أيها الإخوة عباد الله! موعدنا في هذا اليوم -إن شاء الله تعالى- مع لقاء جديد من سيرة المصطفى - ﷺ -، وحديثنا في هذا اللقاء سيكون عن الإخاء بين المهاجرين والأنصار
عباد الله! في الجمعة الماضية تبين لنا أن رسول الله - ﷺ - عندما وصل إلى المدينة بدأ أولًا ببناء المسجد؛ لأن في المسجد يقف المسلمون خمس مرات في اليوم والليلة بين يدي ربهم، وفي المسجد يتعلم المسلمون دينهم، وفي المسجد يتعود المسلمون على النظام في كل حياتهم، وفي المسجد يتدرب المسلمون على السمع والطاعة لأولي أمرهم.
عباد الله! ولما وصل النبي - ﷺ - المسلمين بربهم من خلال عبادتهم في المسجد، وصل بين المسلمين بعضهم ببعض فآخى بين المهاجرين والأنصار.
عباد الله! وحديثنا عن الإخاء بين المهاجرين والأنصار سيكون حول العناصر التالية:
العنصر الأول: المهاجرون والأنصار في الكتاب والسنة.
العنصر الثاني: الإخاء بين المهاجرين والأنصار.
العنصر الثالث: حقوق الأخوة في الله.
العنصر الرابع: الأمراض التي تفتك وتفسد الأخوة في الله.
العنصر الأول: المهاجرون والأنصار في الكتاب والسنة.
المهاجرون هم الذين هاجروا من مكة إلى المدينة، طاعة ومحبة لله ولرسوله - ﷺ - ونصرة لدين الله كما وصفهم ربهم في كتابه.
[ ٢٦٢ ]
فقال تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (٨)﴾ [الحشر: ٨].
نعم والله صادقون في إيمانهم، صادقون في هجرتهم، صادقون في محبتهم لله ولرسوله - ﷺ -.
أما الأنصار هم أهل المدينة الذين استقبلوا إخوانهم المهاجرين وضربوا مثلًا أعلى في الإيثار، كما وصفهم ربهم -﵎- في كتابه فقال: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩)﴾ [الحشر: ٩].
ومن الأمثلة على الإيثار عند الأنصار
يقول أبوهريرة - ﵁ -: أتى رجل رسول الله - ﷺ - فقال: يا رسول الله! أصابني الجهْد، فأرسل إلى نسائه فلم يجد عندهن شيئًا، فقال رسول اللهﷺ -: ألا رجل يضيفه هذه الليلة يرحمه الله!؟ فقام رجل من الأنصار فقال: أنا يا رسول الله. فذهب إلى أهله فقال لامرأته: ضيف رسول الله - ﷺ - لا تدخري به شيئًا.
قالت: والله ما عندي إلا قوت الصبية!
قال: فإذا أراد الصبية العشاء فنوميهم وتعالي فأطفئي السراج ونطوي بطوننا الليلة، ففعلت.
ثم غدا الرجل على رسول الله - ﷺ - فقال: لقد عجب الله -﷿- أو ضحك من فلان وفلانة، فأنزل الله -﷿-: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ
[ ٢٦٣ ]
وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ (١).
ولذلك أثنى رسول الله - ﷺ - على الأنصار وتمنى أن يكون منهم فقال - ﷺ -: "لو أن الأنصار سلكوا واديًا أو شعبًا لسلكت في وادي الأنصار، ولولا الهجرة لكنت امرأً من الأنصار".
فقال أبو هريرة: ما ظلم بأبي وأمي! آووه ونصروه (٢).
وجعل النبي - ﷺ - حبهم علامة الإيمان، وبغضهم أمارة النفاق، فقال - ﷺ -: "الأنصار لا يحبهم إلا مؤمن، ولا يبغضهم إلا منافق، فمن أحبهم أحبه الله، ومن أبغضهم أبغضه الله" (٣).
