أيها الإخوة عباد الله! موعدنا في هذا اليوم -إن شاء الله تعالى- مع لقاء جديد من سيرة المصطفى - ﷺ -.
وحديثنا في هذا اللقاء سيكون عن أسلوب جديد من أساليب الصد عن دين الله ألا وهو أذية قريش لأصحاب رسول الله - ﷺ -.
عباد الله! رسولنا - ﷺ - في مكة يدعو الناس جهرًا إلى (لا إله إلا الله) وإلى عبادة الله، ويحذرهم من الشرك، وكفار مكة يعملون بالليل والنهار؛ ليصدوا الناس عن هذا الدين الجديد، فهم ينتقلون من أسلوب إلى أسلوب؛ لمنع الناس من الدخول في هذا الدين الجديد.
عباد الله! بيّنا في الجمعة الماضية كيف اعتدوا على رسول الله - ﷺ - ليصدوه عن دعوته الجديدة ولكنهم فشلوا في ذلك.
وها هم ينتقلون إلى أسلوب جديد ألا وهو الاعتداء على أصحاب رسول الله - ﷺ - ليصدوهم عن هذا الدين الجديد.
عباد الله! تعالوا بنا لنستمع إلى صور من الاعتداءات على أصحاب رسول الله - ﷺ - في مكة.
أولًا: عن عبد الله بن مسعود - ﵁ - قال: "كان أول من أظهر إسلامه سبعة: رسول الله - ﷺ -، وأبو بكر، وعمار، وأمه سمية، وصهيب، وبلال، والمقداد فأما رسول الله - ﷺ - فمنعه الله بعمه أبي طالب، وأما أبو بكر فمنعه الله بقومه، وأما سائرهم فأخذهم المشركون، وألبسوهم أدرع الحديد،
[ ١٠٧ ]
وصهروهم في الشمس، فما منهم من أحد إلا وقد واتاهم على ما أرادوا؛ إلا بلالًا؛ فإنه هانت عليه نفسه في الله تعالى، وهان على قومه، فأخذوه، فأعطوه الولدان، فجعلوا يطوفون به في شعاب (مكة) وهو يقول: أحد أحد" (١).
ثانيًا: عن جابر - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - مر بعمار وأهله وهم يعذبون، فقال: "أبشروا آل عمار وآل ياسر فإن موعدكم الجنة" (٢).
عباد الله! وفي عمار بن ياسر - ﵁ - ومن مثله أنزل الله -﷿-: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٦)﴾ [النحل: ١٠٦]، فهؤلاء كانوا معذورين بما حصل لهم من الإهانة والعذاب البليغ (٣).
ثالثًا: وعن عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن أبيه قال: جلسنا إلى المقداد بن الأسود يومًا، فمرّ به رجل، فقال: طوبى لهاتين العينين اللتين رأتا رسول الله - ﷺ -، والله، لوددنا أنا رأينا ما رأيت، وشهدنا ما شهدت، فاستغضب، فجعلت أعجب! ما قال إلا خيرًا! ثم أقبل إليه فقال: ما يحمل الرجل على أن يتمنى محضرًا غيبه الله عنه، لا يدري لو شهده كيف كان يكون فيه!؟ والله؟ لقد حضر رسول الله - ﷺ - أقوامٌ أكبهم الله على مناخرهم في جهنم، لم يجيبوه ولم يصدقوه، أولا تحمدون الله إذ أخرجكم لا تعرفون إلا ربكم، مصدِّقين لما جاء به نبيكم، قد كفيتم البلاء بغيركم؟! والله؟ لقد بعث الله
_________________
(١) "صحيح السيرة النبوية" الألباني (ص ١٥٤).
(٢) "صحيح السيرة النبوية" الألباني (ص ١٥٤).
(٣) صحيح السيرة النبوية" الألباني (ص ١٥٥).
