه. فأقلعت عنِّي سريعًا (^٢).
وقد روي في أثرٍ لا أعرف حاله: «حمَّى يومٍ كفَّارةُ سنةٍ» (^٣). وفيه قولان (^٤)، أحدهما: أنَّ الحمَّى تدخل في كلِّ الأعضاء والمفاصل، وعدَّتُها
_________________
(١) نسب البيتان مع ثالث في «شذرات الذهب» (٧/ ٢٠٢) إلى الملك المعظم شرف الدين الأيوبي (٥٧٦ - ٦٢٤).
(٢) أنشد شمس الدين ابن مفلح في «الآداب الشرعية» (٣/ ٢٤١) بيتي الملك المعظم ثم بيتي المؤلف دون تسميته وقال: «لم يُصِب من قال: ولا من قال: لأن الأول ارتكب النهي عن سبِّها، والثاني ترك الأمرَ بسؤال العفو والعافية وأراد بقاء المرض».
(٣) لعلَّه يقصِد بالأثر ما أخرجه ابن أبي الدُّنيا في «المرض والكفَّارات» (٤٩)، ومن طريقه البيهقي في «الشُّعب» (٩٤٠٣)، عن أبي الدَّرداء - ﵁ - قال: «حمَّى ليلةٍ كفَّارةُ سنَةٍ»، وإسناده ضعيف. ورُوي مرفوعًا من حديث ابن مسعود وأبي هريرة - ﵄ -، وهما حديثان واهيان، ينظر: «السلسلة الضعيفة» (٣٥٣٢، ٦١٤٣).
(٤) انظر القولين في «قوت القلوب» (٢/ ٣٩).
[ ٤ / ٣٨ ]
ثلاثمائةٍ وستُّون مفصلًا، فتكفِّر عنه بكلِّ مفصلٍ (^١) ذنوبَ يومٍ.
والثَّاني: أنَّها تؤثِّر في البدن تأثيرًا لا يزول بالكلِّيَّة إلى سنةٍ، كما قيل في قوله - ﷺ -: «من شرب الخمر لم تُقبل له صلاةٌ أربعين يومًا» (^٢): إنَّ أثر الخمر يبقى في جوف العبد وعروقه وأعضائه أربعين يومًا. والله أعلم.
قال أبو هريرة: ما من مرضٍ يصيبني أحبَّ إليَّ من الحمَّى لأنَّها تدخل في كلِّ عضوٍ منِّي، وإنَّ الله سبحانه يعطي كلَّ عضوٍ حظَّه من الأجر (^٣).
وقد روى الترمذي في «جامعه» (^٤) من حديث رافع بن خَديجٍ (^٥) يرفعه:
_________________
(١) حط، ن: «بعدد كل مفصل»، وكذا كان في ف، ثم أصلح.
(٢) أخرجه التِّرمذي (١٨٦٢)، وأحمد (٤٩١٧)، وأبو يعلى (٥٦٨٦)، وغيرهم من حديث ابن عمر - ﵄ -، قال التِّرمذي: «حديث حسن»، وحسَّنه الذَّهبي في «تلخيص العلل المتناهية» (٦٨٩). ويروى موقوفًا. وفي الباب عن عبد الله بن عمرو وابن عبَّاس وأبي ذرٍّ وعياض بن غنم وأنس وأبي الدَّرداء وأبي هريرة وعمر بن الخطَّاب والسَّائب بن يزيد وأسماء بنت يزيد - ﵂ -.
(٣) أخرجه ابن سعد في «الطَّبقات» (٥/ ٢٥٣)، وابن أبي شيبة (١٠٩٢٢)، والبخاري في «الأدب المفرد» (٥٠٣)، وابن أبي الدُّنيا في «المرض والكفَّارات» (٢٤٠)، والبيهقي في «الشُّعب» (٩٤٠٧، ٩٤٩٦)، وصحَّح إسناده ابن حجر في «الفتح» (١٠/ ١١٠).
(٤) برقم (٢٠٨٤) من حديث ثوبان. وأخرجه أيضًا أحمد (٢٢٤٢٥)، وابن أبي الدُّنيا في «المرض والكفَّارات» (١٢١)، والطَّبراني في «الكبير» (٢/ ١٠٢)، وابن السُّنِّي في «عمل اليوم واللَّيلة» (٥٦٨)، وأبو نعيم في «الطِّب النَّبوي» (٦٠٣). قال التِّرمذي: «حديث غريب»؛ وذلك لأنَّ في إسناده رجلًا مجهولًا، وقال ابن حجر في «الفتح» (١٠/ ١٧٦): «في سنده سعيد بن زرعة مختلفٌ فيه»، وهو مخرَّج في «السِّلسلة الضعيفة» (٢٣٣٩).
(٥) كذا في جميع النسخ الخطية والمطبوعة. والحديث من رواية ثوبان، لا رافع بن خَديج كما سبق في تخريجه. ولعل الخطأ من الحموي مؤلف «الأحكام النبوية في الصناعة الطبية» نسخة راغب باشا (ق ٨٤/ب)، ومنه نقل المؤلف هذا الحديث وما قبله. والغريب أن في مطبوعة كتاب الحموي (ص ٣٠٠): «نافع بن جبير»، وهو تحريف للغلط الواقع في أصله. وكذا «رافع بن خديج» في «الطب النبوي» لداود المتطبب (ص ٢٤٩)، ويظهر أنه أيضًا اعتمد على كتاب الحموي.
[ ٤ / ٣٩ ]
«إذا أصابت أحدَكم الحمَّى، فإنَّما الحمَّى قطعةٌ من النَّار، فليطفئها بالماء البارد، ويستقبِلْ نهرًا جاريًا، فليستقبل جَرْيَة الماء بعد الفجر وقبل طلوع الشَّمس وليقل: بسم الله، اللَّهمَّ اشفِ عبدَك، وصدِّق رسولَك. وينغمس فيه ثلاث غمساتٍ ثلاثة أيَّامٍ. فإن برئ وإلَّا خمسًا، فإن لم يبرأ في خمسٍ فسبعٌ، فإن لم يبرأ في سبعٍ فإنَّها لا تكاد تجاوز التسعَ بإذن اللَّه».
قلت (^١): وهو ينفع فعله في فصل الصَّيف في البلاد الحارَّة على الشَّرائط الَّتي تقدَّمت، فإنَّ الماء في ذلك الوقت أبرد ما يكون لبعده عن ملاقاة الشَّمس ووفور القوى في ذلك الوقت لما أفادها النَّوم والسُّكون وبرد الهواء، فتجتمع (^٢) قوَّة القوى وقوَّة الدَّواء ــ وهو الماء البارد ــ على حرارة الحمَّى العرَضيَّة أو الغبِّ الخالصة ــ أعني الَّتي لا ورم معها ولا شيء من الأعراض الرَّديَّة والموادِّ الفاسدة ــ فيطفئها بإذن اللَّه، لا سيِّما في أحد الأيَّام المذكورة في الحديث، وهي الأيَّام الَّتي يقع فيها بُحْرانُ (^٣) الأمراض الحادَّة كثيرًا، سيَّما
_________________
(١) القائل ابن القيم، والمقول للحموي في كتابه المذكور (ص ٣٠١ - ٣٠٢)!
(٢) بعده في طبعة الرسالة: «فيه»، والزيادة من الفقي.
(٣) البحران عند الأطباء: تغير عظيم يحدث في المرض دفعةً إلى الصحة أو إلى العطَب، ويكون على ثمانية أصناف. انظر: «بحر الجواهر» للهروي (ص ٤٦). والكلمة سريانية، وأصل معناها الاختبار. انظر: «القول الأصيل» للدكتور ف. عبد الرحيم (ص ٤٦).
[ ٤ / ٤٠ ]
في البلاد المذكورة لرقَّة أخلاط سكَّانها وسرعة انفعالهم عن الدِّواء النَّافع.
فصل
في هديه في علاج استطلاق (^١) البطن
في «الصَّحيحين» (^٢): من حديث أبي المتوكل عن أبي سعيدٍ الخدريِّ أنَّ رجلًا أتى النَّبيَّ - ﷺ -، فقال: إنَّ أخي يشتكي بطنه، وفي روايةٍ: استطلق بطنه، فقال: «اسقِه عسَلًا». فذهب، ثمَّ رجع فقال: قد سقيته، فلم يُغْنِ عنه شيئًا ــ وفي لفظٍ: فلم يزده إلا استطلاقًا ــ مرَّتين أو ثلاثًا، كلَّ ذلك يقول له: «اسقِه عسلًا». فقال له في الثَّالثة أو الرَّابعة: «صدَق اللَّه، وكذَب بطنُ أخيك!».
وفي «صحيح مسلم» (^٣) في لفظٍ له: «إنَّ أخي عَرِبَ بطنه» أي: فسد هضمُه واعتلَّت معدتُه. والاسم: العَرَب بفتح الرَّاء، والذَّرَب أيضًا (^٤).
والعسل فيه منافع عظيمةٌ. فإنَّه جِلاءٌ للأوساخ الَّتي في العروق والأمعاء وغيرها، محلِّلٌ للرُّطوبات أكلًا وطِلاءً، نافعٌ للمشايخ وأصحاب البلغم ومن كان مزاجه باردًا رطبًا. وهو مغذٍّ، مليِّنٌ للطَّبيعة، حافظٌ لقوى المعاجين ولما
_________________
(١) هذا الفصل برمَّته مأخوذ من كتاب الحموي (٧٥ - ٧٨) إلا قليلًا وبشيء من التقديم والتأخير. وانظر فصل العسل في «الطب النبوي» لداود (١٤٩ - ١٥٣)، فهو ملخَّص أيضًا من الكتاب المذكور مع زيادات.
(٢) البخاري (٥٦٨٤، ٥٧١٦) ومسلم (٢٢١٧).
(٣) بعد اللفظ السابق.
(٤) نقل الحموي تفسير «عرِب» إلى آخره عن القاضي عياض. انظر: «إكمال المعلم» للقاضي (٧/ ١٢٩).
[ ٤ / ٤١ ]
استُودع فيه، مُذْهِبٌ لكيفيَّات الأدوية الكريهة، منقٍّ للكبد والصَّدر، مدرٌّ للبول (^١)، موافقٌ للسُّعال الكائن عن البلغم.
وإذا شُرِب (^٢) حارًّا بدهن الورد نفَع من نَهْشِ الهوامِّ وشُرْبِ الأفيون. وإن شُرِب وحده ممزوجًا بماءٍ نفَع من عضَّةِ الكَلْب الكَلِب، وأكلِ الفُطْر القتَّال. وإذا جُعِل فيه اللَّحم الطَّريُّ حفِظ طراوتَه ثلاثة أشهرٍ. وكذلك إن جُعِل فيه القثَّاء والخيار والقَرْع (^٣) والباذنجان. ويحفظ كثيرًا من الفاكهة ستَّة أشهرٍ. ويحفظ جثث الموتى، ويسمَّى «الحافظ الأمين».
وإذا لُطِّخ به البدنُ المقمَلُ والشَّعرُ قتلَ قملَه وصِئْبانَه (^٤)، وطوَّل الشَّعر وحسَّنه ونعَّمه. وإن اكتُحِلَ به جلا ظلمةَ البصر. وإن استنَّ به بيَّض الأسنانَ وصقَلَها، وحفِظ صحَّتها وصحَّة اللَّثة. ويفتح أفواه العروق، ويُدِرُّ الطَّمْثَ. ولعقُه على الرِّيق يُذيبُ (^٥) البلغم، ويغسل خَمْلَ المعدة (^٦)، ويدفع الفضلات عنها، ويسخِّنها تسخينًا معتدلًا، ويفتح سُدَدَها، ويفعل ذلك بالكبد والكُلى والمثانة. وهو أقلُّ ضررًا لسُدَد الكبد والطِّحال من كلِّ حلوٍ.
_________________
(١) د: «منق الكبد والصدر ومدر البول».
(٢) د، ز، حط، ن: «شربه». ورسمه في ف محتمل.
(٣) «القرع» ساقط من س.
(٤) الصِّئبانُ: جمع صؤابة، وهو بيضة القمل ونحوه.
(٥) في طبعة الرسالة: «يذهب» تبعًا للطبعات السابقة.
(٦) خمل المعدة: ألياف كأهداب القطيفة تغطِّي سطحها الباطن. «المعجم الوسيط» (خمل). وانظر: «محيط المحيط» (خمل).
[ ٤ / ٤٢ ]
وهو مع هذا كلِّه مأمون الغائلة، قليل المضارِّ، مضرٌّ بالعرَض للصَّفراويِّين ودفعُها بالخلِّ ونحوه، فيعود حينئذٍ نافعًا لهم جدًّا.
وهو غذاءٌ مع الأغذية، ودواءٌ مع الأدوية، وشرابٌ مع الأشربة، وحلوى مع الحلوى (^١)، وطِلاءٌ مع الأطلية، ومفرِّحٌ مع المفرِّحات. فما خُلِق لنا شيءٌ في معناه أفضلَ منه، ولا مثلَه، ولا قريبًا (^٢). ولم يكن معوَّل القدماء إلا عليه. وأكثر كتب القدماء لا ذكر فيها للسُّكَّر البتَّة، ولا يعرفونه فإنَّه حديث العهد حدَث قريبًا.
وكان النَّبيُّ - ﷺ - يشربه بالماء على الرِّيق (^٣). وفي ذلك سرٌّ بديعٌ في حفظ الصِّحَّة لا يدركه إلا الفطن الفاضل، وسنذكر ذلك إن شاء الله عند ذكر هديه في حفظ الصِّحَّة.
وفي «سنن ابن ماجه» (^٤) مرفوعًا من حديث أبي هريرة: «من لعِق
_________________
(١) يحتمل قراءة: «حلواء مع الحلواء». وفي ل: «حلو مع الحلوى». وفي س: «حلو مع الحلواء». وفي ن: «حلو مع الحلو».
(٢) بعده في النسخ المطبوعة زيادة: «منه».
(٣) كذا ذكر الحموي في كتابه (ص ٧٧)، وأصله في «الأربعين الطبية» للموفق البغدادي ولفظه: «وقد كان - ﷺ - يشرب كل يوم قدح عسل ممزوجًا على الريق». ونقله عنه ابن الملقن في «التوضيح» (٢٧/ ٣٥١) والفيروزابادي في «ترقيق الأمل» (ص ١١٥)، وسكت عنه ابن حجر في «الفتح» (٩/ ٥٥٧)، ولا يُعرف له إسناد.
(٤) «سنن ابن ماجه» (٣٤٥٠). وأخرجه أيضًا أبو يعلى (٦٤١٥)، والطَّبراني في «الأوسط» (٤٠٨)، وأبو نعيم في «الطِّب النَّبوي» (١٦٢، ٥٦٣)، والبيهقيُّ في «الشُّعب» (٥٥٣٠). وقد تتابع الأئمَّةُ والعلماءُ على تضعيف هذا الحديث، فضعَّفه البخاريُّ في «التَّاريخ الكبير» (٦/ ٥٥)، والعقيليُّ في «الضُّعفاء» (٣/ ٤٠)، وابن حبَّان في «المجروحين» (١/ ٣١٣)، وابن عديٍّ في «الكامل» (٤/ ١٩١، ٧/ ٦)، وابن حجر في «الفتح» (١٠/ ١٤٠)، وهو في «السِّلسلة الضَّعيفة» (٧٦٢). وبالغ ابن الجوزيِّ فذكره في «الموضوعات» (٣/ ٢١٥).
[ ٤ / ٤٣ ]
[العسلَ] (^١) ثلاثَ غَدَواتٍ كلَّ شهرٍ لم يصبه عظيمٌ من البلاء». وفي أثرٍ آخر: «عليكم بالشِّفاءين: العسل والقرآن» (^٢). فجمع بين الطِّبِّ البشريِّ والإلهيِّ، وبين طبِّ الأبدان وطبِّ الأرواح، وبين الدَّواء الأرضيِّ والدَّواء السَّمائيِّ (^٣).
إذا عُرِف هذا، فهذا الذي وصَف له النَّبيُّ - ﷺ - العسلَ كان استطلاقُ بطنه عن تُخَمةٍ أصابته عن امتلاءٍ، فأمره بشرب (^٤) العسل لدفع الفضول المجتمعة في نواحي المعدة والأمعاء، فإنَّ العسل فيه جِلاءٌ ودفعٌ للفضول. وكان قد أصاب المعدة أخلاطٌ لَزِجةٌ تمنع استقرار الغذاء فيها للزُوجتها، فإنَّ المعدة لها خَمْلٌ كخَمْل المِنشفة (^٥)، فإذا علِقت بها الأخلاط اللَّزجة أفسدتها وأفسدت
_________________
(١) ما بين الحاصرتين زيادة من «السنن». وقد زاده بعضهم في س فوق السطر.
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة (٢٤١٥٧، ٣٠٦٤٢)، والطَّبراني في «الأوسط» (٩٠٧٦)، والحاكم (٤/ ٢٠٠)، وأبو نعيم في «الطِّب النَّبوي» (٦٨٩، ٦٩٠)، من قول ابن مسعود - ﵁ -. ويُروى عنه مرفوعًا عند ابن ماجه (٣٤٥٢)، والحاكم (٤/ ٢٠٠، ٤٠٣) وصحَّحه، قال الدَّارقطني في «العلل» (٥/ ٣٢٢) والبيهقي في «الشُّعب» (٤/ ١٧١) وفي «الكبرى» (٩/ ٥٧٩): «الصَّحيح وَقفُه»، وقال ابنُ كثير في «تفسيره» بعدما حسَّن إسنادَ المرفوع: «الموقوف أشبَهُ». وتنظر: «السِّلسلة الضَّعيفة» (١٥١٤).
(٣) ز، س، ث: «السماوي».
(٤) س: «أن يشرب».
(٥) في طبعة الرسالة: «القطيفة» تبعًا للفقي.
[ ٤ / ٤٤ ]
الغذاءَ. فدواؤها بما يجلوها من تلك الأخلاط، والعسل جلاءٌ. والعسلُ من أحسن ما عولج به هذا الدَّاء لا سيَّما إن مُزج بالماء الحارِّ.
وفي تكرار سقيه العسل معنًى طبِّيٌّ بديعٌ، وهو أنَّ الدَّواء يجب أن يكون له مقدارٌ وكمِّيَّةٌ بحسب حال الدَّاء، إن قصر عنه لم يُزِلْه بالكلِّيَّة، وإن جاوزه أوهى القوى، فأحدث ضررًا آخر. فلمَّا أمرَه أن يسقيه العسل سقاه مقدارًا لا يفي بمقاومة الدَّاء ولا يبلغ الغرض، فلمَّا أخبره علِمَ أنَّ الذي سقاه لا يبلغ مقدار الحاجة. فلمَّا تكرَّر تردادُه إلى النَّبيِّ - ﷺ - أكَّد عليه المعاودةَ، ليصل إلى المقدار المقاوِم للدَّاء. فلمَّا تكرَّرت الشَّربات بحسب مادَّة الدَّاء برَأ بإذن اللَّه. واعتبارُ مقادير الأدوية وكيفيَّاتها ومقدار قوَّة المرض والمريض من أكبر قواعد الطِّبِّ.
وفي قوله - ﷺ -: «صدَق اللهُ وكذَب بطنُ أخيك» إشارةٌ إلى تحقيق نفع هذا الدَّواء، وأنَّ بقاء الدَّاء ليس لقصور الدَّواء في نفسه، ولكن لكذبِ البطن وكثرة المادَّة الفاسدة فيه؛ فأمرَه بتكرار الدَّواء لكثرة المادَّة.
وليس طبُّه - ﷺ - كطبِّ الأطبَّاء، فإنَّ طبَّ النَّبيِّ - ﷺ - متيقَّنٌ قطعيٌّ إلهيٌّ صادرٌ عن الوحي ومشكاة النُّبوَّة وكمال العقل، وطبُّ غيره أكثرُه حدسٌ وظنونٌ وتجارب. ولا يُنكَر عدمُ انتفاع كثيرٍ من المرضى بطبِّ النُّبوَّة، فإنَّه إنَّما ينتفع به من تلقَّاه بالقبول واعتقادِ الشِّفاء به، وكمالُ التَّلقِّي له بالإيمان والإذعان. فهذا القرآن الذي هو شفاءٌ لما في الصُّدور، إن لم يُتلقَّ هذا التَّلقِّي لم يحصل به شفاءُ الصُّدور من أدوائها (^١)، بل لا يزيد المنافقين إلا رجسًا
_________________
(١) ما عدا حط: «أدوائه»، ولعله سهو كان في الأصل، ذهب الخاطر إلى المريض.
[ ٤ / ٤٥ ]
إلى رجسهم ومرضًا إلى مرضهم. وأين يقع طبُّ الأبدان منه؟ فطبُّ النُّبوَّة لا يناسب إلا الأبدان الطَّيِّبة، كما أنَّ شفاء القرآن لا يناسب إلا الأرواح الطَّيِّبة والقلوب الحيَّة. فإعراضُ النَّاس عن طبِّ النُّبوَّة كإعراضهم عن الاستشفاء بالقرآن الذي هو الشِّفاء النَّافع. وليس ذلك لقصورٍ في الدَّواء، ولكن لخبث الطَّبيعة وفساد المحلِّ وعدم قبوله. والله الموفِّق (^١).
فصل
وقد اختلف النَّاس في قوله تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ [النحل: ٦٩]: هل الضَّمير في (^٢) ﴿فِيهِ﴾ راجعٌ إلى الشَّراب أو راجعٌ إلى القرآن؟ على قولين. والصَّحيح رجوعه إلى الشَّراب، وهو قول ابن مسعودٍ (^٣) وابن عبَّاسٍ (^٤) والحسن (^٥) وقتادة (^٦) والأكثرين، فإنَّه هو المذكور، والكلام سيق لأجله، ولا ذكر للقرآن في الآية. وهذا الحديث الصَّحيح ــ وهو قوله: «صدق الله» ــ كالصَّريح فيه. والله أعلم.
_________________
(١) ز: «وبالله التوفيق».
(٢) «في» ساقط من ث، حط، ل، د.
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة (٣٠٦٤٣)، وابن جرير في «تفسيره» (١٤/ ٢٩٠).
(٤) أخرجه ابن جرير في «تفسيره» (١٤/ ٢٩١).
(٥) ذكر القرطبيُّ في «تفسيره» (١٠/ ١٣٦) عن الحسن أنَّ الضَّمير للقرآن، فالله أعلم.
(٦) أخرجه ابن جرير في «تفسيره» (١٤/ ٢٩٠).
[ ٤ / ٤٦ ]
فصل
في هديه في الطَّاعون وعلاجه والاحتراز منه (^١)
في «الصَّحيحين» (^٢) عن عامر بن سعد بن أبي وقَّاصٍ عن أبيه أنَّه سمعه يسأل أسامة بن زيدٍ: ماذا سمعتَ من رسول الله - ﷺ - في الطَّاعون؟ فقال أسامة: قال رسول الله - ﷺ -: «الطَّاعون رجزٌ أُرسِل على طائفةٍ من بني إسرائيل وعلى (^٣) من كان قبلكم، فإذا سمعتم به بأرضٍ فلا تدخلوا عليه، وإذا وقع بأرضٍ وأنتم بها فلا تخرجوا منها فرارًا منه».
وفي «الصَّحيحين» (^٤) أيضًا عن حفصة بنت سيرين قالت: قال أنس بن مالكٍ: قال رسول الله - ﷺ -: «الطَّاعون شهادةٌ لكلِّ مسلمٍ».
الطَّاعون من حيث اللُّغة نوعٌ من الوباء (^٥)، قاله صاحب «الصِّحاح». وهو عند أهل الطِّبِّ: ورمٌ رديءٌ قتَّالٌ يخرج معه تلهُّبٌ (^٦) شديدٌ مؤلمٌ جدًّا يتجاوز المقدار في ذلك، ويصير ما حوله في الأكثر أسود أو أخضر أو كمِدًا (^٧)، ويؤول
_________________
(١) هذا الفصل أيضًا معظمه مأخوذ من كتاب الحموي (ص ٧٩ - ٩٢).
(٢) البخاري (٣٤٧٣) ومسلم (٢٢١٨). واللفظ من كتاب الحموي (ص ٧٩).
(٣) كذا في جميع النسخ. وفي «الصحيحين» ومصدر النقل: «أو على».
(٤) البخاري (٢٨٣٠، ٥٧٣٢) ومسلم (١٩١٦).
(٥) كذا في جميع النسخ، والصواب كما في كتاب الحموي: «الموت من الوباء». وهذا هو الثابت في عدة نسخ خطية راجعتها من «الصحاح»، وفي المطبوع منه: «الموتُ الوحيُّ من الوباء» وكذا في «تهذيب الزنجاني».
(٦) كذا في جميع النسخ، ولعله سبق قلم وقع في الأصل. والصواب: «مع تلهُّبٍ» كما في مصدر النقل.
(٧) ز، س، ن: «أكمد»، وفي ث، ل: «كمد».
[ ٤ / ٤٧ ]
أمره إلى التَّقرُّح سريعًا. وفي الأكثر يحدُث في ثلاثة مواضع: في الإبط، وخلف الأذن، والأرنبة، و[بالجملة] (^١) في اللُّحوم الرِّخوة.
وفي أثرٍ عن عائشة أنَّها قالت للنَّبيِّ - ﷺ -: الطَّعن قد عرفناه، فما الطَّاعون؟ قال: «غدَّةٌ كغدَّة البعير تخرج (^٢) في المرَاقِّ والآباط (^٣)» (^٤).
قال الأطبَّاء (^٥): إذا وقع الخُرَاج في اللُّحوم الرِّخوة والمغابن وخلف الأذن والأرنبة وكان من جنسٍ فاسدٍ سُمِّي (^٦) طاعونًا. وسببُه دمٌ رديٌّ مائلٌ
_________________
(١) من مصدر النقل ليستقيم السياق. وأثبت ناسخ ز: «وفي الأرنبة»، ليدل تكرار «في» على المواضع الثلاثة، ولكن الإبط وخلف الأذن ليسا موضعًا واحدًا فيبقى الخلل.
(٢) ف، س: «يخرج»، يعني الطاعون.
(٣) س، ث، ل: «الإبط». والمراقُّ: ما سفل من البطن فما تحته من المواضع التي يرقُّ جلدها.
(٤) أخرجه أحمد (٢٥١١٨، ٢٦١٨٢)، وأبو يعلى (٤٤٠٨، ٤٦٦٤)، وليس عندهما: «يخرج في المراق والإبط»، وهي عند البزَّار (٣٠٤١ ــ كشف الأستار)، وابن الأعرابيِّ في «معجمه» (٢٤٥٦)، والطَّبراني في «الأوسط» (٥٥٣١)، وابن عبد البر في «التَّمهيد» (١٢/ ٢٥٨، ١٩/ ٢٠٥). وحسَّن إسناده المنذريُّ في «التَّرغيب» (٢/ ٢٢٢)، والعراقي في «المغني» (٢١٣٠)، والهيثمي في «المجمع» (٢/ ٣١٥)، وابن حجر في «الفتح» (١٠/ ١٨٨)، وصحَّحه البوصيري في «الإتحاف» (١٨٢٦)، والألباني في «الإرواء» (١٦٣٨)، وهو في «السلسلة الصحيحة» (١٩٢٨). وله شواهد.
(٥) في كتاب الحموي: «قال الشيخ الرئيس» يعني: ابن سينا. وقد لخص الحموي كلامه من كتابه «القانون» (١/ ١٠٨) و(٣/ ١٦٤ - ١٦٥).
(٦) ث، حط، ل، ن: «يسمَّى». وفي د، ز قبله في المتن زيادة: «سمِّي»، وكذا في ن فوق السطر، يعني الوصف المنسوب إلى السَّمِّ. ولما كان في ف، س: «سمي» استدرك في الهامش مع علامة اللحق بعده: «يسمى». وفي كتاب الحموي مطبوعه ومخطوطه ومصدره «القانون» كما أثبت. ولعل سهوًا حصل من النساخ.
[ ٤ / ٤٨ ]
إلى العفونة والفساد، مستحيلٌ إلى جوهرٍ سمِّيٍّ يُفسِد العضو، ويغيِّر ما يليه (^١)، وربَّما رشَح دمًا وصديدًا، ويؤدِّي إلى القلب كيفيَّةً رديَّةً، فيحدث القيء والخفقان والغَشْي. وهذا الاسم وإن كان يعمُّ كلَّ ورمٍ يؤدِّي إلى القلب كيفيَّةً رديَّةً حتَّى يصير لذلك قتَّالًا، فإنَّه يختصُّ به الحادث في اللَّحم الغُدَديِّ، لأنَّه لرداءته لا يقبله من الأعضاء إلا ما كان أضعف بالطَّبع. وأردؤه ما حدث في الإبط وخلف الأذن، لقربهما من الأعضاء الَّتي هي أرأَسُ (^٢). وأسلَمُه (^٣): الأحمر، ثمَّ الأصفر. والَّذي إلى السَّواد فلا يفلت منه أحدٌ.
ولمَّا كان الطَّاعون يكثر في الوباء وفي البلاد الوبئة عبِّر عنه بالوباء، كما قال الخليل (^٤): الوباء الطَّاعون. وقيل: هو كلُّ مرضٍ يعُمُّ (^٥). والتَّحقيق (^٦) أنَّ بين الوباء والطَّاعون عمومًا وخصوصًا، فكلُّ طاعونٍ وباءٌ، وليس كلُّ وباءٍ طاعونًا. وكذلك الأمراض العامَّة أعمُّ من الطَّاعون فإنَّه واحدٌ منها.
_________________
(١) في «القانون»: «لون ما يليه».
(٢) في كتاب الحموي و«القانون»: «أشدُّ رئاسة».
(٣) يعني: «أسلم الطواعين» كما في «القانون».
(٤) انظر: «العين» (٨/ ٤١٨).
(٥) في كتاب الحموي: «عام». ونصُّ ما في «العين»: وهو أيضًا كلُّ مرض عامٍّ. وكأن المؤلف خفي عليه أن هذا القول أيضًا جزء من النقل عن الخليل، فتصرَّف فيه.
(٦) هذا التحقيق للقاضي عياض. وقد نقله الحموي مع كلام الخليل من «إكمال المعلم» (٧/ ١٣٢). والصحيح الذي قاله المحققون عند الحموي هو ما ذكره المؤلف بقوله: «وكذلك الأمراض العامة » إلخ.
[ ٤ / ٤٩ ]
والطَّواعين خُرَاجاتٌ وقروحٌ (^١) وأورامٌ رديَّةٌ حادثةٌ في المواضع المتقدِّم ذكرها.
قلت: هذه القروح والأورام والخُراجات (^٢) هي آثار الطَّاعون وليس (^٣) نفسه، ولكنَّ الأطبَّاء لمَّا لم تدرك منه إلا الأثر الظَّاهر، جعلوه نفس الطَّاعون. والطَّاعون يعبَّر به عن ثلاثة أمورٍ:
أحدها: هذا الأثر الظَّاهر وهو الذي ذكره الأطبَّاء.
والثَّاني: الموت الحادث عنه، وهو المراد بالحديث الصَّحيح في قوله: «الطَّاعون شهادةٌ لكلِّ مسلمٍ».
الثَّالث: السَّبب الفاعل لهذا الدَّاء، وقد ورد في الحديث الصَّحيح أنَّه بقيَّة رجزٍ أُرسل على بني إسرائيل (^٤). وورد فيه أنَّه وَخْزُ الجنِّ (^٥). وجاء أنَّه دعوة نبيٍّ (^٦).
_________________
(١) في مصدر النقل: «قروح عن خراجات».
(٢) ز: «الجراحات»، وكذا في النسخ المطبوعة، وهو تصحيف.
(٣) كذا في جميع النسخ والطبعة الهندية. وفي غيرها: «وليست».
(٤) أخرجه التِّرمذي (١٠٦٥)، وابن حبَّان (٢٩٥٤)، من حديث أسامة بن زيد - ﵄ -، وقال التِّرمذي: «حديث حسن صحيح». وهو في «الصَّحيحين»، وقد تقدَّم تخريجه.
(٥) أخرجه أحمد (١٩٥٢٨، ١٩٧٠٨)، والبزَّار (٢٩٨٦ - ٢٩٨٩، ٣٠٩١)، وأبو يعلى (٧٢٢٦)، والطَّبرانيُّ في «الأوسط» (٨٥١٢)، وغيرهم من حديث أبي موسى - ﵁ -. وفي إسناده اختلاف، وصحَّحه ابن خزيمة كما في «إتحاف المهرة» (١٢٣٧٤)، والحاكم (١/ ٥٠)، والمنذري في «التَّرغيب» (٢/ ٢٢١)، وابن حجر في «بذل الماعون» (ص ١١٨)، والألباني في «الإرواء» (١٦٣٧). وله شواهد.
(٦) أخرجه أحمد (١٧٧٥٣ - ١٧٧٥٦)، والطَّحاوي في «معاني الآثار» (٤/ ٣٠٦)، والطَّبراني في «الكبير» (٧/ ٣٦٥ - ٣٦٦)، والحاكم (٣/ ٢٧٦)، من حديث شرحبيل بن حسنة - ﵁ -، ولفظه: «ودعوةُ نبيكم». وصحَّحه ابن خزيمة كما في «إتحاف المهرة» (٦٣٢٨)، وابن حبَّان (٢٩٥١)، وحسَّن إسناده ابن حجر في «بذل الماعون» (ص ٢٥٩) وقال: «لكن شهرٌ فيه مقالٌ».
[ ٤ / ٥٠ ]
وهذه العلل والأسباب ليس عند الأطبَّاء ما يدفعها، كما ليس عندهم ما يدلُّ عليها، والرُّسل تخبر بالأمور الغائبة. وهذه الآثار الَّتي أدركوها من أمر الطَّاعون ليس معهم ما ينفي أن تكون بتوسُّط الأرواح، فإنَّ تأثير الأرواح في الطَّبيعة وأمراضها وهلاكها أمرٌ لا ينكره إلا من هو من أجهل النَّاس بالأرواح وتأثيرها وانفعال الأجسام وطبائعها عنها. والله سبحانه قد يجعل لهذه الأرواح تصرُّفًا في أجسام بني آدم عند حدوث الوباء وفساد الهواء، كما يجعل لها تصرُّفًا عند غلبة بعض الموادِّ الرَّديَّة الَّتي تُحدث للنُّفوس هيئةً رديَّةً، ولا سيَّما عند هيجان الدَّم والمرَّة السَّوداء وعند هيجان المنيِّ، فإنَّ الأرواح الشَّيطانيَّة تتمكَّن من فعلها بصاحب هذه العوارض ما لا تتمكَّن من غيره، ما لم يدفعها دافعٌ أقوى من هذه الأسباب، من الذِّكر والدُّعاء والابتهال والتَّضرُّع والصَّدقة وقراءة القرآن، فإنَّه يستنزل بذلك من الأرواح الملكيَّة ما يقهر هذه الأرواح الخبيثة، ويبطل شرَّها، ويدفع تأثيرها.
وقد جرَّبنا نحن وغيرنا هذا مرارًا لا يحصيها إلا اللَّه، ورأينا لاستنزال هذه الأرواح الطَّيِّبة واستجلاب قربها تأثيرًا عظيمًا في تقوية الطَّبيعة ودفع الموادِّ الرَّديَّة؛ وهذا يكون قبل استحكامها وتمكُّنها، ولا يكاد يُخْرَم. فمن وفَّقه الله بادر عند إحساسه بأسباب الشَّرِّ إلى هذه الأسباب الَّتي تدفعها عنه، وهي له من أنفع الدَّواء. وإذا أراد الله ﷿ إنفاذ قضائه وقدره أغفل قلبَ
[ ٤ / ٥١ ]
العبد عن معرفتها وتصوُّرها وإرادتها، فلا يشعر بها ولا يريدها، ليقضي الله فيه (^١) أمرًا كان مفعولًا.
وسنزيد هذا المعنى إن شاء الله إيضاحًا وبيانًا عند الكلام على التَّداوي بالرُّقى والعُوَذ النَّبويَّة والأذكار والدَّعوات وفعل الخيرات، ونبيِّن أنَّ نسبة طبِّ الأطبَّاء إلى هذا الطِّبِّ النَّبويِّ كنسبة طبِّ الطُّرُقيَّة والعجائز إلى طبِّهم، كما اعترف به حذَّاقهم وأئمَّتهم. ونبيِّن أنَّ الطَّبيعة الإنسانيَّة أشدُّ شيءٍ انفعالًا عن الأرواح، وأنَّ قوى العُوَذ والرُّقى والدَّعوات فوق قوى الأدوية حتَّى إنَّها تُبطل قوى السُّموم القاتلة.
والمقصود أنَّ فساد الهواء جزءٌ من أجزاء السَّبب التَّامِّ والعلَّة الفاعلة للطَّاعون، فإنَّ (^٢) فساد جوهر الهواء الموجِب لحدوث الوباء وفساده يكون لاستحالة جوهره إلى الرَّداءة، لغلبة إحدى الكيفيَّات الرَّديَّة عليه كالعفونة والنَّتْن والسُّمِّيَّة، في أيِّ وقتٍ كان من أوقات السَّنة، وإن كان أكثرُ حدوثه في أواخر الصَّيف وفي الخريف غالبًا، لكثرة اجتماع الفضلات المَراريَّة الحادَّة وغيرها في فصل الصَّيف وعدم تحلُّلها في آخره، وفي الخريف لبرد الجوِّ ورَدْعِه للأبخرة (^٣) والفضلات الَّتي كانت تتحلَّل في زمن الصَّيف، فتنحصر فتسخُن وتعفَن، فتجذب (^٤) الأمراضَ العفَنيَّة (^٥)، ولا سيَّما إذا صادفت
_________________
(١) «فيه» ساقط من د، ث، ن.
(٢) من هنا رجع النقل من كتاب الحموي (ص ٩٠ - ٩٢).
(٣) ث، ل: «الأبخرة».
(٤) ما عدا ف، س: «فتحدث»، وهو محتمل.
(٥) كذا في ف، وفي حط مضبوطًا. وفي ل: «العفنة»، وهوسائغ. وفي غيرها: «العَفينة»، وهو تصحيف ما أثبت.
[ ٤ / ٥٢ ]
البدن مستعدًّا قابلًا رَبِلًا (^١) قليل الحرارة كثير الموادِّ، فهذا لا يكاد يفلت من العطب.
وأصحُّ الفصول فيه فصل الرَّبيع. قال أَبُقْراط (^٢): إنَّ في الخريف أشدَّ ما تكون الأمراضُ وأقتَل. وأمَّا الرَّبيع فأصحُّ الأوقات كلِّها وأقلُّها موتًا. وقد جرت عادة الصَّيادلة ومجهِّزي الموتى أنَّهم يستدينون ويتسلَّفون في الرَّبيع والصَّيف على فصل الخريف، فهو ربيعهم، وهم أشوَقُ شيءٍ إليه وأفرَح بقدومه!
وقد روي في حديث: «إذا طلع النَّجم ارتفعت العاهة عن كلِّ بلدٍ» (^٣).
_________________
(١) د: «رَهِلًا»، وهو مضطرب اللحم. وفي النسخ الأخرى جميعًا بالباء، إلا أن في س، ز بالواو قبل الباء. وفي ث، ل بالدال، وفي ن بالزاي. وكله تصحيف ما أثبت. والرَّبِل: كثير اللحم والشحم. واللفظ ساقط من حط. أما كتاب الحموي ففيه: «سيما في الأبدان الرطبة القليلة الحرارة».
(٢) انظر: «الحاوي» للرازي (٤/ ٤١٦). والمؤلف صادر عن كتاب الحموي إلى آخر الفصل كما سبق.
(٣) أخرجه أبو يوسف في «الآثار» (٩١٧)، ومحمد بن الحسن في «الآثار» (٩٠٧)، كلاهما عن الإمام أبي حنيفة عن عطاء عن أبي هريرة - ﵁ - به مرفوعًا، قال الخليليُّ في «الإرشاد» (١/ ٣١٩): «أبو حنيفة يتفرَّد به، ولا يتابَع عليه». وأخرجه أحمد (٨٤٩٥، ٩٠٣٩)، والبزَّار (٩٢٩٦)، والطَّحاوي في «مشكل الآثار» (٢٢٨٦، ٢٢٨٧)، والعقيلي في «الضُّعفاء» (٣/ ٤٢٦)، وغيرُهم من طريق عِسْل بن سفيان ــ وهو ضعيف ــ عن عطاء به نحوَه. وذكر الحافظ في «فتح الباري» (٤/ ٣٩٥) أن أبا داود رواه من طريق عطاء عن أبي هريرة، وتبعه السخاوي في «المقاصد الحسنة» (٨٨)، ولم أجد رواية أبي داود في مظانها. ويُروى موقوفًا. والحديث مخرَّج في «السِّلسلة الضَّعيفة» (٣٩٧). وفي الباب عن أبي سعيد الخدري - ﵁ -. وينظر: «الرَّوض البسَّام بترتيب وتخريج فوائد تمَّام» (٢/ ٣٠٣ - ٣٠٥).
[ ٤ / ٥٣ ]
وفُسِّر بطلوع الثُّريَّا، وفُسِّر بطلوع النَّبات زمن الرَّبيع (^١). ومنه: ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ﴾ [الرحمن: ٦]، فإنَّ كمال طلوعه وتمامه يكون في فصل الرَّبيع، وهو الفصل الذي ترتفع فيه الآفات.
وأمَّا الثُّريَّا فالأمراض تكثر وقت طلوعها مع الفجر وسقوطها. قال التميمي (^٢) في كتاب «مادَّة البقاء» (^٣): أشدُّ أوقات السَّنة فسادًا وأعظمها بليَّةً على الأجساد وقتان، أحدهما: وقت سقوط الثُّريَّا للمغيب عند طلوع الفجر. والثَّاني: وقت طلوعها من المشرق قبل طلوع الشَّمس على العالم بمنزلةٍ من منازل القمر، وهو وقت تصرُّم فصل الرَّبيع وانقضائه؛ غير أنَّ الفساد الكائن عند طلوعها أقلُّ ضررًا من الفساد الكائن عند سقوطها.
_________________
(١) لم أر من فسَّر بطلوع النبات غير الحموي في كتابه (ص ٩١) بل قال: «وزعم بعضهم أن المراد بالنجم الثريا» مع أنه هو القول المشهور عند شراح الحديث، وقال ابن عبد البر في «الاستذكار» (٦/ ٣٠٦): «والنجم: الثريا، لا خلاف في ذلك». وفي «فتح الباري» (٤/ ٣٩٥): «النجم هو الثريا وطلوعها صباحًا يقع في أول فصل الصيف، وذلك عند اشتداد الحر في بلاد الحجاز وابتداء نضج الثمار ». وانظر: «معالم السنن» (٥/ ٤٣ - مع «مختصر المنذري») و«شرح صحيح البخاري» لابن بطال (٦/ ٣١٦).
(٢) «قال التميمي» ساقط من س.
(٣) اسمه الكامل: «مادة البقاء في إصلاح فساد الهواء والتحرز من ضرر الأوباء». ومؤلفه محمد بن أحمد بن سعيد الحكيم المقدسي ثم المصري أبو عبد الله التميمي. وقد صنفه للوزير أبي الفرج يعقوب بن كلس (ت ٣٨٠) بمصر. انظر: نشرته الصادرة عن معهد المخطوطات بتحقيق يحيى شعار (ص ١٢٥).
[ ٤ / ٥٤ ]
فصل في النهي عن الدخول إلى أرض الطاعون وعن الخروج منها
وقال أبو محمَّد بن قتيبة (^١): يقال: ما طلعت الثُّريَّا ولا ناءت إلا بعاهةٍ في النَّاس والإبل، وغروبُها أعوَهُ من طلوعها (^٢).
وفي الحديث قولٌ ثالثٌ (^٣) ــ ولعلَّه أولى الأقوال به ــ أنَّ المراد بالنَّجم: الثُّريَّا، وبالعاهة: الآفة الَّتي تلحق الزُّروع والثِّمار في فصل الشِّتاء وصدر فصل الرَّبيع، فحصل الأمن عليها (^٤) عند طلوع الثُّريَّا في الوقت المذكور. ولذلك نهى النبي - ﷺ - عن بيع الثَّمرة وشرائها قبل أن يبدو صلاحها (^٥).
والمقصود: الكلام على هديه - ﷺ - عند وقوع الطَّاعون.
فصل
وقد جمع النَّبيُّ - ﷺ - للأمَّة في نهيه عن الدُّخول إلى الأرض الَّتي هو بها، ونهيه عن الخروج منها بعد وقوعه= كمالَ التَّحرُّز منه، فإنَّ في الدُّخول في الأرض الَّتي هو بها تعرُّض (^٦) للبلاء، وموافاة له في محلِّ سلطانه، وإعانة
_________________
(١) في «كتاب الأنواء» (ص ٣١). ثم قال: «وأما قول رسول الله - ﷺ -: «إذا طلع النجم لم يبق في الأرض من العاهة شيء إلا رُفِع» فإنه أراد بذلك عاهة الثمار، لأنها تطلع بالحجاز وقد أزهى البسر وأمنت عليه العاهة، وحلَّ ينع النخل».
(٢) النص في «كتاب الأنواء»: «وغربها أعيَهُ من شرقها»، والمصنف صادر عن كتاب الحموي. وعاه يعيهُ ويعُوه يائي وواوي، والواوي أكثر.
(٣) قال الحموي: «ويجوز أن يكون المراد بالنجم الثريا » إلخ. وهو قول ابن قتيبة. وهو الذي ذكره شراح الحديث كما سبق.
(٤) «عليها» ساقط من ز.
(٥) انظر حديث ابن عمر في «صحيح البخاري» (١٤٨٦) وحديث أنس فيه (٢١٩٧) وفي «صحيح مسلم» (١٥٥٥).
(٦) حط: «تعرضًا»، وكذا في النسخ المطبوعة.
[ ٤ / ٥٥ ]
الإنسان (^١) على نفسه. وهذا مخالفٌ للشَّرع والعقل، بل تجنبُه الدُّخولَ إلى أرضه من باب الحِمْية الَّتي أرشد الله سبحانه إليها، وهي حميةٌ عن الأمكنة والأهوية المؤذية.
وأمَّا نهيه عن الخروج من بلده، ففيه معنيان:
أحدهما: حمل النُّفوس على الثِّقةِ باللَّه، والتَّوكُّلِ عليه، والصَّبرِ على أقضيته والرِّضا بها.
والثَّاني: ما قاله أئمَّة الطِّبِّ: أنَّه يجب على كلِّ محترزٍ من الوباء أن يُخرج عن بدنه الرُّطوبات الفَضْليَّة، ويقلِّل الغذاء، ويميل إلى التَّدبير المجفِّف (^٢) من كلِّ وجهٍ، إلا الرِّياضة والحمَّام فإنَّهما ممَّا يجب أن يحذر، لأنَّ البدن لا يخلو غالبًا من فضلٍ رديٍّ كامنٍ فيه، فتثيره الرِّياضة والحمَّام ويخلطانه بالكَيموس (^٣) الجيِّد، وذلك يجلب علَّةً عظيمةً. بل يجب عند وقوع الطَّاعون السُّكون والدَّعة وتسكين هيجان الأخلاط. ولا يمكن الخروج من أرض الوباء والسَّفر منها إلا بحركةٍ شديدةٍ، وهي مضرَّةٌ جدًّا (^٤). هذا كلام أفضل الأطبَّاء المتأخِّرين (^٥). فظهر المعنى الطِّبِّيُّ من الحديث النَّبويِّ وما فيه من
_________________
(١) حط، ن: «للإنسان». وكذا في النسخ المطبوعة.
(٢) د: «المخفف»، تصحيف.
(٣) الكيموس هو الطعام إذا انهضم في المعدة قبل أن ينصرف عنها ويصير دمًا. انظر: «بحر الجواهر» (ص ٢٥١).
(٤) أضاف المؤلف إلى نصِّ الحموي: «شديدة» و«جدًّا».
(٥) يعني: ابن سينا. ومراجعة كتاب «القانون» (٣/ ٩٠) تدل على أن ما لخصه الحموي (ص ٨٧) من كلامه انتهى بقوله: «يجب أن يحذر». وما بعده شرح من الحموي لكلام ابن سينا وتفسير منه للحديث. وفي كتابه في أول الفقرة: «والثاني ما قاله ابن سينا» فغيَّره المؤلف إلى «ما قاله أئمة الطب»، ثم ظن أن ما بعده كله من كلام ابن سينا.
[ ٤ / ٥٦ ]
علاج القلب والبدن وصلاحهما.
فإن قيل: ففي قول النَّبيِّ - ﷺ -: «لا تخرجوا فرارًا منه» ما يُبطل أن يكون أراد هذا المعنى الذي ذكرتموه، وأنَّه لا يمتنع الخروج لعارضٍ، ولا يحبس مسافرًا (^١) عن سفره؟
قيل: لم يقل أحدٌ طبيبٌ ولا غيره: إنَّ النَّاس يتركون حركاتهم عند الطَّواعين، ويصيرون بمنزلة الجمادات. وإنَّما ينبغي فيه التَّقلُّل من الحركة بحسب الإمكان. والفارُّ منه لا موجب لحركته إلا مجرَّد الفرار منه، ودعته وسكونه أنفع لقلبه وبدنه، وأقرب إلى توكُّله على الله واستسلامه لقضائه. وأمَّا من لا يستغني عن الحركة كالصُّنَّاع والأجراء والمسافرين والبُرُد وغيرهم، فلا يقال لهم: اتركوا حركاتكم جملةً، وإن أُمِروا أن يتركوا منها ما لا حاجة لهم إليه كحركة المسافر فارًّا منه. والله أعلم.
وفي المنع من الدُّخول إلى الأرض الَّتي قد وقع بها عدَّة حكمٍ:
أحدها: تجنُّب الأسباب المؤذية والبعد منها.
الثَّاني: الأخذ بالعافية الَّتي هي مادَّة مصالح (^٢) المعاش والمعاد.
_________________
(١) س: «مسافرٌ».
(٢) لفظ «مصالح» ساقط من ن، وكذا من النسخ المطبوعة.
[ ٤ / ٥٧ ]
الثَّالث: أن لا يستنشقوا الهواء الذي قد عفِن وفسد، فيمرضون.
الرَّابع: أن لا يجاوروا المرضى الذين قد مرضوا بذلك، فيحصل لهم بمجاورتهم من جنس أمراضهم (^١).
وفي «سنن أبي داود» (^٢) مرفوعًا: «إنَّ من القرَفِ التَّلفَ». قال ابن قتيبة (^٣): القرَفُ: مداناة الوباء ومداناة المرض (^٤).
الخامس: حِمْية النُّفوس عن الطِّيَرة والعدوى فإنَّها تتأثَّر بهما، فإنَّ الطِّيرة على من تطيَّر بها.
وبالجملة، ففي النَّهي عن الدُّخول في أرضه: الأمرُ بالحذر والحِمْية، والنَّهيُ عن التَّعرُّض لأسباب التَّلف. وفي النَّهي عن الفرار منه: الأمرُ بالتَّوكُّل والتَّسليم والتَّفويض. فالأوَّل: تأديب وتعليم، والثَّاني: تفويض وتسليم (^٥).
_________________
(١) الثالث والرابع مأخوذان من كتاب الحموي (ص ٨٢).
(٢) برقم (٣٩٢٣) من طريق عبد الرَّزَّاق ــ وهو في «مصنَّفه» (٢٠١٦٢) ــ، عن معمر، عن يحيى بن عبد الله بن بَحِير، عمَّن سمع فروةَ، عن فروة بن مُسَيْك - ﵁ - به. وأخرجه أيضًا أحمد (١٥٧٤٢) عن عبد الرَّزَّاق به. وإسناده ضعيف؛ لإبهام الرَّاوي عن فروةَ، ولجهالة يحيى. وضعَّفه البوصيري في «الإتحاف» (٣٨٣٩)، وهو في «السلسلة الضعيفة» (١٧٢٠).
(٣) في «غريب الحديث» في الجزء المفقود منه. وقد نقله الخطابي في «معالم السنن» (٤/ ٢٣٦). وسياق الحموي (ص ٨٢) يدل على أنه نقله من «المعالم». والمصنف صادر عن الحموي.
(٤) كذا في جميع النسخ والطبعة الهندية و«معالم السنن». وفي طبعة عبد اللطيف: «المرضى» ويحتمله رسم الكلمة في ن، وكذا في كتاب الحموي.
(٥) هذه الفقرة مأخوذة من كتاب الحموي (ص ٨٣).
[ ٤ / ٥٨ ]
وفي «الصَّحيح» (^١): أنَّ عمر بن الخطاب خرج إلى الشَّام حتَّى إذا كان بسَرْغَ (^٢) لقيه أبو عبيدة بن الجرَّاح وأصحابه، فأخبروه أنَّ الوباء قد وقع بالشَّام (^٣)، فقال لابن عبَّاسٍ: ادعُ لي المهاجرين الأوَّلين. قال: فدعوتهم، فاستشارهم، وأخبرهم أنَّ الوباء قد وقع بالشَّام (^٤). فاختلفوا، فقال له بعضهم: خرجتَ لأمرٍ، فلا نرى أن ترجع عنه. وقال آخرون: معك بقيَّة النَّاس وأصحاب رسول الله - ﷺ -، فلا نرى أن تُقْدِمَهم على هذا الوباء. فقال عمر: ارتفِعوا عنِّي. ثمَّ قال: ادع لي الأنصار. فدعوتُهم له (^٥)، فاستشارهم، فسلكوا سبيل المهاجرين، واختلفوا كاختلافهم، فقال: ارتفِعوا عنِّي. ثمَّ قال: ادع لي مَن هاهنا من مَشْيَخة قريش من مهاجِرة الفتح. فدعوتُهم له (^٦)، فلم يختلف عليه منهم رجلان. قالوا: نرى أن ترجع بالنَّاس، ولا تُقْدِمَهم على هذا الوباء. فأذَّن عمر في النَّاس: إنِّي مُصْبِحٌ على ظهرٍ، فأصبِحُوا عليه. فقال أبو عبيدة بن الجرَّاح: يا أمير المؤمنين أفرارًا من قدر الله؟ قال: لو غيرُك قالها يا أبا عبيدة! نعم، نفرُّ من قدر الله إلى قدر الله. أرأيت لو كان لك إبلٌ، فهبطت
_________________
(١) من حديث ابن عباس. أخرجه البخاري (٥٧٢٩) ومسلم (٢٢١٩).
(٢) قال الحازمي في «الأماكن» (١/ ٥٣٠): «أول الحجاز وآخر الشام بين المغيثة وتبوك من منازل حاج الشام». وهي «المدوَّرة» اليوم، مركز الحدود بين الأردن والمملكة من طريق حارة عمار. انظر: «المعالم الأثيرة» لمحمد شراب (ص ١٣٩).
(٣) بعده في س، ل: «فاختلفوا»، وكذا في طبعة عبد اللطيف وما بعدها.
(٤) العبارة «فقال لابن عباس بالشام» ساقطة من ث.
(٥) «له» ساقط من ز، ث، ل.
(٦) «له» ساقط من حط، ن.
[ ٤ / ٥٩ ]
واديًا له عُدْوَتان (^١)،
إحداهما خصبةٌ، والأخرى جدبةٌ؛ ألستَ إن رعيتَها الخصبة رعيتَها بقدر الله، وإن رعيتها الجَدْبةَ (^٢) رعيتها بقدر الله؟ قال: فجاء عبد الرَّحمن بن عوفٍ، وكان متغيِّبًا في بعض حاجته (^٣) فقال: إنَّ عندي في هذا علمًا سمعتُ رسولَ الله - ﷺ - يقول: «إذا كان بأرضٍ وأنتم بها فلا تخرجوا فرارًا منه، وإذا سمعتم به بأرضٍ فلا تقدَموا عليه».
فصل
في هديه في داء الاستسقاء وعلاجه (^٤)
في «الصَّحيحين» (^٥): من حديث أنس بن مالكٍ قال: قدِمَ رهطٌ من عُرَينة وعُكْلٍ على النَّبيِّ - ﷺ -، فاجتوَوا المدينةَ، فشكَوا ذلك إلى النَّبيِّ - ﷺ - فقال: «لو خرجتم إلى إبل الصَّدقة، فشربتم من ألبانها وأبوالها»، ففعلوا. فلمَّا صحُّوا عمَدوا إلى الرُّعاة، فقتلوهم، واستاقوا الإبل، وحاربوا الله ورسوله. فبعث رسولُ الله - ﷺ - في آثارهم، فأُخِذُوا، فقطَع أيديهم وأرجلَهم، وسمَل أعينهم، وألقاهم في الشَّمس حتَّى ماتوا.
والدَّليل على أنَّ هذا المرض كان الاستسقاء: ما رواه مسلم في
_________________
(١) أي جانبان ..
(٢) قوله: «رعيتها الخصبة» و«رعيتها الجدبة» لفظ الحموي. انظر: مخطوطة كتابه (١٥/ب). ورواية الصحيح: «رعيت الخصبة» و«رعيت الجدبة».
(٣) ن: «حاجاته»، وكذا في النسخ المطبوعة.
(٤) هذا الفصل أيضًا إلى آخر كلام ابن سينا مأخوذ من كتاب الحموي (ص ٩٣ - ٩٦).
(٥) البخاري (٢٣٣) ومسلم (١٦٧١).
[ ٤ / ٦٠ ]
«صحيحه» (^١) في هذا الحديث أنَّهم قالوا: «إنَّا اجتوينا المدينة، فعظُمَتْ بطونُنا، وارتهَشَتْ أعضاؤنا (^٢)». وذكَر تمام الحديث.
والجوى: داءٌ من أدواء الجوف (^٣). والاستسقاء: مرضٌ مادِّيٌّ، سببه مادَّةٌ غريبةٌ باردةٌ تتخلَّل الأعضاءَ، فتربو لها إمَّا الأعضاء الظَّاهرة كلُّها، وإمَّا المواضع الخالية من النَّواحي الَّتي فيها تدبير الغذاء والأخلاط. وأقسامه ثلاثةٌ: لحميٌّ ــ وهو أصعبها ــ، وزِقِّيٌّ، وطَبْليٌّ. ولمَّا كانت الأدوية المحتاج إليها في علاجه هي الأدوية الجالية (^٤) الَّتي فيها إطلاقٌ معتدلٌ وإدرارٌ بحسب
_________________
(١) لم يرد هذا اللفظ في «صحيح مسلم». وإنما قال الحموي في آخر الحديث السابق: «أخرجه مسلم»، ثم بعد الفقرة الآتية قال: «والدليل الاستسقاء ما جاء في الحديث من طريق آخر»، فظن المؤلف أنه يقصد: من طريق آخر في «صحيح مسلم». واللفظ المذكور أخرجه أبو عوانة (٦٠٩٦) وأحمد (١٤٠٨٦) وأبو يعلى (٢٨٨٢) وأبو نعيم في «الطب النبوي» (١/ ٤١٦ - ط دار ابن حزم) والبيهقي في «الكبرى» (١٠/ ٤، ٨/ ١٦٢)، وإسناده صحيح.
(٢) كذا في جميع النسخ وفي بعض نسخ «مسند أحمد» وغيره. وفي «المستخرج»: «أعضادنا»، وكذا في «المسند» (١٤٠٨٦) و«الطب النبوي» لأبي نعيم: «وانتهشت أعضادنا». وفي «السنن الكبرى» (١٠/ ٤): «وارتهست أعضادنا» بالسين المهملة، وكلاهما صحيح والمعنى: اضطربت. انظر: «النهاية في غريب الحديث» (٢/ ٢٨٢). وفي اللفظ روايات أخرى.
(٣) اقتضب المؤلف كلام الحموي في تفسير «اجتوينا» في الحديث.
(٤) من الجلاء. والدواء الجالي: الذي يحرِّك الرطوبات اللزجة والجامدة عن فوهات المسامِّ في سطح العضو حتى يبعدها عنه. «حقائق أسرار الطب» للسجزي (ص ١٩٢). وفي النسخ المطبوعة: «الجالبة»، تصحيف.
[ ٤ / ٦١ ]
الحاجة، وهذه الأمور موجودةٌ في أبوال الإبل وألبانها= أمَرهم النَّبيُّ - ﷺ - بشربها، فإنَّ في لبن اللِّقاح جلاءً وتليينًا وإدرارًا وتلطيفًا وتفتيحًا للسُّدَد، إذ كان أكثر رعيها الشِّيح والقَيصوم والبابونج والأُقْحُوان والإذخِر وغير ذلك من الأدوية النَّافعة للاستسقاء.
وهذا المرض لا يكون إلا مع آفةٍ في الكبد خاصَّةً، أو مع مشاركةٍ. وأكثرُها عن السُّدد فيها، ولبنُ اللِّقاح العربيَّة نافعٌ من السُّدد، لما فيه من التَّفتيح والمنافع المذكورة.
قال الرازي (^١): لبنُ اللِّقاح يشفي أوجاع الكبد وفساد المزاج.
وقال الإسرائيلي (^٢): لبنُ اللِّقاح أرقُّ الألبان، وأكثرها مائيَّةً وحدَّةً، وأقلُّها غذاءً. فلذلك صار أقواها على تلطيف الفضول، وإطلاق البطن، وتفتيح السُّدد. ويدلُّ على ذلك ملوحته اليسيرة الَّتي فيه لإفراط حرارةٍ حيوانيَّةٍ بالطَّبع. ولذلك صار أخصَّ الألبان بتطرية الكبد، وتفتيح سُددها، وتحليل صلابة الطِّحال إذا كان حديثًا، والنَّفعِ من الاستسقاء خاصَّةً إذا استعُمل بحرارته الَّتي يخرج بها من الضَّرع مع بول الفصيل، وهو حارٌّ كما يخرج من الحيوان، فإنَّ ذلك ممَّا يزيد في ملوحته وتقطيعه الفضول وإطلاقه البطن. فإن تعذَّر انحداره وإطلاقه البطنَ وجب أن يطلَق بدواءٍ مسهِلٍ.
_________________
(١) انظر نحوه في: «الحاوي» (٦/ ٣٦٣، ٣٦٨).
(٢) انظر نحوه في كتابه «الأغذية والأدوية» (١/ ١٣٠، ١٣٥، ١٣٧). وإن كانت الفقرة كاملة من كلام الإسرائيلي فهي مأخوذة من كتاب آخر له.
[ ٤ / ٦٢ ]
من فقه قصة العرنيين
قال صاحب «القانون»: ولا يلتفت إلى ما يقال من أنَّ طبيعة اللَّبن مضادَّةٌ لعلاج الاستسقاء. قال: واعلم أنَّ لبن النُّوق دواءٌ نافعٌ لما فيه من الجلاء برفقٍ وما فيه من خاصِّيَّةٍ، وأنَّ هذا اللَّبن شديد المنفعة، فلو أنَّ إنسانًا أقام عليه بدل الماء والطَّعام شُفِي به. وقد جُرِّب ذلك في قومٍ دفعوا إلى بلاد العرب فقادتهم الضَّرورة إلى ذلك، فعُوفُوا (^١). وأنفع الأبوال: بول الجمل الأعرابيِّ وهو النَّجيب (^٢). انتهى.
وفي القصَّة دليلٌ:
- على التَّداوي والتَّطبُّب.
- وعلى طهارة بول مأكول اللَّحم فإنَّ التَّداوي بالمحرَّمات غير جائزٍ، ولم يؤمروا مع قرب عهدهم بالإسلام بغسل أفواههم وما أصابته ثيابهم من أبوالها للصَّلاة، وتأخيرُ البيان لا يجوز عن وقت الحاجة.
- وعلى مقابلة الجاني بمثل ما فعَل، فإنَّ هؤلاء قتلوا الرَّاعي وسمَلوا عينه (^٣). ثبت ذلك في «صحيح مسلم» (^٤).
- وعلى قتل الجماعة وأخذ أطرافهم بالواحد.
_________________
(١) «القانون» (٢/ ٥٤٤).
(٢) «القانون» (١/ ٤١٢).
(٣) س، ث، ل، ن: «عينيه».
(٤) برقم (١٦٧١/ ١٠، ١٤). ولفظه: «إنما سمَل النبي - ﷺ - أعين أولئك لأنهم سملوا أعين الرِّعاء».
[ ٤ / ٦٣ ]
- وعلى أنَّه إذا اجتمع في حقِّ الجاني حدٌّ وقصاصٌ استُوفِيا معًا، فإنَّ النَّبيَّ - ﷺ - قطَع أيديهم وأرجلهم حدًّا لله على حِرابهم، وقتَلَهم لقتلهم الرَّاعي.
- وعلى أنَّ المحارب إذا أخذ المالَ وقتَلَ قُطِعت يدُه ورجلُه في مقامٍ واحدٍ، وقُتِل.
- وعلى أنَّ الجنايات إذا تعدَّدت تغلَّظت عقوباتها، فإنَّ هؤلاء ارتدُّوا وكفروا بعد إسلامهم، وقتلوا النَّفس، ومثَّلوا بالمقتول، وأخذوا المال، وجاهروا (^١) بالمحاربة.
- وعلى أنَّ حكمَ رِدْءِ المحاربين حكمُ مباشِرهم (^٢)، فإنَّه من المعلوم أنَّ كلَّ واحدٍ منهم لم يباشر القتلَ بنفسه، ولا سأل النَّبيُّ - ﷺ - عن ذلك.
- وعلى أنَّ قتلَ الغِيلة يُوجِب قتلَ القاتل حدًّا، فلا يُسقطه العفوُ، ولا يعتبر (^٣) فيه المكافأة. وهذا مذهب أهل المدينة، وأحد الوجهين في مذهب أحمد اختاره شيخنا وأفتى به (^٤).
_________________
(١) ز: «وجهروا».
(٢) د: «مباشرتهم»، تحريف.
(٣) كذا في س، حط، د. وفي غيرها بإهمال أوله.
(٤) انظر: «مجموع الفتاوى» (٢٨/ ٣١٦ - ٣١٧).
[ ٤ / ٦٤ ]
فصل
في هديه في علاج الجُرْح (^١)
في «الصَّحيحين» (^٢) عن أبي حازم أنَّه سمع سهلَ بن سعدٍ يُسأل عمَّا دُووِيَ به جُرحُ رسول الله - ﷺ - يوم أحدٍ، فقال: جُرِح وجهُه، وكُسِرت رَبَاعِيَتُه، وهُشِمت البيضةُ على رأسه. وكانت فاطمة بنت رسول الله - ﷺ - تغسل الدَّم، وكان عليُّ بن أبي طالبٍ يسكُب عليها بالمِجَنِّ. فلمَّا رأت فاطمةُ الدَّم لا يزيد إلا كثرةً أخذَتْ قطعةَ حصيرٍ، فأحرَقَتْها، حتَّى إذا صارت رمادًا ألصقَتْه بالجرح، فاستمسك الدَّم.
لرماد (^٣) الحصيرِ المعمولِ من البرديِّ فعلٌ قويٌّ في حبس الدَّم، لأنَّ فيه تجفيفًا قويًّا وقلَّةَ لذعٍ، فإنَّ الأدوية القويَّة التَّجفيف إذا كان فيها لذعٌ هيَّجت (^٤) الدَّمَ وجلَبته. وهذا الرَّماد إذا نُفِخ وحده أو مع الخلِّ في أنف الرَّاعف قطَع رُعافَه.
وقال صاحب «القانون» (^٥): البرديُّ ينفع (^٦) من النَّزْفِ ويمنعه، ويُذَرُّ على الجراحات الطَّريَّة فيدمُلها. والقرطاس المصريُّ كان قديمًا يُعمَل منه.
_________________
(١) كتاب الحموي (ص ٩٧).
(٢) البخاري (٢٩١١) ومسلم (١٧٩٠).
(٣) تصحف في ن إلى «برماد»، فتعلق بالجملة السابقة، واختل السياق، فزاد بعضهم: «وله» بعد «البردي»، وكذا في النسخ المطبوعة.
(٤) د: «هيَّج»، خطأ.
(٥) (١/ ٤١٠ - ٤١١).
(٦) يعني: رماده.
[ ٤ / ٦٥ ]
ومزاجه باردٌ يابسٌ، ورماده نافعٌ من أكلة الفم، ويحبِس نفثَ الدَّم، ويمنع القروح الخبيثة أن تسعى.
فصل
في هديه في العلاج بشرب العسل والحجامة والكيِّ (^١)
في «صحيح البخاريِّ» (^٢) عن سعيد بن جبيرٍ عن ابن عبَّاسٍ عن النَّبيِّ - ﷺ - قال: «الشِّفاء في ثلاثٍ: شَرْبة عسلٍ، وشَرْطة مِحْجَمٍ، وكيَّة نارٍ. وأنا أنهى أمَّتي عن الكيِّ».
قال أبو عبد الله المازريُّ (^٣): الأمراض الامتلائيَّة: إمَّا أن تكون دمويَّةً أو صفراويَّةً أو بلغميَّةً أو سوداويَّةً. فإن كانت دمويَّةً فشفاؤها إخراج الدَّم. وإن كانت من الأقسام الثَّلاثة الباقية فشفاؤها بالإسهال الذي يليق بكلِّ خِلْطٍ منها. وكأنَّه - ﷺ - نبَّه بالعسل على المسْهِلات، وبالحجامة على الفصد. وقد قال بعض النَّاس: إنَّ الفصد يدخل في قوله: «شَرْطة مِحْجَمٍ». فإذا أعيا الدَّواء فآخرُ الطِّبِّ الكيُّ؛ فذكره - ﷺ - في الأدوية لأنَّه يستعمل عند غلبة الطِّباع لقوى الأدوية، وحيث لا ينفع الدَّواء المشروب. وقوله: «وأنا أنهى أمَّتي عن الكيِّ» وفي الحديث الآخر (^٤): «وما أحبُّ أن أكتوي» إشارةٌ إلى أن يؤخَّر العلاج به حتَّى تدفع الضَّرورة إليه (^٥)، ولا يعجَّل التَّداوي به، لما فيه من استعجال
_________________
(١) كتاب الحموي (ص ١٠٢ - ١٠٤).
(٢) برقم (٥٦٨٠).
(٣) في «المعلم بفوائد مسلم» (٣/ ١٦٨ - ١٦٩).
(٤) أخرجه البخاري (٥٦٨٣) ومسلم (٢٢٠٥) من حديث جابر - ﵁ -.
(٥) «الآخر إليه» ساقط من د.
[ ٤ / ٦٦ ]
الألم الشَّديد في دفع ألمٍ قد يكون أضعف من ألم الكيِّ. انتهى كلامه.
وقال بعض الأطبَّاء (^١): الأمراض المزاجيَّة إمَّا أن تكون بمادَّةٍ أو بغير مادَّةٍ. والمادِّيَّة منها: إمَّا حارَّةٌ أو باردةٌ أو رطبةٌ أو يابسةٌ، أو ما تركَّب منها. وهذه الكيفيَّات الأربع، منها كيفيَّتان فاعلتان، وهما الحرارة والبرودة؛ وكيفيَّتان منفعلتان، وهما الرُّطوبة واليبوسة. ويلزم من غلبة إحدى الكيفيَّتين الفاعلتين استصحابُ كيفيَّةٍ منفعلةٍ معها. وكذلك كان لكلِّ واحدٍ من الأخلاط الموجودة في البدن وسائر المركَّبات كيفيَّتان: فاعلةٌ ومنفعلةٌ. فحصل من ذلك أنَّ أصل الأمراض المزاجيَّة هي التَّابعةُ لأقوى كيفيَّات الأخلاط الَّتي هي الحرارة والبرودة. فجاء كلام النُّبوَّة في أصل معالجة الأمراض الَّتي هي الحارَّة والباردة على طريق التَّمثيل. فإن كان المرض حارًّا عالجناه بإخراج الدَّم، بالفصد كان أو بالحجامة، لأنَّ في ذلك استفراغًا للمادَّة وتبريدًا للمزاج. وإن كان باردًا عالجناه بالتَّسخين، وذلك موجودٌ في العسل. فإن كان يحتاج مع ذلك إلى استفراغ المادَّة الباردة، فالعسل أيضًا يفعل ذلك بما فيه من الإنضاج والتَّقطيع والتَّلطيف والجلاء والتَّليين، فيحصل بذلك استفراغُ تلك المادَّة برفقٍ وأمنٍ من نكاية المُسْهِلات القويَّة.
وأمَّا الكيُّ، فلأنَّ كلَّ واحدٍ من الأمراض المادِّيَّة إمَّا أن يكون حادًّا فيكون سريع الانقضاء (^٢) لأحد الطَّرفين، فلا يحتاج إليه فيه. وإمَّا أن يكون مزمنًا وأفضلُ علاجه بعد الاستفراغ: الكيُّ في الأعضاء الَّتي يجوز فيها الكيُّ،
_________________
(١) هو ابن طرخان الحموي الكحال الذي لا يزال المؤلف ينقل هذه الفصول من كتابه، فقد عقَّب الحموي بقوله هذا إلى آخر الفصل على كلام المازري.
(٢) في طبعة الرسالة: «الإفضاء»، تحريف.
[ ٤ / ٦٧ ]
لأنَّه لا يكون مزمنًا إلا عن مادَّةٍ باردةٍ غليظةٍ، قد رسخت في العضو، وأفسدت مزاجه، وأحالت جميعَ ما يصل إليه إلى مشابهة جوهرها، فيشتعل (^١) في ذلك العضو، فتُستخرَج بالكيِّ تلك المادَّةُ من ذلك المكان الذي هي فيه، بإفناء الجزء النَّاريِّ الموجود بالكيِّ لتلك المادَّة.
فتعلَّمنا بهذا الحديث الشَّريف أخذَ معالجةِ الأمراض المادِّيَّة جميعها كما استنبطنا معالجةَ الأمراض السَّاذجة من قوله - ﷺ -: «إنَّ شدَّة الحمَّى من فَيح جهنَّم، فأبرِدوها بالماء» (^٢).
فصل
وأمَّا الحِجامة، ففي «سنن ابن ماجه» (^٣) من حديث جُبَارة بن المغلِّس ــ وهو ضعيف ــ عن كَثير بن سُلَيم قال: سمعتُ أنس بن مالكٍ يقول: قال رسول الله - ﷺ -: «ما مررتُ ليلةَ أُسْريَ بي بملإٍ إلا قالوا: يا محمَّد، مُرْ أمَّتك بالحجامة».
وروى الترمذي في «جامعه» (^٤) من حديث ابن عبَّاسٍ هذا الحديث،
_________________
(١) د: «فتشتعل». وفي ز، حط: «فيستعمل»، تصحيف. وفي مخطوطة كتاب الحموي: «فيستفحل». والجملة «فيشتعل في ذلك العضو» ساقطة من ث، ل.
(٢) سبق تخريجه.
(٣) برقم (٣٤٧٩). وأخرجه الطَّبراني في «الأوسط» (٣١٧٦)، وابن عدي في «الكامل» (٧/ ١٩٨ - ١٩٩)، من طريقين آخَرين عن كثيرٍ به، وكثيرٌ ضعيف أيضًا. وقد ضعَّف إسنادَه العراقيُّ في «المغني» (٤١٠٦)، والبوصيريُّ في «المصباح» (٤/ ٦٢). وله شواهد من حديث ابن مسعود وابن عمر وابن عبَّاس ومالك بن صعصعة وأبي سعيد الخدري وعليٍّ - ﵃ -، يتقوَّى ببعضها، والله أعلم.
(٤) برقم (٢٠٥٣) وليس عنده قولُه: «يا محمَّد»، وإنَّما هو عند ابن ماجه (٣٤٧٧) وأحمد (٣٣١٦)، وسيورده المصنِّف بتمامِه بعد حديثين، ويَأتي تخريجُه هناك.
[ ٤ / ٦٨ ]
وقال فيه: «عليك بالحجامة يا محمَّد».
وفي «الصَّحيحين» (^١) من حديث طاوسٍ عن ابن عبَّاسٍ أنَّ النَّبيَّ - ﷺ - احتجَم، وأعطى الحجَّام أجره.
وفي «الصَّحيحين» (^٢) أيضًا عن حميدٍ الطَّويل عن أنس أنَّ رسول الله - ﷺ - حجَمَه أبو طَيبة، فأمر له بصاعين من طعامٍ، وكلَّم مواليه، فخفَّفوا عنه من ضريبته، وقال: «خيرُ ما تداويتم به الحجامة».
وفي «جامع الترمذي» (^٣) عن عبَّاد بن منصورٍ قال: سمعت عكرمة يقول: كان لابن عبَّاسٍ غِلْمةٌ ثلاثةٌ حجَّامون، فكان اثنان منهم يُغِلَّان عليه
_________________
(١) البخاري (٢٢٧٨) ومسلم (١٢٠٢).
(٢) البخاري (٢٢٧٧) ومسلم (١٥٧٧).
(٣) برقم (٢٠٥٣)، وأخرجه ابن ماجه (٣٤٧٨، ٣٤٧٧) مقتصِرًا على شطره الأوَّل والثَّاني مُفرَّقَين. وأخرج بعضَه أحمد (٣٣١٦). وصحَّح إسنادَه الطَّبريُّ في «التَّهذيب» (١/ ٤٨٩ ــ مسند ابن عبَّاس)، والحاكم (٤/ ٢٠٩، ٢١٠، ٢١٢، ٤٠٩)، والإشبيليُّ في «الأحكام الصُّغرى» (٢/ ٨٣٨)، وغيرهم، إلَّا أنَّه معلول كما قال ابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٤١/ ٧٤) وابن حجر في «الفتح» (١٠/ ١٥٠)، فعبَّاد ضعَّفه غيرُ واحدٍ من الأئمَّة، وقد دلَّس هذا الحديثَ، وتصريحُه بالسَّماع في إسناد التِّرمذي غيرُ محفوظ، فروى العُقيليُّ في «الضُّعفاء» (٣/ ١٣٦) وابن حبَّان في «المجروحين» (٢/ ١٦٦) عن يحيى القطَّان قال: قلت لعبَّاد: سمعتَ «ما مررتُ بملأ من الملائكة »؟ فقال: حدَّثني ابن أبي يحيى، عن داود بن حُصين، عن عكرمة، عن ابن عبَّاس. اهـ. وابن أبي يحيى متروك، وداود ضعيف في عكرمة. فالإسناد ضعيف كما قال النَّوويُّ في «المجموع» (٩/ ٦٢)، وابن مُفلح في «الآداب الشَّرعيَّة» (٣/ ٨٠)، بل ضعيف جدًّا كما هو مبيَّن في «السلسلة الصحيحة» (٢/ ٢١٥ - ٢٢٥).
[ ٤ / ٦٩ ]
فصل في منافع الحجامة
وعلى أهله، وواحدٌ يحجُمه ويحجُم أهلَه. قال: وقال ابن عبَّاسٍ: قال نبيُّ الله - ﷺ -: «نعم العبد الحجَّام! يُذهِبُ الدَّمَ، ويخفِّف (^١) الصُّلبَ، ويجلو عن البصر». وقال: إنَّ رسول الله - ﷺ - حين (^٢) عُرِج به ما مرَّ على ملإٍ من الملائكة إلا قالوا: عليك بالحجامة. وقال: «إنَّ خير ما تحتجمون فيه يوم سبع عشرة ويوم تسع عشرة ويوم إحدى وعشرين».
وقال: «إنَّ خير ما تداويتم به السَّعوط، واللَّدود، والحجامة، والمشي». وإنَّ رسول الله - ﷺ - لُدَّ، فقال: «من لدَّني؟»، فكلُّهم أمسكوا، فقال: «لا يبقى أحدٌ في البيت إلا لُدَّ إلا العبَّاس». قال: هذا حديثٌ غريبٌ. ورواه ابن ماجه.
فصل (^٣)
فأما منافع الحجامة، فإنَّها تنقِّي سطح البدن أكثر من الفصد. والفصدُ لأعماق البدن أفضل. والحجامة تستخرج الدَّم من نواحي الجلد (^٤).
قلت: والتَّحقيق (^٥) في أمرها وأمر الفصد أنَّهما يختلفان باختلاف الزَّمان والمكان والأسنان (^٦) والأمزجة. فالبلاد الحارَّة والأزمنة الحارَّة والأمزجة الحارَّة الَّتي دمُ أصحابها في غاية النُّضج، الحجامةُ فيها أنفَعُ من الفصد بكثيرٍ
_________________
(١) في غير نسخة: «يجفِّف» وكذا في الطبعات القديمة. ولفظ الترمذي في «الجامع»: «يُخِفُّ» من الإخفاف.
(٢) في النسخ: «حيث»، تصحيف.
(٣) كتاب الحموي (ص ١٠٥، ١٦٤ - ١٧٠).
(٤) كتاب الحموي (ص ١٠٥).
(٥) وهو مستنبط من كلام الحموي في كتابه (ص ١٦٤).
(٦) س، ث، حط، ل: «الإنسان»، تصحيف.
[ ٤ / ٧٠ ]
فإنَّ الدَّم ينضج ويرِقُّ (^١) ويخرج إلى سطح الجسد الدَّاخل، فتُخْرِجه الحجامةُ ما لا يُخرجه الفصد. ولذلك كانت أنفع للصِّبيان من الفصد، ولمن لا يقوى على الفصد.
وقد نصَّ الأطبَّاء (^٢) على أنَّ البلاد الحارَّة الحجامةُ فيها أنفَعُ وأفضلُ من الفصد، وتستحبُّ في وسط الشَّهر وبعد وسطه؛ وبالجملة في الرُّبع الثَّالث من أرباع الشَّهر، لأنَّ الدَّم في أوَّل الشَّهر لم يكن بعد قد هاجَ وتبيَّغ، وفي آخره يكون قد سكن. وأمَّا في وسطه وبُعَيدَه، فيكون في نهاية التَّزيُّد.
قال صاحب «القانون» (^٣): ويؤمر باستعمال الحجامة، لا في أوَّل الشَّهر لأنَّ الأخلاط لا تكون قد تحرَّكت وهاجت، ولا في آخره لأنَّها تكون قد نقصت، بل في وسط الشَّهر حين تكون الأخلاط هائجةً بائغةً (^٤) في تزيُّدها لتزيُّد النُّور في جِرْم القمر.
وقد روي عن النَّبيِّ - ﷺ - أنَّه قال: «خيرُ ما تداويتم به الحجامة والفصد» (^٥).
_________________
(١) س، ث، ل: «يروق»، وهو ساقط من حط.
(٢) هذا نصُّ كلام الحموي (ص ١٦٤ - ١٦٧).
(٣) (١/ ٢٩٩ - ٣٠٠).
(٤) كذا في الأصل (ف)، د، ز، س، والطبعة الهندية وغيرها، يعني: هائجة. وفي ث: «بالغة» كما أثبت الفقي وتبعته نشرة الرسالة. ولم تحرر الكلمة في النسخ الأخرى. وفي مطبوعة «القانون»: «تابعة»، وهو أشبه.
(٥) أخرجه أبو نعيم في «الطب النبوي» (١٨٢) من طريق الحُسين بن عبد الله بن ضميرة، عن أبيه، عن جدِّه، عن عليٍّ - ﵁ - به مرفوعًا، وهذا إسناد تالف؛ الحسين بن عبد الله بن ضميرة متروك كما قال ابن المدينيِّ وأحمد والدَّارقطني وغيرهم، بل كذَّبه مالك وأبو حاتم وابن الجارود. ينظر: «اللِّسان» (٢/ ٢٨٩).
[ ٤ / ٧١ ]
وفي حديثٍ: «خيرُ الدَّواء الحِجامة والفِصاد (^١)» (^٢). انتهى (^٣).
وقوله - ﷺ -: «خير ما تداويتم به الحجامة» إشارةٌ إلى أهل الحجاز والبلاد الحارَّة، لأنَّ دماءهم رقيقةٌ، وهي أميل إلى ظاهر أبدانهم، لجذب الحرارة الخارجة لها إلى سطح الجسد واجتماعها في نواحي الجلد، ولأنَّ مسامَّ أبدانهم واسعةٌ وقواهم متخلخلةٌ، ففي الفصد لهم خطرٌ. والحجامة تفرُّقٌ اتِّصاليٌّ إراديٌّ، يتبعه استفراغٌ كلِّيٌّ من العروق، وخاصَّةً العروق الَّتي تُفصَد (^٤) كثيرًا (^٥). ولفصد كلِّ واحدٍ منها نفعٌ خاصٌّ:
ففصدُ الباسِليق (^٦) ينفع من حرارة الكبد والطِّحال والأورام الكائنة فيهما من الدَّم، وينفع من أورام الرِّئة، وينفع الشَّوصةَ (^٧) وذاتَ الجنب
_________________
(١) حط، ن: «الفصد» وكذا في النسخ المطبوعة.
(٢) أخرجه أبو نعيم في «الطِّب النَّبوي» (١٨٣) من طريق الحُسين بن عبد الله بن ضميرة بالإسناد السَّابق، وهو إسناد ضعيف جدًّا.
(٣) كذا وقع «انتهى» في جميع النسخ الخطية والمطبوعة، كأن النقل من كلام صاحب «القانون» انتهى هنا. وقد يكون سبب الالتباس أن الحموي بعدما نقل كلام ابن سينا والحديثين قال: «قلتُ»، فظنَّ المؤلف أن ما قبل «قلتُ» كله عن ابن سينا. والحق أن كلامه انتهى بقوله: «جرم القمر»، وليس من منهجه في «القانون» الإشارة إلى الأحاديث والآثار، أما الحديثان والكلام الآتي عليهما فكل ذلك من الحموي.
(٤) في طبعة عبد اللطيف وما بعدها: «لا تفصد»، وهو غلط.
(٥) السياق في كتاب الحموي (٤٤/أ): « من العروق خاصَّةً. والعروق التي تفصد كثيرة».
(٦) عرق في اليد عند المرفق في الجانب الإنسي إلى ما يلي الإبط. انظر: «مفاتيح العلوم» (ص ١٥٣).
(٧) الشوصة: وجع في البطن من ريح تنعقد تحت الأضلاع. وقال جالينوس: هو ورم في حجاب الأضلاع من داخل. انظر: «النهاية» (٢/ ٥٠٩) و«الصحاح» (شوص) و«الحاوي» (٢/ ١٠٤).
[ ٤ / ٧٢ ]
وجميع الأمراض الدَّمويَّة العارضة من أسفل الرُّكبة إلى الورِك.
وفصدُ الأكحَل ينفع من الامتلاء العارض في جميع البدن إذا كان دمويًّا وكذلك إذا كان الدَّم قد فسد في جميع البدن.
وفصدُ القِيفال (^١) ينفع من العلل العارضة في الرَّأس والرَّقبة من كثرة الدَّم أو فساده.
وفصدُ الودَجين ينفع من وجع الطِّحال والرَّبو والبَهْر ووجع الجبين.
والحجامة على الكاهل تنفع من وجع المنكب والحلق.
والحجامة على الأخدعين تنفع من أمراض الرَّأس وأجزائه، كالوجه والأسنان والأذنين والعينين والأنف والحلق، إذا كان حدوث ذلك عن كثرة الدَّم أو فساده أو عنهما جميعًا.
قال أنس: كان رسول الله - ﷺ - يحتجم في الأخدعين والكاهل (^٢).
_________________
(١) عرق في اليد عند المرفق في الجانب الوحشي. انظر: «مفاتيح العلوم» (ص ١٥٣).
(٢) أخرجه أبو داود (٣٨٦٠)، والتِّرمذي (٢٠٥١)، وابن ماجه (٣٤٨٣)، وأحمد (١٢١٩١، ١٣٠٠١)، وغيرهم. وقال التِّرمذي: «هذا حديث حسن غريب»، وصحَّحه الطَّبريُّ في «التَّهذيب» (١/ ٥٢١ ــ مسند ابن عبَّاس)، وابن حبَّان (٦٠٧٧)، والحاكم (٤/ ٢١٠)، والضِّياء في «المختارة» (٢٣٨٥ - ٢٣٩٠)، والنَّووي في «المجموع» (٩/ ٦١)، وهو في «السلسلة الصحيحة» (٩٠٨). وفي الباب عن ابن عبَّاس ومعقل بن يسار وعليٍّ وجابر وأبي هريرة - ﵁ -.
[ ٤ / ٧٣ ]
وفي «الصَّحيحين» (^١): كان (^٢) رسول الله - ﷺ - يحتجم ثلاثًا: واحدةً على كاهله، واثنتين على الأخدعين.
وفي الصَّحيح (^٣) عنه أنَّه احتجم ــ وهو محرِمٌ ــ في رأسه، لصداعٍ كان (^٤) به.
وفي (^٥) «سنن ابن ماجه» (^٦) عن علي: نزل جبريل على النَّبيِّ - ﷺ - بحجامة الأخدعين والكاهل.
وفي «سنن أبي داود» (^٧) من حديث جابر أنَّ النَّبيَّ - ﷺ - احتجم في ورِكه
_________________
(١) كذا في كتاب الحموي (ص ١٧٠) وساق الحديثين الآتيين مساقًا واحدًا، كأنهما جميعًا في «الصحيحين». أما المؤلف ففصل بينهما، وعزا الأول إلى «الصحيحين» والثاني إلى «الصحيح»، وكان العكس أولى! فالحديث الآتي ليس في الصَّحيحَين، وإنَّما أخرجه بهذا اللَّفظ ابن سعد في «الطَّبقات» (١/ ٤٤٦)، وابن أبي شيبة (٢٣٩٦٩)، وأحمد (١٣٠٠١)، والضِّياء في «المختارة» (٢٣٩٠)، من حديث أنس - ﵁ -، وقد تقدَّم تخريجه في التَّعليق السَّابق.
(٢) س: «أن رسول الله - ﷺ - كان».
(٣) أخرجه البخاري (١٨٣٦) ومسلم (١٢٠٣) من حديث ابن بحينة. وأخرجه أيضًا البخاري (٥٧٠١) عن ابن عباس.
(٤) «كان» ساقط من ز.
(٥) س: «وهو في».
(٦) برقم (٣٤٨٢) من طريق سعد الإسكاف، عن الأصبغ بن نباتة، عن عليٍّ به. وأخرجه بهذا الإسناد أيضًا أبو بكر الشَّافعيُّ في «الغيلانيَّات» (٨١٧). وهو إسناد تالف؛ سعد الإسكاف والأصبغ بن نباتة متروكان، وقال البوصيري في «فيما ورد عن شفيع الخلق يوم القيامة أنَّه احتجم وأمر بالحجامة» (ص ٤٤): «هذا إسناد ضعيف والمتن صحيح، وسعدُ بن طريف الإسكاف أسوأ حالًا من الأصبغ».
(٧) برقم (٣٨٦٣). وأخرجه أيضًا النَّسائيُّ في «المجتبى» (٢٨٤٨) وفي «الكبرى» (٣٢٢١، ٣٢٢٢، ٣٨١٧، ٧٥٥٣)، وابن ماجه (٣٠٨٢)، وأحمد (١٤٢٨٠، ١٤٨٥٧، ١٤٩٠٨، ١٥٠٩٧)، وليس عندهم أنَّ الحجامةَ كانت في الورك. وصحَّحه ابن خزيمة (٢٦٦٠، ٢٦٦١)، وأبو عوانة كما في «إتحاف المهرة» (٣٦٦٤). ورجَّح البيهقيُّ في «الآداب» (ص ٢٨٤) أنَّ الحجامة كانت في الرَّأس، وقال في «الكبرى» (٩/ ٣٤٠) عن رواية أبي داود: «كذا قال مسلم بن إبراهيم: على وركه فكأنه - ﷺ - احتجم في رأسه وهو محرم، من وثء كان به أو صداع».
[ ٤ / ٧٤ ]
فصل في مواضع الحجامة
من وَثْيٍ (^١) كان به.
فصل (^٢)
واختلف الأطبَّاء في الحجامة على نُقْرة القفا، وهي القَمَحْدُوَة.
وذكر أبو نعيم في كتاب «الطِّبِّ النَّبويِّ» (^٣) حديثًا مرفوعًا: «عليكم بالحجامة في جَوزة القَمَحْدُوَة، فإنَّها تشفي من خمسة أدواءٍ»، ذكر منها الجُذام.
_________________
(١) كذا بالتسهيل في جميع النسخ وكتاب الحموي. وعزاه الجوهري إلى العامة. والوَثْءُ أن يصيب العظمَ وَصْمٌ لا يبلغ الكسر. هذا قول الليث. وقال الأزهري: هو شبهُ الفتح في المفصل ويكون في اللحم كالكسر في العظم. انظر: «الصحاح» (وثأ) و«التهذيب» (١٥/ ١٦٥).
(٢) كتاب الحموي (ص ١٧٠ - ١٧٢).
(٣) برقم (٣٠٢)، رواه عن الطَّبراني، وهو في «معجمه الكبير» (٨/ ٤٢) من طريق محمَّد بن موسى الحرشي ــ وهو ليِّن ــ، عن عيسى بن شُعيب، عن الدَّفَّاع أبي رَوح القيسيِّ ــ وهو ضعيف ــ، عن عبد الحميد بن صيفي بن صُهيب، عن أبيه، عن جدِّه به، قال البخاريُّ كما في «الميزان» (٢/ ٥٤٠): «لا يُعرف سماع بعضهم من بعض»؛ ولذا قال ابن مفلح في «الآداب الشَّرعيَّة» (٣/ ٧٥): «مِثل هذه الأخبار لا يُعتمَد عليها»، وهو في «السلسلة الضعيفة» (٣٨٩٤).
[ ٤ / ٧٥ ]
وفي حديثٍ آخر: «عليكم بالحِجامة في جَوزة القَمَحْدُوَة، فإنَّها شفاءٌ من اثنين وسبعين داءً» (^١).
فطائفةٌ منهم استحبَّتْه (^٢) وقالت: إنَّها تنفع من جحَظ العين والنُّتوء العارض فيها وكثيرٍ من أمراضها، ومن ثقل الحاجبين والجفن، وتنفع من جَرَبه (^٣).
وروي أنَّ أحمد بن حنبلٍ احتاج إليها، فاحتجم في جانبي قفاه، ولم يحتجم في النُّقْرة (^٤).
وممَّن كرهها: صاحب «القانون»، وقال: إنَّها تُورث النِّسيان حقًّا، كما قال سيِّدنا ومولانا وصاحب شريعتنا محمَّدٌ - ﷺ - (^٥)، فإنَّ مؤخَّر الدِّماغ
_________________
(١) هو جزءٌ من الحديث السَّابق، فسياقه بتمامه: «عليكم بالحجامةِ في جوزة القَمَحدُوَة فإنَّه دواءٌ من اثنين وسبعين داءً، وخمسة أدواء: منَ الجنون، والجذام، والبرَص، ووجع الأضراس». وهذا يدل على أن المؤلف لم يصدر عن كتاب أبي نعيم، فإنه أورد الحديث بتمامه.
(٢) ث، ل: «استحسنته».
(٣) في كتاب الحموي (ص ١٧٠) زيادة: «ومن البثور». وهذه الفوائد ذكرها صاحب «القانون» (١/ ٣٠٠).
(٤) ذكر هذه الرواية صاحب «الآداب الشرعية» (٣/ ٨٨) ولكن مصدره كتابنا هذا كما يظهر من سياقه.
(٥) حديث: «الحجامة في نقرة الرَّأس تورث النِّسيان» أخرجه الدَّيلميُّ (٢٧٨٠) عن أنس - ﵁ -، وهو خبر باطل لا يصحُّ؛ في سنده راوٍ متَّهم بالوضع. ينظر: «المنار المنيف» (٨٧)، و«المقاصد الحسنة» (٣٨٨)، و«الغمَّاز على اللَّمَّاز» (٩٣)، و«تذكرة الموضوعات» (ص ٢٠٧)، و«الأسرار المرفوعة» (١٦٨)، و«الفوائد المجموعة» (١٦٦).
[ ٤ / ٧٦ ]
موضع الحفظ، والحجامةُ تُذْهِبُه (^١). انتهى كلامه.
وردَّ عليه آخرون، وقالوا (^٢): الحديث لا يثبت. وإن ثبَت فالحجامة إنَّما تُضْعِف مؤخَّر الدِّماغ إذا استُعملت لغير ضرورةٍ. فأمَّا إذا استُعملت لغلبة الدَّم عليه، فإنَّها نافعةٌ له طبًّا وشرعًا. فقد ثبت عن النَّبيِّ - ﷺ - أنَّه احتجم في عدَّة أماكن من قفاه بحسب ما اقتضاه الحال في ذلك، واحتجم في غير القفا بحسب ما دعت إليه حاجته.
فصل (^٣)
والحجامة تحت الذَّقَن تنفع من وجع الأسنان والوجه والحلقوم إذا استُعملت في وقتها، وتنقِّي الرَّأس والفكَّين.
والحجامة على ظهر القدم تنوب عن فَصْد الصَّافِن ــ وهو عرقٌ عظيمٌ عند الكعب ــ وتنفع من قروح الفخذين والسَّاقين، وانقطاع الطَّمث، والحِكَّة العارضة في الأنثيين.
والحجامة على أسفل الصَّدر (^٤) نافعةٌ من دماميل الفخذ وجرَبه وبثوره،
_________________
(١) الوارد في المطبوع من «القانون» (١/ ٢١٢ - بولاق): «تورث النسيان حقًّا كما قيل، فإنَّ مؤخر الدماغ موضع الحفظ، وتضعفه الحجامة». وهذا أشبه فإني لم أر ابن سينا يشير في كتابه إلى حديث أو أثر. ولكن الحموي نقل هكذا كما أورد المؤلف عنه. والأمر بحاجة إلى مراجعة نسخ «القانون».
(٢) وهو قول الحموي. والأمر في كتابه ليس كما صوَّره المؤلف أخذًا من كلامه، من الخلاف والحجاج بين طائفتين.
(٣) كتاب الحموي (ص ١٧١ - ١٧٢).
(٤) في مصدر النقل: «على القَطَن والساقين»، وفي «القانون» (١/ ٣٠٠): «على القطَن» فقط. والقطَن: أسفل الظهر. ولعل المؤلف قرأ: «على البطن» في نسخة كتاب الحموي التي بين يديه، فغيَّره إلى «أسفل الصدر»!
[ ٤ / ٧٧ ]
ومن النِّقْرِس (^١) والبواسير والفيل (^٢) وحِكَّة الظَّهر.
فصل
في هديه في أوقات الحجامة
روى الترمذي في «جامعه» (^٣) من حديث ابن عبَّاسٍ يرفعه: «إنَّ خير ما تحتجمون فيه يومُ سابعَ عشرةَ، أو تاسعَ عشرةَ، ويوم إحدى وعشرين».
وفيه (^٤) عن أنس: كان رسول الله - ﷺ - يحتجم في الأخدعين والكاهل وكان يحتجم لسبعة عشر وتسعة عشر وفي واحد وعشرين (^٥).
وفي «سنن ابن ماجه» (^٦) عن أنس مرفوعًا: «من أراد الحجامة فليتحرَّ
_________________
(١) هو وجع شديد في مفاصل القدم ولاسيما في الإبهام. انظر: «التنوير» للقمري (ص ٦٠) و«بحر الجواهر» للهروي (ص ٢٩٠).
(٢) يعني: داء الفيل، «وهو زيادة ورمية سمجة في الساق والقدم مع غلظ وتغيُّر لون» كما في «حقائق أسرار الطب» للسجزي (ص ١٥٠). وانظر: «التنوير» (ص ٦٠).
(٣) برقم (٢٠٥٣). وقد تقدَّم تخريجه، وأنَّ إسناده ضعيف جدًّا.
(٤) برقم (٢٠٥١)، وقال: «هذا حديث حسن غريب». وقد تقدَّم تخريجه.
(٥) كذا في الأصل. وفي ز: «أحد وعشرين»، وفي غيرهما: «إحدى وعشرين». وحرف «في» ساقط من س، ث، ل.
(٦) برقم (٣٤٨٦) من طريق عثمان بن مطر، عن زكريَّا بن مَيسرة، عن النَّهَّاس بن قهم، عن أنس - ﵁ - به. وهذا إسناد ضعيف؛ زكريَّا مستور، وعثمان والنَّهَّاس ضعيفان، وقد ضعَّفه العراقيُّ في «المغني» (٤١٠٧)، والبوصيريُّ في «المصباح» (٤/ ٦٣)، وابن حجر في «الفتح» (١٠/ ١٥٠)، وهو في «السلسلة الضعيفة» (١٨٦٤). وفي الباب عن ابن عبَّاس وأبي هريرة - ﵄ -.
[ ٤ / ٧٨ ]
سبعة عشر أو تسعة عشر أو إحدى وعشرين لا يتبيَّغْ (^١) بأحدكم الدَّمُ فيقتلَه».
وفي «سنن أبي داود» (^٢) من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «من احتجم لسبع عشرة أو تسع عشرة أو إحدى وعشرين كانت شفاءً من كلِّ داءٍ». وهذا معناه: من كلِّ داءٍ سببُه غلبةُ الدَّم (^٣).
وهذه الأحاديث موافقةٌ لما اجتمع عليه الأطبَّاء أنَّ الحجامة في النِّصف الثَّاني وما يليه من الرُّبع الثَّالث من أرباعه أنفع من أوَّله وآخره. وإذا استُعملت عند الحاجة إليها نفعَت، أيَّ وقتٍ كان من أوَّل الشَّهر وآخره.
قال الخلال: أخبرني عِصمة بن عِصام قال: ثنا حنبل قال: كان أبو عبد الله أحمد بن حنبلٍ يحتجم أيَّ وقتٍ هاج به الدَّم، وأيَّ ساعةٍ كانت (^٤).
وقال صاحب «القانون» (^٥): أوقاتها في النَّهار السَّاعة الثَّانية أو الثَّالثة. ويجب توقِّيها بعد الحمَّام، إلا فيمن دمه غليظٌ فيجب أن يستحمَّ، ثمَّ يُجِمَّ ساعةً، ثمَّ يحتجم. انتهى.
_________________
(١) هكذا في «السنن» ومخطوطة كتاب الحموي، وعلى هذا سيأتي تفسيره. وفي النسخ الخطية: «ولا يتبيَّغ».
(٢) برقم (٣٨٦١) وسكت عنه. وأخرجه أيضًا الطَّبراني في «الأوسط» (٦٦٢٢) بنحوه. وصحَّحه الحاكم (٤/ ٢١٠) والبوصيري في «فيما ورد عن شفيع الخلق يوم القيامة أنَّه احتجم وأمر بالحجامة» (ص ٧٦)، وحسنه النووي في «المجموع» (٩/ ٦٢)، وهو في «السلسلة الصحيحة» (٦٢٢).
(٣) هذا تفسير الحموي (ص ١٧٧).
(٤) كتاب الحموي (ص ١٧٢).
(٥) في «القانون» (١/ ٣٠٠) والنقل من الكتاب السابق، وفيهما: «أفضل أوقاتها».
[ ٤ / ٧٩ ]
وتُكرَه عندهم الحجامة على الشِّبَع، فإنِّها ربَّما أورثت سُدَدًا وأمراضًا رديَّةً، لا سيَّما إذا كان الغذاء رديًّا غليظًا. وفي أثرٍ: «الحجامة على الرِّيق دواءٌ وعلى الشِّبع داءٌ، وفي سبعة عشر من الشَّهر شفاءٌ» (^١).
واختيار هذه الأوقات للحجامة فيما إذا كانت على سبيل الاحتياط والتَّحرُّز من الأذى وحفظًا للصِّحَّة. وأمَّا في مداواة الأمراض فحيثما وُجِد الاحتياجُ إليها وجَب استعمالُها. وفي قوله: «لا يتبيَّغ (^٢) بأحدكم الدَّم فيقتله» دلالةٌ على ذلك يعني: لئلَّا يتبيَّغَ، فحُذِف حرف الجرِّ مع (أن)، ثمَّ حُذفت (أن) (^٣). والتَّبيُّغ: الهَيْج. وهو مقلوب البغي، وهو بمعناه فإنَّه بغي الدَّم وهيجانه. وقد تقدَّم أنَّ الإمام أحمد كان يحتجم أيَّ وقتٍ احتاج من الشَّهر.
فصل (^٤)
وأمَّا اختيار أيَّام الأسبوع للحجامة، فقال الخلال في «جامعه»: أخبرنا حرب بن إسماعيل قال: قلت لأحمد: تُكرَه الحِجامةُ في شيءٍ من الأيَّام؟ قال: قد جاء في الأربعاء والسَّبت.
_________________
(١) أخرجه الدَّيلميُّ (٢/ق ٩٩ - زهرة الفردوس) من حديث أنس - ﵁ - مرفوعًا بإسنادٍ تالف. والنقل من كتاب الحموي (ص ١٧٣).
(٢) هكذا في ث، حط، ل، ن. وفي غيرها: «ولا يتبيَّغ».
(٣) لفظ الحموي: «والدليل عليه قوله لهم: «لا يتبيَّغْ بأحدكم الدم فيقتله»، فلفظة لا هنا بمعنى لئلا، فيخلص المعنى للاستقبال». وتفسيره هذا تفسير معنًى، لا تفسير إعراب كما ظن المؤلف، ثم شرحه بأن لام الجر مع (أن) حذفتْ ثم حذفت (أن)، وهذا عجيب من مثله.
(٤) كتاب الحموي (ص ١٧٧ - ١٧٩).
[ ٤ / ٨٠ ]
وفيه عن الحسين بن حسان أنَّه سأل أبا عبد الله عن الحجامة: أيَّ يومٍ تُكرَه؟ فقال: يوم السَّبت ويوم الأربعاء، ويقولون: يوم الجمعة.
وروى الخلَّال عن أبي سلمة وسعيد المَقْبُري عن أبي هريرة مرفوعًا: «من احتجم يوم الأربعاء ويوم السَّبت، فأصابه بياضٌ أو برصٌ، فلا يلومنَّ إلا نفسَه» (^١).
وقال الخلال: أخبرني محمد بن علي بن جعفر أنَّ يعقوب بن بَخْتان حدَّثهم قال: سئل أحمد عن النُّورة والحِجامة يوم السَّبت ويوم الأربعاء، فكرهها، وقال: بلغني عن رجلٍ أنَّه تنوَّر واحتجَم ــ يعني: في يوم الأربعاء ــ فأصابه البرص. قلت له: كأنَّه تهاوَن بالحديث؟ قال: نعم.
وفي كتاب «الأفراد» للدَّارقطنيِّ (^٢) من حديث نافع قال: قال لي
_________________
(١) أخرجه ابن عديٍّ في «الكامل» (٥/ ٢٠٤) من طريق ابن سمعان، عن الزُّهري، عن أبي سلمة وسعيد ــ غير منسوب ــ به، وابن سمعان متَّهم. وأخرجه البزَّار (٧٨٠٠، ٧٨٠٧) والبيهقي في «الكبرى» (٩/ ٣٤٠) من طريق سُليمان بن أرقم، عن الزُّهرِيِّ، عن سَعيد بن المسيَّب، عن أبي هريرة - ﵁ -، قال البزَّار: «سليمان ليِّن الحديث، وإنَّما أتى منه، ورواه غيره عن الزُّهرِي مرسلًا». وأخرجه الحاكم (٤/ ٤٠٩) من طريق سليمان بن أرقم، عن السُّدِّي ــ كذا ــ، عن ابن المسيَّب به، قال الذَّهبي: «سليمان متروك». وأخرج المرسَلَ أبو داود في «المراسيل» (٤٥١) وقال: «وقد أُسنِد ولم يصحَّ». ورجَّح إرسالَه الدَّارقطنيُّ في «العلل» (١٨١٢)، والبيهقيُّ، وغيرهما. والحديث ضعَّفه النَّووي في «المجموع» (٩/ ٦٢)، وابن مفلح في «الآداب الشَّرعيَّة» (٣/ ٧٥)، وغيرهما، وهو في «السلسلة الضعيفة» (١٥٢٤).
(٢) ينظر: «أطراف الغرائب والأفراد» (٣٣٨٧)، وقد أخرجه هو والبزَّار ــ مختصرًا ــ (٥٩٦٨) من طريق زياد بن يحيى، عن عذال بن محمَّد، عن محمَّد بن جحادة، عن نافع به. وأخرجه ابن ماجه (٣٤٨٧، ٣٤٨٨) من طريق الحسن بن أبي جعفر، عن ابن جحادة، ومن طريق سعيد بن ميمون، عن نافع به نحوه. قال ابن حجر في «الفتح» (١٠/ ١٤٩): «أخرجه ابن ماجه من طريقين ضعيفين، وله طريق ثالثة ضعيفة أيضًا عند الدَّارقطني في الأفراد، وأخرجه بسندٍ جيِّد عن ابن عمر موقوفًا». وله طرقٌ أخرى لا تخلو من ضعفٍ، وقد أنكره غير واحدٍ من الأئمَّة، وقوَّاه الألبانيُّ في «السِّلسلة الصَّحيحة» (٧٦٦). وينظر: «المطالب العالية» (١١/ ٢٥٣ - ٢٥٧ ــ نشرة الشّثريِّ).
[ ٤ / ٨١ ]
عبد الله بن عمر: تبيَّغَ بي الدَّم، فابغِني حجَّامًا، ولا يكن صبيًّا ولا شيخًا كبيرًا فإنِّي سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «الحجامة تزيد الحافظَ حفظًا، والعاقلَ عقلًا، فاحتجِمُوا على اسم الله. ولا تحتجموا الخميس والجمعة والسَّبت والأحد، واحتجموا الاثنين. وما كان من جذامٍ ولا برصٍ إلا نزل يوم الأربعاء». قال الدَّارقطنيُّ: تفرَّد به زياد بن يحيى. وقد رواه أيوب عن نافع وقال فيه: «واحتجِموا يوم الاثنين والثُّلاثاء، ولا تحتجموا يوم الأربعاء» (^١).
وقد روى أبو داود في «سننه» (^٢) من حديث أبي بكرة أنَّه كان يكره
_________________
(١) رواية أيُّوب أخرجها الدَّارقطنيُّ في «الأفراد» كما في «اللَّآلئ المصنوعة» (٢/ ٣٤٢)، والحاكم (٤/ ٢١١)، من طريق عبد الله بن هشام الدَّستوائي، عن أبيه، عن أيُّوب به موقوفًا. قال الحاكم: «قد صحَّ الحديث عن ابن عمر - ﵄ - من قوله، من غير مسند ولا متَّصل»، وتعقَّبه الذَّهبي فقال: «عبد الله متروك».
(٢) برقم (٣٨٦٢) وسكت عنه. وضعَّفه العُقيلي في «الضُّعفاء» (١/ ١٥٠)، والبيهقي في «الكبرى» (٩/ ٣٤٠)، والنَّووي في «المجموع» (٩/ ٦٣)، وابن مُفلح في «الآداب الشَّرعيَّة» (٣/ ٧٦)، والبوصيري في «فيما ورد عن شفيع الخلق يوم القيامة أنَّه احتجم وأمر بالحجامة» (ص ٨٤)، وابن حجر في «الفتح» (١٠/ ١٥٠)، وهو في «السِّلسلة الضَّعيفة» (٢٢٥١).
[ ٤ / ٨٢ ]
فصل في فقه أحاديث الحجامة، ومنه مسألة الفطر بالحجامة
الحجامة يوم الثُّلاثاء، وقال: إنَّ رسول الله - ﷺ - قال: «يوم الثُّلاثاء يوم الدَّم وفيه ساعةٌ لا يرقأ».
فصل
وفي ضمن هذه الأحاديث المتقدِّمة:
- استحبابُ التَّداوي.
- واستحبابُ الحِجامة، وأنَّها تكون في الموضع الذي يقتضيه الحال.
- وجوازُ احتجام المحرِم وإن آل إلى قطع شيءٍ من الشَّعر فإنَّ ذلك جائزٌ. وفي وجوب الفدية عليه نظرٌ، ولا يقوى الوجوب.
- وجوازُ احتجام الصَّائم فإنَّ في «صحيح البخاريِّ» (^١) أنَّ رسول الله - ﷺ - احتجَم وهو صائمٌ. ولكن هل يفطر بذلك أم لا؟ مسألةٌ أخرى، الصَّواب: الفطر بالحجامة لصحَّته عن رسول الله - ﷺ - من غير معارضٍ.
وأصحُّ ما يعارَضُ به: حديثُ حجامته وهو صائمٌ، ولكن لا يدلُّ على عدم الفطر إلا بعد أربعة أمورٍ. أحدها: أنَّ الصَّوم كان فرضًا. الثَّاني: أنَّه كان مقيمًا. الثَّالث: أنَّه لم يكن به مرضٌ احتاج معه إلى الحجامة. الرَّابع: أنَّ هذا الحديث متأخِّرٌ عن قوله: «أفطر الحاجم والمحجوم» (^٢).
_________________
(١) برقم (١٩٣٨) من حديث ابن عباس - ﵄ -.
(٢) حديثٌ متواتر، رواه عن النَّبي - ﷺ - قرابةُ ثلاثين صحابيًّا. ولذا قال ابن حزم كما في «الفتح» (٤/ ١٧٨): «صحَّ حديثُ (أفطر الحاجم والمحجوم) بلا ريبٍ». ومِن أصحِّ طرقه حديثُ ثوبان - ﵁ -، أخرجه أبو داود (٢٣٦٧، ٢٣٧٠، ٢٣٧١)، والنَّسائيُّ في «الكبرى» (٣١٣٣ - ٣١٣٧، ٣١٤٠، ٣١٥٧ - ٣١٦٠)، وابنُ ماجه (١٦٨٠)، وأحمد (٢٢٣٧١، ٢٢٣٨٢، ٢٢٤١٠، ٢٢٤٢٩ - ٢٢٤٣٢، ٢٢٤٥٠). وصحَّحه ابن الجارود (٣٨٦)، وابن خزيمة (١٩٦٢، ١٩٦٣، ١٩٨٣، ١٩٨٤)، وابن حبَّان (٣٥٣٢)، والحاكم (١/ ٤٢٧)، ونقل عن أحمد أنَّه قال: «هو أصحُّ ما رُوِي في هذا الباب». وينظر: «تهذيب سنن أبي داود» للمصنِّف (٢/ ٣٣ - ٣٨).
[ ٤ / ٨٣ ]
فإذا ثبتت (^١) هذه المقدِّمات الأربع أمكن الاستدلال بفعله على بقاء الصَّوم مع الحجامة، وإلَّا فما المانع أن يكون الصَّوم نفلًا يجوز الخروج منه بالحجامة وغيرها، أو من رمضان لكنَّه في السَّفر، أو من رمضان في الحضر لكن دعت الحاجة إليها كما تدعو حاجةُ مَن به مرضٌ إلى الفطر، أو يكون فرضًا من رمضان في الحضر من غير حاجةٍ إليها، لكنَّه مُبْقٍ على الأصل، وقولُه: «أفطر الحاجم والمحجوم» ناقلٌ ومتأخِّرٌ، فيتعيَّن المصير إليه. ولا سبيل إلى إثبات واحدةٍ من هذه المقدِّمات (^٢) الأربع، فكيف بإثباتها كلِّها!
- وفيها دليلٌ على استئجار الطَّبيب وغيره من غير عقد إجارةٍ، بل يعطيه أجرة المثل أو ما يرضيه.
- وفيها دليلٌ على جواز التَّكسُّب بصناعة الحجامة وإن كان لا يطيب للحُرِّ أكلُ أجرته، من غير تحريمٍ عليه؛ فإنَّ النَّبيَّ - ﷺ - أعطاه أجره ولم يمنعه من أكله. وتسميته إيَّاه خبيثًا كتسميته للثَّوم والبصل خبيثين، ولم يلزم من ذلك تحريمهما.
- وفيها دليلٌ على جواز ضرب الرَّجل الخراجَ على عبده كلَّ يومٍ شيئًا معلومًا بقدر طاقته وأنَّ للعبد أن يتصرَّف فيما زاد على خراجه. ولو مُنِع من التَّصرُّف فيه لكان كسبُه كلُّه خراجًا، ولم يكن لتقديره فائدةٌ؛ بل ما زاد على
_________________
(١) ف: «تثبتت».
(٢) ف، ز، حط، ن: «المقامات».
[ ٤ / ٨٤ ]
خراجه فهو تمليكٌ من سيِّده له يتصرَّف فيه كما أراد. والله أعلم.
فصل
في هديه في قطع العروق والكيِّ (^١)
ثبت في «الصَّحيح» (^٢) من حديث جابر بن عبد الله أنَّ النَّبيَّ - ﷺ - بعث إلى أبيِّ بن كعبٍ طبيبًا، فقطع له عِرقًا، وكواه عليه.
ولمَّا رُميَ سعد بن معاذٍ في أكحَله حسَمه النَّبيُّ - ﷺ -، ثمَّ ورِمَتْ، فحسمه ثانيةً (^٣). والحسم هو الكيُّ.
وفي طريقٍ أخرى أنَّ النَّبيَّ - ﷺ - كوى سعد بن معاذٍ في أكحله بمِشْقَصٍ (^٤)، ثمَّ حَسَمه، سعدَ بن معاذٍ أو غيرَه من أصحابه (^٥).
وفي لفظٍ آخر: أنَّ رجلًا من الأنصار رُمِي في أكحله بمشقَصٍ، فأمر النَّبيُّ - ﷺ -، فكُوِي (^٦).
_________________
(١) كتاب الحموي (ص ١٠٥ - ١٠٨).
(٢) أخرجه مسلم (٢٢٠٧).
(٣) أخرجه مسلم (٢٢٠٨) من حديث جابر.
(٤) المشقص: النصل الطويل.
(٥) كذا في النسخ وفي مصدر النقل (ص ١٠٦). لم أقف عليه بهذا اللَّفظ، وأقربُ الألفاظ إليه ما ذكره أبو عُبيد في «غريبه» (٢/ ٩٢) أن النبي - ﷺ - كوى سعد بن معاذ أو سعد بن زرارة في أكحله بمشقص. والذي في حديث مسلم السابق وغيره أن الحسم كان بمشقص لا الكيّ.
(٦) لم أقف عليه بهذا اللَّفظ، وأقربُ الألفاظ إليه لفظُ أحمد (١٤٢٥٢): «رُمِي أبيُّ بن كعبٍ يومَ أحدٍ بسهمٍ، فأصاب أكحله، فأمر النَّبيُّ - ﷺ - فكُوِي على أكحله». وقد تقدَّم لفظ مسلم (٢٢٠٧).
[ ٤ / ٨٥ ]
وقال أبو عبيد (^١): وُفِد إلى النَّبيِّ (^٢) - ﷺ - برجلٍ نُعِتَ له الكيُّ، فقال: «اكوُوه وارضِفُوه (^٣)» (^٤). قال أبو عبيد: الرَّضْف: الحجارة تسخَّن ثمَّ يُكمَد بها.
وقال الفضل بن دُكَينٍ: حدَّثنا سفيان، عن أبي الزبير، عن جابر أنَّ رسول الله - ﷺ - كواه في أكحَله (^٥).
وفي «صحيح البخاريِّ» (^٦) من حديث أنس أنَّه كُوِيَ من ذات الجنب والنَّبيُّ - ﷺ - حيٌّ.
وفي الترمذي (^٧) عن أنس أنَّ النَّبيَّ - ﷺ - كوى أسعدَ بن زرارة من الشَّوكة.
_________________
(١) في «غريب الحديث» (٣/ ١٩).
(٢) كذا في جميع النسخ الخطية مضبوطًا في غير نسخة منها، وكذا في مصدر النقل. ولا يبعد أن يكون تصحيف «وقد أُتي النبيُّ» كما في طبعة الرسالة. وفي «غريب الحديث»: «أُتي النبيُّ»، وكذا في «المصنَّف» (٢٣٦١٧) و«مسند أحمد» (٣٨٥٢).
(٣) الرواية: «أو ارضفوه».
(٤) أخرجه النَّسائي في «الكبرى» (٧٦٠١)، والطَّيالسي (٣٠٠)، وعبد الرَّزَّاق (١٩٥١٧)، وابن أبي شيبة (٢٣٦١٧)، وأحمد (٣٧٠١، ٣٨٥٢، ٤٠٢١، ٤٠٥٤)، وغيرهم من حديث ابن مسعود - ﵁ -. وصحَّحه الحاكم (٤/ ٢١٤، ٤١٦)، وابن حبَّان (٦٠٨٢)، والنَّوويُّ في «المجموع» (٩/ ٦١).
(٥) أخرجه عن الفضل بن دُكينٍ ابنُ سعد في «الطَّبقات» (٣/ ٦١٠) في ترجمة أسعد بن زرارة - ﵁ -. والضَّمير في الخبر يعود عليه، لا على جابر كما يوهمه السِّياق، وقد تابع المؤلف في إيراده هكذا مصدرَه كتاب الحموي.
(٦) برقم (٥٧١٩).
(٧) برقم (٢٠٥٠). وأخرجه أيضًا أبو يعلى (٣٥٨٢)، وأبو نعيم في «الطِّب النَّبوي» (٣١٢)، والبيهقيُّ في «الكبرى» (٩/ ٣٤٢). قال التِّرمذي: «هذا حديث حسن غريب»، وصحَّحه ابن حبَّان (٦٠٨٠)، والحاكم (٣/ ١٨٧، ٤/ ٤١٧). وقد أبان بعضُ الأئمَّة النُّقَّاد فيه عن علَّةٍ، ورجَّحوا إرسالَه، ينظر: «المسند» للبزَّار (٦٣٠٦)، و«العلل» لابن أبي حاتم (٢٢٧٧، ٢٤٨٩)، وللدَّارقطني (٢٦١٩)، و«التَّمهيد» (٢٤/ ٦٠)، و«تاريخ دمشق» (٥٩/ ٣٩٢)، و«شرح علل التِّرمذي» (٢/ ٧٦٦). والشوكة: حمرة تعلو الوجه والجسد. انظر: «النهاية في غريب الحديث» (٢/ ٥١٠).
[ ٤ / ٨٦ ]
وقد تقدَّم الحديث المتَّفق عليه، وفيه: «وما أحبُّ أن أكتوي». وفي لفظٍ آخر: «وأنا أنهى أمَّتي عن الكيِّ».
وفي «جامع الترمذي» (^١) وغيره عن عمران بن حُصَينٍ أنَّ النَّبيَّ - ﷺ - نهى عن الكيِّ. قال: فابتُلِينا، فاكتوينا، فما أفلحنا ولا أنجحنا. وفي لفظٍ: «نُهينا عن الكيِّ»، وقال: «فما أفلحن ولا أنجحن» (^٢).
قال الخطابي (^٣): إنَّما كوى سعدا ليرقأ الدَّم من جُرحه، وخاف عليه أن يُنزَف، فيهلك. والكيُّ مستعملٌ (^٤) في هذا الباب كما يكوى من تُقطَع يدُه أو رجلُه. وأمَّا النَّهي عن الكيِّ فهو أن يكتوي طلبًا للشِّفاء. وكانوا يعتقدون أنَّه
_________________
(١) برقم (٢٠٤٩). وأخرجه أيضًا أبو داود (٣٨٦٥)، والنَّسائي في «الكبرى» (٧٦٠٢)، وابن ماجه (٣٤٩٠)، وأحمد (١٩٨٣١، ١٩٨٦٤، ١٩٩٨٩، ٢٠٠٠٤). قال التِّرمذي: «هذا حديث حسن صحيح»، وصحَّحه ابن حبَّان (٦٠٨١)، والحاكم (٤/ ٢١٣، ٤١٧)، وابن عبد البر في «الاستذكار» (٨/ ٤١٦)، وصحَّح إسناد أبي داود النَّوويُّ في «المجموع» (٩/ ٦٣)، وحسَّنه ابن مفلح في «الآداب الشَّرعيَّة» (٣/ ٨٩)، وقال ابن حجر في «الفتح» (١٠/ ١٥٥): «سنده قويٌّ».
(٢) يعني: الكيَّات.
(٣) في «معالم السنن» (٤/ ٢١٩). والنقل من كتاب الحموي (ص ١٠٨) وفيه تصرُّف وزيادة لا أدري أمن الحموي أم من مصدره الناقل من «المعالم».
(٤) ز: «يستعمل».
[ ٤ / ٨٧ ]
متى لم يكتوِ هلَكَ، فنهاهم عنه لأجل هذه النِّيَّة. وقيل: إنَّما نهى عنه (^١) عمرانَ بن حُصَينٍ خاصَّةً، لأنَّه كان به ناصورٌ (^٢)، وكان موضعه خطرًا، فنهاه عن كيِّه. فيشبه أن يكون النَّهي منصرفًا إلى الموضع المخوف منه. والله (^٣) أعلم.
وقال ابن قتيبة (^٤): الكيُّ جنسان: كيُّ الصَّحيح لئلَّا يعتلَّ. فهذا الذي قيل فيه: «لم يتوكَّل مَن اكتوى»، لأنَّه يريد أن يدفع القدر عن نفسه. والثَّاني: كيُّ الجُرح إذا نَغِل، والعضوِ إذا قُطِع؛ ففي هذا الشِّفاءُ. وأمَّا إذا كان الكيُّ للتَّداوي الذي يجوز أن ينجح، ويجوز أن لا ينجح؛ فإنَّه إلى الكراهة أقرب. انتهى (^٥).
وثبت في الصَّحيح من حديث السَّبعين ألفًا الذين يدخلون الجنَّة بغير حسابٍ: أنَّهم «الَّذين لا يسترقُون، ولا يكتوون، ولا يتطيَّرون، وعلى ربِّهم
_________________
(١) «عنه» ساقط من د.
(٢) أخرج أبو داود (٩٥٢)، وابن ماجه (١٢٢٣)، وأحمد (١٩٨١٩)، عن عمران - ﵁ - قال: كان بي النَّاصور، فسألتُ النَّبيَّ - ﷺ - فقال: «صلِّ قائمًا » الحديث. وصحَّحه ابن الجارود (٢٣١)، وابن خزيمة (٩٧٩، ١٢٥٠)، والحاكم (١/ ٣١٤). وهو في البخاريِّ (١١١٥، ١١١٦، ١١١٧) بلفظ: «وكان مَبسورًا»، ولفظ: «كانت بي بواسير».
(٣) ز، س، ن: «فالله».
(٤) في «تأويل مختلف الحديث» (ص ٤٦٢ - ٤٦٤). والنقل عن الحموي (ص ١٠٥ - ١٠٦).
(٥) قول المؤلف: «انتهى» يفيد أن هذا كله من كلام ابن قتيبة، ولكن قوله: «وأما إذا كان الكيُّ أقرب» لم يرد في كتابه، فأخشى أن يكون من كلام الحموي، وقد انتهى النقل عن ابن قتيبة ملخَّصًا بقوله: «ففي هذا الشفاء».
[ ٤ / ٨٨ ]
يتوكَّلون» (^١).
فقد تضمَّنت أحاديث الكيِّ أربعة أنواعٍ. أحدها: فعله. والثَّاني: عدم محبَّته له. والثَّالث: الثَّناء على من تركه. والرَّابع: النَّهي عنه. ولا تعارض بينها بحمد الله، فإنَّ فعله يدلُّ على جوازه، وعدم محبَّته له لا يدلُّ على المنع منه. وأمَّا الثَّناء على تاركيه (^٢) فيدلُّ على أنَّ تركه أولى وأفضل. وأمَّا النَّهي عنه فعلى سبيل الاختيار والكراهة، أو عن النَّوع الذي لا يَحتاج إليه بل يفعله خوفًا من حدوث الدَّاء. والله أعلم.
فصل
في هديه - ﷺ - في علاج الصَّرع
أخرجا في «الصَّحيحين» (^٣) من حديث عطاء بن أبي رباحٍ قال: قال ابن عبَّاسٍ: ألا أُريك امرأةً من أهل الجنَّة؟ قلت: بلى. قال: هذه المرأة السَّوداء، أتت النَّبيَّ - ﷺ - فقالت: إنِّي أُصْرَع، وإنِّي أنكشِفُ (^٤)، فادعُ الله لي. فقال: «إن شئتِ صبرتِ ولكِ الجنَّة، وإن شئتِ دعوتُ الله لكِ أن يعافيكِ». فقالت: أصبِرُ. قالت: فإنِّي أنكشِفُ، فادعُ الله أن لا أنكشِفَ. فدعا لها.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٥٧٠٥) ومسلم (٣٧٤) من حديث ابن عباس - ﵄ -.
(٢) ث، ل: «تاركه»، وكذا في النسخ المطبوعة.
(٣) البخاري (٥٦٥٢) ومسلم (٢٥٧٦). والنقل من كتاب الحموي (ص ٩٨).
(٤) هكذا في ف، د ومخطوطة كتاب الحموي (١٩/ب) في المواضع الثلاثة. والدليل على عدم تصحيفه فيها قوله: «وكانت المرأة المذكورة تجد من ألم المرض المذكور المشقة والانكشاف» (٢٠/أ). وفي س، ث، حط: «أتكشف» كما في «الصحيحين». وفي سائر النسخ أهمل ثانيه.
[ ٤ / ٨٩ ]
قلت: الصَّرع صرعان: صرعٌ من الأرواح الخبيثة الأرضيَّة، وصرعٌ من الأخلاط الرَّديَّة. والثَّاني: هو الذي يتكلَّم فيه الأطبَّاء وفي سببه وعلاجه.
وأمَّا صرع الأرواح، فأئمَّتهم وعقلاؤهم يعترفون به ولا يدفعونه، ويعترفون بأنَّ علاجه بمقابلة الأرواح الخيِّرة الشَّريفة (^١) العلويَّة لتلك الأرواح الشِّرِّيرة الخبيثة، فتدفع آثارَها، وتعارض أفعالَها وتُبطِلها. وقد نصَّ على ذلك بُقْراط (^٢) في بعض كتبه، فذكر بعض علاج الصَّرع وقال: هذا إنَّما ينفع في (^٣) الصَّرع الذي سببه الأخلاط والمادَّة. وأمَّا الصَّرع الذي يكون من الأرواح فلا ينفع فيه هذا العلاج (^٤).
وأمَّا جهلة الأطبَّاء وسَقَطهم وسَفِلتهم ومن يعتدُّ (^٥) بالزَّندقة فضيلةً، فأولئك ينكرون صرع الأرواح، ولا يقرُّون بأنَّها تؤثِّر في بدن المصروع. وليس معهم إلا الجهل، وإلَّا فليس في الصِّناعة الطِّبِّيَّة ما يدفع ذلك. والحسُّ والوجود شاهدٌ به. وإحالتهم ذلك على غلبة بعض الأخلاط هو (^٦) صادقٌ في بعض أقسامه لا في كلِّها (^٧).
_________________
(١) ن: «الشريفة الخيرة».
(٢) س، ث، حط، ل: «أبقراط».
(٣) د، ن: «من».
(٤) انظر: «الرَّدّ على المنطقيين» (٤٧١)، و«مجموع الفتاوى» (١٩/ ٣٢).
(٥) ز، ث، ل: «تعبَّد». وفي النسخ المطبوعة: «يعتقد».
(٦) د، ث، ل: «وهو»، ولعل صوابه: «فهو».
(٧) د: «كله».
[ ٤ / ٩٠ ]
وقِدْمًا (^١) الأطبَّاءُ كانوا يسمُّون هذا الصَّرع: «المرض الإلهيَّ»، وقالوا: إنَّه من الأرواح. وأمَّا جالينوس وغيره فتأوَّلوا عليهم هذه التَّسمية، وقالوا: إنَّما سمَّوها (^٢) بالمرض الإلهيِّ لكون هذه العلَّة تحدُث في الرَّأس، فتضرُّ بالجزء الإلهيِّ الطَّاهر (^٣) الذي مسكنه الدِّماغ (^٤). وهذا التَّأويل نشأ لهم من جهلهم بهذه الأرواح وأحكامها وتأثيراتها. وجاءت زنادقة الأطبَّاء فلم يثبتوا إلا صرع الأخلاط وحده. ومن له عقلٌ ومعرفةٌ بهذه الأرواح وتأثيراتها يضحك من جهل هؤلاء وضعف عقولهم.
وعلاج هذا النَّوع يكون بأمرين: أمرٍ من جهة المصروع، وأمرٍ من جهة المعالج. فالَّذي من جهة المصروع يكون بقوَّةِ نفسه، وصدق توجُّهِه إلى فاطر هذه الأرواح وبارئها، والتَّعوُّذِ الصَّحيحِ الذي قد تواطأ عليه القلب واللِّسان. فإنَّ (^٥) هذا نوعُ (^٦) محاربةٍ، والمحارِبُ لا يتمُّ له الانتصاف من
_________________
(١) كذا ضبط في الأصل (ف) بتنوين الميم، يعني: قديمًا. وفي بعض النسخ مدّة على الألف ليقرأ «قدماء» كما في النسخ المطبوعة.
(٢) يعني: علَّة الصرع.
(٣) ما عدا ف، ز: «الظاهر» بالمعجمة، تصحيف.
(٤) السياق في مصدر النقل (ص ٩٩): «والقدماء كانوا يسمون الصرع: «المرض الإلهي»، فبعضهم سمَّاه كذلك لأنه رأى أن هذه العلَّة من الجن. وأفلاطون يجعل علة هذه التسمية لكون الدماغ. ذكر ذلك جالينوس في المقالة الرابعة من شرحه لطيماوس».
(٥) «فإن» تصحف في د إلى «قال»، وبينه وبين «هذا» بياض فيها وفي ف يسع كلمتين أو ثلاثًا. ولا بياض في غيرهما.
(٦) س: «النوع».
[ ٤ / ٩١ ]
عدوِّه بالسِّلاح إلا بأمرين: أن يكون السِّلاح صحيحًا في نفسه جيِّدًا، وأن يكون السَّاعد قويًّا. فمتى تخلَّف أحدهما لم يُغْنِ السِّلاحُ كبيرَ (^١) طائلٍ، فكيف إذا عُدِم الأمران جميعًا: يكون القلب خرابًا من التَّوحيد والتَّوكُّل والتَّقوى والتَّوجُّه، ولا سلاح له؟
والثَّاني: من جهة المعالج بأن يكون فيه هذان الأمران أيضًا، حتَّى إنَّ من المعالجين من يكتفي بقوله: اخرُجْ منه، أو يقول: بسم الله، أو يقول: لا حول ولا قوَّة إلا باللَّه. والنَّبيُّ - ﷺ - كان يقول: «اخرج عدوَّ الله، أنا رسول اللَّه» (^٢).
وشاهدت شيخنا يُرسِل إلى المصروع مَن يخاطب الرُّوحَ الَّتي فيه ويقول: قال لكِ الشَّيخ: اخرجي، فإنَّ هذا لا يحلُّ (^٣). فيفيق المصروع،
_________________
(١) هكذا في ف، س. وفي ز بالثاء والباء معًا. وفي غيرها: «كثير» كما في النسخ المطبوعة.
(٢) أخرجه وكيع في «الزُّهد» (٥٠٨) عن الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن يعلى بن مُرَّة - ﵁ - به في حديثٍ طويل. وعنه رواه أحمد (١٧٥٦٣) مختصرًا، وهنَّاد في «الزُّهد» (١٣٤١). وصحَّحه الحاكم (٢/ ٦١٧)، وتُعُقِّب بأنَّ المنهال لم يسمع من يعلى. وأخرجه أحمد (١٧٥٦٥) وعبد بن حميد (٤٠٥) من طريق عطاء بن السائب ــ وهو مختلط ــ، عن عبد الله بن حفص ــ وهو مجهول ــ، عن يعلى. وأخرجه ابن أبي شيبة (٢٤٠٣١، ٢٤٠٥٥، ٣٢٤١٢) وأحمد (١٧٥٤٨) من طريق عبد الرحمن بن عبد العزيز، عن يعلى بنحوه. قال ابن كثير في «البداية والنِّهاية» (٩/ ١٥): «فهذه طرق جيِّدة متعدِّدة تفيد غلبةَ الظَّنِّ أو القطع عند المتبحِّر أنَّ يعلى حدَّث بهذه القصَّة في الجملة»، وهو في «السِّلسلة الصَّحيحة» (٤٨٥). وفي الباب عن عثمان بن أبي العاص والوازع بن الزَّارع وأسامة بن زيد وجابر بن عبد الله وغيلان بن سلمة وابن عبَّاس - ﵃ -.
(٣) بعده في ن زيادة: «لك»، وكذا في النسخ المطبوعة.
[ ٤ / ٩٢ ]
وربَّما خاطبه بنفسه. وربَّما كانت الرُّوح ماردةً فيُخْرِجها بالضَّرب، فيفيق المصروع ولا يحسُّ بألمٍ. وقد شاهدنا نحن وغيرنا منه ذلك مرارًا.
وكان كثيرًا ما يقرأ في أذن المصروع: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٥].
وحدَّثني أنَّه قرأها مرَّةً في أذن مصروعٍ (^١)، فقالت الرُّوح: نعم، ومدَّ بها صوته. قال: فأخذتُ له عصًا، وضربتُه بها في عروق عنقه حتَّى مَجِلَتْ (^٢) يداي من الضَّرب، ولم يشكَّ الحاضرون أنَّه يموت بذلك. ففي أثناء الضَّرب قالت: أنا أحبُّه، فقلت لها: هو لا يحبُّك. قالت: أنا أريد أن أحجَّ به، فقلت لها: هو لا يريد أن يحجَّ معك. فقالت (^٣): أنا أدعه كرامةً لك. قال (^٤): لا، ولكن طاعةً لله ولرسوله. قالت: فأنا أخرج منه. قال: فقعد المصروع يلتفت يمينًا وشمالًا، وقال: ما جاء بي إلى حضرة الشَّيخ؟ قالوا له: وهذا الضَّرب كلُّه (^٥)؟ فقال: وعلى أيِّ شيءٍ يضربني الشَّيخ ولم أُذنِبْ؟ ولم يشعر بأنَّه وقع به ضربٌ البتَّة.
وكان يعالج بآية الكرسيِّ، ويأمر بكثرة قراءة المصروع ومَن يعالجه
_________________
(١) د: «المصروع»، وكذا في النسخ المطبوعة.
(٢) كذا مجوَّدًا مضبوطًا في ث. يعني: ثخن جلدها وتقرَّحت وصار بين الجلد واللحم ماء. وفي النسخ الأخرى: «نحلت» و«تخلَّت»، تصحيف.
(٣) بعده في حط: «له».
(٤) في ن: «قلت» مكان «قال». وفي النسخ المطبوعة جمع بينهما.
(٥) «كله» ساقط من د.
[ ٤ / ٩٣ ]
لها (^١)، وبقراءة المعوِّذتين.
وبالجملة، فهذا النَّوع من الصَّرع وعلاجه لا ينكره إلا قليلُ الحظِّ (^٢) من العلم والعقل والمعرفة. وأكثر تسلُّط الأرواح الخبيثة على أهله يكون من جهة قلَّة دينهم، وخراب قلوبهم وألسنتهم من حقائق الذِّكر والتَّعاويذ والتَّحصُّنات النَّبويَّة والإيمانيَّة، فتلقى الرُّوحُ الخبيثةُ الرَّجلَ أعزلَ لا سلاح معه، وربَّما كان عريانًا، فتؤثِّر فيه.
هذا (^٣)، ولو كُشِف الغطاء لرأيت أكثر النُّفوس البشريَّة صرعى مع هذه الأرواح الخبيثة. وهي في أسرها وقبضتها (^٤)، تسوقها حيث شاءت، ولا يمكنها الامتناع عنها ولا مخالفتها. وبها الصَّرع الأعظم الذي لا يفيق صاحبه إلا عند المفارقة والمعاينة (^٥)، فهناك يتحقَّق أنَّه كان هو المصروع حقيقةً. وباللَّه المستعان (^٦).
وعلاج هذا الصَّرع باقتران العقل الصَّحيح إلى الإيمان بما جاءت به الرُّسل، وأن تكون الجنَّة والنَّار نُصْبَ عينيه وقبلةَ قلبِه، ويستحضر أهلَ الدُّنيا
_________________
(١) في ث، ل، ن: «بها»، وهو تصحيف. ولإصلاح السياق أثبت الفقي «بكثرة قراءتها المصروعَ» وتابعتها طبعة الرسالة.
(٢) س: «هذا النوع القليل الحظ».
(٣) في النسخ المطبوعة جعل «هذا» مع الفقرة السابقة، وذكّر الفعل «يؤثر» من أجله، فانحرف الكلام عن وجهه.
(٤) ف، د، حط، ن: «قبضها».
(٥) ف، د، س: «المعاتبة»، تصحيف.
(٦) س، ث، ل: «التوفيق».
[ ٤ / ٩٤ ]
وحلولَ المَثُلات (^١) والآفات بهم ووقوعَها خلال ديارهم كمواقع القَطْر، وهم صرعى لا يفيقون. وما أشدَّ إعداءَ (^٢) هذا الصَّرع! ولكن لمَّا عمَّت (^٣) البليَّة به بحيث لا يرى إلا مصروعًا لم يصر مستغربًا ولا مستنكرًا، بل صار لكثرة المصروعين المستنكَر المستغرَب خلافه.
فإذا أراد الله بعبد خيرًا أفاق من هذه الصَّرعة، ونظَر إلى أبناء الدُّنيا مطرَّحين (^٤) حوله يمينًا وشمالًا، على اختلاف طبقاتهم. فمنهم من قد أطبق به الجنونُ، ومنهم من يفيق أحيانًا قليلةً ويعود إلى جنونه، ومنهم من يُجَنُّ مرَّةً ويُفيق أخرى؛ فإذا أفاق عمِلَ عملَ أهل الإفاقة والعقل، ثمَّ يعاوده الصَّرع، فيقع التخبيط (^٥).
فصل (^٦)
وأمَّا صَرْع الأخلاط، فهو علَّةٌ تمنع الأعضاء النفيسة (^٧) عن الأفعال
_________________
(١) س: «التلاف».
(٢) هكذا ضبط في ث من أعداه المرضُ. وقد غيَّره الفقي إلى «داء» وتابعته نشرة الرسالة.
(٣) ث: «دلت»، وفي ل: «دعت»، ولعل كليهما تحريف.
(٤) ويجوز: «مطَّرَحين». وفي النسخ المطبوعة: «مصروعين».
(٥) هكذا في جميع النسخ. وفي ن غيَّره بعضهم إلى «التخبُّط»، وكذا في الطبعة الهندية وغيرها.
(٦) كتاب الحموي (ص ٩٨ - ٩٩).
(٧) تقابله الأعضاء الخسيسة. انظر: «الحاوي» (٤/ ١٠، ٥٢٨)، (٧/ ٤٢٠). وفي ث، ل، ن: «النفسية»، وكذا في النسخ المطبوعة وفي كتاب الحموي (ص ٩٨) ومصدره «القانون» (٢/ ١١٨)، ولعله تصحيف.
[ ٤ / ٩٥ ]
والحركة والانتصاب منعًا غير تامٍّ. وسببه خِلْطٌ غليظٌ لَزِجٌ يسُدُّ منافذَ بطون الدِّماغ سدَّةً غير تامَّةٍ، فيمنع نفوذَ الحسِّ والحركة فيه وفي الأعضاء نفوذًا مَّا (^١) من غير انقطاعٍ بالكلِّيَّة. وقد يكون لأسبابٍ أُخَر كريحٍ غليظٍ يحتبس في منافذ الرُّوح، أو بخارٍ رديٍّ يرتفع إليه من بعض الأعضاء، أو كيفيَّةٍ لاذعةٍ، فينقبض الدِّماغ لدفع المؤذي، فيتبعه تشنُّجٌ في جميع الأعضاء، ولا يمكن أن يبقى الإنسان معه منتصبًا، بل يسقط، ويظهر في فيه الزَّبد غالبًا.
وهذه العلَّة تُعَدُّ من جملة الأمراض الحادَّة باعتبار وقت وجود المؤلم (^٢) خاصَّةً. وقد تعدُّ من جملة الأمراض المزمنة باعتبار طول مكثها وعسر برئها لا سيَّما إن جاوز في السِّنِّ خمسًا وعشرين سنةً، وهذه العلَّةُ (^٣) في دماغه وخاصَّةً في جوهره، فإنَّ صرع هؤلاء يكون لازمًا. قال أبقراط: إنَّ الصَّرع يبقى فيهم إلى أن يموتوا.
إذا عُرِف هذا، فهذه المرأة الَّتي جاء الحديث أنَّها كانت تُصْرَع وتنكشف يجوز أن يكون صرعها من هذا النَّوع، فوعدها النَّبيُّ - ﷺ - الجنَّة بصبرها على هذا المرض، ودعا لها أن لا تنكشف وخيَّرها بين الصَّبر والجنَّة وبين الدُّعاء لها بالشِّفاء من غير ضمانٍ، فاختارت الصَّبر والجنَّة.
وفي ذلك دليلٌ على جواز ترك المعالجة والتَّداوي، وأنَّ علاج الأرواح
_________________
(١) كذا في جميع النسخ، وضُبط في بعضها بتشديد الميم. وفي كتاب الحموي: «نفوذًا تامًّا»، وكذا في مصدره «القانون».
(٢) في المطبوع: «وجوده المؤلم» وهو من تصرف طبعة عبد اللطيف. وفي كتاب الحموي: «وجود النوبة».
(٣) في كتاب الحموي و«القانون» (٢/ ١٢٢): « سنةً لعلَّةٍ».
[ ٤ / ٩٦ ]
والدَّعوات والتَّوجُّه إلى الله يفعل ما لا يناله علاج الأطبَّاء، وأنَّ تأثيرَه وفعلَه وتأثُّرَ الطَّبيعة عنه وانفعالَها أعظمُ من تأثير الأدوية البدنيَّة وانفعال الطَّبيعة عنها. وقد جرَّبنا هذا مرارًا نحن وغيرنا، وعقلاءُ الأطبَّاء معترفون بأنَّ في فعلِ القوى النَّفسيَّة وانفعالاتها في شفاء الأمراض عجائب. وما على الصِّناعة الطِّبِّيَّة أضرُّ من زنادقة القوم وسَفِلتهم وجهَّالهم.
والظَّاهر: أنَّ صرع هذه المرأة كان من هذا النَّوع. ويجوز أن يكون من جهة الأرواح، ويكون رسول الله - ﷺ - قد خيَّرها بين الصَّبر على ذلك مع الجنَّة، وبين الدُّعاء لها بالشِّفاء، فاختارت الصَّبر والسَّتر. والله أعلم.
فصل
في هديه - ﷺ - في علاج عِرق النَّسا (^١)
روى ابن ماجه في «سننه» (^٢) من حديث محمَّد بن سيرين (^٣) عن
_________________
(١) كتاب الحموي (ص ١٣٥ - ١٣٦).
(٢) برقم (٣٤٦٣). وأخرجه أيضًا أحمد (١٣٢٩٥)، والبزَّار (٦٧٩٧، ٦٧٩٨)، والطَّبراني في «الأوسط» (٢٠٦٧). واختُلف فيه على ابن سيرين. وصحَّحه الحاكم (٢/ ٢٩٣، ٤/ ٢٠٦، ٤٠٨)، والضياء في «المختارة» (١٥٥٤ - ١٥٥٦)، والبوصيريُّ في «المصباح» (٤/ ٦٠)، وهو في «السلسلة الصحيحة» (١٨٩٩). وينظر: «العلل» لابن أبي حاتم (٢٢٦٤، ٢٥٣٦)، وللدَّارقطني (٢٣٤٠). وفي الباب عن ابن عبَّاس وعبد الله بن عمرو - ﵃ -.
(٣) كذا في جميع النسخ الخطية والمطبوعة، وهو وهم، والصواب: «أنس بن سيرين». ومنشأ الوهم أن في مصدر المصنف: «ابن سيرين»، فأراد أن يذكر اسمه فخُيِّل إليه أنه محمد أخو أنس. انظر مثل هذا الوهم في «أعلام الموقعين» (١/ ١١٧، ١٢٤، ١٥٨، ١٨٢).
[ ٤ / ٩٧ ]
أنس بن مالكٍ قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «دواءُ عِرق النَّسا أَلْيةُ شاةٍ أعرابيَّةٍ تذاب، ثمُّ تجزَّأ ثلاثة أجزاءٍ، ثمَّ يُشْرَب على الرِّيق في كلِّ يومٍ جزءٌ».
عِرْق النَّساء: وجعٌ يبتدئ من مفصل الورك، وينزل من خلفٍ على الفخذ وربَّما امتدَّ على الكعب (^١). وكلَّما طالت مدَّته زاد نزوله، وتهزل معه الرِّجل والفخذ (^٢).
وهذا الحديث فيه معنًى لغويٌّ، ومعنًى طبِّيٌّ. فأمَّا اللُّغويُّ، فدليلٌ على جواز تسمية هذا المرض بعرق النَّسا خلافًا لمن منع هذه التَّسمية وقال: النَّسا هو العرق نفسه، فيكون من باب إضافة الشَّيء إلى نفسه، وهو ممتنعٌ. وجواب هذا القائل من وجهين:
أحدهما: أنَّ العرق أعمُّ من النَّسا، فهو من باب إضافة العامِّ إلى الخاصِّ نحو: كلُّ الدَّراهم أو بعضها (^٣).
الثَّاني: أنَّ النَّسا هو المرض الحالُّ بالعِرْق، والإضافة فيه من باب إضافة
_________________
(١) س، ث، ل: «إلى الكعب»، ولعله إصلاح من بعض النساخ، فإن المثبت من غيرها موافق لما في مصدر النقل.
(٢) أخذ الحموي هذا التعريف لعرق النسا من «القانون» (٢/ ٨٢٤).
(٣) ونحو علم الطب، وكتاب «القانون». وهذا الوجه ساقط من كتاب الحموي. ولا أدري ممن نقل الوجهين، فإن الموفَّق في «الأربعين الطبية» (ص ١١٥) ــ وعنه صدر الحموي في ذكر المعنيين ــ اكتفى بالاستدلال بالحديث على جواز التسمية. وقال ابن بري كما في «اللسان» (١٥/ ٣٢٢ - نسا): فإذا ثبت أنه مسموع فلا وجه لإنكار قولهم عرق النسا. ويكون من باب إضافة المسمى إلى اسمه. وقال فروة بن مُسَيك: لما رأيتُ ملوكَ كندةَ أعرضَتْ كالرِّجل خان الرِّجْلَ عِرقُ نسائها
[ ٤ / ٩٨ ]
الشَّيء إلى محلِّه وموضعه (^١). قيل: وسمِّي بذلك، لأنَّ ألمه يُنسي ما سواه.
وهذا العرق ممتدٌّ من مفصل الورك، وينتهي إلى آخر القدم وراء الكعب من الجانب الوحشيِّ فيما بين عظم السَّاق والوتر.
وأمَّا المعنى الطِّبِّيُّ، فقد تقدَّم أنَّ كلام الرسول - ﷺ - نوعان:
أحدهما: عامٌّ بحسب الأزمان والأماكن والأشخاص والأحوال.
والثَّاني: خاصٌّ بحسب هذه الأمور أو بعضها. وهذا من هذا القسم فإنَّ هذا خطابٌ للعرب وأهل الحجاز ومن جاورهم ولا سيَّما أعراب البوادي فإنَّ هذا العلاج من أنفع العلاج لهم، فإنَّ هذا المرض يحدُث من يُبْسٍ، وقد يحدُث من مادَّةٍ غليظةٍ لزجةٍ؛ فعلاجُها بالإسهال. والألْيةُ فيها الخاصَّتان (^٢): الإنضاج والتَّليين؛ ففيها الإنضاج (^٣) والإخراج، وهذا المرض يحتاج علاجه إلى هذين الأمرين. وفي تعيين الشَّاة الأعرابيَّة قلَّةُ فضولها، وصغرُ مقدارها، ولطفُ جوهرها، وخاصِّيَّة مرعاها لأنَّها ترعى أعشاب البرِّ الحارَّة كالشِّيح والقَيصُوم ونحوهما (^٤). وهذه النَّباتات إذا تغذَّى بها الحيوان صار
_________________
(١) في كتاب الحموي: «فيكون من باب إضافة الشيء إلى غيره»، إذ المرض غير العرق. وقد تصرَّف المؤلف في كلامه، فقلب معناه، فإنَّ الإضافة في هذا الوجه تكون إضافة المحلِّ وهو العرق إلى حالِّه وهو النَّسا، لا إضافة الحالِّ إلى المحلِّ كما ذكر. وهذا الوجه مع ما بعده من سبب تسمية المرض بالنسا ليس شيئًا، فإن النَّسا في كلام العرب اسم العرق، لا اسم المرض. وقولهم: «عرق النسا» للمرض من باب الإيجاز.
(٢) ث، حط: «الخاصيتان».
(٣) «ففيها الإنضاج» ساقط من د.
(٤) هذا كله بسطٌ لكلام الموفق في «الأربعين الطبية» الذي نقله الحموي بنصه.
[ ٤ / ٩٩ ]
في لحمه من طبعها (^١)، بعد أن يلطِّفها تغذِّيه بها ويُكسِبَها مزاجًا ألطفَ منها، ولا سيَّما الألْية. وظهورُ فعل هذه النَّباتات في اللَّبن أقوى منه في اللَّحم ولكنَّ الخاصَّة (^٢) الَّتي في الألية من الإنضاج والتَّليين لا توجد في اللَّبن.
وهذا مما تقدَّم أنَّ أدوية غالب الأمم والبوادي بالأدوية (^٣) المفردة، وعليه أطبَّاء الهند. وأمَّا الرُّوم واليونان فيعتنون بالمركَّبة. وهم متَّفقون كلُّهم على أنَّ من سعادة الطَّبيب أن يداوي بالغذاء فإن عجز فبالمفرد فإن عجز فبما كان أقلَّ تركيبًا.
وقد تقدَّم أنَّ غالب عادات العرب وأهل البوادي الأمراض البسيطة فالأدوية البسيطة تناسبها، وهذا لبساطة أغذيتهم في الغالب. وأمَّا الأمراض المركَّبة فغالبُها (^٤) يحدث عن تركيب الأغذية وتنوُّعها واختلافها، فاختيرت لها الأدوية المركَّبة. والله أعلم.
فصل
في هديه - ﷺ - في علاج يُبْس الطَّبع واحتياجه إلى ما يمشِّيه ويليِّنه (^٥)
روى الترمذي في «جامعه» وابن ماجه في «سننه» (^٦) من حديث أسماء
_________________
(١) ز: «لحمها من طبعه»، وهو خطأ.
(٢) ث، حط: «الخاصية».
(٣) كذا في جميع النسخ الخطية والطبعات القديمة، كأنه قال: «تداوي غالب الأمم ». وقد أصلح الفقي العبارة بتغيير «بالأدوية» إلى «هي الأدوية»، وكذا في نشرة الرسالة.
(٤) ث، ل: «فغالبًا».
(٥) كتاب الحموي (ص ١٣٧ - ١٤٢).
(٦) «جامع التِّرمذي» (٢٠٨١)، «سنن ابن ماجه» (٣٤٦١). وأخرجه أيضًا أحمد (٢٧٠٨٠)، والطَّبراني في «الكبير» (٢٤/ ١٥٤، ١٥٥)، وأبو نعيم في «الطِّب النَّبوي» (١٧٥، ٤٠٤، ٦١٤). قال التِّرمذي: «هذا حديث حسن غريب»، وصحَّحه الحاكم (٤/ ٢٠١، ٤٠٤)، لكن فيه عبد الحميد بن جعفر اختَلَفوا فيه، واختُلف عليه في إسناده، وقال الألبانيُّ في «السلسلة الصحيحة» (٤/ ٤٠٨): «في إسناده جهالة وانقطاع». وفي الباب عن أنس وابن أمِّ حرام وأمِّ سلمة - ﵃ -.
[ ٤ / ١٠٠ ]
بنت عُمَيس قالت: قال رسول الله - ﷺ -: «بماذا كنت تستمشين؟». قالت: بالشُّبْرُم. قال: «حارٌّ جارٌّ». ثم قالت: استمشيتُ بالسَّنا، فقال: «لو كان شيءٌ يشفي من الموت كان السَّنا».
وفي «سنن ابن ماجه» (^١) عن إبراهيم بن أبي عَبْلة قال: سمعتُ عبد الله بن أمِّ حرام (^٢)، وكان ممَّن صلَّى مع رسول الله - ﷺ - القبلتين، يقول: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «عليكم بالسَّنا والسَّنُّوت، فإنَّ فيهما شفاءً من كلِّ داءٍ إلا السَّام». قيل يا رسول اللَّه! وما السَّام؟ قال: «الموت».
قوله: «بِمَ تستمشين (^٣)؟» أي تليِّنين الطَّبع حتَّى يمشيَ، ولا يصير بمنزلة
_________________
(١) برقم (٣٤٥٧). وأخرجه أيضًا الطَّبراني في «مسند الشَّاميِّين» (١٤). وصحَّحه الحاكم (٤/ ٢٠١)، وتُعُقِّب بأنَّ فيه عمرو بن بكر السَّكسكي وهو متروك. وقد ضعَّف إسنادَه البوصيريُّ في «المصباح» (٤/ ٥٨). لكنَّ عمرًا لم يتفرَّد به، فقد أخرجه أبو نعيم في «الطِّب النَّبوي» (١٧٧، ٦١٣) وغيرُه من طريق شدَّاد بن عبد الرَّحمن الأنصاريِّ وعمرو بن بكر السَّكسكي، عن ابن أبي عبلة به. وهو في «السلسلة الصحيحة» (١٧٩٨). وفي الباب عن أنس وأسماء بنت عميس وأمِّ سلمة - ﵃ -.
(٢) في «السُّنن»: «سمعتُ أبا أُبَيِّ ابن أمِّ حرام»، وأبو أُبَيّ كنية عبد الله. والمصنف في ذكر اسمه تابعَ الحمويَّ، والحمويُّ تابع الموفقَ عبد اللطيف في «الأربعين الطبية» (ص ١١٢).
(٣) هذا لفظ الترمذي.
[ ٤ / ١٠١ ]
الواقف، فيؤذي باحتباس النَّجْو. ولهذا سمِّي الدَّواء المُسْهِل «مَشِيًّا» (^١) على وزن فعيلٍ. وقيل: لأنَّ المسهول يكثر المشي والاختلاف للحاجة. وقد روي: «بماذا الذي تستشفين (^٢)؟» فقالت: بالشُّبْرُمِ.
وهو من جملة الأدوية اليَتُوعيِّة (^٣). وهو قشر عِرْقِ شجرةٍ. وهو حارٌّ يابسٌ في الدَّرجة الرَّابعة. وأجوده المائل إلى الحمرة الخفيف الرَّقيق الذي يشبه الجلد الملفوف. وبالجملة فهو من الأدوية الَّتي أوصى الأطبَّاء بترك استعمالها لخطرها وفرط إسهالها.
وقوله - ﷺ -: «حارٌّ جارٌّ»، ويروى: «حارٌّ يارٌّ». قال أبو عبيد (^٤): وأكثر كلامهم بالياء. قلت: وفيه قولان، أحدهما: أنَّ «الجارَّ» (^٥) بالجيم: الشَّديد الإسهال. فوصفه بالحرارة وشدِّة الإسهال، وكذلك هو. قاله أبو حنيفة
_________________
(١) ويسمَّى أيضًا: مَشُوًّا، ومَشَاءً.
(٢) كذا في جميع النسخ. وفي الطبعات القديمة: «بما الذي ». وفي طبعة الرسالة: «بماذا تستشفين» وهو الوجه، ولفظ «الذي» مقحم. وقد ذكر هذه الرواية الحموي في كتابه (ص ١٤٠) ولم أجد هذه الرواية، إلا أن يكون قصد ما جاء في بعض نسخ «مسند أحمد» في الحديث (٢٧٠٨٠).
(٣) د: «الشرعية». وفي س: «النوعية». وفي حط: «تنوعة»، وكل ذلك تصحيف. واليتُوع واليتُّوع: كلُّ نبات له لبنٌ مسهل محرق مقطِّع، والمشهور منه سبعة، منها الشُّبْرُم والعُشَر واللاعية، وكلها قتَّالة. قاله صاحب «القانون» (١/ ٥١٢). وانظر: «الصيدنة» للبيروني (ص ٦٣٧) و«المعتمد» للملك المظفر (ص ٥٥٣) و«تاج العروس» (توع، يتع).
(٤) في «غريب الحديث» (٢/ ١٤١).
(٥) س، ث، ل: «الحار الجار»، وكذا النسخ المطبوعة.
[ ٤ / ١٠٢ ]
السنا ومنافعه
الدِّينوريُّ (^١).
والثَّاني ــ وهو الصَّواب ــ أنَّ هذا من الإتباع الذي يُقصَد به تأكيد الأوَّل، ويكون بين التَّأكيد اللَّفظيِّ والمعنويِّ، ولهذا يراعون فيه إتباعه في أكثر حروفه كقولهم: حسَنٌ بسَنٌ، أي كامل الحسن؛ وكقولهم: حسَنٌ قسَنٌ بالقاف. ومنه شيطانٌ ليطان، وحارٌّ جارٌّ؛ مع أنَّ في الجارّ معنًى آخر، وهو الذي يجرُّ الشَّيء الذي يصيبه من شدَّة حرارته وحرقه (^٢) له كأنَّه ينزعه ويسلخه. و«يارٌّ» إمَّا لغةٌ في «جارٍّ» كقولهم: صِهْريٌّ وصِهْريجٌ، والصَّهاري والصَّهاريج؛ وإمَّا إتباع مستقلٌّ (^٣).
وأمَّا السَّنا، ففيه لغتان: المدُّ والقصر. وهو نبتٌ حجازيٌّ أفضله المكِّيُّ. وهو دواءٌ شريفٌ مأمون الغائلة، قريبٌ من الاعتدال، حارٌّ يابسٌ في الدَّرجة الأولى. يسهل الصَّفراء والسَّوداء، ويقوِّي جِرْمَ القلب، وهذه فضيلةٌ شريفةٌ فيه. وخاصَّتُه النَّفع من الوسواس السَّوداويِّ، ومن الشُّقاق العارض في البدن، وتفتُّح (^٤) العَضَل وانتشارِ (^٥) الشَّعر، ومن القَمْل والصُّداع العتيق
_________________
(١) قول أبي حنيفة في كتاب الحموي: «الجارُّ بالجيم: الشديد الإسهال».
(٢) في جميع النسخ: «وحدته»، ولعله تصحيف ما أثبت. وفي النسخ المطبوعة: «وجذيه». ولا يوجد هذا اللفظ «وحرقه له» في كتاب الحموي ولا «أمالي القالي».
(٣) معنى «الجارّ» إلى هنا نقله الحموي من «أمالي القالي» (٢/ ٢١٣).
(٤) كذا في جميع النسخ ومخطوطة كتاب الحموي. والظاهر أنه تصحيف «تشنُّج»، كما في «الأربعين الطبية» (ص ١١٣) ــ وهو مصدر الحموي ــ و«مفردات ابن البيطار» (٢/ ٣٦)، و«شفاء الآلام» للسرّمرِّي (ق ١٠٢/ب).
(٥) كذا في جميع النسخ الخطية والمطبوعة ومخطوطة كتاب الحموي. والأشبه: «انتثار» بالثاء كما في كتابي الموفق وابن البيطار.
[ ٤ / ١٠٣ ]
ثمانية أقوال في السنوت
والجرَب والبثور والحِكَّة والصَّرع. وشربُ مائه مطبوخًا أصلَحُ من شربه مدقوقًا. ومقدار الشَّربة منه إلى ثلاثة دراهم، ومن مائه إلى خمسة دراهم. وإن طُبِخ معه شيءٌ من زهر البنفسج والزَّبيب الأحمر المنزوع العَجَم كان أصلح.
قال الرَّازيُّ: السَّنا والشَّاهْتَرَج يسهلان الأخلاط المحترقة، وينفعان من الجرب والحكَّة. والشَّربةُ من كلِّ واحدٍ منهما من أربعة دراهم إلى سبعة دراهم (^١).
وأمَّا السَّنُّوت، ففيه ثمانية أقوالٍ:
أحدها: أنَّه العسل.
والثَّاني: أنَّه رُبُّ عُكَّة السَّمْن يخرج خُطَطًا (^٢) سُودًا على السَّمن. حكاهما عمرو بن بكر السَّكْسكي (^٣).
الثَّالث: أنَّه حبٌّ يشبه الكمُّون، وليس به. قاله ابن الأعرابيِّ (^٤).
الرَّابع: أنَّه الكمُّون الكَرْمانيُّ.
_________________
(١) لم أقف على المصدر الذي نقل منه الحموي قول الرازي هذا.
(٢) كذا في النسخ ومخطوطة كتاب الحموي. ولفظ الموفَّق في «الأربعين الطبية»: «عكة السمن تُعصَر، فيخرج منها خطوط سود مع السمن».
(٣) كذا قال الحموي وهو وهمٌ، فإن السَّكسكي نقل عن ابن أبي عبلة أنه الشبت، ثم قال: وقال آخرون: بل هو العسل الذي يكون في زقاق السمن. وذلك عقب الحديث في «سنن ابن ماجه». فالسكسكي إذن حكى القولين السادس والثامن.
(٤) انظر: «الصيدنة» (ص ٥٤٣) و«المحكم» لابن سيده (٨/ ٣٠٨).
[ ٤ / ١٠٤ ]
الخامس: أنَّه الرَّازِيانَج. حكاهما أبو حنيفة الدِّينَوريُّ عن بعض الأعراب (^١).
السَّادس: أنَّه الشِّبِتُّ (^٢).
السَّابع: أنَّه التَّمر (^٣). حكاهما أبو بكر بن السُّنِّيِّ الحافظ.
الثَّامن: أنَّه العسل الذي يكون في زِقاق السَّمن. حكاه عبد اللطيف البغدادي (^٤). قال بعض الأطبَّاء (^٥): وهذا أجدر بالمعنى وأقرب إلى الصَّواب. أي يُخلَط السَّنا مدقوقًا بالعسل المخالِط للسَّمن ثمَّ يُلعَق، فيكون أصلح من استعماله مفردًا، لما في العسل والسَّمن من إصلاحِ السَّنا وإعانتِه على الإسهال (^٦). والله أعلم.
_________________
(١) انظر: «الصيدنة» (ص ٥٤٣).
(٢) ذكره أبو حنيفة وقال: زعم بعض الرواة أنه السنوت. انظر: «المحكم» (٨/ ٣٠٩).
(٣) انظر: «الطب النبوي» لأبي نعيم (٢/ ٥٨٥). وفي «العباب» للصغاني (١/ ٦٣٥ - ط باكستان): «نوع من التمر».
(٤) في «الأربعين الطبيَّة» (ص ١١٣). وقد ذكر الصغاني في «العباب» من معاني السنوت: الزبد والجبن أيضًا.
(٥) هو ابن طرخان الحموي، في كتابه (ص ١٤١). وهو صادر عن كتاب الموفق عبد اللطيف البغدادي، ونص كلامه: «وهو أشبه بالموضع وأليق لممازجته للسنا وكمال منفعته. وكونُ العسل في زقاق السمن، فيمكن أن يقصد بذلك ما يُكسبه من الرطوبة والرصانة، فيعتدل يبسه، ويقوى إنضاجه، ويقرب إلى طبيعة الغذاء. وإذا خُلِط بطبيخ أحسن صلاحَه، وكان نظير ما نعلمه اليوم من السكّر ودهن اللوز مع طبخ السنا» (ص ١١٣ - ١١٤).
(٦) من هنا إلى آخر الفصل ساقط من د.
[ ٤ / ١٠٥ ]
اختلاف الفقهاء في إباحة الحرير للرجال لحاجة أو مصلحة راجحة
وقد روى الترمذي (^١) وغيره من حديث ابن عبَّاسٍ يرفعه: «إنَّ خير ما تداويتم به: السَّعوط، واللَّدود، والحجامة، والمَشِيُّ». المشيُّ هو الذي يمشِّي الطَّبع، ويليِّنه، ويسهِّل خروج الخارج.
فصل
في هديه - ﷺ - في علاج حِكَّة الجسم وما يولِّد القَمْل
في «الصَّحيحين» (^٢) من حديث قتادة عن أنس بن مالكٍ قال: رخَّص رسول الله - ﷺ - لعبد الرَّحمن بن عوفٍ والزُّبير بن العوَّام - ﵄ - في لُبْسِ الحرير لحِكَّةٍ كانت بهما.
وفي روايةٍ (^٣): أنَّ عبد الرَّحمن بن عوفٍ والزُّبير بن العوَّام - ﵄ - شَكَوَا القَمْلَ إلى النَّبيِّ (^٤) - ﷺ - في غزاةٍ لهما، فرخَّص لهما في قُمُص الحرير، ورأيته عليهما.
هذا الحديث يتعلَّق به أمران أحدهما فقهيٌّ، والآخر طبِّيٌّ.
فأمَّا الفقهيُّ، فالَّذي استقرَّت عليه سنَّته - ﷺ -: إباحة الحرير للنِّساء مطلقًا، وتحريمه على الرِّجال إلا لحاجةٍ أو مصلحةٍ راجحةٍ. فالحاجة إمَّا من شدَّة البرد ولا يجد غيره، أو لا يجد سترةً سواه. ومنها: لباسه للحرب (^٥)
_________________
(١) برقم (٢٠٥٣)، وقد تقدَّم تخريجه، وأنَّ إسناده ضعيفٌ جدًّا.
(٢) البخاري (٥٨٣٩) ومسلم (٢٠٧٦).
(٣) أخرجها الترمذي (١٧٢٢).
(٤) د، ث: «رسول الله».
(٥) في النسخ المطبوعة: «للجرب» بالجيم، تصحيف.
[ ٤ / ١٠٦ ]
والمرض والحِكَّة وكثرة القَمْل، كما دلَّ عليه حديث أنس هذا الصَّحيح.
والجواز أصحُّ الرّوايتين عن الإمام أحمد، وأصحُّ قولي الشَّافعيِّ (^١)؛ إذ الأصل عدم التَّخصيص. والرُّخصة إذا ثبتت في حقِّ بعض الأمَّة لمعنًى تعدَّت إلى كلِّ من وُجِد فيه ذلك المعنى، إذ الحكم يعمُّ بعموم سببه.
ومن منع منه قال: أحاديث التَّحريم عامَّةٌ، وأحاديثُ الرُّخصة يحتمل اختصاصها بعبد الرَّحمن والزبير، ويحتمل تعدِّيها إلى غيرهما. وإذا احتمل الأمران كان الأخذ بالعموم أولى. ولهذا قال بعض الرُّواة في هذا الحديث (^٢): فلا أدري أبلغت الرُّخصةُ لغيرهما أم لا؟
والصَّحيح عموم الرُّخصة، فإنَّه عرفُ خطاب الشَّرع في ذلك، ما لم يصرِّح بالتَّخصيصِ وعدمِ إلحاق غيرِ مَن رخَّص له أوَّلًا (^٣) به، كقوله لأبي بردة: «تَجزيك ولن تَجزي عن أحدٍ بعدك» (^٤)، وكقوله تعالى لنبيِّه - ﷺ - في نكاح من وهبت نفسها له: ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب: ٥٠].
وتحريم الحرير إنَّما كان سدًّا للذَّريعة، ولهذا أبيح للنِّساء وللحاجة
_________________
(١) انظر: «المغني» (٢/ ٣٠٦) و«المجموع» (٤/ ٤٤٠) و«مجموع الفتاوى» (٢١/ ٨٢) و(٢٤/ ٢٧٦).
(٢) لم أقف على هذا القول في هذا الحديث. وأخشى أن يكون المقصود قول أنس في حديث أبي بردة بن نيار الآتي ذكره: «لا أدري أبلغت الرخصة غيرَه أم لا» كما في «صحيح البخاري» (٦٦٧٣). وقد ورد فيه التخصيص في رواية أخرى كما ذكر المصنف في الفقرة الآتية.
(٣) د، حط، ل، ن: «أولى».
(٤) من حديث البراء، أخرجه البخاري (٥٥٤٥) ومسلم (١٩٦١) بنحوه.
[ ٤ / ١٠٧ ]
وللمصلحة (^١) الرَّاجحة. وهذه قاعدة ما حُرِّم لسدِّ الذَّرائع: أنَّه يباح عند الحاجة والمصلحة الرَّاجحة، كما حُرِّم النَّظر سدًّا لذريعة الفعل، وأبيح منه ما تدعو إليه الحاجة والمصلحة الرَّاجحة. وكما حُرِّم التَّنفُّل بالصَّلاة في أوقات النَّهي سدًّا لذريعة المشابهة الصُّوريِّة بعبَّاد الشَّمس، وأبيحت للمصلحة الرَّاجحة. وكما حُرِّم ربا الفضل سدًّا لذريعة ربا النَّسيئة، وأبيح منه ما تدعو إليه الحاجة من العرايا (^٢). وقد أشبعنا الكلام فيما يحلُّ ويحرم من لباس الحرير في كتاب «التَّحبير (^٣) بما يحلُّ ويحرم من لباس الحرير» (^٤).
فصل (^٥)
وأمَّا الأمر الطِّبِّيُّ، فهو أنَّ الحرير من الأدوية المتَّخذة من الحيوان، ولذلك يعدُّ في الأدوية الحيوانيَّة لأنَّ مخرجه من الحيوان. وهو كثير المنافع جليل الموقع. ومن خاصَّته (^٦) تقوية القلب، وتفريحُه، والنَّفعُ من كثيرٍ من أمراضه ومن غلبة المِرَّة السَّوداء والأدواء الحادثة عنها. وهو مقوٍّ للبصر إذا اكتحل به. والخام منه ــ وهو المستعمل في صناعة الطِّبِّ ــ حارٌّ يابسٌ في الدَّرجة الأولى. وقيل: حارٌّ رطبٌ فيها. وقيل: معتدلٌ. وإذا اتُّخذ منه ملبوسٌ
_________________
(١) د، حط، ن: «والمصلحة».
(٢) انظر: «أعلام الموقعين» (٢/ ٤٨٣ - ٤٨٦).
(٣) د: «التخيير». وذكر في هامش الطبعة الهندية أن في نسخة: «التحرير» وكذلك وقع في «ذيل طبقات الحنابلة» لابن رجب (٥/ ١٧٦) ..
(٤) وقد أشار المؤلف إلى هذا الكتاب من قبل (٣/ ٦٠٨) أيضًا.
(٥) كتاب الحموي (ص ١٤٢ - ١٤٤).
(٦) حط، ن: «خاصيته».
[ ٤ / ١٠٨ ]
كان معتدل الحرارة في مزاجه، مسخِّنًا للبدن (^١)، وربَّما برَّد البدنَ بتسمينه إيَّاه.
قال الرَّازيُّ (^٢): الإبريسَم أسخن من الكتَّان، وأبرد من القطن، يربِّي اللَّحم. وكلُّ لباسٍ خشنٍ فإنَّه يهزُل ويصلِّب البشرةَ، وبالعكس.
قلت: والملابس ثلاثة أقسامٍ: قسمٌ يسخِّن البدن ويدفِّئه، وقسمٌ يدفِّئه ولا يسخِّنه، وقسمٌ لا يسخِّنه ولا يدفِّئه. وليس هناك ما يسخِّنه ولا يدفِّئه، إذ ما يسخِّنه فهو أولى بتدفئته. فملابس الأوبار والأصواف تسخِّن وتدفِّئ، وملابس الكتَّان والحرير والقطن تدفِّئ ولا تسخِّن. فثياب الكتَّان باردةٌ يابسةٌ، وثياب الصُّوف حارةٌ يابسةٌ، وثياب القطن معتدلة الحرارة، وثياب الحرير ألين من القطن وأقلُّ حرارةً منه.
قال صاحب «المنهاج» (^٣): ولبسُه لا يسخِّن كالقطن، بل هو معتدلٌ.
وكلُّ لباسٍ أملس صقيلٍ فإنَّه أقلُّ إسخانًا للبدن، وأقلُّ عونًا في تحلُّلِ ما يتحلَّل منه، وأحرى أن يُلبَس في الصَّيف وفي البلاد الحارَّة. ولمَّا كانت ثياب
_________________
(١) كذا في جميع النسخ الخطية والمطبوعة غير أن ناسخ ف كتب بعده: «ليس بمسخِّن له»، ثم ضُرب عليه لأنه ضدُّ قوله: «مسخنًا للبدن». والحق أن «مسخِّنًا»، تصحيف «مسمِّنًا»، والجملة المضروب عليها واقعة في محلِّها، كما في كتاب الحموي، والنقل منه بنصِّه.
(٢) لم أقف على المصدر الذي نقل منه الحموي قول الرازي.
(٣) هو ابن جزلة البغدادي (ت ٤٩٣). انظر كتابه «منهاج البيان فيما يستعمله الإنسان» (ص ١١٥).
[ ٤ / ١٠٩ ]
علة تحريم الحرير على الرجال
الحرير كذلك، وليس فيها شيءٌ من اليبس والخشونة الكائن (^١) في غيرها صارت نافعةً من الحِكَّة، إذ الحِكَّة لا تكون إلا عن حرارةٍ ويبسٍ وخشونةٍ. فلذلك رخَّص رسول الله - ﷺ - للزبير وعبد الرحمن في لباس الحرير لمداواة الحِكَّة. وثياب الحرير أبعد عن قبول تولُّد القَمْل فيها، إذ كان مزاجها مخالفًا لمزاج ما يتولَّد منه القمل.
وأمَّا القسم الذي لا يدفِّئ ولا يسخِّن، فالمتَّخَذ من الحديد والرَّصاص والخشب والتُّراب ونحوها.
فإن قيل: فإذا كان لباس الحرير أعدل اللِّباس وأوفقه للبدن، فلماذا حرَّمته الشَّريعة الكاملة الفاضلة الَّتي أباحت الطَّيِّبات وحرَّمت الخبائث؟
قيل: هذا السُّؤال يجيب عنه كلُّ طائفةٍ من طوائف المسلمين بجوابٍ. فمنكِرو الحِكَم والتَّعليل لما رفَعَتْ قاعدةَ التَّعليل من أصلها لم تحتَجْ إلى جوابٍ عن هذا السُّؤال.
ومثبتو التَّعليل والحكمة ــ وهم الأكثرون ــ منهم من يجيب عن هذا بأنَّ الشَّريعة حرَّمته لتصبِر النُّفوسُ عنه وتتركَه لله، فتثاب على ذلك، لا سيِّما ولها عوضٌ عنه بغيره. ومنهم من يجيب عنه بأنَّه خُلِق في الأصل للنِّساء كالحلية بالذَّهب، فحرِّم على الرِّجال لما فيه من مفسدة تشبُّه الرِّجال بالنِّساء. ومنهم من قال: حُرِّم لما يورثه من الفخر والخيلاء والعجب.
_________________
(١) كذا في جميع النسخ إلا حط التي فيها: «الكائنة»، وكذا في مخطوطة كتاب الحموي (ق ٣٦/ب). وفي النسخ المطبوعة: «الكائنين»، ولعله إصلاح من بعض النساخ أو الناشرين.
[ ٤ / ١١٠ ]
ومنهم من قال: حُرِّم لما يورثه ملابستُه للبدن من الأنوثية والتخنيث وضدِّ الشَّهامة والرُّجوليَّة، فإنَّ لبسه يُكسِبُ القلبَ صفةً من صفات الإناث. ولهذا لا تكاد تجد من يلبسه في الأكثر إلا وعلى شمائله من التخنيث والتأنيث والرَّخاوة ما لا يخفى؛ حتَّى لو كان من أشهم النَّاس وأكثرهم فحوليَّةً ورجوليَّةً، فلا بدَّ أن ينقصه لبسُ الحرير منها وإن لم يُذْهِبها. ومن غلُظَت طباعُه وكثُفَت عن فهم هذا فليسلِّم للشَّارع الحكيم. ولهذا كان أصحُّ القولين: أنَّه يحرم على الوليِّ أن يُلبسه الصَّبيَّ لما ينشأ عليه من صفات أهل التَّأنيث (^١).
وقد روى النَّسائيُّ (^٢) من حديث أبي موسى الأشعريِّ عن النَّبيِّ - ﷺ - أنَّه قال: «إنَّ الله أحلَّ لإناث أمَّتي الحرير والذَّهب، وحرَّمه على ذكورها». وفي لفظٍ: «حرَّم لباس الحرير والذَّهب على ذكور أمَّتي، وأحلَّ لإناثهم» (^٣).
