أيها الإخوة عباد الله! موعدنا في هذا اليوم -إن شاء الله تعالى- مع لقاء جديد من سيرة المصطفى - ﷺ -. وحديثنا في هذا اللقاء سيكون عن غزوة مؤتة.
عباد الله! غزوة مؤتة وقعت في السنة الثامنة للهجرة وكانت نصرًا وفتحًا للمسلمين؛ لأن الرسول - ﷺ - قال: "فأخذ الراية خالد ففتح الله عليه".
غزوة مؤتة رفعت من شأن المسلمين، وقذفت الرعب في قلوب الكافرين.
عباد الله! وحديثنا عن غزوة مؤتة سيكون حول العناصر التالية:
العنصر الأول: سبب هذه الغزوة.
العنصر الثاني: رسول الله - ﷺ - والجيش الإِسلامي في المدينة قبل التحرك إلى الشام.
العنصر الثالث: الجيش الإِسلامي في طريقه إلى أرض الشام.
العنصر الرابع: أحداث الغزوة.
العنصر الخامس: الفوائد والدروس والعظات والعبر التي تؤخذ من غزوة مؤتة.
العنصر الأول: سبب هذه الغزوة.
سبب هذه الغزوة أن رسول الله - ﷺ - بعث الحارث بن عمير الأزدي بكتابه إلى عظيم بصرى، فعرض له شرحبيل بن عمرو الغساني -أحد أمراء قيصر إلى
[ ٤٨٤ ]
أرض الشام- فأوثقه رباطًا، ثم قدمه فضرب عنقه. ولم يُقتل لرسول الله - ﷺ - رسول غيره، فاشتد ذلك على رسول الله - ﷺ - حين نُقلت إليه الأخبار لأن الرسل لا يُقتلون، فجهز لغزو الروم جيشًا قوامه ثلاثة آلاف مقاتل، وهو أكبر جيش إسلامي لم يجتمع قبل ذلك إلا في غزوة الأحزاب (١).
العنصر الثاني: رسول اللهﷺ - والجيش الإِسلامي في المدينة قبل التحرك إلى الشام.
عباد الله! أَمَّرَ رسول الله - ﷺ - على هذا الجيش الكبير زيد بن حارثة - ﵁ - وقال - ﷺ - للجيش: "إن قتل زيد فجعفر، وإن قتل جعفر فعبد الله بن رواحة" (٢).
ووصى رسول الله - ﷺ - الأمير في خاصة نفسه بتقوى الله، وبمن معه من المسلمين خيرًا، وكان - ﷺ - يفعل ذلك دائمًا إذا أرسل جيشًا في سبيل الله.
عن بريدة - ﵁ - قال: "كان رسول الله - ﷺ - إذا أَمَّرَ أميرًا على جيش أو سرية، أوصاه في خاصته بتقوى الله، وبمن معه من المسلمين خيرًا، ثم قال: اغزوا باسم الله في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله. اغزوا ولا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليدًا .. " الحديث (٣).
عباد الله! وودع المسلمون الجيش، وسلموا على الأمراء فبكى عبد الله بن رواحة﵁ - فقالوا له: ما يبكيك يا ابن رواحة؟
فقال: والله ما بي حب الدنيا ولا صبابة بكم، ولكني سمعت رسول الله
_________________
(١) "الرحيق المختوم" (ص ٣٦٩)، "زاد المعاد" (٣/ ٣٨١).
(٢) رواه البخاري (رقم ٤٢٦١).
(٣) رواه مسلم (رقم ١٧٣١).
[ ٤٨٥ ]
- ﷺ - يقرأ آية من كتاب الله يذكر فيها النار: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا (٧١)﴾ [مريم: ٧١]، فلست أدري كيف لي بالصدر بعد الورود؟
فقال المسلمون للجيش: صحبكم الله بالسلامة، ودفع عنكم، وردكم إلينا صالحين -أي: سالمين-.