[ ١٠٨ ]
النبي - ﷺ - على أشد حال بُعث عليها فيه نبي من الأنبياء في فترة وجاهلية؛ ما يرون أن دينًا أفضل من عبادة الأوثان، فجاء بفرقان فرق به بين الحق والباطل، وفرق بين الوالد وولده، حتى أن الرجل ليرى والده وولده أو أخاه كافرًا، وقد فتح الله قفل قلبه للإيمان- يعلم أنه إن هلك دخل النار، فلا تقر عينه وهو يعلم أن حبيبه في النار، وأنها للَّتي قال الله -﷿- ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا (٧٤)﴾ [الفرقان: ٧٤] (١).
الشاهد من كلام المقداد، أنه طلب من الرجل أن يحمد الله -﷿-، فإنه كان في أول الإِسلام من الناس من رأى رسول الله - ﷺ - وشهده، ومع ذلك لم يتبع رسول الله - ﷺ -، ولم يجبه وأكبهم الله على مناخرهم في النار، ومن الناس من تعرض للبلاء بسبب إيمانه فيقول لهم (احمدوا الله) بأنكم لم تتعرضوا للبلاء الذي تعرضنا له في أول الإِسلام.
رابعًا: وعن قيس بن أبي حازم - ﵀- قال: "سمعت سعيد بن زيد في مسجد الكوفة يقول: "والله لقد رأيتني وإن عمر لموثقي على الإِسلام قبل أن يسلم عمر" (٢).
وقوله (وإن عمر لموثقي على الإِسلام): أي: إن عمر - ﵁ - ربطه بسبب إسلامه، إهانة له، وإلزامًا بالرجوع عن الإِسلام، وكان ذلك قبل إسلام عمر.
شدة .. عذاب .. ابتلاء لا يعلمه إلا الله.
_________________
(١) "صحيح السيرة النبوية" الألباني (ص١٤٠).
(٢) رواه البخاري (رقم ٣٨٦٢).
[ ١٠٩ ]
خامسًا: وعن خباب بن الأرت - ﵁ - قال: "كنت قينًا (١) بـ (مكة)، فعملت للعاصي بن وائل سيفًا، فجئت أتقاضاه فقال: لا والله؛ لا أقضيك حتى تكفر بمحمد! فقلت: لا والله؛ لا أكفر بمحمد حتى تموت ثم تبعث قال: فإني إذا مت ثم بعثت؛ جئني ولي ثم مال وولد فاعطيك، فأنزل الله: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا (٧٧) أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا (٧٨) كَلَّا سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا (٧٩) وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا (٨٠)﴾ [مريم: ٧٧ - ٨٠] (٢).
سادسًا: وعن أبي ليلى الكندي قال: جاء خباب إلى عمر فقال: "ادن، فما أحد أحق بهذا الجلس منك إلا عمار. فجعل خباب يريه آثارًا بظهره مما عذبه المشركون" (٣).
سابعًا: وعن خباب بن الأرت - ﵁ - قال: شكونا إلى رسول الله - ﷺ - وهو متوسد بردةً في ظل الكعبة وقد لقينا من المشركين شدة فقلنا: ألا تستنصر لنا، ألا تدعو لنا؟ فقال: "قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض فيُجعل فيها، ثم يؤتى بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه، ما يصده ذلك عن دينه، والله ليُتمن الله هذا الأمر، حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت، لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون" (٤).
عباد الله! في هذا الحديث دروس وعظات وعبر منها:
_________________
(١) القين: هو الحداد والصائغ (نهاية).
(٢) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ٢٩٠١)، ومسلم (رقم ٢٧٩٥).
(٣) "صحيح السيرة النبوية" الألباني (ص ١٥٧).
(٤) رواه البخاري (رقم ٦٩٤٣).
[ ١١٠ ]
أولًا: الابتلاء سنة من سنن الله في هذا الكون ليميز الله الخبيث من الطيب، وليمحص الله الذين آمنوا، ويمحق الكافرين. قال تعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت: ٢ - ٣]، وقال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ (٢١٤)﴾ [البقرة: ٢١٤]، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (٩) إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (١٠) هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا (١١)﴾ [الأحزاب: ٩ - ١١]، وقال تعالى: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا﴾ [آل عمران: ١٨٦].
عباد الله! ومن فوائد الابتلاء تمحيص المؤمنين ومحق الكافرين ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ (٤٢)﴾ [الأنفال: ٤٢].