وفي «صحيح البخاريِّ» (^٤) عن حذيفة قال: نهى رسول الله - ﷺ - عن لُبْس
_________________
(١) انظر: «تحفة المودود» (ص ٣٥٢ - ٣٥٣).
(٢) برقم (٥١٤٨، ٥٢٦٥) من طريق سعيد بن أبي هند، عن أبي موسى - ﵁ - به. وأخرجه أيضًا أحمد (١٩٥١٥، ١٩٦٤٥)، والتِّرمذيُّ (١٧٢٠) وقال: «حسنٌ صحيح»، وتُعُقِّب بأنَّ سعيدًا لم يسمع من أبي موسى - ﵁ - شيئًا. وقد اختُلِف في إسناده، فأخرجه أحمد (١٩٥٠٢، ١٩٥٠٣، ١٩٥٠٧) وغيرُه عن سعيد بن أبي هند، عن رجلٍ، عن أبي موسى - ﵁ -. وللحديثِ شواهدُ كثيرةٌ يصحُّ بها، بل عدَّ بعضُهم نهيَ الذُّكور عن الذَّهب والحرير من المتواتر. ويُنظَر: «نصب الرَّاية» (٤/ ٢٢٢ - ٢٢٥)، و«الإرواء» (٢٧٧).
(٣) هذا اللَّفظ عند التِّرمذيِّ (١٧٢٠).
(٤) برقم (٥٤٢٦، ٥٨٣٧). وأخرجه مسلم (٢٠٦٧) دون ذكر الجلوس عليه. والمؤلف صادر عن كتاب الحموي.
[ ٤ / ١١١ ]
الحرير والدِّيباج، وأن نجلِس عليه، وقال: «هو لهم في الدُّنيا، ولكم في الآخرة».
فصل
في هديه - ﷺ - في علاج ذات الجنب (^١)
روى الترمذي في «جامعه» (^٢) من حديث زيد بن أرقم أنَّ النَّبيَّ - ﷺ - قال: «تداوَوا من ذات الجنب بالقُسْط البحريِّ والزَّيت» (^٣).
ذات الجنب عند الأطبَّاء (^٤) نوعان: حقيقيٌّ، وغير حقيقيٍّ. فالحقيقيُّ: ورمٌ حارٌّ يعرض في الغشاء المستبطِن للأضلاع. وغير الحقيقيِّ: ألمٌ يشبهه يعرض في نواحي الجنب عن رياحٍ غليظةٍ مؤذيةٍ تحتقن بين الصَّفاقات، فتُحدِث وجعًا قريبًا من وجع ذات الجنب الحقيقيِّ، إلا أنَّ الوجع في هذا
_________________
(١) كتاب الحموي (ص ١٤٥ - ١٤٧، ١٠٨ - ١١١).
(٢) برقم (٢٠٧٩) وقال: «هذا حديث حسن صحيح، لا نعرفه إلَّا من حديث ميمون عن زيد بن أرقم ميمون شيخٌ بصريٌّ». وأخرجه أيضًا النَّسائيُّ في «الكبرى» (٧٥٤٤، ٧٥٤٥)، وابن ماجه (٣٤٦٧)، وأحمد (١٩٢٨٩، ١٩٣٢٧)، والبزَّار (٤٣٢٨)، والطَّبراني في «الأوسط» (٢٥٦٠)، وغيرهم. وصحَّحه الحاكم (٤/ ٢٠٢، ٤٠٥، ٤٠٦)، وتُعُقِّب بأنَّ ميمونًا ضعيفٌ، وهو في «السِّلسلة الضَّعيفة» (٣٣٩٦).
(٣) هذا لفظ الطبراني والحاكم. ولفظ الترمذي: «أمرنا رسول الله - ﷺ - أن نتداوى من »، والحموي بعدما أورد الحديث قال: «أخرجه الترمذي وغيره»، فلم يعز اللفظ المذكور إلى الترمذي وحده كما فعل المؤلف.
(٤) الكلام الآتي للحموي.
[ ٤ / ١١٢ ]
القسم ممدودٌ، وفي الحقيقيِّ ناخسٌ (^١).
قال صاحب «القانون» (^٢): قد يعرض في الجنب (^٣) والصَّفَاقات والعَضَل الَّتي في الصَّدر (^٤) والأضلاع ونواحيها أورامٌ مؤذيةٌ جدًّا موجِعةٌ تسمَّى شَوْصَةً وبِرسامًا وذات الجنب. وقد تكون أيضًا أوجاعًا في هذه الأعضاء ليست من ورمٍ، ولكن من رياحٍ غليظةٍ، فيظنُّ أنَّها من هذه العلَّة، ولا تكون.
قال (^٥): واعلم أنَّ كلَّ وجعٍ في الجنب قد يسمَّى «ذات الجنب» اشتقاقًا من مكان الألم، لأنَّ معنى ذات الجنب: صاحبة الجنب. والغرض به هاهنا وجعُ الجنب، فإذا عرض في الجنب ألمٌ عن أيِّ سببٍ كان نُسِب إليه. وعليه حُمِل كلامُ بقراط (^٦) في قوله: إنَّ أصحاب ذات الجنب ينتفعون بالحمَّام. قيل: المراد به كلُّ من به وجعُ جنبٍ أو وجعُ رئةٍ من سوء مزاجٍ، أو من أخلاطٍ غليظةٍ أو لذَّاعةٍ، من غير ورمٍ ولا حمَّى.
_________________
(١) حط: «فاحش»، تصحيف فاحش. وهو ساقط من ل. وفيها وفي ف، ث: «ممدود في الحقيقي» بسقوط الواو بعد «ممدود».
(٢) في «القانون» (٢/ ٣٤٠ - ٣٤١).
(٣) كذا في النسخ وكتاب الحموي. وفي «القانون»: «الحُجُب».
(٤) ما عدا ف، د: «الصدور». والمثبت موافق لما في كتاب الحموي و«القانون».
(٥) الكلام الآتي للحموي، لا لصاحب «القانون» كما توهم المؤلف.
(٦) د، ث، ل: ««أبقراط». وقد نقل الرازي (٢/ ١٠٦) قول بقراط من كتاب «الحمام» لحنين، والتفسير المذكور لقوله ذكره الحموي عن موسى بن ميمون القرطبي.
[ ٤ / ١١٣ ]
قال بعض الأطبَّاء (^١): وأمَّا معنى ذات الجنب في لغة اليونان، فهو ورم الجنب الحارُّ. وكذلك ورم كلِّ واحدٍ من الأعضاء (^٢) الباطنة. وإنَّما سمِّي ذاتَ الجنب ورمُ ذلك العضو إذا كان ورمًا حارًّا فقط.
ويلزم ذاتَ الجنب الحقيقيِّ خمسة أعراضٍ، وهي: الحمَّى، والسُّعال، والوجع النَّاخس، وضيق النَّفَس، والنَّبض المنشاريُّ (^٣).
والعلاج الموجود في الحديث ليس هو لهذا القسم لكن للقسم الثَّاني الكائن عن الرِّيح الغليظة، فإنَّ القُسْط البحريَّ ــ وهو العود الهنديُّ على ما جاء مفسَّرًا في أحاديث أُخَر ــ صنفٌ من القُسْط إذا دُقَّ ناعمًا، وخُلِط بالزَّيت المسخَّن، ودُلِك به مكانُ الرِّيح المذكور أو لُعِقَ= كان دواءً موافقًا لذلك، نافعًا له، محلِّلًا لمادَّته، مُذْهِبًا لها، مقوِّيًا للأعضاء الباطنة، مفتِّحًا للسُّدَد. والعودُ المذكور في منافعه كذلك. قال المسيحي (^٤): العود حارٌّ يابسٌ قابضٌ
_________________
(١) هو الحموي.
(٢) لفظ: «الأعضاء» ساقط من د.
(٣) انظر: «الحاوي» (٢/ ١١٤). والنبض المنشاري: نبض سريع متواتر صلب مختلف الأجزاء في عظم الانبساط والصلابة واللين. «القانون» (١/ ١٧٣).
(٤) كذا في جميع النسخ والطبعات القديمة. وفي مخطوطة كتاب الحموي (ق ٣٨/أ): «مسيح»، وهو الصواب. اسمه عيسى بن الحكم الدمشقي، كان حيًّا سنة ٢٢٥ هـ. قال ابن أبي أصيبعة: «وهو المشهور بمسيح، وهو صاحب الكناش الكبير الذي يُعرف به وينسب إليه». «عيون الأنباء» (٢/ ٣٠). وقد نقل منه الرازي كثيرًا، وابن سينا والبيروني في «الصيدنة» وابن البيطار في «المفردات». وفي طبعة الرسالة: «المسبحي» بالباء تبعًا للفقي الذي ضبطه بتشديد الباء المكسورة، ولكن الغريب أنها ترجمت له بأنه عيسى بن يحيى الجرجاني أبو سهل المتوفى سنة ٣٩٠. وهذا يعني أنها ترجمت للمسيحي لأن أبا سهل هذا كان يقال له «المسيحي». ولكن لم يكن هو وحده مسيحيًّا، فإن منهم أبا الخير المسيحي، وأبا نصر ابن المسيحي، وأبا الفرج المسيحي. ولا دليل على أن المراد هنا أبو سهل إذا فرضنا أن الصواب في المتن «المسيحي» دون «مسيح».
[ ٤ / ١١٤ ]
يحبس (^١) البطن، ويقوِّي الأعضاء الباطنة، ويطرد الرِّيح، ويفتح السُّدَد، نافعٌ من ذات الجنب، ويُذهِب فضلَ الرُّطوبة. والعود المذكور جيِّدٌ للدِّماغ.
قال (^٢): ويجوز أن ينفع القُسْطُ من ذات الجنب الحقيقيَّة أيضًا إذا كان حدوثها عن مادَّةٍ بلغميِّةٍ، لا سيِّما في وقت انحطاط العلَّة. والله أعلم.
وذات الجنب من الأمراض الخطرة. وفي الحديث الصَّحيح عن أم سلمة (^٣) أنَّها قالت: بدأ رسول الله - ﷺ - بمرضه في بيت ميمونة، وكان كلَّما خفَّ عليه خرَج وصلَّى بالنَّاس. وكان كلَّما وجد ثقلًا قال: «مرُوا أبا بكر فليصلِّ بالنَّاس». واشتدَّ شكواه حتَّى غُمِر (^٤) من شدَّة الوجع [فاجتمع] (^٥)
_________________
(١) س، ث، ل: «محبس»، تصحيف.
(٢) بعدما نقل الحموي الكلام السابق عن مسيح قال: «أقول: ويجوز » إلى آخر الفقرة، ففصل بين كلامه وكلام مسيح، ومع ذلك جعل المؤلف كلام الحموي من كلام مسيح!
(٣) كذا في جميع النسخ. وفي مخطوطتي كتاب الحموي: «أم سليم». ولم يشر الحموي إلى مصدره الذي نقل منه هذا الحديث ولا قال هو: «في الحديث الصحيح».
(٤) في جميع النسخ: «بذي عمرو» بالعين أو الغين، وهو تحريف غريب. والمثبت من كتاب الحموي (ص ١٠٩). ومثله في «سيرة ابن هشام» (٢/ ٦٥١). وأثبت الفقي: «غُمر عليه».
(٥) في النسخ: «ما» ثم بياض في ف، د، ز، حط. وفي غيرها وصل الكلام. و«ما» تصحيف أول الكلمة المثبتة بين الحاصرتين من كتاب الحموي.
[ ٤ / ١١٥ ]
عنده نساؤه وعمُّه العباس، وأم الفضل بنت الحارث، وأسماء بنت عميس. فتشاوروا في لدِّه، فلدُّوه وهو مغمورٌ. فلمَّا أفاق قال: «من فعل بي هذا؟ هذا من عمل نساءٍ جئن من هاهنا». وأشار بيده إلى أرض الحبشة. وكانت أمُّ سلمة وأسماء لدَّتاه، فقالوا: يا رسول اللَّه، خشينا (^١) أن يكون بك ذات الجنب. قال: «فبم لددتموني؟». قالوا: بالعود الهنديِّ، وشيءٍ من وَرْسٍ، وقطراتٍ من زيتٍ. فقال: «ما كان الله لِيقذفَني بذلك الدَّاء». ثمَّ قال: «عزمتُ عليكم: لا يبقى في البيت أحدٌ إلا لُدَّ إلا عمِّي العباس» (^٢).
وفي «الصَّحيحين» (^٣) عن عائشة قالت: لددنا رسولَ الله - ﷺ -، فأشار أن لا تلُدُّوني، فقلنا: كراهية المريض للدَّواء. فلمَّا أفاق قال: «ألم أَنْهَكم أن لا تلُدُّوني؟ (^٤) لا يبقى منكم أحدٌ إلا لُدَّ غير عمِّي العباس فإنَّه لم يشهدكم».
_________________
(١) س، حط: «حسبنا».
(٢) أخرجه بنحوه عبد الرَّزَّاق (٩٧٥٤) وعنه ابن راهويه (٢١٤٥)، وأحمد (٢٧٤٦٩) من حديث أسماء بنت عميس - ﵂ -، وصحَّحه ابن حبَّان (٦٥٨٧)، والحاكم (٤/ ٢٠٢)، وابن حجر في «الفتح» (٨/ ١٤٨)، والألباني في «السلسلة الصحيحة» (٧/ ١٠١٧)، ورجَّح أبو زرعة وأبو حاتم إرسالَه كما في «العلل» (٢٥٢٠). وفي الباب عن العبَّاس وابن عبَّاس وعائشة - ﵂ -.
(٣) البخاري (٤٤٥٨، ٥٧١٢، ٦٨٩٧) ومسلم (٢٢١٣).
(٤) كذا في جميع النسخ وكتاب الحموي (ص ١٠٩). وفي طبعة الرسالة: «أن تلدوني» تبعًا للفقي الذي حذف «لا» لأنها لم ترد في «الصحيحين». وقد ورد اللفظ المذكور هنا في «مسند أحمد» (٢٤٢٦٣). وهو كقوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ [الأعراف: ١٢].
[ ٤ / ١١٦ ]
قال أبو عبيد (^١) عن الأصمعي: اللَّدُود: ما يسقى الإنسان في أحد شقَّي الفم، أُخِذ من لَديدَي الوادي، وهما جانباه. وأمَّا الوَجُور فهو في وسط الفم.
قلت: واللَّدود بالفتح هو الدَّواء الذي يُلَدُّ به (^٢). والسَّعوط ما أُدخِل من أنفه.
وفي هذا الحديث من الفقه: معاقبةُ الجاني بمثل ما فعَل سواءً، إذا لم يكن فعله محرَّمًا لحقِّ اللَّه. وهذا هو الصَّواب المقطوع به لبضعة عشر دليلًا قد ذكرناها في موضعٍ آخر (^٣). وهو منصوص أحمد وهو ثابتٌ عن الخلفاء الرَّاشدين. وترجمة المسألة بـ «القصاص في اللَّطمة والضَّربة». وفيها عدَّة أحاديث لا معارض لها البتَّة، فيتعيَّن القول بها.
فصل
في هديه - ﷺ - في علاج الصُّداع والشَّقيقة
روى ابن ماجه في «سننه» (^٤) حديثًا في صحَّته نظرٌ: أنَّ النَّبيَّ - ﷺ - كان إذا
_________________
(١) في «غريب الحديث» (١/ ٢٩٢ - ٢٩٣).
(٢) لا أدري لماذا فسَّر المصنف «اللَّدود» بعدما نقل تفسير الأصمعي.
(٣) انظر: «أعلام الموقعين» (٢/ ١١٨ - ١٤٢) و«تهذيب السنن» (٣/ ١٢٣ - ١٤٠).
(٤) قال الحموي في كتابه (ق ٤٢/أ): «الحديث التاسع والعشرون: عن أبي بكر بن أبي مريم الغساني قال: كان النبي - ﷺ - إذا صُدِع غلَّف رأسه بالحنَّاء، ويقول: إنه نافع بإذن الله من الصداع. وجاء من طريق آخر عن أبي هريرة - ﵁ - أن النبي - ﷺ - كان إذا نزل عليه الوحي صُدِع، فيغلِّف رأسه بالحنّاء. أخرجه ابن ماجه وغيره». فلفَّق المؤلف من الحديثين حديثًا واحدًا وعزاه إلى ابن ماجه كما ترى. ولم يُخرج ابن ماجه هذا المتنَ، وإنَّما روى (٣٥٠٢) حديثَ أمِّ رافع: «كان لا يصيب النَّبيَّ - ﷺ - قرحة ولا شوكة إلَّا وضَع عليه الحنَّاءَ»، وسيأتي تخريجه. وأمَّا هذا المتن فأخرجه البزَّار (٧٨٥٢)، والطَّبراني في «الأوسط» (٥٦٢٩)، وابن عدي في «الكامل» (٢/ ١٦١)، وأبو نعيم في «الطِّب النَّبوي» (٢٤١، ٦٣٨)، من حديث أبي هريرة - ﵁ - بلفظ: «كان رسولُ الله - ﷺ - إذا نزل عليه الوحيُ صُدِع، فيغلِّف رأسه بالحنَّاء»، وليس فيه القولُ، ولم أقِف له على مصدرٍ. قال ابن كثير في «البداية والنِّهاية» (٤/ ٥٥): «هذا حديث غريب جدًّا»، وهو في «السِّلسلة الضَّعيفة» (٥٩٢٦).
[ ٤ / ١١٧ ]
صُدِع غلَّف رأسه بالحنَّاء، ويقول: «إنَّه نافعٌ بإذن الله من الصُّداع».
الصُّداع: ألمٌ في بعض أجزاء الرَّأس أو كلِّه. فما كان منه في أحد شقَّي الرَّأس لازمًا سُمِّيَ «شقيقةً». وإن كان شاملًا لجميعه لازمًا سُمِّي «بيضةً» و«خُوذةً» تشبيهًا ببيضة السِّلاح الَّتي تشتمل على الرَّأس كلِّه. وربَّما كان في مؤخَّر الرَّأس أو في مقدَّمه. وأنواعه كثيرةٌ وأسبابه مختلفةٌ (^١).
وحقيقة الصُّداع: سخونة الرَّأس واحتماؤه لما دار فيه من البخار يطلب النُّفوذَ من الرَّأس، فلا يجد منفذًا، فيصدَعُه، كما ينصدع الوعاءُ (^٢) إذا حَمِيَ ما فيه وطلَب النُّفوذَ. وكلُّ شيءٍ رطبٍ إذا حمِيَ طلب مكانًا أوسع من مكانه
_________________
(١) هذه الفقرة من كلام الحموي (ص ١٥٤) وختمها بقوله: « مختلفة مذكورة في الكتب الطبية». فرجع المؤلف إلى كتاب لم أقف عليه، ونقل منه حقيقة الصداع وأسبابه إلى آخر الفصل.
(٢) هكذا في ف، د: «ينصدع». ولم ينقط في ز. وفي ل: «يصدع». وفي غيرها: «يتصدَّع». وكلمة «الوعاء» في ث وحدها رسمت بالألف المقصورة لكن ضبطت على الصواب: «الوِعَى». وفي طبعة الرسالة: «يصدع الوعي»، وفُسِّر «الوعي» بالقَيح والمِدَّة!
[ ٤ / ١١٨ ]
الذي كان فيه. فإذا عرض هذا البخار في الرَّأس كلِّه بحيث لا يمكنه التَّفشِّي والتَّحلُّل وجال في الرَّأس سمِّي «السَّدَر».
والصُّداع يكون عن أسبابٍ عديدةٍ:
أحدها: من غلبة واحدٍ من الطَّبائع الأربعة.
والخامس (^١): من قروحٍ تكون في المعدة، فيتألَّم (^٢) الرَّأس لذلك الورم للاتصال من العصب المنحدر من الرَّأس بالمعدة.
والسَّادس: من ريحٍ غليظةٍ تكون في المعدة، فتصعد إلى الرَّأس، فتصدَعه.
والسَّابع: يكون من ورمٍ (^٣) في عروق المعدة، فيألم الرَّأس بألم المعدة للاتِّصال الذي بينهما.
والثَّامن: صداعٌ يحصل عن امتلاء المعدة من الطَّعام، ثمَّ ينحدر ويبقى بعضُه نِيئًا، فيصدَع الرَّأسَ ويُثقِله.
والتَّاسع: يعرض بعد الجماع لتخلخل الجسم، فيصل إليه من حرِّ الهواء أكثرُ من قدره.
والعاشر: صداعٌ يحصل بعد القيء والاستفراغ، إمَّا لغلبة اليُبْس، وإمَّا لتصاعد الأبخرة من المعدة إليه.
_________________
(١) في ل، ن بعده زيادة: «يكون»، وكذا في النسخ المطبوعة.
(٢) ز، س، حط: «فيألم».
(٣) حط: «والسابع من ورم يكون في». وفي ز: «يكون من ورم يكون».
[ ٤ / ١١٩ ]
والحادي عشر: صداعٌ يعرض عن شدَّة الحرِّ وسخونة الهواء.
والثَّاني عشر: ما يعرض عن شدَّة البرد وتكاثُف الأبخرة في الرَّأس وعدم تحلُّلها.
والثَّالث عشر: ما يحدث من السَّهر وحبس النَّوم (^١).
والرَّابع عشر: ما يحدث من ضغط الرَّأس، وحملِ الشَّيء الثَّقيل عليه.
والخامس عشر: ما يحدث من كثرة الكلام، فتضعف قوَّة الدِّماغ لأجله.
والسَّادس عشر: ما يحدث من كثرة الحركة والرِّياضة المفرطة.
والسَّابع عشر: ما يحدث من الأعراض النَّفسانيَّة كالهموم والغموم والأحزان والوساوس والأفكار الرَّديَّة.
والثَّامن عشر: ما يحدث من شدَّة الجوع، فإنَّ الأبخرة لا تجد ما تعمل فيه، فتكثُر وتتصاعد (^٢) إلى الدِّماغ، فتؤلمه.
والتَّاسع عشر: ما يحدث عن ورمٍ في صِفاق الدِّماغ، ويجد صاحبُه كأنَّه يُضرَب بالمطارق على رأسه.
العشرون (^٣): ما يحدث بسبب الحمَّى لاشتعال حرارتها فيه، فيتألَّم (^٤).
_________________
(١) غيَّره الفقي إلى «عدم النوم»، وتابعته طبعة الرسالة كعادتها خلافًا لأصلها.
(٢) س، ث: «وتصاعدُ».
(٣) ث: «والعشرون».
(٤) في النسخ المطبوعة بعده: «والله أعلم».
[ ٤ / ١٢٠ ]
فصل (^١)
وسبب صداع الشَّقيقة مادَّةٌ في شرايين الرَّأس وحدها (^٢)، حاصلةٌ فيها، أو مرتقيةٌ إليها، فيقبلها الجانب الأضعف من جانبيه. وتلك المادَّة إمَّا بخاريَّةٌ وإمَّا أخلاطٌ حارَّةٌ أو باردةٌ. وعلامتها الخاصَّة بها ضَرَبانُ الشَّرايين وخاصَّةً في الدَّمويِّ. وإذا ضُبِطت بالعصائب ومُنِعت من الضَّرَبان سكَن الوجعُ.
وقد ذكر أبو نعيم في كتاب «الطِّبّ النَّبويّ» (^٣) له أنَّ هذا النَّوع كان يصيب النَّبيَّ - ﷺ -، فيمكث اليوم واليومين، ولا يخرج.
وفيه (^٤) عن ابن عبَّاسٍ قال: خَطَبنا رسولُ الله - ﷺ - وقد عصَب رأسه بعصابةٍ.
وفي الصَّحيح أنَّه قال في مرض موته: «وارأساه» (^٥). وكان يعصِبُ رأسه
_________________
(١) كتاب الحموي (ص ١٥٧).
(٢) لفظ الحموي: «واعلم أن كثيرًا ما يكون سبب الشقيقة مادَّةً » إلخ، فلا يكون هذا عنده سبب الشقيقة دائمًا.
(٣) برقم (٢٤٠) معلَّقًا عن محمَّد بن عبد الله بن نُمير، عن يونس بن بُكير، عن المسَيّب بن دارم، عن عبد الله بن بُريدة، عَن أبيه قال: «كان النَّبيُّ - ﷺ - ربَّما أخذَته الشَّقيقةُ، فيمكث اليومَ واليومَين لا يخرج». ووصله الطَّبريُّ في «تاريخه» (٣/ ١٢)، والبيهقيُّ في «الدَّلائل» (٤/ ٢١١)، وصحَّحه الحاكم (٣/ ٣٧)، ووقع عندهم جميعًا: «المسيّب بن مسلم الأزديّ»، وضعَّفه الألبانيُّ بجهالة المسيّب في «السِّلسلة الضَّعيفة» (٥٩٢٨)، وينظر: «السِّلسلة الصَّحيحة» (٧/ ٧٣٤).
(٤) برقم (٢٤٥). وهو في البخاريِّ (٣٦٢٨) بلفظ: «خرج رسول الله - ﷺ - في مرضه الَّذي مات فيه بملحفةٍ، قد عصَّب بعصابة دسماء، حتَّى جلس على المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد » الحديث.
(٥) أخرجه البخاري (٥٦٦٦) من حديث عائشة - ﵂ -.
[ ٤ / ١٢١ ]
في مرضه، وعصبُ الرَّأس ينفع في وجع الشَّقيقة وغيرها من أوجاع الرَّأس.
فصل
وعلاجه يختلف باختلاف أنواعه وأسبابه. فمنه ما علاجه بالاستفراغ، ومنه ما علاجه بتناول الغذاء، ومنه ما علاجه بالسُّكون والدَّعة، ومنه ما علاجه بالضَّمادات، ومنه ما علاجه بالتَّبريد، ومنه ما علاجه بالتَّسخين، ومنه ما علاجه بأن يجتنب سماع الأصوات والحركات.
إذا عُرِف هذا، فعلاجُ الصُّداع في هذا الحديث بالحنَّاء هو جزئيٌّ، لا كلِّيٌّ؛ وهو علاج نوعٍ من أنواعه. فإنَّ الصُّداع إذا كان من حرارةٍ ملهبةٍ ولم يكن من مادَّةٍ يجب استفراغها نفَع فيه الحنَّاءُ نفعًا ظاهرًا. وإذا دُقَّ وضمِّدت به الجبهةُ مع الخلِّ سكن الصُّداع. وفيه قوَّةٌ موافقةٌ للعصَب إذا ضمِّد به سكَّن أوجاعَه. وهذا لا يختصُّ بوجع الرَّأس بل يعمُّ الأعضاءَ. وفيه قبضٌ يشدُّ به الأعضاء. وإذا ضمِّد به موضعُ الورم الحادِّ الملتهب سكَّنه.
وقد روى البخاريُّ في «تاريخه» وأبو داود في «السُّنن» (^١) أنَّ رسول الله - ﷺ - ما شكا إليه أحدٌ وجعًا في رأسه إلا قال له: «احتجِمْ»، ولا شكا (^٢) وجعًا في رجليه إلا قال له: «اختضِبْ بالحنَّاء».
_________________
(١) «التَّاريخ الكبير» (١/ ٤١١)، «سنن أبي داود» (٣٨٥٨) من حديث سلمى خادم رسول الله - ﷺ -. وأخرجه أيضًا أحمد (٢٧٦١٧، ٢٧٦١٨)، والطَّبرانيُّ في «الكبير» (٢٤/ ٢٩٨)، وابن عديٍّ في «الكامل» (٥/ ٥٠٠). وفي إسناده اختلاف، وصحَّحه الطَّبريُّ في «التَّهذيب» (١/ ٥٠٩ - مسند ابن عبَّاس)، والحاكم (٤/ ٤٠، ٢٠٦، ٤٠٧)، وحسَّنه النَّوويُّ في «المجموع» (٩/ ٦١)، وابن مفلح في «الآداب الشَّرعيَّة» (٢/ ٤٠٢)، والألبانيُّ في «السلسلة الصحيحة» (٢٠٥٩).
(٢) في النسخ المطبوعة بعده زيادة: «إليه».
[ ٤ / ١٢٢ ]
فصل في خواص الحناء ومنافعه
وفي الترمذي (^١) عن سلمى أم رافع خادم النَّبيِّ - ﷺ - قالت: كان لا يصيب النَّبيَّ - ﷺ - قَرحةٌ ولا شوكةٌ إلا وضَع عليها الحنَّاء (^٢).
فصل (^٣)
والحنَّاء باردٌ في الأولى، يابسٌ في الثَّانية. وقوَّة شجر الحنَّاء وأغصانها مركَّبةٌ من قوَّةٍ محلِّلةٍ اكتسبتها من جوهرٍ فيها مائيٍّ حارٍّ باعتدالٍ، ومن قوَّةٍ قابضةٍ اكتسبتها من جوهرٍ فيها أرضيٍّ باردٍ.
ومن منافعه: أنَّه محلِّلٌ نافعٌ من حرق النَّار. وفيه قوَّةٌ موافقةٌ للعصَب إذا ضمِّد به (^٤). وينفع إذا مُضِغ من قروح الفم والسُّلاق (^٥) العارض فيه، ويبرئ القُلاعَ (^٦) الحادث في أفواه الصِّبيان. والضِّمادُ به ينفع من الأورام الحارَّة الملهبة، ويفعل في الجراحات فعلَ دم الأخَوين (^٧). وإذا خُلِط نَورُه مع
_________________
(١) برقم (٢٠٥٤) وقال: «هذا حديث حسن غريب». وأخرجه أيضًا ابن ماجه (٣٥٠٢) ــ واللفظ له ــ، والطَّبراني في «الكبير» (٢٤/ ٢٩٨) و«الأوسط» (٨٥٧٨). وهو الحديثُ السَّابق نفسُه، فليُنظر تخريجُه هناك.
(٢) الحديثان بهذا اللفظ نقلهما المؤلف من كتاب الحموي (ص ١٥٦ - ١٥٧).
(٣) كتاب الحموي (ص ١٥٥ - ١٥٦). ومادة الفصل كلها مأخوذة فيه من «مفردات ابن البيطار» (٢/ ٤١ - ٤٢)، وقد أحال عليه بعد ذكر خاصيته في النفع من الجذام.
(٤) تكملته: «سكَّن أوجاعَه» كما سبق في الفصل الماضي، وكما في مصدر النقل (ص ١٥٥) و«الأربعين الطبية» للموفق (ص ١٢٠).
(٥) السُّلَاق: بَثْر يخرج على أصل اللسان، ويقال: تقشُّر في أصول الأسنان. انظر: «الصحاح» (سلق) و«بحر الجواهر» (ص ١٦٢).
(٦) القُلَاع: بثرات تكون في جلدة الفم واللسان. انظر: «بحر الجواهر» (ص ٢٣٨).
(٧) قال أبو حنيفة: هو صمغ شجرة يؤتى به من جزيرة سُقُطْرَى، يداوى به الجراحات، وهو الأيدَع عند الرواة، ويقال له: الشَّيَّان أيضًا. انظر: «مفردات ابن البيطار» (٢/ ٩٦) و«الصيدنة» (ص ٢٧٢).
[ ٤ / ١٢٣ ]
الشَّمع المصفَّى ودهن الورد ينفع من أوجاع الجنب.
ومن خواصِّه: أنَّه إذا بدأ الجُدَريُّ يخرج بصبيٍّ، فخُضِبت أسافل رجليه بحنَّاءٍ، فإنَّه يؤمَن على عينيه أن يخرج فيها شيءٌ منه. وهذا صحيحٌ مجرَّبٌ لا شكَّ فيه. وإذا جُعِل نَورُه بين طيِّ ثياب الصُّوف طيَّبَها ومنَع السُّوسَ عنها. وإذا نُقِع ورقه في ماءٍ عذبٍ يغمُره، ثمَّ عُصِرَ وشُرِب من صفوه أربعون (^١) درهمًا كلَّ يومٍ ــ عشرين يومًا (^٢) ــ مع عشرة دراهم سكَّرٍ ويُغذَّى (^٣) عليه بلحم الضَّأن الصَّغير، فإنَّه ينفع من ابتداء الجذام بخاصِّيَّةٍ فيه عجيبةٍ.
وحكي أنَّ رجلًا تعقَّفت أظافيرُ أصابع يديه، وأنَّه بذل لمن يبرئه مالًا فلم يجد، فوصفت له امرأةٌ أن يشرب عشرة أيَّامٍ (^٤) حنَّاء، فلم يُقْدِم عليه. ثمَّ نقعه بماءٍ وشربه، فبرأ، ورجعت أظافيره إلى حسنها.
_________________
(١) س، حط: «أربعين»، يعني: «وشَرِبَ من صفوه».
(٢) في الطبعة الهندية وغيرها: «وشب من صفوه أربعين يومًا كلَّ يوم عشرين درهمًا»، والصواب ما أثبت من النسخ. وفي كتاب الحموي: «وشرب من صفوه عشرين يومًا، كلَّ يوم وزن أربعون درهمًا مع عشرة دراهم سكر». فلمَّا تصرَّف ابن القيم في سياق الكلام أشكل على ناسخ فغيَّر كما شاء. ومصدر الحموي «مفردات ابن البيطار»، وفيه: «وشرب من صفوها عشرين يومًا، في كل يوم وزن أربع أواقٍ، وأوقية سكر». والأوقية: عشرة دراهم.
(٣) هكذا في حط، وفي غيرها: «تغدَّى». وفي كتاب الحموي و«المفردات»: «ويتغذى».
(٤) كذا في النسخ وكتاب الحموي. وفي مصدره «مفردات ابن البيطار»: «عشرة دراهم». والحكاية حكاها ابن رضوان، قال: أخبرني من أثق به. ولعل ذلك في كتابه في الأدوية المفردة. وكانت وفاته سنة ٤٥٣ في مصر. انظر ترجمته في «عيون الأنباء» (٣/ ١٦٤).
[ ٤ / ١٢٤ ]
والحنَّاء إذا ألزمت به الأظفار معجونًا حسَّنها ونفَعها. وإذا عُجِن بالسَّمْن وضُمِّد به بقايا الأورام الحارَّة الَّتي ترشَح ماءً أصفر نفعَها، ونفَع من الجرَب المتقرِّح المُزْمِن منفعةً بليغةً. وهو يُنبت الشَّعرَ ويقوِّيه ويحسِّنه، ويقوِّي الرَّأس، وينفع من النَّفَّاطات (^١) والبثور العارضة في السَّاقين والرِّجلين وسائر البدن.
فصل
في هديه - ﷺ - في معالجة المرضى بترك إعطائهم ما يَكرهونه من الطَّعام والشَّراب وأنَّهم لا يُكرَهون على تناولهما
روى الترمذي في «جامعه» وابن ماجه (^٢) عن عُقْبة بن عامرٍ الجهنيِّ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا تُكْرِهُوا مرضاكم على الطَّعام والشَّراب، فإنَّ الله ﷿ يُطعِمهم ويسقيهم».
قال بعض فضلاء الأطبَّاء (^٣): ما أغزر فوائد هذه الكلمة النَّبويَّة
_________________
(١) هي البثور المملوءة ماءً، وانظر: «بحر الجواهر» (ص ٢٩٠).
(٢) «جامع التِّرمذيِّ» (٢٠٤٠)، «سنن ابن ماجه» (٣٤٤٤). وأخرجه أيضًا أبو يعلى (١٧٤١)، والطَّبراني في «الكبير» (١٧/ ٢٩٣) و«الأوسط» (٦٢٧٢) والحاكم (١/ ٣٤٩). قال التِّرمذيُّ: «هذا حديثٌ حسنٌ غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه». وله شواهد، وقد حسَّنه ابن حجر في «نتائج الأفكار» (٤/ ٢٣٨)، والألباني في «السِّلسلة الصَّحيحة» (٧٢٧).
(٣) يعني: ابن طرخان الحموي. وهذه الفقرة والفقرات الثلاث التاليات التي بدأها بلفظ «اعلم» كلها منقولة من كتابه (ص ١١٢ - ١١٣). ثم هذه الفقرة أخذها الحموي من «الأربعين الطبية» لعبد اللطيف البغدادي (ص ١٠١) والفقرات الأخرى أيضًا بناها على كلامه، وفصَّل، وزاد.
[ ٤ / ١٢٥ ]
المشتملة على حكمٍ إلهيَّةٍ، لا سيَّما للأطبَّاء ولمن يعالج المرضى (^١). وذلك أنَّ المريض إذا عافَ الطَّعامَ أو الشَّرابَ، فذلك لاشتغال الطَّبيعة بمجاهدة المرض، أو لسقوط شهوته أو نقصانها لضعف الحرارة الغريزيَّة أو خمودها (^٢). وكيفما كان فلا يجوز حينئذٍ إعطاء (^٣) الغذاء في هذه الحال.
واعلم أنَّ الجوع إنَّما هو طلب الأعضاء للغذاء لِتُخْلِفَ الطَّبيعةُ به عليها عوضَ ما تحلَّلَ منها، فتجذبُ الأعضاء القصوى من الأعضاء الدُّنيا حتَّى ينتهي الجذبُ إلى المعِدة، فيحسُّ الإنسان بالجوع، فيطلب الغذاء. فإذا وُجِد المرض اشتغلت الطَّبيعة بمادَّته وإنضاجها وإخراجها عن طلب الغذاء أو الشَّراب. فإذا أُكرِه المريض على استعمال شيءٍ من ذلك تعطَّلت به الطَّبيعة عن فعلها، واشتغلت بهضمه وتدبيره عن إنضاج مادَّة المرض ودفعه، فيكون ذلك سببًا لضرر المريض، ولا سيَّما في أوقات البَحارين (^٤) أو ضعفِ الحارِّ الغريزيِّ أو خموده، فيكون ذلك زيادةً في البليَّة وتعجيل النَّازلة المتوقَّعة. ولا ينبغي أن يستعمل في هذا الوقت والحال إلا ما يَحفظ عليه قوَّتَه ويقوِّيها، من غير إشغال (^٥) مزعجٍ للطَّبيعة البتَّة. وذلك يكون بما لطُف قِوامُه من الأشربة
_________________
(١) الحموي: «للأطباء ولخدم المرضى».
(٢) س، ن: «جمودها»، تصحيف.
(٣) س: «إعطاؤه»، وكذا في «الأربعين الطبية».
(٤) جمع البُحران، وقد سبق تفسيره (ص ٤٠).
(٥) في ف بالعين المهملة المفتوحة، ولعله تصحيف ما أثبت من مخطوطة كتاب الحموي. وفي النسخ الأخرى ما عدا حط، ن: «اشتغال». وفي حط، ن: «استعمال»، وكذا في النسخ المطبوعة، وهذا تصحيف.
[ ٤ / ١٢٦ ]
والأغذية واعتدل مزاجُه كشراب النَّوفَر (^١) والتُّفَّاح والورد الطَّريِّ وما أشبه ذلك، ومن الأغذية أمْراق الفراريج المعتدلة (^٢)
المطيَّبة (^٣) فقط. وإنعاش قواه بالأراييح العطِرة الموافقة والأخبار السَّارَّة، فإنَّ الطَّبيب خادم الطَّبيعة ومُعِينها لا مُعِيقها.
واعلم أنَّ الدَّم الجيِّد هو المغذِّي للبدن، وأنَّ البلغم دمٌ فِجٌّ قد نضِج بعضَ النُّضج، فإذا كان بعض المرضى في بدنه بلغمٌ كثيرٌ وعَدِمَ الغذاءَ عطَفت الطَّبيعةُ عليه، وطبخته وأنضجته، وصيَّرته دمًا، وغذَّت به الأعضاءَ، واكتفت به عمَّا سواه، والطَّبيعة هي القوَّة الَّتي وكلها الله سبحانه بتدبير البدن وحفظه وصحَّته وحراسته مدَّة حياته.
واعلم أنَّه قد يحتاج في النُّدرة (^٤) إلى إجبار المريض على الطَّعام والشَّراب، وذلك في الأمراض الَّتي يكون معها اختلاط العقل (^٥). وعلى هذا فيكون الحديث من العامِّ المخصوص، أو من المطلق الذي قد دلَّ على
_________________
(١) حط، ن: «اللينوفر»، وكذا في طبعة عبد اللطيف وما بعدها. وفي الهندية: «النيلوفر». في «المصباح المنير» أنه بكسر النون وضم اللام، ومنهم من يفتح النون مع ضمِّ اللام. وضبطه صاحب «التاج» (١٤/ ٢٧٢) بفتح النون واللام والفاء، وقال: ويقوله العوامُّ: «النَّوفَر» كجَوهر. وهذا هو الوارد في معظم النسخ ومخطوطة الأحمدية من كتاب الحموي كما ذكر ناشره. وفي نسخة راغب باشا (٢٥/أ): «النيلوفر».
(٢) هي صفة الأمراق. وفي مخطوطة كتاب الحموي: «المعدَّلة»، وهو أشبه ..
(٣) ث: «الطيبة»، وكذا في طبعة عبد اللطيف وما بعدها. وفي حط، ن: «الطبيعة»، وكذا في الهندية. وكلاهما تصحيف.
(٤) د، ل، ز: «البدرة»، وفي س: «البدن»، وكلاهما تصحيف.
(٥) هنا انتهى النقل من كتاب الحموي.
[ ٤ / ١٢٧ ]
تقييده دليلٌ. ومعنى الحديث أنَّ المريض قد يعيش بلا غذاءٍ أيَّامًا لا يعيش الصَّحيحُ في مثلها (^١).
وفي قوله - ﷺ -: «فإنَّ الله يطعمهم ويسقيهم» معنًى لطيفٌ زائدٌ على ما ذكره الأطبَّاء، لا يعرفه إلا من له عنايةٌ بأحكام القلوب والأرواح، وتأثيرِها في طبيعة البدن وانفعالِ الطَّبيعة عنها، كما تنفعل هي كثيرًا عن الطَّبيعة. ونحن نشير إليه إشارةً، فنقول:
النَّفس إذا حصل لها ما يشغلها من محبوبٍ أو مكروهٍ أو مخُوفٍ اشتغلت به عن طلب الغذاء والشَّراب، فلا تحسُّ بجوعٍ ولا عطشٍ، بل ولا حرٍّ ولا بردٍ، بل تشتغل به عن الإحساس بالمؤلم الشَّديد الألم فلا تحسُّ به. وما من أحدٍ إلا وقد وجد في نفسه ذلك أو شيئًا منه. وإذا اشتغلت النَّفس بما دهَمَها وورد عليها لم تحسَّ بألم الجوع.
فإن كان الوارد مفرِّحًا قويَّ التَّفريح قام لها مقامَ الغذاء، فشبِعت به، وانتعشت قواها وتضاعفت، وجرت الدَّمويَّةُ في الجسد حتَّى تظهر في سطحه، فيشرق وجهه، وتظهر دمويَّتُه. فإنَّ الفرح يوجب انبساطَ دم القلب، فينبعث في العروق فتمتلئ به، فلا تطلب الأعضاءُ (^٢) معلومَها (^٣) من الغذاء المعتاد،
_________________
(١) وللموفق عبد اللطيف البغدادي كلام نفيس على قول النبي - ﷺ -: «إذا اشتهى مريض أحدكم شيئًا فليطعمه» أخرجه ابن ماجه (١٤٣٩) من حديث ابن عباس. انظر: «الأربعين الطبية» (ص ١٠٢ - ١٠٣).
(٢) «يوجب الانبساط الأعضاء» ساقط من د.
(٣) لم تعجب كلمة «معلوم» الشيخ الفقي، فأثبت «حظَّها»، وقلَّدته طبعة الرسالة دون أصلها.
[ ٤ / ١٢٨ ]
لاشتغالها بما هو أحبُّ إليها وإلى الطَّبيعة منه. والطَّبيعةُ إذا ظفرت بما تحبُّ آثرته على ما هو دونه.
وإن كان الوارد مؤلمًا أو محزنًا أو مخوفًا اشتغلت بمحاربته ومقاومته ومدافعته عن طلب الغذاء، فهي في حال حربها في شُغُلٍ عن طلب الطَّعام والشَّراب. فإن ظفرت في هذا الحرب انتعشت قواها وأخلفت عليها نظيرَ ما فاتها من قوَّة الطَّعام والشَّراب. وإن كانت مغلوبةً مقهورةً انحطَّ من (^١) قواها بحسب ما حصل لها من ذلك. وإن كانت الحرب بينها وبين هذا العدوِّ سِجالًا فالقوَّةُ تظهر تارةً، وتختفي أخرى (^٢). وبالجملة فالحرب بينهما على مثال الحرب الخارج بين العدوَّين المتقاتلين (^٣)، والنَّصرُ للغالب. والمغلوب إمَّا قتيل وإمَّا جريح وإمَّا أسير.
فالمريض له مددٌ من الله يغذِّيه به، زائدٌ (^٤) على ما ذكره الأطبَّاء من تغذيته بالدَّم. وهذا المدد بحسب ضعفه وانكساره وانطراحه بين يدي ربِّه ﷿، فيحصل له من ذلك ما يوجب له قربًا من ربِّه، فإنَّ العبد أقرب ما يكون من ربِّه إذا انكسر قلبُه (^٥)، ورحمة ربِّه قريبٌ منه. فإن كان وليًّا له
_________________
(١) «من» ساقطة من ن. ومن هنا أثبت بعض النسخ: «انحطَّت قواها» كما في الطبعة الهندية وغيرها.
(٢) س: «تختفي تارةً وتظهر أخرى».
(٣) د، ث، حط: «المتقابلين»، وكذا في الطبعة الهندية. وفي ن كما أثبت. وفي النسخ الأخرى أهمل إعجام الكلمة.
(٤) ل: «زائدًا»، وكذا في النسخ المطبوعة.
(٥) بعده في ف، د بياض يسع كلمة أو كلمتين، ولا بياض في غيرهما.
[ ٤ / ١٢٩ ]
حصل له من الأغذية القلبيَّة ما تقوى به قوى طبيعته، وتنتعش به قواه أعظم من قوَّتها وانتعاشها بالأغذية البدنيَّة. وكلَّما قوي إيمانُه وحبُّه لربِّه وأنسُه به وفرحُه به، وقوي يقينه بربِّه، واشتدَّ شوقه إليه ورضاه به وعنه= وجد في نفسه من هذه القوَّة ما لا يعبَّر عنه، ولا يدركه وصفُ طبيبٍ، ولا يناله علمُه.
ومن غلُظ طبعُه وكثُفت نفسُه عن فهم هذا والتَّصديق به، فلينظر حال كثيرٍ من عشَّاق الصُّور الذين قد امتلأت قلوبهم بحبِّ ما يعشقونه من صورةٍ أو جاهٍ أو مالٍ أو علمٍ. وقد شاهد النَّاس من هذا عجائبَ في أنفسهم وفي غيرهم.
وقد ثبت في الصَّحيح عن النَّبيِّ - ﷺ - أنَّه كان يواصل في الصِّيام الأيَّامَ ذواتِ العدد، وينهى أصحابه عن الوصال، ويقول: «لست كهيئتكم، إنِّي أظَلُّ يُطعمني ربِّي ويسقيني» (^١). ومعلومٌ أنَّ هذا الطَّعام والشَّراب ليس هو الطَّعام الذي يأكله الإنسان بفمه، وإلَّا لم يكن مواصلًا، ولم يتحقَّق الفرق، بل لم يكن صائمًا، فإنَّه قال: «أظَلُّ يُطعمني ربِّي ويسقيني».
وأيضًا فإنَّه فرَّق بينه وبينهم في نفس الوصال، وأنَّه يقدر منه على ما لا يقدرون عليه. فلو كان يأكل ويشرب بفمه لم يقل: «لستُ كهيئتكم». وإنَّما فهِمَ هذا من الحديث مَن قلَّ نصيبُه من غذاء الأرواح والقلوب وتأثيرِه في القوَّة وإنعاشها واعتنائها (^٢) به فوق تأثير الغذاء الجسمانيِّ. والله الموفِّق.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٧٢٤١) ومسلم (١١٠٤) من حديث أنس - ﵁ -. ولفظ «لست كهيئتكم» في حديث عائشة وابن عمر - ﵃ - عند البخاري (١٩٦٤، ١٩٢٢) ومسلم (١١٠٥، ١١٠٢).
(٢) هكذا في جميع النسخ. وفي النسخ المطبوعة: «واغتذائها».
[ ٤ / ١٣٠ ]
فصل
في هديه - ﷺ - في علاج العُذْرة وفي العلاج بالسَّعوط (^١)
ثبت عنه في «الصَّحيحين» (^٢) أنَّه قال: «خير ما تداويتم به: الحجامة والقُسْط البحريِّ. ولا تعذِّبوا صبيانكم بالغمز من العُذْرة».
وفي «السُّنن» و«المسند» (^٣) عنه من حديث جابر بن عبد الله قال: دخل رسول الله - ﷺ - على عائشة وعندها صبيٌّ يسيل مِنخَراه دمًا فقال: «ما هذا؟». فقالوا: به العُذْرة أو وجعٌ في رأسه. فقال: «ويلكنَّ لا تقتلن أولادكنَّ (^٤). أيُّما امرأةٍ أصاب ولدها عُذْرةٌ أو وجعٌ في رأسه فلتأخذ قُسْطًا هنديًّا فلتحُكَّه بماءٍ، ثمَّ تُسْعِطْه إيَّاه». فأمرت عائشة، فصُنِع ذلك بالصَّبيِّ، فبرأ (^٥).
_________________
(١) كتاب الحموي (ص ١٦٤، ١٧٣ - ١٧٤، ٢٧٨).
(٢) البخاري (٥٦٩٦) ومسلم (١٥٧٧) والحديث منقول من كتاب الحموي (ص ١٦٤).
(٣) «سنن النَّسائيِّ الكبرى» (٧٥٤٠)، «مسند أحمد» (١٤٣٨٥). وأخرجه أيضًا ابن أبي شيبة (٢٣٤٣٧)، والبزَّار (٣٠٢٤ ــ كشف الأستار)، وأبو يعلى (١٩١٢، ٢٠٠٩، ٢٢٨٠)، وأبو نعيم في «الطِّبِّ النَّبويِّ» (٢٤٧، ٢٤٨، ٣٤٠ - ٣٤٣)، وغيرهم. وصحَّحه الحاكم (٤/ ٢٠٥، ٢٠٦، ٤٠٦)، والضِّياء المقدسيُّ في «الأمراض والكفَّارات» (٥٤)، وحسَّن إسناده ابن الملقِّن في «التَّوضيح» (٢٧/ ٣٧٠)، والبوصيريُّ في «الإتحاف» (٤/ ٤٤٧)، وابن حجر في «المطالب العالية» (٢٤٤١). وفي الباب عن أنس وأم قيس بنت محصن وعائشة - ﵂ -.
(٤) ما عدا س، حط، ن: «أولادكم». وفي ث، ل: «ويلكم» أيضًا بضمير المخاطبين.
(٥) الحديث بهذا اللفظ منقول من كتاب الحموي (ص ١٧٤).
[ ٤ / ١٣١ ]
قال أبو عبيد (^١) عن أبي عبيدة: العُذْرة [وجعٌ] (^٢) يهيجُ في الحلق من الدَّم، فإذا عولج منه قيل: قد عذَرتَه (^٣)، فهو معذورٌ. انتهى. وقيل: العُذْرة: قُرْحةٌ تخرج فيما بين الأذن والحلق، وتعرِض للصِّبيان غالبًا (^٤).
وأمَّا نفعُ السَّعوط منها بالقُسْط المحكوك، فلأنَّ العُذْرة مادَّتها دمٌ يغلب عليه البلغم لكثرة (^٥) تولُّدِه في أبدان الصِّبيان. وفي القُسْط تجفيفٌ يشدُّ اللَّهاة ويرفعها إلى مكانها. وقد يكون نفعه في هذا الدَّاء بالخاصِّيَّة. وقد ينفع في الأدواء الحارَّة الأدويةُ (^٦) الحارَّةُ، بالذَّات تارةً، وبالعرَض أخرى. وقد ذكر
_________________
(١) في «غريب الحديث» (١/ ١٥٣).
(٢) من مصدر النقل (ص ١٧٤) و«غريب الحديث»، ليعود عليه الضمير في قوله: «عولج منه». ومن أجل هذا ضبط في طبعة الرسالة: «تهيُّج».
(٣) ما عدا س، ز: «عُذر به»، وكذا في النسخ المطبوعة، وقولُه: «عولج منه» مرشِّح له. ولكن الصواب ما أثبت، وكذا في كتاب الحموي ومصدره «غريب الحديث» وغيرهما.
(٤) لفظ الحموي: «قرحة تخرج في الخرم الذي بين الأنف والحلق تعرض للصبيان غالبًا عند طلوع العُذرة، وهي خمسة كواكب تحت الشعرى العبور، وتسمى أيضًا العذارى. وتطلع في وسط الحرِّ. والأول أشهر». وكأن الحموي أخذه من «النهاية» لابن الأثير (٣/ ١٩٨). ورواه الحربي في «غريب الحديث» (١/ ٢٦٩) عن مصعب بن عبد الله. وفيه وصف الدَّغْر.
(٥) في جميع النسخ: «لكن»، وهو تحريف ما أثبت من مصدر النقل (ص ١٧٤). ومن أجل هذا التحريف زاد الشيخ الفقي في آخر الجملة: «أكثر» لإتمام الكلام، وتبعته طبعة الرسالة.
(٦) هكذا في ث. وفي غيرها: «والأدوية» وهو خطأ. ويظهر أن بعضهم زاد الواو في ف فيما بعد. وقد تصرَّف المصنف في سياق كلام الحموي فلم يحسِن. ونص كلامه: «وقد ذكره ابن سينا ﵀ في معالجة الورد ومع ذلك فقد تنفع أدويةٌ حارَّةٌ من أدواءٍ حارَّةٍ، إما بخاصية فيها، أو بطريق العرض».
[ ٤ / ١٣٢ ]
صاحب «القانون» في معالجة سقوط اللَّهاة: القُسْط مع الشَّبِّ اليمانيِّ وبِزْر الورد (^١).
والقُسْط البحريُّ المذكور في الحديث: فهو العود الهنديُّ. وهو الأبيض منه، وهو حلوٌ، وفيه منافع عديدة. وكانوا يعالجون أولادهم بغمز اللَّهاة وبالعِلاق ــ وهو شيءٌ يعلِّقونه على الصِّبيان ــ فنهاهم - ﷺ - عن ذلك وأرشدهم إلى ما هو أنفع للأطفال وأسهل عليهم.
والسَّعوط: ما يُصَبُّ في الأنف. وقد يكون بأدويةٍ مفردةٍ ومركَّبةٍ تُدَقُّ وتُنْخَل وتُعْجَن وتجفَّف. ثمَّ تُحَكُّ (^٢) عند الحاجة، ويُسْعَط بها في أنف الإنسان وهو مستلقٍ على ظهره، وبين كتفيه ما يرفعهما لينخفضَ رأسه، فيتمكَّنَ السَّعوطُ من الوصول إلى دماغه، ويستخرجَ ما فيه من الدَّاء بالعطاس.
وقد مدح النَّبيُّ - ﷺ - التَّداوي بالسَّعوط فيما يحتاج إليه فيه، وذكر أبو داود في «سننه» (^٣) أنَّ النَّبيَّ - ﷺ - استعَطَ.
_________________
(١) ث، ن: «المر» مع تشديد الراء في ن. وفي ل: «المرء». وفي غيرها: «المرو». وهو تحريف ما أثبت من كتاب الحموي. وقد ذكر ابن سينا في فصل سقوط اللهاة (٢/ ٢٩٩): الشبّ وبزر الورد، ولكن لم أقف على ذكر القسط كما حكى الحموي.
(٢) هكذا في س، حط، ح، وهو الصواب. وفي غيرها: «تحل»، وهو تحريف.
(٣) برقم (٣٨٦٧) من حديث ابن عبَّاس - ﵄ -. والحديث أخرجه البخاري (٥٦٩١)، ومسلم (١٢٠٢)، ولكن المؤلف صادر عن كتاب الحموي (ص ٢٧٨).
[ ٤ / ١٣٣ ]
فصل
في هديه - ﷺ - في علاج المفؤود
روى أبو داود في «سننه» (^١) من حديث مجاهد عن سعد قال: مرضتُ مرضًا، فأتاني رسول الله - ﷺ - يعودني، فوضع يده بين ثدييَّ حتَّى وجدتُ بردَها على فؤادي، وقال لي: «إنَّك رجلٌ مفؤودٌ، فأتِ الحارثَ بن كَلَدة من ثقيفٍ، فإنَّه رجلٌ يتطبَّب، فليأخذ سبعَ تمراتٍ من عَجْوة المدينة، فليجَأْهنَّ بنواهنَّ، ثمَّ ليَلُدَّك بهنَّ».
المفؤود: الذي أصيب فؤاده فهو يشتكيه، كالمبطون الذي يشتكي بطنه. واللَّدود: ما يسقاه الإنسان من أحد جانبي الفم.
وفي التَّمر خاصِّيَّةٌ عجيبةٌ لهذا الدَّاء، ولا سيَّما تمر المدينة، ولا سيَّما العَجْوة منه. وفي كونها سبعًا خاصِّيَّةٌ أخرى تُدْرَك بالوحي. وفي «الصَّحيحين» (^٢): من حديث عامر بن سعد بن أبي وقَّاصٍ عن أبيه قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من تصبَّح بسبع تمراتٍ من تمر العالية لم يضُرَّه ذلك اليومَ
_________________
(١) برقم (٣٨٧٥) وسكت عنه. وأخرجه أيضًا ابن سعد في «الطَّبقات» (٣/ ١٤٦)، والطَّبرانيُّ في «الكبير» (٦/ ٥٠)، وأبو نعيم في «الطِّب النَّبوي» (٣٧، ٣٥٩). وصحَّحه الضِّياء في «المختارة» (١٠٥٠)، والإشبيليُّ في «الأحكام الصُّغرى» (٢/ ٨٣٦ - ٨٣٧) و«الوسطى» (٤/ ٢٣١)، وتعقَّبه ابن القطَّان في «الوهم والإيهام» (٢/ ٥٥٩، ٥٦٠) بأنَّ مجاهدًا لم يسمع من سعدٍ، فالإسناد منقطع. وينظر: «الأحاديث الواردة في فضائل المدينة» (٣٧٣).
(٢) البخاري (٥٤٤٥) ومسلم (٢٠٤٧)، وفي كليهما: « تمرات عجوة». و«من تمر العالية» زيادة في رواية أبي ضمرة كما في «الفتح» (١٠/ ٢٣٩). والنقل من كتاب الحموي (ص ١٨٦).
[ ٤ / ١٣٤ ]
من خواص التمر ومنافعه
سَمٌّ ولا سحرٌ».
وفي لفظٍ (^١): «من أكل سبع تمراتٍ ممَّا بين لابتيها حين يصبح لم يضرَّه سَمٌّ حتَّى يمسي».
والتَّمر حارٌّ في الثَّانية، يابسٌ في الأولى. وقيل: رطبٌ فيها. وقيل: معتدلٌ. وهو غذاءٌ فاضلٌ حافظٌ للصِّحَّة لا سيَّما لمن اعتاد الغذاء به كأهل المدينة وغيرهم. وهو من أفضل الأغذية في البلاد الباردة والحارَّة الَّتي حرارتها في الدَّرجة الثَّانية، وهو لهم أنفع منه لأهل البلاد الباردة، لبرودة بواطن (^٢) سكَّانها وحرارة بواطن سكَّان البلاد الباردة (^٣). ولذلك يُكثِر أهلُ الحجاز واليمن والطَّائف وما يليهم من البلاد المشابهة لها من الأغذية الحارَّة ما لا يتأتَّى لغيرهم كالتَّمر والعسل (^٤).
وشاهدناهم يضعون في أطعمتهم من الفُلْفُل والزَّنجبيل فوق ما يضعه غيرُهم نحو عشرة أضعافٍ أو أكثر. ويأكلون الزَّنجبيل كما يأكل غيرُهم الحلواء (^٥). ولقد شاهدتُ من يتنقَّل به منهم كما يتنقَّل بالنقْل، ويوافقهم ذلك ولا يضرُّهم لبرودة أجوافهم وخروج الحرارة إلى ظاهر الجسد، كما نشاهد مياه الآبار تبرُد في الصَّيف وتسخُن في الشِّتاء. وكذلك تُنضِج المعدة من الأغذية الغليظة في الشِّتاء ما لا تُنضِجه في الصَّيف.
_________________
(١) عند مسلم (٢٠٤٧).
(٢) في ز: «بطون» هنا وفيما بعد.
(٣) العبارة: «لبرودة بواطن الباردة» ساقطة من د لانتقال النظر.
(٤) انظر: كتاب الحموي (ص ١٨٦ - ١٨٧).
(٥) في الأصل (ف) مدَّة على الألف. وفي ل، ن بالألف المقصورة، وفي حط: «الحلو».
[ ٤ / ١٣٥ ]
فائدة في عدد السبع في القدر والشرع واعتناء الأطباء به
وأمَّا أهل المدينة، فالتَّمر لهم يكاد أن يكون بمنزلة الحنطة لغيرهم، وهو قوتهم ومادَّتهم. وتمر العالية من أجود أصناف تمرهم، فإنَّه متين الجسم لذيذ الطَّعم صادق الحلاوة.
والتَّمر يدخل في الأدوية والأغذية والفاكهة. وهو يوافق أكثر الأبدان، مقوٍّ للحارِّ الغريزيِّ، ولا يتولَّد عنه من الفضلات الرَّديئة ما يتولَّد عن غيره من الأغذية والفاكهة؛ بل يمنع لمن اعتاده من تعفُّن الأخلاط وفسادها.
وهذا الحديث من الخطاب الذي أريد به الخاصُّ كأهل المدينة ومن جاورهم. ولا ريب أنَّ للأمكنة اختصاصًا بنفع كثيرٍ من الأدوية في ذلك المكان دون غيره، فيكون الدَّواءُ الذي ينبت (^١) في هذا المكان نافعًا من الدَّاء، ولا يوجد فيه ذلك النَّفع إذا نبت في مكانٍ غيره، لتأثير نفس التُّربة أو الهواء أو هما (^٢) جميعًا؛ فإنَّ في الأرض خواصَّ وطبائعَ يقارب اختلافها اختلافَ طبائع الإنسان. وكثيرٌ من النَّبات يكون في بعض البلاد غذاءً مأكولًا، وفي بعضها سَمًّا قاتلًا. وربَّ أدويةٍ لقومٍ أغذيةٌ لآخرين، وأدويةٍ لقومٍ من أمراضٍ هي أدويةٌ لآخرين في أمراضٍ سواها، وأدويةٍ لأهل بلدٍ لا تناسب غيرهم ولا تنفعهم (^٣).
وأمَّا خاصِّيَّة السَّبع فإنَّها قد وقعت قدرًا وشرعًا. فخلق الله ﷿
_________________
(١) ل: «نبت». ث: «ثبت». وكأن في ف: «يثبت». وفي ن: «قد ينبت» وكذا في النسخ المطبوعة.
(٢) كذا في جميع النسخ الخطية والمطبوعة. والصواب في العربية أن يقال: «أو لتأثيرهما». ولو قال: «أو كليهما» لاستقام الكلام.
(٣) انظر: كتاب الحموي (ص ١٨٧ - ١٨٨).
[ ٤ / ١٣٦ ]
السّماوات سبعًا، والأرض (^١) سبعًا، والأيَّام سبعًا. والإنسان كمل خلقه في سبعة أطوارٍ. وشرع الله سبحانه لعباده الطَّواف سبعًا، والسَّعي بين الصَّفا والمروة سبعًا، ورمي الجمار سبعًا سبعًا (^٢). وتكبيرات العيدين سبعٌ (^٣) في الأولى.
وقال - ﷺ -: «مروهم بالصَّلاة لسبعٍ» (^٤). وإذا صار للغلام سبع سنين خُيِّر بين أبويه في روايةٍ. وفي أخرى (^٥): أبوه أحقُّ به من أمِّه. وفي ثالثةٍ: أمُّه أحقُّ به (^٦).
وأمرَ النَّبيُّ - ﷺ - في مرضه أن يُصَبَّ عليه من سبع قِرَبٍ (^٧). وسخَّر الله الرِّيح على قوم عادٍ سبعَ ليالٍ. ودعا النَّبيُّ - ﷺ - أن يعينه الله على قومه بسبعٍ
_________________
(١) حط، ن: «الأرضين»، وكذا في النسخ المطبوعة.
(٢) في د، ز، ل، حط: «سبعًا» مرة واحدة.
(٣) ز، س، ل: «سبعًا»، وكذا في النسخ المطبوعة.
(٤) ورد عن عددٍ من الصَّحابة، أجودُها ــ كما قال ابن رجب في «الفتح» (٨/ ٢٠) ــ حديث سَبرةَ بن مَعبد الجهنيِّ - ﵁ -، أخرجه أبو داود (٤٩٤)، والتِّرمذي (٤٠٧)، وأحمد (١٥٣٣٩). قال التِّرمذي: «حديث حسن صحيح»، وصحَّحه ابن الجارود (١٤٧)، وابن خزيمة (١٠٠٢)، والحاكم (١/ ٢٥٨)، والبيهقيُّ كما في «مختصر الخلافيَّات» (١/ ٣٣٥)، وهو في «صحيح سنن أبي داود» (٥٠٨)، وينظر: «الإرواء» (٢٤٧). وثبت أيضًا من حديث عبد الله بن عمرو، ورُوي من حديث أبي هريرة وأنس - ﵃ -.
(٥) ما عدا ف، د: «رواية أخرى»، وكذا في النسخ المطبوعة.
(٦) سيأتي في أول المجلد السادس كلام مفصَّل للمصنف على هذه المسألة.
(٧) أخرجه البخاري (١٩٨) من حديث عائشة - ﵂ -.
[ ٤ / ١٣٧ ]
كسبعِ يوسف (^١). ومثَّل الله سبحانه ما يضاعِف به صدقةَ المتصدِّق بحبَّةٍ أنبتت سبع سنابل، في كلِّ سنبلةٍ مائة حبَّةٍ، والسَّنابلَ الَّتي رآها صاحبُ يوسف سبعًا، والسِّنينَ الَّتي زرعوها دأبًا سبعًا. وتضاعف الصَّدقة إلى سبعمائة ضعفٍ إلى أضعافٍ كثيرةٍ. ويدخل الجنَّة من هذه الأمَّة بغير حسابٍ سبعون ألفًا (^٢).
فلا ريب أنَّ لهذا العدد خاصِّيَّةً ليست لغيره. والسَّبعة جمعت معاني العدد كلِّه وخواصَّه، فإنَّ العدد شفعٌ ووترٌ، والشَّفع أوَّل وثانٍ؛ والوتر كذلك. فهذه أربع مراتب: شفعٌ أوَّل وثانٍ. ووترٌ أوَّل وثانٍ. ولا تجتمع هذه المراتب في (^٣) أقلَّ من سبعةٍ. وهي عددٌ كاملٌ جامعٌ لمراتب العدد الأربعة أعني: الشَّفع والوتر، والأوائل والثَّواني. ونعني بالوتر الأوَّل الثَّلاثة، وبالثَّاني الخمسة، وبالشَّفع الأوَّل الاثنين، وبالثَّاني الأربعة (^٤).
وللأطبَّاء اعتناءٌ عظيمٌ بالسَّبعة، ولا سيَّما في البَحَارين (^٥). وقد قال أبقراط: كلُّ شيءٍ من هذا العالم فهو مقدَّر على سبعة أجزاء. والنُّجوم سبعةٌ (^٦)، والأيَّام سبعةٌ، وأسنان النَّاس سبعةٌ. أوَّلها طفلٌ إلى سبعٍ، ثمَّ صبيٌّ إلى أربع عشرة، ثمَّ
_________________
(١) أخرجه البخاري (٤٦٩٣) من حديث ابن مسعود - ﵁ -.
(٢) سبق تخريجه.
(٣) د، س، ز، ث: «من».
(٤) انظر: «رسائل إخوان الصفاء» ــ طبعة بمبئي (١/ ٣٠ - ٣١)، ومنها نقل الحموي (ص ١٨٩ - ١٩٠).
(٥) انظر: «القانون» (٣/ ١٤٨). والبحارين جمع البُحران، وقد سبق تفسيره.
(٦) بعده في ز: «والأفلاك سبعة».
[ ٤ / ١٣٨ ]
شابٌّ، ثمَّ كهلٌ، ثمَّ شيخٌ، ثمَّ هَرِمٌ إلى منتهى العمر (^١). والله تعالى أعلم بحكمته وشرعه وقدره في تخصيص هذا العدد، هل هو لهذا المعنى أو لغيره؟
ونفعُ هذا العدد من هذا التَّمر من هذا البلد من هذه البقعة بعينها من السَّمِّ والسِّحر بحيث يمنع إصابتَه: من الخواصِّ الَّتي لو قالها أبقراط (^٢) وجالينوس وغيرهما من الأطبَّاء لتلقَّاها عنهم الأطبَّاء بالقبول والإذعان والانقياد، مع أنَّ القائل إنَّما معه الحدس والتَّخمين والظَّنُّ. فمَن كلامُه كلُّه يقينٌ وقطعٌ وبرهانٌ ووحيٌ أولى أن تُتَلقَّى أقوالُه بالقبول والتَّسليم وترك الاعتراض. وأدوية السُّموم تارةً تكون بالكيفيَّة، وتارةً تكون بالخاصِّيَّة كخواصِّ كثيرٍ من الأحجار والجواهر واليواقيت (^٣). والله أعلم.
فصل
ويجوز نفع التَّمر المذكور في بعض السُّموم، فيكون الحديث من العامِّ المخصوص. ويجوز نفعه بخاصِّيِّة تلك البلد (^٤) وتلك التُّربة الخاصَّة من كلِّ سمٍّ.
_________________
(١) كذا في جميع النسخ، والأسنان المذكورة ستة فقط، وجاء في الطبعة الهندية وغيرها بعد «أربع عشرة»: «ثم مراهق». ولعل الزيادة كانت في النسخة التي اعتمدت عليها الطبعة الهندية. وفي «تكملة المجموع شرح المهذب» (١٥/ ٤٦٦): « إلى السابعة طفل، ثم إلى العاشرة صبي، ثم إلى الخامسة عشرة يافع، ثم على الثلاثين شاب أو فتى» ثم ذكر الكهل والشيخ والهرم. ويتبين من هذا أن الفائت في النص ذكر اليافع. ولم أقف على مصدر المؤلف فيما نقله.
(٢) ف، ن: «بقراط».
(٣) انظر هذا المعنى في كتاب الحموي (ص ١٨٧).
(٤) يعني المدينة أو الأرض. وفي س، ث، ل: «البلدة».
[ ٤ / ١٣٩ ]
من شرط انتفاع العليل بالدواء
ولكن هاهنا أمرٌ لا بدَّ من بيانه، وهو أنَّ من شرط انتفاع العليل بالدَّواء قبولَه واعتقادَ النَّفع به، فتقبله الطَّبيعة، فتستعين به على دفع العلَّة؛ حتَّى إنَّ كثيرًا من المعالجات تنفع بالاعتقاد وحسن القبول وكمال التَّلقِّي، وقد شاهد النَّاس من ذلك عجائب. وهذا لأنَّ الطَّبيعة يشتدُّ قبولُها له، وتفرح النَّفس به، فتنتعش القوَّة، ويقوى سلطانُ الطَّبيعة، وينبعث الحارُّ الغريزيّ، فيتساعد (^١) على دفع المؤذي. وبالعكس يكون كثيرٌ من الأدوية نافعًا لتلك العلَّة، فيقطع عملَه سوءُ اعتقاد العليل فيه وعدمُ أخذ الطَّبيعة له بالقبول، فلا يجدي عليها شيئًا.
واعتبِرْ هذا بأعظم الأدوية والأشفية، وأنفعِها للقلوب والأبدان والمعاش والمعاد والدُّنيا والآخرة، وهو القرآن الذي هو شفاءٌ من كلِّ داءٍ: كيف لا ينفع القلوبَ الَّتي لا تعتقد فيه الشِّفاءَ والنَّفعَ، بل لا يزيدها إلا مرضًا إلى مرضها! وليس لشفاء القلوب قطُّ دواءٌ (^٢) أنفعُ من القرآن، فإنَّه شفاؤها التَّامُّ الكامل الذي لا يغادر فيها سقمًا إلا أبرأه، ويحفظ عليها صحَّتها المطلقة (^٣)، ويحميها الحِمْيَةَ التَّامَّة من كلِّ مؤذٍ ومضرٍّ. ومع هذا فإعراضُ أكثر القلوب عنه، وعدمُ اعتقادها الجازم الذي لا ريب فيه أنَّه كذلك، وعدمُ استعماله، والعدولُ إلى الأدوية الَّتي ركَّبها بنو جنسها= حال بينها وبين الشِّفاء به. وغلبت العوائد، واشتدَّ الإعراض، وتمكَّنت العلل والأدواء
_________________
(١) كذا في الأصل وغيره. وفي حط: «تتساعد». وفي ن: «يساعد»، وكذا في النسخ المطبوعة.
(٢) ن: «دواء قط» وكذا في النسخ المطبوعة.
(٣) ز: «المعطلة»، تحريف.
[ ٤ / ١٤٠ ]
المزمنة من القلوب، وتربَّى المرضى والأطبَّاء على علاج بني جنسهم وما وضعه لهم شيوخهم ومن يعظِّمونه ويحسنون به ظنونهم، فعظُم المصاب، واستحكم الدَّاء، وتركَّبت أمراضٌ وعللٌ أعيا عليهم علاجها. وكلَّما عالجوها بتلك العلاجات الحادثة تفاقم أمرُها وقويت، ولسان الحال ينادي عليهم (^١):
ومن العجائب والعجائب جَمَّةٌ قربُ الشِّفاء وما إليه وصولُ
كالعِيس في البيداء يقتلها الظَّما والماءُ فوق ظهورها محمولُ (^٢)
فصل
في هديه - ﷺ - في دفع ضرر الأغذية والفاكهة وإصلاحها بما يدفع ضررها ويقوِّي نفعها (^٣)
ثبت في «الصَّحيحين» (^٤) من حديث عبد الله بن جعفر قال: رأيتُ رسول الله - ﷺ - يأكل الرُّطَب بالقثَّاء.
_________________
(١) ورد البيتان هكذا في «حياة الحيوان» للدميري (٣/ ٢٥٠) وفيه: «قرب الحبيب»، والظاهر أن المؤلف تصرَّف فيه للمناسبة. والبيت الثاني من قصيدة لأبي العلاء في «سقط الزند»، ورواية الصدر فيه: والعِيسُ أقتَلُ ما يكون لها الصَّدى. انظر: «شروح سقط الزند» (٢/ ٨٨٠) ولعل بعضهم ضمَّنه في شعره بشيء من التصرُّف.
(٢) هنا انتهى المجلد الثاني من نسخة بايزيد (ز) بخط إسماعيل بن حاجي في مستهل شهر رمضان من سنة ٧٦٧.
(٣) كتاب الحموي (ص ١٩٣ - ١٩٤).
(٤) البخاري (٥٤٤٠) ومسلم (٢٠٤٣).
[ ٤ / ١٤١ ]
من منافع الرطب والقثاء
الرُّطب: حارٌّ رطبٌ في الثَّانية. يقوِّي المعدة الباردة ويوافقها، ويزيد في الباءة (^١)، ولكنَّه سريع التَّعفُّن. معطِّشٌ، معكِّرٌ للدَّم، مصدِّعٌ، مولِّدٌ للسُّدد ووجع المثانة، مضرٌّ بالأسنان. والقثَّاء باردٌ رطبٌ في الثَّانية (^٢)، مسكِّنٌ للعطش، منعشٌ للقوى بشمِّه لما فيه من العطريَّة، مُطْفٍ (^٣) لحرارة المعدة الملتهبة. وإذا جفِّف بزرُه، ودُقَّ، واستُحلب بالماء، وشُرِبَ= سكَّن العطشَ، وأدرَّ البولَ، ونفَع من وجع المثانة. وإذا دُقَّ ونُخِل ودُلِك به الأسنان جلاها. وإذا دُقَّ ورقُه وعُمِل منه ضِمادٌ مع المَيْبُخْتَج (^٤) نفَع من عضَّة الكلْب الكلِب.
وبالجملة فهذا حارٌّ، وهذا باردٌ. وفي كلٍّ منهما إصلاحٌ للآخر، وإزالةٌ لأكثر ضرره، ومقاومةُ كلِّ كيفيَّةٍ بضدِّها، ودفعُ سَورتها بالأخرى. وهذا أصل العلاج كلِّه. وهو أصلٌ في حفظ الصِّحَّة، بل علم الطِّبِّ كلُّه يستفاد من هذا.
_________________
(١) ما عدا ف، ن: «الباه»، وكلاهما صحيح.
(٢) س: «الثالثة».
(٣) كذا في جميع النسخ ومخطوط كتاب الحموي (٥٢/ب). وفي مطبوعه: «ملطِّف».
(٤) هو رُبُّ العنب. قال الجوهري في تفسير «الطِّلاء»: ما طُبخ من عصير العنب حتى ذهب ثلثاه، وتسمِّيه العجم «المَيْبُخْتَج». وقد ضبط في المطبوع من «الصحاح» بفتح الباء، ولكن رأيت في عدة نسخ منه بضم الباء كما في الفارسية، والميم تفتح وتكسر. وهو مركب من «مَيْ» بمعنى العصير و«بُخْتَج» بالباء الفارسية بمعنى المطبوخ. وعرِّب بالفاء أيضًا: الميفختج. ويذكره الرازي وابن سينا على الوجهين، وإن كان الوجه الأول أكثر. وانظر: «المعتمد» للملك المظفر (ص ٥١١) والضبط فيه بفتح الباء.
[ ٤ / ١٤٢ ]
وفي استعمال ذلك وأمثاله في الأغذية والأدوية إصلاحٌ لها وتعديلٌ ودفعٌ لما فيها من الكيفيَّات المضرَّة بما يقابلها. وفي ذلك عونٌ على صحَّة البدن وقوَّته وخصبه. قالت عائشة - ﵂ -: سمَّنوني بكلِّ شيءٍ فلم أسمَنْ، فسمَّنوني بالقثَّاء والرُّطب، فسَمِنتُ (^١).
وبالجملة: فدفعُ ضرر البارد بالحارِّ، والحارِّ بالبارد، والرَّطْب باليابس، واليابس بالرَّطب، وتعديلُ أحدهما بالآخر= من أبلغ أنواع العلاجات وحفظ الصِّحَّة. ونظير هذا ما تقدَّم من أمره بالسَّنا والسَّنُّوت وهو العسل الذي فيه شيءٌ من السَّمن يُصلَح به السَّنا ويعدِّله. فصلوات الله وسلامه على من بُعِث بعمارة القلوب والأبدان وبمصالح الدُّنيا والآخرة.
فصل
في هديه - ﷺ - في الحِمْية (^٢)
الدِّين (^٣) كلُّه شيئان: حِمْيةٌ، وحفظُ صحَّة. فإذا وقع التَّخليط احتيج إلى الاستفراغ الموافق. وكذلك مدار الطِّبِّ كلِّه على هذه القواعد الثَّلاثة. والحِمْية: حِمْيتان: حميةٌ عمَّا يجلب المرض، وحميةٌ عمَّا يزيده فيقف على
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٣٩٠٣)، والنَّسائي في «الكبرى» (٦٦٩١)، وابن ماجه (٣٣٢٤)، وابن أبي عاصم في «الآحاد والمثاني» (٣٠٢٢)، والبزَّار (١٨/ ١٠٥ - ١٠٦)، وأبو يعلى (٤٥٥٨)، والطَّبراني في «الكبير» (٢٣/ ٢٧) واللَّفظ له. وفي إسناده اختلاف، وصحَّحه الحاكم (٢/ ١٨٦)، والألباني في «السلسلة الصحيحة» (١/ ١٢٣).
(٢) س: «بالحمية». و«في» ساقط من د.
(٣) في النسخ المطبوعة: «الدواء»، وهو تحريف شنيع من ناسخ أو ناشر. ولم ترجع طبعة الرسالة هنا أيضًا إلى أصلها.
[ ٤ / ١٤٣ ]
حاله. فالأولى (^١): حمية الأصحَّاء. والثَّانية: حمية المرضى، فإنَّ المريض إذا احتمى وقف مرضُه عن التَّزايد، وأخذت القوى في دفعه.
والأصل في الحمية: قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ (^٢) [النساء: ٤٣]. فحمى المريض من استعمال الماء، لأنَّه يضرُّه.
وفي «سنن ابن ماجه» (^٣) وغيره عن أمِّ المنذر بنت قيس الأنصارية قالت: دخل عليَّ رسول الله - ﷺ -، ومعه عليٌّ، وعليٌّ ناقهٌ من مرضٍ، ولنا دوالٍ (^٤) معلَّقةٌ. فقام النبي - ﷺ - يأكل منها، وقام عليٌّ يأكل منها. فطفق رسول الله - ﷺ - يقول لعلي: «إنَّك ناقهٌ» حتَّى كفَّ. قالت: وصنعتُ شعيرًا وسِلْقًا، فجئتُ به، فقال النَّبيُّ - ﷺ - لعلي: «من هذا أصِبْ، فإنَّه أنفع لك». وفي لفظٍ (^٥): فقال: «من هذا فأصِبْ، فإنَّه أوفَق لك».
_________________
(١) ف، د: «فالأول».
(٢) قوله تعالى: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ استدرك في هامش ف، ز ولم يستدرك في د.
(٣) برقم (٣٤٤٢). وأخرجه أيضًا أبو داود (٣٨٥٦)، والتِّرمذيُّ (٢٠٣٧)، وأحمد (٢٧٠٥١ - ٢٧٠٥٣). تفرَّد به فليح بن سليمان، واختُلِف عليه. وقال التِّرمذي: «هذا حديث حسن غريب»، وصحَّحه الحاكم (٤/ ٢٠٤، ٢٠٥، ٤٠٧)، وحسَّنه ابن مفلح في «الآداب الشَّرعيَّة» (٢/ ٣٤٣)، والألباني في «السِّلسلة الصَّحيحة» (٥٩).
(٤) سيأتي تفسيره في (ص ١٤٨).
(٥) للترمذي (٢٠٣٧) وغيره.
[ ٤ / ١٤٤ ]
وفي «سنن ابن ماجه» (^١) أيضًا عن صهيب قال: قدمت على النَّبيِّ - ﷺ - وبين يديه خبزٌ وتمرٌ، فقال: «ادنُ فكُلْ» فأخذتُ تمرًا، فأكلت، فقال: «أتأكل تمرًا وبك رمدٌ؟». فقلت: يا رسول الله أمضُغ من النَّاحية الأخرى. فتبسَّم رسول الله - ﷺ -.
وفي حديثٍ محفوظٍ عنه - ﷺ -: «إنَّ الله إذا أحبَّ عبدًا حماه الدُّنيا (^٢)، كما يحمي أحدكم مريضَه عن الطَّعام والشَّراب» (^٣). وفي لفظٍ: «إنَّ الله يحمي عبده المؤمن الدُّنيا (^٤)» (^٥).
_________________
(١) برقم (٣٤٤٣). وأخرجه أيضًا أحمد (١٦٥٩١، ٢٣١٨٠)، والبزَّار (٢٠٩٥)، والطَّبراني في «الكبير» (٨/ ٤١)، وأبو نعيم في «الطِّب النَّبوي» (٢٧٥، ٢٧٦، ٧٠٤). وصحَّحه الحاكم (٣/ ٣٩٩، ٤/ ٤١١)، والضِّياء في «المختارة» (٨/ ٦٨ - ٦٩)، والبوصيريُّ في «المصباح» (٤/ ٥١)، إلَّا أنَّ في إسناده اختلافًا، وفيه من لم يوثِّقه سوى ابن حبَّان، وقد ضعَّفه النَّووي في «المجموع» (٩/ ٦٤)، وحسَّنه الزَّيلعيُّ في «تخريج أحاديث الكشَّاف» (٣/ ١٤)، وابن مفلح في «الآداب الشَّرعيَّة» (٢/ ٣٤٣)، والعراقي في «المغني» (١٢٧٠).
(٢) ث: «من الدنيا»، وكذا في المطبوع.
(٣) أخرجه التِّرمذي (٢٠٣٦)، والبخاري في «التَّاريخ الكبير» (٧/ ١٨٥)، وابن أبي الدُّنيا في «الزُّهد» (٣٨)، وابن أبي عاصم في «الزُّهد» (١٩٠، ١٩١)، والطَّبري في «التَّهذيب» (١/ ٢٨٨ ــ مسند ابن عبَّاس)، وغيرهم من طريق محمود بن لَبِيد عن قتادة بن النُّعمان - ﵁ - به، وفيه: «الماء» بدل: «الطَّعام والشَّراب». واختُلف في إسنادِه، وقال التِّرمذي: «هذا حديث حسن غريب»، وصحَّحه ابن حبَّان (٦٦٩)، والحاكم (٤/ ٢٠٧، ٣٠٩)، وحسَّنه ابن مفلح في «الآداب الشَّرعيَّة» (٢/ ٣٤٣). وينظر: «العلل» لابن أبي حاتم (١٨٢٠).
(٤) ث، ل: «من الدنيا»، وكذا في المطبوع.
(٥) أخرجه التِّرمذي عقِب حديث (٢٠٣٦)، وأحمد (٢٣٦٢٢، ٢٣٦٢٧، ٢٣٦٣٢)، عن محمود بن لَبِيد - ﵁ - به. وقد جعله بعضُهم من حديث محمودٍ عن أبي سعيد الخدريِّ - ﵁ -، وبعضُهم جعله من حديثه عن عقبة بن رافع - ﵁ -، وبعضهم مِن حديثه عن رافع بن خديج - ﵁ -، وبعضهم مِن حديثه عن قتادة بن النُّعمان - ﵁ - وهو اللَّفظ السَّابق. قال التِّرمذي: «مرسل محمود بن لَبيد قد أدرك النَّبي - ﷺ -، ورآه وهو غلام صغير»، فلا يضرُّ إرساله؛ ولذا حسَّنه ابن مفلح في «الآداب الشَّرعيَّة» (٢/ ١٨١)، والله أعلم. وفي الباب عن حذيفة - ﵁ -.
[ ٤ / ١٤٥ ]
وأمَّا الحديث الدَّائر على ألسنة كثيرٍ من النَّاس: «الحمية رأس الدَّواء، والمعدة بيت الدَّاء، وعوِّدوا كلَّ جسد (^١) ما اعتاد»، فهذا الحديث إنَّما هو من كلام الحارث بن كَلَدة طبيب العرب (^٢)، ولا يصحُّ رفعه إلى النَّبيِّ - ﷺ - (^٣). قاله غير واحدٍ من أئمَّة الحديث.
_________________
(١) كان في ن: «جسم»، فأصلح.
(٢) انظر: «عيون الأنباء في طبقات الأطبَّاء» (٢/ ١٧)، وفيه: «وقيل: هو من كلام عبد الملك بن أبجر». وأخرجه أبو محمَّد الخلَّال في «كتاب الطِّب» بإسناده من قولِ عليٍّ - ﵁ - كما في «الآداب الشَّرعيَّة» (٢/ ٣٣٩)، وقال ابن مفلح أيضًا: روى الخلَّال في «كتاب الطِّب» بإسناده عن عروة ــ وفي نسخة: عمرو ــ بن سودة قال: جلس المأمون للنَّاس مجلسًا عامًّا، فكان فيمن حضَره منجَه وهنجَه طبيبَا الرُّوم والهند فأقبل المأمون على إسحاق بن راهويه فقال: ما تَرى؟ فقال: ذكر هشامُ بن عروةَ عن أبيه عن عائشة - ﵂ - أنَّ النبيَّ - ﷺ - دخل عليها وهي تشتكِي، فقال لها: «يا عائشة، الحِمية دواءٌ، والمعدة بيتُ الأدواء، وعوِّدوا بدنًا ما اعتاد». وهذا إسنادٌ ظاهِرُ الانقطاع، فإنَّ ابن راهَوَيه لم يُدرِك هشامًا، ثمَّ إنَّ راوي القصَّة لا يُدرَى من هو، ولا يُدرى حضورُه لها، ولم يُذكَر الإسناد إليه.
(٣) وكذا قال ابن رجب في «جامع العلوم والحكم» (٢/ ٤٦٩)، والسَّخاويُّ في «المقاصد الحسنة» (١٠٣٥). وعبارة ابن الجوزي في «زاد المسير» (٢/ ١١٤): «لا يثبُت». وقال الزَّيلعيُّ في «تخريج الكشَّاف» (١/ ٤٦٠): «غريب جدًّا». وقال السُّبكي في «الطَّبقات» (٦/ ٣٣٥): «لم أجِد له إسنادًا»، وكذا قال ابن حجر في «الكاف الشَّاف» (١١٠). وقال الزَّركشي في «التَّذكرة» (ص ١٤٥): «لا أصل له عن النَّبيِّ - ﷺ -»، وكذا قال العراقي في «المغني» (٢٤٩٦)، والألباني في «الضَّعيفة» (٢٥٢).
[ ٤ / ١٤٦ ]
ويذكر عن النَّبيِّ - ﷺ -: «أنَّ المعدة حوض البدن، والعروقُ إليها واردةٌ. فإذا صحَّت المعدة صدرت العروق بالصِّحَّة، وإذا سقِمت المعدة صدرت العروق بالسَّقَم» (^١).
وقال الحارث: رأس الطِّبِّ الحمية (^٢). والحمية عندهم للصَّحيح في المضرَّة بمنزلة التَّخليط للمريض والنَّاقه. وأنفع ما تكون الحمية للنَّاقه من المرض، فإنَّ طبيعته لم ترجع بعد إلى قوَّتها، والقوَّةُ الهاضمةُ ضعيفة، والطَّبيعةُ قابلة، والأعضاءُ مستعدَّة؛ فتخليطُه يوجب انتكاسًا (^٣) أصعبَ من ابتداء مرضه.
واعلم أنَّ في منع النَّبيِّ - ﷺ - لعليٍّ من الأكل من الدَّوالي وهو ناقهٌ أحسنَ
_________________
(١) أخرجه الطَّبراني في «الأوسط» (٤٣٤٣)، وتمَّام في «الفوائد» (٣٣٢)، وأبو نعيم في «الطِّب النَّبوي» (٨٥)، من حديث أبي هريرة - ﵁ -، قال العُقيلي في «الضُّعفاء» (١/ ٥١): «باطلٌ لا أصل له وهذا الكلام يُروى عن ابن أبجر»، وضعَّفه ابن حبَّان في «المجروحين» (٣/ ١٢٨)، والدَّارقطني في «العلل» (٨/ ٤٢)، والبيهقي في «الشُّعب» (٥٤١٤)، والذَّهبي في «الميزان» (١/ ٢٥)، والزَّيلعي في «تخريج أحاديث الكشَّاف» (١/ ٤٦٠)، وغيرهم، وأورده ابن الجوزي في «الموضوعات» (٢/ ٢٨٤)، وهو في «السلسلة الضعيفة» (١٦٩٢).
(٢) كتاب الحموي (ص ٣٣٦).
(٣) د، ز، حط، ن: «انتكاسها»، وكذا غُيِّر في س. ويظهر أن بعضهم زاد فيما بعد: «وهو» قبل «أصعب» لإصلاح السياق كما في هامش ن.
[ ٤ / ١٤٧ ]
التَّدبير، فإنَّ الدَّوالي أقناءٌ من الرُّطَب تُعلَّق في البيت للأكل بمنزلة عناقيد العنب، والفاكهةُ تضرُّ بالنَّاقه من المرض لسرعة استحالتها وضعفِ الطَّبيعة عن دفعها، فإنَّها بعدُ لم تتمكَّن قوَّتها، وهي مشغولةٌ بدفع آثار العلَّة وإزالتها من البدن.
وفي الرُّطب خاصَّةً نوع ثقلٍ على المعدة، فتشتغل بمعالجته وإصلاحه عمَّا هي بصدده من إزالة بقيَّة المرض وآثاره. فإمَّا أن تقف تلك البقيَّة، وإمَّا أن تتزايد. فلمَّا وُضع بين يديه السِّلق والشَّعير أمره أن يصيب منه، فإنَّه من أنفع الأغذية للنَّاقه، فإنَّ في ماء الشَّعير من التَّبريد والتَّغذية والتَّلطيف والتَّليين وتقوية الطَّبيعة ما هو أصلح للنَّاقه، ولا سيَّما إذا طُبِخ بأصول السِّلق. فهذا من أوفق الغذاء لمن في معدته ضعفٌ، ولا يتولَّد عنه من الأخلاط ما يخاف منه.
وقال زيد بن أسلم: حمى عمر مريضًا له حتَّى إنَّه من شدَّة ما حماه كان يمُصُّ النَّوى (^١).
وبالجملة: فالحمية من أكبر (^٢) الأدوية قبل الدَّاء، فتمنع حصولَه. وإذا حصل فتمنع تزايده وانتشاره.
_________________
(١) أخرجه الحاكم (٤/ ٢٠٧) من طريق مسلم بن خالد الزِّنجي، عن زيد بن أسلم، عن أبيه قال: «مرضتُ في زمان عمر بن الخطَّاب مرضًا شديدًا، فدعا لي عمرُ طبيبًا، فحماني حتَّى كنتُ أمصُّ النَّواةَ مِن شدَّة الحِميَة». وصحَّحه الذَّهبيُّ كما في «مختصر التَّلخيص» (٩٣٤)، والزِّنجي متكلم فيه ولكنه لم ينفرد به، بل تابعه عبد الله بن زيد بن أسلم عن أبيه عن جدِّه مختصرًا، كما عند حرب في «مسائله» (٢/ ٨٣٦ - رسالة جامعية).
(٢) ن: «أنفع» وكذا في النسخ المطبوعة.
[ ٤ / ١٤٨ ]
فصل
وممَّا ينبغي أن يُعلَم أنَّ كثيرًا ممَّا يُحمى عنه العليل والنَّاقه والصَّحيح، إذا اشتدَّت الشَّهوة إليه، ومالت إليه الطَّبيعة، فتناول منه الشَّيءَ اليسيرَ الذي لا تعجز الطَّبيعة عن هضمه= لم يضُرَّه تناولُه. بل ربَّما انتفع به، فإنَّ الطَّبيعة والمعدة تتلقَّيانه بالقبول والمحبَّة، فيصلحان ما يُخشى من ضرره. وقد يكون أنفع من تناول ما تكرهه الطَّبيعة وتدفعه من الدَّواء.
ولهذا أقرَّ النَّبيُّ - ﷺ - صهيبًا ــ وهو أرمد ــ على تناول التَّمرات اليسيرة، وعلِم أنَّها لا تضرُّه (^١). ومن هذا ما يروى عن عليٍّ أنَّه دخل على رسول الله - ﷺ -، وهو أرمد، وبين يدي النَّبيِّ - ﷺ - تمرٌ يأكله، فقال: «يا عليُّ، تشتهيه؟». ورمى إليه بتمرةٍ، ثمَّ بأخرى حتَّى رمى إليه سبعًا، ثمَّ قال: «حسبُك يا عليُّ» (^٢).
_________________
(١) تقدم تخريجه قريبًا.
(٢) أخرجه أبو نعيم في «الطِّب النَّبوي» (٧٠٥) من طريق العلاء، عن أبيه، عَن عليٍّ - ﵁ - به، وحسَّن إسناده السيوطيُّ في «الجامع الكبير» كما في «الكنز» (٢٨٤٧١)، لكن الرَّاوي عن العلاء: الزِّنجيُّ بن خالد ــ وهو مسلمٌ المتقدِّم ذكره ــ متكلَّمٌ فيه، قال ابن عديٍّ في «الكامل» (٦/ ٣١١): «هذا الحديث عن العلاء غير محفوظٍ». وجاء من وجه آخر مرسلًا، أخرجه ابن أبي شيبة (٢٤١٣٤) عن حفص، عن جعفر، عن أبيه قال: أُهدِي للنَّبيِّ - ﷺ - قِناعٌ من تمرٍ وعليٌّ محموم، قال: فنبذ إليه تمرةً، ثمَّ أخرى، حتَّى ناوله سبعًا، ثمَّ كفَّ يده وقال: «حسبُك». وله طريق ثالث تالفٌ، أخرجه أبو نعيم في «الحلية» (٤/ ٣٨٣) من طريق سيف بن محمَّد، عن الثَّوريِّ، عن عمرو بن مُرَّة، عن أبي البختريِّ، عن عليٍّ - ﵁ - بمعناه، وقال: «غريبٌ من حديث الثَّوريِّ، تفرَّد به سَيف»، وهو ابن أختٍ لسفيان، وقد كذَّبوه. وتقدَّم تخريج حديث أمِّ المنذر - ﵂ - في حِمية النَّبيِّ لعليٍّ - ﵁ -.
[ ٤ / ١٤٩ ]
ومن هذا ما رواه ابن ماجه في «سننه» (^١) من حديث عكرمة عن ابن عبَّاسٍ أنَّ النَّبيَّ - ﷺ - عاد رجلًا فقال له: «ما تشتهي؟» فقال: أشتهي خبزَ بُرٍّ. وفي لفظٍ: أشتهي كَعْكًا. فقال النَّبيُّ - ﷺ -: «من كان عنده خبزُ برٍّ فليبعث إلى أخيه». ثمَّ قال: «إذا اشتهى مريضُ أحدكم شيئًا فليُطعِمه».
ففي هذا الحديث سرٌّ طبِّيٌّ لطيفٌ (^٢)،
فإنَّ المريض إذا تناول ما يشتهيه عن جوعٍ صادقٍ طبيعيٍّ (^٣)، وكان فيه ضررٌ مَّا، كان أنفعَ وأقلَّ ضررًا ممَّا لا يشتهيه، وإن كان نافعًا في نفسه؛ فإنَّ صدقَ شهوته ومحبَّةَ الطَّبيعة له (^٤) تدفع
_________________
(١) (١٤٣٩، ٣٤٤٠). وأخرجه أيضًا تمَّام في «الفوائد» (٦٤١)، وأبو نعيم في «الطِّبِّ النَّبويِّ» (٧٠٢). وصحَّحه الضِّياء في «المختارة» (٢٩٩)، وحسَّن إسناده ابن مُفلح في «الآداب الشَّرعيَّة» (٢/ ٣٤٤)، والبوصيريُّ في «المصباح» (٢/ ٢٠)، لكن فيه صفوان بن هُبيرة، قال العقيليُّ في «الضُّعفاء» (٢/ ٢١٢): «لا يُتابع على حديثه، ولا يُعرف إلَّا به»؛ ولذا حكم بنكارَته أبو حاتم كما في «العِلل» لابنه (٢٤٨٨)، والذَّهبيُّ في «الميزان» (٢/ ٣١٦)، وأشار ابن حجر في «نتائج الأفكار» (٤/ ٢٣٧) إلى لينه.
(٢) هذا السرّ الطبي اللطيف مأخوذ من كتاب الحموي (ص ٢٦٦) والحموي أخذه من «الأربعين الطبية» لعبد اللطيف البغدادي (ص ١٠٢)، وقال البغدادي بعد ذلك: «وطالما رأيت وسمعت مرضى يشتهون أشياء ينكرها الطبيب، فيتناولونها على رغمه، فيعقبها الشفاء. فإذا فحص الطبيب عن علة ذلك ألفاها صحيحة مطابقة. وما ذلك إلا لعجز البشر عن اقتناء كل ما في طبيعة الأشياء. فينبغي للطبيب الكيِّس أن يجعل شهوة المريض من جملة أدلّته على طبيعته ومما يهتدي به إلى طريق علله. فسبحان المستأثر بالغيب». والمؤلف - ﵀ - لم يقف على كتاب البغدادي، وإلّا لتلقَّف كلامه وساقه في هذا الفصل استحسانًا له.
(٣) د: «طبعي».
(٤) «له» ساقط من طبعة الرسالة.
[ ٤ / ١٥٠ ]
ضرره. وبغضُ الطَّبيعة وكراهتُها للنَّافع قد يجلب لها منه ضررًا.
وبالجملة، فاللَّذيذ المشتهى تُقبل الطَّبيعة عليه بعنايةٍ، فتهضمه على أحمد الوجوه، سيَّما عند انبعاث النَّفس إليه بصدق الشَّهوة وصحَّة القوَّة. والله أعلم.
فصل
في هديه - ﷺ - في علاج الرَّمَد بالسُّكون والدَّعة، وترك الحركة، والحمية ممَّا يهيج الرَّمد (^١)
وقد تقدَّم أنَّ النَّبيَّ - ﷺ - حمى صهيبًا من التَّمر، وأنكر عليه أكلَه وهو أرمد. وحمى عليًّا من الرُّطَب لمَّا أصابه الرَّمد.
وذكر أبو نعيم في كتاب «الطِّبّ النَّبوي» (^٢) أنَّه - ﷺ - كان إذا رمِدت عينُ امرأةٍ من نسائه لم يأتها حتَّى تبرأ عينها.
الرَّمَد ورمٌ حارٌّ يعرض في الطَّبقة الملتحمة من العين، وهو بياضها الظَّاهر. وسببه انصباب أحد الأخلاط الأربعة، أو ريحٌ حارَّةٌ تكثر كمِّيَّتها في
_________________
(١) الفصل كله منقول من كتاب الحموي (ص ٣١٠ - ٣١٣) إلا الفقرة الرابعة الطويلة ولعله نقلها من الكتاب الذي نقل منه أنواع الصداع من قبل.
(٢) برقم (٢٧٧). وإسناده ضعيفٌ جدًّا؛ فيه حصين بن مخارق، قال الدَّارقطنيُّ في «الضُّعفاء» (١٧٩): «متروك»، وكذا قال ابن حجر في «الدِّراية» (٢/ ٣٨)، وأمَّا في «الفتح» (١١/ ٢٢٧) فقال: «ضعيفٌ». ونقل ابن الجوزيِّ في «الضُّعفاء» (٩٢٦) والذَّهبيُّ في «الميزان» (٢٠٩٧) وغيرهما عن الدَّارقطنيِّ أنَّه قال: «يَضَع الحديثَ»؛ وبناءً عليه حكم الألبانيُّ في «السِّلسلة الضَّعيفة» (٥٩٢٣) على الحديث بالوضع.
[ ٤ / ١٥١ ]
الرَّأس والبدن، فينبعث منها قسطٌ إلى جوهر العين؛ أو بضربةٍ (^١) تصيب العينَ، فترسل الطَّبيعةُ إليها من الدَّم والرُّوح مقدارًا كثيرًا، تروم بذلك شفاءها ممَّا عرض لها، ولأجل ذلك يورَم (^٢) العضو المضروب، والقياس يوجب ضدَّه.
واعلم أنَّه كما يرتفع من الأرض إلى الجوِّ بخاران أحدهما: حارٌّ يابسٌ والآخر حارٌّ رطبٌ، فينعقدان سحابًا متراكمًا، ويمنعان أبصارنا من إدراك السَّماء؛ فكذلك يرتفع من قعر المعدة إلى منتهاها مثلُ ذلك، فيمنعان النَّظر ويتولَّد عنهما عللٌ شتَّى. فإن قويت الطَّبيعة على ذلك ودفعته إلى الخياشيم أحدث الزُّكامَ. وإن دفعته إلى اللَّهاة والمَنْخِرَين أحدث الخُنَانَ (^٣). وإن دفعته إلى الجنب أحدث الشَّوْصَة (^٤). وإن دفعته إلى الصَّدر أحدث النَّزلة. وإن انحدر إلى القلب أحدث الخبطة. وإن دفعته إلى العين أحدث رمدًا. وإن انحدر إلى الجوف أحدث السَّيَلان. وإن دفعته إلى منازل الدِّماغ أحدث
_________________
(١) يعني: أو يعرض بضربة. وفي مخطوطة كتاب الحموي: «لضربة»، ومثله في ث. وفي النسخ المطبوعة: «ضربة»، غيَّر بعضهم لإصلاح السياق.
(٢) كذا في جميع النسخ الخطية والطبعات القديمة. وضبط في حط بضم الياء وفي ن بضمها وفتح الراء، وتحته: «ط يرِم». ولعل الوارد في النسخ: «يَوْرَم» على لغة العامّة. وهو القياس ولكن لم يسمع من العرب، والصواب: يَرِمُ، مثل ورِث يرِث كما في كتاب الحموي (ص ٣١٠).
(٣) كذا في جميع النسخ. وهو داء يأخذ في الأنف. وفي النسخ المطبوعة: «خُناق». والخناق ورمٌ في عضلات الحنجرة والنُّغْنُغ. انظر: «بحر الجواهر» (ص ١١٨، ١١٩).
(٤) سبق تفسيرها.
[ ٤ / ١٥٢ ]
النِّسيان. وإن ترطَّبت أوعية الدِّماغ منه وامتلأت به عروقه أحدث النَّوم الشَّديد، ولذلك كان النَّوم رطبًا والسَّهر يابسًا. وإن طلب البخارُ النُّفوذ من الرَّأس فلم يقدر عليه أعقبه الصُّداع والسَّهر. وإن مال البخار إلى أحد شقَّي الرَّأس أعقبه الشَّقيقة. وإن ملَك قمَّةَ (^١) الرَّأس ووسط الهامة أعقبه داء البَيْضة (^٢). وإن برَد منه حجابُ الدِّماغ أو سخَن أو ترطَّب وهاجت منه أرياحٌ أحدث العطاس. وإن أهاجَ الرُّطوبة البلغميَّة فيه حتَّى غلب الحارُّ الغريزيُّ أحدث الإغماء والسُّكات. وإن أهاج المِرَّة السَّوداء حتَّى أظلم هواء الدِّماغ (^٣) أحدث الوَسْواس. وإن فاض ذلك إلى مجاري العَصَب أحدث الصَّرَع الطَّبيعيَّ.
وإن ترطَّبت مجامعُ (^٤) عصَب الرَّأس وفاض ذلك في مجاريه أعقبه الفالِج. وإن كان البخار من مِرَّةٍ صفراء ملتهبةٍ مُحْمِيَةٍ للدِّماغ (^٥) أحدث البِرسَام (^٦). فإن شرِكه الصَّدرُ في ذلك كان سِرْسامًا (^٧). فافهم هذا الفصل.
_________________
(١) د: «فم»، تصحيف «قم»، والقِمّ هو القمة.
(٢) من أنواع الصداع، وقد ذكر في فصل هدي النبي - ﷺ - في علاج الصداع والشقيقة.
(٣) س، ث، ل، ن: «أظلم الدماغ»، وفي بعضها استدرك القراء كلمة «الهواء».
(٤) ث، ل: «مجاري مع»، تحريف لانتقال النظر.
(٥) «مجاريه للدماغ» ساقط من س، ث، ل.
(٦) ذكر المطرزي في «المغرب» (١/ ٤٢) أنه في «التهذيب» بالفتح، ولكن في المطبوع منه (١٣/ ١٥٧) بالكسر ضبط قلم. وهو مركب في الفارسية من «بَرْ» أي الصدر و«سام» أي الورم. انظر: «برهان قاطع» (١/ ٢٥٥).
(٧) «السرسام» أيضًا فارسي. و«سَرْ» هو الرأس. انظر: «التهذيب» (١٣/ ١٥٧) و«القانون» (٢/ ٧٦).
[ ٤ / ١٥٣ ]
والمقصود أنَّ أخلاط البدن والرَّأس تكون متحرِّكةً هائجةً في حال الرَّمد، والجماعُ ممَّا يزيد حركتها وثورانها، فإنَّه حركةٌ كلِّيَّةٌ للبدن والرُّوح والطَّبيعة. فأمَّا البدن، فيسخُن بالحركة لا محالة، والنَّفسُ تشتدُّ حركتها طلبًا للَّذَّة واستكمالها. والرُّوح تتحرَّك تبعًا لحركة النَّفس والبدن، فإنَّ أوَّل تعلُّق الرُّوح من البدن بالقلب، ومنه ينشأ الرُّوح وتنبَثُّ في الأعضاء. وأمَّا حركة الطَّبيعة، فلأجل أن ترسل ما يجب إرساله من المنيِّ على المقدار الذي يجب إرساله.
وبالجملة: فالجماع حركةٌ كلِّيَّةٌ عامَّةٌ يتحرَّك فيها البدن وقواه وطبيعته وأخلاطه والرُّوح والنَّفس. وكلُّ حركةٍ فهي مثيرةٌ للأخلاط، مرقِّقةٌ لها، تُوجِب دفعها وسيلانها إلى الأعضاء الضَّعيفة. والعينُ في حال رمدها أضعَفُ ما تكون، فأضرُّ ما عليها حركةُ الجماع. قال أبقراط في كتاب «الفصول» (^١): وقد يدلُّ ركوبُ السُّفُن أنَّ الحركة تثوِّر الأبدان.
هذا مع أنَّ في الرَّمد منافع كثيرةً. منها ما يستدعيه من الحِمْية والاستفراغ، وتنقية الرَّأس والبدن من فضلاتهما وعفوناتهما، والكفُّ عمَّا يؤذي النَّفس والبدن من الغضب، والهمِّ والحزن، والحركات العنيفة، والأعمال الشَّاقَّة. وفي أثرٍ سلفيٍّ (^٢): لا تكرهوا الرَّمد، فإنَّه يقطع عروق
_________________
(١) انظر: نسخة الحرم المكي منه (٨/أ) و«شرح الفصول» لابن أبي صادق، مخطوطة الكونجرس (ل ١٠٢).
(٢) في مصدر النقل (ق ٨٩/ب): «وقد جاء في الحديث عن النبي - ﷺ -»، والحموي ينقل من كتاب «الطب النبوي» لأبي نعيم كما صرَّح في مواضع أخرى. فالمؤلف غيَّر عبارة الحموي إلى «أثر سلفي»، وابن مفلح الصادر عن «زاد المعاد» عبَّر عنه في «الآداب الشرعية» (٢/ ٣٥٢) بقوله: «قال بعض السلف».
[ ٤ / ١٥٤ ]
العَمى (^١).
ومن أسباب علاجه: ملازمة السُّكون والرَّاحة، وتركُ مسِّ العين والاشتغال بها، فإنَّ أضداد ذلك توجِب انصباب الموادِّ إليها.
وقد قال بعض السَّلف (^٢): مثَلُ أصحاب محمَّدٍ مثَلُ العين، ودواءُ العين تركُ مسِّها (^٣).
وقد روي في حديثٍ مرفوعٍ الله أعلم به: «علاجُ الرَّمد تقطير الماء البارد
_________________
(١) أخرجه ابن عديٍّ في «الكامل» (٩/ ١٠٢)، وأبو نعيم في «الطِّب النَّبوي» (٢٧٤، ٣٠٧، ٣٥٤)، من حديث أنس بن مالك - ﵁ - مرفوعًا. قال البيهقيُّ في «الشُّعب» (١١/ ٤٢٦): «في إسناده ضعف»، وقال (١٢/ ٣٠٢): «إسناده غير قويٍّ»، وأورده ابن الجوزي في «الموضوعات» (٣/ ٢٠٤)، وقال الذَّهبيُّ في «الميزان» (٤/ ٣٧٦): «هذا باطل»، وذلك لأنَّ فيه يحيى بن زهدم، له نسخة موضوعة عن أبيه عن جدِّه عن أنس، قال ابن حجر في «اللِّسان» (٨/ ٤٣٩) في ترجمة يحيى: «وكأنَّ الآفةَ من شيخه»، يعني أباه زهدمًا.
(٢) ذكره الحموي (ص ٣١٢) معزوًّا إلى أبي سعيد الخدري، ولكن المؤلف أبهمه لعدم الثقة بالعزو.
(٣) أخرجه ابن سمعون في آخر المجلس الخامس من «الأمالي» (٨٥)، وأبو نعيم في «الطِّب النَّبوي» (٢٧٩) من قول أبي سعيد الخدريِّ - ﵁ -. وفي إسناده أبو العيناء ليس بقويٍّ في الحديث، وأبو هارون العبديُّ متروكٌ وكذَّبه بعضهم. وقد ضعَّف هذا الأثر السَّخاويُّ في «المقاصد الحسنة» (٧٢٥)، والفتَّنيُّ في «التَّذكرة» (ص ٢٠٦)، وملَّا عليّ القاري في «الأسرار المرفوعة» (٣٠٨). وأخرجه الدَّارقطنيُّ في «غرائب مالك» ــ كما في «اللِّسان» (٧/ ٤٤٦) ــ من قول عليِّ بن حسين، وفيه أبو العيناء أيضًا.
[ ٤ / ١٥٥ ]
في العين» (^١). وهو من أكبر الأدوية للرَّمد الحارِّ فإنَّ الماء دواءٌ باردٌ يستعان به على طَفْيِ (^٢)
حرارة الرَّمد إذا كان حارًّا. ولهذا قال عبد الله بن مسعودٍ لامرأته زينب وقد اشتكت عينها: لو فعلتِ كما فعل رسول الله - ﷺ - كان خيرًا لكِ، وأجدرَ أن تُشْفَيْ: تنضحين في عينكِ الماء، ثمَّ تقولين: «أَذْهِبِ الباسَ ربَّ النَّاس، واشفِ أنت الشَّافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاءً لا يغادر سَقَمًا» (^٣).
_________________
(١) لم أقف عليه. وقد ذكره ابنُ مفلح في «الآداب الشَّرعيَّة» (٢/ ٣٥١)، ولكنه صادر عن كتابنا هذا. والظاهر أن اللفظ المذكور ليس بحديث، وإنما أوهم المؤلفَ سياقُ الكلام في كتاب الحموي (ص ٣١٢)، ونصُّه: «وقد روي أن النبي - ﷺ - عالج الرمد مع ذلك بتقطير الماء البارد في العين، وهو من أكبر الأدوية له نفعًا، وأسهل وجودًا؛ إذ كان الرمد ورمًا حارًّا، والماء دواءً باردًا، لاسيما إن كان مثلوجًا. ويؤيد ذلك ما رُوي أن عبد الله قال لزينب: لو فعلتِ » وساق الحديث الآتي إلى آخره. فالحمويُّ استنبط علاج التقطير من قول النبي - ﷺ - فيه: «تنضحين في عينك الماء» وأشار بالحديث المرفوع في أول كلامه إلى حديث ابن مسعود هذا الذي ذكره في آخر كلامه، ولكن قوله: «ويؤيد هذا» موهِم. ثم تصرَّف المؤلف - ﵀ - فجعل الحديث الفعلي ــ على فرض أنه حديث ــ حديثًا قوليًّا.
(٢) كذا في جميع النسخ الخطية والمطبوعة إلا طبعة الرسالة، فإنها غيَّرته إلى «إطفاء»، ولم تتبع هنا نشرة الفقي ولا أصلها. والطفي أصله: طَفْءٌ مصدر طفئ بعد التسهيل. قال المؤلف في «نونيَّته» (١/ ١٠٦): وإذا انتصرت لها فأنت كمن بغَى طفيَ الدخان بموقد النيران
(٣) أخرجه بهذا اللَّفظ ابن ماجه (٣٥٣٠)، وأبو نعيم في «الطِّبِّ النَّبويِّ» (٢٨١). وأخرجه أبو داود (٣٨٨٣)، وأحمد (٣٦١٥)، وليس عندهما ذكر النَّضح. وقد اختُلِف في إسنادِه ومتنِه، وأعلَّه المنذريُّ في «التَّرغيب» (٤/ ١٥٨) بجهالة ابن أخت زينب، وقيل: ابن أخي زينب. وأعلَّ الألبانيُّ ذكر النَّضح بالنَّكارة، ينظر: «السِّلسلة الصَّحيحة» (٦/ ١١٦٣ - ١١٦٧). والدُّعاء المرفوع ثابتٌ في الصَّحيح من حديث عائشة وحديث أنس - ﵄ -.
[ ٤ / ١٥٦ ]
وهذا ممَّا تقدَّم مرارًا أنَّه خاصٌّ ببعض البلاد وبعض أوجاع العين، فلا يجعل كلام النُّبوَّة الجزئيُّ الخاصُّ كلِّيًّا عامًّا، ولا الكلِّيُّ العامُّ جزئيًّا خاصًّا، فيقع من الخطأ وخلاف الصَّواب ما يقع. والله أعلم.
فصل
في هديه - ﷺ - في علاج الخَدَران (^١) الكلِّيِّ الذي يخمد (^٢) معه البدن (^٣)
ذكر أبو عبيد (^٤) في «غريب الحديث» (^٥) من حديث أبي عثمان النَّهديِّ أنَّ قومًا مرُّوا بشجرةٍ، فأكلوا منها، فكأنَّما مرَّت بهم ريحٌ، فأخمدَتْهم (^٦).
_________________
(١) لم تذكر كتب اللغة هذا المصدر.
(٢) هكذا في ن، وهو مقتضى لفظ الحديث الآتي. وفي ز: «يجمد» بالجيم كما في النسخ المطبوعة. ولم يعجم في النسخ الأخرى.
(٣) كتاب الحموي (ص ٣١٣ - ٣١٤) إلا الفقرة الأخيرة.
(٤) حط: «أبو عبيدة»، وكذا في ز في الموضع الآتي، وهو تحريف.
(٥) (٣/ ٤٠٠ - ٤٠٢). وأخرجه أيضًا ابن أبي شيبة (٢٤١٩٢)، والبيهقيُّ في «الدَّلائل» (٤/ ٢٤٢)، ووقع عنده: «عن أبي عثمان النَّهديِّ أو عن أبي قلابة». وهذا مرسلٌ. وله شاهدٌ مسندٌ من حديث عبد الرَّحمن بن المرقّع - ﵁ - بنحوه، أخرجه البغويُّ في «معجم الصَّحابة» (٢/ ل ٤٤١)، وابن قانع في «معجم الصَّحابة» (٢/ ١٦٤)، وأبو نعيم في «معرفة الصَّحابة» (٤٥٣٨، ٤٦٥٧) والبيهقيُّ في «الدَّلائل» (٦/ ١٦١)، قال الهيثميُّ في «المجمع» (٥/ ٩٥): «رواه الطَّبراني، وفيه المحبّر بن هارون ولم أعرفه، وبقيَّة رجاله ثقات».
(٦) في ث، ل، مخطوط الحموي: «فأخذتهم». وفي النسخ المطبوعة: «فأجمدتهم»، وكلاهما تصحيف ما أثبت من النسخ الأخرى و«غريب الحديث» وغيره.
[ ٤ / ١٥٧ ]
فقال النَّبيُّ - ﷺ -: «قرِّسوا الماء في الشِّنان، وصبُّوا عليهم فيما بين الأذانين». ثمَّ قال أبو عبيد: قرِّسوا، يعني: برِّدوا. وقول النَّاس: قد قرِسَ البردُ إنَّما هو من هذا، بالسِّين ليس بالصَّاد. والشِّنان: الأسقية والقِرَب الخُلْقان. يقال للسِّقاء شَنٌّ، وللقِرْبة شَنَّةٌ. وإنَّما ذكر الشِّنانَ دون الجُدُد (^١) لأنَّها أشدُّ تبريدًا للماء. وقوله: «بين الأذانين» يعني أذان الفجر والإقامة، فسمَّى الإقامة أذانًا. انتهى كلامه.
قال بعض الأطبَّاء (^٢): وهذا العلاج من النَّبيِّ - ﷺ - من أفضل علاج هذا الدَّاء إذ (^٣) كان وقوعه بالحجاز، وهي بلادٌ حارَّةٌ يابسةٌ، والحارُّ الغريزيُّ ضعيفٌ في بواطن سكَّانها، وصبُّ الماء البارد عليهم في الوقت المذكور ــ وهو أبرد أوقات اليوم ــ يوجب جمعَ الحارِّ الغريزيِّ المنتشر في البدن الحامل لجميع قواه، فتقوى (^٤) القوَّة الدَّافعة، وتجتمع من أقطار البدن إلى باطنه الذي هو محلُّ ذلك الدَّاء، وتستظهر بباقي القوى على دفع المرض المذكور، فتدفعه بإذن الله ﷿.
ولو أنَّ أبقراط (^٥) أو جالينوس أو غيرهما وصف هذا الدَّواء لهذا الدَّاء لخضعت له الأطبَّاء، وعجبوا من كمال معرفته.
_________________
(١) في مطبوعة كتاب الحموي: «الجرَّة»، تحريف.
(٢) هو الحموي الكحَّال صاحب الكتاب الذي صدر عنه المؤلف.
(٣) د، س: «إذا»، وكذا في المطبوع.
(٤) هكذا في ث، ل، مخطوط الحموي. وقد اضطربت النسخ في حرف المضارعة في هذا الفعل والأفعال الآتية، وهو الياء فيها جميعًا في المطبوع.
(٥) حط، «بقراط»، وكذا في المطبوع.
[ ٤ / ١٥٨ ]
فصل
في هديه - ﷺ - في إصلاح الطَّعام الذي يقع فيه الذُّباب، وإرشاده إلى دفع مضرَّات السُّموم بأضدادها
في «الصَّحيحين» (^١) من حديث أبي هريرة أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: «إذا وقع الذُّباب في إناء أحدكم فامقُلوه، فإنَّ في أحد جناحيه داءً وفي الآخر شفاءً».
وفي «سنن ابن ماجه» (^٢) عن أبي سعيدٍ الخدريِّ أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: «أحدُ جناحي الذُّباب سَمٌّ والآخر شفاءٌ. فإذا وقع في الطَّعام فامقُلوه، فإنَّه يقدِّم السَّمَّ ويؤخِّر الشِّفاء».
هذا الحديث فيه أمران: أمرٌ فقهيٌّ، وأمرٌ طبِّيٌّ. فأمَّا الفقهيُّ فهو دليلٌ ظاهر الدَّلالة جدًّا على أنَّ الذُّباب إذا مات في ماءٍ أو مائعٍ فإنَّه لا ينجِّسه. وهذا قول جمهور العلماء، ولا يُعرَف في السَّلف مخالفٌ في ذلك. ووجه الاستدلال به أنَّ النَّبيَّ - ﷺ - أمرَ بمَقْلِه، وهو غمسُه في الطَّعام، ومعلومٌ أنَّه
_________________
(١) أخرجه البخاري (٣٣٢٠، ٥٧٨٢) وهذا لفظ أبي داود (٣٨٤٤) وتمامه: «وإنه يتقي بجناحه الذي فيه الداء فليغمسه كلَّه». ولم يخرجه مسلم، وإنما تابع المؤلفُ الحمويَّ إذ نقل (ص ٥٥٦) حديث أبي هريرة بلفظ البخاري (٣٣٢٠) ثم قال: «رواه مسلم والبخاري».
(٢) برقم (٣٥٠٤). وأخرجه أيضًا النَّسائيُّ (٤٢٦٢) مختصرًا، والطَّيالسيُّ (٢١٨٨)، وأحمد (١١١٨٩، ١١٦٤٣)، وعبد بن حُميد (٨٨٤)، وأبو يعلى (٩٨٦)، وغيرُهم. وصحَّحه ابن حبَّان (١٢٤٧)، وابن عبد البر في التَّمهيد (١/ ٣٣٧)، وابن الملقِّن في «البدر المنير» (١/ ٤٢٥)، وحسَّن إسناده البوصيريُّ في «المصباح» (٤/ ٦٩)، وهو في «السِّلسلة الصَّحيحة» (٣٩). ويشهد له حديث أبي هريرة - ﵁ - السابق.
[ ٤ / ١٥٩ ]
يموت من ذلك، ولا سيَّما إذا كان الطَّعام حارًّا؛ فلو كان ينجِّسه لكان أمرًا بإفساد الطَّعام، وهو - ﷺ - إنَّما أمرَ بإصلاحه. ثمَّ عدِّي هذا الحكم إلى كلِّ ما لا نفس له سائلة كالنَّحلة والزُّنبور والعنكبوت وأشباه ذلك، إذ الحكم يعمُّ بعموم علَّته، وينتفي لانتفاء سببه. فلمَّا كان سبب التَّنجيس هو الدَّم المحتقن في الحيوان بموته، وكان ذلك مفقودًا فيما لا دم له سائلٌ، انتفى الحكم بالتَّنجيس لانتفاء علَّته.
ثمَّ قال من لم يحكم بنجاسة عظام الميتة (^١): إذا كان هذا ثابتًا في الحيوان الكامل مع ما فيه من الرُّطوبات والفضلات وعدم الصَّلابة، فثبوته في العظم الذي هو أبعد من الرُّطوبات والفضلات واحتقان الدَّم أولى. وهذا في غاية القوَّة، فالمصير إليه أولى (^٢).
وأوَّل من حُفِظ عنه في الإسلام أنَّه تكلَّم بهذه اللَّفظة فقال: «ما لا نفس له سائلةٌ» إبراهيم النَّخعيُّ (^٣)، وعنه تلقَّاها الفقهاء. والنَّفس في اللُّغة يعبَّر بها عن الدَّم. ومنه نَفِست المرأة بفتح النُّون إذا حاضت، ونُفِست بضمِّها إذا ولدت.
وأمَّا المعنى الطِّبِّيُّ، فقال أبو عبيد (^٤): معنى «امقلوه»: اغمِسوه، ليخرج
_________________
(١) حط، ن: «عظم»، وكذا في النسخ المطبوعة.
(٢) سيأتي مثله في المجلد السادس (ص ٤٣٧). وانظر: «التبيان» للمؤلف (ص ٥٩٦).
(٣) فقد كان يقول: «كلُّ شيءٍ ليستْ له نفسٌ سائلةٌ فإنَّه لا ينجِّس الماءَ إذا ماتَ فيه»، أخرجه أبو عبيد في «الطَّهور» (١٩٠). ورواه بنحوه ابن أبي شيبة (٦٥٧)، والدَّارقطنيُّ (٦٧)، ومن طريقه البيهقيُّ في «الكبرى» (١/ ٢٥٣). واللفظ المذكور هنا في «الصحاح» للجوهري (٣/ ٩٨٤) ومنه نقله المؤلف في «كتاب الروح» (٢/ ٦١٣).
(٤) في «غريب الحديث» (١/ ٤٤٦)، والنقل من كتاب الحموي (ص ٢٨٨).
[ ٤ / ١٦٠ ]
الشِّفاء منه كما خرج الدَّاء. يقال للرَّجلين: هما يتماقلان، إذا تغاطَّا في الماء.
واعلم أنَّ في الذُّباب عندهم قوَّةً سمِّيَّةً يدلُّ عليها الورم والحِكَّة العارضة عن لسعه (^١). وهي بمنزلة السِّلاح، فإذا سقط فيما يؤذيه اتَّقاه بسلاحه، فأمر النَّبيُّ - ﷺ - أن تقابَل تلك السَّمِّيَّةُ بما أودعه الله سبحانه في جانبه الآخر من الشِّفاء، فيُغمَس كلُّه في الماء والطَّعام، فتقابل مادَّة السَّمِّيَّةِ المادَّةُ النَّافعةُ، فيزول ضررها. وهذا طبٌّ لا يهتدي إليه كبار الأطبَّاء وأئمَّتهم، بل هو خارجٌ من مشكاة النُّبوَّة. ومع هذا فالطَّبيب العالم العارف الموفَّق يخضع لهذا العلاج ويُقرُّ لمن جاء به بأنَّه أكمل الخلق على الإطلاق، وأنَّه مؤيَّدٌ بوحيٍ إلهيٍّ خارجٍ عن قوى البشر.
وقد ذكر غير واحدٍ من الأطبَّاء (^٢) أنَّ لسع الزُّنبور والعقرب إذا دُلِك موضعه بالذُّباب نفَع منه نفعًا بيِّنًا وسكَّنه، وما ذاك إلا للمادَّة الَّتي فيه من الشِّفاء. وإذا دُلِك به الورمُ الذي يخرج في شُفْر (^٣) العين المسمَّى «شَعيرةً» (^٤) بعد قطع رؤوس الذُّباب أبرأه.
_________________
(١) كتاب الحموي (ص ٥٥٦).
(٢) انظر: كتاب الحموي (ص ٥٥٥ - ٥٥٦) ومنه النقل. وانظر في نفعه في لسع الزنبور والنحل: «الحاوي» (٥/ ٣١٩ - ٣٢٢) و«القانون» (١/ ٧٢٠) و(٣/ ٣٣٦)، وفي نفعه في الشعيرة: «الحاوي» (١/ ٢٥١، ٢٧٢) و«القانون» (٢/ ١٩٦).
(٣) هكذا في س، ل، ن، وكتاب الحموي (ص ٥٥٦) ومخطوطه (١٧٧/ب). وفي غيرها: «شعر»، تصحيف.
(٤) سمّي الورم المذكور بها لأنه يشبه في شكله الشَعير. انظر: «الحاوي» (١/ ٢٠٢) و«القانون» (٢/ ١٩٦).
[ ٤ / ١٦١ ]
فصل
في هديه - ﷺ - في علاج البَثْرة
ذكر ابن السُّنِّيِّ في كتابه (^١) عن بعض أزواج النَّبيِّ - ﷺ - قالت: دخل عليَّ رسول الله - ﷺ -، وقد خرج في إصبعي بَثْرةٌ، فقال: «عندكِ ذريرةٌ؟». قلت: نعم. قال: «ضَعيها عليها». وقال: «قولي (^٢): اللَّهمَّ مصغِّرَ الكبير ومكبِّرَ الصَّغير صغِّر ما بي».
الذَّريرة: دواءٌ هنديٌّ يُتَّخذ من قصَب الذَّريرة، وهي حارَّةٌ يابسةٌ، تنفع من أورام المَعِدة والكبد والاستسقاء، وتقوِّي القلب لطيبها (^٣). وفي
_________________
(١) «الطب النبوي». وأخرجه أيضًا في «عمل اليوم واللَّيلة» (٦٣٥) والنقل من كتاب الحموي (ص ٥٥٥). وأخرجه أيضًا النَّسائيُّ في «الكبرى» (١٠٨٠٣)، وأحمد (٢٣١٤١)، وابن أبي الدُّنيا في «المرض والكفَّارات» (١٥٢)، وابن حبَّان في «الثِّقات» (٨/ ٣٩١)، ولفظه عندهم: أنَّ النَّبيَّ - ﷺ - دخل عليها فقال: «أعندك ذريرةٌ؟»، قالت: نعم، فدعا بها فوضعها على بثرة بين أصابع رجله، ثمَّ قال: «اللَّهمَّ مطفِئَ الكبير، ومكبِّر الصغير، أطفئها عنِّي»، فطفئت. وصحَّحه الحاكم (٤/ ٢٠٧)، وفي سنده مريم بنت إياس، قال الهيثميُّ في «المجمع» (٥/ ٩٥ - ٩٦): «تفرَّد عنها عمرو بن يحيى»؛ ولذا أورده الألبانيُّ في «السِّلسلة الضَّعيفة» (٤٠٦٨). وأمَّا ابن حجر فقد قوَّى أمرها، وصحَّح حديثَها ــ باللَّفظ الثَّاني ــ، فقال في «نتائج الأفكار» (٤/ ١٥٨): «رواتُه من أحمد إلى منتهاه من رواة الصَّحيحين، إلَّا مريم وقد اختُلف في صحبتها، وأبوها وأعمامها من كبار الصَّحابة، ولأخيها محمَّد رؤيةٌ وخالف ابن السُّنِّيِّ في سياق المتن مخالفةً ظاهرةً، وقال في السَّند: مريم بنت أبي بكير واتِّفاق هؤلاء الأئمَّة دالٌّ على أنَّه وهم فيه».
(٢) ز: «وقولي» بحذف «قال».
(٣) كتاب الحموي (ص ٥٥٤).
[ ٤ / ١٦٢ ]
فصل في هديه ﷺ في علاج الأورام والخرجات التي تبرأ بالبط والبزل
«الصَّحيحين» (^١) عن عائشة أنَّها قالت: طيَّبتُ رسول الله - ﷺ - بيدي بذَريرةٍ في حجَّة الوداع للحِلِّ والإحرام.
والبَثْرة: خُرَاجٌ صغيرٌ يكون عن مادَّةٍ حادَّةٍ (^٢) تدفعها الطَّبيعة، فتَسْترِقُ مكانًا من الجسد تخرج منه، فهي محتاجةٌ إلى ما يُنْضِجها ويُخْرِجها. والذَّريرة أحد ما يفعل بها ذلك، فإنَّ فيها إنضاجًا وإخراجًا مع طيب رائحتها، مع أنَّ فيها تبريدًا (^٣) للنَّاريَّة الَّتي في تلك المادَّة. ولذلك (^٤) قال صاحب «القانون» (^٥): إنَّه لا أفضل لحرق النَّار من الذَّريرة بدهن الورد والخلِّ.
فصل
في هديه - ﷺ - في علاج الأورام والخُراجات الَّتي تبرأ بالبطِّ والبَزْل (^٦)
يذكر عن علي أنَّه قال: دخلتُ مع رسول الله - ﷺ - على رجلٍ يعوده، بظهره ورمٌ، فقالوا: يا رسول اللَّه! هذه (^٧) مِدَّةٌ. قال: «بُطُّوا عنه». قال علي: فما برحت حتَّى بُطَّت، والنَّبيُّ - ﷺ - شاهدٌ (^٨).
_________________
(١) البخاري (٥٩٣٠) ومسلم (١١٨٩).
(٢) حط: «حادثة». وفي النسخ المطبوعة: «حارة».
(٣) ز، س، د: «تبريد».
(٤) س، حط، ن: «وكذلك»، وكذا في المطبوع.
(٥) ذكره في «القانون» (١/ ٧١٩) بلفظ «قيل»، كما نقل الحموي (ص ٥٥٤ - ٥٥٥) على الصواب.
(٦) كتاب الحموي (ص ٢٩٢ - ٢٩٤).
(٧) س: «بهذه»، وكذا في طبعة عبد اللطيف وما بعدها.
(٨) كتاب الحموي (ص ٢٩٢) وقد نقله عن ابن الجوزي. انظر: «لقط المنافع» (٢/ ٦٢). وأخرجه أبو يعلى (٤٥٤)، وابن عديٍّ في «الكامل» (٢/ ٥١) واللَّفظ له، وإسناده ضعيفٌ جدًّا؛ فيه أبو الرَّبيع السَّمَّان، واسمه: أشعث بن سعيد البصريُّ، عدَّ ابن عديٍّ هذا الحديثَ مِن أنكَرِ حديثه، وقال ابن القيسرانيِّ في «الذَّخيرة» (٣/ ١٣٢٩): «هذا ممَّا تفرَّد به أبو الرَّبيع وأبو الرَّبيع متروكُ الحديث»، وبه ضعَّفه الهيثميُّ في «المجمع» (٥/ ٩٩)، والبوصيريُّ في «الإتحاف» (٣٩١٢).
[ ٤ / ١٦٣ ]
ويذكر عن أبي هريرة أنَّ النَّبيَّ - ﷺ - أمر طبيبًا أن يبُطَّ بطنَ رجلٍ أجوى البطن، فقيل: يا رسول اللَّه، هل ينفع الطِّبُّ؟ قال: «الذي أنزل الدَّاء أنزل الشِّفاء فيما شاء» (^١).
الورم: مادَّةٌ (^٢) في حجم العضو لفضل مادَّةٍ غير طبيعيَّةٍ تنصبُّ إليه، وتوجد في (^٣) أجناس الأمراض كلِّها. والموادُّ الَّتي تكوَّن عنها: من الأخلاط
_________________
(١) كتاب الحموي (ص ٢٩٣) ومن كتابنا نقله ابنُ مفلح في «الآداب الشَّرعيَّة» (٢/ ٤٤٥)، ولم أقف على أحدٍ أخرجه بهذا اللَّفظ. وأقربُ الألفاظ إليه ما أخرجه أبو نعيم في «الطِّبِّ النَّبويِّ» (٣١، ٣٢) من طريقَين عن سُهَيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أَبي هُرَيرة - ﵁ - قال: أُصيب رجلٌ من أصحاب النَّبيِّ - ﷺ - في جبينه، فاستقى دمًا وقيحًا حتَّى خِيفَ عليه، فأرسل رسول الله - ﷺ - إلى رجُلين يعالجان، فقال: «ما فِعل شيءٍ كنتما تعالجانه في الجاهليَّة من هذا الطِّبِّ؟» قالا: قد كنَّا نعالجُه في الجاهليَّة، حتَّى جاء الله بالإسلام وتركنا ذلك، فكان التَّوكُّل، قال: «فعالِجاه»، فقالا: يا نبيَّ الله، وهل في الطِّبِّ خيرٌ؟! فقال: «نَعم، إنَّ الَّذي جعل الدَّاء أنزل الدَّواء، فجَعَل شفاءَ ما شاء فيما شاء». وله شاهدٌ صحيحٌ من حديثِ رجلٍ منَ الأنصار عند أحمد (٢٣١٥٦)، وآخرُ عن زيد بن أسلم مُرسلًا عند مالك (٢٧١٨) سيأتي تخريجه.
(٢) في كتاب الحموي ــ والفقرة برمَّتها منقولة منه ــ (ص ٢٩٣): «زيادة»، وكأن ما في النسخ من السهو.
(٣) الحموي: «فيه».
[ ٤ / ١٦٤ ]
الأربعة، والمائيَّة، والرِّيح. وإذا جَمع الورَمُ (^١) سمِّي خُرَاجًا. وكلُّ ورمٍ حارٍّ (^٢) يؤول أمره إلى أحد ثلاثة أشياء: إمَّا تحلُّل، وإمَّا جمع مِدَّةٍ، وإمَّا استحالة إلى الصَّلابة. فإن كانت القوَّة قويَّةً استولت على مادَّة الورم وحلَّلته، وهي أصلح الحالات الَّتي يؤول أمرُ الورم إليها. وإن كانت دون ذلك أنضجت المادَّة، وأحالتها مِدَّةً بيضاء، وفتحت لها مكانًا أسالتها منه. وإن نقصت عن ذلك أحالت المادَّة مِدَّةً غير مستحكمة النُّضج، وعجزت عن فتح مكانٍ في العضو تدفعها منه، فيخاف على العضو الفسادُ لطول لبثها فيه، فيحتاج حينئذٍ إلى إعانة الطَّبيب بالبطِّ أو غيره لإخراج تلك المادَّة الرَّديَّة المفسدة للعضو.
وفي البطِّ فائدتان: إحداهما: إخراج المادَّة الرَّديَّة المفسدة. والثَّانية: منع اجتماع مادَّةٍ أخرى إليها تقوِّيها.
وأمَّا (^٣) قوله في الحديث الثَّاني: «إنَّه أمر طبيبًا أن يبُطَّ بطنَ رجلٍ أجوى البطن»، فالجوى يقال على معانٍ، منها: الماء المنتن الذي يكون في البطن يحدُث عنه الاستسقاء.
وقد اختلف الأطبَّاء في بَزْلِه لخروج هذه المادَّة، فمنعته طائفةٌ منهم لخطره وبعد السَّلامة معه، وجوَّزته طائفةٌ أخرى وقالت: لا علاج له سواه.
_________________
(١) يعني: جمعَ الورم للمِدَّة. وكذا ضبط على الصواب في ن وكتاب الحموي بفتح الجيم. وفي حط بالبناء للمجهول وهو خطأ. وفي س، ث، ل: «اجتمع»، وكذا في طبعة عبد اللطيف وما بعدها. ولعله تصرف من بعض النساخ.
(٢) لفظة «حار» ساقطة من د.
(٣) من هنا إلى آخر الفصل مأخوذ من كتاب الحموي (ص ٢٩٤).
[ ٤ / ١٦٥ ]
وهذا عندهم إنَّما هو في الاستسقاء الزِّقِّيِّ، فإنَّه كما تقدَّم ثلاثة أنواعٍ:
طَبْليٌّ، وهو الذي ينتفخ معه البطن بمادَّةٍ ريحيَّةٍ، إذا ضربتَ عليه سُمِع له صوتٌ كصوت الطَّبل.
ولحميٌّ، وهو الذي يربو معه لحمُ جميع البدن بمادَّةٍ بلغميَّةٍ تفشو مع الدَّم في الأعضاء، وهو أصعب من الأوَّل.
وزِقِّيٌّ وهو الذي يجتمع معه في البطن الأسفل مادَّةٌ رديَّةٌ يُسمع لها عند الحركة خضخضةٌ كخضخضة الماء في الزِّقِّ. وهو أردى (^١) أنواعه عند الأكثرين من الأطبَّاء. وقالت طائفةٌ: أردى أنواعه اللَّحميُّ لعموم الآفة به.
ومن جملة علاج الزِّقِّيِّ: إخراج ذلك بالبَزْل، ويكون ذلك بمنزلة فصد العروق لإخراج الدَّم الفاسد، لكنَّه خَطِرٌ كما تقدَّم. وإن ثبت هذا الحديث فهو دليلٌ على جواز بَزْله (^٢). والله أعلم (^٣).
فصل
في هديه - ﷺ - في علاج المرضى بتطييب نفوسهم وتقوية قلوبهم
روى ابن ماجه في «سننه» (^٤) من حديث أبي سعيدٍ الخدريِّ قال: قال
_________________
(١) تسهيل «أردأ».
(٢) ل: «تركه»، تصحيف.
(٣) لم ترد جملة «والله أعلم» في حط.
(٤) برقم (١٤٣٨) عن ابن أبي شيبة ــ وهو في «المصنَّف» (١٠٩٥٦) ــ، عن عقبة بن خالد، عن موسى بن محمَّد بن إبراهيم التَّيميِّ، عن أبيه، عن أبي سعيد به. وأخرجه أيضًا التِّرمذيُّ (٢٠٨٧) وضعَّفه، وسأل البخاريَّ عنه كما في «العلل الكبير» (٥٩١) فقال: «موسى منكرُ الحديث، وأبوه صحيحُ الحديث لم يدرك أبا سعيد»، وقال أبو حاتم كما في «العلل» (٢٢١٤) لابنه: «حديث منكر، كأنَّه موضوع، وموسى ضعيفُ الحديث جدًّا، وأبوه محمَّد لم يسمع من جابر، ولا من أبي سعيد»، وضعَّفه ابن عديٍّ في «الكامل» (٨/ ٥٩)، والبيهقيُّ في «الشُّعب» (٨٧٧٨)، وقال ابن حجر في «الفتح» (١٠/ ١٢١): «في سنده لين»، وهو في «السِّلسلة الضَّعيفة» (١٨٤).
[ ٤ / ١٦٦ ]
رسول الله - ﷺ -: «إذا دخلتم على المريض فنفِّسوا له في الأجل، فإنَّ ذلك لا يردُّ شيئًا، وهو يُطيِّب نفس المريض».
في هذا الحديث نوعٌ شريفٌ جدًّا من أشرف أنواع العلاج، وهو الإرشاد إلى ما يطيِّب نفس العليل من الكلام الذي تقوى به الطَّبيعة، وتنتعش به القوَّة، وينبعث به الحارُّ الغريزيُّ، فيتساعد على دفع العلَّة أو تخفيفها الذي هو غاية تأثير الطَّبيب (^١).
ولفرحِ (^٢) نفسِ المريض وتطييبِ قلبه وإدخالِ ما يسرُّه عليه تأثيرٌ عجيبٌ في شفاء علَّته وخفَّتها، فإنَّ الأرواح والقوى تقوى بذلك، فتساعد الطَّبيعة على دفع المؤذي. وقد شاهد النَّاس كثيرًا من المرضى تنتعش قواهم بعيادة من يحبُّونه ويعظِّمونه، ورؤيتِهم لهم، ولطفِهم بهم، ومكالمتِهم إيَّاهم.
وهذا أحد فوائد عيادة المرضى الَّتي تتعلَّق بهم، فإنَّ فيها أربعة أنواعٍ من الفوائد: نوعٌ يرجع إلى المريض، ونوعٌ يعود على العائد، ونوعٌ يعود على
_________________
(١) كذا في جميع النسخ: «تأثير الطيب». ورسم الكلمة الأولى في ف يحتمل قراءة: «غاية ما يسُرُّ».
(٢) في د: «ويفرح». وفي ث، ل: «ويفرح لنفس المريض ويطيب». وفي ز: «ويفرِّح نفس المريض ويطيِّب». وفي س: «وتفريحٌ لنفس المريض». والصواب ما أثبت من ف، حط، ن.
[ ٤ / ١٦٧ ]
أهل المريض، ونوعٌ يعود على العامَّة.
وقد تقدَّم في هديه - ﷺ - أنَّه كان يسأل المريض عن شكواه وكيف يجده، ويسأله عمَّا يشتهيه، ويضع يده على جبهته ــ وربَّما وضعها بين ثدييه ــ ويدعو له، ويصف له ما ينفعه في علَّته. وربَّما توضَّأ وصبَّ على المريض من وضوئه. وربَّما كان يقول للمريض: «لا بأس عليك (^١)، طهورٌ إن شاء اللَّه». وهذا من كمال اللُّطف وحسن العلاج والتَّدبير.
فصل
في هديه - ﷺ - في علاج الأبدان بما اعتادته من الأدوية والأغذية دون ما لم تعتده
هذا أصلٌ عظيمٌ من أصول العلاج وأنفع شيءٍ فيه، وإذا أخطأه الطَّبيب ضرَّ المريضَ من حيث يظنُّ أنَّه ينفعه. ولا يعدل عنه إلى ما يجده من الأدوية في كتب الأطبَّاء (^٢) إلا طبيبٌ جاهلٌ، فإنَّ ملاءمة الأدوية والأغذية للأبدان بحسب استعدادها وقبولها. وهؤلاء أهل البوادي والأكَّارون وغيرهم لا ينجع فيهم شرابُ النَّيلَوفَر (^٣) والورد الطَّريِّ ولا المغالي (^٤) ولا يؤثِّر في طباعهم شيئًا، بل عامَّة أدوية أهل الحضر وأهل الرَّفاهة لا تجدي عليهم، والتَّجربة شاهدةٌ بذلك.
_________________
(١) «عليك» ساقط من طبعة الرسالة.
(٢) في النسخ المطبوعة: «كتب الطب».
(٣) ز، حط، ن: «اللينوفر». وكذا في طبعة عبد اللطيف وما بعدها خلافًا للطبعة الهندية التي فيها كما أثبتنا من ف، ث، ل. وفي د: «النينوفر».
(٤) كذا في جميع النسخ والطبعات القديمة. وغيِّر في طبعة الرسالة إلى «المغلي».
[ ٤ / ١٦٨ ]
ومن تأمَّل ما ذكرناه من العلاج النَّبويِّ رآه كلَّه موافقًا لعادة العليل وأرضه وما نشأ عليه. فهذا أصلٌ عظيمٌ من أصول العلاج يجب الاعتناء به. وقد صرَّح به أفاضل أهل الطِّبِّ حتَّى قال طبيب العرب بل أطبُّهم الحارث بن كَلَدة، وكان فيهم كأبقراط في قومه: «الحِمْيَة رأس الدَّواء، والمَعِدةُ بيت الدَّاء، وعوِّدوا كلَّ بدنٍ ما اعتاد» (^١). وفي لفظٍ عنه: «الأَزْم دواءٌ» (^٢). والأَزْم (^٣): الإمساك عن الأكل يعني به الجوع وهو من أكبر الأدوية في شفاء الأمراض الامتلائيَّة كلِّها بحيث إنَّه أفضل في علاجها من المستفرِغات إذا لم يخَفْ (^٤) من كثرة الامتلاء وهيجان الأخلاط وحدَّتها وغليانها.
وقوله: «المعدة بيت الدَّاء». المعدة: عضوٌ عصبيٌّ مجوَّفٌ، كالقَرْعة في شكله، مركَّبٌ من ثلاث طبقاتٍ مؤلَّفةٍ من شظايا دقيقةٍ عصبيَّةٍ تسمَّى «اللِّيف»، ويحيط بها لحمٌ وليفٌ: إحدى الطَّبقات بالطُّول، والأخرى بالعرض، والثَّالثة بالوِراب (^٥). وفم المعدة أكثر عَصَبًا، وقعرها أكثر لحمًا،
_________________
(١) تقدَّم في فصل هديه - ﷺ - في الحمية.
(٢) أخرجه عبد الرَّزَّاق في «الأمالي في آثار الصَّحابة» (١٥٦) عن ابن عيينة قال: قال عمر بن الخطَّاب - ﵁ - للحارث بن كلدة وكان أطبَّ النَّاس: ما الدَّواء؟ قال: الأزم يا أمير المؤمنين، يعني الحِمية. وأخرجه أبو نعيم في «الطِّبِّ النَّبويِّ» (٧٠٠) من طريق عليِّ ابن المدينيِّ، عن ابن عيينة، عَن ابن أبي نجيح، عَن أبيه قال: سأل عُمرُ وذكره.
(٣) النص من هنا إلى آخر الفصل منقول من كتاب الحموي (ص ٣٠٣ - ٣٠٤).
(٤) ن: «يخفِّف». وفي مخطوط كتاب الحموي (٨٥/ب): «يخاف».
(٥) ث، ل: «بالوارب»، وفي طبعة الرسالة: «بالورب» خلافًا للنسخ الخطية والمطبوعة، والوِراب يعني الميل والتحريف بين الطول والعرض. نقله دوزي (١/ ١٠٧) من «معجم المنصوري». ومنه «عرض الوِراب» في علم الهيئة. انظر: «كشاف التهانوي» (٢/ ١١٧٥). وذكر الرازي في «المنصوري» (ص ٣٥٨ - ليدن) أن المعدة مؤلفة من طبقتين داخلة وخارجة ثم قال: «أما الطبعة الداخلة فمن جنس الأغشية العصبانية، وليفها ذاهب بالطول، وفيها ليف ذاهب على الوِراب».
[ ٤ / ١٦٩ ]
وفي باطنها خَمْلٌ وهي محصورةٌ في وسط البطن، وأميل إلى الجانب الأيمن قليلًا. خلقت على هذه الصِّفة بحكمةٍ (^١) لطيفةٍ من الخالق الحكيم سبحانه (^٢).
وهي بيت الدَّاء، وكانت محلًّا للهضم الأوَّل. وفيها ينطبخ (^٣) الغذاء، وينحدر (^٤) منها بعد ذلك إلى الكبد والأمعاء. ويتخلَّف منه فيها فضلاتٌ قد عجزت القوَّة الهاضمة عن تمام هضمها، إمَّا لكثرة الغذاء، أو لرداءته، أو لسوء ترتيبٍ في استعماله، أو لمجموع ذلك. وهذه الأشياء بعضها (^٥) ممَّا لا يتخلَّص الإنسان منها غالبًا، فتكون المعدة بيت الدَّاء لذلك. وكأنَّه يشير بذلك إلى الحثِّ على تقليل الغذاء، ومنع النَّفس من اتِّباع الشَّهوات، والتَّحرُّز عن الفضلات.
وأمَّا العادة، فلأنَّها كالطَّبيعة للإنسان، ولذلك يقال: العادة طبعٌ ثانٍ. وهي
_________________
(١) س، ث، ل: «لحكمة»، وكذا في النسخ المطبوعة وكتاب الحموي.
(٢) بعده في كتاب الحموي: «ليس هذا موضع شرحها».
(٣) هذا في ف، ز، وكتاب الحموي. وفي النسخ الأخرى: «ينضج» أو «تنضيج»، وكلاهما تصحيف.
(٤) س: «ويتحدَّر». وقد سقط منها قبله لفظ «الغذاء».
(٥) في كتاب الحموي: «أو بعضها».
[ ٤ / ١٧٠ ]
قوَّةٌ عظيمةٌ في البدن حتَّى إنَّ أمرًا واحدًا إذا قيس إلى أبدانٍ مختلفة العادات كان مختلف النِّسبة إليها، وإن كانت تلك الأبدان متَّفقةً في الوجوه الأُخَر.
مثال ذلك أبدانٌ ثلاثةٌ حارَّة المزاج في سنِّ الشَّباب: أحدها عُوِّد تناولَ (^١) الأشياء الحارَّة، والثَّاني: عُوِّد تناولَ الأشياء الباردة، والثَّالث عُوِّد تناولَ الأشياء المتوسِّطة. فإنَّ الأوَّل متى تناول عسلًا لم يضرَّ به، والثَّاني متى تناوله أضرَّ به، والثَّالث يضرُّ به قليلًا. فالعادة ركنٌ عظيمٌ في حفظ الصِّحَّة ومعالجة الأمراض، ولذلك جاء العلاج النَّبويُّ بإجراء كلِّ بدنٍ على عادته في استعمال الأغذية والأدوية وغير ذلك.
فصل
في هديه - ﷺ - في تغذية المريض بألطف ما اعتاده من الأغذية (^٢)
في «الصَّحيحين» (^٣) من حديث عروة عن عائشة أنَّها كانت إذا مات الميِّت من أهلها اجتمع (^٤) لذلك النِّساء، ثمَّ تفرَّقن إلى أهلهنَّ (^٥) أمرَتْ
_________________
(١) في ث، ل: «يتناول» هنا وفيما يأتي. وقد زاد الباء بعضهم في س.
(٢) كتاب الحموي (ص ١٢٩ - ١٣١).
(٣) البخاري (٥٤١٧) ومسلم (٢٢١٦).
(٤) كذا في النسخ وكتاب الحموي. وفي «الصحيحين» وغيرهما: «فاجتمع». وفي طبعة الرسالة: «واجتمع» تبعًا للفقي.
(٥) كذا في جميع النسخ الخطية (في س، ث، ل: أهليهن) والمطبوعة. وفي «الصحيحين» وغيرهما: «إلّا أهلها وخاصَّتها». وفي كتاب الحموي ــ ومنه نقل هذا الحديث وما بعده أيضًا ــ: «إلا أهلها». وأخشى أن يكون رسم «إلا» وقع في النسخة التي اعتمد عليها المؤلف من كتاب الحموي: «إلى»، فغيِّر «أهلها» إلى «أهلهن».
[ ٤ / ١٧١ ]
ببُرْمَةِ تلبينةٍ (^١)، فطُبخت. وصَنعت ثريدًا، ثمَّ صبَّت التَّلبينةَ عليه (^٢)، ثمَّ قالت: كلوا منها، فإنِّي سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «التَّلبينة مَجَمَّةٌ لفؤاد المريض، تَذهب ببعض الحزن».
وفي «السُّنن» (^٣) من حديث عائشة أيضًا قالت: قال رسول الله - ﷺ -: «عليكم بالبغيض النافع: التَّلبين». قالت: وكان رسول الله - ﷺ - إذا اشتكى أحدٌ من أهله لم تزل البُرْمة على النَّار حتَّى ينتهي أحد طرفيه. يعني يبرأ أو يموت.
وعنها: كان رسول الله - ﷺ - إذا قيل له إنَّ فلانًا وَجِعٌ لا يطعم الطَّعام قال: «عليكم بالتَّلبينة، فحَسُّوه إيَّاها». ويقول: «والَّذي نفسي بيده، إنَّها تغسل بطن أحدكم كما تغسل إحداكنَّ وجهها (^٤) من الوسخ» (^٥).
_________________
(١) ضبط «ببرمةٍ» بتنوين الكسرة في حط، د، ن. وفي مخطوط كتاب الحموي (٣١/أ): «ببرمةٍ تلبينةٍ». وفي ل: «ببرمةِ تلبينةٍ» على الإضافة.
(٢) ل: «عليها» كما في «الصحيحين».
(٣) «السُّنَن الكبرى» للنَّسائيِّ (٧٥٣٠ - ٧٥٣٢)، و«سنن ابن ماجه» (٣٤٤٦). وأخرجه أيضًا ابن أبي شيبة (٢٣٩٦٧)، وابن راهويه (١٦٥٨، ١٦٥٩)، وأحمد (٢٥٠٦٦، ٢٦٠٥٠)، وغيرهم. وصحَّحه الحاكم (٤/ ٢٠٥، ٤٠٧)، لكن الرَّاوِية عن عائشة كلثم ــ ويقال لها: أمّ كلثوم ــ لا يعرفُ حالها، وفي سندِه اختلاف، وقال ابن حبَّان في «المجروحين» (١/ ١٨٤): «الخبر منكر بمرَّة»، وقال ابن القيسرانيِّ في «الذَّخيرة» (٣/ ١٥٩٤): «في إسناده انقطاع وجهالة». وأخرج البخاريُّ (٥٦٩٠) شطرَه الأوَّل من قولها - ﵂ -.
(٤) وقع في متن ز: «أحدكم وجهه» كما في «المسند»، فأثبت بعضهم كما جاء في غيرها وكتاب الحموي.
(٥) أخرجه أحمد (٢٤٥٠٠، ٢٥١٩٢) من طريق أمِّ كلثوم، عن عائشة - ﵂ - به، وقد تقدَّم أنَّ أمَّ كلثوم لا يُعرَف حالها، فالإسناد ضعيف. ويُقوِّيه ما أخرجه التِّرمذيُّ (٢٠٣٩)، والنَّسائي في «الكبرى» (٧٥٢٩)، وابن ماجه (٣٤٤٥)، وأحمد (٢٤٠٣٥)، من طريق محمَّد بن السَّائب، عن أمِّه، عن عائشة قالت: كان رسول الله - ﷺ - إذا أخذ أهلَه الوعكُ أمرَ بالحساء فصُنِع، ثمَّ أمرَهم فَحَسوا منه، وكان يقول: «إنَّه ليرتو فؤاد الحزين، ويسرو عن فؤاد السَّقيم، كما تسرو إحداكنَّ الوسخَ بالماء عن وجهها»، وقال: «هذا حديث حسن صحيح».
[ ٤ / ١٧٢ ]
التَّلبين: هو الحساء الرَّقيق الذي هو في قوام اللَّبن، ومنه اشتقَّ اسمه. قال الهروي (^١): سمِّيت تلبينةً لشبهها باللَّبن لبياضها ورقَّتها. وهذا الغذاء هو النَّافع للعليل، وهو الرَّقيق النَّضيج لا الغليظ النِّيء. وإذا شئت أن تعرف فضل التَّلبينة فاعرف فضل ماء الشَّعير. بل هي ماء الشَّعير لهم، فإنَّها حساءٌ متَّخذٌ من دقيق الشَّعير بنخالته. والفرق بينها وبين ماء الشَّعير أنَّه يطبخ صحاحًا، والتَّلبينة تطبخ منه مطحونًا. وهي أنفع منه لخروج خاصِّيَّة الشَّعير بالطَّحن.
وقد تقدَّم أنَّ للعادات تأثيرًا في الانتفاع بالأدوية والأغذية، وكانت عادة القوم أن يتَّخذوا ماء الشَّعير منه مطحونًا لا صحاحًا. وهو أكثر تغذيةً، وأقوى فعلًا، وأعظم جلاءً. وإنَّما اتَّخذه أطبَّاء المدن منه صحاحًا ليكون أرقَّ وألطف، فلا يثقل على طبيعة المريض. وهذا بحسب طبائع أهل المدن ورخاوتها، وثقل ماء الشَّعير المطحون عليها. والمقصود: أنَّ ماء الشَّعير مطبوخًا صحاحًا ينفذ سريعًا، ويجلو جلاءً ظاهرًا، ويغذِّي غذاءً لطيفًا. وإذا شُرِب حارًّا كان جلاؤه أقوى، ونفوذه أسرع، وإنماؤه للحرارة الغريزيَّة أكثر،
_________________
(١) لعل المقصود أبو عبيد صاحب «الغريبين» (٥/ ١٦٧٢) وهو صادر عن «التهذيب» (١٥/ ٣٦٤) لشيخه الأزهري، وكلاهما هروي.
[ ٤ / ١٧٣ ]
وتلميسه (^١) لسطوح المعدة أوفق (^٢).
وقوله - ﷺ - فيها: «مَجَمَّةٌ لفؤاد المريض» يروى بوجهين. بفتح الميم والجيم، وبضمِّ الميم وكسر الجيم، والأوَّل: أشهر. ومعناه (^٣): أنَّها مريحةٌ له أي تُريحه وتسكِّنه، من الإجمام وهو الرَّاحة.
وقوله: «تذهب ببعض الحزن» هذا ــ والله أعلم ــ لأنَّ الغمَّ والحزن يبرِّدان المزاج، ويُضْعِفان الحرارة الغريزيَّة، لميل الرُّوح الحامل لها إلى جهة القلب الذي هو منشؤها. وهذا الحساء يقوِّي الحرارة الغريزيَّة بزيادته في مادَّتها، فيزيل أكثر ما عرض له من الغمِّ والحزن.
وقد يقال ــ وهو أقرب ــ: إنَّها تذهب ببعض الحزن بخاصِّيَّةٍ فيها من جنس خواصِّ الأغذية المفرِّحة، فإنَّ من الأغذية ما يفرِّح بالخاصِّيَّة. والله أعلم.
وقد يقال (^٤): إنَّ قوى الحزين تضعف باستيلاء اليبس على أعضائه
_________________
(١) كذا في جميع النسخ ومخطوط كتاب الحموي الذي اعتمد عليه ناشره. ولعل النسخة التي نقل منها ابن القيم كانت شبيهة بهذا المخطوط. وهو تصحيف صوابه: «تمليسه» بالميم قبل اللام كما في المخطوط الذي بين يديَّ من كتاب الحموي (٣١/ب) ومصدره «الأربعين الطبية» للموفق (ص ١٠٤). ومما قاله الموفق في هذا الفصل: «وشُرب الماء الحارِّ وحده يفعل مثل ذلك، ولكن لا يغذِّي ولا يملِّس».
(٢) في كتاب الحموي: «أوفر». ونص الموفَّق: «وتمليسه لسطوح المعدة والأمعاء وسائر الأجزاء أحسن».
(٣) ز: «ومعناها». وكذا في كتاب الحموي.
(٤) القول السابق للمؤلف. أما هذا القول فهو للموفَّق في «الأربعين الطبية» (ص ١٠٤) أورده الحموي دون إشارة إليه، كما فعل المؤلف في النقل من كتاب الحموي.
[ ٤ / ١٧٤ ]
وعلى معدته خاصَّةً لتقليل الغذاء، وهذا الحساء يرطِّبها ويقوِّيها ويغذِّيها. ويفعل مثل ذلك بفؤاد المريض، لكنَّ المريض كثيرًا ما يجتمع في معدته خِلطٌ مراريٌّ أو بلغميٌّ أو صديديٌّ، وهذا الحساء يجلو ذلك عن المعدة، ويَسْرُوه (^١)، ويحدُره، ويمنعه (^٢)، ويعدِّل كيفيَّته، ويكسر سورته، فيريحها؛ ولا سيَّما لمن عادته الاغتذاء بخبز الشَّعير. وهي عادة أهل المدينة إذ ذاك، وكان هو غالب قوتهم، وكانت الحنطة عزيزةً عندهم (^٣). والله أعلم.
فصل
في هديه - ﷺ - في علاج السَّمِّ الذي أصابه بخيبر من اليهود
ذكر عبد الرزاق (^٤) عن معمر، عن الزُّهريِّ، عن عبد الرحمن بن
_________________
(١) أي يكشفه ويزيله. وقد غيَّره بعضهم في ز إلى «ويسرِّيه».
(٢) هكذا في جميع النسخ الخطية والمطبوعة ومصدر المؤلف إلا طبعة الرسالة التي غُيِّر فيها إلى «يميِّعه». وفي كتاب الموفق: «يدفعه» وهو يؤيد صحة ما أثبت.
(٣) «ولا سيما عندهم» من كلام المؤلف. وقال الموفق: «وما أنفع الحساء خاصة لمن يغلب على غذائه الحنطة، فالأولى به في مرضه حساء الشعير».
(٤) في «المصنَّف» (١٠٠١٩، ١٩٨١٤)، ومن طريقه البيهقيُّ في «الدَّلائل» (٤/ ٢٦٠ - ٢٦٣) ــ ومنه النقل فيما يبدو ــ، وقال: «هذا مرسلٌ، ويحتمل أن يكونَ عبد الرَّحمن حمله عن جابر بن عبد الله». وقد أخرجه ابن سعد في «الطَّبقات» (٢/ ٢٠١) من طريق محمَّد بن عبد الله، عن الزُّهريِّ، عن عبد الرَّحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك، عن جابر بمعناه. وأخرجه الطَّبراني في «الكبير» (١٩/ ٧٠) من طريق ابن أبي ذئب، عن الزُّهريِّ، عن عبد الرَّحمن بن كعب، عن أبيه، أنَّ امرأةً يهوديَّة قال الهيثميُّ في «المجمع» (٨/ ٢٩٦): «فيه أحمد بن بكر البالسيُّ، وثَّقه ابن حبَّان وقال: يخطئ، وضعَّفه ابن عديٍّ، وبقيَّة رجاله رجال الصَّحيح». ومن شواهِد احتجام النَّبيِّ - ﷺ - من سُمِّ خيبر حديثُ ابن عبَّاس وأبي هريرة وعبد الله بن جعفر وعبد الرَّحمن بن عثمان - ﵃ -، وعن الحسن وعكرمة وعبد الرَّحمن بن أبي ليلى مرسلًا، وينظر: «المطالب العالية» (١١/ ٢٤٥ - ٢٤٩ ــ نشرة الشّثريِّ). وأصلُ القصَّة في الصَّحيحين من غير ذكر الاحتجام.
[ ٤ / ١٧٥ ]
كعب بن مالك: أنَّ امرأةً يهوديَّةً أهدت إلى النَّبيِّ - ﷺ - شاةً مَصْليَّةً بخيبر، فقال: «ما هذه؟». قالت: هديَّةٌ، وحذِرت أن تقول: من الصَّدقة، فلا يأكلَ (^١). فأكل النَّبيُّ - ﷺ - وأكل أصحابه (^٢). ثمَّ قال: «أمسِكوا». ثمَّ قال للمرأة: «هل سمَمْتِ هذه الشَّاة؟». قالت: من أخبرك بهذا؟ قال: «هذا العظم» لساقها وهو في يده؟ قالت: نعم. قال: «لم؟». قالت: أردت إن كنتَ كاذبًا أن يستريح منك النَّاس (^٣)، وإن كنتَ نبيًّا لم يضرَّك.
قال: فاحتجم النَّبيُّ - ﷺ - ثلاثةً على الكاهل، وأمر أصحابه (^٤)، فاحتجموا، فمات بعضهم.
وفي طريقٍ أخرى: واحتجم رسول الله - ﷺ - على كاهله من أجل الذي أكل من الشَّاة. حَجَمه أبو هند بالقَرْن والشَّفرة، وهو مولًى لبني بياضة من الأنصار (^٥).
_________________
(١) بعده في ن زيادة: «منها».
(٢) حط: «الصحابة».
(٣) س: «نستريح منك والناس».
(٤) في ن بعده زيادة: «أن يحتجموا» زادها بعض النساخ لعدم إلفه للعربية العتيقة. وكذا في النسخ المطبوعة.
(٥) أخرجه أبو داود (٤٥١٠) من طريق يونس، والدَّارميُّ (٦٨) من طريق شُعَيب بن أبي حَمزة، كلاهما عن ابن شهاب، عن جابر بن عبد الله به. وهذا أحد الأوجه الَّتي رُويت عن الزُّهريِّ في هذا الحديث، قال المقدسيُّ في «السُّنن والأحكام» (٥/ ٥٤٤): «ابن شهاب لم يُدرك جابرًا»، فالإسناد منقطع، لكن له شواهد كثيرةٌ تقدَّم الإشارة إليها في التَّخريج السَّابق.
[ ٤ / ١٧٦ ]
وبقي بعد ذلك ثلاث سنين حتَّى كان وجعه الذي توفِّي فيه فقال: «ما زلتُ أجد من الأُكْلة الَّتي أكلتُ من الشَّاة يوم خيبر حتَّى كان هذا أوانَ انقطاع الأبهر منِّي». فتوفِّي رسول الله - ﷺ - شهيدًا. قاله موسى بن عقبة (^١).
معالجة السَّمِّ تكون بالاستفراغات وبالأدوية الَّتي تُعارض فعلَ السَّمِّ وتبطله، إمَّا بكيفيَّاتها، وإمَّا بخواصِّها. فمن عَدِم الدَّواءَ فليبادر إلى الاستفراغ الكلِّيِّ، وأنفعه الحجامة ولا سيَّما إذا كان البلد حارًّا والزَّمان حارًّا؛ فإنَّ القوَّة السَّمِّيَّة تسري إلى الدَّم، فتنبعث في العروق والمجاري حتَّى تصل إلى القلب فيكون الهلاك. فالدَّم هو المنفذ المُوصِل للسَّمِّ إلى القلب والأعضاء، فإذا بادر المسموم وأخرج الدَّمَ خرجت معه تلك الكيفيَّة السَّمِّيَّة الَّتي خالطته. فإن كان استفراغًا تامًّا لم يضرَّه السَّمُّ، بل إمَّا أن يذهب، وإمَّا أن يضعُف فتقوى عليه الطَّبيعة، فتُبطِل فعله أو تُضْعِفه.
ولمَّا احتجم النَّبيُّ - ﷺ - احتجم في الكاهل (^٢)، وهو أقرب المواضع الَّتي يمكن فيها الحجامة إلى القلب، فخرجت المادَّة السَّمِّيَّة مع الدَّم لا خروجًا
_________________
(١) «المغازي» (ص ٢٥٥) قال: قال الزُّهريُّ: قال جابر بن عبد الله: «واحتجم رسول الله - ﷺ - على الكاهل يومئذٍ » إلخ، ومن طريق موسى أخرجه البيهقيُّ في «الدَّلائل» (٤/ ٢٦٤)، وإسناده منقطعٌ. وأخرجه أيضًا ابن سعد في «الطَّبقات» (٢/ ٢٠١) عن الواقديِّ ــ وهو متروكٌ ــ وجمع فيه أسانيد متعدِّدةً. وأخرج الطَّبراني في «الكبير» (٢/ ٣٥) من طريق ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عروةَ مرسلًا، وذكر قصَّة الشَّاة المسمومة، وفي آخرها: «وبقي رسول الله - ﷺ - بعد ثلاث سنين حتَّى كان وجعُه الَّذي مات فيه».
(٢) أخرجه أبو داود (٣٨٦٠)، والتِّرمذيُّ (٢٠٥١)، وابن ماجه (٣٤٨٣)، وأحمد (١٢١٩١، ١٣٠٠١)، وغيرهم من حديث أنس - ﵁ -. وقد تقدَّم تخريجه.
[ ٤ / ١٧٧ ]
كلِّيًّا، بل بقي أثرها مع ضعفه لما يريد الله سبحانه من تكميل مراتب الفضل كلِّها له. فلمَّا أراد الله إكرامه بالشَّهادة ظهر تأثير ذلك الأثر الكامن من السَّمِّ ليقضي الله أمرًا كان مفعولًا. وظهر سرُّ قوله تعالى لأعدائه من اليهود: ﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ [البقرة: ٨٧] فجاء بلفظ «كذَّبتم» بالماضي الذي قد وقع منهم وتحقَّق، وجاء بلفظ «تقتلون» بالمستقبل الذي يتوقَّعونه وينتظرونه. والله أعلم.
فصل
في هديه - ﷺ - في علاج السِّحر الذي سحرته اليهود به
قد أنكر هذا طائفةٌ من النَّاس، وقالوا: لا يجوز هذا عليه، وظنُّوه نقصًا وعيبًا. وليس الأمر كما زعموا، بل هو من جنس ما كان يعتريه - ﷺ - من الأسقام والأوجاع. وهو مرضٌ من الأمراض، وإصابته به كإصابته بالسَّمِّ، لا فرق بينهما.
وقد ثبت في «الصَّحيحين» (^١) عن عائشة أنَّها قالت: سُحِرَ رسولُ الله - ﷺ - حتَّى إن كان لَيخيَّل إليه أنَّه يأتي نساءه، ولم يأتهنَّ. وذلك أشدُّ ما يكون من السِّحر (^٢).
قال القاضي عياض (^٣): والسِّحر مرضٌ من الأمراض وعارضٌ من
_________________
(١) البخاري (٥٧٦٥) ــ وهذا لفظه ــ ومسلم (٢١٨٩).
(٢) هذه الجملة من كلام سفيان بن عيينة.
(٣) في «كتاب الشفا» (٢/ ١٨١).
[ ٤ / ١٧٨ ]
العلل يجوز عليه - ﷺ - كأنواع الأمراض، ممَّا لا يُنكَر ولا يَقدَح في نبوَّته. وأمَّا كونه يخيَّل إليه أنَّه فعل الشَّيءَ ولم يفعله، فليس في هذا ما يُدخِل عليه داخلةً في شيءٍ من صدقه، لقيام الدَّليل والإجماع على عصمته من هذا. وإنَّما هذا فيما يجوز طروُّه (^١) عليه في أمر دنياه الَّتي لم يُبْعَث بسببها (^٢) ولا فُضِّل من أجلها، وهو فيها عرضةٌ للآفات كسائر البشر. فغير بعيدٍ أن يخيَّلَ إليه من أمورها ما لا حقيقة له، ثمَّ ينجلي (^٣) عنه كما كان.
والمقصود: ذكر هديه في علاج هذا المرض. وقد روي عنه فيه (^٤) نوعان:
أحدهما ــ وهو أبلغهما ــ: استخراجه وتبطيله، كما صحَّ عنه - ﷺ - أنَّه سأل ربَّه سبحانه في ذلك، فدلَّ عليه، فاستخرجه من بئرٍ، فكان في مُشْطٍ ومُشَاطةٍ وجُفِّ طَلْعةٍ ذكرٍ. فلمَّا استخرجه ذهب ما به حتَّى كأنَّما نُشِط (^٥) من عِقالٍ. فهذا من أبلغ ما يعالَج به المطبوبُ، وهذا بمنزلة إزالة المادَّة الخبيثة وقلعها من الجسد بالاستفراغ.
والنَّوع الثَّاني: الاستفراغ في المحلِّ الذي يصل إليه أذى السِّحر. فإنَّ للسِّحر تأثيرًا في الطَّبيعة وهيجان أخلاطها وتشويش مزاجها، فإذا ظهر أثره في عضوٍ وأمكن استفراغ المادَّة الرَّديَّة من ذلك العضو نَفَع جدًّا.
_________________
(١) تسهيل «طروءُه».
(٢) في النسخ المطبوعة: «لسببها». وفي مصدر النقل كما أثبت من النسخ.
(٣) رسمه في جميع النسخ «ينحل».
(٤) «فيه» ساقط من د.
(٥) في طبعة الرسالة: «أنشط» تبعًا للفقي.
[ ٤ / ١٧٩ ]
وقد ذكر أبو عبيد في كتاب «غريب الحديث» (^١) له بإسناده عن عبد الرَّحمن بن أبي ليلى أنَّ النَّبيَّ - ﷺ - احتجم على رأسه بقَرْنٍ حين طُبَّ. قال أبو عبيد: معنى طُبَّ: أي سُحِر.
وقد أشكل هذا على من قلَّ علمه وقال: ما للحجامة والسِّحر؟ وما الرَّابطة بين هذا الدَّاء وهذا الدَّواء؟ ولو وجد هذا القائل أبقراط أو ابن سينا أو غيرهما قد نصَّ على هذا العلاج لتلقَّاه بالقبول والتَّسليم، وقال: قد نصَّ عليه من لا يُشَكَّ في معرفته وفضله.
فاعلم أنَّ مادَّة السِّحر الذي أصيب به - ﷺ - انتهت إلى رأسه إلى إحدى قواه الَّتي فيه، بحيث كان يخيَّل إليه أنَّه يفعل الشَّيء ولم يفعله. وهذا تصرُّفٌ من السَّاحر في الطَّبيعة والمادَّة الدَّمويَّة، بحيث غلبت تلك المادَّة على البطن المقدَّم منه، فغيَّرت مزاجه عن طبيعته الأصليَّة.
والسِّحر هو مركَّبٌ من تأثيرات الأرواح الخبيثة وانفعال القوى الطَّبيعيَّة عنها، وهو أشدُّ ما يكون من السِّحر، ولا سيَّما في الموضع الذي انتهى السِّحر إليه. واستعمال الحجامة على ذلك المكان الذي تضرَّرت أفعاله بالسِّحر من أنفع المعالجة إذا استُعمِلت على القانون الذي ينبغي.
_________________
(١) (٣/ ٤٠٥) والنقل من كتاب الحموي (ص ٣١٨). وقد أخرجه أبو عبيد عن هشيم، عن حصين بن عبد الرَّحمن، عن ابن أبي ليلى مرسلًا. وأخرجه أيضًا ابن سعد في «الطَّبقات» (٢/ ٢٠١) من طريق أبي عوانة، والطَّبريُّ في «تهذيب الآثار» (١/ ٥٣٠ - مسند ابن عبَّاس) من طريق ابن إدريس، كلاهما عن حصين، عن ابن أبي ليلى بنحوه. واحتجامُه - ﷺ - في رأسه مخرَّجٌ في الصَّحيحين.
[ ٤ / ١٨٠ ]
قال أبقراط (^١): الأشياء الَّتي ينبغي أن تُسْتفرَغ يجب أن تستفرَغ من المواضع الَّتي هي إليها أميل، بالأشياء (^٢) الَّتي تصلُح لاستفراغها.
وقالت طائفةٌ من النَّاس (^٣): إنَّ رسول الله - ﷺ - لمَّا أصيب بهذا الدَّاء وكان يخيَّل إليه أنَّه فعل الشَّيء ولم يفعله، ظنَّ أنَّ ذلك عن مادَّةٍ دمويَّةٍ أو غيرها مالت إلى جهة الدِّماغ، وغلبت على البطن المقدَّم منه، فأزالت مزاجه عن الحالة الطَّبيعيَّة له. وكان استعمال الحجامة إذ ذاك من أبلغ الأدوية وأنفع المعالجة، فاحتجَم. وكان ذلك قبل أن يوحي الله إليه (^٤) أنَّ ذلك من السِّحر. فلمَّا جاءه الوحي من الله تعالى وأخبره أنَّه قد سُحِرَ عدل إلى العلاج الحقيقيِّ، وهو استخراج السِّحر وإبطاله، فسأل الله سبحانه، فدلَّه على مكانه، فاستخرجه فقام كأنَّما نُشِط من عقالٍ.
وكان غاية هذا السِّحر فيه إنَّما هو في جسده وظاهر جوارحه، لا على عقله وقلبه. ولذلك لم يكن يعتقد صحَّة ما يخيَّل (^٥) إليه من إتيانه النِّساء، بل
_________________
(١) في المقالة الأولى من «فصوله» نسخة الحرم المكي (٣/أ)، والنقل من كتاب الحموي (ص ٣١٩).
(٢) كذا في جميع النسخ الخطية والمطبوعة. وفي كتاب الحموي مطبوعه ومخطوطه (٩٢/ب): «بالأعضاء»، وهكذا في «فصول أبقراط». وفي شرح ابن أبي صادق للفصول (ل ٣٤): «من الأعضاء». ولعل المصنف انتقل بصره إلى كلمة «الأشياء» في السطر السابق، فأعادها.
(٣) هو قول الحموي (ص ٣١٨ - ٣١٩).
(٤) ما عدا ف، ز، د: «يُوحى إليه».
(٥) في أكثر النسخ: «يميل»، تصحيف.
[ ٤ / ١٨١ ]
فصل في أن من أنفع علاجات السحر الأدوية الإلهية
يعلم أنَّه خيالٌ لا حقيقة له. ومثل هذا قد يحدث من بعض الأمراض (^١). والله أعلم.
فصل
ومن أنفع علاجات السِّحر: الأدوية الإلهيَّة. بل هي أدويته النَّافعة بالذَّات، فإنَّه من تأثيرات الأرواح الخبيثة السُّفليَّة. ودفعُ تأثيرها يكون بما يعارضها ويقاومها من الأذكار والآيات والدَّعوات الَّتي تُبطل فعلها وتأثيرها، وكلَّما كانت أقوى وأشدَّ كانت أبلغ في النُّشرة. وذلك بمنزلة التقاء جيشين مع كلٍّ (^٢) منهما عُدَّته وسلاحه، فأيُّهما غلب الآخرَ قهَرَه، وكان الحكم له. فالقلب إذا كان ممتلئًا من الله مغمورًا (^٣) بذكره، وله من التَّوجُّهات والدَّعوات والأذكار والتَّعوُّذات وردٌ لا يخلُّ به يطابق فيه قلبه لسانه= كان هذا من أعظم الأسباب الَّتي تمنع إصابة السِّحر له، ومن أعظم العلاجات له بعد ما يصيبه.
