أيها الإخوة عباد الله! موعدنا في هذا اليوم -إن شاء الله تعالى- مع اللقاء السابع والأربعين من سيرة محمَّد - ﷺ - سيدُ الأنبياء وإمام المتقين، وحديثنا في هذا اللقاء سيكون عن غزوة حنين.
عباد الله! غزوة حنين وقعت بعد فتح مكة في السنة الثامنة للهجرة وتعتبر من أكبر المعارك التي خاضها المسلمون في عصر السيرة ومن أكثرها خطورة.
عباد الله! وحديثنا عن غزوة حنين سيكون حول العناصر التالية:
العنصر الأول: جيش المشركين بقيادة مالك بن عوف سيد هوزان يستعد لمحاربة المسلمين.
العنصر الثاني: جيش المسلمين بقيادة رسول الله - ﷺ - يستعد في مكة للقضاء على بقايا الشرك والوثنية، وأحداث الطريق.
العنصر الثالث: أحداث الغزوة.
العنصر الرابع: حكمة رسول اللهﷺ - في تقسيم الغنائم.
العنصر الخامس: الدروس والعظات والعبر التي تؤخذ من غزوة حنين.
العنصر الأول: جيش المشركين بقيادة مالك بن عوف سيد هوزان يستعد لمحاربة المسلمين:
كان فتح مكة بمثابة الضربة القاضية للشرك والمشركين في مكة ومن حولها من قبائل العرب، ولما فتح الله مكة على رسوله والمؤمنين، وأعلى كلمته،
[ ٥١٠ ]
ونصر دينه، ودخل الناس في دين الله أفواجًا، وخضعت قريش لرسول الله - ﷺ -؛ خافت هوازن وثقيف -وهي من أشرس وأقوى القبائل العربية- وقالوا: قد فرغ محمَّد لقتالنا، فلنغزُه قبل أن يغزونا، وأجمعوا أمرهم على هذا، وولَّوا عليهم مالك بن عوف سيد هوازن.
عباد الله! وكان مالك بن عوفٍ شجاعًا مقدامًا، إلا أنه سقيمُ الرأي سيءُ المشورةِ، فلما اجتمعت قبائل العرب إليه، وجعلوا أمرهم بين يديه؛ أمرَ الناس أن يُخرجوا نساءهم وأبناءَهم وأموالهم معهم؛ ظنًّا منه أن هذه الأموال وتلك الأولاد؛ تحمل الرجال على الثبات عند اللقاء دفاعًا عنها.
عباد الله! ورفض هذا الرأي أعرابيٌ كبيرٌ مُحنّك، هو دُرَيدُ بنُ الصِّمة وقال له: إنك إن نُصرت لن ينفعك إلا رجلٌ بسفيه ورمحه، وإن كانت الأخرى فُضحت في نسائِك وأَموالك، فسفَّه مالك رأيه وأصرَّ على خُطتِه.
عباد الله! ووضع مالك بن عوفٍ قائد المشركين خطته لخوض المعركة ضد المسلمين على النحو التالي:
أولًا: حشر نساء المقاتلين وأطفالهم وأموالهم خلفهم، وقصد من وراء هذا التصرف؛ دفع المقاتلين إلى الاستبسال والثبات أمام أعدائهم لأن المقاتل -من وجهة نظره- إذا شعر أن أعزّ ما يملك وراءه في المعركة، صعُبَ عليه أن يلوذ بالفرار مخلفًا ما وراءه في ميدان المعركة.
ثانيًا: رتب قومه بشكل صفوفٍ؛ قدَّم الخيل ثم المقاتِلة ثم النساء ثم الغنم ثم الإبل.
ثالثًا: رفع الروح العنوية لدى جنوده؛ بأن وقف فيهم خطيبًا يحثهم على الثبات والاستبسال وأمرهم أن يُجردوا سيوفهم، وقال لهم: "إذا أنتم رأيتم القوم فاكِسروا جفون سيوفكم، وشدوا شدة رجل واحدٍ عليهم".
