أيها الإخوة عباد الله! موعدنا في هذا اليوم -إن شاء الله تعالى- مع لقاء جديد من سيرة المصطفى - ﷺ -، وحديثنا في هذا اللقاء سيكون عن غزوة بني قريظة.
عباد الله! وغزوة بني قريظة كانت نتيجة من نتائج غزوة الأحزاب، وأثرًا من آثارها ولم تكن هذه الغزوة بتدبير من الرسولﷺ -، ولا بمشورة أحدٍ من الصحابة - ﵃ -، بل كانت بأمرٍ من الله تعالى؛ إذ لم يكد الرسول - ﷺ - ينفض يديه من آثار غزوة الأحزاب حتى نزل الوحي بأمر الله له أن يتوجه إلى بني قريظة التي نقضت عهدها مع رسول اللهﷺ -، وتحالفت مع الأحزاب سرًا لضرب المسلمين في المدينة من الخلف.
عباد الله! وحديثنا عن غزوة بني قريظة سيكون حول العناصر التالية:
العنصر الأول: أسباب هذه الغزوة
العنصرالثاني: الجزاء من جنس العمل
العنصر الثالث: الدروس والعظات والعبر التي تؤخذ من غزوة بني قريظة.
العنصر الأول: أسباب هذه الغزوة
السبب الرئيسي لغزوة بني قريظة هو: أنهم نقضوا عهدهم مع رسول الله - ﷺ -، وتعاونوا مع الأحزاب للقضاء على المسلمين في المدينة.
[ ٤٣٥ ]
عباد الله! خرج وفدٌ من اليهود وعلى رأسهم حُييُّ بن أخطبٍ وأبو رافع بن أبي الحقيق إلى كفار مكة وإلى القبائل المجاورة، وحرضوهم على غزو المسلمين في المدينة للقضاء عليهم، وخرج بسبب هذا التحريض جيش قوامه عشرة آلاف مقاتل.
عباد الله! ولما وصل هذا الجيش إلى المدينة ووجد الخندق الذي حال بينه وبين دخول المدينة، وطال الحصارُ من هذا الجيش للمدينة، ولم يتمكن من دخولها ذهب رأس العصابة حُييُّ بنُ أخطب اليهودي إلى يهود بني قريظة الذين يسكنون في الجهة الجنوبية من المدينة، وبينهم وبين رسول الله - ﷺ - عهد وميثاق، لينقضوا عهدهم مع رسول الله - ﷺ - حتى يتمكن جيش الأحزاب من الدخول إلى المدينة من الجهة الجنوبية ليضربوا المسلمين من الخلف، فأتي حييُّ بن أخطب اليهودي كعبًا القرظي وهو كبير بني قريظة، ثم ناداه يا كعب افتح لي! فأغلق كعب دونه الأبواب.
يا كعبُ افتح لي! قال له كعبٌ: ويحك يا حُييُّ، إنك رجلٌ مشئومٌ وقد أعطيت محمدًا عهدًا وميثاقًا، ولم أر منه إلا وفاءًا وصدقًا فما أنا بناقض عهده.
عباد الله! فما زال حُييُّ بن أخطب بكعب القرظي يُغريه حتى فتح له، فأخذ يحدُّثه عن كثرة جيش الأحزاب الذي جاء به، وعن شدة قوة هذا الجيش وعن الأسلحة التي معهم حتى طمأنه أن النصر سيكون بجانب الأحزاب لا لمحمدٍ وأصحابه- لتعلموا ماذا تفعل اليهود في ظلمات الليل، وهذا هو هدفهم في كل زمان ومكان؛ القضاء على الإِسلام والمسلمين- فلما أمِنَ كعبٌ القرظي عاقبة الغدر، وعلم أن الدولة للأحزاب لا لمحمدٍ وأصحابه؛ وافق حُييُّ بن الأخطب على ما دعاه إليه من الغدر، وهذا يدلُنا يا عباد الله على أن اليهود أهل غدر وخيانة، يوفون بالعهد إذا كان لمصلحتهم ويغدرون إذا كان الغدر لمصلحتهم.
