أيها الإخوة عباد الله! موعدنا في هذا اليوم -إن شاء الله تعالى- مع لقاء جديد من سيرة المصطفى - ﷺ -، وحديثنا في هذا اللقاء سيكون عن قصة كعب بن مالك وصاحبيه؛ عندما تخلفوا عن غزوة تبوك.
عباد الله! تكلمنا في الجمعة الماضية عن غزوة تبوك، وقد تخلف عنها ثلاثة من الصحابة وهم: كعبُ بن مالك، وهلالُ بن أُمية الواقفي، ومرارة بن الربيع العمري، والثلاثة من الأنصار المعروفين بحسن إيمانهم.
فكعب بن مالك - ﵁ - شهد جميع الغزوات مع رسول الله - ﷺ - قبل غزوة تبوك سوى بدرٍ، وشهد أيضًا بيعة العقبة الثانية، وهلال بن أمية، ومرارةُ بن الربيع شهدا بدرًا.
عباد الله! الثلاثة من المؤمنين الصادقين تخلفوا عن غزوة تبوك بدون عذرٍ، فلما رجع رسول الله - ﷺ - من الغزوة، جاء كل منهم إلى رسول الله - ﷺ - واعترف بذنبه، فماذا قال لهم رسول الله - ﷺ -؟ وماذا قالوا له؟ وماذا فعل بهم؟ هذا الذي نعرفه في هذا اليوم -إن شاء الله تعالى-.
تعالوا بنا عباد الله لنستمع إلى كعب بن مالك - ﵁ - وهو يخبرنا الخبر:
يقول كعب - ﵁ -:"لم أتخلف عن رسول الله - ﷺ - في غزوة غزاها قط إلا في غزوة تبوك، غير أني قد تخلفت في غزوة بدرٍ ولم يُعاتب أحدًا تخلف عنها، إنما خرج رسول الله - ﷺ - والمسلمون يريدون عير قريش، حتى جمع الله بينهم وبين عدوِّهم، على غير ميعاد، ولقد شهدت مع رسول الله - ﷺ - ليلة العقبة
[ ٥٣٨ ]
- وهي الليلة التي بايع رسول الله - ﷺ - الأنصار فيها على الإِسلام، وأن يؤوه وينصروه- حين تواثقنا على الإِسلام -أي تبايعنا عليه وتعاهدنا- يقول - ﵁ -: "وما أُحِبُّ أن لي بها مشهد بدرٍ، وإن كانت بدر أذكر في الناس منها -أي: أشهر عند الناس بالفضيلة-
يقول - ﵁ -: "وكان من خبري، حين تخلّفت عن رسول الله - ﷺ - في غزوة تبوك أني لم أكن قطُّ أقوى ولا أيسر مني حين تخلفتُ عنه في تلك الغزوة، والله ما جمعت قبلها راحلتين قطُّ، حتى جمعتهما في تلك الغزوة".
يقول - ﵁ -: "فغزاها رسول الله - ﷺ - في حرٍّ شديدٍ، واستقبل سفرًا بعيدًا ومفازًا، واستقبل عددًا كثيرًا، فَجَلَّى للمسلمين أمرهم" -أي كشفه وبينه وأوضحه- "ليتأهبوا أهبة غزوهم" -أي: ليستعدوا بما يحتاجون إليه في سفرهم ذلك- "فأخبرهم بوجههم الذي يريد" -أي: عرفهم جميعًا أنه يريد أن يغزو الروم- يقول - ﵁ -: "والمسلمون مع رسول الله - ﷺ - كثيرٌ، ولا يجمعهم كتابُ حافظ- يريد بذلك الديوان- فقلَّ رجل يريد أن يتغيب إلا يظنُّ أن ذلك سيخفى به، ما لم ينزل فيه وحيٌ من الله ﷿".