[ ٥١١ ]
رابعًا: وضع الكمائن لمباغتة جيش المسلمين والانقضاض عليهم، وقد كادت هذه الخطة أن تقضي على قوات المسلمين لولا لطف الله -﷾- وعنايته.
خامسًا: أمر جيشه بالمبادرة بالهجوم على المسلمين؛ لأن النصر في الغالب يكون للمهاجم، أما المدافع فغالبًا ما يكون في مركز الضعف.
ولهذا أتت هذه الخطةُ ثمارها بعض الوقت -أي: في بداية المعركة- ثم اختلت موازين القوى- بفضل الله تعالى- ثم بثبات رسول اللهﷺ - حيث كسب المسلمون الجولة، وانتصروا على أعدائهم.
العنصر الثاني: جيش المسلمين بقيادة رسول الله - ﷺ - يستعد في مكة للقضاء على بقايا الشرك والوثنية. وأحداث الطريق.
عباد الله! ولما وصلت الأخبار إلى رسول الله - ﷺ -، أن مالك بن عوفٍ -قائد المشركين- خرج بجيشٍ قوامُهُ عشرين ألفًا لقتال المسلمين بعد فتح مكة، قام رسول الله - ﷺ - بما يلي:
أولًا: أرسل أبا حدرد الأسلمي فقال له: اذهب فادخل في القوم حتى تعلم لنا مِن علمهم، فدخل فمكث فيهم يومًا أو يومين ثم أقبل فأخبره الخبر (١).
ثانيًا: جهز - ﷺ - جيشًا إسلاميًا قوامه اثني عشر ألفًا، يقول أنسٌ - ﵁ -: "لما كان يوم حنين أقبلت هوازان وغطفانُ بذراريهم ونعمهم، ومع النبي - ﷺ - يومئذٍ عشرةُ آلافٍ، ومعه الطلقاء- الذين أطلقهم النبي - ﷺ - بعد فتح
_________________
(١) "المستدرك" للحاكم (٣/ ٤٨، ١٤٩).
[ ٥١٢ ]
مكة وخلى سبيلهم- وهم ألفان" (١)،
ثالثًا: وزيادة في الاحتياط وأخذًا بالأسباب، أرسل رسول الله - ﷺ - إلى صفوان بن أمية -وهو لا يزال على شركه- يستعير منه أسلحة ودروعًا، فقال له: "أعطنا سلاحك هذا، نلقي به عدوَّنا غدًا -إن شاء الله-".
فقال صفوان: أغصبٌ يا محمَّد؟
قال - ﷺ -: "لا بل عارية مؤداةٌ" فأعاره ثلاثين درعًا وثلاثين بعيرًا (٢).
عباد الله! خرج رسول اللهﷺ - بجيش المسلمين من مكة، وفي الطريق عيون رسول الله - ﷺ - تتقدم الجيش لتأتي بأخبار العدو، وجاء رجلٌ إلى رسول الله - ﷺ - فقال: يا رسول الله إنِّي انطلقت بين أيديكم حتى طلعت جبل كذا وكذا، فإذا أنا بهوازن عن بكرة أبيهم بظعنهم ونعمهم ونسائهم، اجتمعوا إلى حنين، فتبسم رسول الله - ﷺ - وقال: "تِلك غنيمة المسلمين غدًا -إن شاء الله تعالى-" (٣) وهذه بُشرى.
وفي الطريق وجيش المسلمين يسير بهذا العدد الكبير؛ نظر المسلمون بعضهم إلى بعض والأرض قد امتلأت بهم، فقال بعضهم: لن نُغلبَ اليوم من قلةٍ، ولذلك عاتبهم الله في كتابه فقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ
_________________
(١) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ٤٣٣٧)، ومسلم (رقم ١٥٠٩ بعد ١٣٥).