فالويل الويل للروافض الشيعة الذين يبغضون صحابة رسول الله - ﷺ -، والنبي - ﷺ - يقول: "آية الإيمان حب الأنصار، وآية النفاق بغض الأنصار" (٤).
وقال - ﷺ -: "استوصوا بالأنصار خيرًا" (٥).
عباد الله! ها هم أصحاب رسول الله - ﷺ - من المهاجرين والأنصار، من سلك سبيلهم سعد في الدنيا والآخرة، ومن ترك سبيلهم شقي في الدنيا والآخرة، قال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا
_________________
(١) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ٤٨٨٩)، ومسلم (رقم ٢٠٥٤).
(٢) أخرجه البخاري (رقم ٣٧٧٩).
(٣) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ٣٧٨٣)، ومسلم (رقم ٧٥).
(٤) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ٣٧٨٤)، ومسلم (رقم ٧٤).
(٥) "ترتيب صحيح الجامع" (٢/ ١٥٨).
[ ٢٦٤ ]
الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠)﴾ [التوبة: ١٠٠]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ [النساء: ١١٥].
وقال - ﷺ -: "وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة". قيل وما هي يا رسول الله؟ قال: "التي تكون على ما أنا عليه اليوم وأصحابي" (١).
عباد الله! وها هم صحابة رسول الله - ﷺ - من المهاجرين والأنصار كما وصفهم الله في كتابه فقال: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح:٢٩].
العنصر الثاني: الإخاء بين المهاجرين والأنصار.
عباد الله! عندما وصل النبي - ﷺ - المدينة وبنى المسجد؛ آَخى بين المهاجرين والأنصار أخوةً تجعل المهاجري أولى بمال أخيه الأنصاري في الميراث من أهله وأقاربه والعكس، فضرب الأنصار المثل الأعلى في الوفاء بحق الأخوة وحسن الاستقبال وكرم الضيافة.
عن عبد الرحمن بن عوف - ﵁ - قال: لما قدمنا المدينة آخى رسول الله - ﷺ - بيني وبين سعد بن الربيع، فقال سعد بن الربيع: إني أكثر الأنصار مالًا، فأقسم لك نصف مالي، وانظر أي زوجتي هويت نزلت لك عنها، فإذا حلت تزوجتها، فقال له عبد الرحمن: لا حاجة لي في شيء من ذلك، هل من سوق فيه تجارة؟
_________________
(١) مضى تخريجه.
[ ٢٦٥ ]
قال: سوق قينقاع.
فغدا إليه عبد الرحمن فأتى بأقط وسمن ثم تابع الغدو، فما لبث أن جاء وعليه أثر صفرة، فقال له النبيﷺ -: "تزوجت"؟
قال: نعم. قال: "مَنْ؟ " قال: امرأةً من الأنصار قال: "وكم سقت؟ " قال: زنة نواةٍ من ذهب فقال له النبيﷺ -: "أولم ولو بشاة" (١).
عباد الله! عقد الأنصار عقد الإخاء بكل تسامح وإيثار، وهم أصحاب الأموال وأهل الديار، وعقد المهاجرون عقد الإخاء بكل عفة وزهد واستغناء، شاكرين لإخوانهم الأنصار حسن استقبالهم، وكرم ضيافتهم، وإن تعجب فاعجب من سعد بن الربيع وهو يعرض على أخيه عبد الرحمن بن عوف نصف ماله، ويزداد عجبك حين تسمع سعد بن الربيع وهو يقول لأخيه عبد الرحمن بن عوف: عندي زوجتان انظر إليهما فأيتهما أعجبتك فسمِّها لي؛ فأطلقها فإذا انقضت عدتها تزوجتها الله أكبر! الله أكبر ما هذا الذي نسمعه؟
لا تعجب فإن الإيمان إذا تمكن من القلوب فعل أكثر من ذلك.
