[ ١٣٧ ]
فصل حج النبي - ﷺ -
أجمعت جماهير العلماء على أنه حج بعد الهجرة حجة، وتلك حجة الوداع، ولا خلاف أنها كانت في السنة العاشرة من الهجرة، وأما قبل الهجرة، فثبت في جامع الترمذي: أنه حج حجتين، ونقل صاحب المحلى أنه زاد على ثلاث وأربع، لكن لم يحفظ العدد.
ولما فرض الحج في العام التاسع، اشتغل بتجهيز أسباب السفر في الفور، وأما قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ﴾ (١) الآية فإنها نزلت في اليوم السادس، وهذا لا يدل على فريضة الحج والعمرة بل هو أمر بإتمام الحج والعمرة بعد الشروع فيه.
فصل في سياق حج الرسول - ﷺ -
لما عزم - ﷺ - على الحج أعلم أصحابه بذلك، فاستعدوا للسفر بأجمعهم، ووصل الخبر إلى القرى، والضياع القريبة من المدينة، فتجهز المسلمون بأجمعهم نحو المدينة، وفي حال السير إلى مكة تلاحق الناس من كل الأطراف، حتى تجاوزوا الحصر والعد، وسافر في يوم الخميس أو السبت، الرابع والعشرين من ذي القعدة بعد أن صلى الظهر في مسجد المدينة.
وكان خطب قبل ذلك وعلّم الناس شرائط الحج وأركانه وآدابه، وكان ذلك في يوم الجمعة، وذا يؤيد أن السفر كان يوم السبت. لكن ورد في الحديث الصحيح: "أنه كان يحب إنشاء السفر في يوم الخميس". وثبت في
_________________
(١) سورة البقرة آية ١٩٦.
[ ١٣٩ ]
صحيح البخاري: "ما كان رسول الله - ﷺ - يخرج في سفر إذا خرج إلا في يوم الخميس" (١).
وبعد أن صلى الظهر رجّل رأسه ودهنه، وشد إزاره، وسار بين الصلاتين حتى نزل بذي الخليفة. وقصر صلاة العصر هناك. وبات بها. وصلى المغرب والعشاء والصبح والظهر. فتم بها خمس صلوات، واستصحب معه أمهات المؤمنين كلهن، وطاف عليهم في تلك الليلة، واغتسل لصلاة الصبح، ثم اغتسل بعد الظهر أيضا للإحرام، واستعمل الخطمى (٢) والأشنان (٣). وقدمت إليه عائشة - ﵂ -، طيبا مركبا من أجزاء طيبة الرائحة، وفيه مسلك فطيب منه بدنه، ورأسه، حتى كان يرى وبيض المسك في مفرقه المبارك ولحيته الشريفة بعد الإحرام (٤).
ثم بعد ذلك لبس رداء إحرامه، وصلى الظهر قصرا، وأحرم في المكان الذي صلى فيه، ولم ينقل أنه صلى قبل الإحرام صلاة خاصة لأجل الإحرام، غير صلاة فرض الظهر وقبل الإحرام قلد البدنة بنعلين، وشق سنامها من الجانب الأيمن، ومسح الدم.
_________________
(١) متفق عليه، أخرجه البخاري (ج ٦ ص ٨٠)، وأبو داود برقم (٢٦٠٥) وذكره النووى في رياض الصالحين (ص ٤٠٧)، واختلف الرواة في اسم اليوم الذي خرج فيه - ﷺ - فقد ذكر ابن حزم أنه كان يوم الخميس، ونقل آخرون أنه كان يوم الجمعة، والصحيح ما رواه ابن سعد في طبقاته أنا ذلك كان يوم السبت وهو ما جزم به ابن حجر في فتح الباري (ج ٨ ص ٧٤).
(٢) جاء في لسان العرب: الخطمى - بكسر الخاء - والخطمى - بفتح الحاء -: ضرب من النبات يغسل به وفي الصحاح يغسل به الرأس. قال الأزهري: هو بفتح الخاء. ومن قال: خطمى بكسر الخاء فقد لحن. وفي الحديث: أنه كان يغسل رأسه بالخطمى وهو جنب يجتزئ بذلك، ولا يصب عليه الماء أي أنه كان يكتفى بالماء الذي يغسل به الخطمى وينوي به غسل الجنابة. ولا يستعمل بعده ماء آخر يخص به الغسل. لسان العرب (ج ١ ص ٨٦٢).
(٣) الشن: والشفة: والخلق من كل آنية صنعت من جلد. وجمعها: شنان. وحكى اللحياني: قربة أشنان كأنهم جعلوا كل جزء منها شنا. ثم جمعوا على هذا، ابن منظور لسان العرب (ج ٢ ص ٣٧١).
(٤) متفق عليه أخرجه البخاري في كتاب الحج باب الطيب عند الإحرام حديث رقم (١٥٣٩ ج ٣ ص ٣٩٦)، ومسلم في كتاب الحج باب الطيب للمحرم عند الإحرام رقم (١١٨٩ ج ٢ ص ٨٤٦)، وأبو داود برقم (١٧٤٥ ج ٢ ص ١٤٤)، والترمذي برقم (٩١٧ ج ٣ ص ٢٥٩) والموطأ برقم (٨٠٧ ج ١ ص ٣٢٨)، والنسائي (٥/ ١٣٧).
[ ١٤٠ ]
واختلف في إحرامه وكيفية تلبيته، فأكثر الأحاديث الصحيحة مصرحة: بأنه أحرم بحج وعمرة، وقال: "أتاني آت من ربي ﷿، فقال: صل في هذا الوادي المبارك، وقل عمرة في حجة" (١) والأحاديث الصريحة في هذا المعنى تزيد على عشرين.
وأيضا وردت أحاديث كثيرة، شهدت بأن إحرامه كان بإفراد الحج، وفي صحيح مسلم أن رسول الله - ﷺ - أهل بحج مفردا، وثبت في الصحيحين: "خرجنا مع رسول الله - ﷺ - لا نذكر إلا الحج" (٢).
وعند مسلم عن ابن عمرة "أهللنا مع رسول الله - ﷺ - بالحج مفردا" (٣) وورد في التمتع أحاديث صحيحة، وطريق التوفيق بين تلك الأحاديث، هو أن الإحرام كان بالحج أولا، ثم أدخل العمرة في الحج فصار قارنا، وقال دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة (٤).
والذي قال بالتمتع اللغوي: وهو الانتفاع، والالتذاذ، ولا شك أن الانتفاع، والالتذاذ حاصل في القرآن، لأنه يكتفى عن نسكين بنسك واحد، ولا يحتاج إلى إفراد عمل لكل واحد من الحج والعمرة.
وأما أصحابه - ﵃ - فقد كانوا على ثلاثة أقسام:
قسم أحرموا بالحج والعمرة أو بمجرد الحج، ومعهم هدى، وبقوا على إحرامهم.
وقسم ثان لم يكن معهم هدي، وأحرموا بالحج، فأمر الرسول - ﷺ - بأن يجعلوا الحج عمرة، يعني يقلبون الإحرام بالحج، إلى الإحرام بالعمرة. ويتممون أفعال العمرة، قبل يوم عرفة. ثم يحرمون بالحج من مكة ويمضون إلى عرفة.
وقسم ثالث هم جماعة لم يكن معهم هدي وأحرموا بالحج، فأمرهم الرسول - ﷺ - أن يقلبوا الإحرام إلى العمرة، وهذا هو فسخ الحج والعمرة.
_________________
(١) متفق عليه أخرجه البخاري برقم (٩١٧ ج ٣ - ص ٤١٩)، ومسلم برقم (١٢١١ ج ٢ ص ٨٧٠، ٨٧١).
(٢) انظر صحيح مسلم في كتاب حجة النبي - ﷺ - حديث رقم (١٢١٨ ج ٢ ص ٨٨٦ - ٨٩٢)، وأبي داود برقم (١٩٠٥ ج ٢ ص ١٨٢)، والنسائي (ج ٥ ص ١٤٣ - ١٤٤)، وابن ماجه برقم (٣٠٧٤ ج ٢ ص ١٠٢٣).
(٣) انظر حديث حجة رسول الله - ﷺ - من رواية جابر في صحيح مسلم: (٤/ ٣٧).