(٢) "صحيح أبي داود" (٣٠٤٥).
(٣) "صحيح أبي داود" (٢١٨٣).
[ ٥١٣ ]
مُدْبِرِينَ (٢٥)﴾ [التوبة: ٢٥].
عباد الله! وفي الطريق وقعت مخالفة من الطلقاء -أي الذين دخلوا في الإِسلام حديثًا- تعالوا بنا لنستمع إلى أحدهم وهو يخبرنا الخبر.
يقول الحارث بن مالك: خرجنا مع رسول الله - ﷺ - إلى حنين ونحن حديثو عهدٍ بالجاهلية، قال: فسرنا معه إلى حنين وكانت كفار قريش ومن سواهم من العرب لهم شجرةٌ عظيمة خضراء يقال لها: ذات أنواط؛ يأتونها كل سنةٍ فيعلقون أسلحتهم عليها ويذبحون عندها، ويعكفون عليها يومًا.
قال: فرأينا ونحن نسيرُ مع رسول اللهﷺ - سدرة خضراء عظيمةُ.
قال: فتنادينا من جنبات الطريق: يا رسول الله! اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذاتُ أنواطٍ.
قال رسول اللهﷺ -: "الله أكبر، قلتم والذي نفسي بيده كما قال قوم موسى لموسى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (١٣٨)﴾ إنها السُنن لتركبن سَنَنَ من كان قبلكم (١).
عباد الله! معلوم أن هذا القول لم يصدر من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، وإنما كان من مُسلمة الفتح، الذين أسلموا قريبًا وصدق الله إذ يقول: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: ١٤].
فلا يستوي إيمانُ مسلمة الفتح وإيمان من سبقوهم من المهاجرين والأنصار؛ لأن مُسلمة الفتح لم ينهلوا بعدُ من المورد العذب، لم ينهلوا بعد
_________________
(١) "صحيح سنن الترمذي" (١٧٧١).
[ ٥١٤ ]
من الوحي، ولذلك لم يوبخهم رسول الله - ﷺ -؛ لأنَّ هذا جهلٌ لا يُكفِّرْ، ولذا لم يُكفرهم النبي - ﷺ - بقولهم.
العنصر الثالث: أحداث الغزوة
عباد الله! وصل الجيش الإِسلامي إلى وادي حنين، وكان مالك بن عوف -قائد جيش الشرك والوثنية حينئذ- قد سبقهم، فأدخل جيشه بالليل في ذلك الوادي، وصنع كمينًا للمسلمين في الطرق والمداخل والشعاب والمضايق، وأصدر أمره للجيش بأن يرشقوا المسلمين إذا طلعوا عليهم ثم يشدوا عليهم شدة رجل واحدٍ.
عباد الله! وبالسَّحرِ عبأ رسول اللهﷺ - جيشه، وعقد الألوية والرايات وفرقها على الناس، وفي عماية الصبح -أي ظلامه-، استقبل المسلمون وادي حنين وشرعوا ينحدرون فيه، وهم لا يدرون بوجود كمناء العدو في مضايق هذا الوادي.
فبينما هم ينحطون إذا هم تمطر عليهم النبال، وإذا كتائب العدو قد شدَّتْ عليهم شدَّة رجلٍ واحد، فانشمر المسلمون راجعين -أي انفضوا وانهزموا- لا يلوى أحدٌ على أحدٍ، وكانت هزيمة منكرة، وشمت الأعداءُ بهزيمة المسلمين، فقال بعضهم: لا تنتهي هزيمتهم دون البحر -يريد أن المسلمين هُزموا هزيمة لا قائمة لهم بعدها أبدًا-، وقال آخرُ: ألا بطل السحرُ اليوم، وقال ثالث: اليوم أدركُ ثأري من محمدٍ، اليوم أقتلُ محمدًا.