وإن تعجب من حسن العرض، فاعجب أكثر وأكثر من حسن الرفض اعجب من قول عبد الرحمن بن عوف لأخيه سعد بن الربيع: بارك الله لك في أهلك ومالك، لا حاجة لي في شيء من ذلك، هل من سوق فيه تجارة؟ ثم ذهب إلى السوق وتاجر.
الله أكبر من أي مدرسة تخرج هؤلاء؟ إنها مدرسة محمَّد - ﷺ -.
_________________
(١) رواه البخاري (رقم ٢٠٤٨).
[ ٢٦٦ ]
أولا: التناصح والتآمر بالمعروف والتناهي عن المنكر
عباد الله! استمر عقد الإخاء بين المهاجرين والأنصار، إذا مات أحدهما ورثه أخوه دون ابن أمه وأبيه إلى أن أنزل الله -﷿- قوله: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا (٦)﴾ [الأحزاب: ٦].
فنسخت روابط الإخاء وبقيت أخوة النسب دون أخوة الإخاء الذي أمضاه النبي - ﷺ - بين المهاجرين والأنصار.
العنصر الثالث: حقوق الأخوة في الله:
أنزل الله -﵎- قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ فربط الله -﷿- بين المسلمين برابطة الإيمان التي هي أقوى من رابطة النسب والوطن واللغة، فالمؤمنون إخوة وإن تباعدت أقطارهم، المؤمنون إخوة وإن تباعدت أجسادهم، يقول - ﷺ -: "المسلم أخو المسلم" (١).
ويقول - ﷺ -: "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا" (٢) وشبك بين أصابعه.
عباد الله! وهذه الأخوة في الله لها حقوق كثيرة منها:
أولًا: التناصح والتآمر بالمعروف والتناهي عن المنكر، فالمسلم ناصح لأخيه المسلم أما المنافق يفضح قال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ
_________________
(١) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ٢٤٤٢)، ومسلم (رقم ٢٥٨٠).
(٢) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ٤٨١)، ومسلم (رقم ٢٥٨٥).
[ ٢٦٧ ]
حَكِيمٌ (٧١)﴾ [التوبة: ٧١]. قال تعالى: إخبارًا عن نوح ﵇: ﴿وَأَنْصَحُ لَكُمْ﴾ وعن هود ﵇: ﴿وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ﴾. فالنصيحة من صفات الرسل والمؤمنين.
وقال - ﷺ -: "الدين النصيحة" ثلاث مرات. قيل لمن يا رسول الله؟ قال: "لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم" (١).
وعن جرير بن عبد الله - ﵁ - قال: بايعت رسول اللهﷺ - على إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة والنصح لكم مسلم (٢).
عباد الله! ومن الأمثلة على التناصح:
آخى النبي - ﷺ - بين سلمان وأبي الدرداء فزار سلمان أبا الدرداء، فرأى أم الدرداء متبذلة أي لابسة ثياب المهنة، تاركة ثياب الزينة فقال: ما شأنك؟ قالت: أخوك أبوالدرداء ليس له حاجة في الدنيا -أي: في النساء- وفي رواية: "يصوم النهار ويصلي الليل" فجاء أبو الدرداء فصنع له طعامًا -أي لسلمان- فقال له: كل فإني صائم، قال: ما أنا بآكل حتى تأكل، فلما كان الليل ذهب أبوالدرداء يقوم، فقال له -أي سلمان- نم، فنام، ثم ذهب يقوم فقال له: نم فلما كان آخر الليل قال سلمان: قم الآن، فصليا جميعًا فقال له سلمان: إن لربك عليك حقًا، ولأهلك عليك حقًا، فأعط كل ذي حق حقه، فأتي النبيﷺ - فذكر ذلك له فقال له النبي - ﷺ -: "صدق سلمان" (٣).
ثانيًا: النصرة والدفاع والإعانة على قضاء الحاجات، قال - ﷺ -: "انصر
_________________
(١) رواه مسلم (رقم ٥٥).
(٢) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ٥٧)، ومسلم (رقم ٥٦).
(٣) رواه البخاري (رقم ١٩٦٨).