(٤) انظر صحيح البخاري حديث رقم (١٣١٩ ج ١ ص ٤١٩)، ومسلم حديث رقم (١٢١١ ج ٢ ص ٨٧١).
[ ١٤١ ]
فصل صفة حج الرسول - ﷺ -
وقع السهو لخمس من الطوائف في صفة حج رسول الله - ﷺ -:
الطائفة الأولى: هم القائلون بأنه حج مفردا، ولم يعتمر إذ ذاك (١).
الطائفة الثانية: هم القائلون بأنه تمتع بالعمرة، ثم أحل ثم أحرم بالحج.
الطائفة الثالثة: هم القائلون بأنه تمتع ولم يحل من إحرامه لأنه ساق الهدي.
الطائفة الرابعة: هم القائلون بأنه كان قارنا قرانا جمع فيه بين طوافين وسعيين.
الطائفة الخامسة: هم القائلون بأنه كان مفردا، ثم بعد ذلك أحرم بالعمرة من التنعيم.
وأما إحرام الرسول - ﷺ - فوقف في سهو، لخمس طوائف أيضا:
الطائفة الأولى: هم القائلون بأنه لبى بعمرة مجردة واستمر على ذلك.
الطائفة الثانية: هم القائلون بأنه لبى بالحج مفردا واستمر عليه.
الطائفة الثالثة: هم القائلون بأنه لبى بعمرة ثم أدخل عليها الحج.
الطائفة الرابعة: هم القائلون بأنه لبى بالحج مفردا ثم بعد ذلك أدخل عليه العمرة وهذا من خصائصه.
الطائفة الخامسة: هم القائلون بأن إحرامه كان مطلقا، ولم يعين نسكا ثم بعد ذلك جاء الوحي بالتعيين. ولما صلى الظهر أحرم، ولبى، ثم ركب ناقته، ولما انبعثت ناقته (٢) لبى أيضا ثم لما صعد على طرق البيداء لبى أيضا، وكان حينا يقول لبيك بحجة وعمرة، وحينا يقول لبيك بحجة.
_________________
(١) انظر صحيح البخاري رقم (٣١٩ ج ١ ص ٤١٩)، ومسلم برقم (١٢١١ ج ٢ ص ٨٧٠، ٨٧١).
(٢) انظر صحيح مسلم (ج ٤ ص ٣٧) حديث حجة رسول الله - ﷺ -.
[ ١٤٢ ]
وكان يقول: "لبيك اللهم لبيك، لبيك، لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك، وكان يرفع صوته ليسمع جميع الصحابة ويقول: ارفعوا أصواتكم" (١).
وكان راكبا على بعير، عليه رجل وليس عليه شقدف، ولا محارة، ولا محمل، ولا هودج، ولا محفة، وداوم يلبي على هذه القاعدة، والصحابة يزيدون، وينقصون في التلبية، ولم ينكر عليهم الرسول - ﷺ -، وجمع شعر رأسه - ﷺ - في مدة الإحرام، ولبده بالخطمى، والغسل - بكسر الغين المعجمة - وهو عبارة عن دواء يجتمع به الشعر (٢).
ولا وصل إلى منزل الروحاء رأى حمار وحش مجروحا فقال "دعوة فسيأتي الذي جرحه عن قريب، فأتى على الفور وقال: يا رسول الله إفعلوا بصيدي ما شئتم، فأمر أبا بكر فقسمه على الرفاق، ثم وصل الى منزل اثابة - وهو منزل بين الروية والعرج - رأى ظبيا نائما في ظل شجرة فأمر شخصا أن يكون بالقرب منه، لئلا يتعرض له أحد من المحرمين، ولا بلغ العرج تخلف غلام لأبي بكر معه جمل، هو زاملة الرسول وأبي بكر، فانتظروه زمانا، ولا وصل لم يروا الجمل معه، فقال أبو بكر: أين البعير؟ قال: فقدته، فقام إليه أبو بكر وضربه على سبيل التأديب، وهو يقول: جعلناك على بعير واحد فضيعته، والرسول - ﷺ - يبتسم ويقول: انظر إلى هذا المحرم ما يصنع. ولم يزد
_________________
(١) رواه مسلم في كتاب الحج باب حجة النبي - ﷺ - حديث رقم (١٢١٨ ج ٢ ص ٨٨٦ - ٨٩٢)، وأبو داود في كتاب المناسك باب صفة حج النبي - ﷺ - حديث رقم (٩٠٥ - / ١٨٢) والنسائي (ج ٥ ص ١٤٣ - ١٤٤) وابن ماجه في كتاب المناسك باب حجة رسول الله - ﷺ - برقم (٣٠٧٤ - ٢/ ١٠٢٢).
(٢) جاء في لسان العرب: الغسل - بكسر الغين - والغسله - بكسر الغين: ما يغسل به الرأس من خطمى، وطين، وأشنان. ونحوه. والغسلة: أيضا: مما تجعله المرأة من شعرها من الطيب عند الامتشاط. والغسلة: الطيب. يقال: غسلة مطراة. ابن منظور لسان العرب (ج ٢ ص ٩٨٨).
[ ١٤٣ ]
على هذا، ولما بلغ الأبواء جاء إليه صعب بن جثامة بحمار وحش هدية، فلم يقبله منه (١).
ولما رأى الكراهية في وجهه قال: لم نرد هديتك، لكنا محرمون، ولما بلغ وادي عفان قال: يا أبا بكر أتعلم أي وادي هذا؟ فقال: وادي عفان، قال: لقد مر بهذا الوادي هود، وصالح، ﵉. على جملين أحمرين خطامهما من ليف، وعليهما أزاران من صوف، ورداءان من صوف هما عباءتان، وهما يلبيان بالحج.
ولما بلغ "سرف" حاضت عائشة فحزنت وبكت فقال: لما تبكين؟ لعلك حضت. قالت: نعم. قال: لا تهتمين هذا شيء كتبه الله على بنات آدم، وليس حجك نقص، اعملي كل ما يعمله الحاج لكن لا تطوفي بالبيت، وكانت عائشة قد أحرمت بالعمرة فقط، فقال رسول الله - ﷺ -: اغتسلي وأحرمي بالحج ففعلت. ولما رأت الطهر طافت وسعت.
فقال رسول الله - ﷺ -: قد أحللت من الحج والعمرة؟ فقالت: إني لأجد في نفسي دغدغة، لأني ما طفت العمرة إلا بعد الوقوف، فأمر أخاها عبد الرحمن أن يمضى بها لتحرم من التنعيم وتأتى بعمرة (٢)
وللعلماء في هذه العمرة أقوال:
قال بعضهم: هي عمرة زيادة أمر بها لتطييب خاطر عائشة - ﵂ -، وجبر قلبها، وإلا فطوافها وسعيها كاف عن حمجها وعمرتها، وهي كانت متمتعة، وأدخلت الحج على العمرة. فصارت قارنة، وذا أصح الأقوال، والأحاديث لا تدل على غيره.
_________________
(١) متفق عليه رواه البخاري في كتاب جزاء الصيد باب إذا أهدى للمحرم حمارا وحشيا حيا لم يقبل، حديث رقم (١٨٢٥ - ٤/ ٣١)، رواه في كتابه الحج باب تحريم الصيد للمحرم حديث رقم (١١٩٣ ج ٢/ ٨٥٠)، ورواه الترمذي برقم (٨٤٩ ج ٣/ ٢٠٦)، ومالك في الموطأ برقم (٨٣ ج ١/ ٣٥٣)، والنسائي (ج ٥ ص ١٨٣، ١٨٤).
(٢) متفق عليه وأورده الشوكاني في نيل الأوطار (ج ٤ ص ٢٩٨).
[ ١٤٤ ]
وقال بعض العلماء: لما حاضت أمرها برفض العمرة الأولى، التي كانت أحرمت بها وهذا قول الإمام أبي حنيفة وأصحابه، ولما وصل الرسول - ﷺ - "سرف" (١) قال: من لم يسق الهدي، وأراد أن يجعل نسكه عمرة، فليفعل، ومن ساق الهدي فليمض على نسكه، ولما وصل مكة قال على طريق الجزم والوجوب: "من لم يسق الهدي فليجعل نسكه عمرة وليحل من إحرامه ومن ساق الهدي فليقم على إحرامه، وقال: لولا أني سقت الهدي لأحللت.