عباد الله! وانحاز النبي - ﷺ - ذات اليمين وأخذ ينادي: أين أيها الناس؟ هلموا إليَّ، أنا رسول الله، أنا محمَّد بن عبد الله فلا يردُ عليه أحدٌ، وركبت الإبل بعضها بعضًا وهي موليةٌ بأصحابها.
ولم يبق حول النبي - ﷺ - إلا عددٌ قليل من المهاجرين والأنصار، وأهل
[ ٥١٥ ]
بيته، ورسول الله - ﷺ - تركض بغلته قبل الكفار، ويقول:
أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب
يقول العباس: وأنا آخذٌ بلجام بغلة رسول الله - ﷺ -، أكفّها إرادة أن لا تسرع، وأمر النبيﷺ - العباس -وكان جهير الصوت- أن ينادي: يا معشر الأنصار يا معشر الأنصار، يا أصحاب بيعة الرضوان، فأجابوا لبيك لبيك، حتى إذا اجتمع إلى رسول الله - ﷺ - نفرٌ منهم، استقبلوا العدو واقتتلوا وتلاحقت كتائب المسلمين واحدة تلو الأخرى، وتجالد الفريقان مجالدة شديدة، ونظر النبيﷺ - إلى ساحة القتال، وقد احتدم القتالُ فقال: "الآن حَمِيَ الوطيسُ" وتوجه النبيﷺ - إلى ربه بالدعاء فقال - ﷺ -:
"اللهم نزل نصرك"، ثم أخذ رسول اللهﷺ - حصيات فرمى بهن وجوه الكفار ثم قال: "انهزموا ورب محمَّد" وقال: "شاهت الوجوه" فما خلق الله إنسانًا من الكفار إلا ملأ عينيه ترابًا من تلك القبضة- وولوا من أرض المعركة مدبرين، والمسلمون يحصدونهم حصدًا-
يقول العباس: فوالله ما هو إلا أن رماهم حتى رأيت حدَّهم كليلًا، وأمرَهم مدبرًا، وفي غزوة حنين نزل قول الله تعالى: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (٢٥) ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (٢٦)﴾ [التوبة: ٢٥ - ٢٦].
عباد الله! ولَّى المشركون الأدبار، واعتصموا بناحيةٍ يقالُ لها: (أوطاس) فأرسل النبي - ﷺ - في أعقابهم أبا عامر الأشعري فقاتلهم حتى قُتِلَ فأخذ
[ ٥١٦ ]
الراية منه ابنُ أخيه أبو موسى الأشعري فما زال يقاتل العدو حتى بدَّد شملهم وهُزموا شر هزيمةٍ.
ومالك بن عوف- قائد المشركين يومئذ- ومن معه من رجالات قومه قرروا أن يمضوا في الفرار حتى يصلوا إلى "الطائف"، فيتحصنوا بحصنها تاركين في هذا الفرار مغانم هائلة، فخلف العدو في أرض المعركة أربعة وعشرين ألفًا من الإبل، وأكثر من أربعين ألفًا من الغنم، وأربعة آلاف أوقية من الفضة، هذا إلى جانب ستة آلاف من السبي (١).
عباد الله! وكره رسول الله - ﷺ - أن يُقسم على الناس هذه الغنائم، وتأنى يبتغي أن يرجع القوم إليه تائبين، فيأخذوا ما فقدوا، ومكث ينتظرهم بضع عشرة ليلة فلم يجئه أحد، فجمع النبي - ﷺ - هذه الغنائم في (الجعرانة) وعين عليها حارسًا، ثم خرج - ﷺ - بنفسه حتى أتى حصن الطائف الذي تحصن به مالك بن عوف ومن معه، وحاصرهم النبي - ﷺ - وطال الحصار، فلما طال الحصار ولم ينزلوا، رجع رسول الله - ﷺ - ومن معه من المسلمين.