وعند السَّحرة: أنَّ سحرهم إنَّما يتمُّ (^٤) تأثيره في القلوب الضَّعيفة المنفعلة والنُّفوس الشَّهوانيَّة الَّتي هي معلَّقةٌ بالسُّفليَّات. ولهذا غالبُ ما يؤثِّر في النِّساء والصِّبيان والجهَّال وأهل البوادي، ومَن ضعُف حظُّه من الدِّين والتَّوكُّل والتَّوحيد، ومن لا نصيب له من الأوراد الإلهيَّة والدَّعوات
_________________
(١) هذه الفقرة مستفادة من كلام القاضي عياض الذي نقله الحموي (ص ٣١٩) وهو في «الشفا» (٢/ ١٨٢).
(٢) ن: «كل واحد»، وكذا في النسخ المطبوعة.
(٣) ز، حط، د: «معمورًا».
(٤) لفظ «يتم» ساقط من ز.
[ ٤ / ١٨٢ ]
والتَّعوُّذات النَّبويَّة. وبالجملة، فسلطان تأثيره في القلوب الضَّعيفة المنفعلة الَّتي يكون ميلها إلى السُّفليَّات.
قالوا: والمسحور هو الذي يعين على نفسه، فإنَّا نجد قلبه متعلِّقًا بشيءٍ كثيرَ الالتفات إليه، فيتسلَّط على قلبه بما فيه من الميل والالتفات. والأرواح الخبيثة إنَّما تتسلَّط على أرواحٍ تلقاها مستعدَّةً لتسلُّطها عليها، بميلها إلى ما يناسب تلك الأرواح الخبيثة، وبفراغها من القوَّة الإلهيَّة، وعدم أخذها للعُدَّة الَّتي تحاربها بها؛ فتجدها فارغةً لا عدَّة معها، وفيها ميلٌ إلى ما يناسبها، فتتسلَّط عليها، ويتمكَّن تأثيرها فيها بالسِّحر وغيره (^١). والله أعلم (^٢).
فصل
في هديه - ﷺ - في الاستفراغ بالقيء (^٣)
روى الترمذي في «جامعه» (^٤) عن معدان بن أبي طلحة عن أبي الدَّرداء
_________________
(١) إن صحَّ قولهم هذا فكيف جاز السحر على النبي - ﷺ -؟ أجاب عنه الحافظ في «الفتح» (١٠/ ٢٣٥) بأن ما ذكره ابن القيم محمول على الغالب وأن ما وقع به - ﷺ - لبيان تجويز ذلك.
(٢) لم يرد «والله أعلم» في د.
(٣) لم أقف على مصدر المؤلف في هذا الفصل وما يليه في القيء.
(٤) برقم (٨٧). وأخرجه أبو داود (٢٣٨١)، والنَّسائيُّ في «الكبرى» (٣١٠٧ - ٣١١٦)، وأحمد (٢١٧٠١، ٢٢٣٨١، ٢٧٥٠٢)، والدَّارميُّ (١٧٦٩)، وغيرُهم، كلُّهم بلفظ: «قاء فأفطر». وأعلَّه البيهقيُّ في «الكبرى» (١/ ١٤٤، ٢٢٠) بالاضطراب في إسناده، وتُعُقِّب. وقد صحَّحه ابن الجارود (٨)، وابن خزيمة (١٩٥٦ - ١٩٥٩)، وابن حبَّان (١٠٩٧)، وابن منده كما في «الجوهر النَّقيِّ»، والحاكم (١/ ٤٢٦)، والألبانيُّ في «الإرواء» (١١١). وفي الباب عن فضالة بن عبيد - ﵁ -.
[ ٤ / ١٨٣ ]
أصول الاستفراغ خمسة
عشرة أسباب للقيء
أنَّ النَّبيَّ - ﷺ - قاء، فتوضَّأ. فلقيتُ ثوبان في مسجد دمشق، فذكرتُ له ذلك، فقال: صدَق. أنا صببتُ له وضوءه. قال الترمذي: وهذا أصحُّ شيءٍ في الباب.
القيء أحد الاستفراغات الخمسة الَّتي هي أصول الاستفراغ، وهي: الإسهال، والقيء، وإخراج الدَّم، وخروج الأبخرة، والعرَق؛ وقد جاءت بها السُّنَّة.
فأمَّا الإسهال: فقد مرَّ في حديث «خير ما تداويتم به المَشِيُّ» وفي حديثِ السَّنا (^١).
وأمَّا إخراج الدَّم، فقد تقدَّم في أحاديث الحجامة.
وأمَّا استفراغ الأبخرة، فنذكره عقيب هذا الفصل إن شاء اللَّه.
وأمَّا الاستفراغ بالعرق، فلا يكون غالبًا بالقصد، بل بدفع الطَّبيعة له إلى ظاهر الجسد، فيصادف المسامَّ مفتَّحةً، فيخرج منها.
والقيء استفراغٌ من أعلى (^٢) المعدة، والحُقنة من أسفلها، والدَّواء من أعلاها وأسفلها. والقيء نوعان: نوعٌ بالغلبة والهيجان، ونوعٌ بالاستدعاء والطَّلب. فأمَّا الأوَّل، فلا يسوغ حبسه ودفعه، إلا إذا أفرط وخيف منه التَّلف، فيقطع بالأشياء الَّتي تمسكه. وأمَّا الثَّاني، فأنفعه عند الحاجة إذا روعي زمانه وشروطه الَّتي تذكر.
وأسباب القيء عشرةٌ:
أحدها: غلبة المِرَّة الصَّفراء، وطفوُها على رأس المعدة، فتطلب الصُّعود.
_________________
(١) د: «الشفا»، وكذا في هامش ز، وهو تصحيف.
(٢) لفظ «أعلى» ساقط من ز، حط، د، ومستدرك في هامش ن.
[ ٤ / ١٨٤ ]
الثَّاني: من غلبة بلغمٍ لزِجٍ قد تحرَّك في المعدة، واحتاج إلى الخروج.
الثَّالث: أن يكون من ضعف المعدة في ذاتها، فلا تهضم الطَّعام، فتقذفه إلى جهة فوق.
الرَّابع: أن يخالطها خِلْطٌ رديءٌ ينصبُّ إليها، فيسيء هضمَها، ويُضْعِف فعلها.
الخامس: أن يكون من زيادة المأكول أو المشروب على القدر الذي تحتمله المعدة، فتعجز عن إمساكه، فتطلب دفعه وقذفه.
السَّادس: أن يكون من عدم موافقة المأكول والمشروب لها وكراهتها له، فتطلب دفعه وقذفه.
السَّابع: أن يحصل فيها ما يثوِّر الطَّعام بكيفيَّته وطبيعته، فتقذف به.
الثَّامن: القَرَف (^١)، وهو موجب غَثَيان النَّفس وتهوُّعها.
التَّاسع: من الأعراض النَّفسانيَّة، كالهمِّ الشَّديد والغمِّ والحزن، وغلبة اشتغال الطَّبيعة والقوى الطَّبيعيَّة به واهتمامها بوروده عن تدبير البدن، وإصلاح الغذاء وإنضاجه وهضمه، فتقذفه المعدة. وقد يكون لأجل تحرُّك الأخلاط عند تخبُّط النَّفس، فإنَّ كلَّ واحدٍ من النَّفس والبدن ينفعل عن صاحبه، وتؤثِّر كيفيَّتُه في كيفيَّته.
العاشر: نقل الطَّبيعة، بأن يرى مَن يتقيَّأ، فيغلبه هو القيءُ من غير
_________________
(١) القَرَف: ملابسة الداء ومداناة المرض كما سبق، والظاهر أنه هنا بمعنى التقزز والاشمئزاز كما في كلام العامة.
[ ٤ / ١٨٥ ]
استدعاءٍ فإنَّ الطَّبيعة نقَّالة.
وأخبرني بعض حذَّاق الأطبَّاء، قال: كان لي ابن أختٍ حَذِقَ في الكَحْل فجلس كحَّالًا، فكان إذا فتح عين الرَّجل، ورأى الرَّمدَ، وكحَله= رَمِد هو. وتكرَّر ذلك منه، فترك الجلوس. قلت له: فما سببه (^١)؟ قال: نقلُ الطَّبيعة، فإنَّها نقَّالة (^٢).
قال: وأعرف آخر كان (^٣) رأى خُرَاجًا في موضعٍ من جسم رجلٍ يحُكُّه، فحكَّ هو ذلك الموضع، فخرجت فيه خُرَاجةٌ.
قلت: وكلُّ هذا لا بدَّ فيه من استعداد الطَّبيعة، وتكون المادَّة ساكنةً فيها غير متحرِّكةٍ، فتتحرَّك لسببٍ من هذه الأسباب. فهذه أسبابٌ لتحرُّك المادَّة، لا أنَّها هي الموجبة لهذا العارض.
فصل
ولمَّا كانت الأخلاط في البلاد الحارَّة والأزمنة الحارَّة ترقُّ وتنجذب إلى فوقُ كان القيء فيها أنفع. ولمَّا كانت في الأزمنة الباردة والبلاد الباردة تغلُظ ويصعب جذبُها إلى فوقُ كان استفراغها بالإسهال أنفع.
وإزالة الأخلاط ودفعها يكون بالجذب والاستفراغ. والجذب يكون من
_________________
(١) ن: «سبب ذلك».
(٢) الجملة «فإنها نقالة» ساقطة من د. وقد نقل المؤلف هذه الحكاية في «الطرق الحكمية» (٢/ ٧٣٨) و«تحفة المودود» أيضًا (ص ٤٠٠)، وقال في الأخير: «وحدثني رئيس الأطباء بالقاهرة».
(٣) في س بعده زيادة: «إذا»، ولعله من خطأ الناسخ.
[ ٤ / ١٨٦ ]
أبعد الطُّرق، والاستفراغ من أقربها. والفرق بينهما أنَّ المادَّة إذا كانت عاملةً في الانصباب أو التَّرقِّي لم تستقرَّ بعدُ فهي محتاجةٌ إلى الجذب. فإن كانت متصاعدةً جُذبت من أسفل، وإن كانت منصبَّةً جُذِبت من فوق. وأمَّا إذا استقرَّت في موضعها استُفرغت من أقرب الطُّرق إليها. فمتى أضرَّت المادَّة بالأعضاء العليا اجتُذِبت من أسفل، ومتى أضرَّت بالأعضاء السُّفلى اجتُذبت من فوق. ومتى استقرَّت استُفرغت من أقرب مكانٍ إليها.
ولهذا احتجم النَّبيُّ - ﷺ - على كاهله تارةً، وفي رأسه أخرى، وعلى ظهر قدمه تارةً؛ فكان يستفرغ مادَّة الدَّم المؤذي من أقرب مكانٍ إليه (^١).
فصل
والقيء ينقِّي المعدة ويقوِّيها، ويُحِدُّ البصر، ويزيل ثقل الرَّأس، وينفع قروح الكلى والمثانة، والأمراض المزمنة كالجذام والاستسقاء والفالج والرَّعشة، وينفع اليرقان (^٢).
وينبغي أن يستعمله الصَّحيح في الشَّهر مرَّتين متواليتين من غير حفظ دورٍ (^٣)، ليتدارك الثَّاني ما قصَّر عنه الأوَّل، وينقِّي الفضلات الَّتي انصبَّت بسببه.
_________________
(١) بعده في ن: «والله أعلم».
(٢) وانظر منافع القيء في «القانون» (١/ ٢٨٧).
(٣) نقل صاحب «القانون» (١/ ٢٨٧) عن أبقراط أنه يوجب الاستفراغ بالقيء في الشهر يومين متواليين، أما هو فيرى أن يستعمل مرة أو مرتين على الامتلاء من غير حفظ دور أو عدد أيام معلومة. وانظر: «الحاوي» (٢/ ٣٥٨).
[ ٤ / ١٨٧ ]
والإكثار منه يضرُّ المعدة ويجعلها قابلةً للفضول، ويضرُّ بالأسنان والبصر والسَّمع، وربَّما صدَع عِرْقًا. ويجب أن يجتنبه من له ورمٌ في الحلق أو ضعفٌ في الصَّدر، أو دقيقُ الرَّقبة، أو مستعدٌّ لنفث الدَّم، أو عسِرُ الإجابة له (^١).
وأمَّا ما يفعله كثيرٌ ممَّن يسيء التَّدبير، وهو أن يمتلئ من الطَّعام ثمَّ يقذفه، ففيه آفاتٌ عديدةٌ، منها: أنَّه يعجِّل الهرم، ويوقع في أمراضٍ رديَّة، ويجعل القيء له عادةً. والقيء مع اليبوسة وضعف الأحشاء وهزال المراقِّ أو ضعف المستقيء خطرٌ.
وأحمد أوقاته الصَّيف والرَّبيع دون الشِّتاء والخريف. وينبغي عند القيء أن يعصِب العينين، ويقمِط البطنَ (^٢)؛ ويغسل الوجه بماءٍ باردٍ عند الفراغ وإن شرِب (^٣) عقيبه شراب التُّفَّاح مع يسيرٍ من مُصْطكى وماء وردٍ نفعَه نفعًا بيِّنًا.
والقيء يستفرغ من أعلى المعدة ويجذب من أسفل، والإسهال بالعكس. قال أبقراط (^٤): وينبغي أن يكون الاستفراغ في الصَّيف من فوق أكثر من الاستفراغ بالدَّواء، وفي الشِّتاء من أسفل.
_________________
(١) وانظر مضارَّ القيء في «القانون» (١/ ٢٨٨).
(٢) أي يشدَّه برباط.
(٣) س، حط: «يشرب»، ويحتمله رسم الكلمة في ث، ل، ن. وكذا في النسخ المطبوعة.
(٤) في المقالة الرابعة من «فصوله» (ق ٨/أ). وفي عبارة المؤلف تعقيد. ونصُّ ترجمة حنين: «ينبغي أن يكون ما يستعمل من الاستفراغ بالدواء، في الصيف من فوق أكثر، وفي الشتاء من أسفل». وانظر: «شرح الفصول» لابن أبي صادق (ل ٩٤ - ٩٥).
[ ٤ / ١٨٨ ]
فصل
في هديه - ﷺ - في الإرشاد إلى معالجة أحذق الطَّبيبين
ذكر مالك في «موطَّئه» (^١) عن زيد بن أسلم أنَّ رجلًا في زمن رسول الله - ﷺ - جُرِحَ، فاحتقَن الدَّمَ؛ وأنَّ الرَّجل دعا رجلين من بني أنمار، فنظرا (^٢) إليه، فزعم (^٣) أنَّ رسول الله - ﷺ - قال لهما: «أيُّكما أطَبُّ؟». فقالا: أوَ في الطِّبِّ خيرٌ يا رسول اللَّه؟ فقال: «أنزل الدَّواءَ الذي أنزل الدَّاء» (^٤).
ففي هذا الحديث أنَّه ينبغي الاستعانة في كلِّ علمٍ وصناعةٍ بأحذقِ مَن
_________________
(١) برقم (٢٧١٨). وأخرجه أيضًا ابن أبي شيبة (٢٣٨٨٦) ــ ومن طريقه أبو نعيم في «الطِّبِّ النَّبويِّ» (٣٦) ــ عن عبد الرَّحيم بن سليمان، عن يحيى بن سعيد، عن زيد به مرسلًا. وله شاهدٌ صحيحٌ من حديثِ رجلٍ منَ الأنصار عند أحمد (٢٣١٥٦)، وآخرُ من حديث أبي هريرة - ﵁ - عند أبي نعيم في «الطِّب النَّبوي» (٣١، ٣٢) تقدَّم تخريجه.
(٢) ث، ل، ن: «فنظر»، وكذا في مخطوطة كتاب الحموي (٧٤/أ) والطبعة الهندية، ولعله سهو من النساخ.
(٣) كذا في جميع النسخ. وفي مخطوطة الحموي: «فزعم زيد»، وهي رواية أبي مصعب (٢/ ١٢١) وفي رواية الليثي: «فزعما».
(٤) هذه رواية أبي مصعب. وفي رواية الليثي: «الأدواء». لفظ الحديث منقول من كتاب الحموي (ص ٢٧٢) وفيه: «عن أبي محمد الخلال بإسناد له عن زيد بن أسلم ». وفي آخره: «رواه مالك في الموطأ». فأغفل المصنف اسم الخلال وأحال على الموطأ رأسًا. فلما رأى محققا طبعة الرسالة اختلاف اللفظ الوارد هنا من لفظ الموطَّأ أخذتهما الحَميَّة للحديث فيما يبدو، فتصرفا في النص وأثبتا: «أن رجلًا في زمان رسول الله - ﷺ - أصابه جرحٌ، فاحتقن الجرح الدم فزعما أن الداء».
[ ٤ / ١٨٩ ]
فائدة في معنى إنزال الداء والدواء
فيها فالأحذق، فإنَّه إلى الإصابة أقرب. وهكذا يجب على المستفتي أن يستعين على ما ينزل (^١) به بالأعلم فالأعلم لأنَّه أقرب إصابةً ممَّن هو دونه. وكذلك من خفيت عليه القبلة فإنَّه يقلِّد أعلمَ من يجده. وعلى هذا فطَر الله عباده، كما أنَّ المسافر في البرِّ والبحر إنَّما سكون نفسه وطمأنينته إلى أحذق الدَّليلين وأخبَرِهما، وله يقصد، وعليه يعتمد. فقد اتَّفقت على هذا الشَّريعة والفطرة والعقل.
وقوله - ﷺ -: «أنزل الدَّواء الذي أنزل الدَّاء» قد جاء مثله عنه في أحاديث كثيرةٍ. فمنها ما رواه عمرو بن دينارٍ عن هلال بن يَسَاف قال: دخل رسول الله - ﷺ - على مريضٍ يعوده، فقال: «أرسِلُوا إلى طبيبٍ». فقال قائل: وأنت تقول ذلك يا رسول اللَّه؟ قال: «نعم، إنَّ الله ﷿ لم يُنْزِل داءً إلا له (^٢) دواءٌ» (^٣).
وفي «الصَّحيحين» من حديث أبي هريرة يرفعه: «ما أنزل الله من داءٍ إلا
_________________
(١) ن: «نزل».
(٢) ل: «وله». وفي ن قبله: «أنزل»، وكذا في هامش ز، وفي النسخ المطبوعة. وفي مخطوط كتاب الحموي كما أثبت من النسخ.
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة (٢٣٨٨٠) ــ ومن طريقه أبو نعيم في «الطِّب النَّبوي» (٣٣) ــ عن ابن عيينة، عن عَمرو به، وأخرجه أبو نعيم أيضًا (٣٤، ٣٥) من طريق حسَّان بن إبراهيم، عن عَمرو به، وهذا مرسلٌ. وقد جاء من وجهٍ آخرَ مسندًا، فأخرجه أحمد (٢٣١٥٦)، وابن منيع كما في «الإتحاف» للبوصيريِّ (٣٨٧٤)، من طريق سفيان، عن منصور، عن هلال بن يساف، عن ذكوان، عن رجل من الأنصار بمعناه، قال البوصيريُّ: «رجاله ثقات»، وهو في «السِّلسلة الصَّحيحة» (٥١٧، ٢٨٧٣). وللحديث شواهد كثيرةٌ، تقدَّم بعضها في أوائل المجلد.
[ ٤ / ١٩٠ ]
أنزل له شفاءً». وقد تقدَّم هذا الحديث وغيرُه (^١).
واختُلِف في معنى «أنزل الدَّاء والدَّواء»، فقالت طائفة (^٢): إنزالُه: إعلامُ العباد به. وليس بشيءٍ، فإنَّ النَّبيَّ - ﷺ - أخبر بعموم الإنزال لكلِّ داءٍ ودوائه، وأكثرُ الخلق لا يعلمون ذلك. ولهذا قال: «علِمَه من علِمَه، وجَهِله مَن جَهِله» (^٣).
وقالت طائفة: إنزالهما: خلقُهما ووضعُهما في الأرض، كما في الحديث الآخر: «إنَّ الله لم يضع داءً إلا وضَع له دواءً» (^٤). وهذا وإن كان أقرب من الذي قبله، فلفظة «الإنزال» أخصُّ من لفظة الخلق والوضع، فلا ينبغي إسقاط خصوصيَّة اللَّفظة بلا موجِبٍ.
وقالت طائفة: إنزالهما بواسطة الملائكة الموكَّلين بمباشرة الخلق من داءٍ ودواءٍ وغير ذلك، فإنَّ الملائكة موكَّلةٌ بأمر هذا العالم وأمر النَّوع
_________________
(١) في أول هذا المجلد. وسبق التنبيه على أن الحديث المذكور لم يخرِّجه مسلم، وإنما تابع المؤلف الحموي (ص ٦١).
(٢) انظر الأقوال الثلاثة الأولى في «إكمال المعلم» للقاضي عياض (٧/ ١٢٠) وعنه نقل الحموي في كتابه (ص ٢٧٣، ٦١).
(٣) أخرجه أحمد (١٨٤٥٦) من حديث أسامة بن شريك - ﵁ -، وأخرجه أيضًا (٣٥٧٨، ٣٩٢٢، ٤٢٣٦، ٤٣٣٤) من حديث ابن مسعود - ﵁ -، وقد تقدَّم تخريجهما في أوائل المجلد.
(٤) أخرجه أبو داود (٣٨٥٥)، والتِّرمذيُّ (٢٠٣٨)، والنَّسائيُّ في «الكبرى» (٧٥٥٣، ٧٥٥٤)، وابن ماجه (٣٤٣٦)، وأحمد (١٨٤٥٤)، والبخاريُّ في «الأدب المفرد» (٢٩١)، من حديث أسامة بن شريك - ﵁ -. وقد تقدَّم تخريجه في أوائل المجلد.
[ ٤ / ١٩١ ]
الإنسانيِّ من حين سقوطه في رحم أمِّه إلى حين موته. فإنزالُ (^١) الدَّاء والدَّواء مع الملائكة. وهذا أقرب من الوجهين قبله.
وقالت طائفة: إنَّ عامَّة الأدواء والأدوية هي بواسطة إنزال الغيث من السَّماء، الذي تتولَّد به الأغذية والأقوات، والأدوية والأدواء، وآلات ذلك كلِّه وأسبابه ومكمِّلاته. وما كان منها من المعادن العُلْويَّة فهي تنزل من الجبال. وما كان منها من الأودية والأنهار والثِّمار فداخلٌ في اللَّفظ على طريق التَّغليب والاكتفاء عن الفعلين بفعلٍ واحدٍ يتضمَّنهما. وهو معروفٌ من لغة العرب بل وغيرها من الأمم، كقول الشَّاعر:
وعلَفتُها (^٢) تبنًا وماءً باردًا حتى غدَتْ همَّالةً عيناها (^٣)
وقول الآخر:
ورأيتِ زوجَكِ قد غدا متقلِّدًا سيفًا ورمحًا (^٤)
_________________
(١) ز، ث، ل: «فأنزل».
(٢) كذا بالواو في جميع النسخ إلا ن، وكذا في النسخ المطبوعة إلا نشرتي الفقي والرسالة، والظاهر أن زيادة الواو وهم ينقل البيت إلى الكامل. والرواية دونها على أن البيت من الرجز.
(٣) قال الفراء في «معاني القرآن» (١/ ١٤): «أنشدني بعض بني أسد يصف فرسه». وفيه (٣/ ١٢٤): «أنشدني بعض بني دُبير». وبنو دبير من بني أسد. وعنه نقل أبو محمد الأنباري في «شرح المفضليات» (ص ٢٤٨) وابن قتيبة في «تأويل المشكل» (ص ٢١٣) والطبري في «التفسير» (١/ ٢٦٤). وذكر صاحب «الخزانة» (٣/ ٤٠) أنه رأى في حاشية نسخة صحيحة من «الصحاح» أنه لذي الرمة، وأنه فتش ديوانه فلم يجده فيه.
(٤) أنشده الفراء في «معانيه» (١/ ١٢١) وأبو عبيدة في «المجاز» (٢/ ٦٨) وعنهما آخرون دون عزو. وإنما وقع العزو في زيادات طبعة رَايت من «الكامل» للمبرد (١/ ٤٣٢) إلى عبد الله بن الزِّبَعْرَى. وانظر: «شعره» صنعة الجبوري (ص ٣٢).
[ ٤ / ١٩٢ ]
وقول الآخر:
وزجَّجن الحواجبَ والعيونا (^١)
وهذا أحسن ممَّا قبله من الوجوه. والله أعلم.
وهذا من تمام حكمة الرَّبِّ ﷿ وتمام ربوبيَّته. فإنَّه كما ابتلى عباده بالأدواء، أعانهم عليها بما يسَّره لهم من الأدوية. كما (^٢) ابتلاهم بالذُّنوب،
_________________
(١) صدره (وقد زاده الفقي في متن الكتاب، وقلَّدته طبعة الرسالة): إذا ما الغانيات برزن يومًا هكذا أنشده مع صدره هذا: الفراء في «معانيه» (٣/ ١٢٣) وأبو عبيد كما في «تهذيب اللغة» (١٠/ ٤٥٤) وابن قتيبة في «تأويل المشكل» (ص ٢١٣) والطبري في «التفسير» (٢٢/ ٣٠١ - هجر)، وابن الأنباري في «شرح القصائد السبع» (ص ١٤٨)؛ كلهم دون عزو، ولعلهم جميعًا صادرون عن الفراء. وقد عزاه ابن الأنباري في «إيضاح الوقف والابتداء» (٢/ ٩٢٢) إلى الحطيئة، وكذا العوتبي في «الإبانة» (٢/ ٢٥) والظاهر من سياقه أنه صادر عن ابن الأنباري. وقد عزاه العوتبي في موضع آخر (١/ ١٧٢) إلى جميل. ولم أجد البيت في «ديوان الحطيئة» ولا في المجموع من شعر جميل. وقد أنشد الجوهري عجز البيت كما جاء هنا، فعلَّق عليه ابن برِّي بأن البيت للراعي وصدره: وهِزَّةِ نسوةٍ من حيِّ صِدْقٍ. انظر: «التنبيه والإيضاح» (١/ ٢٠٨) و«اللسان» (زجج). قلت: لا يبعد أن يكون البيت المشهور الذي أنشده الفراء غير بيت الراعي. وانظر: «ديوان الراعي» نشرة راينهرت (ص ٢٦٩ - ٢٧٠) وقد أفاض في تخريج الشاهد.
(٢) هكذا في جميع النسخ. وقد زاد بعضهم في س قبله واوًا، يعني: «وكما»، وكذا في النسخ المطبوعة.
[ ٤ / ١٩٣ ]
معنى الطب في اللغة
أعانهم عليها بالتَّوبة والحسنات الماحية والمصائب المكفِّرة. وكما ابتلاهم بالأرواح الخبيثة من الشَّياطين، أعانهم عليها بجندٍ من الأرواح الطَّيِّبة وهم الملائكة. وكما ابتلاهم بالشَّهوات، أعانهم على قضائها بما يسَّره لهم شرعًا وقدرًا من المشتهيات اللَّذيذة النَّافعة. فما ابتلاهم سبحانه بشيءٍ إلا أعطاهم ما يستعينون به على ذلك البلاء، ويدفعونه به. ويبقى التَّفاوت بينهم في العلم بذلك، والعلمِ بطريق حصوله والتَّوصُّلِ إليه. وباللَّه المستعان.
فصل
في هديه - ﷺ - في تضمين مَن طبَّ النَّاس وهو جاهلٌ بالطِّبِّ
روى أبو داود والنَّسائيُّ وابن ماجه (^١) من حديث عمرو بن شعيبٍ عن أبيه عن جدِّه قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من تطبَّب ولم يُعلَم منه الطِّبُّ قبل ذلك فهو ضامنٌ».
هذا الحديث يتعلَّق به ثلاثة أمورٍ: أمرٌ لغويٌّ، وأمرٌ فقهيٌّ، وأمرٌ طبِّيٌّ.
_________________
(١) «سنن أبي داود» (٤٥٨٦)، «سنن النَّسائيِّ» (٤٨٣٠)، «سنن ابن ماجه» (٣٤٦٦)، من طريق ابن جُريج، عن عَمرو به. وتوقَّفَ أبو داود في صحَّته، وابنُ جريج مدلِّسٌ وقد عنعن، واختُلفَ عليه؛ فقيل أيضًا: عنه، عن عمرو بن شعيب، عن جدِّه، وقال الدَّارقطنيُّ (٤/ ٢٦٦): «لم يسنده عن ابن جريج غير الوليد بن مسلم، وغيرُه يرويه عن ابن جريج عن عمرو بن شعيب مرسلًا عن النَّبيِّ - ﷺ -»، وقوَّى ابن حجر المرسلَ في «البلوغ» (١١٩٥). وله شاهدٌ مرسلٌ عند أبي داود (٤٥٨٧) وغيره. وقد صحَّحه الحاكم (٤/ ٢١٢)، وابن دقيق العيد في «الإلمام» (١٤٤٨)، وحسَّنه ابن مُفلح في «الآداب الشَّرعيَّة» (٢/ ٤٣٨)، وابنُ كثير في «إرشاد الفقيه» (٢/ ٢٦٦)، والألباني في «السلسلة الصحيحة» (٦٣٥).
[ ٤ / ١٩٤ ]
فأمَّا اللُّغويُّ (^١)، فالطِّبُّ بكسر الطَّاء في لغة العرب يقال على معانٍ. منها الإصلاح. يقال طبَبته: إذا أصلحته. ويقال (^٢): له طِبٌّ بالأمور. أي: لطفٌ وسياسةٌ. قال الشَّاعر:
وإذا تغيَّر من تميمٍ أمرُها كنتُ الطَّبيب لها برأيٍ ثاقبٍ (^٣)
ومنها: الحذق. قال الجوهري (^٤): كلُّ حاذقٍ طبيبٌ عند العرب. قال أبو عبيد (^٥): أصل الطِّبِّ: الحذق بالأشياء والمهارة بها. يقال للرَّجل: طَبٌّ وطبيبٌ: إذا كان كذلك، وإن كان في غير علاج المريض. وقال غيره (^٦): رجلٌ طبيبٌ أي حاذقٌ سمِّي طبيبًا لحذقه وفطنته.
قال علقمة (^٧):
فإن تسألوني بالنِّساء فإنَّني خبيرٌ بأدواء النِّساء طبيبُ
إذا شاب رأسُ المرء أو قلَّ مالُه فليس له في ودِّهنَّ نصيبُ (^٨)
_________________
(١) هذا الأمر اللغوي مأخوذ برمَّته من كتاب الحموي (ص ٥١ - ٥٣)، ولم أقف على مصدر الحموي.
(٢) هذا القول في «المثلث» لابن السِّيد (٢/ ٧٩).
(٣) لم أقف عليه. وقد ضبط «كنتُ» بضم التاء في ف، د، ث، ل.
(٤) في «الصحاح» (طبب).
(٥) في «غريب الحديث» (٣/ ٤٠٦).
(٦) انظر: «المعلم» للمازري (٣/ ١٦٢).
(٧) من قصيدة له في «المفضليات» (ص ٣٩٢) و«شرحها» للأنباري (ص ٧٧٣).
(٨) «في ودِّهن» كذا في النسخ والطبعة الهندية. وفي طبعة عبد اللطيف وما بعدها: «من ودهن».
[ ٤ / ١٩٥ ]
وقال عنترة (^١):
إن تُغْدِفي دوني القناعَ فإنَّني طَبٌّ بأخذ الفارس المُسْتلئم
أي: إن تُرْخي عنِّي قناعَك وتستُري وجهكِ رغبةً عنِّي، فإنِّي خبيرٌ حاذقٌ بأخذ الفارس الذي قد لبِس لَأْمَة حربه.
ومنها: العادة. يقال: ليس ذاك بطِبِّي، أي عادتي. قال فَرْوة بن مُسَيك (^٢):
فما إن طِبُّنا جبنٌ ولكن منايانا ودولةُ آخرينا
_________________
(١) من معلَّقته في «ديوانه» (ص ٢٠٥) و«غريب الحديث» لأبي عبيد (٣/ ٤٠٦) و«شرح القصائد السبع» لابن الأنباري (ص ٣٣٥).
(٢) المُرادي من قصيدة له في يوم الرَّدم، وقد كان قبل الإسلام بين مراد وهمدان. انظر: «سيرة ابن هشام» (٢/ ٥٨٢)، و«الوحشيات» (ص ٢٨)، و«الأشباه والنظائر» للخالديين (١/ ٨٢). والبيت من شواهد سيبويه (٣/ ١٥٣). وانظر: «خزانة البغدادي» (٤/ ١١٢ - ١١٩).
[ ٤ / ١٩٦ ]
وقال أحمد بن الحسين (^١):
وما التِّيهُ طِبِّي فيهمُ غيرَ أنَّني بغيضٌ إليَّ الجاهلُ المتعاقلُ
ومنها: السِّحر. يقال: رجلٌ مطبوبٌ، أي مسحورٌ. وفي الصَّحيح في حديث عائشة: لمَّا سحرت يهودُ رسولَ الله - ﷺ -، وجلس الملكانِ عند رأسه وعند رجليه، فقال أحدهما: ما بال الرَّجل؟ قال الآخر: مطبوبٌ. قال: من طبَّه؟ قال: فلانٌ اليهوديُّ (^٢).
قال أبو عبيد (^٣): إنَّما قالوا للمسحور: مطبوبٌ، لأنَّهم كنَوا بالطِّبِّ عن السِّحر، كما كنَوا عن اللَّديغ، فقالوا: «سليمٌ» تفاؤلًا بالسَّلامة، وكما كنوا بالمفازة عن الفلاة المهلكة الَّتي لا ماء فيها، فقالوا: «مفازةٌ» تفاؤلًا بالفوز من الهلاك.
ويقال: الطِّبُّ لنفس الدَّواء (^٤). قال ابن أبي الأسلت (^٥):
ألا من مبلغٌ حسَّانَ عنِّي أسحرٌ كان طبَّك أم جنونُ (^٦)
_________________
(١) زاد بعده محققا طبعة الرسالة: «المتنبي» دون تنبيه. والجدير بالذكر أن في كتاب الحموي: «وقال المتنبي» فاستبدل به ابن القيم «أحمد بن الحسين». والبيت في «ديوانه» (ص ٣٦٧).
(٢) تقدم تخريجه.
(٣) في «غريب الحديث» (٣/ ٤٠٥ - ٤٠٦).
(٤) كذا في جميع النسخ الخطية والمطبوعة إلا نشرة الفقي الذي أثبت «الداء» وهو الصواب الوارد في كتاب الحموي (ص ٥٢)، وانظر مخطوطه (٣/ب). ولعل ما في النسخ من سبق القلم. وقال ابن السيد في «المثلث» (٢/ ٧٩): «والطب: الداء، وهو من الأضداد»، ومما استشهد به على ذلك هذا البيت.
(٥) كذا في جميع النسخ الخطية والمطبوعة (في د، ل: «الأسلب» بالباء، تصحيف). والصواب كما في كتاب الحموي: «ابن الأسلت». اسمه صيفي وأبوه عامر الملقب بالأسلت، من الأوس. وحسان بن ثابت من الخزرج. وكانا يتهاجيان. انظر: «جمهرة أنساب العرب» لابن حزم (ص ٣٤٥) و«الإصابة» (١٢/ ٥٤٥ ــ هجر).
(٦) من شواهد سيبويه (١/ ٤٩)، وهذه روايته. ورواه ابن دريد في «الجمهرة» (١/ ٧٣): «أطِبٌّ كان داءَك» على أن الطب بمعنى السحر. وفي «الجمل» المنسوب للخليل (ص ١٢١): «كان ذلك»، ولعل «ذلك» تصحيف «داءَك». وانظر: «الخزانة» (٩/ ٢٩٥).
[ ٤ / ١٩٧ ]
وأمَّا قول الحماسي (^١):
فإن كنتُ مطبوبًا فلا زلتُ هكذا وإن كنتُ مسحورًا فلا برأ السِّحرُ
فإنَّه أراد بالمطبوب: الذي قد سُحِر، وأراد بالمسحور: العليل بالمرض. قال الجوهري: ويقال للعليل مسحورٌ. وأنشد البيت (^٢). ومعناه: إن كان هذا الذي قد عراني منك ومن حبِّك، أسأل الله دوامه ولا أريد زواله، سواءٌ كان سحرًا أو مرضًا (^٣).
والطِّبُّ: مثلَّث الطَّاء. فالمفتوح الطَّاء هو العالم بالأمور. وكذلك الطَّبيب يقال له: طَبٌّ أيضًا. والطِّبُّ: بكسر الطَّاء: فعلُ الطَّبيب. والطُّبُّ بضمِّها (^٤):
_________________
(١) من ثلاثة أبيات في «شرح المرزوقي» (٣/ ١٢٦٧). وهي في «الحماسة البصرية» (٣/ ١٢٣٤) لفائد بن المنذر القشيري. و«المنذر» في «الأشباه والنظائر» للخالديين (٢/ ٢٨٣): «منير». و«فائد» في «شرح شواهد المغني» للسيوطي (١/ ١٧٢) و«شرح الشواهد» للعيني (٣/ ١٠٦٥): «عائد». ونسب في «اللآلي» (١/ ٤٠٣) إلى رجل من بني ربيعة. وانظر التخريج في «الحماسة البصرية».
(٢) نقل الحموي القول المذكور عن الجوهري ثم أورد بيت الحماسي. ولعله وهم، فإن «الصحاح» خِلْو منهما. وما قال من أن المراد بالمطبوب في قوله: المسحور، وبالمسحور: المريض= فيه نظر. وأقرب منه أن يكون المسحور بمعنى المسحور، والمطبوب بمعنى المريض الذي يمكن علاجه. ولعل قول المرزوقي في آخر تفسيره للبيت: «ولا يجوز أن يكون معنى «مطبوبًا»: مسحورًا، لأنه يصير الصدر والعجز بمعنى واحد» ردٌّ على التفسير المذكور هنا.
(٣) هذا التفسير لم يرد في كتاب الحموي.
(٤) ن: «بضم الطاء». وكذا في النسخ المطبوعة.
[ ٤ / ١٩٨ ]
اسم موضعٍ (^١). قاله ابن السِّيد (^٢) وأنشد:
فقلتُ هلَ انْهَلْتُم بطُبٍّ ركابَكم بجائزة الماءِ الَّتي طاب طينها (^٣)
وقوله - ﷺ -: «من تطبَّب». ولم يقل: مَن طَبَّ، لأنَّ لفظ التَّفعُّل يدلُّ على تكلُّف الشَّيء والدُّخول فيه بعُسْرٍ وكلفةٍ، وأنَّه ليس من أهله، كتحلَّم وتشجَّع وتصبَّر ونظائرها. ولذلك بنوا تكلَّف على هذا الوزن، قال الشَّاعر:
وقيسَ عيلان ومَن تقيَّسا (^٤)
وأمَّا الأمر الشَّرعيُّ فإيجاب الضَّمان على الطَّبيب الجاهل. فإذا تعاطى علم الطِّبِّ وعمله، ولم يتقدَّم له به معرفةٌ، فقد هجَم بجهله على تَلافِ (^٥)
_________________
(١) وكذا قال الفيروزابادي في «الغرر المثلثة» (ص ٤٦٦) ــ ومصدره كتاب ابن السِّيد ــ و«القاموس» (طبب). وقد ذكر الهمداني في «صفة جزيرة العرب» موضعين بهذا الاسم أحدهما في «سَرْو مذحج» (ص ١٨٦) وضبطه المحقق في تعليقه بفتح الطاء. والآخر في بلاد نِهْم من الجوف (ص ٣١٤). وانظر التعليق الآتي.
(٢) في «المثلث» (٢/ ٧٩ - ٨٠).
(٣) في جميع النسخ: «طيبُها»، تصحيف. وفي كتاب الحموي مطبوعه ومخطوطه، ومصدره كتاب ابن السِّيد بالنون، وهو الصواب. فالبيت من أبيات نونية أوردها الهجري في نوادره (٢/ ٣٩ - ط بغداد) قائلًا: «وأنشدني للنهدي وتغرَّب بصنعاء، ويقال: للخثعمي ». وجاء في هامش النسخة عن طب: «من بلاد خثعم». وقد ضبطه حمد الجاسر في قسم الشعر (٢/ ٩١٠) بضم الطاء، وفي قسم المواضع (٣/ ١٥١٧) بالفتح!
(٤) للعجَّاج من أرجوزته المشهورة، في «ديوانه» (١/ ٢١٠ - السطلي).
(٥) كذا في جميع النسخ، وهو مصدر كالتلف. انظر ما علَّقت على «الداء والدواء» (ص ٥٠٧). وفي النسخ المطبوعة: «إتلاف».
[ ٤ / ١٩٩ ]
خمسة أقسام للأطباء وحكم تضمين كل منهم
الأنفس، وأقدم بالتَّهوُّر على ما لم يعلمه؛ فيكون قد غرَّر بالعليل، فيلزمه الضَّمان لذلك.
وهذا إجماعٌ من أهل العلم. قال الخطابي (^١): لا أعلم خلافًا في أنَّ المعالج إذا تعدَّى، فتلِفَ المريضُ، كان ضامنًا. والمتعاطي علمًا أو عملًا لا يعرفه متعدٍّ، فإذا تولَّد من فعله التَّلفُ ضمِن الدِّيَة. وسقط عنه القودُ، لأنَّه لا يستبدُّ بذلك دون إذن المريض. وجنايةُ المتطبِّب في قول عامَّة الفقهاء على عاقلته.
قلت: الأقسام خمسة:
أحدها: طبيبٌ حاذقٌ أعطى الصَّنعةَ حقَّها ولم تجنِ يدُه، فتولَّد من فعله المأذونِ من جهة الشَّارع ومن جهةِ مَن يطُبُّه تلفُ العضو أو النَّفس، أو ذهابُ صفةٍ= فهذا لا ضمان عليه اتِّفاقًا، فإنَّها سِرايةُ مأذونٍ فيه. وهذا كما إذا ختَن الصَّبيَّ في وقتٍ وسنٍّ قابلٍ (^٢) للختان، وأعطى الصَّنعة حقَّها، فتلفِ العضوُ أو الصَّبيُّ= لم يضمَن. وكذلك إذا بطَّ من عاقلٍ أو غيره ما ينبغي بطُّه، في وقته، على الوجه الذي ينبغي، فتلف به= لم يضمَن.
وهكذا سرايةُ كلِّ مأذونٍ فيه لم يتعدَّ الفاعل في سببها، كسِراية الحدِّ بالاتِّفاق، وسرايةِ القصاص عند الجمهور خلافًا لأبي حنيفة في إيجابه الضَّمان بها، وسرايةِ التَّعزير، وضربِ الرَّجل امرأتَه، والمعلِّمِ الصَّبيَّ (^٣).
_________________
(١) في «معالم السنن» (٤/ ٣٩)، والنقل من كتاب الحموي (ص ٥٤).
(٢) كذا في جميع النسخ الخطية والطبعة الهندية، وفي طبعة عبد اللطيف «وسنُّه قابلٌ».
(٣) في الطبعة الهندية بعده زيادة نصُّها: «والمستأجر الدابة خلافًا لأبي حنيفة والشافعي في إيجابهما الضمان في ذلك. صح أصل». وختم الزيادة بـ «صح أصل» يدل على أنها وقعت في حاشية النسخة التي اعتمد عليها ناشر الهندية. وقد حذف «صح أصل» من الطبعات الأخرى.
[ ٤ / ٢٠٠ ]
واستثنى الشَّافعيُّ ضرب الدَّابَّة.
وقاعدة الباب إجماعًا ونزاعًا: أنَّ سراية الجناية مضمونةٌ بالاتِّفاق، وسرايةَ الواجب مهدرةٌ بالاتِّفاق. وما بينهما ففيه النِّزاع: فأبو حنيفة أوجب ضمانه مطلقًا. وأحمد ومالك أهدرا ضمانه. وفرَّق الشَّافعيُّ بين المقدَّر فأهدر ضمانه، وبين غير المقدَّر فأوجب ضمانه. فأبو حنيفة نظر إلى أنَّ الإذن في الفعل إنَّما وقع مشروطًا بالسَّلامة. وأحمد ومالك نظرا إلى أنَّ الإذن أسقط الضَّمانَ. والشَّافعيُّ نظر إلى أنَّ المقدَّر لا يمكن النُّقصان منه فهو بمنزلة النَّصِّ. وأمَّا غيرُ المقدَّر كالتَّعزيرات والتَّأديبات فاجتهاديَّةٌ، فإذا تلف بها ضَمِن لأنَّه في مظنَّة العدوان (^١).
فصل
القسم الثَّاني: متطبِّبٌ جاهلٌ باشرت يدُه من يطبُّه، فتلِفَ به= فهذا إن علِم المجنيُّ عليه أنَّه جاهلٌ لا علم له، وأذِن له في طبِّه= لم يضمَن. ولا تخالف هذه الصُّورة ظاهرَ الحديث، فإنَّ السِّياق وقوَّة الكلام يدلُّ على أنَّه غرَّ العليلَ وأوهمه أنَّه طبيبٌ وليس كذلك. وإن ظنَّ المريضُ أنَّه طبيبٌ، وأذِن له في طبِّه لأجل معرفته، ضمِن الطَّبيبُ ما جنت يده. وكذلك إن وصف له دواءً يستعمله والعليل يظنُّ أنَّه وصَفه لمعرفته وحذقه، فتلِفَ به= ضَمِنه. والحديث ظاهرٌ فيه أو صريحٌ.
_________________
(١) وانظر: «تحفة المودود» (ص ٢٨٤ - ٢٨٥).
[ ٤ / ٢٠١ ]
فصل
القسم الثَّالث: طبيبٌ حاذقٌ أُذِن له، وأعطى الصَّنعةَ حقَّها، لكنَّه أخطأت يده، وتعدَّت إلى عضوٍ صحيحٍ، فأتلَفَه؛ مثل أن سبقت يد الخاتن إلى الكَمَرة= فهذا يضمَن لأنَّها جناية خطأ. ثمَّ إن كانت الثُّلث فما زاد، فهو على عاقلته. فإن لم تكن عاقلةٌ، فهل تكون الدِّية في ماله أو في بيت المال؟ على قولين هما روايتان عن أحمد. وقيل: إن كان الطَّبيب ذمِّيًّا ففي ماله، وإن كان مسلمًا ففيه الرِّوايتان. فإن لم يكن بيت مالٍ أو تعذَّر تحميلُه، فهل تسقط الدِّية أو تجب في مال الجاني؟ فيه وجهان أشهرهما: سقوطها (^١).
فصل
القسم الرَّابع: الطَّبيب الحاذق الماهر بصناعته، اجتهد فوصَف للمريض دواءً، فأخطأ في اجتهاده، فقتَله. فهذا يخرَّج على روايتين، إحداهما: أنَّ دية المريض في بيت المال. والثَّانية: أنَّها على عاقلة الطَّبيب. وقد نصَّ عليهما الإمام أحمد في خطأ الإمام والحاكم (^٢).
فصل
القسم الخامس: طبيبٌ حاذقٌ أعطى الصَّنعة حقَّها، فقطَع سِلْعةً (^٣) من
_________________
(١) انظر: «المحرَّر» (٢/ ١٤٨ - ١٤٩)، و«الفروع» (١٠/ ٧ - ٨)، و«تحفة المودود» للمؤلف (ص ٢٨٣ - ٢٨٥).
(٢) انظر: «الروايتين والوجهين» (٢/ ٣٤٢).
(٣) ورم غليظ له غشاء غير ملتزق باللحم والجلد، يجري بينهما، ويتحرك عند التحريك في الجوانب كلها. «بحر الجواهر» (ص ١٦٣). وانظر في ضبطها: «تاج العروس» (٢١/ ٢١٦).
[ ٤ / ٢٠٢ ]
فصل في عشرين أمرا يراعيها الطبيب الحاذق
رجلٍ أو صبيٍّ أو مجنونٍ بغير إذنه أو إذن وليِّه، أو ختَن صبيًّا بغير إذن وليِّه فتلِفَ= فقال أصحابنا: يضمَن لأنَّه تولَّد من فعلٍ غير مأذونٍ فيه. وإن أذن له البالغُ أو وليُّ الصَّبيِّ والمجنون لم يضمَن. ويحتمل أن لا يضمن مطلقًا لأنَّه محسِنٌ، وما على المحسنين من سبيلٍ. وأيضًا فإنَّه إن كان متعدِّيًا فلا أثر لإذن الوليِّ في إسقاط الضَّمان، وإن لم يكن متعدِّيًا فلا وجه لضمانه.
فإن قلت: هو متعدٍّ عند عدم الإذن، غير متعدٍّ عند الإذن. قلت: العدوان وعدمه إنَّما يرجع إلى فعله هو، فلا أثر للإذن وعدمه فيه. وهذا موضعُ نظر.
فصل
والطَّبيب في هذا الحديث يتناول من يطُبُّ بوصفه وقوله وهو الذي يُخَصُّ باسم «الطَّبائعيِّ»، وبمِرْوَده وهو «الكحَّال»، وبمِبْضَعِه ومَراهِمه وهو «الجرائحيُّ»، وبمُوساه وهو «الخاتن»، وبريشته وهو «الفاصد»، وبمحاجمه ومِشْرَطه وهو «الحجَّام»، وبخلعه ووصله ورباطه وهو «المجبِّر»، وبمكواته وناره وهو «الكوَّاء»، وبقِرْبته وهو «الحاقن». وسواءٌ كان طبُّه لحيوانٍ بهيمٍ أو إنسانٍ، فاسمُ الطَّبيب لغةً يطلق على هؤلاء كلِّهم كما تقدَّم. وتخصيصُ النَّاس له ببعض أنواع الأطبَّاء عُرفٌ حادثٌ، كتخصيص لفظ الدَّابَّة بما يخصُّها به كلُّ قومٍ.
فصل (^١)
والطَّبيب الحاذق هو الذي يراعي في علاجه عشرين أمرًا:
أحدها: النَّظر في نوع المرض، من أيِّ الأمراض هو؟
_________________
(١) لم أقف على مصدر المؤلف في هذا الفصل.
[ ٤ / ٢٠٣ ]
الثَّاني: النَّظر في سببه، من أيِّ شيءٍ حدث؟ والعلَّة الفاعلة الَّتي كانت سبب حدوثه ما هي؟
الثَّالث: قوَّة المريض، وهل هي مقاوِيةٌ (^١) للمرض أو أضعف منه؟ فإن كانت مقاوِيةً للمرض مستظهرةً عليه تركها والمرضَ، ولم يحرِّك بالدَّواء ساكنًا.
الرَّابع: مزاج البدن الطَّبيعيُّ ما هو؟
الخامس: المزاج الحادث على غير المجرى الطَّبيعيِّ.
السَّادس: سنُّ المريض.
السَّابع: عادته.
الثَّامن: الوقت الحاضر من فصول السَّنة وما يليق به.
التَّاسع: بلد المريض وتربته.
العاشر: حال الهواء في وقت المرض.
الحادي عشر: النَّظر في الدَّواء المضادِّ لتلك العلَّة.
الثَّاني عشر: النَّظر في قوَّة الدَّواء ودرجته، والموازنة بينها وبين قوَّة المريض.
_________________
(١) من المقاواة، وهي المغالبة والمقاومة. انظر: «الصحاح» (قوي). وكذا ورد في ف، س، ث، د؛ ويحتمله رسمه في حط، ن. وفي الموضع الآتي أيضًا كما أثبت في س، ث، د. وفي ف، حط، ل: «مقاومة»، ورسمه في ن محتمل. وفي النسخ المطبوعة في الموضعين: «مقاومة».
[ ٤ / ٢٠٤ ]
الثَّالث عشر: أن لا يكون كلُّ قصده إزالة تلك العلَّة فقط، بل إزالتها على وجهٍ يأمن معه حدوثَ أصعبَ منها. فمتى كان إزالتها لا يؤمَن (^١) معها حدوثُ علَّةٍ أخرى أصعَب منها أبقاها على حالها، وتلطيفُها هو الواجب. وهذا كمرض أفواه العروق، فإنَّه متى عولج بقطعه وحبسه خيف حدوثُ ما هو أصعب منه.
الرَّابع عشر: أن يعالج بالأسهل فالأسهل. فلا ينتقل من العلاج بالغذاء إلى الدَّواء إلا عند تعذُّره، ولا ينتقل إلى الدَّواء المركَّب إلا عند تعذُّر الدَّواء البسيط. فمن حذقِ الطَّبيب علاجُه بالأغذية بدل الأدوية، وبالأدوية البسيطة بدل المركَّبة.
الخامس عشر: أن ينظر في العلَّة هل هي ممَّا يمكن علاجها أو لا؟ فإن لم يمكن علاجها حفِظَ صناعتَه وحُرمتَه، ولا يَحْمِلْه الطَّمع على علاجٍ لا يفيد شيئًا. وإن أمكن علاجها نظَر هل يمكن زوالها أم لا؟ فإن علِم أنَّه لا يمكن زوالُها نظَر هل يمكن تخفيفها وتقليلها أم لا؟ فإن لم يمكن تقليلها ورأى أنَّ غاية الإمكان إيقافها وقطع زيادتها قصَد بالعلاج ذلك، وأعان (^٢) القوَّةَ، وأضعفَ المادَّة.
السَّادس عشر: أن لا يتعرَّضَ للخِلْط قبل نضجه باستفراغٍ، بل يقصد إنضاجه. فإذا تمَّ نضجُه بادر إلى استفراغه.
السَّابع عشر: أن يكون له خبرةٌ باعتلال القلوب والأرواح وأدويتها.
_________________
(١) ن: «يأمن»، وكذا في النسخ المطبوعة.
(٢) د: «فأعان».
[ ٤ / ٢٠٥ ]
وذلك أصلٌ عظيمٌ في علاج الأبدان، فإنَّ انفعال البدن وطبيعته (^١) عن النَّفس والقلب أمرٌ مشهودٌ. والطَّبيب إذا كان عارفًا بأمراض القلب والرُّوح وعلاجها كان هو الطَّبيب الكامل. والَّذي لا خبرة له بذلك، وإن كان حاذقًا في علاج الطَّبيعة وأحوال البدن، نصفُ طبيبٍ. وكلُّ طبيب لا يداوي العليل بتفقُّد قلبه وصلاحه وتقوية أرواحه وقواه بالصَّدقة وفعل الخير والإحسان والإقبال على الله والدَّار الآخرة، فليس بطبيبٍ، بل متطبِّبٌ قاصرٌ. ومن أعظم علاجات المرض (^٢): فعلُ الخير والإحسان والذِّكر والدُّعاء والتَّضرُّع والابتهال إلى اللَّه والتَّوبة. ولهذه الأمور تأثيرٌ في دفع العلل وحصول الشِّفاء أعظَمُ من الأدوية الطَّبيعيَّة، ولكن بحسب استعداد النَّفس وقبولها وعقيدتها في ذلك ونفعه.
الثَّامن عشر: التَّلطُّف بالمريض والرِّفق به كالتَّلطُّف بالصَّبيِّ.
التَّاسع عشر: أن يستعمل أنواع العلاجات الطَّبيعيَّة والإلهيَّة والعلاج بالتحيُّل (^٣)، فإنَّ لحذَّاق الأطبَّاء في التحيُّل أمورًا عجيبةً لا يصل إليها الدَّواء. فالطَّبيب الحاذق يستعين على المرض بكلِّ مُعِينٍ.
العشرون ــ وهو ملاك أمر الطَّبيب ــ: أن يجعل علاجه وتدبيره دائرًا على ستَّة أركانٍ (^٤): حفظ الصِّحَّة الموجودة، وردّ الصِّحَّة المفقودة بحسب الإمكان، وإزالة العلَّة أو تقليلها بحسب الإمكان، واحتمال أدنى المفسدتين
_________________
(١) د: «بطبيعته».
(٢) ز، س، حط، ن: «المريض».
(٣) كذا في جميع النسخ في الموضعين. وفي النسخ المطبوعة: «بالتخييل».
(٤) المذكورة هنا خمسة إلا أن يعدَّ إزالة العلة وتقليلها ركنين.
[ ٤ / ٢٠٦ ]
فصل في مراعاة الطبيب لأحوال المريض الأربعة
لإزالة أعظمهما، وتفويت أدنى المصلحتين لتحصيل أعظمهما. فعلى هذه الأصول السِّتَّة مدار العلاج، وكلُّ طبيبٍ لا تكون هذه آخيَّتَه (^١) الَّتي يرجع إليها، فليس بطبيبٍ. والله أعلم.
فصل (^٢)
ولمَّا كان للمرض أربعة أحوالٍ: ابتداءٌ وصعودٌ وانتهاءٌ وانحطاطٌ، تعيَّن على الطَّبيب مراعاة كلِّ حالٍ من أحوال المرض بما يناسبها ويليق بها، ويستعمل في كلِّ حالٍ ما يجب استعماله فيها.
فإذا رأى في ابتداء المرض أنَّ الطَّبيعة محتاجة إلى ما يحرِّك الفضلات ويستفرغها لِنُضجها بادَرَ إليه. فإن فاته تحريك الطَّبيعة في ابتداء المرض لعائقٍ منَع من ذلك، أو لضعف القوَّة وعدم احتمالها للاستفراغ، أو لبرودة الفصل، أو لتفريطٍ وقع= فينبغي أن يحذر كلَّ الحذر أن يفعل ذلك في صعود المرض، لأنَّه إن فعَله تحيَّرت الطَّبيعة لاشتغالها بالدَّواء، وتخلَّت عن تدبير المرض ومقاومته بالكلِّيَّة. ومثاله: أن يجيء إلى فارسٍ مشغولٍ بمواقعة عدوِّه، فيشغله عنه بأمرٍ آخر. ولكنَّ الواجب في هذه الحال أن يعين الطَّبيعة على حفظ القوَّة ما أمكنه.
_________________
(١) الآخيَّة في اللغة: عروة تثبت في أرض أو حائط وتربط فيها الدابة. وما جاء هنا مَثَلٌ مأخوذ من حديث أبي سعيد عن النبي - ﷺ -: «مثل المؤمن ومثل الإيمان كمثل الفرس في آخيَّته، يجول ثم يرجع إلى آخيَّته. وإن المؤمن يسهو ثم يرجع إلى الإيمان» أخرجه الإمام أحمد (١١٥٢٦) وغيره. وقد استعمل المؤلف مثلَ الآخيَّة في غير موضع من كتبه. انظر مثلًا: «أعلام الموقعين» (١/ ٤٤١) و«اجتماع الجيوش الإسلامية» (ص ٧٩).
(٢) لم أقف على مصدر المؤلف في هذا الفصل.
[ ٤ / ٢٠٧ ]
فصل: من حذق الطبيب أن يأخذ بالتدبير الأسهل
فإذا انتهى المرض ووقَف وسكَن أخَذ في استفراغه واستئصال أسبابه. فإذا أخذ في الانحطاط كان أولى بذلك. ومثال هذا: مثال العدوِّ إذا انتهت قوَّته وفرغ سلاحه كان أخذُه سهلًا. فإذا ولَّى وأخذ في الهرب كان أسهل أخذًا. وحدَّته وشوكته إنَّما هي في ابتدائه وحال استفراغه وُسْعَه وقوَّتَه (^١)، فهكذا الدَّاء والدَّواء سواء.
فصل (^٢)
ومن حذق الطَّبيب أنَّه حيث أمكن التَّدبير الأسهل (^٣) فلا يعدل إلى الأصعب. ويتدرَّج من الأضعف إلى الأقوى، إلا أن يخاف فوت القوَّة حينئذٍ فيجب أن يبتدئ بالأقوى. ولا يقيم في المعالجة على حالٍ واحدةٍ، فتألفها الطَّبيعة ويقلّ انفعالها عنه. ولا يجسر على الأدوية القويَّة في الفصول القويَّة. وقد تقدَّم أنَّه إذا أمكنه العلاج بالغذاء فلا يعالج بالدَّواء. وإذا أشكل عليه المرض أحارٌّ هو أم باردٌ، فلا يُقْدِم حتَّى يتبيَّن له. ولا يجرِّبه بما يخاف عاقبته ولا بأس بتجربته بما لا يضرُّ أثره.
وإذا اجتمعت أمراضٌ بدأ بما تخصُّه واحدةٌ من ثلاث خصالٍ:
إحداها: أن يكون برء الآخر موقوفًا على برئه، كالورم والقرحة فإنَّه يبدأ بالورم.
_________________
(١) سقطت واو العطف من «وقوته» من ث، ل، د، فقرئ: «وسعة قوته» كما في النسخ المطبوعة.
(٢) لم أقف على مصدر المؤلف في هذا الفصل.
(٣) ن: «بالأسهل»، وكذا في النسخ المطبوعة.
[ ٤ / ٢٠٨ ]
الثَّانية: أن يكون أحدهما سببًا للآخر، كالسُّدَّة والحمَّى العَفَنيَّة (^١) فإنَّه يبدأ بإزالة السَّبب.
الثَّالثة: أن يكون أحدهما أهمَّ من الآخر، كالحادِّ والمُزْمِن فيبدأ بالحادِّ ومع هذا فلا يغفل عن الآخر. وإذا اجتمع المرَضُ والعرَضُ بدأ بالمرض إلا أن يكون العرَض أقوى كالقُولنج، فيسكِّن الوجعَ أوَّلًا، ثمَّ يعالج السُّدَّة.
وإذا أمكنه أن يعتاض عن المعالجة بالاستفراغ بالجوع أو الصَّوم أو النَّوم لم يستفرغه، وكلُّ صحَّةٍ أراد حفظَها حَفِظَها بالمثل أو الشِّبه. وإن أراد نقلَها إلى ما هو أفضل منها نقَلَها بالضِّدِّ.
فصل
في هديه - ﷺ - في التَّحرُّز من الأدواء المُعْدية بطبعها، وإرشاده الأصحَّاءَ إلى مجانبة أهلها (^٢)
ثبت في «صحيح مسلم» (^٣) من حديث جابر بن عبد الله أنَّه كان في وفد
_________________
(١) ث، ل، د، ن: «العفينة»، تصحيف. وفي النسخ المطبوعة: «العفنة». والعفنيَّة نسبة إلى العفَن، وقد يقال: حُمَّى العفَن، وهي عندهم كما في «بحر الجواهر» (ص ١٠٦): «أن يسخن الأخلاط أولًا بالعفونة التي تحدث فيها، ثم تتأدى تلك السخونة إلى الروح وجرم القلب، ثم منه إلى سائر الأعضاء».
(٢) انظر: كتاب الحموي (ص ١٤٧ - ١٥٣)، فالأحاديث والكلام على الجذام منقولة منه. وبعض الأقوال في التوفيق بين الأحاديث أيضًا أخذه المؤلف منه ثم بسطه بلفظه.
(٣) برقم (٢٢٣١) ولفظه: «إنا قد بايعناك فارجع». واللفظ المنقول هنا لفظ النسائي في «الكبرى» (٧٥٤٦، ٧٧٥٧، ٨٦٦٢) من حديث عمرو بن الشريد عن أبيه. وقد قدَّم له الحموي بقوله: «رواه النسائي والترمذي عن جابر، ومسلم في أفراده». وفي كلامه تخليط.
[ ٤ / ٢٠٩ ]
ثقيفٍ رجلٌ مجذومٌ، فأرسل إليه النَّبيُّ - ﷺ -: «ارجع فقد بايعناك».
وروى البخاريُّ في «صحيحه» (^١) تعليقًا من حديث أبي هريرة عن النَّبيِّ - ﷺ - أنَّه قال: «فِرَّ من المجذوم كما تفرُّ من الأسد».
وفي «سنن ابن ماجه» (^٢) من حديث ابن عبَّاسٍ أنَّ النَّبيَّ - ﷺ - قال: «لا
_________________
(١) برقم (٥٧٠٧)، علَّقه عن عفَّان، عن سَلِيم بن حيَّان، عن سعيد بن ميناء، عن أبي هريرة به. قال ابن الملقِّن في «التَّوضيح» (٢٧/ ٤١٩): «هذا تعليقٌ صحيحٌ، وعفَّان شيخُه»، وقال ابن حجر في «الفتح» (١٠/ ١٥٨): «هو ابن مسلم الصَّفَّار، وهو من شيوخ البخاريِّ، لكن أكثر ما يخرج عنه بواسطةٍ، وهو من المعلَّقات الَّتي لم يصِلها في موضعٍ آخر، وقد جزم أبو نُعيم أنَّه أخرجه عنه بلا رِواية، وعلى طريقة ابن الصَّلاح يكون موصولًا، وقد وصله أبو نُعيم من طريق أبي داودَ الطَّيالسيِّ وأبي قتيبة مسلم بن قتيبة، كلاهما عن سَليم وأخرجه أيضًا من طريق عمرو بن مرزوق عن سليم لكن موقوفًا، ولم يستخرجه الإسماعيليُّ، وقد وصله ابن خزيمة أيضًا». ووصله البيهقيُّ في «الكبرى» (٧/ ١٣٥) من طريق عمرو بن مرزوق، عن سَليم به مرفوعًا.
(٢) برقم (٣٥٤٣). وأخرجه أيضًا الطَّيالسيُّ (٢٧٢٤)، وابن أبي شيبة (٢٥٠٣٢، ٢٦٩٣٥)، وأحمد (٢٠٧٥، ٢٧٢١)، والبيهقيُّ في «الكبرى» (٧/ ٢١٨) وأشار إلى الاختلاف في إسناده. وقال البوصيريُّ في «المصباح» (٤/ ٧٨): «رجاله ثقات»، على أنَّ فيهم محمدَ بن عبد الله بن عمرو مختَلَفٌ فيه، وانتهى ابن حجر إلى أنَّه صدوقٌ، ومع ذلك ضعَّف إسناده في «الفتح» (١٠/ ١٥٩)، وقبلَه ابنُ القطَّان في «أحكام النَّظر» (ص ٧٧). وأخرجه الطَّبراني في «الكبير» (١١١٩٣) من طريق ابن لهيعة، عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس، وأبو نعيم في «الطِّب النَّبوي» (٢٨٩) من طريق قيس ــ وهو ابن الرَّبيع ــ، عن عبد الله بن حسن، عن عكرمة، عن ابن عباس. والحديث صحَّحه ابن خزيمة كما في «بذل الماعون» (ص ٢٩٢)، والضِّياء في «المختارة» (١٣/ ٣٦)، وهو في «السِّلسلة الصَّحيحة» (١٠٦٤). وفي الباب عن أبي هريرة، ومعاذ بن جبل، وعبد الله بن أبي أوفى - ﵃ -.
[ ٤ / ٢١٠ ]
تديموا النَّظر إلى المجذومين».
وفي «الصَّحيحين» (^١) من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا يُورِدَنَّ مُمْرِضٌ على مُصِحٍّ».
ويذكر عنه - ﷺ -: «كلِّم المجذومَ، وبينك وبينه قِيدُ رمحٍ أو رمحين» (^٢).
الجذام: علَّةٌ رديَّةٌ تحدث من انتشار المِرَّة السَّوداء في البدن كلِّه، فيفسد مزاجُ الأعضاء وهيئتها وشكلها. وربَّما فسد في آخره اتِّصالها حتَّى تتأكَّل الأعضاء وتسقط. ويسمَّى داء الأسد. وفي هذه التَّسمية ثلاثة أقوالٍ للأطبَّاء:
أحدها: أنَّها لكثرة ما تعتري الأسد.
_________________
(١) البخاري (٥٧٧١) ومسلم (٢٢٢١).
(٢) أخرجه ابن عديٍّ في «الكامل» (٣/ ١٠٤)، وأبو نعيم في «الطِّب النَّبوي» (٢٩٢) من حديث عبد الله بن أبي أوفى - ﵁ -، وإسناده ضعيفٌ جدًّا. فيه الحسن بن عمارة، قال ابن القيسرانيِّ في «الذَّخيرة» (٤/ ١٨٦٣): «متروكُ الحديث»؛ ولذا قال ابن حجر في «الفتح» (١٠/ ١٥٩): «سنده واهٍ». وأخرجه عبد الله في «زوائد المسند» (٥٨١) من طريق الفرج بن فضالة، عن محمَّد بن عبد الله بن عمرو، عن أمِّه فاطمة بنت حسين، عن حسين، عن أبيه - ﵁ -. والفرج ضعيف، وفي إسناده اختلاف؛ فأخرجه أبو يعلى (٦٧٧٤)، وابن عديٍّ في «الكامل» (٥/ ٢٥٥)، وأبو نعيم في «الطِّب النَّبوي» (٢٩١)، من طريق عبد الله بن عامر الأسلميِّ، عن محمَّد بن عبد الله بن عمرو، عن أمِّه فاطمة بنت الحسين، عن أبيها - ﵁ -. وأخرجه ابن شاهين في «ناسخ الحديث» (٥٣٧) من طريق عبد الله بن الحسن، عن أمِّه فاطمة بنت الحسين، عن فاطمة بنت رسول الله - ﷺ -. وينظر: «السِّلسلة الضَّعيفة» (١٩٦٠).
[ ٤ / ٢١١ ]
والثَّاني: لأنَّ هذه العلَّة تُجهِّم وجهَ صاحبها، وتجعله في سَحْنة الأسد.
والثَّالث: أنَّه يفترس من يقرَبه ويدنو منه بدائه افتراسَ الأسد (^١).
وهذه العلَّة عند الأطبَّاء من العلل المُعْدِية المتوارَثة. ومُقارِبُ المجذوم وصاحبِ السِّلِّ يسقَم برائحته. فالنَّبيُّ - ﷺ - لكمال شفقته على الأمَّة ونصحه لهم نهاهم عن الأسباب الَّتي تعرِّضهم لوصول العيب والفساد إلى أجسامهم وقلوبهم. ولا ريب أنَّه قد يكون في البدن تهيُّؤٌ واستعدادٌ كامنٌ لقبول هذا الدَّاء، وقد تكون الطَّبيعة سريعةَ الانفعال قابلةً للاكتساب من أبدانِ مَن تجاوره وتخالطه فإنَّها نقَّالةٌ. وقد يكون خوفُها من ذلك ووهمُها من أكبر أسباب إصابة تلك العلَّة لها، فإنَّ الوهم فعَّالٌ مستولٍ على القوى والطَّبائع. وقد تصل رائحة العليل إلى الصَّحيح، فتُسْقِمه؛ وهذا معايَنٌ في بعض الأمراض. والرَّائحة أحد أسباب العدوى. ومع هذا كلِّه فلا بدَّ من وجود استعداد البدن وقبوله لذلك الدَّاء. وقد تزوَّج النَّبيُّ - ﷺ - امرأةً، فلمَّا أراد الدُّخول بها وجد بكَشْحِها بياضًا، فقال: «الحَقي بأهلِكِ» (^٢).
_________________
(١) لفظ الحموي: «لأنه يفترس من يعتريه فرسَ الأسد»، وهو أوجز وأحكم.
(٢) أخرجه أحمد (١٦٠٣٢) من طريق جميل بن زيد، عن شيخٍ من الأنصار ذكر أنَّه كانت له صحبةٌ يقال له: كعب بن زيد أو زيد بن كعب بنحوه. وهذا حديث ضعيفٌ جدًّا تفرَّد به جَميلٌ وهو متروكٌ، وقد اضطرَب فيه؛ ولذا تتابع الأئمَّةُ وأهلُ العلم على تضعيفِه، ينظر: «الكامل» (٢/ ٤٢٨)، «العلل» للدَّارقطنيِّ (١٣/ ١٥١)، «المحلَّى» (٩/ ٧٩، ٢٨٨)، «السُّنن الكبرى» للبيهقيِّ (٧/ ٢١٤، ٢٥٧)، «الاستيعاب» (٢/ ٥٩١، ٣/ ١٣١٧)، «تنقيح التَّحقيق» (٢٧٦٠)، «البدر المنير» (٧/ ٤٨٤)، «مجمع الزَّوائد» (٤/ ٣٠٠)، «إتحاف الخيرة» (٤/ ٤٠)، «التَّلخيص الحبير» (٣/ ٢٩٥، ٣٨٣)، «الإرواء» (١٩١٢).
[ ٤ / ٢١٢ ]
دفع التعارض بين قوله ﷺ: «فر من المجزوم» وقوله: «لا عدوى»
وقد ظنَّ طائفةٌ من النَّاس أنَّ هذه الأحاديث معارَضةٌ بأحاديث أخر تُبطِلها وتناقضها. فمنها: ما رواه الترمذي من حديث عبد الله بن عمر (^١) أنَّ رسول الله - ﷺ - أخذ بيد رجلٍ مجذومٍ، فأدخلها معه في القصعة، وقال: «كُلْ بسم الله ثقةً باللَّه وتوكُّلًا عليه». ورواه ابن ماجه من حديث جابر بن عبد الله (^٢). وبما ثبت في «الصَّحيح» عن أبي هريرة عن النَّبيِّ - ﷺ - أنَّه قال: «لا عدوى ولا طيرة» (^٣).
ونحن نقول: لا تعارض بحمد الله بين أحاديثه الصَّحيحة. فإذا وقع التَّعارض فإمَّا أن يكون أحد الحديثين ليس من كلامه - ﷺ -، وقد غلِط فيه
_________________
(١) كذا وقع في هذا الموضع متابعةً للحموي الذي قال بعد ما أورد الحديث عن جابر: «خرَّجه ابن أبي شيبة وابن ماجه. ورواه الترمذي عن عبد الله بن عمر»، وإنَّما رواه التِّرمذيُّ من حديث جابر كما سيأتي قريبًا في كلام المصنف على الصواب.
(٢) برقم (٣٥٤٢). وأخرجه أيضًا الترمذي (١٨١٧)، وأبو داود (٣٩٢٥)، وابن أبي شيبة (٢٥٠٢٤)، وعبد بن حُميد (١٠٩٠)، وغيرهم. قال التِّرمذيُّ: «هذا حديثٌ غريبٌ، لا نعرفه إلا من حديثِ يونس بن محمَّد، عن المفضَّل بن فضالة، والمفضَّل هذا شيخٌ بصريٌّ»، ورجَّح وقفَه البخاريُّ كما في «العلل الكبير» (١/ ٣٠٢)، والتِّرمذيُّ، والعقيليُّ في «الضُّعفاء» (٤/ ٢٤٢). وصحَّح المرفوعَ ابن حبَّان (٦١٢٠)، والحاكم (٤/ ١٣٦ - ١٣٧)، لكن تفرَّد به المفضَّل وهو ضعيفٌ، بل قال ابن عديٍّ في «الكامل» (٨/ ١٤٩): «لم أرَ له أنكر من هذا الحديث»؛ ولذا قال المصنِّف فيما سيأتي: «لا يثبُت ولا يصحُّ»، وتبِعه ابن مفلِح في «الآداب الشَّرعيَّة» (٣/ ٣٦٠)، وقال ابن حجر في «الفتح» (١٠/ ١٦٠): «فيه نظر»، وينظر: «السِّلسلة الضَّعيفة» (١١٤٤). وفي الباب عن أبي هريرة - ﵁ -.
(٣) أخرجه البخاري (٥٧٠٧) ومسلم (٢٢٢٠).
[ ٤ / ٢١٣ ]
بعضُ الرُّواة مع كونه ثقةً ثبتًا، فالثِّقة يغلَط؛ أو يكون أحد الحديثين ناسخًا للآخر إذا كان ممَّا يقبل النَّسخ، أو يكون التَّعارض في فهم السَّامع، لا في نفس كلامه - ﷺ -؛ فلا بدَّ من وجهٍ من هذه الوجوه الثَّلاثة.
وأمَّا حديثان صحيحان صريحان متناقضان من كلِّ وجهٍ ليس أحدُهما ناسخًا للآخر، فهذا لا يوجد أصلًا، ومعاذ الله أن يوجد في كلام الصَّادق المصدوق الذي لا يخرج من بين شفتيه إلا الحقُّ. والآفة من التَّقصير في معرفة المنقول والتَّمييز بين صحيحه ومعلوله، أو من القصور في فهم مراده - ﷺ - وحملِ كلامه على غير ما عناه به، أو منهما معًا. ومن هاهنا وقع من الاختلاف والفساد ما وقع. وباللَّه التَّوفيق.
قال ابن قتيبة في كتاب «اختلاف الحديث» له (^١) حكايةً عن أعداء الحديث وأهله: قالوا: حديثان متناقضان. رويتم عن رسول الله (^٢) - ﷺ - أنَّه قال: «لا عدوى ولا طيرة». وقيل له: إنَّ النُّقْبة (^٣) تقع بمِشفَر البعير، فتجرَب لذلك الإبل. قال: «فما أعدى الأوَّلَ» (^٤). ثمَّ رويتم: «لا يُورِدْ ذو عاهةٍ على
_________________
(١) «تأويل مختلف الحديث» (ص ١٦٧).
(٢) س، ن: «عن النبي».
(٣) هي أول شيء يظهر من الجرب. وسيأتي تفسير ابن قتيبة بأنها الجرب الرطب.
(٤) أخرجه أحمد (٨٣٤٣)، وأبو يعلى (٦١١٢)، والطَّبراني في «الأوسط» (٦٧٦٦)، وغيرُهم من حديث أبي هريرة - ﵁ -، وصحَّحه ابن حبَّان (٦١١٩). وهو في البخاريِّ (٥٧١٧، ٥٧٧٠، ٥٧٧٥) ومسلم (٢٢٢٠) بلفظ: فما بال الإبلِ تكون في الرَّمل كأنَّها الظِّباء، فيجيءُ البعير الأجربُ، فيدخل فيها فيجربها كلَّها؟! قال: «فمن أعدى الأوَّل؟!».
[ ٤ / ٢١٤ ]
مُصِحٍّ» (^١)، و«فِرَّ من المجذوم فرارَك من الأسد» (^٢)، وأتاه رجلٌ مجذومٌ ليبايعه بيعة الإسلام فأرسل إليه البيعةَ، وأمرَه بالانصراف، ولم يأذن له (^٣). وقال: «الشُّؤم في المرأة والدَّابَّة والدَّار (^٤)» (^٥). قالوا: وهذا كلُّه مختلفٌ لا يشبه بعضه بعضًا.
قال أبو محمد: ونحن نقول: إنَّه ليس في هذا اختلافٌ. ولكلِّ معنًى منها وقتٌ وموضعٌ، فإذا وُضِع موضعَه زال الاختلاف. والعدوى جنسان:
أحدهما: عدوى الجذام. فإنَّ المجذوم تشتدُّ رائحته حتَّى يُسْقِم من أطال مجالسته ومحادثته. وكذلك المرأة تكون تحت المجذوم، فتضاجعه في شعارٍ واحدٍ، فيوصل إليها الأذى، وربَّما جُذِمت. وكذلك ولدُه ينزِعون في الكبر إليه. وكذلك مَن كان به سِلٌّ (^٦) ودِقٌّ (^٧) ونُقْبٌ (^٨). والأطبَّاء تأمر أن لا يُجالَس المسلول ولا المجذوم. ولا يريدون بذلك معنى العدوى، وإنَّما
_________________
(١) تقدم بلفظ: «ممرض» بدل «ذو عاهة».
(٢) تقدَّم تخريجه.
(٣) تقدم تخريجه.
(٤) ز، حط، ن: «والدار والدابة»، وكذا في النسخ المطبوعة وكتاب ابن قتيبة والبخاري (٥٧٥٣).
(٥) أخرجه البخاري (٥٧٥٣) ومسلم (٢٢٢٥) من حديث ابن عمر - ﵄ -.
(٦) في «بحر الجواهر» (ص ١٦٣): «قرحة في الرئة. وإنما سمي المرض به لأن من لوازمه الهزال، ولما كانت الحمى الدِّقِّية لازمة لهذه القرحة».
(٧) في المصدر السابق (ص ١٠٦): «حمى الدق أن تتشبث الحرارة الخارجة عن الطبع بالأعضاء الأصلية خصوصًا القلب حتى تفنى رطوبات البدن».
(٨) «ونقب» ساقط من النسخ ما عدا الأصل. والنقب: الجرب.
[ ٤ / ٢١٥ ]
يريدون به معنى تغيُّر الرَّائحة وأنَّها قد تُسقِم من أطال اشتمامَها. والأطبَّاء أبعدُ النَّاس عن الإيمان بيمنٍ وشؤمٍ. وكذلك النُّقبة تكون بالبعير ــ وهو جرَبٌ رطبٌ ــ فإذا خالط الإبلَ أو حاكَّها وأوى في مباركها وصل إليها بالماء الذي يسيل منه وبالنَّطْفِ نحوُ ما به. فهذا هو المعنى الذي قال فيه النَّبيُّ - ﷺ -: «لا يُورِدْ ذو عاهةٍ على مُصِحٍّ» كره أن يخالط المعيوهُ (^١) الصَّحيحَ، لئلَّا يناله من نَطْفِه (^٢) وحِكَّته (^٣) نحوٌ ممَّا به.
قال: وأمَّا الجنس الآخر من العدوى، فهو الطَّاعون ينزل ببلدٍ، فيخرج منه خوف العدوى. وقد قال - ﷺ -: «إذا وقع ببلدٍ وأنتم به فلا تخرجوا منه. وإذا كان ببلدٍ فلا تدخلوه» (^٤). يريد بقوله: لا تخرجوا من البلد إذا كان فيه، كأنَّكم تظنُّون أنَّ الفرار من قدر الله يُنجيكم من اللَّه. ويريد إذا كان ببلدٍ فلا تدخلوه، أي مقامُكم في الموضع الذي لا طاعون فيه أسكَنُ لقلوبكم وأطيَبُ لعيشكم. ومن ذلك المرأةُ تعرَف بالشُّؤم أو الدَّار، فينال الرَّجلَ مكروهٌ أو جائحةٌ فيقول: أعدَتْني بشؤمها. فهذا هو العدوى الذي قال فيه رسول الله - ﷺ -: «لا عدوى» (^٥).
وقالت فرقةٌ أخرى (^٦): بل الأمر باجتناب المجذوم والفرار منه على
_________________
(١) أي ذو العاهة. وقد تصحف في جميع النسخ إلى «المعتوه».
(٢) النَّطْف: القَطْر.
(٣) ما عدا ن: «خلقه» بالخاء أو بالحاء أو بالحاء والفاء، وكله تصحيف.
(٤) أخرجه البخاري (٣٤٧٣) ومسلم (٢٢١٨) عن أسامة بن زيد - ﵄ -.
(٥) انتهى النقل من كتاب ابن قتيبة.
(٦) انظر: كتاب الحموي (ص ١٥٠).
[ ٤ / ٢١٦ ]
الاستحباب والاختيار والإرشاد. وأمَّا الأكل معه ففعله لبيان الجواز وأنَّ هذا ليس بحرامٍ.
وقالت فرقةٌ أخرى (^١): بل الخطاب بهذين الخطابين جزئيٌّ لا كلِّيٌّ، فكلُّ واحدٍ خاطبه النَّبيُّ - ﷺ - بما يليق بحاله. فبعض النَّاس يكون قويَّ الإيمان قويَّ التَّوكُّل، تدفع قوَّةُ توكُّله قوَّةَ العدوى، كما تدفع قوَّةُ الطَّبيعة قوَّةَ العلَّة فتُبطِلها. وبعضُ النَّاس لا يقوى على ذلك فخاطبه بالاحتياط والأخذ بالتَّحفُّظ. وكذلك هو - ﷺ - فعل الحالتين معًا، لتقتدي به الأمَّة فيهما، فيأخذ من قوي من أمَّته بطريقة التَّوكُّل والقوَّة والثِّقة باللَّه، ويأخذ مَن ضعُف منهم بطريقة التَّحفُّظ والاحتياط. وهما طريقان صحيحان. أحدهما للمؤمن القويِّ، والآخر للمؤمن الضَّعيف. فيكون لكلِّ واحدٍ من الطَّائفتين حجَّةٌ وقدوةٌ بحسب حالهم وما يناسبهم. وهذا كما أنَّه - ﷺ - كوى، وأثنى على تاركِ (^٢) الكيِّ وقرَن تركَه بالتَّوكُّل وتركِ الطِّيرة. ولهذا نظائر كثيرةٌ، وهذه طريقةٌ لطيفةٌ حسنةٌ جدًّا من أعطاها حقَّها ورُزِق فقهَ نفسٍ (^٣) فيها أزالت عنه تعارضًا كثيرًا يظنُّه بالسُّنَّة الصَّحيحة.
وذهبت فرقةٌ أخرى إلى أنَّ الأمر بالفرار منه ومجانبته لأمرٍ طبيعيٍّ، وهو انتقال الدَّاء منه بواسطة الملامسة والمخالطة والرَّائحة إلى الصَّحيح، وهذا يكون مع تكرير المخالطة والملابسة (^٤) له. وأمَّا أكلُه معه مقدارًا يسيرًا من
_________________
(١) انظر: المصدر السابق.
(٢) د، ن: «تاركي».
(٣) ل: «نفسه»، وكذا في طبعة عبد اللطيف وما بعدها.
(٤) ز، ل: «الملامسة». وكذا في طبعة عبد اللطيف وما بعدها.
[ ٤ / ٢١٧ ]
الزَّمان لمصلحةٍ راجحةٍ فلا بأس به، ولا تحصل العدوى من مرَّةٍ واحدةٍ ولحظةٍ واحدةٍ، فنهى سدًّا للذَّريعة وحمايةً للصِّحَّة، وخالَطَه مخالطةً ما للحاجة والمصلحة. فلا تعارض بين الأمرين.
وقالت طائفةٌ أخرى: يجوز أن يكون هذا المجذوم الذي أكل معه به من الجذام أمرٌ يسيرٌ لا يُعْدي مثله. وليس الجَذمى كلُّهم سواءً، ولا العدوى حاصلة من جميعهم. بل منهم من لا تضرُّ مخالطته ولا تُعْدي، وهو مَن أصابه من ذلك شيءٌ يسيرٌ، ثمَّ وقف واستمرَّ على حاله، ولم يُعْدِ بقيَّةَ جسمه، فهو أن لا يعدي غيرَه أولى وأحرى.
وقالت فرقةٌ أخرى (^١): إنَّ الجاهليَّة كانت تعتقد أنَّ الأمراض المُعْدِية تُعْدي بطبعها من غير إضافةٍ إلى الله سبحانه، فأبطل النَّبيُّ - ﷺ - اعتقادهم ذلك، وأكَلَ مع المجذوم ليبيِّن لهم أنَّ الله سبحانه هو الذي يُمْرِض ويَشفي. ونهى عن القرب منه ليبيِّن (^٢) لهم أنَّ هذا من الأسباب الَّتي جعلها الله مفضيةً إلى مسبَّباتها. ففي نهيه إثباتُ الأسباب، وفي فعله بيانُ أنَّها لا تستقلُّ بشيءٍ، بل الرَّبُّ سبحانه إن شاء سلَبها قُواها فلا تؤثِّر شيئًا، وإن شاء أبقى عليها قُواها فأثَّرت.
وقالت فرقةٌ أخرى: بل هذه الأحاديث فيها النَّاسخ والمنسوخ، فينظر في تاريخها؛ فإن عُلِم المتأخِّر منها حُكِمَ بأنَّه النَّاسخ، وإلَّا توقَّفنا فيها.
_________________
(١) انظر: كتاب الحموي (ص ١٥٠ - ١٥١). وهذا هو الذي رجَّحه المؤلف في «مفتاح دار السعادة» (٣/ ١٥٩٠).
(٢) في النسخ المطبوعة: «ليتبين».
[ ٤ / ٢١٨ ]
وقالت فرقةٌ أخرى: بل بعضها محفوظ، وبعضها غير محفوظ. وتكلَّمت في حديث «لا عدوى»، وقالت: قد كان أبو هريرة يرويه أوَّلًا، ثمَّ شكَّ فيه فتركه. وراجعوه فيه (^١)، وقالوا له (^٢): سمعناك (^٣) تحدِّثه، فأبى أن يحدِّث به. قال أبو سلَمة: فلا أدري أنسي أبو هريرة، أم نسَخ أحدُ الحديثين الآخر؟ (^٤).
وأمَّا حديث جابر: أنَّ النَّبيَّ - ﷺ - أخذ بيد مجذومٍ، فأدخلها معه في القصعة؛ فحديثٌ لا يثبت ولا يصحُّ. وغاية ما قال فيه الترمذي (^٥): إنَّه غريبٌ، لم يصحِّحه ولم يحسِّنه. وقد قال شعبة وغيره: اتَّقوا هذه الغرائب (^٦). قال الترمذي: ويروى هذا من فعل عمر، وهو أثبت (^٧).
_________________
(١) «فتركه وراجعوه فيه» ساقط من د.
(٢) «له» ساقط من س وطبعة عبد اللطيف وما بعدها.
(٣) بعده في ل زيادة: «أبا هريرة».
(٤) أخرجه مسلم (٢٢٢١).
(٥) كما تقدم في تخريجه.
(٦) لم أقف عليه من كلام شعبة، وأخرج ابن عديٍّ في «الكامل» (١/ ١١١) ــ ومن طريقه السَّمعانيُّ في «أدب الإملاء» (١٦٢) ــ عن الإمام أحمد قال: «لا تكتبوا هذه الأحاديثَ الغرائب، فإنَّها مناكير، وعامَّتُها عن الضُّعفاء».
(٧) «جامع التِّرمذيِّ» (٤/ ٢٦٦)، وقد روَى فِعلَ عمرَ - ﵁ - معلَّقًا عن شعبةَ، عن حَبيب بن الشَّهيد، عن ابن بريدةَ، أنَّ عمرَ أخذَ بيدِ مجذومٍ. ولم أقِف على مَن وصَلَه بهذا الإسنادِ. وأخرج العُقيليُّ في «الضُّعفاء» (٤/ ٢٤٢) وأبو نُعيم في «الحلية» (١/ ٢٠٠) من طريقين عن شعبةَ، عن حبيب، عن ابن بريدةَ قال: «كان سَلمان يعمل بيديه، ثمَّ يشتري طعامًا، ثمَّ يبعَث إلى الْمجذَّمين فيأكلون معه». وصحَّحه الألبانيُّ في «السِّلسلة الضَّعيفة» (٣/ ٢٨٢). وأخرج عبد الرَّزَّاق (١٩٥١٠) عن معمَر، عن أبي الزِّناد، أنَّ عمر بن الخطَّاب قال لمعَيقيب الدَّوسيِّ: «ادنُ، فلو كان غيرُك ما قعَد منِّي إلَّا كقيد رُمحٍ» وكان أجذَم. وهذا منقطعٌ؛ أبو الزِّناد لم يدرِك عمر، وله طرقٌ أخرى عن عمَر بمعناه.
[ ٤ / ٢١٩ ]
فهذا شأن هذين الحديثين اللَّذين عورض بهما أحاديث النَّهي: أحدهما رجع أبو هريرة عن التَّحديث به، وأنكره (^١). والثَّاني لا يصحُّ عن رسول الله - ﷺ -. والله أعلم.
وقد أشبعنا الكلام في هذه المسألة في كتاب «المفتاح» بأطول من هذا (^٢)، وباللَّه التَّوفيق.
فصل
في هديه - ﷺ - في المنع من التَّداوي بالمحرَّمات (^٣)
روى أبو داود في «سننه» (^٤) من حديث أبي الدَّرداء قال: قال رسول الله
_________________
(١) انظر الرد على القول بأن حديث أبي هريرة - ﵁ - غير محفوظ في «مفتاح دار السعادة» (٣/ ١٥٧٥ - ١٥٧٦).
(٢) الجملة «وقد أشبعنا من هذا» لم ترد في د، فلا أدري أأسقطها الناسخ أم كانت في بعض أصول المؤلف دون بعض. وانظر الكتاب المذكور (٣/ ١٥٧٤ - ١٥٩١). وانظر: «فتح الباري» (١٠/ ١٦٠ - ١٦٢) ويظهر من كلامه أنه استفاد من كتابنا أيضًا.
(٣) كتاب الحموي (ص ١٥٧ - ١٦٤) وقد نقل المؤلف منه الأحاديث (إلا حديث الجعفي وقول ابن مسعود) وقول أبقراط وصاحب «الكامل».
(٤) برقم (٣٨٧٤)، وسكَت عنه. وأخرجه أيضًا الدّولابيُّ في «الكنى» (٢/ ٧٦٠)، وأبو نعيم في «الطِّب النَّبوي» (٢٦، ٥٢)، وغيرهما. وفي إسناده إسماعيل بن عيَّاش، مختلَفٌ فيه، واختُلف عليه في إسناده؛ ولذا قال النَّوويُّ في «المجموع» (٥/ ١٠٦) وفي «الخلاصة» (٣٢٦٧): «إسناده فيه ضعفٌ»، وحسَّنه ابن مُفلح في «الآداب الشَّرعيَّة» (٢/ ٣٣٦)، وصحَّحه ابن الملقِّن في «تحفة المحتاج» (٢/ ٩)، وهو في «السِّلسلة الصَّحيحة» (١٦٣٣). وفي الباب عن جماعة من الصَّحابة - ﵃ -.
[ ٤ / ٢٢٠ ]
- ﷺ -: «إنَّ الله أنزل الدَّاء والدَّواء، وجعل لكلِّ داءٍ دواءً، فتداوَوْا؛ ولا تداوَوْا بالمحرَّم (^١)».
وذكر البخاريُّ في «صحيحه» (^٢) عن ابن مسعودٍ: «إنَّ الله لم يجعل شفاءكم فيما حرَّم عليكم».
وفي «السُّنن» (^٣) عن أبي هريرة قال: نهى رسول الله - ﷺ - عن الدَّواء الخبيث.
وفي «صحيح مسلم» (^٤) عن طارق بن سويد الجُعْفي أنَّه سأل النَّبيَّ - ﷺ - عن الخمر، فنهاه، أو كره أن يصنعها، فقال: إنَّما أصنعها للدَّواء، فقال: «إنَّه
_________________
(١) لفظ أبي داود: «بحرام».
(٢) في كتاب الأشربة، باب شراب الحلواء والعسل، بصيغة الجزم. ووصله عبد الرَّزَّاق (١٧٠٩٧، ١٧١٠٢)، وابن أبي شيبة (٢٣٩٥٨، ٢٤٣٠٤)، وأحمد في «الأشربة» (١١٧، ١٣٠، ١٣٣)، والطَّحاويُّ في «معاني الآثار» (١/ ١٠٨)، والطَّبراني في «الكبير» (٩/ ٣٤٥)، والحاكم (٤/ ٢١٨)، وغيرهم. وصحَّحه النَّوويُّ في «المجموع» (٩/ ٤١)، وابن حجر في «الفتح» (١٠/ ٧٩). وفي الباب مرفوعًا عن أبي هريرة وأمِّ سلمة - ﵄ -.
(٣) «سنن أبي داود» (٣٨٧٠)، «جامع التِّرمذيِّ» (٢٠٤٥)، «سنن ابن ماجه» (٣٤٥٩). وأخرجه أيضًا ابن أبي شيبة (٢٣٨٩٣)، وأحمد (٨٠٤٨، ٩٧٥٦، ١٠١٩٤)، والبزَّار (٩٣٥٨). وصحَّحه الحاكم (٤/ ٤١٠)، والإشبيليُّ في «الأحكام الصُّغرى» (٢/ ٨٣٨).
(٤) برقم (١٩٨٤).
[ ٤ / ٢٢١ ]
ليس بدواءٍ، ولكنَّه داءٌ».
وفي «السُّنن» أنَّه - ﷺ - سئل عن الخمر يجعل في الدَّواء، فقال: «إنَّها داءٌ وليست بالدَّواء». رواه أبو داود والتِّرمذيُّ (^١).
وفي «صحيح مسلم» (^٢) عن طارق بن سويد الحضرمي قال: قلت: يا رسول اللَّه: إنَّ بأرضنا أعنابًا نعتصرها، فنشرب منها. قال: «لا». فراجعته، قلت: إنَّا نستشفي للمريض قال: «إنَّ ذاك (^٣) ليس بشفاءٍ ولكنَّه داءٌ».
وفي «سنن النَّسائيِّ» (^٤): أنَّ طبيبًا ذكر ضِفْدَعًا في دواءٍ عند رسول الله - ﷺ -، فنهاه عن قتلها.
_________________
(١) «سنن أبي داود» (٣٨٧٣)، «جامع التِّرمذيِّ» (٢٠٤٦) وقال: «هذا حديث حسن صحيح»، ولفظه عنده: عن علقمة بن وائل، عن أبيه أنَّه شهد النَّبيَّ - ﷺ - وسأله سويد بن طارق ــ أو: طارق بن سويد ــ عن الخمر، فنهاه عنه، فقال: إنَّنا نتداوى بها! فقال رسول الله - ﷺ -: «إنَّها ليست بدواء، ولكنَّها داء». وهو حديث مسلم السَّابق نفسُه.
(٢) في كتاب الحموي (ص ١٦٢، ٥٥١) بعد الحديث: «رواه مسلم والترمذي»، فاكتفى المؤلف بالإحالة على مسلم. والحديث بهذا اللفظ إنَّما ورد عند ابن ماجه (٣٥٠٠).
(٣) ز، ث، د: «ذلك». وفي الأصل (ف) كما أثبت مع علامة صح.
(٤) برقم (٤٣٥٥) من حديث عبد الرَّحمن بن عثمان - ﵁ -. وأخرجه أيضًا أبو داود (٣٨٧١، ٥٢٦٩)، والطَّيالسيُّ (١٢٧٩)، وابن أبي شيبة (٢٤١٧٧)، وأحمد (١٥٧٥٧، ١٦٠٦٩)، وغيرهم. وصحَّحه الحاكم (٤/ ٤١١)، والإشبيليُّ في «الأحكام الصُّغرى» (٢/ ٨٤٨)، وقال النَّوويُّ في «المجموع» (٩/ ٣١): «رواه أبو داود بإسناد حسن، والنَّسائيُّ بإسناد صحيح».
[ ٤ / ٢٢٢ ]
ويذكر عنه - ﷺ - أنَّه قال: «من تداوى بالخمر فلا شفاه اللَّه!» (^١).
المعالجة بالمحرَّمات قبيحةٌ عقلًا وشرعًا. أمَّا الشَّرع فما ذكرنا (^٢) من الأحاديث (^٣) وغيرها. وأمَّا العقل فهو أنَّ الله سبحانه إنَّما حرَّمه لخبثه، فإنَّه لم يحرِّم على هذه الأمَّة طيِّبًا عقوبةً لها، كما حرَّمه على بني إسرائيل بقوله: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٦٠]. وإنَّما حرَّم على هذه الأمَّة ما حرَّمه (^٤) لخبثه. وتحريمُه له حِمْيَة لهم وصيانة عن تناوله (^٥)، فلا يناسب أن يُطلَب به الشِّفاءُ من الأسقام والعلل، فإنَّه وإن أثَّر في إزالتها، لكنَّه يُعْقِب سقمًا أعظمَ منه في القلب بقوَّة الخبث الذي فيه؛ فيكون المداوى به قد سعى في إزالة سقم البدن بسقم القلب.
وأيضًا فإنَّ تحريمه يقتضي تجنُّبه والبعد عنه بكلِّ طريقٍ، وفي اتِّخاذه دواءً حضٌّ على التَّرغيب فيه وملابستِه. وهذا ضدُّ مقصود الشَّارع.
_________________
(١) كتاب الحموي (ص ١٦١). ولم أقف عليه مرفوعًا بهذا اللَّفظ. وقد أخرجه ابن أبي شيبة (٢٣٩٦٤) عن معاوية بن هشام، عن ابن أبي ذئب، عن الزُّهريِّ، عن عائشة - ﵂ - من قولها، وهذا إسناد منقطع. وأخرجه أبو نعيم في «الطِّبِّ النَّبويِّ» (٥٦) من طريق زيد بن الحباب، عن ابن أبي ذئب، عن الزُّهريِّ، عن عروة، عن عائشة. وأخرج أبو نعيم (٥٣) من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من تداوى بحرام لم يجعلِ الله له فيه شفاءً»، حسَّنه الألبانيُّ لشواهده في «السلسلة الصحيحة» (٢٨٨١).
(٢) حط، ن: «ذكرناه».
(٣) ما عدا ف، د: «هذه الأحاديث» بزيادة اسم الإشارة.
(٤) في طبعة عبد اللطيف وما بعدها: «حرَّم».
(٥) انظر: «أعلام الموقعين» (٤/ ١١٦) و«إغاثة اللهفان» (١/ ٦٠٤).
[ ٤ / ٢٢٣ ]
وأيضًا فإنَّه داءٌ كما نصَّ عليه صاحب الشَّريعة، فلا يجوز أن يُتَّخذ دواءً.
وأيضًا فإنَّه يكسب الطَّبيعةَ والرُّوح صفةَ الخبث، لأنَّ الطَّبيعة تنفعل عن كيفيَّة الدَّواء انفعالًا بيِّنًا. فإذا كانت كيفيَّته خبيثةً اكتسبت الطَّبيعة منه خبثًا، فكيف إذا كان خبيثًا في ذاته! ولهذا حرَّم الله سبحانه على عباده الأغذية والأشربة والملابس الخبيثة، لما تكسب النَّفسَ من هيئة الخبث وصفته.
وأيضًا فإنَّ في إباحة التَّداوي به ــ ولا سيَّما إذا كانت النَّفوس تميل إليه ــ ذريعةً إلى تناوله للشَّهوة واللَّذَّة، ولا سيَّما إذا عرفت النُّفوس أنَّه نافعٌ لها، مزيلٌ لأسقامها، جالبٌ لشفائها؛ فهذا أحبُّ شيءٍ إليها. والشَّارع سدَّ الذَّريعة إلى تناوله بكلِّ ممكنٍ، ولا ريب أنَّ بين سدِّ الذَّريعة إلى تناوله وفتحِ الذَّريعة إلى تناوله تناقضًا وتعارضًا.
وأيضًا فإنَّ في هذا الدَّواء المحرَّم من الأدواء ما يزيد على ما يُظَنُّ فيه من الشِّفاء. ولنفرض الكلام في أمِّ الخبائث الَّتي ما جعل الله لنا فيها شفاءً قطُّ، فإنَّها شديدة المضرَّة بالدِّماغ الذي هو مركز العقل عند الأطبَّاء وكثيرٍ من الفقهاء والمتكلِّمين (^١).
قال أبقراط (^٢) في أثناء كلامه في الأمراض الحادَّة: ضرر الخمر بالرَّأس شديدٌ، لأنَّه يُسرع الارتفاع إليه، ويرتفع بارتفاعه الأخلاط الَّتي تعلو في
_________________
(١) انظر: كتاب الحموي (ص ١٥٩) و«مفتاح دار السعادة» (٢/ ٥٥٥ - ٥٥٧) و«أيمان القرآن» (ص ٦١٢)، و«العُدَّة» لأبي يعلى (١/ ٨٩) و«المسوَّدة» (ص ٥٩٥).
(٢) في كتابه «الأمراض الحادَّة» كما ذكر صاحب «كامل الصناعة الطبية» ــ خ برنستون (ق ٦٩/أ). والمصنف صادر عن كتاب الحموي (ص ١٥٩).
[ ٤ / ٢٢٤ ]
البدن. وهو لذلك (^١) يضرُّ بالذِّهن.
وقال صاحب «الكامل» (^٢): إنَّ خاصِّيَّة الشَّراب: الإضرارُ بالدِّماغ والعصَب.
وأمَّا غيره من الأدوية المحرَّمة فنوعان:
أحدهما: تعافه الأنفس ولا تنبعث لمساعدته الطَّبيعةَ على دفع المرض به كالسُّموم ولحوم الأفاعي وغيرها من المستقذَرات، فيبقى كلًّا على الطَّبيعة، مُثْقِلًا لها، فيصير حينئذٍ داءً لا دواءً.
الثَّاني (^٣): ما لا تعافه النَّفس كالشَّراب الذي تستعمله الحوامل مثلًا، فهذا ضرره أكثر من نفعه، والعقل يقضي بتحريم (^٤) ذلك. فالعقل والفطرة مطابقٌ للشَّرع في ذلك.
وهاهنا سرٌّ لطيفٌ في كون المحرَّمات لا يستشفى بها، فإنَّ شرط الشِّفاء بالدَّواء تلقِّيه بالقبول واعتقادُ منفعته وما جعل الله فيه من بركة الشِّفاء، فإنَّ النَّافع هو المبارك، وأنفعُ الأشياء أبركهُا، والمباركُ من النَّاس أينما (^٥) كان
_________________
(١) «هو» ساقط من ل. وفيما عدا ف، ث، د: «كذلك»، تصحيف.
(٢) هو علي بن العباس المجوسي، وكتابه «كامل الصناعة الطبية» المشهور بالملكي. انظر: نسخة برنستون منه (ق ٦٩/أ) وقد استشهد على قوله بكلام أبقراط السابق. والمصنف صادر عن كتاب الحموي. وقال الرازي في «منافع الأغذية ودفع مضارِّها» (ص ١٩ - ط الخيرية): «الشراب في الجملة مُرْخٍ للعصب، مُوهِن للدماغ».
(٣) ن: «والثاني»، وكذا في النسخ المطبوعة.
(٤) س: «يقتضي تحريمَ».
(٥) س: «إنما».
[ ٤ / ٢٢٥ ]
هو الذي ينتفع به حيث حلَّ. ومعلومٌ أنَّ اعتقاد المسلم تحريمَ هذه العين ممَّا يحول بينه وبين اعتقاد بركتها (^١) وبين حسن ظنِّه بها وتلقِّي طبعه لها بالقبول. بل كلَّما كان العبد أعظم إيمانًا كان أكرهَ لها وأسوأَ اعتقادًا فيها، وطبعُه أكرُه شيءٍ لها. فإذا تناولها في هذه الحال كانت داءً له لا دواءً، إلا أن يزول اعتقادُ الخبث فيها وسوءُ الظَّنِّ والكراهةُ لها بالمحبَّة، وهذا ينافي الإيمان، فلا يتناولها المؤمن قطُّ إلا على وجه داءٍ. والله أعلم.
فصل
في هديه - ﷺ - في علاج القَمْل الذي في الرَّأس وإزالته
في «الصَّحيحين» (^٢) عن كعب بن عُجْرة قال: كان بي أذًى من رأسي، فحُمِلتُ إلى رسول الله - ﷺ -، والقملُ يتناثر على وجهي، فقال: «ما كنتُ أرى الجَهْدَ قد بلغ بك ما أرى». وفي روايةٍ: فأمرَه أن يحلق رأسه، وأن يُطْعِمَ فَرَقًا بين ستَّةٍ، أو يهدي شاةً، أو يصوم ثلاثة أيَّامٍ.
القمل يتولَّد في الرَّأس والبدن من شيئين: خارجٍ عن البدن، وداخلٍ فيه. فالخارج: الوسَخ والدَّنس المتراكب (^٣) في سطح الجسد. والثَّاني من خِلْطٍ رديٍّ عَفِنٍ تدفعه الطَّبيعة بين الجلد واللَّحم، فتتعفَّن الرُّطوبة الدَّمويَّة في البشرة بعد خروجها من المسامِّ، فيكون منه القمل. وأكثر ما يكون ذلك بعد العلل والأسقام وبسبب الأوساخ. وإنَّما كان في رؤوس الصِّبيان أكثر لكثرة
_________________
(١) س، ث، ل: «تركها»، تصحيف. وبعده في النسخ المطبوعة زيادة: «ومنفعتها».
(٢) البخاري (١٨١٦، ١٨١٧) ومسلم (١٢٠١).
(٣) غيَّره الفقي إلى «المتراكم»، وتبعته طبعة الرسالة دون أصلها.
[ ٤ / ٢٢٦ ]
فائدة في أنواع الحلق وأن منه بدعة وشركا
رطوباتهم وتعاطيهم الأسبابَ الَّتي تولِّد القمل. ولذلك حلق النَّبيُّ - ﷺ - رؤوس بني جعفرٍ (^١).
ومن أكبر علاجه: حلقُ الرَّأس لتنفتح مسامُّ الأبخرة، فتتصاعد الأبخرة الرَّديَّة، فتضعف مادَّة الخِلط. وينبغي أن يُطلى الرَّأسُ بعد ذلك بالأدوية الَّتي تقتل القَمْلَ وتمنع تولُّده.
وحلقُ الرَّأس ثلاثةُ أنواع:
أحدها: نسكٌ وقربةٌ.
والثَّاني: بدعةٌ وشركٌ.
والثَّالث: حاجةٌ ودواءٌ.
فالأوَّل: الحلق في أحد النُّسكين: الحجِّ أو العمرة.
والثَّاني: حلق الرَّؤوس لغير الله سبحانه، كما يحلقها المريدون لشيوخهم. ويقول (^٢) أحدهم: أنا حلقتُ رأسي لفلانٍ، وأنت حلقتَه لفلانٍ. وهذا بمنزلة أن يقول: سجدت لفلانٍ، فإنَّ حلق الرَّأس خضوعٌ وعبوديَّةٌ وذلٌّ. ولهذا كان من تمام الحجِّ حتَّى إنَّه عند الشَّافعيِّ ركنٌ من أركانه لا يتمُّ إلا به، فإنَّه وضع النَّواصي بين يدي ربِّها خضوعًا لعظمته وتذلُّلًا لعزَّته.
وهو من أبلغ أنواع العبوديَّة. ولهذا كانت العرب إذا أرادت إذلالَ
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد (١٧٥٠) وأبو داود (٤١٩٢) والنسائي في «الكبرى» (٨١٠٤) من حديث عبد الله بن جعفر - ﵁ -. وصححه الضياء في «المختارة» (٩/ ١٦٤).
(٢) حط، ن: «فيقول»، وكذا في النسخ المطبوعة.
[ ٤ / ٢٢٧ ]
الأسير منهم وعتقَه حلقوا رأسه وأطلقوه. فجاء شيوخ الضَّلال والمزاحمون للرُّبوبيَّة الذين أساسُ مشيختهم على الشِّرك والبدعة، فأرادوا من مريديهم أن يتعبَّدوا لهم، فزيَّنوا لهم حلقَ رؤوسهم لهم (^١)، كما زيَّنوا لهم السُّجود لهم، وسمَّوه بغير اسمه، وقالوا: هو وضع الرَّأس بين يدي الشَّيخ. ولَعَمْرُ الله، إنَّ السُّجود لله هو وضعُ الرَّأس بين يديه سبحانه. وزيَّنوا لهم أن ينذروا لهم، ويتوبوا لهم، ويحلفوا بأسمائهم. وهذا هو اتِّخاذهم أربابًا وآلهةً من دون اللَّه.
قال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩) وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٧٩ - ٨٠].
وأشرفُ العبوديَّة عبوديَّة الصَّلاة. وقد تقاسمها الشَّيوخ والمتشبِّهون بالعلماء والجبابرة، فأخذ الشُّيوخ منها أشرفَ (^٢) ما فيها، وهو السَّجود. وأخذ المتشبِّهون بالعلماء منها الرُّكوع، فإذا لقي بعضهم بعضًا ركَع له كما يركع المصلِّي لربِّه سواءً. وأخذ الجبابرة منها القيامَ، فيقوم الأحرار والعبيد على رؤوسهم عبوديَّةً لهم وهم جلوسٌ.
وقد نهى رسول الله - ﷺ - عن هذه الأمور الثَّلاثة على التَّفصيل، فتعاطيها مخالفةٌ صريحةٌ له. فنهى عن السُّجود لغير الله، وقال: «لا ينبغي لأحدٍ أن
_________________
(١) «لهم» ساقط من د.
(٢) ز: «منها ما هو أشرف» بزيادة «ما هو». وفي س: «الشيوخُ أفضلَ».
[ ٤ / ٢٢٨ ]
يسجد لأحدٍ» (^١). وأنكر على معاذ لمَّا سجَد له وقال: «مه!» (^٢).
وتحريم هذا معلومٌ من دينه بالضَّرورة. وتجويزُ من جوَّزه لغير الله مراغَمةٌ لله ورسوله. وهو من أبلغ أنواع العبوديَّة، فإذا جوَّز هذا المشركُ هذا النَّوعَ للبشر فقد جوَّز عبوديَّة غير اللَّه.
وقد صحَّ عنه أنَّه قيل له: الرَّجل يلقى أخاه، أينحني له؟ قال: «لا». قيل: أيلتزمه ويقبِّله؟ قال: «لا». قيل: أيصافحه؟ قال: «نعم» (^٣).
وأيضًا فالانحناء عند التَّحيَّة سجود. ومنه قوله تعالى: ﴿ادْخُلُوا الْبَابَ
_________________
(١) أخرجه ابن حبَّان (٤١٦٢) من حديث أبي هريرة - ﵁ -. وهو في التِّرمذيِّ (١١٥٩)، والبيهقيِّ في «الكبرى» (٧/ ٢٩١)، لكن ليس عندهما هذا اللَّفظُ. قال التِّرمذيُّ: «حديث حسن غريب من هذا الوجه»، وحسَّنه الألبانيُّ في «الإرواء» (١٩٩٨). وفي الباب عن عددٍ من الصَّحابة - ﵃ -.
(٢) أخرجه ابن ماجه (١٨٥٣)، وأحمد (١٩٤٠٣)، والبيهقيُّ في «الكبرى» (٧/ ٢٩٢)، من حديث عبد الله بن أبي أوفى - ﵁ - قال: لمَّا قدم معاذٌ من الشَّام سجَد للنَّبيِّ - ﷺ - وفيه قوله - ﷺ -: «فلا تفعلوا» الحديثَ. وفي إسناده اختلاف، وقد صحَّحه ابن حبَّان (٤١٧١)، والضِّياء في «المختارة» (١٣/ ١٢٤ - ١٢٥)، وحسَّنه الألبانيُّ في «الإرواء» (٧/ ٥٦). وله شواهد كثيرةٌ.
(٣) أخرجه التِّرمذيُّ (٢٧٢٨) وقال: «حديث حسن»، وابن ماجه (٣٧٠٢)، وأحمد (١٣٠٤٤)، والبزَّار (٧٣٦٠ - ٧٣٦٢)، وأبو يعلى (٤٢٨٧، ٤٢٨٩)، وابن عديٍّ في «الكامل» (٣/ ٣٤١)، وغيرهم، من حديث أنس بن مالك - ﵁ -. وضعَّفه أحمد واستنكره كما في مسائل ابنه صالح (٣/ ١٦٠)، وقال البيهقيُّ في «الكبرى» (٧/ ١٠٠): «تفرَّد به حنظلة السَّدوسيُّ، وكان قد اختلَط، تركه يحيَى القطَّان لاختلاطه»، وليَّن الحديثَ الذَّهبيُّ في «المهذَّب» (٥/ ٢٦٧٧)، وقوَّاه الألبانيُّ في «السِّلسلة الصَّحيحة» (١٦٠).
[ ٤ / ٢٢٩ ]
سُجَّدًا﴾ (^١) [النساء: ١٥٤] أي منحنين، وإلَّا فلا يمكن الدَّخول على الجباه.
وصحَّ عنه النَّهي عن القيام وهو جالسٌ، كما تعظِّم الأعاجم بعضها بعضًا، حتَّى منَع من ذلك في الصَّلاة. وأمرَهم إذا صلَّى جالسًا أن يصلُّوا جلوسًا، وهم أصحَّاء لا عذر لهم، لئلَّا يقوموا على رأسه وهو جالسٌ، مع أنَّ قيامهم للَّه، فكيف إذا كان القيام تعظيمًا وعبوديَّةً لغيره سبحانه؟
والمقصود: أنَّ النُّفوس الجاهلة الضَّالَّة أسقطت عبوديَّة الله سبحانه وأشركت فيها مَن تعظِّمه من الخلق، فسجَدت لغير اللَّه، وركعت له، وقامت بين يديه قيام الصَّلاة، وحلفت بغيره، ونذرت لغيره، وحلقت لغيره، وذبحت لغيره، وطافت بغير بيته (^٢). وعظَّمته بالحبِّ والخوف والرَّجاء والطَّاعة كما يعظَّم الخالق، بل أشدُّ! وسوَّت من تعبده من المخلوقين بربِّ العالمين. وهؤلاء هم المضادُّون لدعوة الرُّسل، وهم الذين بربَّهم يعدِلون، وهم الذين يقولون وهم في النَّار مع آلهتهم يختصمون: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٩٧ - ٩٨]. وهم الذين قال فيهم: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥]. وهذا كلُّه من الشِّرك، والله لا يغفر أن يشرك به (^٣).
فهذا فصلٌ معترضٌ في هديه في حلق الرَّأس، ولعلَّه أهمُّ ممَّا قُصِد الكلام فيه. والله الموفِّق.
_________________
(١) كذا «ادخلوا» دون الواو قبله في جميع النسخ الخطية.
(٢) في النسخ المطبوعة: «لغير بيته».
(٣) نبه بعض القراء في هامش ث على أن المصنف لم يذكر النوع الثالث من أنواع الحلق وهو الحلق للحاجة والدواء.
[ ٤ / ٢٣٠ ]
فصولُ هديه (^١) - ﷺ - في العلاج بالأدوية الرُّوحانيَّة الإلهيَّة
المفردة، والمركَّبة منها ومن الأدوية الطَّبيعيَّة
فصل
في هديه - ﷺ - في علاج المصاب بالعين
روى مسلم في «صحيحه» (^٢) عن ابن عبَّاسٍ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «العين حقٌّ، ولو كان شيءٌ سابَقَ القدَرَ لسبقته العينُ».
وفي «صحيحه» (^٣) أيضًا عن أنس أنَّ النَّبيَّ - ﷺ -: رخَّص في الرُّقية من الحُمَة والعين والنَّملة.
وفي «الصَّحيحين» (^٤) من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: «العين حقٌّ».
وفي «سنن أبي داود» (^٥) عن عائشة قالت: كان يؤمر العائنُ فيتوضَّأ، ثمَّ يغتسل منه المَعِينُ.
_________________
(١) ن: «في هديه». وقد زاد بعضهم «في» في هامش س وفوق السطر في ز. وفي حط: «فصل في هديه».
(٢) برقم (٢١٨٨).
(٣) برقم (٢١٩٦).
(٤) البخاري (٥٧٤٠) ومسلم (٢١٨٧).
(٥) سنن أبي داود (٣٨٨٠)، وسكت عنه. وأخرجه من طريقه البيهقيُّ في «الكبرى» (٩/ ٣٥١). ورواه ابن أبي شيبة (٢٤٠٦٢) من فِعلها. وصحَّح إسناده النَّوويُّ في «المجموع» (٩/ ٦٨)، وهو في «السلسلة الصحيحة» (٢٥٢٢).
[ ٤ / ٢٣١ ]
وفي «الصَّحيحين» (^١) عن عائشة قالت: أمرني النَّبيُّ - ﷺ - ــ أو أمر ــ أن نسترقي (^٢) من العين.
وذكر الترمذي (^٣) من حديث سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينارٍ، عن عروة بن عامر، عن عبيد بن رفاعة الزُّرَقي أنَّ أسماء بنت عُمَيس قالت: يا رسول الله، إنَّ بني جعفرٍ تصيبهم العين، أفأسترقي لهم؟ فقال: «نعم، فلو كان شيءٌ يسبِق القضاءَ لسبقته العينُ». قال الترمذي: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
وروى مالك (^٤) عن ابن شهابٍ، عن أبي أمامة بن سهل بن حنيفٍ قال: رأى عامرُ بن ربيعة سهلَ بن حُنَيفٍ يغتسل، فقال: والله ما رأيتُ كاليوم ولا
_________________
(١) البخاري (٥٧٣٨) وهذا لفظه في رواية أبي ذر، ومسلم (٢١٩٥).
(٢) في بعض النسخ: «يسترقَى»، وهي رواية أخرى في البخاري.
(٣) في «جامعه» (٢٠٥٩). وأخرجه أيضًا ابن ماجه (٣٥١٠)، وابن أبي شيبة (٢٤٠٥٧)، وأحمد (٢٧٤٧٠)، وغيرهم. ورجَّح الدَّارقطنيُّ في «العلل» (١٥/ ٣٠٤) أنَّه من مسند أسماء، وصحَّحه ابن عبد البر في «الاستذكار» (٧/ ٤٠٩)، وهو في «السِّلسلة الصَّحيحة» (١٢٥٢).
(٤) في «الموطَّأ» (١٦٧٩)، ومن طريقه النَّسائيُّ في «الكبرى» (٧٥٧٢). وأخرجه أيضًا معمر في «الجامع» (١١/رقم ١٩٧٦٦ ــ المصنَّف) عن الزُّهري به، والنَّسائيُّ في «الكبرى» (٧٥٧١، ٩٩٦٥)، وابن ماجه (٣٥٠٩) من طريق سفيان عن الزُّهري به. وقيل في إسناده: «عن الزُّهري، عن أبي أمامة، عن أبيه»، ورجَّح الدَّارقطني في «العلل» (١٢/ ٢٦٢) الأوَّلَ. وصحَّحه ابن حبَّان (٦١٠٦)، والإشبيلي في «الأحكام الصُّغرى» (٢/ ٨٤٤)، والنَّووي في «المجموع» (٩/ ٦٨)، وقال ابن مُفلح في «الآداب الشَّرعيَّة» (٢/ ٥٨): «رواه أحمد بإسناد حسن». وينظر: «السلسلة الصحيحة» (٢٥٧٢).
[ ٤ / ٢٣٢ ]
جلدَ مخبَّأةٍَ! قال: فلُبِطَ سهلٌ (^١). فأتى رسولَ الله - ﷺ - عامرٌ، فتغيَّظ عليه، وقال: «علام يقتل أحدُكم أخاه؟ ألَّا برَّكتَ! اغتَسِلْ له». فغسل (^٢) عامر وجهه ويديه ومرفقيه وركبتيه وأطراف رجليه وداخلةَ إزاره في قدَحٍ، ثمَّ صُبَّ عليه، فراح مع النَّاس.
وروى مالك (^٣) أيضًا عن محمد بن أبي أمامة بن سهل عن أبيه هذا الحديث وقال فيه: «إنَّ العين حقٌّ، توضَّأْ له»، فتوضَّأ له.
وذكر عبد الرزاق (^٤) عن معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه مرفوعًا: «العين حقٌّ. ولو كان شيءٌ سابقَ القدَر لسبقَتْه العينُ. وإذا استُغْسِلَ أحدكم فليغتسِلْ». ووصله صحيحٌ.
قال الزُّهريُّ: يؤتى (^٥) الرَّجل العائن بقدَحٍ، فيُدْخِل كفَّه فيه، فيتمضمض ثمَّ يمجُّه في القدح، ويغسل وجهه في القدح. ثمَّ يُدخِل يده اليسرى، [فيصبُّ على كفِّه اليمنى في القدح. ثم يُدخِل يده اليمنى، فيصبُّ على يده اليسرى. ثم
_________________
(١) لُبِط: صُرِعَ. يعني: حُمَّ، فوقع صريعًا كالمريض المثبَت المثقَل. انظر: «المنتقى» للباجي (٧/ ٢٥٦).
(٢) بعده في النسخ المطبوعة: «له».
(٣) في «الموطَّأ» (١٦٧٨)، ومن طريقه النَّسائيُّ في «الكبرى» (٧٥٧٠)، والطَّبراني في «الكبير» (٥٥٨٠). وأخرجه أيضًا الحاكم (٣/ ٤١١ - ٤١٢). وصحَّحه ابن حبَّان (٦١٠٥)، والألبانيُّ في «السِّلسلة الصَّحيحة» (٦/ ١٤٩).
(٤) برقم (١٩٧٧٠)، وهو موصولٌ عند مسلم (٢١٨٨) من طريق وهيبٍ، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عبَّاس - ﵄ -.
(٥) هكذا في الأصل (ف) وفي مصادر التخريج. وفي النسخ الأخرى الخطية والمطبوعة: «يؤمر».
[ ٤ / ٢٣٣ ]
يُدخِل يده اليسرى، فيصُبُّ على مرفقه الأيمن. ثم يُدخل يده اليمنى، فيصبُّ على مرفقه الأيسر. ثم يُدخل يده اليسرى، فيصبُّ على قدمه اليمنى. ثم يدخل يده اليمنى، فيصبُّ على قدمه اليسرى. ثم يُدخِل يده اليُسْرى] (^١) فيصُبُّ على ركبته اليمنى في القدح. ثمَّ يُدخل يده اليمنى، فيصبُّ على ركبته اليسرى. ثمَّ يغسل داخلةَ إزاره. ولا يوضع القدَحُ في الأرض. ثمَّ يُصَبُّ على رأس الرَّجل الذي تصيبه العين من خلفه صبَّةً واحدةً (^٢).
والعين عينان: عينٌ إنسيَّةٌ، وعينٌ جنِّيَّةٌ. فقد صحَّ عن أم سلمة أنَّ النَّبيَّ - ﷺ - رأى في بيتها جاريةً، في وجهها سَفْعةٌ، فقال: «استرقُوا لها، فإنَّ بها النَّظرة» (^٣).
قال الحسين بن مسعود الفراء (^٤): وقوله: «سفعةٌ» أي نظرةٌ، يعني: من الجنِّ. يقول: بها عينٌ أصابتها من نظر الجنِّ. [وقيل: عيون الجنّ] (^٥) أنفَذُ من أسنَّة الرِّماح.
_________________
(١) ما بين المعقوفين من «شرح السنة» للبغوي (١٢/ ١٦٥)، وانظر «السنن الكبرى» للبيهقي وغيره من مصادر التخريج. والظاهر أنه سقط من أصل المؤلف لانتقال النظر. وقد اختصر بعضهم هذه الصفة دون أن يترك منها شيئًا. وقد آثرت التكملة من «شرح السنة» لأن النقل الآتي منه.
(٢) أخرجه بنحوه ابن أبي شيبة (٢٤٠٦١)، والطَّحاويُّ في «مشكل الآثار» (٢٨٩٨)، والطَّبراني في «الكبير» (٥٥٧٧)، والبيهقيُّ في «الكبرى» (٩/ ٣٥٢)، وابن عبد البر في «التَّمهيد» (٦/ ٢٤٢ - ٢٤٣).
(٣) أخرجه البخاري (٥٧٣٩) ومسلم (٢١٩٧).
(٤) في «شرح السنة» (١٢/ ١٦٣).
(٥) من «شرح السنة»، ولعله سقط أيضًا من أصل المؤلف لانتقال النظر.
[ ٤ / ٢٣٤ ]
ويذكر عن جابر يرفعه: «إنَّ العينَ لَتُدخِلُ الرَّجلَ القبرَ، والجملَ القِدْرَ» (^١).
وعن أبي سعيد: كان (^٢) النَّبيُّ - ﷺ - يتعوَّذ من الجانِّ، ومن عين الإنسان (^٣).
فأبطلت طائفةٌ ممَّن قلَّ نصيبهم من السَّمع والعقل أمرَ العين، وقالوا: إنَّما ذلك أوهامٌ لا حقيقة لها. وهؤلاء من أجهل النَّاس بالسَّمع والعقل، ومن أغلظهم حجابًا، وأكثفهم طباعًا، وأبعدهم معرفةً عن الأرواح والنُّفوس وصفاتها وأفعالها وتأثيراتها. وعقلاءُ الأمم على اختلاف مللهم ونحلهم لا تدفع أمر العين ولا تنكره، وإن اختلفوا في سببه وجهة تأثير العين.
فقالت طائفةٌ (^٤): إنَّ العائن إذا تكيَّفت نفسه بالكيفيَّة الرَّديَّة انبعث من
_________________
(١) أخرجه ابن عديٍّ في «الكامل» (٦/ ٤٠٨) من طريق معاوية بن هشام، عن الثَّوريِّ، عن محمَّد بن المنكدر، عن جابر به. قال أبو نعيم في «الحلية» (٧/ ٩١): «غريب من حديث الثَّوريِّ، تفرَّد به معاوية»، وقال الخطيب في «تاريخ بغداد» (٩/ ٢٤٤): «ويقال: إنَّه غلَط، وإنَّما هو: عن معاوية، عن عليِّ بن أبي عليٍّ، عن ابن المنكدر، عن جابر»، وعليٌّ هذا متروك؛ ولذا حكم بنكارة الحديث الذَّهبيُّ في «الميزان» (٢/ ٢٧٥)، وضعَّفه السَّخاويُّ في «المقاصد الحسنة» (٧٢٦).
(٢) في ن: «أنَّ»، فزاد بعضهم قبل «يتعوَّذ»: «كان». وكذا في النسخ المطبوعة!
(٣) أخرجه التِّرمذيُّ (٢٠٥٨)، والنَّسائيُّ (٥٤٩٤)، وابن ماجه (٣٥١١)، وغيرهم. قال التِّرمذيُّ: «هذا حديث حسنٌ غريب»، وصحَّحه الألبانيُّ في «تخريج الكلم الطَّيِّب» (٢٤٦).
(٤) انظر الأقوال الآتية في «المعلم» للمازري (٣/ ١٥٦) و«إكمال المعلم» للقاضي عياض (٧/ ٨٢)، والمصنف صادر عن كتاب الحموي (ص ٢٨٣).
[ ٤ / ٢٣٥ ]
عينه قوَّةٌ سمِّيَّةٌ تتَّصل بالمَعِين، فيتضرَّر. قالوا: ولا يستنكر هذا كما لا يستنكر انبعاث قوَّةٍ سمِّيَّةٍ من الأفعى تتَّصل بالإنسان، فيهلك. وهذا أمرٌ قد اشتهر عن نوعٍ من الأفاعي: أنَّها إذا وقع بصرها على الإنسان هلَك، فكذلك العائن.
وقالت فرقةٌ أخرى: لا يستبعد أن ينبعث من عين بعض النَّاس جواهرُ لطيفةٌ غيرُ مرئيَّةٍ، فتتَّصل بالمعين، وتتخلَّل مسامَّ جسمه، فيحصل له الضَّرر.
وقالت فرقةٌ أخرى: قد أجرى الله العادة بخلق ما يشاء من الضَّرر عند مقابلة عين العائن لمن يَعينه، من غير أن يكون منه سببٌ ولا قوَّةٌ (^١) ولا تأثيرٌ أصلًا (^٢). وهذا مذهب منكري الأسباب والقوى والتَّأثيرات في العالم. وهؤلاء قد سدُّوا على أنفسهم باب العلل والتَّأثيرات والأسباب، وخالفوا العقلاء أجمعين.
ولا ريب أنَّ الله سبحانه خلق في الأجسام والأرواح قوًى وطبائع مختلفةً، وجعل في كثيرٍ منها خواصَّ وكيفيَّاتٍ مؤثِّرةً. ولا يمكن العاقلَ (^٣) إنكارُ تأثير الأرواح في الأجسام، فإنَّه أمرٌ مشاهدٌ محسوسٌ. وأنت ترى الوجه كيف يحمرُّ حمرةً شديدةً، إذا نظر إليه مَن يحتشمه، فاستحيا منه! ويصفرُّ صفرةً شديدةً عند نظر من يخافه إليه! وقد شاهد النَّاس من يسقَم من النَّظر،
_________________
(١) ن: «منه قوة ولا سبب»، وكذا في النسخ المطبوعة.
(٢) قال القاضي في «إكمال المعلم» (٧/ ٨٢): «وهكذا مذهب أهل السنة»، يعني: الأشاعرة.
(٣) هذه العربية الفصيحة لم تعجب الشيخ الفقي، فغيَّره إلى «لعاقل»، وقلدته طبعة الرسالة.
[ ٤ / ٢٣٦ ]
وتضعف قواه؛ وهذا كلُّه بواسطة تأثير الأرواح. ولشدَّة ارتباطها بالعين يُنسَب الفعلُ إليها، وليست هي الفاعلة، وإنَّما التَّأثير للرُّوح.
والأرواح مختلفةٌ في طبائعها وقواها وكيفيَّاتها وخواصِّها. فروحُ الحاسد مؤذيةٌ للمحسود أذًى بيِّنًا، ولهذا أمر الله سبحانه رسولَه أن يستعيذ به من شرِّه. وتأثيرُ الحاسد في أذى المحسود أمرٌ لا ينكره إلا من هو خارجٌ عن حقيقة الإنسانيَّة. وهو أصل الإصابة بالعين، فإنَّ النَّفس الخبيثة الحاسدة تتكيَّف بكيفيَّةٍ خبيثةٍ مقابلَ (^١) المحسود، فتؤثِّر فيه بتلك الخاصِّيَّة. وأشبَهُ الأشياء بهذا: الأفعى، فإنَّ السَّمَّ كامنٌ فيها بالقوَّة، فإذا قابلت عدوَّها انبعثت منها قوَّةٌ غضبيَّةٌ، وتكيَّفت نفسُها (^٢) بكيفيَّةٍ خبيثةٍ مؤذيةٍ. فمنها: ما تشتدُّ كيفيَّتها وتقوى حتَّى تؤثِّر في إسقاط الجنين. ومنها: ما يؤثِّر في طمس البصر، كما قال النَّبيُّ - ﷺ - في الأبتر وذي الطُّفْيتين من الحيَّات: «إنَّهما يلتمسان البصر، ويُسْقِطان الحَبَل» (^٣). ومنها: ما يؤثِّر في الإنسان كيفيَّتُها بمجرَّد الرُّؤية، من غير اتِّصالٍ به، لشدَّة خبث تلك النَّفس وكيفيَّتها الخبيثة المؤثِّرة.
والتَّأثير غير موقوفٍ على الاتِّصالات الجسميَّة، كما يظنُّه مَن قلَّ علمه ومعرفته بالطَّبيعة والشَّريعة. بل التَّأثير يكون تارةً بالاتِّصال، وتارةً
_________________
(١) ما عدا الأصل: «تقابل»، وأراه تصحيفًا لا يستقيم به السياق. ومن ثم أثبتوا في طبعة عبد اللطيف: «وتقابل» ليعود الضمير على النفس. انظر قول المؤلف في «بدائع الفوائد» (٢/ ٧٥٢): «فالعائن تتكيَّف نفسه عند مقابلة المعين ومعاينته».
(٢) «نفسها» ساقط من طبعة الرسالة.
(٣) أخرجه مسلم (٢٢٣٣) من حديث ابن عمر، واللفظ لأبي داود (٥٢٥٢) وابن ماجه (٣٥٣٥).
[ ٤ / ٢٣٧ ]
بالمقابلة (^١)، وتارةً بالرُّؤية، وتارةً بتوجُّه الرُّوح نحو من يؤثِّر فيه، وتارةً بالأدعية والرُّقى والتَّعوُّذات، وتارةً بالوهم والتَّخيُّل. ونفس العائن لا يتوقَّف تأثيرها على الرُّؤية، بل قد يكون أعمى، فيوصف له الشَّيءُ (^٢)، فتؤثِّر نفسه فيه وإن لم يره. وكثيرٌ من العائنين يؤثِّر في المَعِين بالوصف من غير رؤيةٍ.
وقد قال تعالى لنبيِّه: ﴿وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ﴾ (^٣) [القلم: ٥١].
وقال: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١) مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ (٢) وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ (٣) وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (٤) وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ [الفلق: ١ - ٥].
فكلُّ عائنٍ حاسدٌ، وليس كلُّ حاسدٍ عائنًا، فلمَّا كان الحاسد أعمَّ من العائن كانت الاستعاذة منه استعاذةً من العائن. وهي سهامٌ تخرج من نفس الحاسد والعائن نحوَ المحسود والمَعِين تصيبه تارةً، وتخطئه تارةً. فإن صادفته مكشوفًا لا وقاية عليه أثَّرت فيه ولا بدَّ. وإن صادفته حذِرًا شاكيَ السِّلاح لا منفذ فيه للسِّهام لم تؤثِّر فيه، وربَّما ردَّت السِّهام على صاحبها.
_________________
(١) «وتارةً بالمقابلة» ساقط من د.
(٢) لفظ «الشيء» ساقط من د.
(٣) للمفسرين قولان في الآية. أحدهما أن الكفار قصدوا أن يصيبوا رسول الله - ﷺ - بالعين. قال ابن الجوزي في «زاد المسير» (٨/ ٣٤٣): هذا قول الكلبي وتابعه قوم من المفسرين ومنهم الفراء. والثاني أنهم كانوا ينظرون إليه بالعداوة نظرًا شديدًا يكاد يُزلقه من شدته أي يصرعه. قال: «وإلى هذا ذهب المحققون، منهم ابن قتيبة والزجاج». وقد ذكر المصنف القولين في «بدائع الفوائد» (٢/ ٧٥٢ - ٧٥٤) وجمع بينهما، وقال: «فالقولان حقٌّ».
[ ٤ / ٢٣٨ ]
وهذا بمثابة الرَّمي الحسِّيِّ سواءً. فهذا من النُّفوس والأرواح، وهذا من الأجسام والأشباح (^١).
وأصله من إعجاب العائن بالشَّيء. ثمَّ تتبعه كيفيَّة نفسه الخبيثة، ثمَّ يستعين على تنفيذ سَمِّيَّتها بنظره (^٢) إلى المَعِين. وقد يَعين الرَّجل نفسه، وقد يَعين بغير إرادته بل بطبعه، وهذا أردأ (^٣) ما يكون من النَّوع الإنسانيِّ. وقد قال أصحابنا وغيرهم من الفقهاء: إنَّ من عُرِف بذلك حبَسه الإمامُ، وأجرى له ما ينفق عليه إلى الموت. وهذا هو الصَّواب قطعًا (^٤).
فصل
والمقصود: العلاج النَّبويُّ لهذه العلَّة، وهو أنواعٌ.
وقد روى أبو داود في «سننه» (^٥) عن سهل بن حُنَيفٍ قال: مررنا بسَيْلٍ، فدخلت، فاغتسلت فيه، فخرجت محمومًا. فنُمِيَ (^٦) ذلك إلى رسول الله - ﷺ -
_________________
(١) وانظر: «مدارج السالكين» (١/ ٧٩ - ٨٠).
(٢) حط، د: «بنظرة».
(٣) في الأصل ومعظم النسخ رسم بالألف الممدودة.
(٤) انظر: «مدارج السالكين» (١/ ٤٠٤)، و«شرح النووي» (١٤/ ١٧٣).
(٥) برقم (٣٨٨٨)، وسكت عنه. وأخرجه أيضًا النَّسائيُّ في «الكبرى» (١٠٠١٥، ١٠٨٠٦)، وأحمد (١٥٩٧٨)، والطَّحاويُّ في «معاني الآثار» (٤/ ٣٢٩)، والطَّبراني في «الكبير» (٥٦١٥). وصحَّح إسناده الحاكم (٤/ ٤١٣)، لكن فيه الرَّباب الرَّاويةُ عن سهل، فقد انفرد بالرِّواية عنها حفيدُها عثمان بن حكيم، فهي في عِداد المجهولات؛ ولذا أورده الألبانيُّ في «السِّلسلة الضَّعيفة» (١٨٥٤). ولجزئه الأخير شواهدُ كثيرةٌ.
(٦) رسمه في ف، ز، د: «فنما».
[ ٤ / ٢٣٩ ]
فقال: «مروا أبا ثابت يتعوَّذ». قال: فقلت: يا سيِّدي، والرُّقى صالحةٌ؟ فقال: «لا رقية إلا في نفسٍ أو حُمَةٍ أو لَدْغةٍ».
والنَّفس: العين. يقال: أصابت فلانًا نفسٌ أي: عينٌ. والنَّافس: العائن. واللَّدغة بدالٍ مهملةٍ وغينٍ معجمةٍ، وهي ضربة العقرب ونحوها.
فمن التَّعوُّذات والرُّقى: الإكثارُ من قراءة المعوِّذتين وفاتحة الكتاب وآية الكرسيِّ. ومنها التَّعوُّذات النَّبويَّة نحو: «أعوذ بكلمات الله التَّامَّة، من كلِّ شيطانٍ وهامَّةٍ، ومن كلِّ عينٍ لامَّةٍ» (^١).
ونحو: «أعوذ بكلمات الله التَّامَّات كلِّها من شرِّ ما خلق» (^٢).
ونحو: «أعوذ بكلمات الله التَّامَّات الَّتي لا يجاوزهنَّ برٌّ ولا فاجرٌ، من شرِّ ما خلق وذرَأ وبرَأ، ومن شرِّ ما ينزل من السَّماء، ومن شرِّ ما يعرُج فيها؛ ومن شرِّ ما ذرَأ في الأرض، ومن شرِّ ما يخرج منها؛ ومن شرِّ فِتَنِ اللَّيل والنَّهار، ومن شرِّ طوارق اللَّيل إلا طارقًا يطرق بخيرٍ، يا رحمن» (^٣).
ومنها: «أعوذ بكلمات الله التَّامَّة من غضبه وعقابه، وشرِّ عباده، ومن
_________________
(١) أخرجه البخاري (٣٣٧١) من حديث ابن عباس - ﵄ -.
(٢) أخرجه مسلم (٢٧٠٨) من حديث خولة بنت حكيم السُّلَميّة.
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة (٢٤٠٦٨، ٣٠٢٣٨)، وأحمد (١٥٤٦١)، وأبو يعلى (٦٨٤٤)، من حديث عبد الرَّحمن بن خَنبَش - ﵁ -، ووقع اسمه عند ابن أبي شيبة: عبد الله، وعند أبي يعلى: ابن حبشيٍّ. قال البخاريُّ كما في «الإصابة» (٦/ ٤٧٤): «في إسناده نظر»، وقال المنذريُّ في «التَّرغيب» (٢/ ٣٠٣): «إسناده جيِّدٌ محتجٌّ به»، وهو في «السلسلة الصحيحة» (٨٤٠، ٢٩٩٥).
[ ٤ / ٢٤٠ ]
همزات الشَّياطين وأن يحضُرونِ» (^١).
ومنها: «اللَّهمَّ إنِّي أعوذ بوجهك الكريم وكلماتك التَّامَّات من شرِّ ما أنت آخذ بناصيته. اللَّهمَّ أنت تكشف المأثمَ والمغرَمَ. اللَّهمَّ إنَّه لا يُهزَم جندُك ولا يُخْلَف وعدُك، سبحانك وبحمدك» (^٢).
ومنها: «أعوذ بوجه الله العظيم الذي لا شيء أعظم منه، وبكلماته التَّامَّات الَّتي لا يجاوزهنَّ برٌّ ولا فاجرٌ، وأسماءِ الله الحسنى ما علمتُ منها وما لم أعلم من شرِّ ما خلَق وذرَأ وبرَأ، ومن شرِّ كلِّ ذي شرٍّ لا أطيق شرَّه، ومن شرِّ كلِّ ذي شرٍّ ربِّي (^٣) آخذٌ بناصيته. إنَّ ربِّي على صراطٍ مستقيمٍ» (^٤).
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٣٨٩٣)، والتِّرمذيُّ (٣٥٢٨)، والنَّسائيُّ في «الكبرى» (١٠٥٣٣، ١٠٥٣٤)، وابن أبي شيبة (٢٤٠١٣، ٢٤٠٧١، ٣٠٢٣٧)، وأحمد (٦٦٩٦)، وغيرهم، من طرق عن محمَّد بن إسحاق، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدِّه. قال التِّرمذيُّ: «هذا حديث حسنٌ غريب»، وصحَّحه الحاكم (١/ ٥٤٧)، وفيه عنعنة ابن إسحاق. وله شاهد من حديث الوليد بن الوليد - ﵁ -.
(٢) أخرجه أبو داود (٥٠٥٢)، والنَّسائيُّ في «الكبرى» (٧٦٨٥، ١٠٥٣٥)، والطَّبراني في «الصَّغير» (٩٩٨)، من طريق عمَّار بن رزيق، عن أبي إسحاق، عن الحارث وأبي ميسرة، عن عليٍّ - ﵁ -. وصحح إسناده البيهقيُّ في «الأسماء والصِّفات» (٢/ ٩٨)، والنَّوويُّ في «الأذكار» (٤٤٤، ٥٠٢)، وحسَّنه ابن حجر في «نتائج الأفكار» (٢/ ٣٨٥). وأخرجه ابن أبي شيبة (٢٩٩٢٩) عن أبي ميسرة مرسلًا، ورجَّح أبو زرعة وأبو حاتم الإرسال كما في «العلل» لابنه (٥/ ٢٨٨)؛ لأن عمَّارًا سمع من أبي إسحاق بأخرةٍ.
(٣) في النسخ المطبوعة: «أنتَ» في موضع «ربِّي».
(٤) لم أقف عليه مرفوعًا. وأخرجه مالك (١٧٠٧) ــ ومن طريقه البيهقيُّ في «الأسماء والصِّفات» ــ، وأبو نعيم في «الحلية» (٥/ ٣٧٧ - ٣٧٨)، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٥٠/ ١٦٦)، من كلام كعب الأحبار، إلى قوله: «من شرِّ ما خلق وذرأ وبرأ».
[ ٤ / ٢٤١ ]
ومنها: «اللَّهمَّ أنت ربِّي، لا إله إلا أنت، عليك توكَّلت، وأنت ربُّ العرش العظيم. ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن. لا حول ولا قوَّة إلا باللَّه. أعلم أنَّ الله على كلِّ شيءٍ قديرٌ، وأنَّ الله قد أحاط بكلِّ شيءٍ علمًا، وأحصى كلَّ شيءٍ عددًا. اللَّهمَّ إنِّي أعوذ بك من شرِّ نفسي، وشرِّ الشَّيطان وشركه، ومن شرِّ كلِّ دابَّةٍ أنت آخذٌ بناصيتها. إنَّ ربِّي على صراطٍ مستقيمٍ» (^١).
وإن شاء قال: تحصَّنت (^٢) بالله الذي لا إله إلا هو، إلهي وإلهِ كلِّ شيءٍ. واعتصمتُ بربِّي وربِّ كلِّ شيءٍ. وتوكَّلت على الحيِّ الذي لا يموت. واستدفعتُ الشَّرَّ بلا حول ولا قوَّة إلا باللَّه، حسبي الله ونعم الوكيل. حسبي الرَّبُّ من العباد. حسبي الخالق من المخلوق. حسبي الرَّازق من المرزوق. حسبي الذي هو حسبي. حسبي الذي بيده ملكوتُ كلِّ شيءٍ، وهو يجير ولا يجار عليه. حسبي الله وكفى. سمِع الله لمن دعا. ليس وراء الله مرمًى. حسبي الله لا إله إلا هو، عليه توكَّلت، وهو ربُّ العرش العظيم (^٣).
_________________
(١) أخرجه الحارث (١٠٥٢ ــ بغية الباحث) ــ ومن طريقه ابن السُّنِّيِّ في «عمل اليوم واللَّيلة» (٥٨) ــ من طريق الحسن، عن رجل من أصحاب النَّبيِّ - ﷺ - بنحوه، وإسناده ضعيفٌ؛ الرَّاوي عن الحسن رجلٌ مبهم. وأخرجه الخرائطيُّ في «مكارم الأخلاق» (٨٦٨)، والطَّبرانيُّ في «الدُّعاء» (٣٤٣)، وابن السُّنِّيِّ في «عمل اليوم واللَّيلة» (٥٧)، والبيهقيُّ في «الأسماء والصِّفات» (٣٤٤)، من حديث أبي الدَّرداء - ﵁ -، وإسناده ضعيف جدًّا؛ فيه أغلب بن تميم قال البخاريُّ: «منكر الحديث»؛ ولذا ضعَّفه ابن الجوزيِّ في «العلل المتناهية» (١٤٠٠)، والعراقيُّ في «المغني» (٩٩٧)، وهو في «السِّلسلة الضَّعيفة» (٦٤٢٠).
(٢) د: «وتحصَّنت».
(٣) هذا الحرز ليس مرويًّا عن النبي - ﷺ - وأصحابه، ولعل المؤلف - ﵀ - نقله من الكتاب الذي اعتمد عليه في هذه الفصول في دفع ضرر العين.
[ ٤ / ٢٤٢ ]
ومن جرَّب هذه الدَّعوات والعُوَذ عرَف مقدارَ منفعتها وشدَّة الحاجة إليها. وهي تمنع وصول أثر العائن، وتدفعه بعد وصوله، بحسب قوَّة إيمان قائلها، وقوَّةِ نفسه واستعداده، وقوَّةِ توكُّله وثباتِ قلبه؛ فإنَّها سلاحٌ، والسِّلاحُ بضاربه!
فصل
وإذا كان العائن يخشى ضرر عينه وإصابتها للمَعِين، فليدفع شرَّها بقوله: اللَّهمَّ بارك عليه، كما قال النَّبيُّ - ﷺ - لعامر بن ربيعة لمَّا عان سهلَ بن حُنَيفٍ: «ألَّا برَّكتَ» (^١) أي: قلتَ: اللَّهمَّ بارك عليه.
وممَّا يدفع به إصابة العين قولُ: ما شاء الله لا قوَّة إلا باللَّه. روى هشام بن عروة عن أبيه أنَّه كان إذا رأى شيئًا يُعجبه، أو دخل حائطًا من حيطانه، قال: ما شاء اللَّه، لا قوَّة إلا باللَّه (^٢).
ومنها: رقية جبريل للنَّبيِّ - ﷺ -، الَّتي رواها مسلم في «صحيحه» (^٣): «باسم الله أرقيك، من كلِّ شيءٍ يؤذيك، من شرِّ كلِّ نفسٍ أو عينِ حاسدٍ، الله يشفيك، باسم الله أرقيك».
_________________
(١) تقدَّم تخريجه.
(٢) أخرجه البيهقيُّ في «الأسماء والصِّفات» (٣٧١). وأخرجه أيضًا أبو نعيم في «الحلية» (٢/ ١٨٠)، والبيهقيُّ في «الشُّعب» (٢٠٣٨، ١٠٧١٣)، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٤٠/ ٢٥٩)، من طريق ابن شوذب عن عروة بنحوه. وعزاه في «الدُّرِّ المنثور» (٥/ ٣٩١) لسعيد بن منصور وابن أبي حاتم.
(٣) برقم (٢١٨٦) من حديث أبي سعيد.
[ ٤ / ٢٤٣ ]
ورأى جماعةٌ من السَّلف أن تُكتَب له الآيات من القرآن، ثمَّ يشربها. فقال مجاهد: لا بأس أن يكتبَ القرآن ويغسِلَه ويسقيَه المريضَ (^١). ومثله عن أبي قِلابة (^٢).
ويذكر عن ابن عبَّاسٍ: أنَّه أمر أن يكتب لامرأةٍ تعسَّر عليها وِلادُها آيتين (^٣) من القرآن، ثمَّ تُغسَل (^٤) وتُسْقى (^٥).
وقال أيوب: رأيت أبا قلابة كتب كتابًا من القرآن، ثمَّ غسَله بماء، وسقاه رجلًا كان به وجعٌ (^٦).
فصل
ومنها: أن يؤمر العائن بغسل مغابنه، وأطرافه، وداخلة إزاره. وفيه (^٧) قولان. أحدهما: أنَّه فرجه. والثَّاني: أنَّه طرف إزاره الدَّاخل الذي يلي جسده من الجانب الأيمن (^٨). ثمَّ يُصَبُّ على رأس المَعِين من خلفه بغتةً.
_________________
(١) أخرجه ابن أبي شيبة (٢٣٩٧٦).
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة (٢٣٩٧٦).
(٣) في طبعة الرسالة: «أثر»، وهو تصحيف تابعت فيه الطبعات السابقة خلافًا لأصلها.
(٤) «تغسل» ساقط من س.
(٥) أخرجه بمعناه ابن أبي شيبة (٢٣٩٧٤)، والبيهقيُّ في «الدَّعوات الكبير» (٥٦٥). وفي إسناده محمَّد بن عبد الرَّحمن بن أبي ليلى سيِّئ الحفظ جدًّا. ويُروى مرفوعًا، ولا يثبُت أيضًا.
(٦) أخرجه عبد الرَّزَّاق (٢٠١٧٠).
(٧) يعني: في معنى داخلة الإزار.
(٨) ذكر القاضي عياض في «إكمال المعلم» (٧/ ٨٣) أن جمهور العلماء على هذا.
[ ٤ / ٢٤٤ ]
وهذا ممَّا لا يناله علاج الأطبَّاء، ولا ينتفع به مَن أنكره، أو سَخِر منه، أو شكَّ فيه، أو فعَله مجرِّبًا لا يعتقد أنَّ ذلك ينفعه (^١). وإذا (^٢) كان في الطَّبيعة خواصُّ لا تعرف الأطبَّاء عللها البتَّة، بل هي عندهم خارجةٌ عن قياس الطَّبيعة، تفعل بالخاصِّيَّة (^٣)، فما الذي تنكره زنادقتهم وجهلتهم من الخواصِّ الشَّرعيَّة!
هذا مع أنَّ في المعالجة بهذا الاستغسال ما تشهد له العقول الصَّحيحة وتُقِرُّ بمناسبته. فاعلم أنَّ تِرْياقَ سَمِّ الحيَّة في لحمها، وأنَّ علاج تأثير النَّفس الغضبيَّة في تسكين غضبها، وإطفاء ناره بوضع يدك عليه، والمسح عليه، وتسكين غضبه. وذلك بمنزلة رجلٍ معه شعلةٌ من نارٍ، وقد أراد أن يقذفك بها، فصببتَ عليها الماء، وهي في يده حتَّى طفئت.
ولذلك أمر العائن أن يقول: «اللَّهمَّ بارك عليه»، ليدفع تلك الكيفيَّة الخبيثة بالدُّعاء الذي هو إحسانٌ إلى المَعِين، فإنَّ دواء الشَّيء بضدِّه. ولمَّا كانت هذه الكيفيَّة الخبيثة تظهر في المواضع الرَّقيقة من الجسد، لأنَّها تطلب النُّفوذ، فلا تجد أرقَّ من المغابن وداخلة الإزار، ولا سيَّما إن كان كنايةً عن الفرج. فإذا غُسِلتْ بالماء بطل تأثيرُها وعملُها. وأيضًا فهذه المواضع للأرواح الشَّيطانيَّة بها اختصاصٌ. والمقصود: أنَّ غسلها بالماء يطفئ تلك النَّاريَّة، ويذهب بتلك السَّمِّيَّة.
_________________
(١) د: «لا ينفعه»، وأشير إلى هذه النسخة في هامش ز. وهو خطأ.
(٢) ل: «وإن».
(٣) كذا في جميع النسخ الخطية والمطبوعة. وقد أثبتها الحافظ ابن حجر في «الفتح» (١٠/ ٢٠٥) على هذا الوجه: « بل هي عندهم خارجة عن القياس، وإنما تفعل بالخاصية».
[ ٤ / ٢٤٥ ]
وفيه أمرٌ آخر. وهو وصول أثر الغسل إلى القلب من أرقِّ المواضع وأسرعها تنفيذًا، فيطفئ تلك النَّاريَّة والسَّمِّيَّة بالماء، فيشفى المَعِين. وهذا كما أنَّ ذوات السُّموم إذا قُتِلت بعد لَسْعها خفَّ أثرُ اللَّسعة عن الملسوع ووجَد راحةً، فإنَّ أنفُسَها تُمِدُّ أذاها بعد لسعها، وتُوصِله إلى الملسوع، فإذا قُتِلت خفَّ الألم. وهذا مشاهَد. وإن كان من أسبابه: فرحُ الملسوع، واشتفاءُ نفسه بقتل عدوِّه؛ فتقوى الطَّبيعة على الألم، فتدفعه.
وبالجملة، غسلُ العائنُ (^١) يُذْهِب تلك الكيفيَّة الَّتي ظهرت منه. وإنَّما ينفع غسلُه عند تكيُّف نفسه بتلك الكيفيَّة.
فإن قيل: فقد ظهرت مناسبة الغسل، فما مناسبة صبِّ ذلك الماء على المَعِين؟
قيل: هو في غاية المناسبة. فإنَّ ذلك الماء ماءٌ طفَّى (^٢) به تلك النَّاريَّةَ وأبطل تلك الكيفيَّة الرَّديَّة من الفاعل، فكما طُفِّيت به النَّاريَّة القائمة بالفاعل طُفيِّت به وأُبطِلت عن المحلِّ المتأثِّر بعد ملابسته للمؤثِّر العائن. والماء الذي يطفَّى فيه (^٣) الحديد يدخل في أدويةٍ عدَّةٍ طبيعيَّةٍ ذكرها الأطبَّاء، فهذا الذي طُفِّي به ناريَّة العائن لا يستنكر أن يدخل في دواءٍ يناسب هذا الدَّاء.
وبالجملة: فطبُّ الطَّبائعيَّة وعلاجهم بالنِّسبة إلى العلاج النَّبويِّ كطبِّ الطُّرقيَّة بالنِّسبة إلى طبِّهم بل أقلُّ، فإنَّ التَّفاوت الذي بينهم وبين الأنبياء أعظم
_________________
(١) ز: «المغابن»، تصحيف.
(٢) كذا في جميع النسخ بالتسهيل، وقد سبق مثله. وفي ث، ل: «أطفى». وفي ن: «الماء لما طفى».
(٣) ما عدا ف، حط، د: «به».
[ ٤ / ٢٤٦ ]
وأعظم من التَّفاوت الذي بينهم وبين الطُّرقيَّة بما لا يدرك الإنسانُ مقدارَه.
فقد ظهر لك عقدُ الإخاء الذي بين الحكمة والشَّرع، وعدمُ مناقضة أحدهما للآخر. والله يهدي من يشاء إلى الصَّواب، ويفتح لمن أدام قرعَ بابِ التَّوفيق منه كلَّ بابٍ. وله النِّعمة السَّابغة، والحجَّة البالغة.
فصل
ومن علاج ذلك أيضًا والاحتراز منه: سترُ محاسن من يخاف عليه العين بما يردُّها عنه، كما ذكر البغوي في كتاب «شرح السُّنَّة» (^١): أنَّ عثمان - ﵁ - رأى صبيًّا مليحًا فقال: دسِّموا نُونتَه؛ لئلَّا تصيبه العين. ثمَّ قال في تفسيره: ومعنى «دسِّموا نونته» أي: سوِّدوا نونته. والنُّونة: النُّقْبة (^٢) الَّتي تكون في ذقَن الصَّبيِّ الصَّغير.
وقال الخطابي في «غريب الحديث» له (^٣) عن عثمان: إنَّه رأى صبيًّا تأخذه العين، فقال: دسِّموا نُونتَه. فقال أبو عمر: وسألت أحمد بن يحيى عنه فقال: أراد بالنُّونة الثُّغرة (^٤) الَّتي في ذقَنه. والتَّدسيم: التَّسويد. أراد: سوِّدوا
_________________
(١) (١٢/ ١٦٦) و(١٤/ ١٧٨). قال الخطَّابيُّ في «غريب الحديث» (٢/ ١٣٩): «رواه أحمد بن يحيى الشَّيبانيُّ، عن محمَّد بن زياد الأعرابيِّ، ذكره أبو عمر». وأحمد بن يحيى هو المشهور بثعلب، وأبو عمر هو غلامُه.
(٢) كذا في جميع النسخ الخطية وفي «اللسان» (نقب) عن «المحكم». وفي مطبوعة «المحكم» (١١/ ١٣٨): «الثقبة»، وكذا في مطبوعة «شرح السنة» (١١/ ١٣٨). وفي طبعة الرسالة: «النقرة» تبعًا للطبعات السابقة.
(٣) (٢/ ١٣٩).
(٤) كذا في جميع النسخ الخطية. وفي النسخ المطبوعة: «النقرة»، وكذا في «غريب الخطابي».
[ ٤ / ٢٤٧ ]
ذلك الموضع من ذقنه ليردَّ العين. قال: ومن هذا حديث عائشة أنَّ رسول الله - ﷺ - خطب ذات يومٍ، وعلى رأسه عمامةٌ دَسْماء (^١). أي: سوداء. أراد الاستشهاد على اللَّفظة.
ومن هذا أخذ الشَّاعر قوله (^٢):
ما كان أحوجَ ذا الكمالِ إلى عيبٍ يوقِّيه من العينِ (^٣)
ومن الرُّقى الَّتي تردُّ العين ما ذُكِر عن أبي عبد الله النِّباجي (^٤) أنَّه كان في بعض أسفاره للحجِّ أو الغزو على ناقةٍ فارهةٍ، وكان في الرُّفقة رجلٌ عائنٌ قلَّما نظر إلى شيءٍ إلا أتلفه، فقيل لأبي عبد الله: احفظ ناقتك من العائن، فقال:
_________________
(١) لم أقف عليه من مسند عائشة - ﵂ -. وأخرج البخاريُّ (٣٦٢٨)، والتِّرمذيُّ في «الشَّمائل» (١١٩) واللَّفظ له، عن ابن عبَّاس - ﵄ - أنَّ النَّبيَّ - ﷺ - خطب النَّاس وعليه عصابةٌ دسماءُ. وأخرج مسلم (١٣٥٨) عن عمرو بن حُريث - ﵁ - أنَّ رسول الله - ﷺ - خطب النَّاس وعليه عمامةٌ سوداءُ.
(٢) من أربعة أبيات في «ديوان كشاجم» (ص ٣٨٦).
(٣) أثبتوا بعده في طبعة عبد اللطيف عنوان «فصل» خلافًا للطبعة الهندية، وتبعتها الطبعات اللاحقة ومنها طبعة الرسالة!
(٤) في ف، د بالحاء المهملة، وقد وضع ناسخ ف حاء صغيرة تحتها. وفي س: «الساجي» مع علامة الإهمال على السين. وفي حط: «الباجي». وأهمله ناسخا ث، ل. وفي طبعة الرسالة: «الساجي» خلافًا لأصلها. والصواب ما أثبت. وكذا كان في ن فيما يظهر، ثم غيَّره بعضهم إلى «الساجي»! وهو منسوب إلى النِّباج، قرية في بادية البصرة على النصف من طريق مكة. وهو سعيد بن بُرَيد التميمي الزاهد، ممن أخذ عن الفضيل بن عياض. انظر: الأنساب» للسمعاني (١٣/ ٢٤) و«الإكمال» لابن ما كولا (٧/ ٢٨٥) و«توضيح المشتبه» (٩/ ٢٦) وترجمته في «تاريخ الإسلام» للذهبي (٥/ ٣٢٠).
[ ٤ / ٢٤٨ ]
ليس له إلى ناقتي سبيلٌ. فأُخبِر العائنُ بقوله، فتحيَّن غَيبةَ أبي عبد الله، فجاء إلى رحله، فنظر إلى النَّاقة، فاضطربت وسقطت. فجاء أبو عبد الله، فأُخبِرَ أنَّ العائن قد عانها، وهي كما ترى. فقال: دلُّوني عليه. فدُلَّ، فوقف عليه، وقال: بسم الله حبسٌ حابسٌ، وحجرٌ يابسٌ، وشهابٌ قابسٌ. رددتُ عينَ العائن عليه، وعلى أحبِّ النَّاس إليه ﴿فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ (٣) ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ [الملك: ٣ - ٤].
فخرجت حدَقتا العائن، وقامت النَّاقة لا بأس بها (^١).
فصل
في هديه - ﷺ - في العلاج العامِّ لكلِّ شكوى بالرُّقية الإلهيَّة
روى أبو داود في «سننه» (^٢) من حديث أبي الدَّرداء قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «من اشتكى منكم شيئًا (^٣) فليقل: ربُّنا اللهُ الذي في السَّماء. تقدَّس اسمُك، أمرُك في السَّماء والأرض، كما رَحْمتُك في السَّماء، فاجعل رحمتَك في الأرض، واغفر لنا حُوبنا وخطايانا. أنت ربُّ الطَّيِّبين، أنزِلْ رحمةً
_________________
(١) أخرجه أبو نعيم في «الحلية» (٩/ ٣١٦ - ٣١٧)، ومن طريقه ابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٢١/ ٢١)، وفيهما زيادة قبل الآية.
(٢) برقم (٣٨٩٢). وأخرجه أيضًا النَّسائيُّ في «الكبرى» (١٠٨٠٩، ١٠٨١٠)، والبزَّار (٤٠٨٠)، وابن حبَّان في «المجروحين» (١/ ٣٠٨)، والطَّبراني في «الأوسط» (٨٦٣٦)، وابن عديٍّ في «الكامل» (٤/ ١٤٥). وصحَّحه الحاكم (٤/ ٢١٩)، وحسَّنه ابن تيميَّة كما في «مجموع الفتاوى» (٣/ ١٣٩)، لكن في سنده زيادة بن محمَّد وهو منكر الحديث، واختُلف في إسناده.
(٣) في النسخ المطبوعة بعدها زيادة: «أو اشتكاه أخٌ له»، وكأن بعضهم زادها من «السنن» في بعض النسخ المتأخرة التي طبعت عنها الطبعة الهندية.
[ ٤ / ٢٤٩ ]
من رحمتك وشفاءً من شفائك على هذا الوجع. فيبرأ بإذن اللَّه».
وفي «صحيح مسلم» (^١) عن أبي سعيدٍ (^٢) أنَّ جبريل أتى رسولَ الله - ﷺ -، فقال: «يا محمَّد اشتكيتَ؟». [قال رسول الله - ﷺ -: «نعم»] (^٣). فقال جبريل - ﷺ -: «باسم الله أرقيك، من كلِّ داءٍ يؤذيك، ومن كلِّ نفسٍ وعينِ حاسدٍ. اللهُ يشفيك، باسم الله أرقيك» (^٤).
فإن قيل: فما تقولون في الحديث الذي رواه أبو داود (^٥): «لا رقية إلا في (^٦) عينٍ أو حُمَةٍ». والحُمَة: ذوات السُّموم كلُّها.
فالجواب: أنَّه - ﷺ - لم يرد به نفي جواز الرُّقية في غيرها، بل المراد به: لا رقية أولى وأنفع منها في العين والحُمَة. ويدلُّ عليه سياق الحديث، فإنَّ سهل بن حُنَيفٍ قال له لمَّا أصابته العين: أوَفي الرُّقى خيرٌ؟ فقال: «لا رقية إلا في نفسٍ أو حُمَةٍ» (^٧). ويدلُّ عليه سائر أحاديث الرُّقى العامَّة والخاصَّة. وقد روى أبو داود (^٨) من حديث أنس قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا رقية إلا من
_________________
(١) برقم (٢١٨٦)، ولفظ الحديث هنا منقول من كتاب الحموي، وقد أحال على مسلم والترمذي. انظر مخطوطته (ق ٢٩/أ). أما المطبوع فتصرف فيه الناشر.
(٢) بعده في ن زيادة: «الخدري».
(٣) ما بين المعقوفين من كتاب الحموي، ولعله سقط لانتقال النظر.
(٤) في النسخ المطبوعة لفظ الحديث موافق لما ورد في «صحيح مسلم».
(٥) برقم (٣٨٨٨) من حديث سهل بن حنيف - ﵁ -، وقد تقدَّم تخريجه.
(٦) ز: «من»، وكذا في النسخ المطبوعة، ومطبوعة «السنن».
(٧) بعده في حديث سهل: «أو لدغة»، وقد سبق تخريجه.
(٨) برقم (٣٨٨٩). وأخرجه أيضًا الطَّبرانيُّ في «الكبير» (١/ ٢٥٤). وصحَّحه الحاكم (٤/ ٤١٣)، لكن في إسناده شريك بن عبد الله النَّخعيُّ سيِّئ الحفظ. ويُروى مرسلًا، قال أبو حاتم كما في «العلل» لابنه (٦/ ٣٣١): «لا معنى لذكر أنس فيه، لأنَّ الحفَّاظ يُرسلونه من حديث شريك، إلَّا أن يكون هذا من شريكٍ»، وأعلَّه الدَّارقطنيُّ في «العلل» (١٢/ ١١٠) بالاضطراب.
[ ٤ / ٢٥٠ ]
عينٍ أو حُمَةٍ أو دمٍ يرقأ».
وفي «صحيح مسلم» (^١) عنه أيضًا: رخَّص رسول الله - ﷺ - في الرُّقية من العين والحُمَة والنَّملة.
فصل
في هديه - ﷺ - في رقية اللَّديغ بالفاتحة
أخرجا في «الصَّحيحين» (^٢) من حديث أبي سعيدٍ الخدريِّ قال: انطلق نفرٌ من أصحاب النَّبيِّ - ﷺ - في سفرةٍ سافروها، حتَّى نزلوا على حيٍّ من أحياء العرب، فاستضافوهم، فأبوا أن يضيِّفوهم. فلُدِغ سيِّدُ ذلك الحيِّ، فسَعوا له بكلِّ شيءٍ، لا ينفعه شيءٌ. فقال بعضهم: لو أتيتم هؤلاء الرَّهطَ الذين نزلوا، لعلَّه (^٣) أن يكون عند بعضهم شيءٌ. فأتوهم، فقالوا: يا أيُّها الرَّهط إنَّ سيَّدنا لُدِغَ، وسعينا له بكلِّ شيءٍ لا ينفعه، فهل عند أحدٍ منكم من شيءٍ؟ فقال بعضهم: نعم، واللهِ إنِّي لأرقي، ولكن استضفناكم فلم تضيِّفونا، فما أنا براقٍ حتَّى تجعلوا لنا جُعْلًا. فصالحوهم على قطيعٍ من الغنم. فانطلق يتفِل عليه،
_________________
(١) برقم (٢١٩٦).
(٢) البخاري (٢٢٧٦) ومسلم (٢٢٠١).
(٣) هذا لفظ البخاري وغيره ــ وفي رواية بحذف الهاء ــ وكذا في جميع النسخ والطبعة الهندية. وفي غيرها «لعلهم».
[ ٤ / ٢٥١ ]
ويقرأ: الحمد لله ربِّ العالمين (^١). فكأنَّما نُشِطَ من عِقالٍ. فانطلق يمشي وما به قَلَبةٌ. قال: فأوفَوهم جُعْلَهم الذي صالحوهم عليه. فقال بعضهم: اقتسِمُوا. فقال الذي رقى: لا نفعل (^٢) حتَّى نأتي النبيَّ (^٣) - ﷺ -، فنذكر له الذي كان، فننظر ما يأمرنا. فقدِموا على رسول الله - ﷺ - فذكروا له (^٤)، فقال: «وما يُدريك أنَّها رقيةٌ؟». ثمَّ قال: «قد أصبتم. اقتسِمُوا واضربوا لي معكم سهمًا».
وقد روى ابن ماجه في «سننه» (^٥) من حديث علي قال: قال رسول الله - ﷺ -: «خير الدَّواء القرآن».
من المعلوم (^٦) أنَّ بعض الكلام له خواصُّ ومنافع مجرَّبةٌ، فما الظَّنُّ بكلام ربِّ العالمين الذي فضلُه على كلِّ كلامٍ كفضل الله على خَلقِه، الذي هو الشِّفاء التَّامُّ والعصمة النَّافعة والنُّور الهادي والرَّحمة العامَّة، الذي لو أُنزل على جبلٍ لتصدَّع من عظمته وجلالته.
قال تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء: ٨٢]. و«من» هاهنا لبيان الجنس لا للتَّبعيض (^٧). هذا أصحُّ القولين، كقوله تعالى:
_________________
(١) يعني: سورة الفاتحة إلى آخرها.
(٢) في النسخ المطبوعة: «لا تفعلوا».
(٣) ث، حط، ل، ن: «رسول الله».
(٤) في ن بعده زيادة: «ذلك».
(٥) برقم (٣٥٠١، ٣٥٣٣). وأخرجه أيضًا أبو نعيم في «تاريخ أصبهان» (١/ ٣١٦ - ٣١٧). وإسناده ضعيفٌ؛ قال البوصيريُّ في «المصباح» (٤/ ٦٩): «فيه الحارث بن عبد الله الأعور وهو ضعيف»، وهو في «السِّلسلة الضَّعيفة» (٣٠٩٣).
(٦) في النسخ المطبوعة: «ومن المعلوم» بزيادة واو.
(٧) وهكذا قال في «الداء والدواء» (ص ٦) و«إغاثة اللهفان» (١/ ٢٢).
[ ٤ / ٢٥٢ ]
﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح: ٢٩] وكلُّهم من الذين آمنوا وعملوا الصَّالحات. فما الظَّنُّ بفاتحة الكتاب الَّتي لم ينزل في القرآن ولا في التَّوراة ولا في الإنجيل ولا في الزَّبور مثلُها، المتضمِّنة لجميع معاني كتُب الله، المشتملة على ذكرِ أصول أسماء الرَّبِّ تعالى ومجامعها ــ وهي اللَّه والرَّبُّ والرَّحمن ــ وإثباتِ المعاد، وذكرِ التَّوحيدين: توحيد الرَّبوبيَّة وتوحيد الإلهيَّة، وذكرِ الافتقار إلى الرَّبِّ سبحانه في طلب الإعانة وطلب الهداية وتخصيصه سبحانه بذلك، وذكرِ أفضل الدُّعاء على الإطلاق وأنفعِه وأفرضِه وما العباد أحوجُ شيءٍ إليه، وهو الهداية إلى صراطه المستقيم المتضمِّن كمالَ معرفته وتوحيده، وعبادته بفعل ما أمَر به، واجتناب ما نهى عنه، والاستقامة عليه إلى الممات. وتتضمَّن ذكرَ أصناف الخلائق وانقسامهم إلى منعَمٍ عليه بمعرفة الحقِّ والعمل به ومحبَّته وإيثاره، ومغضوبٍ عليه بعدوله عن الحقِّ بعد معرفته له، وضالٍّ بعدم معرفته له؛ وهؤلاء أقسام الخليقة. مع تضمُّنها لإثبات القدر والشَّرع، والأسماء والصِّفات، والمعاد، والنُّبوَّات، وتزكية النُّفوس وإصلاح القلوب، وذكر عدل اللَّه وإحسانه، والرَّدِّ على جميع أهل البدع والباطل؛ كما ذكرنا ذلك في كتابنا الكبير (^١) في شرحها.
وحقيقٌ بسورةٍ هذا بعضُ شأنها أن يستشفى بها من الأدواء، ويرقى بها اللَّديغ.
وبالجملة، فما تضمَّنته الفاتحة من إخلاص العبوديَّة، والثَّناء على اللَّه، وتفويض الأمر كلِّه إليه، والاستعانة به، والتَّوكُّل عليه، وسؤاله مجامع النِّعم كلِّها،
_________________
(١) زاد الفقي بعده بين شرطتين: «مدارج السالكين»، وقلَّدته طبعة الرسالة مخالفةً لأصلها. وقد أفاض المؤلف في تفسير سورة الفاتحة في أول «المدارج».
[ ٤ / ٢٥٣ ]
فصل في سر تأثير الرقى بالفاتحة وغيرها في علاج ذوات السموم
وهي الهداية الَّتي تجلب النِّعَم وتدفع النِّقَم= من أعظم الأدوية الشَّافية الكافية.
وقد قيل: إنَّ موضع الرُّقية منها: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥]. ولا ريب أنَّ هاتين الكلمتين من أقوى أجزاء هذا الدَّواء، فإنَّ فيهما من عموم التَّفويض والتَّوكُّل، والالتجاء والاستعانة، والافتقار والطَّلب، والجمع بين أعلى الغايات وهي عبادةُ الرَّبِّ وحده وأشرفِ الوسائل وهي الاستعانة به على عبادته= ما ليس في غيرها.
ولقد مرَّ بي وقتٌ بمكَّة سقِمتُ فيه، وفقدتُ الطَّبيبَ والدَّواء، فكنت أتعالج بها: آخذ شربةً من ماء زمزم، وأقرؤها عليه مرارًا، ثمَّ أشربه. فوجدتُ بذلك البرء التَّامَّ. ثمَّ صرتُ أعتمد ذلك عند كثيرٍ من الأوجاع، فأنتفع بها غاية الانتفاع (^١).
فصل
وفي تأثير الرُّقى بالفاتحة وغيرها في علاج ذوات السُّموم سرٌّ بديعٌ. فإنَّ ذوات السُّموم أثَّرت بكيفيَّات نفوسها الخبيثة كما تقدَّم. وسلاحُها حُمَاتُها الَّتي تلدغ بها. وهي لا تلدغ حتَّى تغضب، فإذا غضبت ثار فيها السَّمُّ، فتقذفه بآلتها. وقد جعل الله سبحانه لكلِّ داءٍ دواءً، ولكلِّ شيءٍ ضدًّا. ونفسُ الرَّاقي تفعل في نفس المرقيِّ، فيقع بين نفسيهما فعلٌ وانفعالٌ، كما يقع بين الدَّاء والدَّواء. فتقوى نفسُ المَرْقيِّ (^٢) وقوَّتُه بالرُّقية على ذلك الدَّاء، فتدفعه (^٣)
_________________
(١) ذكر نحوه في «مدارج السالكين» (١/ ٧٩) و«الداء والدواء» (ص ٨).
(٢) هكذا في جميع النسخ الخطية والطبعة الهندية. وفي طبعة عبد اللطيف وما بعدها: «الراقي»، وهو غلط.
(٣) د: «فتقذفه»، ولعله تحريف.
[ ٤ / ٢٥٤ ]
بإذن اللَّه. ومدارُ تأثير الأدوية والأدواء على الفعل والانفعال. وهو كما يقع بين الدَّاء والدَّواء الطَّبيعيَّين، يقع بين الدَّاء والدَّواء الرُّوحانيَّين، والرُّوحانيِّ والطَّبيعيِّ. وفي النَّفث والتَّفل استعانةٌ بتلك الرُّطوبة والهواء والنَّفَس المباشر للرُّقية والذِّكر والدُّعاء. فإنَّ الرُّقية تخرج من قلب الرَّاقي وفمه، فإذا صاحبها شيءٌ من أجزاء باطنه من الرِّيق والهواء والنَّفَس كانت أتمَّ تأثيرًا، وأقوى فعلًا ونفوذًا. ويحصل بالازدواج بينها (^١) كيفيَّةٌ مؤثِّرةٌ شبيهةٌ بالكيفيَّة الحادثة عند تركيب الأدوية.
وبالجملة: فنفسُ الرَّاقي يقابل (^٢) تلك النَّفوس الخبيثة، ويزيد (^٣) بكيفيَّة نفسه، ويستعين بالرُّقية وبالنَّفث على إزالة ذلك الأثر. وكلَّما كانت كيفيَّة نفس الرَّاقي أقوى كانت الرُّقية أتمَّ. واستعانتُه بنفثه كاستعانة تلك النُّفوس الرَّديَّة بلسعها.
وفي النَّفث سرٌّ آخر، فإنَّه ممَّا تستعين به الأرواح الطَّيِّبة والخبيثة. ولهذا تفعله السَّحرة كما يفعله أهل الإيمان. قال تعالى: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ [الفلق: ٤]. وذلك لأنَّ النَّفس تتكيَّف بكيفيَّة الغضب والمحاربة، وتُرسل أنفاسها سهامًا لها، وتُمِدُّها بالنَّفث والتَّفل الذي معه شيءٌ من ريقٍ مصاحب (^٤) لكيفيَّةٍ مؤثِّرةٍ. والسَّواحر تستعين بالنَّفث استعانةً بيِّنةً، وإن لم
_________________
(١) يعني بين الرقية وشيء من أجزاء باطن الراقي. وفي ن: «بينهما».
(٢) تذكير الفعل للمضاف إليه، وقد أهمل في الأصل حرف المضارع في هذا وما بعده، وفي حط، ن: «تقابل».
(٣) ث، ل: «يؤيد»، ورسمه في الأصل يحتمل هذه القراءة.
(٤) ضبط في ل بالضم وفي حط بالكسر.
[ ٤ / ٢٥٥ ]
تتَّصل بجسم المسحور. بل تنفث على العقدة وتعقِدها، وتتكلَّم بالسِّحر، فيعمل ذلك في المسحور بتوسُّط الأرواح السُّفليَّة الخبيثة. فتقابلها (^١) الرُّوح الزَّكيَّة الطَّيِّبة بكيفيَّة الدَّفع والتَّكلُّم بالرُّقية وتستعين بالنَّفث؛ فأيُّهما قوي كان الحكم له. ومقابلةُ (^٢) الأرواح بعضها لبعضٍ وتحاربُها وآلتُها من جنس مقابلة الأجسام ومحاربتها وآلتها سواءً. بل الأصل في المحاربة والتقابل (^٣) للأرواح والأجسام آلتُها وجندُها، ولكن مَن غلب عليه الحسُّ لا يشعر بتأثيرات الأرواح وأفعالها وانفعالاتها، لاستيلاء سلطان الحسِّ عليه، وبُعدِه من عالم الأرواح وأحكامها وأفعالها.