ولما وصل إلى ذي طوى قبل دخوله مكة، نزل ثم بات ليلة الأحد الخامس (٢) من ذي الحجة، وصلى الصبح هناك، واغتسل، ودخل مكة بعد طلوع الشمس بهنيئة من طريق الحجوان (٣)، ولما وصل إلى باب بني شيبة، وشاهد الكعبة أخذ يدعو بهذا الدعاء "اللهم زد بيتك هذا تشريفا، وتكريما، ومهابة".
وفي بعض الروايات: أنه لما نظر إلى الكعبة، ورفع يديه، وقال: اللهم أنت السلام ومنك السلام، حينا ربنا بالسلام، الله زد هذا البيت تشريفا، وتعظيما، وتكريما، ومهابة، وزد من حجه، واعتمره تكريما، وتشريفا، وتعظيما، وبرا.
ولما دخل المسجد قصد نحو الكعبة، ولم يصل تحية المسجد، ولما حازى الحجر الأسود استلمه، ولم يرفع يديه، ولم يكبر كما يفعله الجهال، ثم أخذ في الطواف وجعل الكعبة، على جانبه الأيسر ولم يرد شيء من الأدعية في مكان بعينه، بإسناد صحيح، إلا الدعاء بين الركن اليمانى، والحجر الأسود، فإنه قال هناك: "ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار" (٤) ورمل في ثلاثة أشواط.
_________________
(١) مكان. يقال له: سرف.
(٢) لعله الرابع فقد صح أنه دخل لأربع خلون من ذي الحجة، وإن الوقوف كان يوم الجمعة انظر صحيح مسلم (ج ١ ص ٣٥٥).
(٣) هو جبل مشرف بمكة، وقيل موضع بمكة.
(٤) سورة البقرة آية ٢٠١.
[ ١٤٥ ]
والرمل أن يسرع في مشيته ويقارب بين خطواته، كما يفعله المصارعون، وأخرج رداءه من تحت إبطه الأيمن وجعله على كتفه الأيسر، وسار في بقية الطواف على هيئة، وكلما حاذى الحجر الأسود أشار إليه بمحجن كان في يده، ثم قبل رأس ذلك المحجن.
والمحجن عصا قصيرة في رأسها اعوجاج، وكان إذا حاذى الركن اليماني، أشار إليه بالاستلام، ولم يثبت أنه إذ ذاك قبل يده أو قبل المحجن.
وأما الحجر الأسود فإنه قبله، ووضع وجهه المبارك عليه، وفي بعض الأحيان كان يضع يده عليه ثم يقبلها، وكان يقول في حال الاستلام: "بسم الله والله أكبر" وكلما حاذى الحجر الأسود قال: "الله أكبر وكان في بعض الأحيان يضع جبهته عليه ساجدا، ثم يقبله، كل هذا ثابت في الصحيح (١) وكان إذا فرغ من الطواف قام خلف المقام وتلا قوله تعالى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ (٢) ثم صلى ركعتى الطواف، والمقام إذ ذاك كان موضوعا قريبا من الكعبة، وقرأ في الركعة الأولى: الفاتحة. وقل يا أيها الكافرون. وفي الثانية الفاتحة، وقل هو الله أحد.
ثم بعد الصلاة توجه إلى الحجر الأسود، وجاء فاستلمه، ثم خرج من أوسط أبواب الصفا، وهي خمسة، ثم قصد الصعود، ولما قرب منه تلا قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ (٣) ثم قال: "ابدأ بما بدأ الله به".
وفي رواية النسائي "ابدئوا" على صيغة الأمر، ثم صعد على الصفا، قدر ما يتمكن معه من مشاهدة الكعبة، ثم استقبلها وكبر الله أكبر، وقال "لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله، وحده، صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده".
_________________
(١) انظر صحيح البخاري في كتاب الحج حديث رقم (١٥٧٧ ج ٣ ص ٤٣٧)، ومسلم في كتاب الحج، حديث رقم (١٢٥٨ ج ٢ ص ٩١٨)، وأبو داود في كتاب المناسك برقم (١٨٦٨ ج ٢ ص ١٧٤)، والترمذي برقم (٨٥٣ ج ٣ ص ٢٠٩).
(٢) سورة البقرة آية ١٢٥.
(٣) سورة البقرة آية ١٥٨.
[ ١٤٦ ]
ثم دعا وقال: "اللهم إنا نسألك موجبات رحمتك وعزائم مغفرتك، والغنيمة من كل برد، والسلامة من كل إثم، لا تدع لي ذنبا إلا غفرته، ولا هما إلا فرجته، ولا كربا إلا كشفته، ولا حاجة إلا قضيتها" ثم هلل ثلاثا ثم دعا بما أحب ثم هبط (١).
وروت صفية بنت شيبة: أنه كان يقول بين الصفا والمروة: "رب اغفر وارحم إنك أنت الأعز الأكرم" (٢)، وكان يسعى ماشيا يسير من الصفا إلى المروة، ومن المروة إلى الصفا. فلما اشتد الزحام ركب ناقته وتمم سعيه، راكبا، وأما طواف القدوم، فإنه كان فيه ماشيا - كما ذكرنا - لما روى جابر أنه رمل في الأشواط الثلاثة، الأول، وذا لا يتصور للراكب، وأما طواف الركن فإنه أتى به راكبا لعذر، وكان يختم السعى بالمروة.
وكلما وصل إليها، قرأ الأذكار، والدعوات، التي قرأها على الصفا، ولما تمم السعى، قال للصحابة: "ألا من لم يسق الهدى فليجعلها عمرة" وفرض عليهم التحلل التام من وطء، وطيب، ولبس مخيط، ثم أفاءوا على ذلك إلى يوم التروية وهو الثامن من ذي الحجة وقال - ﷺ -: "لولا أنى سقت الهدى لأحللت" (٣).
وأما ما ورد في بعض الروايات من أنه - ﷺ - أحل، فإنه لم يثبت بل هو غلط، وهنا دعا فقال: "اللهم ارحم المحلقين" ثلاث مرات، "والمقصرين" فالها مرة (٤)، وسأل سراقة بن مالك رسول الله - ﷺ - عن الفسخ، والإحلال، أخاص هو في هذا العام، أم حكم دائم؟ فقال: "بل حكم دائم إلى الأبد" (٥)،
_________________
(١) رواه مسلم مطولا في كتاب الحج باب حجة النبي - ﷺ -، حديث رقم (١٢١٨ - ٢/ ٨٨٦ - ٨٩٢)، وأبو داود في كتاب المناسك باب صفة حج النبي - ﷺ - حديث رقم (١٩٠٥ - ٢/ ١٨٢)، والنسائي في كتاب الحج (ج ٥ ص ١٤٣ - ١٤٤)، وابن ماجه، حديث رقم (٣٠٧٤ في ٢ ص ١٠٢٢).
(٢) أخرجه أحمد في مسنده وانظر منتقى الأخيار (ج ٥ ص ٥٠ - ٥١).
(٣) انظر صحيح مسلم (ج ٢ ص ٨٨٦ - ٨٩٢).
(٤) متفق عليه أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب الحلق والتقصير حديث رقم (٩١١٣ ج ٣ ص ٢٥٦)، وأخرجه مالك في الموطأ في كتاب الحج باب الحلق حديث رقم (١٨٤ ج ١ ص ٣٩٥).
(٥) أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب الحج، وأبو داود في سننه، كتاب المناسك، ولمسلم معناه. وانظر منتقى الأحبار (ج ٤ ص ٣٣٤).
[ ١٤٧ ]
وأبو بكر، وعمر، وعلي، وطلحة، والزبير، لم يحلوا من إحرامهم لما ساقوه من الهدي، وأمهات المؤمنين أحللن، وكذا فاطمة - ﵂ - فإنها لم يكن معها هدى، وفي هذه المدة حيث أقام قصر الصلاة، بمنزله ظاهر مكة، ولما مضت أربعة أيام: الأحد، والاثنين، والثلاثاء، والأربعاء. وتضحى النهار من يوم الخميس، توجه بجميع الناس إلى منى، وأحرم إذ ذاك بالحج، من كان قد أحرم كل واحد من منزله.
