عباد الله! موعدنا في هذا اليوم -إن شاء الله تعالى- مع لقاء جديد من سيرة المصطفى - ﷺ -، وحديثنا في هذا اللقاء سيكون عن غزوة بني قينقاع وغزوة بني النضير.
عباد الله! عندما وصل رسول الله - ﷺ - إلى المدينة مهاجرًا من مكة بدأ ببناء المسجد، ثم آخى بين المهاجرين والأنصار، ثم عقد معاهدة مع اليهود في المدينة تَكْفُلُ لهم الحرية الكاملة في دينهم وعقائدهم، وتضمن لهم أن يعيشوا في جوار النبي - ﷺ -، في سلم وسلام، وأمنٍ وأمان.
وكان من مقتضى هذه المعاهدة، أن يكون المسلمون واليهود يدًا واحدة ضدَّ كل عدو يقصد المدينة بسوء، وأن يحافظ الجميع على الأمن الداخلي في المدينة.
وكان اليهود في المدينة ثلاث طوائف: بنو قينقاع، وبنو النضير، وبنو قريظة، فعاهدهم النبي - ﷺ - جميعًا.
وأخذ النبيﷺ - يحث المسلمين على الوفاء، ويحذرهم من الغدر والخيانة، ويحثهم على احترام هذه المعاهدة وعلى احترام أهلها، ويحذرهم من الاعتداء على أهل هذه المعاهدة في نفسٍ أو مالٍ.
فقالﷺ -: "ألا من ظلم معاهدًا، أو انتقضه، أو كلّفه فوق طاقته، أو أخذ منه شيئًا بغير طيب نفس فأنا حجيجه يوم القيامة" (١).
_________________
(١) "صحيح سنن أبي داود" (٢٦٢٦).
[ ٣٣١ ]
وقالﷺ -: "من قتل معاهدًا لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عامًا" (١).
عباد الله! وحافظ النبي - ﷺ - والمسلمون على هذه المعاهدة، ولم يأت من المسلمين ما يخالف حرفًا واحدًا من نصوصها، ولكن اليهود الذين ملأوا تاريخهم بالغدر والخيانة ونكث العهود؛ لم يلبثوا أن تمشوا مع طبائعهم القديمة، فغدروا وخانوا، ونقضوا العهود والمواثيق بعد أن نصر الله المسلمين في بدرٍ.
وكان أول مَنْ غَدَرَ يهودُ بني قينقاع، وكان ذلك بعد غزوة بدرٍ الكبرى بشهرٍ واحد، ثم غدرت بنو النضير بعد غزوة بدرٍ بستة أشهر، كما ذكر الإِمام البخاري في "صحيحه"، ثم غدرت بنو قريظةَ في غزوة الأحزاب، فعاقبهم النبي - ﷺ - بالعقاب الذي يليق بهم وبغدرهم ﴿جَزَاءً وِفَاقًا (٢٦)﴾، ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾.
عن عبد الله بن عمر -﵄- أن يهود بني النضير وقريظة حاربوا رسول اللهﷺ -، فأجلى رسول الله - ﷺ - بني النضير، وَأَقَرَّ قريظة ومنَّ عليهم؛ حتى حاربت قريظة بعد ذلك فقتل رجالهم وقسم نساءهم وأولادهم وأموالهم بين المسلمين إلا أن بعضهم، لحقوا بالنبيﷺ - فأمَنَهُم وأسلموا، وأجلى رسول الله - ﷺ - يهود المدينةُ كلهم بني قينقاع (وهم قوم عبد الله بن سلام)، ويهود بني حارثة، وكل يهوديٍّ كان في المدينة (٢).
_________________
(١) رواه البخاري (رقم ٣١٦٦).
(٢) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ٤٠٢٨)، ومسلم (رقم ١٧٦٦).
[ ٣٣٢ ]
عباد الله! وحديثنا عن غزوة بني قينقاع وغزوة بني النضير سيكون حول العناصر التالية:
العنصر الأول: بعد غزوة بدرٍ الكبرى كفار مكة في مكة يهددون، واليهود في المدينة يغدرون.
العنصرالثاثي: ولا يحيق المكر السيئُ إلا بأهله.
العنصر الثالث: اليهود في المدينة يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين؛ فاعتبروا يا أولي الأبصار.
العنصر الرابع: دروس وعظات وعبر
العنصر الأول: بعد غزوة بدر الكبرى، كفار مكة في مكة يهددون، واليهود في المدينة يغدرون.