يقول - ﵁ -: "وغزا رسول الله - ﷺ - تلك الغزوة حين طابت الثمار والظلال، فأنا إليها أَصَعُر -أي: أميل- فتجهز رسول اللهﷺ - والمسلمون معه، وطفقت أغدو لكي أتجهز معهم؛ فأرجعُ ولم أقضِ شيئًا، وأقول في نفسي: أنا قادرٌ على ذلك إذا أردتُ، فلم يزل ذلك يتمادى بي حتى استمرَّ بالناس الجدُّ، فأصبح رسول الله - ﷺ - غاديًا والمسلمون معه، ولم أقض منِ جهازي شيئًا، ثم غدوت فرجعتُ ولم أقض شيئًا، فلم يزل ذلك يتمادى بي حتى أسرعوا وتفارط الغزو -أي تقدم الغزاة وسبقوا وفاتوا- فهممت أن أرتحل فأدركهم، فياليتني فعلتُ، ثم لم يُقَدَّر ذلك لي.
[ ٥٣٩ ]
يقول - ﵁ -: "فطفقت إذا خرجتُ في الناس، بعد خروج رسول اللهﷺ - يحزنني أني لا أرى لي أسوةً، إلا رجلًا مغموصًا عليه في النفاق" -أي: متهمًا - أو رجلًا ممن عذر اللهُ من الضعفاء.
يقول - ﵁ -: "ولم يذكرني رسول الله - ﷺ - حتى بلغ تبوك، فقال وهو جالسٌ في القوم بتبوك: "ما فعل كعبُ بن مالك؟ " قال رجل منِ بني سلمة: يا رسول الله: حبسهُ بردَاهُ والنظر في عِطفيه" -أي: جانبيه، وهو إشارة إلى إعجابه بنفسه ولباسه- "فقال له معاذ بن جبل: بئس ما قلت، والله! يا رسول الله! ما علمنا عليه إلا خيرًا، فسكت رسول الله - ﷺ - ".
يقول - ﵁ -: "فبينا هو على ذلك رأى رجلًا مبيضًا" -أي: لابسا البياض- "يَزُولُ به السَّراب فقال رسول الله - ﷺ -: "كن أبا خيثمة" فإذا هو أبو خيثمة الأنصاري، وهو الذي تصدق بصاع التمر حين لمزه المنافقون".
قال كعب - ﵁ -: "فلما بلغني أنَّ رسول الله - ﷺ - قد توجه قافلًا" -أي: راجعًا- "من تبوك، حضرني بثِّي" -أي: حزني الشديد- "فطفقت أتذكر الكذب وأقول: بم أخرج من سخطه غدًا؟ وأستعين على ذلك بكل ذي رأي من أهلي، فلما قيل إن رسول اللهﷺ - قد أظل قادمًا، زاح عني الباطل حتى عرفت أني لم أنجُ مِنه بشيءٍ أبدًا، فأجمعت صِدقهُ" -أي: عزمت على أن أصدقه-.
يقول - ﵁ -: "وأصبح رسول اللهﷺقادمًا، وكان إذا قَدِمَ مِن سفر بدأ بالمسجد فركع فيه ركعتين، ثم جلس للناس، فلما فعل ذلك، جاءهُ المخلَّفون يعتذرون إليه ويحلفون له، وكانوا بضعًا وثمانين رجلًا، فقبل منهم رسول الله - ﷺ - علانيتهم وبايعهم واستغفر لهم، ووكل سرائرهم إلى الله تعالى"، يقول - ﵁ -: "حتى جئت، فلما سلمت تبسَّم تبسُّمَ المُغضب ثم قال:
[ ٥٤٠ ]
"تعال" فجئت أمشي حتى جلست بين يديه فقال لي: "ما خلّفَك؟ ألم تكن قد ابتعت ظهرك؟ " -أي: اشتريت راحلتك؟ - قال - ﵁ -: "قلتُ: يا رسول الله! إني والله! لو جلستُ عند غيرك من أهل الدنيا، لرأيت أني سأخرج من سخطه بعذر، لقد أعطيتُ جدلًا" -أي: فصاحة وقوة في الكلام- "ولكني والله! لقد علمت لئن حدَّثتك حديث كذب ترضى به عني، ليوشكن الله أن يُسخطك عليَّ، وإن حدَّثتُك حديث صدق تجد عليَّ فيه" -أي: تغضب- إني لأرجو فيه عُقبى اللهِ -أي: العاقبة الحسنة بتوبة الله عليَّ- والله! ما كان لي عذر، والله! ما كنت قطُّ أقوى ولا أيسر منيِّ حين تخلفت عنك، قال رسول اللهﷺ -: "أما هذا فقد صدق، فقم حتى يقضي اللهُ فيك"، فقمتُ".