ولما وصل - ﷺ - إلى منى نزل وصلى الظهر، والعصر، وبات بمنى، وكانت ليلة الجمعة.
ولما ارتفعت الشمس، سار من منى على طريق ضب إلى عرفة، وكان بعض الصحابة يكبر، وبعضهم يلبى، ولم ينكر - ﷺ - على أحد ولما بلغ إلى ثمرة - وهو موضع في قريب من عرفات - وجد قبته قد ضربت هناك، فنزل، وأقام، حتى زالت الشمس، ثم أمرهم بشد رحل ناقته، وركبها، وخطب خطبة بين فيها قواعد الإسلام بأسرها اقتلع أساس الشرك والجاهلية بالكلية" (١).
وذكر ما كان محرما في جميع الملل، وجعل أوضاع الجاهلية بأسرها، وكل ربا كان فيها تحت قدمه، ووصى أمته، بملاطفة النساء، وأمرهم بالتمسك بكتاب الله، وأخبرهم أنهم لن يضلوا ما داموا به متمسكين.
ثم سألهم ماذا تقولون، وبماذا تشهدون؟ قالوا نشهد أنك بلغت الرسالة، وأديت الأمانة، ونصحت الأمة، فرفع - ﷺ - أصبعه نحو السماء. وقال: "اللهم اشهد، اللهم اشهد، اللهم اشهد" (٢).
ثم قال: "ألا فليبلغ الشاهد منكم الغائب" ثم نزل وأمر بلال بالأذان والإقامة، وصلى الظهر والعصر جمعا وقصرا، وصلى معه أهل مكة كما صلى.
_________________
(١) أخرجه مسلم مطولا (ج ٢ ص ٨٨٦ - ٨٩٢) برقم (١٢١٨)، وأبو داود حديث رقم (١٩٠٥ ج ٢ ص ١٨٢)، والنسائي (ج ٥ ص ١٤٣ - ١١٤)، وابن ماجه برقم (٣٠٧٤ ج ٢ ص ١٠٢٢ - ١٠٢٧).
(٢) الرواية في صحيح مسلم (ج ٤ ص ٣٨ - ٤٣) من حديث جابر، وانظر بعض الخطبة في صحيح البخاري وفتح الباري (ج ٨ ص ١٠٨)، وانظر الفتح الرباني (ص ٢٧٩ - ٢٨١)، والبداية والنهاية لابن كثير (ج ٥ ص ٢٠٩).
[ ١٤٨ ]
ثم بعد ذلك ركب وسار الى عرفات، ولما قرب من الصخرات الكبار استقبل القبلة ووقف على راحلته وأخذ في الدعاء، والتضرع، والابتهال إلى أن غربت الشمس، ثم سار وقال: "عرفات كلها موقف لا يخص مكان دون مكان"، وكان في حالة الدعاء قد رفع يديه، نحو صدره كالسائل المسكين.
ومن جملة ما حفظ عنه من دعوات ذلك الموقف "اللهم لك الحمد الذي نقول، وخير مما نقول، اللهم لك صلاتى، ونسكى، ومحياى، ومماتى، وإليك مآبى، ولك رب تراثى، اللهم إنى أعوذ بك من عذاب القبر، ووسوسة الصدر، وشتات الأمر، اللهم إنى أعوذ بك من شر ما تجئ به الريح، اللهم إنك تسمع كلامى، وتعلم سرى، وعلانيتى ولا يخفى عليك شيء من أمرى، أنا البائس الفقير، المستغيث، المستجير، الوجل، المشفق المقر، المعترف بذنوبى. أسألك مسألة المسكين، وابتهل إليك ابتهال المذنب الذليل، وأدعوك دعاء الخائف الضرير، من خضعت لك رقبته، وفاضت لك عيناه، وذل جسده ورغم أنفه لك، اللهم لا تجعلنى بدعائك رب شقيا، وكن بى رؤوفا، رحيما، يا خير المسئولين، ويا نصير المعطين" هذا الدعاء ثابت في معجم الطبراني (١).
وروى الإمام أحمد في مسنده، أن أكثر دعاء النبي - ﷺ - في يوم عرفة: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد بيده الخير وهو على كل شيء قدير" (٢).
وفي سنن البيهقي أن النبي - ﷺ - قال: "أكثر دعائى، ودعاء الأنبياء في يوم عرفة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير. اللهم اجعل في قلبى نورا، وفي سمعى نورا، وفي بصرى نورا، اللهم اشرح لي صدرى، ويسر لي أمرى، أعوذ بك من وسواس الصدر،
_________________
(١) لم نعثر عليه. وذكر صاحب منتقى الأخيار نحوه (ج ٣ ص ٦١).
(٢) رواه أحمد والترمذي وذكره صاحب الأخيار (ج ٥ ص ٦٠، ٦١)
[ ١٤٩ ]
وشتات الأمر، وفتنة القبر، اللهم إنى أعوذ بك من شر ما يلج في الليل، وشر ما يلج في النهار، وشر ما تهب به الرياح. ومن شر بوائق الدهر" (١).
ونزل في الآيات في عرفات ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (٢)، وفي ذلك اليوم سقط رجل عن راحلته بعرفات، فأمرَ النبي - ﷺ - أن يَغسل بالماء والسدر، وأن يدرج في ثوبى إحرامه، وأن لا يطيب، ولا يغطى رأسه، ولا وجهه وقال: "إنه يبعث ملبيا" (٣).
ولما أفاض بعد تمام الغروب، كان أسامة بن زيد رديفه وكان - ﷺ - يجذب زمام الراحلة، بحيث أنه كان رأسها يحك الرجل وكان يقول: "أيها الناس اتئدوا مهلا مهلا، ليس الخير في السوق، ولا التقوى في العجلة".
وكان يرجع في طريق المأزمين، يقصد ما قصده في الخروج، إلى مصلى العيد من طريق، والرجوع من أخرى.
وفي أثناء ذلك ربما أرخى زمام راحلته، ليكون السير بين السريع والبطئ. وإذا وصل إلى مكان وسيع حركها بسرعة، وإذا بلغ نشرا من الأرض أرخى لها لتسير الهوينا.
وكان يلبي في طريقه، وما إلى بعض الشعاب، ونقض وضوءه، ثم توضأ، وضوءا خفيفا، فقال أسامة: الصلاة يا رسول الله. فقال - ﷺ - أمامك ثم ركب حتى أتى "المزدلفة" فتوضأ وضوءا كاملا، ثم أمر بالأذان، والإقامة، وصلى المغرب قبل أن تحل الرحال، بل قبل أن تناخ الجمال، ولم حلوا رحالهم، أقيمت الصلاة، وصلى العشاء بغير أذان، لم يصل بين هذين الفرضين، صلاة أصلا ثم بات بالمزدلفة إلى أن تنفس الصبح" (٤).
_________________
(١) أخرجه الطبراني في المناسك، وفي إسناده قيس بن الربيع، والبيهقي وفي إسناده ابن عبيدة الربذي وهو ضعيف. وتفرد به عن أخيه عبد الله عن علي - ﵁ -، قال البيهقي: ولم يدرك عبد الله عليّ، وانظر منتقى الأخيار (ج ٥ ص ٦١).
(٢) صحيح البخاري بشرح فتح الباري (ج ٨ ص ١٠٨) والآية رقم ٣ من سورة المائدة.
(٣) انظر صحيح مسلم (٤/ ٣٨ - ٤٣) وصحيح البخاري (فتح الباري ٨/ ١٠٧)، وصحيح مسلم (١/ ٨٢).
(٤) رواه مسلم في كتاب الحج باب حجة النبي - ﷺ - حديث برقم (١٢١٨ ج ٢ ص ٨٨٦ - ٨٩٢)، وأبو داود برقم (١٩٠٥ ج ٢/ ١٨٢) والنسائي (٥/ ١٤٣ - ١٤٤) وابن ماجه برقم (٣٠٧٤ ج ٢/ ١٠٢٢ - ١٠٢٧).
[ ١٥٠ ]
ولم يحيي تلك الليلة، ولم يصح شيء من الأحاديث في إحياء ليلة العيد، ورخص لضعفاء قومه، أن يتقدموا إلى منى قبل طلوع الفجر، ولا يرمون إلا بعد الطلوع.