العنصر الرابع: حكمة رسول الله - ﷺ - في تقسيم الغنائم:
عباد الله! عاد رسول الله - ﷺ - من الطائف بجيش المسلمين إلى (الجعرانة) وفي (الجعرانة) كانت غنائم حنين الجليلة، وبدأ رسول الله - ﷺ - في تقسيم الغنائم بسياسة خفيت حكمتها على بعض الصحابة آنذاك، حيث حظي بهذه الغنائم الطلقاء والأعراب تاليفًا لقلوبهم لقرب عهدهم بالإِسلام، وعدم تمكن معاني الإيمان من قلوبهم.
_________________
(١) انظر "فقه السيرة" (ص ٤٢٥) الغزالي.
[ ٥١٧ ]
فأعطى مائة من الإبل لكل من عيينة بن حصن -من زعماء غطفان-، والأقرع بن حابس -من زعماء تميم-، والعباس بن مرداس، وسهيل بن عمرو، وحكيم بن حزام، وأبي سفيان بن حرب، وصفوان بن أمية -من زعماء قريش (١).
عباد الله! وشاع في الناس أن محمدًا - ﷺ - يُعطى عطاء من لا يخشى الفقر، فجاء الأعراب من كل مكان يسألونه، حتى اضطروه إلى مضيق وحبسوه عن المسير فتعلق رداؤه بشجرة فقالﷺ -: "أيها الناس أعطوني ردائي فوالله لو كان لي مثل هذه العضاة -أي: الوادي- نَعَما لقسمته فيكم، لا أحبس عنكم شيئًا، ثم لا تجدونني بخيلًا ولا كذوبًا ولا جبانًا" (٢).
عباد الله! وقد أثر عطاء رسول الله - ﷺ - في قلوب هؤلاء الزعماء وأتباعهم، فأظهروا الرضا بها وزادتهم رغبة في الإِسلام، ثم حَسُنَ إسلامهم جميعًا، فأبلوا في الإِسلام بلاءً حسنًا، وخدموه بأنفسهم وأموالهم إلا يسيرًا منهم.
قال أنس - ﵁ -: "إن كان الرجل ليُسلِمُ ما يريد إلا الدنيا، فما يُسلم حتى يكون الإِسلام أحب إليه من الدنيا وما عليها" (٣).
وقد عبر بعض المؤلفة قلوبهم عن أثر ذلك فقال صفوان بن أمية: "لقد أعطاني رسول الله - ﷺ - ما أعطاني وإنه لأبغض الناس إليَّ، فما برح يعطيني حتى إنه لأحب الناس إليَّ" (٤).
_________________
(١) رواه مسلم (رقم ١٠٦٠).
(٢) رواه البخاري (رقم ٢٨٢١).
(٣) رواه مسلم (رقم ٢٣١٢).
(٤) رواه مسلم (رقم ٢٣١٣).
[ ٥١٨ ]
عباد الله! وقد تأثر بعض المسلمين -في بداية الأمر- بهذا التقسيم لأنه لم يشملهم، فكان لابدَّ من بيان الحكمة لهم من ذلك.
فقال - ﷺ -: "والله إني لأعطي الرجل وأدعُ الرجل، والذي أدعُ أحبُ إليَّ من الذي أُعطي، ولكن أُعطي أقوامًا لِما أرى في قلوبهم من الجزع والهلع، وأكِلُ أقوامًا إلى ما جعل الله في قلوبهم من الغنى والخير" (١).
وقال - ﷺ -: "إني لأعطي رجالًا حُدثاء عهد بكفر أتألفهم" (٢).
وقال - ﷺ -: "إني لأعطي الرجل وغيره أحبُ إلي منه مخافة أن يكبه الله
في النار" (٣).
عباد الله! وقد بلغ رسول الله - ﷺ - أن الأنصار وجدوا في أنفسهم؛ لعدم أخذهم شيئًا من غنائم حنين، وأن بعض أحداثهم قالوا: "إذا كانت الشدة فنحن نُدعى، وتُعطى الغنائم غيرنا".
وقالوا: "يُعطي قريشًا ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم".
