أيها الإخوة عباد الله! موعدنا في هذا اليوم -إن شاء الله تعالى- مع لقاء جديد من سيرة المصطفى - ﷺ -، وحديثنا في هذا اللقاء سيكون عن المسجد في الإِسلام.
عباد الله! أولُ عملٍ قام به النبي - ﷺ - عندما وصل إلى المدينة هو بناء المسجد.
يقول أنس بن مالك - ﵁ -: "لما قدم رسول الله - ﷺ - المدينة نزل علوِّ المدينة، في حي يقال لهم بنو عمرو بن عوف، فأقام فيهم أربع عشرة ليلة، ثم أرسل إلى ملأ بني النجار، فجاءوا متقلدين بسيوفهم.
قال أنس: فكأني أنظر إلى رسول الله - ﷺ - على راحلته، وأبو بكر ردفه، وملأ بني النجار حوله، حتى ألقى بفناء أبي أيوب، قال أنس: وكان رسول الله - ﷺ - يصلي حيث أدركته الصلاة، ويصلي في مرابض الغنم، ثم إنه أمر ببناء المسجد، فأرسل إلى بني النجار فجاءوا، فقال - ﷺ -: "يا بني النجار ثامنوني بحائطكم هذا"، قالوا: لا والله لا نطلب ثمنه إلا إلى الله.
قال أنس: فكان فيه ما أقول لكم: كان فيه نخل، وقبور المشركين وخربٌ، فأمر رسول الله - ﷺ - بالنخل فقطع، وبقبور المشركين فنبشت وبالخرب فسويت، وصفوا النخل قبلة المسجد وجعلوا عضادتيه حجارة.
وجعلوا ينقلون الصخر وهم يرتجزون ورسول الله - ﷺ - معهم: اللهم لا
[ ٢٥٠ ]
خير إلا خير الآخرة فاغفر للأنصار والمهاجرة" (١).
هكذا عباد الله! بدأ النبي - ﷺ - ببناء المسجد في المدينة، وهو مسجد النبي - ﷺ - الذي لا تشد الرحال إلا إليه، وإلى المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، بنى النبي - ﷺ - لله بيتًا قبل أن يبني لنفسه بيتًا وسكنًا، وبهذه البساطة قام مسجد النبي - ﷺ - من النخيل ومن الحجارة والسقف من الجريد، ولكنه خرَّج رجالًا هم صحابة النبي - ﷺ -، الذين فتحوا قلوب العباد والبلاد.
عباد الله! وحديثنا عن المسجد سيكون حول العناصر التالية:
العنصر الأول: اهتمام الإسلام بالمساجد.
العنصرالثاني: أهمية المسجد في الإِسلام.
العنصرالثالث: البدع والمخالفات الشرعية التي وقعت في بناء المساجد.
العنصر الأول: اهتمام الإِسلام بالمساجد.
اهتم الإِسلام بالمساجد اهتمامًا كبيرًا وربط المسلمين بالمساجد، ففي كتاب ربنا: قال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [الأعراف: ٢٩].
وقال تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١].
وقال تعالى: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ (١٠٨)﴾ [التوبة: ١٠٨].
_________________
(١) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ٤٢٨)، ومسلم (رقم ٥٢٤).
[ ٢٥١ ]
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١١٤)﴾ [البقرة: ١١٤]. وقال تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧].
وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ (١٧) إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (١٨)﴾ [التوبة: ١٧ - ١٨].
وقال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا (١٨)﴾ [الجن: ١٨]. وقال تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (٣٦) رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (٣٧)﴾ [النور: ٣٦ - ٣٧].