والمقصود: أنَّ الرُّوح إذا كانت قويَّةً، وتكيَّفت بمعاني الفاتحة، واستعانت بالنَّفث والتَّفل= قابلت ذلك الأثر الذي حصل من النُّفوس الخبيثة، فأزالته. والله أعلم.
فصل
في هديه - ﷺ - في علاج لدغة العقرب بالرُّقية
روى ابن أبي شيبة في «مسنده» (^٤) من حديث عبد الله بن مسعودٍ قال:
_________________
(١) د: «فتقاتلها».
(٢) ل، د: «مقاتلة».
(٣) ما عدا س، ل، ز: «التقاتل».
(٤) قال البوصيريُّ في «الإتحاف» (٤/ ٤٦٥): «عزاه ابن القيِّم لمسند ابن أبي شيبة، ولم أره فيه». وقد صدق. وابن القيم - ﵀ - صادر هنا عن كتاب الحموي (ص ١٢٧ - ١٢٨)، وفيه: «رواه ابن أبي شيبة»، فزاد ابن القيم: «في مسنده»، ولعل الحموي قصد في «مصنَّفه»، غير أن الحديث فيه عن علي، ولم يرد فيه قراءة «قل هو الله أحد». وأخرجه ابن عديٍّ في «الكامل» (٣/ ١٠٦) من طريق الحسن بن عمارة، عن المنهال بن عمرو، عن أبي عبيدة، عن ابن مسعود - ﵁ -. والحسن متروكٌ، وقال الدَّارقطنيُّ في «العلل» (٥/ ٣٠٣): «ولم يتابع عليه. ورواه مطرِّف وحمزة الزَّيَّات، عن المنهال بن عمرو، عن ابن الحنفيَّة مرسلًا. وهو أصحُّ». وأخرجه ابن أبي شيبة (٢٤٠١٩، ٣٠٤٢٠)، والطَّبرانيُّ في «الأوسط» (٥٨٩٠) و«الصَّغير» (٨٣٠)، وغيرهما من طريق المنهال، عن ابن الحنفيَّة، عن عليٍّ - ﵁ -، وحسَّن إسناده الهيثميُّ في «المجمع» (٥/ ١١١)، وقوَّاه الألبانيُّ في «السِّلسلة الصَّحيحة» (٥٤٨)، لكنَّه معلولٌ كما بيَّن الدَّارقطنيُّ أيضًا في «العلل» (٤/ ١٢٢) وأنَّ الصَّواب فيه الإرسال.
[ ٤ / ٢٥٦ ]
بينا رسول الله - ﷺ - يصلِّي إذ سجد، فلدغته عقربٌ في إصبعه، فانصرف رسول الله - ﷺ - وقال: «لعن الله العقربَ، ما تدع نبيًّا ولا غيره». قال: ثمَّ دعا بإناءٍ فيه ماءٌ وملحٌ، فجعل يضع موضعَ اللَّدغة في الماء والملح، ويقرأ: (قل هو الله أحدٌ) (^١) والمعوِّذتين حتَّى سكنت.
ففي هذا الحديث العلاج بالدَّواء المركَّب من الأمرين الطَّبيعيِّ والإلهيِّ. فإنَّ في سورة الإخلاص من كمال التَّوحيد العلميِّ الاعتقاديِّ وإثباتِ الأحديَّة للَّه المستلزمة نفيَ كلِّ شركةٍ عنه، وإثباتِ الصَّمديَّة المستلزمة لإثبات كلِّ كمالٍ له، مع كون الخلائق تصمُد إليه في حوائجها أي: تقصده الخليقةُ وتتوجَّه إليه علويُّها وسفليُّها؛ ونفي الوالد والولد والكفءِ عنه، المتضمَّنِ لنفي الأصل والفرع والنَّظير والمماثل= ما (^٢) اختصَّت به،
_________________
(١) لم يرد ذكر سورة الإخلاص في «المصنف» كما مرَّ في التخريج. وفي معجمي الطبراني الصغير والأوسط ذكرت مع المعوذتين سورة الكافرون. نعم في «شعب الإيمان» (٤/ ١٦٩) ذكرت سورة الإخلاص.
(٢) الموصولة اسم إنَّ في قوله: «فإنَّ في سورة الإخلاص ». وفي س، ث، ل: «مما»، وهو غلط.
[ ٤ / ٢٥٧ ]
وصارت تعدل ثلثَ القرآن. ففي اسمه «الصَّمد» إثباتُ كلِّ كمال (^١)، وفي نفي الكفء التَّنزيهُ عن الشَّبيه والمثال، وفي «الأحد» نفيُ كلِّ شريكٍ لذي الجلال. وهذه الأصول الثَّلاثة هي مجامع التَّوحيد.
وفي المعوِّذتين: الاستعاذة من كلِّ مكروهٍ جملةً وتفصيلًا. فإنَّ الاستعاذة من شرِّ ما خَلَق تعُمُّ كلَّ شرٍّ يستعاذ منه، سواءٌ كان في الأجسام أو الأرواح. والاستعاذةُ من شرِّ الغاسق ــ وهو اللَّيل وآيتِه ــ وهو القمر إذا غاب ــ تتضمَّن الاستعاذةَ من شرِّ ما ينتشر فيه من الأرواح الخبيثة الَّتي كان نور النَّهار يحول بينها وبين الانتشار، فلمَّا أظلم عليها (^٢) اللَّيل وغاب القمر انتشرت وعاثت. والاستعاذةُ من شرِّ النَّفَّاثات في العُقَد يتضمَّن (^٣) الاستعاذةَ من شرِّ السَّواحر وسحرهنَّ. والاستعاذةُ من شرِّ الحاسد يتضمَّن الاستعاذةَ من النُّفوس الخبيثة المؤذية بحسدها ونظرها. والسُّورة الثَّانية تتضمَّن الاستعاذةَ من شرِّ شياطين الإنس والجنِّ. فقد جمعت السُّورتان الاستعاذةَ من كلِّ شرٍّ.
ولهما شأنٌ عظيمٌ في الاحتراس والتَّحصُّن من الشُّرور قبل وقوعها. ولهذا أوصى النَّبيُّ - ﷺ - عُقْبة بن عامرٍ بقراءتهما عقيبَ (^٤) كلِّ صلاةٍ. ذكره الترمذي في «جامعه» (^٥). وفي هذا سرٌّ عظيمٌ في استدفاع الشُّرور من الصَّلاة
_________________
(١) في حط، ن: «الكمال».
(٢) ث، ل: «عليه».
(٣) لم ينقط حرف المضارع في الأصل (ف) هنا وفيما بعد، وفي معظم النسخ ما أثبت.
(٤) ل: «عقب».
(٥) برقم (٢٩٠٣) وقال: «هذا حديث حسن غريب». وأخرجه أيضًا أبو داود (١٥٢٣)، والنَّسائيُّ (١٣٣٦)، وأحمد (١٧٤١٧، ١٧٧٩٢)، وغيرهم. وصحَّحه ابن خزيمة (٧٥٥)، وابن حبَّان (٢٠٠٤)، والحاكم (١/ ٢٥٢)، وقال الذَّهبيُّ في «الميزان» (٤/ ٤٣٣): «حسن غريب»، وصحَّحه ابن حجر في «نتائج الأفكار» (٢/ ٢٩٠).
[ ٤ / ٢٥٨ ]
إلى الصَّلاة. وقال: «ما تعوَّذ المتعوِّذون بمثلهما» (^١). وقد ذُكِر أنَّه - ﷺ - سُحِر في إحدى عشرة عقدةً، وأنَّ جبريل نزل عليه بهما. فجعل كلَّما قرأ آيةً منهما انحلَّت عقدةٌ، حتَّى انحلَّت العقد كلُّها، وكأنَّما نُشِط من عقالٍ (^٢).
وأمَّا العلاج الطَّبيعيُّ فيه، فإنَّ في الملح نفعًا لكثيرٍ من السُّموم، ولا سيَّما لدغة العقرب. قال صاحب «القانون» (^٣): يضمَّد به مع بِزْر الكتَّان للسع العقرب. وذكره غيره أيضًا (^٤). وفي الملح من القوَّة الجاذبة المحلِّلة ما
_________________
(١) هذا جزء حديث عقبة بن عامر - ﵁ -، رواه الحميدي (٨٧٤) وأبو داود (١٤٦٣) والطحاوي في «مشكل الآثار» (١٢٧) والطبراني (١٧/ ٣٤٥) والبيهقي (٢/ ٣٩٤)، وعندهم اللفظ «تعوذ متعوذٌ»، ولفظ «المتعوذون» لم أجده إلا عند الدولابي في «الكنى والأسماء» (٢/ ٥٥٣).
(٢) أخرجه ابن سعد في «الطَّبقات» (٢/ ١٩٨) من طريق جُوَيبر، عن الضَّحَّاك، عن ابن عبَّاس - ﵄ - بنحوه، وجويبر ضعيفٌ جدًّا، وأعلَّه ابن حجر في «الفتح» (١٠/ ٢٣٦) وفي «التَّلخيص الحبير» (٤/ ٧٦) بالانقطاع. وأخرجه البيهقيُّ في «الدَّلائل» (٦/ ٢٤٨) من طريق محمَّد بن السَّائب، عن أبي صالح، عن ابن عباس، ومحمَّد بن السَّائب هو الكلبيُّ متَّهمٌ بالكذب. وأخرجه البيهقيُّ أيضًا في «الدَّلائل» (٧/ ٩٢ - ٩٤) من حديث عائشة - ﵂ - بنحوه، وفي إسناده محمَّد بن عبيد الله العرزميُّ وهو متروكٌ، وينظر: «السِّلسلة الضَّعيفة» (٦/ ٦١٨) .. وأورده الثَّعلبيُّ في «الكشف والبيان» (١٠/ ٣٣٨) عن ابن عبَّاس وعائشة بلا إسنادٍ، قال ابن كثير في «تفسيره» (٨/ ٥٣٨): «فيه غرابةٌ، وفي بعضه نكارةٌ شديدةٌ».
(٣) في فصل الأطلية والأضمدة (٣/ ٣٣٠) والنقل من كتاب الحموي (ص ١٢٨).
(٤) قال الحموي: «وكذا ذكره الغافقي وغيرهما». وانظر: «الحاوي» للرازي (٥/ ٢٩٠).
[ ٤ / ٢٥٩ ]
يجذب السُّموم ويحلِّلها (^١). ولمَّا كان في لسعها قوَّةٌ ناريَّةٌ تحتاج إلى تبريدٍ وجذبٍ وإخراجٍ جمَعَ بين الماء المبرِّد لنار اللَّسعة، والملح الذي فيه جذبٌ وإخراجٌ. وهذا أتمُّ ما يكون من العلاج وأيسره وأسهله. وفيه تنبيهٌ على أنَّ علاج هذا الدَّاء بالتَّبريد والجذب والإخراج. والله أعلم.
وقد روى مسلم في «صحيحه» (^٢) عن أبي هريرة قال: جاء رجلٌ إلى النَّبيِّ - ﷺ -، فقال: يا رسول اللَّه، ما لقيتُ من عقربٍ لدغتني البارحة! فقال: «أمَا، لو قلتَ حين أمسيتَ: أعوذ بكلمات الله التَّامَّات من شرِّ ما خلَق= لم يضرَّك (^٣)».
واعلم أنَّ الأدوية الإلهيَّة تنفع من الدَّاء بعد حصوله، وتمنع من وقوعه، وإن وقع لم يقع وقوعًا مُضِرًّا وإن كان مؤذيًا. والأدوية الطَّبيعيَّة إنَّما تنفع بعد حصول الدَّاء. فالتَّعوُّذات والأذكار إمَّا أن تمنع وقوع هذه الأسباب، وإمَّا أن تحول بينها وبين كمال تأثيرها بحسب كمال التَّعوُّذ وقوَّته وضعفه.
فالرُّقى والعُوَذ تستعمل لحفظ الصِّحَّة، ولإزالة المرض (^٤). أمَّا الأوَّل فكما في «الصَّحيحين» (^٥) من حديث عائشة: كان رسول الله - ﷺ - إذا أوى إلى فراشه نفَث في كفَّيه بـ (قُل هو الله أحدٌ) والمعوِّذتين، ثمَّ يمسح بهما وجهَه وما بلغت يدُه من جسده.
_________________
(١) لم يشر المؤلف إلى فائدة الملح في لدغة العقرب في قسم المفردات.
(٢) برقم (٢٧٠٩).
(٣) أهمل حرف المضارع في ث، ل وفي ن بالتاء كما في مطبوعة «صحيح مسلم». وفي غيرها بالياء.
(٤) انظر: كتاب الحموي (ص ٢٦٤).
(٥) كذا في جميع النسخ الخطية والمطبوعة، وهو سهو. وإنما أخرجه البخاري (٥٧٤٨).
[ ٤ / ٢٦٠ ]
وكما في حديث عُوذة أبي الدَّرداء المرفوع: «اللَّهمَّ أنت ربِّي لا إله إلا أنت، عليك توكَّلت، وأنت ربُّ العرش العظيم» وقد تقدَّم. وفيه: «من قالها أوَّلَ نهاره لم تُصِبه مصيبةٌ حتَّى يمسي، ومن قالها آخرَ نهاره لم تُصِبه مصيبةٌ حتَّى يُصْبح» (^١).
وكما في «الصَّحيحين» (^٢): «من قرأ الآيتين من آخر سورة البقرة في ليلةٍ كفَتاه».
وكما في «صحيح مسلم» (^٣) عن النِّبيِّ - ﷺ -: «من نزل منزلًا، فقال: أعوذ بكلمات الله التَّامَّات من شرِّ ما خلق= لم يضرُّه شيءٌ حتَّى يرتحل من منزله ذلك».
وكما في «سنن أبي داود» (^٤) أنَّ رسول الله - ﷺ - كان في السَّفر يقول
_________________
(١) أخرجه الخرائطيُّ في «مكارم الأخلاق» (٨٦٨)، والطَّبراني في «الدُّعاء» (٣٤٣)، وابن السُّنِّيِّ في «عمل اليوم واللَّيلة» (٥٧)، والبيهقيُّ في «الأسماء والصِّفات» (٣٤٤). وقد تقدَّم تخريجه وبيان أنَّه ضعيفٌ جدًّا.
(٢) من حديث أبي مسعود البدري. البخاري (٤٠٠٨) ومسلم (٨٠٧).
(٣) من حديث خولة بنت حكيم السُّلَمية (٢٧٠٨).
(٤) برقم (٢٦٠٣) من حديث ابن عمر - ﵄ -. وأخرجه أيضًا النَّسائيُّ في «الكبرى» (٧٨١٣، ١٠٣٢٢)، وأحمد (٦١٦١، ١٢٢٤٩)، وغيرهما. وصحَّحه ابن خزيمة (٢٥٧٢)، والحاكم (١/ ٤٤٦ - ٤٤٧، ٢/ ١٠٠)، والضِّياء في «المختارة» (٢٨٦، ٢٨٧)، وحسَّنه ابن حجر كما في «الفتوحات الرَّبَّانيَّة» (٥/ ١٦٤)، لكن في إسناده الزُّبير بن الوليد الرَّاوي عن ابن عمر، قال النَّسائيُّ: «شاميٌّ، ما أعرف له غيرَ هذا الحديث»، وقال الذَّهبيُّ في «الميزان» (٢/ ٦٨): «تفرَّد عنه شريح بن عُبيد»؛ ولذا أورده الألبانيُّ في «السِّلسلة الضَّعيفة» (٤٨٣٧).
[ ٤ / ٢٦١ ]
باللَّيل: «يا أرضُ ربِّي وربُّكِ اللَّه، أعوذ بالله من شرِّكِ وشرِّ ما فيكِ وشرِّ ما يدبُّ عليكِ. أعوذ بالله من أسدٍ وأسودَ، ومن الحيَّة والعقرب، ومن ساكن البلد، ومن والدٍ وما ولد».
فصل (^١)
وأمَّا الثَّاني، فكما تقدَّم من الرُّقية بالفاتحة والرُّقية للعقرب وغيرها ممَّا يأتي.
فصل
في هديه - ﷺ - في رقية النَّملة (^٢)
قد تقدَّم (^٣) حديثُ أنس الذي في «صحيح مسلم» (^٤): أنَّه - ﷺ - رخَّص في الرُّقية من الحُمَة والعين والنَّملة.
وفي «سنن أبي داود» (^٥) عن الشفاء بنت عبد الله قالت: دخل عليَّ
_________________
(١) لفظ «فصل» ساقط من ز، د.
(٢) انظر: كتاب الحموي (ص ٢٧٩ - ٢٨١).
(٣) بعده في ن: «في». وفي ل: «من».
(٤) برقم (٢١٩٦) وقد تقدم قريبًا في أول هديه - ﷺ - في علاج المصاب بالعين.
(٥) برقم (٣٨٨٧). وأخرجه أيضًا النَّسائيُّ في «الكبرى» (٧٥٠١)، وابن أبي شيبة (٢٤٠٠٨)، وأحمد (٢٧٠٩٥)، والطَّبراني في «الكبير» (٢٤/ ٣١٣)، وغيرهم. وصحَّحه الحاكم (٤/ ٥٦ - ٥٧)، والنَّوويُّ في «المجموع» (٩/ ٦٩)، وابن مفلح في «الآداب الشَّرعيَّة» (٣/ ٢٨٩). واختُلف في إسناده، ورجَّح الدَّارقطنيُّ في «العلل» (١٥/ ٣٠٩) إرسالَه، وهو في «السِّلسلة الصَّحيحة» (١٧٨).
[ ٤ / ٢٦٢ ]
رسول الله - ﷺ - وأنا عند حفصة، فقال: «ألا تعلِّمين هذه رقية النَّملة، كما علَّمتيها الكتابة؟».
النَّملة: قروحٌ تخرج في الجنبين (^١)، وهو داءٌ معروفٌ. وسمِّي نملةً لأنَّ صاحبه يحسُّ في مكانه كأنَّ نملةً تدبُّ عليه وتعضُّه. وأصنافها ثلاثةٌ (^٢).
قال ابن قتيبة (^٣) وغيره: كان المجوس يزعمون أنَّ ولد الرَّجل من أخته إذا خَطَّ على النَّملة شُفِي صاحبُها. ومنه قول الشَّاعر (^٤):
ولا عيبَ فينا غيرَ عِرْقٍ (^٥) لمعشرٍ كرامٍ وأنَّا لا نخُطُّ على النَّمل
وروى الخلال أنَّ الشفاء بنت عبد الله كانت ترقي في الجاهليَّة من النَّملة، فلمَّا هاجرت إلى النَّبيِّ - ﷺ - وكانت قد بايعته بمكَّة قالت: يا رسول اللَّه، إنِّي كنت أرقي في الجاهليَّة من النَّملة، وإنِّي أريد أن أعرضها عليك.
_________________
(١) في كتاب الحموي: «وغيرهما».
(٢) هي: الساعية، والجاورسية، والأكالة. انظر: «القانون» (٣/ ١٥٣).
(٣) في «غريب الحديث» (٢/ ٦٢٠ - ٦٢١)، و«أدب الكاتب» (ص ٢٢)، و«المعاني الكبير» (١/ ٥٦٣) و(٢/ ٦٣٧). والمؤلف صادر عن كتاب الحموي، والحموي عن «المعلم» للمازري (٣/ ١٦٤). ونقل ابن قتيبة التفسير الآتي في المعاني عن أبي عمرو. وروى ابن الأعرابي: «لا نحط» بالحاء المهملة، وفسَّره غير هذا التفسير فردَّ عليه أبو عمرو. انظر: «شرح ما يقع فيه التصحيف» للعسكري (ص ١٥٧ - ١٥٨).
(٤) عزاه الجواليقي ضمن ثلاثة أبيات في «شرح أدب الكاتب» (ص ٩٦ - الكويت) بلفظ «قيل» إلى عمرو بن حُمَمة الدوسي، ثم قال: وهذا البيت يروى لمزاحم العقيلي وعروة بن أحمد الخزاعي.
(٥) ن: «خط»، وفي ث، ل: «عرف»، وكلاهما خطأ.
[ ٤ / ٢٦٣ ]
فعرَضَتْها (^١) فقالت: بسم الله صلّت حتَّى تعود (^٢) من أفواهها ولا تضرُّ أحدًا. اللَّهمَّ اكشف البأسَ ربَّ النَّاس. قال: «ترقي بها على عودٍ (^٣) سبع مرَّاتٍ، وتقصد مكانًا نظيفًا وتدلكه على حجرٍ بخلِّ خمرٍ حاذقٍ (^٤)، وتَطْليه على النَّملة» (^٥).
وفي الحديث: دليلٌ على جواز تعليم النِّساء الكتابة (^٦).
_________________
(١) «فعرضتها» ساقط من د، واستدرك في هامش ز. وغُيِّر في طبعة الرسالة إلى «فعرضت عليه».
(٢) لفظ «صلت» ساقط من حط. وهو كذا في النسخ إلا س، ن ففيهما بالضاد المعجمة. وهكذا أثبت القسطلاني من كتابنا في «المواهب اللدنية» (٣/ ٥٠٦ - الشامي)، وعليه فسَّره الزرقاني في «شرحه» (١٠/ ١٠) فقال: «(ضلت) النملة، بضاد معجمة. أي تاهت عن طريق قصدها (حتى تعود) ترجع». وهو تفسير جميل. وفي مخطوطة كتاب الحموي (٧٧/أ) ــ وهو مصدر ابن القيم ــ: «بسم الله صلق صلت حتى تعود» وقد سقط «صلق» من أصل ابن القيم فيما يظهر. وفي «المستدرك»: «صلوب حين يعود». وفي «معرفة الصحابة» لأبي نعيم: «صلق صلب جبر تعوذًا». وكذا نقل في «الإصابة» (١٣/ ٥١٩ - هجر). وقد ذكر الحافظ أن قوله: «بسم الله » إلى آخر الحديث من زيادة أبي نعيم على رواية ابن منده، ولكن الغريب أن أبا نعيم لم يوردها في «الطب النبوي» له.
(٣) في «معرفة الصحابة» لأبي نعيم: «عود كُرْكُم».
(٤) الحاذق: الحامض.
(٥) أخرجه الحاكم (٤/ ٥٧)، وأبو نعيم في «معرفة الصَّحابة» (٧٧٠٨). وإسناده ضعيفٌ؛ فيه عثمان بن عمر بن عثمان بن سليمان بن أبي حثمة القرشيُّ العدويُّ، قال فيه ابن معين كما في «الكامل» (٦/ ٢٩٨): «لا أعرفه»، وقال ابن عديٍّ: «مجهول». وقد تقدَّم بيان أنَّه اختُلف في إسناد هذا الحديث.
(٦) نقله الحموي (ص ٢٨٠) عن الخطابي. انظر: «معالم السنن» (٤/ ٢٢٧).
[ ٤ / ٢٦٤ ]
فصل
في هديه في رقية الحيَّة
قد تقدَّم قوله: «لا رقية إلا في عينٍ أو حُمَةٍ». الحُمَة (^١): بضمِّ الحاء وفتح الميم وتخفيفها. وفي «سنن ابن ماجه» (^٢) من حديث عائشة: رخَّص رسول الله - ﷺ - في الرُّقية من الحيَّة والعقرب.
ويذكر عن ابن شهابٍ الزُّهريِّ قال: لدغ بعض أصحاب رسول الله - ﷺ - حيَّةٌ، فقال النَّبيُّ - ﷺ -: «هل من راقٍ؟». فقالوا: يا رسولَ اللَّه، إنَّ آل حزمٍ كانوا يرقُون رقية الحيَّة، فلمَّا نهيتَ عن الرُّقى تركوها. فقال: «ادعُوا عُمارةَ بن حزم». فدعَوه، فعرض عليه رُقَاه، فقال: «لا بأس بها». فأذِن له فيها فرَقاه (^٣).
_________________
(١) لفظ «الحمة» ساقط من د. وفي س، ل: «والحمة».
(٢) برقم (٣٥١٧). وأخرجه بهذا اللَّفظ أيضًا الطَّيالسيُّ (١٤٩٨)، والطَّحاويُّ في «معاني الآثار» (٤/ ٣٢٦)، وصحَّحه ابن حبَّان (٦١٠١). وهو في البخاريِّ (٥٧٤١)، ومسلم (٢١٩٣)، بلفظ: «رخَّص النَّبيُّ - ﷺ - في الرُّقية من كلِّ ذي حُمة».
(٣) كتاب الحموي (ص ٢٨١ - ٢٨٢). وقد أخرجه عبد الرَّزَّاق (١٩٧٦٧) ــ ومن طريقه الحازميُّ في «الاعتبار» (ص ٢٣٩) ــ عن معمر، عن الزُّهريِّ بنحوه، وهذا مرسلٌ. وأخرج مسلم (٢١٩٩/ ٦٣) من حديث جابر - ﵁ - قال: نهى رسول الله - ﷺ - عن الرُّقى، فجاء آل عمرو بن حزم إلى رسول الله - ﷺ - فقالوا: يا رسول الله، إنَّه كانت عندنا رقيةٌ نرقي بها من العقرب، وإنَّك نهيت عن الرُّقى! قال: فعرضوها عليه، فقال: «ما أرى بأسًا، من استطاع منكم أن ينفع أخاه فلينفعه».
[ ٤ / ٢٦٥ ]
فصل
في هديه - ﷺ - في رقية القُرحة والجُرح (^١)
أخرجا في «الصَّحيحين» (^٢) عن عائشة قالت: كان رسول الله - ﷺ - إذا اشتكى الإنسانُ أو كانت به قُرحةٌ أو جُرحٌ قال بإصبعه: هكذا ــ ووضع سفيان سبَّابته بالأرض، ثمَّ رفعها ــ وقال: «بسم الله، تربةُ أرضنا، بريقة بعضِنا، لَيُشْفَى سقيمُنا، بإذن ربِّنا».
هذا من العلاج السهل (^٣) الميسَّر النَّافع المركَّب. وهي معالجةٌ لطيفةٌ تعاَلج بها القروح والجراحات الطَّريَّة، لا سيَّما عند عدم غيرها من الأدوية، إذ كانت موجودةً بكلِّ أرضٍ. وقد عُلِم أنَّ طبيعة التُّراب الخالص باردةٌ يابسةٌ مجفِّفةٌ لرطوبات القروح والجراحات الَّتي تمنع الطَّبيعةَ من جودة فعلها وسرعة اندمالها، لا سيَّما في البلاد الحارَّة، وأصحاب الأمزجة الحارَّة. فإنَّ القروح والجراحات يتبعها في أكثر الأمر سوءُ مزاجٍ حارٍّ فتجتمع حرارةُ البلد والمزاج والجراح. وطبيعة التُّراب الخالص باردةٌ يابسةٌ أشدُّ من برودة جميع الأدوية المفردة الباردة، فتقابل برودةُ التُّراب حرارةَ المرض، لا سيَّما إن كان التُّرابُ قد غُسِل وجُفِّف. ويتبعها أيضًا كثرةُ الرُّطوبات الرَّديَّة والسَّيلان، والتُّراب مجفِّفٌ لها، مزيلٌ بشدَّة (^٤) يبسه وتجفيفه للرُّطوبة الرَّديَّة المانعة من برئها (^٥). ويحصل
_________________
(١) كتاب الحموي (ص ٢٩٥ - ٢٩٧) والفصل برُمَّته منقول منه.
(٢) البخاري (٥٧٤٥) ومسلم (٢١٩٤) وقد تقدم.
(٣) لفظ «السهل» ساقط من طبعة الرسالة.
(٤) ن: «لشدَّة». وفي كتاب الحموي كما أثبت.
(٥) في جميع النسخ: «بَردها» بالدال. والظاهر أن الدال تصحيف الواو كما في مخطوطة كتاب الحموي (ق ٨٢/ب) يعني: «برئها».
[ ٤ / ٢٦٦ ]
به مع ذلك تعديلُ مزاج العضو العليل، ومتى اعتدل مزاجُ العضو قويت قواه المدبِّرة، ودفَعت عنه الألم بإذن اللَّه.
ومعنى الحديث: أنَّه يأخذ من ريق نفسه على إصبعه السَّبَّابة، ثمَّ يضعُها على التُّراب، فيعلَق بها منه شيءٌ، فيمسح به على الجرح، ويقول هذا الكلام، لما فيه من بركة ذكرِ اسم اللَّه، وتفويض الأمرِ إليه، والتَّوكُّلِ عليه. فينضمُّ أحد العلاجين إلى الآخر، فيقوى التَّأثير.
وهل المراد بقوله: «تربة أرضنا» جميع الأرض أو أرض المدينة خاصَّةً؟ فيه قولان. ولا ريب أنَّ من التُّربة ما يكون فيه خاصَّة (^١)، ينفع بخاصِّيَّته من أدواءٍ كثيرةٍ، ويشفي به أسقامًا رديَّةً (^٢).
قال جالينوس: رأيت بالإسكندريَّة مطحولين ومُسْتَسقِين كثيرًا يستعملون طينَ مصر، ويطلُون به على سوقهم وأفخاذهم وسواعدهم وظهورهم وأضلاعهم، فينتفعون به منفعةً بيِّنةً. قال: وعلى هذا النَّحو فقد ينفع هذا الطِّلاء للأورام العَفِنة والمترهِّلة الرَّخوة. قال: وإنِّي لأعرف قومًا ترهَّلت أبدانهم كلُّها من كثرة استفراغ الدَّم من أسفل، انتفعوا بهذا الطِّين نفعًا بيِّنًا؛ وقومًا آخرين شفَوا به أوجاعًا مزمنةً كانت متمكِّنةً في بعض الأعضاء تمكُّنًا شديدًا، فبرئت وذهبت أصلًا (^٣).
_________________
(١) ل: «خاصِّيَّة».
(٢) ز، د: «كثيرة»، خطأ.
(٣) «مفردات ابن البيطار» (٣/ ١٠٨)، ومنه نقل الحموي (ص ٢٩٧). وانظر نحوه في «الحاوي» (٦/ ٢٦٢ - ٢٦٣).
[ ٤ / ٢٦٧ ]
وقال صاحب الكتاب المسيحيِّ (^١): قوَّةُ الطِّين المجلوب من كيُوس (^٢) ــ وهي جزيرة المَصْطَكى ــ قوَّةٌ تجلو، وتغسِل، وتُنبِت اللَّحمَ في القروح (^٣)، وتختم القروح. انتهى.
وإذا كان هذا في هذه التُّربات، فما الظَّنُّ بأطيب تربةٍ على وجه الأرض وأبركها، وقد خالطت ريقَ رسول الله - ﷺ - وقارنت رقيته باسم ربِّه وتفويض الأمر إليه! وقد تقدَّم أنَّ قوى الرُّقية وتأثيرها بحسب الرَّاقي وانفعال المرقيِّ عن رقيته. وهذا أمرٌ لا ينكره طبيبٌ فاضلٌ عاقلٌ مسلمٌ. فإن (^٤) انتفى أحد
_________________
(١) في كتاب الحموي: «وقال المسيح»، ولعل المؤلف - ﵀ - غيَّره إلى ما ترى لكيلا يلتبس بالمسيح ﵇، وإلَّا لا وجود لكتاب يدعى «الكتاب المسيحي». ومن قبل لما ورد في كتاب الحموي: «مسيح» ــ وهكذا يرد اسمه في الغالب مجرَّدًا من لام التعريف ــ غيَّره ابن القيم إلى «المسيحي». وفي ث، ل: «كتاب المسبِّحي»، وهو تحريف. واسم «مسيح»: عيسى بن الحكم الدمشقي وله كناش كبير اشتهر به. واستفاض النقل منه في كتب الرازي وابن سينا وابن البيطار وغيرهم. قال صاحب «الطب النبوي» المنسوب إلى الذهبي (ص ١٦٤): «مسيح من فضلاء الأطباء وأعيانهم، له تصانيف في الطب». وانظر ما كتبت عنه من قبل في فصل علاج ذات الجنب. ومما يستطرف أن لفظ «المسيحي» تصحف في ن إلى «المسمَّى»، فكتب الناسخ في هامشها على طريقته في تقييد الفوائد: «قف على كلام صاحب كتاب قوة الطين»!
(٢) أهمل ثانيه في ث، ن. وفي ز، د: «كبوس» بالباء وكذا في الطبعة الهندية. وفي حط، ل: «كنوس» بالنون وكذا في طبعة عبد اللطيف وما بعدها. وكلاهما تصحيف ما أثبت من الأصل (ف) وس. وتسمى في الكتب العربية: «خِيُوس» و«خِيَا» أيضًا. انظر: «الحاوي» (٦/ ٢٦٣) و«تفسير دياسقوريدوس» (ص ٣٢٢).
(٣) في كتاب الحموي: «الجروح».
(٤) س، حط، ن: «فإذا».
[ ٤ / ٢٦٨ ]
الأوصاف فليقل ما شاء!
فصل
في هديه - ﷺ - في علاج الوجع بالرُّقية
روى مسلم في «صحيحه» (^١) عن عثمان بن أبي العاص أنَّه شكا إلى رسول الله - ﷺ - وجعًا يجده في جسده منذ أسلم فقال النَّبيُّ - ﷺ -: «ضع يدك على الذي تألَّم من جسدك، وقل: بسم الله ثلاثًا، وقل سبع مرَّاتٍ: أعوذ بعزَّة الله وقدرته من شرِّ ما أجد وأحاذر». ففي (^٢) هذا العلاج من ذكرِ اسم اللَّه والتَّفويضِ إليه، والاستعاذةِ بعزَّته وقدرته من شرِّ الألم= ما يذهب به. وتكرارُه ليكون أنجع وأبلغ كتكرار الدَّواء لإخراج المادَّة. وفي السَّبع خاصِّيَّةٌ لا توجد في غيرها.
وفي «الصَّحيحين» (^٣): أنَّ النَّبيَّ - ﷺ - كان يعوِّذ بعضَ أهله، يمسح عليه يده اليمين (^٤) ويقول: «اللَّهمَّ ربَّ النَّاسِ أَذْهِبِ الباسَ، واشفِ أنت الشَّافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاءً لا يغادر سَقَمًا». ففي هذه الرُّقية توسُّلٌ إلى الله بكمال ربوبيَّته وكمال رحمته بالشِّفاء، وأنَّه وحده الشَّافي، وأنَّه لا شفاء إلا شفاؤه. فتضمَّنت التَّوسُّلَ إليه بتوحيده وإحسانه وربوبيَّته.
_________________
(١) برقم (٢٢٠٢).
(٢) د: «وفي».
(٣) من حديث عائشة. البحاري (٥٧٤٣) ومسلم (٢١٩١).
(٤) في س، ث، ل: «بيده». وفي حط، د، ن: «اليمنى».
[ ٤ / ٢٦٩ ]
فصل
في هديه - ﷺ - في علاج حرِّ المصيبة وحزنها
قال تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٥٥ - ١٥٧]. وفي «المسند» (^١) عنه - ﷺ - أنَّه قال: «ما من أحدٍ تصيبه مصيبةٌ، فيقول: إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون، اللَّهمَّ أْجُرْني في مصيبتي، وأَخْلِفْ لي خيرًا منها= إلا أَجَرَه (^٢) الله في مصيبته، وأخلَفَ له خيرًا منها».
وهذه الكلمة من أبلغ علاج المصاب وأنفعه له في عاجلته وآجلته، فإنَّها تتضمَّن أصلين عظيمين، إذا تحقَّق العبد بمعرفتهما تسلَّى عن مصيبته:
أحدهما: أنَّ العبد وأهله وماله ملكٌ لله ﷿ حقيقةً. وقد جعله عند العبد عاريةً، فإذا أخذه منه فهو كالمُعِير يأخذ متاعَه من المستعير. وأيضًا فإنَّه محفوفٌ بعدمين: عدمٍ قبله، وعدمٍ بعده. وملكُ العبد له منفعة (^٣) معارةٌ في زمنٍ يسيرٍ. وأيضًا فإنَّه ليس هو الذي أوجده عن عدمه حتَّى يكون ملكه حقيقةً، ولا هو الذي يحفظه من الآفات بعد وجوده، ولا يُبقي عليه وجودَه؛ فليس له فيه تأثيرٌ ولا ملكٌ حقيقيٌّ. وأيضًا فإنَّه متصرِّفٌ فيه بالأمر تصرُّفَ العبد المأمور المنهيِّ، لا تصرُّفَ المُلَّاك. ولهذا لا يباح له من التَّصرُّفات فيه
_________________
(١) برقم (٢٦٦٣٥) من حديث أمِّ سلمة - ﵂ -. وهو في «صحيح مسلم» (٩١٨).
(٢) س: «آجره»، وكذا في الطبعة الهندية، وهي رواية في الحديث. وفي طبعة عبد اللطيف ــ وكذا في طبعة الرسالة ــ: «أجاره»، كأن مصححها قرأ: «اللهم أجِرْني في مصيبتي»، فأثبت هنا: «أجاره»، وهو غلط.
(٣) ما عدا س، ث، ل، ن: «منعة».
[ ٤ / ٢٧٠ ]
إلا ما وافق أمرَ مالكه الحقيقيِّ.
والثَّاني: أنَّ مصيرَ العبد ومرجعَه إلى الله مولاه الحقِّ، ولا بدَّ أن يخلِّف الدُّنيا وراء ظهره، ويجيء ربَّه فردًا كما خلقه أوَّل مرَّةٍ، بلا أهلٍ ولا مالٍ ولا عشيرةٍ، ولكن بالحسنات والسَّيِّئات. فإذا كانت هذه بداية العبد وما خُوِّلَه ونهايتَه، فكيف يفرح بموجودٍ، أو يأسى على مفقودٍ! ففكرُه في مبدئه ومعاده من أعظم علاج هذا الدَّاء.
ومن علاجه: أن يعلم علمَ اليقين أنَّ ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه. قال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٢٢) لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ [الحديد: ٢٢ - ٢٣].
ومن علاجه: أن ينظر إلى ما أصيب به، فيجد ربَّه قد أبقى عليه مثلَه أو أفضلَ منه، وادَّخر (^١) له ــ إن صبَر ورضِيَ ــ ما هو أعظم من فوات تلك المصيبة بأضعافٍ مضاعفةٍ، وأنَّه لو شاء لجعلها أعظم ممَّا هي.
ومن علاجه: أن يطفئ نار مصيبته ببرد التَّأسِّي بأهل المصائب، وَلْيعلَمْ أنَّه «في كلِّ وادٍ بنو سعدٍ» (^٢). ولينظر يَمْنةً، فهل يرى إلا محنةً؟ ثمَّ ليعطِفْ
_________________
(١) ز، س، ث، ل: «واذخر».
(٢) هذا مثل. روي أن الأضبط بن قريع السعدي وهو جاهلي قديم آذاه قومه، فتحوَّل عنهم إلى آخرين، فآذوه، فقال: «بكل وادٍ بنو سعد». انظر: «البخلاء» للجاحظ (ص ١٨٩ - الحاجري) و«الحيوان» (٣/ ١٠٤) و«جمهرة الأمثال» (١/ ٦١).
[ ٤ / ٢٧١ ]
يَسْرةً، فهل يرى إلا حسرةً (^١)؟ وأنَّه لو فتَّش العالم لم ير فيهم إلا مبتلًى إمَّا بفوات محبوبٍ أو حصول مكروهٍ.
وإنَّ سرور (^٢) الدُّنيا «أحلام نومٍ أو كظلٍّ زائلٍ» (^٣). إن أضحكَتْ قليلًا أبكَتْ كثيرًا. وإن سرَّت يومًا ساءت دهرًا. وإن متَّعت قليلًا منعت طويلًا. وما ملأت دارًا حَبْرَة (^٤) إلا ملأتها عَبْرةً، ولا سرَّته بيوم سرورٍ إلا خبَّأت له يومَ شرورٍ!
قال ابن مسعودٍ: لكلِّ فَرحةٍ تَرحةٌ، وما ملئ بيتٌ فرَحًا إلا ملئ ترَحًا (^٥).
_________________
(١) انظر هذه العبارة: «ولينظر يمنة حسرة» ضمن فصول من كلام ابن الجوزي نقلها المصنف في «بدائع الفوائد» (٣/ ١٢١١) من «المدهش» (٢/ ٦٧١)، وهي من رسالة لبديع الزمان يعزِّي بها أبا عامر الضبي. انظر: «رسائل بديع الزمان» (ص ٩٣) و«يتيمة الدهر» (٤/ ٢٩٨).
(٢) في طبعة الرسالة: «شرور»، وهو تصحيف.
(٣) عجزه: إنَّ اللبيب بمثلها لا يُخدَعُ والبيت أنشده المصنف في «الداء والدواء» (ص ١٧٣) و«مفتاح دار السعادة» (ص ٤١٨) و«عدة الصابرين» (ص ٤٣٥). وهو من أبيات مشهورة تنسب إلى عمران بن حِطَّان. انظر: «شعر الخوارج» (ص ١٥٥). وفي «الزهد» لابن أبي الدنيا (ص ٢١٩) عن قتادة أن عمران أنشده إياها. وفيه (ص ١٧١) أيضًا عن الحسن البصري أن إبراهيم بن عبد الملك أنشده إياها لسليمان بن يزيد العدَوي.
(٤) يعني: «فرحة». وفي طبعة الرسالة «خيرة» تبعًا للطبعات السابقة، وهو تصحيف.
(٥) أخرجه وكيع في «الزُّهد» (٥٠٦، ٥٠٧) ــ وعنه ابن أبي شيبة (٣٥٧١٦)، وأحمد في «الزُّهد» (٩٠١) ــ، وأبو داود في «الزهد» (١٤٤، ١٤٥)، وابن أبي الدُّنيا في «الاعتبار» (٣)، والبيهقيُّ في «الشُّعب» (١٠١٥٧، ١٠١٥٨). واقتصر بعضهم على جزئه الأوَّل.
[ ٤ / ٢٧٢ ]
وقال ابن سيرين: ما كان ضَحِكٌ قطُّ إلا كان من بعده بكاءٌ (^١).
وقالت هند بنت النعمان: لقد رأيتُنا ونحن من أعزِّ النَّاس وأشدِّهم مُلكًا ثمَّ لم تغب الشَّمس حتَّى رأيتُنا ونحن أقلُّ النَّاس. وإنَّه حقٌّ على الله أن لا يملأ دارًا حَبْرة (^٢) إلا ملأها عَبْرةً (^٣).
وسألها رجلٌ أن تحدِّثه عن أمرها، فقالت: أصبحنا ذا صباحٍ وما في العرب أحدٌ إلا يرجونا، ثمَّ أمسينا وما في العرب أحدٌ إلا يرحمنا (^٤).
وبكت أختها حُرَقة بنت النعمان يومًا وهي في عزِّها، فقيل لها: ما يبكيكِ؟ لعلَّ أحدًا آذاكِ. قالت: لا، ولكن رأيتُ غَضَارةً في أهلي، وقلَّما امتلأت دارٌ سرورًا إلا امتلأت حزنًا (^٥).
قال إسحاق بن طلحة: دخلتُ عليها يومًا، فقلت لها: كيف رأيتِ عبرات (^٦) الملوك؟ فقالت: ما نحن فيه اليوم خيرٌ ممَّا كنَّا فيه الأمس. إنَّا نجد
_________________
(١) أخرجه ابن أبي الدُّنيا في «الاعتبار» (٥).
(٢) هنا أيضًا تصحفت في النسخ المطبوعة إلى «خيرة».
(٣) أخرجه ابن أبي الدُّنيا في «الاعتبار» (٨).
(٤) المصدر السابق (١٠).
(٥) المصدر السابق (٩). وفيه: «في أهلكم»، تعني هانئ بن قبيصة. وهو الذي سألها: ما يبكيك؟ وكأنَّ المصنِّف لما حذف اسم هانئ غيَّر الضمير أيضًا. والصواب ما ورد في كتاب «الاعتبار». انظر: «التعازي» للمدائني (ص ٨٦) و«البيان والتبيُّن» (٣/ ١٤٥، ١٦١). والغَضارة: السعة وطيب العيش.
(٦) ث: «غُبَّرات» مضبوطًا بضم الغين المعجمة يعني: آخر أمرهم. وهو محتمل. وفي «المنتظم» لابن الجوزي (٢/ ٣٣٥): «عثرات». وفي مطبوعة «الاعتبار»: «خيرات»، وقد يكون مصحفًا عن «حَسَرات». وفي «المؤتلف والمختلف» للدارقطني: «عمرات»، ولعله تصحيف «غمرات». وفيه أيضًا: «إسحاق بن عبيد الله» في موضع «إسحاق بن طلحة».
[ ٤ / ٢٧٣ ]
في الكتب أنَّه ليس من أهل بيتٍ يعيشون في حَبْرة إلا سيُعْقَبون بعدها عَبْرةً، وأنَّ الدَّهر لم يظهر لقومٍ بيومٍ يحبُّونه، إلا بطَن لهم بيومٍ يكرهونه. ثمَّ قالت:
فبينا نسوسُ النَّاسَ والأمرُ أمرُنا إذا نحن فيهم سُوقةٌ نتنصَّف (^١)
فأفٍّ لدنيا لا يدوم نعيمُها تقلَّبُ تاراتٍ بنا وتصرَّفُ (^٢)
ومن علاجها: أن يعلم أنَّ الجزَع لا يردُّها، بل يضاعفها. وهو في الحقيقة من تزايد المرض.
ومن علاجها: أن يعلم أنَّ فوتَ ثواب (^٣) الصَّبر والتَّسليم ــ وهو الصَّلاة والرَّحمة والهداية الَّتي ضمنها الله على الصَّبر والاسترجاع ــ أعظمُ من المصيبة في الحقيقة.
ومن علاجها: أن يعلم أنَّ الجزع يُشْمِتُ عدوَّه، ويسوء صديقَه، ويُغضِب ربَّه، ويسرُّ شيطانه، ويُحْبِط أجرَه، ويُضْعِف نفسَه. وإذا صبر واحتسب أنضى شيطانه وردَّه خاسئًا، وأرضى ربَّه، وسرَّ صديقه، وساء عدوَّه، وحمل عن إخوانه وعزَّاهم هو قبل أن يُعزُّوه. فهذا هو الثَّبات
_________________
(١) نتنصَّف: نخدم.
(٢) أخرجه ابن أبي الدُّنيا في «الاعتبار» (١٤). والبيتان في «حماسة أبي تمام» (ص ٣١٠) و«المؤتلف والمختلف» للآمدي (ص ١٤٥) و«مروج الذهب» (٢/ ٧٩) و«الجليس الصالح» (١/ ١٢٤ - ١٢٥).
(٣) لفظ «ثواب» ساقط من د.
[ ٤ / ٢٧٤ ]
والكمال الأعظم، لا لطمُ الخدود وشقُّ الجيوب، والدُّعاء بالويل والثُّبور، والسُّخط على المقدور.
ومن علاجها: أن يعلم أنَّ ما يُعقِبه الصَّبر والاحتساب من اللَّذَّة والمسرَّة أضعافُ ما كان يحصل له ببقاء ما أصيب به لو بقي عليه. ويكفيه من ذلك بيتُ الحمد الذي يبنى له في الجنَّة على حمده لربِّه واسترجاعه. فلينظر: أيُّ المصيبتين أعظم: مصيبة العاجلة، أو مصيبة فوات بيت الحمد في جنَّة الخلد؟
وفي الترمذي (^١) مرفوعًا: «يودُّ ناسٌ يوم القيامة أنَّ جلودهم كانت تُقْرَض بالمقاريض في الدُّنيا لما يرَون من ثواب أهل البلاء».
وقال بعض السَّلف: لولا مصائب الدُّنيا لوردنا القيامة مفاليسَ (^٢).
_________________
(١) برقم (٢٤٠٢) من طريق عبد الرَّحمن بن مغراء، عن الأعمش، عن أبي الزُّبير، عن جابر - ﵁ - بنحوه. وأخرجه أيضًا ابن أبي الدُّنيا في «المرض» (٢٠٢)، والطَّبراني في «الصَّغير» (٢٤١)، وغيرهما. قال التِّرمذيُّ: «حديث غريبٌ، لا نعرفه بهذا الإسناد إلَّا من هذا الوجه، وقد روى بعضُهم هذا الحديثَ عن الأعمش، عن طلحة بن مصرِّف، عن مسروق قولَه شيئًا من هذا»، وفي «تاريخ دمشق» (٣٥/ ٤٥٧): «حديثٌ منكر، لا أصلَ له من حديث أبي الزُّبير، ولا من حديث الأعمش، ولا يُعرف للأعمش سماع من أبي الزُّبير، ولا رواية من وجه يصحُّ»، وبالغ ابن الجوزيِّ فذكره في «الموضوعات» (٣/ ٢٠٢)، وقال النَّوويُّ في «الخلاصة» (٢/ ٨٩٨): «إسنادُه فيه ضعف»؛ وذلك لأنَّهم تكلَّموا في حديث ابن مغراء عن الأعمش، ومع ذلك صحَّحه الضِّياء كما في «اللَّآلئ المصنوعة» (٢/ ٣٣٤)، وله شاهدٌ حسَّنه به الألبانيُّ في «السِّلسلة الصَّحيحة» (٢٢٠٦).
(٢) أخرجه أبو نعيم في «الحلية» (١٠/ ١٦٤)، والبيهقيُّ في «الشُّعب» (٩٥٢١)، من كلام إبراهيم المقري. وذكره ابن الجوزيِّ في «صفة الصَّفوة» (٤/ ٣٨) من كلام أمِّ إبراهيم العابدة.
[ ٤ / ٢٧٥ ]
ومن علاجها: أن يروِّح قلبه برَوْحِ رجاء الخَلَف من اللَّه، فإنَّه من كلِّ شيءٍ عوضٌ إلا اللَّه، فما منه عوضٌ كما قيل:
من كلِّ شيءٍ إذا ضيَّعتَه عوضٌ وما من الله إن ضيَّعته عوضُ (^١)
ومن علاجها: أن يعلم أنَّ حظَّه من المصيبة ما تُحْدِثه له، فمن رضي فله الرِّضى، ومن سَخِط فله السُّخط. فحظُّك منها ما أحدَثَتْه لك، فاختَرْ خيرَ الحظوظ أو شرَّها. فإن أحدثَتْ له سخطًا وكفرًا كُتِبَ في ديوان الهالكين. وإن أحدثت له جزعًا وتفريطًا في ترك واجبٍ أو فعل محرَّمٍ كُتِبَ في ديوان المفرِّطين. وإن أحدثَتْ له شكايةً وعدم صبرٍ كُتِب في ديوان المغبونين. وإن أحدثَتْ له اعتراضًا على الله وقدحًا في حكمته، فقد قرَع بابَ الزَّندقة أو وَلَجه. وإن أحدثَتْ له صبرًا وثباتًا للَّه كُتِبَ في ديوان الصَّابرين. وإن أحدثت له الرِّضى عن اللَّه كُتِب في ديوان الرَّاضين. وإن أحدثَتْ له الحمد والشُّكر كُتِبَ في ديوان الشَّاكرين، وكان تحت لواء الحمد مع الحمَّادين (^٢). وإن أحدثَتْ له محبَّةً واشتياقًا إلى لقاء ربِّه كُتِبَ في ديوان المحبِّين المخلصين.
وفي «مسند الإمام أحمد» والتِّرمذيِّ (^٣) من حديث محمود بن لبيدٍ
_________________
(١) لم أقف على قائله. وقد أنشده المؤلف في «الداء والدواء» (ص ١٧٣، ٤٦٢) و«مفتاح دار السعادة» (٢/ ١١٦٩). وانظر: «طبقات الشافعية» للسبكي (٨/ ٢٢٨).
(٢) ز، ث، ل، ن: «الحامدين».
(٣) «مسند أحمد» (٢٣٦٢٣، ٢٣٦٣٣، ٢٣٦٤١)، ولفظه: «إنَّ الله إذا أحبَّ قومًا ابتلاهم، فمن صبر فله الصَّبر، ومن جزع فله الجزع»، ولم يخرجه التِّرمذيُّ من حديث محمود. وأخرجه أيضًا ابن شاهين في «فضائل الأعمال» (٢٧٤)، والبيهقيُّ في «الشُّعب» (٩٣٢٧). ورجاله ثقات، إلَّا أنَّ محمودًا اختُلف فى سماعه من النَّبيِّ - ﷺ -، وقد رآه وهو صغير. وحكم البيهقيُّ في «الآداب» (ص ٢٩٥) بإرساله، وحسَّن إسناده الدِّمياطيُّ في «المتجر الرَّابح» (٢٩٥)، وابن مفلح في «الآداب الشَّرعيَّة» (٢/ ١٩٠). وأمَّا اللَّفظ الَّذي ذكره المصنِّف فأخرجه التِّرمذيُّ (٢٣٩٦)، وابن ماجه (٤٠٣١)، وغيرهما من حديث أنس - ﵁ -، قال التِّرمذيُّ: «حديث حسن غريب من هذا الوجه»، وهو في «السِّلسلة الصَّحيحة» (١٤٦).
[ ٤ / ٢٧٦ ]
يرفعه «إنَّ الله إذا أحبَّ قومًا ابتلاهم. فمن رضي فله الرِّضى، ومن سَخِط فله السُّخط». زاد أحمد: «ومَن جَزِع فله الجزَع».
ومن علاجها: أن يعلم أنَّه وإن بلغ في الجزع غايتَه فآخرُ أمره إلى صبر الاضطرار، وهو غير محمودٍ ولا مثابٍ.
قال بعض الحكماء: العاقل يفعل في أوَّل يومٍ من المصيبة ما يفعله الجاهل بعد أيَّامٍ (^١). ومن لم يصبر صبرَ الكرام سلا سلوَّ البهائم (^٢).
وفي الصَّحيح (^٣) مرفوعًا: «الصَّبر عند الصَّدمة الأولى».
وقال الأشعث بن قيسٍ: إنَّك إن صبرتَ إيمانًا واحتسابًا وإلَّا سلوتَ سلوَّ البهائم (^٤).
_________________
(١) أورده المؤلف في «عدة الصابرين» (ص ٩٤) بنحوه. وانظر: «عيون الأخبار» (٣/ ٥٦) و«الثبات عند الممات» لابن الجوزي (ص ٣٣) و«تسلية أهل المصائب» (ص ١٢٨، ١٥١).
(٢) ذكر المؤلف هذه الفقرة في «عدة الصابرين» مفصولة عن السابقة كأنهما لقائلين.
(٣) أخرجه البخاري (١٢٨٣) ومسلم (٩٢٦) من حديث أنس بن مالك.
(٤) كذا في «ذمّ الهوى» لابن الجوزيِّ (ص ٥٩). ولكنه عزاه في: «الثَّبات عند الممات» (ص ٣٣) إلى علي بن أبي طالب، قاله للأشعث بن قيس. وأخرجه المدائنيُّ في «التَّعازي» (١٠٢)، وابن أبي خيثمة في أخبار المكِّيِّين من «تاريخه» (٣٧٤، ٨٨٤)، من كلام ابن جريج بنحوه. قال ابن عبد ربه في «العقد» (٣/ ٣٠٣): «هذا الكلام لعلي بن أبي طالب يعزِّي الأشعث بن قيس في ابن له. ومنه أخذ ابن جريج». وقد ذكره حبيب ــ يعني أبا تمام ــ في شعره (٣/ ٢٥٩) فقال: وقال عليٌّ في التعازي لأشعثٍ وخاف عليه بعضَ تلك المآثمِ أتصبر للبلوى عزاءً وحسبةً فتؤجر أم تسلو سلوَّ البهائمِ
[ ٤ / ٢٧٧ ]
ومن علاجها: أن يعلم أنَّ أنفعَ الأدوية له موافقةُ ربِّه وإلهه فيما أحبَّه ورضيه له، وأنَّ خاصِّيَّة المحبَّة وسرَّها موافقةُ المحبوب. فمن ادَّعى محبَّة محبوبٍ ثمَّ سخِط ما يحبُّه وأحبَّ ما يُسْخِطه، فقد شهد على نفسه بكذبه، وتمقَّتَ إلى محبوبه.
قال أبو الدَّرداء: إنَّ الله إذا قضى قضاءً أحبَّ أن يُرضى به (^١).
وكان عمران بن حُصينٍ يقول في علَّته: أحبُّه إليَّ أحبُّه إليه (^٢). وكذلك قال أبو العالية (^٣).
_________________
(١) أخرجه ابن أبي الدُّنيا في «الرِّضا عن الله» (٦، ٤٧) وفي «المحتضرين» (١٢٥)، وابن زبر في «وصايا العلماء» (ص ٥٥ - ٥٦).
(٢) أخرجه ابن المبارك في «الزُّهد» (٤٦١، ٤٦٢)، وابن سعد في «الطَّبقات» (٤/ ٤٩٠)، وابن أبي شيبة (٣٥٨٣٨)، وأحمد في «الزُّهد» (٨٠٤)، وابن أبي الدُّنيا في «الرِّضا عن الله» (٦٠، ٦١)، والطَّبراني في «الكبير» (١٨/ ١٠٤)، والبيهقيُّ في «الشُّعب» (٩٤٩٩، ٩٥٠٠). قال الهيثميُّ في «المجمع» (٢/ ٣٠٢): «رواه الطَّبراني في الكبير، وإسناده حسن».
(٣) أخرجه ابن أبي الدُّنيا في «الرِّضا عن الله» (٣٩)، وفي «المرض» (٢٠٦)، وفي «المحتضرين» (٣٠٨).
[ ٤ / ٢٧٨ ]
وهذا دواءٌ وعلاجٌ لا يعمل إلا مع المحبِّين، ولا يمكن كلَّ أحدٍ أن يتعالج به.
ومن علاجها: أن يوازن بين أعظم اللَّذَّتين والتمتُّعَين (^١) وأدوَنِهما (^٢): لذَّة تمتُّعه بما أصيب به، ولذَّة تمتُّعه بثواب الله له. فإن ظهر له الرُّجحانُ، فآثر الرَّاجحَ، فليحمد الله على توفيقه. وإن آثر المرجوحَ من كلِّ وجهٍ، فليعلم أنَّ مصيبته في عقله وقلبه ودينه أعظَمُ من مصيبته الَّتي أصيب بها في دنياه.
ومن علاجها: أن يعلم أنَّ الذي ابتلاه بها (^٣): أحكم الحاكمين، وأرحم الرَّاحمين؛ وأنَّه سبحانه لم يرسل إليه البلاء لِيُهلكه به، ولا ليعذِّبه (^٤)، ولا ليجتاحَه. وإنَّما افتقده به ليمتحن صبرَه ورضاه عنه وإيمانه، وليسمعَ تضرُّعه وابتهالَه، وليراه طريحًا ببابه، لائذًا بجنابه، مكسورَ القلب بين يديه، رافعًا قصصَ الشَّكوى إليه.
قال الشيخ عبد القادر: يا بُنيَّ، إنَّ المصيبة ما جاءت لِتُهلكك، وإنَّما جاءت لتمتحن صبرك وإيمانك. يا بُنيَّ، القدرُ سَبُعٌ، والسَّبُع لا يأكل الميتة (^٥).
والمقصود: أنَّ المصيبة كِيرُ العبد الذي يُسبَك به حاصله، فإمَّا أن يخرج
_________________
(١) ث: «النعمتين». وفي ل: «النعيمين»، وكلاهما تصحيف.
(٢) هذا في الأصل (ف) وس. وفي غيرهما والنسخ المطبوعة: «وأدومهما» من الدوام، ولعله تصحيف.
(٣) بعده في ز: «هو»، وأخشى أن يكون زيادة من بعض القراء.
(٤) في ث، ل بعده زيادة: «به».
(٥) لم أجده. وفي تشبيه القدر بالسبع نظر.
[ ٤ / ٢٧٩ ]
ذهبًا أحمر، وإمَّا أن يخرج خَبَثًا كلُّه كما قيل:
سبكناه ونحسبه لُجَينًا فأبدى الكِيرُ عن خَبَث الحديدِ (^١)
فإن لم ينفعه هذا الكِيرُ في الدُّنيا، فبين يديه الكِيرُ الأعظم. فإذا علم العبد أنَّ إدخاله كِيرَ الدُّنيا ومَسْبِكَها خيرٌ له من ذلك الكِيرُ والمَسْبِك، وأنَّه لا بدَّ من أحد الكِيرَين، فليعلم قدرَ نعمة الله عليه في الكِير العاجل.
ومن علاجها: أن يعلم أنَّه لولا محن الدُّنيا ومصائبها لأصاب العبدَ من أدواء الكِبْر والعُجْب والفَرعنة وقسوة القلب، ما هو سبب هلاكه عاجلًا وآجلًا. فمن رحمة أرحم الرَّاحمين أن يتفقَّده في الأحيان بأنواعٍ من أدوية المصائب تكون حِمْيةً له من هذه الأدواء، وحفظًا لصحَّة عبوديَّته، واستفراغًا للموادِّ الفاسدة الرَّديَّة المهلكة منه. فسبحان من يرحم ببلائه، ويبتلي بنعمائه كما قيل:
قد يُنعِم الله بالبلوى وإن عظمت ويبتلي الله بعضَ القوم بالنِّعم (^٢)
فلولا أنَّه سبحانه يداوي عبادَه بأدوية المحن والابتلاء لطغَوا وبغَوا وعتَوا. والله سبحانه إذا أراد بعبده (^٣) خيرًا سقاه دواءً من الابتلاء والامتحان على قدر حاله يستفرغ به منه (^٤) الأدواءَ المهلكةَ، حتَّى إذا هذَّبه ونقَّاه وصفَّاه أهَّله لأشرف مراتب الدُّنيا وهي عبوديَّته، وأرفعِ ثواب الآخرة وهو رؤيته وقربه.
_________________
(١) البيت دون عزو في «عيون الأخبار» (٢/ ٤) و«العقد» (٣/ ٤٥٥) و«الصداقة والصديق» (ص ٢٠٨) و«التمثيل والمحاضرة» (ص ٢٨٨).
(٢) البيت لأبي تمام من قصيدة له في «ديوانه» (٣/ ٢٨٠).
(٣) ث، ل، ن: «بعبد». وكذا في النسخ المطبوعة.
(٤) ث، ل: «من».
[ ٤ / ٢٨٠ ]
ومن علاجها: أن يعلم أنَّ مرارة الدُّنيا هي بعينها حلاوة الآخرة يقلبها الله سبحانه كذلك، وحلاوة الدُّنيا هي بعينها مرارة الآخرة، ولَأن ينتقل من مرارةٍ منقطعةٍ إلى حلاوةٍ دائمةٍ خيرٌ له من عكس ذلك. فإن خفي عليك هذا (^١)، فانظر إلى قول الصَّادق المصدوق: «حُفَّت الجنَّةُ بالمكاره، وحُفَّت النَّارُ بالشَّهوات» (^٢).
وفي هذا المقام تفاوتت عقول الخلائق، وظهرت حقائق الرِّجال. فأكثرهم آثَرَ الحلاوةَ المنقطعة على الحلاوة الدَّائمة الَّتي لا تزول، ولم يحتمل مرارة ساعةٍ لحلاوة الأبد، ولا ذلَّ ساعةٍ لعزِّ الأبد، ولا محنةَ ساعةٍ لعافية الأبد؛ فإنَّ الحاضرَ عنده شهادةٌ، والمنتظَر غيبٌ، والإيمانَ ضعيفٌ، وسلطانَ الشَّهوة حاكمٌ. فتولَّد من ذلك إيثارُ العاجلة، ورفضُ الآخرة. وهذا حال النَّظر الواقع على ظواهر الأمور وأوائلها ومبادئها. وأمَّا النَّظر الثَّاقب الذي يخرق حُجُبَ العاجلة، ويجاوزه إلى العواقب والغايات، فله شأنٌ آخر.
فادعُ نفسَك إلى ما أعدَّ الله لأوليائه وأهل طاعته من النَّعيم المقيم والسَّعادة الأبديَّة والفوز الأكبر، وما أعدَّ لأهل البطالة والإضاعة من الخزي والعذاب (^٣) والحسرات الدَّائمة، ثمَّ اختر أيّ القسمين أليق بك. وكلٌّ يعمل على شاكلته، وكلُّ أحدٍ يصبو إلى ما يناسبه وما هو الأولى به.
ولا تستطِلْ هذا العلاجَ، فشدَّةُ الحاجة إليه من الطَّبيب والعليل دعت إلى بسطه. وباللَّه التَّوفيق.
_________________
(١) ز، د: «ذلك».
(٢) أخرجه مسلم (٢٨٢٢) من حديث أنس.
(٣) ن: «العقاب».
[ ٤ / ٢٨١ ]
فصل
في هديه في علاج الكرب والهمّ والغمّ والحزن
أخرجا في «الصَّحيحين» (^١) من حديث ابن عبَّاسٍ أنَّ رسول الله - ﷺ - كان يقول عند الكرب: «لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله ربُّ العرش العظيم، لا إله إلا الله ربُّ السَّماوات والأرض ربُّ العرش الكريم».
وفي «جامع الترمذي» (^٢) عن أنسٍ أنَّ النبيَّ - ﷺ - كان إذا حَزَبه (^٣) أمرٌ قال: «يا حيُّ يا قيُّوم، برحمتك أستغيث».
وفيه (^٤) عن أبي هريرة أنَّ النَّبيَّ - ﷺ - كان إذا أهَّمه الأمرُ رفع طرفه إلى السَّماء، فقال: «سبحان الله العظيم». وإذا اجتهد في الدُّعاء قال: «يا حيُّ، يا قيُّوم».
_________________
(١) البخاري (٦٣٤٦) ومسلم (٢٧٣٠).
(٢) برقم (٣٥٢٤) ولفظه: «إذا كربه أمر»، وقال: «هذا حديث غريبٌ». وأخرجه أيضًا ابن السُّنِّيِّ في «عمل اليوم واللَّيلة» (٣٣٧). قال ابن حجر في «نتائج الأفكار» (٢/ ٤٠٩): «في سنده يزيد بن أبان الرَّقَاشيُّ وهو ضعيفٌ»، وله شاهد من حديث ابن مسعود - ﵁ -، قوَّاه به الألبانيُّ في «السِّلسلة الصَّحيحة» (٣١٨٢).
(٣) د: «أحزنه».
(٤) برقم (٣٤٣٦) وقال: «هذا حديثٌ غريب». وأخرجه أيضًا أبو يعلى (٦٥٤٥، ٦٥٤٦) ــ وعنه ابن السُّنِّيِّ في «عمل اليوم واللَّيلة» (٣٣٨) ــ، وابن عديٍّ في «الكامل» (١/ ٣٧٦) مقتصرًا على شطره الأوَّل، والبيهقيُّ في «الدَّعوات الكبير» (٢٢٩) مقتصرًا على شطره الثَّاني. قال ابن القيسرانيِّ في «الذخيرة» (٣/ ١٧٤٥): «فيه إبراهيم بن الفضل متروك»، وضعَّف إسناده ابن مفلح في «الآداب الشَّرعيَّة» (١/ ١٦٦)، وهو في «السِّلسلة الضَّعيفة» (٦٣٤٥).
[ ٤ / ٢٨٢ ]
وفي «سنن أبي داود» (^١) عن أبي بَكْر الصِّدِّيق (^٢) أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: «دعوات المكروب: اللَّهمَّ رحمتَك أرجو (^٣)، فلا تكِلْني إلى نفسي طرفةَ عينٍ. وأصلِحْ لي شأني كلَّه، لا إله إلا أنت».
وفيها (^٤) أيضًا عن أسماء بنت عُمَيس قالت: قال لي رسول الله - ﷺ -: «ألا أعلِّمكِ كلماتٍ تقوليهنَّ (^٥) عند الكَرْب ــ أو في الكَرْب ــ: الله ربِّي لا أُشْرِك به شيئًا». وفي روايةٍ: أنَّها تقال سبع مرَّاتٍ (^٦).
_________________
(١) برقم (٥٠٩٠). وأخرجه أيضًا النَّسائيُّ في «الكبرى» (١٠٤١٢)، والطَّيالسيُّ (٨٦٩)، وابن أبي شيبة (٢٩٧٦٤)، وأحمد (٢٠٤٣٠)، والبخاريُّ في «الأدب المفرد» (٧٠١)، وغيرهم عن أبي بكرة - ﵁ -، وصحَّحه ابن حبَّان (٩٧٠)، والإشبيليُّ في «الأحكام الصُّغرى» (٢/ ٨٩٨ - ٨٩٩)، وحسَّنه ابن حجر كما في «الفتوحات الرَّبَّانيَّة» (٤/ ٨)، والهيثميُّ في «المجمع» (١٠/ ١٩٧)، والألباني في «الإرواء» (٣/ ٣٥٧).
(٢) كذا في جميع النسخ الخطية والمطبوعة إلا طبعة الرسالة التي أثبتت دون تنبيه: «أبي بكرة»، وهذا هو الصواب.
(٣) د: «نرجو».
(٤) برقم (١٥٢٥). وأخرجه أيضًا النَّسائيُّ في «الكبرى» (١٠٤٠٨، ١٠٤١٠)، وابن ماجه (٣٨٨٢)، وابن أبي شيبة (٢٩٧٦٦)، وأحمد (٢٧٠٨٢)، وغيرهم، واختُلف في إسناده، وحسَّنه ابن حجر كما في «الفتوحات الرَّبَّانيَّة» (٤/ ٩)، وصحَّحه الألبانيُّ في «السِّلسلة الصَّحيحة» (٦/ ٥٩٣). وفي الباب عن ابن عبَّاس وأنس وعائشة - ﵃ -.
(٥) كذا في النسخ الخطية والمطبوعة بحذف نون الرفع.
(٦) هذه رواية النَّسائيِّ في «الكبرى» (١٠٤١١)، والطَّبراني في «الدُّعاء» (١٠٢٦)، وهي مُرسلةٌ.
[ ٤ / ٢٨٣ ]
وفي «مسند الإمام أحمد» (^١) عن ابن مسعودٍ عن النَّبيِّ - ﷺ - قال: «ما أصاب عبدًا همٌّ ولا حزنٌ، فقال: اللَّهمَّ إنِّي عبدُك، ابنُ عبدك، ابنُ أمتك؛ ناصيتي بيدك، ماضٍ فيَّ حكمُك، عدلٌ فيَّ قضاؤك؛ أسألك بكلِّ اسمٍ هو لك، سمَّيت به نفسَك، أو أنزلتَه في كتابك، أو علَّمتَه أحدًا من خلقك، أو استأثرتَ به في علم الغيب عندك= أن تجعل القرآن العظيم ربيعَ قلبي، ونورَ صدري، وجِلاءَ حزني، وذَهابَ همِّي= إلا أذهبَ الله حزنَه وهمَّه، وأبدله مكانه فرحًا».
وفي «الترمذي» (^٢) عن سعد بن أبي وقَّاصٍ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «دعوة ذي النُّون إذ دعا ربَّه وهو في بطن الحوت: لا إله إلا أنت سبحانك إنِّي كنت من الظَّالمين. لم يدعُ بها رجلٌ مسلمٌ في شيءٍ قطُّ إلا استجيب له».
وفي روايةٍ: «إنِّي لأعلم كلمةً لا يقولها مكروبٌ إلا فرَّج الله عنه: كلمةَ أخي يونس» (^٣).
_________________
(١) برقم (٣٧١٢، ٤٣١٨). وأخرجه أيضًا ابن أبي شيبة (٢٩٩٣٠)، وأبو يعلى (٥٢٩٧)، والطَّبراني في «الكبير» (١٠٣٥٢)، والحاكم (١/ ٥٠٩). وصحَّحه ابن حبَّان (٩٧٢)، والمصنِّف في «أعلام الموقِّعين» (١/ ٣٢٥) وفي غيره، وحسَّنه ابن حجر كما في «الفتوحات الرَّبَّانيَّة» (٤/ ١٣)، وهو في «السِّلسلة الصَّحيحة» (١٩٩). وفي الباب عن أبي موسى - ﵁ -.
(٢) برقم (٣٥٠٥). وأخرجه أيضًا النَّسائيُّ في «الكبرى» (١٠٤١٧)، وأحمد (١٤٦٢)، والبزَّار (١١٨٦)، وأبو يعلى (٧٧٢)، والطَّبراني في «الدُّعاء» (١٢٤)، وغيرهم. وفي إسناده بعضُ الاختلاف، وصحَّحه الحاكم (١/ ٥٠٤، ٢/ ٣٨٤، ٥٨٢)، والضِّياء في «المختارة» (١٠٤١، ١٠٤٢)، وحسَّنه ابن حجر كما في «الفتوحات الرَّبَّانيَّة» (٤/ ١١)، وهو في «السِّلسلة الصَّحيحة» (١٧٤٤). وله طرقٌ عن سعدٍ - ﵁ -.
(٣) هذه رواية أبي يعلى في «المعجم» (٢٦٣)، وعنه ابن السُّنِّيِّ في «عمل اليوم واللَّيلة» (٣٤٣)، وابن عديٍّ في «الكامل» (٦/ ٢٥٧). وإسنادها ضعيفٌ جدًّا؛ فيه عمرو بن الحصين العقيليُّ شيخ أبي يعلى، وهو متروكٌ.
[ ٤ / ٢٨٤ ]
وفي «سنن أبي داود» (^١) عن أبي سعيدٍ الخدريِّ قال: دخل رسول الله - ﷺ - ذات يومٍ المسجدَ، فإذا هو برجلٍ من الأنصار يقال له أبو أمامة، فقال: «يا أبا أمامة، مالي أراك في المسجد في غير وقت الصَّلاة؟». فقال: همومٌ لزمتني وديونٌ يا رسول الله. فقال: «ألا أعلِّمك كلامًا إذا أنت قلته أذهَبَ الله ﷿ همَّك وقضى دينَك؟». قال: قلت: بلى يا رسول الله. قال: «قل إذا أصبحت وإذا أمسيت: اللَّهمَّ إنِّي أعوذ بك من الهمِّ والحَزَن، وأعوذ بك من العَجْز والكسَل، وأعوذ بك من الجبن والبخل، وأعوذ بك من غلَبة الدَّين وقهر الرِّجال». قال: ففعلتُ ذلك، فأذهب الله ﷿ همِّي، وقضى عنِّي دَيني.
وفي «سنن أبي داود» (^٢) عن ابن عبَّاسٍ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من لزم
_________________
(١) برقم (١٥٥٥)، ومن طريقه البيهقيُّ في «الدَّعوات الكبير» (٣٠٥). وإسناده ضعيف؛ فيه غسَّان بن عوف ضعَّفه غير واحد، وقال أبو داود كما في «سؤالات الآجرِّيِّ» (٢/ ١٠١): «شيخ بصريٌّ، وهذا حديث غريب». وانظر: «نتائج الأفكار» (٢/ ٣٩٧) و«ضعيف سنن أبي داود» (٢٧٢/ ٢). ولكن قد ثبت عند البخاري (٢٨٩٣) من حديث أنس أن النبي - ﷺ - كان يُكثر الاستعاذة من الأمور المذكورة.
(٢) برقم (١٥١٨). وأخرجه أيضًا النَّسائيُّ في «الكبرى» (١٠٢١٧)، وابن ماجه (٣٨١٩)، وأحمد (٢٢٣٤)، والطَّبراني في «الأوسط» (٦٢٩١)، وغيرهم. وصحَّحه الحاكم (٤/ ٢٦٢)، والإشبيليُّ في «الأحكام الصُّغرى» (٢/ ٨٩٢)، وتُعُقِّبا؛ لأنَّ في إسناده الحَكَم بن مصعب وهو مجهول. وضعَّفه البغويُّ في «شرح السنة» (٥/ ٧٩)، والذَّهبيُّ في «المهذَّب» (٣/ ١٢٧٨)، وهو في «السِّلسلة الضَّعيفة» (٧٠٥). وأمَّا ابن حجر فحكم بجهالة الحَكَم في «التَّقريب» (١٤٦٩)، وقوَّى أمره في «الأمالي المطلقة» (ص ٢٥، ٢٥١ - ٢٥٢) بإخراج النَّسائيِّ له، فحسَّن الحديث.
[ ٤ / ٢٨٥ ]
الاستغفارَ جعل الله له من كلِّ همٍّ فَرَجًا، ومن كلِّ ضيقٍ مخرجًا، ورزَقه من حيث لا يحتسب».
وفي «المسند» (^١) أنَّ النَّبيَّ - ﷺ - كان إذا حزَبه (^٢) أمرٌ فزع إلى الصَّلاة.
وقد قال تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ [البقرة: ٤٥].
وفي «السُّنن» (^٣): «عليكم بالجهاد، فإنَّه بابٌ من أبواب الجنَّة يدفع الله به عن النُّفوس الهمَّ والغمَّ».
ويذكر عن ابن عبَّاسٍ عن النَّبيِّ - ﷺ -: «من كثرت همومه وغمومه فليُكْثِرْ من قول (^٤) لا حول ولا قوَّة إلا باللَّه» (^٥).
_________________
(١) برقم (٢٣٢٩٩) من حديث حذيفة - ﵁ -. وأخرجه أيضًا أبو داود (١٣١٩)، والبيهقيُّ في «الشُّعب» (٢٩١٢، ٢٩١٣)، وهو عندهم جميعًا بلفظ: «إذا حزبه أمرٌ صلَّى»، واللَّفظ الذي ذكره المصنِّف أخرجه الطَّبريُّ في «تفسيره» (١/ ٦١٨). وفي إسناده اختلاف، ويُروى مرسلًا، وصحَّحه أبو عوانة (٦٨٤٢)، وحسَّن إسناده ابن حجر في «الفتح» (٣/ ١٧٢).
(٢) حط، د: «أحزنه».
(٣) «السُّنن الكبرى» للبيهقيِّ (٢٠/ ٩، ١٠٣) من حديث عبادة بن الصَّامت - ﵁ -. وأخرجه أيضًا أحمد (٢٢٧١٩)، والشَّاشيُّ (١١٧٤)، وغيرهما. وفي إسناده اختلاف، وصحَّحه ابن حبان (٤٨٥٥)، والحاكم (٢/ ٧٤ - ٧٥)، والضِّياء في «المختارة» (٨/ ٢٩١، ٢٩٢، ٢٩٥، ٢٩٧)، وهو في «السِّلسلة الصَّحيحة» (١٩٤١).
(٤) «من قول» ساقط من د.
(٥) كذا في كتاب الحموي (ص ٣١٦) عن عكرمة عن ابن عباس، ولعل المؤلف عنه صدَر. وتكملته عنده: «والذي نفس محمد بيده، إنَّ لا حول ولا قوة إلا بالله شفاء من سبعين داء، أدناها الهمّ والغم والحزن»، وقال: «رواه ابن الجوزي». وانظر مخطوطه (ق ٩١). والأثر أخرجه ابن شاهين بنحوه في «الترغيب في فضائل الأعمال» (٣٤١) عن تميم بن عذلم عن ابن عباس مرفوعًا بلفظ: «من قال لا حول ولا قوة إلا بالله= صرف الله عنه سبعين بابًا من البلاء، أهونهن الهم والغم». إسناده مسلسل بالضعفاء. وبنحوه أخرج الطبراني في «الأوسط» (٦٥٥٥) و«الدعاء» (١٧٩٣) من حديث أبي هريرة - ﵁ - مرفوعًا: «من كثرت همومه فليستغفر الله، ومن أبطأ عنه رزقه فليكثر من قول: لا حول ولا قوة إلا بالله»، قال الذهبي في «الميزان» (٤/ ٤٧٨): «خبر باطل». وبنحوه روي عن غير واحد من الصحابة بأسانيد واهية.
[ ٤ / ٢٨٦ ]
وثبت في «الصَّحيحين» (^١) أنَّها كنزٌ من كنوز الجنَّة.
وفي «الترمذي» (^٢) أنَّها بابٌ من أبواب الجنَّة.
هذه الأدوية تتضمَّن خمسة عشر نوعًا من الدَّواء، فإن لم تَقْوَ على إذهاب داء الهمِّ والغمِّ والحزن، فهو داءٌ قد استحكم، وتمكَّنت أسبابه، ويحتاج إلى استفراغٍ كلِّيٍّ:
الأوَّل: توحيد الرُّبوبيَّة.
الثَّاني: توحيد الإلهيَّة.
الثَّالث: التَّوحيد العلميُّ الاعتقاديُّ.
_________________
(١) البخاري (٤٢٠٥) ومسلم (٢٧٠٤) من حديث أبي موسى الأشعري - ﵁ -.
(٢) برقم (٣٥٨١) من حديث قيس بن سعد - ﵁ -، وقال: «هذا حديث صحيحٌ غريب من هذا الوجه». وأخرجه أيضًا النَّسائيُّ في «الكبرى» (١٠١١٥)، وأحمد (١٥٤٨٠)، والطَّبراني في «الكبير» (١٨/ ٣٥١)، وغيرهم. وصحَّحه الحاكم (٤/ ٢٩٠)، وأُعلَّ بالانقطاع، وله شواهد، وهو في «السِّلسلة الصَّحيحة» (٤/ ٣٥)، وبرقم (١٧٤٦).
[ ٤ / ٢٨٧ ]
الرَّابع: تنزيه الرَّبِّ تعالى عن أن يظلم عبدَه أو يأخذَه بلا سببٍ من العبد يوجب ذلك.
الخامس: اعتراف العبد بأنَّه هو الظَّالم.
السَّادس: التَّوسُّل إلى الرَّبِّ تعالى بأحبِّ الأشياء إليه، وهو أسماؤه وصفاته. ومن أجمعها لمعاني الأسماء والصِّفات: الحيُّ القيُّوم.
السَّابع: الاستعانة به وحده.
الثَّامن: إقرار العبد له بالرَّجاء.
التَّاسع: تحقيق التَّوكُّلِ عليه، والتَّفويضِ إليه، والاعترافِ له بأنَّ ناصيته في يده يصرِّفه كيف يشاء، وأنَّه ماضٍ فيه حكمُه، عدلٌ فيه قضاؤه.
العاشر: أن يُرْتِعَ قلبَه في رياض القرآن ويجعلَه لقلبه كالرَّبيع للحيوان، وأن يستضيء به في ظُلَمِ الشُّبهات والشَّهوات، وأن يتسلَّى به عن كلِّ فائتٍ، ويتعزَّى به عن كلِّ مصيبةٍ، ويستشفي به من أدواء صدره، فيكون جِلاءَ حزنه وشفاءَ همِّه وغمِّه.
الحادي عشر: الاستغفار.
الثَّاني عشر: التَّوبة.
الثَّالث عشر: الجهاد.
الرَّابع عشر: الصَّلاة.
الخامس عشر: البراءةُ من الحول والقوَّة، وتفويضُهما إلى من هما بيده.
[ ٤ / ٢٨٨ ]
فصل
في بيان جهة تأثير هذه الأدوية في هذه الأمراض
خلق الله سبحانه ابنَ آدم وأعضاءه، وجعل لكلِّ عضوٍ منها كمالًا إذا فقَده أحسَّ بالألم، وجعل لمَلِكها ــ وهو القلب ــ كمالًا إذا فقَده حضرته أسقامه وآلامه من الهموم والغموم والأحزان. فإذا فقدت العينُ ما خُلِقت له من قوَّة الإبصار، وفقدت الأذنُ ما خُلِقت له من قوَّة السَّمع، واللَّسانُ ما خُلِق له من قوَّة الكلام= فقدت كمالَها.
والقلبُ خُلِقَ لمعرفة فاطره ومحبَّته وتوحيده، والسُّرور به، والابتهاج بحبِّه، والرِّضا عنه، والتَّوكُّل عليه، والحبِّ فيه والبغض فيه، والموالاة فيه والمعاداة فيه، ودوام ذكره، وأن يكون أحبَّ إليه من كلِّ ما سواه، وأرجى عنده من كلِّ ما سواه، وأجلَّ في قلبه من كلِّ ما سواه، ولا نعيم له ولا سرور (^١) ولا لذَّة بل ولا حياة إلا بذلك. وهذا له بمنزلة الغذاء والصِّحَّة والحياة، فإذا فقدَ غذاءه وصحَّته وحياته فالهموم والغموم والأحزان مسارِعةٌ من كلِّ صَوبٍ إليه، ورَهْنٌ مقيمٌ عليه.
ومن أعظم أدوائه: الشِّرك والذُّنوب والغفلة، والاستهانةُ بمحابِّه ومراضيه، وتركُ التَّفويض إليه، وقلَّةُ الاعتماد عليه، والرُّكونُ إلى ما سواه، والسُّخطُ بمقدوره، والشَّكُّ في وعده ووعيده.
وإذا تأمَّلت أمراض القلب وجدت هذه الأمور وأمثالها هي أسبابها، لا سبب لها سواها. فدواؤه الذي لا دواء له سواه ما تضمَّنته هذه العلاجات
_________________
(١) بعده في ز، د زيادة: «له».
[ ٤ / ٢٨٩ ]
النَّبويَّة من الأمور المضادَّة لهذه الأدواء. فإنَّ المرض يُزَال بالضِّدِّ، والصِّحَّة تُحفَظ بالمثل. فصحَّتُه تُحفَظ بهذه الأمور النَّبويَّة، وأمراضُه بأضدادها.
فالتَّوحيد يفتح للعبد بابَ الخير والسُّرور واللَّذَّة والفرح والابتهاج. والتَّوبةُ استفراغٌ للأخلاط (^١) والموادِّ الفاسدة الَّتي هي سببُ أسقامه، وحِمْيةٌ له من التَّخليط؛ فهي تغلق عنه باب الشُّرور. فيُفْتَح (^٢) بابُ السَّعادة والخير بالتَّوحيد، ويُغْلَق (^٣) بابُ الشُّرور بالتَّوبة والاستغفار.
قال بعض المتقدِّمين من أئمَّة الطِّبِّ: من أراد عافية الجسم فليقلِّل من الشراب والطَّعام، ومن أراد عافية القلب فليترك الآثام.
وقال ثابت بن قُرَّة: راحةُ الجسم في قلَّة الطَّعام، وراحةُ الرُّوح في قلَّة الآثام، وراحةُ اللِّسان في قلَّة الكلام (^٤).
والذُّنوب للقلب بمنزلة السُّموم إن لم تهلكه أضعفته ولا بدَّ، وإذا ضعفت قوَّته لم يقدر على مقاومة الأمراض. قال طبيب القلوب عبد الله بن المبارك (^٥):
_________________
(١) س، حط: «الأخلاط». وفي ث: «واستفراغ الأخلاط»، وهو خطأ.
(٢) في ز، حط، د: «وتفتح»، وهو خطأ من ناسخ ظنَّه معطوفًا على «تغلق». وبعده في ث، ل زيادة: «له».
(٣) بعده في ث، ل زيادة: «عليه».
(٤) «عيون الأنباء» (١/ ٢٩٨).
(٥) من أبيات في «معجم ابن المقرئ» (ص ٣٦٤) و«حلية الأولياء» (٨/ ٢٧٨). وفي كتاب «التوبة» لابن أبي الدنيا (ص ٣٦) أنه كان يتمثل بهما. وانظر: «ديوانه» (ص ١١٤ - ١١٥). وقد أنشدهما المؤلف في «مدارج السالكين» (٣/ ٢٤٧) ومع ثالث في «الداء والدواء» (ص ١٤٧) و«أعلام الموقعين» (١/ ١٦).
[ ٤ / ٢٩٠ ]
رأيتُ الذُّنوبَ تميت القلوب وقد يورث الذُّلَّ إدمانُها
وتركُ الذُّنوبِ حياةُ القلوب وخيرٌ لنفسك عصيانُها
فالهوى أكبر أدوائها، ومخالفتُه أعظم أدويتها. والنَّفس في الأصل خُلِقت جاهلةً ظالمةً، فهي لجهلها تظنُّ شفاءها في اتِّباع هواها، وإنَّما فيه تلفها وعطبها؛ ولظلمها لا تقبل من الطِّبيب النَّاصح، بل تضع الدَّاء موضع الدَّواء فتعتمده، وتضع الدَّواء موضع الدَّاء فتجتنبه. فيتولَّد من بين إيثارها للدَّاء (^١) واجتنابها للدَّواء أنواعٌ من الأسقام والعلل الَّتي تُعْيي الأطبَّاءَ ويتعذَّر معها الشِّفاء.
والمصيبة العظمى أنَّها تُركِّب ذلك على القدر، فتبرِّئ نفسها، وتلوم ربَّها بلسان الحال دائمًا. ويقوى اللَّوم حتَّى يصرِّح به اللِّسان. وإذا وصل العليل إلى هذه الحال، فلا تطمع (^٢) في برئه إلا أن تتداركه (^٣) رحمةٌ من ربِّه، فيحييه حياةً جديدةً، ويرزقه طريقةً حميدةً.
فلهذا كان حديث ابن عبَّاسٍ في دعاء الكرب مشتملًا على توحيد الإلهيَّة والرُّبوبيَّة، ووصفِ الرَّبِّ سبحانه بالعظمة والحلم. وهاتان الصِّفتان مستلزمتان لكمال القدرة والرَّحمة والإحسان والتَّجاوز، ووصفِه بكمال ربوبيَّته للعالم العلويِّ والسُّفليِّ والعرشِ الذي هو سقفُ المخلوقات
_________________
(١) س، د: «الداء».
(٢) ز، س، ل: «يطمع»، وقد غيَّره بعضهم في س إلى «مطمع».
(٣) س، ل، د: «يتداركه».
[ ٤ / ٢٩١ ]
وأعظَمُها. والرُّبوبيَّةُ التَّامَّةُ تستلزم توحيدَه وأنَّه الذي لا تنبغي (^١) العبادة والحبُّ والخوف (^٢) والرَّجاء والإجلال والطَّاعة إلا له. وعظمتُه المطلقةُ تستلزم إثباتَ كلِّ كمالٍ له وسلبَ كلِّ نقصٍ وتمثيلٍ عنه. وحلمُه يستلزم كمالَ رحمته وإحسانه إلى خلقه.
فعلمُ القلب ومعرفتُه بذلك يوجب (^٣) محبَّته وإجلاله وتوحيده، فيحصل له من الابتهاج واللَّذَّة والسُّرور ما يدفع عنه ألمَ الكرب والهمِّ والغمِّ. وأنت تجد المريضَ إذا ورد عليه ما يسرُّه ويُفرحه ويقوِّي نفسه، كيف تقوى الطَّبيعة على دفع المرض الحسِّيِّ! فحصول هذا الشِّفاء للقلب أولى وأحرى.
ثمَّ إذا قابلتَ بين ضيق الكرب وسعة هذه الأوصاف الَّتي تضمَّنها دعاء الكرب وجدتَه في غاية المناسبة لتفريج هذا الضِّيق وخروج القلب منه إلى سعة البهجة والسُّرور. وهذه الأمور إنَّما يصدِّق بها من أشرقت فيه أنوارها وباشر قلبُه حقائقَها.
وفي تأثير قوله: «يا حيُّ يا قيُّوم، برحمتك أستغيث» في دفع هذا الدَّاء مناسبةٌ بديعةٌ، فإنَّ صفةَ الحياة متضمِّنةٌ لجميع صفات الكمال، مستلزمةٌ لها؛ وصفةَ القيُّوميَّة متضمِّنةٌ لجميع صفات الأفعال. ولهذا كان اسم الله الأعظم الذي إذا دُعي به أجاب، وإذا سُئل به أعطى هو اسم «الحيِّ القيُّوم». والحياة
_________________
(١) أهمل حرف المضارع في الأصل (ف) وفي س، ث، ل. وفي حط، ب: «ينبغي». وكلاهما جائز.
(٢) «والخوف» ساقط من د.
(٣) حط، ن: «توجب».
[ ٤ / ٢٩٢ ]
التَّامَّة تضادُّ جميع الآلام والأسقام (^١)، ولهذا لمَّا كملت حياة أهل الجنَّة لم يلحقهم همٌّ ولا غمٌّ ولا حزنٌ ولا شيءٌ من الآفات. ونقصان الحياة يُضرُّ (^٢) بالأفعال، وينافي القيُّوميَّة، فكمالُ القيُّوميَّة بكمال (^٣) الحياة. فالحيُّ المطلقُ التَّامُّ الحياةِ لا تفوته صفةُ كمالٍ (^٤) البتَّة، والقيُّوم لا يتعذَّر عليه فعلٌ ممكنٌ البتَّة. فالتَّوسُّل بصفة الحياة والقيُّوميَّة له تأثيرٌ في إزالة ما يضادُّ الحياة ويضرُّ بالأفعال.
ونظير هذا توسُّل النَّبيِّ - ﷺ - إلى ربِّه بربوبيَّةِ جبريل (^٥) وميكائيل وإسرافيل أن يهديه لما اختُلِف فيه من الحقِّ بإذنه، فإنَّ حياة القلب بالهداية وقد وكَّل الله سبحانه هؤلاء الأملاك الثَّلاثة بالحياة:
فجبريل موكَّلٌ بالوحي الذي هو حياة القلوب. وميكائيل بالقَطْر الذي هو حياة الأبدان والحيوان. وإسرافيل بالنَّفخ في الصُّور الذي هو سبب حياة العالم وعَود الأرواح إلى أجسادها. فالتَّوسُّل إليه سبحانه بربوبيَّة (^٦) هذه الأرواح العظيمة الموكَّلة بالحياة، له تأثيرٌ في حصول المطلوب.
_________________
(١) ن: «الأسقام والآلام».
(٢) في معظم النسخ: «تضُرّ»، وكذا «تنافي» في الجملة الآتية، وكذا في النسخ المطبوعة، وذلك تصحيف، فإن الذي يضر وينافي هو نقصان الحياة لا الحياة.
(٣) ث، ل: «لكمال»، وهو تصحيف.
(٤) د: «الكمال».
(٥) يعني بكونه ربًّا لجبريل. والمصدر مضاف إلى مفعوله كما في قوله الآتي: «بربوبية هذه الأرواح». وفي ث، ل، ن: «بربوبيته».
(٦) ز: «بربوبيته».
[ ٤ / ٢٩٣ ]
والمقصود أنَّ لاسم «الحيِّ القيُّوم» تأثيرًا خاصًّا في إجابة الدَّعوات وكشف الكُرُبات.
وفي السُّنن و«صحيح أبي حاتم» (^١) مرفوعًا: «اسم الله الأعظم في هاتين الآيتين ﴿هُمْ يُنْظَرُونَ (١٦٢) وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا﴾ [البقرة: ١٦٣] وفاتحة آل عمران: ﴿الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [آل عمران: ١ - ٢]». قال الترمذي: حديثٌ صحيحٌ.
وفي السُّنن و«صحيح ابن حبَّان» (^٢) أيضًا: من حديث أنس أنَّ رجلًا دعا فقال: اللَّهمَّ إنِّي أسألك بأنَّ لك الحمد، لا إله إلا أنت، المنَّانُ، بديعُ السَّماوات والأرض، يا ذا الجلال والإكرام، يا حيُّ يا قيُّوم. فقال النَّبيُّ - ﷺ -: «لقد دعا اللهَ باسمه الأعظم الذي إذا دُعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى».
_________________
(١) «سنن التِّرمذي» (٣٤٧٨) من حديث أسماء بنت يزيد - ﵂ -، ولم يعزه ابن حجر في «إتحاف المهرة» (١٦/ ٨٧٢) لابن حبَّان. وأخرجه أيضًا أبو داود (١٤٩٦)، وابن ماجه (٣٨٥٥)، وابن أبي شيبة (٢٩٩٧٦)، وأحمد (٢٧٦١١)، والدَّارمي (٣٤٣٢)، وغيرهم. قال البغوي في «شرح السنة» (٥/ ٣٩): «غريب»، وفي إسناده عبيد الله بن أبي زياد القدَّاح ليس بالقوي. وله شاهد من حديث أبي أمامة - ﵁ -، ذكره الألباني في «السِّلسلة الصَّحيحة» (٧٤٦).
(٢) «سنن أبي داود» (١٤٩٥)، «سنن التِّرمذي» (٣٥٤٤)، «سنن النَّسائي» (١٣٠٠)، «سنن ابن ماجه» (٣٨٥٨)، صحيح ابن حبَّان (٨٩٣). وأخرجه أيضًا أحمد (١٢٢٠٥، ١٢٦١١، ١٣٥٧٠، ١٣٧٩٨)، والبخاريُّ في «الأدب المفرد» (٧٠٥)، وغيرهما. قال التِّرمذي: «هذا حديث غريبٌ من حديث ثابتٍ عن أنس، وقد رُوي مِن غير هذا الوجه عن أنس»، وصحَّحه الحاكم (١/ ٥٠٣ - ٥٠٤)، والضِّياء في «المختارة» (١٥١٤، ١٥٥٢، ١٥٥٣، ١٨٨٤، ١٨٨٥).
[ ٤ / ٢٩٤ ]
ولهذا كان النَّبيُّ - ﷺ - إذا اجتهد في الدُّعاء قال: «يا حيُّ، يا قيُّوم» (^١).
وفي قوله: «اللَّهمَّ رحمَتك أرجو، فلا تكِلْني إلى نفسي طرفةَ عين. وأصلِحْ لي شأني كلَّه، لا إله إلا أنت» من تحقيق الرَّجاء لمن الخير كلُّه بيديه (^٢)، والاعتماد عليه وحده، وتفويض الأمر إليه، والتَّضرُّع إليه أن يتولَّى إصلاحَ شأنه، ولا يكِلَه إلى نفسه، والتَّوسُّل إليه بتوحيده= ما (^٣) له تأثيرٌ قويٌّ في دفع هذا الدَّاء، وكذلك قوله: «اللَّه ربِّي لا أشرك به شيئًا».
وأمَّا حديث ابن مسعودٍ: «اللَّهمَّ إنِّي عبدك، ابن عبدك»، ففيه من المعارف الإلهيَّة وأسرار العبوديَّة ما لا يتَّسع له كتابٌ (^٤)، فإنَّه يتضمَّن الاعترافَ بعبوديَّته وعبوديَّة آبائه وأمَّهاته، وأنَّ ناصيته بيده يصرِّفها كيف يشاء، فلا يملك العبد دونه لنفسه نفعًا ولا ضرًّا، ولا موتًا ولا حياةً ولا نشورًا؛ لأنَّ مَن ناصيتُه بيد غيره فليس إليه شيءٌ من أمره، بل هو عانٍ في قبضته، ذليلٌ تحت سلطان قهره.
وقوله: «ماضٍ فيَّ حكمُك، عدلٌ فيَّ قضاؤك» متضمِّنٌ لأصلين عظيمين عليهما مدار التَّوحيد:
أحدهما: إثبات القدر، وأنَّ أحكام الرَّبِّ تعالى نافذةٌ في عبده، ماضيةٌ فيه
_________________
(١) تقدم تخريجه.
(٢) حط، د: «بيده».
(٣) ن: «مما»، وكذا في النسخ المطبوعة.
(٤) وقد شرحه المؤلف في «شفاء العليل» (ص ٢٧٤ - ٢٧٨) و«الفوائد» (ص ٣٠ - ٣٩، ١٣٥). وانظر: «أعلام الموقعين» (١/ ٣٢٥ - ٣٢٦) و«الداء والدواء» (ص ٤٨١ - ٤٨٢). و«جامع المسائل» لشيخ الإسلام (٩/ ١٣٠ - ١٣٥).
[ ٤ / ٢٩٥ ]
لا انفكاك له عنها، ولا حيلة له في دفعها.
والثَّاني: أنَّه سبحانه عدلٌ في هذه الأحكام، غيرُ ظالمٍ لعبده، بل لا يخرج فيها عن موجَب العدل والإحسان؛ فإنَّ الظُّلم سببُه حاجة الظَّالم أو جهله أو سفهه، فيستحيل صدوره ممَّن هو بكلِّ شيءٍ عليمٌ، ومن (^١) هو غنيٌّ عن كلِّ شيءٍ، وكلُّ شيءٍ فقيرٌ إليه، ومَن هو أحكم الحاكمين، فلا تخرج ذرَّةٌ من مقدوراته عن حكمته وحمده، كما لم تخرج عن قدرته ومشيئته. فحكمته نافذةٌ حيث نفذت مشيئته وقدرته.
ولهذا قال نبيُّ الله هودٌ - ﷺ -، وقد خوَّفه قومه بآلهتهم: ﴿إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٥٤) مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ (٥٥) إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [هود: ٥٤ - ٥٦]. أي مع كونه سبحانه آخذًا بنواصي خلقه وتصريفهم كما يشاء، فهو على صراطٍ مستقيمٍ، لا يتصرَّف فيهم إلا بالعدل والحكمة والإحسان والرَّحمة. فقوله: «ماضٍ فيَّ حكمُك» مطابقٌ لقوله ﴿مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا﴾، وقوله: «عدلٌ فيَّ قضاؤك» مطابقٌ لقوله: ﴿إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.
ثمَّ توسَّل إلى ربِّه بأسمائه الَّتي سمَّى بها نفسَه، ما علِمَ العباد منها وما لم يعلَموا. ومنها ما استأثره في علم الغيب عنده، فلم يُطْلِعْ عليه ملكًا مقرَّبًا ولا نبيَّا مرسلًا. وهذه الوسيلة أعظم الوسائل، وأحبُّها إلى الله، وأقربها تحصيلًا للمطلوب.
_________________
(١) س، ث، ل: «وممن».
[ ٤ / ٢٩٦ ]
ثمَّ سأله أن يجعل القرآن لقلبه كالرَّبيع الذي يرتع فيه الحيوان، وكذلك القرآنُ ربيعُ القلوب؛ وأن يجعله شفاء همِّه وغمِّه، فيكونَ له بمنزلة الدَّواء الذي يستأصل الدَّاء، ويعيد البدنَ إلى صحَّته واعتداله؛ وأن يجعله لحزنه كالجِلاء الذي يجلو الطُّبوعَ (^١) والأصدئةَ وغيرها. فأَحْرِ (^٢) بهذا العلاج إذا صدق العليل في استعماله أن يزيل عنه داءَه، ويُعْقِبَه شفاءً تامًّا وصحَّةً وعافيةً. والله الموفِّق.
وأمَّا دعوة ذي النُّون، فإنَّ فيها من كمال التَّوحيد والتَّنزيه للرَّبِّ تعالى واعترافِ العبد بظلمه وذنبه ما هو من أبلغ أدوية الكرب والهمِّ والغمِّ، وأبلغ الوسائل إلى الله سبحانه في قضاء الحوائج. فإنَّ التَّوحيد والتَّنزيه يتضمَّنان إثباتَ كلِّ كمالٍ للَّه وسلبَ كلِّ نقصٍ وعيبٍ وتمثيلٍ عنه. والاعترافُ بالظُّلم يتضمَّن إيمان العبد بالشَّرع والثَّواب والعقاب، ويوجب انكسارَه ورجوعه إلى الله، واستقالتَه عثرتَه، والاعترافَ بعبوديَّته وافتقاره إلى ربِّه. فهاهنا أربعة أمورٍ قد وقع التَّوسُّل بها: التَّوحيد والتَّنزيه والعبوديَّة والاعتراف.
وأمَّا حديث أبي أمامة: «اللَّهمَّ إنِّي أعوذ بك من الهمِّ والحزن» (^٣)، فقد تضمَّن الاستعاذة من ثمانية أشياء، كلُّ اثنين منها قرينان مزدوجان. فالهمُّ
_________________
(١) جمع الطبَع بفتح الباء، وهو الدنس.
(٢) حط، ن: «فأحرى».
(٣) سبق أن شرح المؤلف هذا الحديث في المجلد الثاني. وانظر أيضًا في شرحه: «بدائع الفوائد» (٢/ ٧١٣ - ٧١٤) و«طريق الهجرتين» (٢/ ٦٠٦ - ٦٠٧) و«مفتاح دار السعادة» (١/ ٣١٢ - ٣١٥) و«روضة المحبين» (ص ٦١ - ٦٢). وقد لخصه من مسألة في تفسير هذا الحديث لشيخ الإسلام. انظر «جامع المسائل» (٩/ ٢٠٩ - ٢١٢).
[ ٤ / ٢٩٧ ]
والحزن أخوان، والعجز والكسل أخوان، والجبن والبخل أخوان، وضلَع الدَّين وغلبة الرِّجال أخوان. فإنَّ المكروه المؤلم إذا ورد على القلب فإمَّا أن يكون سببه أمرًا ماضيًا، فيُوجِب له الحزن. وإن كان من أمرٍ متوقَّعٍ (^١) في المستقبل أوجب الهمَّ. وتخلُّفُ العبد عن مصالحه وتفويتُها عليه إمَّا أن يكون من عدم القدرة وهو العجز، أو من عدم الإرادة وهو الكسل. وحبسُ خيره ونفعه عن نفسه وعن بني جنسه إمَّا أن يكون منعَ نفعِه ببدنه (^٢) فهو الجُبن، أو بماله فهو البخل. وقهرُ النَّاس له إمَّا بحقٍّ فهو ضلَع الدَّين، أو بباطلٍ فهو غلبة الرِّجال. فقد تضمَّن الحديث الاستعاذة من كلِّ شرٍّ.
وأمَّا تأثير الاستغفار في دفع الهمِّ والغمِّ والضِّيق فلما اشترك في العلم به أهلُ الملل وعقلاءُ كلِّ أمَّةٍ أنَّ المعاصي والفساد توجب الهمَّ والغمَّ، والخوف والحزن، وضيق الصَّدر وأمراض القلب، حتَّى إنَّ أهلها إذا قضوا منها أوطارهم وسئمتها نفوسُهم ارتكبوها دفعًا لما يجدونه في صدورهم من الضِّيق والهمِّ والغمِّ (^٣)، كما قال شيخ الفسوق (^٤):
وكأسٍ شربتُ على لذَّةٍ وأخرى تداويتُ منها بها
_________________
(١) حرف «من» ساقط من حط، وفي ن: «أمرًا متوقعًا».
(٢) س، حط، د: «بيديه»، تصحيف.
(٣) «والغم» ساقط من ز.
(٤) يعني أبا نواس، وقد صرَّح باسمه في «الداء والدواء» (ص ١٤٠) إذ قال: «شيخ القوم الحسن بن هانئ». وهو وهْم، فالبيت لأعشى قيس في «ديوانه» (٢/ ١٢ - الرضواني). أما قول «شيخ الفسوق» الذي التبس على المؤلف بالبيت السابق ــ فيما يظهر ــ فهو مطلع قصيدة في «ديوانه» (٣/ ٢ - فاغنر): دع عنك لَومي فإنَّ اللوم إغراءُ وداوِني بالتي كانت هي الدَّاءُ
[ ٤ / ٢٩٨ ]
وإذا كان هذا تأثير الذُّنوب والآثام في القلوب، فلا دواء لها إلا التَّوبة والاستغفار.
وأمَّا الصَّلاة، فشأنُها في تفريح القلب وتقويته وشرحه وابتهاجه ولذَّته أكبرُ شأنٍ. وفيها من اتِّصال القلب والرُّوح باللَّه وقربه، والتَّنعُّمِ بذكره، والابتهاجِ بمناجاته، والوقوفِ بين يديه، واستعمالِ جميع البدن وقواه وآلاته في عبوديَّته، وإعطاءِ كلِّ عضوٍ حظَّه منها، واشتغالِه عن التَّعلُّق بالخلق وملابستهم ومحاوراتهم، وانجذابِ قوى قلبه وجوارحه إلى ربِّه وفاطره وراحته من عدوِّه حالة الصَّلاة= ما صارت به من أكبر الأدوية والمفرِّحات والأغذية الَّتي لا تلائم إلا القلوب الصَّحيحة. وأمَّا القلوب العليلة فهي كالأبدان العليلة لا تناسبها الأغذية الفاضلة (^١).
فالصَّلاة من أكبر العون على تحصيل مصالح الدُّنيا والآخرة، ودفعِ مفاسد الدُّنيا والآخرة. وهي منهاةٌ عن الإثم، ودافعةٌ لأدواء القلوب، ومَطْرَدةٌ للدَّاء عن الجسد، ومنوِّرةٌ للقلب، ومبيِّضةٌ للوجه، ومنشِّطةٌ للجوارح والنَّفس، وجالبةٌ للرِّزق، ودافعةٌ للظُّلم، وناصرةٌ للمظلوم، وقامعةٌ لأخلاط الشَّهوات، وحافظةٌ للنِّعمة، ودافعةٌ للنِّقمة، ومنزلةٌ للرَّحمة (^٢)، وكاشفةٌ للغمَّة، ونافعةٌ من كثيرٍ (^٣) من أوجاع البطن.
_________________
(١) في طبعة الرسالة: «فهي كالأبدان لا تناسبها إلا الأغذية الفاضلة» خلافًا لجميع النسخ الخطية والمطبوعة. وقد أفسد هذا التصرف سياق الكلام وأحال معناه.
(٢) د: «مسقلة للوجه»، تصحيف.
(٣) ز: «لكثير».
[ ٤ / ٢٩٩ ]
وقد روى ابن ماجه في «سننه» (^١) من حديث مجاهد عن أبي هريرة قال: رآني رسول الله - ﷺ -، وأنا نائمٌ أشكو من وجع بطني، فقال لي: «يا أبا هريرة أَشْكَمْ (^٢) دَرْدْ؟». قال: قلت: نعم يا رسول الله. قال: «قُمْ، فصلِّ، فإنَّ في الصَّلاة شفاءً».
وقد روي هذا الحديث موقوفًا على أبي هريرة (^٣)، وأنَّه هو الذي قال ذلك لمجاهد، وهو أشبه. ومعنى هذه اللَّفظة بالفارسيِّ: أيوجعك بطنك؟
فإن لم ينشرح صدر زنديق الأطبَّاء لهذا العلاج، فيخاطَب بصناعة الطِّبِّ ويقال له: الصَّلاة رياضة النَّفس والبدن جميعًا، إذ كانت تشتمل على
_________________
(١) برقم (٣٤٥٨). وأخرجه أيضًا أحمد (٩٠٦٦، ٩٢٤٠)، والعقيليُّ في «الضُّعفاء» (٢/ ٤٨)، وابن حبَّان في «المجروحين» (١/ ٢٩٦)، وابن عديٍّ في «الكامل» (٤/ ٢٢، ٨/ ٢١٨). وضعَّفه ابن الجوزيِّ في «العلل المتناهية» (١/ ١٧٠ - ١٧٢)، والبوصيريُّ في «المصباح» (٤/ ٥٩)، وهو في «السِّلسلة الضَّعيفة» (٢٤٥٢، ٤٠٦٦)، ورجَّح غير واحدٍ وقفه، ورجَّح بعضُهم إرساله.
(٢) كذا في جميع النسخ الخطية والمطبوعة إلا طبعة الرسالة التي غيَّرته إلى «أشِكَمَتْ» كما في «السنن» طبعة محمد فؤاد عبد الباقي. ولعل المؤلف نقل الحديث من كتاب الحموي (ص ٢٦٧). وهذا اللفظ وارد في «العلل المتناهية» وغيره. ولفظ آخر: «أشكنب» أيضًا ورد في «المسند» وغيره. «شِكَمْ» بالفارسية بمعنى البطن وهو بالفهلوية ــ الفارسية القديمة ــ «أشْكَمْ»، و«أشْكَنْب» بإخفاء النون لغة فيه. ولفظ «دَرْد» بمعنى الألم. والتاء في «أَشْكَمَتْ» ضمير المخاطب، يعني: «بطنك». انظر في لفظ «أشكم» و«شكم»: «برهان قاطع» للتبريزي (١/ ١٤٠) حاشية المحقق.
(٣) أخرج الرِّواية الموقوفة العقيليُّ في «الضُّعفاء» (٢/ ٤٨) ــ ومن طريقه ابن الجوزيِّ في «العلل المتناهية» (١/ ١٧٢) ــ، وابن عديٍّ في «الكامل» (٤/ ٢٣).
[ ٤ / ٣٠٠ ]
حركاتٍ وأوضاعٍ مختلفةٍ من الانتصاب والرُّكوع والسُّجود والتَّورُّك (^١) والانتقالات وغيرها من الأوضاع الَّتي يتحرَّك معها أكثرُ المفاصل، وينغمز معها أكثرُ الأعضاء الباطنة، كالمعدة والأمعاء وسائر آلات النَّفس والغذاء. فما (^٢) ينكر أن يكون في هذه الحركات تقويةً وتحليلًا (^٣) للموادِّ، ولا سيَّما بواسطة قوَّة النَّفس وانشراحها في الصَّلاة، فتقوى الطَّبيعة، فتدفَع (^٤) الألمَ (^٥). ولكن داء الزَّندقة والإعراض عمَّا جاءت به الرُّسل والتَّعوُّض عنه بالإلحاد داءٌ ليس له دواءٌ إلا نارٌ تلظَّى لا يصلاها إلا الأشقى الذي كذَّب وتولَّى!
وأمَّا تأثير الجهاد في دفع الهمِّ والغمِّ، فأمرٌ معلومٌ بالوجدان، فإنَّ النَّفس متى تركت صائل الباطل وصولته واستيلاءه اشتدَّ همُّها وغمُّها وكربُها وخوفُها. فإذا جاهدته لله أبدل الله ذلك الهمَّ والحزن فرحًا ونشاطًا وقوَّةً، كما قال تعالى: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (١٤) وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ﴾ [التوبة: ١٤ - ١٥]. فلا شيءَ
_________________
(١) «والتورك» ساقط من ز، د.
(٢) في الأصل (ف): «فلا»، ولكن أخشى أن يكون مغيَّرًا.
(٣) كذا في الأصل وغيره إلا ل التي فيها «تحليلٌ» على الصواب، والظاهر أن السهو كان في أصل المؤلف، وقد جرى على لغة العامة من نصب اسم كان إذا كان نكرة وخبرها شبهُ جملة مقدَّم. ولا تزال هذه اللغة شائعة. أما النسخة (ل) فلعل ناسخها أصلح العبارة.
(٤) ن: «فيندفع».
(٥) هذا الكلام مأخوذ من كلام الحموي في كتابه (ص ٢٦٨) ومصدره كتاب «الأربعين الطبية» للموفق عبد اللطيف البغدادي (ص ١٢٨)، وله في شرح الحديث كلام عالٍ نفيس.
[ ٤ / ٣٠١ ]
أذهَبُ لجوى القلب وغمِّه وهمِّه وحزنه من الجهاد. والله المستعان.
وأمَّا تأثير لا حول ولا قوَّة إلا بالله في دفع هذا الدَّاء، فلما فيها من كمال التَّفويض، والتَّبرِّي (^١) من الحول والقوَّة إلا به، وتسليم الأمر كلِّه له، وعدم منازعته في شيءٍ منه، وعموم ذلك لكلِّ تحوُّلٍ من حالٍ إلى حالٍ في العالم العلويِّ والسُّفليِّ، والقوَّة على ذلك التَّحوُّل؛ وأنَّ ذلك كلَّه باللَّه وحده= فلا يقوم لهذه الكلمة شيءٌ.
وفي بعض الآثار: إنَّه ما ينزل ملكٌ من السَّماء ولا يصعد إليها إلا بـ «لا حولَ ولا قوَّةَ إلا باللَّه» (^٢).
ولها تأثيرٌ عجيبٌ في طرد الشَّيطان. والله المستعان.
فصل
في هديه - ﷺ - في علاج الفزع والأرق المانع من النَّوم
روى الترمذي في «جامعه» (^٣) عن بريدة قال: شكا خالد إلى النَّبيِّ - ﷺ -
_________________
(١) مثل التجرِّي، أصلهما بالهمز: التبرُّؤ والتجرُّؤ.
(٢) يُروى مرفوعًا، أخرجه الدَّيلميُّ من طريق صفوان بن سليم، عن أنس بن مالك، عن أبي بكر الصِّدِّيق، عن أبي هريرة - ﵃ -. ينظر: «الفردوس» (٦٢٣٧)، «كنز العمَّال» (١٩٨٣).
(٣) برقم (٣٥٢٣) وقال: «هذا حديثٌ ليس إسناده بالقويِّ». وأخرجه أيضًا الطَّبراني في «الأوسط» (١٤٦)، وابن عديٍّ في «الكامل» (٢/ ٤٩٣). وإسناده ضعيفٌ جدًّا؛ فيه الحكم بن ظُهَير وهو متروكٌ، واتَّهمه بعضهم بالكذب. وضعَّفه النَّوويُّ في «الأذكار» (٥٣٦)، وابن مفلح في «الآداب الشَّرعيَّة» (٣/ ٢٣١)، وهو في «السِّلسلة الضَّعيفة» (٢٤٠٣). وقال التِّرمذيُّ: «ويروى هذا الحديث عن النَّبيِّ - ﷺ - مرسلًا».
[ ٤ / ٣٠٢ ]
فقال: يا رسول اللَّه، ما أنام اللَّيل من الأرق. فقال النَّبيُّ - ﷺ -: «إذا أويتَ إلى فراشك فقل: اللَّهمَّ ربَّ السَّماوات السَّبع وما أظلَّت، وربَّ الأرَضِين وما أقلَّتْ، وربَّ الشَّياطين وما أضلَّت؛ كن لي جارًا من شرِّ خلقك كلِّهم جميعًا أن يفرُطَ عليَّ أحدٌ منهم، أو يبغي عليَّ. عزَّ جارُك، وجلَّ ثناؤك، ولا إله غيرُك».
وفيه (^١) أيضًا عن عمرو بن شعيبٍ عن أبيه عن جدِّه أنَّ رسول الله - ﷺ - كان يعلِّمهم من الفزع: «أعوذ بكلمات الله التَّامَّة من غضبه (^٢) وشرِّ عباده، ومن همزات الشَّياطين. وأعوذ بك ربِّ أن يحضرون». قال: وكان عبد الله بن عمرٍو (^٣) يعلِّمهنَّ مَن عقَل من بنيه. ومن لم يعقِل كتَبه فأعلَقه عليه.
ولا يخفى مناسبة هذه العُوذة لعلاج هذا الدَّاء.
فصل
في هديه - ﷺ - في علاج داء الحريق وإطفائه
يذكر عن عمرو بن شعيبٍ عن أبيه عن جدِّه قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إذا رأيتم الحريق فكبِّروا، فإنَّ التَّكبير يُطفئه» (^٤).
_________________
(١) برقم (٣٥٢٨)، وقال: «هذا حديث حسنٌ غريب». وأخرجه أيضًا أبو داود (٣٨٩٣)، والنَّسائيُّ في «الكبرى» (١٠٥٣٣، ١٠٥٣٤) ــ مقتصِرًا على المرفوع ــ، وأحمد (٦٦٩٦)، وغيرهم. وقد تقدَّم تخريجه.
(٢) بعده في ن زيادة: «وعقابه» من «جامع الترمذي» فيما يبدو، وهذا لفظ أبي داود، والمؤلف صادر عن كتاب آخر.
(٣) ما عدا ز: «عمر»، وهو خطأ.
(٤) أخرجه العقيليُّ في «الضُّعفاء» (٢/ ٢٩٥)، والطَّبراني في «الدُّعاء» (١٠٠٢)، وابن السُّنِّيِّ في «عمل اليوم واللَّيلة» (٢٩٤ - ٢٩٧)، وابن عديٍّ في «الكامل» (٥/ ٢٤٩)، وغيرهم. وحكم الدَّارقطنيُّ بنكارته في «التَّعليق على المجروحين» (ص ٢٢٠)، وضعَّفه ابن رجب في «فتح الباري» (٥/ ٢١٧)، وهو في «السِّلسلة الضَّعيفة» (٢٦٠٣).
[ ٤ / ٣٠٣ ]
لمَّا كان الحريق سببه النَّار، وهي مادَّة الشَّيطان الَّتي خُلِق منها، وكان فيه من الفساد العامِّ ما يناسب الشَّيطان بمادِّته وفعله= كان للشَّيطان (^١) إعانةٌ عليه وتنفيذٌ (^٢) له. وكانت النَّار تطلب بطبعها العلوَّ والفساد. وهذان الأمران ــ وهما العلوُّ في الأرض والفساد ــ هما هديُ الشَّيطان، وإليهما يدعو، وبهما يُهلِك بني آدم. فالنَّار والشَّيطان كلٌّ منهما يريد العلوَّ في الأرض والفساد، وكبرياءُ الرَّبِّ ﷿ تقمع الشَّيطان وفعله. فلهذا (^٣) كان تكبير الله ﷿ له أثرٌ في إطفاء الحريق، فإنَّ كبرياء الله ﷿ لا يقوم لها شيءٌ. فإذا كبَّر المسلم ربَّه أثَّر تكبيرُه في خمود النَّار وخمود الشَّيطان الَّتي (^٤) هي مادَّته، فطفئ (^٥) الحريق. وقد جرَّبنا نحن وغيرنا هذا فوجدناه كذلك. والله أعلم.
فصل
في هديه - ﷺ - في حفظ الصّحَّة
لمَّا كان اعتدال البدن وصحَّته وبقاؤه إنَّما هو بواسطة الرُّطوبة المقاومة للحرارة، فالرُّطوبة مادَّته، والحرارةُ تُنضجها وتَدفع فضلاتها وتُصلحها وتُلطِّفها، وإلَّا أفسدت البدن، ولم يمكن قيامُه. وكذلك الرُّطوبة هي غذاء
_________________
(١) ث، ل: «الشيطان».
(٢) ز، ل، ن: «إعانةً عليه وتنفيذًا».
(٣) ن: «ولهذا».
(٤) كذا في جميع النسخ الخطية والمطبوعة، والعبارة قلقة، والسياق يقتضي: «الذي».
(٥) يحتمل قراءة: «فطفَّى» على تسهيل الهمزة. وفي حط: «فتطفي». وفي ن: «فيطفى».
[ ٤ / ٣٠٤ ]
الحرارة، فلولا الرُّطوبة لأحرقت البدن وأيبسته وأفسدته. فقوامُ كلِّ واحدةٍ (^١) منهما بصاحبتها، وقوامُ البدن بهما جميعًا.
وكلٌّ منهما مادَّةٌ للأخرى. فالحرارة مادَّةٌ للرُّطوبة تحفظها وتمنعها من الفساد والاستحالة. والرُّطوبة مادَّةٌ للحرارة تغذوها وتحملها. ومتى مالت إحداهما إلى الزِّيادة على الأخرى حصل لمزاج البدن الانحرافُ بحسب ذلك. فالحرارة دائمًا تحلِّل الرُّطوبة، فيحتاج البدن إلى ما (^٢) يُخْلِف عليه ما حلَّلته الحرارة ضرورةَ بقائه وهو الطَّعام والشَّراب. ومتى زاد على مقدار التَّحلُّل ضعفت الحرارة عن تحليل فضلاته، فاستحالت موادَّ رديَّةً فعاثت في البدن وأفسدت، فحصلت الأمراض المتنوِّعة بحسب تنوُّع موادِّها وقبول الأعضاء واستعدادها.
وهذا كلُّه مستفادٌ من قوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾ [الأعراف: ٣١]. فأرشد عباده إلى إدخال ما يقيم البدن من الطَّعام والشَّراب عوضَ ما تحلَّل منه، وأن يكون بقدر ما ينتفع به البدن في الكمِّيَّة والكيفيَّة، فمتى جاوز ذلك كان إسرافًا. وكلاهما مانعٌ من الصِّحَّة، جالبٌ للمرض، أعني: عدمَ الأكل والشُّرب، أو الإسراف (^٣) فيه. فحفظُ الصِّحَّة كلُّه في هاتين الكلمتين الإلهيَّتين.
ولا ريب أنَّ البدن دائمًا في التَّحلُّل والاستخلاف، وكلَّما كثر التَّحلُّل
_________________
(١) ف، ز، س، د: «واحد».
(٢) في ث، ل بعدها: «به». وهي زيادة من بعض النساخ.
(٣) ث، ل: «والإسراف».
[ ٤ / ٣٠٥ ]
ضعفت الحرارة لفناء مادَّتها؛ فإنَّ كثرة التَّحلُّل تفني الرُّطوبة، وهي مادَّة الحرارة، وإذا ضعفت الحرارة ضعف الهضم. ولا يزال كذلك حتَّى تفنى الرُّطوبة، وتنطفئ الحرارة جملةً، فيستكمل العبدُ الأجلَ الذي كتب الله له أن يصل إليه (^١).
فغاية علاج الإنسان لنفسه ولغيره حراسة البدن إلى أن يصل إلى هذه الحالة، لا أنَّه يستلزم بقاء الحرارة والرُّطوبة اللَّتين بقاءُ الشَّباب والصِّحَّة والقوَّة بهما، فإنَّ هذا ممَّا لم يحصل لبشرٍ في هذه الدَّار، وإنَّما غاية الطَّبيب أن يحمي الرُّطوبةَ عن مفسداتها من العفونة وغيرها، ويحمي الحرارةَ عن مُضْعِفاتها، ويعدل بينهما بالعدل في التَّدبير الذي به قام بدن الإنسان، كما أنَّ به قامت السَّماوات والأرض. وسائرُ المخلوقات إنَّما قوامها بالعدل.
ومن تأمَّل هدي النَّبيِّ - ﷺ - وجده أفضلَ هديٍ يمكن حفظُ الصِّحَّة به، فإنَّ حفظها موقوفٌ على حسن تدبير المطعم والمشرب والملبس، والمسكن والهواء والنَّوم واليقظة، والحركة والسُّكون، والمنكح والاستفراغ والاحتباس. فإذا حصلت هذه على الوجه المعتدل الموافق الملائم للبدن والبلد والسِّنِّ والعادة كان أقرب إلى دوام الصِّحَّة أو غلبتها إلى انقضاء الأجل.
ولمَّا كانت الصِّحَّة والعافية من أجلِّ نعمِ الله على عبده، وأجزلِ عطاياه وأوفرِ مِنَحِه، بل العافية المطلقة أجلُّ النِّعم على الإطلاق، فحقيقٌ لمن رُزِق حظًّا من التَّوفيق مراعاتُها وحفظُها وحمايتُها عمَّا يضادُّها.
_________________
(١) قارن هذه الفقرة بكلام الحموي في كتابه (ص ٢١٦).
[ ٤ / ٣٠٦ ]
وقد روى البخاريُّ في «صحيحه» (^١) من حديث ابن عبَّاسٍ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «نعمتان مغبونٌ فيهما كثيرٌ من النَّاس: الصِّحَّة والفراغ».
وفي «الترمذي» (^٢) وغيره من حديث عبد الله (^٣) بن مِحْصَن الأنصاري قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من أصبح مُعافًى في جسده، آمنًا في سِرْبه، عنده قوتُ يومه؛ فكأنَّما حِيزَت له الدُّنيا».
وفي «الترمذي» (^٤) أيضًا من حديث أبي هريرة عن النَّبيِّ - ﷺ - أنَّه قال: «أوَّل ما يُسْأل عنه العبدُ يوم القيامة من النَّعيم أن يقال له: ألم نُصِحَّ لك جسمَك، ونُرْوِك من الماء البارد؟».
_________________
(١) برقم (٦٤١٢).
(٢) برقم (٢٣٤٦). وأخرجه أيضًا ابن ماجه (٤١٤١)، والحميديُّ (٤٤٣)، والبخاريُّ في «الأدب المفرد» (٣٠٠)، وغيرهم. قال التِّرمذيُّ: «حسن غريب»، وليَّن إسناده العقيليُّ في «الضُّعفاء» (٢/ ١٤٦)، وابن القطَّان في «الوهم والإيهام» (٣/ ٦٠٥)، وابن مُفلح في «الآداب الشَّرعيَّة» (٢/ ٣٥٣)، وقال البيهقيُّ في «الشُّعب» (١٣/ ١٠): «هو أصحُّ ما روي في الباب». ولكن له شواهد قوَّاه بها الألبانيُّ في «السِّلسلة الصَّحيحة» (٢٣١٨).
(٣) كذا في جميع النسخ الخطية والمطبوعة إلا نسخة (ن) وطبعة الرسالة، ففيهما: «عبيد الله» كما في «جامع الترمذي». والمؤلف صادر عن كتاب الحموي (ص ٢٢٨) وانظر مخطوطه (ق ٦٢/أ) وفيه: «عبد الله» كما في الأصل وغيره.
(٤) برقم (٣٣٥٨) وقال: «غريب»، ولفظ الحديث منقول من كتاب الحموي (ص ٢٢٩). وأخرجه أيضًا الدِّينوريُّ في «المجالسة» (٣٠١٨)، والطَّبراني في «الأوسط» (٦٢)، وغيرهما. وصحَّحه ابن حبَّان (٧٣٦٤)، والحاكم (٤/ ١٣٨)، وحسَّن إسناده ابن مُفلح في «الآداب الشَّرعيَّة» (٢/ ٣٥٣)، وهو في «السِّلسلة الصَّحيحة» (٥٣٩).
[ ٤ / ٣٠٧ ]
ومن هاهنا قال من قال من السَّلف في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ (^١) يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر: ٨] قال (^٢): عن الصِّحَّة.
وفي «مسند الإمام أحمد» (^٣) أنَّ النَّبيَّ - ﷺ - قال للعباس: «يا عباسُ، يا عمَّ رسول اللَّه، سَلِ الله العافية في الدُّنيا والآخرة».
وفيه (^٤) عن أبي بكرٍ الصِّدِّيق قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «سَلُوا الله اليقين والمعافاة، فما أوتي أحدٌ بعد اليقين خيرًا من العافية». فجمع بين عافيتي الدِّين والدُّنيا. ولا يتمُّ صلاح العبد في الدَّارين إلا باليقين والعافية.
_________________
(١) ما عدا حط: «ولتسألن»، وقد أصلح بعضهم في ز، س، ث. وفي مخطوطة كتاب الحموي ــ وهو مصدر النقل ــ أيضًا: «ولتسألن» كما في الأصل وغيره.
(٢) في كتاب الحموي: «قال سعيد» يعني سعيد بن جُبير. وهذا أول أثر في التفسير المطبوع بعنوان «الجزء فيه تفسير القرآن ليحيى بن يمان و برواية أبي جعفر الترمذي. وقد نقله يحيى بن اليمان بسنده من «تفسير سعيد» (ص ٣٣).
(٣) بالأرقام (١٧٦٦، ١٧٦٧، ١٧٨٣). وأخرجه أيضًا التِّرمذيُّ (٣٥١٤)، والحميديُّ (٤٦١)، والبخاريُّ في «الأدب المفرد» (٧٢٦)، والبزَّار (١٣١٢ - ١٣١٤)، وأبو يعلى (٦٦٩٦، ٦٦٩٧)، وغيرهم. قال التِّرمذيُّ: «هذا حديث صحيحٌ»، وصحَّحه الضِّياء في «المختارة» (٨/ ٣٧٨ - ٣٨١)، وقوَّاه الألبانيُّ في «السِّلسلة الصَّحيحة» (٤/ ٢٩).
(٤) بالأرقام (٥، ١٧، ٣٤، ٤٤). وأخرجه أيضًا النَّسائيُّ في «الكبرى» (١٠٦٤٩ - ١٠٦٥٨)، وابن ماجه (٣٨٤٩)، والبخاريُّ في «الأدب المفرد» (٧٢٤)، والبزَّار (٢٣، ٢٤)، وأبو يعلى (١٢١ - ١٢٤)، وغيرهم. وقد اختُلف في إسناده، ورجَّح الدَّارقطنيُّ في «العلل» (١/ ٢٣٣) انقطاعه، وصحَّحه ابن حبَّان (٩٥٠، ٩٥٢)، والحاكم (١/ ٥٢٩)، والبيهقيُّ في «الشُّعب» (١٢/ ٤١٨ - ٤١٩)، والضِّياء في «المختارة» (١/ ١٥٧، ١٦٢ - ١٦٤)، وحسَّنه ابن حجر في «الإمتاع» (ص ١٧).
[ ٤ / ٣٠٨ ]
فاليقين يدفع عنه عقوباتِ الآخرة، والعافيةُ تدفع عنه أمراض الدُّنيا في قلبه وبدنه.
وفي «سنن النَّسائيِّ» (^١) من حديث أبي هريرة يرفعه: «سَلُوا الله العفو والعافية والمعافاة، فما أوتي أحدٌ بعد يقينٍ خيرًا من معافاةٍ». وهذه الثَّلاثة تتضمَّن إزالة الشُّرورِ الماضيةِ بالعفو، والحاضرةِ بالعافية، والمستقبَلةِ بالمعافاة؛ فإنَّها تتضمَّن المداومة والاستمرار على العافية (^٢).
وفي «الترمذي» (^٣) مرفوعًا: «ما سئل الله شيئًا أحبَّ إليه من العافية».
وقال عبد الرَّحمن بن أبي ليلى عن أبي الدَّرداء قلت: يا رسول اللَّه، لأن أُعافى فأشكُرَ أحبُّ إليَّ من أن أُبتلَى فأصبِر. فقال رسول الله - ﷺ -: «ورسول الله يحبُّ معك العافية» (^٤).
_________________
(١) هو في «السُّنن الكبرى» (١٠٦٥١) بهذا اللَّفظ، لكن من حديث أبي بكر الصِّدِّيق - ﵁ -، وليس من حديث أبي هريرة - ﵁ -. وأخرجه أيضًا بهذا اللَّفظ من حديث أبي بكر - ﵁ - الطَّبراني في «مسند الشَّاميِّين» (٥٧٩). وهذا أحد ألفاظ الحديث السَّابق.
(٢) انظر هذا التفسير في كتابه «عدة الصابرين» (ص ٢٧١) أيضًا.
(٣) بالرقمين (٣٥١٥، ٣٥٤٨) من حديث ابن عمر - ﵄ -. وأخرجه أيضًا ابن أبي شيبة (٢٩٧٩٦)، والدِّينوريُّ في «المجالسة» (١٥٦٧)، والحاكم (١/ ٤٩٧) وصحَّحه. قال التِّرمذيُّ: «هذا حديث غريبٌ، لا نعرفه إلَّا من حديث عبد الرَّحمن بن أبي بكر القرشيِّ، وهو ضعيف في الحديث، ضعَّفه بعض أهل العلم من قِبل حفظه»، وبه ضعَّفه المنذريُّ في «التَّرغيب» (٤/ ١٣٨)، وقال ابن حجر في «بذل الماعون» (ص ٣٤٦): «صحَّحه الحاكم فوهم؛ فإنَّ في سنده ضعفًا».
(٤) كتاب الحموي (ص ٢٢٨). وقد أخرجه الطَّبراني في «الأوسط» (٣١٠٢) وفي «الصَّغير» (٣٠٤)، وأبو نعيم في «الطِّب النَّبوي» (١١٢). وهذا حديث باطلٌ؛ في إسناده إبراهيم بن البراء، قال العقيليُّ في «الضُّعفاء» (١/ ٤٥): «يحدِّث عن الثِّقات بالبواطيل»، وقال ابن عديٍّ في «الكامل» (١/ ٤١١): «أحاديثه التي ذكرتُها وما لم أذكرها كلُّها مناكير موضوعة، ومن اعتبر حديثَه علم أنَّه ضعيف جدًّا، وهو متروك الحديث»، وبه ضعَّفه الهيثميُّ في «المجمع» (٢/ ٢٩٠)، وقال ابن حجر في «اللِّسان» (١/ ٣٨): «حديثٌ منكر»، وحكم الألبانيُّ في «السِّلسلة الضَّعيفة» (٣٩٨٢) بوضعه.
[ ٤ / ٣٠٩ ]
فصل في هديه ﷺ في الأكل
ويذكر عن ابن عبَّاسٍ أنَّ أعرابيًّا جاء إلى النبي (^١) - ﷺ -، فقال له (^٢): ما أسأل الله بعد الصَّلوات الخمس؟ فقال: «سل الله العافية». فأعاد عليه، فقال له في الثَّالثة: «سل الله العافية في الدُّنيا والآخرة» (^٣).
وإذا كان هذا شأن العافية والصِّحَّة، فنذكر من هديه - ﷺ - في مراعاة هذه الأمور ما يتبيَّن لمن نظَر فيه أنَّه أكمل هديٍ على الإطلاق، ينال به حفظ صحَّة البدن والقلب وحياة الدُّنيا والآخرة. والله المستعان، وعليه التُّكلان، ولا حول ولا قوَّة إلا باللَّه.
فصل
فأمَّا المطعم والمشرب، فلم يكن من عادته - ﷺ - حبسُ النَّفس على نوعٍ واحدٍ من الأغذية، لا يتعدَّاه إلى ما سواه، فإنَّ ذلك يضرُّ بالطَّبيعة جدًّا وقد
_________________
(١) ن: «رسول الله»، وفي مصادر النقل والتخريج كما أثبت من الأصل وغيره.
(٢) «له» ساقط من س.
(٣) كتاب الحموي (ص ٢٣٠). وقد أخرجه السَّرَّاج في «حديثه» (١٣١٤، ١٩١٣) وفي «مسنده» (٨٦١) من طريق إسرائيل، عن أبي يحيى، عن مجاهد، عن ابن عبَّاس به. وهذا إسناد ضعيف؛ فيه أبو يحيى وهو القتَّات الكوفيُّ، قال أحمد كما في «الجرح والتَّعديل» (٣/ ٤٣٣): «روى عنه إسرائيل أحاديث كثيرةً مناكير جدًّا».
[ ٤ / ٣١٠ ]
يتعذَّر عليها (^١) أحيانًا. فإن لم يتناول غيره ضعُف أو هلك، وإن تناول غيره لم تقبله الطَّبيعة واستضرَّ به. فقصرُها على نوعٍ واحدٍ دائمًا، ولو أنَّه أفضلُ الأغذية، خطرٌ مُضِرٌّ.
بل كان يأكل ما جرت عادة أهل بلده بأكله، من اللَّحم والفاكهة والخبز والتَّمر وغيره ممَّا ذكرناه في هديه في المأكول، فعليك بمراجعته هاهنا.
وإذا كان في أحد الطَّعامين كيفيَّةٌ تحتاج إلى كسرٍ وتعديلٍ كسرَها وعدَّلها بضدِّها إن أمكن، كتعديله (^٢) حرارةَ الرُّطَب بالبطِّيخ. وإن لم يجد ذلك تناوَلَه على حاجةٍ وداعيةٍ من النَّفس من غير إسرافٍ، فلا تتضرَّر (^٣) به الطَّبيعة.
وكان إذا عافت نفسُه الطَّعامَ لم يأكله، ولم يحمِّلها إيَّاه على كرهٍ. وهذا أصلٌ عظيمٌ في حفظ الصِّحَّة. فمتى أكل الإنسان ما تعافه نفسه ولا تشتهيه كان تضرُّره به أكثر من انتفاعه.
قال أنس (^٤): ما عاب رسول الله - ﷺ - طعامًا قطُّ. إن اشتهاه أكله، وإلَّا تركه ولم يأكل منه.
_________________
(١) س: «عليه».
(٢) ن: «كتعديل».
(٣) ما عدا الأصل (ف)، حط، ن: «ولا تتضرر».
(٤) كذا في جميع النسخ الخطية والمطبوعة إلا طبعة الرسالة. وعزاه في «طريق الهجرتين» إلى عائشة. والصواب أنه من حديث أبي هريرة كما في «الوابل الصيب» للمؤلف (ص ٣٣٩). أخرجه البخاري (٣٥٦٣) ومسلم (٢٠٦٤).
[ ٤ / ٣١١ ]
ولمَّا قُدِّم إليه الضَّبُّ المشويُّ لم يأكل منه. فقيل له: هو (^١) حرامٌ؟ قال: «لا، ولكن لم يكن بأرض قومي. فأجدني أعافه». فراعى عادته وشهوته. فلمَّا لم يكن يعتاد أكلَه بأرضه وكانت نفسُه لا تشتهيه أمسَك عنه. ولم يمنع مِن أكله مَن يشتهيه، ومَن عادتُه أكلُه.
وكان يحبُّ اللَّحمَ، وأحبُّه إليه الذِّراعُ ومقدَّمُ الشَّاة (^٢)، ولذلك سُمَّ فيه. وفي «الصَّحيحين» (^٣): أُتي رسولُ الله - ﷺ - بلحمٍ، فرُفِعَ إليه الذِّراعُ، وكانت تُعجبه.
وذكر أبو عبيد (^٤) وغيره عن ضُبَاعة بنت الزبير أنَّها ذبحت في بيتها شاةً
_________________
(١) ز، ن: «أهو».
(٢) أخرجه الطبرانيُّ في «الأوسط» (٩٤٨٠) عن ابن عمر - ﵄ -: «كان أحبّ الشَّاة إلى رسول الله - ﷺ - مقدَّمها»، قال الهيثميُّ في «المجمع» (٥/ ٣٦): «فيه يحيى الحِمَّانيُّ وهو ضعيف»، وفيه أيضًا شيخُه عبد الرَّحمن بن زيد بن أسلم وهو ضعيفٌ. وأخرجه عبد الرَّزَّاق (٨٧٧١)، وأبو نعيم في «الطِّبِّ النَّبويِّ» (٨٦٩)، عن مجاهد مرسلًا، قال البيهقيُّ في «الكبرى» (١٠/ ٧): «هذا منقطع، ولا يصحُّ وصله»، وقال النَّووي في «المجموع» (٩/ ٧٠): «مرسلٌ وهو ضعيفٌ». وينظر: «السِّلسلة الضَّعيفة» (٤١٦٠، ٤٢٩٢). وأخرجه البيهقيُّ في الدَّلائل (٦/ ٢٦) عن أسامة بن زيد - ﵄ - في حديثٍ طويل، وفي إسناده معاوية بن يحيى الصَّدفيُّ ضعيفٌ.
(٣) البخاري (٣٣٤٠) ومسلم (١٩٤).
(٤) في «غريب الحديث» (١/ ٣١٥). وأخرجه أيضًا النَّسائيُّ في «الكبرى» (٦٦٢٤)، وأحمد (٢٧٠٣١)، والطبراني في «الكبير» (٢٤/ ٣٣٧) وفي «الأوسط» (٦٠٤٠). قال ابن مُفلح في «الآداب الشَّرعيَّة» (٢/ ٣٦٥): «فيه الفضل بن الفضل، قال بعضهم: تفرَّد عنه أسامة بن زيد اللَّيثي».
[ ٤ / ٣١٢ ]
فأرسل إليها رسولُ الله - ﷺ - أن «أَطْعِمينا من شاتكم». فقالت للرَّسول: ما بقي عندنا إلا الرَّقبة، وإنِّي لأستحيي أن أُرسِل بها إلى رسول الله - ﷺ -. فرجع الرَّسول، فأخبره، فقال: «ارجع إليها، فقل لها: أرسلي بها، فإنَّها هادية الشَّاة وأقربُ الشاةِ (^١) إلى الخير، وأبعدُها من الأذى».
ولا ريب أنَّ أخفَّ لحم الشَّاة: لحمُ الرَّقبة، ولحم الذِّراع والعضد. وهو أخفُّ على المعدة، وأسرع انهضامًا. وفي هذا مراعاة الأغذية الَّتي تجمع ثلاثة أوصافٍ (^٢): كثرة نفعها وتأثيرها في القوى. الثَّاني: خفَّتها على المعدة وعدم ثقلها عليها. الثَّالث: سرعة هضمها. وهذا أفضل ما يكون من الغذاء، والتَّغذِّي باليسير من هذا أنفع من الكثير من غيره.
وكان يحبُّ الحلواء والعسل. وهذه الثَّلاثة ــ أعني: اللَّحم والعسل والحلواء ــ من أفضل الأغذية وأنفعها للبدن والكبد والأعضاء. وللاغتذاء بها نفعٌ عظيمٌ في حفظ الصِّحَّة والقوَّة، ولا ينفر منها إلا من به علَّةٌ وآفةٌ.
وكان يأكل الخبز مأدومًا ما وجَد له إدامًا. فتارةً يأدِمَه باللَّحم، ويقول: «هو سيِّد طعام أهل الدُّنيا والآخرة». رواه ابن ماجه (^٣) وغيره. وتارةً
_________________
(١) كلمة «الشاة» ساقطة من طبعتي عبد اللطيف ونشرة الرسالة وغيَّرها الفقي إلى «وأقربها».
(٢) زاد الفقي بعده: «أحدها»، وتبعته نشرة الرسالة.
(٣) برقم (٣٣٠٥) من حديث أبي الدَّرداء - ﵁ -، ولفظه: «سيِّد طعام أهل الدُّنيا وأهل الجنَّة اللَّحمُ». وأخرجه أيضًا ابن أبي الدُّنيا في «إصلاح المال» (١٨٥). وفي إسناده سليمان بن عطاء عن مسلمة بن عبد الله، قال ابن حبَّان في «المجروحين» (١/ ٣٢٩): «سليمان شيخ يروي عن مسلمة بأشياء موضوعة، لا تشبه حديث الثِّقات»؛ ولذا أورده ابن الجوزيِّ في «الموضوعات» (٢/ ٣٠٢)، وضعَّفه ابن كثير في «إرشاد الفقيه» (٢/ ٢٢٢)، والعراقيُّ في «المغني» (٣/ ١٤٢٨)، والسَّخاويُّ في «الأجوبة المرضية» (١/ ٧٤)، وهو في «السِّلسلة الضَّعيفة» (٣٧٢٤). وفي الباب عن عليٍّ وصهيب بن سنان وربيعة بن كعب وبريدة وأنس، ولا يصحُّ منها شيء، قال العقيليُّ في «الضُّعفاء» (٣/ ٢٥٨): «لا يثبت في هذا المتن عن النَّبيِّ - ﷺ - شيء».
[ ٤ / ٣١٣ ]
بالبطِّيخ (^١). وتارةً بالتَّمر، فإنَّه وضع تمرةً على كِسْرةٍ (^٢)
وقال: «هذه إدام هذه» (^٣). وفي هذا من تدبير الغذاء أنَّ خبز الشَّعير باردٌ يابسٌ، والتَّمر حارٌّ رطبٌ، على أصحِّ القولين؛ فأَدْمُ خبز الشَّعير به من أحسن التَّدبير، لا سيَّما لمن تلك عادتهم كأهل المدينة. وتارةً بالخلِّ، ويقول: «نعمَ الإدامُ الخلُّ» (^٤).
_________________
(١) لم أقف على أنَّ النَّبيَّ - ﷺ - كان يأدم الخبز بالبطِّيخ، وذكر السُّبكيُّ في «طبقات الشَّافعيَّة» (٦/ ٣٢٥) ضمن الأحاديث الَّتي لم يجد لها إسنادًا ممَّا وقع في «الإحياء» حديثَ: «كان يأكل البطِّيخ بالخبز والسُّكَّر»، وقال العراقيُّ في «المغني» (٢١٨٣): «أكل البطِّيخ بالخبز لم أره». والَّذي ورد أنَّه - ﷺ - كان يأكل البطِّيخ بالرُّطب، وسيأتي تخريجه.
(٢) أثبت الفقي: «كسرةِ شعير»، بزيادة لفظ «شعير»، وتابعته نشرة الرسالة ..
(٣) أخرجه أبو داود (٣٢٥٩، ٣٢٦٠، ٣٨٣٠)، والبخاريُّ في «التَّاريخ الكبير» (٨/ ٣٧٢)، والتِّرمذيُّ في «الشَّمائل» (١٨٤)، وغيرهم عن يوسف بن عبد الله بن سلام - ﵁ -، وفي إسناده محمَّد بن أبي يحيى الأسلميُّ وهو متروك، في عللٍ أُخرَى، قال ابن حبَّان في «الثِّقات» (٣/ ٤٤٦): «لستُ بالمعتمد على إسناد خبر يوسف»، وبذلك يُعلم ما في تصحيح الإشبيليِّ في «الأحكام الصُّغرى» (٢/ ٧٩٣) وتحسين ابن حجر في «الفتح» (١١/ ٥٧١) لإسناد هذا الحديث، وهو في «السِّلسلة الضَّعيفة» (٤٧٣٧). وأخرجه الطَّبرانيُّ في «الصَّغير» (٨٨٢) عن زيد بن ثابت - ﵁ -، قال الهيثميُّ في «المجمع» (٥/ ٤١): «فيه محمَّد بن كثير بن مروان وهو ضعيف». وأخرجه الطَّبراني في «الأوسط» (٨٦٠٢) عن عائشة - ﵂ -، قال الهيثميُّ: «فيه هارون بن محمَّد أبو الطَّيِّب وهو كذَّاب».
(٤) أخرجه مسلم (٢٠٥٢) من حديث جابر - ﵁ -.
[ ٤ / ٣١٤ ]
وهذا ثناءٌ عليه بحسب مقتضى الحال الحاضر، لا تفضيلٌ له على غيره، كما يظنُّ الجهَّال. وسبب الحديث أنَّه دخل على أهله يومًا، فقدَّموا له خبزًا، فقال: «هل عندكم من أُدُمٍ (^١)؟». قالوا: ما عندنا إلا خلٌّ، فقال: «نعم الأُدُم (^٢) الخلُّ».
والمقصود: أنَّ أكل الخبز مأدومًا من أسباب حفظ الصِّحَّة، بخلاف الاقتصار على أحدهما وحده. وسمِّي الأُدُم أُدُمًا لإصلاحه الخبز وجعلِه ملائمًا لحفظ الصِّحَّة. ومنه قوله في إباحته للخاطب النَّظر: «إنَّه أحرى أن يُؤْدَم بينهما» (^٣). أي أقرب إلى الالتئام والموافقة، فإنَّ الزَّوج يدخل على بصيرةٍ، فلا يندم.
وكان يأكل من فاكهة بلده عند مجيئها، ولا يحتمي عنها. وهذا أيضًا من أكبر أسباب حفظ الصِّحَّة، فإنَّ الله سبحانه بحكمته جعل في كلِّ بلدةٍ من الفاكهة ما ينتفع به أهلُها في وقته، فيكون تناولُه من أسباب صحَّتهم وعافيتهم ويغني عن كثيرٍ من الأدوية. وقلَّ من احتمى عن فاكهة بلده خشيةَ السَّقم إلا
_________________
(١) في النسخ المطبوعة: «إدام».
(٢) ما عدا الأصل (ف): «الإدام».
(٣) أخرجه التِّرمذي (١٠٨٧)، والنَّسائي (٣٢٣٥)، وابن ماجه (١٨٦٦)، وأحمد (١٨١٣٧، ١٨١٥٤)، والدَّارمي (٢٣٤٣)، وغيرهم من حديث بكر المزني، عن المغيرة - ﵁ -. وفي إسناده اختلاف، وفي سماع بكر من المغيرة خلاف، وقال التِّرمذيُّ: «هذا حديث حسن»، وكذا قال البغويُّ في «شرح السنة» (٩/ ١٧)، وصحَّحه ابن الجارود (٦٧٥)، وابن القطَّان في «أحكام النَّظر» (ص ٣٨٧)، وابن دقيق العيد في «الإلمام» (٢/ ٦٢٣)، وابن الملقِّن في «البدر المنير» (٧/ ٥٠٣)، والبوصيريُّ في «المصباح» (٢/ ١٠١)، وهو في «السِّلسلة الصَّحيحة» (٩٦).
[ ٤ / ٣١٥ ]
وهو من أسقمِ النَّاس جسمًا، وأبعدِهم من الصِّحَّة والقوَّة. وما في تلك الفاكهة من الرُّطوبات، فحرارةُ الفصل والأرض وحرارةُ المعدة تُنضجها وتدفع شرَّها، إذا لم يسرف في تناولها، ولم يحمِّل منها الطَّبيعة فوق ما تحتمله، ولم يُفْسِد بها الغذاءَ قبل هضمه، ولا أفسدها بشرب الماء عليها، وتناولِ (^١) الغذاء بعد التملِّي (^٢) منها؛ فإنَّ القولنج كثيرًا ما يحدث عند ذلك. فمن أكل منها ما ينبغي، في الوقت الذي ينبغي، على الوجه الذي ينبغي= كانت له دواءً نافعًا.
فصل
في هديه - ﷺ - في هيئة الجلوس للأكل
صحَّ عنه أنَّه قال: «لا آكل متَّكئًا» (^٣). وقال: «إنَّما أجلس كما يجلس العبد، وآكل كما يأكل العبد» (^٤).
_________________
(١) ث، ل: «لتناول».
(٢) يعني الامتلاء. وأصله التملُّؤ بالهمز. وفي ث، د: «التخلي». وفي ل: «التحلي»، وكذا في طبعة عبد اللطيف وما بعدها. وكلاهما تصحيف.
(٣) أخرجه البخاري (٥٣٩٨) من حديث أبي جحيفة.
(٤) أخرجه ابن سعد في «الطَّبقات» (١/ ٣٨١)، وأبو يعلى (٤٩٢٠)، وعنه أبو الشَّيخ في «أخلاق النَّبيِّ» (٦١٧)، من حديث عائشة - ﵂ -. وضعَّف إسناده ابن الملقِّن في «البدر المنير» (٧/ ٤٤٦)، والعراقيُّ في «المغني» (٣/ ١٤١٩)؛ ففيه أبو معشر: نجيح السِّندي المدني، وهو ضعيف أسنَّ واختلط. ومع ذلك حسَّن إسناده الهيثميُّ في «المجمع» (٩/ ١٩). وللحديث شواهد لا تخلو من ضَعفٍ، ويُروى من أوجه مُرسلًا، قال الذَّهبي في «السِّير» (٢/ ١٩٤): «هذا حديث حسن غريب»، وهو في «السِّلسلة الصَّحيحة» (٥٤٤).
[ ٤ / ٣١٦ ]
وروى ابن ماجه في «سننه» (^١) أنَّه نهى أن يأكل الرَّجلُ وهو منبطحٌ على وجهه.
وقد فُسِّر الاتِّكاء بالتَّربُّع، وفُسِّر بالاتِّكاء على الشَّيء وهو الاعتماد عليه، وفُسِّر بالاتِّكاء على الجنب. والأنواع الثَّلاثة من الاتِّكاء، فنوعٌ منها يضرُّ بالآكل وهو الاتِّكاء على الجنب، فإنَّه يمنع مجرى الطَّعام الطَّبيعيِّ عن هيئته ويعوقه عن سرعة نفوذه إلى المعدة، ويضغط المعدة، فلا يستحكم فتحها للغذاء. وأيضًا فإنَّها تميل ولا تبقى منتصبةً، فلا يصل الغذاء إليها بسهولةٍ.
وأمَّا النَّوعان الآخران، فمن جلوسِ الجبابرة المنافي للعبوديَّة. ولهذا قال: «آكل كما يأكل العبد»، وكان يأكل وهو مُقْعٍ (^٢). ويذكر عنه أنَّه كان يجلس للأكل متورِّكًا على ركبتيه، ويضع بطن قدمه اليسرى على ظهر قدمه اليمنى (^٣)، تواضعًا لربِّه ﷿، وأدبًا بين يديه، واحترامًا للطَّعام
_________________
(١) برقم (٣٣٧٠) من طريق جعفر بن برقان، عن الزُّهريِّ، عن سالم، عن أبيه به. وأخرجه أيضًا أبو داود (٣٧٧٤)، والرُّويانيُّ (١٣٩٢، ١٤٠٧)، والعقيليُّ في «الضُّعفاء» (١/ ١٨٤). قال أبو داود: «هذا الحديث لم يسمعه جعفر من الزُّهريِّ، وهو منكرٌ»، وقال أبو حاتم كما في «العلل» لابنه (٣/ ٧١٦): «ليس هذا من صحيح حديث الزُّهريِّ هو مفتعل، ليس من حديث الثِّقات»، وقال البيهقيُّ في «السُّنن الصَّغير» (٣/ ٨٧): «هذا المتن بهذا الإسناد ضعيف». وأمَّا الحاكم فقد صحَّحه (٤/ ١٢٩). وينظر: «الإرواء» (١٩٨٢)، و«السِّلسلة الصَّحيحة» (٢٣٩٤).
(٢) أخرجه مسلم (٢٠٤٤) من حديث أنس.
(٣) كتاب الحموي (ص ١٨٣)، ومنه نقل هذا الكلام إلى آخر الفصل بشيء من التصرف. ولم أقف على الحديث بهذا اللفظ. وذكر الغزاليُّ في «الإحياء» (٢/ ٣٦٩) قال: «وكان كثيرًا إذا جلس يأكُلُ يجمَع بين ركبتَيه، وبين قدَميه، كما يجلس المصلِّي، إلَّا أنَّ الرُّكبةَ تكون فوق الرُّكبة، والقدم فوق القدَم»، وذكره السُّبكيُّ في «طبقات الشَّافعيَّة» (٦/ ٣٢٥) ضمنَ الأحاديث الَّتي لم يجِد لها إسنادًا. وأخرج ابن ماجه (٣٢٦٣) عن عبد الله بن بسر - ﵁ - قال: «أهدِيت للنَّبيِّ - ﷺ - شاةٌ، فجثا رسولُ الله - ﷺ - على ركبتَيه يأكل» الحديث. وصحَّح إسناده البوصيريُّ في «المصباح» (٤/ ٨)، وحسَّنه ابن حجر في «الفتح» (٩/ ٥٤١)، وصحَّحه الألبانيُّ في «الإرواء» (٧/ ٢٧). وله شاهد عن أبيٍّ بن كعب - ﵁ -.
[ ٤ / ٣١٧ ]
وللمؤاكل. فهذه الهيئة أنفع هيئات الأكل وأفضلها، لأنَّ الأعضاء كلَّها تكون على وضعها الطَّبيعيِّ الذي خلقها الله سبحانه عليه، مع ما فيها من الهيئة الأدبيَّة، وأجودُ ما اغتذى الإنسان إذا كانت أعضاؤه على وضعها الطَّبيعيِّ، ولا يكون كذلك إلا إذا كان الإنسان منتصبًا الانتصاب الطَّبيعيِّ.
وأردأ الجلسات للأكل الاتِّكاءُ على الجنب، لما تقدَّم من أنَّ المَريء وأعضاء الازدراد تضيق عند هذه الهيئة، والمعدة لا تبقى على وضعها الطَّبيعيِّ، لأنَّها تنعصر ممَّا يلي البطن بالأرض، وممَّا يلي الظَّهر بالحجاب الفاصل بين آلات الغذاء وآلات التَّنفُّس (^١).
وإن كان المراد بالاتِّكاء الاعتماد على الوسائد والوطاء الذي تحت الجالس، فيكون المعنى أنِّي إذا أكلتُ لم أقعد متِّكئًا على الأوطئة والوسائد كفعل الجبابرة ومن يريد الإكثار من الطَّعام، لكنِّي آكل بُلْغةً كما يأكل العبد (^٢).
_________________
(١) هذا الوضع يكون إذا أكل الإنسان وهو منبطح على وجهه. وقد ذكره الحموي (ص ١٨٥) في شرح حديث ابن عمر: «نهى رسول الله - ﷺ - أن يأكل الرجل وهو منبطح على وجهه».
(٢) قال الحموي: «وإلى ذلك ذهب الخطابي». يعني: في «معالم السنن» (٤/ ٢٤٣).
[ ٤ / ٣١٨ ]
فصل في أكله بالأصابع الثلاث
فصل في أغذيته وعدم الشرب على الأكل
فصل
وكان يأكل بأصابعه الثَّلاث (^١). وهذا أنفع ما يكون من الأكلات، فإنَّ الأكل بإصبعٍ أو إصبعين لا يستلذُّ به الآكل، ولا يُمرئه، ولا يُشْبعه إلا بعد طولٍ، ولا تفرح آلات الطَّعام والمعدة بما ينالها في كلِّ أكلةٍ، فيأخذها على إغماضٍ، كما يأخذ الرَّجل حقَّه حبَّةً أو حبَّتين أو نحو ذلك، فلا يلتذُّ بأخذه، ولا يُسرُّ به. والأكلُ بالخمسة والرَّاحة يوجب ازدحام الطَّعام على آلاته وعلى المعدة ــ وربَّما استدَّت (^٢) الآلات، فمات ــ وتُغْصَب الآلاتُ على دفعه، والمعدةُ على احتماله؛ ولا يجد له لذَّةً ولا استمراءً. فأنفعُ الأكل أكلُه - ﷺ - وأكلُ من اقتدى به بالأصابع الثَّلاث.
فصل
ومن تدبَّر أغذيته - ﷺ - وما كان يأكله وجَدَه لم يجمع قطُّ بين لبنٍ وسمكٍ، ولا بين لبنٍ وحامضٍ، ولا بين غذاءين حارَّين، ولا باردين، ولا لَزِجين، ولا قابضين، ولا مُسْهلين، ولا غليظين، ولا مُرْخِيَين، ولا مستحيلين إلى خلطٍ واحدٍ، ولا بين مختلفين كقابضٍ ومسهلٍ، وسريع الهضم وبطيئه، ولا بين شويٍّ وطبيخٍ، ولا بين طريٍّ وقديدٍ، ولا بين لبنٍ وبيضٍ (^٣)، ولا بين لحمٍ ولبنٍ.
ولم يكن يأكل طعامًا في وقت شدَّة حرارته، ولا طبيخًا بائتًا يسخَّن له
_________________
(١) أخرجه مسلم (٢٠٣٢) من حديث كعب بن مالك - ﵁ -.
(٢) غيَّره الفقي إلى «انسدَّت»، وتابعته نشرة الرسالة.
(٣) في كتاب الحموي (ص ٣٣٩): «والبيض والسمك».
[ ٤ / ٣١٩ ]
بالغد، ولا شيئًا من الأطعمة العَفِنة والمالحة كالكواميخ (^١) والمخلَّلات والملوحات (^٢). وكلُّ هذه الأنواع ضارٌّ مولِّدٌ لأنواعٍ من الخروج عن الصِّحَّة والاعتدال.
وكان يُصلح ضرر بعض الأغذية ببعضٍ إذا وجد إليه سبيلًا، فيكسر حرارةَ هذا ببرودة هذا، ويبوسةَ هذا برطوبة هذا، كما فعل في القثَّاء والرُّطب (^٣)، وكما كان يأكل التَّمر بالسَّمن وهو الحَيْس (^٤)، ويشرب نقيع التَّمر (^٥) يلطِّف به كَيْمُوسات (^٦) الأغذية الشَّديدة. وكان يأمر بالعشاء ولو بكفٍّ من تمرٍ، ويقول: «تركُ العشاء مَهْرَمةٌ». ذكره الترمذي في «جامعه» (^٧)
_________________
(١) ز: «الكوامخ». وهي من أنواع الأدم.
(٢) ث، ل: «المملوحات».
(٣) هو في «الصَّحيحين» من حديث عبد الله بن جعفر - ﵁ -، وقد تقدَّم تخريجه.
(٤) أخرج مسلم (١١٥٤) عن عائشة - ﵂ - قالت: أتانا النبيُّ - ﷺ - يومًا فقلنا: يا رسولَ الله، أُهدِي لنا حيسٌ، فقال: «أَرينِيه، فلقد أصبحت صائمًا»، فأكَل.
(٥) أخرج البخاريُّ (٤٨٨١)، ومسلم (٢٩٩٦)، عن سهل بن سعد قال: دعا أبو أسيد السَّاعديُّ رسول الله - ﷺ - في عرسه، وكانت امرأته يومئذٍ خادمَهم، وهي العروس، قال سهل: تدرون ما سَقت رسولَ الله - ﷺ -؟ أنقَعَت له تمراتٍ من اللَّيل، فلمَّا أكل سَقَته إيَّاه.
(٦) الكيموس: خلاصة الغذاء الذي يجري في العروق، وقد تقدَّم.
(٧) برقم (١٨٥٦) من طريق عنبسة بن عبد الرَّحمن القرشيِّ، عن عبد الملك بن علَّاق، عن أنس - ﵁ - بلفظ: «بكفٍّ مِن حشف»، وأخرجه أيضًا أبو يعلى (٤٣٥٣)، وابن عديٍّ في «الكامل» (٦/ ٤٦٢). وفي إسناده اختلاف، وضعَّفه أبو زرعة كما في «العلل» لابن أبي حاتم (٤/ ٣٨٩)، وقال التِّرمذيُّ: «هذا حديث منكر، لا نعرفه إلَّا من هذا الوجه، وعنبسة يُضعَّف في الحديث، وعبد الملك مجهولٌ»، وقال ابن حبَّان في «المجروحين» (٢/ ١٧٤): «لا أصل له»، وذكره ابن الجوزيِّ في «الموضوعات» (٣/ ٣٦)، وضعَّف إسناده الزَّركشيُّ في «التَّذكرة» (ص ١٤٧)، والعراقيُّ في «المغني» (٢/ ٩٣٥)، وهو في «السِّلسلة الضَّعيفة» (١١٦) ..
[ ٤ / ٣٢٠ ]
وابن ماجه في «سننه» (^١).
وذكر أبو نعيم (^٢) عنه أنَّه كان ينهى عن النَّوم على الأكل، ويذكر أنَّه يقسِّي القلب. ولهذا في وصايا الأطبَّاء لمن أراد حفظ الصِّحَّة أن يمشي بعد العشاء خطواتٍ ولو مائة خطوةٍ، ولا ينام عقبَه فإنَّه مضرٌّ جدًّا. وقال
_________________
(١) برقم (٣٣٥٥) عن جابر بلفظ: «لا تَدَعوا العشاءَ ولو بكفٍّ من تمر؛ فإنَّ تركَه يُهرم». وفي إسناده إبراهيم بن عبد السَّلام ابن باباه وهو ضعيفٌ؛ ولذا ضعَّفه الزَّركشيُّ في «التَّذكرة» (ص ١٤٧)، وابن مُفلح في «الآداب الشَّرعيَّة» (٢/ ٣٦١)، والعراقي في «تخريج الإحياء» (٢/ ٩٣٥)، والبوصيريُّ في «المصباح» (٤/ ٣٢)، والسَّخاويُّ في «المقاصد الحسنة» (ص ٢٥٨)، والألباني في «السِّلسلة الضَّعيفة» (١/ ٢٣٦).
(٢) في «الطِّبّ النَّبويّ» (١٥٨) من حديث عائشة - ﵂ -، ولفظه: «أذيبوا طعامَكم بذكر الله وبالصَّلاة، ولا تناموا عليه فتَقسُو قلوبُكم». وأخرجه أيضًا المروزيُّ في «قيام اللَّيل» (ص ٥٩ - المختصر)، والعقيليُّ في «الضُّعفاء» (١/ ١٥٦)، والطَّبراني في «الأوسط» (٤٩٥٢)، وغيرهم. وأنكره أبو زرعة كما في «سؤالات البرذعيِّ» (٢/ ٧٠٨) وقال: «هو شبيهٌ بالموضوع»، وفيه بزيع أبو الخليل، قال ابن حبَّان في «المجروحين» (١/ ١٩٩): «يأتي عن الثِّقات بأشياء موضوعة كأنَّه المتعمِّدُ لها»، وقال ابن عديٍّ في «الكامل» (٢/ ٢٤٢): «أحاديثه كلُّها مناكير، لا يتابعه عليها أحد»، وقال البيهقيُّ في «الشُّعب» (٨/ ١٦٧): «هذا منكر؛ تفرَّد به بزيع، وكان ضعيفًا»، وذكره ابن الجوزيِّ في «الموضوعات» (٣/ ٦٩)، واقتصر العراقيُّ في «المغني» (٢٥١١) والهيثميُّ في «المجمع» (٥/ ٣٠) على تضعيفه، وهو في «السِّلسلة الضَّعيفة» (١١٥). وفي الباب عن عليٍّ - ﵁ -.
[ ٤ / ٣٢١ ]
فصل في هديه ﷺ في الشراب
مسلموهم: أو يصلِّي عقيبه، ليستقرَّ الغذاء بقعر المعدة، فيسهل هضمُه، ويجود بذلك (^١).
ولم يكن من هديه أن يشرب على طعامه فيفسِدَه، ولا سيَّما إن كان الماء حارًّا أو باردًا، فإنَّه رديٌّ جدًّا. قال الشَّاعر (^٢):
لا تكن عند أكلِ سُخْنٍ وبردٍ (^٣) ودخولِ الحمَّام تشرب ماءَ
فإذا ما اجتنبتَ ذلك حقًّا لم تخَفْ ما حَيِيتَ في الجوف داءَ
ويُكرَه شربُ الماء عقيب الرِّياضة والتَّعب، وعقيب الجماع، وعقيب الطَّعام وقبله (^٤)، وعقيب أكل الفاكهة ــ وإن كان الشُّربُ عقيبَ بعضها أسهل من بعضٍ ــ وعقيبَ الحمَّام، وعند الانتباه من النَّوم= فهذا كلُّه منافٍ لحفظ الصِّحَّة. ولا اعتبار بالعوائد، فإنَّها طبائع ثوانٍ.
فصل
وأمَّا هديه في الشَّراب (^٥) فمن أكمل هديٍ تُحفَظ به الصِّحَّة، فإنَّه كان
_________________
(١) كتاب الحموي (ص ٣٤٣).
(٢) نقل صاحب العِقد (٦/ ٢٧٨) البيتين من كتاب فرح بن سلام القرطبي الأديب المتطبب، وهو الذي أدخل كتب الجاحظ الأندلسَ رواية عنه. ترجمته في «تاريخ علماء الأندلس» لابن الفرضي (١/ ٤٥١ - دار الغرب) ونقلهما ابن القيم من كتاب الحموي (ص ٣٤٥ - ٣٤٦) و«العقد» من مصادره.
(٣) في كتاب الحموي ومصدره كتاب «العقد»: «سُخْن وبُهْر».
(٤) في س وقع «وعقيب الحمام» هنا. ثم لما كرَّره في موضعه فيما يأتي ضرب عليه.
(٥) س: «الشرب».
[ ٤ / ٣٢٢ ]
يشرب العسل الممزوج بالماء البارد (^١). وفي هذا من حفظ الصِّحَّة ما لا يهتدي إلى معرفته إلا أفاضل الأطبَّاء، فإنَّ شربَه ولعقَه على الرِّيق يذيب البلغمَ، ويغسل خَمْلَ (^٢) المعدة، ويجلو لزوجتها، ويدفع عنها الفضلات، ويسخِّنها باعتدالٍ ويفتح سُدَدها. ويفعل مثل ذلك بالكبد والكُلى والمثانة. وهو أنفع للمعدة من كلِّ حلوٍ دخلها. وإنَّما يضرُّ بالعرض لصاحب الصَّفراء لحدَّته وحدَّة الصَّفراء، فربَّما هيَّجها. ودفعُ مضرَّته لهم بالخلِّ، فيعود حينئذٍ لهم نافعًا جدًّا (^٣).
وشربُه أنفع من كثيرٍ من الأشربة المتَّخذة من السُّكَّر أو أكثرها، ولا سيَّما لمن لم يعتَدْ هذه الأشربة ولا ألِفها طبعُه، فإنَّه إذا شربها لا تلائمه ملاءمة العسل ولا قريبًا منه. والمحكَّم في ذلك العادة، فإنَّها تهدم أصولًا وتبني أصولًا.
وأمَّا الشَّراب إذا جمع وَصْفَي الحلاوة والبرودة، فمن أنفع شيءٍ للبدن ومن أكبر أسباب حفظ الصِّحَّة. وللأرواح والقوى والكبد والقلب عشقٌ شديدٌ له واستمدادٌ منه. وإذا كان فيه الوصفان حصلت به التَّغذية، وتنفيذُ الطَّعام إلى الأعضاء وإيصاله إليها أتمَّ تنفيذٍ.
والماء البارد رطبٌ يقمع الحرارة، ويحفظ على البدن رطوباته الأصليَّة
_________________
(١) هذا أحدُ معاني قول عائشة - ﵂ -: «كان أحبّ الشَّراب إلى رسول الله - ﷺ - الحلو البارد». وسيأتي تخريجه قريبًا. وانظر ما سبق في هديه - ﷺ - في علاج استطلاق البطن.
(٢) خمل المعدة: أليافها التي تغطي سطحها الباطن، وقد تقدَّم.
(٣) كتاب الحموي (ص ٧٦).
[ ٤ / ٣٢٣ ]
ويردُّ عليه بدل ما تحلَّل منها، ويرقِّق الغذاء، وينفذه في العروق (^١).
واختلف الأطبَّاء هل يغذِّي البدن؟ على قولين. فأثبتت طائفةٌ التَّغذية به بناءً على ما يشاهَد من النُّموِّ والزِّيادة والقوَّة في البدن به، ولا سيَّما عند شدَّة الحاجة إليه.
قالوا: وبين الحيوان والنَّبات قدرٌ مشتركٌ من وجوهٍ عديدةٍ، منها: النُّموُّ، والاغتذاء، والاعتدال. وفي النَّبات قوَّة حسٍّ وحركةٍ (^٢) تناسبه، ولهذا كان غذاء النَّبات بالماء. فما يُنكَر أن يكون للحيوان به نوع غذاءٍ، وأن يكون جزءًا من غذائه التَّامِّ؟
قالوا: ونحن لا ننكر أنَّ قوَّة الغذاء ومعظمه في الطَّعام، وإنَّما أنكرنا أن لا يكون للماء تغذيةٌ البتَّة.
قالوا: وأيضًا فالطَّعام إنَّما يغذِّي بما فيه من المائيَّة، ولولاها لما حصلت به التَّغذية.
قالوا: ولأنَّ الماء مادَّة حياة الحيوان والنَّبات، ولا ريب أنَّ ما كان أقرب إلى مادَّة الشَّيء حصلت به التَّغذية، فكيف إذا كان (^٣) مادَّته الأصليَّة! قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء: ٣٠] فكيف ننكر حصول التَّغذية بما هو مادَّة الحياة على الإطلاق؟
قالوا: وقد رأينا العطشان إذا حصل له الرِّيُّ بالماء البارد تراجعت إليه
_________________
(١) كتاب الحموي (ص ٤٨٤).
(٢) «وحركة» ساقط من طبعة الرسالة.
(٣) يعني الماء. وفي الأصل وغيره: «كانت»، ولعله سهو. والمثبت من س، ث، ل.
[ ٤ / ٣٢٤ ]
قواه ونشاطه وحركته، وصبَر عن الطَّعام، وانتفَع بالقدر اليسير منه. ورأينا العطشان لا ينتفع بالقدر الكثير (^١) من الطَّعام، ولا يجد به القوَّة والاغتذاء. ونحن لا ننكر أنَّ الماء يُنفذ الغذاء إلى أجزاء البدن وإلى جميع الأعضاء، وأنَّه لا يتمُّ أمرُ الغذاء إلا به؛ وإنَّما ننكر على من سلَبَ قوَّة التَّغذية عنه البتَّة، ويكاد قوله عندنا يدخل في إنكار الأمور الوجدانيَّة.
وأنكرت طائفةٌ أخرى حصول التَّغذية به واحتجَّت بأمورٍ يرجع حاصلها إلى عدم الاكتفاء به، وأنَّه لا يقوم مقام الطَّعام، وأنَّه لا يزيد في نموِّ الأعضاء ولا يُخْلِف عليها بدلَ ما حلَّلته الحرارة، ونحو ذلك ممَّا لا ينكره أصحاب التَّغذية فإنَّهم يجعلون تغذيته بحسب جوهره ولطافته ورقَّته. وتغذيةُ كلِّ شيءٍ بحسَبه. وقد شوهد الهواءُ الرَّطبُ البارد اللَّيِّن (^٢) اللَّذيذ يغذِّي بحسبه، والرَّائحةُ الطَّيِّبةُ تغذِّي نوعًا من الغذاء، فتغذيةُ الماء أظهر وأظهر.
والمقصود: أنَّه إذا كان باردًا، وخالَطَه ما يحلِّيه كالعسل أو الزَّبيب (^٣) والتَّمر والسُّكَّر (^٤)، كان (^٥) من أنفع ما يدخل البدنَ، وحفِظَ عليه صحَّتَه. فلهذا كان أحبُّ الشَّراب إلى رسول الله - ﷺ - الباردَ الحلوَ (^٦). والماء الفاتر ينفخ ويفعل ضدَّ هذه الأشياء.
_________________
(١) س: «الكبير».
(٢) ز، س، ث، ل: «الملين».
(٣) حط، ن: «والزبيب».
(٤) كذا في جميع النسخ. وفي طبعة عبد اللطيف وما بعدها: «أو التمر أو السكر».
(٥) في د بعده زيادة: «ذلك».
(٦) سيأتي تخريجه.
[ ٤ / ٣٢٥ ]
ولمَّا كان الماء البائت أنفع من الذي يُشرَب وقت استقائه قال النَّبيُّ - ﷺ - وقد دخل إلى حائط أبي الهيثم بن التَّيِّهان: «هل من ماءٍ بات في شَنَّةٍ؟». فأتاه به، فشرب منه. رواه البخاريُّ (^١) ولفظه: «إن كان عندكم ماءٌ بات في شَنٍّ وإلَّا كرَعنا».
والماء البائت بمنزلة العجين الخمير. والَّذي يُشرَب (^٢) لوقته بمنزلة الفطير. وأيضًا فإنَّ الأجزاء التُّرابيَّة والأرضيَّة تفارقه إذا بات.
وقد ذُكِر أنَّ النَّبيَّ - ﷺ - كان يُستعذب له الماءُ، ويختار البائت منه (^٣).
وقالت عائشة: كان رسول الله - ﷺ - يُستقى له الماء العذب من بئر السُّقيا (^٤).
والماء الذي في القِرَب والشِّنان ألذُّ من الذي يكون في آنية الفخَّار
_________________
(١) برقم (٥٦٢١) من حديث جابر ولفظه: «عندك» و«شنَّةٍ»، وإنما اغترَّ المؤلف بسياق الحموي (ص ٤٨٨) مع أنه لم ينصَّ على أن هذا لفظه.
(٢) س، حط، ن: «شرب».
(٣) انظر: مخطوط كتاب الحموي (ق ١٥٢/أ) وقد حذف ناشره «له». روي حديث عائشة الآتي بلفظ: كان رسول الله - ﷺ - يُستعذب له الماء من السقيا، عن أبي داود وابن سعد في الطبقات وغيرهما. وأما اختيار البائت فكما في حديث جابر الذي مرّ قبل قليل.
(٤) أخرجه أبو داود (٣٧٣٥)، وابن سعد في «الطَّبقات» (١/ ٤٩٤، ٥٠٦)، وأحمد (٢٤٦٩٣، ٢٤٧٧٠)، وأبو يعلى (٤٦١٣)، وغيرهم. وصحَّحه ابن حبَّان (٥٣٣٢)، والحاكم (٤/ ١٣٨)، والإشبيليُّ في «الأحكام الصُّغرى» (٢/ ٧٩٨)، وجوَّد إسناده ابن حجر في «الفتح» (١٠/ ٧٤). وأعلّه الإمام أحمد، كما في «مسائل أبي داود» (٤١٨).
[ ٤ / ٣٢٦ ]
والأحجار وغيرها، ولا سيَّما أسقية الأَدَم. ولهذا التمس النَّبيُّ - ﷺ - ماءً بات في شنَّةٍ دون غيرها من الأواني. وفي الماء إذا وُضِع في الشِّنان وقِرَب الأَدَم خاصَّةٌ لطيفةٌ لما فيها من المسامِّ المنفتحة الَّتي يرشح منها الماء. ولهذا الماءُ (^١) في الفخَّار الذي يرشح ألذُّ (^٢) منه وأبردُ في الذي لا يرشح. فصلاة الله وسلامه على أكمل الخلق، وأشرفِهم نفسًا، وأفضلِهم هديًا في كلِّ شيءٍ. لقد دلَّ أمَّته على أفضل الأمور وأنفعِها لهم في القلوب والأبدان والدُّنيا والآخرة.
قالت عائشة: كان أحبُّ الشَّراب إلى رسول الله - ﷺ - الحلو البارد (^٣). وهذا يحتمل أن تريد (^٤) به الماء العذب كمياه العيون والآبار الحلوة فإنَّه كان يُستعذَب له الماء. ويحتمل أن تريد به الماء الممزوج بالعسل (^٥) أو الذي نُقِعَ فيه التَّمر والزَّبيب. وقد يقال ــ وهو الأظهر ــ: يعمُّهما جميعًا.
_________________
(١) في طبعة الرسالة: «كان الماء» تبعًا للفقي الذي زاد «كان».
(٢) ث، ل: «من الفخار ألذُّ»، تحريف وسقط.
