أيها الإخوة عباد الله! موعدنا في هذا اليوم -إن شاء الله تعالى- مع لقاء جديد من سيرة المصطفى - ﷺ -، وحديثنا في اللقاء سيكون عن أسلوب جديد من أساليب الصد عن دين الله، ألا وهو مجادلة قريش للنبي - ﷺ -.
عباد الله! رسولنا - ﷺ - في مكة يدعو الناس سرًا وجهرًا، وليلًا ونهارًا إلى عبادة الله، ويحذرهم من الشرك، ومن عبادة الأصنام.
وكفار مكة ينتقلون من أسلوب إلى أسلوب؛ ليصدوا الناس عن هذا الدين العظيم، ويصدوا رسول الله - ﷺ - عن دعوته، وفي الجمعة الماضية تبين لنا أن كفار مكة استخدموا أسلوب المفاوضات، وأنصاف الحلول، وطلب المعجزات، ولكنهم فشلوا في هذا الأسلوب، فالناس يدخلون في الدين، ويتبعون رسول الله - ﷺ -، فانتقل كفار مكة إلى أسلوب جديد، ألا وهو أسلوب الجدال والمراء لدحض الحق، وصد الناس عن دين الله، والله -﷿- يخبرنا عن ذلك في كتابه، أن الذين يجادلون في آيات الله ويجادلون بالباطل هم الكفار.
فقال تعالى: ﴿مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَادِ (٤)﴾ [غافر: ٤].
وبين لنا ربنا -جل وعلا- أن جدالهم هذا بالباطل ليدحضوا به الحق.
فقال تعالى: ﴿وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ (٥)﴾ [غافر: ٥] وقال تعالى: ﴿وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ
[ ١٢٧ ]
وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنْذِرُوا هُزُوًا (٥٦)﴾ [الكهف: ٥٦] وأخبرنا ربنا -جل وعلا- أن الذين يدفعونهم إلى هذا الجدال بالباطل هم شياطين الإنس والجن.
قال تعالى: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ﴾ [الأنعام: ١٢١]، وقال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ (٣)﴾ [الحج: ٣].
وقد وصف ربنا -جل وعلا- لنا هؤلاء أنهم يجادلون بغير علم، ولا هدى، ولا كتاب منير، وأن الدافع لذلك هو الكبر في قلوبهم، فقال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ (٨)﴾ [الحج: ٨]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (٥٦)﴾ [غافر: ٥٦].
عباد الله! ومن الأمور التي جادل فيها المشركون رسول الله - ﷺ -.
أولًا: البعث بعد الموت
عندما دعا رسول الله - ﷺ - الناس في مكة إلى الإيمان بالبعث بعد الموت، أنكر المشركون ذلك، وجادلوا في عقيدة البعث فأكثروا فيها الجدل، قال تعالى عنهم: ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ (٣)﴾ [ق: ٣]. وقال تعالى: ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (٨٢)﴾ [المؤمنون: ٨٢].
ولم يتوقف كفار مكة على استبعاد البعث بعد الموت بل أقسموا باللهِ لا يبعث الله من يموت، فقال تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ﴾ [النحل: ٣٨]، فأقسم الله لهم بنفسه على أن البعث بعد الموت حق وكائن، فقال تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ﴾ [مريم: ٦٨].
[ ١٢٨ ]
بل وأمر ربنا -جل وعلا- رسوله - ﷺ - في ثلاث مواضع من القرآن أن يقسم لهم بالله على أن البعث بعد الموت كائن، فقال تعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٧)﴾ [التغابن: ٧]، وقال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ [سبأ:٣]، وقال تعالى: ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (٥٣)﴾ [يونس: ٥٣].
عباد الله! ومع ذلك جاء أبيّ بن خلف إلى رسول الله - ﷺ - بعظم بالٍ قد أرمَّ فقال: يا محمَّد! أنت تزعم أن الله يبعث هذا بعد ما أرم؟! ثم فته بيده، ثم نفخه في الريح نحو رسول الله - ﷺ -، فقال - ﷺ -: "نعم؛ أنا أقول ذلك؛ يبعثه الله وإياك بعد ما تكونان هكذا، ثم يدخلك النار".