عباد الله! في الجمعة الماضية تكلمنا عن غزوة بدرٍ الكبرى وتبين لنا أن الله قد منَّ على المسلمين بنصر عظيم على الكافرين؛ بأن قتلوا منهم سبعين وأسروا سبعين، وعندما وصلت أخبارُ النصر إلى مكة لم يصدقوا، حتى أنهم اتهموا الذي يخبرهم بالجنون حتى وصل جيش الكفر يجر أذيال الهزيمة والخيبة والعار، فلما تبين لهم صدق الخبر صُعِقَ نفرٌ منهم فهلك لتوِّه، وماج بعضهم في بعض من هول المصاب لا يدري ما يفعل.
ولم تزدهم الهزيمة إلا كُرها للإسلام، ونقمة على محمَّد وصحبه واضطهادًا لمن يدخل في دينه.
ولما وصلت أخبار النصر إلى المدينة؛ لم يُصدق الخبر المنافقون والمشركون واليهود حتى أنهم اتهموا المسلمين الذين يُذيعون الخبر بالكذب، حتى جاء جيش الإِسلام من بدرٍ وأعلام النصر ترفرف عليه، والأسرى مقرنين في
[ ٣٣٣ ]
الأصفاد، والغنائم بين يديه، فأسلم فريق من المشركين واليهود ظاهرًا، وقلوبهم تغلي حقدًاَ وحسدًا وكفرًا، وعلى رأس هؤلاء عبد الله بن أبي بن سلول، وفريق آخر سلك أسلوب الدسِّ والنفاق والغدر والتمرد.
عباد الله! كفار مكة بعد هزيمتهم في بدر، يفكرون في الانتقام من محمَّد - ﷺ - وأصحابه، ولكنهم يريدون أن يكون ذلك عن طريق اليهود في المدينة، فأرسلوا إليهم تهديدًا، إذا لم تقتلوا محمدًا فعلنا بكم كذا وكذا.
فلما وصل ذلك لليهود في المدينة بدأ الغدر، ونقض العهود والمواثيق والخيانة، وأول من نقض العهد يهود بني قينقاع.
عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن رجلٍ من أصحاب النبيﷺ -: "أن كفار قريش كتبوا بعد وقعة بدرٍ إلى اليهود: إنكم أهل الحلقة والحصون وإنكم لتُقاتلُنَّ صاحبنا -أي رسول الله - ﷺ - أو لنفعلن كذا وكذا، ولا يحولُ بيننا وبين خدم نسائكم شيء- وهي الخلاخيل .. " (١).
عباد الله! لما وصل الكتاب إلى اليهود في المدينة أجمعوا على الغدر برسول الله - ﷺ - وأصحابه، وأولُ من نقض العهد وغدر؛ هم يهود بني قينقاع، وكانوا يسكنون داخل المدينة -في حي باسمهم- وكانوا صاغة وحدادين، وكانت عندهم خبرةٌ بالقتال وصنع السلاح، وكان عدد المقاتلين فيهم سبعمائة مقاتل.
عباد الله! وبعد أن نصر الله المسلمين في بدرٍ أخذ يهود بني قينقاع يثيرون الشغب، ويتعرضون بالسخرية، ويواجهون بالأذى كل مَنْ ورد سوقهم من
_________________
(١) "صحيح سنن أبي داود" (٢٥٩٥).
[ ٣٣٤ ]
المسلمين، حتى أخذوا يتعرضون لنسائهم فجاءت امرأة إلى السوق عندهم لتبيع شيئًا، فلما جلست عند الصائغ اليهودي راودها على أن تكشف وجهها فأبت فاجتمع اليهود وراودوها أن تكشف عن وجهها فأبت، فقام الصائغ بربط طرف ثوبها في ظهرها خفية دون أن تعلم، فلما قامت المرأة انكشفت سوءاتها، فضحك اليهود فقام مسلم يوجد في السوق فقتل اليهودي فاجتمع اليهود على هذا المسلم فقتلوه، فجاء أهل المسلم واستنصروا بالمسلمين فوقع الشر بين المسلمين وبين يهود بني قينقاع.
وهذه رواية يذكرها أصحاب السير وإن كان في إسنادها ضعف، ولكن هذا لا يستغرب من أفعال اليهود.
ولم يكتفوا بذلك بل قالوا لرسول الله - ﷺ -: يا محمَّد لا يغرنك من نفسك أنك قتلت نفرًا من قريش، كانوا أغمارًا لا يعرفون القتال، إنك لو قاتلتنا لعرفت أنا نحنُ الناس، وأنك لم تلق مثلنا.