(٣) أخرجه التِّرمذيُّ (١٨٩٥)، والنَّسائيُّ في «الكبرى» (٦٨١٥)، وأحمد (٢٤١٠٠، ٢٤١٢٩)، وأبو يعلى (٤٥١٦)، وابن عديٍّ في «الكامل» (٥/ ٣٠٤)، وغيرهم. واختُلف في إسناده، فيُروى من مسند أبي هريرة - ﵁ -، ورجَّح أبو زرعة إرساله كما في «العلل» لابن أبي حاتم (٤/ ٤٨٨)، وكذا التِّرمذي، والدَّارقطني في «العلل» (١٤/ ١١٩)، والبيهقي في «الآداب» (ص ١٧٤)، ومع ذلك صحَّحه الحاكم (٤/ ١٣٧)، وخرَّجه الألبانيُّ في «السِّلسلة الصَّحيحة» (٢١٣٤، ٣٠٠٦). وفي الباب عن ابن عبَّاس - ﵄ -.
(٤) لم ينقط حرف المضارع في الأصل هنا وفي الموضع الآتي، وكذا في ث. وفي ن في الموضعين: «تريد»، وفي حط: «يريد» أي القائل. والأخرى مذبذبة بينهما.
(٥) أثبت ناسخ د «الماء الممزوج بالعسل» في السطر السابق بعد كلمة «العذب».
[ ٤ / ٣٢٧ ]
وقوله في الحديث الصَّحيح: «إن كان عندك ماءٌ بات في شنٍّ وإلَّا كرَعنا» فيه دليلٌ على جواز الكَرْع، وهو الشُّرب بالفم من الحوض والمِقْراة (^١) ونحوها. وهذه ــ والله أعلم ــ واقعةُ عينٍ دعت الحاجةُ فيها إلى الكرع بالفم، أو قاله مبيِّنًا لجوازه؛ فإنَّ من النَّاس من يكرهه. والأطبَّاء تكاد تحرِّمه، ويقولون: إنَّه يضرُّ بالمعدة. وقد روي في حديثٍ لا أدري ما حاله عن ابن عمر أنَّ النَّبيَّ - ﷺ - نهانا أن نشرب على بطوننا، وهو الكرع، ونهانا أن نغترف باليد الواحدة. وقال: «لا يَلَغْ أحدكم كما يَلَغُ الكلب، ولا يشربْ باللَّيل من إناءٍ حتَّى يختبره إلا أن يكون مخمَّرًا» (^٢).
وحديث البخاريِّ أصحُّ من هذا. وإن صحَّ فلا تعارض بينهما؛ إذ لعلَّ الشُّرب باليد لم يكن يمكن حينئذٍ، فقال: «وإلَّا كرعنا». والشُّرب بالفم إنَّما يضرُّ إذا انكبَّ الشَّارب على وجهه وبطنه كالَّذي يشرب من النَّهر والغدير. فأمَّا إذا شرب منتصبًا بفمه من حوضٍ مرتفعٍ ونحوه، فلا فرق بين أن يشرب بيده أو بفمه.
_________________
(١) المقراة: شبه حوض ضخم.
(٢) أخرجه ابن ماجه (٣٤٣١)، وابن أبي عاصم في «الآحاد والمثاني» (٢٧٣٣)، من حديث ابن عمر - ﵄ -. وإسناده ضعيف؛ فيه بقيَّة ــ وهو ابن الوليد ــ كثير التَّدليس عن الضُّعفاء وقد عنعن، عن مسلم بن عبد الله، عن زياد بن عبد الله، وهما مجهولان. قال الدَّميريُّ كما في «الحاشية على سنن ابن ماجه» للسِّنديِّ (٢/ ٣٣٨): «هذا حديث منكرٌ»، وضعَّف إسناده البوصيريُّ في «المصباح» (٤/ ٤٧)، وابن حجر في «الفتح» (١٠/ ٧٧)، وهو في «السِّلسلة الضَّعيفة» (٢١٦٨).
[ ٤ / ٣٢٨ ]
فصل في هديه ﷺ في الشرب قاعدا وآفات الشرب قائما
فصل
وكان من هديه: الشُّرب قاعدًا. هذا كان هديه المعتاد، وصحَّ عنه أنَّه نهى عن الشُّرب قائمًا (^١)، وصحَّ عنه أنَّه أمر الذي شرب قائمًا أن يستقيء (^٢)، وصحَّ عنه أنَّه شرب قائمًا (^٣). فقالت طائفة (^٤): هذا ناسخٌ للنَّهي. وقالت طائفة: بل مبيِّنٌ أنَّ النَّهي ليس للتَّحريم، بل للإرشاد وترك الأولى. وقالت طائفة: لا تعارض بينهما أصلًا، فإنَّه إنَّما شرب قائمًا للحاجة، فإنَّه جاء إلى زمزم وهم يستقُون منها، فاستسقَى (^٥)، فناولوه الدَّلوَ، فشرِب وهو قائمٌ، وهذا كان موضع حاجةٍ (^٦).
وللشُّرب قائمًا آفاتٌ عديدةٌ، منها: أنَّه لا يحصل به الرِّيُّ التَّامُّ، ولا يستقرُّ في المعدة حتَّى تقسمه (^٧) الكبد على الأعضاء، وينزل بسرعةٍ وحدَّةٍ إلى المعدة، فيخشى منه أن يبرِّد حرارتها ويشوِّشها؛ ويسرع النُّفوذ إلى أسافل (^٨) البدن بغير تدريجٍ= وكلُّ هذا يضرُّ بالشَّارب. فأمَّا إذا فعله نادرًا أو
_________________
(١) سبق تخريجه في المجلد الأول.
(٢) أخرجه مسلم (٢٠٢٦) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.
(٣) سبق تخريجه في المجلد الأول.
(٤) في النسخ المطبوعة: «قالت».
(٥) في النسخ المطبوعة: «فاستقى».
(٦) انظر ما سبق في المجلد الأول في هديه - ﷺ - وسيرته في الطعام والشراب.
(٧) في النسخ المطبوعة: «يقسمه». والمثبت من س، حط، د، ن. وفي غيرها أهمل حرف المضارع.
(٨) ن: «أسفل».
[ ٤ / ٣٢٩ ]
فصل في تنفسه ﷺ في الشراب ثلاثا
لحاجةٍ لم يضرَّه. ولا يعترض بالعوائد على هذا، فإنَّ العوائد طبائع ثوانٍ، ولها أحكامٌ أخرى، وهي بمنزلة الخارج عن القياس عند الفقهاء.
فصل
وفي «صحيح مسلم» (^١) من حديث أنس بن مالكٍ قال: كان رسول الله - ﷺ - يتنفَّس في الشَّراب ثلاثًا، ويقول: «إنَّه أروى، وأمرأ، وأبرأ».
الشَّراب في لسان الشَّارع وحَمَلة الشَّرع هو: الماء، ومعنى تنفُّسه في الشَّراب: إبانتُه (^٢) القدحَ عن فيه، وتنفُّسُه خارجَه، ثمَّ يعود إلى الشَّراب، كما جاء مصرَّحًا به في الحديث الآخر: «إذا شرب أحدكم فلا يتنفَّس في القدَح، ولكن لِيُبِنِ الإناءَ عن فيه» (^٣).
وفي هذا الشُّرب حِكَمٌ جمَّةٌ، وفوائد مهمَّةٌ. وقد نبَّه - ﷺ - على مجامعها بقوله: «إنَّه أروى، وأمرأ، وأبرأ». فأروى: أشدُّ ريًّا وأبلغُه وأنفعُه. وأبرأ: أفعَل من البُرْء وهو الشِّفاء، أي يبرئ من شدَّة العطش ودائه، لتردُّده على المعدة الملتهبة دفعاتٍ، فتسكِّن الدُّفعةُ الثَّانيةُ ما عجزت الأولى عن تسكينه، والثَّالثةُ ما عجزت الثَّانية عنه (^٤).
_________________
(١) برقم (٢٠٢٨).
(٢) س، ث، حط، ل: «إبانة».
(٣) أخرجه ابن ماجه (٣٤٢٧)، وأبو يعلى (٦٦٧٧)، من حديث أبي هريرة - ﵁ - بمعناه. وصحَّح إسناده الحاكم (٤/ ١٣٩)، والبوصيري في «المصباح» (٤/ ٤٧)، وحسَّنه الألباني في «السِّلسلة الصَّحيحة» (٣٨٦). وفي الباب عن أبي قتادة وأبي سعيد وابن عبَّاس وسهل بن سعد - ﵃ -.
(٤) من «أي يبرئ» إلى هنا منقول من كتاب الحموي (ص ١٩٥).
[ ٤ / ٣٣٠ ]
وأيضًا فإنَّه أسلم لحرارة المعدة وأبقى عليها من أن يهجم عليها الباردُ وهلةً واحدةً ونهلةً واحدةً.
وأيضًا فإنَّه لا يُروي لمصادفته لحرارة العطش لحظةً ثمَّ يقلع عنها، ولمَّا يكسِر (^١) سورتَها وحدَّتَها، وإن انكسرت لم تبطل بالكلِّيَّة؛ بخلاف كسرها على التَّمهُّل والتَّدريج.
وأيضًا فإنَّه أسلم عاقبةً وآمن غائلةً من تناول جميع ما يُروي دفعةً واحدةً فإنَّه يخاف منه أن يطفئ الحرارة الغريزيَّة بشدَّة برده وكثرة كمِّيَّته أو يُضْعِفها فيؤدِّي ذلك إلى فساد مزاج المعدة والكبد وإلى أمراضٍ رديَّةٍ، خصوصًا في سكَّان البلاد الحارَّة كالحجاز واليمن ونحوهما، أو في الأزمنة الحارَّة كشدَّة الصَّيف، فإنَّ الشُّرب وهلةً واحدةً مخوفٌ عليهم جدًّا، فإنَّ الحارَّ الغريزيَّ ضعيفٌ في بواطن أهلها وفي تلك الأزمنة الحارَّة (^٢).
وقوله: «وأمرأ» هو أفعَلُ من مرئ الطَّعامُ والشَّرابُ في بدنه، إذا دخله وخالطه بسهولةٍ ولذَّةٍ ونفعٍ. ومنه: ﴿فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء: ٤]: هنيئًا في عاقبته، مريئًا في مذاقه. وقيل: معناه (^٣) أنَّه أسرع انحدارًا عن المريء لسهولته وخفَّته عليه، بخلاف الكثير فإنَّه لا يسهل على المريء انحداره.
ومن آفات الشُّرب نهلةً واحدةً: أنَّه يخاف منه الشَّرَق بأن ينسدَّ مجرى الشَّراب لكثرة الوارد عليه، فيغصُّ به. فإذا تنفَّس رويدًا ثمَّ شرِبَ أمِنَ ذلك.
_________________
(١) في النسخ المطبوعة: «تكسر».
(٢) انظر هذه الفقرة بشيء من الزيادة في كتاب الحموي (ص ١٩٥).
(٣) يعني: معنى قوله - ﷺ -: «وأمرأ». وانظر هذا التفسير في كتاب الحموي (ص ١٩٦).
[ ٤ / ٣٣١ ]
ومن فوائده: أنَّ الشَّارب إذا شرب أوَّل مرَّةٍ تصاعد البخار الدُّخانيُّ الحارُّ الذي كان على القلب والكبد لورود الماء البارد عليه، فأخرجته الطَّبيعة عنها. فإذا شرب مرَّةً واحدةً اتَّفق نزولُ الماء البارد وصعودُ البخار، فيتدافعان ويتعالجان. ومن ذلك يحدث الشَّرَق والغصَّة، ولا يتهنَّأ الشَّارب بالماء ولا يُمرئه، ولا يتمُّ ريُّه.
وقد روى عبد الله بن المبارك والبيهقي (^١) وغيرهما عن النَّبيِّ - ﷺ -: «إذا شرب أحدكم فليمُصَّ الماء مصًّا، ولا يعُبَّ عبًّا فإنَّه من الكُبَاد».
والكُبَاد بضمِّ الكاف وتخفيف الباء هو وجع الكبد (^٢). وقد عُلِم بالتَّجربة أنَّ ورود الماء جملةً واحدةً على الكبد يؤلمها ويُضعِف حرارتها. وسبب ذلك: المضادَّة الَّتي بين حرارتها وبين ما ورد عليها من كيفيَّة المُبَرِّد (^٣) وكمِّيَّته. ولو ورد بالتَّدريج شيئًا فشيئًا لم يضادَّ حرارتها ولم يُضْعِفها. وهذا مثاله: صبُّ الماء البارد على القِدْر وهي تفور، لا يضرُّها صبُّه قليلًا قليلًا.
_________________
(١) أخرجه ابن المبارك ــ ومن طريقه أخرجه أبو نعيم في «الطِّب النَّبوي» (٣٧٣) ــ عن معمر، عن ابن أبي حسين به مُرسلًا، ولفظه في آخره: «فإنَّ الكُبادَ من العَبِّ». وأخرجه البيهقيُّ في «الكبرى» (٧/ ٢٨٤) وفي «الشُّعب» (٥٦١١) من طريق عبد الرَّزَّاق عن معمر به، وهو في «الجامع» لمعمر (١٩٥٩٤ - آخر «المصنَّف»). وفي الباب عن أنس وعليٍّ - ﵄ -، وعن ابن شهاب وعطاء بن أبي رباح مرسلًا. وينظر: «السِّلسلة الضَّعيفة» (٢٥٧١، ١٤٢٨، ٢٣٢٣، ٩٤٠).
(٢) «النهاية في غريب الحديث» (٤/ ١٣٩).
(٣) في ن: «المبرود»، تحريف. وكذا في النسخ المطبوعة.
[ ٤ / ٣٣٢ ]
فصل في تغطية الإناء وإيكاء السقاء
وقد روى الترمذي في «جامعه» (^١) عنه - ﷺ -: «لا تشربوا نفَسًا واحدًا كشُرب البعير، لكن اشربوا مثنى وثلاث، وسمُّوا إذا أنتم شربتم، واحمدوا إذا أنتم فرغتم» (^٢).
وللتِّسمية في أوَّل الطَّعام والشَّراب وحمد الله في آخره تأثيرٌ عجيبٌ في نفعه، واستمرائه، ودفع مضرَّته.
قال الإمام أحمد: إذا جمَع الطَّعامُ أربعًا فقد كمُل: إذا ذُكِر اسمُ الله في أوَّله، وحُمِد الله في آخره، وكثرت عليه الأيدي، وكان من حِلٍّ (^٣).
فصل
وقد روى مسلم في «صحيحه» (^٤): من حديث جابر بن عبد الله قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «غطُّوا الإناءَ، وأَوكُوا السِّقاءَ، فإنَّ في السَّنة ليلةً ينزل فيها وباءٌ، لا يمرُّ بإناءٍ ليس عليه غطاءٌ، وسقاءٍ ليس عليه وكاءٌ= إلا وقع فيه من ذلك الدَّاء». وهذا ممَّا لا يناله علوم الأطبَّاء ومعارفهم، وقد عرفه من
_________________
(١) برقم (١٨٨٥) من حديث ابن عبَّاس - ﵄ -، وقال: «هذا حديث غريب». وأخرجه أيضًا الطَّبراني في «الكبير» (١١/ ١٦٦)، والبيهقيُّ في «الشُّعب» (٥٦١٤)، وغيرهما. وضعَّف إسناده ابن القطَّان في «الوهم والإيهام» (٣/ ٢٢٢، ٥٨٨)، وابن حجر في «الفتح» (١٠/ ٩٣). وفي الباب عن عكرمة وابن شهاب مرسلًا.
(٢) هذا لفظ الحديث في كتاب الحموي (ص ١٩٦).
(٣) أخرج ابن المبارك في «الزهد» (٦٠٩) وابن أبي الدنيا في كتاب «الإخوان» (٢٠٢) و«قرى الضيف» (٥٠) وأبو نعيم في «حلية الأولياء» (٦/ ٦١) عن شهر بن حوشب قال: كان يقال: إذا جمع الطعام أربعًا فقد كمل كلُّ شيء من شأنه إلخ.
(٤) برقم (٢٠١٤)، والنقل من كتاب الحموي (ص ٤٨٩).
[ ٤ / ٣٣٣ ]
عرفه من عقلاء النَّاس بالتَّجربة. قال اللَّيث بن سعدٍ أحد رواة الحديث: الأعاجم عندنا يتَّقون تلك اللَّيلة في السَّنة في كانون الأوَّل منها (^١).
وصحَّ عنه أنَّه أمر بتخمير الإناء ولو أن يعرض عليه عودًا (^٢). وفي عرض العود عليه من الحكمة أنَّه لا ينسى تخميره، بل يعتاده حتَّى بالعود. وفيه: أنَّه ربَّما أراد الدَّبيبُ (^٣) أن يسقط فيه، فيمرُّ على العود، فيكون العود جسرًا له يمنعه من السُّقوط فيه.
وصحَّ عنه: أنَّه أمر عند إيكاء الإناء بذكر اسم اللَّه، فإنَّ ذكر اسم الله عند تخمير الإناء يطرد عنه الشَّيطان، وإيكاؤه (^٤) يطرد عنه الهوامَّ، ولذلك أمر بذكر اسم الله (^٥) في هذين الموضعين لهذين المعنيين.
وروى البخاريُّ في «صحيحه» (^٦) من حديث ابن عبَّاسٍ أنَّ رسول الله - ﷺ - نهى عن الشُّرب مِن في السِّقاء.
وفي هذا آدابٌ (^٧) عديدةٌ:
_________________
(١) قول الليث في «صحيح مسلم» عقيب الحديث.
(٢) أخرجه البخاري (٥٦٢٣) ومسلم (٢٠١٢) من حديث جابر.
(٣) الدبيبُ هنا: كلُّ ما يدِبُّ. وجاء بهذا المعنى في كتاب «الفلاحة» لابن العوام (ص ٦٠٢، ٦٠٣ وغيرهما) أحال عليه دوزي (٤/ ٢٨٢). وانظر: «المعجم الوسيط» (دبب).
(٤) هكذا بالواو في جميع النسخ الخطية والمطبوعة، على أنه مبتدأ، لا معطوف على اسم أنَّ.
(٥) العبارة «عند تخمير اسم الله» ساقطة من ث، ل؛ لانتقال النظر.
(٦) برقم (٥٦٢٩).
(٧) كذا قال، والمذكورة فيما يأتي حِكَمٌ كما قال في آخرها.
[ ٤ / ٣٣٤ ]
منها: أنَّ تردُّد أنفاس الشَّارب فيه يُكْسِبه زهومةً ورائحةً كريهةً يُعاف لأجلها.
ومنها: أنَّه ربَّما غلب الدَّاخل إلى جوفه من الماء، فتضرَّر به.
ومنها: أنَّه ربَّما كان فيه حيوانٌ لا يشعر به، فيؤذيه.
ومنها: أنَّ الماء ربَّما كان فيه قذاةٌ أو غيرها لا يراها عند الشُّرب، فتلِجُ جوفه.
ومنها: أنَّ الشُّرب كذلك يملأ البطن من الهواء، فيضيق عن أخذ حظِّه من الماء، أو يزاحمه أو يؤذيه. ولغير ذلك من الحِكَم.
فإن قيل: فما تصنعون بما (^١) في «جامع الترمذي» (^٢): أنَّ رسول الله - ﷺ - دعا بإداوةٍ يوم أحدٍ، فقال: «اخنِثْ فمَ الإداوة»، ثمَّ شرب منها مِن فمها؟
قلنا: نكتفي فيه بقول الترمذي: هذا حديثٌ ليس إسناده بصحيحٍ، وعبد الله بن عمر العُمَريُّ يضعَّف من قبل حفظه، ولا أدري سمع من عيسى
_________________
(١) في س بعده زيادة: «جاء».
(٢) برقم (١٨٩١) من طريق عبد الرَّزَّاق، عن عبد الله بن عمر، عن عيسى بن عبد الله بن أنيس، عن أبيه - ﵁ - قال: «رأيت النَّبيَّ - ﷺ - قام إلى قربة معلَّقة، فخنثها، ثمَّ شرب من فيها». واللَّفظ الَّذي ذكره المصنِّف هو لفظ أبي داود (٣٧٢١) من طريق عبد الأعلى، عن عبيد الله بن عمر، عن عيسى بن عبد الله رجل من الأنصار، عن أبيه به. قال أبو داود كما في «تحفة الأشراف» (٤/ ٢٧٥): «هذا لا يُعرف عن عبيد الله بن عمر، والصَّحيح حديث عبد الرَّزَّاق، عن عبد الله بن عمر». ومشى ابن مفلح على ظاهر إسناد أبي داود فقال في «الآداب الشَّرعيَّة» (٣/ ١٨٠): «حديثٌ حسن، ورجاله ثقات».
[ ٤ / ٣٣٥ ]
فصل في النهي عن الشرب من ثلمة القدح وبيان مفاسده
أم لا. انتهى. يريد عيسى بن عبد الله الذي رواه عنه عن رجلٍ من الأنصار.
فصل
وفي «سنن أبي داود» (^١) من حديث أبي سعيدٍ الخدريِّ قال: نهى رسول الله - ﷺ - عن الشُّرب من ثُلْمة القدَح، وأن يُنفَخ في الشَّراب.
هذا (^٢) من الآداب الَّتي تتمُّ بها مصلحة الشَّارب، فإنَّ الشُّرب من ثُلمة القدَح فيه عدَّة مفاسد:
أحدها: أنَّ ما يكون على وجه الماء من قذًى أو غيره يجتمع إلى الثُّلمة بخلاف الجانب الصَّحيح.
الثَّاني: أنَّه ربَّما يشوِّش (^٣) على الشَّارب، ولم يتمكَّن (^٤) من حسن الشُّرب من الثُّلمة.
الثَّالث: أنَّ الوسخ والزُّهومة تجتمع في الثُّلمة، ولا يصل إليها الغسل كما يصل إلى الجانب الصَّحيح.
_________________
(١) برقم (٣٧٢٢). وأخرجه أيضًا أحمد (١١٧٦٠)، والبيهقيُّ في «الشُّعب» (٥٦١٨)، وغيرهما. وصحَّحه ابن حبَّان (٥٣١٥)، وقال ابن مفلح في «الآداب الشَّرعيَّة» (٣/ ١٨٠): «فيه قرَّة بن عبد الرحمن ضعَّفه الأكثر، وقال أحمد: منكر الحديث جدًّا». ولكن للحديث شواهد قوَّاه بها الألبانيُّ في «السِّلسلة الصَّحيحة» (٣٨٨).
(٢) في النسخ المطبوعة: «وهذا».
(٣) غيِّر في طبعة عبد اللطيف إلى «شوَّش» لأجل الفعل الماضي بعده! وكذا في الطبعات الخالفة.
(٤) س: «ولا يتمكن» لأجل الفعل المضارع قبله، فيما يظهر!
[ ٤ / ٣٣٦ ]
الرَّابع: أنَّ الثُّلمة محلُّ العيب في القدح، وهي أردى (^١) مكانٍ فيه، فينبغي تجنُّبه وقصدُ الجانب الصَّحيح؛ فإنَّ الرَّديَّ من كلِّ شيءٍ لا خير فيه. ورأى بعض السَّلف رجلًا يشتري حاجةً رديَّةً، فقال: لا تفعل. أمَا علمتَ أنَّ الله نزع البركة من كلِّ رديٍّ (^٢)؟
الخامس: أنَّه ربَّما كان في الثُّلمة شقٌّ أو تحديدٌ يجرح شفة (^٣) الشَّارب. ولغير هذه المفاسد (^٤).
وأمَّا النَّفخ في الشَّراب، فإنَّه يُكْسِبه من فم النَّافخ رائحةً كريهةً يُعاف لأجلها، ولا سيَّما إن كان متغيِّر الفم. وبالجملة، فأنفاس النَّافخ تخالطه. ولهذا جمع (^٥) - ﷺ - بين النَّهي عن التَّنفُّس في الإناء والنَّفخ فيه، في الحديث الذي رواه الترمذي (^٦) وصحَّحه عن ابن عبَّاسٍ قال: نهى رسول الله - ﷺ - أن يُتَنفَّس في الإناء أو يُنْفَخ فيه.
_________________
(١) كذا في جميع النسخ بتخفيف الهمزة.
(٢) قاله أبو قِلابة لأيوب السَّختياني لمّا رآه يشتري تمرًا رديًّا. أخرجه أبو نعيم في «الحلية» (٢/ ٢٨٦) وابن عساكر في «تاريخه» (٢٨/ ٣٠٨).
(٣) س، ث، ل: «فم».
(٤) س، ث، ل: «من المفاسد» بزيادة «من».
(٥) بعده في س، ث، ل: «النبي». وفي ن: «رسول الله».
(٦) برقم (١٨٨٨). وأخرجه أبو داود (٣٧٢٨)، وابن ماجه مقطَّعًا (٣٤٢٨، ٣٤٢٩)، وأحمد (١٩٠٧، ٢٨١٧، ٣٣٦٦)، وغيرهم. وصحَّحه ابن حبَّان (٥٣١٦)، والحاكم (٤/ ١٣٨)، ولفظه عندهما: «نهى أن يتنفَّس في الإناء، وأن يشربَ من في السِّقاء»، وصحَّحه الضِّياء في «المختارة» (١٢/ ١٣٨) والألباني في «الإرواء» (١٩٧٧).
[ ٤ / ٣٣٧ ]
فصل في شربه اللبن خالصا ومشوبا بالماء
فإن قيل: فما تصنعون بما في «الصَّحيحين» (^١) من حديث أنس أنَّ رسول الله - ﷺ - كان يتنفَّس في الإناء ثلاثًا؟
قيل: نقابله بالقبول والتَّسليم. ولا معارضة بينه وبين الأوَّل، فإنَّ معناه أنَّه كان يتنفَّس في شربه ثلاثًا. وذكر الإناء لأنَّه آلة الشُّرب. وهذا كما جاء في الحديث الصَّحيح: أنَّ إبراهيم ابن رسول الله - ﷺ - مات في الثَّدي، أي في مدَّة الرَّضاع (^٢).
فصل
وكان - ﷺ - يشرب اللَّبن خالصًا تارةً، ومشوبًا بالماء أخرى. وفي شرب اللَّبن الحلو في تلك البلاد الحارَّة خالصًا ومشوبًا نفعٌ عظيمٌ في حفظِ الصِّحَّة، وترطيبِ البدن وريِّ الكبد، ولا سيَّما اللَّبن الذي ترعى دوابُّه الشِّيح والقَيصُومَ والخُزامى (^٣) وما أشبهها، فإنَّ لبنها غذاءٌ مع الأغذية، وشرابٌ مع الأشربة، ودواءٌ مع الأدوية.
وفي «جامع الترمذي» (^٤) عنه - ﷺ -: «إذا أكل أحدكم طعامًا فليقل: اللَّهمَّ
_________________
(١) البخاري (٥٦٣١) ومسلم (٢٠٢٨).
(٢) أخرجه مسلم (٢٣١٦) من حديث أنس.
(٣) أنواع من النبات طيب الرائحة ترعاها الماشية.
(٤) برقم (٣٤٥٥) من طريق عليِّ بن زيد، عن عمر بن حرملة، عن ابن عبَّاس - ﵄ - به. وأخرجه أيضًا أبو داود (٣٧٣٠)، والنَّسائيُّ في «الكبرى» (١٠٠٤٥، ١٠٠٤٦)، وأحمد (١٩٧٨، ٢٥٦٩). وإسناده ضعيفٌ؛ عليٌّ ــ وهو ابن جُدعان ــ ضعيف، وشيخه مجهول. وأخرجه ابن ماجه (٣٣٢٢) عن هشام بن عمَّار، عن إسماعيل بن عيَّاش، عن ابن جريج، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عتبة، عن ابن عبَّاس بنحوه، وهذا طريقٌ مُعلٌّ؛ قال أبو حاتم كما في «العلل» لابنه (٤/ ٣٥٩): «ليس هذا من حديث الزُّهريِّ، إنَّما هو من حديث عليِّ بن زيد، عن عمر بن حرملة، عن ابن عبَّاس وأخاف أن يكونَ قد أُدخِل على هشام؛ لأنَّه لمَّا كبِر تغيَّر». وقد حسَّنه المصنِّف كما سبق (٢/ ٤٧٣) وابن حجر كما في «الفتوحات الرَّبَّانيَّة» (٥/ ٢٣٨)، وهو في «السِّلسلة الصَّحيحة» (٢٣٢٠).
[ ٤ / ٣٣٨ ]
فصل في صفة نبيذه ﷺ
بارِك لنا فيه، وأطعِمْنا خيرًا منه. وإذا سُقِي لبنًا فليقل: اللَّهمَّ بارِكْ لنا فيه، وزدنا منه؛ فإنَّه ليس شيءٌ يجزي من الطَّعام والشَّراب إلا اللَّبن». قال الترمذي: هذا حديثٌ حسنٌ (^١).
فصل
وثبت في «صحيح مسلم» (^٢) أنَّه - ﷺ - كان يُنْبَذ (^٣) له أوَّلَ اللَّيل، ويشربُه إذا أصبح يومَه ذلك، واللَّيلةَ الَّتي تجيء، والغدَ واللَّيلة الأخرى، والغدَ إلى العصر. فإن بقي منه شيءٌ سقاه الخادمَ أو أمرَ به فصُبَّ. وهذا النَّبيذ هو ماءٌ (^٤) يُطرَح فيه تمرٌ يحلِّيه. وهو يدخل في الغذاء والشَّراب، وله نفعٌ عظيمٌ في زيادة القوَّة وحفظ الصِّحَّة. ولم يكن يشربه بعد ثلاثٍ خوفًا من تغيُّره (^٥) إلى الإسكار.
_________________
(١) وهكذا في «تحفة الأشراف» (٥/ ١٨٦) ونسخة الكروخي. وقد ضرب بعضهم عليه في ز، وكتب: «صحيح» مع علامة «صح» والإشارة إلى أنه كذا في نسخة.
(٢) برقم (٢٠٠٤) من حديث ابن عباس - ﵄ -.
(٣) ن: «ينتبذ»، وكذا في «الصحيح».
(٤) في س، حط، د بالمدة على الألف. وفي النسخ المطبوعة: «ما».
(٥) ز، د، ن: «تغييره».
[ ٤ / ٣٣٩ ]
فصل
في تدبيره لأمر الملبس
وكان من أتمِّ الهدي، وأنفعه للبدن، وأخفِّه عليه، وأيسرِه لُبسًا وخَلعًا. وكان أكثرُ لُبسه الأردية والأُزُر، وهي أخفُّ على البدن من غيرها. وكان يلبس القميص، بل كان أحبَّ الثِّياب إليه (^١).
وكان هديُه في لُبسه لما يلبسه أنفعَ شيءٍ للبدن، فإنَّه لم يكن يطيل أكمامه ويوسِّعها بل كانت كمُّ (^٢) قميصه إلى الرُّسغ (^٣)، لا تجاوز اليدَ، فتشقَّ على لابسها، وتمنعَه خفَّة الحركة والبطش. ولا تقصر عن هذه، فتبرز للحرِّ والبرد.
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٤٠٢٥، ٤٠٢٦)، والتِّرمذيُّ (١٧٦٢ - ١٧٦٤)، والنَّسائيُّ في «الكبرى» (٩٥٨٩)، وابن ماجه (٣٥٧٥)، وأحمد (٢٦٦٩٥)، عن أمِّ سلمة - ﵂ -. وفي إسناده اختلاف. قال التِّرمذيُّ: «هذا حديث حسنٌ غريب، إنَّما نعرفه من حديث عبد المؤمن بن خالد، تفرَّد به»، وصحَّحه الحاكم (٤/ ١٩٢)، وقال ابن القطَّان في «الوهم والإيهام» (٢/ ٤٥١): «هو إمَّا منقطعٌ، وإمَّا متَّصل بمن لا تُعرف حاله».
(٢) يقصد «يدَ كمِّ قميصه» كما جاء في «سنن أبي داود» وغيرها، ولذلك أنَّث «كانت». ثم اضطربت النسخ في تذكير الأفعال المضارعة الآتية وتأنيثها مع قوله: «لابسها».
(٣) أخرجه أبو داود (٤٠٢٧)، والتِّرمذيُّ (١٧٦٥)، والنَّسائيُّ في «الكبرى» (٩٥٨٧)، من حديث عن أسماء بنت يزيد - ﵂ -. قال التِّرمذيُّ: «هذا حديث حسنٌ غريب»، وفي الإسناد شهر بن حوشب مختلفٌ فيه، وهو كثير الإرسال والأوهام. وبه ضعَّفه الألبانيُّ في «السِّلسلة الضَّعيفة» (٥/ ٤٧٤). وفي الباب عن أنس وابن عبَّاس وأبي كبشة الأنماريِّ - ﵃ -.
[ ٤ / ٣٤٠ ]
وكان ذيل قميصه وإزاره إلى أنصاف السَّاقين، لم يتجاوز الكعبين (^١) فيؤذي الماشي ويؤوده، ويجعله كالمقيَّد، ولم يقصُر عن عضلة ساقه (^٢) فتنكشف (^٣)، وتتأذَّى بالحرِّ والبرد.
ولم تكن عمامته بالكبيرة الَّتي يؤذي الرَّأسَ حملُها ويُضْعِفُه، ويجعله عرضةً للضَّعف والآفات، كما يشاهَد من حال أصحابها؛ ولا بالصَّغيرة الَّتي تقصُر عن وقاية الرَّأس من الحرِّ والبرد، بل وسطًا بين ذلك. وكان يُدخِلها تحت حَنَكه (^٤). وفي ذلك فوائد عديدة. فإنَّها تقي العنقَ الحرَّ والبردَ. وهو أثبت لها ولا سيَّما عند ركوب الخيل والإبل، والكرِّ والفرِّ. وكثيرٌ من النَّاس اتَّخذ الكلاليب عوضًا عن الحَنك، ويا بُعدَ ما بينهما في النَّفع والزِّينة! وأنت
_________________
(١) أخرج التِّرمذيُّ في «الشَّمائل» (١١٤)، وابن أبي شيبة (٣٨٠٠٧)، والرُّوياني (١١٥٥)، وأبو الشَّيخ في «أخلاق النَّبيِّ» (٢٦٩)، عن سلمة بن الأكوع قال: «كان عثمان بن عفَّان يأتزر إلى أنصاف ساقَيه، وقال: هكذا كانت إزرة صاحبي ــ يعني النَّبيَّ - ﷺ - ــ»، وفي إسناده موسى بن عُبيدة وهو ضعيف. وأخرج التِّرمذيُّ في «الشَّمائل» (١١٣)، والنَّسائيُّ في «الكبرى» (٩٦٠٢ - ٩٦٠٤)، وأحمد (٢٣٠٨٦)، وأبو الشَّيخ في «أخلاق النَّبي» (٢٧٠، ٢٧١)، من طريق الأشعث بن سليم، عن عمَّته، عن عمِّها أنَّه رأى إزار رسول الله - ﷺ - أسفل إلى نصف السَّاق، وعمَّةُ الأشعث لا تُعرف. وأخرج أبو الشَّيخ في «أخلاق النَّبيِّ» (٢٧٣) عن أبي العالية مرسلًا: أنَّ رسول الله - ﷺ - كان إزاره إلى نصف ساقيه.
(٢) س، ث، ل: «ساقيه».
(٣) «فتنكشف» ساقط من س.
(٤) لم أقف على فعل النَّبيِّ - ﷺ - لذلك. ورُوي عنه النَّهيُ عن الاقتِعاط والأمرُ بالتَّلحِّي. والاقتعاط: أن لا يجعَلَ تحت الحنك من العمامة شيئًا، والتلحِّي: جعلُ بعضِ العمامة تحت الحنك. انظر: «غريب الحديث» لأبي عبيد (٢/ ٥٣٧).
[ ٤ / ٣٤١ ]
إذا تأمَّلت هذه اللِّبسةَ وجدتها من أنفع اللِّبسات، وأبلغِها في حفظ صحَّة البدن وقوَّته، وأبعدِها من التَّكلُّف والمشقَّة على البدن.
وكان يلبس الخِفافَ في السَّفر دائمًا أو أغلبَ أحواله لحاجة الرِّجلين إلى ما يقيهما من الحرِّ والبرد، وفي الحضر أحيانًا.
وكان أحبُّ ألوان الثِّياب إليه البياض (^١)، والحِبرَة وهي البرود المحبَّرة. ولم يكن من هديه لبسُ الأحمر ولا الأسود ولا المصبَّغ ولا المصقول. وأمَّا الحُلَّة الحمراء الَّتي لبسها، فهي الرِّداء اليمانيُّ الذي فيه سوادٌ وحمرةٌ وبياضٌ كالحُلَّة الخضراء، فقد لبس هذه وهذه (^٢). وقد تقدَّم تقرير ذلك وتغليط من زعم أنَّه لبس الأحمر القانئ بما فيه كفايةٌ (^٣).
فصل
في تدبيره لأمر المسكن
لمَّا علم - ﷺ - أنَّه على ظهر سيرٍ، وأنَّ الدُّنيا مرحلة مسافرٍ ينزل فيها مدَّة عمره ثمَّ ينتقل عنها إلى الآخرة= لم يكن من هديه وهدي أصحابه ومَن تبعه: الاعتناءُ بالمساكن وتشييدُها وتعليتُها وزخرفتُها وتوسيعها، بل كانت من
_________________
(١) تقدَّم تخريجه في (١/ ١٣٩).
(٢) لبس النَّبيِّ - ﷺ - للحلَّة الخضراء أخرجه أبو داود (٤٠٦٥، ٤٢٠٦)، والتِّرمذيُّ (٢٨١٢)، والنَّسائيُّ (١٥٧٢، ٥٣١٩)، وأحمد (٧١٠٩، ٧١١٧، ١٧٤٩٤)، عن أبي رمثة - ﵁ - قال: «رأيت على النَّبيِّ - ﷺ - بردين أخضَرين». قال التِّرمذيُّ: «هذا حديث حسن غريب»، وصحَّحه ابن حبَّان (٥٩٩٥)، والحاكم (٢/ ٤٢٥)، والإشبيليُّ في «الأحكام الصُّغرى» (٢/ ٨١٣).
(٣) انظر ما سبق في (١/ ١٣٤ - ١٣٦).
[ ٤ / ٣٤٢ ]
أحسن منازل المسافر! تقي الحرَّ والبرد، وتستر عن العيون، وتمنع ولوجَ الدَّوابِّ (^١)، ولا يخاف سقوطها لفرط ثقلها، ولا تعشِّش فيها الهوامُّ لسعتها، ولا تعتَوِر عليها الأهوية والرِّياح المؤذية لارتفاعها. وليست تحت الأرض فتؤذي ساكنَها، ولا في غاية الارتفاع عليها، بل وسطٌ. وتلك أعدل المساكن وأنفعها، وأقلُّها حرًّا وبردًا، ولا تضيق عن ساكنها فينحصر، ولا تفضُل عنه بغير منفعةٍ ولا فائدةٍ فتأوي الهوامُّ في خلوِّها (^٢). ولم يكن فيها كُنُفٌ تؤذي ساكنها برائحتها، بل رائحتهُا من أطيب الرَّوائح لأنَّه كان يحبُّ الطِّيب ولا يزال عنده. وريحُه هو من أطيب الرَّائحة، وعرَقُه من أطيب الطِّيب. ولم يكن في الدَّار كنيفٌ تظهر رائحته. ولا ريب أنَّ هذه من أعدل المساكن، وأنفعها وأوفقها للبدن وحفظ صحَّته.
فصل
في تدبيره لأمر النَّوم واليقظة
من تدبَّر نومه ويقظته - ﷺ - وجده أعدل نومٍ وأنفعه للبدن والأعضاء والقوى، فإنَّه كان ينام أوَّل اللَّيل، ويستيقظ في أوَّل النِّصف الثَّاني (^٣)، فيقوم، ويستاك، ويتوضَّأ، ويصلِّي ما كتب الله له. فيأخذ البدن والأعضاء والقوى حظَّها من النَّوم والرَّاحة، وحظَّها من الرِّياضة، مع وفور الأجر. وهذا غاية
_________________
(١) ن: «من ولوج الدواب».
(٢) س: «خلولها».
(٣) ورد ذلك في وصفه - ﷺ - لقيام داود، كما في البخاري (١١٣١) ومسلم (١١٥٩) من حديث عبد الله بن عمرو. وأخرج البخاريُّ (١٠٩٥)، ومسلم (٧٣٩)، عن عائشة - ﵂ - قالت: «كان - ﷺ - ينام أوَّلَ اللَّيل، ويُحيي آخره».
[ ٤ / ٣٤٣ ]
حرف «إلى» ساقط من د.
صلاح القلب والبدن والدُّنيا والآخرة.
ولم يكن يأخذ من النَّوم فوق القدر المحتاج إليه، ولا يمنع نفسه من القدر المحتاج إليه منه. وكان يفعله على أكمل الوجوه، فينام إذا دعته الحاجة إلى النَّوم على شقِّه الأيمن ذاكرًا لله حتَّى تغلبه عيناه، غيرَ ممتلئ البدن من الطَّعام والشَّراب، ولا مباشرٍ بجنبه الأرض، ولا متَّخذٍ للفُرُش المرتفعة. بل له ضِجاعٌ من أَدَمٍ حشوُه لِيفٌ. وكان يضطجع على الوسادة، ويضع يده تحت خدِّه أحيانًا.
ونحن نذكر فصلًا في النَّوم والنَّافع (^١) منه والضَّارِّ، فنقول (^٢):
النَّوم: حالةٌ للبدن يتبعها غورُ الحرارة الغريزيَّة والقوى إلى (^٣) باطن البدن لطلب الرَّاحة. وهو نوعان: طبيعيٌّ وغير طبيعيٍّ. فالطَّبيعيُّ إمساك القوى النَّفسانيَّة عن أفعالها، وهي قوى الحسِّ والحركة الإراديَّة. ومتى أمسكت هذه القوى عن تحريك البدن استرخى، واجتمعت الرُّطوبات والأبخرة الَّتي كانت تتحلَّل وتتفرَّق بالحركات واليقظة في الدِّماغ الذي هو مبدأ هذه القوى، فيخدَر (^٤) ويسترخي. وذلك النَّوم الطَّبيعيُّ.
وأمَّا النَّوم غير الطَّبيعيِّ فيكون لعرضٍ أو مرضٍ. وذلك بأن تستولي
_________________
(١) س، ث، ل: «النافع» دون الواو قبله.
(٢) هذا الفصل منقول بتصرف من كتاب الحموي (ص ٢٠٠ - ٢٠٦).
(٣) حرف «إلى» ساقط من د.
(٤) ن: «فيتخدَّر». والفعلان مهملان في الأصل وبعض النسخ، وفي بعضها: «فتخدر وتسترخي». وفي مخطوط كتاب الحموي (ق ٥٥/ب): «فتخدر ويسترخي»، وكذا في د.
[ ٤ / ٣٤٤ ]
الرُّطوبات على الدِّماغ استيلاءً لا تقدر اليقظة على تفريقها، أو تصعد أبخرةٌ رطبةٌ كثيرةٌ كما يكون عقيب الامتلاء من الطَّعام والشَّراب، فتثقل الدِّماغَ وتُرخيه، فيخدَرُ (^١)، ويقع إمساك القوى النَّفسانيَّة عن أفعالها، فيكون النَّوم.
وللنَّوم فائدتان جليلتان. إحداهما: سكون الجوارح وراحتها ممَّا يعرض لها من التَّعب، فتريح الحواسَّ من نصَب اليقظة، وتزيل (^٢) الإعياء والكلال. والثَّانية: هضمُ الغذاء ونضجُ الأخلاط؛ لأنَّ الحرارة الغريزيَّة في وقت النَّوم تغور إلى باطن البدن، فتُعين على ذلك. ولهذا يبرد ظاهرُه، ويحتاج النَّائم إلى فضل دثارٍ.
وأنفَعُ النَّوم: أن ينام على الشِّقِّ الأيمن، ليستقرَّ الطَّعامُ بهذه الهيئة في المعدة استقرارًا حسنًا، فإنَّ المعدة أميل إلى الجانب الأيسر قليلًا. ثمَّ يتحوَّل إلى الشِّقِّ الأيسر قليلًا ليسرع الهضم بذلك لاشتمال (^٣) المعدة على الكبد. ثمَّ يستقرُّ نومه على الجانب الأيمن، ليكون الغذاء أسرع انحدارًا عن المعدة. فيكون النَّوم على الجانب الأيمن بداءة نومه ونهايته. وكثرةُ النَّوم على الجانب الأيسر مضرٌّ بالقلب بسبب ميل الأعضاء إليه، فتنصبُّ إليه الموادُّ.
وأردى (^٤) النَّوم: النَّوم على الظَّهر. ولا يضرُّ الاستلقاء عليه للرَّاحة من غير نومٍ. وأردى منه: أن ينام منبطحًا على وجهه. وفي «المسند» و«سنن ابن
_________________
(١) هنا أيضًا في ن: «فيتخدَّر»، واضطربت النسخ في حرف المضارعة في الفعلين السابقين.
(٢) س، ن: «فيريح ويزيل». والفعلان مهملان في ث، ل. وفي ز: «فتستريح».
(٣) كذا في جميع النسخ. وفي طبعة عبد اللطيف وما بعدها: «استمالة».
(٤) كذا في جميع النسخ هنا وفيما يأتي على تخفيف الهمز، وأصله: «أردأ».
[ ٤ / ٣٤٥ ]
ماجه» (^١) عن أبي أمامة قال: مرَّ النَّبيُّ - ﷺ - على رجلٍ نائمٍ في المسجد منبطحٍ على وجهه، فضربه برجله، وقال: «قم أو اقعد، فإنَّها نومةٌ جهنَّميَّةٌ».
قال أبقراط في كتاب «التَّقدمة» (^٢): وأمَّا نوم المريض على بطنه، من غير أن تكون عادته في صحَّته جرت بذلك، فذلك يدلُّ على اختلاط عقلٍ وعلى ألمٍ في نواحي البطن. قال الشُّرَّاح لكتابه (^٣): لأنَّه خالف العادة الجيِّدة إلى هيئةٍ رديَّة من غير سببٍ ظاهرٍ ولا باطنٍ.
_________________
(١) في مصدر المؤلف: «رواه ابن ماجه وغيره». هذا في مخطوطه (ق ٥٧/ب). أما المطبوع (ص ٢٠٦) فسقط منه «وغيره». ولم أقف عليه في «مسند أحمد» من حديث أبي أمامة، وإنما فيه (١٥٥٤٣) من حديث طِخفة الغفاري بلفظ: «إن هذه ضِجعة يبغضها الله»، وإسناده ضعيف لجهالة ابن طخفة الراوي عن أبيه. وفي «المسند» (١٩٤٧٣) أيضًا من مرسل عمرو بن الشَّريد بنحوه. وفيه أيضًا (٧٨٦٢) من حديث أبي هريرة إلا أن إسناده معلول، والصواب فيه عن طِخفة الغفاري. انظر: «إكرام الضيف» لإبراهيم الحربي (ص ٣٧ - ٣٩) و«العلل» لابن أبي حاتم (٥/ ٥٧٢ - ٥٧٥) وللدارقطني (٩/ ٣٠٠). وحديث أبي أمامة المذكورفي «سنن ابن ماجه» (٣٧٢٥) من طريق الوليد بن جميل، عن القاسم بن عبد الرَّحمن، عنه. وأخرجه أيضًا البخاريُّ في «الأدب المفرد» (١١٨٨)، والطَّبراني في «الكبير» (٨/ ٢٣٤). والوليد بن جميل قال أبو حاتم: «شيخٌ يروي عن القاسم أحاديث منكرة». ينظر: «الجرح والتَّعديل» (٩/ ٣).
(٢) أي: «تقدمة المعرفة»، كما في كتاب الحموي (ص ٢٠٦). وانظر نسخة الإسكوريال من الكتاب المذكور ضمن مجموع برقم ٨٥٧ (ق ٣٦/أ).
(٣) هو قول ابن قاضي بعلبك في «شرح تقدمة المعرفة» الذي جمعه من كلام شيخه مهذب الدين عبد الرحيم بن علي الطبيب (ت ٦٢٨ هـ) كما ذكر في مقدمة الشرح. انظر: نسخة جامعة الملك سعود برقم ١٩٤٩ (ق ٥/ب). وانظر ترجمة ابن قاضي بعلبك في «أعلام الزركلي» (٧/ ٢٥٥).
[ ٤ / ٣٤٦ ]
والنَّوم المعتدل ممكِّنٌ للقوى الطَّبيعيَّة من أفعالها، مريحٌ للقوَّة النَّفسانيَّة، مكثرٌ من جوهر حاملها، حتَّى إنَّه ربَّما عاد بإرخائه مانعًا من تحلُّل الأرواح.
ونوم النَّهار رديٌّ يورث الأمراض الرُّطوبيَّة والنَّوازل، ويفسد اللَّون ويورث الطِّحال، ويرخي العصَب، ويكسل ويضعف الشَّهوة، إلا في الصَّيف وقت الهاجرة. وأرداه نوم أوَّل النَّهار. وأردى منه النَّوم آخرَه بعد العصر.
ورأى عبد الله بن عبَّاسٍ ابنًا له نائمًا نومة الصُّبحة، فقال له: قُمْ (^١). أتنام في السَّاعة الَّتي تقسَّم فيها الأرزاق! (^٢).
وقيل (^٣): نوم النَّهار ثلاثةٌ: خلُقٌ، وخُرْقٌ، وحُمْقٌ. فالخلق: نومة الهاجرة وهي خلُق رسول الله - ﷺ -. والخُرْق (^٤): نومة الضُّحى تشغل عن أمر الدُّنيا والآخرة. والحُمْق: نومة العصر.
قال بعض السَّلف: من نام بعد العصر فاختُلِس عقلُه، فلا يلومنَّ إلا
_________________
(١) بعده في كتاب الحموي: «لا أنام الله عينك».
(٢) أخرجه الدِّينوريُّ في «المجالسة» (٢٠٤٧) من طريق ابن الأعرابيِّ قال: مرَّ عبد الله بن العبَّاس بالفضل ابنه وهو نائم نومة الضحى، فركله برجله وذكره بنحوه.
(٣) ساقه الحموي مع القول السابق مساقًا واحدًا كأنه جزء منه، إذ جاء فيه بعد «الأرزاق»: «أما علمت أنَّ نوم النهار ثلاثة » إلخ. وقد عزاه ابن عبد البر في «بهجة المجالس» (٢/ ٨٨) إلى عبد الله بن عمرو بن العاص، والزمخشري في «ربيع الأبرار» (٥/ ٢٩٢) إلى خوات بن جبير، بنحوه. والمؤلف صادر عن كتاب الحموي.
(٤) في جميع النسخ المطبوعة بالحاء المهملة، وهو تصحيف.
[ ٤ / ٣٤٧ ]
نفسه (^١).
وقال الشَّاعر:
ألا إنَّ نوماتِ الضُّحى تُورِث الفتى خَبالًا ونوماتُ العُصَير جنونُ (^٢)
ونوم الصُّبحة يمنع الرِّزق، لأنَّ ذلك وقتٌ تطلب فيه الخليقة أرزاقها، وهو وقت قسمة الأرزاق، فنومُه حرمانٌ إلا لعارضٍ أو ضرورةٍ. وهو مضرٌّ جدًّا بالبدن لإرخائه البدنَ، وإفساده الفضلاتِ الَّتي ينبغي تحليلها بالرِّياضة، فيُحْدِث تكسُّرًا وعياءً (^٣) أو ضعفًا (^٤). وإن كان قبل التَّبرُّز والحركة والرِّياضة (^٥) وإشغال المعدة بشيءٍ فذلك الدَّاء العُضال المولِّد لأنواع من الأدواء.
والنَّوم في الشَّمس يثير الدَّاء الدَّفين. ونوم الإنسان بعضه في الشَّمس وبعضه في الظِّلِّ رديٌّ. وقد روى أبو داود في «سننه» (^٦) من حديث أبي هريرة
_________________
(١) ذكره الحموي عن عروة عن عائشة مرفوعًا. ولا يصحُّ. انظر: «الموضوعات» لابن الجوزي (٣/ ٦٩) و«السلسلة الضعيفة» (٣٩).
(٢) أنشده الزمخشري في «الأساس» (نوم) و«الفائق» (٢/ ٢٧٧) و«ربيع الأبرار» (٥/ ٢٩١) دون عزو. وعزي في «ربيع الأبرار» (٥/ ٢٩٢) و«التذكرة الحمدونية» (٢/ ٢٤٥) إلى العباس بن عبد المطلب، مرَّ بابنه وهو نائم إلخ.
(٣) في الأصل مدَّة عن يمين الألف، وهمزة منونة عن يسارها، وأهمل فيه الحرف الثاني بعد العين. وكذا أهمل في ث، ل. والمثبت من ز، د. وفي س، حط: «عناء»، وكذا في الطبعة الهندية. وفي طبعة عبد اللطيف وما بعدها: «عيًّا». وفي كتاب الحموي: «إعياء».
(٤) س، ث، ل: «وضعفًا»، أو كذا في كتاب الحموي.
(٥) كتاب الحموي: «والحركة الرياضية».
(٦) برقم (٤٨٢١) من طريق محمَّد بن المنكدر، عمَّن سمع أبا هريرة، عن أبي هريرة - ﵁ - به، وفيه راوٍ مبهمٌ. وأخرجه أيضًا أحمد (٨٩٧٦) من طريق محمَّد بن المنكدر، عن أبي هريرة - ﵁ -، وهذا منقطع. ويُروى موقوفًا. وضعَّف إسنادَه السَّخاويُّ في «الأجوبة المرضية» (٢/ ٨٥١) وقال: «وله شواهد»، ثمَّ ذكرها. وينظر: «السلسلة الصحيحة» (٨٣٧) و(٧/ ٣٠١).
[ ٤ / ٣٤٨ ]
قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إذا كان أحدكم في الشَّمس، فقلَص عنه الظِّلُّ فصار بعضه في الشَّمس وبعضه في الظِّلِّ، فليقُمْ».
وفي «سنن ابن ماجه» (^١) وغيره من حديث بريدة بن الحُصَيب أنَّ رسول الله - ﷺ - نهى أن يقعد الرَّجل بين الظِّلِّ والشَّمس.
وهذا تنبيهٌ على منع النَّوم بينهما.
وفي «الصَّحيحين» (^٢) عن البراء بن عازبٍ أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: «إذا أتيتَ مضجعك فتوضَّأ وضوءك للصَّلاة، ثمَّ اضطَجِعْ على شقِّك الأيمن، ثمَّ قل: اللَّهمَّ إنِّي أسلمتُ وجهي (^٣) إليك (^٤)، وفوَّضتُ أمري إليك، وألجأتُ ظهري إليك رغبةً ورهبةً إليك، لا ملجا ولا منجا منك إلا إليك. آمنتُ
_________________
(١) برقم (٣٧٢٢) من طريق أبي المنيب، عن ابن بريدة، عن أبيه - ﵁ -. وأخرجه أيضًا ابن أبي شيبة (٢٥٧٢٨)، وابن عدي في «الكامل» (٥/ ٥٣١)، والحاكم (٤/ ٢٧٢). قال ابن القطَّان في «أحكام النَّظر» (ص ٢٦٦): «هو ممَّا (أنكروه) على أبي المنيب، وقد اختلف أهل العلم فيه؛ فوثَّقه قوم، وضعَّفه آخرون، واعتلُّوا عليه بأحاديث منكرة يرويها»، وحسَّن إسناده البوصيريُّ في «المصباح» (٤/ ١١٦)، وهو في «السِّلسلة الصَّحيحة» (٢٩٠٥).
(٢) البخاري (٦٣١١) ومسلم (٢٧١٠)، وهذا لفظه.
(٣) في النسخ المطبوعة: «نفسي» كما في «صحيح البخاري» (٦٣١٥).
(٤) في النسخ المطبوعة بعده زيادة: «ووجهت وجهي إليك» كما في حديث البخاري (٦٣١٥)، وتفسير المؤلف للحديث فيما يأتي على هذه الرواية.
[ ٤ / ٣٤٩ ]
بكتابك الذي أنزلتَ، ونبيِّك الذي أرسلتَ. واجعلهنَّ آخر كلامك، فإن متَّ من ليلتك متَّ على الفطرة».
وفي «صحيح البخاريِّ» (^١) عن عائشة أنَّ رسول الله - ﷺ - كان إذا صلَّى ركعتي الفجر ــ يعني سنَّتها ــ اضطجع على شقِّه الأيمن.
وقد قيل (^٢): إنَّ الحكمة في النَّوم على الجانب الأيمن أن لا يستغرق النَّائم في نومه، لأنَّ القلب فيه ميلٌ إلى جهة اليسار، فإذا نام على جنبه الأيمن طلب القلبُ مستقرَّه من الجانب الأيسر. وذلك يمنع من استقرار النَّائم واستثقاله في نومه، بخلاف قراره في النَّوم على اليسار، فإنَّه في مستقرِّه، فيحصل بذلك الدَّعة التَّامَّة، فيستغرق الإنسان في نومه ويستثقل، فتفوته مصالح دينه ودنياه.
ولمَّا كان النَّائم بمنزلة الميِّت، والنَّوم أخو الموت، ولهذا يستحيل على الحيِّ الذي لا يموت، وأهلُ الجنَّة لا ينامون فيها= كان النَّائم محتاجًا إلى من يحرس نفسه ويحفظها ممَّا يعرض لها من الآفات، ويحرس بدنه أيضًا من طوارق الآفات، وكان ربُّه وفاطره تعالى هو المتولِّي لذلك وحده= علَّم النَّبيُّ - ﷺ - النَّائمَ أن يقول كلمات التَّفويض والالتجاء والرَّغبة والرَّهبة، ليستدعي بها كمالَ حفظ الله له وحراسته لنفسه وبدنه. وأرشده مع ذلك إلى أن يستذكر الإيمانَ، وينام عليه، ويجعل التَّكلُّمَ به آخر كلامه، فإنَّه ربَّما توفَّاه الله في منامه؛ فإذا كان الإيمان آخر كلامه دخل الجنَّة. فتضمَّن هذا الهديُ في المنام مصالحَ القلب والبدن والرُّوح، في النَّوم واليقظة، والدُّنيا والآخرة. فصلوات
_________________
(١) برقم (١١٦٠).
(٢) انظر: كتاب الحموي (ص ٢٠٥ - ٢٠٦). وانظر ما سبق في (ص ٣٤٥) و(١/ ٣٧٧).
[ ٤ / ٣٥٠ ]
الله وسلامه على من نالت به أمَّته كلَّ خيرٍ.
وقوله (^١): «أسلمتُ نفسي إليك» أي: جعلتها مسلَّمةً لك تسليمَ العبد المملوك نفسَه إلى سيِّده ومالكه.
وتوجيهُ وجهه إليه يتضمَّن إقباله بالكلِّيَّة على ربِّه، وإخلاصَ القصد والإرادة له، وإقرارَه بالخضوع والذُّلِّ والانقياد. قال تعالى: ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ﴾ (^٢) [آل عمران: ٢٠].
وذكَر «الوجه»، إذ هو أشرف ما في الإنسان ومجمَعُ (^٣) الحواسِّ. وأيضًا ففيه معنى التَّوجُّه (^٤) والقصد من قوله:
ربَّ العباد إليه الوجهُ والعمَلُ (^٥)
وتفويضُ الأمر إليه: ردُّه إلى الله سبحانه. وذلك يوجب سكون القلب وطمأنينته، والرِّضى بما يقضيه ويختاره له ممَّا يحبُّه ويرضاه. والتَّفويض من أشرف مقامات العبوديَّة، ولا علَّة فيه، وهو من مقامات الخاصَّة خلافًا
_________________
(١) لفظ الحديث الذي فسَّره هنا هو لفظ البخاري (٦٣١٥).
(٢) في ن زيادة: «ومن اتبعن».
(٣) ز، د: «ويجمع».
(٤) ث، ل: «التوحيد»، تصحيف.
(٥) زاد ناشر طبعة الرسالة في متنها صدر البيت دون تنبيه: أستغفرُ الله ذنبًا لستُ مُحْصِيَه وهو من شواهد سيبويه (١/ ٣٧). وذكره الفراء في «معاني القرآن» (١/ ٢٣٣) من إنشاد الكسائي. ولم يعرف قائله.
[ ٤ / ٣٥١ ]
لزاعمي خلاف ذلك (^١).
وإلجاء الظَّهر إليه سبحانه يتضمَّن قوَّة الاعتماد عليه، والثِّقة به، والسُّكون إليه، والتَّوكُّل عليه؛ فإنَّ من أسند ظهرَه إلى ركنٍ وثيقٍ لم يخف السُّقوط.
ولمَّا كان للقلب قوَّتان: قوَّة الطَّلب وهي الرَّغبة، وقوَّة الهرب وهي الرَّهبة؛ وكان العبد طالبًا لمصالحه، هاربًا من مضارِّه= جمع الأمرين في هذا التَّفويض والتَّوجُّه، فقال: «رغبةً ورهبةً إليك».
ثمَّ أثنى على ربِّه بأنَّه لا ملجأ للعبد سواه، ولا منجا له منه غيره. فهو الذي يلجأ إليه العبد لينجِّيه من نفسه، كما في الحديث الآخر: «أعوذ برضاك من سخطك، وبعفوك (^٢) من عقوبتك، وأعوذ بك منك» (^٣). فهو سبحانه الذي يعيذ عبدَه، وينجِّيه من بأسه الذي هو بمشيئته وقدرته. فمنه البلاء، ومنه الإعانة. ومنه ما يطلب النَّجاة منه، وإليه الالتجاء في النَّجاة. فهو الذي يُلْجَأ إليه في أن ينجِّي ممَّا منه، ويستعاذ به ممَّا منه. فهو ربُّ كلِّ شيءٍ، ولا يكون شيءٌ إلا
_________________
(١) لم يذكر ابن العريف «التفويض» في كتابه «محاسن المجالس» في علل المقامات، ولا أشار صاحب «منازل السائرين» إلى علة في منزلة التفويض، وكلاهما قَدَح في «التوكل»، وردّ عليهما المؤلف في «طريق الهجرتين» (٢/ ٥٥٥ - ٥٧٤) و«مدارج السالكين» (٢/ ١٦٣ - ١٦٩). ثم انظر كلام أبي علي الدقاق الذي نقله المؤلف في «المدارج» (٢/ ١٤٥) ومنه: «التوكل صفة العوام، والتسليم صفة الخواص، والتفويض صفة خاصة الخاصة». فكأن التوكل التبس هنا بالتفويض.
(٢) غيِّر في طبعة الرسالة إلى «بمعافاتك» كما في «صحيح مسلم» دون تنبيه. وانظر لفظ «بعفوك» في «صحيح ابن خزيمة» (٦٥٤) و«صحيح ابن حبان» (١٩٣٣) وغيرهما.
(٣) أخرجه مسلم (٤٨٦) من حديث عائشة - ﵂ -.
[ ٤ / ٣٥٢ ]
فصل في هديه في اليقظة
فصل في هديه في الرياضة
بمشيئته. ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ﴾ [الأنعام: ١٧]. ﴿قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً﴾ [الأحزاب: ١٧].
ثمَّ ختم الدُّعاء بالإقرار بالإيمان بكتابه ورسوله، الذي هو ملاك النَّجاة والفوز في الدُّنيا والآخرة. فهذا هديه في نومه.
لو لم يقل إنِّي رسولٌ أما شاهدُه في هديه ينطق (^١)
فصل
وأمَّا هديه في يقظته، فكان يستيقظ إذا صاح الصَّارخ وهو الدِّيك، فيحمد الله تعالى ويكبِّره ويهلِّله ويدعوه، ثمَّ يستاك، ثمَّ يقوم إلى وضوئه. ثمَّ يقف للصَّلاة بين يدي ربِّه مناجيًا له بكلامه، مثنيًا عليه، راجيًا له، راغبًا راهبًا. فأيُّ حفظٍ لصحَّة القلب والبدن والرُّوح والقوى ولنعيم الدُّنيا والآخرة فوق هذا!
فصل
وأمَّا تدبير الحركة والسُّكون، وهو الرِّياضة، فنذكر منها فصلًا يعلم منه مطابقة هديه في ذلك لأكمل أنواعه وأحمدها وأصوبها، فنقول:
من المعلوم افتقار البدن في بقائه إلى الغذاء والشَّراب. ولا يصير الغذاء بجملته جزءًا من البدن، بل لا بدَّ أن يبقى منه عند كلِّ هضمٍ بقيَّةٌ ما، إذا كثرت على ممرِّ الزَّمان اجتمع منها شيءٌ له كمِّيَّةٌ وكيفيَّةٌ. فيضرُّ بكمِّيَّته بأن يسُدَّ
_________________
(١) ث، ل: «شاهدته»، والبيت في سائر النسخ والطبعة الهندية كما أثبت. وفي طبعة عبد اللطيف وما بعدها: «رسولٌ لكان شاهدٌ». والبيت للصرصري من قصيدة في «المختار من مدائح المختار» (ص ٢٦٩ طبعة المنار). وفيه: «شاهده في وجهه» وغيَّره المؤلف ليوافق استشهاده.
[ ٤ / ٣٥٣ ]
ويُثقل البدن، ويوجب أمراض الاحتباس. وإن استفرغ تأذَّى البدنُ بالأدوية لأنَّ أكثرها سمِّيَّةٌ، ولا تخلو من إخراج الصَّالح المنتفع به. ويضرُّ بكيفيَّته بأن يسخِّن بنفسه أو بالعفَن (^١)، أو يبرِّد (^٢) بنفسه، أو يُضعِف الحرارة الغريزيَّة عن إنضاجه.
وسُدَدُ الفضلات لا محالة ضارَّةٌ تُرِكت أو استُفْرِغت. والحركة أقوى الأسباب في منع تولُّدها، فإنَّها تسخِّن الأعضاء، وتُسِيل فضلاتها، فلا تجتمع على طول الزَّمان؛ وتعوِّد البدنَ الخفَّةَ والنَّشاطَ، وتجعله قابلًا للغذاء، وتصلِّب المفاصلَ، وتقوِّي الأوتار والرِّباطات، وتؤمِّن جميعَ الأمراض المادِّيَّة وأكثرَ المزاجيَّةِ (^٣) إذا استُعمِلَ القدرُ المعتدلُ منها في وقته وكان باقي التَّدبير صوابًا.
ووقتُ الرِّياضة بعد انحدار الغذاء وكمال الهضم. والرِّياضة المعتدلة هي الَّتي تحمرُّ فيها البشرة وتربو، ويتندَّى بها البدن. فأمَّا (^٤) الَّتي يلزمها سيلان العرَق فمفرطةٌ. وأيُّ عضوٍ كثرت رياضته قَوِيَ، وخصوصًا على نوع تلك الرِّياضة؛ بل كلُّ قوَّةٍ فهذا شأنها. فإنَّ من استكثر من الحفظ قويت حافظته، ومن استكثر من الفكر قويت قوَّتُه المفكِّرة.
_________________
(١) س: «التعفن».
(٢) ل، ن: «برد».
(٣) س، ث، ل: «الأمراض المزاجية». وقد وضعت علامة الحذف على كلمة «الأمراض» في س عند المقابلة. وكذا بزيادة «الأمراض» في طبعة عبد اللطيف وما بعدها. وفي «الآداب الشرعية» (٢/ ٣٩٠) كما أثبت.
(٤) س: «وأما».
[ ٤ / ٣٥٤ ]
ولكلِّ عضوٍ رياضةٌ تخصُّه. فللصَّدر القراءة، فَلْيُبتدأ (^١) فيها من الخُفْية إلى الجهر بتدريجٍ. ورياضة السَّمع بسمع الأصوات والكلام بالتَّدريج، فينتقل (^٢) من الأخفِّ إلى الأثقل. وكذلك رياضة البصر (^٣). وكذلك رياضة اللِّسان في الكلام (^٤). وكذلك رياضة المشي بالتَّدريج شيئًا فشيئًا. وأمَّا ركوبُ الخيل ورميُ النُّشَّاب والصِّراعُ والمسابقةُ على الأقدام، فرياضةٌ للبدن كلِّه. وهي قالعةٌ لأمراضٍ مزمنةٍ كالجذام والاستسقاء والقُولَنج (^٥).
ورياضةُ النُّفوس بالتَّعلُّم والتَّأدُّب، والفرح والسُّرور، والصَّبر والثَّبات والإقدام، والسَّماحة وفعل الخير، ونحو ذلك ممَّا ترتاض به النُّفوس. ومن أعظم رياضتها: الصَّبرُ، والحبُّ، والشَّجاعة، والإحسان. فلا تزال ترتاض (^٦) بذلك شيئًا فشيئًا حتَّى تصير لها هذه (^٧) الصِّفاتُ هيئاتٍ راسخةً وملكاتٍ ثابتةً.
وأنت إذا تأمَّلت هديه - ﷺ - في ذلك وجدتَه أكملَ هديٍ حافظٍ للصِّحَّة والقوى، ونافعٍ في المعاش والمعاد.
_________________
(١) كذا في الأصل (ف) مضبوطًا بضم الياء، ورسمه في النسخ كلها بالألف المقصورة. وفي س: «فلنبتدي».
(٢) ز، د: «فلينتقل».
(٣) الجملة «وكذلك رياضة البصر» مؤخرة على الجملة الآتية في النسخ المطبوعة.
(٤) يلوح في الأصل أثر كلمة أخرى أيضًا قبل «الكلام»، ولكن الأرضة أكلت بعض هذه وهذه. أما النسخ الأخرى ففيها كما أثبت، وكذا في «الآداب الشرعية» (٢/ ٣٩٠).
(٥) القولَنج: وجع في المِعى الغليظ المسمَّى بـ «قُولُن» أو «قولون».
(٦) ف، ب: «يزال يرتاض».
(٧) س، ث، ل: «تصير لهذه»، وفي ن: «بهذه». وفي ف أيضًا: «لهذه»، ولكن أخشى أن تكون اللام مما زاده بعضهم.
[ ٤ / ٣٥٥ ]
ولا ريب أنَّ الصَّلاة نفسها فيها من حفظ صحَّة البدن وإذابة أخلاطه وفضلاته ما هو من أنفع شيءٍ له، سوى ما فيها من حفظ صحَّة الإيمان، وسعادة الدُّنيا والآخرة. وكذلك قيام اللَّيل من أنفع أسباب حفظ الصِّحَّة، ومن أمنع الأمور لكثيرٍ من الأمراض المزمنة، ومن أنشَطِ شيءٍ للبدن والرُّوح والقلب، كما في «الصَّحيحين» (^١) عن النَّبيِّ - ﷺ - أنَّه قال: «يعقد الشَّيطان على قافية رأس أحدكم إذا هو نام ثلاث عُقَدٍ، يضرب على كلِّ عقدةٍ: عليك ليلٌ طويلٌ، فارقُد. فإن هو استيقظ فذكَر الله انحلَّت عقدةٌ. فإن توضَّأ انحلَّت عقدةٌ ثانيةٌ. فإن صلَّى انحلَّت عُقَدُه كلُّها، فأصبح نشيطًا طيِّب النَّفس؛ وإلَّا أصبح خبيثَ النَّفس كسلان».
وفي الصَّوم الشَّرعيِّ من أسباب حفظ الصِّحَّة ورياضة البدن والنَّفس ما لا يدفعه صحيحُ الفطرة.
وأمَّا الجهاد وما فيه من الحركات الكلِّيَّة الَّتي هي من أعظم أسباب القوَّة وحفظ الصِّحَّة، وصلابة القلب والبدن، ودفع فضلاتهما، وزوال الهمِّ والغمِّ والحزن= فأمرٌ إنَّما يعرفه من له منه نصيبٌ. وكذلك الحجُّ وفعل المناسك. وكذلك المسابقة على الخيل وبالنِّصال والمشيُ في الحوائج وإلى الإخوان وقضاء حقوقهم، وعيادة مرضاهم، وتشييع جنائزهم، والمشيُ إلى المساجد للجمعات والجماعات، وحركة الوضوء والاغتسال وغير ذلك. وهذا أقلُّ ما فيه من (^٢) الرِّياضة المعينة على حفظ الصِّحَّة ودفع الفضلات (^٣). وأمَّا ما شُرع
_________________
(١) البخاري (١١٤٢) ومسلم (٧٧٦) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.
(٢) لم يرد حرف «من» في حط، ن.
(٣) من هنا وقع سقط في ث.
[ ٤ / ٣٥٦ ]
فصل في هديه في الجماع
له من (^١) التَّوصُّل به إلى خيرات الدُّنيا والآخرة ودفعِ شرورهما فأمرٌ وراء ذلك.
فعلمت أنَّ هديه فوق كلِّ هديٍ في طبِّ الأبدان والقلوب، وحفظِ صحتهما ودفعِ أسقامهما، ولا مزيد على ذلك لمن قد أُحضِر رشدَه. وباللَّه التَّوفيق.
فصل
وأمَّا الجماع والباه، فكان هديه فيه أكمل هديٍ يحفظ به الصِّحَّة، وتتمُّ به اللَّذَّة وسرور النَّفس، ويحصل به مقاصده الَّتي وضع لأجلها. فإنَّ الجماع في الأصل وضع (^٢) لثلاثة أمورٍ هي مقاصده الأصليَّة:
أحدها: حفظ النَّسل ودوام النَّوع إلى أن تتكامل العِدَّة الَّتي قدَّر الله بروزها إلى هذا العالم.
الثَّاني: إخراج الماء الذي يضرُّ احتباسه واحتقانه بجملة البدن.
الثَّالث: قضاء الوطر ونيل اللَّذَّة والتَّمتُّع بالنِّعمة. وهذه وحدها هي الفائدة الَّتي في الجنَّة، إذ لا تناسل هناك (^٣) ولا احتقان يستفرغه الإنزال.
وفضلاء الأطبَّاء يرون (^٤) أنَّ الجماع من أحد (^٥) أسباب حفظ الصِّحَّة.
_________________
(١) حرف «من» ساقط من ل.
(٢) ن: «وضع في الأصل».
(٣) هنا حاشية في الأصل (ف) ذهب بعضها، أشير فيها إلى أن في المسألة خلافًا تقدَّم ذكره في فصل قدوم وفد بني المنتفق.
(٤) في كتاب الحموي (ص ٣٥١): «وجالينوس يرى » والفقرة كلها منقولة من كتابه.
(٥) كذا في كتاب الحموي أيضًا بدلًا من «أحدُ». وهو أسلوب قديم، ومن نظائره قول الثعالبي في «فقه اللغة» (٢/ ٥٣٤ - الخانجي) إن حمزة «ذكر أن تكاثر الدواهي من إحدى الدواهي». ومنها قول أبي الفرج الببغاء: أوليس من إحدى العجائب أنني فارقته وحييتُ بعد فراقه انظر: «يتيمة الدهر» (١/ ١٥٩).
[ ٤ / ٣٥٧ ]
قال جالينوس: الغالب على جوهر المنيِّ النَّار والهواء، ومزاجه حارٌّ رطبٌ لأنَّ كونه من الدَّم الصَّافي الذي تغتذي (^١) به الأعضاء الأصليَّة. وإذا ثبت فضل المنيِّ فاعلم أنَّه لا ينبغي إخراجه إلا في طلب النَّسل أو إخراج المحتقَن منه، فإنَّه إذا دام احتقانه أحدث أمراضًا رديَّة منها: الوسواس والجنون والصَّرع وغير ذلك. وقد يبرئ استعماله من هذه الأمراض كثيرًا، فإنَّه إذا طال احتباسه فسد واستحال إلى كيفيَّةٍ سمِّيَّةٍ تُوجب أمراضًا رديَّةً، كما ذكرنا. ولذلك تدفعه الطَّبيعة (^٢) إذا كثر عندها من غير جماعٍ.
وقال بعض السَّلف (^٣): ينبغي للرَّجل أن يتعاهد من نفسه ثلاثًا: أن لا يدع المشيَ فإن احتاج إليه يومًا قدَر عليه. وينبغي أن لا يدع الأكل فإنَّ أمعاءه تضيق. وينبغي أن لا يدع الجماع فإنَّ البئر إذا لم تُنزَح ذهب ماؤها.
وقال محمَّد بن زكريَّا (^٤): من ترك الجماع مدَّةً طويلةً ضعفت قوى أعضائه (^٥)، واستدَّ (^٦) مجاريها، وتقلَّص ذكره. قال: ورأيت جماعةً تركوه
_________________
(١) أهمل حرف المضارع في ف، ل. وفي د: «يغتذي». وفي س: «يتغذَّى».
(٢) زاد الشيخ الفقي بعده من عنده: «بالاحتلام»، وتابعته نشرة الرسالة دون أصلها.
(٣) هو عبد الله بن بريدة. في كتاب الحموي (ص ٣٥٢): «روي عن الحسين بن واقد عن ابن بريدة». وقد أخرجه ابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٢٧/ ١٣٩).
(٤) الرازي في كتابه «الحاوي» (٣/ ٣٧٦).
(٥) في الأصل (ف): «أعصابه». والمثبت من النسخ الأخرى موافق لما في كتاب الحموي (ص ٣٥٢) ومصدره «الحاوي».
(٦) حط: «وانسدَّ». وأثبت الفقي ومن تبعه: «وانسدَّت»، وكذا في مطبوعة «الحاوي».
[ ٤ / ٣٥٨ ]
لنوعٍ من التَّقشُّف، فبردت أبدانهم، وعسرت حركاتهم، ووقعت عليهم كآبةٌ بلا سببٍ، وقلَّت شهواتهم وهضمهم. انتهى.
ومن منافعه: غضُّ البصر، وكفُّ النَّفس، والقدرة على العفَّة عن الحرام وتحصيل ذلك للمرأة. فهو ينفع نفسه في دنياه وأخراه، وينفع المرأة. ولذلك كان - ﷺ - يتعاهده ويحبُّه، ويقول: «حبِّب إليَّ من دنياكم: النِّساء والطِّيب» (^١).
وفي كتاب «الزُّهد» للإمام أحمد في هذا الحديث زيادةٌ لطيفةٌ (^٢)، وهي: «أصبر عن الطَّعام والشَّراب، ولا أصبر عنهنَّ».
وحثَّ على التَّزويج أمَّته، فقال: «تزوَّجوا فإنِّي مكاثرٌ بكم الأمم» (^٣).
وقال ابن عبَّاسٍ: خير هذه الأمَّة أكثرها نساءً (^٤).
وقال: «إنِّي أتزوَّج النِّساء وآكل اللحم (^٥)، وأنام وأقوم، وأصوم وأفطر.
_________________
(١) أخرجه النَّسائيُّ (٣٩٣٩، ٣٩٤٠)، وأحمد (١٢٢٩٣، ١٢٢٩٤، ١٣٠٥٧، ١٤٠٣٧) من حديث أنس بن مالك - ﵁ -، وتقدم تخريجه مفصلًا في الجزء الأول.
(٢) ليست في القدر المطبوع من «الزهد»، وهو ناقص جدًّا. وقد عزاها المصنف إليه أيضًا في «الداء والدواء» (٤٨٣ - ٤٨٤) وذكر طرف إسنادها، وهو ضعيف جدًّا، فيه يوسف بن عطية وهو متروك الحديث. هذا، والظاهر أن المؤلف نقل هذه الزيادة من حفظه فأوردها بالمعنى، وكان لفظها: «والجائع يشبع والظمآن يروى، وأنا لا أشبع من الصلاة والنساء»، كما يدل عليه ما ذكره السيوطي في «نواهد الأبكار» (٢/ ٥٦٠ - ٥٦١) وما أخرجه ابن حبان في «المجروحين» (٣/ ١٣٥) من الطريق نفسه.
(٣) أخرجه بهذا اللَّفظ ابن ماجه (١٨٤٦) من حديث عائشة - ﵂ -. وفي إسناده عيسى بن ميمون وهو ضعيفٌ، بل قال بعض الأئمَّة: «متروك الحديث»، وقوَّاه الألبانيُّ بشواهده فذكره في «السِّلسلة الصَّحيحة» (٢٣٨٣).
(٤) أخرجه البخاري (٥٠٦٩).
(٥) حذفت هذه الجملة في طبعة الرسالة دون تنبيه.
[ ٤ / ٣٥٩ ]
فمن رغب عن سنَّتي فليس منِّي» (^١).
وقال: «يا معشر الشَّباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوَّج، فإنَّه أغضُّ للبصر، وأحصَنُ (^٢) للفرج. ومن لم يستطع فعليه بالصَّوم، فإنَّه له وِجاءٌ» (^٣).
ولمَّا تزوَّج جابر ثيِّبًا قال له: «هلَّا بكرًا تلاعبها وتلاعبك!» (^٤).
وروى ابن ماجه في «سننه» (^٥): من حديث أنس بن مالكٍ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من أراد أن يلقى الله طاهرًا مطهَّرًا فليتزوَّج الحرائر».
وفي «سننه» (^٦) أيضًا من حديث ابن عبَّاسٍ يرفعه قال: «لم
_________________
(١) أخرجه البخاري (٥٠٦٣) ومسلم (١٤٠١) من حديث أنس بلفظ مختلف دون جملة «وآكل اللحم».
(٢) في النسخ المطبوعة: «وأحفظ».
(٣) أخرجه البخاري (١٩٠٥) ومسلم (١٤٠٠) من حديث ابن مسعود - ﵁ -.
(٤) أخرجه البخاري (٢٠٩٧) ومسلم (٧١٥).
(٥) برقم (١٨٦٢) من طريق سلام بن سوار، عن كثير بن سليم، عن الضَّحَّاك بن مزاحم، عن أنس - ﵁ - به. وأخرجه أيضًا ابن عديٍّ في «الكامل» (٤/ ٣٢٥). وهذا إسناد ضعيف؛ كثير وسلام ضعيفان، ويُروى عن الضَّحَّاك عن النزَّال عن عليٍّ، وعن الضَّحَّاك عن ابن عبَّاس، وعن الضَّحَّاك مرسلًا. وبالغ ابن الجوزي فذكر الحديث في «الموضوعات» (٢/ ٢٦١)، وأشار المنذري في «التَّرغيب» (٢٩٤١) إلى ضعفه، وقال ابن كثير في «تفسيره» (٦/ ١٢): «في إسناده ضعف»، وضعَّفه البوصيري في «المصباح» (٢/ ٩٨)، وهو في «السلسلة الضعيفة» (١٤١٧).
(٦) برقم (١٨٤٧) من طريق محمَّد بن مسلم الطَّائفيِّ، عن إبراهيم بن ميسرة، عن طاوس، عن ابن عبَّاس به. وأخرجه أيضًا البزَّار (٤٨٥٦، ٤٨٥٧)، وابن أبي حاتم في «العلل» (٥/ ٦٨٠)، والطَّبراني في «الكبير» (١١/ ٥٠) وفي «الأوسط» (٣١٥٣). وصحَّحه الحاكم (٢/ ١٦١)، والضِّياء في «المختارة» (١١/ ٥٤)، والبوصيريُّ في «المصباح» (٢/ ٩٤)، والألباني في «السِّلسلة الصَّحيحة» (٦٢٤). لكن أُعلَّ بالإرسال؛ فقد رواه معمر وابن عيينة وابن جريج، عن ابن ميسرة، عن طاوس مرسلًا، قال العقيلي في «الضُّعفاء» (٤/ ١٣٤): «هذا أولى». وله طريق آخر عن طاوس، أخرجه الطَّبراني في «الكبير» (١١/ ١٧)، وفيه إبراهيم بن يزيد الخوزيُّ وهو متروك الحديث.
[ ٤ / ٣٦٠ ]
يُرَ (^١) للمتحابَّين مثلُ النِّكاح».
وفي «صحيح مسلم» (^٢) من حديث عبد الله بن عمر (^٣) قال: قال رسول الله - ﷺ -: «الدُّنيا متاعٌ، وخيرُ متاع الدُّنيا المرأة الصَّالحة».
وكان - ﷺ - يحرِّض أمَّته على نكاح الأبكار الحسان وذوات الدِّين. وفي «سنن النَّسائيِّ» (^٤) عن أبي هريرة قال: سئل رسول الله - ﷺ -: أيُّ النِّساء خيرٌ؟ قال: «الَّتي
_________________
(١) كذا مضبوطًا بضم الياء في ف، حط. وفي طبعة عبد اللطيف وما بعدها: «لم نر» بالنون.
(٢) برقم (١٤٦٧) من حديث عبد الله بن عمرو.
(٣) كذا في النسخ الخطية والمطبوعة ومنها طبعة الرسالة. والصواب: «عمرو»، وقد زاد بعضهم واوًا في ف، س.
(٤) برقم (٣٢٣١) من طريق ابن عجلان، عن سعيد، عن أبي هريرة به. وأخرجه أيضًا أحمد (٧٤٢١، ٩٥٨٧، ٩٦٥٨)، والبيهقيُّ في «الكبرى» (٧/ ٨٢). وصحَّحه الحاكم (٢/ ١٦٢)، وابن حزم في «المحلَّى» (١٠/ ١٦٤)، ومحمَّد بن عجلان صدوق، وفي أحاديثه عن أبي هريرة كلامٌ؛ ولذا اقتصر ابن حجر في «الكاف الشَّاف» (ص ٤٣) على تحسين الإسناد، وكذا الألباني في «السِّلسلة الصَّحيحة» (١٨٣٨). وفي الباب عن ابن عبَّاس وأبي أمامة وعبد الله بن سلام وسعد بن أبي وقَّاص - ﵃ -، وعن مجاهد ويحيى بن جعدة مرسلًا.
[ ٤ / ٣٦١ ]
تسرُّه إذا نظَر (^١)، وتطيعه إذا أمَر، ولا تخالفه فيما يكره في نفسها وماله».
وفي «الصَّحيحين» (^٢) عنه عن النَّبيِّ - ﷺ - قال: «تُنكَح المرأةُ لمالها ولحسبها، ولجمالها، ولدينها. فاظفر بذات الدِّين، تربت يداك!».
وكان يحثُّ على نكاح الوَلود، ويكره المرأة الَّتي لا تلد، كما في «سنن أبي داود» (^٣) عن مَعْقِل بن يسارٍ أنَّ رجلًا جاء إلى النَّبيِّ - ﷺ - فقال: إنِّي أصبتُ امرأةً ذات حسبٍ وجمالٍ وإنَّها لا تلد، أفأتزوَّجها؟ قال: «لا». ثمَّ أتاه الثَّانية، فنهاه. ثمَّ أتاه الثَّالثة، فقال: «تزوَّجوا الودود الولود، فإنِّي مكاثرٌ بكم».
وفي «الترمذي» (^٤) عنه مرفوعًا: «أربعٌ من سنن المرسلين: النِّكاح، والسِّواك، والتَّعطُّر، والحنَّاء». روي في «الجامع» بالنُّون والياء. وسمعت أبا
_________________
(١) بعده في د زيادة: «إليها»، ولعله سبق قلم.
(٢) البخاري (٥٠٩٠) ومسلم (١٤٦٦) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.
(٣) برقم (٢٠٥٠). وأخرجه أيضًا النَّسائيُّ (٣٢٢٧)، والطَّبراني في «الكبير» (٢٠/ ٢١٩)، وغيرهما. وصحَّحه ابن حبَّان (٤٠٥٦، ٤٠٥٧)، والحاكم (٢/ ١٦٣)، والإشبيليُّ في «الأحكام الصُّغرى» (٢/ ٦٠٦)، وابن دقيق العيد في «الإلمام» (١٢٠٩). وفي الباب عن أبي هريرة وأنس وأبي أمامة وابن مسعود وأبي موسى الأشعريِّ وعياض بن غنم ومعاوية بن حيدة وسهل بن حنيف وعائشة - ﵂ -، وعن مكحول مرسلًا.
(٤) برقم (١٠٨٠) من طريق حجَّاج، عن مكحول، عن أبي الشِّمال، عن أبي أيُّوب - ﵁ - به. وأخرجه أيضًا أحمد (٢٣٥٨١) من طريق حجَّاج، عن مكحول، عن أبي أيُّوب. ويُروى موقوفًا على أبي أيُّوب. قال التِّرمذيُّ: «حديث حسن غريب». وإسناده ضعيفٌ؛ حجَّاج ــ وهو ابن أرطاة ــ كثير الخطأ والتَّدليس، وأبو الشِّمال مجهول، والإسناد بدونه منقطع؛ ولذا ضعَّفه النَّوويُّ في «المجموع» (١/ ٢٧٤)، وابن الملقِّن في «البدر المنير» (١/ ٧٢٨)، والألباني في «الإرواء» (٧٥).
[ ٤ / ٣٦٢ ]
الحجاج الحافظ يقول: الصَّواب أنَّه الختان، وسقطت النُّون من الحاشية (^١). وكذلك رواه المحاملي (^٢) عن شيخ أبي عيسى التِّرمذيِّ.
وممَّا ينبغي تقديمه على الجماع مداعبة (^٣) المرأة وتقبيلها ومصُّ لسانها. وكان رسول الله - ﷺ - يداعب أهله ويقبِّلها.
وروى أبو داود في «سننه» (^٤) أنَّه - ﷺ - كان يقبِّل عائشة ويمُصُّ لسانها.
_________________
(١) يعني أن اللفظة وقعت في آخر السطر، فضاق المكان عن حرف النون، فكتبها الناسخ كالعادة في الحاشية، فذهبت، فرواها بعضهم «الحناء» وبعضهم «الحياء»، وإنما هو الختان. انظر ما نقله المؤلف عن المزِّي في «تحفة المودود» (ص ٢٣١) و«المنار المنيف» (ص ١٢٧).
(٢) في «الأمالي» رواية ابن يحيى البيِّع (٤٤٤). وأخرجه أيضًا بلفظ: «الختان» عبد الرَّزَّاق (١٠٣٩٠) عن يحيى بن العلاء، عن الحجَّاج، عن مكحول، عن أبي أيُّوب بنحوه.
(٣) ن: «ملاعبة»، وكذا «يلاعب» فيما يأتي.
(٤) برقم (٢٣٨٦) عن عائشة. وأخرجه أيضًا أحمد (٢٤٩١٦، ٢٥٩٦٦)، والبيهقي في «الكبرى» (٤/ ٢٣٤). وإسناده ضعيف؛ فيه محمَّد بن دينار، قال ابن حبَّان في «المجروحين» (٢/ ٢٧٢): «كان يخطئ فالإنصاف في أمره تركُ الاحتجاج بما انفرد»، وهذا ممَّا انفرد به، قال ابن عدي في «الكامل» (٧/ ٤١٥): «قوله: (ويمصُّ لسانها) لا يقوله إلَّا محمَّد بن دينار». عن سعد بن أوس وهو ضعيف. عن مِصدَع أبي يحيى قال ابن خزيمة (٣/ ٢٤٦): «لا أعرفه بعدالة ولا جرح». وقال أبو داود: «هذا الإسنادُ ليس بصحيح»، وضعَّفه الإشبيليُّ في «الأحكام الوسطى» (٤/ ٥٥)، وابن الجوزيِّ في «العلل المتناهية» (٢/ ٥٤)، وابن القطَّان في «الوهم والإيهام» (٣/ ١١١)، والزَّيلعيُّ في «نصب الرَّاية» (٤/ ٢٥٣)، وابن حجر في «الفتح» (٤/ ١٥٣)، وهو في «ضعيف سنن أبي داود» (٤١١).
[ ٤ / ٣٦٣ ]
ويذكر عن جابر بن عبد الله قال: نهى رسول الله - ﷺ - عن المواقعة قبل الملاعبة (^١).
وكان - ﷺ - ربَّما جامع نساءه كلَّهنَّ بغسلٍ واحدٍ، وربَّما اغتسل عند كلِّ واحدةٍ منهنَّ. فروى مسلم في «صحيحه» (^٢) عن أنس أنَّ النَّبيَّ - ﷺ - كان يطوف على نسائه بغسلٍ واحدٍ.
وروى أبو داود في «سننه» (^٣) عن أبي رافع مولى رسول الله - ﷺ - أنَّ رسول الله - ﷺ - طاف على نسائه في ليلةٍ، فاغتسل عند كلِّ امرأةٍ منهنَّ غسلًا،
_________________
(١) أخرجه الخليليُّ في «الإرشاد» (٣/ ٩٧٣)، والخطيب في «تاريخ بغداد» (١٣/ ٢٢٠)، ومن طريقه ابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٥٨/ ٣٦٥). وفي إسناده خلف بن محمَّد الخيَّام البخاري، غمزه تلميذُه أبو سعد عبد الرَّحمن بن الإدريسي وليَّنه كما في «السِّير» (١٦/ ٧٠)، وقال الخليليُّ: «ضعيف جدًّا، روى في الأبواب تراجمَ لا يُتابع عليها، وكذلك متونًا لا تُعرف سمعتُ الحاكم بِعَقِب هذا الحديث يقول: خُذِل خلفٌ بهذا». وحكم عليه الألبانيُّ في «السلسلة الضعيفة» (٤٣٢) بالوضع.
(٢) برقم (٣٠٩).
(٣) برقم (٢١٩) من طريق عبد الرَّحمن بن أبي رافع، عن عمَّته سلمى، عن أبي رافع به. وأخرجه أيضًا النَّسائيُّ في «الكبرى» (٨٩٨٦)، وابن ماجه (٥٩٠)، وأحمد (٢٣٨٦٢، ٢٣٨٧٠، ٢٧١٨٧). وعبد الرَّحمن لم يروِ عنه سوى حمَّادِ بن سلمة، وقال فيه ابن معين: «صالح»، وعمّتُه لا تُعرف حالها؛ ولذا قال البيهقي في «الكبرى» (٧/ ١٩٢): «هذا حديث ليس بقوي»، وضعَّفه ابن القطَّان في «الوهم والإيهام» (٤/ ١٢٦)، وقال ابن رجب في «الفتح» (١/ ٣٠٢): «في إسناده بعضُ من لا يعرف حاله». أمَّا الإشبيلي فصحَّحه في «الأحكام الصُّغرى» (١/ ١٣٠)، وحسَّن إسنادَه الذَّهبي في «المهذَّب» (٦/ ٢٧٦٥)، والبوصيري في «إتحاف الخيرة» (١/ ٣٧٧)، والألباني في «صحيح سنن أبي داود» (٢١٩).
[ ٤ / ٣٦٤ ]
فصل في أنفع الجماع
فقلت: يا رسول اللَّه، لو اغتسلت غسلًا واحدًا، فقال: «هذا أطهر (^١) وأطيب».
وشُرع للمجامع إذا أراد العودَ قبل الغسل الوضوء بين الجماعين، كما روى مسلم في «صحيحه» (^٢) من حديث أبي سعيدٍ الخدريِّ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إذا أتى أحدكم أهله ثمَّ أراد أن يعود فليتوضَّأ».
وفي الغسل والوضوء بعد الوطء، من النَّشاط وطيب النَّفس، وإخلافِ بعض ما تحلَّل بالجماع، وكمالِ الطُّهر والنَّظافة، واجتماعِ الحارِّ الغريزيِّ إلى داخل البدن بعد انتشاره بالجماع، وحصول النَّظافة الَّتي يحبُّها اللَّه ويبغض خلافَها= ما هو من (^٣) أحسن التَّدبير في الجماع وحفظِ الصِّحَّة والقوى فيه.
فصل
وأنفع الجماع: ما حصل بعد الهَضْم، وعند اعتدال البدن في حرِّه وبرده، ويبوسته ورطوبته، وخلائه وامتلائه. وضررُه عند امتلاء البدن أسهلُ وأقلُّ من ضرره عند خلوِّه، وكذلك ضرره عند كثرة الرُّطوبة أقلُّ منه عند اليبوسة، وعند حرارته أقلُّ منه عند برودته.
وإنَّما ينبغي أن يجامع إذا اشتدَّت الشَّهوة، وحصل الانتشار التَّامُّ الذي ليس عن تكلُّفٍ ولا فكرٍ في صورةٍ ولا نظرٍ متتابعٍ. ولا ينبغي أن يستدعي
_________________
(١) في طبعة الرسالة: «أزكى وأطهر» بزيادة «أزكى» من «السنن» دون تنبيه.
(٢) برقم (٣٠٨).
(٣) حرف «من» ساقط من ز.
[ ٤ / ٣٦٥ ]
شهوة الجماع ويتكلَّفها، ويحمل نفسه عليها. وليبادر إليه إذا هاج (^١) به كثرةُ المنيِّ، واشتدَّ شبَقُه.
وليحذر جماع العجوز، والصَّغيرة الَّتي لا يوطأ مثلُها، والَّتي لا شهوة لها، والمريضة، والقبيحة المنظر، والبغيضة. فوطءُ هؤلاء يُوهن القوى ويُضعِف الجماع بالخاصِّيَّة (^٢).
وغلِط من قال من الأطبَّاء: إنَّ جماع الثَّيِّب أنفع من جماع البكر، وأحفَظُ للصِّحَّة. وهذا من القياس الفاسد حتَّى ربَّما حذَّر منه بعضُهم. وهو مخالفٌ لما عليه عقلاء النَّاس، ولما اتَّفقت عليه الطَّبيعة والشَّريعة. وفي جماع البكر من الخاصِّيَّة، وكمالِ التَّعلُّق بينها وبين مجامعها، وامتلاءِ قلبها من محبَّته، وعدم تقسيمِ هواها بينه وبين غيره= ما ليس للثَّيِّب.
وقد قال النَّبيُّ - ﷺ - لجابر: «هلَّا تزوَّجت بكرًا!». وقد جعل الله سبحانه من كمال نساء أهل الجنَّة من الحُور العِين أنَّهنَّ لم يطمثهنَّ أحدٌ قبل مَن جُعِلنَ له من أهل الجنَّة. وقالت عائشة للنَّبيِّ - ﷺ -: أرأيتَ لو مررتَ بشجرةٍ قد أُرتع فيها وشجرةٍ لم يُرتَع فيها، ففي أيِّهما كنت تُرتع بعيرك؟ قال: «في الَّتي لم يُرتَع فيها». تريد أنَّه لم يأخذ بكرًا غيرها (^٣).
وجماع المرأة المحبوبة في النَّفس يقلُّ إضعافُه للبدن، مع كثرة استفراغه
_________________
(١) س، ث: «هاجت».
(٢) انظر: كتاب الحموي (ص ٣٥٤).
(٣) أخرجه البخاري (٥٠٧٧) بغير هذا اللفظ.
[ ٤ / ٣٦٦ ]
للمنيِّ. وجماعُ البغيضة يُنْحِل البدنَ ويُوهي (^١) القوى، مع قلَّة استفراغه.
وجماعُ الحائض حرامٌ شرعًا وطبعًا (^٢)، فإنَّه مضرٌّ جدًّا، والأطبَّاء قاطبةً تحذِّر منه.
وأحسن أشكال الجماع أن يعلو الرَّجلُ المرأةَ مستفرشًا لها بعد المداعبة (^٣) والقبلة. وبهذا سمِّيت المرأة فراشًا، كما قال - ﷺ -: «الولد للفراش» (^٤). وهذا من تمام قوَّاميَّة الرَّجل على المرأة، كما قال تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣٤]، وكما قيل:
إذا رُمْتُها كانت فراشًا يُقِلُّني وعند فراغي خادمٌ يتملَّقُ (^٥)
وقد قال تعالى: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ [البقرة: ١٨٧]. وأكملُ اللِّباس وأسبَغُه (^٦) على هذه الحال، فإنَّ فراش الرَّجل لباسٌ له، وكذلك لحاف المرأة لباسٌ لها. فهذا الشَّكل الفاضل مأخوذ من هذه الآية، وبه يحسن موقع استعارة اللِّباس من كلٍّ من الزَّوجين للآخر. وفيه وجهٌ آخر، وهو أنَّها تنعطف عليه أحيانًا، فتكون عليه كاللِّباس، قال الشَّاعر (^٧):
_________________
(١) ل: «يوهن».
(٢) ن: «طبعًا وشرعًا».
(٣) ن: «الملاعبة».
(٤) أخرجه البخاري (٢٠٥٣) ومسلم (١٤٥٧) من حديث عائشة - ﵂ -.
(٥) ز: «تتملَّق». ولم أقف على البيت ولا قائله.
(٦) الواو قبله ساقطة من ز، د.
(٧) هو النابغة الجعدي. انظر: «شعره» (ص ٨١).
[ ٤ / ٣٦٧ ]
إذا ما الضَّجيعُ ثنى عِطْفَه تثنَّتْ فكانت عليه لباسا (^١)
وأردى (^٢) أشكاله أن تعلوه المرأة، ويجامعها على ظهره. وهو خلاف الشَّكل الطَّبيعيِّ الذي طبع الله عليه الرَّجل والمرأة، بل نوع الذَّكر والأنثى. وفيه من المفاسد أنَّ المنيَّ يتعسَّر خروجُه كلِّه، فربَّما بقي في العضو منه بقيَّة (^٣)، فيتعفَّن ويفسُد (^٤)، فيضرُّ. وأيضًا فربَّما سال إلى الذَّكر رطوباتٌ من الفرج. وأيضًا فإنَّ الرَّحم لا يتمكَّن من الاشتمال على الماء واجتماعه فيه وانضمامه عليه لتخليق الولد. وأيضًا فإنَّ المرأة مفعولٌ بها طبعًا وشرعًا، فإذا (^٥) كانت فاعلةً خالفت مقتضى الطَّبع والشَّرع.
وكان أهل الكتاب إنَّما يأتون النِّساء على جنوبهنِّ على حرفٍ، ويقولون: هو أستَرُ (^٦) للمرأة. وكانت قريشٌ والأنصار تشرَحُ النِّساء على أقفائهنَّ. فعابت اليهود عليهم ذلك فأنزل الله ﷿: ﴿(٢٢٢) نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا
_________________
(١) «عِطْفَه» كذا ورد في جميع النسخ الخطية. ومثله في «معاني القرآن» للزجاج (١/ ٢٥٦) ومنه في «تهذيب الأزهري» (١٢/ ٤٤٤). والرواية المشهورة: «جيدها» أو «عِطْفها». وقد أثبتت طبعة الرسالة «جيدها» في المتن خلافًا لأصلها وللطبعات السابقة دون تنبيه.
(٢) يعني: «أردأ» بتسهيل الهمزة.
(٣) لفظ «بقية» ساقط من طبعة الرسالة.
(٤) في ف: «وتفسد»، ويجوز تذكير الأفعال وتأنيثها باعتبار المني أو البقية.
(٥) ن: «وإذا».
(٦) في طبعة عبد اللطيف وما بعدها: «أيسر»، تصحيف.
[ ٤ / ٣٦٨ ]
بحث تحريم الإتيان في الأدبار ومفاسده
حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣] (^١).
وفي «الصَّحيحين» (^٢) عن جابر قال: كانت اليهود تقول (^٣): إذا أتى الرَّجل امرأته من دُبرها في قُبلها كان الولد أحول، فأنزل الله ﷿: ﴿(٢٢٢) نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾.
وفي لفظٍ لمسلم (^٤): «إن شاء مُجَبِّيَةً وإن شاء غير مُجبِّيةٍ، غير أنَّ ذلك في صِمَامٍ واحدٍ». والمجبِّية: المُكِبَّة (^٥) على وجهها. والصِّمام الواحد: الفرج، وهو موضع الحرث والولد.
وأمَّا الدُّبر، فلم يُبَح قطُّ على لسان نبيٍّ من الأنبياء. ومن نسَب إلى بعض
_________________
(١) أخرجه بنحوه الطحاوي في «شرح مشكل الآثار» (١٥/ ٤٢٣). وأخرج أبو داود (٢١٦٤)، والطَّبريُّ في «تفسيره» (٣/ ٧٥٥)، وغيرهما عن ابن عبَّاس قال: «كان هذا الحيُّ من قريش يشرحون النِّساء شرحًا منكرًا، ويتلذَّذون منهنَّ مقبلاتٍ ومدبراتٍ ومستلقياتٍ، فلمَّا قدم المهاجرون المدينةَ تزوَّج رجل منهم امرأةً من الأنصار، فذهب يصنَع بها ذلك، فأنكرتهُ عليه، وقالت: إنَّما كنَّا نُؤتى على حَرف، فاصنع ذلك وإلَّا فاجتَنبني، حتَّى شَرِي أمرُهما، فبلغ ذلك رسولَ الله - ﷺ - فأنزل الله ﷿: ﴿(٢٢٢) نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾». وصحَّحه الحاكم (٢/ ١٩٥)، وقال ابن كثير في «تفسيره» (١/ ٥٩١): «تفرَّد به أبو داود، ويشهد له بالصِّحَّة ما تقدَّم من الأحاديث»، وحسَّن إسناده الألباني في «آداب الزّفاف» (ص ١٠١).
(٢) البخاري (٤٥٢٨) ومسلم (١٤٣٥).
(٣) ز: «يقولون».
(٤) مسلم (١٤٣٥/ ١١٩).
(٥) ل: «المنكبَّة».
[ ٤ / ٣٦٩ ]
السَّلف إباحةَ وطء الزَّوجة في دبرها، فقد غلِط عليه. وفي «سنن أبي داود» (^١) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: «ملعونٌ من أتى امرأةً (^٢) في دبرها».
_________________
(١) برقم (٢١٦٢) من طريق وكيع، عن سفيان، عن سهيل بن أبي صالح، عن الحارث بن مخلَّد، عن أبي هريرة به. وأخرجه أيضًا النَّسائيُّ في «الكبرى» (٨٩٦٦) من طريق وكيع به، وأحمد (٩٧٣٣، ١٠٢٠٦) عن وكيع به. وهذا إسناد ضعيف؛ الحارث مجهول الحال، وبه ضعَّفه ابن القطَّان في «الوهم والإيهام» (٤/ ٤٥٥). وله شواهد كثيرةٌ ــ سيذكر المصنِّف بعضها ــ يتقوَّى بها، بل قال الطَّحاويُّ في «معاني الآثار» (٣/ ٤٣): «جاءت الآثار متواترةً بالنَّهي عن إتيان النِّساء في أدبارهنَّ»، وقال الذَّهبيُّ في «السِّير» (١٤/ ١٢٨): «قد تيقَّنَّا بطرقٍ لا محيدَ عنها نهيَ النَّبيِّ - ﷺ - عَن أدبارِ النِّساء، وجزمنا بتحريمه، ولي في ذلك مصنَّفٌ كبير»، وخرَّج ابن الملقِّن في «البدر المنير» (٧/ ٦٥٩) شواهده ثمَّ قال: «فهذه ثلاثةَ عشر حديثًا يعضد بعضها بعضًا»، وقال ابن حجر في «الفتح» (٨/ ١٩١): «ذهب جماعة من أئمَّة الحديث ــ كالبخاري، والذُّهلي، والبزَّار، والنَّسائي، وأبي عليٍّ النَّيسابوري ــ إلى أنَّه لا يثبت فيه شيء، لكن طرقها كثيرة، فمجموعها صالحٌ للاحتجاج به».
(٢) ن: «المرأة»، وكذا في النسخ المطبوعة.
[ ٤ / ٣٧٠ ]
وفي لفظٍ لأحمد وابن ماجه (^١): «لا ينظر الله إلى رجلٍ جامع امرأةً (^٢) في دبرها».
وفي لفظٍ للتِّرمذيِّ وأحمد (^٣): «من أتى حائضًا أو امرأةً في دبرها، أو كاهنًا فصدَّقه، فقد كفر بما أنزل على محمَّدٍ - ﷺ -».
وفي لفظٍ للبيهقي (^٤): «من أتى شيئًا من الرِّجال والنِّساء في الأدبار فقد كفر».
وفي «مصنَّف وكيعٍ» (^٥): حدَّثني زمعة بن صالح عن ابن طاوس عن
_________________
(١) «مسند أحمد» (٧٦٨٤، ٨٥٣٢) من طريق معمر ووهيب، و«سنن ابن ماجه» (١٩٢٣) من طريق عبد العزيز بن المختار، ثلاثتُهم عن سهيل بن أبي صالح، عن الحارث بن مخلَّد، عن أبي هريرة به. وأخرجه أيضًا النَّسائيُّ في «الكبرى» (٨٩٦٣، ٨٩٦٤، ٨٩٦٥) من طريق يزيد ابن الهاد ووهيب ومعمر، عن سهيل به. وقد صحَّح ابن راهويه هذا الحديثَ كما في «مسائل» الكوسج (٩/ ٤٨٣١). وانظر تخريج اللَّفظ السَّابق.
(٢) حط، ن: «امرأته»، وكذا في النسخ المطبوعة.
(٣) «جامع التِّرمذيِّ» (١٣٥)، «مسند أحمد» (٩٢٩٠، ١٠١٦٧). وأخرجه أيضًا أبو داود (٣٩٠٤)، والنَّسائيُّ في «الكبرى» (٨٩٦٧، ٨٩٦٨)، وابن ماجه (٦٣٩)، من طرقٍ عن حمَّاد بن سلمة، عن حكيم الأثرم، عن أبي تميمة الهُجيميِّ، عن أبي هريرة به. قال البخاريُّ في «التَّاريخ الكبير» (٣/ ١٦): «هذا حديث لا يُتابع عليه حكيم الأثرم، ولا يُعرف لأبي تميمةَ سماعٌ من أبي هريرة»، ونقَل عنه التِّرمذيُّ في «العلل الكبير» (ص ٥٩) أنَّه ضعَّف هذا الحديثَ جدًّا، وقال العقيليُّ في «الضُّعفاء» (١/ ٣١٨): «رواه جماعة عن ليث بن أبي سليم، عن مجاهد، عن أبي هريرة موقوفًا»، وضعَّفه النَّوويُّ في «الخلاصة» (٦٠٤). وينظر: «الإرواء» (٢٠٠٦).
(٤) ز، د: «البيهقي». ولم أقف عليه بهذا اللفظ عنده، وعزاه إليه أيضًا ابن الملقِّن في «البدر المنير» (٧/ ٦٥٢). لكن ورد عند البيهقي (٧/ ٣٢٢) التصريح بالكفر لمن أتى الدبر من المرأة عن أبي الدرداء قال: «وهل يفعل ذلك إلا كافر». وأخرجه العقيليِّ في «الضُّعفاء» (١/ ١٤٨) من طريق بكر بن خنيس، والطَّبراني في «الأوسط» (٩١٧٩) من طريق عبد الوارث، كلاهما عن ليث، عن مجاهد، عن أبي هريرة به مرفوعًا. والصَّواب فيه الوقف، قال العقيليُّ: «رواه الثَّوريُّ، ومعمر، وأبو بكر بن عيَّاش، والمحاربيُّ، ويزيد بن عطاء، وعليُّ بن الفضيل، عن ليث، عن مجاهد، عن أبي هريرة، وأوقفوه»، وقال ابن كثير في «تفسيره» (١/ ٥٩٦): «الموقوف أصحُّ». وأخرج الموقوفَ النَّسائيُّ في «الكبرى» (٨٩٦٩ - ٨٩٧١). وليث هو ابن أبي سُليم متكلَّم فيه، لكن تابعه عليُّ بن بَذيمة عن مجاهد به موقوفًا، أخرجه النَّسائي في «الكبرى» (٨٩٧٢)، وفي سماع مجاهد من أبي هريرة خلاف.
(٥) أخرجه أبو نعيم في «الحلية» (٨/ ٣٧٦) من طريق وكيع، وقال: «غريب من حديث طاوس وعمر، ولم نكتبه إلَّا من حديث زمعة»، وهو ضعيف، واختُلِف عنه على أوجهٍ كثيرة، ذكر بعضَها الدَّارقطنيُّ في «العلل» (٢/ ١٦٦)، وقال ابن كثير في «تفسيره» (١/ ٥٩٦): «الموقوف أصحُّ». وصحَّح الألبانيُّ الحديثَ بشواهده في «السِّلسلة الصَّحيحة» (٣٣٧٧).
[ ٤ / ٣٧١ ]
أبيه وعن عمرو (^١) بن دينارٍ عن عبد الله بن يزيد (^٢) قال (^٣): قال عمر بن الخطَّاب: قال رسول الله - ﷺ -: «إنَّ الله لا يستحيي من الحقِّ. لا تأتوا النِّساء في أعجازهنَّ». وقال مرَّةً: «في أدبارهنَّ».
وفي «الترمذي» (^٤): عن طلق بن علي (^٥) قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا تأتوا النِّساء في أعجازهنَّ، فإنَّ الله لا يستحيي من الحقِّ».
_________________
(١) في طبعة الرسالة: «عن أبيه عن عمرو» بحذف الواو، وهو خطأ.
(٢) س: «بريدة»، تصحيف.
(٣) كذا في جميع النسخ الخطية والمطبوعة. والصواب: «قالا» كما في «الحلية»، يعني: طاوس وعبد الله.
(٤) برقم (١١٦٤) من طريق عيسى بن حطَّان، عن مسلم بن سلَّام، عن عليِّ بن طلق به. وأخرجه أيضًا النَّسائيُّ في «الكبرى» (٨٩٧٥ - ٨٩٧٧)، وأحمد (٣٩/ ٤٧٠). وقال التِّرمذي: «حديث حسن»، وصحَّحه ابن حبَّان (٢٢٣٧، ٤١٩٩، ٤٢٠١). وفي الإسناد عيسى بن طحَّان قال البخاريُّ كما في «العلل الكبير» (ص ٤٤): «رجل مجهول»، عن مسلم بن سلَّام، قال ابن القطَّان في «الوهم والإيهام» (٥/ ١٩١): «مجهول الحال». ويُروى هذا الحديث من طريق عبد الملك بن مسلم بن سلَّام، عن أبيه، عن عليٍّ، قال الخطيب في «تاريخ بغداد» (١٠/ ٣٩٨): «لم يسمعه عبد الملك عن أبيه، وإنَّما رواه عن عيسى بن حطَّان، عن أبيه مسلم بن سلَّام».
(٥) كذا في جميع النسخ الخطية والمطبوعة إلا طبعة الرسالة التي أثبتت في المتن دون تنبيه: «علي بن طلق» كما في «جامع الترمذي».
[ ٤ / ٣٧٢ ]
وفي «الكامل» لابن عديٍّ (^١): من حديثه عن المحاملي، عن سعيد بن يحيى الأموي، ثنا محمد بن حمزة، عن زيد بن رُفَيع، عن أبي عبيدة عن عبد الله بن مسعودٍ يرفعه: «لا تأتوا النِّساء في أعجازهنَّ».
وروِّينا في حديث الحسن بن علي الجوهري عن أبي ذر مرفوعًا: «من أتى الرِّجال أو النِّساء في أدبارهنَّ، فقد كفر» (^٢).
وروى إسماعيل بن عيَّاشٍ، عن شريك (^٣) بن أبي صالحٍ، عن محمَّد بن المنكدر، عن جابر يرفعه: «استحيوا من اللَّه فإنَّ الله لا يستحيي من الحقِّ. لا تأتوا النِّساء في حُشوشهنَّ» (^٤).
_________________
(١) «الكامل في الضُّعفاء» (٤/ ١٦٠) وقال: «محمَّد بن حمزة هذا ليس بالمعروف»، وقال ابن كثير في «تفسيره» (١/ ٥٩٧): «محمَّد بن حمزة ــ هو الجزريُّ ــ وشيخه فيهما مقال»، وقال ابن حجر في «التَّلخيص الحبير» (٣/ ٣٧٢): «إسناده واهٍ».
(٢) أخرجه ابن الجوزي ــ كما في «البدر المنير» (٧/ ٦٥٨) ــ من طريق مجاهد عن أبي ذرٍّ به. وسئل الدَّارقطنيُّ في «العلل» (٦/ ٢٩١) عن حديث رجلٍ، عن أبي ذرٍّ أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: «حرامٌ أن تُؤتى النِّساء في أعجازهنَّ»، فقال: «رواه أبو حنيفة، عن حميد الأعرج، عن رجل، عن أبي ذرٍّ مرفوعًا، ولم يُتابَع على هذا أبو حنيفة»، وقال ابن كثير في «تفسيره» (١/ ٥٩٧): «في حديث أبي ذرٍّ مقال لا يصحُّ معه الحديث».
(٣) كذا في جميع النسخ الخطية والطبعات القديمة، وهو تحريف «سهيل». وقد أثبتت طبعة الرسالة الصواب دون تنبيه.
(٤) أخرجه الحسن بن عرفة ــ كما في تفسير ابن كثير (١/ ٥٩٢) ــ فقال: حدَّثنا إسماعيل بن عيَّاش به. واختُلف فيه على سهيل؛ فقيل: عن سهيل، عن أبيه، عن جابر، أخرجه ابن عديٍّ في «الكامل» (٥/ ٥٥٨) وفيه عبَّاد بن صُهيب متروك. وقيل: عن سُهيل، عن الحارث بن مُخلَّد، عن أبي هريرة، وهو الصَّواب، وقد تقدَّم تخريجه، قال ابن عبد الهادي في «التَّنقيح» (٤/ ٣٧٢): «الصَّواب حديث أبي هريرة، وإسماعيل ضعيف في روايته عن غير الشَّاميين». وأخرجه ابن عدي (٦/ ٣١٥) من طريق عليِّ بن أبي عليٍّ، عن محمَّد بن المنكدر، عن جابر بلفظ: «اتَّقوا محاشَّ النِّساء»، وعليٌّ هو اللَّهبيُّ يروي أحاديث مناكير عن جابر، وهو في «السلسلة الضعيفة» (١٩٩٥).
[ ٤ / ٣٧٣ ]
ورواه الدَّارقطنيُّ (^١) من هذه الطَّريق ولفظه: «إنَّ الله لا يستحيي من الحقِّ. لا يحلُّ مأتاكَ النِّساءَ في حُشوشهنَّ».
وقال البغوي (^٢): ثنا هدبة، ثنا همام قال: سئل قتادة عن الذي يأتي امرأته في دبرها، فقال: حدَّثني عمرو بن شعيبٍ عن أبيه عن جدِّه أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: «تلك اللُّوطيَّة الصُّغرى».
وقال أحمد في «مسنده» (^٣): ثنا عبد الرحمن، قال همام (^٤): أخبرنا عن
_________________
(١) في «السنن» (٣٧٥٠) من طريق الحسن بن عرفة، عن إسماعيل بن عيَّاش به.
(٢) لم أقف عليه من طريق البغوي. وعزاه ابن كثير في «تفسيره» (١/ ٥٩٣) لعبد الله بن أحمد في «زوائد المسند»، فقال: «قال عبد الله بن أحمد: حدَّثني هدبة» وذكره. قال محقِّقو «المسند» (١١/ ٥٥٤): «جعَلَه من زيادات عبد الله، والثَّابت في النُّسخ التي بين أيدينا أنَّه من رواية أبيه». وصنيعُ المصنِّف هنا ــ حيث عزاه للبغويِّ ــ يوحي بأنَّه ليس في «المسند» من طريق هدبة، والله أعلم. ويُروى عن يحيى القطَّان، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أبي أيُّوب، عن عبد الله بن عمرو قولَه، قال ابن كثير في «تفسيره» (١/ ٥٩٣): «هذا أصحُّ».
(٣) برقم (٦٧٠٦). وأخرجه أيضًا (٦٩٦٧) عن عبد الصَّمد، عن همَّام به. وأخرجه الطَّيالسيُّ (٢٣٨٠) عن همَّام به. وأخرجه النَّسائيُّ في «الكبرى» (٨٩٤٨) من طريق عبد الرَّحمن به. وصحَّحه ابن السَّكن كما في «البدر المنير» (٧/ ٦٥٦). لكن في إسناده اختلافًا، ويُروى موقوفًا، قال البخاريُّ في «التَّاريخ الصَّغير» (١/ ٢٣٩): «المرفوع لا يصحُّ»، ورجَّح وقفه ابن كثير في «تفسيره» (١/ ٥٩٣)، وابن حجر في «التَّلخيص الحبير» (٣/ ٣٧٢).
(٤) ن: «قال ثنا همام»، وقد زاد بعضهم «ثنا» في ز أيضًا. وفي «المسند» كما أثبت من الأصول.
[ ٤ / ٣٧٤ ]
قتادة، عن عمرو بن شعيبٍ عن أبيه عن جدِّه، فذكره.
وفي «المسند» (^١) أيضًا: عن ابن عبَّاسٍ أنزلت هذه الآية: ﴿(٢٢٢) نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ﴾ [البقرة: ٢٢٣] في أناسٍ من الأنصار أتوا رسول الله - ﷺ - فسألوه، فقال: «ائتها على كلِّ حالٍ إذا كان في الفرج».
وفي «المسند» (^٢) أيضًا: عن ابن عبَّاسٍ قال: جاء عمر بن الخطَّاب إلى رسول الله - ﷺ - فقال: يا رسول اللَّه، هلكتُ! فقال: «وما الذي أهلكك؟». قال: حوَّلتُ رَحْلي البارحة. قال: فلم يردَّ عليَّ (^٣) شيئًا. فأوحى الله إلى رسوله: ﴿(٢٢٢) نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣] «أقبِلْ وأدبِرْ واتَّقِ الحَيضةَ والدُّبر».
_________________
(١) برقم (٢٤١٤) من طريق رِشدين، عن حسن بن ثوبان، عن عامر بن يحيى، عن حنش، عن ابن عباس به. ورِشدين بن سعد ضعيفٌ. وتابعه ابن لهيعة، فأخرجه الطَّبريُّ في «تفسيره» (٣/ ٧٥٩)، والطَّحاويُّ في «شرح المعاني» (٣/ ٤٣)، وابن أبي حاتم في «تفسيره» (٢١٣٠)، والطَّبراني في «الكبير» (١٢/ ٢٣٦)، من طريقه عن يزيد بن أبي حبيب، عن عامر به نحوه، وفيه أنَّ السَّائلين من حِميَر. والرَّاوي عن ابن لهيعة عند ابن أبي حاتم هو عبد الله بن وهب، فالحديث حسن إن شاء الله تعالى.
(٢) برقم (٢٧٠٣) من طريق سعيد بن جبير، عن ابن عبَّاس به. وأخرجه أيضًا التِّرمذيُّ (٢٩٨٠)، والنَّسائي في «الكبرى» (٨٩٢٨، ١٠٩٧٣)، وأبو يعلى (٢٧٣٦)، وغيرهم. قال التِّرمذي: «حسن غريب»، وصحَّحه ابن حبان (٤٢٠٢)، والضِّياء في «المختارة» (١٠/ ١٠٠)، وابن حجر في «الفتح» (٨/ ١٩١)، وحسَّن إسناده الألبانيُّ في «آداب الزّفاف» (ص ١٠٣).
(٣) حط، ن: «عليه»، وكذا في «المسند».
[ ٤ / ٣٧٥ ]
وفي «الترمذي» (^١) عن ابن عبَّاسٍ مرفوعًا: «لا ينظر الله إلى رجلٍ أتى رجلًا أو امرأةً في الدُّبر».
وروِّينا من حديث أبي علي الحسن بن الحسين بن دُوما عن البراء بن عازبٍ يرفعه: «كفَر بالله العظيم عشرةٌ من هذه الأمَّة: القاتل، والسَّاحر، والدَّيُّوث، وناكح المرأة في دبرها، ومانع الزَّكاة، ومن وجد سعةً فمات ولم يحُجَّ، وشارب الخمر، والسَّاعي في الفتن، وبائع السِّلاح من أهل الحرب، ومن نكح ذات محرمٍ منه» (^٢).
وقال عبد الله بن وهبٍ: ثنا عبد الله بن لهيعة، عن مِشْرَح (^٣) بن هاعان عن عُقْبة بن عامرٍ أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: «ملعونٌ من يأتي النِّساء في
_________________
(١) برقم (١١٦٥) من طريق كريب، عن ابن عباس به. وأخرجه أيضًا النَّسائيُّ في «الكبرى» (٨٩٥٢)، وأبو يعلى (٢٣٧٨). قال التِّرمذيُّ: «حديث حسن غريب»، وقال البزَّار (١١/ ٣٨٠): «هذا الحديث لا نعلمه يروى عن ابن عبَّاس بإسنادٍ أحسن من هذا الإسناد»، وصحَّحه ابن «الجارود» (٧٢٩)، وابن حبَّان (٤٢٠٣، ٤٢٠٤، ٤٤١٨)، وابن حزم في «المحلَّى» (٩/ ٢٢١)، والإشبيليُّ في «الأحكام الصُّغرى» (٢/ ٦٢٧)، وحسَّن إسناده الألباني في «آداب الزّفاف» (ص ١٠٥). وأخرجه النَّسائي في «الكبرى» (٨٩٥٣) عن ابن عبَّاس موقوفًا، قال ابن حجر في «إتحاف المهرة» (٧/ ٦٨٧): «وهو الصَّواب».
(٢) أخرجه الدَّيلميُّ كما في «مسند الفردوس» (٤٨٥٧) من طريق إسحاق بن بشر، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٥٢/ ٣٩١) من طريق مطر بن العلاء، كلاهما عن حنظلة بن أبي سفيان، عن أبيه، عن البراء به. قال ابن كثير في «تفسيره» (١/ ٥٩٧): «فيه مقالٌ لا يصحُّ معه الحديث»، ورمز له السُّيوطيُّ بالضَّعف، وحكم عليه الألباني في «السِّلسلة الضَّعيفة» (٢٠٠٥) بالوضع.
(٣) في ف، د: «مسرح» بالسين المهملة.
[ ٤ / ٣٧٦ ]
محاشِّهنَّ» (^١). يعني: أدبارهنَّ.
وفي «مسند الحارث بن أبي أسامة» (^٢) من حديث أبي هريرة وابن عبَّاسٍ قالا: خطَبنا رسولُ الله - ﷺ - قبل وفاته، وهي آخر خطبةٍ خطبها بالمدينة حتَّى لحق بالله ﷿، وَعَظنا فيها، وقال: «ومن (^٣) نكح امرأةً في دبرها أو رجلًا أو صبيًّا حُشِرَ يوم القيامة وريحُه أنتَنُ من الجِيفة، يتأذَّى (^٤) به النَّاس حتَّى يدخل النَّار؛ وأحبَط الله أجرَه، ولا يقبل منه صرفًا ولا عدلًا، ويدخل في تابوتٍ من نارٍ ويُشَدُّ عليه مساميرُ من نارٍ». قال أبو هريرة: هذا لمن لم يتُبْ.
وذكر أبو نعيمٍ الأصبهانيُّ (^٥) من حديث خزيمة بن ثابتٍ يرفعه: «إنَّ الله
_________________
(١) أخرجه العقيليُّ في «الضُّعفاء» (٣/ ٨٤)، والطَّبراني في «الأوسط» (١٩٣١)، وابن عديٍّ في «الكامل» (٥/ ٢٤٣)، من طريق عبد الصَّمد بن الفضل الرَّبعيِّ، عن ابن وهب به. قال العقيليُّ: «لم يأت به عن ابن وهب غير عبد الصَّمد، لا يتابع على حديثه ولا يعرف إلَّا به»، وقال أبو حاتم كما في «العلل» لابنه (٤/ ٣٣): «هذا حديث منكرٌ بهذا الإسناد، ما أعلم رواه عن ابن وهب غيره»، وقال ابن كثير في «تفسيره» (١/ ٥٩٧): «في حديث عقبة مقالٌ لا يصحُّ معه الحديث».
(٢) «بغية الباحث» (٢٠٥) في حديث طويل جدًّا. وهو حديث موضوعٌ، حكم بوضعه ابن الجوزيِّ في «الموضوعات» (٣/ ١٨١)، والهيثميُّ في «البغية» (١/ ٣٢٢)، والبوصيريُّ في «إتحاف الخيرة» (٢/ ٢٩١)، وابن حجر في «المطالب العالية» (٩/ ٤٨)، وغيرهم.
(٣) الواو ساقطة من ن.
(٤) س، حط: «تتأذى».
(٥) لم أقف عليه عند أبي نعيم. وأخرجه النَّسائيُّ في «الكبرى» (٨٩٣٩)، وابن ماجه (١٩٢٤)، وأحمد (٢١٨٥٤، ٢١٨٥٥)، من طرقٍ عن عمرو بن شعيب، عن هرمي بن عبد الله، عن خزيمة. ووقع عند ابن ماجه وفي الموضع الثَّاني من «المسند»: «عبد الله بن هرمي»، وهو وهم، وقيل في اسمه غير ذلك. وفي إسناده اختلاف كثير. وصحَّحه ابن الجارود (٧٢٨)، وابن حبَّان (٤١٩٨، ٤٢٠٠)، وابن حزم في «المحلَّى» (٩/ ٢٢١)، وقال المنذري في «التَّرغيب» (٣/ ١٩٨): «أحد أسانيده جيِّد»، وقال ابن حجر في «الفتح» (٨/ ١٩١): «إسناده صالح»، وصحَّحه الألباني في «الإرواء» (٢٠٠٥).
[ ٤ / ٣٧٧ ]
لا يستحيي من الحقِّ. لا تأتوا النِّساء في أعجازهنَّ».
وقال الشَّافعيُّ (^١): أخبرني عمِّي محمد بن علي بن شافع، قال: أخبرني عبد الله بن علي بن السائب، عن عمرو بن أُحَيحَة بن الجُلَاح، عن خزيمة بن ثابتٍ أنَّ رجلًا سأل النَّبيَّ - ﷺ - عن إتيان النِّساء في أدبارهنَّ، فقال: «حلال». فلمَّا ولَّى دعاه فقال: «كيف قلتَ في أيِّ الخُرْبتين (^٢) ــ أو: في أيِّ الخُرْزتين ــ أو: في أيِّ الخُصْفَتين ــ أمِن دبرها في قبلها؟ فنعم. أم من دبرها في دبرها؟ فلا. إنَّ الله لا يستحيي من الحقِّ. لا تأتوا النِّساء في أدبارهنَّ».
قال الرَّبيع: فقيل للشَّافعيِّ: فما تقول؟ فقال: عمِّي ثقةٌ. وعبد الله بن علي ثقةٌ، وقد أثنى على الأنصاريِّ خيرًا يعني عمرو بن الجُلاح. وخزيمة ممَّن لا يُشكُّ في ثقته. فلست أرخِّص فيه، بل أنهى عنه.
_________________
(١) في «الأمّ» (٥/ ١٨٦). وأخرجه أيضًا النَّسائيُّ في «الكبرى» (٨٩٤٣ - ٨٩٤٦)، والطَّحاويُّ في «مشكل الآثار» (٦١٣٢) وفي «معاني الآثار» (٣/ ٤٣)، وغيرهما. وفي إسناده اختلاف كثير. وصحَّحه الشَّافعيُّ كما في «خلاصة البدر المنير» (٢/ ٢٠١)، وابن الملقِّن، وأعلَّه ابن حجر في «التَّلخيص الحبير» (٣/ ٣٦٧) بقوله: «فيه عمرو بن أحيحة، وهو مجهول الحال»، وتعقَّبه الألبانيُّ في «الإرواء» (٧/ ٦٧).
(٢) حط: «الخرتين»، والخُرْت: الثقب أيضًا غير أن المروي هنا ما أثبت.
[ ٤ / ٣٧٨ ]
قلت: ومن هنا (^١) نشأ الغلط على من نُقِل عنه الإباحةُ من السَّلف والأئمَّة، فإنَّهم أباحوا أن يكون الدُّبر طريقًا إلى الوطء في الفرج، فيطأ من الدُّبر لا في الدُّبر؛ فاشتبه على السَّامع «مِنْ» بـ «في»، أو لم يظنَّ بينهما فرقًا. فهذا الذي أباحه السَّلف والأئمَّة، فغلط عليهم الغالطُ أقبحَ الغلط وأفحشَه.
وقد قال تعالى: ﴿تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٢٢]. قال مجاهد: سألت ابن عبَّاسٍ عن قوله تعالى: ﴿تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ فقال: تأتيها من حيث أُمِرْتَ أن تعتزلَها (^٢). يعني في الحيض. وقال علي بن أبي طلحة عنه يقول: في الفرج، ولا يَعْدُه (^٣) إلى غيره (^٤).
وقد دلَّت الآية على تحريم الوطء في دبرها من وجهين:
أحدهما: أنَّه أباح إتيانها في الحَرْث وهو موضعُ الولد، لا في الحُشِّ الذي هو موضع الأذى. وموضعُ الحرث هو المراد من قوله: ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ الآية، قال: ﴿لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣]. وإتيانُها في قُبلها من دبرها مستفادٌ من الآية أيضًا، لأنَّه قال: ﴿حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ أي: من أين شئتم من أمامٍ أو من خلفٍ. قال ابن عبَّاسٍ: ﴿لَكُمْ فَأْتُوا﴾ يعني: الفرج (^٥).
_________________
(١) ل، ن: «هاهنا»، وفي د: «هذا».
(٢) أخرجه الدَّارمي (١١٦٠)، والطَّبري في «تفسيره» (٣/ ٧٣٥)، وعزاه في «الدُّرِّ المنثور» (٢/ ٥٨٥) أيضًا لابن المنذر.
(٣) ز، س: «ولا تعده» بالتاء.
(٤) أخرجه الطَّبري في «تفسيره» (٣/ ٧٣٦)، والبيهقي في «الكبرى» (١/ ٣٠٩، ٧/ ١٩٦)، وعزاه في «الدُّرِّ المنثور» (٢/ ٥٨٥) أيضًا لابن المنذر.
(٥) أخرجه الطَّبري في «تفسيره» (٣/ ٧٤٦)، والبيهقي في «الكبرى» (٧/ ١٩٦).
[ ٤ / ٣٧٩ ]
وإذا كان الله حرَّم الوطء في الفرج لأجل الأذى العارض، فما الظَّنُّ بالحُشِّ الذي هو (^١) محلُّ الأذى اللَّازم، مع زيادة المفسدة بالتَّعرُّض لانقطاع النَّسل، والذَّريعة القريبة جدًّا من أدبار النِّساء إلى أدبار الصِّبيان (^٢).
وأيضًا: فللمرأة حقٌّ على الرجل في الوطء، ووطؤها في دبرها يفوِّت حقَّها ولا يقضي وطرها، ولا يحصِّل مقصودها.
وأيضًا: فإنَّ الدُّبر لم يتهيَّأ لهذا العمل ولم يُخلَق له، وإنَّما الذي هيِّئ له الفرجُ؛ فالعادلون عنه إلى الدُّبر خارجون عن حكمة الله وشرعه جميعًا.
وأيضًا: فإنَّ ذلك مضرٌّ بالرَّجل. ولهذا ينهى عنه عقلاء الأطبَّاء من الفلاسفة وغيرهم، لأنَّ للفرج خاصِّيَّةً في اجتذاب الماء المحتقَن (^٣) وراحة الرَّجل منه، والوطءُ في الدُّبر لا يعين على اجتذاب جميع الماء ولا يُخرج كلَّ المحتقن لمخالفته للأمر (^٤) الطَّبيعيِّ.
وأيضًا: فيضرُّ من وجهٍ آخر، وهو إحواجُه (^٥) إلى حركاتٍ متعبةٍ جدًّا لمخالفته للطَّبيعة.
وأيضًا: فإنَّه محلُّ القذر والنَّجْو، فيستقبله الرَّجل بوجهه ويلابسه.
_________________
(١) «هو» ساقط من س.
(٢) وهذا الوجه الثاني من دلالة الآية.
(٣) في ل هنا وفيما يأتي: «المختنق».
(٤) ل، د: «الأمر».
(٥) ما عدا ف، د، ن: «إخراجه»، تصحيف.
[ ٤ / ٣٨٠ ]
وأيضًا: فإنَّه يضرُّ بالمرأة جدًّا، لأنَّه واردٌ غريبٌ بعيدٌ عن الطِّباع، منافرٌ لها غاية المنافرة.
وأيضًا: فإنَّه يُحدث الهمَّ والغمَّ والنُّفرة عن الفاعل والمفعول.
وأيضًا: فإنَّه يسوِّد الوجه، ويُظلِم الصَّدرَ، ويطمس نور القلب، ويكسو الوجه وحشةً تصير عليه كالسِّيماء يعرفها من له أدنى فراسةٍ.
وأيضًا: فإنَّه يوجب النُّفرة والتَّباغض الشَّديد والتَّقاطع بين الفاعل والمفعول ولا بدَّ.
وأيضًا: فإنَّه يفسد حال الفاعل والمفعول فسادًا لا يكاد يرجى بعده صلاحٌ إلا أن يشاء الله بالتَّوبة النَّصوح.
وأيضًا: فإنَّه يذهب بالمحاسن منهما، ويكسوهما ضدَّها؛ كما يذهب بالمودَّة بينهما، ويُبدلهما بها تباغضًا وتلاعنًا.
وأيضًا: فإنَّه من أكبر أسباب زوال النِّعم وحلول النِّقم، فإنَّه يوجب اللَّعنة والمقتَ من الله، وإعراضَه عن فاعله، وعدمَ نظره إليه. فأيَّ خيرٍ يرجوه بعد هذا! وأيَّ شرٍّ يأمنه! وكيف حياةُ عبد قد حلَّت عليه لعنة الله ومقته، وأعرض عنه بوجهه، ولم ينظر إليه!
وأيضًا: فإنَّه يذهب بالحياء جملةً. والحياء هو حياة القلوب، فإذا فقدها القلبُ استحسن القبيحَ، واستقبح الحسنَ؛ وحينئذٍ فقد استحكم فسادُه.
وأيضًا: فإنَّه يحيل الطِّباع عمَّا ركَّبها اللَّه، ويُخرج الإنسان عن طبعه إلى طبعٍ لم يركِّب الله عليه شيئًا من الحيوان. بل هو طبعٌ منكوسٌ، وإذا نُكِسَ الطَّبع انتكس القلبُ والعملُ والهديُ، فيستطيب حينئذٍ الخبيثَ من الأعمال
[ ٤ / ٣٨١ ]
الجماع الضار شرعا وطبعا
والأفعال (^١) والهيئة (^٢)، ويفسُد حاله وعمله وكلامه بغير اختياره.
وأيضًا: فإنَّه يورث من الوقاحة والجرأة ما لا يورثه سواه.
وأيضًا: فإنَّه يورث من المهانة والسِّفال والحقارة ما لا يورثه غيره.
وأيضًا: فإنَّه يكسو العبدَ من حُلَّة المقت والبغضاء، وازدراء النَّاس له واحتقارهم إيَّاه، واستصغارهم له= ما هو مشاهَدٌ بالحسِّ.
فصلوات الله وسلامه على مَن سعادةُ الدُّنيا والآخرة في هديه واتِّباعِ ما جاء به، وهلاكُ الدُّنيا والآخرة في مخالفة هديه وما جاء به.
فصل
والجماع الضَّارُّ نوعان: ضارٌّ شرعًا، وضارٌّ طبعًا. فالضَّارُّ شرعًا: المحرَّم، وهو مراتب بعضها أشدُّ من بعضٍ. والتَّحريم العارض منه أخفُّ من اللَّازم كتحريم الإحرام والصِّيام والاعتكاف، وتحريم المُظاهِر منها قبل التَّكفير، وتحريم وطء الحائض، ونحو ذلك. ولهذا لا حدَّ في هذا الجماع.
وأمَّا اللَّازم، فنوعان: نوعٌ لا سبيل إلى حلِّه البتَّة كذوات المحارم. فهذا من أضرِّ الجماع، وهو يوجب القتل حدًّا عند طائفةٍ من العلماء كأحمد بن حنبلٍ وغيره (^٣). وفيه حديثٌ مرفوعٌ ثابتٌ (^٤).
_________________
(١) سقط «والأفعال» من طبعة عبد اللطيف، وتابعتها النشرات الأخرى.
(٢) كذا بالتاء المربوطة في جميع النسخ إلا ن التي فيها: «الهيئات»، ومثله في النسخ المطبوعة، وهو أشبه بالسياق.
(٣) انظر: «الروايتين والوجهين» (٢/ ٣١٧)، و«الإشراف لابن المنذر» (٧/ ٢٨٩). وانظر: «الداء والدواء» (ص ٤٠٩)، و«روضة المحبين» (ص ٥١١).
(٤) هو حديث البراء - ﵁ - قال: لقيتُ عمِّي ومعه راية، فقلت له: أين تريد؟ قال: بعثني رسول الله - ﷺ - إلى رجلٍ نكح امرأة أبيه، فأمرني أن أضرب عنقَه، وآخذَ ماله. أخرجه أبو داود (٤٤٥٦، ٤٤٥٧)، والتِّرمذي (١٣٦٢)، والنَّسائي (٣٣٣١، ٣٣٣٢)، وابن ماجه (٢٦٠٧، ٤٤٥٧)، وأحمد (١٨٥٥٧، ١٨٥٧٨، ١٨٥٧٩، ١٨٦٠٨ - ١٨٦١٠، ١٨٦٢٠، ١٨٦٢٦)، وقد اختُلف فيه اختلافًا كثيرًا. قال التِّرمذيُّ: «حسن غريب»، وتبعه البغويُّ في «شرح السنة» (١٠/ ٣٠٥)، وقال العقيليُّ في «الضُّعفاء» (٢/ ٢٠١): «إسناده صالح»، وصحَّحه ابن حبَّان (٤١١٢)، والحاكم (٢/ ١٩١)، والإشبيليُّ في «الأحكام الصُّغرى» (٢/ ٧٦٢)، وقال المصنِّف في «تهذيب السُّنن» (٦/ ٢٦٧): «له طرق حِسان يؤيِّد بعضُها بعضًا»، وصحَّحه الألبانيُّ في «الإرواء» (٢٣٥١). وفي الباب عن قرَّة بن إياس وابن عبَّاس - ﵃ -.
[ ٤ / ٣٨٢ ]
والثَّاني: ما يمكن أن يكون حلالًا كالأجنبيَّة. فإن كانت ذات زوجٍ ففي وطئها حقَّان: حقٌّ للَّه، وحقٌّ للزَّوج. فإن كانت مكرهةً ففيه ثلاث (^١) حقوق. وإن كان لها أهلٌ وأقارب يلحقهم العار بذلك صار فيه أربع حقوق. فإن كانت ذات محرمٍ منه صار فيه خمس حقوق. فمضرَّة هذا النَّوع بحسب درجاته في التَّحريم.
وأمَّا الضَّارُّ طبعًا (^٢)، فنوعان أيضًا: نوعٌ ضارٌّ بكيفيَّته (^٣) كما تقدَّم. ونوعٌ ضارٌّ بكمِّيَّته، كالإكثار منه فإنَّه يُسقِط القوَّة، ويضرُّ بالعصَب، ويُحدث الرَّعشة والفالج والتَّشنُّج، ويُضعِف البصر وسائر القوى، ويطفئ الحرارة الغريزيَّة ويوسِّع المجاري ويجعلها مستعدَّةً للفضلات المؤذية.
_________________
(١) كذا في جميع النسخ: «ثلاث»، و«أربع»، و«خمس»، إلا ن التي فيها «ثلاثة»، و«أربعة»، و«خمس»!
(٢) حط، د، ن: «شرعًا»، وهو غلط.
(٣) بعده في ن زيادة: «طبعًا»، وهي غلط أيضًا.
[ ٤ / ٣٨٣ ]
وأنفع أوقاته: ما كان بعد انهضام الغذاء في المعدة وفي (^١) زمانٍ معتدلٍ، لا على جوعٍ فإنَّه يضعف الحارَّ الغريزيَّ، ولا على شِبَعٍ فإنَّه يوجب أمراضًا سُدَديَّة (^٢)، ولا على تعبٍ، ولا إثر حمَّامٍ، ولا استفراغٍ، ولا انفعالٍ نفسانيٍّ كالغمِّ والهمِّ والحزن وشدَّة الفرح.
وأجود أوقاته: بعد هزيعٍ من اللَّيل إذا صادف انهضام الطَّعام. ثمَّ يغتسل أو يتوضَّأ، وينام عقيبه (^٣)، فتَراجَعُ إليه قواه. وليحذر الحركة والرِّياضة عقيبه فإنَّها مضرَّةٌ جدًّا (^٤).
فصل
في هديه - ﷺ - في علاج العشق
هذا مرضٌ من أمراض القلب مخالفٌ لسائر الأمراض في ذاته وأسبابه وعلاجه. وإذا تمكَّن واستحكم عزَّ على الأطبَّاء دواؤه، وأعيا العليل داؤه. وإنَّما حكاه الله سبحانه في كتابه عن طائفتين من النَّاس: النِّساء، وعشَّاق الصِّبيان (^٥) المردان. فحكاه عن امرأة العزيز في شأن يوسف، وحكاه عن قوم
_________________
(١) الواو قبل «في» ساقطة من س.
(٢) ز، حط، ن: «شديدة»، وكذا في النسخ المطبوعة، وهو تصحيف. وانظر: كتاب الحموي (ص ٣٥٤)، والفقرة مأخوذة منه.
(٣) ز: «عقبه» هنا وفيما يأتي.
(٤) هنا انتهى الجزء الثاني من نسخة الظاهرية (د) التي فرغ من كتابتها محمد بن محمد بن أبي شامة الحنبلي في سلخ شهر رمضان سنة ٨٥٣. وفي أول الجزء الثالث نقص كبير استمرَّ إلى «لحم الضب» في فصل المفردات.
(٥) لفظ «الصبيان» ساقط من ز.
[ ٤ / ٣٨٤ ]
لوطٍ، فقال تعالى إخبارًا عنهم لمَّا جاءت الملائكة لوطًا: ﴿(٦٦) وَجَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ (٦٧) قَالَ إِنَّ هَؤُلَاءِ ضَيْفِي فَلَا تَفْضَحُونِ (٦٨) وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ (٦٩) قَالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ قَالَ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (٧١) لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الحجر: ٦٧ - ٧٢].
وأمَّا ما زعمه بعض من لم يقدِّر رسول الله - ﷺ - حقَّ قدره أنَّه ابتلي به في شأن زينب بنت جحش، وأنَّه رآها، فقال: «سبحان مقلِّب القلوب». وأخذت بقلبه، وجعل يقول لزيد بن حارثة: «أَمْسِكْها»، حتَّى أنزل الله عليه: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ [الأحزاب: ٣٧] (^١). فظنَّ هذا الزَّاعم أنَّ ذلك في شأن العشق.
وصنَّف بعضهم كتابًا في العشق (^٢)، وذكر فيه عشق الأنبياء، وذكر هذه الواقعة. وهذا من جهل هذا القائل بالقرآن وبالرسول، وتحميلهِ كلامَ الله ما لا يحتمله، ونسبتهِ رسول الله - ﷺ - إلى ما برَّأه الله منه. فإنَّ زينب بنت جحش كانت تحت زيد بن حارثة، وكان رسول الله - ﷺ - قد تبنَّاه، وكان يُدعى ابن محمد (^٣)،
_________________
(١) أخرج القصَّة بهذا المعنى الباطل ابن سعد في «الطَّبقات الكبرى» (٨/ ١٠١ - ١٠٢)، والحاكم (٤/ ٢٣)، من حديث محمَّد بن يحيى بن حبَّان مرسلًا. وفي سندها محمَّد بن عمر الواقديُّ وهو متروك، عن عبد الله بن عامر الأسلميِّ وهو ضعيف؛ ولذا قال ابن العربيِّ في «أحكام القرآن» (٣/ ٥٧٧) عن هذه الرِّواية وغيرِها ممَّا في معناها: «هذه الرِّوايات كلُّها ساقطةُ الأسانيد».
(٢) لم أهتد إلى الكتاب المذكور ولا مؤلفه.
(٣) أثبت الفقي: «زيد بن محمد»، وكذا في طبعة الرسالة.
[ ٤ / ٣٨٥ ]
وكانت زينب فيها شَمَمٌ وترفُّعٌ عليه، فشاور رسول الله - ﷺ - في طلاقها، فقال له رسول الله - ﷺ -: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ﴾، وأخفى في نفسه أن يتزوَّجَها إن طلَّقها زيد. وكان يخشى من قالة النَّاس أنَّه تزوَّج امرأة ابنه، لأنَّ زيدًا كان يدعى ابنَه، فهذا هو الذي أخفاه في نفسه، وهذه هي الخشية من النَّاس الَّتي وقعت له (^١).
ولهذا ذكر الله سبحانه هذه الآية يعدِّد فيها نعمَه عليه، لا يعاتبه فيها. وأعلمه أنَّه لا ينبغي له أن يخشى النَّاسَ فيما أحلَّ الله له، وأنَّ الله أحقُّ أن يخشاه فلا يتحرَّج ما أحلَّه له لأجل قول النَّاس. ثمَّ أخبره أنَّه سبحانه زوَّجه إيَّاها بعد قضاء زيدٍ وطرَه منها، لتقتدي أمَّته به في ذلك، ويتزوَّج الرَّجلُ بامرأة ابنه من التَّبنِّي، لا امرأة ابنه لصلبه.
ولهذا قال في آية التَّحريم: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]. وقال في هذه السُّورة: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [الأحزاب: ٤٠]. وقال في أوَّلها: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ﴾ [الأحزاب: ٤]، فتأمَّل هذا الذَّبَّ عن رسوله (^٢)، ودفعَ طعن الطَّاعنين عنه. وباللَّه التَّوفيق.
نعم، كان رسول الله - ﷺ - يحبُّ نساءه، وكان أحبَّهنُّ إليه عائشة ولم تكن تبلغ محبَّتُه لها ولا لأحدٍ سوى ربِّه نهايةَ الحبِّ، بل صحَّ عنه (^٣) أنَّه قال: «لو
_________________
(١) وانظر: «الداء والدواء» (ص ٥٢٨، ٥٥٥ - ٥٥٦).
(٢) ن: «رسول الله - ﷺ -».
(٣) «عنه» ساقط من حط، ن.
[ ٤ / ٣٨٦ ]
كنت متَّخذًا من أهل الأرض خليلًا لاتَّخذتُ أبا بكرٍ خليلًا» (^١). وفي لفظٍ: «وإنَّ صاحبكم خليل الرَّحمن» (^٢).
فصل
وعشق الصُّور إنَّما تبتلى به القلوب الفارغة من محبَّة الله، المعرضةُ عنه، المتعوِّضةُ بغيره عنه. فإذا امتلأ القلب من محبَّة الله والشَّوق إلى لقائه دفع ذلك عنه مرضَ عشق الصُّور. ولهذا قال تعالى في حقِّ يوسف: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخَلِصِينِ (^٣)﴾ [يوسف: ٢٤] فدلَّ على أنَّ الإخلاص سببٌ لدفع العشق وما يترتَّب عليه من السُّوء والفحشاء الَّتي هي ثمرته ونتيجته، فصرفُ المسبَّب صرفٌ لسببه. ولهذا قال بعض السَّلف: العشق حركة قلبٍ فارغٍ (^٤)، يعني فارغًا ممَّا سوى معشوقه.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٤٦٦) ومسلم (٨٣٨٢) من حديث أبي سعيد الخدري. واللفظ المذكور هنا لمسلم (٢٣٨٣) من حديث ابن مسعود، وفيه: «لاتخذت ابن أبي قحافة خليلًا».
(٢) كذا ذكره المصنف في «جلاء الأفهام» (ص ٣١٩) و«روضة المحبين» (ص ٧٦). ولفظ مسلم في حديث ابن مسعود السابق: « خليل الله». وانظر: «المفهم» للقرطبي (٢/ ٤٢).
(٣) «المخلصين» بكسر اللام على قراءة أبي عمرو، وعلى هذه بنى المصنف قوله الآتي. وانظر نحوه في «الداء والدواء» (ص ٤٩١) و«إغاثة اللهفان» (٢/ ٨٦٦، ٨٧٨) و«الفوائد» (ص ١١٧) و«مفتاح دار السعادة» (١/ ١٩٨).
(٤) في «روضة المحبين» (ص ١٤٤): «ولهذا قيل ». ولم أقف على من قاله من السلف، ولكنه مشهور من قول ذيوجانس الكلبي. ولفظه في «لباب الآداب» لابن منقذ (ص ٤٤١): «شغل قلب فارغ لا هم له». وفي «مختار الحكم» لأبي الوفاء (ص ٧٧): «مرض رجل فارغ لا همة له». وفي «الواضح المبين» لمغلطاي (ص ٤٥): «سوء اختيار صادف نفسًا فارغة». وانظر: «التمثيل والمحاضرة» (ص ٣٩٨) و«بهجة المجالس» (١/ ٨١٧). ونحوه قول أرسطو في «الواضح المبين» (ص ٤٥). ولعل الطبيب الحاذق الذي سأله ابن عائشة عن العشق فقال: «شغل قلب فارغ» حكى قول ذيوجانس. انظر: «مصارع العشاق» (١/ ١٢٤).
[ ٤ / ٣٨٧ ]
قال تعالى: ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ﴾ [القصص: ١٠] أي فارغًا من كلِّ شيءٍ إلا من موسى، لفرط محبَّتها له وتعلُّق قلبها به.
والعشق مركَّبٌ من أمرين: استحسانٍ للمعشوق، وطمعٍ في الوصول إليه؛ فمتى انتفى أحدهما انتفى العشق.
وقد أعيت علَّة العشق على كثيرٍ من العقلاء وتكلَّم فيها بعضهم بكلامٍ يُرغَب عن ذكره إلى الصَّواب، فنقول:
قد استقرَّت حكمة الله ﷿ في خلقه وأمره على وقوعِ التَّناسب والتَّآلف بين الأشباه، وانجذابِ الشَّيء إلى موافقه ومجانسه بالطَّبع، وهروبِه من مخالفه ونفرته عنه بالطَّبع. فسرُّ التَّمازج والاتِّصال في العالم العلويِّ والسُّفليِّ إنَّما هو التَّناسب والتَّشاكل والتَّوافق، وسرُّ التَّباين والانفصال إنَّما هو بعدم التَّشاكل والتَّناسب، وعلى ذلك قام الخلق والأمر. فالمثلُ إلى مثله مائل وإليه صائر. والضِّدُّ عن ضدِّه هارب، وعنه نافر. وقد قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾ [الأعراف: ١٨٩]، فجعل سبحانه علَّة سكون الرَّجل إلى امرأته كونَها من جنسه وجوهره. فعلَّة السُّكون المذكور
_________________
(١) وهو الحبُّ كونُها منه، فدلَّ على أنَّ العلَّة ليست بحسن الصُّورة ولا الموافقة في القصد والإرادة ولا في الخُلق والهَدْي، وإن كانت
[ ٤ / ٣٨٨ ]
هذه أيضًا من أسباب السُّكون والمحبَّة (^١).
وقد ثبت في الصَّحيح عن النَّبيِّ - ﷺ - أنَّه قال: «الأرواح جنودٌ مجنَّدةٌ، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف» (^٢). وفي «مسند الإمام أحمد» (^٣) وغيره في سبب هذا الحديث: أنَّ امرأةً بمكَّة كانت تُضحك النَّاس، فجاءت إلى المدينة، فنزلت على امرأةٍ تُضحك النَّاس، فقال النَّبيُّ - ﷺ -: «الأرواح جنودٌ مجنَّدةٌ» الحديث.
وقد استقرَّت شريعته سبحانه أنَّ حكم الشَّيء حكمُ مثله، فلا تفرِّق شريعته بين متماثلين أبدًا، ولا تجمع بين متضادَّين. ومن ظنَّ خلاف ذلك فإمَّا لقلَّة علمه بالشَّريعة، وإمَّا لتقصيره في معرفة التَّماثل والاختلاف، وإمَّا
_________________
(١) أصل هذا التقرير كلام ابن حزم في «طوق الحمامة» (ص ٩٤). وانظر: «روضة المحبين» (ص ١١٧ - ١١٨) وقد نقل هناك نصَّ كلامه.
(٢) أخرجه البخاري (٣٣٣٦) عن عائشة - ﵂ -، ومسلم (٢٦٣٨) عن أبي هريرة - ﵁ -.
(٣) لم أقف عليه في «مسند الإمام أحمد». وأخرجه الزُّبير بن بكَّار في «المزاح والمفاكهة» ــ كما في «المقاصد الحسنة» (ص ١٠٤) ــ من طريق عليِّ بن أبي طالب اللَّهبيِّ، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة أنَّ امرأةً كانت بمكَّة تدخل على نساء قريش تضحكهنَّ، فلمَّا هاجرت ووسَّع الله تعالى دخلت المدينة، قالت عائشة: فدخلت عليَّ، فقالت لها فلانة: ما أقدمك؟ قالت: إليكنَّ، قلت: فأين نزلتِ؟ قالت: على فلانة، امرأة كانت تُضحِك بالمدينة، قالت عائشة: ودخل رسول الله - ﷺ - فقال: «فلانة المضحِكَة عندكم؟»، قالت عائشة: نعَم، فقال: «فعلى من نزلَت؟»، قالت: على فلانة المضحِكة، قال: «الحمد لله، إنَّ الأرواح» وذكره، قال السَّخاويُّ: «أفادت هذه الرِّواية سبب هذا الحديث». وأخرج أبو يعلى (٤٣٨١) والبيهقيُّ في «الشُّعب» (٨٦٢١) هذه القصَّة، لكن فيهما استشهاد عائشة بالحديث، وليس أنَّها سبب الورود.
[ ٤ / ٣٨٩ ]
لنسبته إلى شريعته ما لم ينزِّل به سلطانًا، بل يكون من آراء الرِّجال. فبحكمته وعدله ظهر خلقه وشرعه، وبالعدل والميزان قام الخلق والشَّرع، وهو التَّسوية بين المتماثلين، والتَّفريق بين المختلفين (^١).
وهذا كما أنَّه ثابتٌ في الدُّنيا فهو كذلك يوم القيامة. قال تعالى: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ (٢٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٢٢ - ٢٣]. قال عمر بن الخطَّاب وبعده الإمام أحمد: أزواجهم: أشباههم ونظراؤهم (^٢).
وقال تعالى: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ [التكوير: ٧] أي: قُرِنَ كلُّ صاحب عملٍ بشكله ونظيره، فقرن (^٣) بين المتحابَّين في الله في الجنَّة، وبين (^٤) المتحابَّين في طاعة الشَّيطان في الجحيم. فالمرء مع من أحبَّ، شاء أم أبى. وفي «صحيح الحاكم» (^٥) وغيره عن النَّبيِّ - ﷺ -: «لا يحبُّ المرءُ قومًا إلا حُشِر معهم».
_________________
(١) وانظر: «بدائع الفوائد» (٣/ ١٠٧٢).
(٢) قول عمر رواه ابن منيع ــ كما في «المطالب العالية» (٤/ ١٤٧) ــ بلفظ: «أزواجهم: أشباههم»، وصحَّحه ابن حجر. ورواه ابن جرير في «تفسيره» (٢١/ ٢٧، ٢٤/ ٢٤٤) ولفظه: «وأزواجَهم: ضُرباءَهم». وعزاه في «الدُّرِّ المنثور» (٧/ ٨٣) لعبد الرَّزَّاق والفريابيِّ وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقيِّ في «البعث»، ولفظه: «أمثالهم الذين هم مثلهم»، وصحَّحه الحاكم (٢/ ٤٣١).
(٣) حط، ل: «ففرق»، تصحيف.
(٤) في النسخ المطبوعة: «وقرن بين» بزيادة «قرن».
(٥) غيَّره محققا طبعة الرسالة إلى «مستدرك الحاكم» دون تنبيه، وقد ذكره الحاكم (٣/ ١٨) بلا إسنادٍ. وهو بمعناه في الصَّحيحين، فقد أخرج البخاريُّ (٥٨١٨)، ومسلم (٢٦٤١)، عن أبي موسى - ﵁ - قال: قيل للنَّبيِّ - ﷺ -: الرَّجل يحبُّ القومَ ولمَّا يلحق بهم؟ قال: «المرءُ مع من أحبَّ».
[ ٤ / ٣٩٠ ]
والمحبَّة أنواعٌ متعدِّدةٌ. فأفضلها وأجلُّها: المحبَّة في الله وللَّه، وهي تستلزم محبَّة ما أحبَّ اللَّه، وتستلزم محبَّة الله ورسوله.
ومنها محبَّة الاتِّفاق في طريقةٍ أو مذهبٍ أو دينٍ أو نِحلةٍ (^١) أو قرابةٍ أو صناعةٍ أو مرادٍ ما.
ومنها: محبَّةٌ لنيل غرضٍ من المحبوب، إمَّا من جاهه، أو من ماله، أو من تعليمه وإرشاده، أو قضاء وطرٍ منه. وهذه هي المحبَّة العَرَضيَّة (^٢) الَّتي تزول بزوال مُوجِبها، فإنه مَن ودَّك لأمرٍ ولَّى عند انقضائه (^٣).
وأمَّا محبَّة المشاكلة والمناسبة الَّتي بين المحبِّ والمحبوب، فمحبَّةٌ لازمةٌ لا تزول إلا لمعارضٍ (^٤) يزيلها. ومحبَّة العشق من هذا النَّوع، فإنَّها استحسانٌ روحانيٌّ وامتزاجٌ نفسانيٌّ. ولا يعرض في شيءٍ من أنواع المحبَّة من الوسواس والنُّحول وشغل البال والتَّلف ما يعرض من العشق (^٥).
فإن قيل: فإذا كان سبب العشق ما ذكرتم من الاتِّصال والتَّناسب
_________________
(١) ل: «محلة».
(٢) حط، ل: «الغرضية».
(٣) مقولة «من ودَّك لأمر » تنسب إلى «بعض ملوك الهند»، وقيل: وجدت على خاتمه. انظر: «البصائر والذخائر» (١/ ١٢٧) و«التذكرة الحمدونية» (١/ ٢٧٧). وانظر: «العزلة» للخطابي (ص ٥٢). والمصنف صادر عن «طوق الحمامة» (ص ٩٥).
(٤) في طبعة عبد اللطيف وما بعدها: «لعارض».
(٥) انظر: «طوق الحمامة» (ص ٩٦).
[ ٤ / ٣٩١ ]
الرُّوحانيِّ، فما باله لا يكون دائمًا من الطَّرفين، بل تجده كثيرًا من طرف العاشق وحده؟ فلو كان سببه الاتِّصال النَّفسيَّ والامتزاج الرُّوحانيَّ لكانت المحبَّة مشتركةً بينهما (^١).
فالجواب: أنَّ السَّبب قد يتخلَّف عنه مسبَّبُه لفوات شرطٍ، أو لوجود مانعٍ. وتخلُّفُ المحبَّة من الجانب الآخر لا بدَّ أن يكون لأحد ثلاثة أسبابٍ:
الأوَّل (^٢): علَّةٌ في المحبَّة، وأنَّها محبَّةٌ عرضيَّةٌ غرضية (^٣)، لا ذاتيَّةٌ. ولا يجب الاشتراك في المحبَّة العرضيَّة الغرضية، بل قد يلزمها نفرةٌ من المحبوب.
الثَّاني: مانعٌ يقوم بالمحبِّ يمنع محبَّة محبوبه له، إمَّا في خَلْقه أو في خُلُقه أو هَدْيه أو فعله أو هيئته أو غير ذلك.
الثَّالث: مانعٌ يقوم بالمحبوب يمنع مشاركته للمحبِّ في محبَّته. ولولا ذلك المانع لقام به من المحبَّة لمحبِّه مثلُ ما قام بالآخر.
فإذا انتفت (^٤) هذه الموانع، وكانت المحبَّة ذاتيَّةً، فلا تكون قطُّ إلا من الجانبين. ولولا مانعُ الكبر والحسد والرِّياسة والمعاداة في الكفَّار لكانت الرُّسل أحبَّ إليهم من أنفسهم وأهليهم وأموالهم. ولمَّا زال هذا المانع من
_________________
(١) قارن هذا الإيراد وجوابه بما قاله ابن حزم في المصدر السابق.
(٢) لفظ «الأول» ساقط من ز.
(٣) لفظة «غرضية» ساقطة من النسخ المطبوعة، وكذا «الغرضية» فيما يأتي. ظنَّها ناسخ أو ناشر مكررة إذ قرأها بالعين المهملة كسابقتها.
(٤) ز، س، ل: «اتفقت»، تصحيف.
[ ٤ / ٣٩٢ ]
قلوب أتباعهم كانت محبَّتهم لهم فوق محبَّة الأنفس والأهل والمال.
فصل
والمقصود: أنَّ العشق لمَّا كان مرضًا من الأمراض كان قابلًا للعلاج. وله أنواعٌ من العلاج:
فإن كان ممَّا للعاشق سبيلٌ إلى وصل محبوبه شرعًا وقدرًا، فهو علاجه؛ كما ثبت في «الصَّحيحين» (^١) من حديث ابن مسعودٍ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «يا معشر الشَّباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوَّج. ومن لم يستطع فعليه بالصَّوم، فإنَّه له وجاءٌ». فدلَّ المحبَّ على علاجين: أصليٍّ وبدليٍّ. وأمره بالأصليِّ، وهو العلاج الذي وُضِعَ لهذا الدَّاء، فلا ينبغي العدول عنه إلى غيره ما وجد إليه سبيلًا.
وروى ابن ماجه في «سننه» (^٢) عن ابن عبَّاسٍ عن النَّبيِّ - ﷺ - أنَّه قال: «لم يُرَ للمتحابَّين مثلُ النِّكاح». وهذا هو المعنى الذي أشار إليه سبحانه عقيبَ إحلال النِّساء حرائرهنَّ وإمائهنَّ عند الحاجة بقوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٢٨]. فذكرُ تخفيفه ــ سبحانه ــ في هذا الموضع وإخبارُه عن ضعف الإنسان يدلُّ على ضعفه عن احتمال هذه الشَّهوة وأنَّه سبحانه خفَّف عنه أمرَها، بما أباحه له من أطايب النِّساء مثنى وثلاث ورباع، وأباح له ما شاء ممَّا ملكت يمينه. ثمَّ أباح له أن يتزوَّج بالإماء إن احتاج إلى ذلك علاجًا لهذه الشَّهوة، وتخفيفًا عن هذا الخلق الضَّعيف
_________________
(١) البخاري (٥٠٦٥) ومسلم (١٤٠٠)، وقد تقدم.
(٢) برقم (١٨٤٧). تقدَّم تخريجه، وبيانُ أنَّ الصَّواب فيه الإرسال.
[ ٤ / ٣٩٣ ]
ورحمةً به (^١).
فصل
وإن كان لا سبيل للعاشق إلى وصال معشوقه قدرًا أو شرعًا، أو هو ممتنعٌ عليه من الجهتين (^٢) ــ وهو الدَّاء العضال ــ فمن علاجه: إشعارُ نفسه اليأسَ منه، فإنَّ النَّفس متى يئست من الشَّيء استراحت منه ولم تلتفت إليه. فإن لم يزل مرض العشق مع اليأس، فقد انحرف الطَّبع انحرافًا شديدًا، فينتقل إلى علاجٍ آخر. وهو علاج عقله بأن يعلم أنَّ (^٣) تعلُّق القلب بما لا مطمع في حصوله نوعٌ من الجنون، وصاحبُه بمنزلة من يعشق الشَّمسَ، وروحُه متعلِّقةٌ بالصُّعود إليها والدَّوران معها في فلكها. وهذا معدودٌ عند جميع العقلاء في زمرة المجانين.
وإن كان الوصال متعذِّرًا شرعًا لا قدرًا، فعلاجه بأن ينزِّله منزلة المتعذِّر قدرًا، إذ ما لم يأذن فيه اللَّه فعلاج العبد ونجاته موقوفٌ على اجتنابه. فليُشعِر نفسَه أنَّه معدومٌ ممتنعٌ لا سبيل له إليه، وأنَّه بمنزلة سائر المحالات.
فإن لم تجبه النَّفس الأمَّارة فليتركه لأحد أمرين (^٤): إمَّا خشيةً، وإمَّا فواتَ محبوبٍ (^٥) هو أحبُّ إليه، وأنفع له، وخيرٌ له منه، وأدوم لذَّةً وسرورًا؛
_________________
(١) وانظر: «الداء والدواء» (ص ٥٥٢ - ٥٥٤) و«روضة المحبين» (ص ٢٩٩).
(٢) العبارة «فإذا كان سبب العشق ما ذكرتم» في الفصل السابق إلى هنا ساقطة من (حط).
(٣) في النسخ المطبوعة: «بأن».
(٤) حط: «سببين».
(٥) كذا في الأصل وسائر النسخ الخطية والمطبوعة. وأخشى أن يكون الصواب: «إمَّا خشيةً من فوات محبوبٍ». والأمر الثاني مذكور في الفقرة الآتية: «الثاني: حصول مكروه» يعني: وإما خشيةً من حصول مكروه. وجمعهما في الفقرة التي بعد «الثاني»: «بل يجتمع له الأمران».
[ ٤ / ٣٩٤ ]
فإنَّ العاقل متى وازن بين نيل محبوبٍ سريع الزَّوال بفوات محبوبٍ أعظمَ منه وأدومَ وأنفعَ وألذَّ أو بالعكس ظهر له التَّفاوتُ. فلا يَبِعْ (^١) لذَّة الأبد الَّتي لا خطَر لها (^٢)، بلذَّة ساعةٍ تنقلب آلامًا، وحقيقتها أنَّها أحلام نائمٍ، أو خيالٌ لا ثبات له. فتذهب اللَّذَّة، وتبقى التَّبعة. وتزول الشَّهوة، وتبقى الشِّقوة (^٣).
الثَّاني: حصول مكروهٍ أشقَّ عليه من فوات هذا المحبوب.
بل يجتمع له الأمران، أعني: فواتَ ما هو أحبُّ إليه من هذا المحبوب، وحصولَ ما هو أكره إليه (^٤) من فوات هذا المحبوب.
فإذا تيقَّن أنَّ في إعطاء النَّفس حظَّها من هذا المحبوب هذين الأمرين هان عليه تركُه، ورأى أنَّ صبره على فوته أسهل من صبره عليهما بكثيرٍ. فعقله ودينه ومروءته وإنسانيَّته يأمره باحتمال الضَّرر اليسير الذي ينقلب سريعًا لذَّةً وسرورًا وفرحًا، لدفع هذين الضَّررين العظيمين. وجهله وهواه وظلمه وطيشه وخفَّته يأمره بإيثار هذا المحبوب العاجل بما فيه، جالبًا عليه ما جلَب. والمعصومُ مَن عصَم اللَّهُ.
فإن لم تقبل نفسه هذا الدَّواء، ولم تطاوعه لهذه المعالجة، فلينظر ما
_________________
(١) في ف: «تبع».
(٢) أي لا عوض عنها، ولا نظير لها. انظر تعليقي على «الداء والدواء» (ص ٨١).
(٣) في الأصل (ف) هنا حاشية نصُّها: «ولقد أحسن من قال: خفِ الله واحذر من عواقب شهوةٍ فلذتها تفنى ويبقى لك الوزرُ»
(٤) س: «له». وكذا أضيف في ن وكان ساقطًا.
[ ٤ / ٣٩٥ ]
تجلب عليه هذه الشَّهوة من مفاسد عاجِلَته، وما تمنعه من مصالحها؛ فإنَّها أجلَبُ شيءٍ لمفاسد الدُّنيا، وأعظَمُ شيءٍ تعطيلًا لمصالحها؛ فإنَّها تحول بين العبد وبين رشده الذي هو ملاك أمره وقوام مصالحه.
فإن لم تقبل نفسه هذا الدَّواء، فليتذكَّر قبائح المحبوب وما يدعوه إلى النُّفرة عنه؛ فإنَّه إن طلبها وتأمَّلها وجدها أضعاف محاسنه الَّتي تدعو إلى حبِّه. وليسأل جيرانه عمَّا خفي عليه منها. فإنَّ المحاسن كما هي داعية الحبِّ (^١) والإرادة، فالمساوي داعية البغض والنُّفرة. فليوازن بين الدَّاعيين، وليحبَّ أسبقهما وأقربهما منه بابًا. ولا يكن ممَّن غرَّه ثوبُ (^٢) جمالٍ على جسمٍ أبرص مجذومٍ. وليجاوز بصرُه حسنَ الصُّورة (^٣) إلى قبح الفعل، وليعبُرْ من حسن المنظر والجسم إلى قبح المَخْبَر والقلب.
فإن عجزت عنه هذه الأدوية كلُّها لم يبق له إلا صدقُ اللَّجأ إلى من يجيب المضطرَّ إذا دعاه. وليطرح (^٤) نفسه بين يديه على بابه مستغيثًا به، متضرِّعًا متذلِّلًا مستكينًا. فمتى وُفِّق لذلك فقد قرَع باب التَّوفيق. وَلْيعفَّ، وَلْيكتُمْ، ولا يشبِّبْ بذكر المحبوب، ولا يفضَحْه بين النَّاس ويعرِّضْه للأذى، فإنَّه يكون ظالمًا معتديًا (^٥).
_________________
(١) س، ل: «إلى الحب»، وكذا «إلى البغض» في الجملة الآتية.
(٢) ز، ل: «لوث»، وأشير في هامش س إلى هذه النسخة، وكذا في الطبعة الهندية. وفي طبعة عبد اللطيف وما بعدها: «لون».
(٣) س: «الصور».
(٤) ز: «فليطرح».
(٥) ز، ل، ن: «متعدِّيًا».
[ ٤ / ٣٩٦ ]
بطلان حديث «من عشق فعف فمات فهو شهيد»
ولا يغترَّ بالحديث الموضوع على رسول الله - ﷺ -، الذي رواه سويد بن سعيدٍ، عن عليِّ بن مسهرٍ، عن أبي يحيى القتات، عن مجاهد، عن ابن عبَّاسٍ عن النَّبيِّ - ﷺ -. ورواه عن أبي مسهرٍ أيضًا، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، عن النَّبيِّ - ﷺ -. ورواه الزُّبير بن بكَّارٍ عن عبد الملك بن عبد العزيز بن الماجشون، عن عبد العزيز بن أبي حازمٍ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهد، عن ابن عبَّاسٍ، عن النَّبيِّ - ﷺ - أنَّه قال: «من عشِقَ، فعفَّ، فمات، فهو شهيدٌ» (^١). وفي روايةٍ: «من عشق، وكتَم، وعفَّ، وصَبر= غفر الله له، وأدخله الجنَّة» (^٢). فإنَّ هذا الحديث لا يصحُّ عن رسول الله - ﷺ -. ولا يجوز أن يكون من كلامه، فإنَّ الشَّهادة درجةٌ عاليةٌ عند اللَّه، مقرونةٌ بدرجة الصِّدِّيقيَّة، ولها أعمالٌ وأحوالٌ هي شرطٌ في حصولها. وهي نوعان: خاصَّةٌ، وعامَّةٌ. فالخاصَّة: الشَّهادة في سبيل اللَّه.
والعامَّة خمسٌ مذكورةٌ في
_________________
(١) أخرجه بهذا اللَّفظ الخرائطيُّ في «اعتلال القلوب» (١٠٦)، وابن حبَّان في «المجروحين» (١/ ٣٥٢)، والخطيب في «تاريخ بغداد» (٥/ ٣٦٤، ٦/ ٤٨، ١١/ ٢٩٥، ١٣/ ١٨٥).
(٢) أخرجه بهذا اللَّفظ الخطيب في «تاريخ بغداد» (٢/ ٣٣٠)، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٤٣/ ١٩٥). قال المصنِّف في «الداء والدواء» (ص ٥٧١ - ٥٧٢): «كلام حفَّاظ الإسلام في إنكار هذا الحديث هو الميزان، وإليهم يُرجع في هذا الشَّأن، ولا صحَّحه ولا حسَّنه أحدٌ يُعوَّل في علم الحديث عليه، ويُرجَع في التَّصحيح إليه، ولا مَن عادتُه التَّسامحُ والتَّساهل، فإنَّه لم يصف نفسه له، ويكفي أنَّ ابن طاهر الَّذي يتساهَل في أحاديث التَّصوُّف ويروي منها الغثَّ والسَّمين قد أنكره وشهد ببطلانه». وينظر: «العلل المتناهية» (٢/ ٢٨٥)، و«المقاصد الحسنة» (١١٥٣)، و«السلسلة الضعيفة» (٤٠٩).
[ ٤ / ٣٩٧ ]
الصَّحيح (^١)، ليس العشق واحدًا منها.
وكيف يكون العشق الذي هو شركٌ في المحبَّة، وفراغٌ (^٢) عن اللَّه، وتمليكُ القلب والرُّوح والحبِّ لغيره= تُنال به درجةُ الشَّهادة؟ هذا من المحال، فإنَّ إفساد عشق الصُّور للقلب فوق كلِّ إفسادٍ، بل هو خمرُ الرُّوح الذي يُسكرها، ويصدُّها عن ذكرِ الله وحبِّه، والتَّلذُّذِ بمناجاته، والأنسِ به؛ ويوجب عبوديَّة القلب لغيره، فإنَّ قلب العاشق متعبد لمعشوقه. بل العشق لبُّ العبوديَّة، فإنَّها كمال الذُّلِّ والحبِّ والخضوع والتَّعظيم. فكيف يكون تعبُّدُ القلب لغير الله ممَّا تنال به درجةُ أفاضل الموحِّدين وسادتهم وخواصِّ الأولياء؟ فلو كان إسناد هذا الحديث كالشَّمس كان غلطًا ووهمًا (^٣). ولا يُحفَظ عن رسول الله - ﷺ - لفظُ العشق في حديثٍ صحيحٍ البتَّة.
ثمَّ إنَّ العشق منه حلال، ومنه حرام. فكيف يظنُّ برسول الله - ﷺ - (^٤) أنَّه يحكم على كلِّ عاشقٍ يكتُم ويعِفُّ بأنَّه شهيدٌ. أفَترى من يعشق امرأة غيره أو يعشق المردان والبغايا، ينال بعشقه درجة الشُّهداء؟ وهل هذا إلا خلاف المعلوم من دينه - ﷺ -؟ كيف والعشق مرضٌ من الأمراض الَّتي جعل الله سبحانه لها الأدوية شرعًا وقدرًا؟ والتَّداوي منه إمَّا واجبٌ إن كان عشقًا حرامًا، وإمَّا مستحبٌّ.
_________________
(١) وذلك في حديث أبي هريرة - ﵁ -، أخرجه البخاري (٦٥٣) وفيه: «الشهداء خمسة: المطعون، والمبطون، والغريق، وصاحب الهدم، والشهيد في سبيل الله».
(٢) في النسخ المطبوعة: «وفراغ القلب»، والظاهر أن لفظ «القلب» زيادة ناسخ أو ناشر.
(٣) س: «وهنا»، تحريف.
(٤) هنا كتب ناسخ الأصل (ف): «صلم»، ومن عادته كتابة «صلى الله علم».
[ ٤ / ٣٩٨ ]
وأنت إذا تأمَّلت الأمراض والآفات الَّتي حكم رسول الله - ﷺ - لأصحابها بالشَّهادة وجدتها من الأمراض الَّتي لا علاج لها، كالمطعون والمبطون والمجنوب (^١) والحريق (^٢) والغريق وموت المرأة يقتلها ولدُها في بطنها (^٣). فإنَّ هذه بلايا من الله، لا صنع للعبد فيها، ولا علاج لها، وليست أسبابها محرَّمةً، ولا يترتَّب عليها من فساد القلب وتعبُّده لغير الله ما يترتَّب على العشق.
فإن لم يكف هذا في إبطال نسبة هذا الحديث إلى رسول الله - ﷺ -، فقلِّد أئمَّةَ الحديث العالمين به وبعلله، فإنَّه لا يُحفَظ عن إمامٍ واحدٍ منهم قطُّ أنَّه شهد له بصحَّةٍ، بل ولا بحسنٍ. كيف وقد أنكروا على سويد هذا الحديث، ورمَوه لأجله بالعظائم، واستحلَّ بعضُهم غزوَه لأجله!
قال أبو أحمد بن عديٍّ في «كامله» (^٤): هذا الحديث أحد ما أُنكِر على سويد. وكذلك قال البيهقي (^٥): إنَّه ممَّا أنكر عليه. وكذلك قال ابن طاهرٍ في
_________________
(١) يعني مَن به ذات الجنب. وفيما عدا الأصل (ف): «المجنون»، وكذا في النسخ المطبوعة، وهو تصحيف.
(٢) ز، س، ل: «الحرِق». وكذا في الطبعة الهندية، وفيها أيضًا بعده: «الغرق».
(٣) أخرجه مالك (٦٢٩)، ومن طريقه أخرجه أحمد (٢٣٧٥٣) وأبو داود (٣١١١) والنسائي في «الكبرى» (١٩٨٥)، وصححه ابن حبان (٣١٨٩، ٣١٩٠) والحاكم (١/ ٣٥١).
(٤) س: «كتابه»، تحريف. ولم أجده في المطبوع، ولعله مما سقط منه. وهذه الفقرة كلها من «الواضح المبين» لمغلطاي (ص ١٩).