وأما قول عائشة: أن رسول الله - ﵌ -، أرسل أم سلمة في ليلة النحر، فرمت الجمار قبل الفجر، ثم مضت فطافت طواف الركن، ثم رجعت إلى منى. ففي إسناده مقالات وأنكره الأساطين من المحدثين.
وأرسل جمعا من النساء فرموا الجمر في الليل، لخوف الزحام (١)، وللناس في هذه المسألة ثلاثة أقاويل: يجوز عند الشافعى وأحمد، رمى جمرة العقبة بعد نصف الليل لكل.
وأبو حنيفة يقول: لا يجوز إلا بعد طلوع الفجر، وقال جماعة: لا يجوز للقادر إلا بعد طلوع الشمس بخلاف المعذور فإنه يجوز له ذلك.
ولما طلع الفجر صلى الصبح لأول وقتها لا قبل الوقت، كما يظنه البعض، ثم ركب وجاء إلى المشعر الحرام، وهو تل في وسط المزدلفة، عليه عمارة محدثة.
وأما قول بعض مشايخ الحديث والفقهاء: هو جبل صغير على يسار الحاج، وهذا المقام المشهور ليس بالشعر، فسهوا منهم.
والصحيح أن المشعر الحرام هذا المعروف المعمور، ثم وقف - ﷺ - في المشعر الحرام، واستقبل القبلة، واشتغل بالدعاء، والتضرع، والابتهال والتكبير، والتهليل، إلى قريب طلوع الشمس، ثم دفع وقد أردف الفضل بن العباس، وأسامة يمشى بين قريش.
_________________
(١) أخرج الشيخان نحوه قالت عائشة - ﵂ -: استأذنت سودة رسول الله - ﷺ - ليلة المزدلفة: أن تدفع قبله، وكانت ثبطة - تعني ثقيلة - فأذن لها. انظر صحيح البخاري في كتاب الحج، باب من قدم ضعفة أهله بليل حديث رقم (١٦٨٠ ج ٣/ ٥٢٦)، ومسلم في كتاب الحج باب استحباب تقديم الضعفة من النساء وغيرهم حديث رقم (١٢٩٠ ج ٢/ ٩٣٩)، والنساء (٥/ ٢٦٢).
[ ١٥١ ]
وفي هذا الطريق أمر الفضل بن العباس، أن يلقط له حصى الجمار، فالتقط سبعا، أخذها - ﷺ -، على كفه المبارك، وجلا (١) عنها الغبار. وقال: "أمثال هؤلاء فارموا (٢) وإياكم والغلو في الدين فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين".
وفي هذه الطريق اعترضته امرأة جميلة من هثعم، وقالت: إن أبي شيخ كبير، لا يستمسك على البعير، فأمرها بالحج عنه، فلاحظها رديفه الفضل بن العباس، فجعل رسول الله - ﷺ - يده وقاية، لئلا يتلاحظا.
واعترضته أيضا امرأة وأخبرت أن أمها في غاية العجز، وأنها إن ربطت على البعير فربما هلكت، فقال رسول الله - ﷺ -: "لو كان على أمك دين كنت تقضيه عنها أم لا؟ " فقالت: نعم كنت أقضيه. قال: "فدين الله أولى بالقضاء" ولما بلغ بطن محسر - وهو واد في أول منى - ساق راحلته سوقا شديدا وأسرع الخروج منه (٣). وهكذا جرت العادة النبوية، في جميع المواطن، التي أنزل الله فيها البلاء، على أعدائه، وفي بطن محسر جرى على أصحاب الفيل، ما هو في القرآن.
وسمى محسرا لأن الفيل حسر فيه عن الحركة، وعجز عن السير نحو مكة، وبطن محسر برزخ بين منى والمزدلفة، وليس منهما كما أن عرنة ونمرة، برزخ بين عرفة والمشعر الحرام.
وكذلك لم يزل يحرك رحلته، في الطريق الوسطى، إلى أن هبط في الوادي الذي تجاه جمرة العقبة، فقام - والكعبة على يساره، ومنى على يمينه، ورمى الجمار سبعا - وهو راكب، واحدة بعد واحدة، في مجل الجمرات،
_________________
(١) يقال: جلا القوم عن أوطانهم. يجلون، وأجلوا: إذا خرجوا من بلد إلى بلد، وفي حديث الحوض: يرد على رهط من أصحابي فيجلون عن الحوض. هكذا روى في بعض الطرق أي ينفون ويطردون ويقول ابن الأعرابي: جلاه عن وطنه فجلا. أي طرده فهرب. ابن منظور لسان العرب (ج ١ ص ٤٩١، ٤٩٢) ..
(٢) جاء في لسان العرب "يقال أفرمت الحوض، وأفعمته، وأفأمته: إذا ملأته. قال الجوهرى: أفرمت الإناء: ملأته. ابن منظور لسان العرب (ج ٢ ص ١٠٨٩).
(٣) انظر صحيح مسلم (ج ٢ ص ٨٨٦ - ٨٩٢)، وأبي داود (ج ٢ ص ١٨٢)، والنسائي (ج ٥ ص ١٤٣ - ١٤٤).
[ ١٥٢ ]
يكبر مع كل واحدة، وبعد رمى الجمار، قطع التلبية، وفي ركابه أسامة بن زيد، وبلال، أحدهما أخذ بزمام الراحلة، والآخر يظله بمظلة، ليقيه حر الشمس.
ثم رجع إلى منزله، بالقرب من مسجد الخيف، وخطب خطبة بليغة، بلغ صوته إلى جميع أهل الخيام في خيامهم، وهذا من جملة المعجزات النبوية، أعلم فيها بحرمة يوم النحر، وفضله عند الله ﷾، وأمرهم بتعلم مناسك الحج، وقال لعليّ: "لا أحج بعد عامي هذا" وأمر بالسمع والطاعة، للأمراء الداعين إلى كتاب الله، وأنزل الأنصار والمهاجرين منازلهم، وقال: "اعبدوا ربكم، وصلوا خمسكم، وصوموا شهركم، وأطيعوا ذا أمركم، تدخلوا جنة ربكم" وودع الناس وقال: "ليبلغ الشاهد منكم الغائب" (١).
ثم سار إلى المنحر - وهو موضع مشهور في وسط سوق منى - ونحر ثلاثا وستين بدنة بيده، وهن قيام معقولات، وهذا عدد سنى عمره المبارك، وأمر أمير المؤمنين عليا بنحر تمام المائة، فنحر سبعا وثلاثين، وأمره أن يتصدق بجلالها (٢) وجلودها وأن لا يعطى أجرة الجزار منها، بل من ماله - ﷺ -.
وأما حديث أنس "أنه نحر سبعا" فتوهم بعضهم أنه معارض لهذا الحديث، وجوابه أن إنسانا شاهد سبعا، ثم غاب، وجابر شاهد تمام ثلاث وستين، وقال بعضهم: نحر سبعا بيده المباركة، إلى تمام ثلاث وستين، كان طرف الحربة بيد النبي - ﷺ - وطرفها الآخر بيد عليّ، وبعد ثلاث وستين، نحر
_________________
(١) أخرجه الشيخان، صحيح البخاري (فتح الباري ج ٨ ص ١٠٧)، وصحيح مسلم (ج ١ ص ٨٢).
(٢) قيل: جل الدابة وجلها. الذي تلبسه لتصان به. والجمع: جلال. وإجلال. قال كثير: ونرى البرق عارضا مستطيرا سرح البلق جلن في الإجلال وجمع الجلال: أجلة. وجلال كل شيء غطاؤه نحو الحجلة وما أشبهها. وتجليل الفرس: أن تلبسه الجل وتجلله أي علاه. وفي الحديث: "أنه جلل فرسا له سبق بردا عدنيا أي جعل البرد له جلا. وفي حديث ابن عمر: أنه كان يجلل بدنه القباطي. وفي حديث علي: اللهم جلل قتلة عثمان خزيا. أي غطهم به، وألبسهم إياه كما يتجلل الرجال بالثوب. ابن منظور لسان العرب (ج ١ ص ٤٨٨).
[ ١٥٣ ]
أمير المؤمنين سبعا وثلاثين على انفراده، ولما فرغ من النحر أعلم أن منى كلها منحر (١)، وأن فجاج مكة كلها سبل.