فأنزل الله تعالى قرآنًا ينذر هؤلاء بسوء المنقلب: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (١٢) قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ (١٣)﴾ [آل عمران: ١٢ - ١٣].
عباد الله! وفي قولهم هذا لرسول الله - ﷺ - إعلان منهم سافرٌ عن الحرب، ونقضٌ منهم للعهود والمواثيق، ولم يكتفوا بذلك بل أخلُّوا بالأمن في داخل المدينة وأخذوا يتعرضون لنساء المسلمين فلما فعلوا ذلك سار إليهم رسول الله - ﷺ - بالكتائب، المسلمة، فحاصرهم حتى نزلوا على حكمه، فأراد قتلهم
[ ٣٣٥ ]
فاستوهبهم منه عبد الله بن أُبي، رأسُ النفاق وزعيم المنافقين وكانوا حلفاءه فوهبهم له.
وأمرهم النبي - ﷺ - أن يخرجوا من المدينة ولا يجاوروه بها، فخرجوا إلى أذرعات بالشام، ولم يبقوا هنالك طويلًا حتى هلك أكثرهم.
العنصر الثاني: ولا يحيق المكُر السيئ إلا بأهله.
عباد الله! لم يعتبر باقي اليهود بما أصاب كفار قريش في بدرٍ من القتل والأسر، ولا بما أصاب بني قينقاع من الجلاء عن المدينة.
فأخذ اليهود في المدينة يمكرون بالإِسلام والمسلمين مكرًا سيئًا.
قال تعالى: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (٣٠)﴾ [الأنفال:٣٠].
وقال تعالى: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (٥٤)﴾ [آل عمران: ٥٤].
ومن هؤلاء اليهود الذين مكروا بالإِسلام والمسلمين مكرًا سيئًا كعب بن الأشرف، وكان هذا اليهودي من أشد اليهود حنقًا على الإِسلام والمسلمين، وإيذاءً لرسول الله - ﷺ - وتظاهُرًا بالدعوة إلى حربه.
وهذا اليهودي كان من يهود بني النضير، وكان غنيًا مترفًا، معروفًا بجماله في العرب، وكان شاعرًا من شعرائها.
ولما بلغه أول خبرٍ عن انتصار المسلمين، وقتل صناديد قريش في بدرٍ قال: أحقٌ هذا؟ هؤلاء أشرافُ العرب، وملوكُ الناسِ والله! إن كان محمدٌ أصاب هؤلاء القوم لبطن الأرض خيرٌ من ظهرها.
عباد الله! ولما تأكد لديه الخبر، انبعث عدو الله يهجو رسول الله - ﷺ - والمسلمين، ويمدح عدوَّهم، ويحرضهم عليهم بل أخذ يتغزل بنساء الصحابة
[ ٣٣٦ ]
في شعره، ولم يرض بهذا القدر حتى ركب إلى قريشٍ، فنزل على أحد أشرافهم وجعل ينشد الأشعار، يبكي فيها على أصحاب القليب من قتلى المشركين، يُثيرُ بذلك حفائِظهم، ويزكي حقدهم على النبيﷺ -، ويدعوهم إلى حربه، وعندما كان بمكة سأله أبو سفيان والمشركون: أديننا أحب إليك أم دين محمَّد وأصحابه؟ وأي الفريقين أهدى سبيلًا؟ فقال عدو الله: أنتم أهدى منهم سبيلًا وأفضل، وفي ذلك أنزل الله ﷿: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا (٥١) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا (٥٢)﴾ [النساء: ٥١ - ٥٢].
ثم رجع كعب بن الأشرف اليهودي إلى المدينة على تلك الحال، وأخذ يشبب -أي يتغزل- في أشعاره بنساء الصحابة، ويؤذيهم بصلاقة لسانه أشد الإيذاء.
عباد الله! عندها قال رسول اللهﷺ -: مَنْ لكعب بن الأشرف؟ فإنه آذى الله ورسوله، قال محمَّد بن مسلمة - ﵁ -، أنا يا رسول الله.
عباد الله! تعالوا بنا لنستمع إلى قصة قتل هذا المجرم- كعب بن الأشرف اليهودي- الذي آذى الله ورسوله، ومكر بالمسلمين مكرًا سيئًا، لتعلموا أن المكر السيئ لا يحيق إلا بأهله.
عن جابر - ﵁ - قال: قال رسول اللهﷺ -: "من لكعب بن الأشرف فإنه قد آذى الله ورسوله؟ ".