ولذلك قال تعالى للمؤمنين الصادقين: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣٩) إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (١٤٠) وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ (١٤١) أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ
[ ١١١ ]
الصَّابِرِينَ (١٤٢)﴾ [آل عمران: ١٣٩ - ١٤٢].
عباد الله! من أجل ذلك ربى النبي - ﷺ - أصحابه وأمته على الصبر على البلاء، فقال لخباب بن الأرت - ﵁ -: "قد كان من كان قبلكم يؤخذ الرجل، فيحفر له في الأرض فيجعل فيها، ثم يؤتى بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين، ويمشي بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه، ما يصده ذلك عن دينه".
تربية على الصبر على النبلاء.
وكان - ﷺ - يمر على أصحابه وهم يعذبون فيقول لهم: "صبرًا آل ياسر فإن موعدكم الجنة" (١).
الصبر وعدم الاستعجال هو طريق النصر.
ولذلك بعد أن ربى النبي - ﷺ - أصحابه على الصبر على البلاء؛ بأن ضرب لهم مثلًا بالمسلمين الأولين من الأمم السابقة، وما نالهم من التعذيب؛ ليكونوا أسوة لهم، وبعد أن بشرهم بأن النصر والتمكين والعاقبة لهم، حذر النبي - ﷺ - أصحابه من الاستعجال "لأن من استعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه".
ولذلك قال النبي - ﷺ - لخباب بن الأرت: "ولكنكم تستعجلون".
وقال - ﷺ - لابن عباس -﵄-: "واعلم أن النصر مع الصبر" (٢).
_________________
(١) صحيح، انظر تعليق الشيخ الألباني على "فقه السيرة" (ص ١٠٧).
(٢) هو قطعة من حديث: "احفظ الله يحفظك" انظر "رياض الصالحين" (رقم ٦٣) بتحقيق الشيخ الألباني - ﵀ -.
[ ١١٢ ]
عباد الله! وبالصبر وعدم الاستعجال أمر الله رسوله - ﷺ - كما أمر الأنبياء من قبله.
قال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ﴾ [الأحقاف: ٣٥]، قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا (٨٣) فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا (٨٤)﴾ [مريم: ٨٣ - ٨٤]، وقال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ (٧٧)﴾ [غافر: ٧٧].
عباد الله! الصبر وعدم الاستعجال هو الطريق إلى النصر والتمكين في الأرض، أما الطرق العوجاء التي ابتدعها دعاة الاستعجال، فهي لا تسمن ولا تغني من جوع وهي لا تزيد المسلمين إلا ضعفًا.
س: هل يجوز للمسلم أن يطلب البلاء ويحرص عليه ويسعى إليه؟
كثير من الشباب يظنون أنهم إذا صعدوا المنابر، وإذا وقفوا في الأسواق أمام الناس، وسبوا على الحكام وعلى أولياء الأمور، وأخذوا ووضعوا في السجون، يظنون أنهم بذلك قد خدموا الدين، ودل ذلك على كمال إيمانهم.
الجواب: لا، لا يجوز للإنسان أبدًا أن يسعى إلى البلاء، وأن يتعرض للبلاء؛ لأنه لا يدري إذا نزل به البلاء أيثبت على دينه أم لا؛ لأن النبي - ﷺ - نهى عن ذلك.
لقي النبي - ﷺ - العدو في بعض أيامه فانتظر حتى إذا مالت الشمس قام فخطب في أصحابه فقال: "أيها الناس، لا تتمنوا لقاء العدو وسلوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا" (١).
_________________
(١) متفق عليه، أخرجه البخاري (رقم ٢٩٦٦)، ومسلم (رقم ١٧٤٢).
[ ١١٣ ]
وعن أبي بكر - ﵁ - أنه قام يومًا على المنبر ثم بكى ثم قال: قام رسول الله - ﷺ - عام أول على هذا المنبر ثم قال: "سلوا الله العفو والعافية، فما أُعطي أحدٌ عطاءً بعد اليقين خيرًا من العافية" (١).