فأمر النبي - ﷺ - سعد بن عبادة أن يجمع له الأنصار، فجمعهم له في قبةٍ من أُدمٍ -أي: في خيمة من جلد- فخرج رسول الله - ﷺ -، فقام فيهم خطيبًا فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: يا معشر الأنصار! ألم آتكم ضلالًا فهداكم الله بي، وعالة فأغناكم الله بي، وأعداءً فألف الله بين قلوبكم بي".
قالوا: بلى!
_________________
(١) رواه البخاري (رقم ٩٢٣).
(٢) رواه البخاري.
(٣) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ٢٧، ١٤٧٨)، ومسلم (رقم ١٥٠).
[ ٥١٩ ]
قال - ﷺ -: ألا تجيبون يا معشر الأنصار؟
قالوا: وما نقول يا رسول الله وبماذا نجيبك؟ المنُّ لله ورسوله.
قال - ﷺ -: والله لو شئتم لقلتم فصدقتم وصُدقتم: جئتنا طريدًا فآويناك وعائلًا فآسيناك، وخائفًا فأمناك ومخذولًا فنصرناك ..
فقالوا: المنُّ لله ورسوله.
فقال - ﷺ -: أوجدتم في نفوسكم يا معشر الأنصار في لعاعة من الدنيا تألفتُ بها قومًا أسلموا، ووكلتكم إلى ما قسم الله لكم من الإِسلام!! أفلا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس إلى رحالهم بالشاة والبعير، وتذهبون برسول الله إلى رحالكم؟ فوالذي نفسي بيده، لو أن الناس سلكوا شعبًا، وسلكت الأنصار شِعبًا لسلكت شِعب الأنصار، ولولا الهجرة لكنت امرءًا من الأنصار، اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار، وأبناء أبناء الأنصار. فبكى القوم حتى أخضلوا لحاهم، وقالوا: رضينا بالله ربًا، ورسوله قسمًا، ثم انصرف .. وتفرقوا .. (١).
عباد الله! ولما فرغ النبي - ﷺ - من توزيع الغنائم وهو بالجعرانة، أراد أن يعتمر قبل أن يرجع؛ فأحرم بالعمرة من الجعرانة ليلًا، ووصل مكة فطاف وسعى ثم تحلل، وخرج منها ليلًا فبات بالجعرانة.
ثم عادﷺإلى المدينة وقد كان خرج منها في رمضان ودخلها في أواخر ذي القعدة.
عباد الله! وشتان بين هذا الدخول والدخول يوم الهجرة، لقد دخلها يوم الهجرة خائفًا يترقب، وقريش قد بعثت من يأتي به حيًا أو ميتًا.
_________________
(١) قال الشيخ الألباني: حديث صحيح "فقه السيرة" (ص ٣٩٦).
[ ٥٢٠ ]
أما اليوم فقد دخلها منصورًا نصرًا مؤزرًا، وصدقه الله وعده حيث قال له: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ [القصص: ٨٥]. قال ابن عباس -﵄-: لرادُّك ربك إلى مكة (١).
فصدق الله رسوله وعده وردَّه إلى مكة، وفتح له غيرها، ثم عاد - ﷺ - إلى المدينة.
العنصر الخامس: الدروس والعظات والعبر التي تؤخد من غزوة حنين:
أولًا: التوكل على الله تعالى لا ينافي الأخذ بالأسباب:
ويؤخذ هذا من فعل النبي - ﷺ - في غزواته، فكان يستعد للقاء العدو بالعددِ والعُدة.
وفي غزوة حنين استعار النبي - ﷺ - أسلحة من صفوان بن أمية، وخرج بجيش كبير.
فلا يجوز لرجلٍ أن يُقدم على عدو دون أن يُعِدَّ العدة ويقول: أنا متوكل على الله، فرسول الله - ﷺ - سيد المتوكلين، ولكنه أخذ بالأسباب. لقوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠].