يقول كعب - ﵁ -: "وسار رجال مِن بني سلمة فاتبعوني فقالوا لي: والله ما علمناك أذنبت ذنبًا قبل هذا، لقد عجزت في أن لا تكون اعتذرت إلى رسول اللهﷺ - بما اعتذر به المخلفون، فقد كان كافيك ذنبك استغفار رسول الله - ﷺ - لك".
يقول - ﵁ - "فوالله ما زالوا يؤنبونني حتى أردت أن أرجع إلى رسول الله - ﷺ - فأكذِّب نفسي، ثم قلتُ لهم: هل لَقِيَ هذا معي من أحد قالوا: نعم لقيه معك رجلان قالا مثل ما قلت، وقيل لهما مثل ما قيل لك، قال: قلت: من هما؟ قالوا: مرارة بن الربيع العمريُّ، وهلال بن أمية الواقِفي".
يقول - ﵁ -: "فذكروا لي رجلين صالحين، قد شهدا بدرًا فيهما أسوة".
يقول - ﵁ -: "فمضيت حين ذكروهما لي".
يقول - ﵁ -: "ونهى رسول اللهﷺ - المسلمين عن كلامِنا أيها الثلاثة من بين من تخلف عنه، فاجتنبنا الناس- أو قال تغيروا لنا- حتى تنكرت لي في
[ ٥٤١ ]
نفسي الأرض، فما هي بالأرض التي أعرف، فلبثنا على ذلك خمسين ليلةً، فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان"، "وأما أنا فكنت أشبَّ القوم" -أي: أصغرهم سنًا- "وأجلدهم فكنت أَخرج فأشهد الصلاة مع المسلمين، وأطوف في الأسواق ولا يكلِّمُني أحدٌ، وآتي رسول الله - ﷺ - فأسلم عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة فأقول في نفسي: هل حركَ شفتيه برد السلام أم لا؛ ثم أصلي قريبًا منه وأسارقه النظر" -أي: أنظر إليه خفية- "فإذا أقبلت على صلاتي نظر إليَّ وإذا التفت نحوه أعرض عني".
يقول - ﵁ -: "حتى إذا طال ذلك عليَّ من جفوة المسلمين، مشيت حتى تسوّرت جدار حائط أبي قتادة" -أي: علوت سور بستانه- "وهو ابن عمِّي وأحبُّ الناس إليَّ، فسلمت عليه فوالله ما ردَّ عليّ السلام" فقلت له: يا أبا قتادة! أنشدك بالله -أي: أسألك بالله- "هل تعلمني أحِبُّ الله ورسوله - ﷺ - فسكت، فعدتُ فناشدته فسكت، فعدت فناشدتهُ فقال: الله ورسوله أعلم.
ففاضت عيناي وتوليت حتى تسوَّرت الجدار، فبينما أنا أمشي في سوق المدينة إذا نبطيٌ من نبط أهل (الشام) -أي: فلاح- ممن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة يقول: من يدل على كعب بن مالك؟ فطفق الناس يشيرون له إليَّ حتى جاءني فدفع إليَّ كتابًا من ملك غسان، وكنت كاتبًا. فقرأته فإذا فيه: أما بعد، فإنه قد بلغنا أن صاحبك قد جفاك، ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة، فالحق بنا نواسك. فقلت حين قرأتها: وهذه أيضًا من البلاء، فتيممت بها التنور فسجرتُها، حتى إذا مضت أربعون من الخمسين واستلبث الوحيُ" -أي: أبطأ- "إذا رسولُ رسولِ الله - ﷺ - يأتيني فقال: إن رسول الله - ﷺ - يأمرك أن تعتزل امرأتك، فقلت: أطلقها أم ماذا أفعل فقال: لا بل اعتزلها فلا تقربنها، وأرسل إلى صاحِبيَّ بمثل ذلك فقلت لامرأتي: الحقي بأهلك فكوني عندهم حتى يقضي الله في هذا الأمر. فجاءت امرأة هلال بن
[ ٥٤٢ ]
أمية رسول الله - ﷺ - فقالت له: يا رسول الله، إن هلال بن أمية شيخ ضائع، ليس له خادم فهل تكرهُ أن أخدمه؟ قال: لا ولكن لا يقربنك، فقالت: إنه والله ما به من حركة إلى شيء، ووالله ما زال يبكي منذ كان من أمره ما كان إلى يومه هذا. فقال لي بعض أهلي: لو استأذنت رسول اللهﷺ - في امرأتك، فقد أذن لامرأة هلال بن أمية أن تخدمه؟ فقلت: لا أستأذن فيها رسول الله - ﷺ -، وما يدريني ماذا يقول رسول الله - ﷺ - إذا استأذنته فيها، وأنا رجل شاب".