فقال عبد الله بن رواحة يرد على هذا الوداع:
ولكنني أسألُ الرحمن مغفرةً وضربةً ذات فرغ (١) تقذف الزَّبدا
أو طعنةً بيدي حَرَّان مجهزة بحربةٍ تنفذ (٢) الأحشاء والكبدا
حتى يُقال إذا مرَّوا على جَدثي (٣) يا أرشد الله من غازٍ وقد رشدا (٤)
عباد الله! وودع النبي - ﷺ - جيش المسلمين.
وكان النبي - ﷺ - إذا أراد أن يستودع الجيش: قال "أستودع الله دينكم وأمانتكم وخواتيم أعمالكم" (٥).
العنصر الثالث: الجيش الإِسلامي في طريقه إلى أرض الشام:
عباد الله! تحرك الجيش الإِسلامي بقيادة زيد بن حارثة - ﵁ - قاصدين أرض الشام، فلما وصلوا إلى "معان" - وهي مدينة معروفة على الحدود
_________________
(١) أي ذات سعة.
(٢) أي تخترق.
(٣) أي قبري.
(٤) "زاد المعاد" (٣/ ٣٨٢).
(٥) "صحيح سنن أبي داود" (٢٢٦٦).
[ ٤٨٦ ]
الأردنية-، وصلتهم الأخبار أن الروم قد تجهزوا لهم بمئتي ألف مقاتل لقتالهم؛ مائة ألف من الروم، ومائة ألف أخرى من نصارى العرب.
عباد الله! وجيش المسلمين ثلاثة آلاف مقاتل فقط، وكأن النسبة واحد إلى سبعين. وبات الجيش الإِسلامي بمعان ليلتين يتشاورون في الأمر، أيتقدمون للهجوم على عدوهم على بركة الله، معتصمين بالله، واثقين به؟ أم يبعثون إلى رسول الله - ﷺ - من يخبره الخبر فيرى رأيه، فإما أن يمدهم بمدد من عنده، وإما أن يأمرهم بأمره فيمضوا له.
فقام عبد الله بن رواحة - ﵁ - خطيبًا في الجيش فقال: يا قوم: والله إن الذي تكرهون للتي خرجتم تطلبون: الشهادة، وإنا ما نقاتل الناس بعدد ولا قوة ولا كثرة، ما نقاتلهم إلا بهذا الدين الذي أكرمنا الله به، فانطلقوا، فإنما هي إحدى الحسنيين: إما ظفر -أي نصر- وإما شهادة.
فقال الناس: صدق والله ابن رواحه، ثم تشجعوا وتحركوا نحو العدو (١).
العنصر الرابع: أحداث الغزوة:
عباد الله! وصل جيش الإسلام إلى "مؤتة" وعسكروا هناك، وتعبأوا للقتال في ثلاثة آلاف مقاتل، ووصل جيش الروم بقوته في مئتي ألف مقاتل يقول أبو هريرة - ﵁وهو ممن أسلموا بعد صلح الحديبية، وكانت مؤتة أول غزوة يحضرها-: "شهدت مؤتة فلما دنا المشركون -أي الروم- رأيت ما لا قبل لأحد به، رأيت عددًا وعدة وسلاحًا وخيلًا، وديباجًا وحريرًا وذهبًا، فبرق بصري.
فقال لي ثابت بن أرقم: يا أبا هريرة كأنك ترى جُموعًا كثيرة؟
_________________
(١) "زاد المعاد" (٣/ ٣٨٢)، "مختصر سيرة ابن هشام" (ص ٢١٥).
[ ٤٨٧ ]
قال: إي والله.
فقال له ثابت: إنك لم تشهد معنا بدرًا، إنا لا نُنصر بالكثرة" (١).
وصدق ثابت - ﵁ - لأن الله قال في كتابه: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ [آل عمران: ١٢٣].
وقال تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٢٦)﴾ [الأنفال: ٢٦].