عباد الله! أما في سنة رسول الله - ﷺ - فقد اهتم النبي - ﷺ - بالمساجد اهتمامًا كبيرًا، فحث النبي - ﷺ - على بناء المساجد، فقال - ﷺ -: "من بني لله مسجدًا يبتغي به وجه الله؛ بني الله له بيتًا في الجنة" (١)، وقال - ﷺ -: "إن مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته: علمًا علَّمه ونشره، وولدًا صالحًا تركه، ومصحفًا ورثه أو مسجدًا بناه، أو بيتًا لابن السبيل بناه، أو نهرًا أجراه، أو صدقة أخرجها من ماله في صحته وحياته تلحقه مِنْ بعد موته" (٢).
_________________
(١) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ٤٥٠)، ومسلم (رقم ٥٣٣) واللفظ له.
(٢) "صحيح الجامع" (٢٢٢٧).
[ ٢٥٢ ]
- وحث النبي - ﷺ - على نظافة المساجد فقال - ﷺ -: "البصاق في المسجد خطيئة، وكفارتها دفنها" (١).
وعن عائشة -﵂- قالت: "أمر رسول الله - ﷺ - ببناء المساجد في الدُّور (أي: في الأحياء) وأن تنظف وتطيب" (٢).
وقال - ﷺ -: "من سمع رجلًا ينشد ضالة في المسجد فليقل: لا ردَّها الله عليك، فإن المساجد لم تبن لهذا" (٣).
فلا يجوز إنشاد الضالة عبر السماعات في المسجد.
وقال - ﷺ -: "إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد فقولوا: لا أربح الله تجارتك" (٤).
وقال - ﷺ -: "لا تقام الحدود في المساجد، ولا يستقاد فيها" (٥).
- وأمر النبي - ﷺ - الرجال بحضور الجماعة في المساجد وحذر من التخلف عن ذلك بدون عذر شرعي، فقال - ﷺ -: "من سمع النداء فلم يأت فلا صلاة له إلا من عذر" (٦).
وعن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: "والذي نفسي بيده لقد هممت أن آمر بحطب فيحتطب ثم آمر بالصلاة فيؤذن لها، ثم آمر رجلًا
_________________
(١) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ٤١٥)، ومسلم (رقم ٥٥٢).
(٢) "صحيح أبي داود" (١/ ٤٣٦).
(٣) رواه مسلم (رقم ٥٦٨).
(٤) "صحيح الترمذي" (١/ ٢٦٥).
(٥) "صحيح أبي داود" (٣/ ٣٧٦٩).
(٦) رواه ابن ماجه (٧٩٣).
[ ٢٥٣ ]
فيؤم الناس، ثم أخالف إلى رجال فأحرق عليهم بيوتهم .. " (١).
فليتق الله الذين يتخلفون عن صلاة الجماعة بلا عذر شرعي.
- وحث النبي - ﷺ - على شهود الجماعة، وحضور الصلاة، وملازمة المساجد في أوقات الصلاة.
فقال - ﷺ -: "من غدا إلى المسجد أو راح أعدَّ الله له في الجنة نزلًا كلما غدا أو راح" (٢).
وقال - ﷺ -: "ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟ "
قالوا: بلى يا رسول الله.
قال: "إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط فذلكم الرباط" (٣).
وقال - ﷺ -: "بشر المشائين في الظُّلَمِ إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة" (٤).
وقال - ﷺ -: "صلاة الرجل في الجماعة تضعف على صلاته في بيته وفي سوقه خمسًا وعشرين ضعفًا، وذلك أنه إذا توضأ فأحسن الوضوء ثم خرج إلى المسجد، لا يخرجه إلا الصلاة، لم يخط خطوة إلا رفعت له بها درجة، وحطت عنه بها خطيئة" (٥).
_________________
(١) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ٦٤٤)، ومسلم (رقم ٦٥١).
(٢) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ٦٦٢)، ومسلم (رقم ٦٦٩).
(٣) رواه مسلم (رقم ٢٥١).
(٤) "صحيح أبي داود" (رقم ٥٢٥).
(٥) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ٦٤٧)، ومسلم (رقم ٦٤٩) واللفظ للبخاري.