يقول - ﵁ -: "فلبثت بذلك عشر ليالٍ، فكمل لنا خمسون ليلة من حين نهى عن كلامنا، ثم صليت صلاة الفجر صباح خمسين ليلة على ظهر بيت من بيوتنا، فبينما أنا جالس على الحال التي ذكر الله تعالى منَّا، قد ضاقت على نفسي وضاقت علي الأرض بما رحبت، سمعت صوت صارخ أوفى على سَلْع" -وهو جبل بالمدينة- "يقول بأعلى صوته: يا كعب بن مالك أبشر، فخررت ساجدًا، وعرفت أنه قد جاء الفرج".
يقول - ﵁ -: "فآذن رسول الله - ﷺ - الناس بتوبة الله - ﷿ - علينا حين صلى صلاة الفجر، فذهب الناس يبشروننا".
يقول - ﵁ -: "فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرُني نزعت له ثوبيَّ فكسوتهما إياه ببشراه، والله! ما أملك غيرهما يومئذ".
يقول - ﵁ -: "واستعرت ثوبين فلبستهما، وانطلقت أتأمَّم رسول اللهﷺ - يتلقاني الناس فوجًا فوجًا يهنئوني بالتوبة، ويقولون لي:
لتهنِكَ توبة الله عليك، حتى دخلت المسجد، فإذا رسول الله - ﷺ - جالس حوله الناس، فقام طلحةَ بن عبيد الله - ﵁ - يهرول حتى صافحني وهنأني، والله ما قام رجل من المهاجرين غيره، فكان كعب لا ينساها لطلحة يقول - ﵁ -: "فلما سلمتُ على رسول اللهﷺ - قال وهو يبرق وجهه من السرور:
[ ٥٤٣ ]
أبشر بخير يوم مرَّ عليك منذ ولدتك أمك" فقلت: أمن عندك يا رسول الله أم من عند الله؟ قال: "لا بل من عند الله ﷿" يقول - ﵁ -: "وكان رسول الله - ﷺ - إذا سُرَّ استنار وجهه، حتى كأن وجهه قطعة قمر، وكنا نعرف ذلك منه".
يقول - ﵁ -: "فلما جلست بين يديه قلت: يا رسول الله، إن من توبتي أن أنْخَلِعَ من مالي صدقة إلى الله وإلى رسوله" -أي: أخرجه في سبيل الله- "فقال رسول الله - ﷺ -: "أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك"، قلت: إني أمسك سهمي الذي بخيبر، وقلت: يا رسول الله! إن الله تعالى إنما أنجاني بالصدق، وإن من توبتي أن لا أُحدِّث إلا صِدقًا ما بقيتُ".
يقول - ﵁ -: "فوالله ما علمت أحدًا من المسلمين أبلاه الله تعالى" -أي: أنعم عليه- "في صدق الحديث منذ ذكرتُ ذلك لِرسول الله - ﷺ - إلى يومي هذا أحسن مما أبلاني الله تعالى به، والله ما تعمدت كذبةً منذ قلت ذلك لرسول الله - ﷺ - إلى يومي هذا، وإني لأرجو أن يحفظني الله تعالى فيما بقي".