(٥) نقله عنه ابن حجر في «التلخيص الحبير» (٢/ ٣٢٥). ولم أقف عليه في كتبه المطبوعة.
[ ٤ / ٣٩٩ ]
«الذَّخيرة» (^١). وذكره الحاكم في «تاريخ نيسابور» (^٢) وقال: إنما (^٣) أتعجَّب من هذا الحديث فإنَّه لم يحدِّث به غيرُ سويد، وهو ثقةٌ. وذكره أبو الفرج بن الجوزيُّ في كتاب «الموضوعات» (^٤)،
وكان أبو بكر الأزرق يرفعه أوَّلًا عن سويد، فعوتب فيه، فأسقط ذكرَ (^٥) النَّبيِّ - ﷺ -، وكان لا يجاوز به ابنَ عبَّاسٍ.
ومن المصائب الَّتي لا تُحتَمل: جعلُ هذا الحديث من حديث هشام بن
_________________
(١) لم أجده في المطبوع. وقد ضمّ إليه في «الداء والدواء» (٥٦٥) كتاب «التذكرة» لابن طاهر، كما في «الواضح المبين». انظر: «التذكرة» (ص ٣٤٠).
(٢) ونقل الذهبي عن الحاكم أنه ذكر أن حديث العشق أُنْكِر عليه، ثم نقل الحاكم عن ابن معين لما ذُكِر له هذا الحديث قال: لو كان لي فرس ورمح غزوت سويدًا. انظر: «سير أعلام النبلاء» (٧/ ٤١٨) و«لسان الميزان» (١/ ٤٢٩).
(٣) ما عدا ل: «أنا»، وكذا في طبعة عبد اللطيف وما بعدها، وكذا في «الداء والدواء» (ص ٥٦٩). وفي «الواضح المبين» ــ وهو مصدر النقل ــ ما أثبت، وكذا في الطبعة الهندية و«روضة المحبين» (ص ٢٦٧).
(٤) وكذا قال في «روضة المحبين» (ص ٢٦٩): «وأدخله في كتابه الموضوعات». وفي «الداء والدواء» (ص ٥٦٨): «وعدَّه في الموضوعات». قال الكناني في «تنزيه الشريعة» (ص ٣٦٤): «ذكر غير واحد من المصنفين أن هذا الحديث أورده ابن الجوزي في الموضوعات وأعلَّه بسويد بن سعيد. وتعقبوه بأنَّ سويدًا من رجال مسلم وبأنه تابعه المنجنيقي، ومن طريقه أخرجه الدارقطني. ولم يذكر السيوطي الحديث في كتبه. فلعل نسخ الموضوعات تختلف. والله أعلم». قلت: وقد ذكره ابن الجوزي في «العلل المتناهية» (ص ٧٧١). هذا، ولم يشر مغلطاي إلى ذكره في «موضوعات ابن الجوزي»، وإنما نقل عنه عتاب ابن المرزبان لأبي بكر الأزرق. وذلك من كتابه «ذم الهوى» (ص ٣٢٩) ولم يسمِّه.
(٥) وقد أسقطت النسخ المطبوعة كلمة «ذكر»، وهو سقط شنيع.
[ ٤ / ٤٠٠ ]
عروة عن أبيه عن عائشة عن النَّبيِّ - ﷺ - (^١). ومن له أدنى إلمامٍ بالحديث وعلله لا يحتمل هذا البتَّة. ولا يحتمل أن يكون من حديث الماجشون، عن ابن أبي حازم، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهد، عن ابن عبَّاسٍ مرفوعًا. وفي صحَّته موقوفًا على ابن عبَّاسٍ نظرٌ.
وقد رمى النَّاس سويد بن سعيدٍ راوي هذا الحديث بالعظائم. وأنكره عليه يحيى بن معينٍ، وقال: هو ساقط كذَّاب. لو كان لي فرسٌ ورمحٌ كنت أغزوه. وقال الإمام أحمد: متروك الحديث. وقال النَّسائيُّ: ليس بثقةٍ. وقال البخاريُّ: كان قد عمي، فتلقَّنَ (^٢) ما ليس من حديثه. وقال ابن حبَّان: يأتي بالمعضلات عن الثِّقات. يجب مجانبةُ ما روى (^٣). انتهى.
وأحسن ما قيل فيه: قول أبي حاتمٍ الرَّازيِّ: إنَّه صدوقٌ كثير التَّدليس. ثمَّ قول الدَّارقطنيِّ: هو ثقةٌ، غير أنَّه لمَّا كبر كان ربَّما قرئ عليه حديثٌ فيه بعضُ النَّكارة، فيجيزه (^٤). انتهى.
وعِيبَ (^٥) على مسلمٍ إخراجُ حديثه، وهذه حاله. ولكن مسلمٌ روى من
_________________
(١) أخرجه بهذا الإسناد الخطيب في «تاريخ بغداد» (١٢/ ٤٧٥) من طريق أحمد بن محمَّد بن مسروق الطُّوسي، عن سويد، عن عليِّ بن مسهر، عن هشام به، وقال: «رواه غير واحد عن سويد، عن عليِّ بن مسهر، عن أبي يحيى القتَّات، عن مجاهد، عن ابن عبَّاس، وهو المحفوظ».
(٢) ل: «وتلقن». وفي س: «فلقن».
(٣) هذه الأقوال كلها منقولة من «الضعفاء والمتروكون» لابن الجوزي (٢/ ٣٢).
(٤) انظر القولين في المصدر السابق.
(٥) س: «عُتب»، ولعله تصحيف.
[ ٤ / ٤٠١ ]
حديثه ما تابعه عليه غيرُه ولم ينفرد به، ولم يكن منكرًا ولا شاذًّا، بخلاف هذا الحديث. والله أعلم.
فصل
في هديه - ﷺ - في حفظ الصِّحَّة بالطِّيب
لمَّا كانت الرَّائحة الطَّيِّبة غذاء الرُّوح، والرُّوح مطيَّة القوى، والقوى تزداد بالطِّيب، وهو ينفع الدِّماغ والقلب وسائر الأعضاء الباطنة (^١)، ويفرِّح القلب، ويسرُّ النَّفس، وينشِّط (^٢) الرُّوح، وهو أصدق شيءٍ للرُّوح وأشدُّه ملاءمةً لها، وبينه وبين الرُّوح الطَّيِّبة نسبٌ قريبٌ (^٣) = كان أحد المحبوبين من الدُّنيا إلى أطيب الطَّيِّبين صلوات الله وسلامه عليه.
وفي «صحيح البخاريِّ» (^٤) أنَّه - ﷺ - كان لا يردُّ الطِّيب. وفي «صحيح مسلم» (^٥) عنه - ﷺ -: «من عُرِضَ عليه ريحانٌ فلا يردُّه، فإنَّه طيِّب الرِّيح خفيف المَحْمِل».
وفي «سنن أبي داود والنَّسائيِّ» (^٦) عن أبي هريرة عن النَّبيِّ - ﷺ -: «من
_________________
(١) غيِّر في طبعة الرسالة إلى «الباطنية». والنص إلى هنا منقول من كتاب الحموي (ص ٣٤٩ - ٣٥٠).
(٢) في طبعة عبد اللطيف وما بعدها: «يبسط».
(٣) في النسخ المطبوعة: «نسبة قريبة».
(٤) برقم (٢٥٨٢) من حديث أنس - ﵁ -.
(٥) برقم (٢٢٥٣) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.
(٦) «سنن أبي داود» (٤١٧٢)، «سنن النَّسائي» (٥٢٥٩). وهو في «صحيح مسلم» (٢٢٥٣) بلفظ: «من عُرض عليه ريحان فلا يردّه؛ فإنَّه خفيف المحمل طيِّب الرِّيح».
[ ٤ / ٤٠٢ ]
عُرِضَ عليه طيبٌ فلا يردُّه، فإنَّه خفيف المحمل طيِّب الرَّائحة».
وفي «مسند البزار» (^١) عن النَّبيِّ - ﷺ - أنَّه قال: «إنَّ الله طيِّبٌ يحبُّ الطِّيب، نظيفٌ يحبُّ النَّظافة، كريمٌ يحبُّ الكرم، جوادٌ يحبُّ الجود. فنظِّفوا أفناءكم وساحاتكم، ولا تشبَّهوا باليهود يجمعون الأكباء (^٢) في دورهم». الأكباء (^٣): الزُّبالة.
وذكر ابن أبي شيبة (^٤) أنَّه - ﷺ - كان له سُكَّةٌ يتطيَّب منها.
وصحَّ عنه أنَّه قال: «إنَّ لله حقًّا على كلِّ مسلمٍ: أن يغتسل في كلِّ سبعة
_________________
(١) برقم (١١١٤) من حديث سعد بن أبي وقَّاص - ﵁ -. وأخرجه أيضًا التِّرمذي (٢٧٩٩)، وأبو يعلى (٧٩٠، ٧٩١)، وابن حبَّان في «المجروحين» (١/ ٢٧٩)، وابن عدي في «الكامل» (٣/ ٤١٤). وإسناده ضعيف جدًّا؛ فيه خالد بن إلياس وهو متروك، قال التِّرمذي: «هذا حديث غريب، وخالد بن إلياس يُضعَّف»، وبه ضعَّفه ابن الجوزي في «العلل المتناهية» (٢/ ٢٢٤)، والبوصيري في «إتحاف الخيرة» (٢/ ٢٧٦، ٤/ ٥٣٧)، وابن حجر في «المطالب العالية» (١٠/ ٢٧٠).
(٢) س: «الأكناء» هنا وفيما يأتي، وهو تصحيف. وفي حاشية ز: «الكناسات» وفوقه: «صح»، وهو تفسير الأكباء. وفي طبعة عبد اللطيف: «الأكب»، وضبط في طبعة الرسالة بضم الكاف وتشديد الباء!
(٣) جمع الكِبا بالكسر والقصر.
(٤) وقد أحال عليه الحموي أيضًا في كتابه (ص ٣٥٠، ٥٠٤). ولم أقف عليه عنده. وأخرجه أبو داود (٤١٦٢)، والتِّرمذي في «الشَّمائل» (٢١٧)، من حديث أنس - ﵁ -. وصحَّحه الإشبيلي في «الأحكام الصُّغرى» (٢/ ٨١٦)، والضِّياء في «المختارة» (٧/ ٢٢٩)، وقال ابن الملقِّن في «البدر المنير» (١/ ٥٠١): «إسناده صحيح، ورجاله كلُّهم ثقات مخرَّج لهم في الصحيح».
[ ٤ / ٤٠٣ ]
فصل في ﷺ في حفظ صحة العين
أيَّامٍ. وإن كان له طيبٌ أن يمسَّ منه» (^١).
وفي الطِّيب من الخاصِّيَّة أنَّ الملائكة تحبُّه، والشَّياطين تنفر عنه. وأحبُّ شيءٍ إلى الشيطان الرَّائحة المنتنة والكريهة (^٢). فالأرواح الطَّيِّبة تحبُّ الرَّائحة الطَّيِّبة، والأرواح الخبيثة تحبُّ الرَّائحة الخبيثة. وكلُّ روحٍ تميل إلى ما يناسبها. فالخبيثات للخبيثين، والخبيثون للخبيثات. والطَّيِّبات للطَّيِّبين، والطَّيِّبون للطَّيِّبات. وهذا وإن كان في النِّساء والرِّجال، فإنَّه يتناول الأعمال والأقوال والمطاعم والمشارب، والملابس والأراييح (^٣)، إمَّا بعموم لفظه أو بعموم معناه. والله أعلم.
فصل
في هديه - ﷺ - في حفظ صحَّة العين
روى أبو داود في «سننه» (^٤) عن عبد الرحمن بن النعمان بن معبد بن
_________________
(١) أخرجه الطَّحاويُّ في «شرح المعاني» (١/ ١١٩) من حديث أبي هريرة - ﵁ -. وصحَّحه ابن خزيمة (١٧٦١)، وابن حبَّان (١٢٣٤). وهو في البخاريِّ (٨٥٦) ومسلم (٨٤٩) دون ذكر الطِّيب. وأخرج البخاري (٨٤٠) ومسلم (٨٤٦) من حديث أبي سعيد الخدري - ﵁ -: «الغسل يوم الجمعة واجبٌ على كلِّ محتلِم، وأن يستنَّ، وأن يمسَّ طيبًا إن وجد». وفي الباب عن غيرهما من الصَّحابة - ﵃ -.
(٢) ل: «المنتنة الكريهة».
(٣) ل: «الأرايح»، وكذا في الطبعة الهندية. وفي طبعة عبد اللطيف وما بعدها: «الروائح»، والأراييح جمع الأرياح على جعل الياء بدلًا لازمًا. انظر: «المغرب» للمطرزي (١/ ٣٥١). وقد سبق في (ص ١٢٧).
(٤) برقم (٢٣٧٧). وأخرجه أيضًا أحمد (١٦٠٧٢)، والطَّبراني في «الكبير» (٢٠/ ٣٤١). وعبد الرَّحمن متكلَّمٌ فيه، وأبوه مجهول، قال أبو داود: «قال لي يحيى بن معين: هو حديث منكر»، ونقل مثلَه عن الإمام أحمد في «مسائله» (ص ٣٩٩)، وضعَّفه البغويُّ في «شرح السنة» (٦/ ٢٩٧)، وابن تيمية في «مجموع الفتاوى» (٢٥/ ٢٣٤)، والمصنِّف كما تقدم (٢/ ٦٠)، وينظر: «السلسلة الضعيفة» (١٠١٤).
[ ٤ / ٤٠٤ ]
هَوْذة الأنصاري، عن أبيه، عن جدِّه أنَّ رسول الله - ﷺ - أمر بالإثمد المروَّح عند النَّوم، وقال: «ليتَّقه الصَّائم». قال أبو عبيد (^١): المروَّح: المطيَّب بالمسك.
وفي «سنن ابن ماجه» (^٢) وغيره عن ابن عبَّاسٍ قال: كانت للنَّبيِّ - ﷺ - مُكْحُلةٌ يكتحل منها ثلاثًا في كلِّ عينٍ.
وفي «الترمذي» (^٣): عن ابن عبَّاسٍ قال: كان رسول الله - ﷺ - إذا اكتحل
_________________
(١) في «غريب الحديث» (٣/ ٣٣٤) والنقل من كتاب الحموي (ص ٣٩٧).
(٢) برقم (٣٤٩٩). وأخرجه أيضًا التِّرمذيُّ (١٧٥٧، ٢٠٤٨)، وأحمد (٣٣١٨)، وغيرُهما. قال التِّرمذي: «حديث حسن غريب، لا نعرفه إلَّا من حديث عبَّاد بن منصور»، وعبَّادٌ ضعَّفه غيرُ واحدٍ من الأئمَّة، وبه ضعَّف الحديثَ ابن مُفلح في «الآداب الشَّرعيَّة» (٢/ ٣٨١) وقال: «قيل: رواه عن إبراهيم بن أبي يحيى»، أي: دلَّسه عن عكرمة، وقد بيَّن تدليسَه العُقيليُّ في «الضُّعفاء» (٣/ ١٣٦)، وابن حبَّان في «المجروحين» (٢/ ١٦٦)، وتقدَّم بيان ذلك في تخريج حديث الحجامة. وبذلك يُعلم ما في تصحيح الطَّبري في «التَّهذيب» (١/ ٤٨٩ ــ مسند ابن عبَّاس) والحاكم (٤/ ٤٠٨) والإشبيليِّ في «الأحكام الصُّغرى» (٢/ ٨٣٨) لهذا الحديث. وينظر: «الإرواء» (٧٦). وفي الباب عن عائشة - ﵂ -.
(٣) كذا نقله الحموي (ص ٣٩٨)، وهو مصدر المؤلف. ولم أقف على حديث ابن عباس بهذا اللفظ. والَّذي في التِّرمذي (١٧٥٧، ٢٠٤٨) عنه أنَّه - ﷺ - كان يكتحل ثلاثًا في كلِّ عين، وهو الحديثُ السَّابق. وأخرج أبو يعلى (٢٦١١) وابن حبَّان في «المجروحين» (٣/ ١١٦) والطَّبراني في «الكبير» (١٠/ ٣١٤) عنه أنَّه - ﷺ - كان إذا اكتحل جعل في كلِّ عين اثنَين وواحدًا بينهما، وإسناده هالك؛ فيه عمرو بن الحصين عن يحيى بن العلاء وهما متروكان. وأمَّا اكتحالُه - ﷺ - في اليمنَى ثلاثًا وفي اليسرى مرَّتين، فرواه ابن أبي شيبة (٢٣٤٨٧) عن عمران بن أبي أنس مرسلًا، ورواه أبو الشَّيخ في «أخلاق النَّبي» (٥٢٦)، ومن طريقه البغويُّ في «شرح السنة» (١٢/ ١١٩)، عن عمران بن أبي أنس عن أنس - ﵁ - موصولًا، وقد صححه الألباني في «السلسلة الصَّحيحَة» (٦٣٣). وله شاهد عند الطَّبراني في «الكبير» (١٢/ ٣٦٤) وفي «الأوسط» (٨٧٧)، ومن طريقه البيهقيُّ في «الشُّعب» (٦٠١١)، من حديث ابن عمر - ﵄ -، وإسناده ليِّن كما قال العراقيُّ في «المغني» (٣/ ١٣١٠).
[ ٤ / ٤٠٥ ]
يكتحل (^١) في اليمنى ثلاثًا يبتدئ بها ويختم بها، وفي اليسرى ثنتين.
وقد روى أبو داود (^٢) عنه - ﷺ -: «من اكتحل فليوتر». فهل الوتر بالنِّسبة
_________________
(١) في طبعة عبد اللطيف وما بعدها: «يجعل».
(٢) في «السنن» (٣٥) من طريق أبي سعد، عن أبي هريرة. وأخرجه أيضًا ابن ماجه (٣٣٨، ٣٤٩٨)، وأحمد (٨٨٣٨). قال ابن الملقِّن في «البدر المنير» (٢/ ٣٠٢): «اختلف الحفَّاظ في تصحيح هذا الحديثِ وتضعيفه؛ بحسب توثيق بعض الأئمَّة لأبي سعد الخير وجهالة بعضهم إيَّاه»، واختلفوا أيضًا في الرَّاوي عنه وهو حصين الحبرانيُّ. فممَّن ضعَّف الحديثَ ابن حزم في «المحلَّى» (١/ ١١١)، والبيهقيُّ في «المعرفة» (١/ ٣٤٨)، وابن عبد البر في «التَّمهيد» (١١/ ٢١) وظاهر صنيع الحافظ في التلخيص (١/ ١٠٣). وصحَّحه الطَّبري في «التهذيب» (١/ ٤٨٢)، وابن الملقِّن. وحسَّنه النَّووي في «الخلاصة» (١/ ١٤٧)، وابن حجر في «الفتح» (١/ ٢٥٧). ولهذا الجزء من الحديث طريق آخر، فأخرجه أحمد (٨٦١١، ٨٦٧٧) من طريق ابن لهيعة، عن أبي يونس، عن أبي هريرة بلفظ: «إذا اكتحل أحدُكم فليكتحِل وترًا»، وحسَّنه الألبانيُّ بمجموع الطَّريقين في «السِّلسلة الصَّحيحة» (١٢٦٠). وله طريق ثالث، فأخرجه الطَّبريُّ (١/ ٤٨١) من طريق حسام بن مصكّ، عن عطاء بن أبي رباح، عن أبي هريرة، وحسام ضعيف يكاد أن يُترك. وفي الباب عن أنس وعقبة بن عامر - ﵄ -.
[ ٤ / ٤٠٦ ]
إلى العينين كلتيهما، فيكون في هذه ثلاثٌ، وفي هذه اثنتان، واليمنى (^١) أولى بالابتداء والتَّفضيل؛ أو هو بالنِّسبة إلى كلِّ عينٍ، فيكون في هذه ثلاثٌ، وفي هذه ثلاثٌ؟ وهما قولان في مذهب أحمد وغيره (^٢).
وفي الكحل حفظٌ لصحَّة العين، وتقويةٌ للنُّور الباصر، وجلاءٌ لها، وتلطيفٌ للمادَّة الرَّديَّة واستخراجٌ لها، مع الزِّينة في بعض أنواعه. وله عند النَّوم مزيد فضلٍ لاشتمالها على الكحل، وسكونها عقيبه عن الحركة المضرَّة بها، وخدمة الطَّبيعة لها. وللإثمد من ذلك خاصِّيَّةٌ.
وفي «سنن ابن ماجه» (^٣) عن سالم عن أبيه يرفعه: «عليكم بالإثمد، فإنَّه يجلو البصر، ويُنبِت الشَّعر».
وفي كتاب أبي نعيم (^٤): «فإنَّه مَنْبتةٌ للشَّعر، مَذْهَبةٌ للقذى، مَصْفاةٌ للبصر».
_________________
(١) س، ل: «واليمين».
(٢) انظر: «المغني» (١/ ١٢٩)، و«المجموع شرح المهذب» (١/ ٢٨١).
(٣) برقم (٣٤٩٥). وأخرجه أيضًا البخاري في «التَّاريخ الكبير» (٦/ ٢٤٢)، والبزَّار (٦٠٩٤)، والتِّرمذي في «الشَّمائل» (٥٢)، والطَّبري في «تهذيب الآثار» (١/ ٤٨٥). وصحَّح إسناده الحاكم (٤/ ٢٠٧)، لكن فيه عثمان بن عبد الملك وهو ليِّن الحديث. وللحديث شواهد كثيرة يثبُت بها، منها: عن ابن عبَّاس وعليٍّ وجابر وأبي هريرة وأنس ومعبد بن هوذة وصهيب وعائشة - ﵂ -.
(٤) «الطِّب النَّبوي» (٢٠٨، ٢٦٠) من طريق عون بن محمَّد ابن الحنفيَّة، عن أبيه، عن جدِّه. وأخرجه أيضًا البخاريُّ في «التَّاريخ الكبير» (٨/ ٤١٢)، والطَّبراني في «الكبير» (١/ ١٠٩) وفي «الأوسط» (١٠٦٤، ٣٣٣٤). قال أبو نعيم في «الحلية» (٣/ ١٧٨): «هذا حديث غريب من حديث ابن الحنفيَّة، لم يروه عنه إلَّا ابنه عون، ولا عنه إلَّا يونس بن راشد». وصحَّحه الطَّبريُّ في «التهذيب» (١/ ٤٨٦)، والضِّياء في «المختارة» (٢/ ٣٤٧)، وحسَّن إسناده المنذريُّ في «التَّرغيب» (٣/ ٨٩)، والعراقيُّ في «المغني» (٣/ ١٣٠٩)، وابن حجر في «الفتح» (١٠/ ١٥٧)، وهو في «السلسلة الصحيحة» (٦٦٥، ٢٦٤٢).
[ ٤ / ٤٠٧ ]
وفي «سنن ابن ماجه» (^١) أيضًا: عن ابن عبَّاسٍ يرفعه: «خير أكحالكم الإثمد، يجلو البصر، ويُنبت الشَّعر».
_________________
(١) (٣٤٩٧) من طريق ابن خُثيم، عن سعيد بن جبير، عنه به. وأخرجه أيضًا أبو داود (٣٨٧٨، ٤٠٦١)، والنَّسائي (٥١١٣)، وأحمد (٢٠٤٧، ٢٢١٩، ٢٤٧٩، ٣٠٣٥، ٣٣٤٢، ٣٤٢٦). قال النَّسائي: «عبد الله بن عثمان بن خثيم ليِّن الحديث»، وقال البزَّار (١١/ ٢٩٤): «هذا الحديث قد رُوِي عن النَّبيِّ - ﷺ - من غير وجه، وهذا الإسناد من أحسن إسنادٍ يُروى في ذلك». وله شواهد كثيرة، وقد صحَّحه الطَّبريُّ في «التَّهذيب» (١/ ٤٨٣)، وابن حبَّان (٥٤٢٣، ٦٠٧٢، ٦٠٧٣)، والحاكم (٤/ ١٨٥)، والإشبيليُّ في «الأحكام الصُّغرى» (٢/ ٨٣٩).
[ ٤ / ٤٠٨ ]
إثمد
فصل
في ذكر شيءٍ من الأدوية والأغذية المفردة الَّتي جاءت على لسانه - ﷺ -
مرتَّبةً على حروف المعجم (^١)
حرف الهمزة
إثمِد (^٢): هو حجر الكحل الأسود يؤتى به من أصفهان، وهو أفضله. ويؤتى به من جهة الغرب أيضًا. وأجوده: السَّريع التَّفتُّت، الذي لِفُتاته بصيصٌ، وداخله أملس، ليس فيه شيءٌ من الأوساخ.
ومزاجه باردٌ يابسٌ. ينفع العين، ويقوِّيها، ويشدُّ أعصابها، ويحفظ صحَّتها. ويُذْهِب اللَّحم الزَّائد في القروح، ويدمُلها، وينقِّي أوساخها ويجلوها. ويُذهِب الصُّداع إذا اكتُحِل به مع العسل المائيِّ الرَّقيق (^٣). وإذا دُقَّ وخُلِط ببعض الشُّحوم الطَّريَّة ولُطِّخ على حرق النَّار لم تعرض فيه خُشْكْرِيشةٌ (^٤)، ونفَع من التَّنفُّط الحادث بسببه. وهو أجود أكحال العين، لا سيَّما للمشايخ والَّذين قد ضعفت أبصارهم إذا جُعِل معه شيءٌ من المسك.
_________________
(١) معظم هذا الفصل منقول من كتاب «الأحكام النبوية في الصناعة الطبية» لابن طرخان الحموي الكحال.
(٢) كتاب الحموي (ص ٣٩٥ - ٣٩٦). وانظر: «مفردات ابن البيطار» (١/ ١٢ - ١٣).
(٣) في كتاب الحموي: «مع الإقليميا والعسل المائي الرقيق ميلًا في الجانب المصدَّع». وهذه الفائدة مذكورة بالنص في «لقط المنافع» لابن الجوزي (٢/ ٣٤١) ولعل الحموي صادر عنه.
(٤) هي القشور التي تتكون على حرق النار والقروح الحادة الخلط. نقله دوزي (٣/ ٢٠٦) من «معجم المنصوري».
[ ٤ / ٤٠٩ ]
أترج
أُتْرُجٌّ (^١): ثبت في الصَّحيح (^٢) عن النَّبيِّ - ﷺ - أنَّه قال: «مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن كمثل الأترجَّة، طعمها طيِّبٌ، وريحها طيِّبٌ».
في (^٣) الأترجِّ منافع كثيرة. وهو مركَّب من أربعة أشياء: قشر، ولحم، وحَمْض (^٤)، وبِزر؛ ولكلِّ واحدٍ منها مزاجٌ يخصُّه. فقشره حارٌّ يابسٌ، ولحمه بارد (^٥) رطبٌ، وحَمْضه باردٌ يابسٌ، وبِزره حارٌّ يابسٌ.
ومن منافع قشره: أنَّه إذا جُعِل في الثِّياب منع السُّوسَ. ورائحته تُصلح فساد الهواء والوباء. ويطيِّب النَّكهة إذا أمسكها (^٦) في فمه. ويحلِّل الرِّياح. وإذا جُعل في الطَّعام كالأبازير أعان على الهضم.
قال صاحب «القانون» (^٧): وعصارة قشره تنفع من نهش الأفاعي شُربًا،
_________________
(١) كتاب الحموي (ص ٤٠١ - ٤٠٤). وانظر: «القانون» (١/ ٣٦٧ - ٣٦٨) و«مفردات ابن البيطار» (١/ ١٠ - ١١).
(٢) س، حط، ل: «الصحيحين». وقد أخرجه البخاري (٥٠٢٠) ومسلم (٧٩٧) من حديث أبي موسى الأشعري.
(٣) س، ن: «وفي».
(٤) كذا في جميع النسخ الخطية والمطبوعة هنا وفيما يأتي في ذكر مزاجه. وفي كتاب الحموي: «حُمَّاض»، كما جاء فيما بعد، وهو المعروف. في «القاموس»: «يقال لما في جوف الأترج: حُمَّاض».
(٥) كذا في النسخ وكتاب الحموي والطبعة الهندية. وفي طبعة عبد اللطيف وما بعدها: «حارٌّ». في «القانون» (١/ ٣٦٧): «لحمه حارٌّ في الأولى، رطب فيها. بل قال قوم: هو بارد رطب في الأولى، وبرده أكثر». والظاهر أن الحموي أخذ بهذا القول. وهو قول ابن ماسويه. انظر: «الحاوي» (٦/ ١٥).
(٦) كذا في النسخ. ولعله ذهب إلى «القشرة». وقد أصلحه الفقي: «أمسكه».
(٧) (١/ ٣٦٨) والنقل من كتاب الحموي (ص ٤٠٢).
[ ٤ / ٤١٠ ]
وقشرُه ضمادًا. وحُراقةُ قشره طلاءٌ جيِّدٌ للبرص. انتهى.
وأمَّا لحمه، فمُطْفٍ (^١) لحرارة المعدة، نافعٌ لأصحاب المرَّة الصَّفراء، قامعٌ للبخارات الحادَّة (^٢). وقال الغافقي: أكلُ لحمه ينفع البواسير (^٣). انتهى.
وأمَّا حُمَّاضُه (^٤)، فقابضٌ كاسرٌ للصَّفراء، ومسكِّنٌ للخفقان الحارِّ، نافعٌ من اليَرْقان شربًا واكتحالًا، قاطعٌ للقيء الصَّفراويِّ، مشهٍّ للطَّعام، عاقلٌ للطَّبيعة، نافعٌ من الإسهال الصَّفراويِّ. وعصارةُ حُمَّاضه تسكِّن (^٥) غُلمةَ النِّساء (^٦)، وتنفع طلاءً من الكلَف (^٧)، وتذهب بالقُوباء (^٨). ويُستدلُّ على
_________________
(١) يعني: «مطفئ»، وقد ضبط في ن بتشديد الفاء، وفي طبعة عبد اللطيف وما بعدها: «ملطِّف».
(٢) حط: «الحارة» وكذا في النسخ المطبوعة. ومثله في كتاب الحموي و«المفردات».
(٣) في كتاب الحموي: «قد ينفع أكله». وانظر: «مفردات ابن البيطار» (١/ ١٠).
(٤) غيَّره الفقي إلى «حِمْضُه» هنا وفيما يأتي، وتبعته مؤسسة الرسالة.
(٥) الأفعال الثلاثة: «تسكن» و«تنفع» و«تذهب» كذا بالتاء في الأصل وكتاب الحموي (ص ٤٠٣). ولعلها كانت مهملة في أصل المؤلف، فاضطربت النسخ إذ نظرت بعضها إلى لفظ «عصارة»، وبعضها إلى قوله فيما يأتي: «فعله» و«قلعه». ثم بعض الأفعال بالتاء وبعضها بالياء في نسخة واحدة كما في س، حط.
(٦) ز، حط، ن: «علَّة النسا»، وقد وضع بعضهم شدَّة في ف، س أيضًا، وكذا في مخطوط كتاب الحموي ومطبوعه و«القانون» (١/ ٣٦٨).
(٧) الكلَف: كمودة وكدورة تحدثان في لون الوجه. انظر: «التنوير» (ص ٩٢) و«بحر الجواهر» (ص ٢٤٨).
(٨) القُوباء: خشونة تحدث في ظاهر الجلد مع حكّة، ولونها يميل مرةً إلى السواد ومرَّة إلى الحمرة. انظر: «بحر الجواهر» (ص ٢٤١).
[ ٤ / ٤١١ ]
ذلك من فعلِه في الحِبْر إذا وقع على الثِّياب وقلعه له. وله قوَّةٌ تلطِّف وتقطع وتبرِّد، وتطفئ حرارة الكبد، وتقوِّي المعدة، وتمنع حدَّة المرَّة الصَّفراء، وتزيل الغمَّ العارض منها، وتسكِّن العطش.
وأمَّا بِزْره، فله قوَّةٌ محلِّلةٌ مجفِّفةٌ. وقال ابن ماسويه: خاصَّة حبِّه: النَّفعُ من السُّموم القاتلة إذا شُرب منه وزن مثقالين (^١) بماءٍ فاترٍ أو طلاءٍ مطبوخٍ. وإن دُقَّ ووُضِع على موضع اللَّسعة نفَع. وهو مليِّنٌ للطَّبيعة، مطيِّبٌ للنَّكهة. وأكثر هذا الفعل منه موجودٌ في قشره (^٢). وقال غيره (^٣): خاصَّة حبِّه: النَّفع من لسع (^٤) العقارب إذا شُرِب منه وزن مثقالين مقشَّرًا بماءٍ فاترٍ. وكذلك إن (^٥) دُقَّ ووُضِع على موضع اللَّدغة. وقال غيره (^٦): حبُّه يصلح للسُّموم كلِّها. وهو نافعٌ من لدغ الهوامِّ (^٧).
وذُكِرَ أنَّ بعض الأكاسرة غضِب على قومٍ من الأطبَّاء (^٨)، فأمر بحبسهم وخيَّرهم أُدْمًا لا مزيد (^٩) لهم عليه، فاختاروا الأترجَّ. فقيل لهم: لم اخترتموه
_________________
(١) في طبعة عبد اللطيف وما بعدها: «مثقال». وفي كتاب الحموي كما أثبت. وبعده في النسخ المطبوعة: «مقشَّرًا»، وهو من انتقال النظر إلى القول التالي.
(٢) انظر قول ابن ماسويه في «الحاوي» (٦/ ١٥).
(٣) نقله ابن البيطار (١/ ١١) عن الطبري.
(٤) في النسخ المطبوعة: «لسعات».
(٥) في النسخ المطبوعة: «إذا».
(٦) نقله الحموي (ص ٤٠٤) عن إسحاق بن عمران.
(٧) في النسخ المطبوعة بعده زيادة: «كلها»، وكذا في كتاب الحموي.
(٨) في كتاب الحموي (ص ٤٠١): «الفلاسفة».
(٩) في النسخ المطبوعة: «يزيد». وفي مصدر النقل كما أثبت.
[ ٤ / ٤١٢ ]
أرز
على غيره؟ فقالوا: لأنَّه في العاجل ريحانٌ، ومنظرُه مفرِّحٌ، وقشرُه طيِّب الرَّائحة، ولحمُه فاكهةٌ، وحمضه (^١) أدمٌ، وحبُّه ترياقٌ، وفيه دهنٌ (^٢).
وحقيقٌ بشيءٍ هذه منافعه أن يشبَّه به خلاصةُ الوجود، وهو المؤمن الذي يقرأ القرآن. وكان بعض السَّلف يحبُّ النَّظر إليه (^٣)، لما في منظره من التَّفريح (^٤).
أرُزٌّ (^٥): فيه حديثان باطلان موضوعان على رسول الله - ﷺ -:
أحدهما: أنَّه لو كان رجلًا لكان حليمًا (^٦).
_________________
(١) كذا في النسخ الخطية والمطبوعة، وفي كتاب الحموي: «حُمَّاضه». وقد سبق مثله.
(٢) قارن بما ورد في «عيون الأخبار» (٣/ ٢٩٥).
(٣) نقله الحموي مرفوعًا عن النبي - ﷺ - مع تعليله بالتفريح، وقد ذكره ابن الجوزي في «الموضوعات» (٣/ ٩)، وانظر: «تنزيه الشريعة» (٢/ ٢٥١). وكأنَّ المصنف عزاه من أجله إلى «بعض السلف».
(٤) وضع بعض القراء هنا علامة «صح» وكتب في الحاشية: «وإذا خمر حمضه بالخل أذهب القوابي. ومن خواصِّه أن الجنَّ لا يدخل بيتًا هو فيه، لما روي عن الإمام أبي الحسن بن الحسين الخِلَعي ــ نسبة إلى بيع الخِلَع، وهو من أصحاب الشافعي ــ أنهم كانوا يأتونه ويقرؤون عليه، فانقطعوا عنه مدَّةً، ثم أتوه، فسألهم عن سبب انقطاعهم، فقالوا له [] كان في بيتك [شيء من الأترج ونحن] لا ندخل بيتًا هو فيه [فإذا كان هذا] حال صالحهم، فطالحُهم أولى». ووضع بعد ذلك دائرة منقوطة. طريقة اللحق أن توضع علامته في المتن، ثم يكتب «صح» في نهايته، والحاشية ليست بخط الناسخ، ثم لم ترد في شيء من نسخ الكتاب المخطوطة والمطبوعة. ومن ثم لم ندخلها في المتن. ولعل الدائرة علامة نهاية الحاشية لا غير كما في حاشية في الورقة التالية. وانظر حكاية الخلعي في «تاريخ الإسلام» للذهبي (١٠/ ٧٢٢).
(٥) كتاب الحموي (ص ٤٠٤ - ٤٠٥). وانظر: «مفردات ابن البيطار» (١/ ١٨ - ١٩).
(٦) وحكم بوضعه أيضًا ابن حجر كما في «المقاصد الحسنة» (ص ٥٥١).
[ ٤ / ٤١٣ ]
أرز
الثَّاني: «كلُّ شيءٍ أخرجته الأرض ففيه داءٌ وشفاءٌ، إلا الأرزَّ فإنَّه شفاءٌ لا داء فيه» (^١).
ذكرناهما تنبيهًا وتحذيرًا من نسبتهما إليه - ﷺ -.
وبعد، فهو حارٌّ يابسٌ. وهو أغذى الحبوب بعد الحنطة، وأحمدها خِلْطًا. يشدُّ البطن شدًّا يسيرًا، ويقوِّي المعدة ويدبُغها ويمكث فيها. وأطبَّاء الهند تزعم أنَّه أحمد (^٢) الأغذية وأنفعها إذا طُبخ بألبان البقر. وله تأثيرٌ في خصب البدن، وزيادة المنيِّ، وكثرة التَّغذية، وتصفية اللَّون.
أَرْزٌ (^٣): بفتح الهمزة وسكون الرَّاء: وهو الصَّنوبر. ذكره - ﷺ - في قوله: «مَثلُ المؤمن مَثلُ الخامة من الزَّرع، تفيِّئها الرِّياح، تُقيمها مرَّةً وتُنيمها (^٤) أخرى. ومثلُ المنافق مثلُ الأَرْزة، لا تزال قائمةً على أصلها حتَّى يكون انجعافُها مرَّةً واحدةً» (^٥).
وحبُّه حارٌّ رطبٌ. وفيه إنضاجٌ، وتليينٌ، وتحليلٌ، ولذعٌ يذهب بنقعه في الماء. وهو عسر الهضم. وفيه تغذيةٌ كثيرةٌ. وهو جيِّدٌ للسُّعال، ولتنقية رطوبات الرِّئة. ويزيد في المنيِّ، ويولِّد مغصًا. وترياقه حبُّ الرُّمَّان المُزِّ.
_________________
(١) وقال السُّيوطيُّ أيضًا: «كذب موضوعٌ». ينظر: «كشف الخفاء» (٢/ ١٢٤).
(٢) في النسخ: «أحد». وفي كتاب الحموي و«المفردات» كما أثبت.
(٣) لم يذكره الحموي. ولعل المصنف صادر عن «الموجز» لابن النفيس (ص ٩٧ - حبُّ الصنوبر) ما عدا الحديث.
(٤) في النسخ المطبوعة: «وتُميلها».
(٥) أخرجه البخاري (٥٦٤٣) ومسلم (٢٨١٠) من حديث كعب بن مالك.
[ ٤ / ٤١٤ ]
إذخر
بطيخ
إذْخِر (^١): ثبت في الصَّحيح عنه - ﷺ - أنَّه لما قال في مكَّة: «لا يُختلى خَلاها» قال له العباس: إلا الإذخر، يا رسول اللَّه، فإنَّه لِقَينهم ولبيوتهم. فقال: «إلا الإذخر» (^٢).
والإذخر حارٌّ في الثَّانية يابسٌ في الأولى، لطيفٌ، مفتِّحٌ للسُّدَد وأفواه العروق، يُدِرُّ البول والطَّمثَ، ويفتِّت الحصى، ويحلِّل الأورام الصُّلبة في المعدة والكبد والكُليتين شُربًا وضِمادًا. وأصله يقوِّي عُمور (^٣) الأسنان والمعدة، ويسكِّن الغثَيان، ويعقل البطن.
حرف الباء
بطِّيخ (^٤): روى أبو داود والتِّرمذيُّ (^٥) عن النَّبيِّ - ﷺ - أنَّه كان يأكل
_________________
(١) لم يذكره الحموي أيضًا، والنص منقول بحروفه من «الموجز» لابن النفيس (ص ٨٣) ما عدا الحديث.
(٢) أخرجه البخاري (١٨٣٤) ومسلم (١٣٥٣) من حديث ابن عباس.
(٣) ما عدا الأصل: «عمود» بالدال، وكذا في النسخ المطبوعة. والصواب ما أثبت. والعمور جمع عَمْر، وهو اللحم الذي بين الأسنان.
(٤) كتاب الحموي (ص ٤٠٥ - ٤٠٧). وانظر: «الموجز» (ص ٨٨ - ٨٩).
(٥) «سنن أبي داود» (٣٨٣٦)، «جامع التِّرمذي» (١٨٤٣)، من حديث عائشة - ﵂ -. وأخرجه أيضًا النَّسائي في «الكبرى» (٦٦٨٧، ٦٦٨٨، ٦٦٩٣). وليس عند التِّرمذي والنَّسائي إلَّا الفعلُ. وفي إسناده اختلاف، ويُروى مرسلًا. قال التِّرمذي: «هذا حديث حسن غريبٌ»، وصحَّحه ابن حبَّان (٥٢٤٦، ٥٢٤٧) ــ وليس عنده القولُ ــ، والإشبيليُّ في «الأحكام الصُّغرى» (٢/ ٧٩٢)، والعراقيُّ في «المغني» (٣/ ١٣٩٦)، وصحَّح ابن حجر في «الفتح» (٩/ ٥٧٣) إسناد النَّسائي، وهو في «السِّلسلة الصَّحيحة» (٥٧). وفي الباب عن أنس - ﵁ -.
[ ٤ / ٤١٥ ]
بلح
البطِّيخ بالرُّطَب. يقول: «ندفع حرَّ هذا ببرد هذا (^١)».
وفي البطِّيخ عدَّة أحاديث، لا يصحُّ منها شيءٌ غير هذا الحديث الواحد. والمراد به الأخضر (^٢).
وهو باردٌ رطبٌ. فيه جلاءٌ. وهو أسرع انحدارًا عن المعدة من القثَّاء والخيار. وهو سريع الاستحالة إلى أيِّ خِلْطٍ كان (^٣) صادفه في المعدة. وإذا كان آكلُه محرورًا انتفع به جدًّا. وإن كان مبرودًا دفع ضرره بيسيرٍ من الزَّنجبيل ونحوه. وينبغي أكلُه قبل الطَّعام ويُتبَع به، وإلَّا غثَّى وقيَّأ.
وقال بعض الأطبَّاء: إنَّه قبل الطَّعام يغسل البطن غَسلًا، ويذهب بالدَّاء أصلًا (^٤).
بَلَح (^٥): روى النَّسائيُّ وابن ماجه في «سننهما» (^٦) من حديث هشام بن
_________________
(١) ما عدا الأصل (ف): «يدفع حرَّ هذا بردُ هذا»، وكذا في كتاب الحموي (ص ٤٠٦).
(٢) قال الحافظ في «الفتح» (٩/ ٥٧٣ - ٥٧٤): «والمراد هو الأصفر». وتعقبه الألباني في «السلسلة الصحيحة» (٥٨).
(٣) عليها في الأصل علامة التضبيب، وفي ن علامة الضرب. وحذفت في س، ل. ولم ترد في كتاب الحموي.
(٤) نقله الحموي (ص ٤٠٧) عن بعض عمَّات النبي - ﷺ - مرفوعًا. وقد أخرجه ابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٣٦/ ١٤١) وقال: «شاذ لا يصح». وحكم الألباني بوضعه في «السلسلة الضعيفة» (١٦٧). وقد عزاه المصنف إلى «بعض الأطباء» كما فعل في حديث النظر إلى الأترج من قبل إذ عزاه إلى بعض السلف.
(٥) كتاب الحموي (ص ٤٠٩ - ٤١٠).
(٦) «سنن النَّسائي الكبرى» (٦٦٩٠) وقال: «هذا منكرٌ» ــ كما في «تحفة الأشراف» (١٢/ ٢٢٤) ــ، و«سنن ابن ماجه» (٣٣٣٠)، من طريق يحيى بن محمَّد بن قيس، عن هشام به. وأخرجه أيضًا أبو يعلى (٤٣٩٩)، والحاكم (٤/ ١٢١). ويحيى بن محمَّد، قال العقيليُّ في «الضُّعفاء» (٤/ ٤٢٧): «لا يُتابع على حديثه»، وقال ابن حبَّان في «المجروحين» (٣/ ١٢٠): «هذا الكلام لا أصلَ له من حديث النَّبيِّ - ﷺ -»، وأنكره أيضًا ابن عديٍّ في «الكامل» (٩/ ١٠٥)، وابن الصَّلاح في «المقدِّمة» (ص ١٧٢) ومثَّل به للمنكر، والذَّهبيُّ في «التَّلخيص»، وغيرهم. وبالغ ابن الجوزي فحكم بوضعه (٣/ ٢٦)، وكذا الألباني في «السلسلة الضعيفة» (٢٣١)، قال الذَّهبي في «تلخيص الموضوعات» (ص ٢٥٦): «ينبغي أن يُخرَج هذا عن الموضوعات»، وقال ابن حجر في «النُّكت» (٢/ ٦٨٠): «ذكَرَه في الموضوعات، والصَّواب فيه ما قال النَّسائي وتبعه ابن الصلاح أنَّه منكر».
[ ٤ / ٤١٦ ]
عروة عن أبيه عن عائشة قالت: قال رسول الله - ﷺ -: «كلوا البَلَح بالتَّمر، فإنَّ الشَّيطان إذا نظر إلى ابن آدم يأكل البلَح بالتَّمر يقول: بقي ابن آدم حتَّى أكَلَ الحديثَ بالعتيق (^١)».
وفي روايةٍ: «كلوا البلَحَ بالتَّمر، فإنَّ الشَّيطان يحزن إذا رأى ابن آدم يأكله يقول: عاش ابن آدم حتَّى أكل الجديد بالخَلَق». رواه البزار في «مسنده» (^٢) وهذا لفظه (^٣).
قلت: الباء في الحديث بمعنى «مع»، أي: كلوا هذا مع هذا.
_________________
(١) في «سنن ابن ماجه والنسائي» كليهما: «أكل الخلَق بالجديد»، ولفظ الحديث كلُّه منقول من كتاب الحموي.
(٢) (١٨/ ٩٩) وقال: «هذا الحديثُ لا نعلم أحدًا رواه عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة - ﵂ - غير يحيى بن محمَّد بن قيس».
(٣) قال الحموي بعد نقل الحديثين: «رواه النسائي وأبو بكر البزار بلفظه وابن ماجه بمعناه». ولفظ «المسند» في المطبوع منه: «أكل الخلق بالجديد» كما في «السنن».
[ ٤ / ٤١٧ ]
بسر
قال بعض أطبَّاء الإسلام (^١): إنَّما أمر النَّبيُّ - ﷺ - بأكل البلح بالتَّمر، ولم يأمر بأكل البُسْر مع التَّمر، لأنَّ البلح باردٌ يابسٌ، والتَّمر حارٌّ رطبٌ، ففي كلٍّ منهما إصلاحٌ للآخر. وليس كذلك البُسْر مع التَّمر، فإنَّ كلَّ واحدٍ منهما حارٌّ، وإن كانت حرارة التَّمر أكثر. ولا ينبغي من جهة الطِّبِّ الجمعُ بين حارَّين أو باردين، كما تقدَّم.
وفي هذا الحديث: التَّنبيه على صحَّة أصل صناعة الطِّبِّ، ومراعاة التَّدبير الذي يصلُح في دفع كيفيَّات الأغذية والأدوية بعضِها ببعضٍ، ومراعاة القانون الطِّبِّيِّ الذي تحفظ به الصِّحَّة.
وفي البلح برودةٌ ويبوسةٌ. وهو يدبُغ (^٢) الفم واللِّثة والمعدة، وهو رديٌّ للصَّدر والرِّئة بالخشونة الَّتي فيه، بطيءٌ في المعدة، يسير التَّغذية. وهو للنَّخلة كالحِصْرِم لشجر العنب. وهما جميعًا يولِّدان رياحًا وقَراقرَ ونفخًا، ولا سيَّما إذا شُرِب عليها (^٣) الماء. ودفعُ مضرَّتهما (^٤) بالتَّمر أو بالعسل والزُّبد.
بُسْر (^٥): ثبت في الصَّحيح أنَّ أبا الهيثم بن التَّيِّهان لمَّا ضافه النَّبيُّ - ﷺ - وأبو بكر وعمر جاءهم بعِذْقٍ ــ وهو من النَّخلة كالعنقود من العنب ــ فقال له:
_________________
(١) هو ابن طرخان الحموي الذي اعتمد المصنف على كتابه في هذه الفصول، والنقل منه إلى آخر ما ذكر من خواصِّ البلح.
(٢) في طبعة عبد اللطيف وما بعدها: «ينفع»، تحريف.
(٣) ن: «عليهما».
(٤) س: «مضرَّتها».
(٥) كتاب الحموي (ص ٤٠٨ - ٤٠٩).
[ ٤ / ٤١٨ ]
بيض
«هلَّا انتقيتَ لنا من رُطَبه!». فقال: أحببتُ أن تنتقُوا من بُسْره ورُطَبه (^١).
البُسْر حارٌّ يابسٌ، ويبسُه أكثر من حرِّه. ينشِّف الرُّطوبة، ويدبُغ المعدة، ويحبس البطن، وينفع اللِّثة والفم. وأنفعُه ما كان هشًّا حلوًا. وكثرة أكله وأكل البلَح يُحدث السُّدَد في الأحشاء (^٢).
بَيض (^٣): ذكر البيهقي في «شعب الإيمان» (^٤) أثرًا مرفوعًا أنَّ نبيًّا من الأنبياء شكا إلى الله سبحانه الضَّعفَ، فأمَره بأكل البيض. وفي ثبوته نظرٌ.
_________________
(١) أخرجه مسلم (٢٠٣٨) من حديث أبي حازم، عن أبي هريرة - ﵁ - بنحوه، وليس فيه قوله - ﷺ -: «هلَّا انتقيتَ لنا من رطبه!». واللَّفظ الَّذي ذكره المصنِّف أخرجه التِّرمذيُّ (٢٣٦٩)، والنَّسائيُّ في «الكبرى» (٦٥٨٣)، من طريق أبي سلمة، عن أبي هريرة - ﵁ -، وقال التِّرمذيُّ: «حديث حسن صحيح غريب»، وصحَّحه ابن حبَّان (٥٢١٦)، والحاكم (٤/ ١٣١)، والضِّياء في «المختارة» (١٢/ ١٢٢).
(٢) الخاصة الأخيرة لم يذكرها الحموي. وجاء في «الموجز» لابن النفيس (ص ٨٨): «ويحدثان السُّدد في الأحشاء» ــ وهي بالنص منقولة من «القانون» (١/ ٣٩٤) ــ فلعل المؤلف نسب ذلك إلى كثرة أكلهما.
(٣) كتاب الحموي (ص ٤١٠ - ٤١١).
(٤) برقم (٥٥٥٠) من طريق أبي الأزهر، عن أبي الرَّبيع، عن حمَّاد بن زيد، عن أيُّوب، عن نافع، عن ابن عمر به، وقال: «تفرَّد به أبو الأزهر عن أبي الرَّبيع». وأخرجه أبو نعيم في «الطِّب النَّبوي» (٤٣٩) من طريق ابن أبي طاهر، عن أبي الرَّبيع، عن المفضَّل بن فضالة، عن حمَّاد بن سلمة، عن أيُّوب، عن نافع، عن ابن عمر أنَّ رجلًا شكى إلى النَّبي - ﷺ - قلَّةَ النَّسل فأمره بأكل البيض. قال ابن حبَّان في «المجروحين» (٢/ ٣٠٨): «هذا شيءٌ سرقه عن هذا الشَّيخِ ــ وهو محمَّد بن يحيى بن ضرار ــ جماعةٌ فحدَّثوا به، أُدخِل على أبي الأزهر عن أبي الرَّبيع وحدَّث به، وأُدخل على ابن أبي طاهر عن أبي الرَّبيع فحدَّث به، والخبر لا شكَّ أنَّه موضوعٌ، لا يحلُّ ذكر مثلِ هذا في الكتب».
[ ٤ / ٤١٩ ]
ويختار من البيض الحديثُ على العتيق، وبيضُ الدَّجاج على سائر بيض الطَّير (^١). وهو معتدلٌ يميل إلى البرودة قليلًا (^٢).
قال صاحب «القانون» (^٣): ومحُّه حارٌّ رطبٌ، يولِّد دمًا صحيحًا محمودًا، ويغذو (^٤) غذاءً يسيرًا، ويسرع الانحدار من المعدة إذا كان رخوًا.
وقال غيره (^٥): محُّ البيض مسكِّنٌ للألم، مملِّسٌ للحلق وقصبة الرِّئة، نافعٌ للحلق والسُّعال وقروح الرِّئة والكلى والمثانة. مذهبٌ بالخشونة (^٦) لا سيَّما إذا أُخِذ بدهن اللَّوز الحلو (^٧). ومنضجٌ لما في الصَّدر مليِّنٌ له، مسهِّلٌ لخشونة الحلق.
وبياضه إذا قُطِر في العين الوارمة ورمًا حارًّا برَّده وسكَّن الوجع. وإذا
_________________
(١) عزاه الحموي إلى بولس كما في مخطوطة كتابه (١٢٢/ب). وفي المطبوع: «يونس»، تصحيف.
(٢) عزاه الحموي إلى جالينوس.
(٣) في مخطوطة كتاب الحموي: «الشيخ»، وفهم منه المصنِّف أنَّ المقصود الشيخ الرئيس، إلا أنني لم أقف على قوله في «القانون»، ولم يذكره ابن البيطار. ويحتمل أن يكون «الشيخ» تصحيف «المسيح» صاحب الكنَّاش المعروف وقد تقدَّم ذكره دون لام التعريف، وهو أشهر.
(٤) في النسخ المطبوعة: «ويغذِّي».
(٥) كذا في كتاب الحموي، فلم يعزه إلى أحد.
(٦) س: «يذهب ». وفي مخطوط الحموي كما أثبت من الأصل وغيره. وفي النسخ المطبوعة: «للخشونة»، ولعله إصلاح من ناسخ أو ناشر.
(٧) ما بعده مأخوذ من قول بولس الذي نقله الحموي.
[ ٤ / ٤٢٠ ]
لُطِخ به حرقُ النَّار أولَ (^١) ما يعرض له لم يدعه يتنفَّط. وإذا لُطِخ به الوجهُ (^٢) منَع من الاحتراق العارض من الشَّمس. وإذا خُلِط بالكُنْدُر ولُطِخ على الجبهة نفَع من النَّزلة (^٣).
وذكره صاحب «القانون» في الأدوية القلبيَّة (^٤)، ثمَّ قال: وهو وإن لم يكن من الأدوية المطلقة، فإنَّه ممَّا له مدخلٌ في تقوية القلب جدًّا، أعني الصُّفرة. وهي تجمع ثلاثة معانٍ: سرعة الاستحالة إلى الدَّم، وقلَّة الفضل (^٥)، وكون الدَّم المتولِّد منه مجانسًا للدَّم الذي يغذو القلب، خفيفًا مندفعًا إليه بسرعةٍ. ولذلك هو أوفق ما يتلافى به عاديةُ الأمراض المحلِّلة لجوهر الرُّوح (^٦).
_________________
(١) في النسخ المطبوعة: «أو»، وكأن الكلمة وقعت في نسخة في آخر السطر وضاق عنها السطر فكتب الناسخ اللام في الحاشية، فذهبت.
(٢) في طبعة عبد اللطيف وما بعدها: «الوجع»، تحريف.
(٣) هذه الفقرة عزاها الحموي إلى ديسقوريدوس، وهو صادر عن «المفردات» (١/ ١٣٠).
(٤) سياق ابن البيطار (١/ ١٣٢): «ابن سينا في الأدوية القلبية: البيض وإن لم يكن ». يعني: قال ابن سينا في كتاب «الأدوية القلبية» له. انظر الكتاب المذكور ضمن «من مؤلفات ابن سينا الطبية» تحقيق محمد زهير البابا (ص ٢٦٨). وجاء في مخطوط كتاب الحموي: «قال ابن سينا فيه وفي الأدوية القلبية وإن لم يكن ». والظاهر أن الواو خطأ من الناسخ. وخفي على ابن القيم أن «الأدوية القلبية» اسم كتاب، فصاغ عبارته هكذا!
(٥) غيَّره الفقي إلى «الفضلة»، وتابعته طبعة الرسالة.
(٦) في هامش الأصل (ف) نقل بعضهم من «العجالة شرح المنهاج» بعض فوائد البيض وحديثًا يروى عن علي في أكل البيض، ثم نقل بيتين من «المرصاد في الفرق بين الظاء والضاد» في الفرق بين البيض والبيظ.
[ ٤ / ٤٢١ ]
بصل
بصَل (^١): روى أبو داود في «سننه» (^٢) عن عائشة أنَّها سئلت عن البصل فقالت: إنَّ آخر طعامٍ أكله رسول الله - ﷺ - كان فيه بصلٌ. وثبت عنه في «الصَّحيحين» (^٣) أنَّه منع آكله من دخول المسجد.
والبصل حارٌّ في الثَّالثة، وفيه رطوبةٌ فضليَّةٌ. ينفع من تغيُّر المياه، ويدفع ريح السُّموم، ويفتِّق الشَّهوة، ويقوِّي المعدة، ويهيِّج الباه، ويزيد في المنيِّ، ويحسِّن اللَّون، ويقطع البلغم، ويجلو المعدة. وبِزرُه يُذهِب البهَق (^٤). ويُدلك به حول داء الثَّعلب (^٥)، فينفع جدًّا. وهو بالملح يقلع الثَّآليل (^٦). وإذا شمَّه من شرب دواءً مسهِلًا منعه من القيء والغثيان، وأذهب رائحة ذلك الدَّواء. وإذا اسْتُعِط بمائه نقَّى الرَّأس. ويُقطَر في الأذن لثقل السَّمع والطَّنين والقيح والماء الحادث في الأذنين. وينفع من الماء النَّازل في العين (^٧)
_________________
(١) كتاب الحموي (ص ٤١١ - ٤١٣). وانظر: ابن البيطار (١/ ٩٦ - ٩٧).
(٢) برقم (٣٨٢٩). وأخرجه أيضًا النَّسائيُّ في «الكبرى» (٦٦٤٦)، وأحمد (٢٤٥٨٥). وفي إسناده بقيَّة بن الوليد يدلِّس ويسوِّي وقد عنعن، واختُلف عليه، وفيه أيضًا خيار بن سلمة تفرَّد بالرِّواية عنه خالد بن معدان؛ ولذا قال الذَّهبيُّ في «السِّير» (١٤/ ١٨٩) وابن الملقِّن في «البدر المنير» (٧/ ٤٤٣): «غريب صالح الإسناد»، وضعَّفه الألبانيُّ في «الإرواء» (٢٥١٣).
(٣) البخاري (٨٥٥) ومسلم (٥٦٤) من حديث جابر.
(٤) البهَق آثار سطحيَّة نقطية في جميع البدن إلى السواد أو إلى البياض، لا تعدو ظاهر الجلد. انظر: «حقائق أسرار الطب» (ص ١٦٧) و«التنوير» (ص ٦٢).
(٥) انظر تفسيره في (ص ٤٥٣).
(٦) هي بثور صغار في الجلد.
(٧) «في العين» ساقط من ل. وفي ن: «العينين».
[ ٤ / ٤٢٢ ]
اكتحالًا. ويكتحل ببزره مع العسل لبياض العين. والمطبوخ منه كثير الغذاء. ينفع من اليرقان والسُّعال وخشونة الصَّدر، ويُدِرُّ البول، ويليِّن الطَّبع، وينفع من عضَّة الكلْب غير الكَلِب إذا نُطِلَ (^١) عليها ماؤه بملحٍ وسَذَابٍ (^٢). وإذا احتُمِل فتحَ أفواه البواسير.
فصل (^٣)
وأمَّا ضرره، فإنَّه يثوِّر (^٤) الشَّقيقة، ويصدِّع الرَّأس، ويولِّد رياحًا، ويظلم البصر. وكثرة أكله يورث (^٥) النِّسيان، ويفسد العقل. ويغيِّر رائحة الفم والنَّكهة، ويؤذي الجليس والملائكة.
وإماتته طبخًا يذهب (^٦) بهذه المضرَّات منه. وفي السُّنن (^٧) أنَّه - ﷺ - أمر آكلَه
_________________
(١) يعني: صُبَّ عليها منه شيء بعد شيء.
(٢) نبات طبي معروف، انظر خواصها في «مفردات ابن البيطار» (٣/ ٥) وغيره.
(٣) حذف الشيخ الفقي كلمة «فصل»، وتبعته نشرة الرسالة.
(٤) في النسخ المطبوعة: «يورث»، ولعله تصرف من ناسخ أو ناشر. وفي نسخة الحرم المكي من كتاب الحموي كما أثبت. وفي نسخة راغب باشا منه: «يثير».
(٥) لم ينقط حرف المضارع في ف، ل. والمصدر يذكر ويؤنث.
(٦) في النسخ المطبوعة: «تذهب».
(٧) «سنن أبي داود» (٣٨٢٧)، «سنن النَّسائيِّ الكبرى» (٦٦٤٧)، من طريق خالد بن ميسرة، عن معاوية بن قرَّة، عن أبيه بمعناه. وأخرجه أيضًا أحمد (١٦٢٤٧)، وغيره. قال ابن عديٍّ في «الكامل» (٣/ ٤٤١): «خالد بن ميسرة صدوقٌ، لم أر له حديثًا منكرًا». وحسَّن الحديث البخاريُّ كما في «العلل الكبير» (٥٥٨)، وابن القطَّان في «الوهم والإيهام» (٥/ ٨٠٦)، وهو في «السِّلسلة الصَّحيحة» (٣١٠٦). وفي الباب عن أنس - ﵁ -، وعن عمر - ﵁ - موقوفًا عليه عند مسلم (٥٦٧).
[ ٤ / ٤٢٣ ]
باذنجان
تمر
وآكلَ الثُّوم أن يميتهما طبخًا. ويُذهِبُ رائحتَه مضغُ ورق السَّذاب عليه (^١).
باذنجان (^٢): في الحديث الموضوع المختلق على رسول الله - ﷺ -: «الباذنجان لما أُكِلَ له» (^٣). وهذا الكلام ممَّا يستقبح نسبته إلى آحاد العقلاء، فضلًا عن الأنبياء.
وبعد، فهو نوعان: أبيض وأسود. وفيه خلافٌ هل هو باردٌ أو حارٌّ؟ والصَّحيح: أنَّه حارٌّ. وهو مولِّدٌ للسَّوداء والبواسير والسُّدَد والسَّرطان والجذام. ويُفسد اللَّون ويسوِّده، ويضرُّ بنتن الفم (^٤). والأبيض المستطيل عارٍ من ذلك (^٥).
حرف التَّاء
تمر (^٦): ثبت في «الصَّحيحين» (^٧) عنه - ﷺ -: «من تصبَّح بسبع تمراتٍ
_________________
(١) انظر: «القانون» (١/ ٥٩٩).
(٢) كتاب الحموي (ص ٤٠٨)، «الموجز» لابن النفيس (ص ٨٩).
(٣) باطلٌ لا أصل له باتِّفاق العلماء. ينظر: «المغني عن الحفظ والكتاب» (٢/ ٤٤١)، و«الموضوعات» للصَّغاني (١٢٦)، و«الآداب الشَّرعيَّة» (٣/ ١٦)، و«اللآلئ المنثورة» (ص ١٥٠)، و«المقاصد الحسنة» (٢٧٩).
(٤) كذا في جميع النسخ الخطية والمطبوعة، والظاهر أنه تصحيف «ببَثْر الفم». فقد ذكر في «القانون» (١/ ٣٩٩) أنه «يبثِّر الفم»، ومثله في «المفردات» (١/ ٨٠). وفي «شفاء الآلام في طب أهل الإسلام» للسرَّمرِّي نسخة شستربيتي (٧٧/أ): «والعتيق يبثِّر الفم».
(٥) في «الطب النبوي» لداود المتطبب (ص ٨٠): «وأبيضه صالح الغذاء». وانظر: «الآداب الشرعية» (٣/ ١٤).
(٦) كتاب الحموي (ص ٥٤١ - ٥٤٣).
(٧) في طبعة عبد اللطيف وما بعدها: «الصحيح». والحديث أخرجه البخاري (٥٤٤٥) ومسلم (٢٠٤٧) من حديث سعد بن أبي وقاص. ولفظه: «بسبع تمرات عجوة». وفي حديث عائشة في «صحيح مسلم» (٢٠٤٨): «إن في عجوة العالية شفاء ــ أو إنها ترياق ــ أول البكرة».
[ ٤ / ٤٢٤ ]
ــ وفي لفظٍ: من تمر العالية ــ لم يضرَّه ذلك اليوم سمٌّ ولا سحرٌ». وثبت عنه أنَّه قال: «بيتٌ لا تمر فيه جياعٌ أهله» (^١). وثبت عنه أكلُ التَّمر بالزُّبد (^٢)، وأكلُ التَّمر بالخبز (^٣)، وأكلُه مفردًا.
وهو حارٌّ في الثَّانية. وهل هو رطبٌ في الأولى أو يابسٌ فيها؟ على قولين. وهو مقوٍّ للكبد، مليِّنٌ للطَّبع. يزيد في الباه ولا سيَّما مع حبِّ الصَّنوبر. ويبرئ من خشونة الحلق. ومن لم يَعتَدْه كأهل البلاد الباردة فإنَّه يورث لهم السُّدَد، ويؤذي الأسنان، ويهيِّج الصُّداع. ودفعُ ضرره باللَّوز والخشخاش. وهو من أكثر الثِّمار تغذيةً للبدن بما فيه من الجوهر الحارِّ الرَّطب.
وأكلُه على الرِّيق يقتل الدُّود، فإنَّه مع حرارته فيه قوَّةٌ ترياقيَّةٌ، فإذا أُديمَ استعماله على الرِّيق جفَّف (^٤) مادَّة الدُّود وأضعفَه (^٥)، أو قتله.
وهو فاكهةٌ، وغذاءٌ، ودواءٌ، وشرابٌ، وحلوى.
_________________
(١) أخرجه مسلم (٢٠٤٨٦/ ١٥٣) من حديث عائشة - ﵂ -.
(٢) سيأتي تخريجه.
(٣) تقدَّم تخريجه.
(٤) هكذا في حط، ومخطوط كتاب الحموي (١٧٢/ب). وفي ف بالخاء، وفي س بالخاء والجيم «معًا»، وفي غيرها مهمل. وما أثبت أشبه فإن مادة الدود الرطوبات التي تحتبس في جوانب الأمعاء.
(٥) في النسخ المطبوعة بعده زيادة: «وقلَّله».
[ ٤ / ٤٢٥ ]
تين
تين (^١): لمَّا لم يكن التِّين بأرض الحجاز والمدينة لم يأت له ذكرٌ في السُّنَّة، فإنَّ أرضه تنافي أرض النَّخل. ولكن قد أقسم الله به في كتابه لكثرة منافعه وفوائده، والصَّحيح أنَّ المقسَم به هو التِّين المعروف (^٢).
وهو حارٌّ. وفي رطوبته ويبسه قولان. وأجوده: الأبيض النَّاضج القشر (^٣). يجلو رمل الكلى والمثانة، ويؤمِّن من السُّموم. وهو أغذى من جميع الفواكه. وينفع خشونة الحلق والصَّدر وقصبة الرِّئة، ويغسل الكبد والطِّحال، وينقِّي الخِلْط البلغميَّ من المعدة، ويغذو البدن غذاءً جيِّدًا إلا أنَّه يولِّد القَمْلَ إذا أُكثِر منه جدًّا.
ويابسه يغذو، وينفع العصَب. وهو مع الجوز واللَّوز محمود. قال: جالينوس (^٤): وإذا أُكِل مع الجوز والسَّذاب قبل أخذ السَّمِّ القاتل نفَع وحفِظ من الضَّرر.
_________________
(١) كتاب الحموي (ص ٥٤٣ - ٥٤٤)، الموجز (ص ١١٦ - ١١٧).
(٢) واختارالمصنف في «التبيان في أيمان القرآن» (ص ٦٩ - ٧١) أن المراد نفس شجرة التين ومَنْبتها أيضًا. وانظر: «الجواب الصحيح» لشيخ الإسلام (٥/ ٢٠٤)، وتفسير سورة التين في «نظام القرآن وتأويل الفرقان بالفرقان» للفراهي ــ طبعة دار الغرب ــ (٢/ ٦٥١ - ٦٧٣).
(٣) كذا في جميع النسخ الخطية والمطبوعة. وفي كتاب الحموي: «المقَشَّر» ومثله في «الطب النبوي» لداود (ص ٩١). وقال السرَّمرِّي في «شفاء الآلام» (٨١/ب): «أجود التين: الذي إلى البياض، ثم الأحمر، ثم الأسود. وأجود أصنافه: الوزيري إذا قُشِّر». ورأس الميم قد يكون صغيرًا جدًّا، فيخطئ الناسخون.
(٤) نقل الحموي قول جالينوس: «والتين اليابس مع الجوز واللَّوز محمود الكيموس. وإذا أكل مع الجوز » إلخ.
[ ٤ / ٤٢٦ ]
ويذكر عن أبي الدَّرداء: أهدي إلى النَّبيِّ - ﷺ - طبقٌ من تينٍ، فقال: «كلوا». وأكل منه، وقال: «لو قلتُ: إنَّ فاكهةً نزلت من الجنَّة قلت: هذه، لأنَّ فاكهة الجنَّة بلا عَجَمٍ. فكلُوا منها، فإنَّها تقطع البواسير، وتنفع من النِّقرس» (^١). وفي ثبوت هذا نظرٌ.
واللَّحِم منه أجود. ويعطِّش المحرورين، ويسكِّن العطش الكائن عن البلغم المالح، وينفع السُّعال المزمِن، ويُدرُّ البول، ويفتح سدد الكبد والطِّحال، ويوافق الكلى والمثانة. ولأكله على الرِّيق منفعةٌ عجيبةٌ في تفتيح مجاري الغذاء وخصوصًا باللَّوز والجوز. وأكلُه مع الأغذية الغليظة رديٌّ جدًّا. والتُّوت الأبيض قريبٌ منه، لكنَّه أقلُّ تغذيةً وأضرُّ بالمعدة (^٢).
_________________
(١) كذا أورده الحموي عن أبي الدَّرداء - ﵁ -، ولم أقف عليه من حديثه. وأخرجه الثَّعلبيُّ في «الكشف والبيان» (١٠/ ٢٣٨) من طريق سهل بن إبراهيم الواسطيِّ، عن عيسى بن يونس، عن الأوزاعيِّ، عن يحيى بن أبي كثير، قال: حدَّثني الثَّقة، عن أبي ذرٍّ به. وأخرجه أبو نعيم في «الطب النبوي» (٤٦٧، ٩٠٤) من طريق حمَّاد بن محمَّد البغداديِّ، عن الأوزاعيِّ، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي ذرٍّ به. وأخرجه أيضًا (٤٦٨) من طريق عبد الله بن محمَّد الكوفيِّ، عن عيسى بن يونس، عن الأوزاعيِّ، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة. قال ابن حجر في «الكاف الشَّاف» (ص ١٨٦): «في إسناده من لا يعرف»، ورمز له السُّيوطيُّ بالضَّعف، وقال المناويُّ في «الفتح السَّماويِّ» (٣/ ١١٠٨): «إسناده مجهول»، وهو في «السِّلسلة الضَّعيفة» (١٦٥).
(٢) هذه الفقرة منقولة من «الموجز» لابن النفيس، وفيه «الفرصاد» بدلًا من «التوت الأبيض». وقد سقط رسم «التين» من مطبوعة «الموجز» واختلطت مادتها بمادة «التربد».
[ ٤ / ٤٢٧ ]
تلبينة
ثلج
تلبينة: قد تقدَّم أنَّها ماء الشَّعير المطحون (^١)، وذكرنا (^٢) منافعها وأنَّها أنفع لأهل الحجاز من ماء الشَّعير الصَّحيح.
حرف الثَّاء
ثلج: ثبت في «الصَّحيحين» (^٣) عنه (^٤) - ﷺ - أنَّه قال: «اللَّهمَّ اغسلني من خطاياي بالماء والثَّلج والبرد».
وفي هذا الحديث من الفقه: أنَّ الدَّاء يداوى بضدِّه، فإنَّ في الخطايا من الحرارة والحريق ما يضادُّه الثَّلج والبرد والماء البارد. ولا يقال: إنَّ الماء الحارَّ أبلغ في إزالة الوسخ، لأنَّ في الماء البارد من تصليب الجسم وتقويته ما ليس في الحارِّ. والخطايا توجب أثرين: التَّدنيس والإرخاء، فالمطلوب مداواتها بما ينظِّف القلبَ ويصلِّبه، فذكرُ الماء البارد والثَّلج والبرد إشارةٌ إلى هذين الأمرين.
وبعد، فالثَّلج باردٌ على الأصحِّ. وغلِط من قال (^٥): حارٌّ، وشبهته تولُّد
_________________
(١) لفظ «ماء» ساقط من ن، ولفظ «المطحون» من س.
(٢) ن: «وذكر».
(٣) ز، حط، ن: «الصحيح». وهو من حديث أبي هريرة - ﵁ -، أخرجه البخاري (٧٤٤) ومسلم (٥٩٨).
(٤) في النسخ المطبوعة: «عن النبي».
(٥) لم أقف عليه. وقال جمال الدين الأقسرائي (ت نحو ٧٧٥) في «حلِّ الموجز» نسخة ويلكوم (١٢٦/ب): «من الناس من ظنَّ أن الثلج حار، وليس بحق. نعم، في داخله أجزاء دخانية صعدية. وهو بارد بالطبع يابس بالعرض». ونقل السرَّمرِّي في «شفاء الآلام» (٨٢/أ) كلام شيخه ابن القيم بعينه.
[ ٤ / ٤٢٨ ]
ثوم
الحيوان فيه، وهذا لا يدلُّ على حرارته، فإنَّه يتولَّد في الفواكه الباردة وفي الخلِّ. وأمَّا تعطيشه فلتهييجه للحرارة، لا لحرارته في نفسه. ويضرُّ المعدة والعصَب. وإذا كان وجعُ الأسنان من حرارةٍ مفرطةٍ سكَّنها.
ثوم (^١): هو قرين البصل في الحديث (^٢). وفي الحديث: «مَن أكلهما فليُمِتْهما طبخًا» (^٣). وأهدي إليه طعامٌ فيه ثومٌ، فأرسل به إلى أبي أيُّوب الأنصاريِّ. فقال: يا رسول اللَّه تكرهه، وترسل به إليَّ؟ فقال: «إنِّي أناجي من لا تناجي» (^٤).
وبعد، فهو حارٌّ يابسٌ في الرَّابعة. يُسْخِن إسخانًا قويًّا، ويجفِّف تجفيفًا بالغًا. نافعٌ للمبرودين ولمن مزاجه بلغميٌّ ولمن أشرف على الوقوع في الفالج. وهو مجفِّفٌ للمنيِّ (^٥)، مفتِّحٌ للسُّدَد، محلِّلٌ للرِّياح الغليظة، هاضمٌ للطَّعام، قاطعٌ للعطش، مطلِقٌ للبطن، مُدِرٌّ للبول. يقوم في لسع الهوامِّ وجميع
_________________
(١) كتاب الحموي (ص ٥٤٥ - ٥٤٧).
(٢) «في الحديث» ساقط من ن، ولعل مَن حذفه ظنَّه مكررًا.
(٣) أخرجه أبو داود (٣٨٢٧)، والنَّسائي في «الكبرى» (٦٦٤٧)، وأحمد (١٦٢٤٧)، من حديث قرَّة بن إياس - ﵁ -، وهو حديث حسنٌ، تقدَّم تخريجه.
(٤) أخرجه البخاري (٨٥٥، ٧٣٥٩) ومسلم (٥٦٤) من حديث جابر بن عبد الله. وانظر حديث أبي أيوب الأنصاري في: «صحيح مسلم» (٢٠٥٣). والمؤلف صادر في سياقة الحديث عن كتاب الحموي.
(٥) في «الحاوي» (٦/ ٧٨) أنه حكي عن ديسقوريدوس قوله إنَّ الثوم «مجفِّف للمعدة، وذلك غلط. والذي أحسب أنه قال: إنه مجفِّف للمني». وقد نقل ابن البيطار (١/ ١٥٢) عن الرازي ضد ما سبق.
[ ٤ / ٤٢٩ ]
ثريد
الأورام الباردة مقام التِّرياق. وإذا دُقَّ وعُمِل فيه (^١) ضِمادٌ على نهش الحيَّات أو لسع العقارب نفعَها وجذَب السُّموم منها. ويسخِّن البدن، ويزيد في حرارته، ويقطَع البلغم، ويحلِّل النَّفخ، ويصفِّي الحلق، ويحفظ صحَّة أكثر الأبدان، وينفع من تغيُّر المياه والسُّعال المُزْمِن. ويؤكل نيئًا ومطبوخًا ومشويًّا. وينفع من وجع الصَّدر من البرد، ويخرج العَلَق (^٢) من الحلق.
وإذا دُقَّ مع الخلِّ والملح والعسل، ثمَّ وُضِع على الضِّرس المتأكِّل، فتَّته وأسقَطَه؛ وعلى الضِّرس الوَجِع سكَّن وجعَه. وإن دُقَّ منه مقدار درهمين، وأخذ مع ماء العسل، أخرج البلغم والدُّود. وإذا طُلي (^٣) بالعسل على البهَق نفَع.
ومن مضارِّه: أنَّه يصدِّع، ويضرُّ الدِّماغ والعينين، ويُضعِف البصر والباه، ويعطِّش، ويهيِّج الصَّفراء، ويُجيِّف رائحةَ الفم (^٤). ويُذهِب رائحتَه أن يُمضَغ عليه ورقُ السَّذَاب.
ثريد: ثبت في «الصَّحيحين» (^٥) عنه - ﷺ - أنَّه قال: «فضل عائشة على النِّساء كفضل الثَّريد على سائر الطَّعام».
والثَّريد وإن كان مركَّبًا، فإنَّه مركَّبٌ من خبزٍ ولحمٍ، فالخبز أفضل
_________________
(١) أثبت الفقي «منه»، ونحوه في طبعة الرسالة.
(٢) العلق: «أسود وأحمر يكون في الماء، فيشربه الإنسان، فينشب بحلقه».
(٣) يعني: رماد الثوم، كما في كتاب الحموي.
(٤) وكذا في كتاب الحموي. وجيَّف مثل جاف واجتاف أي أنتنَ، فهو فعل لازم. وغيَّره السُّرَّمرِّي في «شفاء الآلام» (٨٢/ب) إلى: «وينتِّن رائحة الفم».
(٥) البخاري (٥٤٢٨) ومسلم (٢٤٤٦).
[ ٤ / ٤٣٠ ]
جمار
الأقوات واللَّحم سيِّد الإدام، فإذا اجتمعا لم يكن بعدهما غاية.
وتنازع النَّاس أيُّهما أفضل؟ والصَّواب أنَّ الحاجة إلى الخبز أكثر وأعمُّ، واللَّحم أفضل وأجلُّ (^١). وهو أشبه بجوهر البدن من كلِّ ما عداه، وهو طعام أهل الجنَّة. وقد قال تعالى لمن طلب البقل والقثَّاء والفوم والعدس والبصل: ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾ [البقرة: ٦١]. وكثيرٌ من السَّلف على أنَّ الفوم: الحنطة، وعلى هذا فالآية نصٌّ على أنَّ اللَّحم خيرٌ من الحنطة (^٢)، والله أعلم.
حرف الجيم
جُمَّار (^٣): وهو (^٤) قلب النَّخل. ثبت في «الصَّحيحين» (^٥): عن عبد الله بن عمر قال: بينا نحن عند رسول الله - ﷺ - جلوسٌ، إذ أتي بجمَّار نخلةٍ، فقال النَّبيُّ - ﷺ -: «إنَّ من الشَّجر شجرةً مثل الرَّجل المسلم لا يسقط ورقها » الحديث.
الجمَّارُ باردٌ يابسٌ في الأولى. يختم القروح، وينفع من نفث الدَّم
_________________
(١) في طبعة عبد اللطيف وما بعدها: «أجلّ وأفضل».
(٢) وذكر المصنف في «إغاثة اللهفان» (٢/ ١٠٨٨) من تلاعب الشيطان ببني إسرائيل أنهم ملُّوا المنَّ والسلوى «وذكروا عيش الثوم والبصل ». وقال في «المنار المنيف» (ص ٣٨): «وجعله قرينَ الثوم والبصل» يعني: العدَس. فاختار القول بأن الفوم هو الثوم، وهو أشبه.
(٣) كتاب الحموي (ص ٤١٥).
(٤) «وهو» ساقط من النسخ المطبوعة.
(٥) البخاري (٧٢) ومسلم (٥٤٤٤).
[ ٤ / ٤٣١ ]
جبن
واستطلاق البطن، وغلبة المرَّة الصَّفراء، وثائرةِ الدَّم. وليس برديء الكيموس (^١)، ويغذو غذاءً يسيرًا، وهو بطيء الهضم.
وشجرته كلُّها منافع، ولهذا مثَّلها النَّبيُّ - ﷺ - بالرَّجل المسلم لكثرة خيره ومنافعه.
جُبْن: في «السُّنن» عن ابن عمر قال: أتي النَّبيُّ - ﷺ - بجبنةٍ في تبوك، فدعا بسكِّينٍ، وسمَّى، وقطَع. رواه أبو داود (^٢). وأكله الصَّحابة بالشَّام والعراق.
والرَّطبُ غيرُ المملوح جيِّدٌ للمعدة، هيِّن السُّلوك في الأعضاء، يزيد في اللَّحم، ويليِّن البطن تليينًا معتدلًا. والمملوح أقلُّ غذاءً من الرَّطب، وهو رديٌّ للمعدة، مؤذٍ للأمعاء. والعتيق يعقل البطن ــ وكذا المشويُّ ــ وينفع القروح، ويمنع الإسهال. وهو باردٌ رطبٌ. فإن استعمل مشويًّا كان أصلح لمزاجه، فإنَّ النَّار تصلحه وتعدِّله، وتلطِّف جوهره، وتطيِّب طعمه ورائحته.
والعتيق المالح حارٌّ يابسٌ. وشيُّه يصلحه أيضًا بتلطيف جوهره وكسرِ حَرافته، لما تجتذبه (^٣) النَّار منه من الأجزاء الحارَّة اليابسة المناسبة لها.
_________________
(١) الكيموس: خلاصة الغذاء الذي يجري في العروق، وقد سبق.
(٢) برقم (٣٨١٩) من طريق إبراهيم بن عيينة، عن عمرو بن منصور، عن الشَّعبيِّ، عن ابن عمر. وأخرجه أيضًا الطَّبراني في «الأوسط» (٧٠٨٤) وفي «الصَّغير» (١٠٢٦). وصحَّحه ابن حبَّان (٥٢٤١)، لكن إبراهيم بن عُيينة متكلَّم فيه، وقد خولف، فرواه غيره مرسلًا. قال أبو حاتم كما في «العلل» لابنه (٤/ ٣٦٤): «ليس بصحيح، هو منكر»، وضعَّف إسناده النَّوويُّ في «المجموع» (٩/ ٦٩). وفي الباب عن ابن عبَّاس وميمونه زوج النَّبيِّ - ﷺ -.
(٣) ن: «تجذبه».
[ ٤ / ٤٣٢ ]
حناء
حبة السوداء
والمملَّح منه يُهزل، ويولِّد حصاة الكلى والمثانة. وهو رديٌّ للمعدة، وخلطُه بالملطِّفات أردى بسبب تنفيذها له إلى المعدة (^١).
حرف الحاء
حنَّاء: قد تقدَّمت الأحاديث في فضله وذكر منافعه، فأغنى عن إعادته.
حبَّة السَّوداء (^٢): ثبت في «الصَّحيحين» (^٣): من حديث أبي سلمة عن أبي هريرة أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: «عليكم بهذه الحبَّة السَّوداء، فإنَّ فيها شفاءً من كلِّ داءٍ إلا السَّام». والسَّام: الموت.
الحبَّة السَّوداء هي الشُّونيز في لغة الفرس. وهي الكمُّون الأسود، ويسمَّى الكمُّونَ الهنديَّ. وقال الحربي عن الحسن: إنَّها الخردل. وحكى الهروي أنَّها الحبَّة الخضراء ثمرة البُطْم (^٤). وكلاهما وهمٌ، والصَّواب: أنَّها الشُّونيز.
وهي كثيرة المنافع جدًّا. وقوله: «شفاءً من كلِّ داءٍ» مثل قوله تعالى: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ [الأحقاف: ٢٥] أي: كلَّ شيءٍ يقبل التَّدمير، ونظائره (^٥).
_________________
(١) هذه الفقرة منقولة من كتاب «الموجز» لابن النفيس (ص ٩٢)، ولم أقف على مصدر ما سبقها.
(٢) كذا في جميع النسخ بإضافة الصفة إلى الموصوف. وهذا الفصل منقول برمَّته من كتاب الحموي (ص ٧٠ - ٧٤).
(٣) البخاري (٥٦٨٨) ومسلم (٢٢٥١)، وهذا لفظ السنن.
(٤) القولان نقلهما القاضي في «مشارق الأنوار» (١/ ١٧٦)، والهروي يعني به: الأزهري في «تهذيب اللغة» (١٣/ ٣٣).
(٥) انظر ما تقدَّم في أول المجلد في الكلام على قوله - ﷺ -: «لكلِّ داء دواء » الحديث. وانظر: «مجموع الفتاوى» (١٨/ ٢٣٢). وهذا التفسير على أن قوله - ﷺ - في الحبة السوداء عامٌّ أريد به الخاص.
[ ٤ / ٤٣٣ ]
وهي نافعةٌ من جميع الأمراض الباردة. وتدخل في الأمراض الحارَّة اليابسة بالعرض، فتوصِّل قوى الأدوية الباردة الرَّطبة إليها بسرعة تنفيذها، إذا أُخِذ يسيرُها. وقد نصَّ صاحب «القانون» (^١) وغيره على الزَّعفران في قرص الكافور لسرعة تنفيذه وإيصاله قوَّته. وله نظائر يعرفها حذَّاق الصِّناعة.
ولا تستبعد منفعة الحارِّ في أمراضٍ حارَّةٍ بالخاصِّيَّة فإنَّك تجد ذلك في أدويةٍ كثيرةٍ، منها: الأَنْزَرُوت (^٢) وما يركَّب (^٣) معه من أدوية الرَّمَد كالسُّكَّر وغيره من المفردات الحارَّة، والرَّمدُ ورمٌ حارٌّ باتِّفاق الأطبَّاء. وكذلك نفعُ الكبريت الحارِّ جدًّا من الجرب.
والشُّونيز حارٌّ يابسٌ في الثَّالثة، مُذْهِبٌ للنَّفخ، مُخْرِجٌ لحبِّ القرع (^٤)، نافعٌ من البرص وحمَّى الرِّبع والبلغميَّة، مفتِّحٌ للسُّدد، محلِّلٌ للرِّياح، مجفِّفٌ لبلَّة المعدة ورطوبتها.
وإن دُقَّ وعُجِن بالعسل وشُرِب بالماء الحارِّ أذاب الحصاة الَّتي تكون في الكليتين والمثانة. ويُدِرُّ البول والحيض واللَّبن إذا أديم شربُه أيَّامًا. وإن
_________________
(١) في «القانون» (٢/ ٣٧٧، ٣/ ٣٩٧).
(٢) ويقال بالعين: «العنزروت». وهو صمغ شجرة شائكة في طعمه مرارة. انظر: «مفردات ابن البيطار» (١/ ٦٣).
(٣) حط، ل: «تركب». ولم ينقط أوله في الأصل. وفي ز: «يتركب».
(٤) هي ديدان عراض في المعى الأعور. انظر: «بحر الجواهر» (ص ٩٣) و«حقائق أسرار الطب» للسجزي (ص ١٤٦).
[ ٤ / ٤٣٤ ]
سُحِقَ (^١) بالخلِّ وطُلي على البطن قتَلَ حبَّ القرع. فإن عُجِن بماء الحنظل الرَّطب أو المطبوخ كان فعلُه في إخراج الدُّود أقوى. ويجلو، ويقطِّع، ويحلِّل. ويشفي من الزُّكام البارد، إذا دُقَّ (^٢) وصُيِّر (^٣) في خرقةٍ واشتُمَّ دائمًا (^٤).
ودهنه نافعٌ من داء الحيَّة (^٥) ومن الثَّآليل والخِيلان. وإذا شُرب منه مثقالٌ بماءٍ نفَع من البُهْر وضيق النَّفس. والضِّماد به ينفع من الصُّداع البارد. وإذا نُقِع منه سبعُ حبَّاتٍ عددًا في لبن امرأةٍ، وسُعِط به صاحبُ اليرقان، نفعَه نفعًا بليغًا.
وإذا طُبخ بخلٍّ وتُمُضْمِضَ به نفَع من وجع الأسنان عن بردٍ. وإذا استُعِط به مسحوقًا نفَع من ابتداء الماء العارض في العين. وإذا ضمِّد به مع الخلِّ قلَع البثورَ والجربَ المتقرِّح، وحلَّل الأورام البلغميَّة المزمنة والأورام الصُّلبة. وينفع من اللَّقوة إذا سُعِط بدهنه. وإذا شُرِب منه مقدارُ نصف مثقالٍ
_________________
(١) ز، حط، ن: «سخن»، وكذا في النسخ المطبوعة، وهو تصحيف.
(٢) في كتاب الحموي: «قُلي».
(٣) ز، س: «صُرَّ»، وكذا في كتاب الحموي و«الأربعين الطبية» للموفق (ص ١٠٩) وكأن الحموي صادر هنا عنه. يعني: جُمع في صُرَّة. وفي «المفردات» (٣/ ٧٢): «إذا صيِّر في خرقة وهو مقلو ». وفيه أيضًا: «وإذا سُحِق وجُعِل في صرَّة». وانظر: «القانون» (١/ ٦٧٧) وفيه: «صرَّة من كتان».
(٤) بعده في النسخ المطبوعة زيادة: «أذهبَه». وقد مرَّت مثل هذه الزيادة من قبل.
(٥) انظر تفسيره في (ص ٤٥٣).
[ ٤ / ٤٣٥ ]
إلى مثقالٍ نفَع من لسع الرُّتيلاء (^١).
وإن سُحِق ناعمًا، وخُلِط بدهن الحبَّة الخضراء، وقُطِر منه في الأذن ثلاثُ قطراتٍ= نفَع من البرد العارض فيها والرِّيح والسُّدد. وإن قُلِي، ثمَّ دُقَّ ناعمًا، ثمَّ نُقِع في زيتٍ وقُطِر منه في الأنف ثلاث قطراتٍ أو أربع (^٢) = نفع من الزُّكام العارض معه عطاسٌ كثيرٌ.
وإذا أُحرق، وخُلِط بشمعٍ مذوَّب (^٣) بدهن السَّوسن أو دهن الحنَّاء، وطُلي به القروحُ الخارجة في السَّاقين بعد غسلها (^٤) بالخلِّ= نفعها وأزال القروح. وإذا سُحِق بخلٍّ، وطُلي به البرصُ والبهَقُ الأسود والحَزَاز (^٥) الغليظ= نفَعها وأبرأها.
وإذا سُحِق ناعمًا، واستَفَّ منه كلَّ يومٍ درهمين بماءٍ باردٍ مَن عضَّه كلبٌ كلِبٌ، قبل أن يفزع من الماء= نفَعه نفعًا بليغًا، وأمِن على نفسه من الهلاك. وإذا سُعِطَ بدهنه نفَع من الفالج والكُزَاز (^٦)، وقطع موادَّهما. وإذا دُخِّن به
_________________
(١) ضرب من العناكب.
(٢) في جميع النسخ الخطية: «إذا رُفع»، وهو تصحيف ما أثبته من كتاب الحموي (ص ٧٣) و«مفردات ابن البيطار» (٣/ ٧٣)، وكذا في النسخ المطبوعة.
(٣) كذا في جميع النسخ الخطية ومخطوطة كتاب الحموي (١٠/أ). ولا يبعد أن يكون تصحيف: «مَدُوف». يقال: داف الدواءَ وأدافه، أي خلطه بالماء. ويؤيده أن في «المفردات» هنا: «بشمع مداف». وانظر ما يأتي في ذكر ذرور الشونيز.
(٤) ما عدا حط: «غسلهما». وفي كتاب الحموي ما أثبت. ولفظ «المفردات»: «بعد أن تغسل القروح ».
(٥) الحَزاز: ما يتناثر من جلدة الرأس مثل النخالة، ويقال له الآن: القِشرة.
(٦) الكُزَاز: تشنُّج يبتدئ من عضلات الترقوة، فيمدِّدها. انظر: «بحر الجواهر» (ص ٢٤٦).
[ ٤ / ٤٣٦ ]
حرير
طرَد الهوامَّ. وإذا أُديفَ (^١) الأَنْزَروتُ بماءٍ، ولُطِخ على داخل الحلقة، ثمَّ ذُرَّ عليها الشُّونيزُ كان من الذَّرورات الجيِّدة العجيبة النَّفع من البواسير.
ومنافعه أضعافُ أضعافِ ما ذكرناه. والشَّربة منه درهمان. وزعم قومٌ أنَّ الإكثار منه قاتل.
حرير: قد تقدَّم أنَّ النَّبيَّ - ﷺ - أباحه للزبير ولعبد الرَّحمن بن عوفٍ من حِكَّةٍ كانت بهما. وتقدَّم منافعه ومزاجه، فلا حاجة في إعادته.
حُرْف (^٢): قال أبو حنيفة (^٣): هذا هو الحبُّ الذي يتداوى به، وهو الثُّفَّاء الذي جاء فيه الخبر عن النَّبيِّ - ﷺ -. ونباتُه يقال له: الحُرْف، وتسمِّيه العامَّة: الرَّشاد.
وقال أبو عبيد (^٤): الثُّفَّاء: هو الحُرْف.
قلت: والحديث الذي أشار إليه ما رواه أبو عبيد (^٥) وغيره من حديث ابن عبَّاسٍ عن النَّبيِّ - ﷺ - أنَّه قال: «ماذا في الأمرَّين من الشِّفاء! الصَّبِر والثُّفَّاء».
_________________
(١) تصحف في س، حط، ع إلى «أذيف»، وكذا في مخطوطة كتاب الحموي. وفي ز، ن: «أذيب»، وكذا في النسخ المطبوعة. والمثبت من الأصل (ف)، ومثله في مخطوطة «شفاء الآلام» (٨٥/أ). وانظر: «القانون» (٢/ ٦٦٤).
(٢) كتاب الحموي (ص ٤٣٨ - ٤٤٠). وانظر: «مفردات ابن البيطار» (٢/ ١٥ - ١٧).
(٣) زاد الفقي بعده: «الدينوري»، وكذا في طبعة الرسالة.
(٤) في «غريب الحديث» (٣/ ٤٠٣).
(٥) في «غريبه» دون إسناد. وذكره في «جامع الأصول» (٥٦٦٣) عن ابن عبَّاس - ﵄ -، ولم يعزه لأحدٍ.
[ ٤ / ٤٣٧ ]
ورواه أبو داود في «المراسيل» (^١).
وقوَّته في الحرارة واليبوسة من الدَّرجة الثَّالثة. وهو يسخِّن، ويليِّن البطن ويُخرج الدُّود وحَبَّ القرَع، ويحلِّل أورام الطِّحال، ويحرِّك شهوة الجماع، ويجلو الجرَب المتقرِّح والقُوباء.
وإذا تضُمِّد به مع العسل حلَّل ورمَ الطِّحال (^٢). وإذا طُبخ في الحنَّاء (^٣) أخرج الفضول الَّتي في الصَّدر. وشُربه ينفع من نهش الهوامِّ ولسعها. وإذا دخِّن به في موضعٍ طرد الهوامَّ عنه. ويمسك الشَّعر المتساقط. وإذا خُلِط بسويق الشَّعير والخلِّ وتضُمِّد به نفع من عرق النَّسا، وحلَّل الأورام الحادَّة (^٤) في آخرها. وإذا تضُمِّد به مع الماء والملح أنضجَ الدَّماميلَ.
وينفع من الاسترخاء في جميع الأعضاء. ويزيد في الباه، ويشهِّي الطَّعام، وينفع الرَّبوَ وعسرَ النَّفَس وغلظَ الطِّحال، وينقِّي الرِّئة، ويُدِرُّ الطَّمث. وينفع من عرق النَّسا ووجع حُقِّ الوَرِك ممَّا يُخرج من الفضول إذا شُرب أو احتُقِن به. ويجلو ما في الصَّدر والرِّئة من البلغم اللَّزج.
_________________
(١) برقم (٤٤٢) من طريق اللَّيث، عن الحسن بن ثوبان، عن قيس بن رافع به مرسلًا. وأخرجه أيضًا أبو نعيم في «الطِّب النَّبوي» (٦٢٩، ٦٤١)، والبيهقيُّ في «الكبرى» (٩/ ٣٤٦). وهو في «السِّلسلة الضَّعيفة» (٤٤٤٢).
(٢) «ويحرِّك شهوة الطحال» ساقط من ح لانتقال النظر.
(٣) كذا وقع لفظ «الحِنَّاء» في جميع النسخ، وهو تصحيف «الحَساء». وكذا في مخطوطة «شفاء الآلام» (٨٦/أ). وفي كتاب الحموي: «الأحساء». ومثله في «الحاوي» (٦/ ١١٢) و«المفردات» (٢/ ١٦) عن ديسقوريدوس، وفي «الحاوي» (٢/ ١٨) عن ابن ماسويه.
(٤) كذا في جميع النسخ الخطية. وفي النسخ المطبوعة: «الحارَّة» وكذا في كتاب الحموي و«المفردات».
[ ٤ / ٤٣٨ ]
حلبة
وإن شُرِب منه بعد سَحْقه وزنُ خمسة دراهم بالماء الحارِّ أسهَلَ الطَّبيعةَ وحلَّل الرِّياح، ونفَع من وجع القولنج البارد السَّبب. وإذا سُحِق وشُرِب نفَع من البرص. وإن لُطِّخ عليه وعلى البهَق الأبيض بالخلِّ نفَع منهما. وينفع من الصُّداع الحادث من البرد والبلغم. وإن قُلي وشُرِبَ عقَل الطَّبعَ لا سيَّما إذا لم يُسْحَق لتحلُّل لزوجته بالقَلْو (^١). وإذا غُسِل بمائه الرَّأس نقَّاه من الأوساخ والرُّطوبات اللَّزجة.
قال جالينوس: قوَّته (^٢) مثل قوَّة بِزْر الخردل. ولذلك قد يسخَّن به أوجاع الورك المعروفة بالنَّسا، وأوجاع الرَّأس، وكلُّ واحدٍ من العلل الَّتي تحتاج إلى التَّسخين كما يسخِّن بزرُ الخردل. وقد يخلط أيضًا في أدويةٍ يُسقاها أصحابُ الرَّبو، من طريق أنَّ الأمر فيه معلومٌ أنَّه يقطِّع الأخلاط الغليظة تقطيعًا قويًّا، كما يقطِّعها بزرُ الخردل، لأنَّه شبيهٌ به في كلِّ شيءٍ.
حُلْبة (^٣): يذكر عن النَّبيِّ - ﷺ - أنَّه عاد سعد بن أبي وقَّاصٍ بمكَّة، فقال: «ادعوا له طبيبًا». فدعي الحارثُ بن كَلَدة، فنظَر إليه، فقال: ليس عليه بأس. فاتَّخِذُوا له فَريقةً (^٤) مع تمر عجوةٍ رطبة، يطبخان، فيُحَسَّاها. ففُعِل ذلك،
_________________
(١) ن: «بالقلي»، وكذا في النسخ المطبوعة والمطبوع من كتاب الحموي. وفي مخطوطه (١٣٤/ب) كما أثبت.
(٢) يعني: قوة بزره، كما في كتاب الحموي و«المفردات». وانظر: «الحاوي» (٦/ ١١٣).
(٣) كتاب الحموي (ص ٤٤٠ - ٤٤٢).
(٤) كانت الفريقة تصنع للمريض أو النفساء من الحلبة والتمر، وقد تعمل من البُرِّ ويخلط فيه أشياء، انظر: «الألفاظ» لابن السكيت (ص ٤٧٣) و«الغريب المصنَّف» (٢/ ٤٥٦).
[ ٤ / ٤٣٩ ]
فبرئ (^١).
وقوَّة الحُلبة في الحرارة من الدَّرجة الثَّانية، وفي اليبوسة من الأولى. وإذا طُبخت بالماء ليَّنت الحلق والصَّدر والبطن. وتسكِّن السُّعال والخشونة والرَّبو وعسر النَّفَس، وتزيد في الباه. وهي جيِّدةٌ للرِّيح والبلغم والبواسير، مُحْدِرة بلزوجتها (^٢) للكَيموسات المرتبكة (^٣) في الأمعاء. وتجلب (^٤) البلغم اللَّزج من الصَّدر، وتنفع من الدُّبَيلات (^٥) وأمراض الرِّئة. وتستعمل لهذه
_________________
(١) أخرجه أبو نعيم في «الطِّب النَّبوي» (٣٦٠) من طريق محمَّد بن حميد، عن سلمة بن الفضل، عن محمَّد بن إسحاق، عن إسماعيل بن محمَّد بن سعد، عن أبيه، عن سعد به. وهذا إسناد ضعيف؛ محمَّد بن حميد ــ وهو الرازي ــ ضعيف، وسلمة صدوق كثير الخطأ، وابن إسحاق لم يصرِّح بالسَّماع. وأخرجه أيضًا (٣٦١) من طريق أبي الأصبغ عبد العزيز بن يحيى، عن محمَّد بن سلمة، عن ابن إسحاق، عن إسماعيل بن محمَّد، عن أبيه قال: مرض سعد بن أبي وقاص وذكره بنحوه، وهذا مرسل. وأخرجه أبو داود (٣٨٧٥)، وأبو نعيم (٣٧، ٣٥٩)، من طريق مجاهد، عن سعدٍ بالقصَّة، وفيها بعض الاختلاف في اللَّفظ. صحَّحه الضِّياء في «المختارة» (٣/ ٢٤٤)، والإشبيليُّ في «الأحكام الصُّغرى» (٢/ ٨٣٧)، وتعقَّبه ابن القطَّان في «الوهم والإيهام» (٢/ ٥٦٠) بالانقطاع بين مجاهد وسعد.
(٢) «بلزوجتها» انفرد بها الأصل (ف) وهي واردة في كتاب الحموي (ص ٤٤١).
(٣) س، ل: «المرتكبة»، تحريف، وكذا في ز لكنه مغيّر. والكيموس سبق تفسيره قريبًا.
(٤) كذا في جميع النسخ ومخطوطة كتاب الحموي (١٣٥/أ). وفي النسخ المطبوعة: «تحلِّل».
(٥) هي دُمَّل كبير ذو أفواه كثيرة. وقيل: ورم كبير مستدير الشكل يجمع المدَّة. انظر: «بحر الجواهر» (ص ١٢٣). و«حقائق أسرار الطب» (ص ١٦١).
[ ٤ / ٤٤٠ ]
الأدواء في الأحساء (^١) مع السَّمن والفانيذ (^٢).
وإذا شُربت مع وزن خمسة دراهم فُوَّةٍ (^٣) أدرَّت الحيض. وإذا طُبخت وغُسِل بها الشَّعرُ جعَّدته وأذهبت الحَزَازَ (^٤).
ودقيقُها إذا خُلِط بالنَّطْرون (^٥) والخلِّ وضُمِّد به حلَّل ورمَ (^٦) الطِّحال. وقد تجلس المرأة في الماء الذي طبخت فيه الحُلْبة، فتنتفع به من وجع الرَّحم العارض من ورمٍ فيه. وإذا ضمِّدت به الأورام الصُّلبة القليلة الحرارة نفعتها وحلَّلتها (^٧).
وإذا شُرب ماؤها نفَع من المَغْس (^٨) العارض من الرِّياح، وأزلق الأمعاء. وإذا أكلت مطبوخةً بالتَّمر أو العسل أو التِّين على الرِّيق حلَّلت
_________________
(١) جمع الحَسَا. وفي النسخ الخطية ونسخة المكتبة الأحمدية بحلب من كتاب الحموي حسب ما ذكر ناشره: «الأحشاء»، وهو تصحيف. والمثبت من مخطوطة راغب باشا منه.
(٢) نوع من الحلوى يعمل من القند والنشا. انظر: «المصباح المنير» (ص ٤٨١).
(٣) الفُوَّة نبات له عروق حُمر يستعملها الصبَّاغون، ومن خواصِّها إدرار البول والطمث. انظر: «مفردات ابن البيطار» (٣/ ١٦٩).
(٤) يعني قشرة الرأس، وقد سبق.
(٥) ل، ن: «بالبطرون»، تصحيف. وهو نوع من الملح الحجري. انظر: «المفردات» (١/ ١٢٥) في رسم البُورَق.
(٦) س: «أورام».
(٧) يعني: «الحلبة». وفي س: «نفعها وحلَّلها»، يعني: الضماد.
(٨) ز: «المغص»، وكذا في طبعة عبد اللطيف وما بعدها. و«المغس» لغة في المغص. وكذا بالسين في مخطوطة كتاب الحموي.
[ ٤ / ٤٤١ ]
خبز
البلغم اللَّزج العارض في الصَّدر والمعدة، ونفعت من السُّعال المتطاول منه. وهي نافعةٌ من الحُصْر (^١)، مطلِقةٌ للبطن. وإذا وُضِعت على الظُّفر المتشنِّج أصلحَتْه. ودهنُها ينفع إذا خُلِط بالشَّمع من الشُّقاق العارض من البرد.
ومنافعها أضعاف ما ذكرناه. ويذكر عن القاسم بن عبد الرَّحمن أنَّه قال: قال رسول الله - ﷺ -: «استشفُوا بالحلبة» (^٢). وقال بعض الأطبَّاء: لو علم النَّاس منافعها لاشتروها بوزنها ذهبًا (^٣).
حرف الخاء
خبز: ثبت في الصَّحيح (^٤) عن النَّبيِّ - ﷺ - أنَّه قال: «تكون الأرض يوم
_________________
(١) احتباس الغائط أو البول.
(٢) عزاه الحموي (ص ٤٤٢) إلى «صاحب الوسيلة وغيره». وفي «الآثار المرويَّة في الأطعمة السَّريَّة والآلات العطريَّة» (١٠٩) لابن بشكوال: «ذكر عبد الرزاق، عن محمَّد بن راشد، عن سليمان بن موسى قال: قال رسول الله - ﷺ -: (تداوَوا بالحلبة)»، وهذا معضلٌ، ولم أقف عليه أيضًا.
(٣) نقله الحموي عن معاذ بن جبل مرفوعًا بلفظ: «لو تعلم أمتي ما لهم من الحُلبة لاشتروها بوزنها ذهبًا». أخرجه الطبراني في «الكبير» (٢/ ٩٦) و«مسند الشاميين» (٤١١) وأبو نعيم في «الطب النبوي» (٦٥٠)، وفي سنده كذاب. وهو في «كامل ابن عدي» من حديث جحدر (١/ ٤٢٩ - ط. الرشد)، وهو يسرق الحديث ويروي المناكير، فالحديث موضوع. انظر: «الموضوعات» لابن الجوزي (٢/ ٢٩٧) و«المقاصد الحسنة» (ص ٥٥٦) و«تنزيه الشريعة» (٢/ ٢٤٦). ومن ثم صاغ المصنف منه كلمة لبعض الأطباء.
(٤) في النسخ المطبوعة: «الصحيحين». والحديث أخرجه البخاري (٦٥٢٠) ومسلم (٢٧٩٢) عن أبي سعيد الخدري.
[ ٤ / ٤٤٢ ]
القيامة خبزةً واحدةً يتكفَّؤها الجبَّار بيده (^١) نُزُلًا لأهل الجنَّة».
وروى أبو داود في «سننه» (^٢) من حديث ابن عبَّاسٍ قال: «كان أحبَّ الطَّعام إلى رسول الله - ﷺ - الثَّريدُ من الخبز، والثَّريدُ من الحَيْس».
وروى في «سننه» (^٣) أيضًا من حديث ابن عمر قال: قال رسول الله - ﷺ -: «وددتُ أنَّ عندي خبزةً بيضاء، من بُرَّةٍ سمراء، ملبَّقةً بسَمْنٍ ولبنٍ». فقام رجلٌ من القوم، فاتَّخذه، فجاء به. فقال: «في أيِّ شيءٍ كان هذا السَّمن؟». قال: في عُكَّة ضبٍّ. قال: «ارفعه».
_________________
(١) زاد الفقي بعده من «الصحيحين» دون تنبيه: «كما يكفأ أحدكم خبزته في السفر»، وطبعة الرسالة تابعة له.
(٢) برقم (٣٧٨٣) من طريق عمر بن سعيد، عن رجل من أهل البصرة، عن عكرمة، عنه به، وقال: «ضعيف»؛ وذلك لإبهام الرَّاوي عن عكرمة. وأخرجه ابن سعد في «الطَّبقات الكبرى» (١/ ٣٩٣) من طريق عمر بن سعيد، عن عكرمة، عن ابن عبَّاس، وصحَّحه الحاكم (٤/ ١١٦)، وهو معلول. وينظر: «السِّلسلة الضَّعيفة» (١٧٥٨).
(٣) برقم (٣٨١٨) من طريق حسين بن واقد، عن أيُّوب، عن نافع، عنه به. وأخرجه أيضًا ابن ماجه (٣٣٤١). وفي «الضُّعفاء» للعقيليِّ (١/ ٢٥١) أنَّ الإمام أحمد أنكره وقال: مَن روى هذا؟ قيل له: الحسين بن واقد، فقال بيده وحرَّك رأسه؛ كأنَّه لم يرضَه، وقال أبو داود: «حديث منكر، وأيُّوب ليس هو السَّختيانيَّ»، وقال أبو حاتم كما في «العلل» لابنه (٤/ ٤١٨): «حديثٌ باطل، لا يشبه أن يكون من حديث أيُّوب السَّختياني، ويشبه أن يكون من حديث أيُّوب بن خوط» وهذا متروك، وعدَّه الذَّهبيُّ في «السِّير» (٧/ ١٠٤) من مناكير ابن واقد، وقال المصنِّف هنا: «لا يثبت رفعه»، ومن ثمَّ قال ابن مُفلح في «الآداب الشَّرعيَّة» (٢/ ٤٢٦): «أظنُّه لا يصح». وبذلك يُعلم ما في قول ابن الملقِّن في «التَّوضيح» (٢٦/ ٥٣٩): «إسناده جيِّد» من النَّظر.
[ ٤ / ٤٤٣ ]
وذكر البيهقي (^١) من حديث عائشة ترفعه (^٢): «أكرموا الخبز، ومن كرامته أن لا ينتظر به الأُدُم». والموقوف أشبه، فلا يثبت رفعُه ولا رفعُ ما قبله.
وأمَّا حديث النَّهي عن قطع الخبز بالسِّكِّين، فباطلٌ لا أصل له عن رسول الله - ﷺ - (^٣). وإنَّما المرويُّ: النَّهي عن قطع اللَّحم بالسِّكِّين، ولا يصحُّ أيضًا. قال مهنَّا (^٤): سألت أحمد عن حديث أبي معشر، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة عن النَّبيِّ - ﷺ -: «لا تقطعوا اللَّحم بالسِّكِّين، فإنَّ ذلك فعلُ الأعاجم» (^٥). فقال: ليس بصحيحٍ، ولا يُعرَف هذا. وحديث عمرو بن أميَّة
_________________
(١) «شعب الإيمان» (٥٤٨١) من طريق بشر بن المبارك العبديِّ، عن غالب القطَّان، عن كريمة الطَّائيَّة، عنها به. وصحَّحه الحاكم (٤/ ١٢٢)، وتُعقِّب بأنَّ كريمة لا يُعرف حالها. ولذا قال المصنِّف: «لا يثبت رفعه»، وضعَّفه الألباني في «السِّلسلة الضَّعيفة» (٢٨٨٤).
(٢) ز، س، حط: «يرفعه».
(٣) النَّهيُ عن قطع الخبز بالسِّكِّين أخرجه ابن حبَّان في «المجروحين» (٣/ ٤٨)، والدَّارقطنيُّ ــ كما في «الموضوعات» لابن الجوزيِّ (٢/ ٢٩١) ــ، من حديث أبي هريرة - ﵁ -، وقال: «تفرَّد به نوح بن أبي مريم وهو متروك»، وقال ابن عديٍّ في «الكامل» (٨/ ٢٩٨): «هذا حديث منكر». وأخرجه الطَّبراني في «الكبير» (٢٣/ ٢٨٥) من حديث أمِّ سلمة - ﵂ -، وضعَّف إسناده البيهقيُّ في «الشُّعب» (٥٦٠٦)؛ فيه عبَّاد بن كثير وهو متروك أيضًا. وينظر: «الأجوبة المرضية» (٢/ ٤٩٨).
(٤) نقل صاحب «المغني» (١٠/ ٢١٢) رواية مهنا مختصرة، وانظر نحوه في «الموضوعات» لابن الجوزي (٢/ ٣٠٣).
(٥) أخرجه أبو داود (٣٧٧٨)، وابن حبَّان في «المجروحين» (٣/ ٦٠)، وابن عدي في «الكامل» (٨/ ٣١٩). وأبو معشر هو نجيح بن عبد الرَّحمن المدني، وهو مع ضعفه كان قد اختلط؛ ولذا قال أبو داود عن هذا الحديث: «ليس هو بالقوي»، وقال النَّسائيُّ (٤/ ١٧١): «حديث منكر»، وضعَّفه ابن حزم في «المحلَّى» (٦/ ١١٩)، والبيهقي في «الشُّعب» (٨/ ٦٥)، ثمَّ تتابع العلماء على تضعيفه، وبالغ ابنُ الجوزي فذكره في «الموضوعات» (٢/ ٣٠٣).
[ ٤ / ٤٤٤ ]
خلاف هذا، وحديث المغيرة.
يعني بحديث عمرو بن أميَّة: «كان النَّبيُّ - ﷺ - يحتزُّ من لحم شاةٍ»، وبحديث المغيرة أنَّه لمَّا ضافه أمَر بجنبٍ، فشُوي، ثمَّ أخذ الشَّفرةَ، فجعل يحُزُّ (^١).
فصل (^٢)
وأحمد أنواع الخبز: أجودها اختمارًا وعجنًا. ثمَّ خبزُ التَّنُّور أجود أصنافه، وبعده خبز الفُرْن، ثمَّ خبزُ المَلَّة في المرتبة الثَّالثة. وأجوده ما اتُّخذ من الحنطة الحديثة. وأكثر أنواعه تغذيةً خبز السَّميذ، وهو أبطؤها هضمًا لقلَّة نخالته. ويتلوه خبز الحُوَّارى، ثمَّ الخُشْكار (^٣). وأحمد أوقات أكله: في آخر اليوم الذي خُبِزَ فيه. واللَّيِّنُ منه أكثرُ تليينًا وغذاءً وترطيبًا، وأسرعُ انحدارًا. واليابس بخلافه.
ومزاج الخبز من البرِّ حارٌّ في وسط الدَّرجة الثَّانية، وقريبٌ من الاعتدال
_________________
(١) أخرجه أبو داود (١٨٨)، والتِّرمذيُّ في «الشَّمائل» (١٦٧)، والنَّسائيُّ في «الكبرى» (٦٦٢١)، وأحمد (١٨٢١٢، ١٨٢٣٦). وصحَّح إسناده ابن مفلح في «الآداب الشَّرعيَّة» (٣/ ٢١٣)، والألباني في «صحيح سنن أبي داود» (١٨٣).
(٢) كتاب الحموي (ص ٥٤٧ - ٥٤٨)، «الموجز» لابن النفيس (ص ١١٥، ١٢٠).
(٣) يعني: خبز الدقيق الذي لم ينخل جيدًا. وهي كلمة فارسية بمعنى الدقيق المذكور. انظر: «برهان قاطع» (٢/ ٧٥٢) وتكملة دوزي (٤/ ١١٢). في «المعجم الوسيط»: «الخبز الأسمر غير النقي». وكان يقال له: «خبز السمراء». انظر: «غريب الحديث» للخطابي (٢/ ١٦٨). والحُوَّارى: لباب الدقيق.
[ ٤ / ٤٤٥ ]
خل
في الرُّطوبة واليبوسة. واليبسُ يغلب على ما جفَّفته النَّار منه، والرُّطوبةُ على ضدِّه (^١).
وفي خبز الحنطة خاصِّيَّةٌ، وهي (^٢) أنَّه يسمِّن سريعًا. وخبزُ القطائف يولِّد خلطًا غليظًا. والفتيتُ نفَّاخٌ بطيء الهضم. والمعمولُ باللَّبن مسدِّدٌ، كثير الغذاء، بطيء الانحدار. وخبز الشَّعير باردٌ يابسٌ في الأولى. وهو أقلُّ غذاءً من خبز الحنطة.
خَلّ (^٣): روى مسلم في «صحيحه» (^٤): عن جابر بن عبد الله أنَّ رسول الله - ﷺ - سأل أهله الأُدُمَ، فقالوا: ما عندنا إلا خلٌّ. فدعا به، فجعل يأكل، ويقول: «نعم الإدامُ الخلُّ! نعم الإدامُ الخلُّ!».
وفي «سنن ابن ماجه» (^٥) عن أم سعد عن النَّبيِّ - ﷺ -: «نعم الإدام الخلُّ! اللَّهمَّ بارِك في الخلِّ (^٦). ولم يُقْفِرْ (^٧) بيتٌ فيه الخلُّ».
_________________
(١) من أول الفصل إلى هنا مأخوذ من كتاب الحموي، وما بعده من كتاب ابن النفيس.
(٢) س، حط: «هو».
(٣) كتاب الحموي (ص ٥٤٩).
(٤) برقم (٢٠٥٢).
(٥) برقم (٣٣١٨) من طريق عنبسة بن عبد الرَّحمن، عن محمَّد بن زاذان، عنها به. وهذا إسناد هالك؛ عنبسة ومحمَّد بن زاذان متروكان، قال ابن مُفلح في «الآداب الشَّرعيَّة» (٢/ ٣٦٨): «إسناده ضعيف بلا خلاف»، وضعَّفه جدًّا الألبانيُّ في «السِّلسلة الصَّحيحة» (٥/ ٢٥٨).
(٦) زاد الفقي بعده من «السنن» دون تنبيه: «فإنه كان إدام الأنبياء قبلي»، وكذا في طبعة الرسالة.
(٧) أهمل الفعل في الأصل (ف)، وكذا بالقاف ثم الفاء في س، يعني: جاع. وضبط في ز: «يُفْقَر»، وكذا دون ضبطه في ل، ن. وفي حط: «يفتقر»، ومثله في «السنن».
[ ٤ / ٤٤٦ ]
الخلُّ مركَّبٌ من الحرارة والبرودة، وهي (^١) أغلب عليه. وهو يابسٌ في الثَّالثة، قويُّ التَّجفيف، يمنع من انصباب الموادِّ ويلطِّف (^٢). وخلُّ الخمر ينفع المعدة الملتهبة، ويقمع الصَّفراء، ويدفع ضرر الأدوية القتَّالة، ويحلِّل اللَّبن والدَّم إذا جمد في الجوف، وينفع الطِّحال، ويدبغ المعدة، ويعقل الطبيعة، ويقطع العطش، ويمنع الورم حيث يريد أن يحدُث، ويعين على الهضم، ويضادُّ البلغم، ويلطِّف الأغذية الغليظة، ويُرِقُّ الدَّم.
وإذا شُرب بالملح نفَع من أكل الفُطْر القتَّال. وإذا حُسِيَ قلَع العَلَق (^٣) المتعلِّق بأصل الحنك. وإذا تُمُضْمِض به مسخَّنًا نفعَ من وجع الأسنان، وقوَّى اللِّثة.
وهو نافعٌ للدَّاحس (^٤) إذا طُلي به، والنَّملة، والأورام الحارَّة، وحرق النَّار. وهو مشهٍّ للأكل، مطيِّبُ الأطعمة (^٥)، صالحٌ للشُّبَّان (^٦) وفي الصَّيف ولسكَّان البلاد الحارَّة.
_________________
(١) «وهي» ملحق بحاشية الأصل، وفي متن ز، س، ل. يعني: البرودة. وفي ن: «والبرودة أغلب»، وهذا أقرب. ولم يرد في (حط) هذا ولا ذاك، وكذا في النسخ المطبوعة.
(٢) في النسخ المطبوعة بعده زيادة: «الطبيعة». وهي تصرُّف من بعضهم، فإنها لم ترد في مصدر النقل.
(٣) تقدَّم تفسيره.
(٤) هو ورم حار خارجي يعرض في جانب الظفر مع وجع شديد وضرَبان قوي وتمدُّد يسقط الظفر. انظر: «بحر الجواهر» (ص ١٢٢) و«حقائق أسرار الطب» (ص ١٦٩).
(٥) في النسخ المطبوعة: «للمعدة»، تحريف.
(٦) س، ل: «للشباب».
[ ٤ / ٤٤٧ ]
خلال
خِلال: فيه حديثان لا يثبتان. أحدهما: يروى من حديث أبي أيُّوب الأنصاريِّ يرفعه: «يا حبَّذا المتخلِّلون من الطَّعام! إنَّه ليس شيءٌ أشدَّ على الملَك من بقيَّةٍ تبقى في الفم من الطَّعام» (^١). وفيه واصل بن السائب، قال: البخاريُّ والرازي: منكر الحديث (^٢). وقال النَّسائيُّ والأزدي: متروك الحديث (^٣).
الثَّاني: يروى من حديث ابن عبَّاسٍ. قال عبد الله بن أحمد: سألت أبي عن شيخٍ روى عنه صالح الوُحَاظي يقال له: محمد بن عبد الملك الأنصاري، حدَّثنا عطاء، عن ابن عبَّاسٍ قال: نهى رسول الله - ﷺ - أن يتخلَّل باللِّيط (^٤) والآس (^٥)، وقال: «إنَّهما يسقيان عروقَ الجُذام» (^٦). فقال أبي: رأيت محمَّد بن
_________________
(١) أخرجه ابن أبي شيبة في «المسند» (١٣)، وأحمد (٢٣٥٢٧) مختصرًا، وأبو يعلى ــ كما في «إتحاف الخيرة» (١/ ٣٣٨) ــ واللَّفظ له، وابن حبَّان في «المجروحين» (٣/ ٨٣)، وابن عديٍّ في «الكامل» (٨/ ٣٧١). وإسناده ضعيف جدًّا؛ فيه واصل بن السَّائب متروك الحديث ومنكَرُه كما ذكر المصنِّف، يرويه عن أبي سورة وهو ضعيف. وينظر: «الإرواء» (١٩٧٥). وفي الباب عن أنس وجابر - ﵄ -.
(٢) «الضعفاء والمتروكون» لابن الجوزي (٣/ ٨١). وقول البخاري في «التاريخ الكبير» (٨/ ١٧٣) والرازي في «الجرح والتعديل» (٩/ ٣١).
(٣) انظر قول النسائي في كتاب «الضعفاء والمتروكون» له (ص ١٠٣)، وقول الأزدي نقله مغلطاي في «الإكمال» (١٢/ ٢٠٠).
(٤) اللِّيط: قشر القصب وغيره.
(٥) نوع من الشجر.
(٦) أخرجه العقيليُّ في «الضُّعفاء» (٤/ ١٠٣)، وابن عدي في «الكامل» (٧/ ٣٤٦). وينظر: «الموضوعات» لابن الجوزي (٣/ ٣٨)، و«اللَّآلئ المصنوعة» (٢/ ٢١٨)، و«تنزيه الشَّريعة» (٢/ ٢٥٩).
[ ٤ / ٤٤٨ ]
دهن
عبد الملك ــ وكان أعمى ــ يضع الحديث ويكذب (^١).
وبعد، فالخلال نافعٌ للِّثة والأسنان، حافظٌ لصحَّتها، نافعٌ من تغيُّر النَّكهة. وأجوده ما اتُّخذ من عيدان الأخِلَّة وخشب الزَّيتون والخِلاف (^٢). والتَّخلُّلُ بالقصَب والآس والرَّيحان والباذَرُوج (^٣) مضرٌّ (^٤).
حرف الدَّال
دُهْن (^٥): روى الترمذي في كتاب «الشَّمائل» (^٦) من حديث أنس بن مالكٍ قال: كان رسول الله - ﷺ - يُكثِر دهنَ رأسه وتسريحَ لحيته، ويُكثر القناع، كأنَّ ثوبه ثوب زيَّاتٍ.
الدُّهن يسدُّ مسامَّ البدن، ويمنع ما يتحلَّل منه. وإذا استعمل بعد الاغتسال بالماء الحارِّ حسَّن البدن ورطَّبه. وإن دُهِن به الشَّعر حسَّنه وطوَّله،
_________________
(١) «العلل ومعرفة الرِّجال» (٣/ ٢١٢).
(٢) هو شجر الصفصاف.
(٣) بقلة معروفة طيبة الريح، وتسمَّى «الحَوك».
(٤) انظر: كتاب الحموي (ص ٥٥٢).
(٥) كتاب الحموي (ص ٤١٩ - ٤٢٣).
(٦) برقم (٣٣، ١٢٧) من طريق الرَّبيع بن صَبيح، عن يزيد الرَّقَاشي، عنه به. وأخرجه أيضًا ابن سعد في «الطَّبقات الكبرى» (١/ ٤٨٤)، والبيهقي في «الشُّعب» (٦٠٤٤). والرَّبيع بن صَبيح وشيخُه ضعيفان. قال ابن كثير في «البداية والنِّهاية» (٨/ ٤٨٦): «فيه غرابة ونكارة»، وضعَّف إسناده العراقيُّ في «المغني» (١/ ٣٠٥)، وهو في «السلسلة الضعيفة» (٢٤٥٦).
[ ٤ / ٤٤٩ ]
ونفع من الحصَّة (^١)، ودفعَ أكثر الآفات عنه.
وفي «الترمذي» (^٢) من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «كلُوا الزَّيت، وادَّهِنوا به». وسيأتي إن شاء الله.
والدُّهن في البلاد الحارَّة كالحجاز ونحوه من آكد أسباب حفظ الصِّحَّة وإصلاح البدن، وهو كالضَّروريِّ لهم. وأمَّا البلاد الباردة فلا يحتاج إليه أهلها. والإلحاحُ به في الرَّأس فيه خطرٌ بالبصر.
وأنفع الأدهان البسيطة: الزَّيت، ثمَّ السَّمْن، ثمَّ الشَّيرج. وأمَّا (^٣) المركَّبة، فمنها باردٌ رطبٌ، كدهن البنَفْسَج. ينفع من الصُّداع الحارِّ، وينوِّم أصحاب السَّهر، ويرطِّب الدِّماغ، وينفع من الشُّقاق وغلبة اليبس والجفاف. ويطلى به الجربُ والحكَّة اليابسة، فينفعها. ويسهِّل حركة المفاصل، ويصلُح لأصحاب الأمزجة الحارَّة في زمن الصَّيف.
وفيه حديثان باطلان موضوعان على رسول الله - ﷺ - أحدهما: «فضلُ دهن البنفسَج على سائر الأدهان كفضلي على سائر النَّاس» (^٤). والثَّاني:
_________________
(١) ضبط في ز بكسر الحاء. يعني: داء الحاصَّة الذي يتناثر فيه شعر الرأس، ويقال فيه: رجل أحصُّ وامرأة حصَّاء. وفي النسخ المطبوعة: «الحصبة»، تحريف.
(٢) لم يخرجه التِّرمذيُّ من حديث أبي هريرة - ﵁ -، وإنَّما أخرجه ابن ماجه (٣٣٢٠)، وسيأتي تخريجه.
(٣) س، ل: «فأما».
(٤) أخرجه ابن حبَّان في «المجروحين» (٢/ ١٠٣) عن أبي سعيد الخدري. وأخرجه أبو نعيم في «الطِّب النَّبوي» (٩٠٥) عن الحسين بن علي. وأخرجه الخطيب في «تاريخ بغداد» (٧/ ١٤) عن أبي هريرة. وأخرجه أيضًا (٧/ ٢٨٢) عن أنس. وقد حكم العلماء على هذه الأحاديث بالنَّكارة الشَّديدة والوضع، يُنظر: «معرفة التَّذكرة» (٥٢١)، و«الموضوعات» (٣/ ٦٤ - ٦٧)، و«اللَّآلئ المصنوعة» (٢/ ١٨٧، ٢٣٥ - ٢٣٦)، و«تنزيه الشَّريعة» (٢/ ٢٤٦، ٢٧١).
[ ٤ / ٤٥٠ ]
«فضلُ دهن البنفسج على سائر الأدهان كفضل الإسلام على سائر الأديان» (^١).
ومنها: حارٌّ رطبٌ، كدهن البان. وليس دهن زهره (^٢)، بل دهنٌ يستخرج من حبٍّ أبيض أغبر نحو الفستق، كثير الدُّهنيَّة والدَّسَم، ينفع من صلابة العصَب ويليِّنه. وينفع من البرَش والنَّمَش (^٣) والكلَف والبهَق. ويسهِّل بلغمًا غليظًا، ويليِّن الأوتار اليابسة، ويسخِّن العصَب.
وقد روي فيه حديثٌ باطلٌ مختلقٌ لا أصل له: «ادَّهنوا بالبان، فإنَّه أحظى لكم عند نسائكم» (^٤).
_________________
(١) أخرجه الطَّبرانيُّ في «الكبير» (٣/ ١٣٠)، وأبو نعيم في «الطِّب النَّبوي» (٩٠٢)، عن الحسين بن عليٍّ. ويُنظر في بيان وضعِه: المراجع السَّابقة، و«الفوائد المجموعة» (ص ١٦٥، ١٩٦)، و«السلسلة الضعيفة» (٣٣٢٥).
(٢) في كتاب الحموي: «وليس المراد بالبان زهر الخلاف»، نبَّه على ذلك لأن بعضهم ذكر أن البان شجر الخلاف. انظر: «النظم المستعذب» للرَّكْبي (١/ ١٩٤)، ولا يصح، وإنما يشبه ورقه ورق الخلاف، كما قال داود في «تذكرته» (١/ ٦٢).
(٣) البَرش والنمَش نقط صغار تحدث في الوجه وسائر البدن. فما هو إلى الحمرة يكون نمشًا، وما هو إلى السواد يسمى برشًا. انظر: «بحر الجواهر» (ص ٤٩، ٢٩١) و«التنوير» للقمري (ص ٦٢) و«حقائق أسرار الطب» (١٦٧).
(٤) أخرجه ابن عديٍّ في «الكامل» (٣/ ٢٠٢) من حديث عليٍّ - ﵁ -، وقال: «هذا حديث موضوع على أهل البيت». وينظر: «الموضوعات» (٣/ ٦٧)، و«اللَّآلئ المصنوعة» (٢/ ٢٣٣)، و«تنزيه الشَّريعة» (٢/ ٢٧٠، ٢٧٩).
[ ٤ / ٤٥١ ]
ذريرة
ذباب
ذهب
ومن منافعه: أنَّه يجلو الأسنان، ويكسبها بهجةً، ويقيها (^١) من الصَّدأ. ومن مسح به وجهه وأطرافه لم يصبه حصًى ولا شُقاقٌ. وإذا دهَن به حِقْوَه ومذاكيره وما والاها نفَع من برد الكُليتين وتقطير البول.
حرف الذَّال
ذَريرة: ثبت في «الصَّحيحين» (^٢): عن عائشة قالت: طيَّبت رسول الله بيديَّ بذريرةٍ في حجَّة الوداع لحلِّه وإحرامه. تقدَّم الكلام في الذَّريرة ومنافعها وماهيَّتها، فلا حاجة لإعادته (^٣).
ذُباب: تقدَّم حديث أبي هريرة المتَّفق عليه في أمره - ﷺ - بغمس الذُّباب في الطَّعام إذا سقط فيه، لأجل الشِّفاء الذي في جناحه. وهو كالتِّرياق للسَّمِّ الذي في الجناح الآخر. وذكرنا منافع الذُّباب هناك (^٤).
ذهب (^٥): روى أبو داود والتِّرمذيُّ (^٦) أنَّ النَّبيَّ - ﷺ - رخَّص لعَرْفَجة بن أسعد لمَّا قُطِع أنفُه يوم الكُلَاب، واتَّخذ أنفًا من وَرِقٍ فأنتَن عليه، فأمره أن
_________________
(١) في النسخ المطبوعة: «وينقِّيها»، تصحيف.
(٢) البخاري (٥٩٣٠) ومسلم (١١٨٩)، وقد تقدَّم.
(٣) ز، ن: «إلى إعادته». وانظر ما سبق في هديه - ﷺ - في علاج البثرة (ص ١٦٢).
(٤) انظر ما تقدَّم في (ص ١٦١).
(٥) الخواص منقولة من كتاب الحموي (ص ٥٥٣ - ٥٥٤).
(٦) «سنن أبي داود» (٤٢٣٢، ٤٢٣٣)، «جامع التِّرمذي» (١٧٧٠). وأخرجه أيضًا النَّسائي (٥١٦٢)، وأحمد (١٩٠٠٦، ٢٠٢٦٩)، وغيرهما. وفي إسناده بعض الاختلاف، قال التِّرمذي: «هذا حديث حسن»، وصحّحه ابن حبَّان (٥٤٦٢)، والنَّووي في «المجموع» (١/ ٢٥٤، ٤/ ٤٤١)، وينظر: «الإرواء» (٨٢٤).
[ ٤ / ٤٥٢ ]
يتَّخذ أنفًا من ذهبٍ. وليس لعرفجة عندهم غير هذا الحديث الواحد.
الذَّهب زينة الدُّنيا، وطلَّسم الوجود، ومفرِّح النُّفوس، ومقوِّي الظُّهور، وسرُّ الله في أرضه. مزاجه (^١) في سائر الكيفيَّات. وفيه حرارة لطيفة. يدخل (^٢) في سائر المعجونات اللَّطيفة والمفرِّحات. وهو أعدل المعدنيَّات على الإطلاق وأشرفها.
ومن خواصَّه: أنَّه إذا دُفِن في الأرض لم يضرَّه التُّراب ولم ينقصه شيئًا. وبُرادته إذا خُلِطت بالأدوية نفعَت من ضعف القلب والرَّجَفان والخفَقان (^٣) العارض من السَّوداء. وينفع من حديث النَّفس، والحزن والغمِّ، والفزع، والعشق. ويسمِّن البدن ويقوِّيه، ويُذهب الصُّفار، ويحسِّن اللَّون، وينفع من الجذام وجميع الأوجاع والأمراض السَّوداويَّة.
وتدخل نُحاتَتُه (^٤) في أدوية داء الثَّعلب وداء الحيَّة (^٥) شربًا وطلاءً. ويجلو العين، ويقوِّيها، وينفع من كثيرٍ من أمراضها. ويقوِّي جميع الأعضاء. وإمساكه في الفم يزيل البَخَر.
_________________
(١) ن: «ومزاجه»، وكذا في النسخ المطبوعة. وعبارة الحموي: «الذهب معتدل في ».
(٢) حط: «تدخل»، وهو تصحيف، فإن الضمير راجع إلى الذهب. وفي كتاب الحموي بعد «لطيفة»: «أجوده: الخالص من الغش. يدخل ».
(٣) «والخفقان» ساقط من النسخ المطبوعة.
(٤) في النسخ المطبوعة: «ودخل بخاصيَّة». «بخاصيَّة» تحريف ما أثبت.
(٥) في «التنوير» (ص ٦١) أن داء الثعلب أن يتناثر الشعر من الرأس واللحية حتى يعرى مكانه، وداء الحية أن يتقشر الجلد مع تناثر الشعر. وانظر: «بحر الجواهر» (ص ١٢٢) و«حقائق أسرار الطب» (ص ١٦٦).
[ ٤ / ٤٥٣ ]
ومن كان به مرضٌ (^١) يحتاج إلى الكيِّ وكُوِي به لم يتنفَّط موضعُه ويبرأ سريعًا. وإن اتُّخذ منه مِيلٌ واكتُحِل به قوَّى العين وجلاها. وإذا اتُّخذ منه خاتمٌ فصُّه منه وأُحمِيَ وكُوي به قوادمُ أجنحة الحمام ألفِت أبراجَها ولم تنتقل عنها.
وله خاصِّيَّةٌ عجيبةٌ في تقوية النُّفوس، لأجلها أبيح في الحرب والسِّلاح منه ما أبيح (^٢). وقد روى الترمذي (^٣) من حديث مَزِيدة العَصَري (^٤) قال: دخل رسول الله يوم الفتح، وعلى سيفه ذهبٌ وفضَّةٌ.
وهو معشوق النُّفوس الَّتي متى ظفرت به سلَّاها عن غيره من محبوبات الدُّنيا. قال تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ﴾ [آل عمران: ١٤].
_________________
(١) في الأصل وغيره: «برص»، والصواب ما أثبت من ل وحدها، وكذا في النسخ المطبوعة. وما ذكر هنا نقله الرازي في «الحاوي» (٤/ ١٧٣) من كتاب في الفصد منسوب إلى جالينوس.
(٢) انظر: «شرح العمدة» لشيخ الإسلام (٢/ ٣١٤)، و«الآداب الشرعية» (٣/ ٢٣ - ٢٤).
(٣) (١٦٩٠) من طريق هود بن عبد الله بن سعد، عن جدِّه مزيدة به. وإسناده ضعيف؛ لجهالة هودٍ. قال التِّرمذي: «هذا حديث غريب»، وقال الذَّهبي في «الميزان» (٢/ ٣٣٣): «هذا منكر، فما علمنا في حليةِ سيفِه - ﷺ - ذهبًا»، وضعَّف إسناده الألبانيُّ في «الإرواء» (٣/ ٣٠٦).
(٤) ز، س: «بريدة»، وفي (حط): «فريدة» مع علامة الإهمال فوق الراء، وكلاهما تصحيف.
[ ٤ / ٤٥٤ ]
وفي «الصَّحيحين» (^١): عن النَّبيِّ - ﷺ -: «لو كان لابن آدم وادٍ من ذهبٍ لابتغى إليه ثانيًا. ولو كان له ثانٍ لابتغى إليه ثالثًا. ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التُّراب. ويتوب الله على من تاب».
هذا وإنَّه أعظم حائلٍ بين الخليقة وبين فوزها الأكبر يوم معادها، وأعظمُ شيءٍ عُصي الله به. وبه قُطعت الأرحام، وأريقت الدِّماء، واستُحِلَّت المحارم، ومُنِعت الحقوق، وتظالَمَ العباد. وهو المرغِّب في الدُّنيا وعاجلها، والمزهِّد في الآخرة وما أعدَّ الله لأوليائه فيها. فكم أميت به من حقٍّ، وأحيي به من باطلٍ، ونُصِر به ظالمٌ، وقُهِر به مظلومٌ! وما أحسن ما قال فيه أبو القاسم (^٢) الحريري:
تبًّا له من خادعٍ مماذقِ أصفرَ ذي وجهين كالمنافقِ
يبدو بوصفين لِعَين الرَّامقِ زينة معشوقٍ ولون عاشقِ
وحبُّه عند ذوي الحقائقِ يدعو إلى ارتكاب سُخْط الخالقِ
لولاه لم تُقطَع يمينُ سارقِ ولا بدت مظلمةٌ من فاسق
ولا اشمأزَّ باخلٌ من طارقِ ولا شكا الممطولُ مطلَ العائق
ولا استعيذ من حَسودٍ مائقِ (^٣) وشرُّ ما فيه من الخلائقِ
_________________
(١) البخاري (٦٤٣٩) ومسلم (١٠٤٨) من حديث أنس.
(٢) كذا في جميع النسخ الخطية والمطبوعة إلا طبعة الرسالة التي حذفت «أبو القاسم» دون تنبيه كعادتها. وذلك لأن الحريري هو القاسم بن علي وكنيته أبو محمد. أما أبو القاسم فكنية ولده عبد الله بن القاسم، والذي في النسخ سهوٌ وقع في أصل المؤلف فيما يبدو.
(٣) كذا في الأصل وغيره إلا (حط) التي فيها: «راشق» كما في النسخ المطبوعة و«المقامات»، يعني: العائن.
[ ٤ / ٤٥٥ ]
رطب
أن ليس يغني عنك في المضايقِ إلا إذا فرَّ فرار الآبقِ (^١)
حرف الرَّاء
رُطَب: قال تعالى لمريم: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا (٢٥) فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا﴾ [مريم: ٢٥ - ٢٦].
وفي «الصَّحيحين» (^٢) عن عبد الله بن جعفر قال: رأيت رسول الله - ﷺ - يأكل القثَّاء بالرُّطَب.
وفي «سنن أبي داود» (^٣) عن أنس قال: كان رسول الله - ﷺ - يفطر على رُطَباتٍ قبل أن يصلِّي. فإن لم تكن رطباتٌ فتمرات. فإن لم تكن تمراتٌ حسا حَسَواتٍ من ماءٍ.
طبع الرُّطب طبع الحياة (^٤)، حارٌّ رطبٌ، يقوِّي المعدة الباردة ويوافقها، ويزيد في الباه، ويُخْصِب البدن، ويوافق أصحاب الأمزجة الباردة، ويغذو
_________________
(١) الأبيات من المقامة الثالثة الدينارية من «مقامات الحريري». انظر: «شرح الشريشي» (١/ ١٤٩).
(٢) البخاري (٥٤٤٠) ومسلم (٢٠٤٣).
(٣) برقم (٢٣٥٦). وأخرجه أيضًا التِّرمذي (٦٩٦)، وأحمد (١٢٦٧٦)، والحاكم (١/ ٤٣٢). قال التِّرمذي: «هذا حديث حسن غريب». وصحَّحه الدَّارقطني (٣/ ١٥٥)، والإشبيلي في «الأحكام الصُّغرى» (١/ ٣٨٥ - ٣٨٦)، والضِّياء في «المختارة» (٤/ ٤١٢)، وحسَّنه الألباني في «الإرواء» (٩٢٢). وفي الباب عن سلمان بن عامر الضَّبِّي - ﵁ -.
(٤) كذا في جميع النسخ، ورسمه في الأصل وغير نسخة بالواو. وفي النسخ المطبوعة: «المياه». وانظر ما سيأتي في (ص ٥٠٣).
[ ٤ / ٤٥٦ ]
ريحان
غذاءً كثيرًا (^١).
وهو من أعظم الفاكهة موافقةً لأهل المدينة وغيرها من البلاد الَّتي هو فاكهتهم فيها، وأنفعها للبدن؛ وإن كان من لم يعتَدْه يُسرع التَّعفُّنُ في جسده ويتولَّد عنه دمٌ ليس بمحمودٍ. ويحدث عن إكثاره منه صداعٌ وسوداء، ويؤذي أسنانه. وإصلاحُه بالسِّكَنْجَبين (^٢) ونحوه (^٣).
وفي فطر النَّبيِّ - ﷺ - من الصَّوم عليه أو على التَّمر أو الماء تدبيرٌ لطيفٌ جدًّا. فإنَّ الصَّوم يخلِّي المعدة من الغذاء، فلا تجد الكبدُ فيها ما تجتذبه وتُرسله إلى القوى والأعضاء، فتضعُف (^٤). والحلوُ أسرع شيءٍ وصولًا إلى الكبد وأحبُّه إليها، ولا سيَّما إن كان رطبًا، فيشتدُّ قبولُها له، فتنتفع به هي والقوى. فإن لم يكن فالتَّمر لحلاوته وتغذيته. فإن لم يكن فحَسَواتُ الماء تطفئ لهيب المعدة وحرارة الصَّوم، فتتنبَّه (^٥) بعده للطَّعام، وتأخذه بشهوةٍ.
ريحان (^٦): قال تعالى: ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٨٨) فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ﴾ [الواقعة: ٨٨ - ٨٩]. وقال: ﴿وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ﴾ [الرحمن: ١٢].
_________________
(١) من قوله: «حار رطب» إلى هنا منقول من كتاب الحموي (ص ٥٣٤).
(٢) دواء مركَّب من الخلِّ والعسل ونحوه. واللفظ فارسي معرَّب. وهو مركَّب من «سِك» بمعنى الخلِّ و«أنگبين» بالكاف الفارسية بمعنى العسل.
(٣) انظر: كتاب الحموي (ص ٥٣٤).
(٤) «فتضعف» ساقط من النسخ المطبوعة.
(٥) س، ل، ن: «فتنتبه».
(٦) كتاب الحموي (ص ٣٩٩ - آس) و(ص ٥٣٨ - ريحان).
[ ٤ / ٤٥٧ ]
وفي «صحيح مسلم» (^١) عن النَّبيِّ - ﷺ -: «من عُرض عليه ريحانٌ فلا يردُّه، فإنَّه خفيف المَحْمِل طيِّب الرَّائحة».
وفي «سنن ابن ماجه» (^٢): من حديث أسامة عن النَّبيِّ - ﷺ - أنَّه قال: «ألا مشمِّرٌ للجنَّة! فإنَّ الجنَّة لا خطر لها. هي وربِّ الكعبة نورٌ يتلألأ، وريحانةٌ تهتزُّ، وقصرٌ مشيدٌ، ونهرٌ مطَّردٌ، وثمرةٌ نضيجةٌ، وزوجةٌ حسناء جميلةٌ، وحُلَلٌ كثيرةٌ، ومقامٌ في أبد، في دارٍ سليمةٍ وفاكهة وخُضرة، وحَبْرة ونعمة، في محلَّة عالية (^٣) بهيَّة». قالوا: نعم يا رسول اللَّه، نحن المشمِّرون لها. قال: «قولوا: إن شاء الله». فقال القوم: إن شاء اللَّه.
الرَّيحان كلُّ نبتٍ طيِّب الرِّيح، فكلُّ أهل بلدٍ يخصُّونه بشيءٍ من ذلك.
_________________
(١) برقم (٢٢٥٣) من حديث أبي هريرة - ﵁ -، وقد تقدم.
(٢) برقم (٤٣٣٢) من طريق الضَّحَّاك المعافريِّ، عن سليمان بن موسى، عن كريب مولى ابن عباس، عنه به. وأخرجه أيضًا الفسويُّ في «المعرفة والتَّاريخ» (١/ ٣٠٤)، والبزَّار (٢٥٩١)، وغيرهما. وصحَّحه ابن حبَّان (٧٣٨١)، لكن الضَّحَّاك المعافري تفرَّد بالرواية عنه محمَّد بن مهاجر، وشيخه سليمان متكلَّم فيه. وضعَّف الحديث المنذريُّ في «التَّرغيب» (٤/ ٢٨٤)، والبوصيريُّ في «المصباح» (٤/ ٢٦٥)، والألباني في «السِّلسلة الضَّعيفة» (٣٣٥٨).
(٣) كذا جاء متن الحديث في جميع النسخ الخطية والمطبوعة إلا طبعة الرسالة التي تصرَّفت في المتن وأثبتت دون تنبيه: «وحُلَل كثيرة في مقام أبدًا في حبرة ونضرة في دور عالية سليمة بهيَّة». وهذا لفظ الحديث في «سنن ابن ماجه». ولكن المصنف أورده هكذا مع عزوه إلى السنن في «حادي الأرواح» (١/ ٢٩١) و«روضة المحبين» (ص ٣٥٦) أيضًا. وهو لفظ ابن أبي داود في «البعث» (٧٢) وقِوَام السُّنَّة في «الترغيب والترهيب» (١٠٠٣) والمنذري في «الترغيب والترهيب» (٥٦٥٤). قال المنذري: «رواه ابن ماجه وابن أبي الدنيا و». ولعل المصنف صدر عن كتاب المنذري.
[ ٤ / ٤٥٨ ]
فأهل الغرب يخصُّونه بالآس، وهو الذي يعرفه العرب من الرَّيحان. وأهل العراق والشَّام يخصُّونه بالحَبَق (^١).
فأمَّا الآس، فمزاجه باردٌ في الأولى، يابسٌ في الثَّانية. وهو مع ذلك مركَّبٌ من قوًى متضادَّةٍ، والأكثر فيه الجوهر الأرضيُّ البارد. وفيه شيءٌ حارٌّ لطيفٌ. وهو يجفِّف تجفيفًا قويًّا، وأجزاؤه متقاربة القوَّة، وهي قوَّةٌ قابضةٌ حابسةٌ من داخلٍ وخارجٍ معًا.
وهو قاطعٌ للإسهال الصَّفراويِّ، دافعٌ للبخار الحارِّ الرَّطب إذا شُمَّ، مفرِّحٌ للقلب تفريحًا شديدًا. وشمُّه مانعٌ للوباء (^٢)، وكذلك افتراشه في البيت. ويبرئ الأورام الحادثة في الحالبين إذا وضع عليها. وإذا دقَّ ورقُه وهو غضٌّ، وضُرِب بالخلِّ، ووُضِع على الرَّأس= قطَع الرُّعافَ. وإذا سُحِق ورقه اليابس، وذُرَّ على القروح ذوات الرُّطوبة= نفعَها. ويقوِّي الأعضاء الواهنة (^٣) إذا ضمِّد به. وينفع الدَّاحس (^٤). وإذا ذرَّ على البثور والقروح الَّتي تكون في اليدين والرِّجلين نفَعها.
وإذا دلِّك به البدن قطَع العرَق، ونشَّف الرُّطوبات الفضليَّة، وأذهب نتن الآباط. وإذا جُلِس في طبيخه نفَع من خروج (^٥) المَقْعَدة والرَّحم، ومن
_________________
(١) في «نهاية الأرب» للنويري (١١/ ٢٤٧) أن الحبق أنواع تطلق عليها العامَّة: «الريحان».
(٢) س، ل: «من الوباء». وفي كتاب الحموي (ص ٣٩٩) كما أثبت من الأصل وغيره.
(٣) ن: «الواهية»، وكذا في النسخ المطبوعة.
(٤) في النسخ المطبوعة: «داء الداحس»، وقد تقدَّم تفسيره.
(٥) غيَّره الفقي إلى «خراريج»، وكذا في طبعة الرسالة.
[ ٤ / ٤٥٩ ]
استرخاء المفاصل. وإذا صُبَّ على كسور العظام الَّتي لم تُلْحَم نفَعها. ويجلو قشور الرَّأس وقروحَه الرَّطبة وبثورَه. ويمسك الشَّعر المتساقط، ويسوِّده. وإذا دقَّ ورقُه، وصُبَّ عليه ماءٌ يسيرٌ، وخُلِط به شيءٌ من زيتٍ (^١) أو دهن الورد، وضُمِّد به= نفَعَ (^٢) القروح الرَّطبة، والنَّملة (^٣)، والحُمْرةَ (^٤)، والأورامَ الحارَّة (^٥)، والشَّرى (^٦)، والبواسير.
وحبُّه نافعٌ من نفث الدَّم العارض في الصَّدر والرِّئة، دابغٌ للمعدة. وليس بضارٍّ للصَّدر ولا الرِّئة لحلاوته. وخاصَّتُه (^٧) النَّفع من استطلاق البطن مع
_________________
(١) في كتاب الحموي: «زيت الأنفاق»، فحذف المصنف لفظ «الأنفاق»، وهو الزيت المعتصر من الزيتون الفِجّ. والكلمة دخيلة من اليونانية. انظر: «مفردات ابن البيطار» (٢/ ١٧٩) وتكملة دوزي (١/ ٢٠٤).
(٢) هكذا في الأصل (ف). وفي غيره: «وافق»، وكذا في كتاب الحموي و«المفردات» (١/ ٢٨).
(٣) ورم يحدث في أخلاط حارّة وحادّة أكّالة يتقرَّح ويسعى. «حقائق أسرار الطب». وانظر: «بحر الجواهر» (ص ٢٩١) و«التنوير» (ص ٦٣).
(٤) ورم مركب من الدم والصفراء الرديئين. «حقائق أسرار الطب» (ص ١٥٩). وانظر: «بحر الجواهر» (ص ١٠٥) و«التنوير» (ص ٦٣).
(٥) في النسخ: «الحادَّة» بالدال، والظاهر أنه تصحيف ما أثبت من كتاب الحموي و«المفردات».
(٦) بثور صغار وبعضها كبار، مسطحة مائلة إلى الحمرة، تعم البدن في الأكثر مع حكَّة شديدة ولهيب وكرب. انظر: «بحر الجواهر» (ص ١٧٦) و«حقائق أسرار الطب» (ص ١٦٢) و«التنوير» (ص ٦٣).
(٧) ز، حط، ن: «وخاصيته». وضبط في (حط) بالجرِّ كأنه معطوف على «حلاوة»، وهو خطأ. انظر: «القانون» (١/ ٣٤٥).
[ ٤ / ٤٦٠ ]
رمان
السُّعال، وذلك نادرٌ في الأدوية. وهو مُدرٌّ للبول، نافعٌ من لذع المثانة، وعضِّ الرُّتيلاء (^١)، ولسع العقرب. والتَّخلُّلُ بعِرْقه مضرٌّ، فليحذر.
وأمَّا الرَّيحان الفارسيُّ الذي يسمَّى «الحبَق»، فحارٌّ في أحد القولين. ينفع شمُّه من الصُّداع الحارِّ إذا رُشَّ عليه الماء. ويبرِّد ويرطِّب بالعرض. وباردٌ في الآخر. وهل هو رطبٌ أو يابسٌ؟ على قولين (^٢). والصَّحيح (^٣): أنَّ فيه من الطَّبائع الأربع. ويجلب النَّوم. وبزرُه حابسٌ للإسهال الصَّفراويِّ، مسكِّنٌ للمَغْس (^٤)، مقوٍّ للقلب، نافعٌ للأمراض السَّوداويَّة.
رُمَّان (^٥): قال تعالى: ﴿(٦٧) فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ [الرحمن: ٦٨]. ويذكر عن ابن عبَّاسٍ موقوفًا ومرفوعًا (^٦): «ما من رمَّانٍ من رمَّانكم هذا إلا وهو
_________________
(١) نوع من العناكب، وقد سبق.
(٢) قيل: إنه حارٌّ يابس في الأولى، وقيل: بارد رطب في الثانية. هذا هو المذكور في كتاب الحموي، ففرَّق المصنف القولين على هذا الوجه.
(٣) لم أقف على هذا التصحيح.
(٤) ز: «للمغص». وكذا أصلحه بعضهم في ن. وهما لغتان كما سبق.
(٥) كتاب الحموي (ص ٥٣٦ - ٥٣٧).
(٦) أما الموقوف فأخرجه الطَّبرانيُّ في «الكبير» (١٠/ ٢٦٣)، وأبو نعيم في «الطِّب النَّبوي» (٨٠٢)، والبيهقيُّ في «الشُّعب» (٥٥٥٩). قال الهيثميُّ في «المجمع» (٥/ ٤٥): «رجاله رجال الصَّحيح». وأما المرفوع فأخرجه ابن عديٍّ في «الكامل» (٧/ ٥٤٣) وقال: «هذا حديثٌ باطل». وحكم عليه غير واحد بالوضع، ينظر: «الموضوعات» (٢/ ٢٨٥)، و«الميزان» (٤/ ٥٩)، و«المنار المنيف» (ص ٥٥)، و«اللَّآلئ المصنوعة» (٢/ ١٧٦)، و«تنزيه الشَّريعة» (٢/ ٢٤٢). واقتصر بعضهم على تضعيفه. وفي الباب عن أنس - ﵁ -.
[ ٤ / ٤٦١ ]
ملقَّحٌ بحبَّةٍ من رمَّان الجنَّة»، والموقوف أشبه (^١). وذكر حرب (^٢) وغيره عن علي أنَّه قال: كلوا الرُّمَّان بشحمه، فإنَّه دِباغُ المعدة.
حلو الرُّمَّان حارٌّ رطبٌ. جيِّدٌ للمعدة، مقوٍّ لها بما فيه من قبضٍ لطيفٍ، نافعٌ للحلق والصَّدر والرِّئة، جيِّدٌ للسُّعال. وماؤه مليِّنٌ للبطن، يغذو البدن غذاءً فاضلًا يسيرًا، سريعُ التَّحلُّل لرقَّته ولطافته. ويولِّد حرارةً يسيرةً في المعدة وريحًا؛ ولذلك يعين على الباه، ولا يصلح للمحمومين. وله خاصِّيَّةٌ عجيبةٌ إذا أُكِل بالخبز يمنعه من الفساد في المعدة.
وحامضه باردٌ يابسٌ قابضٌ لطيفٌ. ينفع المعدة الملتهبة، ويُدِرُّ البول أكثر من غيره من الرُّمَّان، ويسكِّن الصَّفراء، ويقطع الإسهال، ويمنع القيء، ويلطِّف الفضول، ويطفئ حرارة الكبد، ويقوِّي الأعضاء، نافعٌ من الخفقان الصَّفراويِّ والآلام العارضة للقلب وفم المعدة، ويقوِّي المعدة ويدفع الفضول عنها، ويطفئ ثائرة (^٣) الصَّفراء والدَّم.
وإذا استُخْرج ماؤه بشحمه، وطُبِخ بيسيرٍ من العسل حتَّى يصير كالمرهم واكتُحِل به= قطَع الظُّفْرةَ (^٤) من العين، ونقَّاها من الرُّطوبات الغليظة. وإذا
_________________
(١) وكذا قال ابن مُفلح في «الآداب الشَّرعيَّة» (٣/ ٢٥)، وهو صادر عن كتابنا هذا.
(٢) في «مسائله» (٢/ ٩٤٣ - رسالة جامعة أم القرى). وقد أخرجه أحمد (٢٣٢٣٧)، وأبو نعيم في «الطِّب النَّبوي» (٣٦٥)، والبيهقيُّ في «الشُّعب» (٥٥٥٧). قال الهيثميُّ في «المجمع» (٥/ ٤٥، ٩٦): «رجاله ثقات».
(٣) في النسخ المطبوعة: «المِرَّة»، تحريف.
(٤) في النسخ الخطية والمطبوعة جميعًا: «الصفرة»، ورسمها في ل: «الصفرا»، وهو تصحيف ما أثبت، والنساخ كثيرًا ما يخلطون بين الضاد والظاء، فكتبها بعضهم بالضاد المعجمة، فقرئت بالإهمال. والظفرة زيادة عصبية تنبت في المأق، وتمتد حتى تنبسط على السواد وتمنع الإبصار. كذا في «بحر الجواهر» (ص ١٩٧)، وانظر: «التنوير» (ص ٥٤) و«حقائق أسرار الطب» (ص ١٣١). وهي بفتحتين، والمشهور عند الأطباء بضم أوله وسكون ثانيه. قال صاحب «البحر»: «كأنهم شبَّهوها بالظُّفْر في بياضها وصلابتها، ولذا يقال لها بالفارسية: ناخُنَه». وانظر: «المغرب» للمطرزي (١/ ٢٩٨) و«التاج» (١٢/ ٤٧٣).
[ ٤ / ٤٦٢ ]
زيت
لطِّخ على اللِّثة نفَع من الآكِلَة العارضة لها. وإن استُخْرج ماؤهما بشحمهما أطلَقَ البطنَ، وأحدَرَ الرُّطوبات العَفِنة المِرِّيَّة، ونفع من حُمَّيات الغِبِّ المتطاولة.
وأمَّا الرُّمَّان المُزُّ، فمتوسِّطٌ طبعًا وفعلًا بين النَّوعين. وهذا أميل إلى لطافة الحامض قليلًا.
وحبُّ الرُّمَّان مع العسل طلاءٌ للدَّاحس (^١) والقروح الخبيثة، وأقماعُه (^٢) للجراحات. قالوا: ومن ابتلع ثلاثةً من جُنْبُذ (^٣) الرُّمَّان في كلِّ سنةٍ أمن الرَّمدَ سنته كلَّها.
حرف الزَّاي
زيت (^٤): قال تعالى: ﴿يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ﴾ [النور: ٣٥].
_________________
(١) ورم يحدث بين الظفر واللحم، وقد سبق.
(٢) القِمْعُ من الرُّمَّان: ما فيه الزغب الأصفر.
(٣) هو زهر الرمان، وهو الجُلَّنار.
(٤) كتاب الحموي (ص ٤٣٣). و«الموجز» لابن النفيس (ص ٩٥).
[ ٤ / ٤٦٣ ]
وفي الترمذي وابن ماجه (^١) من حديث أبي هريرة عن النَّبيِّ - ﷺ - أنَّه قال: «كلوا الزَّيت وادَّهنوا به، فإنَّه من شجرةٍ مباركةٍ».
وللبيهقيِّ وابن ماجه (^٢) أيضًا عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله - ﷺ -:
_________________
(١) تقدَّم التَّنبيهُ على أنَّه لم يخرجه التِّرمذيُّ من حديث أبي هريرة - ﵁ - ولكن المصنف صادر عن كتاب الحموي، وقد عزاه إلى الترمذي وابن ماجه، وهو في «سنن ابن ماجه» (٣٣٢٠) من طريق عبد الله بن سعيد، عن جدِّه، عن أبي هريرة بلفظ: «فإنَّه مباركٌ». وأخرجه أيضًا ابن راهويه في «المسند» (٤٢٥). قال البزَّار (١/ ٣٩٧): «إسناده غير ثابت»، وصحَّحه الحاكم (٢/ ٣٩٨)، وتعقَّبه الذَّهبيُّ والبوصيريُّ في «إتحاف الخِيَرة» (٤/ ٣٠٣) بوهاءِ عبد الله بن سعيد ــ وهو المقبريُّ ــ وضعفِه، فالإسناد ضعيف جدًّا. وفي الباب عن أبي أسيد الأنصاريِّ وابن عبَّاس وعقبة بن عامر وعائشة وعمر بن الخطاب - ﵃ -.
(٢) «شعب الإيمان» (٥٥٣٩)، سنن ابن ماجه (٣٣١٩)، لكن من حديث عمر، وليس من حديث ابنه كما في كتاب الحموي الذي اعتمد عليه المصنف. وأخرجه أيضًا التِّرمذيُّ (١٨٥١)، والبزَّار (٢٧٥)، والضِّياء في «المختارة» (١/ ١٧٥). قال التِّرمذي: «هذا حديثٌ لا نعرفه إلَّا من حديث عبد الرَّزَّاق عن معمر، وكان عبد الرَّزَّاق يضطرب فيه، فربَّما ذكر فيه: عن عمر، عن النَّبيِّ - ﷺ -، وربَّما رواه على الشَّكِّ فقال: أحسبه عن عمر، عن النَّبي - ﷺ -، وربَّما قال: عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن النَّبيِّ - ﷺ - مرسلًا»، ونقل في «العلل الكبير» (١/ ٣٠٦) عن البخاريِّ أنَّه رجَّح إرساله، ورجَّح المرسلَ أيضًا ابن معين في «تاريخه» ــ رواية الدُّوري ــ (٣/ ١٤٢)، والإمام أحمد كما في «الآداب الشَّرعيَّة» (٢/ ٤٠٠)، وبذا يُعلم ما في تصحيح الحاكم (٤/ ١٢٢) ومتابعة المنذريِّ له في «التَّرغيب» (٣/ ٩٦) من التَّساهل. وأخرجه الطَّحاويُّ في «مشكل الآثار» (٤٤٤٨)، والطَّبراني في «الأوسط» (٩١٩٦)، من طريق زمعة بن صالح، عن زياد بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عمر به، وزمعة ضعيف. وحسَّنه بشاهده الألبانيُّ في «السِّلسلة الصَّحيحة» (٣٧٩).
[ ٤ / ٤٦٤ ]
«ائتدِموا بالزَّيت وادَّهِنوا به، فإنَّه من شجرةٍ مباركةٍ».
الزَّيت حارٌّ رطبٌ في الأولى. وغلِط من قال: يابس (^١). والزَّيت بحسب زيتونه: فالمعتصَر من النَّضيج أعدله وأجوده، ومن الفِجِّ فيه برودةٌ ويبوسةٌ (^٢)، ومن الزَّيتون الأحمر متوسِّطٌ بين الزَّيتين. ومن الأسود (^٣) يسخِّن ويرطِّب باعتدالٍ، وينفع من السُّموم، ويُطلق البطن، ويُخرج الدُّود. والعتيق منه أشدُّ إسخانًا وتحليلًا. وما اسْتُخرج منه بالماء فهو أقلُّ حرارةً وألطَفُ وأبلغ في النَّفع. وجميعُ أصنافه مليِّنةٌ للبشرة، وتبطِّئ الشَّيبَ (^٤).
وماء الزَّيتون المالح يمنع من تنفُّط حرق النَّار، ويشدُّ اللِّثة. وورقُه ينفع من الحمرة، والنَّملة، والقروح الوسخة، والشَّرى (^٥)؛ ويمنع العرق، وينفع من الدَّاحس (^٦).
_________________
(١) كذا قال، ثم عقَّب بقوله: «والزيت بحسب زيتونه»، فنقض ما قال أولًا. والسياق في كتاب الحموي: «زيت الزيتون قد يعتصر من الزيتون النضيج، وهو حار رطب في الأولى. وقيل: حارٌّ يابس فيها». فهذا الخلاف في المتخذ من النضيج، لا في زيت الزيتون عامة.
(٢) وهذا الذي يُسمَّى «زيت الأنفاق»، وقال فيه الحموي: «يفضَّل على سائر أنواع الزيت، وهو أجود الزيت للأصحاء، وهو بارد يابس في الأولى». انظر: «القانون» (١/ ٤٦٩) و«منهاج البيان» (ص ٤٥٩) و«المفردات» (٢/ ١٧٦).
(٣) كذا في جميع النسخ. وكان الأفضل أن يقال: «والمتخذ من الأسود» كما في كتاب الحموي، فإنَّ ما ذكره فيما يأتي من فوائده.
(٤) من هذه الجملة إلى آخر ما ذكره مأخوذ من «الموجز» لابن النفيس (ص ٩٥).
(٥) تقدَّم تفسير الحمرة والنملة والشرى قريبًا.
(٦) هذه الجملة: «وينفع من الداحس» ساقطة من النسخ المطبوعة. و«الداحس» سبق تفسيره.
[ ٤ / ٤٦٥ ]
زبد
ومنافعه أضعاف ما ذكرنا.
زُبْد (^١): روى أبو داود في «سننه» (^٢) عن ابني بُسْر السُّلَميَّين (^٣) قالا: دخل علينا رسول الله - ﷺ -، فقدَّمنا (^٤) زبدًا وتمرًا، وكان يحبُّ الزُّبد والتَّمر.
الزُّبد حارٌّ رطبٌ. فيه منافع كثيرة، منها الإنضاج والتَّحليل، ويبرئ الأورام الَّتي تكون إلى جانب الأذنين والحالبين، وأورامَ الفم، وسائرَ الأورام الَّتي تعرض في أبدان النِّساء والصِّبيان، إذا استُعمِلَ وحده. وإذا لُعِق منه نفَع في نفث الدَّم الذي يكون من الرِّئة، وأنضج الأورام العارضة فيها.
وهو مليِّنٌ للطَّبيعة والعصَب، والأورام الصُّلبة العارضة من المرَّة السَّوداء والبلغم؛ نافعٌ من اليبس العارض في البدن. وإذا طلي على منابت أسنان الطِّفل كان معينًا على نباتها وطلوعها. وهو نافعٌ من السُّعال العارض من البرد واليبس. ويُذهب القوابي (^٥) والخشونة الَّتي في البدن، ويليِّن الطَّبيعة، ولكنَّه يُسْقِط (^٦) شهوة الطَّعام.
_________________
(١) كتاب الحموي (ص ٤٣٢).
(٢) برقم (٣٨٣٧). وأخرجه أيضًا ابن ماجه (٣٣٣٤). وصحَّحه الإشبيليُّ في «الأحكام الصُّغرى» (٢/ ٧٩٢)، وتقدَّم قول المصنِّف: «ثبت عنه - ﷺ - أكل التَّمر بالزّبد»، وحسَّن إسنادَه ابن مُفلح في «الآداب الشَّرعيَّة» (٣/ ١٨).
(٣) في ز، س حاشية: «هما عبد الله وعطية».
(٤) بعده في (حط) زيادة: «له».
(٥) جمع القوباء، وقد تقدَّم تفسيرها في رسم «الأترج».
(٦) غيَّره الفقي إلى «يضعف»، وتبعته طبعة الرسالة.
[ ٤ / ٤٦٦ ]
زبيب
ويذهب بوخامته الحلوُ كالعسل والتَّمر. وفي جمعه - ﷺ - بين التَّمر وبينه من الحكمة إصلاحُ كلٍّ منهما بالآخر.
زبيب (^١): روي فيه حديثان لا يصحَّان. أحدهما: «نعم الطَّعام الزَّبيب! يطيِّب النَّكهة، ويذيب البلغم» (^٢). والثَّاني: «نعم الطَّعام الزَّبيب! يُذْهِب النَّصَبَ، ويشدُّ العصَبَ، ويطفئ الغضب (^٣)، ويصفِّي اللَّون، ويطيِّب النَّكهة» (^٤). وهذا النَّمَط (^٥) لا يصحُّ فيه شيءٌ عن النبي - ﷺ -.
وبعد، فأجود الزَّبيب: ما كبُر جسمُه، وسمِن لحمه وشحمه، ورقَّ (^٦) قشره، ونزع عجمه، وصغر حبُّه.
_________________
(١) كتاب الحموي (ص ٤٣٤ - ٤٣٥).
(٢) أخرجه أبو نعيم في «الطِّبِّ النَّبويِّ» (٣١٨) من حديث أبي هند - ﵁ -. وهو الحديث الآتي بعدَه نفسُه، فلينظر تخريجه. وفي الباب عن عليٍّ - ﵁ -.
(٣) هذه الجملة ساقطة من س.
(٤) أخرجه ابن حبَّان في «المجروحين» (١/ ٣٢٧)، وأبو نعيم في «الطِّبِّ النَّبويِّ» (٣٧١، ٨٠٩)، من طريق سعيد بن زياد بن فائد بن زياد بن أبي هند الدَّاري، عن أبيه زياد، عن أبيه فائد، عن جدِّه زياد بن أبي هند، عن أبيه به. قال ابن حبَّان: «رواه سعيد بن زياد في نسخةٍ كتبناها عنه بهذا الإسناد، تفرَّد بها سعيد بهذا، فلا أدري البليَّة فيها منه أو من أبيه أو من جدِّه؛ لأنَّ أباه وجدَّه لا يُعرف لهما رواية إلَّا من حديث سعيد». وقال ابن الجوزيِّ في «العلل المتناهية» (٢/ ١٦٩): «لا يصحُّ». وحكم الألبانيُّ عليه بالوضع في «السِّلسلة الضَّعيفة» (٥٠٤).
(٥) في النسخ المطبوعة: «أيضًا»، تحريف.
(٦) كأنَّ في الأصل (ف): «دقَّ» بالدال.
[ ٤ / ٤٦٧ ]
وجِرْمُ الزَّبيب حارٌّ رطبٌ في الأولى، وحبُّه باردٌ يابسٌ. وهو كالعنب المتَّخذ منه: الحلو منه حارٌّ، والحامض والقابض (^١) باردٌ، والأبيض أشدُّ قبضًا من غيره.
وإذا أُكِل لحمُه وافق قصبةَ الرِّئة، ونفَع من السُّعال ووجع الكلى والمثانة، ويقوِّي المعدة، ويليِّن البطن. والحلو اللَّحِم أكثر غذاءً من العنب، وأقلُّ غذاءً (^٢) من التِّين اليابس، وله قوَّةٌ منضجةٌ هاضمةٌ قابضةٌ محلِّلةٌ باعتدالٍ. وهو بالجملة يقوِّي المعدة والكبد والطِّحال، نافعٌ من وجع الحلق والصَّدر والرِّئة والكلى والمثانة.
وأعدله (^٣) أن يؤكل بغير حبِّه (^٤). وهو يغذو غذاءً صالحًا، ولا يسدِّد كما يفعل التَّمر. وما أُكِل منه بعجَمه كان أكثر نفعًا للمعدة والكبد والطِّحال. وإذا لُصِق لحمه على الأظافير المتحرِّكة أسرع قلعَها. والحلو منه وما لا عجَم له نافعٌ لأصحاب الرُّطوبات والبلغم، وهو يُخصِب الكبد وينفعها بخاصِّيَّةٍ فيه.
وفيه نفعٌ (^٥) للحفظ. قال الزُّهريُّ: من أحبَّ أن يحفظ الحديث فليأكل
_________________
(١) كذا في النسخ وكتاب الحموي، وفي النسخ المطبوعة: «قابضٌ».
(٢) كذا في جميع النسخ الخطية والمطبوعة. والذي في كتاب الحموي: «جلاء». وهو مأخوذ مما جاء في «المفردات» (٢/ ١٥٣): « جلاؤه أقلُّ من جلاء التين اليابس».
(٣) في كتاب الحموي: «وأغذاه».
(٤) غيَّره الفقي إلى «عجمه»، وكذا في طبعة الرسالة.
(٥) ز: «وهو ينفع».
[ ٤ / ٤٦٨ ]
زنجبيل
الزَّبيب (^١). وكان المنصور يذكر عن جدِّه عبد الله بن عبَّاسٍ: عجَمُه داء وشحمُه (^٢) دواء (^٣).
زنجبيل (^٤): قال تعالى: ﴿وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلًا﴾ [الإنسان: ١٧]. وذكر أبو نعيم في كتاب «الطِّبِّ النَّبويِّ» (^٥) من حديث أبي سعيدٍ الخدريِّ قال: أهدى ملك الرُّوم إلى رسول الله - ﷺ - جرَّةَ زنجبيلٍ، فأطعَم كلَّ إنسانٍ قطعةً، وأطعمني قطعةً.
الزَّنجبيل حارٌّ في الثالثة (^٦)، رطبٌ في الأولى. مسخنٌ معينٌ على هضم
_________________
(١) أخرجه الخطيب في «الجامع لأخلاق الرَّاوي» (١٧٩٥)، ومن طريقه ابن بشكوال في «الآثار المرويَّة في الأطعمة السَّريَّة» (٧٥).
(٢) في النسخ المطبوعة: «ولحمه». وفي كتاب الحموي ومصدر التخريج كما أثبت.
(٣) أخرجته بيبي في «جزئها» (٤٣) من طريق المأمون، عن الرَّشيد، عن المهديِّ، عن المنصور به، ثمَّ قال: هكذا حدَّثني أبي، عن أبيه، عن ابن عبَّاس به.
(٤) كتاب الحموي (ص ٤٣٦ - ٤٣٧).
(٥) برقم (١٦١) والنقل من كتاب الحموي. وأخرجه أيضًا العقيليُّ في «الضُّعفاء» (٣/ ٢٦٧)، والطَّبراني في «الأوسط» (٢٤١٦)، وابن عديٍّ في «الكامل» (٦/ ٢٣٨)، والإسماعيليُّ في «المعجم» (٢/ ٥٤٥)، والحاكم (٤/ ١٣٥). وإسناده ضعيف جدًّا؛ فيه عمرو بن حكَّام، قال أبو زرعة وأبو حاتم كما في «العلل» لابنه (٣/ ٣٢٨): «ليس بقويٍّ» وحكَمَا على حديثه بالنَّكارة، وقال الهيثميُّ في «المجمع» (٥/ ٤٥): «اتُّهم بهذا الحديث، وهو ضعيف»، وقال الذَّهبيُّ في «الميزان» (٣/ ٢٥٤): «هذا منكرٌ من وجوه: أحدهما أنَّه لا يُعرف أنَّ ملك الرُّوم أهدى شيئًا إلى النَّبيِّ - ﷺ -، وثانيهما أنَّ هديَّة الزَّنجبيل منَ الرُّوم إلى الحجاز شيءٌ يُنكره العقل، فهو نظيرُ هديَّة التَّمر منَ الرُّوم إلى المدينة النَّبويَّة».
(٦) حط: «الثانية»، وكذا في النسخ المطبوعة. والصواب ما أثبت، وكذا في كتاب الحموي. ونقل ابن البيطار (٣/ ١٦٨) عن ابن ماسويه أنه حار في آخر الثالثة، رطب في أول الأولى. وعند صاحب «القانون» (١/ ٤٣٩) حار في الثالثة، يابس في الثانية. ومثله في «منهاج البيان» لابن جزلة (ص ٤٥٢).
[ ٤ / ٤٦٩ ]
الطَّعام، مليِّنٌ للبطن تليينًا معتدلًا، نافعٌ من سدد الكبد العارضة عن البرد والرُّطوبة، ومن ظلمة البصر الحادثة عن الرُّطوبة أكلًا واكتحالًا، معينٌ على الجماع، وهو محلِّلٌ للرِّياح الغليظة الحادثة في الأمعاء والمعدة. وبالجملة فهو صالحٌ للكبد والمعدة الباردتَي (^١) المزاج. وإذا أخذ منه مع السُّكَّر وزن درهمين بالماء الحارِّ أسهَلَ فضلًا لَزِجًا لعابيًّا (^٢). ويقع (^٣) في المعجونات الَّتي تحلِّل البلغم وتذيبه.
والمربَّى (^٤) منه حارٌّ يابسٌ. يهيِّج الجماع، ويزيد في المنيِّ، ويُسخن المعدة والكبد، ويعين على الاستمراء، وينشِّف البلغم الغالب على البدن، ويزيد في الحفظ، ويوافق برد الكبد والمعدة، ويزيل بلَّتها الحادثة عن أكل الفاكهة، ويطيِّب النَّكهة، ويدفع به ضرر الأطعمة الغليظة الباردة.
حرف السِّين
سنا: قد تقدَّم.
_________________
(١) حط، ن: «الباردة»، ثم أصلح في ن. وتصحف في ز، س إلى «البارد في».
(٢) في النسخ المطبوعة: «فضولًا لزجة لعابيَّة»، والظاهر أنه من التصرف في المتن. وفي كتاب الحموي كما أثبت من النسخ الخطية. ولفظ «لعابيًّا» ساقط من ن.
(٣) ل: «وينفع». وفي غيرها: «ونفع». وهو تصحيف ما أثبت من كتاب الحموي والنسخ المطبوعة.
(٤) في النسخ المطبوعة: «والمزي»، تحريف.
[ ٤ / ٤٧٠ ]
سفرجل
سنُّوتٌ: تقدَّم (^١) أيضًا. وفيه سبعة أقوالٍ:
أحدها: أنَّه العسل.
الثَّاني: أنَّه رُبُّ عُكَّة السَّمْن يخرج خُطَطًا سوداء على السَّمن.
الثَّالث: أنَّه حبٌّ يشبه الكمُّون، وليس بكمُّونٍ.
الرَّابع: أنَّه الكمُّون (^٢) الكَرْمانيُّ.
الخامس: أنَّه الشِّبِتُّ.
السَّادس: أنَّه التَّمر.
السَّابع: أنَّه الرَّازيانَج (^٣).
سَفَرْجَل (^٤): روى ابن ماجه في «سننه» (^٥): حدثنا (^٦) إسماعيل بن محمد
_________________
(١) في النسخ المطبوعة: «وتقدَّم سنوت أيضًا»، وهذا من تصرُّف بعضهم، وفي الأصل حاشية فوق السطر: «تقدَّم تفسيرهما قبل ٦٤ ورقة في علاج يبس الطبع».
(٢) «وليس الكمون» ساقط من ل لانتقال النظر.
(٣) انظر: كتاب الحموي (ص ١٤٠ - ١٤١)، وقد ذكر ثمانية أقوال مع أسماء ناقليها. والمصنف أيضًا قد أوردها بنصها من قبل (ص ١٠٤ - ١٠٥).