[ ٢٦٨ ]
أخاك ظالمًا أو مظلومًا، قالوا: يا رسول الله تنصره مظلومًا فكيف تنصره ظالمًا؟ قال: تمنعه من ظلمه فذلك نصرك إياه" (١).
وقال - ﷺ -: "من نصر أخاه بظهر الغيب نصره الله في الدنيا والآخرة" (٢).
وقال - ﷺ -: "والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه" (٣).
وقال - ﷺ -: "لأن أمشي في حاجة أخي أحب إلى من أن أعتكف في هذا المسجد (يعني مسجد المدينة) شهرًا، ومن مشى مع أخيه في حاجة له حتى تتهيأ له ثبت الله قدمه يوم تزل الأقدام" (٤).
الشفاعة الحسنة لأخيك أن تمشي لقضاء حاجته.
ثالثًا: من حقوق الأخوة في الله: الدعاء لأخيك بظهر الغيب
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٠)﴾ [الحشر: ١٠].
وقال - ﷺ -: "دعوة المرء المسلم لأخيه بظهر الغيب مستجابة، عند رأسه
ملك موكل كلما دعا لأخيه بخير قال الملك الموكل به: آمين ولك بمثل" (٥).
رابعًا: ومن حقوق الأخوة في الله: الاستغفار للأخ حيًا وميتًا، فإن
_________________
(١) رواه البخاري (رقم ٢٤٤٣).
(٢) "صحيح الجامع" (٦٤٥٠).
(٣) رواه مسلم (رقم ٢٦٩٩).
(٤) "السلسلة الصحيحة" (٩٠٦).
(٥) رواه مسلم (رقم ٢٧٣٣).
[ ٢٦٩ ]
الاستغفار هو دأب الملائكة المقربين والنبيين المرسلين.
قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [غافر: ٧].
وقال تعالى عن إبراهيم ﵇: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ (٤١)﴾ [إبراهيم: ٤١].
وقال تعالى عن نوح ﵇: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [نوح: ٢٨].
وأمر الله رسول - ﷺ - بذلك فقال تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [محمد: ١٩].
وقالﷺ -: "من استغفر للمؤمنين والمؤمنات كتب الله له بكل مؤمن ومؤمنة حسنة" (١).
وكان - ﷺ - إذا وضع الميت في قبره وأهال عليه التراب يقول: "استغفروا لأخيكم واسألوا الله له التثبيت فإنه الآن يسأل" (٢).
خامسًا: ومن حقوق الإخوة في الله: الإصلاح بينهم إذا وقع بينهم خلاف ونزاع.
قال تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ
_________________
(١) "صحيح الجامع" (٥٩٠٢).
(٢) قال الشيخ الألباني: صحيح الإسناد "أحكام الجنائز" (ص ١٩٨).
[ ٢٧٠ ]
فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٩) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٠)﴾ [الحجرات: ٩ - ١٠]
سادسًا: ومن حقوق الإخوة في الله: أن يحب الأخ لأخيه ما يحب لنفسه.
قال - ﷺ -: "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه" (١).
سابعًا: ومن حقوق الأخوة في الله: التعاون على البر والتقوى.
قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢].
وقال - ﷺ -: "مثل المؤمنين في توادهم وتعاطفهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى" (٢).
ثامنًا: من حقوق الأخوة في الله: التزاور في الله
قال الله تعالى: "وجبت محبتي للمتحابين فيّ والمتجالسين في والمتزاورين في" (٣).
وقال - ﷺ -: "إن رجلًا زار أخًا له في قرية أخرى، فأرصد الله له على مدرجته ملكًا، فلما أتى عليه، قال: أين تريد؟ قال: أريد أخًا لي في هذه القرية، قال: هل لك عليه من نعمة تُربُّها؟ قال: لا، غير أني أحببته في الله تعالى.
_________________
(١) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ١٣)، ومسلم (رقم ٤٥).
(٢) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ٦٠١١)، ومسلم (رقم ٢٥٨٦).