[ ٢٥٤ ]
- وقد رغَّب النبي - ﷺ - في حب المساجد والتعلق بها وحضور مجالس العلم فيها والجلوس فيها لذكر الله بعد صلاة الفجر حتى تطلع الشمس.
فقال - ﷺ -: "سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله ورجل قلبه معلق بالمساجد .. " (١).
وقال - ﷺ -: "وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده" (٢).
وقالﷺ -: "المسجد بيت كل تقي" (٣).
وقالﷺ -: "من صلى الفجر في جماعة، ثم قعد يذكر الله حتى تطلع الشمس، ثم صلى ركعتين، كانت له كأجر حجة وعمرة تامة، تامة، تامة" (٤).
عباد الله! اهتم الإِسلام بالمساجد اهتمامًا بالغًا أتدرون لم يا عباد الله؟!
هذا الذي نعرفه من،
العنصر الثاني: أهمية المسجد في الإِسلام.
عباد الله! المسجد هو أحب البقاع إلى الله تعالى، قال - ﷺ -: "أحب البلاد إلى الله مساجدها، وأبغض البلاد إلى الله أسواقها" (٥).
المسجد هو قلعة الإيمان، قال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ
_________________
(١) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ٦٦٠)، ومسلم (رقم ١٠٣١).
(٢) رواه مسلم (رقم ٢٦٩٩).
(٣) "السلسلة الصحيحة" (٧١٦).
(٤) "صحيح الجامع" (٦٢٢٢).
(٥) رواه مسلم (رقم ٦٧١).
[ ٢٥٥ ]
وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [الأعراف: ٢٩]، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (١٨)﴾ [التوبة: ١٨].
المسجد هو المدرسة التي يتخرج منها الرجال، الذين يفتحون قلوب العباد والبلاد بدعوة الإِسلام، قال تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (٣٦) رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (٣٧)﴾ [النور: ٣٦ - ٣٧].
المسجد هو المدرسة التي يتعلم المسلمون فيها دينهم الصحيح، من خلال الكتاب والسنة، بفهم سلف الأمة، فقد علم النبي - ﷺ - أصحابه وزكاهم في مسجده، فتخرج من مسجد رسول الله - ﷺ - الصحابة - ﵃ - الذين فتحوا قلوب العباد والبلاد.
فمن أين تخرج أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وسلمان وصهيب وغيرهم ﵃ أجمعين؟
المسجد هو المدرسة التي يتعلم المسلمون فيها النظام في كل شيء في أعمالهم، في بيوتهم، في شؤونهم، في أسواقهم، ففي المسجد رجل يؤذن للصلاة فإذا أمره الإِمام بإقامة الصلاة أقامها، ثم يتقدم الإِمام ليؤم الناس، فلا يتقدم أحد للإمامة إلا بعد إذنه وهذا هو النظام في أسمى صورة وأبهى حلته، ويقوم المسلمون أجمعون خلف هذا الإِمام صفوفًا معتدلة متساوية.
وكان النبي - ﷺ - يهتم بنفسه بتسوية هذه الصفوف وتعديلها ويأمر بها:
عن أبي مسعود - ﵁ - قال: كان رسول الله - ﷺ - يمسح مناكبنا في الصلاة،
[ ٢٥٦ ]
ويقول: "استووا ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم" (١).
فانظروا عباد الله!، يوم أن كانت الصفوف على عهد رسول الله - ﷺ - مستوية اتحدت القلوب، ويوم أن أصبحت الصفوف في أيامنا معوجة كانت القلوب مختلفة فتفرقت الأمة وضعفت، وقوي الأعداء علينا.
وعن النعمان بن بشير - ﵁ - قال: كان رسول الله - ﷺ - يسوّي صفوفنا حتى كأنما يسوي بها القداح، حتى رأى أن قد عقلنا عنه. ثم خرج يومًا فكاد أن يكبر فرأى رجلًا باديًا صدره من الصف فقال: "عباد الله! لتُسوُّنَّ صفوفكم، أو ليخالفنَّ الله بين وجوهكم" (٢).