(٤) كتاب الحموي (ص ٥٠٧ - ٥١٠).
(٥) برقم (٣٣٦٩). وإسناده ضعيفٌ، قال ابن مُفلح في «الآداب الشَّرعيَّة» (٣/ ٢٨): «إسناد مجهولٌ، نقيب تفرَّد عنه إسماعيل، وتفرَّد نقيبٌ عن أبي سعيد، وتفرَّد أبو سعيد عن عبد الملك». وينظر: «الميزان» (٤/ ٥٢٩)، و«مصباح الزجاجة» (٤/ ٣٥). وله طرقٌ أخرى عن طلحة وعن غيره لا تصحُّ، ينظر: «العلل المتناهية» (٢/ ١٦٥ - ١٦٦)، و«السِّلسلة الضَّعيفة» (١٤/ ١١٤٩ - ١١٥١).
(٦) حط: «حديث»، وكذا في الطبعات القديمة، فزاد الفقي قبله: «من».
[ ٤ / ٤٧١ ]
الطلحي، عن نُقَيب بن حاجب، عن أبي سعيد، عن عبد الملك الزبيري، عن طلحة بن عبيد الله قال: دخلت على النَّبيِّ - ﷺ -، وبيده سفرجلة، فقال: «دونكها يا طلحة، فإنَّها تُجِمُّ الفؤاد».
ورواه النَّسائيُّ (^١) من طريقٍ آخر، وقال: أتيتُ النَّبيَّ - ﷺ -، وهو في جماعةٍ من أصحابه، وبيده سفرجلةٌ يقلِّبها. فلمَّا جلستُ إليه دحا بها إليَّ، ثمَّ قال: «دونكها أبا ذرّ (^٢)، فإنَّها تشدُّ القلب، وتطيِّب النَّفس، وتذهب بطَخَاء الصَّدر».
وقد روي في السَّفرجل أحاديث أُخَر، هذا أمثلها، ولا يصحُّ (^٣).
والسَّفرجل باردٌ يابسٌ، ويختلف في ذلك باختلاف طعمه. وكلُّه باردٌ وقابضٌ، جيِّدٌ للمعدة. والحلو منه أقلُّ بردًا ويبسًا، وأميل إلى الاعتدال. والحامضُ أشدُّ قبضًا ويبسًا وبردًا. وكلُّه يسكِّن العطش والقيء، ويُدرُّ البول
_________________
(١) لم أقف عليه عند النَّسائي ولم يعزُه الحموي. وأخرجه الدّولابيُّ في «الكنى» (١/ ٢٥)، والطَّبراني في «الكبير» (١/ ١١٧)، وأبو نعيم في «الطِّب النَّبوي» (٣٥٦، ٧٩٢)، وغيرهم من طريق سليمان بن أيُّوب بن سليمان بن عيسى بن موسى بن طلحة بن عبيد الله، قال: حدَّثني أبي، عن جدِّي، عن موسى بن طلحة، عن أبيه طلحة. وصحَّحه يعقوب بن شيبة كما في «تحفة الأشراف» (٤/ ٢١٥)، والضِّياء في «المختارة» (٣/ ٣٩)، لكن في الإسناد من لا يُعرف؛ وبذلك ضعَّفه الألباني في «السلسلة الضعيفة» (١٤/ ١١٥١). وينظر التَّخريج السَّابق.
(٢) كذا في جميع النسخ الخطية والمطبوعة. وفي كتاب الحموي ومصادر التخريج: «أبا محمد»، وهي كنية طلحة بن عبيد الله.
(٣) في ز، ن، والنسخ المطبوعة: «ولا تصح». والمثبت من حط، ل. ولم ينقط حرف المضارع في غيرها.
[ ٤ / ٤٧٢ ]
ويعقل الطَّبع، وينفع من قرحة الأمعاء ونفث الدَّم والهَيْضة (^١)، وينفع من الغثيان، ويمنع من تصاعد الأبخرة إذا استُعمِل بعد الطَّعام. وحُراقة أغصانه وورقه المغسولة كالتُّوتياء في فعله (^٢).
وهو قبل الطَّعام يقبض، وبعده يليِّن الطَّبع ويسرع بإحدار الثُّفل. والإكثارُ منه مضرٌّ بالعصَب، مولِّدٌ للقولنج. ويطفئ المرَّة الصَّفراء المتولِّدة في المعدة. وإن شُوي كان أقلَّ لخشونته وأخفَّ. وإذا قُوِّر وسطُه، ونُزِع حبُّه، وجُعِل فيه العسل، وطيِّن جِرمُه بالعجين، وأودع الرَّمادَ الحارَّ= نفَع نفعًا حسنًا. وأجودُ ما أُكِلَ مشويًّا أو مطبوخًا بالعسل.
وحبُّه ينفع من خشونة الحلق وقصبة الرِّئة وكثيرٍ من الأمراض. ودهنُه يمنع العرق، ويقوِّي المعدة. والمربَّى منه يقوِّي المعدة والكبد، ويشدُّ القلب، ويطيِّب النَّفس.
ومعنى «يُجمُّ (^٣) الفؤاد»: يريحه. وقيل: يفتِّحه ويوسِّعه، من جِمام الماء
_________________
(١) هي استفراغ المواد الفاسدة غير المنهضمة من أعلى وأسفل. انظر: «التنوير» (ص ٥٨) و«حقائق أسرار الطب» (ص ١٤٥).
(٢) غيَّره الفقي إلى «فعلها»، وكذا في طبعة الرسالة. والتوتياء حجر يكتحل بمسحوقه.
(٣) كذا جاء هذا الفعل والأفعال الآتية في تفسيره بالياء في الأصل وغيره وفي مخطوط راغب باشا من كتاب الحموي. وذلك لأن هذا التفسير ذكره الحمويُّ بعد حديث «أطعموا حبالكم السفرجل، فإنه يجم الفؤاد ». والفعل فيه مذكر. والسياق هنا يقتضي تأنيث الفعل كما في النسخ المطبوعة. والتفسير نقله الحموي من «أمالي القالي» (٢/ ٢٨٢). وقد روى القالي عن شيخه أبي بكر ابن الأنباري حديث طلحة بن عبيد الله ــ وفيه: «تُجِمّ» للسفرجلة ــ وتفسيره. والمعنى «يريحه» حكاه ابن الأنباري عن أبي عبد الرحمن بن عائشة. والمعنى الآخر لم يعزه إلى أحد.
[ ٤ / ٤٧٣ ]
سواك
وهو اتِّساعه وكثرته. والطَّخاء للقلب مثلُ الغيم على السَّماء. قال أبو عبيد (^١): الطَّخاء ثِقلٌ وغِشاء (^٢). تقول: ما في السَّماء طَخاءٌ، أي: سحابٌ وظلمةٌ.
سِواك (^٣): في «الصَّحيحين» (^٤) عنه - ﷺ -: «لولا أن أشقَّ على أمَّتي لأمرتُهم بالسِّواك عند كلِّ صلاةٍ».
وفيهما (^٥): أنَّه - ﷺ - كان إذا قام من اللَّيل يشُوص فاه بالسِّواك.
وفي «صحيح البخاريِّ» (^٦) تعليقًا عنه - ﷺ -: «السِّواك مَطْهَرةٌ للفم مَرْضَاةٌ للرَّبِّ».
_________________
(١) في «غريب الحديث» (٣/ ٥٥).
(٢) كذا بالألف الممدودة في جميع النسخ والطبعات القديمة، والصواب: «غَشْيٌ» كما في «غريب الحديث»، ومنه في «الأمالي» (٢/ ٢٧٠) وكتاب الحموي.
(٣) كتاب الحموي (ص ٥٠٤ - ٥٠٧).
(٤) البخاري (٨٨٧) ومسلم (٢٥٢) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.
(٥) البخاري (٢٤٥) ومسلم (٢٥٥) من حديث حذيفة - ﵁ -.
(٦) في كتاب الصَّوم، باب: السِّواك الرَّطب واليابس للصَّائم، عن عائشة بصيغة الجزم. ووصله النَّسائيُّ (٥)، وأحمد (٢٤٢٠٣، ٢٤٣٣٢، ٢٤٩٢٥، ٢٦٠١٤)، وغيرهما. وصحَّحه ابن خزيمة (١٣٥)، وابن حبَّان (١٠٦٧)، والإشبيليُّ في «الأحكام الصُّغرى» (١/ ١١٢)، والنَّوويُّ في «المجموع» (١/ ٢٦٧)، وابن الملقِّن في «البدر المنير» (١/ ٦٨٧)، وحسَّنه ابن عبد البر في «التَّمهيد» (١٨/ ٣٠١)، وابن دقيق العيد في «الإمام» (١/ ٣٣٣). وفي الباب عن أبي بكر وابن عمر وأبي أمامة وأبي هريرة وابن عبَّاس - ﵃ -.
[ ٤ / ٤٧٤ ]
وفي «صحيحٍ مسلم» (^١): أنَّه - ﷺ - كان إذا دخل بيته بدأ بالسِّواك.
والأحاديث فيه كثيرةٌ. وصحَّ عنه (^٢) أنَّه استاك عند موته (^٣). وصحَّ عنه أنَّه قال: «أكثرتُ عليكم في السِّواك» (^٤).
أصلَحُ ما اتُّخِذَ السِّواك من خشب الأراك ونحوه. ولا ينبغي أن يؤخذ من شجرةٍ مجهولةٍ، فربَّما كانت سمًّا. وينبغي القصد في استعماله، فإن بالغ فيه فربَّما أذهب طُلاوةَ الأسنان وصِقالَها، وهيَّأها لقبول الأبخرة المتصاعدة من المعدة والأوساخ. ومتى استعُمِل باعتدالٍ جلا الأسنانَ وقوَّاها (^٥)، وقوَّى العُمُور (^٦)، وأطلق اللِّسان، ومنع الحفر (^٧)، وطيَّب النَّكهة، ونقَّى الدِّماغ، وشهَّى الطَّعام. وأجودُ ما استُعمل مبلولًا بماء الورد.
ومن أنفعه: أصول الجَوز. قال صاحب «التَّيسير» (^٨): زعموا أنَّه إذا
_________________
(١) برقم (٢٥٣) من حديث عائشة - ﵂ -.
(٢) زاد الشيخ الفقي بعده: «من حديث عائشة»، وزاد بعد «عند موته»: «بسواك عبد الرحمن بن أبي بكر». والزيادات في طبعة الرسالة غير «عائشة».
(٣) أخرجه البخاري (٤٤٤٩) من حديث عائشة - ﵂ -.
(٤) أخرجه البخاري (٨٨٨) من حديث أنس.
(٥) «وقوَّاها» ساقط من النسخ المطبوعة.
(٦) جمع عُمْر، وهو لحم اللثة. وفي ل، ن بالغين المعجمة، تصحيف. وفي (حط) بالدال: «العمود»، وكذا في طبعة عبد اللطيف وما بعدها، تصحيف أيضًا. وقد سبق مثله.
(٧) شيء يشبه الخزف يتحجر على أصول الأسنان. انظر: «بحر الجواهر» (ص ١٠١).
(٨) يعني: ابن زُهْر الإشبيلي في كتابه «التيسير الجامع في المداواة والتدبير». انظر: نسخة الزاوية الناصرية (ق ٢/ب). وقد نقل ابن البيطار (١/ ١٧٥) أيضًا كلام ابن زهر. وقد سمَّاه الحموي في كتابه، فلا أدري لماذا أبهمه المصنف.
[ ٤ / ٤٧٥ ]
استاك به المستاكُ كلَّ خامسٍ من الأيَّام نقَّى الرَّأسَ، وصفَّى الحواسَّ، وأحدَّ الذِّهن.
وفي السِّواك عدَّة منافع: يطيِّب الفم، ويشدُّ اللِّثة، ويقطع البلغم، ويجلو البصر، ويذهب بالحفر، ويُصِحُّ المعدة، ويصفِّي الصَّوت، ويعين على هضم الطَّعام، ويسهِّل مجاري الكلام، وينشِّط للقراءة والذِّكر والصَّلاة، ويطرد النَّوم، ويُرضي الرَّبَّ، ويعجب الملائكة، ويكثر الحسنات (^١).
ويستحبُّ في كلِّ وقتٍ. ويتأكَّد عند الصَّلاة، والوضوء، والانتباه من النَّوم، وتغيُّر رائحة الفم. ويستحبُّ للمفطر والصَّائم (^٢) لعموم الأحاديث فيه، ولحاجة الصَّائم إليه، ولأنَّه مرضاةٌ للرَّبِّ، ومرضاته مطلوبةٌ في الصَّوم أشدَّ من طلبها في الفطر؛ ولأنَّه طَهورٌ للفم، والطُّهورُ للصَّائم من أفضل أعماله.
وفي السُّنن (^٣): عن عامر بن ربيعة قال: رأيت رسول الله - ﷺ - ما لا أحصي
_________________
(١) أورد الحموي حديثًا روي عن عطاء عن ابن عباس مرفوعًا: «في السواك عشرة خصال: يطيِّب الفم ». ولما رأى المصنف أن الحديث لا يصح أورد المنافع المذكورة فيه هكذا، وزاد عليها ثلاثًا أخرى.
(٢) في النسخ المطبوعة بعده زيادة: «في كلِّ وقت».
(٣) «سنن أبي داود» (٢٣٦٤)، «سنن التِّرمذيِّ» (٧٢٥). وأخرجه أيضًا أحمد (١٥٦٧٨)، والبزَّار (٣٨١٣)، والدَّارقطنيُّ (٢٣٦٧)، والبيهقيُّ في «الكبرى» (٤/ ٢٧٢)، وعلَّقه البخاريُّ بصيغة التَّمريض في موضعين من كتاب الصَّوم. قال التِّرمذيُّ: «حديث حسن»، وصحَّحه الضِّياء في «المختارة» (٨/ ١٨١ - ١٨٣)، لكن مداره على عاصم بن عبيد الله، قال ابن خزيمة (٣/ ٢٤٧): «أنا بريءٌ من عُهدته»، وقال النَّوويُّ في «الخلاصة» (١/ ٨٧): «ضعَّفه الجمهور، فلعلَّه اعتضد»، وبه ضعَّفه ابن دقيق العيد في «الإمام» (١/ ٣٨٨)، وحسَّنه ابن القطَّان في «الوهم والإيهام» (٣/ ٤٤١)، وابن حجر في «التَّلخيص» (١/ ١٠٢)، لكنَّه قال بعد ذلك (١/ ١١٣): «فيه عاصم وهو ضعيف»، وضعَّفه الألبانيُّ في «الإرواء» (٦٨).
[ ٤ / ٤٧٦ ]
يستاك وهو صائمٌ. وقال البخاريُّ (^١): قال ابن عمر: يستاك أوَّل النَّهار وآخره.
وأجمع النَّاس على أنَّ الصَّائم يتمضمض وجوبًا واستحبابًا، والمضمضة أبلغ من السِّواك. وليس لله ورسوله (^٢) غرضٌ في التَّقرُّب إليه بالرَّائحة الكريهة، ولا هي من جنس ما شُرِع التَّعبد به. وإنَّما ذُكِر طيبُ الخُلوف عند الله يوم القيامة حثًّا منه على الصَّوم، لا حثًّا على إبقاء الرَّائحة؛ بل الصَّائم أحوج إلى السِّواك من المفطر (^٣).
وأيضًا، فإنَّ رضوان الله أكبر من استطابته لخلوف فم الصَّائم.
وأيضًا، فإنَّ محبَّته للسِّواك أعظم من محبَّته لبقاء الخلوف.
وأيضًا، فإنَّ السِّواك لا يمنع طيب الخلوف الذي يزيله السِّواك عند الله يوم القيامة، بل يأتي الصَّائم يوم القيامة وخُلوف فمه أطيَبُ من المسك علامةً
_________________
(١) في كتاب الصَّوم، باب اغتسال الصَّائم. ووصله ابن أبي شيبة (٩٢٤٩) من طريق عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر أنَّه كان يستاك إذا أراد أن يدفع إلى الظُّهر وهو صائم. ووصله أيضًا البيهقيُّ في «الكبرى» (٤/ ٢٧٣) من طريق عبد الله بن نافع مولى ابن عمر، عن أبيه، عن ابن عمر أنَّه كان يستاك وهو صائم. ويُروى مرفوعًا، قال ابن الملقِّن في «البدر المنير» (٥/ ٧٤١): «الصَّحيح وقفه على ابن عمر».
(٢) لم يرد «ورسوله» في النسخ المطبوعة. ولعل بعضهم حذفه.
(٣) هنا حاشية طويلة في (حط) منقولة بخط ناسخها، وأولها: «مما يستدل به على استحباب السواك للصائم كغيره أن الشيء الواحد له حكمان عند الله: أحدهما بالنسبة إلى الدنيا، والثاني بالنسبة إلى الآخرة ». وانظر لهذا النص: «العدة في شرح العمدة» لابن العطار (١/ ١٤٨).
[ ٤ / ٤٧٧ ]
سمن
على صيامه، ولو أزاله بالسِّواك؛ كما أنَّ الجريح يأتي يوم القيامة ولونُ دم (^١) جُرحه لونُ الدَّم، وريحُه ريحُ المسك، وهو مأمورٌ بإزالته في الدُّنيا.
وأيضًا، فإنَّ الخلوف لا يزول بالسِّواك، فإنَّ سببه قائمٌ وهو خلوُّ المعدة عن الطَّعام. وإنَّما يزول أثره، وهو المنعقد على الأسنان واللِّثة.
وأيضًا، فإنَّ النَّبيَّ - ﷺ - علَّم أمَّته ما يستحَبُّ لهم في الصِّيام وما يُكرَه لهم. ولم يجعل السِّواك من القسم المكروه، وهو يعلم أنَّهم يفعلونه. وقد حضَّهم عليه بأبلغ ألفاظ العموم والشُّمول، وهم يشاهدونه يستاك صائمًا (^٢) مرارًا كثيرةً تفوت الإحصاء، ويعلم أنَّهم يقتدون به، ولم يقل لهم يومًا من الدَّهر: لا تستاكوا بعد الزَّوال. وتأخيرُ البيان عن وقت الحاجة ممتنع. والله أعلم.
سَمْن (^٣): روى محمَّد بن جريرٍ الطَّبريُّ بإسناده من حديث صهيب يرفعه: «عليكم بألبان البقر، فإنَّها شفاءٌ، وسمنها دواءٌ، ولحومها داءٌ» (^٤).
_________________
(١) لفظ «دم» ساقط من س، حط.
(٢) في النسخ المطبوعة: «وهو صائم».
(٣) كتاب الحموي (ص ٥١١) نقل منه المادة الطبية.
(٤) أخرجه أبو نعيم في «الطِّبِّ النَّبويِّ» (٣٢٥، ٧٦٦) من طريق الطَّبريِّ. قال ابنُ مفلح تعليقًا على كلام المصنِّفَ في «الآداب الشَّرعيَّة» (٢/ ٣٨٥): «دفَّاع ضعَّفه أبو حاتم ووثَّقه ابن حبَّان، ومحمَّد بن موسى هو ابن بزيغ الجريريُّ، لم أجد له ترجمةً في ثقاتٍ ولا ضعفاءَ، ويخطر على بالي أنَّ العقيليَّ قال: لا يُتابع على حديثه، وباقي الإسنادِ حَسن، وليس هذا الخبرُ بذاك الضَّعيفِ الواهي، وقد ذكر بعضُهم أنَّ هذا الإسنادَ لا يثبُت، كذا قال وفيه نظر». وقال الألبانيُّ في «السلسلة الصحيحة» (٤/ ٥٨٥): «هذا إسنادٌ لا بأس به في الشَّواهد، وهو على شرط ابن حبَّان، فإنَّه وثَّق جميع رجاله، وفي بعضهم خلاف». وفي الباب عن ابن مسعود وابن عبَّاس ومليكة بنت عمرو - ﵄ -. وينظر: «الأجوبة المَرضية» للسخاوي (١/ ٢١ - ٢٥).
[ ٤ / ٤٧٨ ]
رواه عن أحمد بن الحسن التِّرمذيِّ، ثنا محمد بن موسى النسائي، نا دفاع بن دغفل السدوسي، عن عبد الحميد بن صيفي بن صهيب، عن أبيه، عن جدِّه. ولا يثبت هذا (^١) الإسناد.
والسَّمن حارٌّ رطبٌ في الأولى. فيه جلاء يسير، ولطافة، وتفشية الأورام الحادثة في (^٢) الأبدان النَّاعمة. وهو أقوى من الزُّبد في الإنضاج والتَّليين. وذكر جالينوس أنَّه أبرأ به الأورام الحادثة في الأذن وفي الأرنبة (^٣). وإذا دُلِّك به موضعُ الأسنان نبتت سريعًا. وإذا خُلِط مع عسلٍ ولوزٍ مرٍّ جلا ما في الصَّدر والرِّئة والكَيمُوسات (^٤) الغليظة اللَّزجة؛ إلا أنَّه ضارٌّ بالمعدة، سيَّما متى كان مزاج صاحبها بلغميًّا.
وأمَّا سمن البقر والمعز، فإنَّه إذا شُرب مع العسل نفَع من شرب السَّمِّ القاتل، ومن لدغ الحيَّات والعقارب.
وفي كتاب ابن السُّنِّيِّ (^٥) عن عليِّ بن أبي طالبٍ قال: لم يستشف النَّاسُ بشيءٍ أفضل من السَّمن.
_________________
(١) في النسخ المطبوعة: «ما في هذا»، وزيادة «ما في» من تصرُّف بعضهم.
(٢) في النسخ الخطية والمطبوعة: «من»، تصحيف. وفي كتاب الحموي كما أثبت.
(٣) انظر: «مفردات ابن البيطار» (٣/ ٣٥).
(٤) الكيموس: الخلاصة الغذائية، وقد سبق.
(٥) «الطِّب النَّبوي» (ق ٦٤/أ -بواسطة محقِّق «الطب النبوي» لأبي نعيم). وأخرجه أيضًا أبو نعيم (٧٦٧)، وفي إسناده جُويبر ــ وهو ابن سعيد الأزديُّ ــ ضعيف جدًّا، والرَّاوي عنه عيسى بن أشعث مجهولٌ.
[ ٤ / ٤٧٩ ]
سمك
سمك (^١): روى الإمام أحمد وابن ماجه في «سننه» (^٢) من حديث عبد الله بن عمر عن النَّبيِّ - ﷺ - أنَّه قال: «أُحِلَّت لنا ميتتان ودمان: السَّمك والجراد، والكبد والطِّحال».
أصناف السَّمك كثيرة. وأجوده: ما لذَّ طعمه، وطاب ريحه، وتوسَّط مقداره، وكان رقيق القشر، ولم يكُ (^٣) صلب اللَّحم ولا يابسه. وكان في ماءٍ عذبٍ جارٍ على حصباء، ويغتذي بالنَّبات، لا الأقذار. وأصلَحُ أماكنه ما كان في نهرٍ جيِّد الماء. وكان يأوي الأماكنَ (^٤) الصَّخريَّةَ، ثمَّ الرَّمليَّة؛ والمياهَ العذبة الجارية الَّتي لا قذر فيها ولا حمأة، الكثيرةَ الاضطراب والتَّموُّج، المكشوفةَ للشَّمس والرِّياح.
_________________
(١) كتاب الحموي (ص ٥١٢ - ٥١٣).
(٢) «مسند أحمد» (٥٧٢٣)، «سنن ابن ماجه» (٣٢١٨، ٣٣١٤)، من طريق عبد الرَّحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عنه به. وأخرجه أيضًا العقيليُّ في «الضُّعفاء» (٢/ ٣٣١)، والدَّارقطني (٤٧٣٢). قال الإمام أحمد في «العلل ومعرفة الرِّجال» (٢/ ١٣٦): «منكر»، وقال ابن عدي في «الكامل» (٥/ ٣٠٨): «هذا يدور رفعُه على الإخوة الثَّلاثة: عبد الله بن زيد، وعبد الرَّحمن أخوه، وأسامة أخوهما، وأمَّا ابن وهب فإنَّه يرويه عن سليمان بن بلال موقوفًا»، ورجَّح وقفَه أبو زرعة كما في «العلل» (٤/ ٤١١)، والدَّارقطنيُّ في «العلل» (١١/ ٢٦٦، ١٣/ ١٥٧) وقال في «التَّعليقات على المجروحين» (ص ١٦٠): «ليس له إسناد جيِّد البتَّة»، والبيهقيُّ (١/ ٢٥٤، ٩/ ٢٥٧، ١٠/ ٧) وذكر أنَّ له حكمَ الرَّفع، وتبعه النَّووي في «المجموع» (٩/ ٢٣ - ٢٤): «هذا حديثٌ حسن، وهذا الموقوف في حكم المرفوع؛ لأنَّ قول الصحابي: أُحِلَّ لنا كذا، وحُرِّم علينا، ينصرف إلى إحلال النَّبي - ﷺ - وتحريمه».
(٣) ما عدا الأصل (ف)، ز، س: «يكن».
(٤) في النسخ المطبوعة: «إلى الأماكن». وفي كتاب الحموي كما أثبت، وهو صحيح.
[ ٤ / ٤٨٠ ]
والسَّمكُ البحريُّ فاضل محمود لطيف. والطَّريُّ منه بارد رطب عسر الانهضام، يولِّد بلغمًا كثيرًا إلا البحريَّ وما يجري مجراه فإنَّه يولِّد خِلْطًا محمودًا. وهو يُخصب البدن، ويزيد في المنيِّ، ويصلح الأمزاج (^١) الحارَّة.
فأمَّا المالح، فأجوده ما كان قريب العهد بالتَّملُّح. وهو حارٌّ يابسٌ، وكلَّما تقادم عهده ازداد حرُّه ويبسُه. والسِّلَّور منه كثير اللُّزوجة، ويسمَّى الجِرِّيَّ واليهود لا تأكله. وإذا أُكِل طريًّا كان مليِّنًا للبطن. وإذا مُلِّح وعتِّق وأُكِل صفَّى قصبةَ الرِّئة، وجوَّد الصَّوتَ. وإذا دُقَّ ووُضِع من خارجٍ أخرجَ السُّلَّاءَ والنُّصول (^٢)
من عمق البدن، من طريق أنَّ له قوَّةً جاذبةً.
_________________
(١) غيَّره الفقي إلى «الأمزجة»، وكذا في طبعة الرسالة.
(٢) في جميع النسخ الخطية والمطبوعة: «السلا والفضول»، وكذا في كتاب الحموي مخطوطه ومطبوعه و«الآداب الشرعية» (٣/ ١٥٣). وأثبتت طبعة الرسالة: «السَّلَى»، وفسَّرته بمعنى الجلد الرقيق الذي يخرج فيه الولد من بطن أمه ملفوفًا فيه. وقد سبق أن أثبتها وفسَّرها كذا الشيخ عبد الغني عبد الخالق في نشرته للطب النبوي، وقال في تعليقه: «في الأصل والزاد: السلا، والظاهر أنه مصحف عنه أو رسم آخر له (كالضحى)، لا محرَّف عن السلاء بالمد وتشديد اللام: شوك النخل، فتأمل ». قلت: أما «السَّلَى» بمعنى المشيمة فرسمه في المصادر بالياء والألف جميعًا، ومن هنا حصل اللبس. وما أنكره هو الصواب هنا. فالسُّلَّاء: شوك النخل. ولا تحريف فيه في النسخ. والكلمة الثانية هي التي تصحفت، والصواب ما أثبت، وهو جمع النَّصْل. نقل ابن البيطار (١/ ١٦١) عن ابن ماسه أن الجرّي «إذا جفِّف لحمه ودُقَّ وتضمد به استخرج النصول والزجاج من الأبدان، وله جذب شديد». وقال جالينوس: «قوته قوة جاذبة. وإذا قُدِّد ودُقَّ ووضع من خارج أخرج السُّلَّاءَ». وانظر فيه قول ديسقوريدوس أيضًا. وانظر: «الحاوي» (٦/ ٢٢٠، ٢٢٣) .. وأشياء أخرى من النبات وغيره تمتاز بهذه الخاصية. فذكروا أن الموم الأسود فيه جذب من العمق شديد، فيجذب السلاء والشوك. انظر: «القانون» (١/ ٥٦٢). وفي «الحاوي» (٦/ ٢٩٨) أن أصل القصب المعروف إذا تضمد به وحده أو مع السرخس جذب من اللحم أزِجَّةَ النُّشَّاب وشظايا الخشب والقصب والسُّلَّاء». والأزجَّة جمع الزُّجِّ وهو الحديدة في أسفل الرمح. وانظر: «الحاوي» (٦/ ٥٩، ١٣٣، ٢٦٠، ٢٨٤، ٢٩٩، ٣٧٣) و«القانون» (١/ ٤٥٥، ٥٠٨).
[ ٤ / ٤٨١ ]
سلق
وماءُ ملحِ الجِرِّيِّ المالح إذا جلس فيه من كانت به قرحة الأمعاء في ابتداء العلَّة وافقَه بجذبه الموادَّ إلى ظاهر البدن. وإذا احتقن به أبرأ من عرق النَّسا.
وأجود ما في السَّمكة: ما قرب من مؤخَّرها. والطَّريُّ السَّمين منه يُخصب البدنَ لحمُه وودَكُه. وفي «الصَّحيحين» (^١) من حديث جابر بن عبد الله قال: بعثنا النَّبيُّ - ﷺ - في ثلاثمائة راكبٍ، وأميرنا أبو عبيدة بن الجرَّاح، فأتينا السَّاحل، فأصابنا جوعٌ شديدٌ حتَّى أكلنا الخبَطَ، فألقى لنا البحر حوتًا يقال لها: العنبر. فأكلنا منه نصف شهرٍ، وائتدمنا بودَكه، حتَّى ثابت أجسامنا. فأخذ أبو عبيدة ضِلَعًا من أضلاعه، وحمل رجلًا على بعيره، ونصَبه، فمرَّ تحته.
سِلْق (^٢): روى الترمذي وأبو داود (^٣) عن أم المنذر قالت: دخل عليَّ رسول الله - ﷺ -، ومعه علي، ولنا دوالٍ معلَّقةٌ. قالت: فجعل رسول الله - ﷺ - يأكل وعليٌّ معه يأكل. فقال رسول الله - ﷺ -: «مَهْ يا عليٌّ، فإنَّك ناقِهٌ». قالت:
_________________
(١) البخاري (٤٣٦١) ومسلم (١٩٣٥).
(٢) «منهاج البيان» لابن جزلة (ص ٤٨٩).
(٣) «جامع التِّرمذيِّ» (٢٠٣٧)، «سنن أبي داود» (٣٨٥٦). وأخرجه أيضًا ابن ماجه (٣٤٤٢)، وأحمد (٢٧٠٥١ - ٢٧٠٥٣). وقد تقدَّم تخريجه.
[ ٤ / ٤٨٢ ]
شونيز
شبرم
فجعلتُ لهم سِلْقًا وشعيرًا. فقال النَّبيُّ - ﷺ -: «يا عليُّ، من هذا فأصِبْ، فإنَّه أوفق لك». قال الترمذي: حديث حسن غريب.
السِّلق حارٌّ يابسٌ في الأولى، وقيل: رطبٌ فيها. وقيل: مركَّبٌ منهما. وفيه بُورَقيَّة (^١) ملطِّفةٌ وتحليلٌ وتفتيحٌ. وفي الأسود منه قبضٌ، ونفعٌ من داء الثَّعلب والكلَف والحَزَاز والثَّآليل إذا طُلي بمائه. ويقتل القَمْل، ويطلى به القُوباء (^٢) مع العسل، ويفتِّح سُدَدَ الكبد والطِّحال. وأسوده يعقل البطن، ولا سيَّما مع العدس، وهما رديئان. والأبيض: يليِّن مع العدس. ويحقن بمائه للإسهال، وينفع من القُولَنج مع المُرِّيِّ (^٣) والتَّوابل. وهو قليل الغذاء، رديء الكَيموس، يُحرِق الدَّم. ويصلحه الخلُّ والخردل. والإكثار منه يولِّد القبض والنَّفخ.
حرف الشِّين
شُونيز: هو الحبَّة السَّوداء، وقد تقدَّم في حرف الحاء.
شُّبْرُم (^٤): روى الترمذي وابن ماجه في «سننهما» (^٥) من حديث أسماء
_________________
(١) في النسخ المطبوعة: «برودة»، وهو تحريف ما أثبتنا من النسخ الخطية ومصدر النقل. وانظر: «الحاوي» (٦/ ٢٢٤) و«القانون» (١/ ٥٩٨). والبُورقيّة من البُورَق، وهو ملح يتولَّد من الأحجار السبخة، وقد يتركب منها ومن الماء. انظر: «تذكرة داود» طبعة صبيح (١/ ٨١). وفي «الحاوي» (٢/ ٣٩٦): «وكل ما كان في طعمه بُورقيَّة أو ملوحة، فإنَّ معها تلطيفًا وتليينًا للبطن».
(٢) تقدم تفسيرها.
(٣) المُرِّيُّ: إدام كالكامَخ يؤتدم به. انظر طريقة اتخاذه في «حقائق أسرار الطب» (ص ٢٦٢).
(٤) كتاب الحموي (ص ٥٣٩ - ٥٤٠).
(٥) «جامع التِّرمذيِّ» (٢٠٨١)، «سنن ابن ماجه» (٣٤٦١). وقد تقدَّم تخريجه.
[ ٤ / ٤٨٣ ]
بنت عميس قالت: قال رسول الله - ﷺ -: «بماذا كنت تستمشين؟». قالت: بالشُّبْرُم. قال: «حارٌّ يارٌّ (^١)».
الشُّبرم شجرٌ صغيرٌ وكبيرٌ كقامة الرَّجل أو أرجح. له قضبانٌ حُمْرٌ ملمَّعةٌ ببياضٍ، وفي رؤوس قضبانه جُمَّةٌ من ورقٍ. وله نَورٌ صغارٌ أصفر إلى البياض يسقط، ويخلفه مَراوِدُ صغارٌ، فيها حبٌّ صغيرٌ مثل البُطْمِ (^٢) في قدره، أحمر اللَّون. ولها عروقٌ عليها قشورٌ حمرٌ. والمستعمل منه قشر عروقه ولبن قضبانه.
وهو حارٌّ يابسٌ في الدَّرجة الرَّابعة. يسهِّل السَّوداء والكَيْمُوسات الغليظة والماء الأصفر والبلغم، مُكْرِبٌ مُغَثٍّ. والإكثار منه يقتل. وينبغي إذا استعمل أن يُنقَع في اللَّبن الحليب يومًا وليلةً، ويغيَّر عليه اللَّبن في اليوم مرَّتين أو ثلاثًا، ويُخرَج ويجفَّف في الظِّلِّ، ويخلط معه الورد والكَثِيراء (^٣)، ويشرب بماء العسل أو عصير العنب. والشَّربة منه ما بين أربعة دوانيق إلى دانقين على حسب القوَّة. وقال حُبَيش (^٤): أمَّا لبن الشُّبرم فلا خير فيه. ولا أرى شربه
_________________
(١) حط: «بارد». وفي ن: «يابس»، وكلاهما تحريف. وقد ضرب بعضهم في ن على الكلمة وكتب فوقها: «جار» وقال في هامشها: «قد تقدم أن الأول حارٌّ بالحاء والثاني جارٌّ بالجيم». قلت: وقد سبق (ص ١٠٢) أنه روي على الوجهين: «جارٌّ ويارٌّ». وكان في النسخ المطبوعة: «يارٌّ» على الصواب، فغيَّرته طبعة الرسالة إلى «جارٌّ»!
(٢) شجرة الحبة الخضراء.
(٣) صمغ يؤخذ من شوك القتاد.
(٤) ف، ز، س: «حنين» وكذا في مخطوطة «شفاء الآلام» (١٠٣/ب). وفي ل، ن: «حسين»، وكلاهما تصحيف ما أثبت من كتاب الحموي. وهو حبيش بن الحسن الدمشقي، تلميذ حنين وابن أخته. ومن كتبه: «إصلاح الأدوية المسهلة»، و«الأدوية المفردة». والكلام الذي نقله المصنف من كتاب الحموي ورد ضمن نصٍّ طويل أورده ابن البيطار (٣/ ٥٢) عن «حبيش بن الحسن». وقد وقع في طبعة بولاق تحريف يفهم منه أن معظم النص المذكور لغير حبيش. انظر لتصحيحه: نسخة شستربيتي من «المفردات» (٢٠٦/ب).
[ ٤ / ٤٨٤ ]
شعير
البتَّة، فقد قتل به أطبَّاءُ الطُّرقات كثيرًا من النَّاس (^١).
شعير (^٢): روى ابن ماجه (^٣) من حديث عائشة قالت: كان رسول الله - ﷺ - إذا أخذ أحدًا من أهله الوعَكُ أمرَ بالحِساء من الشَّعير، فصُنِعَ. ثمَّ أمَرهم فحَسَوا منه. ثمَّ يقول: «إنَّه ليَرْتُو فؤاد الحزين، ويَسْرُو عن فؤاد السَّقيم، كما تَسْرو إحداكنَّ الوسخ بالماء عن وجهها». ومعنى «يرتو»: يشدُّه ويقوِّيه. و«يسرو»: يكشف ويزيل (^٤).
قد تقدَّم أنَّ هذا هو ماء الشَّعير المغليِّ، وهو أكثر غذاءً من سويقه. وهو نافعٌ للسُّعال وخشونة الحلق، صالحٌ لقمع حدَّة الفضول، مُدِرٌّ للبول، جلاءٌ لما في المعدة، قاطعٌ للعطش، مطفئٌ للحرارة. وفيه قوَّةٌ يجلو بها ويلطِّف ويحلِّل.
_________________
(١) انظر نحوه في «الحاوي» (٢/ ٣٢٨).
(٢) كتاب الحموي (ص ٥٤٠ - ٥٤١).
(٣) برقم (٣٤٤٥) من طريق محمَّد بن السَّائب بن بركة، عن أمِّه، عنها به. وأخرجه أيضًا التِّرمذي (٢٠٣٩)، والنَّسائي في «الكبرى» (٧٥٢٩)، وأحمد (٢٤٠٣٥). لكن ليس عندهم جميعًا لفظة: «من الشَّعير»، والمصنف صادر عن كتاب الحموي، ولم أقف على أحدٍ أخرجها. قال التِّرمذيُّ: «هذا حديث حسن صحيح». ووالدةُ محمد بن السَّائب انفرد بالرِّواية عنها ابنُها.
(٤) نقل هذا التفسير أبو عبيد في «غريب الحديث» (١/ ٢٢٧ - ٢٢٨) عن الأصمعي، كما في كتاب الحموي. وانظر: «تهذيب اللغة» (١٣/ ٣٩).
[ ٤ / ٤٨٥ ]
شواء
وصفته: أن يؤخذ من الشَّعير الجيِّد المرضوض مقدارٌ، ومن الماء الصَّافي العذب خمسة أمثاله، ويلقى في قدرٍ نظيفٍ، ويطبخ بنارٍ معتدلةٍ إلى أن يبقى منه خُمساه، ويصفَّى، ويستعمل منه مقدارُ الحاجة محلًّى (^١).
شِواء: قال الله تعالى في ضيافة خليله إبراهيم لأضيافه: ﴿أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ (٦٩) فَلَمَّا﴾ [هود: ٦٩] والحنيذ: المشويُّ على الرَّضْف، وهي الحجارة المُحْماة.
وفي «الترمذي» (^٢) عن أم سلمة أنَّها قرَّبت إلى النبي - ﷺ - جَنبًا مشويًّا، فأكل منه، ثمَّ قام إلى الصَّلاة، وما توضَّأ. قال الترمذي: حديث صحيح.
وفيه (^٣) أيضًا عن عبد الله بن الحارث قال: أكلنا مع رسول الله - ﷺ - شواءً
_________________
(١) ل: «نهلًا»، وكأنه إصلاح من الناسخ. لأنَّ رسمها في النسخ الأخرى بالألف: «محلًّا». وكذا في النسخ المطبوعة، والصواب ما أثبت من التحلية، وقد ضبطت الميم بالضم في س. والسياق في كتاب الحموي: « ويصفَّى ويحلَّى ويستعمل منه مقدار الحاجة».
(٢) برقم (١٨٢٩). وأخرجه أيضًا النَّسائيُّ في «الكبرى» (٤٦٧٢)، وأحمد (٢٦٦٢٢)، وغيرهما. وفي إسناده بعضُ الاختلاف. قال التِّرمذي: «هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه»، وصحَّحه ابن عبد البر في «التَّمهيد» (٣/ ٣٢٩)، وابن الملقِّن في «التَّوضيح» (٢٦/ ١٢٠).
(٣) أشار إليه التِّرمذي في الشَّواهد عقبَ الحديث (١٨٢٩) فقال: «وفي الباب عن عبد الله بن الحارث، والمغيرة، وأبي رافع»، وهو في «الشَّمائل» (١٦٦) من طريق ابن لهيعة، عن سليمان بن زياد الحضرميِّ، عنه به. وأخرجه أيضًا ابن ماجه (٣٣١١)، وأحمد (١٧٧٠٢، ١٧٧٠٩)، وغيرهما. قال البوصيريُّ في «المصباح» (٤/ ١٩): «هذا إسناد ضعيف؛ لضعف ابن لهيعة»، لكنَّ الرَّاوي عنه في «الشَّمائل» هو قتيبة بن سعيد، وروايته عنه قويَّة.
[ ٤ / ٤٨٦ ]
شحم
في المسجد.
وفيه (^١) أيضًا عن المغيرة بن شعبة قال: ضِفْتُ مع رسول الله - ﷺ - ذات ليلةٍ، فأمر بجنبٍ، فشُوي، ثمَّ أخذ الشَّفرة، فجعل يحزُّ لي بها منه. قال: فجاء بلال يُؤْذنه للصَّلاة (^٢)، فألقى الشَّفرة، فقال: ما له تربت يداه!
أنفعُ الشِّواء: شواء الضَّأن الحوليِّ، ثمَّ العجل اللَّطيف السَّمين. وهو حارٌّ رطبٌ إلى اليبوسة، كثير التَّوليد للسَّوداء. وهو من أغذية الأقوياء والأصحَّاء والمرتاضين.
والمطبوخ أنفع، وأخفُّ على المعدة، وأرطب منه ومن المطجَّن (^٣). وأرداه (^٤): المشويُّ في الشَّمس. والمشويُّ على الجمر خيرٌ من المشويِّ باللَّهب (^٥) وهو الحنيذ (^٦).
شحم: ثبت في «المسند» (^٧) عن أنس أنَّ يهوديًّا أضاف النبيَّ - ﷺ -، فقدَّم
_________________
(١) أشار إليه أيضًا في الشَّواهد عقبَ الحديث (١٨٢٩)، وهو في «الشَّمائل» (١٦٧). وأخرجه أيضًا أبو داود (١٨٨)، والنَّسائي في «الكبرى» (٦٦٢١)، وأحمد (١٨٢١٢)، وغيرهم. وصحَّح إسناده ابن مفلح في «الآداب الشَّرعيَّة» (٣/ ٢١٣)، والألبانيُّ في «صحيح سنن أبي داود» (١٨٣).
(٢) كذا في جميع النسخ. وفي المصادر عمومًا: «بالصلاة».
(٣) هو المقليّ بالطاجن.
(٤) يعني: «وأردؤه».
(٥) س، ل: «على اللهب».
(٦) لم أقف على مصدر المصنف في هذا الفصل.
(٧) برقم (١٢٨٦١). وهو عند البخاريِّ (٢٠٦٩) عن أنس - ﵁ - بلفظ: «مشيت إلى النَّبيِّ - ﷺ - بخبزِ شعير وإهالة سنِخة».
[ ٤ / ٤٨٧ ]
له خبزَ شعيرٍ وإهالةً سَنِخةً. والإهالة: الشَّحم المذاب أو الألية. والسَّنِخة: المتغيِّرة.
وثبت في الصَّحيح عن عبد الله بن مغفَّلٍ قال: دُلِّي جِرابٌ من شحمٍ يومَ خيبر، فالتزمته، وقلت: والله لا أعطي أحدًا منه شيئًا. فالتفتُّ، فإذا رسول الله - ﷺ - يضحك. ولم يقُل شيئًا (^١).
أجود (^٢) الشَّحم: ما كان من حيوانٍ مكتملٍ. وهو حارٌّ رطبٌ. وهو أقلُّ رطوبةً من السمين (^٣)، ولهذا لو أذيب الشَّحم والسَّمين كان الشَّحم أسرع جمودًا. وهو ينفع من خشونة الحلق، ويرخي، ويعفِّن (^٤). ويُدفَع ضررُه باللَّيمون المملوح والزَّنجبيل (^٥).
وشحم المعز أقبض الشُّحوم. وشحمُ التُّيوس أشدُّ تحليلًا، وينفع من
_________________
(١) أخرجه البخاري (٣١٥٣) ومسلم (١٧٧٢).
(٢) س: «وأجود».
(٣) في جميع النسخ الخطية والمطبوعة هنا وفي الجملة التالية، وفي «الآداب الشرعية» (٣/ ٨٤): «السمن»، وهو تصحيف ما أثبتنا من «منهاج البيان»، وعنه صدر المصنف. في «الحاوي» (٦/ ٢٤٢): «الفرق بين السمين والشحم في الغلظ. ولذلك صار ما كان من الحيوان جملةُ طبعه وجوهره أرضي فإنَّما يتولَّد فيه الشحم. وما كان رطبًا فالذي يتولَّد فيه هو السمين. ولذلك صار السمين يذوب بالنار سريعًا ولا يجمد بعدما يذوب. والشحم ليس بذوب بسهولة. وجميع الحيوانات الرطبة المزاج فإنها إذا سمنت تحمل من السمين أكثر مما تحمل من الشحم ».
(٤) في «منهاج البيان»: «يغثِّي ويتدخَّن».
(٥) هذه الفقرة مأخوذة من «منهاج البيان» لابن جزلة (ص ٥١٦) رسم «الشحم».
[ ٤ / ٤٨٨ ]
صلاة
قروح الأمعاء. وشحم العنز (^١) أقوى في ذلك. ويحتقن به للسَّحْج والزَّحير (^٢).
حرف الصَّاد
صلاة: قال الله تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٥]، وقال: ﴿(١٥٢) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ﴾ [البقرة: ١٥٣]. وقال تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ [طه: ١٣٢].
وفي السُّنن (^٣): كان رسول الله - ﷺ - إذا حَزَبه أمرٌ فزع إلى الصَّلاة.
وقد تقدَّم ذكر الاستشفاء بالصَّلاة من عامَّة الأوجاع قبل استحكامها.
والصَّلاة مَجْلبةٌ للرِّزق، حافظةٌ للصِّحَّة، دافعةٌ للأذى، مَطْرَدةٌ للأدواء، مقوِّيةٌ للقلب، مفرِّحةٌ للنَّفس، مُذْهبةٌ للكسل، منشِّطةٌ للجوارح، ممدَّةٌ للقوى، شارحةٌ للصَّدر، مغذِّيةٌ للرُّوح، منوِّرةٌ للقلب، مبيِّضةٌ للوجه، حافظةٌ للنِّعمة، دافعةٌ للنِّقمة، جالبةٌ للبركة، مبعدةٌ من الشَّيطان، مقرِّبةٌ من الرَّحمن.
وبالجملة، فلها تأثيرٌ عجيبٌ في حفظ صحَّة البدن والقلب وقواهما، ودفع الموادِّ الرَّديَّة عنهما. وما ابتلي رجلان بعاهةٍ أو داءٍ أو محنةٍ أو بليَّةٍ إلا وكان حظُّ المصلِّي منهما أقلَّ وعاقبته أسلم.
_________________
(١) ز، حط: ««المعز». وفي مصدر النقل ما أثبت.
(٢) السَّحْج والزَّحير كلاهما من أمراض الأمعاء. انظر: «حقائق أسرار الطب» (ص ١٤٤ - ١٤٥). وهذه الفقرة أيضًا مأخوذة من كتاب ابن جزلة (ص ٥١٧) رسم «شحم المعز».
(٣) «سنن أبي داود» (١٣١٩) من حديث حذيفة - ﵁ -، ولفظه: «إذا حزبه أمرٌ صلَّى». وأخرجه باللَّفظ الذي ذكره المصنِّف الطَّبريُّ في «تفسيره» (١/ ٦١٨). وقد تقدَّم تخريجه.
[ ٤ / ٤٨٩ ]
صبر
وللصَّلاة تأثيرٌ عجيبٌ في دفع شرور الدُّنيا، ولا سيَّما إذا أعطيت حقَّها من التَّكميل ظاهرًا وباطنًا. فما استُدْفِعت شرورُ الدَّارين ولا استُجْلِبت مصالحُهما بمثل الصَّلاة. وسرُّ ذلك أنَّ الصَّلاة صلةٌ بالله ﷿، وعلى قدر صلة العبد بربِّه تُفتَح عليه من الخيرات أبوابُها، وتُقْطَع عنه من الشُّرور أسبابُها، وتفيض عليه موادُّ التَّوفيق من ربِّه ﷿. والعافية والصِّحَّة، والغنيمة والغنى، والرَّاحة والنَّعيم، والأفراح والمسرَّات= كلُّها مُحْضَرةٌ لديه ومسارعةٌ إليه (^١).
صَبْر: الصَّبر نصف الإيمان، فإنَّه ماهيَّةٌ مركَّبةٌ من صبرٍ وشكرٍ، كما قال بعض السَّلف: الإيمان نصفان: نصفٌ صبرٌ ونصفٌ شكرٌ (^٢). قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ [إبراهيم: ٥].
والصَّبر من الإيمان بمنزلة الرَّأس من الجسد. وهو ثلاثة أنواعٍ (^٣): صبرٌ
_________________
(١) وانظر في تأثير الصلاة ومنافعها ما سبق في (ص ٢٩٩ - ٣٠١). ولعل مصدر المصنف في مادة هذا الفصل ما أشار إليه في «مفتاح دار السعادة» (٢/ ٧١٢) إذ قال: «ولقد رأيت في بعض كتب الأطباء المسلمين في ذكر الأدوية المفردة ذكر الصلاة، ذكرها في باب الصاد ».
(٢) عزاه المصنف في «عدة الصابرين» (ص ٢٠٥) إلى ابن مسعود، وعقد عليه بابًا كاملًا. ويُروى نحو هذا الكلام عن الشَّعبيِّ موقوفًا، ينظر: «الجامع لأحكام القرآن» (٩/ ٣٤٢). وأخرجه الخرائطيُّ في «الشُّكر» (١٨)، والقضاعيُّ في «مسند الشِّهاب» (١٥٩)، والبيهقيُّ في «الشُّعب» (٩٢٦٤)، عن أنس مرفوعًا، وفي سنده يزيد بن أبان الرَّقَاشيُّ وهو ضعيف، وينظر: «السِّلسلة الضَّعيفة» (٦٢٥).
(٣) باعتبار متعلَّقه، وعقد المصنف عليه الباب السابع من كتابه «عدة الصابرين» (ص ٤٨) وذكر فيه هذه الأنواع الثلاثة عن علي بن أبي طالب (ص ١٢٨). وانظر: «التبيان في أيمان القرآن» (ص ١٣٦ - ١٣٧).
[ ٤ / ٤٩٠ ]
على فرائض اللَّه فلا يضيِّعها، وصبرٌ عن محارمه فلا يرتكبها، وصبرٌ على أقضيته وأقداره فلا يتسخَّطها. ومن استكمل هذه المراتب الثَّلاث استكمل الصَّبرَ. ولذَّةُ الدُّنيا والآخرة ونعيمُهما والفوزُ والظَّفرُ فيهما لا يصل إليه أحدٌ إلا على جسر الصَّبر، كما لا يصل إلى الجنَّة إلا على الصِّراط. قال عمر بن الخطَّاب: خيرُ عيشٍ أدركناه بالصَّبر (^١).
وإذا تأمَّلت مراتب الكمال المكتسَب في العالم رأيتها كلَّها منوطةً بالصَّبر. وإذا تأمَّلت النُّقصان الذي يُذمُّ صاحبُه عليه ويدخل تحت قدرته رأيتَه كلَّه من عدم الصَّبر. فالشَّجاعة والعفَّة والجود والإيثار كلُّه صبر ساعةٍ.
فالصَّبرُ طِلَّسمٌ على كنز العلى مَن حلَّ ذا الطِّلَّسمَ فاز بكنزه (^٢)
وأكثر أسقام البدن والقلب إنَّما تنشأ عن عدم الصَّبر. فما حُفِظت صحَّة
_________________
(١) علَّقه البخاريُّ في كتاب الرِّقاق، باب الصَّبر عن محارم الله، عن عمرَ بصيغة الجزم، ولفظه: «وجدنا خيرَ عيشنا بالصَّبر». ووصله ابن المبارك في «الزُّهد» (٥٨٥)، ووكيع في «الزُّهد» (١٩٨)، وأحمد في «الزُّهد» (٦١٢)، من طريق مجاهد عن عمر. ووصله أيضًا ابن أبي الدُّنيا في «الصَّبر» (٦) من طريق أبي عبيدة، عن ابن مسعود، عن عمر.
(٢) قبله في (حط) وحدها: نزِّه فؤادَك عن سِوانا وَأْتِنا فجَنابُنا حِلٌّ لكلِّ منزِّهِ وقد أنشد المصنِّف البيتين في «طريق الهجرتين» (٢/ ٥٧٩) و«الفوائد» (ص ٤٢، ١١٢) وفيهما: «طِلَّسمٌ لكنز وصالنا». وفي «مدارج السالكين» (٣/ ٢٣٥): «لكنز لقائنا»، ولعلَّه مغيَّر. أما هنا فالظاهر أنَّ المؤلف هو الذي تصرَّف فيه لسياق الكلام، كما تصرَّف فيهما لتضمينهما أبياته في تدبُّر القرآن. انظر: «المدارج» (١/ ٥٣٥). والظاهر أنهما من شعر بعض الشعراء المتصوفة.
[ ٤ / ٤٩١ ]
صبر
القلب والبدن والرُّوح بمثل الصَّبر. فهو الفاروق الأكبر (^١)، والتِّرياق الأعظم. ولو لم يكن فيه إلا معيَّةُ الله مع أهله فإنَّ الله مع الصَّابرين، ومحبَّتُه لهم فإنَّ الله يحبُّ الصَّابرين، ونصرُه لأهله فإنَّ النَّصر مع الصَّبر، وأنَّه خيرٌ لأهله ﴿وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ﴾ [النحل: ١٢٦]، وأنَّه سبب الفلاح ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ٢٠٠].
صَبِر (^٢): روى أبو داود في كتاب «المراسيل» (^٣) من حديث قيس بن رافع القيسي أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: «ماذا في الأمرَّين من الشِّفاء! الصَّبِر والثُّفَّاء». وفي «السُّنن» لأبي داود (^٤) من حديث أم سلمة قالت: دخل عليَّ
_________________
(١) «الترياق الفاروق» أجلُّ أنواع الترياقات. انظر منافعه وطريقة تركيبه في «القانون» (٣/ ٣٩٩).
(٢) لم أقف على مصدر المصنِّف، ولكن المادة الطبية مأخوذة من «القانون» (١/ ٦٤١) بواسطة فيما يظهر. وابن مفلح في «الآداب الشرعية» (٣/ ١٤٠) لم يصدر هنا عن كتابنا، بل نقل من «منهاج ابن جزلة».
(٣) برقم (٤٤٢) من طريق اللَّيث، عن الحسن بن ثوبان، عن قيس به. وقد تقدَّم تخريجه.
(٤) برقم (٢٣٠٥). وأخرجه أيضًا النسائيُّ (٣٥٣٧). وسيأتي قول المصنِّف (٦/ ٣٥٩): «أقلُّ درجاته أن يكونَ حسنًا»، وحسَّن إسنادَه أيضًا ابن حجر في «البلوغ» (١١١٨)، مع أنَّه مسلسلٌ بالمجاهيل، وقد ضعَّفه ابن حزم في «المحلَّى» (١٠/ ٦٦)، وقال عبد الحقِّ في «الأحكام الوسطى» (٣/ ٢٢٣): «ليس لهذا الحديث إسناد يُعرف»، وضعَّفه المنذري في «مختصر السُّنن» (٣/ ٢٠٢)، وهو في «ضعيف سنن أبي داود» (٣٩٥).
[ ٤ / ٤٩٢ ]
صوم
رسولُ الله - ﷺ - حين توفِّي أبو سلمة، وقد جعلتُ عليَّ صَبِرًا، فقال: «ما هذا (^١) يا أمَّ سلمة؟». فقلت: إنَّما هو صَبِرٌ يا رسول اللَّه، ليس فيه طيبٌ. قال: «إنَّه يشُبُّ الوجه، فلا تجعليه إلا باللَّيل». ونهى عنه بالنَّهار.
الصَّبِرُ كثير المنافع، ولا سيَّما (^٢) الهنديُّ منه. ينقِّي الفضول الصَّفراويَّة الَّتي في الدِّماغ وأعصاب البصر. وإذا طُلي على الجبهة والصُّدغ بدهن الورد نفَع من الصُّداع. وينفع من قروح الأنف والفم، ويُسْهل السَّوداء والمالنخوليا (^٣).
والصَّبِرُ الفارسيُّ (^٤) يُذكي العقل، ويُحِدُّ (^٥) الفؤاد، وينقِّي الفضول الصَّفراويَّة والبلغميَّة من المعدة إذا شُرِب منه ملعقتان بماءٍ، ويردُّ الشَّهوة الباطلة والفاسدة. وإذا شُرِب في البرد خيف أن يُسْهِل دمًا.
صوم: الصَّوم جُنَّةٌ من أدواء الرُّوح والقلب والبدن. منافعه تفوت الإحصاء. وله تأثير عجيب في حفظ الصِّحَّة، وإذابة الفضلات، وحبس
_________________
(١) في النسخ المطبوعة: «ما ذا».
(٢) ل، ن: «لاسيما» دون الواو قبلها.
(٣) ويقال بالياء مكان النون كما في حط، ن. وهو ضرب من الجنون. انظر: «القانون» (٢/ ١٠٣) و«حقائق أسرار الطب» (ص ١٢٤). وهي كلمة يونانية أصل معناها السوداء. انظر: «القول الأصيل» للدكتور ف. عبد الرحيم (ص ٢١١).
(٤) كذا في «القانون»، ولم أجد ذكر الصبر الفارسي في غيره. وقارنه بما ورد في «الحاوي» (٦/ ٢٥٥).
(٥) في النسخ الخطية والمطبوعة ومخطوطة «شفاء الآلام» (١٠٦/أ): «يمد»، تصحيف. وفي «الحاوي» (٦/ ٢٥٥): «يزيد الفؤاد حدَّةً».
[ ٤ / ٤٩٣ ]
النَّفس عن تناول مؤذياتها، ولا سيَّما إذا كان باعتدالٍ وقصدٍ، في أفضل أوقاته شرعًا، وحاجة البدن إليه طبعًا.
ثمَّ إنَّ فيه من إراحة القوى والأعضاء ما يحفظ عليها قواها. وفيه خاصِّيَّةٌ تقتضي إيثاره: وهي تفريحُه للقلب عاجلًا وآجلًا. وهو أنفع شيءٍ لأصحاب الأمزجة الباردة الرَّطبة وله تأثيرٌ عظيمٌ في حفظ صحَّتهم.
وهو يدخل في الأدوية الرَّوحانيَّة والطَّبيعيَّة. وإذا راعى الصَّائم فيه ما ينبغي مراعاته طبعًا وشرعًا عظُمَ انتفاعُ قلبه وبدنه به، وحَبَس عنه الموادَّ الغريبة الفاسدة الَّتي هو مستعدٌّ لها، وأزال الموادَّ الرَّديَّة الحاصلة بحسب كماله ونقصانه، وتحفُّظِ الصَّائم ممَّا ينبغي أن يتحفَّظ منه، وقيامِه (^١) بمقصود الصَّوم وسرِّه وعلَّته الغائيَّة. فإنَّ القصد منه أمرٌ آخر وراء ترك الطَّعام والشَّراب، وباعتبار ذلك الأمر اختصَّ من بين الأعمال بأنَّه لله سبحانه.
ولمَّا كان وقايةً وجُنَّةً بين العبد وبين ما يؤذي قلبه وبدنه عاجلًا وآجلًا قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٣]. فأحد مقصودي الصِّيام: الجُنَّة والوقاية وهي حِمْيةٌ عظيمة النَّفع. والمقصود الآخر: اجتماع القلب والهمِّ على الله تعالى، وتوفيرُ قوى النَّفس على محابِّه وطاعته. وقد تقدَّم الكلام في بعض أسرار الصَّوم عند ذكر هديه - ﷺ - فيه.
_________________
(١) هكذا في الأصل (ف). وفي غيره: «يحفظ»، أو بإهمال أوله. وكذا «يحفظ» في النسخ المطبوعة وفي طبعة الرسالة: «ويعينه على قيامه»، زادت ما شاءت لإصلاح السياق دون تنبيه.
[ ٤ / ٤٩٤ ]
ضب
ضفدع
حرف الضَّاد
ضبٌّ (^١): ثبت في «الصَّحيحين» (^٢) من حديث ابن عبَّاسٍ أنَّ رسول الله - ﷺ - سئل عنه لمَّا قدِّم إليه وامتنع من أكله: أحرامٌ هو؟ فقال: «لا، ولكن لم يكن بأرض قومي، فأجدني أعافه». وأُكِل بين يديه وعلى مائدته، وهو ينظر.
وفي «الصَّحيحين» (^٣) من حديث ابن عمر عنه - ﷺ - أنَّه قال: «لا آكلُه (^٤)، ولا أحرِّمه».
وهو حارٌّ يابسٌ، يقوِّي شهوة الجماع. وإذا دُقَّ ووُضِعَ على موضع الشَّوكة (^٥) اجتذَبها.
ضِفْدع (^٦): قال الإمام أحمد (^٧): الضِّفدع لا يُجْعَل (^٨) في الدَّواء، نهى
_________________
(١) كتاب الحموي (ص ٥٥٦).
(٢) البخاري (٥٣٩١) ومسلم (١٩٤٥)، وقد تقدّم.
(٣) البخاري (٥٥٣٦) ومسلم (١٩٤٣).
(٤) في النسخ الخطية والمطبوعة: «لا أحِلُّه»، وهو تصحيف ما أثبت. ولم يقصد ما وقع في رواية أبي بكر بن أبي شيبة في «المصنف» (٢٤٣٤٨). والمصنف صادر عن كتاب الحموي الذي نقل الحديث بهذا اللفظ. وقد سقط هذا الحديث من مطبوعته.
(٥) في مخطوطة كتاب الحموي (١٧٨/أ): «موضع السِّهام والسُّلَّاء والشوكة»، ورسم السُّلاء فيها بالياء مع ضم السين! وقد حذف ناشره «السلاء» كما حذف المصنف السِّهام والسُّلاء. وانظر ما سبق قريبًا في فصل «السمك».
(٦) كتاب الحموي (ص ٥٥٧ - ٥٥٨).
(٧) في رواية ابن القاسم كما في «شرح العمدة» لشيخ الإسلام (٤/ ٥٨٨) وأبي طالب كما في «الآداب الشرعية» (٣/ ١١٧).
(٨) في النسخ المطبوعة: «لا يحل»، تحريف. وفي «شرح العمدة» كما أثبت من النسخ.
[ ٤ / ٤٩٥ ]
طيب
رسول الله - ﷺ - عن قتلها. يريد الحديث الذي رواه في «مسنده» (^١) من حديث عثمان بن عبد الرحمن (^٢) أنَّ طبيبًا ذكر ضفدعًا في دواءٍ عند رسول الله - ﷺ -، فنهاه عن قتلها.
قال صاحب «القانون» (^٣): «من أكل من دم الضِّفدع أو جِرْمه وَرِم بدنُه، وكمَد لونُه، وقذف المنيَّ حتَّى يموت». ولذلك ترك الأطبَّاء استعماله خوفًا من ضرره.
وهي نوعان: مائيَّةٌ وترابيَّةٌ، والتُّرابيَّة تقتل آكِلَها (^٤).
حرف الطَّاء
طِيبٌ: ثبت عن رسول الله - ﷺ - أنَّه قال: «حُبِّب إليَّ من دنياكم: النِّساء والطِّيب. وجُعِلت قرَّة عيني في الصَّلاة» (^٥).
وكان - ﷺ - يكثر التَّطيُّب، وتشتدُّ عليه الرَّائحة الكريهة، وتشقُّ عليه. والطِّيب غذاء للرُّوح الَّتي هي مطيَّة القوى. والقُوى (^٦) تتضاعف وتزيد
_________________
(١) برقم (١٥٧٥٧، ١٦٠٦٩). وأخرجه أيضًا أبو داود (٣٨٧١، ٥٢٦٩)، والنَّسائيُّ (٤٣٥٥). وقد تقدَّم تخريجه.
(٢) كذا في جميع النسخ الخطية والمطبوعة، وقد وقع هكذا مقلوبًا في كتاب الحموي الذي صدر عنه المصنِّف. والصواب: «عبد الرحمن بن عثمان».
(٣) في «القانون» (١/ ٧٢٢) والنقل من كتاب الحموي. وانظر: «الحاوي» (٥/ ٣٢٤، ٣٣٥).
(٤) هذه الفقرة ليست من كتاب الحموي.
(٥) تقدَّم تخريجه.
(٦) «والقوى» ساقط من طبعة الرسالة.
[ ٤ / ٤٩٦ ]
طين
بالطِّيب، كما تزيد بالغذاء والشَّراب، والدَّعة والسُّرور، ومعاشرة الأحبَّة وحدوث الأمور المحبوبة، وغَيبةِ مَن تسرُّ غيبتُه ويثقل على الرُّوح مشهدُه كالثُّقَلاء والبُغَضاء فإنَّ معاشرتهم تُوهِن القوى وتجلب الهمَّ والغمَّ، وهي للرُّوح بمنزلة الحمَّى للبدن، وبمنزلة الرَّائحة الكريهة. ولهذا كان ممَّا جنَّب (^١) الله سبحانه الصَّحابةَ بنهيهم عن التَّخلُّق بهذا الخلُق في معاشرة رسوله - ﷺ - لتأذِّيه بذلك، فقال: ﴿إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ﴾ [الأحزاب: ٥٣].
والمقصود أنَّ الطِّيب كان من أحبِّ الأشياء إلى رسول الله - ﷺ -، وله تأثيرٌ في حفظ الصِّحَّة، ودفع كثيرٍ من الآلام وأسبابها، بسبب قوَّة الطَّبيعة به.
طين: ورد فيه أحاديث موضوعة لا يصحُّ شيءٌ منها، مثل حديث: «من أكل الطِّينَ فقد أعان على قتل نفسه» (^٢)، ومثل حديث: «يا حميراءُ، لا تأكلي
_________________
(١) ل: «أحب»، وفي النسخ المطبوعة: «حبَّب»، تصحيف.
(٢) أخرجه الطَّبراني في «الكبير» (٦/ ٢٥٣)، والخطيب في «تاريخ بغداد» (٤/ ٣٦٢)، عن سلمان. والعقيليُّ في «الضُّعفاء» (٣/ ٣٤)، وابن راهويه في «مسنده» (٣٦٨)، وابن عديٍّ في «الكامل» (٦/ ٥٣٢)، عن أبي هريرة. والرَّفَّاء في «فوائده» (٨٥) ــ ومن طريقه البيهقيُّ في «الكبرى» (١٠/ ١١) ــ عن ابن عبَّاس. وابن أبي حاتم في «العلل» (٤/ ٤٣٢) عن جعفر بن محمَّد عن أبيه مرسلًا. ولا يصحُّ منها شيء. ينظر: «الموضوعات» (٣/ ٣١ - ٣٤)، و«اللَّآلئ المصنوعة» (٢/ ٢١٠)، و«تنزيه الشَّريعة» (٢/ ٢٥٦ - ٢٥٧)، و«الفوائد المجموعة» (ص ١٨٣)، و«السِّلسلة الضَّعيفة» (٤٥٦٠).
[ ٤ / ٤٩٧ ]
طلح
الطِّينَ فإنَّه يعصم البطن، ويصفِّر اللَّون، ويُذْهِب بهاءَ الوجه» (^١).
وكلُّ حديثٍ في الطِّين فإنَّه لا يصحُّ، ولا أصل له عن رسول الله - ﷺ -؛ إلا أنَّه رديٌّ مؤذٍ، يسدُّ مجاري العروق. وهو باردٌ يابسٌ، قويُّ التَّجفيف. ويمنع استطلاق البطن، ويوجب نفثَ الدَّم وقروح الفم (^٢).
طَلْح: قال تعالى: ﴿وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ﴾ [الواقعة: ٢٩]. قال أكثر المفسِّرين: هو الموز. والمنضود (^٣): الذي قد نضِّد بعضه على بعضٍ كالمشط.
وقيل: الطَّلح: الشَّجر ذو الشَّوك، نُضِّد مكانَ كلِّ شوكةٍ ثمرةٌ، فثمرُه قد نضِّد بعضه إلى بعضٍ، فهو مثل الموز. وهذا القول أصحُّ، ويكون مَن ذكر
_________________
(١) أخرجه الدَّارقطنيُّ في «الأفراد» (٦١٧٨ ــ أطراف الغرائب)، وقال: «تفرَّد به يحيى بن هاشم، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة». ويحيى هذا كان يضع الحديث. ينظر: «الموضوعات» (٣/ ٣٣، ٣٤)، و«اللَّآلئ المصنوعة» (٢/ ٢١٢)، و«تنزيه الشَّريعة» (٢/ ٢٥٧).
(٢) لم أقف على مصدر المصنف في هذا الكلام المقتضب عن الطين، وهو عدة أنواع، ذكر ابن جزلة منها أكثر من عشرة (ص ٥٧٨ - ٥٨٢) تختلف خواصُّها ومنافعها. وقد ذكر ابن البيطار من خواصِّ «الطين الأرمني» أنه «نافع جدًّا للقروح الحادثة في الأمعاء، والاستطلاق من البطن، ولنفث الدم، ولنزف الطمث ونوازل الرأس والقروح المتعفنة في الفم ». وفي «القانون» (١/ ٥٠٣): «ينفع من القلاع، جيد لنفث الدم، جيد لقروح الأمعاء والإسهال». والقلاع من قروح الفم. وهذا الطين الأرمني بارد يابس قوي التجفيف، فالذي نقله المصنف هنا فيه نظر. ولفظ «يوجب» مستدرك في هامش الأصل، وبهذا الاستدراك أصبح الكلام مخالفًا لما ورد في كتب الطب، ولما تقدم في فصل رقية القرحة والجرح.
(٣) س: «والمقصود هو»، تصحيف وزيادة. والزيادة (هو) وردت في النسخ المطبوعة.
[ ٤ / ٤٩٨ ]
طلع
الموز من السَّلف أراد التَّمثيل لا التَّخصيص (^١). والله أعلم (^٢).
وهو حارٌّ رطبٌ. أجوده المستطيل (^٣) النَّضيج الحلو. ينفع من خشونة الصَّدر والرِّئة والسُّعال، وقروح الكليتين والمثانة، ويُدِرُّ البول، ويزيد في المنيِّ، ويحرِّك شهوة الجماع، ويليِّن البطن. ويؤكل قبل الطَّعام. ويضرُّ المعدة (^٤)، ويزيد في الصَّفراء والبلغم. ودفعُ ضرره بالسُّكَّر أو العسل (^٥).
طَلْع (^٦): قال تعالى: ﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ﴾ [ق: ١٠]، وقال تعالى: ﴿وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾ [الشعراء: ١٤٨].
طلع النَّخل: ما يبدو من ثمرته في أوَّل ظهوره، وقشرُه يسمَّى الكُفُرَّى (^٧). والنَّضيد: المنضود الذي قد نضِّد بعضه على بعضٍ. وإنَّما يقال
_________________
(١) بنحوه قال في «حادي الأرواح» (١/ ٣٤٥ - ٣٤٧). وانظر القولين في «زاد المسير» (٨/ ١٤٠) وغيره.
(٢) لم ترد هذه الفقرة «وقيل: الطلح: الشجر والله أعلم» في الأصل (ف)، ولعل المصنِّف زادها في نسخة من الكتاب، ولكن هذه الزيادة أحدثت خللًا في السياق، فإنها تقتضي ذكر خواصِّ الطلح الذي هو الشجر ذو الشوك، أو خواصَّه وخواصَّ الموز جميعًا، مع أنَّ الخواصَّ المذكورة بعدها للموز وحده على السياق الأول قبل الزيادة.
(٣) لفظ «المستطيل» ساقط من طبعة عبد اللطيف وما بعدها.
(٤) حط: «بالمعدة».
(٥) انظر: «منهاج ابن جزلة» (ص ٨٠٥). ولم يذكر الحموي الموز.
(٦) كتاب الحموي (ص ٤٤٥ - ٤٤٦).
(٧) نقله الحموي عن أبي حنيفة الدينوري، والظاهر أنه صادر عن «مفردات ابن البيطار» (٣/ ١٠٢).
[ ٤ / ٤٩٩ ]
له: «نضيد» ما دام في كفرَّاه. فإذا انفتح فليس بنضيدٍ (^١). وأمَّا الهضيم، فهو المنضمُّ بعضه إلى بعضٍ، فهو كالنَّضيد أيضًا. وذلك يكون قبل تشقُّق الكفرَّى عنه.
والطَّلع نوعان: ذكرٌ وأنثى. والتَّلقيح هو أن يؤخذ من الذَّكر وهو مثلُ دقيق الحنطة، فيُجْعَل في الأنثى، وهو التَّأبير، فيكون ذلك بمنزلة اللِّقاح بين الذَّكر والأنثى. وقد روى مسلم في «صحيحه» (^٢) عن طلحة بن عبيد الله قال: مررت مع رسول الله - ﷺ - في نخلٍ، فرأى قومًا يلقِّحون، فقال: «ما يصنع هؤلاء؟». قالوا: يأخذون من الذَّكر، فيجعلونه في الأنثى. قال: «ما أظنُّ ذلك يغني شيئًا». فبلغهم، فتركوه، فلم يصلح. فقال النَّبيُّ - ﷺ -: «إنَّما هو ظنٌّ، إن كان يغني شيئًا فاصنعوه. فإنَّما أنا بشرٌ مثلكم. وإنَّ الظَّنَّ يخطئ ويصيب. ولكن ما قلتُ لكم عن الله ﷿، فلن أكذب على اللَّه».
طلعُ النَّخل ينفع من الباه، ويزيد في المباضعة (^٣). ودقيقُ طلعه إذا تحمَّلت به المرأة قبل الجماع أعان على الحبل معونةً (^٤) بالغةً. وهو في البرودة واليبوسة في الدَّرجة الثَّانية. يقوِّي المعدة ويجفِّفها، ويسكِّن ثائرة
_________________
(١) انظر: «معاني القرآن» للفراء (٣/ ٧٦).
(٢) برقم (٢٣٦١). وقد عزاه الحموي إلى مسلم وابن ماجه، وأورد لفظ ابن ماجه (٢٤٧٠). أما المصنف، فاكتفى بعزوه إلى مسلم مع شيء من التصرف في لفظ الحديث.
(٣) نقله الحموي عن الياقوتي. وانظر: «المفردات» (٣/ ١٠٢).
(٤) كذا في النسخ وكتاب الحموي. وفي النسخ المطبوعة: «إعانة». وقد حكاه الحموي عن بعض أشياخه سماعًا.
[ ٤ / ٥٠٠ ]
عنب
الدَّم مع غلظةٍ وبطء هضمٍ (^١). ولا يحتمله إلا أصحاب الأمزجة الحارَّة. ومَن أكثر منه فإنَّه ينبغي أن يأخذ عليه شيئًا من الجَوارِشَات (^٢) الحارَّة. وهو يعقل الطَّبع، ويقوِّي الأحشاء. والجُمَّارُ يجري مجراه، وكذلك البَلَح والبُسْر. والإكثار منه يضرُّ المعدة والصَّدر، وربَّما أورث القُولَنْج. وإصلاحُه بالسَّمن (^٣) أو بما تقدَّم ذكره (^٤).
حرف العين
عنب (^٥): في «الغيلانيَّات» (^٦) من حديث حبيب بن يسار عن ابن عبَّاسٍ
_________________
(١) س، ل: «غلظه وبطء هضمه».
(٢) جمع «الجَوارش»، ويقال له أيضًا: «الجَوارِشْن» بالنون. وهو بالفارسية بضم الكاف الفارسية، ومعناه: الهاضم. وهو نوع من الأدوية المركبة يقوي المعدة ويهضم الطعام. جاء في حديث ابن عمر أن رجلًا من العراق أهدى إليه «جَوَارِشَ»، فكأنّ الكلمة عُرِّبت بفتح الجيم، فوافقت وزن (فواعل)، فمنعت من الصرف. انظر: «النهاية» (١/ ٣١٩) و«القول الأصيل» (ص ٧٩ - ٨٠).
(٣) كذا في النسخ الخطية والمطبوعة، ولعله تحريف «بالتمر» كما في كتاب الحموي، والمصنف صادر عنه. ويجوز أن يكون الصواب: «بالشهد» كما في «منهاج ابن جزلة» ولكن لم يرجع المصنف إليه هنا.
(٤) «ذكره» من س، ل. وكذا في النسخ المطبوعة وكتاب الحموي. ويعني ما ذكره في رسم البلح: «ودفع مضرَّتهما بالتمر أو بالعسل والزبد».
(٥) كتاب الحموي (ص ٥٢١ - ٥٢٢)، «منهاج البيان» (ص ٦٠٠ - ٦٠١).
(٦) برقم (١٠١٩). وأخرجه أيضًا العقيليُّ في «الضُّعفاء» (٢/ ٣٣)، والطَّبراني في «الكبير» (١٢/ ١٤٩). وله طريق آخر، فأخرجه ابن عديٍّ في «الكامل» (٧/ ٢٢٩) من طريق عكرمة، عن ابن عبَّاس، عن العبَّاس به، وفيه كادح بن رحمة، قال ابن عديٍّ: «عامَّة ما يرويه غير محفوظ، ولا يتابع عليه في أسانيده، ولا في متونه». وقال البيهقيُّ في «الشُّعب» (٨/ ١١٠): «ليس في الحديثِ إسناد قويٌّ»، وضعَّفه أيضًا العراقيُّ في «المغني» (٢١٨٨)، وحكم عليه بالوضع ابن الجوزيِّ في «الموضوعات» (٢/ ٢٨٧ - ٢٨٨)، والشَّوكانيُّ في «الفوائد المجموعة» (ص ١٦٠)، والألبانيُّ في «السلسلة الضَّعيفة» (١٠٨).
[ ٤ / ٥٠١ ]
قال: رأيت رسول الله - ﷺ - يأكل العنب خَرْطًا (^١). قال أبو جعفرٍ العقيليُّ: لا أصل لهذا الحديث. قلت: وفيه داود بن عبد الجبار أبو سليمان (^٢) الكوفي، قال يحيى بن معينٍ (^٣): كان يكذب.
ويذكر عن النبي - ﷺ - أنَّه كان يحبُّ العنب والبطِّيخ (^٤).
وقد ذكر الله سبحانه العنب في ستَّة مواضع (^٥) من كتابه في جملة نعمه الَّتي أنعم بها على عباده في هذه الدَّار وفي الجنَّة. وهو من أفضل الفواكه، وأكثرها منافع. وهو يؤكل رطبًا ويابسًا وأخضر ويانعًا. وهو فاكهةٌ مع الفواكه، وقوتٌ مع الأقوات، وأُدْمٌ مع الآدام، ودواءٌ مع الأدوية، وشرابٌ مع الأشربة.
_________________
(١) خرَط العنقودَ: وضعه في فيه ثم أخذ حبَّه وأخرج عرجونه عاريًا منه. «النهاية في غريب الحديث» (٢/ ٢٣).
(٢) في النسخ المطبوعة: «أبو سليم»، وهو خطأ. انظر: «الكنى والأسماء» للإمام مسلم (١/ ٣٧٤) وغيره.
(٣) في «تاريخه» برواية الدوري (٤/ ٣٨٣). وانظر: «الموضوعات» (٢/ ٣٨).
(٤) أخرجه أبو نعيم في «الطِّبِّ» (٨٠٨) من طريق رِشدين بن سعد، عن معاوية بن يحيى، عن أميَّة بن زيد العبسيِّ بلفظ: «كان يحبُّ من الفاكهةِ العنبَ والبطِّيخ». ورشدين ضعيفٌ، وليس في الصَّحابة من اسمه أميَّة بن زيد، وينظر: «الضَّعيفة» (٤٢٦٥).
(٥) تُعقِّب في طبعة الرسالة بأن العنب ذكر في القرآن في أحد عشر موضعًا. والحق أنه ورد في ثمانية مواضع فقط في السياق المذكور هنا.
[ ٤ / ٥٠٢ ]
عسل
وطبعه طبع الحياة (^١): الحرارة والرُّطوبة. وجيِّده الكُبار المائيُّ. والأبيض أحمد من الأسود إذا تساويا في الحلاوة. والمتروك بعد القطف يومين وثلاثةً (^٢) أحمد من المقطوف في يومه، فإنَّه منفخٌ مطلقٌ للبطن. والمعلَّقُ حتَّى يضمُر قشرُه جيِّدُ الغذاء مقوٍّ للبدن؛ وغذاؤه كغذاء التِّين والزَّبيب. وإذا ألقي عجَمُ العنب كان أكثر تليينًا للطَّبيعة. والإكثار منه مصدِّعٌ للرَّأس. ودفعُ مضرَّته بالرُّمَّان المُزِّ.
ومنفعة العنب: يسهِّل الطَّبع، ويسمِّن، ويغذو جيِّدُه غذاءً حسنًا. وهو أحد الفواكه الثَّلاثة (^٣) الَّتي هي ملوك الفاكهة: هو والرُّطب والتِّين.
عسل: قد تقدَّم ذكر منافعه (^٤). قال ابن جريجٍ: قال الزُّهريُّ: عليك بالعسل فإنَّه جيِّدٌ للحفظ (^٥).
وأجوده: أصفاه، وأبيضه، وألينه حدَّةً، وأصدقه حلاوةً. وما يؤخذ من الجبال والشَّجر له فضلٌ على ما يؤخذ من الخلايا. وهو بحسب مرعى نحله.
_________________
(١) كذا في جميع النسخ، ورسمه في الأصل بالواو: «الحيوة». وقد وقع في الطبعة الهندية بالتاء المفتوحة خطأ، فأثبتت طبعة عبد اللطيف وما بعدها: «الحبَّات». وقد سبق مثله في طبع الرطب (ص ٤٥٦). وسيأتي قول المصنف في العدس إنَّ طبعه طبع الموت، بارد يابس!
(٢) ل: «أو ثلاثة» وكذا في النسخ المطبوعة.
(٣) في النسخ المطبوعة: «الثلاث».
(٤) في (ص ٤١ - ٤٥). وفي الأصل حاشية: «في هديه في علاج استطلاق البطن قبل ٧٧ ورقة».
(٥) كتاب الحموي (ص ٥٢٠) وقد أخرجه الخطيب في «الجامع لأخلاق الرَّاوي» (١٧٩٤)، ومن طريقه ابن بشكوال في «الآثار المرويَّة في الأطعمة السَّريَّة» (٤).
[ ٤ / ٥٠٣ ]
عجوة
عَجْوة (^١): في «الصَّحيحين» (^٢): من حديث سعد بن أبي وقَّاصٍ عن النَّبيِّ - ﷺ - أنَّه قال: «من تصبَّح بسبع تمراتٍ عجوةً لم يضرَّه ذلك اليوم سمٌّ ولا سحرٌ».
وفي «سنن النَّسائيِّ وابن ماجه» (^٣) من حديث جابر وأبي سعيد عن النَّبيِّ - ﷺ -: «العجوة من الجنَّة، وهي شفاءٌ من السَّمِّ. والكمأةُ من المنِّ، وماؤها شفاءٌ للعين».
وقد قيل: إنَّ هذا في عجوة المدينة. وهي أحد أصناف التَّمر بها، ومن أنفع تمر الحجاز على الإطلاق. وهو صنفٌ كريمٌ ملزَّزٌ (^٤) متينُ الجسم (^٥) والقوَّة، من ألين التَّمر وأطيبه وألذِّه.
وقد تقدَّم ذكر التَّمر وطبعه ومنافعه في حرف التَّاء والكلام على دفع العجوة للسَّمِّ والسِّحر، فلا حاجة لإعادته (^٦).
_________________
(١) كتاب الحموي (ص ٥٢٠ - ٥٢١).
(٢) البخاري (٥٧٧٩) ومسلم (٢٠٤٧).
(٣) «السُّنن الكبرى» للنَّسائيِّ (٦٦٤١، ٦٦٤٢، ٦٦٨٢) مفرَّقًا، «سنن ابن ماجه» (٣٤٥٣)، من طريق جعفر بن إياس، عن شهر بن حوشب، عنهما به. وأخرجه أيضًا أحمد (١١٤٥٣). وشهرٌ متكلَّم فيه، وفي إسناده اختلاف كثير، بيَّنه الدَّارقطنيُّ في «العلل» (١١/ ٢٣ - ٢٧). ولكلِّ جزءٍ منه شواهد يثبتُ بها.
(٤) يقال: رجلٌ ملزَّز: أي مجتمعُ الخلق شديدُ الأسر. وفي النسخ المطبوعة: «ملذذ» بذالين، تصحيف، بل تصرف من ناسخ أو ناشر. والنص منقول من كتاب الحموي (ص ٥٢٠).
(٥) في النسخ المطبوعة: «متين للجسم»، وهو أيضًا خطأ.
(٦) حط: «إلى الإعادة». س، ل: «إلى إعادته». وانظر ما سبق في (ص ١٣٤، ٤٢٤).
[ ٤ / ٥٠٤ ]
عنبر
عَنْبَر: تقدَّم (^١) في «الصَّحيحين» (^٢) حديثُ جابر في قصَّة أبي عبيدة وأكلهم من العنبر شهرًا، وأنَّهم تزوَّدوا من لحمه وشائقَ (^٣) إلى المدينة، وأرسلوا منه إلى النَّبيِّ - ﷺ -. وهو أحد ما يدلُّ على أنَّ إباحة ما في البحر لا يختصُّ بالسَّمك وعلى أنَّ ميتته حلال. واعتُرض على ذلك بأنَّ البحر ألقاه حيًّا، ثمَّ جَزَر عنه الماءُ، فمات. وهذا حلال، فإنَّ موته بسبب مفارقته للماء (^٤). وهذا لا يصحُّ، فإنَّهم إنَّما وجدوه ميِّتًا بالسَّاحل، ولم يشاهدوه قد خرج حيًّا ثمَّ جزَر عنه الماء.
وأيضًا، فلو كان حيًّا لما ألقاه البحر إلى ساحله، فإنَّه من المعلوم أنَّ البحر إنَّما يقذف إلى ساحله الميِّت من حيواناته، لا الحيَّ منها.
وأيضًا، فلو قدِّر احتمال ما ذكروه لم يجُز أن يكون شرطًا في الإباحة، فإنَّه لا يباح الشَّيء مع الشَّكِّ في سبب إباحته. ولهذا منع النَّبيُّ - ﷺ - من أكل الصَّيد إذا وجده الصَّائد غريقًا في الماء، للشَّكِّ في سبب موته هل هو الآلة أو الماء؟
وأمَّا العنبر الذي هو أحد أنواع الطِّيب، فهو من أفخر أنواعه بعد المسك. وأخطأ من قدَّمه على المسك، وجعله سيِّد أنواع الطِّيب (^٥). وقد
_________________
(١) حط: «قد تقدم». يعني: في الكلام على المغازي والسرايا.
(٢) البخاري (٤٣٦١) ومسلم (١٩٣٥).
(٣) الوشيقة: ما قُطع من اللحم ليقدَّد.
(٤) س: «الماء».
(٥) يشير إلى قول الحموي فيه: «جوهر الطيب وسيِّده». وهو قول ابن جلجل، انظر: «الجامع» لابن البيطار (٣/ ١٣٤).
[ ٤ / ٥٠٥ ]
ثبت عن النَّبيِّ - ﷺ - أنَّه قال في المسك: «هو أطيب الطِّيب» (^١). وسيأتي إن شاء الله ذكر المنافع والخصائص (^٢) الَّتي خصَّ بها المسك حتَّى إنَّه طيب الجنَّة، والكُثبانُ الَّتي هي مقاعد الصِّدِّيقين هناك من مسكٍ، لا من عنبرٍ. والَّذي غرَّ هذا القائل أنَّه لا يدخله التَّغيُّر على طول الزَّمان فهو كالذَّهب (^٣). وهذا لا يدلُّ (^٤) على أنَّه أفضل من المسك، فإنَّه بهذه الخاصِّيَّة الواحدة لا يقاوم ما في المسك من الخواصِّ.
وبعد (^٥)، فضروبه كثيرة، وألوانه مختلفة. فمنه الأبيض، والأشهب، والأحمر، والأصفر، والأخضر، والأزرق، والأسود، وذو الألوان، وأجوده: الأشهب، ثمَّ الأزرق، ثمَّ الأصفر. وأردؤه الأسود. وقد اختلف النَّاس في عنصره، فقالت طائفة: هو نبات ينبت في قعر البحر، فيبتلعه بعض دوابِّه. فإذا تملَّتْ (^٦) منه قذفته رجيعًا، فيقذفه البحر إلى ساحله. وقيل: طلٌّ ينزل من
_________________
(١) أخرجه مسلم (٢٢٥٢) من حديث أبي سعيد الخدري، وقد تقدَّم.
(٢) ما عدا س، ل: «الخصائص والمنافع»، وكذا في الأصل (ف) ولكن فوق الكلمتين فيها علامة التقديم والتأخير.
(٣) ذكره الحموي بعد قوله بأنه جوهر الطيب وسيده، فحمله المصنف على أنه جعل العنبر سيد الطيب من أجل هذه الخاصية.
(٤) في طبعة الرسالة: «وهذا يدل»، فحذفت «لا» للخطأ في قراءة النص.
(٥) النص من هنا إلى آخر الفصل منقول من كتاب الحموي (ص ٥١٧ - ٥١٨) بشيء من الاختصار.
(٦) يعني: تملَّأت. وفي نسخة راغب باشا من كتاب الحموي: «امتلأت». وكذا «تملَّتْ» في جميع النسخ الخطية والطبعة الهندية، والنسخة الحلبية من كتاب الحموي. وفي طبعة محمد عبد اللطيف وما بعدها: «ثملت»، تصحيف.
[ ٤ / ٥٠٦ ]
عود
السَّماء في جزائر البحر، فتلقيه الأمواج إلى السَّاحل. وقيل: روث دابَّةٍ بحريَّةٍ تشبه البقرة. وقيل: بل هو جُفاءٌ من جُفاء البحر. أي زَبَد.
وقال صاحب «القانون» (^١): هو فيما يُظَنُّ ينبع من عينٍ في البحر. والَّذي يقال إنَّه زَبَد البحر أو روث دابَّةٍ بعيدٌ. انتهى.
ومزاجه حارٌّ يابسٌ. مقوٍّ للقلب والدِّماغ والحواسِّ وأعضاء البدن، نافعٌ من الفالِج واللَّقْوة (^٢)، والأمراض البلغميَّة، وأوجاع المعدة الباردة، والرِّياح الغليظة، ومن السُّدد إذا شُرِب أو طُلِي به من خارجٍ. وإذا تُبُخِّر به نفَع من الزُّكام والصُّداع والشَّقيقة الباردة.
عود (^٣): العود الهنديُّ نوعان: أحدهما يستعمل في الأدوية، وهو الكُسْت (^٤)، ويقال له: القُسْط. وسيأتي في حرف القاف. والثَّاني يستعمل في الطِّيب، ويقال له: الأَلُوَّة. وقد روى مسلم في «صحيحه» (^٥) عن ابن عمر أنَّه كان يستجمر بالألوَّة غيرَ مطرَّاةٍ وبكافورٍ يُطرَح معها، ويقول: هكذا كان يستجمر رسول الله - ﷺ -. وثبت عنه في صفة نعيم أهل الجنَّة: «مجامرُهم الألوَّة» (^٦). المجامر: جمع مِجْمَرٍ وهو ما يتجمَّر به من عودٍ وغيره.
_________________
(١) في «القانون» (١/ ٦١٣)، والنقل من كتاب الحموي.
(٢) داء يعرض للوجه يعوجُّ منه الشِّدق.
(٣) كتاب الحموي (ص ٥١٦ - ٥١٧).
(٤) النص في الأصل (ف) في موضع «وهو الكست»، ثم في موضع «يستعمل فيه» فيما يأتي غير محرر، ولعل فيه تصحيحًا في الهامش لم يظهر في الصورة.
(٥) برقم (٢٢٥٤).
(٦) أخرجه البخاري (٣٢٤٥) ومسلم (٢٨٣٤) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.
[ ٤ / ٥٠٧ ]
وهو أنواع، أجودها: الهنديُّ، ثمَّ الصِّينيُّ، ثمَّ القَمَاريُّ، ثمَّ المَنْدَليُّ. وأجوده: الأسود والأزرق الصُّلب الرَّزين الدَّسم. وأقلُّه جودةً: ما خفَّ وطفا على الماء. ويقال: إنَّه شجرٌ يُقطَع ويُدفَن في الأرض سنةً فتأكل الأرض منه ما لا ينفع، ويبقى عودُ الطِّيب لا تعمل فيه الأرض شيئًا، ويتعفَّن منه قشرُه وما لا طيب فيه.
وهو حارٌّ يابسٌ في الثانية (^١)، يفتح السُّدَد، ويكسر الرِّياح، ويذهب بفضل الرُّطوبة، ويقوِّي الأحشاء والقلب ويفرِّحه، وينفع الدِّماغ، ويقوِّي الحواسَّ، ويحبس البطن، وينفع من سلَس البول الحادث عن برد المثانة (^٢).
قال ابن سَمْجُون (^٣): العود ضروبٌ كثيرةٌ يجمعها اسم الألوَّة، ويستعمل من داخلٍ وخارجٍ، ويتجمَّر به مفردًا ومع غيره.
وفي خلط الكافور به عند التَّجمُّر معنًى طبِّيٌّ، وهو إصلاح كلٍّ منهما بالآخر. وفي التَّجمُّر مراعاة جوهر الهواء وإصلاحُه (^٤)، فإنَّه أحد الأشياء السِّتَّة الضَّروريَّة الَّتي في صلاحها صلاح الأبدان.
_________________
(١) س، ل: «الثالثة»، وكذا في طبعة عبد اللطيف وما بعدها. وفي الأصل وغيره والطبعة الهندية وفي كتاب الحموي كما أثبت. ومثله في «القانون» (١/ ٦١٤) و«منهاج ابن جزلة» (ص ٦٠٤) و«مفردات ابن البيطار» (٣/ ١٤٣). وفي «تذكرة داود» (١/ ٢٢١): «حارّ في آخر الثانية يابس في الثالثة».
(٢) هذه الفقرة نقلها الحموي عن الغافقي.
(٣) في كتاب «الأدوية المفردة»، والنقل من كتاب الحموي.
(٤) انظر: كتاب الحموي (ص ٤٤٤ - ٤٤٥).
[ ٤ / ٥٠٨ ]
عدس
عدس (^١): قد ورد فيه أحاديث كلُّها باطلةٌ على رسول الله - ﷺ -، لم يقل شيئًا منها، كحديث: «إنَّه قدَّس فيه سبعون (^٢) نبيًّا» (^٣)، وحديث: «إنَّه يُرِقُّ القلب ويُغْزر الدَّمعة، وإنَّه مأكول الصَّالحين» (^٤). وأرفع شيءٍ جاء فيه وأصحُّه: أنَّه شهوة اليهود (^٥) الَّتي قدَّموها على المنِّ والسَّلوى، وهو قرين الثُّوم والبصل في الذِّكر (^٦).
وطبعه طبع الموت (^٧)، باردٌ يابسٌ! وفيه قوَّتان متضادَّتان: إحداهما تعقل الطَّبيعة. والأخرى تُطلقها. وقشره حارٌّ يابسٌ في الثَّالثة. حِرِّيفٌ، مُطْلِقٌ للبطن. وترياقه في قشره. ولهذا كان صحاحه أنفع من مطحونه وأخفَّ على المعدة وأقلَّ ضررًا، فإنَّ لبَّه بطيء الهضم لبرودته ويبوسته، وهو مولِّدٌ
_________________
(١) كتاب الحموي (ص ٥٢٢ - ٥٢٣). ويظهر أن المؤلف رجع أيضًا إلى «منهاج ابن جزلة» (ص ٥٨٦) أو كتاب آخر.
(٢) كذا في جميع النسخ والطبعات القديمة و«المنار المنيف» (ص ٣٨). وقد غيَّره الفقي إلى «قُدِّس على لسان سبعين» كما في الحديث الآتي. وفي «الآثار المروية في الأطعمة السَّريَّة» لابن بشكوال (٤٢) وغيره من مصادر التخريج: «بارك فيه سبعون نبيًّا».
(٣) ينظر: «الموضوعات» (٢/ ٢٩٤ - ٢٩٥)، و«اللَّآلئ المصنوعة» (٢/ ١٧٩ - ١٨٠)، و«تنزيه الشَّريعة» (٢/ ٢٤٣ - ٢٤٤)، و«السِّلسلة الضَّعيفة» (٤٠، ٥١٠).
(٤) ينظر: المراجع السَّابقة.
(٥) ينظر: «الأسرار المرفوعة» (ص ٤٢٧)، و«كشف الخفاء» (٢/ ٩٢)، و«اللُّؤلؤ المرصوع» (ص ١٢٣).
(٦) وانظر: «المنار المنيف» (ص ٣٨ - ٣٩).
(٧) في النسخ المطبوعة: «المؤنث»، تحريف. وفي «الآداب الشرعية» (٣/ ١٥٧) كما أثبت على الصواب، وصاحبه صادر عن كتابنا. وانظر ما سبق في الرطب والعنب أن طبعهما طبع الحياة.
[ ٤ / ٥٠٩ ]
للسَّوداء، ويضرُّ بالمالنخُوليا (^١) ضررًا بيِّنًا، ويضرُّ بالأعصاب والبصر.
وهو غليظ الدَّم. وينبغي أن يتجنَّبه أصحاب السَّوداء، وإكثارهم منه يولِّد لهم أدواءً رديَّةً كالوسواس والجُذام وحُمَّى الرِّبع. ويقلِّل ضررَه السِّلقُ والإسباناخُ (^٢) وإكثارُ الدُّهن. وأردأ ما أُكِل بالمكسود (^٣). وليتجنَّبْ خلطَ الحلاوة به، فإنَّه يورث سُددًا كبديَّةً. وإدمانُه يُظلم البصر لشدَّة تجفيفه، ويُعسر البول ويوجب الأورام الباردة والرِّياح الغليظة. وأقرَبُه (^٤): الأبيض السَّمين السَّريع النِّضاج (^٥).
وأمَّا ما يظنُّه الجهَّال أنَّه كان سِمَاط الخليل الذي يقدِّمه لأضيافه، فكذبٌ
_________________
(١) في الأصل بالنون والياء معًا. وفي ز بالنون، وفي غيرهما بالياء.
(٢) كذا بالباء في جميع النسخ الخطية غير أن في ل: «السَّباناخ»، وفي ن: «الإسبانخ». وفي النسخ المطبوعة: «الإسفاناخ» بالفاء. في «تذكرة داود» (١/ ٣٩) أن الإسفاناخ معرَّب عن الفارسية، وهو فيها «إسباناخ». وانظر اللغات الأخرى فيه بالفارسية في «برهان قاطع» للتبريزي (١/ ١٢٠)، حاشية المحقق. ويسمَّى الآن: السَّبانَخ أو الزَّبانخ.
(٣) كذا في النسخ الخطية والمطبوعة إلا طبعة الرسالة التي غُيِّر فيها إلى «النمكسود»، وكلاهما صواب. والأصل بالفارسية هو «النَّمَكْسُود» يعني: المملَّح. في «جمع الجواهر» للحصري (ص ٢٣٩): «هو لحم يقطَّع طوابيق، ويُشَدُّ بالملح في ألواح، ويُنشَر حتى يذهب ماؤه وينشف. فإذا احتيج إلى شيء منه بُلَّ بالماء وأُصلح. وإنما يستعمل كذا ليسافر به ولا يفسد». وتعريبه: «المكسود» بحذف النون. انظر: «نشوار المحاضرة» (١/ ٩٠) و«معجم متن اللغة» للشيخ أحمد رضا (٥/ ٦٣).
(٤) في النسخ المطبوعة: «وأجوده»، وكذا في «منهاج ابن جزلة». وقد أكلت الأرضة في الأصل (ف) هذه الكلمة والكلمة التالية. وفي «الآداب الشرعية» (٣/ ١٥٨) كما أثبت من النسخ الخطية.
(٥) غيَّره الفقي إلى «النُّضج»، وتابعته طبعة الرسالة.
[ ٤ / ٥١٠ ]
غيث
مفترًى. وإنَّما حكى الله عنه الضِّيافة بالشِّواء، وهو العجل الحنيذ (^١).
وذكر البيهقي (^٢) عن إسحاق قال: سئل ابن المبارك عن الحديث الذي جاء في العدس أنَّه «قُدِّس على لسان سبعين نبيًّا»، فقال: ولا على لسان نبيٍّ واحدٍ. وإنَّه لمؤذٍ منفِّخٌ! من يحدِّثكم به؟ قالوا: سَلْم بن سالمٍ. فقال: عمَّن؟ قالوا: عنك. قال: وعنِّي أيضًا!
حرف الغين المعجمة (^٣)
غَيث (^٤): مذكور في القرآن في عدَّة مواضع. وهو لذيذ الاسم على السَّمع، والمسمَّى على الرُّوح والبدن. تبتهج الأسماعُ بذكره، والقلوبُ بوروده.
وماؤه أفضل المياه، وألطفها، وأنفعها، وأعظمها بركةً، ولا سيَّما إذا كان من سحابٍ راعدٍ، واجتمع في مستنقعات الجبال. وهو أرطب من سائر المياه لأنَّه لم تطُل مدَّته على الأرض، فيكتسبَ من يبوستها؛ ولم يخالطه جوهرٌ يابسٌ. ولذلك يتغيَّر ويعفَن (^٥) سريعًا للطافته وسرعة انفعاله.
وهل الغيث الرَّبيعيُّ ألطف من الشِّتويِّ، أو بالعكس؟ فيه قولان.
_________________
(١) انظر: «الجامع لسيرة شيخ الإسلام» (ص ١٣٩) و«الأنس الجليل» (٢/ ٢٧٠).
(٢) في «شعب الإيمان» (٥٥٤٩). وأخرجه أيضًا ابن عديٍّ في «الكامل» (٤/ ٣٤٨)، والخطيب في «تاريخ بغداد» (٩/ ١٤٤).
(٣) لفظ «المعجمة» انفرد به الأصل (ف).
(٤) كتاب الحموي (ص ٤٩١ - ٤٩٢).
(٥) في النسخ المطبوعة: «يتعفَّن». وفي مخطوطة كتاب الحموي (١٥٤/أ) كما أثبت.
[ ٤ / ٥١١ ]
فاتحة الكتاب
قال من رجَّح الغيث الشِّتويَّ: حرارة الشَّمس تكون حينئذٍ أقلَّ، فلا تجتذب من ماء البحر إلا ألطفَه. والجوُّ صافٍ وهو خالٍ من الأبخرة الدُّخانيَّة والغبار المخالط للماء. وكلُّ هذا يوجب لطفه وصفاءه وخلوَّه من مُخالط.
قال من رجَّح الرَّبيعيَّ: الحرارة توجب تحلُّل الأبخرة الغليظة، وتوجب رقَّة الهواء ولطافته، فيخفُّ بذلك الماءُ، وتقلُّ أجزاؤه الأرضيَّة، وتصادف وقت حياة النَّبات والأشجار وطيب الهواء.
وذكر الشَّافعيُّ (^١) عن أنس بن مالكٍ قال: كنَّا مع رسول الله - ﷺ - فأصابنا مطرٌ، فحسَر عنه (^٢) وقال: «إنَّه حديث عهدٍ بربِّه». وقد تقدَّم في هديه في الاستسقاء ذكرُ استمطاره - ﷺ - وتبرُّكه بماء الغيث عند أوَّل مجيئه.
حرف الفاء
فاتحة الكتاب وأمُّ القرآن والسَّبعُ المثاني: الشِّفاء (^٣) التَّامُّ، والدَّواء النَّافع، والرُّقية التَّامَّة، ومفتاح الغنى والفلاح، وحافظة القوَّة، ودافعة الهمِّ والغمِّ والخوف والحزن، لمن عرف مقدارها، وأعطاها حقَّها، وأحسن تنزيلَها على دائه، وعرف وجهَ الاستشفاء والتَّداوي بها، والسِّرَّ الذي لأجله كان كذلك.
_________________
(١) قال الشَّافعيُّ في «الأمِّ» (١/ ٢٨٨): «بلغنا أنَّ النَّبيَّ - ﷺ - كان يتمطَّر في أوَّلِ مطرةٍ حتَّى يصيب جسده». وينظر: «البيان» للعمرانيِّ (٢/ ٦٨٨). وحديث أنس - ﵁ - أخرجه مسلم (٨٩٨).
(٢) كذا في النسخ الخطية والطبعات القديمة، وفي كتاب الحموي (ص ٥٦٢). يعني: فحسر النبي - ﷺ - عنه ثوبه حتى أصابه المطر. وقد غيَّره الفقي إلى «فحسر عن ساقه»! ثم غُيِّر في طبعة الرسالة إلى «فحسر رسول الله - ﷺ - ثوبه»، وحُذف «عنه»!
(٣) في النسخ المطبوعة: «والشفاء»، وهو خطأ مخلٌّ بالسياق.
[ ٤ / ٥١٢ ]
ولمَّا وقع بعض الصَّحابة على ذلك رقى بها اللَّديغ، فبرأ لوقته، فقال له النَّبيُّ - ﷺ -: «وما أدراك أنَّها رقية؟» (^١).
ومن ساعده التَّوفيق وأعين بنور البصيرة حتَّى وقف على أسرار هذه السُّورة وما اشتملت عليه من التَّوحيد ومعرفة الذَّات والأسماء والصِّفات والأفعال، وإثبات الشَّرع والقدر والمعاد، وتجريد توحيد الرُّبوبيَّة والإلهيَّة، وكمالِ التَّوكُّل، والتَّفويضِ إلى من له الأمر كلُّه، وله الحمدُ كلُّه، وبيده الخير كلُّه، وإليه يرجع الأمر كلُّه؛ والافتقارِ إليه في طلب الهداية الَّتي هي أصل سعادة الدَّارين= وعلِمَ ارتباطَ معانيها بجلب مصالحهما ودفع مفاسدهما، وأنَّ العافية المطلقة التَّامَّة والنِّعمة الكاملة منوطةٌ بها، موقوفةٌ على التَّحقُّق (^٢) بها= أغنته عن كثيرٍ من الأدوية والرُّقى، واستفتَح بها من الخير أبوابَه، ودفَع بها من الشَّرِّ أسبابَه.
وهذا أمرٌ يحتاج إلى استحداث فطرةٍ أخرى، وعقلٍ آخر، وإيمانٍ آخر. وتاللَّه لا تجد مقالةً فاسدةً ولا بدعةً باطلةً إلا وفاتحةُ الكتاب متضمِّنةٌ لردِّها وإبطالها بأقرب طريقٍ وأصحِّها وأوضحها. ولا تجد بابًا من أبواب المعارف الإلهيَّة وأعمال القلوب وأدويتها من عللها وأسقامها إلا وفي الفاتحة (^٣) مفتاحُه وموضعُ الدِّلالة عليه. ولا منزلَ من منازل السَّائرين إلى ربِّ العالمين إلا وبدايته ونهايته فيها.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٢٢٧٦) ومسلم (٢٢٠١) من حديث أبي سعيد الخدري. وقد سبق.
(٢) ما عدا الأصل (ف): «التحقيق»، تصحيف.
(٣) ز، حط، ن: «فاتحة الكتاب».
[ ٤ / ٥١٣ ]
فاغية
ولعمر الله إنَّ شأنها لأعظم من ذلك، وهي فوق ذلك. وما تحقَّق عبد بها واعتصم بها، وعقَل عمَّن تكلَّم بها، وأنزلها شفاءً تامًّا وعصمةً بالغةً ونورًا مبينًا، وفهمها وفهم لوازمها كما ينبغي؛ ووقع في بدعةٍ ولا شركٍ، ولا أصابه مرضٌ من أمراض القلوب إلا لِمامًا غير مستقرٍّ (^١).
هذا، وإنَّها المفتاح الأعظم لكنوز الأرض، كما أنَّها المفتاح لكنوز الجنَّة؛ ولكن ليس كلُّ واحدٍ يُحسن الفتحَ بهذا المفتاح! ولو أنَّ طلَّاب الكنوز وقفوا على سرِّ هذه السُّورة، وتحقَّقوا بمعانيها، وركَّبوا لهذا المفتاح أسنانًا، وأحسنوا الفتحَ به= لوصلوا إلى تناول الكنز من غير مُعاوقٍ ولا ممانعٍ.
ولم نقل هذا مجازفةً ولا استعارةً، بل حقيقةً. ولكن لله سبحانه حكمةٌ بالغةٌ في إخفاء هذا السِّرِّ عن نفوس أكثر العالمين، كما له حكمةٌ بالغةٌ في إخفاء كنوز الأرض عنهم. والكنوز المحجوبة قد استُخْدِم عليها أرواحٌ خبيثةٌ شيطانيَّةٌ تحول بين الإنس وبينها، ولا يقهرها إلا أرواحٌ علويَّةٌ شريفةٌ غالبةٌ لها بحالها الإيمانيِّ، معها منه أسلحةٌ لا تقوم لها الشَّياطين. وأكثرُ نفوس النَّاس ليست بهذه المثابة، فلا تقاوم تلك الأرواح ولا تقهرها، ولا تنال مِن سَلَبها شيئًا؛ فإنَّ مَن قتَل قتيلًا فله سَلَبُه (^٢).
فاغية (^٣): هي نَور الحنَّاء، وهي من أطيب الرَّياحين. وقد روى البيهقي
_________________
(١) وانظر ما سبق في هديه - ﷺ - في رقية اللديغ بالفاتحة.
(٢) يشير إلى حديث أبي قتادة الذي أخرجه البخاري (٣١٤٢) ومسلم (١٧٥١). وانظر في تفصيل مطالب سورة الفاتحة الفصول الأولى من «مدارج السالكين» للمؤلف.
(٣) كتاب الحموي (ص ٥٢٤ - ٥٢٥).
[ ٤ / ٥١٤ ]
في كتابه «شعب الإيمان» (^١) من حديث عبد الله بن بريدة عن أبيه يرفعه: «سيِّد الرَّياحين في الدُّنيا والآخرة: الفاغية». وروى فيه (^٢) أيضًا عن أنس بن مالكٍ قال: كان أحبَّ الرَّياحين إلى رسول الله - ﷺ - الفاغية. والله أعلم بحال هذين الحديثين، فلا نشهد على رسول الله - ﷺ - بما لا نعلم صحَّته.
وهي معتدلةٌ في الحرِّ واليبس، فيها بعض القبض، وإذا وضعت بين طيِّ ثياب الصُّوف حفظتها من السُّوس. وتدخل في مراهم الفالِج والتَّمدُّد (^٣). ودهنُها يحلِّل الإعياء (^٤)، ويليِّن العصَب.
_________________
(١) بالأرقام (٥٥١٠، ٥٦٧٥، ٥٦٧٦). وأخرجه أيضًا ابن قتيبة في «غريب الحديث» (١/ ٢٩٨)، والطَّبراني في «الأوسط» (٧٤٧٧)، وتمَّام في «الفوائد» (٢٩٨)، وأبو نعيم في «الطِّب النَّبوي» (٦٣٥). كلُّهم من طرقٍ عن أبي هلال محمَّد بن سليم الرَّاسبيِّ، عن عبد الله بن بريدة به. قال السُّيوطي في «جِياد المسلسلات» (ص ٩٣): «أبو هلال وُثِّق، وفيه بعض الضَّعف»، لكن الطُّرق إليه كلُّها واهية، ينظر: «السلسلة الضعيفة» (٣٥٧٩). ويُروى موقوفًا.
(٢) برقم (٥٦٧٣) من طريق عبد الحميد بن قدامة، عن أنس به، والنقل من كتاب الحموي. وأخرجه أيضًا الطَّبرانيُّ في «الكبير» (١/ ٢٥٤). ونقل العقيلي في «الضُّعفاء» (٣/ ٤٧) عن البخاري أنَّه قال: «عبد الحميد بن قدامة عن أنس في الفاغية، لا يتابع عليه»، وهو في «السِّلسلة الضَّعيفة» (١٧٥٧).
(٣) في «القانون» (٢/ ١٥٠): «التمدُّد مرض آليّ يمنع القوة المحركة عن قبض الأعضاء التي من شأنها أن تنقبض لآفة في العضل والعصب».
(٤) ل: «الأعضاء»، وكذا في طبعة عبد اللطيف وما بعدها، وهو تحريف. وفي كتاب الحموي عن «القانون» (١/ ٤٧٤) ما أثبت من الأصل وغيره، وكذا في الطبعة الهندية.
[ ٤ / ٥١٥ ]
فضة
فضَّة: ثبت أنَّ رسول الله - ﷺ - كان خاتمه من فضَّةٍ، وفصُّه منه (^١). وكانت قَبيعةُ سيفه فضَّةً (^٢). ولم يصحَّ عنه في المنع من لباس الفضَّة والتَّحلِّي بها شيءٌ البتَّة، كما صحَّ عنه المنعُ من الشُّرب في آنيتها. وبابُ الآنية أضيق من باب اللِّباس والتَّحلِّي، ولهذا يباح للنِّساء لباسًا وحليةً ما يحرم عليهنَّ استعمالُه آنيةً، فلا يلزم من تحريم الآنية تحريمُ اللِّباس والحلية (^٣).
وفي السُّنن (^٤) عنه: «وأمَّا الفضَّةُ فالعبوا بها لعبًا». فالمنع يحتاج إلى
_________________
(١) أخرجه البخاري (٥٨٧٠) من حديث أنس.
(٢) أخرجه أبو داود (٢٥٨٣)، والتِّرمذي (١٦٩١)، والنَّسائي (٥٣٧٤)، من طريق جرير، عن قتادة، عن أنس به. قال التِّرمذي: «هذا حديث حسن غريب»، وصحَّحه الضِّياء في «المختارة» (٢٣٧٥)، وحسَّنه النَّووي في «المجموع» (١/ ٢٥٧). ويُروى عن قتادة، عن سعيد بن أبي الحسن البصريِّ مرسلًا. ورجَّح المرسلَ الإمام أحمد في «العلل ومعرفة الرجال» (١/ ٢٣٩، ٥٤٣)، والدَّارمي (٣/ ١٥٩٨)، وأبو حاتم كما في «العلل» (٣/ ٣٦٦)، وأبو داود، والبزَّار كما في «الوهم والإيهام» (٢/ ١٤٧)، والنَّسائي كما في «المختارة»، والدَّارقطني في «العلل» (١٢/ ١٥٠)، والبيهقي في «الكبرى» (٤/ ١٤٣). ومع ذلك قال المصنِّف في «التَّهذيب» (٣/ ٤٠٤): «الصَّواب أنَّ حديث قتادة عن أنس محفوظٌ من رواية الثِّقات الضَّابطين المتثبِّتين: جرير وهمَّام، عن قتادة، عن أنس، والَّذي رواه عن قتادة، عن سعيد بن أبي الحسن مرسلًا هو هشام الدَّستوائيُّ، وهشام وإن كان مقدَّمًا في أصحاب قتادة، فليس همَّام وجرير إذا اتَّفقا بدونه»، وينظر: «صحيح سنن أبي داود» (٢٣٢٦، ٢٣٢٧). وفي الباب عن أبي أمامة، ومرزوق الصَّيقل، وهود بن عبد الله بن سعد.
(٣) وانظر: «مجموع الفتاوى» (٢٥/ ٦٣ - ٦٥).
(٤) «سنن أبي داود» (٤٢٣٦) من طريق أسيد بن أبي أسيد، عن نافع بن عيَّاش، عن أبي هريرة به. وأخرجه أيضًا أحمد (٨٤١٦، ٨٩١٠). واختُلف في إسناده، فقيل: عن أسيد، عن ابن أبي موسى، عن أبيه، أو ابن أبي قتادة، عن أبيه. وأسيد قال عنه ابن حجر: «صدوق»؛ ولذا حسَّن إسناده الألباني في «آداب الزّفاف» (ص ٢٢٤). وفي الباب عن سهل بن سعد - ﵁ -.
[ ٤ / ٥١٦ ]
دليلٍ يبيِّنه: إمَّا نصٍّ أو إجماعٍ. فإن ثبت أحدهما، وإلَّا ففي القلب من تحريم ذلك على الرِّجال شيءٌ. والنَّبيُّ - ﷺ - أمسك بيده ذهبًا، وبالأخرى حريرًا، وقال: «هذان حرامٌ على ذكور أمَّتي، حِلٌّ لإناثهم» (^١).
والفضَّة سرٌّ من أسرار الله في الأرض. وهي طِلَّسْم الحاجات وأحساب (^٢) أهل الدُّنيا بينهم. وصاحبها مرموقٌ بالعيون بينهم، معظَّمٌ في النُّفوس، مصدَّرٌ في المجالس، لا تغلق دونه الأبواب، ولا تُمَلُّ مجالستُه ولا معاشرتُه، ولا يستثقل مكانُه. تشير الأصابع إليه، وتعقد العيونُ نطاقها عليه. إن قال سُمِع لقوله، وإن شفَع قُبلت شفاعتُه، وإن شَهِد زكِّيت شهادتُه. وإن خطَب فكفءٌ لا يعاب، وإن كان ذا شيبةٍ بيضاء فهي أجمل عليه من حُلَّة (^٣) الشَّباب.
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٤٠٥٧)، والنَّسائيُّ (٥١٤٤ - ٥١٤٧)، وابن ماجه (٣٥٩٥) واللَّفظ له، وأحمد (٧٥٠، ٩٣٥)، من حديث عليٍّ - ﵁ -. قال ابن المديني كما في «الأحكام الوسطى» (٤/ ١٨٤): «حديث حسن، ورجاله معروفون»، وصحَّحه ابن حبَّان (٥٤٣٤)، وحسَّنه النَّووي في «المجموع» (٤/ ٤٤٠)، وله شواهد كثيرة، قال التِّرمذيُّ بعدما أخرجه من حديث أبي موسى (١٧٢٠): «وفي الباب عن عمر، وعليٍّ، وعقبة بن عامر، وأنس، وحذيفة، وأمِّ هانئ، وعبد الله بن عمرو، وعمران بن حصين، وعبد الله بن الزُّبير، وجابر، وأبي ريحان، وابن عمر، وواثلة بن الأسقع»، ينظر: «نزهة الألباب» للوائلي (٥/ ٢٥٢٣ - ٢٥٤٣)، و«البدر المنير» (١/ ٦٤٠ - ٦٥٠)، و«الإرواء» (١/ ٣٠٥ - ٣٠٩).
(٢) جمع الحسَب. وفي طبعة عبد اللطيف وما بعدها: «إحسان».
(٣) في النسخ المطبوعة: «حلية»، تحريف.
[ ٤ / ٥١٧ ]
وهي من الأدوية المفرِّحة النَّافعة من الغمِّ والهمِّ (^١) والحزن، وضعف القلب وخفقانه. وتدخل في المعاجين الكبار، وتجتذب بخاصِّيَّتها ما يتولَّد في القلب من الأخلاط الفاسدة خصوصًا إذا أضفتَ (^٢) إلى ذلك العسلَ المصفَّى والزَّعفران. ومزاجها إلى البرودة واليبوسة. ويتولَّد عنها من الحرارة والرُّطوبة ما يتولَّد (^٣).
والجنانُ الَّتي أعدَّها الله ﷿ لأوليائه يوم يلقونه أربعٌ: جنَّتان من ذهبٍ، وجنَّتان من فضَّةٍ: آنيتُهما وحِليتُهما وما فيهما (^٤).
وقد ثبت عنه - ﷺ - في الصَّحيح (^٥) أنَّه قال: «الَّذي يشرب في آنية الذَّهب والفضَّة إنَّما يُجَرْجِرُ في بطنه نار جهنَّم».
وصحَّ عنه - ﷺ - أنَّه قال: «لا تشربوا في آنية الذَّهب والفضَّة، ولا تأكلوا في صِحافهما، فإنَّها لهم في الدُّنيا ولكم في الآخرة» (^٦).
فقيل: علَّة التَّحريم تضييق النُّقود، فإنَّها إذا اتُّخذت أواني فاتت الحكمة الَّتي وُضِعت لأجلها من قيام مصالح بني آدم. وقيل: العلَّة الفخر والخيلاء.
_________________
(١) ل، ن: «الهم والغم».
(٢) حط، ن: «أضيف». وفي ز: «أضيفت»، وهو تصحيف.
(٣) لم أقف على مصدر المصنف في ذكر هذه الخواص، والفضة لم يذكرها الحموي. وانظر في خواصها: «منهاج ابن جزلة» (ص ٦٢٥ - ٦٢٦) و«مفردات ابن البيطار» (٣/ ١٦٣ - ١٦٤) و«المعتمد» لابن رسول (ص ٣٦٥).
(٤) أخرجه البخاري (٤٨٧٨) ومسلم (١٨٠) من حديث أبي موسى الأشعري.
(٥) أخرجه مسلم (٢٠٦٥) من حديث أم سلمة - ﵂ -.
(٦) أخرجه البخاري (٥٤٢٦) ومسلم (٢٠٦٧) من حديث حذيفة بن اليمان.
[ ٤ / ٥١٨ ]
قرآن
وقيل: العلَّة كسرُ قلوب الفقراء والمساكين إذا رأوها وعاينوها (^١).
وهذه العلل فيها ما فيها، فإنَّ التَّعليل بتضييق النُّقود يمنع من التَّحلِّي بها وجعلِها سبائك ونحوِها ممَّا ليس بآنيةٍ ولا نقدٍ. والفخر والخيلاء حرامٌ بأيِّ شيءٍ كان. وكسرُ قلوب المساكين لا ضابط له، فإنَّ قلوبهم تنكسر بالدُّور الواسعة، والحدائق المعجبة، والمراكب الفارهة، والملابس الفاخرة، والأطعمة اللَّذيذة، وغير ذلك من المباحات. فكلُّ هذه عللٌ منتقضةٌ، إذ توجد العلَّة ويتخلَّف معلولها.
فالصَّواب أنَّ العلَّة ــ والله أعلم ــ ما يكسب استعمالُها القلبَ من الهيئة والحالة المنافية للعبوديَّة منافاةً ظاهرةً. ولهذا علَّل النَّبيُّ - ﷺ - بأنَّها للكفَّار في الدُّنيا، إذ ليس لهم نصيبٌ من العبوديَّة الَّتي ينالونها (^٢) بها في الآخرة. فلا يصلح استعمالها لعبيد الله في الدُّنيا وإنَّما يستعملها من خرج عن عبوديَّته ورضي بالدُّنيا وعاجلها من الآخرة. والله أعلم.
حرف القاف
قرآن: قال الله تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء: ٨٢]. والصَّحيح: أنَّ «مِنْ» هاهنا لبيان الجنس، لا للتَّبعيض (^٣). وقال تعالى: ﴿(٥٦) يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي﴾ [يونس: ٥٧].
_________________
(١) وقيل: العلة التشبُّه بالأعاجم. انظر: «المفهم» للقرطبي (٥/ ٣٤٥ - ٣٤٦).
(٢) يعني: الفضَّة.
(٣) كما تقدَّم في هدي النبي - ﷺ - في رقية اللديغ بالفاتحة (ص ٢٥٢). وانظر: «الداء والدواء» (ص ٦) و«إغاثة اللهفان» (١/ ٢٢).
[ ٤ / ٥١٩ ]
قثاء
فالقرآن هو الشِّفاء التَّامُّ من جميع الأدواء القلبيَّة والبدنيَّة، وأدواء الدُّنيا والآخرة. وما كلُّ أحدٍ يؤهَّل ولا يوفَّق للاستشفاء به. وإذا أحسن العليل التَّداوي به، ووضَعَه على دائه بصدقٍ وإيمانٍ، وقبولٍ تامٍّ، واعتقادٍ جازمٍ، واستيفاء شروطه= لم يقاومه الدَّاءُ أبدًا.
وكيف تقاوم الأدواءُ كلامَ ربِّ الأرض والسَّماء، الذي لو نزل على الجبال لصدَّعها، أو على الأرض لقطَّعها؟ فما من مرضٍ من أمراض القلوب والأبدان إلا وفي القرآن سبيلُ الدِّلالة على دوائه، وسببه، والحِمْية منه، لمن رزقه الله فهمًا في كتابه. وقد تقدَّم في أوَّل الكلام على الطِّبِّ بيانُ إرشاد القرآن العظيم إلى أصوله ومجامعه الَّتي هي: حفظُ الصِّحَّة، والحِمْية، واستفراغ المؤذي؛ والاستدلال بذلك على سائر أفراد هذه الأنواع.
وأمَّا الأدوية القلبيَّة، فإنَّه يذكرها (^١) مفصَّلةً، ويذكر أسباب أدوائها وعلاجها. قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ [العنكبوت: ٥١]، فمن لم يشفه القرآن فلا شفاه اللَّه ومن لم يكفه فلا كفاه اللَّه.
قِثَّاء (^٢): في السُّنن من حديث عبد الله بن جعفر أنَّ رسول الله - ﷺ - كان يأكل القثَّاء بالرُّطب. رواه الترمذي وغيره (^٣).
_________________
(١) س: «فإنها تذكر».
(٢) كتاب الحموي (ص ٥٣٠ - ٥٣١).
(٣) كذا في كتاب الحموي. وقد أخرجه الترمذي في «الجامع» (١٨٤٤)، وقال: «هذا حديث حسن صحيح غريب». وهو في «الصَّحيحين»، وقد عزاه المصنِّف فيما تقدَّم إليهما.
[ ٤ / ٥٢٠ ]
قسط وكست
القثَّاء باردٌ رطبٌ في الدَّرجة الثَّانية. مُطْفٍ (^١) لحرارة المعدة الملتهبة، بطيء الفساد فيها، نافعٌ من وجع المثانة. ورائحتُه تنفع من الغَشْي. وبِزْرُه يُدرُّ البول وورقُه إذا اتُّخذ ضمادًا نفَع من عضَّة الكلب. وهو بطيء الانحدار عن المعدة، بردُه مضرٌّ ببعضها (^٢). فينبغي أن يستعمل معه ما يُصلحه ويكسِر بردَه ورطوبتَه، كما فعل رسول الله - ﷺ - إذ أكله بالرُّطَب. فإذا أُكِل بتمرٍ أو زبيبٍ أو عسلٍ عدَّله (^٣).
قُسْط وكُسْت (^٤): بمعنًى واحدٍ. وفي «الصَّحيحين» (^٥) من حديث أنس عن النَّبيِّ - ﷺ -: «خير ما تداويتم به: الحِجامة والقُسْط البحريُّ».
وفي «المسند» (^٦) من حديث أم قيس عن النَّبيِّ - ﷺ -: «عليكم بهذا العود الهنديِّ، فإنَّ فيه سبعة أشفيةٍ، منها ذات الجنب».
القُسْط ضربان. أحدهما: الأبيض الذي يقال له: البحريُّ. والآخر: الهنديُّ، وهو أشدُّهما حرًّا. والأبيض ألينهما. ومنافعهما كثيرةٌ جدًّا (^٧).
_________________
(١) يعني: «مطفئٌ» بحذف الهمزة.
(٢) كذا «ببعضها» في جميع النسخ الخطية والمطبوعة، ولعله سبق قلم. والصواب: «بعَصَبها». نقل الحموي عن مسيح (في المطبوع: «المسيحي»، غلط) قوله: «والخلط المتولِّد من القثَّاء رديءٌ»، ثم قال: «أقول: وذلك لغلظ جِرمه، فهو بطيء الانحدار عن المعدة، مؤذٍ لها ببرده، مضرٌّ بعصبها. فلذلك ينبغي ».
(٣) في «منهاج ابن جزلة» (ص ٦٤٢): «ويُدفع ضرره بالعسل أو بالزبيب أو النَّانْخَواه».
(٤) كتاب الحموي (ص ٥٣٢ - ٥٣٣).
(٥) البخاري (٥٦٩٦) ومسلم (١٥٧٧)، وقد سبق في فصل الحجامة.
(٦) برقم (٢٦٩٩٧). وهو في «صحيح البخاريِّ» (٥٦٩٢)، وصحيح مسلم (٢٢١٤).
(٧) هذه الفقرة نقلها الحموي عن مسيح (في المطبوع: «المسيحي»، غلط).
[ ٤ / ٥٢١ ]
وهما حارَّان يابسان في الثَّالثة، ينشِّفان البلغم، قاطعان للزُّكام. وإذا شُربا نفعا من ضعف الكبد والمعدة، ومن بردهما، ومن حمَّى الدَّور والرِّبع؛ وقطعا وجع الجنب، ونفعا من السُّموم. وإذا طلي به الوجهُ معجونًا بالماء والعسل قلَع الكلَفَ (^١).
وقال جالينوس: ينفع من الكُزاز ووجعِ الجنبين، ويقتل حبَّ القَرَع.
وقد خفي على جهَّال الأطبَّاء نفعُه من وجع ذات الجنب، فأنكروه (^٢). ولو ظفر هذا الجاهل بهذا النَّقل عن جالينوس نزَّله منزلة النَّصِّ. كيف وقد نصَّ كثيرٌ من الأطبَّاء المتقدِّمين على أنَّ القُسْط يصلح للنَّوع البلغميِّ من ذات الجنب. ذكره الخطابي عن محمَّد بن الجهم (^٣).
وقد تقدَّم أنَّ طبَّ الأطبَّاء بالنِّسبة إلى طبِّ الأنبياء أقلُّ من نسبة طبِّ
_________________
(١) هذه الفقرة نقلها الحموي عن إسحاق بن عمران. وقد نقل داود المتطبب في «الطب النبوي» المنسوب إلى الذهبي غلطًا (ص ١٦٤) عن مسيح أن العود «يقوِّي الأعضاء الباطنة، ويطرد الريح، نافع من ذات الجنب». ثم قال: «قلت: مسيح من فضلاء الأطباء».
(٢) انظر: «المعلم» للمازري (٣/ ١٦٧).
(٣) كذا في جميع النسخ الخطية والمطبوعة. وفي «أعلام الحديث» بطبعتيه السعودية (٣/ ٢١٢٢) والمغربية (٣/ ١١٥٣): «محمد بن العباس بن جهضم المصري». وفي «التوضيح» لابن الملقِّن (٢٧/ ٣٧٥) وقد نقل قول الخطابي عن ابن التين: «محمد بن العباس بن محمد المصري». ونصُّ قول الخطابي: «وقد سألت الأطباء عن هذا العلاج فلم يثبتوه، إلا أن محمد بن العباس بن جهضم المصري ذكر لي أنه قد قرأ لبعض قدماء الأطباء أن ذات الجنب إذا حدثت من البلغم نفع منه القسط البحري». وانظر: «المعلم» للمازري (٣/ ١٧١).
[ ٤ / ٥٢٢ ]
قصب السكر
الطُّرقيَّة والعجائز إلى طبِّ الأطبَّاء، وأنَّ بين ما يُلقَّى بالوحي وبين ما يلقَّى بالتَّجربة والقياس من الفَرْق أعظمَ ممَّا بين القدم والفَرْق (^١)!
ولو أنَّ هؤلاء الجهَّال وجدوا دواءً منصوصًا عن بعض اليهود أو النَّصارى أو المشركين من الأطبَّاء لتلقَّوه بالقبول والتَّسليم، ولم يتوقَّفوا على تجربته!
نعم، نحن لا ننكر أنَّ للعادة تأثيرًا في الانتفاع بالدَّواء وعدمه. فمن اعتاد دواءً أو غذاءً كان أنفع له وأوفق ممَّن لم يعتَدْه، بل ربَّما لم ينتفع به مَن لم يعتده.
وكلام فضلاء الأطبَّاء وإن كان مطلقًا، فهو بحسب الأمزجة والأزمنة والأماكن والعوائد. فإذا كان التَّقييد بذلك لا يقدح في كلامهم ومعارفهم، فكيف يقدح في كلام الصَّادق المصدوق؟ ولكنَّ نفوس البشر مركَّبةٌ على الجهل والظُّلم إلا من أيَّده الله بروح الإيمان، ونوَّر بصيرته بنور الهدى.
قصَب السُّكَّر: جاء في بعض ألفاظ السُّنَّة الصَّحيحة في الحوض: «ماؤه أحلى من السُّكَّر» (^٢). ولا أعرف السُّكَّر في الحديث إلا في هذا الموضع (^٣).
_________________
(١) يعني: فرق الرأس، وفي ن: «القرن»، تصحيف. وانظر (ص ١٢ - ١٣).
(٢) لم أقف عليه بهذا اللَّفظ، والمشهور المستفيض في هذا الحديث: «أحلى من العسل» كما عند مسلم (٢٣٠٠، ٢٣٠١) وغيره. وانظر تعقُّب ابن مُفلح على المصنف في «الآداب الشَّرعيَّة» (٣/ ٤٠). على أنه قد ورد هذا الوصف «أحلى من السُّكَّر» عند ابن أبي الدنيا في كتاب «صفة الجنة» (٥٠) بإسناد ضعيف عن عطاء بن يسار مرسلًا، ولكنه ليس في وصف ماء الحوض، بل في وصف ثمر نخل الجنة. ولعل المصنف أراد هذاالحديثولكنه نقله مِن حفظه فوهم فيه.
(٣) وانظر: «مفتاح دار السعادة» (٢/ ٧١٠) وتعليق المحقق عليه.
[ ٤ / ٥٢٣ ]
والسُّكَّر حادثٌ لم يتكلَّم فيه متقدِّمو الأطبَّاء، ولا كانوا يعرفونه، ولا يصفونه في الأشربة. وإنَّما يعرفون العسل، ويُدخلونه في الأدوية (^١).
وقصبُ السُّكَّر حارٌّ رطبٌ. ينفع من السُّعال، ويجلو الرُّطوبة والمثانة وقصبة الرِّئة، وهو أشدُّ تليينًا من السُّكَّر. وفيه معونةٌ على القيء، ويدرُّ البول، ويزيد في الباه (^٢).
قال عفَّان بن مسلمٍ الصَّفَّار: من مصَّ قصب السُّكَّر بعد طعامه لم يزل يومَه أجمعَ في سرورٍ (^٣). انتهى.
وهو ينفع من خشونة الصَّدر والحلق إذا شُوي (^٤). ويولِّد رياحًا دفعُها بأن يقشَّر ويُغسَل بماءٍ حارٍّ.
والسُّكَّر حارٌّ رطبٌ على الأصحِّ، وقيل: بارد. وأجوده: الأبيض الشَّفَّاف الطَّبَرْزَد (^٥). وعتيقه ألطف من جديده. وإذا طُبخ ونُزعت رغوته سكَّن العطش والسُّعال. وهو يضرُّ المعدة الَّتي تتولَّد فيها الصَّفراء لاستحالته إليها. ودفعُ ضرره بماء اللَّيمون أو النَّارنج أو الرُّمَّان اللُّفَّان (^٦).
_________________
(١) وانظر: «رسائل المقريزي» (ص ٣٠٩) و«ترقيق الأسل» للفيروزابادي (ص ٢٣٥).
(٢) هذه الفقرة من كتاب الحموي (ص ٥٣١).
(٣) المصدر السابق.
(٤) «إذا شوي» أضيف إلى الأصل (ف) في آخر السطر.
(٥) هو سُكَّر النبات.
(٦) هو الرُّمَّان المُزّ عند العامة في بلاد الشام، ويقال أيضًا: اللُّفَّاني. انظر: «تذكرة داود» (١/ ١٥٥) و«متن اللغة» (٥/ ١٩٦). ولما نقل هذا النص ابن مفلح في «الآداب الشرعية» (٣/ ١٦٢) والسرَّمرِّي في «شفاء الآلام» (١١٨/أ) استبدلا به «الرمان المزّ».
[ ٤ / ٥٢٤ ]
وبعض النَّاس يفضِّله على العسل لقلَّة حرارته ولينه. وهذا تحاملٌ منه على العسل، فإنَّ منافع العسل أضعاف منافع السُّكَّر، وقد جعله الله شفاءً ودواءً وأُدْمًا (^١) وحلاوةً. وأين نفعُ السُّكَّر من المنافع التي يدخل فيها العسل (^٢): من تقوية المعدة، وتليين الطَّبع، وإحداد البصر، وجلاء ظلمته، ودفع الخوانيق (^٣) بالغرغرة به، وإبرائه من الفالج واللَّقوة ومن جميع العلل الباردة الَّتي تحدث في جميع البدن (^٤) من الرُّطوبات، فيجذبها من قعر البدن؛ وحفظِ صحَّته، وتسمينه (^٥)، والزِّيادة في الباه، والتَّحليل والجلاء، وفتح أفواه العروق، وتنقية المعى، وإحدار الدُّود، ومنع اللحم (^٦) وغيره من العفَن، والأُدْم النَّافع، وموافقة من غلب عليه البلغم والمشايخ وأهل الأمزجة الباردة. وبالجملة، فلا شيء أنفع منه للبدن، وفي العلاج وعَجْن (^٧) الأدوية وحفظ قواها، وتقوية المعدة، إلى أضعافِ أضعافِ (^٨) هذه المنافع. فأين للسُّكَّر مثل هذه المنافع والخصائص أو قريبٌ منها؟ والله الموفِّق.
_________________
(١) كذا مضبوطًا في الأصل (ف). وفي النسخ المطبوعة: «إدامًا».
(٢) في النسخ المطبوعة: «من منافع العسل»، وهو تصرف من بعض النساخ.
(٣) الخوانيق ورم يحدث في الحنك واللهاة والمبلع. انظر: «التنوير» للقمري (ص ٥٦).
(٤) في مصورة الأصل (ف) بعده خرم بقدر ورقتين.
(٥) بعده زيادة في النسخ المطبوعة: «وتسخينه».
(٦) في النسخ المطبوعة: «التخم»، تحريف.
(٧) في النسخ المطبوعة: «عجز»، تصحيف.
(٨) ساقط من النسخ المطبوعة إذ ظنه بعضهم مكرَّرًا.
[ ٤ / ٥٢٥ ]
كتاب للحمى
حرف الكاف
كتابٌ للحمَّى: قال المرُّوذي (^١): بلغ أبا عبد الله أنِّي حُمِمْتُ فكتب لي من الحمَّى رقعةً فيها: بسم الله الرَّحمن الرَّحيم. بسم اللَّه، وباللَّه. ومحمَّدٌ رسول اللَّه ﴿يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (٦٩) وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ﴾ [الأنبياء: ٦٩ - ٧٠]. اللَّهمَّ ربَّ جبريل وميكائيل وإسرافيل، اشفِ صاحبَ هذا الكتاب بحولك وقوَّتك وجبروتك، إلهَ الحقِّ. آمين (^٢).
قال المرُّوذي: وقرأ على أبي عبد الله ــ وأنا أسمع ــ أبو المنذر عمرو بن مجمِّع، حدَّثنا يونس بن خبَّاب (^٣) قال: سألت أبا جعفر محمد بن علي أن أعلِّق التَّعويذ، فقال: إن كان من كتاب الله أو كلامٍ عن نبيِّ الله فعلِّقه واستشفِ به ما استطعت. قلت: أكتب هذه من حمَّى الرِّبع: «باسم اللَّه، وباللَّه، ومحمَّدٌ رسول الله » إلى آخره؟ أي (^٤) قال: نعم (^٥).
_________________
(١) في النسخ المطبوعة هنا وفيما يأتي: «المروزي» بالزاي، وهو خطأ.
(٢) ذكر المصنف رواية المروذي هذه في «بدائع الفوائد» أيضًا (٤/ ١٥٢٤). وقد نقلها الحموي (ص ٣٨٢) عن طريق الخلال. وفي «الإرشاد» لابن أبي موسى (ص ٥٤٧) و«المستوعب» (٢/ ٨١٥): «قال أحمد بن حنبل - ﵁ -: حُمِمتُ، فكُتِب لي من الحمى: بسم الله الرحمن الرحيم » إلخ.
(٣) ز: «جناب». حط: «حيان». وفي النسخ المطبوعة: «حبان». كل ذلك تصحيف ما أثبت.
(٤) فوقه في ز: «كذا». وهو ساقط من حط. وفي طبعة عبد اللطيف وما بعدها: «قال: أي نعم».
(٥) في «الآداب الشرعية» (٣/ ١١٠): «وروى أحمد أن يونس بن خبَّاب (في المطبوع: حباب»، تصحيف) كان يكتب هذا من حُمَّى الرِّبع».
[ ٤ / ٥٢٦ ]
وذكر أحمد (^١) عن عائشة وغيرها أنَّهم سهَّلوا في ذلك. قال حرب (^٢): ولم يشدِّد فيه أحمد بن حنبلٍ. قال أحمد: وكان ابن مسعودٍ يكرهه كراهةً شديدةً جدًّا.
وقال أحمد (^٣) وقد سئل عن التَّمائم: تُعلَّق بعد نزول البلاء؟ قال: أرجو أن لا يكون به بأسٌ.
قال الخلال: وحدَّثنا عبد الله بن أحمد قال: رأيت أبي يكتب التَّعويذ للَّذي يفزع، وللحمَّى بعد وقوع البلاء (^٤).
كتابٌ لعسر الولادة: قال الخلال: حدَّثني عبد الله بن أحمد: قال رأيت أبي يكتب للمرأة إذا عسُر عليها ولادتها في جامٍ أبيض أو شيءٍ نظيفٍ، يكتب حديث ابن عبَّاسٍ: لا إله إلا الله الحليم الكريم، سبحان الله ربِّ العرش العظيم، الحمد لله ربِّ العالمين: ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ بَلَاغٌ﴾ [الأحقاف: ٣٥]، ﴿(٤٥) كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ﴾ [النازعات: ٤٦] (^٥).
_________________
(١) في «مسائل حرب الكرماني» بتحقيق الجبوري (٢/ ٨١٨) ولفظه: «التميمة ليست مما تعلق بعد البلاء، إنما التميمة ما عُلِّق قبل البلاء لدفع المقادير». وبنحوه أخرجه ابن وهب في «الجامع» (٦٧٥) والطحاوي في «معاني الآثار» (٤/ ٣٢٥) والبيهقي (٩/ ٣٥٠)، وصححه الحاكم (٤/ ٢١٧، ٤١٨).
(٢) في «مسائله» بتحقيق الجبوري (٢/ ٨١٧).
(٣) في رواية الميموني. انظر: «الآداب الشرعية» (٣/ ١١٣).
(٤) انظر: «مسائل عبد الله» (ص ٤٤٧).
(٥) انظر: «مسائل عبد الله» (ص ٤٤٧ - ٤٤٨) ولم ترد فيها الآية المذكورة هنا من سورة النازعات. ولعل المصنف صادر هنا عن كتاب الحموي (ص ٣٨٦). وقد نقل هذه الرواية في «البدائع» (٥/ ١٥٢٥) أيضًا. وانظر: «الإرشاد» (ص ٥٤٧) و«المستوعب» (٢/ ٨١٥). وأثر ابن عباس أخرجه ابن أبي شيبة (٢٣٩٧٤) والدينوري في «المجالسة» (٥/ ١٧٠) وابن السني في «عمل اليوم والليلة» (٦١٩) والبيهقي في «الدعوات الكبير» (٥٦٥)، وذكر آية النازعات عند ابن أبي شيبة والبيهقي دون غيرهما. ومداره على محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، وفيه لين.
[ ٤ / ٥٢٧ ]
قال الخلال: أنبأنا أبو بكر المرُّوذي أنَّ أبا عبد الله جاءه رجلٌ فقال: يا أبا عبد الله! تكتب لامرأةٍ قد عسُر عليها ولدُها منذ يومين؟ فقال: قل له: يجئ بجامٍ واسعٍ ويجئ بزعفرانٍ. ورأيته يكتب لغير واحدٍ (^١).
ويذكر عن عكرمة عن ابن عبَّاسٍ قال: «مرَّ عيسى - ﷺ - على بقرةٍ، وقد اعترض ولدُها في بطنها، فقالت: يا كلمة اللَّه! ادع الله لي (^٢) أن يخلِّصني ممَّا أنا فيه. فقال: يا خالقَ النَّفس من النَّفس، ويا مخلِّصَ النَّفس من النَّفس، ويا مخرجَ النَّفس من النَّفس، خلِّصها. قال: فرمت بولدها، فإذا هي قائمةٌ تشُمُّه». قال: فإذا عسُر على المرأة ولدُها فاكتبه لها (^٣).
وكلُّ ما تقدَّم في الرُّقى فإنَّ كتابته نافعةٌ. ورخَّص جماعةٌ من السَّلف في كتابة بعض القرآن وشربه، وجعل ذلك من الشِّفاء الذي جعل الله فيه.
كتابٌ آخر لذلك: يكتب في إناءٍ نظيفٍ: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ (٢) وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ (٣) وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا (^٤)﴾ [الانشقاق: ١ - ٤]. وتشرب منه
_________________
(١) كتاب الحموي (ص ٣٨٨).
(٢) «لي» من حط، ن.
(٣) كتاب الحموي (ص ٣٨٨). وقد أخرجه الدِّينَوَريُّ في «المجالسة» (١٩٩٥).
(٤) في هامش ن: «وتخلت» مع علامة صح، وكذا في النسخ المطبوعة.
[ ٤ / ٥٢٨ ]
كتاب للرعاف
الحامل، ويُرَشُّ على بطنها.
كتابٌ للرُّعاف: كان شيخ الإسلام ابن تيميَّة قدَّس الله روحه يكتب على جبهته: ﴿وَقِيلَ يَاأَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَاسَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾ [هود: ٤٤]. وسمعته يقول: كتبتها لغير واحدٍ، فبرأ. قال: ولا يجوز كتابتها بدم الرَّاعف كما يفعله الجهَّال، فإنَّ الدَّم نجسٌ، فلا يجوز أن يكتب به كلام الله تعالى (^١).
كتابٌ آخر له (^٢): خرج موسى برداءٍ، فوجد شِعْبًا (^٣)، فسدَّه (^٤) بردائه ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: ٣٩].
كتابٌ للحَزَاز (^٥): يكتب عليه: ﴿فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ﴾ [البقرة: ٢٦٦] بحول الله وقوَّته.
كتابٌ آخر له (^٦): عند اصفرار الشَّمس يكتب عليه: ﴿آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٨) لِئَلَّا﴾ [الحديد: ٢٨].
_________________
(١) وانظر: «الآداب الشرعية» (٣/ ١١١) والظاهر أن صاحبه صادر عن كتابنا.
(٢) كتاب الحموي (ص ٣٨٩ - ٣٩٠) وهذا الكتاب ساقط من ن.
(٣) في النسخ المطبوعة: «شعيبًا». وفي كتاب الحموي: «منبعًا». والشِّعب: مجرى للماء تحت الأرض.
(٤) في النسخ المطبوعة بالشين، تصحيف طريف لعل سببه قراءة «شعيبًا» بضم الشين!
(٥) كتاب الحموي (ص ٣٨٩)، والحزاز: القشرة التي في الرأس كالنخالة.
(٦) كتاب الحموي (ص ٣٨٩).
[ ٤ / ٥٢٩ ]
كتاب آخر للحمى المثلثة
كتاب لعرق النسا
كتابٌ آخر للحمَّى المثلَّثة (^١): يكتب على ثلاث ورقاتٍ لطافٍ: «بسم الله فرَّت. بسم الله مرَّت. بسم الله قلَّت (^٢)». ويأخذ كلَّ يومٍ ورقةً، ويجعلها في فمه ويبلعها (^٣) بماءٍ.
كتابٌ (^٤) لعرق النَّسا (^٥): بسم الله الرَّحمن الرَّحيم. اللَّهمَّ ربَّ كلِّ شيءٍ، ومليك كلِّ شيءٍ، وخالقَ كلِّ شيءٍ؛ أنت خلقتني وخلقتَ النَّسا فيَّ (^٦)، فلا تسلِّطه عليَّ بأذًى، ولا تسلِّطني عليه بقطعٍ (^٧)، واشفني شفاءً لا يغادر سقمًا، لا شافي إلا أنت.
كتاب للعِرق الضارب (^٨): روى الترمذي في «جامعه» (^٩): من حديث
_________________
(١) المصدر السابق (ص ٣٨٤). والحمى المثلثة هي حمَّى الغِبِّ.
(٢) الجملة «بسم الله قلَّت» أول الجمل الثلاث في كتاب الحموي، وهو مقتضى السياق.
(٣) ق: «يبتلعها».
(٤) في ز، س بعده زيادة: «آخر».
(٥) كتاب الحموي (ص ٣٨٥ - ٣٨٦). وفيه: «روي عن يونس بن خبَّاب (في المطبوع بالحاء المهملة، خطأ) قال: كان يقال: إذا أصاب الرجلَ عرق النَّسا يقرأ عليه».
(٦) «فيَّ» ساقط من ز وطبعة عبد اللطيف وما بعدها. وفي س، ل: «عرق النسا»، وكذا في كتاب الحموي.
(٧) هذه الجملة في كتاب الحموي مقدَّمة على السابقة.
(٨) كتاب الحموي (ص ٣٨٣) وذكره ضمن ما يكتب للحمى.
(٩) برقم (٢٠٧٥) من طريق إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة، عن داود بن حصين، عن عكرمة، عنه به. وأخرجه أيضًا ابن ماجه (٣٥٢٦)، وأحمد (٢٧٢٩)، وابن عدي في «الكامل» (١/ ٣٨١)، وغيرهم. قال التِّرمذي: «هذا حديثٌ غريب، لا نعرفه إلَّا من حديث إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة، وإبراهيم يُضعَّف في الحديث»، وقال العقيلي في «الضُّعفاء» (١/ ٤٣): «لابن أبي حبيبة غيرُ حديث، لا يُتابع على شيءٍ منها»، ومع ذلك صححه الحاكم (٤/ ٤١٤).
[ ٤ / ٥٣٠ ]
كتاب لوجع الضرس
ابن عبَّاسٍ أنَّ رسول الله - ﷺ - كان يعلِّمهم من الحمَّى ومن الأوجاع كلِّها أن يقول (^١): «بسم الله الكبير، أعوذ بالله العظيم من شرِّ كلِّ عِرْقٍ نعَّارٍ (^٢)، ومن شرِّ حرِّ النَّار».
كتاب لوجع الضِّرس (^٣): يكتب على الخدِّ الذي يلي الوجع: بسم الله الرَّحمن الرَّحيم ﴿قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ [الملك: ٢٣].
وإن شاء كتَب: ﴿وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الأنعام: ١٣] (^٤).
_________________
(١) يعني: المريض أو مَن يعوده. وكذا «يقول» في جميع النسخ وكتاب الحموي و«الجامع». وفي النسخ المطبوعة: «يقولوا» كما في «سنن ابن ماجه (٣٥٢٦).
(٢) من نعَر العِرق بالدم، إذا ارتفع ودفَع.
(٣) كتاب الحموي (ص ٣٨٤ - ٣٨٥)، وفيه (نسخة راغب باشا ١١٤/أ): «فيما ينفع لوجع الضرس والأذن: عن عكرمة، عن ابن عباس - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من اشتكى ضرْسَه فليضع إصبعه عليه، وليقرأ هذه الآية ». فلم يذكر كتابة هذه الرقية. والحديث المذكور أخرجه الخطيب في «تاريخ بغداد» (١٠/ ٧٤) والبيهقي في «الدعوات الكبير» (٦٠٨) وابن الجوزي في «العلل المتناهية» (٢/ ٣٩٧)، وعزاه السيوطي في «الدرر المنثور» إلى ابن المنذر والدارقطني (١٤/ ٦١٠). وفي إسناده سليمان بن ربيع صاحب مناكير، وهمام بن مسلم يروي عن الثقات ما ليس من حديثهم.
(٤) في كتاب الحموي (ص ٣٨٥): «ومما يُرقى به لوجع الضِّرس أيضًا: تمسح يدك على الخدِّ الذي يلي الوجع وتقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ [يس: ٧٧] إلى آخر السورة». ثم ذكر الآية المذكورة ثم قال: «ويقرأ: ﴿ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ [السجدة: ٩] فهذه رقية للقراءة كما ترى. فلما أرادها المصنف للكتابة على الخدِّ اختار منها آية واحدة فيها معنى السكون.
[ ٤ / ٥٣١ ]
كتاب للخراج
كمأة
كتاب للخُراج (^١): يكتب عليه: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا (١٠٥) فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا (١٠٦) لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا﴾ [طه: ١٠٥ - ١٠٧].
كمأة (^٢): ثبت عن النَّبيِّ - ﷺ - أنَّه قال: «الكمأة من المنِّ وماؤها شفاءٌ للعين». أخرجاه في «الصَّحيحين» (^٣).
قال ابن الأعرابيِّ: الكمأة: جمعٌ، واحده كَمْءٌ (^٤). وهذا خلاف قياس العربيَّة فإنَّ ما بينه وبين واحده التَّاء فالواحدُ منه بالتَّاء، وإذا حذفت كان للجمع. وهل هو جمعٌ أو اسم جمعٍ؟ على قولين مشهورين. قالوا: ولم يخرج عن هذا إلا حرفان: كمأةٌ وكمءٌ، وجَبْأةٌ وجَبْءٌ (^٥). وقال غير ابن الأعرابيِّ: بل هي على القياس: الكمأة للواحد، والكمء للكثير (^٦). وقال
_________________
(١) لم يذكره الحموي، فلا أدري أهذه الرقية من استنباطات المؤلف - ﵀ - ومجرَّباته أم أخذها من بعض الكتب.
(٢) كتاب الحموي (ص ١٣١ - ١٣٥)، (ص ٤٥١ - ٤٥٢).
(٣) البخاري (٤٤٧٨) ومسلم (٢٠٤٩) من حديث سعيد بن زيد.
(٤) «كتاب النبات» للدينوري (ص ٧١). وانظر ما حكاه عنه شمر في «تهذيب اللغة» (١٠/ ٤٠٩).
(٥) انظر: «شرح الشافية» للرضي (٢/ ١٩٣). وفي «التهذيب» عن أبي الهيثم: «لا يجمع على فَعْلة إلا كمء وكمأة، ورَجْل ورَجْلة». والجبأة من الكمأة.
(٦) في «التهذيب» أنه قول أبي خيرة وحده.
[ ٤ / ٥٣٢ ]
غيرهما: الكمأة تكون واحدًا وجمعًا (^١).
واحتجَّ أصحاب القول الأوَّل بأنَّهم قد جمعوا كَمْأً على أكمُؤٍ. قال الشَّاعر (^٢):
ولقد جنيتُك أكمُؤًا وعساقلًا ولقد نهيتُك عن بنات الأوبر (^٣)
وهذا يدلُّ على أنَّ كَمْأً مفردٌ، وكمأةً جمعٌ (^٤).
والكمأة تكون في الأرض من غير أن تزرع. وسمِّيت كمأةً لاستتارها. ومنه كمَأ الشَّهادةَ، إذا سترها وأخفاها. والكمأة مختفية (^٥) تحت الأرض، لا ورق لها ولا ساق. ومادَّتها من جوهرٍ أرضيٍّ بخاريٍّ محتقنٍ في الأرض نحو سطحها. يحتقن ببرد الشِّتاء، وتنمِّيه أمطار الرِّبيع، فيتولَّد ويندفع نحو سطح الأرض متجسِّدًا. ولذلك يقال لها: «جُدَريُّ الأرض» تشبيهًا بالجدريِّ في صورته ومادَّته، لأنَّ مادَّته رطوبةٌ دمويَّةٌ، تندفع عند سنِّ التَّرعرع في الغالب وفي ابتداء استيلاء الحرارة ونماء القوَّة.
_________________
(١) حكاه الحموي عن أبي زيد ولعل مصدره «كتاب النبات» (ص ٧١).
(٢) أنشده صاحب «العين» (٢/ ٢٩٠) وأبو عمرو الشيباني في «الجيم» (٢/ ٣٣٣) وأبو عبيد في «الغريب المصنَّف» (١/ ٤٨٤) والمبرِّد في «المقتضب» (٤/ ٤٨) وغيرهم، وهو من الشواهد النحوية المشهورة، ولم يعرف قائله.
(٣) جنيتُك: جنيتُ لك. العساقل: ضرب من الكمأة كبار بيض. بنات أوبر: ضرب من الكمأ صغار مزغَّب.
(٤) هذا الاحتجاج مع الشاهد من مصدر غير كتاب الحموي.
(٥) ل: «مخفيَّة»، وكذا في النسخ المطبوعة.
[ ٤ / ٥٣٣ ]
وهي ممَّا يوجد في الرَّبيع، ويؤكل نيئًا ومطبوخًا. وتسمِّيها العرب: «نبات الرَّعد» لأنَّها تكثر بكثرته، وتنفطر عنها الأرض. وهي من أطعمة أهل البوادي وتكثر بأرض العرب. وأجودها: ما كانت أرضها رملةً قليلة الماء.
وهي أصنافٌ. منها: صنفٌ قتَّالٌ يضرب لونه إلى الحمرة، يُحدث الاختناق.
وهي باردةٌ رطبةٌ في الدَّرجة الثانية (^١)، رديَّة للمعدة، بطيئة الهضم. وإذا أدمنت أورثت القُولنج، والسَّكتة، والفالج، ووجع المعدة، وعسر البول. والرَّطبةُ أقلُّ ضررًا من اليابسة. ومن أكلها فليدفنها في الطِّين الرَّطب، ويسلقها بالماء والملح والصَّعتر، ويأكلها بالزَّيت والتَّوابل الحارَّة؛ لأنَّ جوهرها أرضيٌّ غليظٌ وغذاؤها رديٌّ، لكن فيها جوهرٌ مائيٌّ لطيفٌ يدلُّ عليه خفَّتها. والاكتحالُ بها نافعٌ من ضعف البصر والرَّمد الحادِّ (^٢). وقد اعترف فضلاء الأطبَّاء بأنَّ ماءها يجلو العين. وممَّن ذكره: المسيحيُّ (^٣) وصاحب «القانون» (^٤) وغيرهما.
وقوله - ﷺ -: «الكمأة من المنِّ»، فيه قولان:
_________________
(١) في النسخ المطبوعة: «الثالثة».
(٢) في النسخ المطبوعة: «ظلمة البصر والرمد الحارّ». وفي كتاب الحموي كما أثبت، وانظر: «الأربعين الطبية» للموفق (ص ١١١).
(٣) كذا في جميع النسخ الخطية والمطبوعة وفي «الآداب الشرعية» (٣/ ١٢٨) و«فتح الباري» (١٧/ ٤٨١ ــ طبعة الرسالة) وكلاهما صادر عن «الزاد». والصواب: «مسيح» كما في كتاب الحموي. وقد سبق مثل هذا الخطأ في فصل هديه - ﷺ - في علاج ذات الجنب (ص ١١٤). وانظر ما تقدم أيضًا في هديه في رقية القرحة (ص ٢٦٨).
(٤) انظر: «القانون» (١/ ٥٢٧).
[ ٤ / ٥٣٤ ]
أحدهما: أنَّ المنَّ الذي أنزل على بني إسرائيل لم يكن هذا الحلو فقط بل أشياء كثيرةً منَّ الله عليهم بها من النَّبات الذي يوجد (^١) عفوًا من غير صنعةٍ ولا علاجٍ ولا حرثٍ. فإنَّ المنَّ مصدرٌ بمعنى المفعول، أي ممنونٌ به. فكلُّ ما رزقه الله العبدَ عفوًا بغير كسبٍ منه ولا علاجٍ فهو منٌّ من (^٢) الله تعالى عليه، لأنه لم يشُبْه كسبُ العبد، ولم يكدِّره تعبُ العمل. فهو (^٣) منٌّ محضٌ، وإن كانت سائر نعمه منًّا منه على عبده، فخصَّ منها ما لا كسب له فيه ولا صنع باسم «المنِّ» فإنَّه منٌّ بلا واسطة العبد. وجعل سبحانه قوتهم بالتِّيه الكمأة وهي تقوم مقام الخبز، وجعَل أُدمهم السَّلوى وهو يقوم مقام اللَّحم، وجعل حلواهم الطَّلَّ الذي ينزل على الأشجار يقوم لهم مقام الحلوى= فكمل عيشهم.
وتأمَّل قوله - ﷺ -: «الكمأة من المنِّ الذي أنزله الله على بني إسرائيل» فجعَلها من جملته، وفردًا من أفراده. والتَّرَنْجَبين الذي يسقط على الأشجار نوعٌ من المنِّ، ثمَّ غلب استعمال المنِّ عليه عُرفًا حادثًا.
والقول الثَّاني: أنَّه شبَّه الكمأة بالمنِّ المنزَّل من السَّماء، لأنَّه يُجمَع من غير تعبٍ ولا كلفةٍ، ولا زرع بزرٍ ولا سقيٍ (^٤).
_________________
(١) ز، س، ن: «يؤخذ».
(٢) هكذا ضبط في حط، ل. وفي س، ن ضبط: «مِن منِّ».
(٣) العبارة: «منٌّ من الله فهو» ساقطة من طبعة الرسالة.
(٤) وهذا قول أبي عبيد وغيره. انظر: «أعلام الحديث» (٣/ ١٨٠٠)، و«شرح البخاري» لابن بطال (٩/ ٤١٣)، و«كشف المشكل» لابن الجوزي (١/ ٢٥٧ - ٢٥٨). وهنا انتهى النقل من كتاب الحموي.
[ ٤ / ٥٣٥ ]
فإن قلت: فإذا كان هذا شأن الكمأة، فما بال هذا الضَّرر فيها؟ ومن أين أتاها ذلك؟ فاعلم أنَّ الله سبحانه أتقن كلَّ شيءٍ صنَعه، وأحسن كلَّ شيءٍ خلَقه، فهو عند مبدأ خلقه بريءٌ من الآفات والعلل، تامُّ المنفعة لما هيِّئ وخُلِق (^١). وإنَّما تعرض له الآفات بعد ذلك بأمورٍ أخرى من مجاورةٍ أو امتزاجٍ واختلاطٍ أو أسبابٍ أُخَر تقتضي فساده. فلو تُرك على خلقته الأصليَّة من غير تعلُّق أسباب الفساد به لم يفسد.
ومن له معرفةٌ بأحوال العالم ومبدئه يعرف أنَّ جميع فساده (^٢) في جوِّه ونباته وحيوانه وأحوال أهله حادثٌ بعد خلقه، بأسبابٍ اقتضت حدوثه. ولم تزل أعمال بني آدم ومخالفتهم للرُّسل تُحدث لهم من الفساد العامِّ والخاصِّ ما يجلب عليهم من الآلام والأمراض والأسقام والطَّواعين، والقحوط والجدوب، وسَلْب بركات الأرض وثمارها ونباتها، وسَلْبِ منافعها، أو نقصانها= أمورًا متتابعةً يتلو بعضها بعضًا.
فإن لم يتَّسع علمك لهذا، فاكتفِ بقوله سبحانه: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ [الروم: ٤١] (^٣)، ونزِّل هذه الآية على أحوال
_________________
(١) في ل بعده زيادة: «له» وكذا في طبعة الفقي. وهذه الزيادة ليست بلازمة، فالعائد يجوز حذفه إن جُرَّ بحرفٍ وجُرَّ الموصول بمثله لفظًا ومعنًى، كقوله تعالى: ﴿وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ﴾ أي مما تشربون منه.
(٢) هكذا في ن. وفي غيرها: «فساد»، وقد ضبط الدال في س بتنوين الكسرة. وكتب ناسخ ل «فساد العالم» ثم ضرب على لفظ «العالم»، وضبط الدال بتنوين الكسرة. وفي النسخ المطبوعة: «الفساد».
(٣) هنا انتهى الخرم في الأصل (ف).
[ ٤ / ٥٣٦ ]
العالم، وطابِق بين الواقع وبينها، وأنت ترى كيف تحدث الآفات والعلل كلَّ وقتٍ في الثِّمار والزَّرع والحيوان، وكيف تحدث من تلك الآفات آفاتٌ أخر متلازمةٌ، بعضُها آخذٌ برقاب بعضٍ. وكلَّما أحدث النَّاس ظلمًا وفجورًا أحدث لهم ربُّهم ﵎ من الآفات والعلل في أغذيتهم وفواكههم وأهويتهم ومياههم وأبدانهم وخلقهم وصورهم وأشكالهم وأخلاقهم، من النَّقص والآفات ما هو موجَبُ أعمالهم وظلمهم وفجورهم.
ولقد كانت الحبوب من الحنطة وغيرها أكبر ممَّا هي اليوم كما كانت البركة فيها أعظم. وقد روى الإمام أحمد (^١) بإسناده: أنَّه وُجِد في خزائن بعض بني أميَّة صُرَّةٌ فيها حنطةٌ أمثال نوى التَّمر، مكتوبٌ عليها: هذا كان ينبت أيَّام العدل. وهذه القصَّة ذكرها في «مسنده» على إثر حديثٍ رواه (^٢).
وأكثر هذه الآفات والأمراض (^٣) العامَّة بقيَّةُ عذابٍ عذِّبت به الأمم السَّالفة ثمَّ بقيت منها بقيَّةٌ مُرْصَدةٌ لمن بقيت عليه بقيَّةٌ من أعمالهم حكمًا قسطًا وقضاءً عدلًا. وقد أشار النَّبيُّ - ﷺ - إلى هذا بقوله في الطَّاعون: «إنَّه بقيَّة
_________________
(١) برقم (٧٩٤٩) بإسناده عن أبي قحذم قال: «وُجد في زمن زياد ــ أو: ابن زياد ــ صرَّةٌ فيها حبٌّ أمثالُ النَّوى، عليه مكتوبٌ: هذا نبَت في زمانٍ كان يُعمَل فيه بالعدل». وأخرجه ابن أبي شيبة (٣٦٣١٢) والعباس الدوري في «تاريخه» عن ابن معين (٣٨٩٧) والدينوري في «المجالسة» (١/ ٣٩٤) بمثله. وأبو قحذم لا يعرف مَن هو. وانظر: تعليق محققي «المسند».
(٢) نقلها المصنف في «الداء والدواء» (ص ١٦٠) أيضًا.
(٣) ز، حط، ن: «الأمراض والآفات».
[ ٤ / ٥٣٧ ]
رجزٍ أو عذابٍ أُرسل على بني إسرائيل» (^١).
وكذلك سلَّط الله سبحانه الرِّيحَ على قوم عاد سبع ليالٍ وثمانية أيَّامٍ، ثمَّ أبقى في العالم منها بقيَّةً في تلك الأيَّام أو في نظيرها عظة وعبرة.
وقد جعل الله سبحانه أعمال البرِّ والفجور مقتَضِياتٍ لآثارها في هذا العالم اقتضاءً لا بدَّ منه. فجعل منعَ الإحسان والزَّكاة والصَّدقة سببًا لمنع الغيث من السَّماء والقَحْط والجَدْب، وجعل ظلمَ المساكين والبخسَ في المكاييل والموازين وتعدِّي القويِّ على الضَّعيف سببًا لجور الملوك والولاة الذين لا يَرحمون إن استُرْحِموا، ولا يَعطِفون إن استُعْطِفوا. وهم في الحقيقة أعمال الرَّعايا ظهرت في صور ولاتهم. فإنَّ الله سبحانه بحكمته وعدله يُظهِر للنَّاس أعمالَهم في قوالب وصورٍ تناسبها: فتارةً بقحطٍ وجدبٍ، وتارةً بعدوٍّ، وتارةً بولاةٍ جائرين، وتارةً بأمراضٍ عامَّةٍ، وتارةً بهمومٍ وآلامٍ وغمومٍ تحضرها نفوسُهم لا ينفكُّون عنها، وتارةً بمنع بركات السَّماء والأرض عنهم، وتارةً بتسليط الشَّياطين عليهم تؤزُّهم إلى أسباب العذاب أزًّا، لتحقَّ عليهم الكلمة، وليصير كلٌّ منهم إلى ما خُلِق له.
والعاقلُ يسيِّر بصيرته بين أقطار العالم، فيشاهده، وينظر مواقع عدل الله وحكمته. وحينئذٍ يتبيَّن له أنَّ الرُّسل وأتباعهم خاصَّةً على سبيل النَّجاة، وسائرُ الخلق على سبيل الهلاك سائرون، وإلى دار البوار صائرون. والله بالغٌ أمره، لا معقِّب له، ولا رادَّ لأمره. وباللَّه التَّوفيق.
_________________
(١) أخرجه بهذا اللَّفظ التِّرمذيُّ (١٠٦٥)، وابن حبَّان (٢٩٥٤)، من حديث أسامة بن زيد - ﵄ -، وقال التِّرمذي: «حديث حسن صحيح». وهو في الصَّحيحين، وقد تقدَّم تخريجه.
[ ٤ / ٥٣٨ ]
فصل في قوله ﷺ في الكمأة: «وماؤها شفاء للعين»
فصل (^١)
وقوله - ﷺ - في الكمأة: «وماؤها شفاءٌ للعين» فيه ثلاثة أقوالٍ:
أحدها: أنَّ ماءها يُخْلَط في الأدوية الَّتي يعالَج بها العين، لا أنَّه يستعمل وحده. ذكره أبو عبيدٍ (^٢).
الثَّاني: أنَّه يُستعمَل بحتًا بعد شيِّها واستقطار مائها، لأنَّ النَّار تلطِّفه وتُنْضِجه، وتذيب فضلاته ورطوبته المُرْدِية (^٣)، ويبقى النَّافعُ (^٤).
الثَّالث: أنَّ المراد بمائها الماءُ الذي يحدث به من المطر، وهو أوَّل قطرٍ ينزل إلى الأرض، فتكون الإضافة إضافة اقترانٍ، لا إضافة جزءٍ. ذكره ابن الجوزيِّ (^٥)، وهو أبعد الوجوه وأضعفها.
وقيل: إن استعمل ماؤها لتبريد ما في العين، فماؤها مجرَّدًا شفاء. وإن
_________________
(١) لفظ «فصل» ساقط من طبعة الفقي وكذا من طبعة الرسالة.
(٢) في «غريب الحديث» (١/ ٣٨٨).
(٣) ن: «المؤذية».
(٤) أعجم حرف المضارعة في «يبقى» في ز، حط فقط. وضبط «النافع» في ل بضم العين. وفي النسخ المطبوعة: «وتبقى المنافع». ونقل ابن الجوزي هذا القول في «كشف المشكل» (١/ ١٥٩) عن إبراهيم الحربي. قال إبراهيم: وقال لي صالح وعبد الله ابنا أحمد بن حنبل: إنهما اشتكت أعينهما، فأخذا كمأة، فدقَّاها وعصراها، فاكتحلا بمائها، فهاجت أعينهما ورمدت.
(٥) نقله في «كشف المشكل» (١/ ٢٥٩) عن شيخه أبي بكر بن عبد الباقي. وانظر: «لقط المنافع» لابن الجوزي (١/ ٣٧٤). والمصنف صادر عن كتاب الحموي (ص ١٣٥).
[ ٤ / ٥٣٩ ]
كباث
كان لغير ذلك فمركَّبٌ مع غيره (^١).
وقال الغافقي: ماء الكمأة أصلح الأدوية للعين إذا عُجِن به الإثمد واكتُحِل به. ويقوِّي أجفانها، ويزيد الرُّوح الباصر قوَّةً وحدَّةً، ويدفع عنها نزول النَّوازل (^٢).
كَبَاث (^٣): في «الصَّحيحين» (^٤): من حديث جابر بن عبد الله قال: كنَّا مع رسول الله - ﷺ - نجني الكَباث، فقال: «عليكم بالأسود منه، فإنَّه أطيبه».
الكَبَاث بفتح الكاف والباء الموحَّدة المخفَّفة والثَّاء المثلَّثة: ثمر الأراك، وهو بأرض الحجاز (^٥). وطبعه حارٌّ يابسٌ. ومنافعه كمنافع الأراك: يقوِّي المعدة، ويجيد الهضم، ويجلو البلغم، وينفع من أوجاع الظَّهر وكثيرٍ من الأدواء.
_________________
(١) نقله القاضي عياض في «إكمال المعلم» (٦/ ٥٣٥) عن «بعض أهل المعرفة بالطب والحذق فيه».
(٢) لم يرد قول الغافقي في كتاب الحموي. وقد نقله ابن البيطار في «المفردات» (٤/ ٧٩)، وفيه: «وفيه ــ يعني: ماء الكمأة ــ قوة وحدة، ويدفع عنها نزول الماء».
(٣) كتاب الحموي (ص ٤٥٥).
(٤) البخاري (٣٤٠٦) ومسلم (٢٠٥٠).
(٥) بعده في كتاب الحموي: «معروف». حكاه الحموي عن «الأصمعي والهروي وغيرهما». وقول الأصمعي: «البَرير: ثمر الأراك. والغضُّ منه: المرد. والنضيج: الكَباث، وأسوده أشدُّه نضجًا». انظر: «غريب الحديث» لابن قتيبة (١/ ٤٣٥) و«كشف المشكل» لابن الجوزي (٣/ ٩).
[ ٤ / ٥٤٠ ]
كتم
قال ابن جُلْجُل (^١): إذا شُرب طبيخُه (^٢) أدرَّ البول ونقَّى المثانة.
وقال ابن رضوان (^٣): يقوِّي المعدة، ويمسك الطَّبيعة.
كَتَم (^٤): روى البخاريُّ في «صحيحه» (^٥): عن عثمان بن عبد الله بن مَوْهَبٍ قال: دخلنا على أم سلمة فأخرجت إلينا شعرًا من شعر رسول الله - ﷺ -، فإذا هو مخضوبٌ بالحنَّاء والكتم.
وفي «السُّنن الأربعة» (^٦) عن النَّبيِّ - ﷺ - أنَّه قال: «إنَّ أحسنَ ما غيَّرتم به الشَّيبَ: الحنَّاء والكتَم».
_________________
(١) طبيب أندلسي مشهور من أهل قرطبة. توفي بعد سنة ٣٧٧. ترجمته في «طبقات الأطباء» (٣/ ٧٥ - ٧٧) و«الأعلام» (٣/ ١٢٣).
(٢) في النسخ المطبوعة عدا الطبعة الهندية: «طحينه»، وهو تحريف، فالطحين يُسَفُّ، لا يشرب.
(٣) أبو الحسن علي بن رضوان المصري، رئيس الأطباء للحاكم صاحب مصر (ت ٤٥٣). ترجمته في «طبقات الأطباء» (٣/ ١٦٤ - ١٧٤) و«الأعلام» (٤/ ٢٨٩).
(٤) كتاب الحموي (ص ٤٥٦) ورسم «وسمة» (ص ٤٢٧ - ٤٣١).
(٥) برقم (٥٨٩٧) ولم يذكر في روايته الحناء والكتم. وذُكرا في حديثها في «مسند أحمد» (٢٦٥٣٥) و«سنن ابن ماجه» (٣٦٢٣).
(٦) «سنن أبي داود» (٤٢٠٥)، «جامع التِّرمذي» (١٧٥٣)، «سنن النَّسائي» (٥٠٧٨ - ٥٠٨٠)، سنن ابن ماجه (٣٦٢٢)، من حديث أبي ذر - ﵁ -. وأخرجه أيضًا أحمد (٢١٣٠٧، ٢١٣٣٧، ٢١٣٣٨، ٢١٣٦٢، ٢١٣٨٦، ٢١٤٨٩)، وغيره. ويُروى مرسلًا. قال التِّرمذي: «هذا حديث حسن صحيح»، وصحَّحه ابن حبَّان (٥٤٧٤)، وهو في «السِّلسلة الصَّحيحة» (١٥٠٩).
[ ٤ / ٥٤١ ]
وفي «الصَّحيحين» (^١): عن أنس أنَّ أبا بكر اختضب بالحنَّاء والكتَم.
وفي «سنن أبي داود» (^٢): عن ابن عبَّاسٍ قال: مرَّ على النَّبيِّ - ﷺ - رجلٌ قد خضَب بالحنَّاء، فقال: «ما أحسن هذا». فمرَّ آخر قد خضب بالحنَّاء والكَتَم، فقال: «هذا أحسَنُ من هذا». فمرَّ آخر قد خضَب بالصُّفرة، فقال: «هذا أحسن من هذا كلِّه».
قال الغافقي: الكتَمُ نبتٌ ينبت بالسُّهول، ورقه قريبٌ من ورق الزَّيتون، يعلو فوق القامة. وله ثمرٌ قدر حبِّ الفلفل، في داخله نوًى إذا رُضِخ اسودَّ. وإذا استُخْرجت عصارة ورقه وشُرِب منها قدرُ أوقيَّةٍ قيَّأ قيئًا (^٣) شديدًا، وينفع من عضَّة الكلب. وأصل الكتَم إذا طُبِخ بالماء كان منه مدادٌ يكتب به (^٤).
وقال الكندي (^٥): بزرُ الكتَم إذا اكتُحِل به حلَّل الماء النَّازل في العين وأبرأه (^٦).
وقد ظنَّ بعض النَّاس (^٧) أنَّ الكتَم هو الوَسْمة، وهي ورق النِّيل. وهذا
_________________
(١) البخاري (٣٩١٩) ومسلم (٢٣٤١).
(٢) برقم (٤٢١١). وأخرجه أيضًا ابن ماجه (٣٦٢٧)، والطَّحاويُّ في «مشكل الآثار» (٣٦٩٦، ٣٦٩٧)، وابن عديٍّ في «الكامل» (٣/ ٨٢). وفي إسناده حميد بن وهب القرشي، قال العقيليُّ في «الضُّعفاء» (١/ ٢٦٩): «لا يُتابع على حديثه، وحميد مجهولٌ في النَّقل».
(٣) رسمها في الأصل وغيره: «قَيَّى قيًّا» بتسهيل الهمزة.
(٤) انظر قول الغافقي في «مفردات ابن البيطار» (٤/ ٥١ - ٥٢).
(٥) أبو يوسف يعقوب بن إسحاق، الفيلسوف الطبيب وأحد أبناء ملوك العرب. توفي نحو سنة ٢٦٠. ترجمته في «عيون الأنباء» (٢/ ١٧٨ - ١٩٠).
(٦) قول الكندي قد نقله الغافقي مع تعقيبه عليه.
(٧) انظر: «أعلام الحديث» للخطابي (٢/ ٥٩٣) و«معالم السنن» له (٤/ ٢١٢). وممن ذهب إليه: ابن جزلة في «منهاج البيان» (ص ٦٩٠) وردَّ عليه ابن البيطار في كتاب «الإبانة والإعلام» خ الحرم المكي (ق ٦٧/أ).
[ ٤ / ٥٤٢ ]
بحث في خضاب النبي ﷺ
وهمٌ فإنَّ الوسمة غير الكتَم. قال صاحب «الصِّحاح» (^١): الكتَم بالتَّحريك: نبتٌ يُخْلَط بالوَسِمة (^٢) يختضب به.
قيل: والوَسْمة نباتٌ له ورقٌ طويلٌ يضرب لونه إلى الزُّرقة، أكبر من ورق الخِلاف، يُشبه ورقَ اللُّوبيا وأكبر منه، يؤتى به من الحجاز واليمن.
فإن قيل: فقد ثبت في الصَّحيح عن أنس أنَّه قال: لم يختضب النَّبيُّ - ﷺ - (^٣).
قيل: قد أجاب أحمد بن حنبلٍ عن هذا، وقال: قد شهد به غير أنس على رسول الله - ﷺ - أنَّه خضب، وليس من شهد بمنزلة من لم يشهد (^٤). فأحمد أثبت خضابَ النَّبيِّ - ﷺ - ومعه جماعةٌ من المحدِّثين. ومالك أنكره (^٥).