وعن عبد الله بن عمر - ﵁ - قال: لم يكن رسول الله - ﷺ - يصبح ولا يمسي إلا ويدعو بهذه الكلمات: اللهم إني أسألك العفو والعافية في ديني ودنياي، وأهلي ومالي، اللهم استر عوراتي وآمن روعاتي، واحفظني من بين يدي ومن خلفي، وعن يميني وعن شمالي ومن فوقي، اللهم إني أعوذ بعظمتك أن أغتال من تحتي" (٢).
فيا معشر الشباب! هوِّنوا على أنفسكم، ليس الاضطهاد والتعذيب شرطًا لصحة الإيمان، ولا شرطًا لكماله حتى تنشدوه وتسعوا إليه، ويقوم قائمكم بين ظهراني الناس فيسبُّ الحاكم أو يشتمه، أو يحرض الناس عليه، ويدعو الناس للخروج عليه حتى يؤخذ ويودع في السجون، ويعذب يظن أنه قد عمل شيئًا أرضى الله، لا والله، قد نُهيت عن ذلك، وما يدريك إذا تعرضت للبلاء أتصبر أم لا؟ ما يدريك إذا تعرضت للبلاء فوقع عليك أن تفتن عن دينك وترجع عن الإِسلام بعد أن هُديت إليه. أما علمت أن الله تعالى قال: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ (١٠) وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ (١١)﴾ [العنكبوت: ١٠ - ١١].
والرسول - ﷺ - قال: "لا ينبغي للمؤمن أن يذل نفسه"، قالوا: وكيف يذل
_________________
(١) "صحيح سنن الترمذي" (٣٥٥٨).
(٢) "صحيح سنن أبي داود" (٤٢٣٩).
[ ١١٤ ]
نفسه يا رسول الله؟ قال: "يتعرض لما لا يطيق من البلاء" (١).
ثانيًا: ومن الدروس والعظات والعبر التي تؤخذ من هذا الحديث العظيم - النصر للمؤمنين، والعاقبة للمتقين، والمستقبل لهذا الدين.
رسولنا - ﷺ - في مكة يدعو الناس إلى عبادة الله، ويحذرهم من الشرك، والصحابة الكرام - ﵃ - يعانون أشد ألوان الأذى، والرسول - ﷺ - يمر على أصحابه، وهم يعذبون بأيدي الكفار فيأمرهم بالصبر ويبشرهم بالجنة ويخبرهم أن النصر لهم وأن العاقبة لهم وأن المستقبل لهذا الدين.
١. قال النبي - ﷺ - لخباب - ﵁ -: "والله ليتمنّ الله هذا الأمر، حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت، لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه".
ويبشرهم - ﷺ - وهم في هذه اللحظة يعذبون فيقول لهم: "إنكم ستفتحون مصر والشام والعراق واليمن" بل بشرهم أنكم ستفتحون الدنيا من مشرقها إلى مغربها، وقد صحت الأحاديث عن رسول الله - ﷺ - وتحقق ما وعد به وما زال يتحقق حتى تقوم الساعة.
٢. وقال - ﷺ -: "إن الله زوى لي الأرض، فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوى لي منها" (٢).
٣. وقال - ﷺ -: "ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين، بعز عزيز أو بذل ذليل، عزًا يعز الله به الإِسلام، وذلًا يذل به الكفر" (٣).
_________________
(١) "صحيح سنن الترمذي" (٢٢٥٤).
(٢) رواه مسلم (رقم ٢٨٨٩).
(٣) صحيح، انظر "تحذير الساجد" الألباني (ص ١١٩).
[ ١١٥ ]
وقال - ﷺ -: "تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكًا عاضًا فتكون ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكًا جبريًا فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة ثم سكت" (١).
والله -﷿- بشر المؤمنين الصادقين، أن العاقبة لهم، وأن النصر لهم، وأن المستقبل للإسلام.
قال تعالى: ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (٨٣)﴾ [القصص: ٨٣]، وقال تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (٥١)﴾ [غافر: ٥١]، وقال تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾ [المجادلة: ٢١]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ (١٧٣)﴾ [الصافات: ١٧١ - ١٧٣]، وقال تعالى: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (٤٥)﴾ [القمر: ٤٥]، وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (٢٨)﴾ [الفتح: ٢٨].