عباد الله! وهناك في "مؤتة" التقى الجمعان، وبدأ القتال المرير، ودخل ثلاثة آلاف مقاتل من المسلمين في مئتي ألف مقاتل من المشركين، معركة عجيبة تشاهدها الدنيا بالدهشة والحيرة، ولكن إذا هبت ريح الإيمان جاءت بالعجائب.
عباد الله! أخذ الراية زيد بن حارثة - ﵁ - حب رسول الله - ﷺ - وجعل يقاتل بضراوة وبسالة لا يوجد لها نظير إلا في أمثاله من أبطال الإِسلام، فلم يزل يقاتل حتى شاط في رماح القوم -أي: سال دمه- فقتل - ﵁ -.
ثم أخذ الراية جعفر بن أبي طالب - ﵁ - ابن عم النبي - ﷺ -، فقاتل على فرسه الشقراء حتى أرهقه القتال، فنزل عن فرسه فعقرها -أي: ضرب قوائمها بالسيف وهي قائمة- ورفع الراية بيده، والسيف في يده الأخرى وأخذ يقاتل القوم وهو يقول:
_________________
(١) "البداية والنهاية" (٤/ ٢٤٤) وعزاه للبيهقي.
[ ٤٨٨ ]
يا حبذا الجنة واقترابها طيبة وباردًا شرابها
والروم روم قد دنا عذابها كافرة بعيدة أنسابها
عليَّ إن لاقيتها ضِرابها
عباد الله، فما زال - ﵁ - يقاتل القوم حتى قطعت يمينه، فأخذ الراية بشماله فقطعت شماله، فاحتضن الراية بعضديه حتى قتل - ﵁ -، فعوضه الله عن يديه جناحين يطير بهما في الجنة حيث يشاء.
"ولذلك كان ابن عمر -﵄- إذا سلم على عبد الله بن جعفر بن أبي طالب يقول: السلام عليك يا ابن ذي الجناحين" (١).
ولذلك لقب جعفر بن أبي طالب بجعفر الطيار.
عباد الله، يقول ابن عمر -﵄- "وقفت على جعفر يومئذ، وهو قتيل فعددت به خمسين بين طعنة وضربة ليس منها شيء في دبره- يعني في ظهره" (٢).
وفي رواية أخرى: يقول - ﵁ - "كنت فيهم في تلك الغزوة فالتمسنا جعفر بن أبي طالب فوجدناه في القتلى، ووجدنا ما في جسده بضعًا وتسعين من طعنة ورميةٍ" (٣).
عباد الله، لما قتل جعفر بن أبي طالب أخذ الراية عبد الله بن رواحة الأمير الثالث المعين بأمر رسول الله - ﷺ - فرفعها، فوجد في نفسه ترددًا عن
_________________
(١) رواه البخاري (رقم ٣٧٠٩).
(٢) رواه البخاري (رقم ٤٢٦٠).
(٣) رواه البخاري (رقم ٤٢٦١).
[ ٤٨٩ ]
الاقتحام فأكرهها على النزول وقال:
أقسمتُ يا نفسُ لتنزلنّه إن أجلب الناسُ وشدُّوا الرنَّه
لتنزلنه أو لتكرهنّه مالي أراك تكرهين الجنة
وقال أيضًا:
يا نفسُ إلا تُقتلي تموتي! هذا حمام الموت قد صليت!
وما تمنيت فقد أُعطيت! إن تفعلي فعلهما هُديت!
ثم نزل، فأتاه ابن عم له بِعَرْقٍ من لحم فقال: شُدَّ بهذا صلبك فقد لقيت ما لقيت، فنهس منه نهسه، ثم سمع جلبًا -أي صوتًا- فقال: وأنت في الدنيا -يعني القتال دائر بين المسلمين والمشركين وأنت يا ابن رواحة في الدنيا- ثم رمى بقطعة اللحم، وأخذ سيفه، ودخل في صفوف المشركين فقاتل حتى قتل - ﵁ -.