[ ٤٣٦ ]
عباد الله! ولما بلغ الخبر رسولَ الله - ﷺ - قال: "من يأتينا بخبر القوم؟ " -أي بخبر بني قريظة- قال الزبير بن العوام - ﵁ -: أنا يا رسول الله قال - ﷺ -: "من يأتيني بخبر القوم؟ " قال الزبير: أنا يا رسول الله.
قالﷺ -: "من يأتيني بخبر القوم؟ " قال الزبير: أنا يا رسول الله ثلاث مراتٍ فقال النبي - ﷺ -: "إن لكل نبيٍ حواريًا، وحواريَّ الزبير بن العوام" (١).
يقول الزبير - ﵁ - فأتيتهم فأتيته بخبرهم -أي أنهم فِعْلًا غدروا وخانوا، فازداد المؤمنون شدة على شدتهم وخوفًا على خوفهم؛ لأن الأحزاب إذا دخلوا من الخلف ضربوهم ضربهَ قاضية ولكن الله سلّم. فما إن وقعت الفرقة بين الأحزاب وبني قريظة.
العنصر الثاني: الجزاء من جنس العمل
عباد الله! عندما أراد اليهود- قاتلهم الله- بتحريضهم الكفار على المسلمين وبغدرهم أن يستاصلوا المسلمين من على وجه الأرض؛ وقع ذلك بهم فقتلهم رسول الله - ﷺ - وسبى نسائهم وذراريهم وأخذوا أرضهم وأموالهم ﴿جَزَاءً وِفَاقًا (٢٦)﴾ ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ ﴿فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٣٤)﴾.
عباد الله! تعالوا بنا لنتعرف على ما نزل بيهود بني قريظة ومَنْ تعاون معهم بعد غدرهم برسول اللهﷺ - في غزوة الأحزاب.
عباد الله! رجعت الأحزاب إلى ديارهم يجرون أذيال الخيبة والخسران، لم ينالوا خيرًا بعد أن أرسل الله عليهم ريحًا وجنودًا من عنده، قال تعالى: ﴿وَرَدَّ
_________________
(١) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ٢٨٤٦)، ومسلم (رقم ٢٤٥١).
[ ٤٣٧ ]
اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا (٢٥)﴾، ورجع كذلك الوفد اليهودي- الذي خرج من خيبر لتحريض الأحزاب لغزو المدينة- إلى أرضهم.
عباد الله! فلما رأت بنو قريظة أنهم وحدهم في المدينة مع رسول الله - ﷺ -، ورأوا أنهم قد هلكوا بسبب غدرهم ونقضهم عهد النبيﷺ -، دخلوا حصونهم وأغلقوا أبوابهم، وجلسوا ينتظرون ما يُفعل بهم.
ودخل معهم حييُّ بن أخطب اليهودي وفاءًا بعهده لسيدهم كعب القرظي، حيث كان حين دعاه إلى نقض العهد والغدر أعطاه عهدًا وميثاقًا إن لم يكن ما أراد من استئصال المسلمين أن يرجع فيدخل معه في حصنه، ليصيبه ما أصابه.
عباد الله! ورجع النبي - ﷺ - وأصحابه إلى المدينة بعد هذا النصر المبين على الأحزاب ووضع - ﷺ - سلاحه وأخذ يغتسل ليزيل هذا التراب الذي غبَّر جسده الشريف، فأتاه جبريل ﵇ فقال: يا رسول الله! أوقد وضعت السلاح؟ قال - ﷺ -: "نعم".
قال جبريل: والله ما وضعناه- لتعلموا أن الملائكة كانوا يجاهدون مع المسلمين في غزوة الأحزاب-.
فقال - ﷺ -: "إلى أين"؟ فقال جبريل ﵇: ها هنا وأشار بيده إلى بني قريظة (١) - إلى الخونة الذين لا يتركون الغدر-.
عباد الله! فأصدر النبيﷺ - أوامره للجيش المسلم بالخروج إلى بني قريظة
_________________
(١) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ٤١١٧)، ومسلم (رقم ١٧٦٩).
[ ٤٣٨ ]
فورًا وبأسرع ما يمكن وقال لهم: "لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة" (١)، وكان ذلك بعد الظهر، ولبس النبي - ﷺ - سلاحه وخرج مع الجيش
عباد الله! ها هو جيش الإِسلام بقيادة رسول اللهﷺ - في طريقه إلى بني قريظة، وقد سبقهم جبريل ﵇.