وقال - ﷺ -: "بشر هذه الأمة بالسناء والدين والرفعة والنصر والتمكين في الأرض" (٢).
فيا عباد الله! الصبر الصبر؛ وإياكم والاستعجال، فإنه يدمر، وإياكم ودعاة الاستعجال.
اللهم أرنا الحق حقًا وارزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه.
_________________
(١) "السلسلة الصحيحة" (٥).
(٢) "صحيح الجامع" (٢٨٢٢).
[ ١١٦ ]
أيها الإخوة عباد الله! موعدنا في هذا اليوم -إن شاء الله تعالى- مع لقاء جديد من سيرة المصطفى - ﷺ -، وحديثنا في هذا اللقاء سيكون عن أسلوب جديد من أساليب الصد عن دين الله؛ ألا وهو:
المفاوضات وطلب المعجزات.
عباد الله! رسولنا - ﷺ - في مكة يدعو الناس سرًا وجهرًا، ليلًا ونهارًا إلى (لا إله إلا الله) وإلى عبادة الله، ويحذرهم من الشرك بالله ومن عبادة الأوثان، وكفار مكة يتنقلون من أسلوب إلى أسلوب ليصدوا الناس عن هذا الدين الجديد، ويصدوا رسول الله - ﷺ - عن دعوته الجديدة، ومع ذلك الناس يدخلون في دين الله ويتبعون رسول الله - ﷺ -.
عباد الله! وبعد أن فشل كفار مكة في صد الناس عن دين الله بأساليب الاضطهاد والتعذيب، انتقلوا إلى أسلوب جديد ألا وهو أسلوب الترغيب والترهيب والمفاوضات وطلب المعجزات.
أولًا: أرسلوا رسلهم إلى رسول الله - ﷺ - ليتفاهموا معه، لعلهم أن يصلوا معه ولو إلى ما يسمى في لغة العصر بأنصاف الحلول. فهذا في ظنهم خيرٌ لهم من استمراره - ﷺ - في الدعوة إلى الدين الجديد.
عباد الله! أرسل كفار مكة عتبة بن ربيعة ليعرض على رسول الله - ﷺ - ما قد رآه حلًا للمشكلة، فقال: يا ابن أخي، إنك منا حيث قد علمت من المكان في النسب، وقد أتيت قومك بأمر عظيم، فرقت به جماعتهم فاسمع مني أعرض عليك أمورًا لعلك تقبل بعضها:
[ ١١٧ ]
إن كنت إنما تريد بهذا الأمر مالًا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالًا - مساكين أهل الدنيا، ظنوا أن الدعوة تباع بالمال والمنصب، والذي يترك دعوته من أجل منصب ومال داعية فاشل راسب-، وإن كنت تريد شرفًا سوّدناك علينا فلا نقطع أمرًا دونك، وإن كنت تريد ملكًا ملكناك علينا، وإن كان الذي يأتيك رئيًا تراه لا تستطيع رده عن نفسك -أي مسًا من الجن- طلبنا لك الطب، وبذلنا فيه أموالنا حتى تبرأ، فقال رسول الله - ﷺ -: "فرغت"؟ قال: نعم.
قال: "فاسمع مني" ثم استفتح رسول الله - ﷺ - سورة فصلت: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ حم (١) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٢) كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣) بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (٤) وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ (٥) قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (٦) الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (٧)﴾ [فصلت: ١ - ٧].
حتى وصل إلى قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ (١٣)﴾ [فصلت: ١٣]، أمسك عتبة على فيه، وناشده الرحم أن يكف عنه، ولم يخرج إلى أهله واحتبس عنهم.