عباد الله! تقدم ثابت بن أرقم - ﵁ - فرفع الراية وقال: يا قوم اصطلحوا على أميرٍ منكم، قالوا: أنت، قال: ما أنا بفاعل، لست لها، فاصطلح الناسُ على خالد بن الوليد - ﵁ - وكانت هذه الغزوة أول غزوة يشهدها خالد في صفوف المسلمين؛ لأنه أسلم بعد صلح الحديبية.
عباد الله! أخذ خالد - ﵁ - الراية وقاتل قتالًا مريرًا.
يقول خالدٌ - ﵁ -: "لقد انقطعت في يدي يوم مؤته تسعة أسياف فما بقي في يدي إلا صفيحة لي يمانية" (١)، ولذلك سماهُ رسول الله - ﷺ - يومها سيف الله،
_________________
(١) رواه البخاري (٤٢٦٦).
[ ٤٩٠ ]
قال - ﷺ -: "فأخذها سيف من سيوف الله ففتح الله له" (١).
عباد الله! ولما كان الليل أعاد خالد بن الوليد - ﵁ - تنظيم الجيش وغير فيه وبدل، فجعل الميمنة ميسرة، والميسرة ميمنة، والمقدَّمة ساقة، والساقة مقدمة، ووضع خطة للانسحاب بالجيش في صباح اليوم التالي في عزة وكرامة دون أن يُشعر العدو أنه منسحب، فلما طلع النهار وتراءى الجمعان رأى العدو أن الجيش قد تغير وتبدّل، فقذف الله الخوف في قلوب الكفار، فظنوا أن خالدًا قد أُمِدَّ بمددٍ من المدينة لأنَّ صورة الجيش قد تغيرت، وأخذ خالد يقاتل وهو يرجع إلى الوراء بالجيش قليلًا قليلًا قليلًا، فألقى الله الرعب أيضًا في قلوب الكفار، وظنوا أن خالدًا يريدُ استدراجهم ليبيدهم، فانسحبوا قبل المسلمين، وقتل المسلمون من المشركين كثيرًا، وأوقع جيش الإِسلام بالعدو خسائر كبيرة، وولَّي العدو مهزومًا واكتفى خالد بهذه النتيجة، وآثر الانصراف بمن معه.
وكانت النتيجة في غزوة مؤته لصالح المسلمين، وكانت نصرًا وفتحًا.
عباد الله! ومن أرض المعركة بمؤته إلى المدينة حيث قام رسول الله - ﷺ - يخبر المسلمين في المدينة بنتائج المعركة.
يقول أنس - ﵁ -: خطب النبيﷺ - فقال: أخذ الراية زيدٌ فأصيب -أي: قتل-، ثم أخذها جعفر فأصيب -أي: قتل- ثم أخذها عبد الله بن رواحة فأصيب -أي: قتل- ثم أخذها خالد بن الوليد مِن غير إمرة ففتح الله له وعيناه تذرفان (٢).
عباد الله! فلما جاءه من يخبره قال النبي - ﷺ -: تُخبرني أم أُخبرك؟
_________________
(١) رواه البخاري (٤٢٦٢).
(٢) رواه البخاري (رقم ٤٢٦٢).
[ ٤٩١ ]
قال: أخبرني أنت يا رسول الله؟ فأخبره بما كان، فقال الصحابيُّ: والله يا رسول الله ما نقصت مما دار حرفًا. قال تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ [النجم: ٣ - ٤] (١).
العنصر الخامس: الفوائد والدروس والعظات والعبر التي تؤخذ من غزوة مؤتة:
أولًا: المسلمون ينتصرون على أعدائهم في المعارك بالإِسلام العظيم الذي أكرمهم الله به، وهذا يؤخذ من قول عبد الله بن رواحة - ﵁ - عندما قال لأصحابه في غزوة مؤته: والله ما نقاتل القوم -أي العدو- بعدَّة ولا عدد ولا كثرة، والله ما نقاتلهم إلا بهذا الدين الذي أكرمنا الله به، فامضوا يا قوم على بركة الله، فهي والله إحدى الحسنيين: إما الظفر وإما الشهادة".