وأنزل الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٧٧) وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (٧٩) الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ (٨٠) أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (٨١) إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢) فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٣)﴾ [يس: ٧٧ - ٨٣] (١).
ثانيا: الآلهة التي تعبد من دون الله:
قال ابن إسحاق: "وجلس رسول الله (ﷺ) -فيما بلغنا- يومًا مع الوليد
_________________
(١) "صحيح السيرة النبوية" الألباني (ص٢٠١).
[ ١٢٩ ]
بن المغيرة، فجاء النضر بن الحارث حتى جلس معهم، وفي المجلس غير واحدٍ من رجال قريش، فتكلم رسول الله - ﷺ -، فعرض له النضر، فكلمه رسول الله - ﷺ - حتى أفحمه، ثم تلا عليه وعليهم: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (٩٨) لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ (٩٩) لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ (١٠٠)﴾ [الأنبياء: ٩٨ - ١٠٠]، ثم قام رسول الله - ﷺ -، وأقبل عبد الله بن الزبعري السهمي حتى جلس. فقال الوليد بن المغيرة له: والله، ما قام النضر بن الحارث لابن عبد المطلب آنفًا وما قعد، وقد زعم محمَّد أنا وما نعبد من آلهتنا هذه حصب جهنم! فقال عبد الله بن الزبعري -أما- والله لو وجدته لخصمته، فسلوا محمدًا: أكل من يعبد من دون الله حصب جهنم مع من عبده؟ فنحن نعبد الملائكة، واليهود تعبد عزيرًا، والنصارى تعبد عيسى، فعجب الوليد ومن كان معه في المجلس من قول ابن الزبعري، ورأوا أنه قد احتج وخاصم، فذكر ذلك لرسول الله - ﷺ - .. فأنزل تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (١٠١) لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ (١٠٢)﴾ [الأنبياء: ١٠١ - ١٠٢]؛ أي: عيسى ابن مريم، وعزيرًا، ومن عبد من الأحبار والرهبان الذين مضوا على طاعة الله تعالى، ونزل فيما يذكرون أنهم يعبدون الملائكة وأنها بنات الله: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (٢٦) لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (٢٧) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ (٢٨) وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (٢٩)﴾ [الأنبياء: ٢٦ - ٢٩].
[ ١٣٠ ]
ونزل في إعجاب المشركين بقول ابن الزبعري: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ (٥٧) وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ (٥٨)﴾ [الزخرف: ٥٧ - ٥٨] (١).
عباد الله! وهذا الجدل الذي سلكوه باطل، وهم يعلمون ذلك؛ لأنهم قوم عرب ومن لغتهم أن (ما) لما لا يعقل، فقوله: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (٩٨)﴾: إنما أريد بذلك ما كانوا يعبدونه من الأحجار التي كانت صور أصنام، ولا يتناول ذلك الملائكة الذين زعموا أنهم يعبدونهم في هذه الصور، ولا المسيح، ولا عزيرًا، ولا أحدًا من الصالحين؛ لأن الآية لا تتناولهم لا لفظًا ولا معنى، فهم يعلمون أن ما ضربوه بعيسى ابن مريم من المثل جدل باطل، كما قال تعالى: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ (٥٨)﴾ ثم قال: ﴿إِنْ هُوَ﴾؛ أي: عيسى ﴿إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ﴾؛ أي: بنبوتنا ﴿وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ (٥٩)﴾؛ أي: دليلًا على تمام قدرتنا على ما نشاء، حيثما خلقناه من أنثى بلا ذكر، وقد خلقنا حواء من ذكر بلا أنثى، وخلقنا آدم لا من هذا، ولا من هذا، وخلقنا سائر بني آدم من ذكر وأنثى؛ كما قال في الآية الأخرى: ﴿وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ﴾ [مريم: ٢١]؛ أي: أمارة ودليلًا على قدرتنا الباهرة ﴿وَرَحْمَةً مِنَّا﴾ نرحم بها من نشاء (٢).
عباد الله! وقال ابن عباس - ﵁ -، قال رسول الله - ﷺ - لقريش: "يا معشر
_________________
(١) "صحيح السيرة النبوية" الألباني (١٩٧ - ١٩٨).
(٢) "صحيح السيرة النبوية" الألباني (ص ١٩٨ - ١٩٩).