فقال أبو جهل: والله يا معشر قريش! ما نرى عتبة إلا صبا إلى محمَّد، وأعجبه كلامه، وما ذاك إلا من حاجة أصابته، انطلقوا بنا إليه، فأتوه، فقال أبو جهل: والله يا عتبة! ما جئنا إلا أنك صبوت إلى محمَّد وأعجبك أمره، فإن كان بك حاجة؛ جمعنا لك من أموالنا ما يغنيك عن محمَّد فغضب،
[ ١١٨ ]
وأقسم بالله لا يكلم محمدًا أبدًا، وقال: لقد علمتم أني أكثر من قريش مالًا، ولكني أتيته -وقص عليهم القصة- فأجابني بشيء والله! ما هو بسحر ولا بشعر ولا كهانة- قرأ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ حم (١) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٢)﴾ حتى بلغ: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ (١٣)﴾، فأمسكت بفيه، وناشدته الرحم أن يكف، وقد علمتم أن محمدًا إذا قال شيئًا لم يكذب، فخفت أن ينزل عليكم العذاب" (١).
عباد الله! ظن كفار مكة أن الأنبياء طلاب دنيا، يريدون بدعوتهم الدنيا الفانية، ولذلك تقدموا إلى رسول الله - ﷺ - بهذه المحاولة، وهي إغراؤه بالمال، والملك والرئاسة، والسيادة، ولكنهم فشلوا في ذلك لأن النبي - ﷺ - لم يجبهم إلى طلبهم.
ثانيًا: انتقل كفار مكة إلى محاولة ثانية ألا وهي ما يسمى بلغة العصر "تقارب الأديان"
قال ابن عباس -﵄-: "إن قريشًا وعدوا رسول الله - ﷺ - أن يعطوه مالًا فيكون أغنى رجل بمكة، ويزوجوه ما أراد من النساء، ويطئوا عقبه (أي: يسوده) فقالوا له: هذا لك عندنا يا محمَّد! وكف عن شتم آلهتنا، فلا تذكرها بسوء، فإن لم تفعل فإنا نعرض عليك خصلة واحدة، فهي لك ولنا فيها صلاح، قال: "وما هي؟ " قالوا: تعبد آلهتنا سنة: اللات والعزى، ونعبد إلهك سنة! فقال - ﷺ -: "حتى أنظر ما يأتي من عند ربي"، فجاء الوحي
_________________
(١) انظر "فقه السيرة" للغزالي (ص ١٠٧)، "صحيح السيرة النبوية" الألباني (ص ١٥٩ - ١٦٢).
[ ١١٩ ]
من اللوح المحفوظ: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (٢) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٣) وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (٤) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٥) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (٦)﴾ [الكافرون: ١ - ٦].
وأنزل الله -﷿-: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ (٦٤) وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥) بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٦)﴾ [الزمر: ٦٤ - ٦٦] (١).
ففشلت المحاولة الثانية.
عباد الله! فكرة التقارب بين الأديان ليست بدعة عصرية، وإنما هي قديمة أول من دعى إليها كفار مكة؛ عندما قالوا لرسول الله - ﷺ -: نعرض عليك خصلة واحدة، فهي لك ولنا فيها صلاح قال: "وما هي؟ " قالوا: تعبد آلهتنا سنة، ونعبد إلهك سنة، الله أكبر، ما هذا الضلال؟ كيف يلتقي من يقول (لا إله إلا الله) مع من يعبد كل يوم إلهًا؟! كيف يلتقي التوحيد والشرك؟ كيف يلتقي الإيمان والكفر؟ كيف يلتقي الهدى والضلال؟!
- فنحن نقول لأصحاب هذه الفكرة.
قال تعالى لرسوله - ﷺ -: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ (٦٤)﴾ فالذي يقول بتقارب الأديان؛ جاهل لا يعرف رأسه من رجليه؛ ولا يعرف السماء من الأرض، ولا يعرف الليل من النهار.
ثالثًا: فشل كفار مكة في المحاولة الثانية فانتقلوا إلى المحاولة الثالثة، وهي
_________________
(١) صحيح، انظر "صحيح السيرة النبوية" الألباني (٢٠٥ - ٢٠٦).
[ ١٢٠ ]
أقرب ما يكون بالنفاق والحيلة والخديعة والمكر، فأخذوا يطلبون من النبي - ﷺ - أن يأتيهم بآية -أي معجزة- تشهد بصدقه، وأظهروا له أنهم على أتم استعداد أن يتبعوه ويؤمنوا به؛ إذا اقتنعوا أنه رسول الله حقًا، وهم أرادوا من وراء ذلك تعجيز الرسول - ﷺ -، قال تعالى: ﴿بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ (٥) مَا آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ (٦)﴾ [الأنبياء: ٥ - ٦].
وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥١)﴾ [العنكبوت: ٥٠ - ٥١]، وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (٩٠) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا (٩١) أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا (٩٢) أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ﴾.
فأمر الله رسوله أن يقول لهم: ﴿سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا (٩٣)﴾. [الإسراء: ٩٠ - ٩٣].
وبين لنا ربنا -جل وعلا- أنهم يطلبون الآيات ولو نزلت عليهم لا يؤمنون فقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٩٧)﴾ [يونس: ٩٦ - ٩٧]، وقال تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ
[ ١٢١ ]
اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠٩) وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١١٠) وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ (١١١)﴾ [الأنعام: ١٠٩ - ١١١].
وأكبر دليل على ذلك أنهم طلبوا من رسول الله - ﷺ - أن يريهم آية على نبوته، لم يفعلوا ذلك لكي يؤمنوا؛ وإنما فعلوا ذلك خديعة وحيلة ومكرًا واستكبارًا.
قال أنس - ﵁ -: سأل أهل مكة رسول الله - ﷺ - آيةً فأراهم انشقاق القمر فنزلت: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١) وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ (٢)﴾ [القمر: ١ - ٢] (١).
وعن جبير بن مطعم - ﵁ - قال: انشق القمر على عهد رسول الله - ﷺ - فصار فرقتين: فرقة على هذا الجبل، وفرقة على هذا الجبل فقالوا: سحرنا محمَّد" (٢).
وعن ابن مسعود - ﵁ - قال: انشق القمر على عهد رسول الله - ﷺ - فقال لنا النبي - ﷺ -: "اشهدوا" (٣).
ومع ذلك يطلبون من رسول الله - ﷺ - الآيات إعجازًا منهم لرسول الله - ﷺ -.
عن ابن عباس -﵄- قال: قالت قريش للنبي - ﷺ -: ادع لنا ربك يصبح لنا الصفا ذهبًا ونؤمن بك، قال: "وتفعلوا؟ " قالوا: نعم، قال:
_________________
(١) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ١٤٨٦٧) ومسلم (رقم ٢٨٠٢).
(٢) "صحيح الترمذي" (٢٦٢٢).
(٣) "صحيح سنن الترمذي" (٢٦٢١).
[ ١٢٢ ]
فدعا، فأتاه جبريل فقال: إن ربك يقرأ عليك السلام ويقول لك: إن شئت أصبح الصفا لهم ذهبًا، فمن كفر منهم بعد ذلك أعذبه عذابًا لا أعذبه أحدًا من العالمين، وإن شئت فتحت لهم باب الرحمة والتوبة قال: "بل باب التوبة والرحمة" (١).
قال ابن عباس -﵄-: "فأنزل الله -﷿- هذه الآية: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً﴾ (٢).
عباد الله! وكيف يُرجى الخير ممن قالوا: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣٢)﴾ [الأنفال: ٣٢].
ولم يقولوا: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فاهدنا إليه" (٣).
رابعًا: فشل كفار مكة في المحاولة الثالثة فانتقلوا إلى محاولة رابعةٍ ليصدوا رسول الله - ﷺ - عن دعوته الجديدة، ألا وهي ذهابهم إلى عمه أبي طالب، الذي كان يحوطه وينصره ويؤيده ويمنعه، يُلحِّون عليه أن يتخلى عن ابن أخيه، فأتوه فقالوا: إن ابن أخيك هذا قد آذانا في نادينا ومسجدنا فانهه عنا.
فقال: يا عقيل! انطلق فأتني بمحمد.
فانطلق عقيل بن أبي طالب فأتى بالنبي - ﷺ - في الظهيرة في شدة الحر فلما
_________________
(١) "صحيح السيرة النبوية" الألباني (ص ١٥٣).
(٢) "مسند الإِمام أحمد" (٢٣٣٣).
(٣) "نور اليقين" (ص ٧١).