فإن قيل: قد ثبت في «صحيح مسلم» (^٦) النَّهيُ عن الخضاب بالسَّواد في
_________________
(١) في مادة كتم (٥/ ٢٠١٩)، والنقل من كتاب الحموي (ص ٤٢٨).
(٢) ضبطها صاحب «الصحاح» في مادة (وسم) بكسر السين، وقال: «وتسكينها لغة».
(٣) أخرجه البخاري (٥٨٩٥) ومسلم (٢٣٤١).
(٤) ذكره الخلال في «الوقوف والترجُّل» (ص ١٣٢، ١٣٣) من رواية عبد الملك. والإيراد والجواب كلاهما منقول من كتاب الحموي (ص ٤٣٠)، والمختار في الجواب عنده: «أنه - ﷺ - صبغ في وقت، وترك في معظم الأوقات، فأخبر كلٌّ بما رأى، وهو صادق».
(٥) انظر: «الجامع في السنن والآداب» لابن أبي زيد القيرواني (ص ٢٠٦).
(٦) برقم (٢١٠٢).
[ ٤ / ٥٤٣ ]
شأن أبي قحافة، لمَّا أُتي به، ورأسُه ولحيتُه كالثَّغامة بياضًا، فقال: «غيِّروا هذا بشيءٍ (^١)، وجنِّبوه السَّواد». والكتَمُ يسوِّد الشَّعر (^٢).
فالجواب من وجهين:
أحدهما: أنَّ النَّهي عن التَّسويد البحت. فأمَّا إذا أضيف إلى الحنَّاء شيءٌ آخر كالكتَم ونحوه، فلا بأس به؛ فإنَّ الكتم والحنَّاء يجعل الشَّعر بين الأحمر والأسود، بخلاف الوَسِمة فإنَّها تجعله أسود فاحمًا. وهذا أصحُّ الجوابين.
الجواب الثَّاني: أنَّ الخضاب بالسَّواد المنهيِّ عنه خضاب التَّدليس كخضاب (^٣) شَعْر الجارية والمرأة الكبيرة تغرُّ الزَّوجَ والسَّيِّدَ بذلك، وخضابِ الشَّيخ يغرُّ المرأةَ بذلك؛ فإنَّه من الغشِّ والخداع. فأمَّا إذا لم يتضمَّن تدليسًا ولا خداعًا فقد صحَّ أن الحسن والحسين (^٤) كانا يخضبان بالسَّواد. ذكر ذلك ابن جريرٍ عنهما في كتاب «تهذيب الآثار» (^٥). وذكره عن
_________________
(١) ل: «الشيب»، وكذا في طبعة عبد اللطيف وما بعدها.
(٢) هذا الإيراد مع جوابه إلى آخر الفصل لم يرد منه في كتاب الحموي إلا ذكر خضاب الحسن والحسين من «تهذيب الآثار»، وخضاب السلف عمومًا عن ابن الجوزي.
(٣) س، ل: «فخضاب».
(٤) في النسخ المطبوعة: «صحَّ عن الحسن والحسين أنهما».
(٥) «تهذيب الآثار» (٨٣٧ - ٨٤٢، ٨٤٧ ــ مسند باقي العشرة). وأخرجه أيضًا معمر في «الجامع» (٢٠١٨٤، ٢٠١٩٠)، وابن أبي شيبة (٢٥٥٢٠)، وابن أبي الدُّنيا في «العمر والشَّيب» (٩)، وابن أبي عاصم في «الآحاد والمثاني» (٤١١، ٤١٢)، والطَّبراني في «الكبير» (٣/ ٢١ - ٢٢، ٩٨ - ١٠٠). وخضاب الحسين - ﵄ - بالوسمة أخرجه البخاريُّ (٣٧٤٨).
[ ٤ / ٥٤٤ ]
عثمان بن عفَّان (^١)، وعبد الله بن جعفرٍ، وسعد بن أبي وقَّاصٍ، وعُقبة بن عامرٍ، والمغيرة بن شعبة، وجرير بن عبد اللَّه، وعمرو بن العاص. وحكاه عن جماعةٍ من التَّابعين، منهم: عمرو بن عثمان، وعليُّ بن عبد الله بن عبَّاسٍ، وأبو سلَمة بن عبد الرَّحمن، وعبد الرَّحمن بن الأسود، وموسى بن طلحة، والزُّهريُّ، وأيوب، وإسماعيل بن معدي كرب.
وحكاه ابن الجوزيِّ (^٢) عن محارب بن دثارٍ، ويزيد [الرِّشْك، والحجَّاج بن أرطاة] (^٣)، وابن جريجٍ، وأبي يوسف (^٤)، وأبي إسحاق (^٥)،
_________________
(١) «تهذيب الآثار» (٨٣٥ ــ مسند باقي العشرة). وأخرجه أيضًا الدّولابيُّ في «الكنى» (٢/ ٧١٥)، وأبو نعيم في «معرفة الصَّحابة» (٢٣٢).
(٢) في «لقط المنافع» (١/ ٤٨٦).
(٣) ما بين الحاصرتين من «لقط المنافع» (١/ ٤٨٦)، وقد وقع بعد «يزيد» في الأصل (ف)، ل بياض بقدر كلمتين أو ثلاث، ولا بياض في غيرها ولا في النسخ المطبوعة.
(٤) كذا في جميع النسخ الخطية والمطبوعة، وفي المطبوع من «اللقط»: «أبو يعقوب» وفي «الشيب والخضاب» (٧١/ب) عن سعيد بن مسلمة قال: «رأيت أبا يعقوب العامري يخضب بالسواد»، وكذا في مصدره كتاب «العمر والشيب» لابن أبي الدنيا (ص ٤٨). والظاهر أن الصواب: «أبي يعفور» كما ورد في نسخة برلين من كتاب «اللقط» بخط أبي بكر بن زيد الجراعي (٥٠/أ). وهو أبو يعفور عبد الرحمن بن عبيد بن نسطاس الثعلبي العامري. روى عن أبيه وإبراهيم النخعي، والشعبي وغيرهم. ترجمته في «تهذيب الكمال» (١٧/ ٢٦٩).
(٥) كذا في النسخ الخطية والمطبوعة، والصواب: «ابن إسحاق» كما في «اللقط». وقد أخرجه في «الشيب والخضاب» (٧٢/أ) بسنده عن جرير بن عبد الحميد قال: «ورأيت محمد بن إسحاق يخضب بالسواد». ومصدره «تاريخ بغداد» للخطيب (٨/ ١٨٤).
[ ٤ / ٥٤٥ ]
كرم
وابن أبي ليلى، وزياد بن علاقة، وغيلان بن جامع، ونافع بن جبيرٍ، وعمر (^١) بن علي المُقَدَّمي، والقاسم بن سلام.
كَرْم (^٢): شجرة العنب، وهي الحَبْلة. ويكره تسميتها «كرمًا» لما روى مسلم في «صحيحه» (^٣) عن النَّبيِّ - ﷺ - أنَّه قال: «لا يقولنَّ أحدكم للعنب: الكَرْم. الكَرْم: الرَّجل المسلم». وفي روايةٍ (^٤): «إنَّما الكَرْم قلبُ المؤمن». وفي أخرى (^٥): «لا تقولوا: الكَرْم، وقولوا: العنب والحَبْلة».
وفي هذا معنيان:
أحدهما: أنَّ العرب كانت تسمِّي شجرة العنب: «الكَرْم» لكثرة منافعها وخيرها، فكره النَّبيُّ - ﷺ - تسميتها باسمٍ يهيج النُّفوس على محبَّتها ومحبَّة ما يتَّخذ منها من المُسْكر، وهو أمُّ الخبائث؛ فكره أن يسمَّى أصلُه بأحسن الأسماء وأجمعها للخير.
والثَّاني: أنَّه من باب قوله: «ليس الشَّديد بالصُّرعة» (^٦). «وليس المسكين بالطَّوَّاف» (^٧). أي: أنَّكم تسمُّون شجرة العنب كرمًا لكثرة منافعه، وقلبُ المؤمن أو الرَّجلُ المسلمُ أولى بهذا الاسم منه، فإنَّ المؤمن خيرٌ كلُّه ونفعٌ.
_________________
(١) في النسخ المطبوعة: «عمرو»، تحريف.
(٢) كتاب الحموي (ص ٤٥٧ - ٤٥٨).
(٣) برقم (٢٢٤٧) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.
(٤) عند البخاري (٦١٨٣) ومسلم (٢٢٤٧/ ٧) عن حديث أبي هريرة.
(٥) عند مسلم (٢٢٤٨) من حديث وائل بن حجر - ﵁ -.
(٦) أخرجه البخاري (٦١١٤) ومسلم (٢٦٠٩) من حديث أبي هريرة.
(٧) أخرجه البخاري (١٤٧٩) ومسلم (١٠٣٩) من حديث أبي هريرة.
[ ٤ / ٥٤٦ ]
فهو من باب التَّنبيه والتَّعريف لما في قلب المؤمن من الخير والكرم (^١) والجود، والإيمان والنُّور، والهدى والتَّقوى، والصِّفات الَّتي يُستحَقُّ بها هذا الاسمُ أكثر من استحقاق الحَبْلة له (^٢).
وبعد: فقوَّة الحبلة باردةٌ يابسةٌ. وورقُها وعلائقُها (^٣) وعُرْمُوشُها (^٤) مبرِّدٌ في آخر الدَّرجة الأولى. إذا دُقَّت وضمِّد بها من الصُّداع سكَّنته، ومن (^٥) الأورام الحارَّة والتهاب المعدة. وعصارةُ قضبانه إذا شُربت سكَّنت القيء (^٦)، وعقَلت البطن. وكذلك إذا مُضِغت قلوبها الرَّطبة. وعصارةُ ورقها تنفع من قروح الأمعاء ونفث الدَّم وقيئه، ووجع المعدة. ودمعة شجره التي
_________________
(١) «والكرم» ساقط من النسخ المطبوعة.
(٢) انظر للمعنى الأول: «غريب الحديث» للخطابي (١/ ٦٦٤ - ٦٦٥) و«المعلم» للمازري (٣/ ١٩١). وقد ذكر المعنى الثاني ورجَّحه القرطبي في «المفهم» (٥/ ٥٥٠ - ٥٥١). وقد ذكر المصنف المعنيين في المجلَّد الثاني من هذا الكتاب أيضًا دون ترجيح. وفي «مفتاح دار السعادة» (ص ٣٥٢، ٦٥٨ - ٦٥٩) و«تهذيب السنن» (٣/ ٣٧٤ - ٣٧٧) رجَّح المعنى الثاني.
(٣) يعني: خيوطها.
(٤) في كتاب الحموي: «عساليجه» يعني: عساليج الكرم. والعُسْلوج: ما لان من قضبان الشجر أول ما تنبت. وقد استبدل به المصنف لفظ «عُرموش»، وهو من ألفاظ العامة للعُمشوش، وهو العنقود إذا أكل بعضُ ما عليه، ومثله العمشوق. والعامة تقول: عملوش وعرموش وعمروش. انظر: «متن اللغة» (٤/ ٢٠٧).
(٥) يعني: ونفعت من الأورام إلخ. وفي س، ل: «من» بحذف الواو قبلها. وسياق الحموي: «وتنفع إذا دُقَّت وضمِّد بها من الصداع والأورام ».
(٦) في الأصل (ف) بعده: «المِرِّيَّ» مضروبًا عليه. ولا أدري لماذا ضُرِب عليه، مع أنه ورد في كتاب الحموي أيضًا.
[ ٤ / ٥٤٧ ]
كرفس
تجمد (^١) على القضبان كالصَّمغ إذا شربت أخرجت الحصاة. وإذا لطِّخ بها أبرأت القوابي (^٢) والجرَبَ المتقرَّح وغيره. وينبغي غسلُ العضو قبل استعمالها بالماء والنَّطرون (^٣). وإذا تُمسِّح بها مع الزَّيت حلقت الشَّعرَ. ورمادُ قضبانه إذا تضُمِّد به مع الخلِّ ودهنِ الورد والسَّذابِ نفَع من الورم العارض في الطِّحال. وقوَّةُ دهن زهرة الكرم قابضةٌ شبيهةٌ بقوَّة دهن الورد.
ومنافعها كثيرةٌ قريبةٌ من منافع النَّخلة.
كَرَفْس (^٤): روي فيه حديثٌ لا يصحُّ عن رسول الله - ﷺ - أنَّه قال: «من أكله ثمَّ نام عليه نام ونكهتُه طيِّبةٌ، وينام آمنًا من وجع الأضراس والأسنان» (^٥).
وهذا باطلٌ على رسول الله - ﷺ -، ولكنَّ البستانيَّ منه يطيِّب النَّكهة جدًّا، وإذا علِّق أصلُه في الرَّقبة نفَع من وجع الأسنان (^٦). وهو حارٌّ يابسٌ، وقيل:
_________________
(١) رسمه في النسخ الخطية يشبه: «تحمل»، وكذا في النسخ المطبوعة، وهو تصحيف ما أثبت من كتاب الحموي.
(٢) جمع القوباء، وقد تقدم تفسيرها في رسم «الأترج».
(٣) تقدم تفسيره في رسم «الحلبة».
(٤) كتاب الحموي (ص ٤٥٨ - ٤٥٩).
(٥) أخرجه أبو طاهر السِّلَفيُّ في «الطُّيوريَّات» (١١٥٠) عن عائشة - ﵂ - في حديثٍ طويل. وحكم بوضعه أيضًا ابن مُفلح في «الآداب الشَّرعيَّة» (٣/ ٤٤). وينظر: «ذيل الموضوعات» (ص ١٤١)، و«تنزيه الشَّريعة» (٢/ ٢٦٦). وعدَّ الصَّغاني الأحاديث الواردة في فضائل الكرافس في «الموضوعات» (ص ٧١).
(٦) نقله الحموي عن ابن سينا، ونصُّ قوله: «وقيل: إذا عُلِّق ». وانظر: «القانون» (١/ ٥٢٩).
[ ٤ / ٥٤٨ ]
كراث
رطبٌ. مفتِّحٌ لسُدَد الكبد والطِّحال. وورقه رطبًا ينفع المعدة والكبد الباردة، ويُدِرُّ البول والطَّمث، ويفتِّت الحصاة. وحبُّه أقوى في ذلك، ويهيِّج الباه، وينفع من البخَر. قال الرازي: وينبغي أن يجتنب أكله إذا خيف من لدغ العقارب (^١).
كُرَّاث (^٢): فيه حديثٌ لا يصحُّ عن رسول الله - ﷺ -، بل هو باطلٌ موضوعٌ: «من أكل الكرَّاث ثمَّ نام عليه نام آمنًا من ريح البواسير، واعتزله الملك لنتن نكهته حتَّى يصبح» (^٣).
وهو نوعان: نبطيٌّ وشاميٌّ. فالنَّبطيُّ: هو البقل الذي يوضع على المائدة. والشَّاميُّ: الذي له رؤوسٌ.
وهو حارٌّ يابسٌ، مصدِّعٌ. وإذا طُبِخ وأُكِل أو شُرِب ماؤه نفَع من البواسير الباردة (^٤).
وإن سُحِق بزرُه وعُجِن بقَطِرانٍ وبُخِّرت به الأضراس الَّتي فيها الدُّود نثَرها وأخرجها، وسكَّن (^٥) الوجع العارض فيها (^٦).
_________________
(١) انظر لقول الرازي: «مفردات ابن البيطار» (٤/ ٥٤).
(٢) كتاب الحموي (ص ٤٥٩ - ٤٦٠).
(٣) هذا جزء من الحديث السَّابق، أخرجه أبو طاهر السِّلفي في «الطُّيوريَّات» (١١٥٠) عن عائشة - ﵂ -. ينظر: التَّخريج السَّابق.
(٤) هذه الفقرة نقلها الحموي عن ابن ماسه.
(٥) في النسخ المطبوعة: «يسكِّن».
(٦) هذه عن ابن ماسويه، والتالية عن ماسرجويه.
[ ٤ / ٥٤٩ ]
لحم
وإذا دُخِّنت المقعدة ببزره جفَّفت (^١) البواسير.
هذا كلُّه في الكرَّاث النَّبطيِّ. وفيه مع ذلك إفسادُ الأسنان واللَّثة. ويُصدِّع، ويُري أحلامًا رديَّةً، ويظلم البصر، ويُنتِّن النَّكهة. وفيه إدرارٌ للبول والطَّمث، وتحريكٌ للباه، وهو بطيء الهضم (^٢).
حرف اللام
لحمٌ: قال تعالى: ﴿وَأَمْدَدْنَاهُمْ بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ [الطور: ٢٢]. وقال: ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ [الواقعة: ٢١].
وفي «سنن ابن ماجه» (^٣) من حديث أبي الدَّرداء عن رسول الله - ﷺ -: «سيِّدُ طعام أهل الدُّنيا وأهل الجنَّة: اللَّحم». ومن حديث بريدة يرفعه: «خيرُ الإدام في الدُّنيا والآخرة: اللَّحم» (^٤).
_________________
(١) كذا في الأصل (ف)، وفي النسخ الأخرى دون إعجام أوله. وفي كتاب الحموي: «جفَّف» وهو أقرب، يعني: البذر. وكذا في ن دون إعجام أوله. وفي النسخ المطبوعة: «خفت»، تصحيف، فإن لفظ ماسرجويه في «مفرادات ابن البيطار» (٤/ ٦٢): «أذهبَ البواسير».
(٢) هذه الفقرة صدَّرها الحموي بـ «قلتُ».
(٣) برقم (٣٣٠٥). وقد تقدَّم تخريجه.
(٤) هو جزء من حديث الفاغية الَّذي أخرجه ابن قتيبة في «غريب الحديث» (١/ ٢٩٨)، والطَّبراني في «الأوسط» (٧٤٧٧)، وغيرهما، وقد تقدَّم تخريجه. قال العقيليُّ في «الضُّعفاء» (٣/ ٢٥٨): «لا يثبت في هذا المتن عن النَّبيِّ - ﷺ - شيءٌ»؛ وحسَّنه ابنِ مُفلح في «الآداب الشَّرعيَّة» (٢/ ٤١٣). وينظر: «المقاصد الحسنة» (٥٧٧)، و«تنزيه الشَّريعة» (٢/ ٢٤٨)، و«الفوائد المجموعة» (ص ١٦٧ - ١٦٨).
[ ٤ / ٥٥٠ ]
وفي الصَّحيح عنه - ﷺ -: «فضل عائشة على النِّساء كفضل الثَّريد على سائر الطَّعام» (^١).
والثَّريد: الخبز واللَّحم. قال الشَّاعر:
إذا ما الخبزُ تأدِمُه بلحمٍ فذاك أمانةَ اللهِ الثَّريدُ (^٢)
وقال الزُّهريُّ: أكلُ اللَّحم يزيد سبعين قوَّةً (^٣).
وقال محمَّد بن واسعٍ: اللَّحم يزيد في البصر (^٤).
ويروى عن عليِّ بن أبي طالبٍ: كلوا اللَّحم، فإنَّه يصفِّي اللَّون، ويخمُص البطن، ويحسِّن الخلق (^٥).
وقال نافع: كان ابن عمر إذا كان رمضان لم يفته اللَّحم، وإذا سافر لم يفته اللَّحم (^٦).
_________________
(١) أخرجه البخاري (٣٤١١) ومسلم (٢٤٣١) من حديث أبي موسى الأشعري.
(٢) من الشواهد النحوية المشهورة على حذف حرف القسم ونصب المقسم به. وروي «أمانةُ الله» بالرفع أيضًا. وهو من شواهد سيبويه (٣/ ٦١، ٤٩٨) وفي الموضع الأول منه: «ويقال: وضعه النحويون». ورواه الحربي في «غريبه» (٣/ ١١٤٢) عن عمرو عن أبيه أبي عمرو الشيباني، وصدر البيت فيه: «بأنَّ الخبزَ تأدِمُه بزيتٍ».
(٣) أخرجه ابن أبي الدُّنيا في «إصلاح المال» (١٨٩) وفيه: «اللَّحم يزيد قوَّة سعيي».
(٤) ذكره الحموي. والأقوال المذكورة هنا كلها منقولة من كتابه (ص ٤٧٠ - ٤٧١). ولعل مصدر الحموي لقول ابن واسع «لقط المنافع» لابن الجوزي (١/ ٣٤٠).
(٥) أخرجه ابن أبي الدُّنيا في «إصلاح المال» (١٨٦) بنحوه، وأبو نعيم في «الطِّب النَّبوي» (٨٥٢، ٨٥٧).
(٦) أخرجه بمعناه أحمد في «الزُّهد» (١٠٦٨)، وأبو داود في «الزُّهد» (٣١٤)، وابن أبي الدُّنيا في «إصلاح المال» (١٨٨)، والطَّبراني في «الكبير» (١٢/ ٢٦٠)، وأبو نعيم في «الطِّب النَّبوي» (٨٥٠)، وغيرهم.
[ ٤ / ٥٥١ ]
لحم الضأن
ويذكر عن علي: من تركه أربعين ليلةً ساء خلقه (^١).
وأمَّا حديث عائشة الذي رواه أبو داود (^٢) مرفوعًا: «لا تقطعوا اللَّحم بالسِّكِّين فإنَّه من صنيع (^٣) الأعاجم، وانهَشوه نهشًا (^٤) فإنَّه أهنأ وأمرأ» فردَّه الإمام أحمد بما صحَّ عنه - ﷺ - من قطعه بالسِّكِّين في حديثين، وقد تقدَّما (^٥).
واللَّحم أجناسٌ (^٦) باختلاف أصوله وطبائعه، فنذكر حكم كلِّ جنسٍ وطبعه ومنفعته ومضرَّته.
لحم الضَّأن (^٧): حارٌّ في الثَّانية، رطبٌ في الأولى. جيِّدُه: الحوليُّ، يولِّد الدَّم المحمود القويَّ لمن جاد هضمُه. يصلح لأصحاب الأمزجة الباردة والمعتدلة، ولأهل الرِّياضات التَّامَّة في المواضع والفصول الباردة، نافعٌ لأصحاب المِرَّة السَّوداء، يقوِّي الذِّهن والحفظ. ولحم الهرم والعجيف رديٌّ. وكذلك لحم النِّعاج.
_________________
(١) أخرجه أبو نعيم في «الطب النبوي» (٨٥٤، ٨٥٥).
(٢) برقم (٣٧٧٨). وقد تقدَّم تخريجه.
(٣) ز، س: «صنع».
(٤) في طبعة الرسالة: «وانهسوه» بالسين المهملة، وإسقاط «نهشًا» ليوافق المتن ما ورد في «السنن». والمصنف صادر عن كتاب الحموي.
(٥) يعني: حديث عمرو بن أميَّة: «كان النَّبيُّ - ﷺ - يحتزُّ من لحم الشَّاة»، وحديث المغيرة أنَّه لمَّا أضافه أمرَ بجنبٍ فشوي، ثمَّ أخذ الشَّفرة فجعل يحزُّ. وقد تقدَّم تخريجهما.
(٦) في النسخ المطبوعة بعده زيادة: «يختلف».
(٧) كتاب الحموي (ص ٤٦١ - ٤٦٣).
[ ٤ / ٥٥٢ ]
وأجودهُ (^١): لحم الذَّكر الأسود منه، فإنَّه أخفُّ وألذُّ وأنفع. والخصيُّ أنفع وأجود. والأحمر (^٢) من الحيوان السَّمين أخفُّ وأجود غذاءً. والجَذَعُ من المعز أقلُّ (^٣) تغذيةً ويطفو في المعدة.
وأفضلُ اللَّحم عائذُه بالعظم. والأيمن أخفُّ وأجود من الأيسر. والمقدَّم أفضل من المؤخَّر. وكان أحبَّ الشَّاة إلى رسول الله - ﷺ - مقدَّمُها (^٤). وكلُّ ما علا منه سوى الرَّأس كان أخفَّ وأجود ممَّا سفل.
وأعطى الفرزدق رجلًا [درهمين] (^٥) يشتري له لحمًا، وقال له: خذ المقدَّم، وإيَّاك والرَّأسَ والبطنَ، فإنَّ الدَّاء فيهما.
_________________
(١) في جميع النسخ: «وأجود»، ولعل المصنف - ﵀ - كتب الهاء موصولة بالدال، فأخطأ النساخ، وقد مرَّ مثله قريبًا. وقد كتب ناسخ ن: «وأجوده»، ثم ضُرب على الهاء، ولعل ذلك عند المقابلة. وجائز أن يكون الأصل: «وأجود اللحم» فسقط لفظ «اللحم» سهوًا، ولكن في كتاب الحموي كما أثبت.
(٢) يعني: اللحم الأحمر.
(٣) كذا في جميع النسخ الخطية والمطبوعة. والصواب: «والمجزَّع أقلُّ»، كما في مخطوطة كتاب الحموي (١٤٣/ب)، فالجذع تحريف «المجزَّع»، و«من المعز» مقحم. والمجزَّع من اللحم ما كان فيه بياض وحمرة. وانظر: «القانون» (١/ ٥٥٠) و«مفردات ابن البيطار» (٤/ ١٠٤).
(٤) أخرجه الطبراني في «الأوسط» (٩٤٨٠) من حديث عبد الله بن عمر، وفيه أيضًا أنه - ﷺ -: «إن أطيب اللحم لحم الظهر». وفي إسناده متهم بالسرقة وآخر ضعيف. وأخرجه أبو نعيم في «الطب النبوي» (٨٦٩) عن مجاهد مرسلًا. وانظر: «دلائل النبوة» للبيهقي (٦/ ٢٤).
(٥) زيادة لازمة من كتاب الحموي (ص ٤٦٢)، ولعلها سقطت من أصل المؤلف سهوًا.
[ ٤ / ٥٥٣ ]
لحم المعز
ولحمُ العنق جيِّد لذيذ سريع الهضم خفيف.
ولحم الذِّراع أخفُّ اللَّحم، وألذُّه وألطفه، وأبعده من الأذى، وأسرعه انهضامًا. وفي «الصَّحيحين» (^١) أنَّه كان يعجب النبي - ﷺ -.
ولحم الظَّهر (^٢) كثير الغذاء، يولِّد دمًا محمودًا. وفي «سنن ابن ماجه» (^٣) مرفوعًا: «أطيب اللَّحم لحم الظَّهر».
فصل
في لحم المعز (^٤): قليل الحرارة، يابس. وخِلْطُه المتولِّد منه ليس بفاضلٍ، وليس بجيِّد الهضم ولا محمود الغذاء. ولحم التَّيس رديٌّ مطلقًا، شديد اليُبس، عسر الانهضام، مولِّد للخْلِط السَّوداويِّ.
قال الجاحظ (^٥): قال لي فاضلٌ من الأطبَّاء: يا أبا عثمان! إيَّاك ولحمَ
_________________
(١) البخاري (٣٣٤٠) ومسلم (١٩٤) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.
(٢) ما عدا ن: «الطير» هنا وفي الحديث الآتي، وهو تحريف.
(٣) برقم (٣٣٠٨) من حديث عبد الله بن جعفر - ﵁ -. وأخرجه أيضًا التِّرمذي في «الشَّمائل» (١٧٢)، والنَّسائي في «الكبرى» (٦٦٢٣)، وأحمد (١٧٤٤، ١٧٥٦، ١٧٥٩). وصحَّحه الحاكم (٤/ ١١١)، لكن في إسناده راوٍ مجهول، وهو في «السِّلسلة الضَّعيفة» (٢٨١٣). وفي الباب عن ابن عمر - ﵄ -.
(٤) كتاب الحموي (ص ٤٦٣ - ٤٦٤) ما عدا الفقرة الأخيرة.
(٥) في كتاب «الحيوان» (٥/ ٤٦١)، وفيه: «قال لي شمؤون الطبيب»، فسمَّى الطبيب. ولكن المصنِّف صادر عن كتاب الحموي، انظر مخطوطه (١٤٤/ب) وفيه: «قال أبو عثمان البصري: قال لي فاضل من الأطباء». أما المطبوع منه (ص ٤٦٤) ففيه: «قال عثمان البقري»!
[ ٤ / ٥٥٤ ]
لحم الجدي
المعز، فإنَّه يورث الغمَّ، ويحرِّك السَّوداء، ويورث النِّسيان، ويفسد الدَّم. وهو ــ والله ــ يخبِّل الأولاد.
وقال بعض الأطبَّاء (^١): إنَّما المذموم المسنُّ منه ولا سيَّما للمسنِّين. ولا رداءة فيه لمن اعتاده. وجالينوس جعل الحوليَّ منه من الأغذية المعتدلة المعدِّلة للكَيْموس المحمود. وإناثه أنفع من ذكوره.
وقد روى النَّسائيُّ في «سننه» (^٢) عن النَّبيِّ - ﷺ -: «أحسنوا إلى الماعز وأميطوا عنها الأذى، فإنَّها من دوابِّ أهل الجنَّة». وفي ثبوت هذا الحديث نظرٌ.
وحكمُ الأطبَّاء عليه بالمضرَّة حكمٌ جزئيٌّ، ليس بكلِّيٍّ عامٍّ. وهو بحسب المعدة الضَّعيفة والأمزجة الضَّعيفة الَّتي لم تعتده، واعتادت المأكولات اللَّطيفة، وهؤلاء أهل الرَّفاهية من أهل المدن، وهم القليلون من النَّاس.
لحم الجدي (^٣): قريبٌ إلى الاعتدال، خاصَّةً ما دام رضيعًا ولم يكن
_________________
(١) هو ابن طرخان الحموي الذي اعتمد المصنِّف على كتابه في هذا المجلَّد.
(٢) كذا عزاه الحموي إلى النَّسائي، ولم أقِف عليه عنده، ولا عند غيره من أصحاب السُّنن، ولا ذكره المزِّيُّ في «التُّحفة». وإنَّما أخرجه البزَّار (٧٨٢٩)، والخطيب في «تاريخ بغداد» (١٩/ ١٤٥)، من حديث أبي هريرة - ﵁ -. قال البزَّار: «لا نعلم رواه بهذا الإسناد إلَّا سعيد بن محمَّد، ولم يتابع على هذا الحديث»، وقال الهيثميُّ في «المجمع» (٤/ ٦٦): «لعلَّه الورَّاق، فإن كان هو الورَّاق فهو ضعيف». والرَّاوي عنه سلم بن إبراهيم الورَّاق ضعيف، واتَّهمه ابن معين، وضعَّف إسناده السَّخاويُّ في «الأجوبة المرضيَّة» (١/ ٢٥٨).
(٣) كتاب الحموي (ص ٤٦٤).
[ ٤ / ٥٥٥ ]
لحم البقر
لحم الفرس
قريب العهد بالولادة. وهو أسرع هضمًا لما فيه من قوَّة اللَّبن، مليِّنٌ للطَّبع، موافقٌ لأكثر النَّاس في أكثر الأحوال. وهو ألطف من لحم الحَمَل (^١)، والدَّم المتولِّد عنه معتدلٌ.
لحم البقر (^٢): باردٌ يابسٌ، عسرُ الانهضام، بطيءُ الانحدار، يولِّد دمًا سوداويًّا لا يصلح إلا لأهل الكدِّ والتَّعب الشَّديد. ويورث إدمانه الأمراض السَّوداويَّة كالبهَق، والجَرَب، والقُوباء، والجُذام، وداء الفيل، والسَّرطان، والوسواس، وحمَّى الرِّبع، وكثيرٍ من الأورام (^٣). وهذا لمن لم يعتَدْه، أو لم يدفع ضرره بالفلفل والثُّوم والدَّارصينيِّ والزَّنجبيل ونحوه.
وذكَرُه (^٤) أقلُّ بردًا، وأنثاه أقلُّ يبسًا. ولحمُ العجل ولا سيَّما السَّمين من أعدل الأغذية وأطيبها وألذِّها وأحمدها. وهو حارٌّ رطبٌ، وإذا انهضم غذَّى غذاءً قويًّا.
لحم الفرس: ثبت في الصَّحيح عن أسماء قالت: نحرنا فرسًا، فأكلناها (^٥) على عهد رسول الله - ﷺ - (^٦). وثبت عنه - ﷺ - أنَّه أذن في لحوم الخيل، ونهى عن لحوم الحمر. أخرجاه في «الصَّحيحين» (^٧).
_________________
(١) ل، ن: «الجمل» بالجيم، وكذا في طبعة عبد اللطيف وما بعدها، تصحيف.
(٢) كتاب الحموي (ص ٤٦٥).
(٣) في كتاب الحموي بعد «حمَّى الرِّبع»: «والدَّوالي، وكثير من الأمراض».
(٤) يعني: لحمه، كما في مصدر النقل.
(٥) في النسخ المطبوعة: «فأكلناه» كما في «الصحيحين». والفرس يذكر ويؤنث.
(٦) أخرجه البخاري (٥٥١٩) ومسلم (١٩٤٢).
(٧) البخاري (٥٥٢٠) ومسلم (١٩٤١) من حديث جابر بن عبد الله.
[ ٤ / ٥٥٦ ]
لحم الجمل
ولا يثبت عنه حديث المقدام بن معدي كرب أنَّه نهى عنه (^١). قاله أبو داود وغيره من أهل الحديث.
واقترانه بالبغال والحمير في القرآن لا يدلُّ على أنَّ حكمَ لحمه حكمُ لحومها بوجهٍ من الوجوه، كما لا يدلُّ على أنَّ حكمَها في السَّهم في الغنيمة حكمُ الفرس. والله سبحانه يقرن في الذِّكر بين المتماثلات تارةً وبين المختلفات وبين المتضادَّات. وليس في قوله: ﴿لِتَرْكَبُوهَا﴾ [النحل: ٨] ما يمنع من أكلها، كما ليس فيه ما يمنع من غير الرُّكوب من وجوه الانتفاع؛ وإنَّما نصَّ على أجلِّ منافعها، وهي الرُّكوب. والحديثان في حلِّها صحيحان، لا معارض لهما.
وبعد: فلحمهُا حارٌّ يابسٌ، غليظٌ، سوداويٌّ، مضرٌّ، لا يصلح للأبدان اللَّطيفة (^٢).
لحم الجمل: فرق ما بين الرَّافضة وأهل السُّنَّة، كما أنَّه أحد الفروق بين
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٣٧٩٠)، والنَّسائي (٤٣٣١، ٤٣٣٢)، وابن ماجه (٣١٩٨)، وأحمد (١٦٨١٧)، من حديث المقدام، عن خالد بن الوليد أنَّ رسول الله - ﷺ - نهى عن أكل لحوم الخيل والبغال والحمير. وفيه صالح بن يحيى بن المقدام ضعيف، عن أبيه وهو مجهول، عن جدِّه، قال الخطَّابيُّ في «المعالم» (٤/ ٢٢٧): «لا يُعرف سماع بعضهم من بعض». وقد تتابع العلماء على تضعيف هذا الحديث، فقال أحمد: «حديث منكر»، وضعَّفه العقيلي في «الضُّعفاء» (٢/ ٢٠٦)، وابن حزم في «المحلَّى» (٧/ ٤٠٨)، والبيهقيُّ في «الكبرى» (٩/ ٣٢٨)، وابن عبد البر في «التَّمهيد» (١٠/ ١٢٨) وغيرهم، قال النَّوويُّ في «المنهاج» (١٣/ ٩٦): «اتَّفق العلماء من أئمَّة الحديث وغيرهم على أنَّه حديث ضعيف، وهو في «السِّلسلة الضَّعيفة» (١١٤٩).
(٢) هذه الفقرة من كتاب الحموي (ص ٤٦٥).
[ ٤ / ٥٥٧ ]
بحث الوضوء من أكل لحم الإبل
اليهود وأهل الإسلام، فاليهود والرَّافضة تذمُّه ولا تأكله. وقد عُلِم بالاضطرار من دين الإسلام حِلُّه، وطالما أكله رسول الله - ﷺ - وأصحابه حضرًا وسفرًا.
ولحم الفصيل منه من ألذِّ اللُّحوم وأطيبها وأقواها غذاءً. وهو لمن اعتاده بمنزلة لحم الضَّأن لمن اعتاده (^١)، لا يضرُّهم البتَّة، ولا يولِّد لهم داءً. وإنَّما ذمَّه بعض الأطبَّاء بالنِّسبة إلى أهل الرَّفاهية من أهل الحضر الذين لم يعتادوه، فإنَّ فيه حرارةً ويبسًا وتوليدًا للسَّوداء، وهو عَسِرُ الانهضام (^٢).
وفيه قوَّةٌ غير محمودةٍ، لأجلها أمر النَّبيُّ - ﷺ - بالوضوء من أكله في حديثين صحيحين (^٣) لا معارض لهما. ولا يصحُّ تأويلهما بغسل اليد، لأنَّه خلاف المعهود من الوضوء في كلامه - ﷺ -، ولتفريقه بينه وبين لحم الغنم، فخيَّر بين الوضوء وتركه منها، وحتَم الوضوء من لحوم الإبل. ولو حُمِل الوضوء على غسل اليد فقط لَحُمِل على ذلك في قوله: «من مسَّ فرجه فليتوضَّأ» (^٤).
_________________
(١) «لمن اعتاده» ساقط من ل والنسخ المطبوعة.
(٢) كتاب الحموي (ص ٤٦٦).
(٣) أحدهما: حديث جابر بن سمرة - ﵁ -، أخرجه مسلم (٣٦٠). والثَّاني: حديث البراء بن عازب، أخرجه أبو داود (١٨٤)، والتِّرمذيُّ (٨١)، وابن ماجه (٤٩٤)، وأحمد (١٨٥٣٨)، قال التِّرمذي: «قال إسحاق: صحَّ في هذا الباب حديثان عن رسول الله - ﷺ -: حديث البراء، وحديث جابر بن سمرة». وصحَّحه ابن الجارود (٢٦)، وابن خزيمة (٣٢)، ابن حبَّان (١١٢٨)، وغيرهم.
(٤) أخرجه أبو داود (١٨١)، والتِّرمذيُّ (٨٢)، والنَّسائيُّ (٤٤٤، ٤٤٥، ٤٤٧)، وابن ماجه (٤٧٩)، وأحمد (٢٧٢٩٣ - ٢٧٢٩٥)، من حديث بسرة بنت صفوان، ولفظه عند الأوَّلَين: «من مسَّ ذكَره». وفي إسناده اختلاف كبير، وقد ضعَّفه الكوفيُّون وغيرُهم، ولكن صحَّحه ابن معين وأحمد كما في «السُّنن» للدَّارقطني (١/ ٢٧٣)، وقال البخاري كما في «البدر المنير» (٢/ ٤٥٢): «هو أصحُّ شيء في الباب»، وصحَّحه التِّرمذيُّ، وابن خزيمة (٣٣)، وابن حبَّان (١١١٤ - ١١١٦)، والدَّارقطنيُّ كما في «البدر المنير» (٢/ ٤٥٣)، والحاكم (١/ ١٣٦ - ١٣٧)، والبيهقيُّ في «المعرفة» (١/ ٢٣٤)، وابن الملقِّن، والألباني في «الإرواء» (١١٦). وقال التِّرمذي: «وفي الباب عن أمِّ حبيبة، وأبي أيُّوب، وأبي هريرة، وأروى بنت أنيس، وعائشة، وجابر، وزيد بن خالد، وعبد الله بن عمرو»، وأضاف الحاكم إلى هذه الشَّواهد: حديثَ عبد الله بن عمر، وسعد بن أبي وقَّاص، وأمِّ سلمة، - ﵃ -.
[ ٤ / ٥٥٨ ]
وأيضًا: فإنَّ آكلها قد لا يباشر أكلَها بيده بأن يوضع في فمه، فإن كان وضوؤُه غسْلَ يدهِ فهو عبثٌ، وحملٌ لكلام الشَّارع على غير معهوده وعُرفه.
ولا يصحُّ معارضته بحديث: «كان آخرَ الأمرين من رسول الله - ﷺ - تركُ الوضوء ممَّا مسَّت النَّار» (^١) لعدَّة أوجهٍ:
أحدها: أنَّ هذا عامٌّ، والأمر بالوضوء منها خاصٌّ.
الثَّاني: أنَّ الجهة مختلفةٌ، فالأمرُ بالوضوء منها بجهة كونها لحم إبلٍ سواءٌ كان نيئًا أو مطبوخًا أو قديدًا، ولا تأثير للنَّار في الوضوء. وأمَّا تركُ الوضوء ممَّا مسَّت النَّار، ففيه بيانُ أنَّ مسَّ النَّار ليس بسببٍ للوضوء. فأين أحدهما من الآخر؟ هذا فيه إثباتُ سبب الوضوء، وهو كونُه لحم إبلٍ. وهذا فيه نفيٌ لسبب الوضوء، وهو كونه ممسوسَ النَّار. فلا تعارض بينهما بوجهٍ.
_________________
(١) سيأتي تخريجه.
[ ٤ / ٥٥٩ ]
لحم الضب
الثَّالث: أنَّ هذا ليس فيه حكاية لفظٍ عامٍّ عن صاحب الشَّرع، وإنَّما هو إخبارٌ عن واقعة فعلٍ في أمرين، أحدُهما متقدِّمٌ على الآخر، كما جاء ذلك مبيَّنًا في نفس الحديث: أنَّهم قرَّبوا إلى النَّبيِّ - ﷺ - لحمًا، فأكَل، ثمَّ حضرت الصَّلاة فتوضَّأ وصلَّى. ثمَّ قرَّبوه إليه، فأكل، ثمَّ صلَّى ولم يتوضَّأ. فكان آخرَ الأمرين منه تركُ الوضوء ممَّا مسَّت النَّار (^١). هكذا جاء الحديث، فاختصره الرَّاوي لمكان الاستدلال، فأين في هذا ما يصلح لنسخ الأمر بالوضوء منه؟ حتَّى لو كان لفظًا عامًّا متأخِّرًا مقاومًا لم يصلح للنَّسخ (^٢)، ووجب تقديم الخاصِّ عليه. وهذا في غاية الظُّهور (^٣).
لحم الضَّبِّ: تقدَّم الحديث في حلِّه (^٤). ولحمُه حارٌّ يابسٌ، يقوِّي شهوة
_________________
(١) أخرج أبو داود (١٩١) من طريق ابن جريج، عن محمَّد بن المنكدر، عن جابر قال: «قرَّبتُ للنَّبيِّ - ﷺ - خبزًا ولحمًا، فأكل ثمَّ دعا بوضوء فتوضَّأ به، ثمَّ صلَّى الظُّهر، ثمَّ دعَا بفضل طعامِه، فأكل ثمَّ قام إلى الصَّلاة ولم يتوضَّأ». ثمَّ روى (١٩٢) من طريق شعيب بن أبي حمزة، عن ابن المنكدر، عن جابر قال: «كان آخر الأمرين من رسول الله - ﷺ - ترك الوضوء ممَّا غيَّرتِ النَّار». ثمَّ قال: «وهذا اختصارٌ منَ الحديث الأوَّل». ولم أقف على من أخرج المتنين معًا بإسنادٍ واحدٍ. وأخرج الأوَّل أيضًا أحمد (١٤٤٥٣)، وصحَّحه ابن حبَّان (١١٣٠)، وابن حجر في «موافقة الخبر الخبر» (١/ ٩٠). وأخرج الثَّاني أيضًا النَّسائيُّ (١٨٥)، وصحَّحه ابن خزيمة (٤٣)، وابن حبان (١١٣٤)، وابن الملقِّن في «البدر المنير» (٢/ ٤١٢)، وحسَّنه ابن حجر في «موافقة الخبر الخبر» (٢/ ٢٧٣). وينظر: «صحيح سنن أبي داود» (١٨٦، ١٨٧).
(٢) هنا انتهى الخرم الطويل في د.
(٣) وانظر: «تهذيب السنن» (١/ ١٣٢ - ١٣٤) و(٢/ ٩٩) و«أعلام الموقعين» (٢/ ٢٥٣ - ٢٥٦).
(٤) ز: «حكمه». وانظر ما سبق في رسم «الضَّبِّ» (ص ٤٩٥).
[ ٤ / ٥٦٠ ]
لحم الغزال
لحم الظبي
لحم الأرنب
الجماع (^١).
لحم الغزال (^٢): الغزال أصلحُ الصَّيد وأحمدُه لحمًا. وهو حارٌّ يابسٌ، وقيل: معتدلٌ جدًّا. نافعٌ للأبدان المعتدلة الصَّحيحة. وجيِّده: الخِشْف (^٣).
لحم الظَّبي (^٤): حارٌّ يابسٌ في الأولى، مجفِّفٌ للبدن، صالحٌ للأبدان الرَّطبة. قال صاحب «القانون» (^٥): وأفضل لحوم الوحش: لحمُ الظَّبي مع ميله إلى السَّوداويَّة.
لحم الأرنب (^٦): ثبت في «الصَّحيحين» (^٧) عن أنس بن مالكٍ قال: أنفَجْنا أرنبًا، فسعوا في طلبها، فأخذوها. فبعث أبو طلحة بوركها إلى رسول الله - ﷺ -، فقبله.
لحم الأرنب معتدلٌ إلى الحرارة واليبوسة (^٨). وأطيبُها وَرِكُها. وأحمَدُ (^٩) ما أُكِل لحمُها مشويًّا. وهو يعقل البطن، ويدرُّ البول، يُفتِّت الحصى. وأكل رؤوسها ينفع من الرَّعشة.
_________________
(١) كتاب الحموي (ص ٥٥٦).
(٢) كتاب الحموي (ص ٤٦٧).
(٣) هو ولد الظبية أول ما يولد، أو أولَ مشيه.
(٤) كتاب الحموي (ص ٤٦٧).
(٥) في «قانونه» (١/ ٥٥٠).
(٦) كتاب الحموي (ص ٤٦٧).
(٧) البخاري (٢٥٧٢) ومسلم (١٩٥٣) ولفظ الحديث منقول عن الحموي.
(٨) في كتاب الحموي: «حارٌّ يابس»، ومثله في «الحاوي» (٦/ ٣٧٥) و«القانون» (١/ ٥٥١) وغيرهما.
(٩) د: «وأحمده»، وكذا في طبعة الرسالة.
[ ٤ / ٥٦١ ]
لحم حمار الوحش
لحوم الأجنة
لحم حمار الوحش (^١): ثبت في «الصَّحيحين» (^٢) من حديث أبي قتادة أنَّهم كانوا مع النبي - ﷺ - في بعض عُمَره، وأنَّه صاد حمارَ وحشٍ، فأمرهم رسول الله - ﷺ - بأكله. وكانوا مُحْرمين، ولم يكن أبو قتادة محرمًا.
وفي «سنن ابن ماجه» (^٣) عن جابرٍ قال: أكلنا زمنَ خيبر الخيلَ وحُمُرَ الوحش.
لحمه حارٌّ يابسٌ، كثير التَّغذية، مولِّدٌ دمًا غليظًا سوداويًّا، إلا أنَّ شحمه نافعٌ مع دهن القُسْط لوجع الظَّهر، والرِّيح الغليظة المُرْخية للكلى. وشحمه جيِّدٌ للكلَف طلاءً.
وبالجملة، فلحوم الوحش كلُّها تولِّد دمًا غليظًا سوداويًّا. وأحمدها الغزال، وبعده الأرنب.
لحوم الأجنَّة: غير محمودةٍ، لاحتقان الدَّم فيها. وليست بحرامٍ لقوله - ﷺ -: «ذكاةُ الجنين ذكاةُ أمِّه» (^٤).
_________________
(١) كتاب الحموي (ص ٤٦٨).
(٢) البخاري (١٨٢٤) ومسلم (١١٩٦).
(٣) برقم (٣١٩١). وأخرجه أيضًا مسلم (١٩٤١).
(٤) أخرجه أبو داود (٢٨٢٧)، والتِّرمذيُّ (١٤٧٦)، وابن ماجه (٣١٩٩)، وأحمد (١١٢٦٠، ١١٣٤٣، ١١٤١٤، ١١٤٩٥)، من حديث أبي سعيد الخدريِّ - ﵁ -. قال التِّرمذيُّ: «هذا حديث حسن»، وصحَّحه ابن الجارود (٩٠٠)، وابن حبَّان (٥٨٨٩)، وابن دقيق في «الإلمام» (٢/ ٤٣٢)، وابن الملقِّن في «التَّوضيح» (٢٦/ ٦٦١)، وحسَّنه المنذريُّ في «مختصر السُّنن» (٤/ ١٢٠). وفي الباب عن جماعة من الصَّحابة - ﵃ -، ينظر: «نصب الرَّاية» (٤/ ١٨٩ - ١٩٢)، و«البدر المنير» (٩/ ٣٩٠ - ٤٠١)، و«الإرواء» (٢٥٣٩).
[ ٤ / ٥٦٢ ]
لحم القديد
ومنع أهل العراق من أكله إلا أن يدركه حيًّا، فيذكِّيه (^١). وأوَّلوا الحديث على أنَّ المراد به أنَّ ذكاته كذكاة أمِّه. قالوا: فهو حجَّةٌ على التَّحريم. وهذا فاسدٌ فإنَّ أوَّل الحديث أنَّهم سألوا رسول الله - ﷺ -، فقالوا: يا رسولَ الله، نذبح الشَّاة فنجد في بطنها جنينًا، أفنأكله؟ فقال: «كلوه إن شئتم، فإنَّ ذكاته ذكاة أمِّه».
وأيضًا، فالقياس يقتضي حلَّه، فإنَّه ما دام حَمْلًا فهو جزءٌ من أجزاء الأمِّ فذكاتها ذكاةٌ لجميع أجزائها. وهذا هو الذي أشار إليه صاحب الشَّرع بقوله: «ذكاته ذكاة أمِّه»، كما تكون ذكاتها ذكاة سائر أجزائها. فلو لم تأت عنه السُّنَّة الصَّريحة بأكله لكان القياس الصَّحيح يقتضي حِلَّه. وبالله التوفيق.
لحم القديد (^٢): في السُّنن (^٣) من حديث [ثوبان] (^٤) قال: ذبحت لرسول الله - ﷺ - شاةً، ونحن مسافرون، فقال: «أصلِحْ لحمها». فلم أزل أُطعِمُه منه إلى المدينة.
القديد أنفع من المكسود (^٥)، ويقوِّي الأبدان، ويُحدِث حكَّةً. ودفعُ
_________________
(١) انظر: «شرح مختصر الطحاوي» للجصاص (٧/ ٢٦١ - ٢٧٠).
(٢) «لقط المنافع» (١/ ٣٤٤) ما عدا الحديث.
(٣) «سنن أبي داود» (٢٨١٤)، «سنن النَّسائيِّ الكبرى» (٤١٤٢)، ولفظه: ضحَّى رسولُ الله - ﷺ - ثمَّ قال: «يا ثوبان، أصلِح لنا لحمَ هذه الشَّاة»، قال: فما زِلتُ أطعمُه منها حتَّى قدمَ المدينةَ. وأخرجه أيضًا مسلم (١٩٧٥).
(٤) في الأصل وغيره هنا بياض. وفي ن: «بلال» وكذا في النسخ المطبوعة إلا طبعة الرسالة التي أثبتت: «ثوبان» دون تنبيه.
(٥) سبق تفسيره في فصل العدس. وقد غيَّرته طبعة الرسالة هنا أيضًا إلى «النَّمكسود»، وهو أصل اللفظ المعرَّب. والقديد هو اللحم المجفَّف المشرَّح. قاله ابن جزلة في «المنهاج» (ص ٦٤٣).
[ ٤ / ٥٦٣ ]
ضرره بالأبازير الباردة الرَّطبة، ويصلح الأمزجة (^١) الحارَّة. والمكسود: حارٌّ يابسٌ مجفِّفٌ. جيِّده من السَّمين الرَّطب. يضرُّ بالقولنج، ودفعُ مضرَّته طبخُه باللَّبن والدُّهن. ويصلح للمزاج الحارِّ الرَّطب (^٢).
فصل
في لحوم الطير
قال تعالى: ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ [الواقعة: ٢١].
وفي «مسند البزار» (^٣) وغيره مرفوعًا: «إنَّك لتنظر إلى الطَّير في الجنَّة، فتشتهيه، فيخرُّ مشويًّا بين يديك».
ومنه حلالٌ، ومنه حرامٌ. فالحرام: ذو المخلب كالصَّقر والبازيِّ والشَّاهين، وما يأكل الجِيَف كالنَّسر والرَّخَم واللَّقْلَق والعَقْعَق والغراب الأبقع والأسود الكبير، وما نُهي عن قتله كالهدهد والصُّرَد (^٤)، وما أُمِر بقتله
_________________
(١) كذا في جميع النسخ الخطية والمطبوعة. وكذا في إحدى نسخ «لقط المنافع» وهو مصدر النقل، وفي غيرها: «للأمزجة».
(٢) وانظر: «المنهاج» (ص ٦٤٣، ٨٢٧) و«مفردات ابن البيطار» (٤/ ١٨٣ - ١٨٤).
(٣) برقم (٢٠٣٢) من طريق حميد الأعرج، عن عبد الله بن الحارث، عن ابن مسعود - ﵃ - به. وأخرجه أيضًا ابن عرفة في «جزئه» (٢٢)، وابن أبي الدُّنيا في «صفة الجنَّة» (١٠٤، ٣٣٧)، وغيرهما. وإسناده ضعيفٌ جدًّا؛ نقل العقيليُّ في «الضُّعفاء» (١/ ٢٦٨) عن البخاريِّ أنَّه قال: «حميد منكرُ الحديث»، وقال ابن عديٍّ في «الكامل» (٣/ ٧٥): «أحاديثه عن ابن الحارث ليست بمستقيمة، ولا يتابع عليها». وهو في «السِّلسلة الضَّعيفة» (٦٧٨٤).
(٤) النَّهي عن قتل الهدهد والصُّرد أخرجه أبو داود (٥٢٦٧)، وابن ماجه (٣٢٢٤)، وأحمد (٣٠٦٦، ٣٢٤٢)، من حديث ابن عبَّاس - ﵄ -. وصحَّحه ابن حبَّان (٥٦٤٦)، والإشبيليُّ في «الأحكام الصُّغرى» (٢/ ٨٤٨).
[ ٤ / ٥٦٤ ]
لحم الدجاج
لحم الدراج
كالحِدَأة والغراب (^١).
والحلال أصنافٌ كثيرةٌ. فمنه:
الدَّجاج (^٢)، ففي «الصَّحيحين» (^٣) من حديث أبي موسى أنَّ النَّبيَّ - ﷺ - أكل لحم الدَّجاج.
وهو حارٌّ رطبٌ في الأولى، خفيفٌ على المعدة، سريع الهضم، جيِّد الخِلْط، يزيد في الدِّماغ والمنيِّ، ويصفِّي الصَّوت، ويحسِّن اللَّون، ويقوِّي العقل، ويولِّد دمًا جيِّدًا. وهو مائلٌ إلى الرُّطوبة، ويقال: إنَّ مداومة أكله تورث النِّقرس، ولا يثبت ذلك.
ولحم الدِّيك أسخن مزاجًا، وأقلُّ رطوبةً. والعتيق منه دواءٌ ينفع القولنج والرَّبو والرِّياح الغليظة إذا طُبخ بماء القُرْطُم (^٤) والشِّبِثِّ. وخصيُّها محمود الغذاء، سريع الانهضام.
والفراريج سريعة الهضم، مليِّنةٌ للطَّبع. والدَّم المتولِّد منها لطيفٌ جيِّدٌ.
لحم الدُّرَّاج (^٥): حارٌّ يابسٌ في الثَّانية، خفيفٌ لطيفٌ، سريع الانهضام،
_________________
(١) انظر حديث عائشة في «صحيح البخاري» (١٨٢٩) و«صحيح مسلم» (١١٩٨).
(٢) كتاب الحموي (ص ٤٧٣).
(٣) البخاري (٥٥١٧) ومسلم (١٦٤٩).
(٤) بعده في الأصل (ف): «والقرفة» ــ وكذا في كتاب الحموي ــ ولكن وضعت فوقه علامة الحذف. والقرطم: حب العُصْفُر.
(٥) كتاب الحموي (ص ٤٧٣).
[ ٤ / ٥٦٥ ]
لحم الإوز
لحم البط
لحم الحبارى
مولِّدٌ للدَّم المعتدل. والإكثارُ منه يُحِدُّ البصر.
لحم الحَجَل والقَبَج (^١): يولِّد الدَّم الجيِّد، سريع الانهضام.
لحم الإوزِّ (^٢): حارٌّ يابسٌ، رديُّ الغذاء إذا اعتيد (^٣)، وليس بكثير الفضول.
لحم البطِّ (^٤): حارٌّ رطبٌ، كثير الفضول، عسِر الانهضام، غير موافقٍ للمعدة.
لحم الحبارى (^٥): في السُّنن (^٦) من حديث بُرَيه (^٧) بن عمر بن سفينة، عن أبيه عن جدِّه قال: أكلت مع رسول الله - ﷺ - لحم حُبارى.
وهو حارٌّ يابسٌ، عسر الانهضام، نافعٌ لأصحاب الرِّياضة والتَّعب.
_________________
(١) القبج: الحجل، فارسي معرب. وهو ساقط من طبعة الرسالة. وانظر: كتاب الحموي (ص ٤٧٤).
(٢) المصدر السابق.
(٣) «إذا اعتيد» من زيادة المصنف.
(٤) المصدر السابق.
(٥) المصدر السابق.
(٦) «سنن أبي داود» (٣٧٩٧)، «سنن التِّرمذيِّ» (١٨٢٨) وقال: «هذا حديث غريب لا نعرفه إلَّا من هذا الوجه». وأخرجه أيضًا ابن عديٍّ في «الكامل» (٢/ ٢٤٨). قال البخاريُّ في «التَّاريخ الكبير» (٢/ ١٤٩): «إسناده مجهول»، وضعَّفه العقيليُّ في «الضُّعفاء» (١/ ١٦٧، ٣/ ١٦٨)، وابن حبَّان في «المجروحين» (١/ ١١١)، وابن حجر في «التَّلخيص الحبير» (٤/ ٢٨٤)، والألباني في «الإرواء» (٢٥٠٠).
(٧) الكلمة مهملة في الأصل وبالواو بعد الباء، فتصحفت في غيره إلى «ثوبة». واسم أبيه في النسخ ما عدا ن: «عمرو».
[ ٤ / ٥٦٦ ]
لحم الكركي
لحم العصافير والقنابر
لحم الكُرْكيِّ (^١): يابسٌ خفيفٌ، وفي حرِّه وبرده خلافٌ. يولِّد دمًا سوداويًّا، ويصلح لأصحاب الكدِّ والتَّعب. وينبغي أن يُترَك بعد ذبحه يومًا أو يومين ثمَّ يؤكل.
لحم العصافير والقنابر (^٢): روى النَّسائيُّ في «سننه» (^٣) من حديث عبد الله بن عمر (^٤) أنَّ النَّبيَّ - ﷺ - قال: «ما من إنسانٍ يقتل عصفورًا فما فوقه بغير حقِّه إلا سأله الله ﷿». قيل: يا رسول اللَّه! وما حقُّه؟ قال: «تذبحه (^٥) فتأكله، ولا تقطع رأسه ترمي به».
وفي «سننه» (^٦) أيضًا عن عمرو بن الشريد عن أبيه قال: سمعت
_________________
(١) المصدر السابق.
(٢) كتاب الحموي (ص ٤٧٥).
(٣) برقم (٤٣٤٩، ٤٤٤٥) من طريق عمرو، عن صهيب مولى ابن عامر، عن عبد الله بن عمر به. وأخرجه أيضًا الطَّيالسيُّ (٢٣٩٣)، وعبد الرَّزَّاق (٨٤١٤)، والحميديُّ (٥٩٨)، وأحمد (٦٥٥٠، ٦٥٥١، ٦٨٦١، ٦٩٦٠)، وغيرهم. وصحَّحه الحاكم (٤/ ٢٣٣)، والإشبيليُّ في «الأحكام الصُّغرى» (٢/ ٧٧٤)، وحسَّن إسناده الذَّهبيُّ في «المهذَّب» (٧/ ٣٦١٤)، لكنَّ صهيبًا لا يُعرف حاله، ولم يرو عنه غير ابن دينار، وبذا أعلَّه ابن القطَّان في «الوهم والإيهام» (٤/ ٥٩٠)، والألباني في «الإرواء» (٤٧). فالحديثُ إسناده ضعيفٌ، لكنَّه يتقوَّى ــ إن شاء الله ــ بحديث الشَّريد بن سويد - ﵁ - الآتي.
(٤) كذا في جميع النسخ الخطية وكتاب الحموي، والصواب: «عمرو» كما في التخريج.
(٥) في بعض النسخ: «يذبحه» بالياء وكذا في الأفعال الآتية.
(٦) برقم (٤٤٤٦) من طريق عامر الأحول، عن صالح بن دينار، عن عمروبه. وأخرجه أيضًا أحمد (١٩٤٨٨)، والطَّبراني في «الكبير» (٧/ ٣١٧)، وابن عديٍّ في «الكامل» (٦/ ١٥٤)، وغيرهم. وصحَّحه ابن حبَّان (٥٨٩٤)، لكنَّ صالحًا مجهول، لم يرو عنه غير عامر، وعامر متكلَّم فيه؛ ولذا ضعَّف إسناده الألباني في «غاية المرام» (٤٦). إلَّا أنَّه يتقوَّى ــ إن شاء الله ــ بحديث ابن عمرو السَّابق. وفي الباب أيضًا عن أنس بن مالك، وعُمَر والد يزيد.
[ ٤ / ٥٦٧ ]
لحم الحمام
رسول الله - ﷺ - يقول: «من قتل عصفورًا عبثًا عجَّ إلى الله يقول: يا ربِّ، إنَّ فلانًا قتلني عبثًا، ولم يقتلني لمنفعةٍ».
ولحمه حارٌّ يابسٌ، عاقلٌ للطَّبيعة، يزيد في الباه. ومرقه يليِّن الطَّبع، وينفع المفاصل. وإذا أُكلت أدمغتها بالزَّنجبيل والبصل هيَّجت شهوة الجماع. وخِلْطُها غير محمودٍ.
لحم الحمام (^١): حارٌّ رطبٌ. وحشيُّه أقلُّ رطوبةً، وفراخه أرطب، خاصَّةً ما رُبِّي في الدُّور. وناهضُه أخفُّ لحمًا وأحمد غذاءً. ولحمُ ذُكرانها شفاءٌ من الاسترخاء والخدَر والسَّكتة (^٢) والرَّعشة، وكذلك شمُّ رائحة أنفاسها. وأكلُ فراخها معينٌ على النِّساء. وهو جيِّدٌ للكلى، يزيد في الدَّم.
وقد روي فيها حديثٌ باطلٌ لا أصل له عن رسول الله - ﷺ - أنَّ رجلًا شكا إليه الوحدة، فقال: «اتَّخذ زوجًا من الحمام» (^٣). وأجود من هذا الحديث أنَّه - ﷺ - رأى رجلًا يتبع حمامةً، فقال: «شيطانٌ يتبع شيطانةً» (^٤).
_________________
(١) كتاب الحموي (ص ٤٧٦).
(٢) «والسكتة» ساقط من د.
(٣) يُروى من حديث عليٍّ وابن عبَّاس وعُبادة وجابر وعائشة ومعاذ - ﵃ -، ولا يصحُّ منها شيء، ينظر: «الموضوعات» (٣/ ١٠ - ١٢)، و«اللَّآلئ المصنوعة» (٢/ ١٩٥ - ١٩٦)، و«تنزيه الشَّريعة» (٢/ ٢٥١)، و«الفوائد المجموعة» (ص ١٧٣). وأخرجه أبو أحمد العسكريُّ ــ كما في «جامع المسانيد» (٨/ ١٠٦) ــ من حديث معديكرب الهمدانيِّ - ﵁ -، قال ابن حجر في «الإصابة» (١٠/ ٢٦٩): «سنده ضعيف».
(٤) أخرجه أبو داود (٤٩٤٠)، وابن ماجه (٣٧٦٥)، وأحمد (٨٥٤٣)، والبخاري في «الأدب المفرد» (١٣٠٠)، من حديث أبي هريرة - ﵁ -، وفي إسناده اختلاف. وصحَّحه ابن حبَّان (٥٨٧٤)، والإشبيليُّ في «الأحكام الصُّغرى» (٢/ ٨٤٦). وفي الباب عن عثمان، وأنس بن مالك، وعن محمَّد بن عبد الرَّحمن بن ثوبان مرسلًا.
[ ٤ / ٥٦٨ ]
لحم القطا
لحم السمانى
الجراد
وكان عثمان بن عفَّان في خطبته يأمر بقتل الكلاب وذبح الحمام (^١).
لحم القطا (^٢): يابسٌ، يولِّد السَّوداء ويحبس الطَّبع. وهو من شرِّ الغذاء إلا أنَّه ينفع الاستسقاء.
لحم السُّمانى (^٣): حارٌّ يابسٌ. ينفع المفاصل، ويضرُّ بالكبد الحارَّة. ودفعُ مضرَّته بالخلِّ والكُسْفُرة (^٤).
وينبغي أن يتجنَّب من لحوم الطَّير ما كان في الآجام والمواضع العفنة. ولحوم الطَّير كلُّها أسرع انهضامًا من المواشي. وأسرعها انهضامًا: أقلُّها غذاءً، وهي الرِّقاب والأجنحة. وأدمغتها أحمد من أدمغة المواشي (^٥).
الجراد (^٦): في «الصَّحيحين» (^٧) عن عبد الله بن أبي أوفى قال: غزونا مع رسول الله - ﷺ - سبع غزواتٍ نأكل الجراد.
_________________
(١) أخرجه عبد الرَّزَّاق (١٩٧٣٣)، وابن أبي شيبة (٢٠٢٨٥)، والبخاري في «الأدب المفرد» (١٣٠١)، وابن أبي الدُّنيا في «ذمِّ الملاهي» (١٢٢)، وعبد الله بن أحمد في «زوائد المسند» (٥٢١)، والبيهقيُّ في «الشُّعب» (٦١١٥).
(٢) «لقط المنافع» لابن الجوزي (١/ ٣٤٧).
(٣) «لقط المنافع» (١/ ٣٤٦).
(٤) هي الكزبرة، ويقال لها أيضًا: الكُسْبرة. وانظر: «المنهاج» (ص ٤٩٧).
(٥) «لقط المنافع» (١/ ٣٥٠).
(٦) كتاب الحموي (ص ٤٧٧ - ٤٧٨).
(٧) البخاري (٥٤٩٥) ومسلم (١٩٥٢).
[ ٤ / ٥٦٩ ]
فصل في مداومة أكل اللحم
وفي «المسند» (^١) عنه: «أحلَّت لنا ميتتان ودمان: الحوت والجراد، والكبد والطِّحال» يروى مرفوعًا وموقوفًا على ابن عمر.
وهو حارٌّ يابسٌ قليل الغذاء، وإدامة أكله تورث الهزال، وإذا تُبُخِّر به نفَع من تقطير البول وعسره، وخصوصًا للنِّساء. ويُتبَخَّر به للبواسير. وسِمانُه يشوى ويؤكل للسع العقرب. وهو ضارٌّ لأصحاب الصَّرع، رديُّ الخِلْط. وفي إباحة ميتته بلا سببٍ قولان ــ ولا خلاف في إباحة ميتته إذا مات بسببٍ كالكبس والتَّحريق ونحوه ــ فالجمهور على حلِّه، وحرَّمه مالكٌ (^٢).
فصل (^٣)
وينبغي أن لا يداوم أكلَ اللَّحم (^٤)، فإنَّه يورث الأمراض الدَّمويَّة الامتلائيَّة، والحمَّيات الحادَّة.
وقال عمر بن الخطَّاب: إيَّاكم واللَّحم، فإنَّ له ضَراوةً كضراوة الخمر، وإن الله يبغض أهل البيت اللحمي (^٥). ذكره مالك في «الموطَّأ» عنه (^٦).
_________________
(١) برقم (٥٧٢٣). وقد تقدَّم تخريجه.
(٢) كذا في جميع النسخ الخطية والمطبوعة إلا طبعة الرسالة التي أثبتت لإصلاح السياق «فالجمهور مالك» بعد «قولان» وليتها نبَّهت! وانظر: «المغني» (١٣/ ٣٠٠).
(٣) كتاب الحموي (ص ٤٧١).
(٤) ز، د: «على أكل اللحم».
(٥) حط، ن: «اللَّحمين». وقد حذفت جملة «وإن الله يبغض أهل البيت اللحمي» من طبعة الرسالة دون تنبيه، وذلك ــ فيما يظهر ــ لكونها لم ترد في «الموطأ»، كما سيأتي في التخريج.
(٦) هكذا جاء قول عمر في كتاب الحموي ملفَّقًا من كلامه وكلام غيره معزوًّا إلى «الموطأ». وقول عمر أخرجه مالك (٢٧٠٢) عن يحيى بن سعيد، عن عمر. وأخرجه أيضًا أبو داود في «الزُّهد» (٤٧)، وابن أبي الدُّنيا في «الجوع» (٢٨٢)، من طريق عبد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر. وأخرجه ابن أبي الدُّنيا أيضًا في «إصلاح المال» (٣٧٤) من طريق يزيد بن أسامة بن الهاد، عن عبد الله بن السَّائب، عن عمر بمعناه. وليس في شيء منها قوله: «وإنَّ الله يبغض أهل البيت اللَّحميِّ»، وإنَّما أخرجه ابن معين في «تاريخه» (٤/ ٢٢٢) ــ ومن طريقه البيهقيُّ في «الشُّعب» (٥٢٨٠) ــ عن كعب قال: «إنَّ الله يبغض أهلَ البيت اللَّحميِّين والحبر السَّمين». ويُروى مرفوعًا.
[ ٤ / ٥٧٠ ]
فصل في اللبن
وقال بُقْراط (^١): لا تجعلوا أجوافكم مقبرةً للحيوان.
فصل (^٢)
لبن (^٣): قال تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ﴾ [النحل: ٦٦]. وقال في الجنَّة: ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ﴾ [محمد: ١٥].
وفي السُّنن (^٤) مرفوعًا: «من أطعمه الله طعامًا، فليقل: اللَّهمَّ بارك لنا فيه وارزقنا خيرًا منه. ومن سقاه الله لبنًا، فليقل: اللَّهمَّ بارك لنا فيه وزدنا منه. فإنِّي لا أعلم ما يجزئ من الطَّعام والشَّراب إلا اللَّبن».
_________________
(١) س، ل: «أبقراط».
(٢) لفظ «فصل» ساقط من د، وهنا تبعتها طبعة الرسالة.
(٣) كتاب الحموي (ص ٤٧٨ - ٤٨٠). وانظر: «لقط المنافع» (١/ ٣٧٨ - ٣٨٠).
(٤) «سنن أبي داود» (٣٧٣٠)، «جامع التِّرمذيِّ» (٣٤٥٥)، «السُّنن الكبرى للنَّسائيُّ» (١٠٠٤٥، ١٠٠٤٦)، «سنن ابن ماجه» (٣٣٢٢)، من حديث ابن عبَّاس - ﵄ -. وقد تقدَّم تخريجه.
[ ٤ / ٥٧١ ]
اللَّبن وإن كان بسيطًا في الحسِّ، إلا أنَّه مركَّبٌ في أصل الخلقة تركيبًا طبيعيًّا من جواهر ثلاثةٍ: الجبنيَّة، والسَّمْنيَّة، والمائيَّة. فالجبنيَّة: باردةٌ رطبةٌ، مغذِّيةٌ للبدن. والسَّمنيَّة: معتدلة في الحرارة والرُّطوبة، ملائمةٌ للبدن الإنسانيِّ الصَّحيح، كثيرة المنافع. والمائيَّة: حارَّةٌ رطبةٌ، مطلقةٌ للطَّبيعة، مرطِّبةٌ للبدن.
واللَّبن على الإطلاق أرطب وأبرد من المعتدل. وقيل: قوَّته عند حلبه الحرارة والرُّطوبة. وقيل: معتدلٌ في الحرارة والبرودة.
وأجود ما يكون اللَّبن حين يُحلَب، ثمَّ لا يزال تنقص جودته على ممرِّ السَّاعات. فيكون حين يُحلَب أقلَّ برودةً، وأكثر رطوبةً. والحامض بالعكس.
ويختار اللَّبن بعد الولادة بأربعين يومًا. وأجوده: ما اشتدَّ بياضه، وطاب ريحه، ولذَّ طعمه، وكان فيه حلاوةٌ يسيرةٌ ودسومةٌ معتدلةٌ، واعتدل قوامه في الرِّقَّة والغلظ، وحُلِب من حيوانٍ فتيٍّ صحيحٍ، معتدلِ اللَّحم، محمودِ المرعى والمشرب. وهو محمودٌ، يولِّد دمًا جيِّدًا، ويرطِّب البدن اليابس، ويغذو غذاءً حسنًا، وينفع من الوسواس والغمِّ والأمراض السَّوداويَّة. وإذا شُرِب مع العسل نقَّى القروح الباطنة من الأخلاط العَفِنة. وشربُه مع السُّكَّر يحسِّن اللَّون جدًّا.
والحليب يتدارك ضرر الجماع، ويوافق الصَّدر والرِّئة، جيِّدٌ لأصحاب السِّلِّ، رديٌّ للرَّأس والمعدة والكبد والطِّحال. والإكثار منه مضرٌّ بالأسنان واللِّثة. ولذلك ينبغي أن يتمضمض بعده بالماء. وفي «الصَّحيحين» (^١) أنَّ النَّبيَّ - ﷺ - شرب لبنًا، ثمَّ دعا بماءٍ، فتمضمض، وقال: «إنَّ له دَسَمًا».
_________________
(١) البخاري (٢١١) ومسلم (٣٥٨) من حديث ابن عباس.
[ ٤ / ٥٧٢ ]
لبن الضأن
لبن المعز
وهو رديٌّ للمحمومين وأصحاب الصُّداع، مؤذٍ للدِّماغ والرَّأس الضَّعيف. والمداومةُ عليه تُحدث ظلمة البصر والغشاء، ووجع المفاصل وسدَّة الكبد، والنَّفخ في المعدة والأحشاء. وإصلاحه بالعسل والزَّنجبيل المربَّى ونحوه. وهذا كلُّه لمن لم يعتده (^١).
لبن الضَّأن (^٢): أغلظ الألبان وأرطبها. وفيه من الدُّسومة والزُّهومة ما ليس في لبن الماعز والبقر. يولِّد فضولًا بلغميًّا، ويُحدِث في الجلد بياضًا إذا أُدمِنَ استعماله. ولذلك ينبغي أن يشاب هذا اللَّبن بالماء، ليكون ما نال البدن منه أقلَّ، وتسكينه للعطش أسرع، وتبريده أكثر.
لبن المعز (^٣): لطيفٌ معتدلٌ، مطلقٌ للبطن، مرطِّبٌ للبدن اليابس، نافعٌ من قروح الحلق والسُّعال اليابس ونفث الدَّم.
واللَّبن المطلق أنفع المشروبات للبدن الإنسانيِّ، لما اجتمع فيه من التَّغذية والتَّروية (^٤)، ولاعتياده حال الطُّفوليَّة، وموافقته للفطرة الأصليَّة. وفي «الصَّحيحين» (^٥) أنَّ رسول الله - ﷺ - أُتي ليلةَ أُسْري به بقدحٍ من خمرٍ، وقدحٍ من لبنٍ، فنظر إليهما، ثمَّ أخذ اللَّبن. فقال جبريل: «الحمد لله الذي هداك
_________________
(١) هذه الجملة من زيادة المصنِّف على كلام الحموي.
(٢) كتاب الحموي (ص ٤٨٠).
(٣) المصدر السابق (ص ٤٨١).
(٤) الكلمة في الأصل غير محررة، وفي حط: «الدسومة»، وفي غيرها: «الدموية»، وكذا في النسخ المطبوعة و«الآداب الشرعية» (٣/ ٣٦٣). وهو تحريف ما أثبت من كتاب الحموي. و«الدموية» ليست من خواصِّ الأغذية.
(٥) البخاري (٣٣٩٤) ومسلم (١٦٨) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.
[ ٤ / ٥٧٣ ]
لبن البقر
لبن الإبل
للفطرة. لو أخذت الخمرَ غوَتْ أمَّتك».
والحامض منه بطيء الاستمراء، خام الخِلْط. والمعدة الحارَّة تهضمه وتنتفع به.
لبن البقر (^١): يغذو البدن، ويُخْصبه، ويطلق البطن باعتدالٍ. وهو من أعدل الألبان وأفضلها، بين لبن الضَّأن ولبن المعز في الرِّقَّة والغلظ والدَّسم.
وفي السُّنن (^٢): من حديث عبد الله بن مسعودٍ يرفعه: «عليكم بألبان البقر، فإنَّها تقُمُّ (^٣) من كلِّ الشَّجر».
لبن الإبل: تقدَّم ذكره (^٤)، وذكر منافعه، فلا حاجة لإعادته.
لُبَان (^٥): هو الكُنْدُر. قد ورد فيه عن النَّبيِّ - ﷺ -: «بخِّروا بيوتكم باللُّبان
_________________
(١) كتاب الحموي (ص ٤٨١ - ٤٨٢).
(٢) «سنن النَّسائيِّ الكبرى» (٦٨٣٤، ٧٥٢٣). وأخرجه أيضًا الطَّيالسيُّ (٣٦٦)، والبزَّار (١٤٥٠)، والطَّحاويُّ في «شرح المعاني» (٤/ ٣٢٦)، وغيرهم. ويُروى عن أبي موسى، ومرسلًا، وموقوفًا. وصحَّحه ابن حبَّان (٦٠٧٥)، والحاكم (٤/ ١٩٧، ٤٠٣)، والإشبيليُّ في «الأحكام الصُّغرى» (٢/ ٧٩٨)، وهو في «السلسلة الصحيحة» (٥١٨، ١٩٤٣). وينظر حديث صهيب - ﵁ - الَّذي تقدَّم تخريجه (ص ٤٧٨).
(٣) أي تأكل. وكذا «تقُمُّ» في جميع النسخ الخطية والمطبوعة إلا طبعة الرسالة التي أثبتت «ترُمُّ» خلافًا لأصلها ودون تنبيه.
(٤) في (ص ٦٢ - ٦٣) في هدي النبي - ﷺ - في داء الاستسقاء وعلاجه كما في هامش س. وقد زِيد بعده في طبعة عبد اللطيف وما بعدها: «في أول الفصل».
(٥) كتاب الحموي (ص ٤٥٣ - ٤٥٥). وراجع هنا المخطوط (١٤٠ - ١٤١/أ).
[ ٤ / ٥٧٤ ]
لبان
والصَّعتر» (^١)، ولا يصحُّ عنه. ولكن يروى عن علي أنَّه قال لرجلٍ شكا إليه النِّسيان: عليك باللُّبان، فإنَّه يشجِّع القلب، ويذهب بالنِّسيان (^٢). ويذكر عن ابن عبَّاسٍ أنَّ شربه مع السُّكَّر على الرِّيق جيِّدٌ للبول والنِّسيان (^٣). ويذكر عن أنس أنَّه شكا إليه رجلٌ النِّسيان، فقال: عليك بالكندر، وانقَعْه من اللَّيل. فإذا أصبحت، فخذ منه شربةً على الرِّيق، فإنَّه جيِّدٌ للنِّسيان (^٤).
ولهذا سببٌ طبيعيٌّ ظاهرٌ، فإنَّ النِّسيان إذا كان لسوء مزاجٍ باردٍ رطبٍ يغلب على الدِّماغ، فلا يحفظ ما ينطبع فيه= نفَع منه اللُّبان. وأمَّا إذا كان النِّسيان لغلبة شيءٍ عارضٍ (^٥) أمكن زواله سريعًا بالمرطِّبات. والفرق بينهما أنَّ اليُبُوسيَّ يتبعه سهَرٌ وحفظٌ للأمور (^٦) الماضية دون الحاليَّة، والرُّطوبيُّ بالعكس.
_________________
(١) أخرجه ابن معين في «تاريخه» (٣٩٥٣)، وأبو يعلى ــ كما في «إتحاف الخيرة» (٣٩٢١) ــ، وأبو نعيم في «الطِّب النَّبوي» (٦٢٦، ٦٥٢)، والبيهقيُّ في «الشُّعب» (٥٦٧٩)، من حديث أنس - ﵁ -. قال ابن مُفلح في «الآداب الشَّرعيَّة» (٢/ ٣٩١): «ضعيفٌ أو موضوع»، وضعَّفه السَّخاويُّ في «الأجوبة المرضيَّة» (٢/ ٥٣٧).
(٢) أخرجه أبو نعيم في «الطِّب النَّبوي» (٣٦٧، ٦٤٧). وأخرجه الخطيب في «الجامع لأخلاق الرَّاوي» (١٧٩٧) لكن بلفظ: «عليك بألبان البقر » بدل اللُّبان.
(٣) أخرجه الدِّينوريُّ في «المجالسة» (٢٢٣٦)، وأبو الشَّيخ في «العوالي» (٤٤)، وأبو نعيم في «الطِّب النَّبوي» (٣٦٦، ٦٤٨)، والخطيب في «الجامع لأخلاق الرَّاوي» (١٧٩٩).
(٤) أخرجه الخطيب في «الجامع لأخلاق الرَّاوي» (١٨٠٠).
(٥) في كتاب الحموي: «لغلبة اليبس عليه»، وعليه بنى التعليل الآتي.
(٦) ن: «الأمور».
[ ٤ / ٥٧٥ ]
وقد يُحدِث النِّسيانَ أشياءُ بالخاصَّة (^١)، كحجامة النُّقْرة (^٢)، وإدمانِ أكل الكُسْفُرة الرَّطبة، والتُّفَّاح الحامض، وكثرة الهمِّ والغمِّ، والنَّظر في الماء الواقف والبول فيه، والنَّظر إلى المصلوب، والإكثار من قراءة ألواح القبور، والمشي بين جملين مقطورين (^٣)، وإلقاء القمل بالحياة (^٤)، وأكل سؤر الفأر. وأكثر هذا معروفٌ بالتَّجربة (^٥).
والمقصود: أنَّ اللُّبان مسخِّنٌ في الدَّرجة الثَّانية، ومجفِّفٌ في الأولى، وفيه قبضٌ يسيرٌ. وهو كثير المنافع، قليل المضارِّ. فمن منافعه: أن ينفع من قذف الدَّم ونزفه، ووجع المعدة، واستطلاق البطن؛ ويهضم الطَّعام، ويطرد الرِّياح، ويجلو قروح العين، ويُنبت اللَّحم في سائر القروح، ويقوِّي المعدة الضَّعيفة، ويسخِّنها، ويجفِّف البلغم، وينشِّف رطوبات الصَّدر، ويجلو ظلمة البصر، ويمنع القروح الخبيثة من الانتشار. وإذا مُضِغ وحده أو مع الصَّعتر الفارسيِّ جلَب البلغم، ونفَع من اعتقال اللِّسان، ويزيد في الذِّهن ويذكِّيه. وإن بُخِّر بهما (^٦) نفَع من الوباء، وطيَّب رائحة الهواء.
_________________
(١) ز، حط، ن: «بالخاصّيَّة».
(٢) يعني: نقرة القفا.
(٣) هما المضمومان بعضهما إلى بعض، المسوقان سياقًا واحدًا.
(٤) يعني: وهي حيَّة، كما جاء في المصادر، وقد غيَّرته طبعة الرسالة إلى «في الحياض» دون تنبيه على ما في أصلها! ولفظ الحموي: «نبذ القمل» فقط، ومصدره «لقط المنافع» (٢/ ١١٢).
(٥) هذه الجملة من تعقيب المؤلف على ما نقله. والأشياء العشرة المذكورة نقلت عن علي بن أبي طالب كما في «ثمرات الأوراق» (٢/ ٢١٧) وجملة منها في حديث مرفوع موضوع أخرجه ابن عدي في «الكامل» (٢/ ٤٨٣). وفي صحة أكثرها نظر.
(٦) يعني باللبان والصَّعتر. وفي النسخ المطبوعة: «به ماء»، تحريف طريف.
[ ٤ / ٥٧٦ ]
حرف الميم
ماء (^١): مادَّة الحياة، وسيِّد الشَّراب، وأحد أركان العالم؛ بل ركنه الأصليُّ، فإنَّ السَّماوات خُلِقت من بخاره، والأرضُ من زَبَده. وقد جعل الله منه كلَّ شيءٍ حيٍّ.
وقد اختلف فيه: هل يغذو، أو ينفذ الغذاء فقط؟ على قولين، وقد تقدَّما (^٢)، وذكرنا القول الرَّاجح ودليله.
وهو باردٌ رطبٌ، يقمع الحرارة، ويحفظ على البدن رطوباته، ويردُّ عليه بدلَ ما تحلَّل منه، ويرقِّق الغذاء، وينفذه في العروق (^٣).
وتعتبر جودة الماء من عشرة طرقٍ:
أحدها: من لونه بأن يكون صافيًا.
الثَّاني: من رائحته بأن لا تكون له رائحةٌ البتَّة.
الثَّالث: من طعمه بأن يكون عذب الطَّعم حلوه، كماء النِّيل والفرات.
الرَّابع: من وزنه بأن يكون خفيفًا رقيق القوام.
الخامس: من مجراه بأن يكون طيِّب المجرى والمسلك.
السَّادس: من منبعه بأن يكون بعيد المنبع.
_________________
(١) كتاب الحموي (ص ٤٨٤ - ٤٩٠).
(٢) في ذكر هديه - ﷺ - في الشراب (ص ٣٢٤).
(٣) سبقت هذه الفقرة أيضًا في هديه - ﷺ - في الشراب.
[ ٤ / ٥٧٧ ]
السَّابع: من بروزه للشَّمس والرِّيح، بأن لا يكون محتقَنًا (^١) تحت الأرض، فلا تتمكَّن الشَّمس والرِّيح من قَصَارته (^٢).
الثَّامن: من حركته بأن يكون سريع الجري والحركة.
التَّاسع: من كثرته بأن يكون له كثرةٌ تدفع الفضلات المخالطة له.
العاشر: من مصبِّه بأن يكون آخذًا إلى الشَّمال من الجنوب (^٣)، أو من المغرب إلى المشرق (^٤).
وإذا اعتبرت هذه الأوصاف لم تجدها بكمالها إلا في الأنهار الأربعة: النِّيل، والفرات، وسيحان، وجيحان.
وفي «الصَّحيحين» (^٥) من حديث أبي هريرة، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «سيحان، وجيحان، والنِّيل، والفرات= كلُّها من أنهار الجنَّة».
وتعتبر خفَّة الماء من ثلاثة أوجهٍ:
أحدها: سرعة قبوله للحرِّ والبرد. قال بقراط (^٦): الماء الذي يسخن سريعًا، ويبرد سريعًا أخفُّ المياه.
الثَّاني: بالميزان.
_________________
(١) ل: «مخفيا». وفي ز، س: «مختفيًا»، وكذا في النسخ المطبوعة، وهو تصحيف.
(٢) يعني: من تصفيته.
(٣) ل: «من الشمال إلى الجنوب»، وكذا في النسخ المطبوعة، وهو تحريف.
(٤) الطرق الخمس الأُوَل ذكرها الحموي (ص ٤٨٥) بالنص، وسائرها استخرجها المصنف من كلام الحموي قبلها ومن كلام ابن سينا بعدها.
(٥) كذا قال الحموي. والحديث أخرجه مسلم (٢٨٣٩) وحده.
(٦) س، حط، ل: «أبقراط».
[ ٤ / ٥٧٨ ]
الثَّالث: أن تبلَّ قطنتان متساويتا الوزن بماءين مختلفين، ثمَّ يجفَّفان تجفيفًا بالغًا، ثمَّ توزنان، فأيهما كانت أخفَّ فماؤها كذلك.
والماء وإن كان في الأصل باردًا رطبًا، فإنَّ قوَّته تنتقل وتتغيَّر لأسبابٍ عارضةٍ توجب انتقالها، فإنَّ الماء المكشوف للشَّمال، المستور عن الجهات الأُخَر يكون باردًا، وفيه يبسٌ مكتسبٌ من ريح الشَّمال. وكذلك الحكم على سائر الجهات الأخَر. والماء الذي ينبع من المعادن يكون على طبيعة ذلك المعدن، ويؤثِّر في البدن تأثيرَه.
والماء العذب نافع للمرضى والأصحَّاء. والبارد منه أنفع وألذُّ. ولا ينبغي شربه على الرِّيق، ولا عقيب الجماع، ولا الانتباه من النَّوم، ولا عقيب الحمَّام، ولا عقيب أكل الفاكهة. وقد تقدَّم.
وأمَّا على الطَّعام، فلا بأس به إذا اضطرَّ إليه، بل يتعيَّن. ولا يُكثِرْ منه، بل يتمصَّصه مصًّا، فإنَّه لا يضرُّه البتَّة. بل يقوِّي المعدة، وينهض الشَّهوة، ويزيل العطش.
والماء الفاتر ينفخ، ويفعل ضدَّ ما ذكرناه. وبائته أجود من طريِّه، وقد تقدَّم. والبارد ينفع من داخلٍ أكثر من نفعه من خارجٍ، والحارُّ بالعكس. وينفع البارد من عفونة الدَّم وصعود الأبخرة إلى الرَّأس، ويدفع العفونات، ويوافق الأمزجة والأسنان والأزمان والأماكن الحارَّة. ويضرُّ كلَّ حالةٍ (^١) تحتاج إلى نضجٍ وتحليلٍ، كالزُّكام والأورام. والشَّديد البرودة منه يؤذي
_________________
(١) د: «على كل حالة»، وهنا تبعت طبعة الرسالة أصلها. وفي النسخ الأخرى وكتاب الحموي ما أثبت.
[ ٤ / ٥٧٩ ]
الأسنان. والإدمانُ عليه يُحدث انفجار الدَّم، والنَّزلات، وأوجاع الصَّدر.
والباردُ والحارُّ بإفراطٍ ضارَّين (^١) للعصب ولأكثر الأعضاء، لأنَّ أحدهما محلِّلٌ والآخر مكثِّفٌ. والماء الحارُّ يسكِّن لذع الأخلاط [و] (^٢) الحدَّة والوجع (^٣)، ويحلِّل ويُنضج، ويخرج الفضول، ويرطِّب، ويسخِّن. ويفسد الهضمَ شربُه، ويطفو بالطَّعام إلى أعالي المعدة ويُرخيها، ولا يسرع في تسكين العطش، ويُذبل البدن، ويؤدِّي إلى أمراضٍ رديَّة. ويضرُّ في أكثر الأمراض، على أنَّه صالحٌ للشُّيوخ وأصحاب الصَّرع والصُّداع البارد والرَّمد. وأنفعُ ما اسْتُعمِل من خارجٍ.
ولا يصحُّ في المسخَّن بالشَّمس حديثٌ ولا أثرٌ (^٤)، ولا كرهه أحدٌ من قدماء الأطبَّاء، ولا عابوه.
_________________
(١) كذا في جميع النسخ الخطية ونسختي كتاب الحموي (ص ٤٨٩). وفي النسخ المطبوعة: «ضارَّان».
(٢) زيادة من كتاب الحموي. وفي ل: «أوجاع الأخلاط الحدة ولذعها»، وهو تغيير كامل للسياق. وفي غيرها: «الأخلاط الحدة»، وفي هامش ن أن في نسخة: «الأخلاط الحادة»، وكذا في النسخ المطبوعة.
(٣) في الأصل (ف) وحده: «والوقع» وهو تحريف ما أثبت من كتاب الحموي. وعلى الكلمة في الأصل خطٌّ كأنه خط الضرب، وقد يكون من آثار الأرضة التي عاثت في أطراف النسخة فسادًا.
(٤) روي ذلك عن عائشة وأنس وابن عباس مرفوعًا، وعن عمر موقوفًا عليه، وكلها واهية لاسيما الروايات المرفوعة. انظر: «سنن الدارقطني» (٨٦ - ٨٨) و«سنن الكبرى» للبيهقي (١/ ٦) و«تنقيح التحقيق» (١/ ٦٤) و«البدر المنير» (١/ ٤٢١) و«إرواء الغليل» (١/ ٥٠).
[ ٤ / ٥٨٠ ]
ماء الثلج والبرد
ماء الآبار والقني
والشَّديد السُّخونة يذيب شحم الكُلى.
وقد تقدَّم الكلام على ماء الأمطار في حرف الغين.
ماء الثلج والبرَد: ثبت في «الصَّحيحين» (^١) عن النَّبيِّ - ﷺ - أنَّه كان يدعو في الاستفتاح وغيره: «اللَّهمَّ اغسلني من خطاياي بماء الثَّلج والبرَد».
الثَّلج له في نفسه كيفيَّةٌ حادَّةٌ دخَّانيَّةٌ، فماؤه كذلك. وقد تقدَّم وجهُ الحكمة في طلب الغسل من الخطايا بمائه، لما يحتاج إليه القلب من التَّبريد والتَّصليب والتَّقوية. ويستفاد من هذا أصلُ طبِّ الأبدان والقلوب، ومعالجة أدوائهما بضدِّها.
وماءُ البرَد ألطَفُ وألذُّ من ماء الثَّلج. وأمَّا ماء الجَمَد وهو الجليد، فبحسب أصله. والثَّلج يكتسب كيفيَّة الجبال والأرض الَّتي يسقط عليها في الجودة والرَّداءة.
وينبغي تجنُّب شرب الماء المثلوج عقيب الحمَّام، والجماع، والرِّياضة، والطَّعام الحارِّ؛ ولأصحاب السُّعال ووجع الصَّدر، وضعف الكبد، وأصحاب الأمزجة الباردة.
ماء الآبار والقُنِيِّ (^٢): مياه الآبار قليلة اللَّطافة، وماء القُنيِّ المدفونة تحت الأرض ثقيلٌ، لأنَّ أحدهما محتقنٌ لا يخلو عن تعفُّنٍ، والآخر محجوبٌ عن الهواء. وينبغي أن لا يشرب على الفور حتَّى يصمد للهواء،
_________________
(١) البخاري (٧٤٤) ومسلم (٥٩٨) من حديث أبي هريرة - ﵁ -، وقد تقدم.
(٢) كتاب الحموي (ص ٤٩٢ - ٤٩٣). والقني جمع القناة.
[ ٤ / ٥٨١ ]
ماء زمزم
وتأتي عليه ليلةٌ. وأرداه (^١) ما كانت مجاريه من رصاصٍ، أو كانت بئره معطَّلةً، ولا سيَّما إذا كانت تربتها رديَّةً، فهذا الماء وبيٌّ (^٢) وخيمٌ.
ماء زمزم: سيِّد المياه وأشرفها، وأجلُّها قدرًا، وأحبُّها إلى النُّفوس، وأغلاها ثمنًا وأنفَسها عند النَّاس. وهو هَزْمَة جبريل، وسقيا إسماعيل.
وثبت في «الصَّحيح» (^٣) عن النَّبيِّ - ﷺ - أنَّه قال لأبي ذر، وقد أقام بين الكعبة وأستارها أربعين (^٤) ما بين يومٍ وليلةٍ، ليس له طعامٌ غيره= فقال - ﷺ -: «إنَّها طعامُ طُعْمٍ». وزاد غير مسلم بإسناده: «وشِفاءُ سُقْمٍ» (^٥).
وفي «سنن ابن ماجه» (^٦) من حديث جابر بن عبد اللَّه عن النَّبيِّ - ﷺ - أنَّه
_________________
(١) من الرَّديِّ بتسهيل الهمزة.
(٢) كذا مضبوط بالشدَّة في الأصل وغيره، أصله: وبيء، فسهَّل الهمزة.
(٣) أخرجه مسلم (٢٤٧٣) من حديث أبي ذر - ﵁ -.
(٤) كذا، والذي عند مسلم وغيره: «ثلاثين».
(٥) أخرجه الطَّيالسيُّ (٤٥٩) عن سليمان بن المغيرة، والبزَّار (٣٩٢٩، ٣٩٤٦) من طريق خالد الحذَّاء وابن عون، والطَّبراني في «الصَّغير» (٢٩٥) من طريق عبد الله بن بكر المزنيِّ، أربعتهم عن حميد بن هلال، عن عبد الله بن الصَّامت، عن أبي ذرٍّ - ﵃ -، بمثل إسناد مسلم.
(٦) برقم (٣٠٦٢). وأخرجه أيضًا ابن أبي شيبة (١٤٣٤٠، ٢٤١٩١)، وأحمد (١٤٨٤٩، ١٤٩٩٦)، والطَّبراني في «الأوسط» (٨٤٩، ٩٠٢٧)،كلُّهم من طريق عبد الله بن المؤمّل، عن أبي الزُّبير، عن جابر به. ويُروى عن حمزة بن حبيب الزَّيَّات وإبراهيم بن طهمان، عن أبي الزُّبير به. وفي الباب عن ابن عبَّاس، وأبي ذرٍّ، وعبد الله بن عمرو، وعن معاوية موقوفًا. ينظر: «البدر المنير» (٦/ ٢٩٩)، و«التَّلخيص الحبير» (٢/ ٥١٠)، و«المقاصد الحسنة» (٩٢٨)، و«الإرواء» (١١٢٣).
[ ٤ / ٥٨٢ ]
قال: «ماء زمزم لما شُرِبَ له». وقد ضعَّف هذا الحديث طائفةٌ (^١) بعبد الله بن المؤمل راويه عن محمَّد بن المنكدر (^٢). وقد روِّينا عن عبد الله بن المبارك أنَّه لمَّا حجَّ أتى زمزم، فقال: اللَّهمَّ إنَّ ابن أبي المَوَال حدَّثنا عن محمَّد بن المنكدر، عن جابر، عن نبيِّك أنَّه قال: «ماءُ زمزم لما شُرِب له» وإنِّي أشربه لظمأ يوم القيامة (^٣).
وابن أبي المَوَال ثقةٌ، فالحديث إذن حسنٌ (^٤). وقد صحَّحه بعضهم (^٥)، وجعله بعضهم موضوعًا، وكلا
_________________
(١) منهم: العقيليُّ في «الضُّعفاء» (٢/ ٣٠٣)، وابن حبَّان في «المجروحين» (٢/ ٢٨)، وابن عديٍّ في «الكامل» (٥/ ٢٢٣)، وابن القطَّان في «الوهم والإيهام» (٣/ ٤٧٨)، والنَّوويُّ في «المجموع» (٨/ ٢٦٧)، والذَّهبيُّ في «المهذَّب» (٤/ ١٨٩٩).
(٢) كذا قال! وإنَّما رواه عبد الله بن المؤمّل، عن أبي الزُّبير، عن جابر. قال ابن حجر في «جزء فيه الجواب عن حال الحديث المشهور: ماء زمزم لما شرب له» (ص ١٩٣): «لا نعرف أحدًا من أصحاب ابن المؤمّل قال فيه: عنه عن ابن المنكدر».
(٣) أخرجه البيهقيُّ في «الشُّعب» (٣٨٣٣)، والخطيب في «تاريخ بغداد» (١٠/ ١٦٤)، من طريق سويد بن سعيد، عن ابن المبارك به .. قال البيهقيُّ: «غريب من حديث ابن أبي الموال عن ابن المنكدر، تفرَّد به سويد عن ابن المبارك من هذا الوجه عنه»، وقال ابن حجر في «التَّلخيص الحبير» (٢/ ٥١٠): «سويد ضعيف جدًّا وإن كان مسلم قد أخرج له في المتابعات وقد خلَّط في هذا الإسناد، وأخطأ فيه عن ابن المبارك، وإنَّما رواه ابن المبارك عن ابن المؤمّل عن أبي الزُّبير، كذلك رُوِّيناه في فوائد أبي بكر ابن المقرئ من طريقٍ صحيحة»، وهو في «المعجم» لابن المقرئ (٣٨٢).
(٤) وممَّن حسَّنه: المنذريُّ في «التَّرغيب» (٢/ ١٣٦)، والدِّمياطيُّ في «المتجر الرَّابح» (٨٩٢)، وقال ابن حجر في «جزء فيه الجواب عن حال الحديث المشهور: ماء زمزم لما شرب له» (ص ١٩٠): «مرتبة هذا الحديث عند الحفَّاظ باجتماع طرقِه يصلُح للاحتجاج به»، وحسَّنه الألبانيُّ في «الإرواء» (٤/ ٣٢٤).
(٥) ممَّن صحَّحه: ابن عيينة كما في «المجالسة» (٥٠٩)، وقال الدِّمياطيُّ عن حديث سويد كما في «البدر المنير» (٦/ ٣٠١): «هذا حديث على رسم الصَّحيح». وفي (حط) حاشية صحح كاتبها طريق عبد الرحمن بن المغيرة عن حمزة الزيات عن أبي الزبير، وحسَّن طريق عبد الله بن المؤمل.
[ ٤ / ٥٨٣ ]
ماء النيل
القولين فيه مجازفةٌ.
وقد جرَّبتُ أنا وغيري من الاستشفاء بماء زمزم أمورًا عجيبةً، واستشفيت به من عدَّة أمراضٍ، فبرأت بإذن اللَّه (^١). وشاهدت من يتغذَّى به الأيَّامَ ذواتِ العدد قريبًا من نصف الشَّهر أو أكثره، ولا يجد جوعًا، ويطوف مع النَّاس كأحدهم. وأخبرني أنَّه ربَّما بقي عليه أربعين يومًا، وكان له قوَّةٌ يجامع بها أهله، ويصوم، ويطوف مرارًا.
ماء النِّيل: أحد أنهار الجنَّة. أصله من وراء الجبال القُمْر (^٢) في أقصى بلاد الحبشة من أمطارٍ تجتمع هناك، وسيولٍ يمدُّ بعضها بعضًا، فيسوقه الله سبحانه إلى الأرض الجُرُز الَّتي لا نبات بها (^٣)، فيُخرج به زرعًا تأكل منه الأنعام والأنام. ولمَّا كانت الأرض الَّتي يسوقه إليها إبليزًا (^٤) صُلبةً، إن أُمْطِرت مطرَ العادة لم ترو ولم تتهيَّأ للنَّبات، وإن أمطرت فوق العادة ضرَّت المساكن والسَّاكن، وعطَّلت المعايش والمصالح، فأمطر البلاد البعيدة، ثمَّ
_________________
(١) وانظر: «مفتاح دار السعادة» (٢/ ٧١٣) و«مدارج السالكين» (١/ ٥٨).
(٢) كذا في الأصل ول يعني: البِيض. وفي غيرهما: «جبال القَمَر»، وكلاهما يقال كما في «البداية والنهاية» (١/ ٥٨).
(٣) كذا كتب في الأصل ثم غيِّر إلى «لها» وبقيت نقطة الباء. وكذا في حط، ن والطبعة الهندية. وفي غيرها: «لها».
(٤) الإبليز: الطين الذي يعقبه النِّيل بعد ذهابه عن وجه الأرض. انظر: «تاج العروس» (١٥/ ٣٦) و«معجم تيمور الكبير» (١/ ١٠).
[ ٤ / ٥٨٤ ]
ماء البحر
ساق تلك الأمطار إلى هذه الأرض في نهرٍ عظيمٍ. وجعل سبحانه زيادته في أوقاتٍ معلومةٍ على قدر ريِّ البلاد وكفايتها، فإذا روَّى البلاد وعمَّها أذِنَ سبحانه بتناقصه وهبوطه، لتتمَّ المصلحة بالتَّمكُّن من الزَّرع. واجتمع في هذا الماء الأمور العشرة الَّتي تقدَّم ذكرها، وكان من ألطف المياه وأخفِّها وأعذبها وأحلاها.
ماء البحر: ثبت عن النَّبيِّ - ﷺ - أنَّه قال في البحر: «هو الطَّهور ماؤه، الحِلُّ ميتته» (^١). وقد جعله الله سبحانه ملحًا أُجاجًا مرًّا زُعَاقًا، لتمام مصالح مَن (^٢) على وجه الأرض من الآدميِّين والبهائم، فإنَّه دائمٌ (^٣) كثير الحيوان، وهو يموت فيه كثيرًا ولا يُقبَر. فلو كان حلوًا لأنتَنَ من إقامته وموت حيواناته فيه وأجَافَ (^٤)، وكان الهواء المحيط بالعالم يكتسب منه ذلك ويُنتن ويُجيف،
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٨٣)، والتِّرمذيُّ (٦٩)، والنَّسائيُّ (٥٩، ٣٣٢، ٤٣٥٠)، وابن ماجه (٣٨٦، ٣٢٤٦)، وأحمد (٧٢٣٣، ٨٧٣٥، ٨٩١٢، ٩٠٩٩، ٩١٠٠)، من حديث أبي هريرة - ﵁ -.وقد اختُلف في إسنادِه. وصحَّحه البخاريُّ كما في «العلل الكبير» (ص ٤١)، والتِّرمذيُّ، وابن الجارود (٤٣)، وابن خزيمة (١١١)، وابن المنذر في «الأوسط» (١/ ٢٤٩)، وابن حبَّان (١٢٤٣، ٥٢٥٨)، وابن منده كما في «الإلمام» (١/ ٤٩)، والحاكم (١/ ١٤٠)، والنَّوويُّ في «المجموع» (١/ ٨٢، ٢/ ٥٦١)، وهو في «السِّلسلة الصَّحيحة» (٤٨٠). وفي الباب عن جابر، وابن عبَّاس، وأنس، وعليٍّ، وعبد الله بن عمرو، والفراسيِّ، وعن أبي بكر موقوفًا، وعن عقبة بن عامر موقوفًا.
(٢) بعده في س، ل زيادة: «هو»، وكذا في النسخ المطبوعة غير الهندية.
(٣) لفظ «دائم» ساقط من ل، وبعده زيادة: «راكد» في النسخ المطبوعة.
(٤) يعني: خبث ريحها، مثل جيَّفَ. انظر: «شمس العلوم» (٢/ ١٢٣٥) و«العباب الزاخر» (جيف).
[ ٤ / ٥٨٥ ]
فيفسد العالم. فاقتضت حكمة الرَّبِّ سبحانه أن جعله كالملَّاحة لو ألقي فيه (^١) جيف العالم كلُّها وأنتانه وأمواته لم تغيِّره شيئًا، ولا يتغيَّر على مكثه من حين خُلِق، وإلى أن يطوي الله العالم. فهذا هو السَّبب الغاييُّ لملوحته. وأمَّا الفاعليُّ فكون أرضه سبَخةً مالحةً.
وبعد، فالاغتسال به نافعٌ من آفاتٍ عديدةٍ في ظاهر الجلد. وشربه مضرٌّ بداخله وخارجه، فإنَّه يُطلق البطن، ويُهْزِل، ويُحْدِث حكَّةً وجرَبًا ونفخًا وعطشًا. ومن اضطرَّ إلى شربه فله طرقٌ من العلاج يدفع به مضرَّته:
منها: أن يجعل في قدرٍ، ويجعل فوق القدر قصَباتٌ، وعليها صوفٌ جديدٌ منفوشٌ، ويوقد تحت القدر حتَّى يرتفع بخارها إلى الصُّوف، فإذا كثر عصرُه، ولا يزال يفعل ذلك حتَّى يجتمع له ما يريد، فيحصل من البخار في الصُّوف ماءٌ عذبٌ، ويبقى في القدر الذُّعاف (^٢).
ومنها: أن يحفر على شاطئه حفرةٌ واسعةٌ يرشَح ماؤه إليها، ثمَّ إلى جانبها قريبًا منها أخرى ترشِّح هي إليها، ثمَّ ثالثةٌ إلى أن يعذب الماء.
وإذا ألجأته الضَّرورة إلى شرب الماء الكدر، فعلاجه أن يلقي فيه نوى المشمش، أو قطعةً من خشب السَّاج، أو جمرًا ملتهبًا يطفأ فيه، أو طينًا أرمنيًّا أو سويقَ حنطةٍ، فإنَّ كدورته ترسُب إلى أسفل (^٣).
_________________
(١) يعني: في البحر. وفي س: «فيها»، وكأن بعضهم تصرَّف فيها.
(٢) س، ل: «الزُّعاف»، وهو بالزاي والذال: سمٌّ قاتل. وكذا في نسخ «لقط المنافع» (١/ ٤٣٣) وهو مصدر النقل. وفي النسخ الأخرى: «الزُّعاق».
(٣) انظر للفقرات الأربع الأخيرة: «لقط المنافع» (١/ ٤٣٢ - ٤٣٣).
[ ٤ / ٥٨٦ ]
مسك
مرزنجوش
مِسْك: ثبت في «صحيح مسلم» (^١) عن أبي سعيدٍ الخدريِّ عن النَّبيِّ - ﷺ - أنَّه قال: «أطيب الطِّيب المسك».
وفي «الصَّحيحين» (^٢) عن عائشة: كنت أطيِّب النَّبيَّ - ﷺ - قبل أن يُحرم، ويوم النَّحر قبل أن يطوف بالبيت، بطيبٍ فيه مسكٌ.
المسكُ ملِكُ أنواع الطِّيب، وأشرفها، وأطيبها. وهو الذي تضرب به الأمثال، ويشبَّه به غيره، ولا يشبَّه بغيره. وهو كثبان الجنَّة (^٣).
وهو حارٌّ يابسٌ في الثَّانية، يسرُّ النَّفس ويقوِّيها، ويقوِّي الأعضاء الباطنة جميعها شربًا وشمًّا، والظَّاهرةَ إذا وُضِع عليها. نافعٌ للمشايخ، والمبرودين، لا سيَّما زمنَ الشِّتاء، جيِّدٌ للغشي والخفقان وضعف القوَّة بإنعاشه للحرارة الغريزيَّة. ويجلو بياض العين، وينشِّف رطوبتها، ويفشُّ الرِّياح منها ومن جميع الأعضاء. ويبطل عمل السَّموم، وينفع من نهش الأفاعي (^٤).
ومنافعه كثيرةٌ جدًّا، وهو من أقوى المفرِّحات.
مَرْزَنْجُوش (^٥): ورد فيه حديثٌ لا نعلم (^٦) صحَّته: «عليكم بالمرزنجوش، فإنَّه جيِّدٌ للخُشَام» (^٧). والخشام: الزُّكام.
_________________
(١) برقم (٢٢٥٢).
(٢) البخاري (١٥٣٩) ومسلم (١١٩١).
(٣) سبق تخريجه.
(٤) كتاب الحموي (ص ٤٤٢ - ٤٤٣).
(٥) كتاب الحموي (ص ٤٩٥). ومرزنجوش هو البردقوش.
(٦) حط، ل، د: «يعلم»، والأصل غير منقوط.
(٧) أخرجه أبو نعيم في «الطِّب النَّبوي» (٢٨٦، ٦٧٣)، وابن بشكوال في «الآثار المرويَّة في الأطعمة السَّريَّة» (١٤٥)، من حديث أنس - ﵁ -. وفيه عبد الله بن نوح، قال الأزديُّ كما في «الميزان» (٢/ ٥١٦): «تركوه»، وحكم الذَّهبيُّ على حديثه هذا بالبطلان. وينظر: «تنزيه الشَّريعة» (٢/ ٢٧١)، و«الأسرار المرفوعة» (ص ٤٨٦).
[ ٤ / ٥٨٧ ]
ملح
وهو حارٌّ (^١) يابسٌ في الثَّانية. ينفع شمُّه من الصُّداع البارد، والكائن عن البلغم، والسَّوداء، والزُّكام، والرِّياح الغليظة، ويفتح السُّدد الحادثة في الرَّأس والمنخرين، ويحلِّل أكثر الأورام الباردة، وينفع من أكثر الأورام (^٢) والأوجاع الباردة الرَّطبة.
وإذا احتُمِل أدرَّ الطَّمث، وأعان على الحبل. وإذا دُقَّ ورقه اليابس وكُمِد به أذهَبَ آثار الدَّم العارض تحت العين، وإذا ضمِّد به مع الخلِّ نفَع لسعة العقرب.
ودهنُه نافعٌ لوجع الظَّهر والرُّكبتين، ويذهب بالإعياء. ومن أدمن شمَّه لم ينزل في عينيه الماء، وإذا استُعِط بمائه مع دهن اللَّوز المرِّ فتَح سُدَدَ المنخرين، ونفَع من الرِّيح العارضة فيها وفي الرَّأس.
مِلْح (^٣): روى ابن ماجه في «سننه» (^٤) من حديث أنسٍ يرفعه: «سيِّد
_________________
(١) بعده في طبعة الرسالة زيادة: «في الثالثة»، وقد أضافها الشيخ عبد الغني عبد الخالق في نشرته للطب النبوي (ص ٣٠٩) من كتاب الحموي بين حاصرتين، فحذفت الحاصرتان في طبعة الرسالة.
(٢) «الباردة الأورام» ساقط من د لانتقال النظر.
(٣) كتاب الحموي (ص ٤٩٦ - ٤٩٧).
(٤) برقم (٣٣١٥). وأخرجه أيضًا أبو يعلى (٣٧١٤)، والطَّبراني في «الأوسط» (٨٨٥٤). وإسناده ضعيف جدًّا؛ فيه عيسى بن أبي عيسى وهو متروك، وبه ضعَّفه ابن عديٍّ في «الكامل» (٦/ ٤٣٤)، وضعَّفه أيضًا السَّخاويُّ في «المقاصد الحسنة» (٥٧٥).
[ ٤ / ٥٨٨ ]
إدامكم الملح». وسيِّدُ الشَّيء هو الذي يُصلحه ويقوم عليه، وغالب الإدام إنَّما يصلح بالملح.
وفي «مسند البزار» (^١) مرفوعًا: «ستُوشكوا (^٢) أن تكونوا في النَّاس كالملح في الطَّعام، ولا يصلح الطَّعام إلا بالملح».
وذكر البغوي في «تفسيره» (^٣): عن عبد الله بن عمر مرفوعًا: «إنَّ الله أنزل أربع بركاتٍ من السَّماء إلى الأرض: الحديد، والنَّار، والماء، والملح». والموقوف أشبه.
الملح يُصْلح أجسام النَّاس وأطعمتهم، ويُصْلح كلَّ شيءٍ يخالطه حتَّى الذَّهب والفضَّة. وذلك أنَّ فيه قوَّةً تزيد الذَّهب صفرةً، والفضَّة بياضًا. وفيه جلاءٌ وتحليلٌ وإذهابٌ للرُّطوبات الغليظة، وتنشيفٌ لها، وتقويةٌ للأبدان
_________________
(١) برقم (٤٦٣٠) من حديث سمرة بن جندب - ﵁ -. وأخرجه أيضًا الطَّبراني في «الكبير» (٧/ ٢٦٨). وحسَّن الهيثميُّ في «المجمع» (١٠/ ١٨) إسناد الطبرانيِّ، وتُعقِّبَ بأنَّه من طريق جعفر بن سعد بن سمرة وهو ضعيفٌ، عن خبيب بن سليمان وهو مجهول، عن أبيه سليمان بن سمرة وهو مجهول الحال، وينظر: «السِّلسلة الضَّعيفة» (٤/ ٢٤٥).
(٢) ل: «سيوشك»، وكذا في النسخ المطبوعة. وفي الأصل وغيره ومخطوطتي كتاب الحموي كما أثبت بحذف نون الرفع.
(٣) «معالم التَّنزيل» (٨/ ٤١) بدون إسناد. ووصله الثَّعلبيُّ في «الكشف والبيان» (٩/ ٢٤٧). قال ابن تيمية كما في «المجموع» (١٢/ ٢٥٢): «حديث موضوع مكذوب؛ في إسناده سيف بن محمَّد ابن أخت سفيان الثَّوريِّ، وهو من الكذَّابين المعروفين بالكذب»، وقال ابن حجر في «الكاف الشاف» (ص ١٦٤): «في إسناده من لا أعرفه»، وهو في «السِّلسلة الضَّعيفة» (٣٠٥٣).
[ ٤ / ٥٨٩ ]
نخل
من فقه قوله: «إن من الشجر شجرة مثلها مثل الرجل المسلم»
ومنعٌ من عفونتها وفسادها، ونفعٌ من الجرب المتقرِّح.
وإذا اكتُحِل به قلع اللَّحم الزَّائد من العين، ومحَقَ الظَّفرَة (^١). والأندَرانيُّ (^٢) أبلغ في ذلك. ويمنع القروح الخبيثة من الانتشار، ويُحْدِر البراز. وإذا دُلِك به بطون أصحاب الاستسقاء نَفعهم. وينقِّي الأسنان، ويدفع عنها العفونة، ويشدُّ اللِّثة ويقوِّيها.
ومنافعه كثيرةٌ (^٣).
حرف النُّون
نخل: مذكورٌ في القرآن في غير موضعٍ. وفي «الصَّحيحين» (^٤): عن ابن عمر قال: بينما نحن عند النبي - ﷺ -، إذ أتي بجُمَّار نخلةٍ، فقال النَّبيُّ - ﷺ -: «إنَّ من الشَّجر شجرةً مثلُها مثلُ الرَّجل المسلم، لا يسقط ورقها. أخبروني ما هي؟». فوقع النَّاس في شجر البوادي، فوقع في نفسي أنَّها النَّخلة، فأردت أن أقول: هي النَّخلة. ثمَّ نظرت، فإذا أنا أصغر القوم سنًّا، فسكتُّ. فقال رسول الله - ﷺ -: «هي النَّخلة». فذكرتُ ذلك لعمر، فقال: لأن تكون قلتَها أحبُّ إليَّ من كذا وكذا.
ففي هذا الحديث: إلقاء العالم المسائل على أصحابه، وتمرينهم،
_________________
(١) من أمراض العين، وقد تقدمت (ص ٤٦٢).
(٢) نوع من الملح شديد البياض، والفصيح عند اللغويين: الذَّرَآني، بتحريك الراء وتسكينها.
(٣) في طبعة عبد اللطيف وما بعدها زيادة: «جدًّا».
(٤) البخاري (٦١) ومسلم (٢٨١١).
[ ٤ / ٥٩٠ ]
واختبار ما عندهم. وفيه: ضربُ الأمثال والتَّشبيه. وفيه: ما كان عليه الصَّحابة من الحياء من أكابرهم، وإجلالهم، وإمساكهم عن الكلام بين أيديهم. وفيه: فرحُ الرَّجل بإصابة ولده، وتوفيقه للصَّواب. وفيه: أنَّه لا يكره للولد أن يجيب بما يعرف بحضرة أبيه، وإن لم يعرفه الأب، وليس في ذلك إساءة أدبٍ عليه. وفيه: ما تضمَّنه تشبيهُ المسلم بالنَّخلة، وكثرةُ (^١) خيرها، ودوامُ ظلِّها وطيبُ ثمرها ووجودُه على الدَّوام.
وثمرها يؤكل رطبًا ويابسًا، وبلحًا ويانعًا. وهو غذاءٌ ودواءٌ، وقوتٌ وحلوى، وشرابٌ وفاكهةٌ. وجذوعها للبناء والآلات والأواني. ويتَّخذ من ورقها (^٢) الحُصُر والمكاتل والأواني والمراوح وغير ذلك، ومن ليفها الحبال والحشايا وغيرها. ثمَّ آخر شيءٍ نواها علَفٌ للإبل، ويدخل في الأدوية والأكحال. ثمَّ جمال ثيابها (^٣)، وحسن هيئتها، وبهجة منظرها، وحسن نضد ثمرتها (^٤) وصنعته وبهجته ومسرَّة النُّفوس عند رؤيته. فرؤيتها مذكِّرةٌ بفاطرها وخالقها، وبديع صُنعه، وكمال قدرته، وتمام حكمته. ولا شيء أشبه بها من الرَّجل المؤمن، إذ هو خيرٌ كلُّه ونفعٌ ظاهرٌ وباطنٌ.
_________________
(١) غُيِّر في طبعة الرسالة إلى «من كثرة». وسياق الحموي (ص ٤٩٩): «وشبَّه النخلة بالمسلم في كثرة ».
(٢) ن: «خوصها»، وكذا في هامش ز، والنسخ المطبوعة.
(٣) كذا في الأصل (ف) ود. وقد ذكر في «مفتاح دار السعادة» (٢/ ٦٥٦) و«تهذيب السنن» (٣/ ٣٧٦): «لباسها وزينتها»، فلعله قصد هذا المعنى. وفي غيرهما: «نباتها». وفي طبعة عبد اللطيف وما بعدها: «ثمرتها ونباتها».
(٤) س: «ثمرها»، وكذا في النسخ المطبوعة.
[ ٤ / ٥٩١ ]
نرجس
وهي الشَّجرة الَّتي حنَّ جذعها إلى رسول الله - ﷺ - لمَّا فارقه شوقًا إلى قربه واستماع كلامه. وهي الَّتي نزلت تحتها مريم لمَّا ولدت عيسى. وقد ورد في حديثٍ في إسناده نظرٌ: «أكرموا عمَّتكم النَّخلة، فإنَّها خُلِقت من الطِّين الذي خُلِقَ منه آدم» (^١).
وقد اختلف النَّاس في تفضيلها على الحَبْلة أو بالعكس على قولين. وقد قرن الله بينهما في كتابه في غير موضعٍ، وما أقرب أحدهما من صاحبه! وإن كان كلُّ واحدٍ منهما في محلِّ سلطانه ومنبته والأرض الَّتي توافقه أفضل وأنفع (^٢).
نرجس (^٣): فيه حديثٌ لا يصحُّ: «عليكم بشمِّ النَّرجِس، فإنَّ في القلب حبَّةَ الجنون والجذام والبرص، لا يقطعها إلا شمُّ النَّرجس» (^٤).
_________________
(١) أخرجه أبو يعلى (٤٥٥)، والعقيليُّ في «الضُّعفاء» (٤/ ٢٥٦)، وابن حبَّان في «المجروحين» (٣/ ٤٥)، والرَّامهرمزي في «الأمثال» (٣٥)، وأبو الشَّيخ في «الأمثال» (٢٦٣)، وغيرهم من طريق مسرور بن سعيد، عن الأوزاعيِّ، عن عروة بن رويم، عن عليٍ - ﵁ - به. قال ابن عديٍّ في «الكامل» (٨/ ١٨١): «هذا حديث عن الأوزاعيِّ منكر، وعروة عن عليٍّ ليس بالمتَّصل، ومسرور غيرُ معروف، لم أسمع بذكره إلَّا في هذا الحديث»، وقال ابن كثير في «تفسيره» (٥/ ٢٢٥): «هذا حديث منكر جدًّا»، وذكره ابن الجوزي في «الموضوعات» (١/ ١٨٤). وينظر: «المقاصد الحسنة» (١٥٦)، و«اللَّآلئ المصنوعة» (١/ ١٤٢)، و«تنزيه الشَّريعة» (١/ ٢٠٩)، و«السِّلسلة الضَّعيفة» (٢٦٣).
(٢) وانظر: «مفتاح دار السعادة» (٢/ ٦٥٦ - ٦٥٧)، و«طريق الهجرتين» (٢/ ٨٠٨)، و«تهذيب السنن» (٣/ ٣٧٨ - ٣٧٩).
(٣) كتاب الحموي (ص ٥٠١).
(٤) أخرجه ابن عساكر في «تاريخ دمشق» (١٤/ ٣٦) من حديث عليٍّ - ﵁ -، وقال: «هذا حديث منكر جدًّا». وذكره ابن الجوزي في «الموضوعات» (٣/ ٦١)، وقال الذَّهبي في «ترتيب الموضوعات» (٧١٦): «سندُه ظلمات»، وحكم عليه المصنِّف بالكذب في «المنار المنيف» (ص ١٣٠). وينظر: «اللَّآلئ المصنوعة» (٢/ ٢٣٢)، و«تنزيه الشَّريعة» (٢/ ٢٧٦)، و«الفوائد المجموعة» (ص ١٩٦).
[ ٤ / ٥٩٢ ]
وهو حارٌّ يابسٌ في الثَّانية. وأصله يدمُل القروح الغائرة إلى العصَب. وله قوَّةٌ غسَّالةٌ جاليةٌ جابذةٌ (^١)، وإذا طُبِخ وشرب ماؤه أو أُكِل مسلوقًا هيَّج القيء، وجذب الرُّطوبة من قعر البدن. وإذا طُبِخ بالكِرْسِنَّة (^٢) والعسل نقَّى أوساخ القروح، وفجَّر الدُّبيلات (^٣) العَسِرة النُّضج.
وزهره: معتدل الحرارة، لطيفٌ، ينفع الزُّكام البارد. وفيه تحليلٌ قويٌّ، ويفتح سُدَدَ الدِّماغ والمنخرين، وينفع من الصُّداع الرَّطب والسَّوداويِّ، ويصدِّع الرُّؤوس الحارَّة. والمحدّق (^٤) منه إذا شُقَّ قضيبُه (^٥) صليبًا وغُرِس صار مضاعفًا (^٦). ومن أدمن شمَّه في الشِّتاء أمِن البرسام في الصَّيف. وينفع
_________________
(١) يعني: جاذبة.
(٢) هكذا ضبط في «التاج» (٣٦/ ٥٠). وفي «محيط المحيط» (ص ٧٧٦) أن العامة تفتح الكاف والسين. وانظر: «تكملة دوزي» (٩/ ٦٤).
(٣) سبق تفسيره في رسم «الحلبة» (ص ٤٤٠).
(٤) كذا في جميع النسخ الخطية ومخطوطة كتاب الحموي (١٥٧/أ). و«لقط المنافع» (١/ ٢٨٣). وفي النسخ المطبوعة: «المحرق». وكذا في المطبوع من «منهاج ابن جزلة» (ص ٨٢٠).
(٥) كذا في النسخ الخطية والطبعة الهندية. وفي مخطوطة الحموي و«المنهاج»: «بصله»، يعني: أصله. وكذا في طبعة عبد اللطيف وما بعدها.
(٦) وقد ذكر صاحب «الفلاحة النبطية» (١/ ١٣٥) طريقين آخرين لإنبات النرجس المضاعف.
[ ٤ / ٥٩٣ ]
نورة
من أوجاع الرَّأس الكائنة من البلغم والمِرَّة السَّوداء. وفيه من العطريَّة ما يقوِّي القلب والدِّماغ، وينفع من كثيرٍ من أمراضها. وقال صاحب «التَّيسير» (^١): شمُّه يذهب بصرع الصِّبيان.
نُورة (^٢): روى ابن ماجه في «سننه» (^٣) من حديث أم سلمة أنَّ النَّبيَّ - ﷺ - كان إذا اطَّلى (^٤) بدأ بعورته فطلاها بالنُّورة، وسائرَ جسده أهلُه. وقد ورد فيها عدَّة أحاديث هذا أمثلها.
وقد قيل: إنَّ أوَّل من دخل الحمَّام، وصُنعت له النُّورة سليمان بن داود (^٥).
_________________
(١) يعني: ابن زُهْر، وقد سمّاه الحموي.
(٢) كتاب الحموي (ص ٥٠٢ - ٥٠٣).
(٣) «في سننه» ساقط من النسخ المطبوعة. والحديث فيها برقم (٣٧٥١، ٣٧٥٢) من طريق حبيب بن أبي ثابت، عنها به. وأخرجه أيضًا الطَّيالسيُّ (١٧١٥) بمعناه. وأنكر أحمد صحَّته كما في «الفتح» (١٠/ ٣٤٤)، ورجَّح البيهقيُّ (١/ ١٥٢) إرساله، والموصولُ ضعيفٌ لانقطاعه، قال أبو زرعة كما في «المراسيل» لابن أبي حاتم (ص ٢٨): «حبيبٌ لم يسمع من أمِّ سلمة»،وبذلك أعلَّه الذَّهبيُّ في «المهذَّب» (١/ ١٥٤)، وابن مُفلح في «الآداب الشَّرعيَّة» (٣/ ٥٣)، والبوصيريُّ في «المصباح» (٤/ ١٢١).
(٤) ما عدا ف، حط: «طلى».
(٥) روي مرفوعًا من حديث أبي موسى. أخرجه ابن أبي شيبة (٣٧١٨٥) والطبراني في «الأوسط» (٤٦١) وابن السُّني (ص ٣١٦) والبيهقي في «شعب الإيمان» (٧٣٨٨). وأخرجه أيضًا البخاري في «التاريخ الكبير» (١/ ٣٦٢) في ترجمة إسماعيل بن عبد الرحمن، وقال: فيه نظر، ولا يتابع فيه. وانظر: «الضعفاء» للعقيلي (١/ ٢٦٥) و«الكامل» لابن عدي (٢/ ٦٨ - ٦٩؛ ط. الرشد) و«الضعيفة» (٢٧٠٤).
[ ٤ / ٥٩٤ ]
نبق
وأصلها: كِلْسٌ جزءان، وزرنيخٌ جزءٌ. يخلطان بالماء، ويتركان في الشَّمس أو الحمَّام بقدر ما ينطبخ (^١)، وتشتدُّ زرقته. ثمَّ يطلى به، ويجلس ساعةً ريثما يعمل، ولا يمسُّ بماءٍ. ثمَّ يغسل، ويطلى مكانها بالحنَّاء لإذهاب ناريَّتها.
نَبِق (^٢): ذكر أبو نعيم في كتاب «الطِّبِّ النَّبويِّ» مرفوعًا (^٣): «إنَّ آدم لمَّا أهبط إلى الأرض كان أوَّلَ شيءٍ أكل من ثمارها النَّبِقُ».
وقد ذكر النَّبيُّ - ﷺ - النَّبق في الحديث المتَّفق على صحَّته (^٤) أنَّه رأى سدرةَ المنتهى ليلةَ أُسْرِي به، وإذا نَبِقُها مثل قِلال هَجَر.
والنَّبق: ثمر شجر السِّدر، يعقل الطَّبيعة، وينفع من الإسهال، ويدبغ
_________________
(١) حط، ل: «ينضج»، وكذا في النسخ المطبوعة، تصحيف.
(٢) كتاب الحموي (ص ٤٩٨)، «لقط المنافع» (١/ ٣٠٥).
(٣) برقم (٨٠٥) من طريق بكر بن بكَّار، عن حمَّاد بن سلمة، عن عليِّ بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عبَّاس به، لكن هو فيه موقوفٌ. وأخرجه أيضًا موقوفًا ابن عديٍّ في «الكامل» (٢/ ٢٠١) وقال: «هذا وإن كان موقوفًا على ابن عبَّاس فإنَّه منكر، لا أعلم يرويه عن حمَّاد غير بكر، ولبكر أحاديثُ حِسان غرائب صالحة، وهو ممَّن يُكتب حديثه، وله غير ما ذكرتُ، وليس حديثه بالمنكر جدًّا». وأخرجه الخطيب في «تاريخ بغداد» (٤/ ٣٥٤) من طريق محمَّد بن عنترة الفزاريِّ، عن الشَّعبيِّ قال: قال ابن عبَّاس: «النَّبق شجرةٌ مباركة، وهي أوَّل ثمرة تُبلع ــ أو: تؤكل ــ، وما أحبَّها إلَّا عاقل». وأمَّا المرفوع فأخرجه الخطيب أيضًا (١٣/ ٦٤) من طريق بكر بن بكَّار، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عبَّاس به، وضعَّفه ابن الجوزيِّ في «العلل المتناهية» (٢/ ١٦٧)، وهو في «السِّلسلة الضَّعيفة» (٦١٩٢).
(٤) البخاري (٣٢٠٧) ومسلم (١٦٤) من حديث مالك بن صعصعة - ﵁ -.
[ ٤ / ٥٩٥ ]
هندباء
المعدة، ويسكِّن الصَّفراء، ويغذو البدن، ويشهِّي الطَّعام، ويولِّد بلغمًا (^١). وينفع الذَّرَب (^٢) الصَّفراويَّ. وهو بطيء الهضم. وسويقه يقوِّي الحشا. وهو يُصلح الأمزجة الصَّفراويَّة، ودفعُ مضرَّته بالشَّهد.
واختلف فيه هل هو رطبٌ أو يابسٌ؟ على قولين. والصَّحيح: أنَّ رطبه بارد رطب، ويابسه بارد يابس.
حرف الهاء
هِنْدَبا (^٣): ورد فيها ثلاثة أحاديث لا تصحُّ عن رسول الله - ﷺ -، ولا يثبت مثلها، بل هي موضوعة:
أحدها: «كلوا الهندبا ولا تنفُضوه، فإنَّه ليس يومٌ من الأيَّام إلا وقطراتٌ من الجنَّة تقطرُ عليه» (^٤).
الثَّاني: «من أكل الهندبا ونام عليها لم يحلَّ فيه سمٌّ ولا سحرٌ» (^٥).
_________________
(١) آخر النقل من كتاب الحموي، وما بعده من «لقط المنافع».
(٢) الذَّرب: فساد المعدة والإسهال المتصل.
(٣) كتاب الحموي (ص ٤٢٣ - ٤٢٥). والهندبا، والهندباء كلاهما صحيح.
(٤) أخرجه الحارث بن أبي أسامة (٥٣٤ ــ بغية الباحث) من حديث أنس - ﵁ -، ومن طريقه أبو نعيم في «الطِّب النَّبوي» (٦٧٦). وحكم عليه بالوضع أيضًا ابن مُفلح في «الآداب الشَّرعيَّة» (٢/ ٥٦). وينظر: «الأجوبة المرضية» (١/ ٢١٧)، و«اللَّآلئ المصنوعة» (٢/ ١٨٨)، و«تنزيه الشَّريعة» (٢/ ٢٤٧)، و«السِّلسلة الضَّعيفة» (٢/ ٦).
(٥) أخرجه أبو طاهر السِّلفيُّ في «الطُّيوريَّات» (١١٥٠) من حديث عائشة. وحكم عليه بالوضع أيضًا ابن مُفلح في «الآداب الشَّرعيَّة» (٢/ ٥٦). وينظر: «تنزيه الشَّريعة» (٢/ ٢٦٣، ٢٦٦).
[ ٤ / ٥٩٦ ]
الثَّالث: «ما من ورقةٍ من ورق الهندبا إلا وعليها قطرةٌ من الجنَّة» (^١).
وبعد، فهي مستحيلة المزاج، منقلبةٌ بانقلاب فصول السَّنة. فهي في الشِّتاء باردةٌ رطبةٌ، وفي الصَّيف حارَّةٌ يابسةٌ، وفي الرَّبيع والخريف معتدلةٌ. وفي غالب أحوالها تميل إلى البرودة واليبس. وهي قابضةٌ مبرِّدةٌ جيِّدةٌ للمعدة. وإذا طُبِخت وأُكِلت بخلٍّ عقَلت البطنَ، وخاصَّةً البرِّيُّ منها، فهي أجود للمعدة، وأشدُّ قبضًا، وتنفع من ضعفها.
وإذا تُضُمِّد بها سكَّنت (^٢) الالتهاب العارض في المعدة. وتنفع (^٣) من النِّقرس، ومن أورام العين الحارَّة. وإذا تضُمِّد بورقها وأصولها نفَعت من لسع العقرب. وهي تقوِّي المعدة، وتفتح السُّدد العارضة في الكبد، وتنفع من أوجاعها حارِّها وباردها، وتفتح سدد الطِّحال والعروق والأحشاء، وتنقِّي مجاري الكلى.
وأنفعها للكبد: أمرُّها. وماؤها المعتصر ينفع من اليرقان السُّدديِّ، ولا سيَّما إذا خُلِط به ماء الرَّازِيانَج الرَّطب. وإذا دُقَّ ورقها ووُضِع على الأورام
_________________
(١) أخرجه الطَّبرانيُّ في «الكبير» (٣/ ١٣٠)، وأبو نعيم في «الطِّب النَّبوي» (٦٧٥، ٦٧٧) من حديث الحسين بن عليٍّ. ويروى مرسلًا. وحكم عليه بالوضع أيضًا ابن مُفلح في «الآداب الشَّرعيَّة» (٢/ ٥٦)، وقال ابن كثير في «جامع المسانيد» (٢/ ٤٩١): «منكر جدًّا». وينظر: «الموضوعات» (٢/ ٢٩٨)، و«الأجوبة المرضية» (١/ ٢١٨)، و«اللَّآلئ المصنوعة» (٢/ ١٨٧)، و«تنزيه الشَّريعة» (٢/ ٢٤٦)، و«السلسلة الضعيفة» (٣٣٢٥).
(٢) في النسخ المطبوعة: «سلبت»، تصحيف.
(٣) في كتاب الحموي: «وقد تنفع».
[ ٤ / ٥٩٧ ]
ورس
الحارَّة برَّدها وحلَّلها. ويجلو ما في المعدة، ويطفئ حرارة الدَّم والصَّفراء. وأصلَحُ ما أُكِلت غير مغسولةٍ ولا منفوضةٍ، لأنَّها متى غُسِلت أو نُفِضت فارقتها قوَّتها. وفيها مع ذلك قوَّة ترياقيَّة تنفع من جميع السُّموم.
وإذا اكتُحِل بمائها نفَع من الغشاء (^١). ويدخل ورقها في التِّرياقات (^٢)، وينفع من لدغ العقرب، ويقاوي (^٣) أكثر السُّموم. وإذا اعتُصِر ماؤها، وصُبَّ عليه الزَّيت، خلَّص من الأدوية القتَّالة كلِّها (^٤). وإذا اعتُصِر أصلُها وشُرب ماؤه نفَع من لسع الأفاعي ولسع العقرب والزُّنبور. ولبنُ أصلها يجلو بياض العين.
حرف الواو
وَرْس (^٥): ذكر الترمذي في «جامعه» (^٦) من حديث زيد بن أرقم عن النَّبيِّ
_________________
(١) ف، حط، ن: «العشا» وكذا في مخطوط كتاب الحموي (١٢٨/ب) وقد نقله عن الطبري «يعني: ضعف البصر بالليل». وفي «الآداب الشرعية» (٣/ ١٨٣): «الغشاوة».
(٢) ز، د: «الترياق».
(٣) يعني: يقاوم، كما في طبعة عبد اللطيف وما بعدها.
(٤) «كلها» ساقط من ز، د وطبعة الرسالة التي تبعت أصلها هنا.
(٥) كتاب الحموي (ص ٤٢٦ - ٤٢٧).
(٦) برقم (٢٠٧٨) من طريق قتادة، عن أبي عبد الله، عن زيد بن أرقم به. وأخرجه من هذه الطَّريق أيضًا النَّسائيُّ في «الكبرى» (٧٥٤٤)، وأحمد (١٩٣٢٧). وأخرجه ابن ماجه (٣٤٦٧) من طريق عبد الرَّحمن بن ميمون، عن أبيه، عن زيد بنحوه. قال التِّرمذيُّ: «هذا حديث حسن صحيح»، وصحَّحه الحاكم (٤/ ٢٠٢، ٢٠٦)، لكن الرَّاوي عن زيد وهو ميمون أبو عبد الله البصريُّ تُكُلِّم فيه، وقال فيه الإمام أحمد: «أحاديثه مناكير».
[ ٤ / ٥٩٨ ]
- ﷺ - أنَّه كان ينعت الزَّيت والوَرْسَ من ذات الجنب. قال قتادة: يُلَدُّه ويُلَدُّ من الجانب الذي يشتكيه.
وروى ابن ماجه في «سننه» (^١) من حديث زيد بن أرقم أيضًا، قال: نعت رسول الله - ﷺ - من ذات الجنب وَرْسًا وقُسْطًا وزيتًا يُلَدُّ به.
وصحَّ عن أم سلمة قالت: كانت النُّفساء تقعد بعد نفاسها أربعين يومًا، وكانت إحدانا تطلي الوَرْسَ على وجهها من الكلَف (^٢).
قال أبو حنيفة اللغوي (^٣): الورس يزرع زرعًا، وليس ببرِّيٍّ ولست أعرفه بغير أرض العرب ولا من أرض العرب بغير بلاد اليمن.
وقوَّته في الحرارة واليبوسة في أوَّل الدَّرجة الثَّانية. وأجوده: الأحمر اللَّيِّن في اليد، القليلُ النُّخالة. ينفع من الكلَف والحكَّة والبثور الكائنة في سطح البدن إذا طلي به. وله قوَّةٌ قابضةٌ صابغةٌ. وإذا شُرِب نفعَ من الوضَح.
_________________
(١) برقم (٣٤٦٧) من طريق عبد الرَّحمن بن ميمون، عن أبيه، عن زيد بن أرقم به. وهو الحديث السَّابق نفسُه.
(٢) أخرجه أبو داود (٣١١)، والتِّرمذي (١٣٩)، وابن ماجه (٦٤٨)، وأحمد (٢٦٥٦١). قال التِّرمذي: «هذا حديثٌ لا نعرفه إلَّا من حديث أبي سهل، عن مُسَّة الأزديَّة، عن أمِّ سلمة»، ونقل ذلك عن البخاري. وصحَّحه الحاكم (١/ ١٧٥)، لكن أعلَّه بعضُهم بأنَّ مُسَّة الأزديَّة لا يُعرَف حالها، ومشَّاها آخرون؛ ولذا قال ابن مُفلح في «الآداب الشَّرعيَّة» (٢/ ٣٨١): «مختلَف في حسنه وضعفه»، وممَّن حسَّنه النَّووي في «المجموع» (٢/ ٥٢٥) و«الخلاصة» (١/ ٢٤٠) وقال: «قول جماعةٍ من مصنِّفي الفقهاء: إنَّه حديثٌ ضعيف، مَردود عليهم»، وكذا حسَّنه الذَّهبي في «التَّنقيح» (١/ ٩٢)، وابن الملقِّن في «البدر المنير» (٣/ ١٣٧)، والألباني في «الإرواء» (٢٠١).
(٣) في «كتاب النبات» (ص ١٦٥)، والنقل من كتاب الحموي.
[ ٤ / ٥٩٩ ]
وسمة
يقطين
ومقدار الشَّربة منه وزن درهمٍ.
وهو في مزاجه ومنافعه قريبٌ من منافع القُسْط البحريِّ (^١). وإذا لُطِخ به على البهَق والحكَّة والبثور والسَّفْعة نفَع منها. والثَّوب المصبوغ بالورس يقوِّي على الباه.
وَسْمة: هي ورق النِّيل، وهي تسوِّد الشَّعر. وقد تقدَّم قريبًا ذكر الخلاف في جواز الصَّبغ بالسَّواد، ومَن فَعَله.
حرف الياء
يقطين: وهو الدُّبَّاء والقَرَع. وإن كان اليقطين أعمَّ، فإنَّه في اللُّغة كلُّ شجرةٍ لا تقوم على ساق، كالبطِّيخ والقثَّاء والخيار. قال تعالى: ﴿وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ﴾ [الصافات: ١٤٦].
فإن قيل: ما لا يقوم على ساقٍ يسمَّى نَجْمًا، لا شجرًا. والشَّجر: ما له ساقٌ. قاله أهل اللُّغة، فكيف قال: ﴿شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ﴾؟
فالجواب: أنَّ الشَّجر إذا أُطلِق كان ما له ساقٌ يقوم عليه، وإذا قيِّد بشيءٍ تقيَّد به. فالفرق بين المطلق والمقيَّد في الأسماء بابٌ مهمٌّ عظيم النَّفع في الفهم ومراتب اللُّغة. واليقطين المذكور في القرآن هو: نبات الدُّبَّاء. وثمره يسمَّى الدُّبَّاء والقرع، وشجره اليقطين.
وقد ثبت في «الصَّحيحين» (^٢) من حديث أنس بن مالكٍ أنَّ خيَّاطًا دعا رسول الله - ﷺ - لطعامٍ صنعه، قال أنس: فذهبت مع رسول الله - ﷺ -، فقرَّب إليه
_________________
(١) هنا انتهى السقط الطويل في ث.
(٢) البخاري (٢٠٩٢) ومسلم (٢٠٤١).
[ ٤ / ٦٠٠ ]
خبزًا من شعيرٍ، ومرَقًا فيه دبَّاءٌ وقديدٌ. قال أنس: فرأيت رسول الله - ﷺ - يتتبَّع الدُّبَّاء من حوالي الصَّحْفة. فلم أزل أحبُّ الدُّبَّاء من ذلك اليوم.
وقال أبو طالوت: دخلت على أنس بن مالكٍ، وهو يأكل القرع ويقول: يا لكِ من شجرةٍ! ما أحبَّك إليَّ بحبِّ (^١) رسول الله - ﷺ - إيَّاك (^٢).
وفي «الغيلانيَّات» (^٣) من حديث هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: قال لي رسول الله - ﷺ -: «يا عائشة إذا طبختم قدرًا فأكثِرُوا فيها من الدُّبَّاء، فإنَّها تشدُّ قلب الحزين».
اليقطينُ: باردٌ رطبٌ. يغذو غذاءً يسيرًا، وهو سريع الانحدار. وإن لم يفسد قبل الهضم تولَّد منه خِلْطٌ محمودٌ، ومن خاصِّيَّته أنَّه يتولَّد منه خلطٌ (^٤) مجانسٌ لما يصحبه. فإن أُكِل بالخردل تولَّد منه خلطٌ حِرِّيفٌ، وبالملح خلطٌ مالحٌ، ومع القابض قابضٌ. وإن طُبِخ بالسَّفرجل غذا البدنَ غذاءً جيِّدًا.
وهو لطيفٌ مائيٌّ، يغذو غذاءً رطبًا بلغميًّا، وينفع المحرورين. ولا يلائم المبرودين ومَن الغالبُ عليهم البلغم. وماؤه يقطع العطش، ويُذهب الصُّداع
_________________
(١) لفظ الترمذي و«الغيلانيات»: «ما أُحبُّك إلا لحبِّ».
(٢) أخرجه التِّرمذي (١٨٤٩)، وابن سعد في «الطَّبقات الكبرى» (١/ ٣٩١)، وأبو بكر الشَّافعي في «الغيلانيَّات» (٩٥٥). قال التِّرمذي: «حديثٌ غريبٌ من هذا الوجه»، وقال ابن مُفلح في «الآداب الشَّرعيَّة» (٣/ ٣٩): «أبو طالوت لم يروِ عنه غير معاوية بن صالح». لكن يشهد له حديث أنس بن مالك السابق المتفق عليه.
(٣) برقم (٩٥٦، ٩٥٧). قال العراقيُّ في «المغني» (٣/ ١٤٢٩): «لا يصحُّ»، وهو في «السِّلسلة الضَّعيفة» (٦٩٣٥).
(٤) في النسخ المطبوعة بعده زيادة: «محمود»، وهي خطأ.
[ ٤ / ٦٠١ ]
الحارَّ إذا شُرِب أو غُسِل به الرَّأس. وهو مليِّنٌ للبطن كيف استعمل. ولا يتداوى المحرورون بمثله، ولا أعجل منه نفعًا.
ومن منافعه: أنَّه إذا لُطِخ بعجينٍ، وشُوي في الفُرن أو التَّنُّور، واستُخْرِج ماؤه، وشُرِب ببعض الأشربة اللَّطيفة= سكَّن حرارة الحمَّى الملتهبة، وقطَع العطش، وغذَّا غذاءً حسنًا. وإذا شُرِب بتَرَنْجَبين وسفرجلٍ مربًّى أسهَلَ صفراء محضةً.
وإذا طُبِخ القرع، وشُرب ماؤه بشيءٍ من عسلٍ، وشيءٍ من نَطْرونٍ (^١)، أحدَرَ بلغمًا ومِرَّةً معًا. وإذا دُقَّ وعُمِل منه ضمادٌ على اليافوخ نفَع من الأورام الحارَّة في الدِّماغ (^٢).
وإذا عصرت جُرادته (^٣)، وخُلِط ماؤها بدهن الورد، وقُطِر منها في الأذن (^٤) = نفَعت من الأورام الحارَّة. وجُرادته نافعة من أورام العين الحارَّة، ومن النِّقْرِس الحارِّ.
وهو شديد النَّفع لأصحاب الأمزجة الحارَّة والمحمومين. ومتى صادف في المعدة خِلْطًا رديًّا استحال إلى طبيعته، وفسد، وولَّد في البدن خلطًا رديًّا. ودفعُ مضرَّته بالخلِّ والمُرِّيِّ.
وبالجملة، فهو من ألطف الأغذية، وأسرعها انفعالًا. ويذكر عن أنس أنَّ
_________________
(١) نوع من الملح الحجري، وقد سبق.
(٢) «في الدماغ» سقط من س هنا، ووقع بعد «الأورام الحارة» فيما يأتي.
(٣) يعني: قشره.
(٤) س: «الأنف»، ولعله سبق قلم.
[ ٤ / ٦٠٢ ]
فصول في المحاذير والوصايا الكلية النافعة
رسول الله - ﷺ - كان يُكْثِر من أكله (^١).
فصل (^٢)
وقد رأيت أنَّ أختم الكلام في هذا الباب بفصلٍ مختصرٍ عظيم النَّفع في المحاذر والوصايا الكلُّيَّة النَّافعة لتتمَّ منفعة الكتاب. ورأيت لابن ماسويه فصلًا في «كتاب المحاذير» نقلته بلفظه (^٣). قال:
من أكل البصل أربعين يومًا، وكَلِفَ (^٤)، فلا يلومنَّ إلا نفسه.
من (^٥) افتصد، فأكل مالحًا، فأصابه بَهَق أو جَرَب، فلا يلومنَّ إلا نفسه.
من جمع في معدته البيض والسَّمك، فأصابه فالج أو لَقْوة، فلا يلومنَّ إلا نفسه.
من دخل الحمَّام وهو ممتلئٌ، فأصابه الفالج، فلا يلومنَّ إلا نفسه.
ومن جمع في معدته اللَّبن والسَّمك، فأصابه جُذامٌ أو برَص أو نِقْرِس،
_________________
(١) لم أقف عليه بهذا اللَّفظ. وأخرج البخاري (٥٤٣٦)، ومسلم (٢٠٤١) واللَّفظ له، عن أنس قال: «دعا رسولَ الله - ﷺ - رجلٌ، فانطلقتُ معه، فجيءَ بمرقةٍ فيها دبَّاء، فجعل رسولُ الله - ﷺ - يأكل من ذلك الدُّبَّاء ويُعجبه»، قال: «فلمَّا رأيتُ ذلك جعلتُ أُلقيه إِليه ولا أَطعمُه».
(٢) كتاب الحموي (ص ٣٤٦ - ٣٤٧).
(٣) قال الحموي: «فصل منقول من كلام ابن ماسويه وابن بختيشوع من كتاب المحاذير، نقلته بلفظه لينتفع به». وقد نقل المصنف كلام ابن ماسويه في هذا الفصل، وكلام ابن بختيشوع في الفصل التالي مع كلام آخرين. ولم أقف على «كتاب المحاذير» ومؤلفه.
(٤) يعني: أصابه الكَلَف. والكلف تقدم تعريفه (ص ٤١١).
(٥) ث، ل: «ومن» بزيادة واو العطف قبل كل فقرة، وكذا في النسخ المطبوعة.
[ ٤ / ٦٠٣ ]
فلا يلومنَّ إلا نفسه.
من جمع في معدته اللَّبن والنَّبيذ، فأصابه برَص أو نِقْرِس، فلا يلومنَّ إلا نفسه.
من احتلم فلم يغتسل حتَّى وطئ أهله، فولدت مجنونًا أو مختلًّا (^١)، فلا يلومنَّ إلا نفسه.
ومن (^٢) أكل بيضًا مصلوقًا (^٣) باردًا وتملَّأ (^٤) منه، فأصابه ربوٌ، فلا يلومنَّ إلا نفسه.
من جامع فلم يصبر حتَّى يفرغ، فأصابه حصاةٌ، فلا يلومنَّ إلا نفسه.
من نظر في المرآة ليلًا، فأصابه لقوةٌ أو أصابه داءٌ، فلا يلومنَّ إلا نفسه.
فصل
وقال ابنُ بَخْتَيْشُوع: احذر أن تجمع بين البيض والسَّمك، فإنَّهما يورثان القولنج، والبواسير، ووجع الأضراس.
_________________
(١) س: «مخبَّلًا»، وكذا في النسخ المطبوعة. وفي مخطوطة كتاب الحموي (١٠٠/أ) كما أثبت من الأصل وغيره.
(٢) كذا في الأصل وغيره هنا مع واو العطف.
(٣) ث، حط، ل: «مسلوقًا». وفي الأصل وغيره كما أثبت، وكذا في مخطوطة كتاب الحموي (١٠٠/أ). وكذا جاء في «مفتاح دار السعادة» (٣/ ١٤٤٤). وقد ذكرت كتب اللغة أن «صلق» لغة في «سلق»، ولكن في معنى الضرب وغيره. انظر: «غريب الحديث» لابن قتيبة (١/ ٣٨٢).
(٤) في النسخ المطبوعة: «امتلأ».
[ ٤ / ٦٠٤ ]
إدامةُ أكل البيض تولِّد (^١) الكلَف في الوجه.
أكلُ الملوحة والسَّمك المالح والافتصاد بعد الحمَّام يولِّد البَهق والجرَب.
إدامةُ أكلِ كُلى الغنم يعقِر المثانة.
الاغتسال بالماء البارد بعد أكل السَّمك الطَّريِّ يولِّد الفالج.
وطء المرأة الحائض يولِّد الجذام.
الجماع من غير أن يهريق الماء عقيبه يولِّد الحصاة.
طول المكث في المخرج (^٢) يولِّد الدَّاء الدَّويَّ (^٣).
وقال بُقراط (^٤): الإقلالُ من الضَّارِّ خيرٌ من الإكثار من النَّافع.
وقال: استديموا (^٥) الصِّحَّة بترك التَّكاسل عن التَّعب، وبترك الامتلاء من الطَّعام والشَّراب (^٦).
_________________
(١) في غير الأصل (ف): «يولد» أو أهمل حرف المضارعة.
(٢) يعني: موضع قضاء الحاجة.
(٣) انظر لأقوال ابن بختيشوع هذه: كتاب الحموي (ص ٣٤٧ - ٣٤٨).
(٤) ز، س، ث، ل: «أبقراط»، وكذا في طبعة عبد اللطيف وما بعدها. وقوله هذا وما يليه في مخطوطة كتاب الحموي (٩٨/ب) وانظر: مطبوعته (ص ٣٤١).
(٥) د: «استدرك».
(٦) انتهى النقل هنا من كتاب الحموي، وما بعده منقول من «لقط المنافع» لابن الجوزي (٢/ ٤١٩ - ٤٢٩) ببعض التصرف إلا ما نبَّهت عليه.
[ ٤ / ٦٠٥ ]
وقال بعض الحكماء: من أراد الصِّحَّة فليجوِّد (^١) الغذاء، وليأكل على نقاءٍ. وليشرب على ظماءٍ، وليقلِّل من شرب الماء. ويتمدَّد بعد الغداء، ويتمشَّى بعد العشاء، ولا ينام (^٢) حتَّى يعرض نفسه على الخلاء. وليحذر دخول الحمَّام عقيب الامتلاء، ومرَّة في الصَّيف خير من عشرةٍ (^٣) في الشِّتاء. وأكلُ القديد اليابس باللَّيل معينٌ على الفناء. ومجامعة العجائز تُهْرم (^٤) أعمار الأحياء، وتُسْقِم أبدان الأصحَّاء (^٥). ويروى هذا عن علي، ولا يصحُّ عنه وإنَّما بعضه من كلام الحارث بن كلدة طبيب العرب وكلام غيره.
وقال الحارث: من سرَّه البقاء ــ ولا بقاء ــ فليباكر الغداء، وليعجِّل العشاء، وليخفِّف الرِّداء (^٦)، وليقلِّل غشيان النِّساء (^٧).
وقال الحارث: أربعة أشياء تهدم البدن: الجماع على البِطْنة، ودخول الحمَّام على الامتلاء، وأكل القديد، وجماع العجوز.
_________________
(١) في «لقط المنافع» (٢/ ٤١٩): «قد روينا في الحديث عن علي بن أبي طالب أنه كان يقول: من أراد البقاء ــ ولا بقاء ــ فليجوِّد ». وقال في آخرها: «وروي بعض هذه الكلمات عن الحارث بن كلدة» ثم نقلها، كما سيأتي.
(٢) كذا ورد الفعلان «يتمشى» و«ينام» مرفوعين في النسخ الخطية والطبعة الهندية وفي غيرها جزم أحدهما أو كلاهما.
(٣) كذا في جميع النسخ. وفي النسخ المطبوعة: «عشر».
(٤) ل: «تهدم»، وكذا في «لقط المنافع» و«عيون الأنباء» (٢/ ١٧).
(٥) لم ترد هذه الجملة في «لقط المنافع»، فربما كانت في نسخة أخرى أو زادها المؤلف.
(٦) يعني: قلَّة الدَّين.
(٧) «لقط المنافع» (ص ٤٢١).
[ ٤ / ٦٠٦ ]
ولمَّا احتُضِر الحارث اجتمع إليه النَّاس، فقالوا: مُرْنا بأمرٍ ننتهي إليه من بعدك (^١)، فقال: لا تتزوَّجوا من النِّساء إلا شابَّةً. ولا تأكلوا الفاكهة إلا في أوان نضجها. ولا يتعالجنَّ أحدكم ما احتمل بدنُه الدَّاء. وعليكم بتنظيف المعدة (^٢) في كلِّ شهرٍ، فإنَّها مذيبةٌ للبلغم، مهلكةٌ للمِرَّة، منبتةٌ للَّحم. وإذا تغدَّى أحدكم، فلينم على إثر طعامه (^٣) ساعةً، وإذا تعشَّى فليمش أربعين خطوةً.
وقال بعض الملوك لطبيبه (^٤): لعلَّك لا تبقى لي، فصِفْ لي صفةً آخذها عنك. فقال: لا تنكح إلا شابَّةً، ولا تأكل من اللَّحم إلا فتيًّا، ولا تشرب الدَّواء إلا من علَّةٍ، ولا تأكل الفاكهة إلا في نضجها، وأَجِدْ مضغ الطَّعام. وإذا أكلت نهارًا فلا بأس أن تنام، وإذا أكلت ليلًا فلا تنم حتَّى تمشي ولو خمسين خطوةً. ولا تأكلنَّ حتَّى تجوع، ولا تتكارهنَّ على الجماع، ولا تحبس البول،
_________________
(١) «من بعدك» ساقط من د.
(٢) كذا في جميع النسخ الخطية والمطبوعة. وفي «لقط المنافع» (٢/ ٤٢٢): «وعليكم بالنُّورة»، وكذا في «عيون الأنباء» (٢/ ١٨) و«محاضرات الأدباء» (١/ ٥٠٥). ولعل المؤلف استشكل أن تكون النورة سببًا لإذابة البلغم وغيرها فغيَّرها إلى ما ترى.
(٣) ز، حط، د، ن: «غدائه»، وكذا كتب في هامش الأصل وفوقه: «ص». ومثله في «لقط المنافع» وغيره.
(٤) في «لقط المنافع» (٢/ ٤٢٢): «قال الحجَّاج لطبيب له»، وآخر وصيته: « خمسين خطوة». ثم فيه: «وقال تياذوق للحجَّاج»، وآخر قوله: « يأخذ منك». ثم قال ابن الجوزي: «وأوصى تياذوق عبد الملك بن مروان، فقال: لا تأكلن» إلى آخره. فجمع المصنف الوصايا الثلاث في سياق واحد. وتَياذُوق هذا كان طبيبًا مختصًّا بخدمة الحجاج. انظر: «عيون الأنباء» (٢/ ٣٢ - ٣٥).
[ ٤ / ٦٠٧ ]
وخذ من الحمَّام قبل أن يأخذ منك. ولا تأكلنَّ طعامًا وفي معدتك طعامٌ، وإيَّاك أن تأكل ما تعجز أسنانك عن مضغه، فتعجز معدتك عن هضمه. وعليك في كلِّ أسبوعٍ بقيئك (^١) ينقِّي جسمك. ونعم الكنز الدَّم في جسدك فلا تخرجه إلا عند الحاجة إليه. وعليك بدخول الحمَّام، فإنَّه يخرج من الأطباق ما لا تصل الأدوية إلى إخراجه.
وقال الشَّافعيُّ (^٢):
أربعةٌ تقوِّي البدن: أكل اللَّحم، وشمُّ الطِّيب، وكثرة الغسل من غير جماعٍ، ولبس الكتَّان.
وأربعةٌ توهن البدن: كثرة الجماع، وكثرة الهمِّ، وكثرة شرب الماء على الرِّيق، وكثرة أكل الحامض.
وأربعةٌ تقوِّي البصر: الجلوس حيال الكعبة، والكحل عند النَّوم، والنَّظر إلى الخضرة، وتنظيف المجلس.
وأربعةٌ توهن البصر: النَّظر إلى القذر، وإلى المصلوب، وإلى فرج المرأة، والقعود مستدبر القبلة.
وأربعةٌ تزيد في الجماع: أكل العصافير، والإطْرِيفَل (^٣)، والفستق،
_________________
(١) ن: «بقيئةٍ تنقِّي»، وكذا في «لقط المنافع» والنسخ المطبوعة.
(٢) في «لقط المنافع» (٢/ ٤٢٣): «روى ابن خزيمة عن الربيع بن سليمان قال: سمعت الشافعي يقول».
(٣) في «لقط المنافع»: «الإطريفل الكبير»، وهو المقصود، فإن الصغير له منافع أخرى. وانظر طريقة صنعه فيه (٢/ ٣٩٨). ومعنى الإطريفل في الهندية: الثمار الثلاث، وهي الإهْليلَج والبَليلَج والأَمْلَج، وهي الأجزاء الرئيسة في هذا الدواء المركَّب. انظر: «مفاتيح العلوم» (ص ١٧٦) و«المعرَّبات الرشيدية» (ص ١٨٩) و«القول الأصيل» (ص ٢٥).
[ ٤ / ٦٠٨ ]
والخَرُّوب (^١).
وأربعةٌ تزيد في العقل: ترك الفضول من الكلام، والسِّواك، ومجالسة الصَّالحين، ومجالسة العلماء.
وقال أفلاطون: خمسٌ يُذِبْن البدن، وربَّما قتلن: قِصَرُ ذات اليد، وفراق الأحبَّة، وتجرُّع المغايظ، وردُّ النُّصح، وضحك ذوي الجهل بالعقلاء.
وقال طبيب المأمون (^٢): عليك بخصالٍ، مَن حَفِظها فهو جديرٌ أن لا يعتلَّ إلا علَّةَ الموت: لا تأكل طعامًا وفي معدتك طعامٌ. وإيَّاك أن تأكل طعامًا تتعب (^٣) أضراسُك في مضغه، فتعجز معدتُك عن هضمه. وإيَّاك وكثرة الجماع فإنَّه يقتبس (^٤) نور الحياة. وإيَّاك ومجامعة العجوز فإنَّه يورث موت الفجأة. وإيَّاك والفصد إلا عند الحاجة إليه. وعليك بالقيء في الصَّيف.
_________________
(١) كذا في جميع النسخ الخطية والمطبوعة. وفي «لقط المنافع»: «الجرجير»، وهو الصواب، فلم يذكر ذلك من خواص الخَرُّوب في كتب الأدوية المفردة أو «القانون» وغيره. ولما نقل ذلك ابن مفلح في «الآداب الشرعية» (٣/ ١٤) قال: «كذا رأيته عنه (يعني في «الزاد»). وفيه نظر، فإنَّ غذاءه رديء، وهو قابض بارد يابس، وقيل: حارٌّ». ولم يقف ابن مفلح على «لقط المنافع».
(٢) وهو بختيشوع، كما في «لقط المنافع» (٢/ ٤٢٤).
(٣) ز، س، ن: «يتعب». وفي ث: «تعجز أسنانك».
(٤) غيَّره الفقي إلى «يطفئ»، وكذا في طبعة الرسالة خلافًا لأصلها.
[ ٤ / ٦٠٩ ]
ومن جوامع كلمات بُقراط (^١) قوله: كلُّ كثيرٍ فهو معادٍ للطَّبيعة.
وقيل لجالينوس: ما لك لا تمرض؟ فقال: لأنِّي لم أجمع بين طعامين رديَّين، ولم أدخل طعامًا على طعامٍ، ولم أحبس في المعدة طعامًا تأذَّيت به (^٢).
فصل
وأربعة أشياء تمرض الجسم: الكلام الكثير، والنَّوم الكثير، والأكل الكثير، والجماع الكثير.
فالكلام الكثير: يقلِّل مخَّ الدِّماغ ويضعفه، ويعجِّل الشَّيب.
والنَّوم الكثير: يصفِّر الوجه، ويعمي القلب، ويهيِّج العين، ويكسل عن العمل، ويولِّد الرُّطوبات في البدن.
والأكل الكثير يفسد فم المعدة، ويُضعف الجسم، ويولِّد الرِّياح الغليظة والأدواء العسرة.
والجماع الكثير يهُدُّ البدن، ويُضعف القوى، ويجفِّف رطوبات البدن، ويرخي العصَب، ويورث السُّدَد. ويعمُّ ضرره جميعَ البدن، ويخصُّ الدِّماغَ لكثرة ما يتحلَّل منه به من الرُّوح النَّفسانيِّ، وإضعافه أكثر من إضعاف جميع المستفرغات، ويستفرغ من جوهر الرُّوح شيئًا كثيرًا.
_________________
(١) س، ث، ل: «أبقراط». وانظر قوله في «الفصول» له، نسخة الحرم المكي (٥/ب). وقد نقله المؤلف في «تحفة المودود» (ص ٣٤٤) أيضًا.
(٢) استدرك قول بقراط وقول جالينوس في هامش الأصل، فلعل المؤلف أضافهما في إحدى النسخ فيما بعد من كتاب آخر غير «لقط المنافع».
[ ٤ / ٦١٠ ]
وأنفع ما يكون إذا صادف شهوةً صادقةً من صورةٍ جميلةٍ حديثة السِّنِّ حلالًا مع سنِّ الشُّبوبيَّة، وحرارة المزاج ورطوبته، وبعد العهد به، وخلاء القلب من الشَّواغل النَّفسانيَّة. ولم يُفْرِط فيه، ولم يقارنه ما ينبغي تركه معه من امتلاءٍ مفرطٍ، أو خَواءٍ، أو استفراغٍ، أو رياضةٍ تامَّةٍ، أو حرٍّ مفرطٍ، أو بردٍ مفرطٍ (^١). فإذا راعى فيه هذه الأمور العشرة انتفع به جدًّا، وأيُّها فُقِدَ (^٢) حصَل له من الضَّرر بحسبه. وإن فقدت كلُّها أو أكثرها فهو الهلاك المعجَّل (^٣).
فصل
والحِمْية المفرطة في الصِّحَّة كالتَّخليط في المرض. والحِمْية المعتدلة نافعة. وقال جالينوس لأصحابه: اجتنبوا ثلاثًا، وعليكم بأربعٍ، ولا حاجة بكم إلى الطبيب. اجتنبوا الغبار والدُّخان والنَّتن. وعليك بالدَّسم والطِّيب والحلوى والحمَّام. ولا تأكلوا فوق شبعكم. ولا تتخلَّلوا بالباذَرُوج (^٤) والرَّيحان (^٥). ولا تأكلوا الجوز عند المساء. ولا ينم من به زكمةٌ على قفاه. ولا يأكل من به غمٌّ حامضًا. ولا يسرع المشي من افتصد، فإنَّه مخاطرة الموت. ولا يتقيَّأ من تؤلمه عينه. ولا تأكلوا في الصَّيف لحمًا كثيرًا. ولا ينم صاحب الحمَّى الباردة في الشَّمس. ولا تقربوا الباذنجان العتيق المبزِّر. ومن
_________________
(١) «أو برد مفرط» ساقط من د.
(٢) زاد الفقي بعده: «فقد»، وكذا في طبعة الرسالة.
(٣) الفقرتان الأخيرتان ليستا من «لقط المنافع».
(٤) نبت طيب الريح، ويسمَّى بالعربية «الحَوْك».
(٥) «ولا تأكلوا والريحان» ساقط من س، ث، ل.
[ ٤ / ٦١١ ]
شرب كلَّ يومٍ في الشِّتاء قدحًا من ماءٍ حارٍّ أمن من الأعلال. ومن دلَك جسمَه في الحمَّام بقشور الرُّمَّان أمن من الجرب والحكَّة. ومن أكل خمس سَوْسَناتٍ مع قليل مُصْطكى روميٍّ، ومسكٍ، وعودٍ خامٍ= بقي طول عمره لا تضعف معدته ولا تفسد. ومن أكل بزر البطِّيخ مع السُّكَّر نظَّف الحصى من معدته، وزالت عنه حرقة البول (^١).
فصل
أربعةٌ تهدم البدن: الهمُّ، والحزن، والجوع، والسَّهر (^٢).
وأربعةٌ تفرح: النَّظر إلى الخضرة، والماء الجاري، والمحبوب، والثِّمار (^٣).
وأربعةٌ تظلم البصر: المشي حافيًا، والتَّصبُّح والتَّمسِّي (^٤) بوجه البغيض والثَّقيل والعدوِّ، وكثرة البكاء، وكثرة النَّظر في الخطِّ الدَّقيق.
وأربعةٌ تقوِّي الجسم: لبس الثَّوب النَّاعم، ودخول الحمَّام المعتدل، وأكل الطَّعام الحلو (^٥) والدَّسم، وشمُّ الرَّوائح الطَّيِّبة.
_________________
(١) «لقط المنافع» (٢/ ٤٢٦).
(٢) ذكر في «لقط المنافع» (٢/ ٤٢٧) خمسة أشياء، وجعل الهم والحزن شيئًا واحدًا، والرابع: الاستكثار من الجماع، والخامس: مواصلة الصوم.
(٣) في «لقط المنافع» ذكر بدلًا من الثمار النظر إلى زرقة السماء الصاحية.
(٤) كذا في (حط) وحدها، وفي طبعتي الفقي والرسالة. وفي غيرها من النسخ الخطية والمطبوعة: «المساء». أما في «لقط المنافع» فقال: «والنظر إلى وجه العدو» فقط.
(٥) د: «الحار»، تحريف.
[ ٤ / ٦١٢ ]
وأربعةٌ تيبِّس الوجه، وتُذهب ماءه وبهجته وطلاوته: الكذب، والوقاحة، وكثرة السُّؤال عن غير علمٍ، وكثرة الفجور (^١).
وأربعةٌ تزيد ماء الوجه وبهجته: المروءة، والوفاء، والكرم، والتَّقوى.
وأربعةٌ تجلب البغضاء والمقت: الكبر، والحسد، والكذب، والنَّميمة.
وأربعةٌ تجلب الرِّزق: قيام اللَّيل، وكثرة الاستغفار بالأسحار، وتعاهد الصَّدقة، والذِّكر أوَّل النَّهار وآخره (^٢).
وأربعةٌ تمنع الرِّزق: نوم الصُّبحة، وقلَّة الصَّلاة، والكسل، والخيانة (^٣).
وأربعةٌ تضرُّ بالفهم والذِّهن: إدمان أكل الحامض والفواكه، والنَّوم على القفا، والهمُّ، والغمُّ (^٤).
وأربعة أشياء تزيد في الفهم (^٥): فراغ القلب، وقلَّة التَّملِّي (^٦) من الطَّعام والشَّراب، وحسن تدبير الغذاء بالأشياء الحلوة والدَّسمة، وإخراج الفضلات المثقِلة للبدن (^٧).
_________________
(١) الثالث والرابع في «لقط المنافع»: «التكبر والنظر إلى المقتول».
(٢) «وآخره» ساقط من د.
(٣) لم يرد في «لقط المنافع» هذا الرباعي والرباعيان السابقان.
(٤) هي في «لقط المنافع»: الكزبرة اليابسة، واللبن الحليب، والنوم على القفا، والتفكر الكثير.
(٥) ث، ل، د: «تزيد الفهم».
(٦) يعني: التملُّؤ.
(٧) قارن بما ذكر في «لقط المنافع» (ص ٤٢٨).
[ ٤ / ٦١٣ ]
فصل في فضل الطب النبوي والرد على قول القائل: ما لهدي الرسول ولذكر قوى الأدوية وقوانين العلاج وتدبير أمر الصحة؟
وممَّا يضرُّ بالعقل: إدمان أكل البصل، والباقلَّا، والزَّيتون، والباذنجان، وكثرة الجماع، والوحدة، والأفكار، والسُّكر، وكثرة الضَّحك، والغمُّ.
قال بعض أهل النَّظر (^١): قُطِعتُ في ثلاثة (^٢) مجالس، فلم أجد لذلك علَّةً إلا أنِّي أكثرت من أكل الباذنجان في أحد تلك الأيَّام، ومن الزَّيتون في الآخر، ومن الباقلَّا في الثَّالث.
فصل
قد أتينا على جُمَل نافعةٍ من أجزاء الطِّبِّ العلميِّ والعمليِّ، لعلَّ النَّاظر فيها لا يظفر بكثيرٍ منها إلا في هذا الكتاب. وأريناك قرب ما بينها وبين الشَّريعة، وأنَّ الطِّبَّ النَّبويَّ نسبةُ طبِّ الطَّبائعيِّين إليه أقلُّ من نسبة طبِّ العجائز إلى طبِّهم. والأمر فوق ما ذكرناه، وأعظمُ ممَّا وصفناه بكثيرٍ؛ ولكن فيما ذكرناه تنبيهٌ باليسير على ما وراءه. ومن لم يرزقه الله بصيرةً على التَّفصيل فليعلم ما بين القوَّة المؤيَّدة بالوحي من عند الله، والعلومِ الَّتي رزقها الله الأنبياء، والعقولِ والبصائر الَّتي منحهم إيَّاها؛ وبين ما عند غيرهم.
ولعلَّ قائلًا أن يقول (^٣): ما لهدي الرَّسول - ﷺ -، وما لهذا الباب وذكرِ قوى الأدوية وقوانين العلاج وتدبير أمر الصِّحَّة؟
وهذا من تقصير هذا القائل في فهم ما جاء به الرَّسول - ﷺ -، فإنَّ هذا وأضعافه وأضعاف أضعافه من فهم بعض ما جاء به، وإرشاده إليه، ودلالته
_________________
(١) في «اللقط» (ص ٤٢٩): «المناظرين».
(٢) ز، د، ن: «ثلاث».
(٣) كذا في جميع النسخ الخطية والطبعة الهندية، وقد حذفت «أن» في الطبعات الأخرى.
[ ٤ / ٦١٤ ]
عليه. وحسنُ الفهم عن الله ورسوله منٌّ يمنُّ الله به على من يشاء من عباده.
فقد أوجدناك أصول الطِّبِّ الثَّلاثة في القرآن، وكيف تنكر أن تكون شريعة المبعوث بصلاح الدُّنيا والآخرة مشتملةً على صلاح الأبدان كاشتمالها على صلاح القلوب، وأنَّها مرشدةٌ إلى حفظ صحَّتها ودفع آفاتها بطرقٍ كلِّيَّةٍ، قد وُكِل تفصيلُها إلى العقل الصَّحيح والفطرة السَّليمة، بطريق القياس والتَّنبيه والإيماء، كما هو في كثيرٍ من مسائل فروع الفقه. ولا تكن ممَّن إذا جهل شيئًا عاداه!
ولو رُزِق العبدُ تضلُّعًا (^١) من كتاب الله وسنَّة رسوله وفهمًا تامًّا في النُّصوص ولوازمها لاستغنى بذلك عن كلِّ كلامٍ سواه، ولاستنبط جميعَ العلوم الصَّحيحة منه. فمدارُ العلوم كلِّها على معرفة الله وأمره وخلقه، وذلك مسلَّمٌ إلى الرُّسل صلوات الله وسلامه عليهم؛ فهم أعلمُ الخلق بالله وأمره وخلقه، وحكمتِه في خلقه وأمره. وطبُّ أتباعهم أصحُّ وأنفع من طبِّ غيرهم. وطبُّ أتباع (^٢) خاتمهم وسيِّدهم وإمامهم محمَّد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه أكملُ الطِّبِّ وأصحُّه وأنفعه. ولا يعرف هذا إلا من عرف طبَّ النَّاس سواهم وطبَّهم ثمَّ وازن بينهما، فحينئذٍ يظهر له التَّفاوت.
وهم أصحُّ الأمم عقولًا وفطرًا، وأعظمهم علمًا، وأقربهم في كلِّ شيءٍ إلى الحقِّ؛ لأنَّهم خيرة الله من الأمم، كما (^٣) رسولُهم خيرته من الرُّسل. والعلم الذي وهبهم إيَّاه والحكمة والحلم أمرٌ لا يدانيهم فيه غيرهم.
_________________
(١) رسمه في الأصل وغيره (ما عدا ن المتأخرة) بالظاء المعجمة، وفي بعضها بالمهملة.
(٢) «أصح أتباع» ساقط من د.
(٣) زاد الفقي بعده: «أن» لشعوره بقلق الجملة، وكذا في طبعة الرسالة.
[ ٤ / ٦١٥ ]
وقد روى الإمام أحمد في «مسنده» (^١): من حديث بهز بن حكيمٍ، عن أبيه، عن جدِّه قال: قال رسول الله - ﷺ -: «أنتم توفون سبعين أمَّةً، أنتم خيرها وأكرمها على اللَّه». فظهر أثر كرامتها على الله في علومهم وعقولهم وأحلامهم (^٢) وفِطَرهم. وهم الذين عرضت عليهم علومُ الأمم قبلهم وعقولهم وأعمالهم ودرجاتهم، فازدادوا بذلك علمًا وحلمًا وعقولًا، إلى ما أفاض الله سبحانه عليهم من علمه وحلمه.
ولذلك كانت الطَّبيعة الدَّمويَّة لهم، والصَّفراويَّة لليهود، والبلغميَّة للنَّصارى. ولذلك غلب على النَّصارى البلادة وقلَّة الفهم والفطنة، وغلب على اليهود الحزن والهمُّ والغمُّ والصُّفار (^٣)، وغلب على المسلمين العقل والفهم والشَّجاعة والنَّجدة والفرح والسُّرور.
وهذه أسرارٌ وحقائق إنَّما يعرف مقدارها مَن حسُن فهمه، ولطُف ذهنه، وغزُر علمه، وعرف ما عند النَّاس. وباللَّه التَّوفيق.
* * *
_________________
(١) برقم (٢٠٠٢٩). وأخرجه أيضًا التِّرمذي (٣٠٠١)، وابن ماجه (٤٢٨٧، ٤٢٨٨). قال التِّرمذي: «حديث حسن»، وحسَّنه ابن تيميَّة في «الجواب الصَّحيح» (٢/ ٢٣٢)، وابن مفلح في «الآداب الشَّرعيَّة» (٣/ ١٤٠). وصحَّحه الحاكم (٤/ ٨٤)، والمصنِّف في «مفتاح دار السَّعادة» (٣/ ١٤٦٢)، والبوصيري في «إتحاف الخيرة» (٧/ ٣٥١)، وابن حجر في «الفتح» (٨/ ٢٢٥).
(٢) د: «أخلاقهم»، تصحيف.
(٣) وهو الصفرة تعلو الوجه من شحوب أو مرض. وفي النسخ المطبوعة: «الصغار» بالغين.
[ ٤ / ٦١٦ ]
النسخ المعتمدة في تحقيق هذا الجزء
١ - ف= نسخة جامعة القرويين بمدينة فاس (مكتوبة في حياة المؤلف)
٢ - م= نسخة دار الكتب المصرية الثانية (٧٥٨ هـ)
٣ - ز= نسخة مكتبة بايزيد في تركيا (٧٦٧ هـ)
٤ - س= نسخة مكتبة مانيسا في تركيا (٧٧٢ هـ)
٥ - ح= نسخة مكتبة الحرم المكي (٧٧٤ هـ)
٦ - ث= نسخة أحمد الثالث في تركيا (٧٧٦ هـ)
٧ - ص= نسخة المكتبة الظاهرية برقم ١٨٩٩ (تكملة نسخة ابن خاص ترك)
٨ - د= نسخة المكتبة الظاهرية بدمشق (٨٥٤ هـ)
٩ - ب= نسخة الرباط بخط الشيخ محمود بن علي الهندي (ت ٨٦٥)
١٠ - ي= نسخة تشستربيتي (٩٤٩ هـ)
١١ - ن= النسخة اليمنية بمتحف طوب قابي سراي (١١٥٣ هـ)
[ ٥ / ٤ ]
فصل [الحبس في التهمة]
صفحة بيضاء
فصولٌ (^١)