[ ١٣١ ]
قريش، إنه ليس أحد يعبد من دون الله فيه خير، وقد علمت قريش أن النصارى تعبد عيسى ابن مريم، وما يقول محمَّد فقالوا: يا محمَّد ألست تزعم أن عيسى كان نبيًا وعبدًا من عباد الله! صالحًا فلئن كنت صادقًا فإن آلهتهم لكما تقولوا، فأنزل الله -﷿-: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ (٥٧)﴾ [الزخرف: ٥٧] (١).
عباد الله! "وهذا القياس الفاسد من قريش، من تشبيه الأنبياء المكرمين بالأصنام المعبودة غير العاقلة اقتضى الرد عليه، فقال الله تعالى مبينًا عبودية عيسى لله: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ﴾، وإنه لم يدع إلى عبادة نفسه، بل دعا إلى عبادة الله وحده: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ﴾، وسمى القرآن احتجاج قريش بالجدل: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا﴾ وهو المراء الباطل حيث كانوا عربًا فصحاء لا يخفى عليهم أن الآية ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (٩٨)﴾ هي خطاب لقريش، وهم يعبدون أصنامًا لا تعقل، وليست خطابًا للنصارى، فلا يرد اعتراضهم على الآية أصلًا -هي لما لا يعقل- بدعوى استحلالها للمسيح ﵇" (٢).
ثالثا: الروح:
عباد الله! ومن المجادلات التي أثارها المشركون مع رسول الله - ﷺ - سؤالهم عن الروح.
_________________
(١) إسناده حسن، انظر "مسند الإِمام أحمد" رقم (٢٩٧ - ط المؤسسة)، وانظر "السيرة النبوية الصحيحة" أكرم ضياء العمري (١/ ١٣١).
(٢) انظر "السيرة النبوية الصحيحة" أكرم ضياء العمري (١/ ١٦٤).
[ ١٣٢ ]
عن ابن عباس قال: قالت قريش لليهود، أعطونا شيئًا نسأل عنه هذا الرجل، فقالوا: سلوه عن الروح، فسألوه. فنزلت: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (٨٥)﴾ [الإسراء: ٨٥]. قالوا: نحن لم نؤت من العلم إلا قليلًا، وقد أوتينا التوراة ومن أوتي التوراة فقد أوتي خيرًا كثيرًا!! قال: فأنزل الله -﷿-: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا (١٠٩)﴾ [الكهف: ١٠٩] (١).
رابعا: القدر
عباد الله! ومن المجادلات التي أثارها المشركون مع رسول الله - ﷺ - القدر، وهو إثبات ما قدرة الله وقضاه، وسبق به علمه، وكتبه على عباده فكل ما يقع لهم إنما هو مقدر في الأزل معلوم لله مرادٌ له، فنزلت الآية: ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ (٤٨) إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩)﴾ [القمر: ٤٨ - ٤٩] (٢).
عباد الله! والإيمان بالقضاء والقدر ركن من أركان الإيمان" كما قال - ﷺ -: "الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله وتؤمن بالقدر خيره وشره".
وقد جاءت الأدلة في الكتاب والسنة تخبر أن الله -﷿- قدّر كلَّ شيء في كتاب قبل خلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، قال تعالى:
_________________
(١) إسناده صحيح، "مسند أحمد" رقم (١٢٣٠٩ - ط المؤسسة)، وانظر "السيرة النبوية الصحيحة" أكرم ضياء العمري (١/ ١٦٤).
(٢) صحيح مسلم (رقم ٢٦٥٦).
[ ١٣٣ ]
﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٢٢)﴾ [الحديد: ٢٢]. وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٧٠)﴾ [الحج: ٧٠].
وقال - ﷺ -: "كتب الله تعالى مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة وعرشه على الماء" (١).
خامسا: القرآن الكريم
عباد الله! ومن الأمور التي جادل فيها المشركون رسول الله - ﷺ -، القرآن الكريم، فقالوا عن القرآن: ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٥)﴾.
قال تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٢٥)﴾ [الأنعام: ٢٥]، وقالوا: إنما يعلمه بشر، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (١٠٣)﴾ [النحل: ١٠٣]. وقال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا (٤) وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٥)﴾ [الفرقان: ٤ - ٥]، وطلبوا من رسول الله - ﷺ - أن يغير هذا القرآن أو يبدله.