وأن المنحر، والنحر، لا يختص ببعض الأماكن، وأمر بطلب الحلاق فحلق رأسه، ولما وقف الحلاق - وهو معمر بن عبد الله بن نضلة على رأس رسول الله - ﷺ - وأخذ الموسى بيده - قال له: "يا معمر أمكنك رسول الله - ﷺ - من شحمة أذنيه، وفي يدك الموسى؟ " فقال معمر: ندم وإن ذلك لمن نعم الله على ومنه. قال: أجل.
ثم أشار إلى الحلاق أن يبدأ بالجانب الأيمن، فلما فرغ منه قسم الشعر على من حضر في ذلك الجانب.
ثم أشار إلى أن يحلق الجانب الأيسر، فأعطى جميع ذلك لأبى طلحة، وكان قد أخذ نصيبا من الجانب الأيمن قبل كل أحد، ولما فرغ من الحلق (٢) - وكان قد أصاب كل أحد شعرة أو شعرتين - قلم أظافره، وقسم ذلك أيضا على الناس، وحلق أكثر الصحابة وقصر أقلهم.
ثم بعد ذلك سار إلى مكة قبل الزوال، فطاف. وهذا الطواف يسمى طواف الإفاضة وطواف الزيارة، وطواف الصدر (٣).
وما ورد في بعض الأحاديث، من أنه - ﷺ - أخر طواف الزيارة إلى الليل، فمشايخ الحديث، يقولون: هو غلط، ولا فرغ من الطواف جاء إلى بئر زمزم فوجدهم ينزعون الماء، فقال: "لولا أنى أخشى أنكم تغلبون لنزعت معكم، وأعنتكم على السقاية" فعرضوا عليه دلوا، فتناولها منهم، وشرب قائما، وشربه قائما إما لبيان جواز ذلك، وإما للضرورة والحاجة.
_________________
(١) انظر صحيح مسلم برقم (١٢١٨) حديث الباب (١٤٩ ج ٢ ص ٨٩٣)، وسنن أبي داود برقم (١٩٣٦، ٩٣٧ ج ٢ ص ١٩٣، ١٩٤)، وابن ماجه برقم (٣٠٤٨ ج ٢ ص ١٠١٣).
(٢) انظر صحيح البخاري في كتاب الحج، باب الحلق والتقصير عند الإحلال برقم (١٧٢٧ ج ٣/ ٥٦١) وصحيح مسلم (ج ٢ ص ٩٤٥)، وسنن أبي داود (ج ٢ ص ٢٠٢)، والترمذي (٣/ ٢٥٦)، وموطأ مالك باب الحلق (ج ١ ص ٣٩٥).
(٣) أخرجه مسلم برقم (١٢١٨ ج ٢ ص ٨٩٢)، وأبو داود برقم (١٩٠٥ ج ٢ ص ١٨٢). والنسائي (ج ٥ ص ١٤٣، ١٤٤)، وابن ماجه برقم (٣٠٧٤ ج ٢ ص ١٠٢٢).
[ ١٥٤ ]
وقد كان نبي الله في هذا الطواف راكبا راحلته، وسبب الركوب قال بعضهم: كثرة الازدحام، أو ليكون مشرفا على الناس ليراه الحاضرون، فيتعلموا الطواف وآدابه.
وقال بعضهم: كان في رجله المباركة عارض يؤذيه، فركب ضرورة، ورجع من حينه إلى منى، وصلى الظهر بها كذا في الصحيحين.
وفي صحيح مسلم أنه صلى الظهر بمكة، وأكثر العلماء يرجحون أنه صلى الظهر بمكة، لأن هذا الحديث رواه صحابيان جابر وعائشة، وذاك رواه ابن عمر.
الثاني: أن عائشة أخص وأعلم بأحواله، وبعضهم يرجح حديث ابن عمر لأنه متفق عليه، وليس فيه اضطراب، ورجال إسناده أعظم وأجل.
ولما رجع إلى منى بات بها، وأقام في اليوم الثاني إلى أن زالت الشمس، فسار على قدميه، قبل أداء صلاة الظهر نحو الجمرة الأولى، وهي التي تلى مسجد الخيف، ورمى سبعا يكبر مع كل، ولما فرغ من الرمى، تقدم قليلا إلى السهل، واستقبل القبلة، ودعا قدر سورة البقرة.
ولما فرغ من الدعاء أتى الجمرة الوسطى، ورمى كما فعل الأولى، وأخذ على الطريق اليسرى، ومشى خطوات، نحو وسط الوادي، ودعا قدر ما دعا في الأولى، وسار نحو جمرة العقبة واستقبلها، وجعل الكعبة على يساره، ومنى على يمينه، ورمى ورجع من حينه، ولم يشتغل بالدعاء، ولهذا وجهان:
إحداهما: أنه كان زحام عظيم ولم يتيسر الوقوف.
الثاني: أن دعاء هذه العبادة، كان قد أتى به في صلب العبادات، والدعاء في صلب العبادة، أفضل منه في غير العبادة، وكذا دعاء الصلاة غالبا كان في آخر التشهد قبل السلام، ولم يتعجل في النفر بل أقام ثلاثا، وبعد الرابع السبت، والأحد، والاثنين، وبعد الزوال من يوم الثلاثاء رمى، وسار إلى المحصب - وهو موضع خارج مكة يقال له الأبطح أيضا - فنزل به،
[ ١٥٥ ]
حيث كان أبو رافع المقدم على أحماله قد نزل ثمة، وضرب الخيمة بحسب الاتفاق لا عن أمر، فنزل - ﷺ - وصلى الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء هناك، ونام قليلا.
فلما استيقظ ركب وسار إلى مكة وطاف للوداع (١). ولم يرمل، وفي هذه الليلة رغبت عائشة في العمرة فأجازها ليلا، وأرسل معها عبد الرحمن إلى التنعيم - وهو خارج عن الحرم - فأحرمت وجاءت إلى مكة، وتممت عمرتها قبل مضي الليل، ورجعت إلى المحصب، فقال رسول الله - ﷺ -: فرغتم؟ فقالوا: نعم: فأمر بالرحيل، فرحلوا بأجمعهم.
وطاف رسول الله - ﷺ - طواف الوداع (٢)، ثم توجه الى المدينة، واختلف العلماء في التحصيب (٣).
قال بعضهم: أمر اتفاقي، ولم يكن من السنن، ولا من الآداب.
قال بعضهم: هو من سنن الحج، وتمام المناسك، لأن النبي - ﷺ - قال: "إنا نازلون غدا بخيف بنى كنانة، حيث تقاسموا على الكفر" والمراد بخيف بنى كنانة المحصب، لأن قريشا وبنى كنانة، تعاهدوا، وتحالفوا، هناك على أن لا يخالطوا بنى هاشم ولا يناكحوهم ولا يواصلوهم، حتى يسلموا لهم رسول الله - ﷺ -، فقصد - ﷺ - أن يظهر شعائر الإسلام حيث أظهروا شعائر الكفر، والله أعلم.
_________________
(١) انظر صحيح البخاري في كتاب الحج (ج ٣ ص ٤٧٣)، ومسلم برقم (١٢٦٩ ج ٢ ص ٩٢٥)، والترمذي في كتاب الحج برقم (٨٥٨ ج ٣ ص ٢١٣)، وأحمد في المسند (ج ١ ص ٢٣٢ و٣٧٢).
(٢) تقدم تخريجه.
(٣) انظر صحيح البخاري في كتاب الحج حديث رقم (١٧٦٤ ج ٢ ص ٥٩٠).
[ ١٥٦ ]
فصل في دخول الكعبة والوقوف بالملتزم في طواف الوداع
قال جماعة من العلماء والفقهاء: لما حج رسول الله - ﷺ - دخل الكعبة ودخول الكعبة من سنن الحج، والأحاديث، والآثار، دالة على أن دخول الكعبة لم يكن في هذه السنة بل في عام فتح مكة.
وفي الصحيحين قال ابن عمر: دخل رسول الله - ﷺ - يوم فتح مكة، على ناقة لأسامة، حتى أناخ بفناء الكعبة، فدعا عثمان بن طلحة بالمفتاح فجاء ودخل النبي - ﷺ - وأسامة وبلال وعثمان بن طلحة فأجافوا عليه الباب مليا ثم فتحوه فبادرت (١) الناس ..