فقام محمَّد بن مسلمة - ﵁ - فقال: أنا يا رسول الله! أتحب أن أقتلهُ؟ قال - ﷺ -: "نعم".
[ ٣٣٧ ]
قال: تأذن لي أن أقول شيئًا (أي: ائذن لي أن أتكلم في حقك من أجل المصلحة).
قال - ﷺ -: "قل".
فأتاه محمَّد بن مسلمة، فقال: إن هذا الرجل قد سألنا صدقة، وإنه قد عنَّانا (أي أوقعنا في العنت والحرج وكلَّفنا ما لا نجد).
فقال كعبٌ- وقد بدى البِشْرُ على وجهه مما سمع من محمَّد بن مسلمة في حقِّ النبي - ﷺ -: والله! لتمَلُّنَّهُ.
فقال محمَّد بن مسلمة: إنا قد اتبعناهُ، وما نريد أن نرجعَ عنه حتى نرى إلى ماذا ينتهي أمرهُ وشأنه، فَسَلِّفني وسْقًا أو وَسقين.
فقال كعب: نعم أرهنوني.
قال محمد بن مسلمة: ماذا تريد أن نُرهنك؟
فقال كعب: أَرهنوني نساءكمُ
قال ابن مسلمة: كيف نُرهنك نساءنا وأنت أجملُ العربِ؟
قال كعب: فارهنوني أبناءكم.
قال ابن مسلمة: كيف نُرهِنُك أبناءَنا، فيسبُ أحدُهم، فيقال: رُهِنَ بوسقٍ أو وسقين -أي هذا عارٌ علينا-.
قال كعب: فماذا ترهنوني؟
قال ابن مسلمة: نرهنك اللأمة - (يعني: السسلاح) - وأراد ابن مسلمة بذلك، أنه إذا جاءه بعد ذلك والسلاح في يده لا ينكرهُ؛ لأنه في اعتقاده أنه جاء بالسلاح ليضعه عنده رهنًا-.
[ ٣٣٨ ]
قال كعب: نعم
ثم وعده محمد بن مسلمة أن يأتيه في الليلة القادمة ببعض رجالٍ على مثل ما هو عليه في محمد - ﷺ -.
فجاءَوه في الليلة التالية وهم متسلحون، فدعوه ليلًا لينزل إليهم فقالت امرأتهُ: إني لأسمع صوتًا كأنه صوت دم!
فقال كعب لها: إنه أخي محمَّد بن مسلمة ورضيعي -أي أخي في الرضاعة- أبو نائلة، ولو دُعي الفتى لطعنةٍ ليلًا لأجاب، فنزل.
فقال محمَّد بن مسلمة لأصحابه قبل أن ينزل إليهم: إني سأمد يدي إلى رأسه فإذا استمكنت منه فدونكم فاقتلوه.
فلما نزل إليهم كعب نزل متوشحًا، تفوح منه رائحة الطيب.
فقالوا: نجد منك ريح الطيب؟
فقال كعب: نعم عندي أعطرُ نساء العرب.
فقال محمَّد بن مسلمة: أتأذن لي أن أشم؟ فوضع يده في رأسه فمسح رأسه بيده ليأخذ من طيب رأسه ثم شمّها، ثم ساروا قليلًا ثم عاد محمَّد بن مسلمة فقال: أتأذن لي أن أعود فاشمَّ؟
قال كعب: نعم شمَّ، فوضع يده في رأسه، فلما استمكن من رأسه قال لأصحابه: دونكم فاقتلوه، فقتلوه" (١).
عباد الله! نزلت السيوف على جسد هذا المجرم فوقع عدو الله قتيلا، وقد
_________________
(١) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ٢٥١٠)، ومسلم (رقم ١٨٠١).
[ ٣٣٩ ]
صاح صيحة شديدة، أفزعت من حوله من اليهود فلم يبق حصنٌ إلا أوقد النار -أي استيقظ من نومه- وفي الصباح علمت بمصرع طاغيتها كعب بن الأشرف فدب الرعب في قلوبهم العنيدة ﴿جَزَاءً وِفَاقًا (٢٦)﴾ ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾.
وهكذا يفعل الله بكل من مكر بالإِسلام والمسلمين، قال تعالى: ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ [فاطر: ٤٣].
عباد الله! هذا عذابهم في الدنيا، قتلٌ، خزيٌ، فضيحة، أما في الآخرة فالعذاب الأليم قال تعالى: ﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٣٣)﴾، وقال تعالى: ﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ (١٦)﴾
ليعلم الجميع أن المكر السيئ لا يحيق إلا بأهله.