ويؤخذ أيضًا من قول ثابت - ﵁ - لأبي هريرة عندما قال له: "يا أبا هريرة كأنك ترى جموعًا كثيرة. قال أبو هريرة: أي والله، قال ثابت: إنك لم تشهد معنا بدرًا، إنا لا ننصر بالكثرة".
ففي بدرٍ نصر الله المسلمين وهم قلة قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ [آل عمران: ١٢٣].
ويوم حنين أُعجب المسلمون بكثرتهم فلم تُغنِ عنهم شيئًا.
قال تعالى: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ
_________________
(١) "زاد المعاد" (٣/ ٣٨٤).
[ ٤٩٢ ]
مُدْبِرِينَ (٢٥) ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (٢٦)﴾ [التوبة: ٢٥ - ٢٦].
فالنصر من عند الله تعالى؛ ولو كان المسلمون قلة إذا رجعوا إلى دينهم ونصروا الله في أنفسهم، قال تعالى: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (٢٤٩)﴾ [البقرة: ٢٤٩].
وقال تعالى: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٢٦].
وقال تعالى: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [آل عمران: ١٦٠].
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ (٧) وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ (٨)﴾ [محمد: ٧ - ٨].
وقالﷺ -: "إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد في سبيل الله سلط الله عليكم ذلًا، لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم" (١).
ثانيًا: رحمة النبيﷺ - بالمسلمين، ويؤخذ ذلك من حزنه وبكائه عندما نعى الأمراء الذين استشهدوا في غزوة مؤته، وعيناه تذرفان -أي تدمعان-.
عباد الله! وقد تكرر ذلك منهﷺ -، يوم أرسلت إليه إحدى بناته تقول له: إن ابني قد احتُضر فاشهدنا، فردّ مع رسولِها يقول: "إن لله ما أخذ، وله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجل مسمى، فمرها فلتصبر ولتحتسب".
فأرسلت إليه تُقسمُ عليه ليأتينها، فأتاها في نفرٍ من أصحابه، فرُفع إليه
_________________
(١) "السلسلة الصحيحة" (رقم ١١)، "صحيح الجامع" (٤١٦).
[ ٤٩٣ ]
الصبيّ ونفسه تقعقع، فذرفت عيناه - ﷺ - فقيل له: ما هذا يا رسول الله؟
فقال: "هذه رحمة، جعلها الله في قلوب من شاء من عباده، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء" (١).
ولما دخل - ﷺ - على ابنه إبراهيم وهو يجود بنفسه بكى أيضًا وقال: "إن العين لتدمع، وإن القلب ليحزن، وإنا لفراقك يا إبراهيم لمحزنون ولا نقول إلا ما يرضى ربنا" (٢)، كيف لا والله -﷿- يقول: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾.
وقال تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨].
عباد الله! وفي هذا دلالة على جواز البكاء والحزن على الميت من غير نياحة، ولا رفع للصوت لأن ذلك حرامٌ.
ثالثا: معجزات النبي - ﷺ - في غزوة مؤته.
المعجزة الأولى: أنه حين عيّن الأمراء أشار من طرفٍ خفىٍّ إلى استشهادهم حيث أمّر زيد بن حارثة ثم قال، فإن أصيب فجعفر، ثم قال: فإن أصيب جعفر فعبد الله بن رواحة.
المعجزة الثانية: أن الله أطلعه على كل ما دار في أرض المعركة بمؤته، وأراهُ ما كان فيها، فنعى الشهداء إلى أهليهم قبل أن يأتيه الخبر من أرض المعركة.
اللهم انصر الإِسلام وأعز المسلمين.
_________________
(١) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ١٢٨٤)، ومسلم (رقم ٩٢٣).
(٢) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ١٣٠٣)، ومسلم (رقم ٢٣١٥).
[ ٤٩٤ ]