(٣) "صحيح الترغيب والترهيب" (٣٠١٨).
[ ٢٧١ ]
قال: فإني رسول الله إليك بأن الله قد أحبك كما أحببته فيه" (١).
تاسعًا: ومن أعظم حقوق الأخوة في الله: ألا يكون الأخ أحق بدرهمه
وديناره من أخيه.
لأن النبي - ﷺ - قال: "ليس المؤمن بالذي يشبع وجاره جائع إلى جنبه" (٢).
ولقد أتى أبا هريرة رجل فقال: يا أبا هريرة إني أريد أن أؤاخيك في الله
فقال أبو هريرة: وهل تدري ما حق الأخوة؟
قال: لا، عرفني.
قال: إن من حق الأخوة ألا تكون أحق بدرهمك ولا دينارك مني.
فقال الرجل: لم أبلغ هذه المنزلة.
قال أبو هريرة: فإليك عني (٣).
وقال أبو جعفر لأصحابه يومًا: أيدخل أحدكم يده في جيب أخيه فيأخذ من ماله ما يريد؟
قالوا: لا. قال: فلستم بإخوان كما تزعمون (٤).
العنصر الرابع: الأمراض التي تفتك، وتفسد الأخوة في الله.
أولًا: الحسد والتباغض والتدابر
قال - ﷺ -: " .. لا تحاسدوا ولا تناجشوا ولا تباغضوا ولا تدابروا، ولا يبع
_________________
(١) رواه مسلم (رقم ٢٥٦٧).
(٢) "صحيح الجامع" (٥٢٥٨).
(٣) "منهاج المسلم" (ص ١٣١).
(٤) "مختصر منهاج القاصدين" (ص١٠٠).
[ ٢٧٢ ]
رابعا: السخرية
بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد الله إخوانًا، المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره، التقوى ها هنا، ويشير إلى صدره (ثلاث مرات) بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام، دمه وماله وعرضه" (١).
ثانيًا: سوء الظن والتجسس والغيبة والنميمة.
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ [الحجرات: ١٢].
وقالﷺ -: "إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث ولا تحسسوا ولا تجسسوا .. " (٢).
ثالثًا: الهجران ولذلك كان النبيﷺ - يحذر أمته من الهجر
قالﷺ -: "لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام" (٣).
وقال - ﷺ -: "تعرض أعمال الناس في كل خميس واثنين، فيغفر الله -﷿- في ذلك اليوم لكل امرئ لا يشرك بالله شيئًا؛ إلا امرءًا كان بينه وبين أخيه شحناء، فيقول اتركوهما حتى يصطلحا" (٤).
رابعًا: السخرية ولذلك حذر الإِسلام من أن يسخر المسلم من أخيه المسلم.
_________________
(١) رواه مسلم (رقم ٢٥٦٤).
(٢) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ٦٠٦٦)، ومسلم (رقم ٢٥٦٣).
(٣) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ٦٠٧٧)، ومسلم (رقم ٢٥٦٠).
(٤) رواه مسلم (رقم ٢٥٦٥ بعد ٣٦).
[ ٢٧٣ ]
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ﴾ [الحجرات: ١١].
خامسًا: عدم التثبت من الأخبار التي ينقلها بعض الفساق.
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦].
سادسًا: الغش في البيع والشراء.
قالﷺ -: "من غشنا فليس منا" (١).
وقال - ﷺ -: "البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبينا بورك لهما في
بيعهما، وإن كتما وكذبا محقت بركة بيعهما" (٢).
فاتقوا الله عباد الله!، وكونوا على حذر من هذه الأمراض التي فرقت بين المسلمين، وكونوا عباد الله! إخوانًا كما أمركم الله ﵎.
اللهم ألف بين قلوب المسلمين.
_________________
(١) "صحيح الجامع" (٦٢٨٣).
(٢) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ٢٠٧٩)، ومسلم (رقم ١٥٣٢).
[ ٢٧٤ ]