قال ابن عمر: فوجدت بلالا على الباب، فقلت: أين صلى رسول الله - ﷺ -؟ قال: بين العمودين المقدمين قال: ونسيت أن أسأله كم صلى؟
وهذا الحديث صريح، في أن دخول البيت كان عام فتح مكة، وقال: "إني دخلت البيت، وددت أني لم أكن دخلت، إني أخاف أن أكون قد أتعبت أمتي من بعدي" وسألت عائشة دخول البيت فقال - ﷺ -: "صلى في الحجر ركعتين، فكأنما صليت في الكعبة".
وأما الوقوف في الملتزم، ففي سنن أبي داود، عن عبد الله بن عمر، أنه قال: رأيت رسول الله - ﷺ -: قائما بين الركن والباب (٢). واضعا صدره على جدار الكعبة، باسطا ذراعيه، وكفيه، وهذا يحتمل أن يكون عام الفتح، ويحتمل أن يكون عام الحج.
وكأنه كان في العامين، لأن مجاهدا، والإمام الشافعي، وجماعة من العلماء قالوا: بأنه يستحب بعد طواف الوداع، أن يقف بالملتزم، ويدعو لأنه ما وقف به أحد، ودعا إلا استجيب له.
_________________
(١) متفق عليه، انظر صحيح البخاري (ج ٨ ص ١٣٥)، ومسلم (ج ٦ ص ٤١٦).
(٢) راجح السيرة النبوية لابن كثير (ج ٣ ص ٦٠٢، ٦٠٣) وسيرة ابن هشام (ج ٢ ص ٤١٦).
[ ١٥٧ ]
ولما صلى رسول الله - ﷺ - الصبح، تجاه الكعبة قرأ في الصلاة سورة (ق والطور)، ثم توجه إلى المدينة، ولما وصل إلى منزل الروحاء، ليلة الجمعة، رأى جمعا، فسلم عليهم، وسألهم عن شأنهم، فقالوا: نحن مسلمون. فمن أنت؟ قال: أنا رسول الله، فجاءت امرأة وقدمت طفلا، وقالت: أيصح حج هذا الطفل؟ قال: "نعم وتثابين أيضا" (١).
ولما بلغ إلى ذي الحليفة نزل بها، وبات فلما أصبح سار، ولما شاهد المدينة، كبر ثلاثا، ثم قال: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، آيبون، تائبون، عابدون، ساجدون لربنا حامدون، صدق الله وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده" ثم دخل المدينة (٢).
فصل بيان الرسول - ﷺ - للذبائح
اعلم أن الذبائح التي تحصل بها القربة، ثلاثة أنواع: أحدها: الهدي، الثاني: الأضحية، الثالث: العقيقة، والنبي - ﷺ - كان يرسل الهدي: الغنم، والإبل.
وكان يهدي عن أمهات المؤمنين البقر، ولما حج ساق الهدى معه، ولما اعتمر أيضا ساق معه الهدى، وكان إذا قام في بعض الأعوام أرسل الهدى مع من يذهب إلى مكة.
ولم يكن في حالة إرسال الهدى يحرم عليه شيء. وكان من عادته إذا أهدى غنما أن يقلدها، وإذا أهدى إبلا قلدها وأشعرها، وقد تقدم بيان ذلك، كان إذا أرسل الهدى على يد أحد، أمره إذا أشرف شيء على الهلاك
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه برقم (١٣٣٦).
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه برقم (٢٣٤٥) وذكره النووي في رياض الصالحين (ص ٤١٨).
[ ١٥٨ ]
أن يذبحه، ويصبغ نعله بدمه، ويضرب به صفحته، ولا يأكل منه هو، ولا من في تلك الصحفة، وإن حضر أجانب قسم المذبوح بينهم (١).
وكان يهدي البدنة، والبقرة، عن سبعة. وكان يبيح ركوب الهدى، وقت الحاجة ما لم يجد غيره، وينحر الإبل قائمة معقولة اليسار، ويقول عند النحر "بسم الله والله أكبر".
وكان إذا ذبح الغنم جعل قدمه المباركة على صفحتها، وأباح لأمته أن يأكلوا من هديهم (٢) ويتزودوا، وكان يقسم الهدى حينا، وحينا يقول: "من له حاجة فليقطع لنفسه"، واستدل بعضهم بهذا على جواز الانتهاب في النثار، وما ساق من الهدى في العمرة، نحره عند المروة إليه. وما ساق في الحج نحره في منى، ولم ينحر أبدا إلا بعد صلاة العيد، ولم ينحر قبل يوم العيد أبدا، وهذه الأمور مرتبة هكذا في يوم العيد رمى جمرة العقبة، ثم النحر، ثم الحلق، ثم الطواف (٣).
_________________
(١) أخرجه أحمد في مسنده، ومسلم في صحيحه، وأبو داود في سننه، والنسائي في سننه، وانظر منتقى الأخيار (ج ٥ ص ٩٨).
(٢) رواه مسلم في صحيحه، وأخرج نحوه أحمد والترمذي وصححه، وانظر منتقى الأخيار (ج ٥ ص ١٢٧).
(٣) وعن عبد الله بن عمرو بن العاص - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - وقف في حجة الوداع، فجعلوا يسألونه، فقال رجل: لم أشعر، فحلقت قبل أن أذبح، قال: "إذبح ولا حرج" وجاء آخر، فقال: لم أشعر، فنحرت قبل أن أرمي، قال: "إرم ولا حرج" فما سئل يومئذ عن شيء قدم ولا أخر إلا قال "إفعل ولا حرج" متفق عليه، أخرجه البخاري في كتاب الحج باب الفتيا على الدالة حديث رقم (١٧٣٦) (ج ٣ ص ٥٦٩)، ومسلم برقم (١٣٠٦ ج ٢ ص ٩٤٨)، وأبو داود في سننه برقم (٢٠١٤ ج ٢ ص ٢١١). والترمذي برقم (٩١٦ ج ٣ ص ٢٥٨) وغيرهم.
[ ١٥٩ ]
فصل في قربان رسول الله - ﷺ -
لم يترك الأضحية قط، ضحى بكبشين من الضأن ذبحهما بعد صلاة العيد وقال: من ذبح قبل صلاة العيد، فليعد، فإنها ليست بقربة، وإنما هي شاة لحم، حصلها لأهله، وقال: يجزي من الضأن ما كان لسنة ومن غيره ما كان لسنتين فصاعدا، ومجموع يوم العيد، وثلاثة أيام التشريق، أيام ذبح.
ومن السنة النبوية، أن من قصد الأضحية في يوم العيد، أن لا يأخذ من شعره.
إذا هل هلال ذي الحجة، ولا من ظفره، وأن يكون كالحرم، وأن يختار لأضحيته السمين، السالم من العيوب، لا العوراء، ولا العمياء، ولا المعضوبة الأذن، ولا مقطوعتها.
وكان من العادة النبوية، أن لا يذبح الضحايا في المصلى. قال جابر: حضرت رسول الله - ﷺ - لما فرغ من الصلاة خطب، ولما فرغ من الخطبة، ونزل عن المنبر، جاءوا بكبش فذبحه - ﷺ - بيده وقال: "بسم الله، والله أكبر هذا عنى، وعمن لم يضح من أمتي" (١).
وثبت في سنن أبي داود: أنه ضحى بكبشين، أقرنين، أملحين، موجوءين (٢) فلما وجهها قال: "وجهت وجهي للذى فطر السموات والأرض
_________________
(١) أخرج مثله البخاري في صحيحه في كتاب الحج باب من نحر هديه بيده حديث رقم (١٧١٢ ج ٣ ص ٥٥٣)، ومسلم في كتاب الأضاحى باب استحباب الضحية وذبحها مباشرة بلا توكيل والتسمية والتكبير حديث رقم (١٩٦٦ ج ٣ ص ١٥٥٦)، وأبو داود في سننه (ج ٣ ص ٩٤، ٩٥ برقم ٢٧٩٣ - ٢٧٩٤)، والترمذي في كتاب الأضاحى، باب ما جاء في الأضحية بكبشين حديث رقم (١٤٩٤ ج ٤ ص ٨٤)، والنسائي (ج ٧ ص ٢١٩، ٢٢٠)، وابن ماجه برقم (٣١٢٠ ج ٢ ص ١٠٤٣)، وأحمد في مسنده (١/ ١٠١، وص ١١٥ - ١٣٠ - ١٧٨ - ١٨٩ - ٢١١ - ٢١٤ - ٢٢٢ - ٢٥٥ - ٢٥٨ - ٢٦٨ - ٢٧٢ - ٢٧٩ - ٢٨١).