[ ١٢٣ ]
أتاهم، قال له عمه: يا ابن أخي! إن بني عمك هؤلاء زعموا أنك تؤذيهم في ناديهم ومسجدهم، فانته عن أذاهم. فَحَلّقَ رسولُ الله - ﷺ - ببصره إلى السماء، فقال: "ترون هذه الشمس؟ " قالوا: نعم، قال: "فما أنا بأقدر أن أدع ذلك منكم على أن تشتعلوا منها بشعلة".
- والمعنى ما أقدر أن أترك دين الله الذي أمرني بتبليغه كما أنكم لا تقدرون أن تأتوا من الشمس بشعلة تشتعلون بها-
"فقال أبو طالب: والله! ما كذب ابن أخي قط، فارجعوا" (١).
عباد الله! وهكذا أيد الله سبحانه نبيه بعمه على مخالفته لدينه، ولذا قال - ﷺ -: "إن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر" (٢). فأيد الله -﵎- رسوله - ﷺ - بأبي طالب مع أنه مات على الكفر.
عباد الله! أما الدروس والعظات والعبر التي تؤخذ مما سمعنا فهي:
أولًا: الداعي إلى الله لا يترك دعوته أبدًا في مقابل عرض من أعراض الدنيا، فما من نبي جاء لقومه إلا قال لهم: ﴿يَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ ﴿وَيَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا﴾.
ورسولنا - ﷺ - عندما عرض عليه كفار مكة المال والجاه والسلطان لم يناقشهم فيها، فهي أسقط وأذل من أن تناقش، ولكنه عرض عليهم أن يؤمنوا بالله وحده فتلى عليهم القرآن.
وهذا سليمان ﵇ بعث بكتابه إلى بلقيس ملكة سبأ يدعوها
_________________
(١) "صحيح السيرة النبوية" الألباني (ص ١٤٤).
(٢) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ٣٠٦٢)، ومسلم (رقم ١١١).
[ ١٢٤ ]
وقومها إلى الإسلام، ﴿قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ (٢٩) إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣٠) أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (٣١) قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ (٣٢) قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ (٣٣)﴾ [النمل: ٢٩ - ٣٣].
فما كان من بلقيس إلا أن تختبر ذلك الملك بهدية تبعثها إليه من جميع أصناف المال، فإن كان هذا الملك يريد الدنيا فسيقبل الهدية ويكف عنهم، وإن لم يقبلها فمعناه أنه صادق في دعوته، ولهم المبادرة إلى إجابته والدخول في ملته.
﴿قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ (٣٤) وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ (٣٥) فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ (٣٦) ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ (٣٧)﴾ [النمل: ٣٤ - ٣٧].
فكانت النتيجة أن أسلمت بلقيس وقومها مع سليمان لله رب العالمين: ﴿قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٤)﴾ [النمل: ٤٤].
فاحذروا معشر الدعاة أن تفتنوا بالمناصب والمال؛ فتتركوا الدعوة إلى الله، أو تنافقوا فتخطبون خطبة تريدون بها رضا الناس، فمن أرضى الناس بسخط الله، سخط الله عليه وأسخط عليه الناس، ومن أرضى الله بسخط الناس ﵁ وأرضى عنه الناس.
[ ١٢٥ ]
ثانيًا: المساومات والمفاوضات وأنصاف الحلول لا تقبل أبدًا في أخطر
قضية، ألا وهي قضية التوحيد، ولذلك عندما طلب الكفار من رسول الله - ﷺ - أن يعبد آلهتهم سنة ويعبدوا إلهه سنة، أنزل الله -﷿-: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ (٦٤)﴾ وقال تعالى: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (٦)﴾ فلا يجوز لإنسان أبدًا أن يداهن في قضية التوحيد.
ثالثًا: أن يعلم الجميع أن أعداء الإِسلام يخططون بالليل والنهار بكل الأساليب، بأساليب التعذيب والترهيب، وبأساليب الإغراء والمفاوضات، وبأنصاف الحلول كل ذلك ليصدوا الناس عن دين الله.
ولكن كما قال رب العزة: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (٨) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٩)﴾ [الصف: ٨ - ٩].
اللهم رد المسلمين إلى دينك ردًا جميلًا.
[ ١٢٦ ]