وعن ابن عمر -﵄- أن رسول الله - ﷺ - قال: "أقيموا الصفوف، حاذوا بين المناكب، سدوا الخلل، ولينوا بأيدي إخوانكم، ولا تذروا فرجات للشيطان، من وصل صفًا وصله الله، ومن قطع صفًا قطعه الله" (٣).
وقال - ﷺ -: "إنما جعل الإِمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، وإذا رفع فارفعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده فقولوا: اللهم ربنا ولك الحمد وإذا سجد فاسجدوا، وإذا صلى جالسًا فصلوا جلوسًا أجمعين" (٤).
فانظروا عباد الله! إلى هذا النظام، الصفوف مستوية خلف إمام واحد وهم ملتزمون بهديه، مقتدون بفعله، لا يكبرون حتى يكبر، ولا يركعون
_________________
(١) رواه مسلم (رقم ٤٣٢).
(٢) رواه مسلم (رقم ٤٣٦).
(٣) "صحيح سنن أبي داود" (١٦٢٠).
(٤) "صحيح الجامع" (٢٣٥٣).
[ ٢٥٧ ]
حتى يركع، ولا يرفعون حتى يرفع، ولا يسجدون حتى يسجد، ولا ينصرفون من الصلاة حتى ينصرف.
والذي يخالف هذا الإِمام وهذا النظام متوعد بالمسخ على لسان رسول الله - ﷺ -، قالﷺ -: "أما يخشى أحدكم إذا رفع رأسه قبل الإِمام أن يجعل الله رأسه رأس حمار، أو يجعل الله صورته صورة حمار" (١).
عباد الله! في المسجد ترى العدل والمساواة في أبهى صورها، فالغني بجوار الفقير، والكبير بجوار الصغير، والعامي بجوار الأمير، لا فضل لأحد على أحد إلا بالتقوى.
كما قال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣].
في المسجد ترى الرحمة من الإِمام على المأمومين، وترى السمع والطاعة من المأمومين للإمام، وهذا يعلم المسلمين السمع والطاعة للأمير العام، ويعلم الأمير الرحمة على الرعية التي استرعاه الله عليها.
فالرعية التي تربت في المسجد تسمع وتطيع لأميرها، وإن ضربها وأخذ أموالها ما لم يأمر بمعصية الله، فإن أمر بمعصية الله فلا سمع ولا طاعة؛ لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الله.
في المسجد تربى المسلمون على مراقبة الله في أعمالهم، فالذي يقف خمس مرات بين يدي ربه يمنعه ذلك من الإقدام على المعاصي والذنوب.
العنصر الثالث: البدع والمخالفات الشرعية التي وقعت في بناء المساجد.
عباد الله! تبين لنا ما للمسجد من أهمية كبيرة في حياة المسلمين وعلى
_________________
(١) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ٦٩١)، ومسلم (رقم ٤٢٧).
[ ٢٥٨ ]
الرغم من عظم هذه الأهمية، فقد فرط المسلمون من ناحية في بناء هذه المساجد، وأفرطوا من ناحية ثانية.
أما تفريطهم؛ فإنك تجد آلاف القرى والأحياء في العالم الإِسلامي ليس فيها مسجد واحد، بينما تتناثر في كل مكان دور اللهو والفجور وأما إفراطهم؛ فإنك تجد المسجد الواحد وقد كلف بناؤه مئات الألوف من الدنانير، أنفقت على الزخارف والتحف التي أودعوها في هذا المسجد؛ حتى صار بالمتحف أشبه منه بالمسجد.
عباد الله! ومن المخالفات الشرعية التي وقع فيها الكثير من المسلمين في بناء المساجد.
أولًا: بناء المساجد على القبور.