ويقول أنس - ﵁ -: "كأني أنظر إلى الغبار ساطعًا في زقاق بني غنم موكب جبريل حين سار ورسول اللهﷺ - إلى بني قريظة" (٢).
وتقول عائشة -﵂- خرج رسول اللهﷺ - فمر على بني غنم، وهم جيران المسجد، فقال لهم: مَنْ مرَّ بكم؟
فقالوا: مر بنا دحية الكلبي، وكان دحية الكلبي تشبه لحيته ووجهه جبريل ﵇ فعلم رسول الله - ﷺ - أن جبريل قد سبقه إلى بني قريظة - تقول -﵂- فأتاهم رسول الله - ﷺ - فحاصرهم خمسة وعشرين ليلةً، فلما اشتد حصارهم واشتد البلاء، قيل لهم: انزلوا على حكم رسول الله - ﷺ - فاستشاروا أبا لبابة بن عبد المنذر، فأشار إليهم أنه الذبح.
فقالوا: ننزل على حكم سعد بن معاذ، وبعث رسول الله - ﷺ - إلى سعد بن معاذ، فأُتي به على حمار قد حمل عليه وحفَّ به قومُهُ -أي من الأوس- وقالوا له: يا أبا عمرو حلفاؤك ومواليك، وأهل النكاية، ومَنْ قد علمت.
فلم يرجع شيئًا ولا يلتفت إليهم، حتى إذا دنا من دورهم التفت إلى قومه
_________________
(١) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ٩٤٦)، ومسلم (رقم ١٧٧٠).
(٢) رواه البخاري (رقم ٤١١٨).
[ ٤٣٩ ]
فقال: قد آن لي أن لا يأخذني في الله لومة لائم.
عباد الله! وسعد بن معاذ - ﵁ - قد أصابه سهم من رجل من المشركين في غزوة الأحزاب فأصاب أكحله فقطعه فدعا سعد ربه فقال: "اللهم لا تمتني حتى تقر عيني من بني قريظة".
عباد الله! فلما وصل سعد - ﵁ - إلى رسول الله - ﷺ - قال - ﷺ - لأصحابه: قوموا إلى سيدكم فأنزلوه، فأنزلوه.
فقال له رسول الله - ﷺ -: احكم فيهم -أي في بني قريظة-.
قال سعد - ﵁ -: فإني أحكم فيهم أن تقتل مقاتلتهم، وتسبى ذراريهم -أي نساءهم وأطفالهم- وتقسم أموالهم.
فقال النبي - ﷺ -: "قد حكمت فيهم بحكم الله -﷿-، وحكم رسوله" (١).
وفي رواية قال - ﷺ -: "لقد حكمت فيهم بحكم الملك" (٢).
عباد الله! ثم استنزلوا فحبسهم رسول الله - ﷺ - في دار بالمدينة، ثم خرج - ﷺ - إلى سوق المدينة فخندق فيها خنادق، ثم طفق يبعث إليهم فيؤتي بهم أرسالًا -أي جماعات- فتضرب أعناقهم- العزة لله ولرسوله وللمؤمنين- وفيهم عدو الله حييُّ بنُ أخطب النضري اليهودي الذي قال- لعنه الله- عندما رأى النبي - ﷺ -: والله ما لمتُ نفسي في عداوتك، ثم جلس فضُرِبَتْ عنقُهُ لعنه الله.
_________________
(١) إسناده جيد انظر "مجمع الزوائد" (٦/ ١٣٧، ١٣٨)، و"مسند الإِمام أحمد".
(٢) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ٣٠٤٣)، ومسلم (رقم ١٧٦٨).
[ ٤٤٠ ]
عباد الله! ولما قتل رجال بني قريظة وسبيت النساء والصبيان، وقرت عين سعد بن معاذ لذلك استجابة من الله لدعوته: توجه - ﵁ - إلى الله تعالى بدعوة ثانية فقال: "اللهم إن كنت أبقيت من حرب قريش على نبيك - ﷺ - شيئًا فابقني لها، وإن كنت أنهيت الحرب بينه وبينهم فاقبضني إليك، فسأل جرحه فلم يتوقف حتى مات - ﵁ - (١).