العنصر الثالث: اليهود يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين، فاعتبروا يا أولى الأبصار.
عباد الله! بعد غزوة بدرٍ الكبرى أرسل كفار مكة كتابًا إلى اليهود في
المدينة يهددونهم بكذا وكذا إذا لم يقتلوا محمدًا - ﷺ -، فلما وصل الكتاب إلى اليهود في المدينة، أجمعت بنو النضير على الغدر ونسوا ما بينهم وبين النبي - ﷺ - من العهد والميثاق.
فأرسلوا إلى النبي - ﷺ -: اخرج لنا في ثلاثين من أصحابك وليخرج منا ثلاثون حبرًا؛ حتى نلتقي بمكان المنصف؛ فيسمعوا منك فإن صدقوك وآمنوا بك؛ آمنا بك- وهم بذلك يريدوا أن يغتالوا رسول الله - ﷺ - ومن معه من أصحابه- ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (٥٤)﴾ [آل عمران: ٥٤].
[ ٣٤٠ ]
فأخبر اللهُ -﷿- رسوله - ﷺ - عن طريق جبريل ﵇ بما مكر به يهود بني النضير.
فخرج إليهم رسول الله - ﷺ - بكتائب الجيش المسلم، فلما رأوا الجيوش قد زحفت إليهم فروا هاربين إلى حصونهم، وكانت حصونهم منيعة، فأغلقوا أبوابهم، وتحصنوا بها، وحاصرهم النبيﷺ - ليالي وهموا بالتسليم لرسول الله - ﷺ -، ولكن زعيم المنافقين عبد الله بن أُبي بن سلول أرسل إليهم أن امتنعوا وتحصنوا ولا تنزلوا من حصونكم، فإنَّا مِن ورائكم، نمنعكم مما يضركم، لئن قوتلتم لننصرنكم، ولئن أُخرجتم لنخرجن معكم، فصدّقوهم، وأرسل يهود بني النضير إلى رسول الله - ﷺ - يقولوا: إنا لا نخرج من ديارنا، فاصنع ما بدا لك.
فأمر النبي - ﷺ - بقطع النخيل وتحريقها، فدبَّ الخوف في نفوسهم وملأ الرعبُ قلوبهم، وأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا، فسألوا رسول الله - ﷺ - أن ينزلوا على أن لهم ما حملت الإبلُ إلا السلاح، فوافق الرسول - ﷺ - على عرضهم هذا.
فجعل الرجل يهدم بيته بيده! ويحملُ الأبواب والشبابيك معه، وخرجوا من المدينة، فمنهم من نزل خيبر، ومنهم من سار إلى الشام.
قال تعالى: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٠) فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ (٥١) فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٥٢)﴾ [النمل: ٥٠ - ٥٢].
عباد الله! ونزلت سورة الحشر في بني النضير، فعن سعيد بن جبير - ﵁ - "قال: قلت لابن عباس سورة الحشر؟ فقال: لا تقل سورة الحشر، قل:
[ ٣٤١ ]
سورة بني النضير" (١).
عباد الله! وفي سورة الحشر
أولًا: بدأها الله بالتسبيح وختمها بالتسبيح، قال تعالى: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١)﴾، وقال تعالى: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٤)﴾.
ثانيًا: بين الله في هذه السورة كيف ينتقم من أعدائه، وكيف أنه سبحانه جاء لبني النضير من باب لا يخطر لهم على بال.
قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ (٢)﴾ [الحشر: ٢]
دب الرعب في قلوبهم، والرعبُ سلاح رباني ينصر الله به عباده.
ثالثًا: أثنى الله في هذه السورة على المهاجرين والأنصار ومن سلك سبيلهم قال تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (٨) وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩)﴾ [الحشر: ٨ - ٩].
رابعًا: فضح الله المنافقين الذين أظهروا الإِسلام وأبطنوا الكفر قال تعالى:
_________________
(١) رواه البخاري (رقم ٤٠٢٩).
[ ٣٤٢ ]
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١١) لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لَا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ (١٢)﴾ [الحشر: ١١ - ١٢].
العنصر الرابع: الدروس والعظات والعبر:
أولًا: من وقف في وجه الإِسلام أباده الله، عاجلًا أو آجلًا، فانظروا ماذا فعل الله بكفار مكة عندما جاءوا للاعتداء على الإِسلام والمسلمين في غزوة بدر.