_________________
(١) "صحيح الجامع" (٤٣٥٠).
[ ١٣٤ ]
قال تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥) قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٦) فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ (١٧)﴾ [يونس: ١٥ - ١٧].
عباد الله! وقد أخبر الله -﷿- ونبه عن خطورة هذا العمل، فقال تعالى: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا (٧٣) وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا (٧٤) إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا (٧٥)﴾ [الإسراء: ٧٣ - ٧٥]، فلما فشلوا في مجادلتهم قالوا: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ (٢٦)﴾ [فصلت: ٢٦].
سادسا: نزول القرآن منجمًا على رسول الله - ﷺ -
عباد الله! ومن الأمور التي جادل فيها المشركون رسول الله - ﷺ -؛ نزول القرآن منجمًا على رسول الله - ﷺ -، عن ابن عباس -﵄- قال: قال المشركون: لو كان محمَّد كما يزعم نبيًا فَلِمَ يعذبه ربه؟ ألا ينزل عليه القرآن جملة واحدة، ينزل عليه الآية والآيتين والسورة والسورتين، فأنزل الله على نبيه جواب ما قالوا، قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا (٣٢)﴾
[ ١٣٥ ]
[الفرقان: ٣٢] (١).
سابعا: مجالسة المستضعفين والفقراء من المؤمنين.
عباد الله! ومن الأمور التي جادل فيها المشركون رسول الله - ﷺ -؟ جلوسهم مع الفقراء من المسلمين، في مجلس واحد، عن خباب - ﵁ - قال: جاء الأقرع بن حابس التميمي وعيينة بن حصن الفزاري، فوجدوا رسول الله - ﷺ - مع صهيب وبلال وعمار وخباب قاعدًا في ناسٍ من الضعفاء من المؤمنين، فلما رأوهم حول النبي - ﷺ - حقروهم، فأتوه فخلوا به، وقالوا: إنا نريد أن تجعل لنا مجلسًا تعرف لنا به العرب فضلنا؛ فإن وفود العرب تأتيك، فنستحي أن ترانا العرب مع هذه الأعبد! فإذا نحن جئناك فأقمهم عنك، فإذا نحن فرغنا فاقعد معهم إن شئت. قال: "نعم".
قالوا: فاكتب لنا عليك كتابًا.
قال: فدعا بصحيفة، ودعا عليًا ليكتب -ونحن قعود في ناحية- فنزل جبرائيل ﵇ فقال: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ (٥٢)﴾ [الأنعام: ٥٢].
ثم ذكر الأقرع بن حابس وعيينة بن حصن فقال: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ (٥٣)﴾ [الأنعام: ٥٣]. ثم قال: ﴿وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا
_________________
(١) انظر "فتح القدير" الشوكاني (٤/ ٧٥)، و"السيرة النبوية الصحيحة" أكرم ضياء العمري (١/ ١٦٦).
[ ١٣٦ ]
فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: ٥٤]، فألقى رسول الله - ﷺ - الصحيفة من يده ثم دعانا، قال: فدنونا منه حتى وضعنا ركبنا على ركبته، وهو يقول: "سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة"، وكان رسول الله - ﷺ - يجلس معنا، فإذا أراد أن يقوم قام وتركنا، فأنزل الله: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ﴾: ولا تجالس الأشراف ﴿تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا﴾ يعني: عيينة والأقرع ﴿وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ قال: هلاكًا؛ قال: أمر عيينة والأقرع، ثم ضرب لهم مثل الرجلين ومثل الحياة الدنيا.
قال خباب: فكنا نقعد مع النبي - ﷺ -، فإذا بلغنا الساعة التي يقوم فيها؛ قمنا وتركناه حتى يقوم" (١).
عباد الله! مجادلة بالباطل من كفار مكة، ومع ذلك فشلوا في هذه الأساليب جميعها لصد رسول الله - ﷺ - عن دعوته الجديدة.
اللهم رد المسلمين إلى دينك ردًا جميلًا.
_________________
(١) "صحيح السيرة النبوية" الألباني (ص ٢٢٢ - ٢٢٤).
[ ١٣٧ ]