وهذا حرام، ولا يجوز في شريعة الإِسلام، والنبيﷺ - عندما اشترى الأرض التي يريد أن يبني فيها مسجده ووجد فيها قبور المشركين، أمر بقبور المشركين فنبشت؛ لأنه لا يجوز بناء المساجد فوق القبور لقول النبي - ﷺ - قال: "الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام" (١).
ولقد كانﷺ - يُحذر من اتخاذ المساجد على القبور ويعد المتخذين شرار الخلق.
عن عائشة -﵂- أن أم سلمة وأم حبيبة -﵄- ذكرتا لرسولﷺ - كنيسة رأتاها في أرض الحبشة فيها تصاوير فقال - ﷺ -: "أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجدًا وصوروا
_________________
(١) "صحيح سنن ابن ماجه" (٦٠٦).
[ ٢٥٩ ]
فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة" (١).
ولما حضرته - ﷺ - الوفاة لم ينشغل بسكرات الموت مع شدتها عن تحذير أمته من اتخاذ القبور مساجد
- عن عائشة وابن عباس - ﵃ - قالا: لما نزل برسول الله - ﷺ -؛ طفِق يطرح خميصة له على وجهه، فإذا اغتمَّ بها؛ كشفها، فقال وهو كذلك: "لعنة الله على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" (٢) يحذر ما صنعوا.
وعن جندب - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - قبل أن يموت بخمس وهو يقول: "ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، فلا تتخذوا القبور مساجد إني أنهاكم عن ذلك" (٣).
فلا يجوز أبدًا أن يُبنى مسجد على قبر، أو يجاء برجل فيدفن في المسجد؛ لأن الإِسلام جاء لمحاربة الشرك وسد الذرائع التي تفضي إلى الشرك، واتخاذ المساجد على القبور ودفن الصالحين في المساجد بعد موتهم من وسائل الشرك.
ثانيًا: زخرفة المساجد
قال - ﷺ -: "ما أمرت بتشييد المساجد" (٤).
وقال - ﷺ -: "لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس في المساجد" (٥).
_________________
(١) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ٤٢٧)، ومسلم (رقم ٥٢٨).
(٢) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ٤٣٥، ٤٣٦)، ومسلم (رقم ٥٣١).
(٣) رواه مسلم (رقم ٥٣٢).
(٤) "صحيح سنن أبي داود" (١/ ٤٣١).
(٥) "صحيح سنن أبي داود" (١/ ٤٣٢).
[ ٢٦٠ ]
وقال - ﷺ -: "إذا حليتم مصاحفكم، وزوقتم مساجدكم، فالدمار عليكم" (١).
وصدق رسول الله - ﷺ - حين نبأ بمصير المسلمين في قوله: "لتتبعن سنن من قبلكم، شبرًا بشبر، وذراعًا بذراع حتى لو دخلوا جحر ضب لتبعتموهم"،
قيل: يا رسول الله! اليهود والنصارى؟ قال: "فمن؟! " (٢).
المسلمون اليوم انشغلوا بزخرفة المساجد عن تزكية النفوس، وعمارة المساجد بالصلاة فيها فكان هذا حالهم.
أما أسلافنا الكبار -الصحابة ﵃- فقد انصرفوا عن زخرفة المساجد وتشييدها إلى تزكية أنفسهم وتقويمها، فكانوا أمثلة صحيحة للإسلام، وفتحوا قلوب العباد والبلاد.
ورضي الله عن عمر الفاروق الذي قال لرجل عندما هم ببناء المسجد:
"أكنّ الناس من المطر وإياك أن تحمر أو تصفر؛ فتفتن الناس"
فيا أمة الإِسلام! عودوا إلى الله وإلى القرآن، وعودوا إلى المساجد، وكونوا في المساجد، كما أراد الله وكما أراد رسول الله - ﷺ -.
اللهم فقهنا في ديننا.
_________________
(١) "السلسلة الصحيحة" (١٣٥).
(٢) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ٣٤٥٦)، ومسلم (رقم ٢٦٦٩).
[ ٢٦١ ]