وماذا فعل بيهود بني قينقاع عندما مكروا بالإِسلام والمسلمين.
وانظروا ماذا فعل الله تعالى بيهود بني النضير عندما نقضوا العهود والمواثيق، واعتدوا على الإِسلام والمسلمين، والعاقل من اتعظ بغيره، وليعتبر كل من تسول له نفسه أن يقف في وجه الإِسلام، وأن يمكر بالإِسلام والمسلمين.
ثانيًا: النصر على الأعداء لا يكون إلا من عند الله.
قال تعالى: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٦٠)﴾ [آل عمران: ١٦٠]، وقال تعالى: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٢٦].
من الذي نصر المؤمنين يوم بدر؟ إنه هو الله.
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢٣)﴾ [آل عمران: ١٢٣].
من الذي نصر المؤمنين يوم الأحزاب؟ إنه هو الله.
[ ٣٤٣ ]
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (٩)﴾ [الأحزاب: ٩]، وقال تعالى: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا (٢٥)﴾ [الأحزاب: ٢٥]
- من الذي نصر المؤمنين يوم حنين وفي مواطن كثيرة؟ إنه هو الله
قال تعالى: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (٢٥)﴾ [التوبة: ٢٥].
- من الذي قذف الرعب في قلوب يهود بني النضير، فأخذوا يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين؟ إنه هو الله.
قال تعالى: ﴿فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ (٢)﴾ [الحشر: ٢]
فالنصر يا عباد الله لا يكون إلا من عند الله.
قال تعالى: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (١٠)﴾ [الأنفال: ١٠]
ومن سنن الله التي لا تتبدل ولا تتغير أنه لا ينصر عباده إلا إذا نصروه.
قال تعالى: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ (٧)﴾ [محمد: ٧].
ثالثًا: بالعقيدة الصحيحة والعمل الصالح واتباع منهج الصحابة ننتصر على أعدائنا عامة وعلى اليهود خاصة.
وهذا يظهر جليا من سورة الحشر التي نزلت من شأن يهود بني النضير.
[ ٣٤٤ ]
ففي السورة توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات، وفيها الإيمان باليوم الآخر والجنة والنار.
وفي السورة الحث على الأعمال الصالحة، فالسورة بدأت بالتسبيح لله ﷿ وانتهت بالتسبيح.
وقال تعالى في وسط السورة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٨) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (١٩)﴾ [الحشر: ١٨ - ١٩].
وفي سياق السورة؛ أثنى الله على المهاجرين والأنصار، ومن سلك سبيلهم بإحسان إلى يوم الدين، ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ﴾، ثم الآية التي جاءت بعدها في الأنصار، ثم الآية التي بعدها جاءت في من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
رابعًا: على المسلمين أن يفهموا الكتاب والسنة بفهم سلف الأمة -الصحابة ﵃- ومن سلك سبيلهم بإحسان إلى يوم الدين.
الشباب المتحمس والمتعجل الذي يفهم الكتاب والسنة بعواطفه، ويستدل بقتل كعب بن الأشرف اليهودي على عمليات الاغتيال للحكام ورجال الأمن وهذا خطأ كبير لا يقره الشرع والدين؛ لأن قتل كعب بن الأشرف كان بأمر النبي - ﷺ -، وكان يهوديًا مناقضًا للعهد والميثاق الذي وثقه مع رسول الله - ﷺ -، وكان يؤذي الله ورسوله، والذي أمر بقتله هو رسول الله - ﷺ -، ورسولنا الكريم لا يأمر من عند نفسه ولكن كان ذلك بوحي من الله -﷿-، ونقول عندما أمر الرسول بقتل كعب بن الأشرف لم تكن هناك مفسدة واحدة، ولم يستطع يهودي واحد أن يتكلم أو يتحرك بعد ما
[ ٣٤٥ ]
رأوا قتل كعب بن الأشرف، بل دخلوا في حصونهم ودب الرعب في قلوبهمِ، أما ما يفعله بعض الشباب المسلم فيقتلون فلانًا وفلانًا بعد أن يُكَفِّرُونهم، ويحملون فكر التكفير في عقولهم، هذا يخالف ديننا ويبرأ منه الإِسلام، والمفاسد كثيرة بعد أن يقتلوا رجلًا واحدًاَ، وإذا قلنا لهم ذلك ونصحناهم اتهمونا بالعمالة والجبن، والله المستعان.
اللهم رد المسلمين إلى دينك ردًاَ جميلًا.
[ ٣٤٦ ]