فهؤلاء الذين يتسرعون لملاقاة الأعداء -قبل أن يستعدوا إيمانيًا وماديًا- يضيعون الوقت والجهود فلابد أن يعتبروا بفعل رسول الله - ﷺ -.
ثانيًا: الإعجاب بالكثرة يحجب نصر الله:
وهذا ما حدث في غزوة حنين فقال بعض المسلمين: "لن نُهزم اليوم من قلة"، فحجب هذا الإعجاب النصر في بداية المعركة.
_________________
(١) رواه البخاري (رقم ٤٧٧٣).
[ ٥٢١ ]
قال تعالى: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (٢٥)﴾ [التوبة: ٢٥].
عباد الله! بعد الأخذ بأسباب النصر، لابدَّ أن يعلم المسلمون أن النصر من عند الله، كما قال تعالى: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٢٦].
وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ [آل عمران: ١٢٣].
وقال تعالى: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ (٧)﴾ [محمد: ٧].
وقال تعالى: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [آل عمران: ١٦٠].
فالمسلمون لا ينتصرون على أعدائهم بالعدد والعُدة، إنما ينتصرون بهذا الدين العظيم؛ بالإِسلام. وهذا ما قاله عبد الله بن رواحة في غزوة مؤتة، قال: "يا معشر الناس! إن الذي تخافون منه هو الذي خرجتم له؛ الشهادة! والله ما نقاتِلهم بقوة ولا بكثرة، ما نقاتلهم إلا بهذا الدين الذي أكرمنا الله به".
ثالثًا: الدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل.
وهذا يؤخذ من دعائه - ﷺ - في غزوة حنين، عندما توجه إلى ربه وقال: "اللهم نزل نصرك"، فاستجاب الله له ونصره على أعدائه، ولذلك قال - ﷺ -: "الدعاء ينفع مما نزل، ومما لم ينزل فعليكم عباد الله بالدعاء" (١).
وقال - ﷺ -: "ما من مسلم يدعو الله بدعوة، ليس فيها إثم ولا قطيعة
_________________
(١) صحيح الجامع (٣٤٠٢).
[ ٥٢٢ ]
رحم، إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث: إما أن تعجل له دعوتهُ. وإما أن يدخرها له في الآخرة، وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها" (١).
والله -﷿- يقول: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾.
رابعًا: حلمهُ - ﷺ - على جفاء وغلظة الإعراب:
يقول ابن مسعود - ﵁ -: .. فلما كان يوم حنين آثر رسول الله - ﷺ - ناسًا في القسمة .. فقال رجل: والله إن هذه القسمة ما عُدِل فيها، وما أُريد فيها وجه الله.
قال: فقلت والله! لأخبرنَّ رسول الله - ﷺ -.
قال: فأتيته فأخبرته بما قال، قال ابن مسعود: فتغير وجهه - ﷺحتى كان كالصرف.
ثم قال: "فمن يعدل إن لم يعدل الله ورسوله".
ثم قال: "يرحم الله موسى أوذي بأكثر من هذا فصبر" (٢).
ويقول أنس - ﵁ -: كنت أمشي مع رسول الله - ﷺ - وعليه بُردٌ نجراني غليظ الحاشية، فأدركه أعرابيٌّ فجذبه جذبة شديدة، حتى نظرت إلى صفحة عاتق رسول الله - ﷺ -، قد أثرت به حاشية الرداء من شدة جذبته قال: مُر لي من مال الله الذي عندك! فالتفت إليهﷺ -، فضحك "ثم أمر له بعطاء" (٣).
والله إنها لأخلاق النبوة.
اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه.
_________________
(١) "صحيح الترمذي" (٣/ ١٤٠).
(٢) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ٣٤٠٥)، ومسلم (رقم ١٠٦٢).
(٣) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ٣١٤٩)، ومسلم (رقم ١٠٥٧).
[ ٥٢٣ ]