ثم قال - ﵁ -: "فأنزل الله تعالى: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ﴾ حتى بلغ: ﴿إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١١٧) وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١١٨) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (١١٩)﴾ [التوبة:١١٧:١١٩].
يقول كعب - ﵁ -: "والله ما أنعم الله عليَّ من نعمة قطُّ بعد إذ هداني الله للإسلام أعظم في نفسي من صدقي رسول الله - ﷺ -؛ أن لا أكون كذبته فأهْلِكَ كما هلك الذين كذبوا.
[ ٥٤٤ ]
إن الله تعالى قال للذين كذبوا حين أنزل الوحي شر ما قال لأحد فقال الله تعالى: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٥) يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (٩٦)﴾ [التوبة: ٩٥ - ٩٦] (١).
عباد الله! أما الدروس والعظات والعبر التي تؤخذ من قصة كعب بن مالك وصاحبيه فمنها:
أولًا: الصدق سفينة النجاة.
عباد الله! عليكم بالصدق فإنه ينفع صاحبه في الدنيا والآخرة.
ففي الدنيا: نجا كعب بن مالك بالصدق هو وصاحباه.
وفي الآخرة: قال تعالى: ﴿قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ [المائدة: ١١٩].
عباد الله! عليكم بالصدق، فهو طريق إلى الجنة، قال - ﷺ -: "عليكم بالصدق، فإن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة" (٢).
ثانيًا: بعد الكرب والشدة يأتي الفرج، فهذا كعب بن مالك بعد أن ضاقت عليه نفسه، وضاقت عليه الأرض بما رحبت، جاء الفرج فسمع صارخًا يصرخ: يا كعب بن مالك! أبشر فخر ساجدًا لله وقال: قد جاء الفرج.
_________________
(١) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ٤٤١٨)، ومسلم (رقم ٢٧٦٩).
(٢) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ٦٠٩٤)، ومسلم (رقم ٢٦٠٧).
[ ٥٤٥ ]
والرسول - ﷺ - يقول لابن عباس: "واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرا" (١).
ثالثًا: أعداء الإِسلام يتربصون بنا الدوائر، ويرصدون ما وقع بين المسلمين، فانظروا في اللحظة المناسبة أرسل ملك غسان إلى كعب بن مالك يطلبه: "الحق بنا نواسك".
رابعًا: التأسف على ما فات من الخير، وتمني المتأسف أنه كان فعله، لقول كعب بن مالك: "فياليتني فعلت".
خامسًا: ردّ الغيبة عن المسلم، لقول معاذ بن جبل: "بئس ما قلت، والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلا خيرًا".
سادسًا: الحكم بالظاهر والله يتولى السرائر.
سابعًا: يُشرع لمن بُشر بنعمة ما يلي:
- سجود الشكر كما فعل كعب بن مالك - ﵁ - عندما بشروه بتوبة الله عليه.
- مكافأة الذي يحملُ البشرى: فقد نزع كعب ثوبيه اللذين كان يلبسها، فكساهما الذي سمع صوته بالبشرى، وما كان يملك وقتئذ غيرهما.
- التصدق بالمال:
كما فعل كعب بن مالك - ﵁ - فقد تصدق ببعض ماله.
ثامنًا: خير أيام العبد على الإطلاق وأفضلها؛ يوم توبته إلى الله، وقبول
_________________
(١) صحيح: "رياض الصالحين" تحقيق الألباني.
[ ٥٤٦ ]
الله توبته، لقول النبيﷺ -: "أبشر بخير يوم مرَّ عليك منذ ولدتك أمك".
تاسعًا: استحباب بكاء الإنسان على نفسه إذا وقعت منه معصية، وهذا ما وقع من كعب بن مالك وصاحباه.
عاشرًا: في الحديث عظم أمر المعصية يقول الحسن البصري -﵀- "يا سبحان الله ما أكل هؤلاء الثلاثة مالًا حرامًا، ولا سفكوا دمًا حرامًا، ولا أفسدوا في الأرض، أصابهم ما سمعتم وضاقت عليهم الأرض بما رحبت، فكيف بمن يواقع الفواحش والكبائر؟ ".
اللهم أرنا الحق حقًا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه.
[ ٥٤٧ ]