عباد الله! وقد أخبرنا الله في كتابه بغزوة الأحزاب وغزوة بني قريظة فقال تعالى: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا (٢٥) وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا (٢٦) وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا (٢٧)﴾ [الأحزاب: ٢٥ - ٢٧].
هكذا (الجزاء من جنس العمل) ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا (٤٩)﴾.
أرادت بنو قريظة القضاء على رسول الله - ﷺ - وأصحابه فنزل ذلك بهم، وأراد عدو الله حيي بن أخطب اليهودي استئصال المسلمين فنزل ذلك به وضرب المسلمون عنقه مع أعناق بني قريظة.
عباد الله! وهذا أبو رافع بن أبي الحقيق اليهودي، الذي ذهب مع حيي بن الأخطب اليهودي إلى كفار مكة؛ ليحرضوهم على استئصال المسلمين في المدينة، لا بد أن يأخذ جزاءه فأمر النبيﷺ - أصحابه أن يقتلوه.
_________________
(١) "مسند أحمد" (٦/ ١٤٢).
[ ٤٤١ ]
عباد الله! تعالوا بنا لنستمع إلى البراء بن عازب - ﵁ - وهو يخبرنا الخبر قال البراء بن عازب - ﵁ -: "بعث رسول الله - ﷺ - إلى أبي رافع اليهودي رجالًا من الأنصار، فأمر عليهم عبد الله بن عتيك".
وكان أبو رافع يؤذي رسول الله - ﷺ - ويعين عليه، وكان في حصن له بأرض الحجاز فلما دنوا منه وقد غربت الشمس وراح الناس بسرحهم -أي رجعوا بمواشيهم- قال عبد الله لأصحابه: اجلسوا مكانكم، فإني منطلق ومتلطف للبواب، لعلي أن أدخل، فأقبل حتى دنا من الباب، ثم تقنع بثوبه كأنه يقضي حاجة، وقد دخل الناس فهتف به البواب: يا عبد الله إن كنت تريد أن تدخل فأدخل، فلما دخل الناس أغلق الباب، ثم علق الأغاليق -أي المفاتيح- على وتد.
قال: فقمت إلى الأقاليد فأخذتها ففتحت الباب.
وكان أبو رافع يُسَمَّرُ عنده، وكان في علالي له، فلما ذهب عنه أهل سمره صعدت إليه، فجعلت كلما فتحت بابًا أغلقت علي من داخل.
قلت إن القوم نذروا بي -أي علموا بي- لم يخلصوا إلى حتى أقتله، فانتهيت إليه فإذا هو في بيت مظلم وسط عياله لا أدري أين هو من البيت؟
فقلت: أبا رافع، فقال: مَنْ هذا؟ فأهويت نحو الصوت فأضربه ضربة بالسيف وأنا دهش فما أغنيت شيئًا؟ وصاح فخرجت من البيت فأمكث غير بعيد ثم دخلت إليه فقلت: ما هذا الصوت يا أبا رافع؟
فقال: لأُمِكَ الويلُ إن رجلًا في البيت ضربني قبل بالسيف.
قال: فأضربه ضربةً أثخنته، ولم أقتله، ثم وضعت ضبة السيف في بطنه حتى أَخذ من ظهره فعرفت أني قتلته، فجعلت أفتح الأبواب بابًا بابًا حتى
[ ٤٤٢ ]
أولا: الله -﷿- للظالمين بالمرصاد
انتهيت إلى درجة له فوضعت رجلي وأنا أرى أني قد انتهيت إلى الأرض فوقعت في ليلة مقمرة، فانكسرت ساقي فعصبتها بعمامة ثم انطلقت حتى جلست على الباب فقلت: لا أخرج الليلة حتى أعلم أقتلته؟
فلما صاح الديك قام الناعي على السور، فقال: أنعي أبا رافع تاجر أهل الحجاز فانطلقت إلى أصحابي فقلتُ النجاء -أي أسرعوا- فقد قتل الله أبا رافع فانتهيت إلى النبي - ﷺ - فحدثته فقال لي: "ابسط رجلك" فبسطتُ رجلي فمسحها فكأنها لم أشتِكها قط" (١).
عباد الله! وهكذا تخلص رسول الله - ﷺ - والمسلمون من رؤوس الأفاعي من اليهود- لعنهم الله-، الذين تربوا على الغدر والخيانة ونقض العهود والمواثيق ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا (٤٩)﴾ فكل من كان على المسلمين وسعى في استئصالهم؛ هذا هو مصيره في الدنيا القتل والفضيحة، ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٨٥)﴾.
العنصر الثالث: الدروس والعظات والعبر التي تؤخد من غزوة بني قريظة.
أولًا: الله -﷿- للظالمين بالمرصاد، كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾ [إبراهيم: ٤٢]، وقال تعالى: ﴿مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ (٣٤)﴾.
وقال - ﷺ -: "إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ (١٠٢)﴾ ".
_________________
(١) رواه البخاري رقم (٤٠٣٩)
[ ٤٤٣ ]
عباد الله! ماذا فعل الله بالأحزاب عندما أرادوا ظلم المسلمين في المدينة؟
أرسلَ الله -﷿- عليهم ريحًا وجنودًا من عنده ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾.
ماذا فعل الله -﷿- بيهود بني قريظة عندما أرادوا أن يضربوا المسلمين من الخلف فخانوا وغدروا؟
أبادهم الله من فوق الأرض وأعطى أموالهم وأرضهم وديارهم للمسلمين، فاحذروا من الظلم يا عباد الله، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة.
واعلموا أن الله -﷿- يستجيب دعوة المظلوم إذا دعا على الظالم.
ثانيًا: المستقبل للإسلام.
قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٣٣)﴾ [التوبة: ٣٣].
الإِسلام دين الله في الأرض: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران:١٩].
والإِسلام هو الدين الذي ارتضاه الله للبشرية دينًا إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
قال تعالى ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣].
عباد الله! والله -﷿- يحفظ هذا الدين ويحفظ أهله؛ إن هم نصروا الله في أنفسهم.
قال تعالى: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠)﴾ [الحج: ٤٠]، وقال تعالى: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ (٤٧)﴾ [الروم:٤٧]، وقال
[ ٤٤٤ ]
﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (٥١)﴾ [غافر: ٥١]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ (١٠٥)﴾ [الأنبياء: ١٠٥].
وقال - ﷺ -: "ليبلغن هذا الأمر -أي هذا الدين- ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر؛ إلا أدخله الله هذا الدين، بعز عزيز أو بذل ذليل، عزًا يعز الله به الإِسلام، وذلًا يُذل به الكفر" (١).
وقال - ﷺ - "إن الله زوى لي الأرض، فرأيت مشارقها ومغاربها وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوى لي منها" (٢).
عباد الله! ما من أمة حاولت أن تعتدي على هذا الدين وعلى أهله إلا أبادهم الله -﷿- ودمرهم، فانظروا عباد الله، ماذا فعل الله -﷿- بالأحزاب عندما جاءوا من كل مكان للقضاء على الإِسلام وأهله؟
وانظروا عباد الله، ماذا فعل الله -﷿- بيهود بني قريظة؛ عندما أرادوا بغدرهم القضاء على الإِسلام وأهله؟
ثالثًا: فضائل سعد بن معاذ - ﵁ -
عباد الله! سعد بن معاذ - ﵁ - الذي دعا فاستجاب الله له، قال: "اللهم لا تمتني حتى تقر عيني مِنْ بني قريظة".
سعد بن معاذ - ﵁ - الذي حكم في بني قريظة بحكم الملك، من فوق سبع سموات، سعد بن معاذ - ﵁ - الذي اهتز عرش الرحمن لموته.
_________________
(١) "السلسلة الصحيحة" (٣).
(٢) "السلسلة الصحيحة" (٢).
[ ٤٤٥ ]
قال - ﷺ - "اهتز العرش لموت سعد بن معاذ" (١).
سعد بن معاذ - ﵁ - الذي حملت الملائكة جنازته.
عن أنس - ﵁ - قال: لما حملت جنازة سعد بن معاذ قال المنافقون: ما أخف جنازته.
فقال النبي - ﷺ -: "إن الملائكة كانت تحمله" (٢)
اللهم رد المسلمين إلى دينك ردًا جميلًا.
_________________
(١) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ٣٨٠٣)، ومسلم (رقم ٢٤٦٦).
(٢) "صحيح الترمذي" (٣٠٢٤).
[ ٤٤٦ ]