(٢) موجوءين: أي خصيين. ابن منظور لسان العرب (ج ٣ ص ٨٧٨).
[ ١٦٠ ]
حنيفا مسلما، وما أنا من المشركين إن صلاتى ونسكى ومحياى ومماتى لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا من المسلمين، اللهم منك، ولك عن محمد وأمته بسم الله والله أكبر" ثم ذبح (١).
وأمر الناس بالإحسان في الذبح وقال: "إن الله تعالى كتب الإحسان على كل شيء فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته" (٢) ومن الإحسان أن لا يذبح بحضور البعض وأن لا يشرع في السلخ إلا بعد كمال الموت.
_________________
(١) أخرجه أحمد في مسنده ومسلم في صحيحه، وأبو داود في سننه، وذكره الشوكاني في منتقى الأخيار (ج ٥ ص ١٢١).
(٢) رواه مسلم في كتاب الصيد باب الأمر بإحسان الذبح والقتل حيث رقم (١٩٥٥) ٣/ ١٥٤٨ أبو داود في كتاب الأضاحي حديث رقم (٢٨١٥ ج ٣/ ١٠٠) والترمذي رقم (١٤٠٩ ج ٤/ ٢٣) والنسائي (ج ٧ ص ٢٢٧) في الضحايا، باب الأمر بإحداد الشفرة.
[ ١٦١ ]
فصل في السنة النبوية في العقيقة
العقيقة اسم أول شعر نبت على رأس الطفل، لأنه يعق اللحم والجلد، أي يشقهما ويخرج، وكان الرسول - ﷺ - يكره هذا الاسم، سئل عن العقيقة قال: "لا أحب العقوق" فقالوا: نجعل نسكا عن الولد؟ فقال: "من أحب أن يؤدى نسكا في الولد، فعن الغلام شاتان وعن الجارية شاة" (١).
وورد في الحديث الصحيح: "أن الغلام رهينة بعقيقة تذبح عنه يوم السابع ويحلق رأسمه ويسمى" (٢) قال الامام أحمد: معنى الحديث: أن الولد محبوس عن أن يشفع لوالديه ما لم يؤديا عنه العقيقة.
وقال بعضهم: هو ممنوع، ومحبوس عن الخيرات، والزيادات، ما لم يؤدوا عنه العقيقة، ووقع في بعض الروايات بدل - ويسمى - ويدمي.
وقال قتادة: تفسيره إن للشاة إذا ذبحت أخذ قليل من صوفها، وجعل في الدم السائل من المذبوح، ثم وضع على رأس الطفل ليسيل من الدم على رأسه، مثل الخيط، ثم يغسل، ويحلق رأسه.
والصواب أن هذا تحريف من بعض الرواة، لأن النبي - ﷺ - عق عن الحسن والحسين، بشاتين ولم يفعل ذلك، وهذا الفعل بعوائد الجاهلية أشبه والله أعلم.
وصح أنه - ﷺ - عق عن الحسن (٣) بشاة وعن الحسين بشاة، وأمر فاطمة بحلق رأسه، وأن تتصدق بوزن شعره فضة، ولما وزن كان قدر درهم. ولكن
_________________
(١) أخرجه الترمذي وصححه في كتاب الأضاحي باب ما جاء في العقيقة حديث رقم (١٥١٣ ج ٤/ ٩٦ - ٩٧)، وابن ماجه (٢/ ١٠٥٦ برقم ٣١٦٣) في كتاب الذبائح باب العقيقة.
(٢) أخرجه أحمد والأربعة، وصححه الترمذي، انظر سنن أبي داود في كتاب الأضاحي باب في العقيقة حديث رقم (٢٨٣٨ ج ٣/ ١٠٦)، والنسائي في كتاب العقيقة باب متى يعق (ج ٧ ص ١٦٦).
(٣) رواه أبو داود في كتاب الأضاحي باب في العقيقة حديث رقم (٢٨٤١ ج ٣/ ١٠٧)، والنسائي في كتاب العقيقة باب كم يعق عن الجارية (٧/ ١٦٦)، وصححه ابن خزيمة وابن الجارود وعبد الحق، لكن رجح أبو حاتم إرساله. انظر سبل السلام (ج ٤ ص ١٨٩).
[ ١٦٢ ]
حديث: "عن الغلام شاتان" أقوى وأصح، لأنه يرويه جماعة من أكابر الصحابة، وأيضا الفعل يدل على الجواز، والقول أقوى من الفعل وأتم، لأن الفعل يحتمل الاختصاص، وأيضا الفعل يدل على الجواز، والقول على الاستحباب.
وأيضا قصة ذبح العقيقة عن الحسن والحسين، متقدمة على حديث أم ذر، لأنها عام أحد، والعام الذي بعده، وحديث أم ذر عام الحديبية.
وأيضا الحق جل شأنه فضل الذكر عن الأنثى في الميراث، وفي جميع الأمور. وذا يقتضي الفرق في هذا الباب أيضا.
وفي حديث أنس، أن رسول الله - ﷺ - ذبح العقيقة عن نفسه بعد النبوة، ولكن في إسناده ضعف، وقال أبو رافع: رأيت النبي - ﷺ - أذن في أذن الحسن بن علي، حين ولدته فاطمة بالصلاة.
وأما تسمية المولود، فالسنة أن يكون في اليوم السابع، وأما الختان، فابن عباس - ﵄ - يقول: كانت الصحابة يختنون أولادهم بعد البلوغ، وقال مكحول: ختن ابراهيم - ﷺ - ابنه اسحاق ﵇ في اليوم السابع، وإسماعيل ﵇ في السنة الثالثة عشر، فبقيت السنة في ولد إسماعيل، أن يختتنوا في الثالثة عشر.
وكان من العادة النبوية: أن يسمى الولد باسم حسن، وقال: "إن أحب أسمائكم إلى الله عبد الله، وعبد الرحمن وأصدقها حارث وهمام، وأقبحها حرب ومرة" (١).
وقال: "إن أخنع اسم عند الله رجل يسمى ملك الأملاك" وقال: "لا تسمين غلامك يسارا، ولا رباحا، ولا نجيحا، ولا أفلح، فإنك تقول: أثم
_________________
(١) أخرجه أبو داود في سننه، في كتاب الأدب، باب: في تغيير الأسماء برقم (٤٩٤٨)، وأحمد في المسند (ج ٥ ص ١٩٤). وانظر ضعيف الجامع حيث ضعفه الألباني، وأورده الإمام ابن قيم الجوزية في تحفة المولود بأحكام المولود (ص ٨١ حديث رقم ١١٥) تحقيق علي أبو العباس. مكتبة القرآن دون تاريخ.
[ ١٦٣ ]
هو؟ فلا يكون، فيقول: لا أما هن أربع فلا تزيدن عليها" (١) وكان إذا سمع اسما مستكرها، غيره باسم حسن، غيّر اسم عاصية وقال: "إنما أنت جميلة، وبرة سماها جويرية" (٢).
وقال لشخص ما اسمك؟ فقال: أصرم. فقال: "بلى أنت زرعة" (٣) وقال آخر: حزن قال "أنت سهل" (٤) وسمى حربا: سلما، "وسمى الضطجع: المنبعث (٥).
وبنو الرتبة: بنو الرشدة، وشعب الضلال سماه: شعب الهدى، وغير أسماء كثيرة غير ما ذكرنا.
وأمر الأمة بتحسين الأسماء (٦). وفي هذا تنبيه على أن الأفعال ينبغي أن تكون مناسبة للأسماء، لأن الأسماء قوالب الأفعال ودالة عليها.
لا جرم اقتضت الحكمة الربانية أن يكون بينهما ارتباط وتناسب، وأن لا يكون أحدهما أجنبيا من الآخر، بحيث أن لا يكون بينهما تعلق بوجه من الوجوه، لأن الحكمة تأبى ذلك، والواقع المشاهد غير ذلك، وتأثير الأسماء في المسميات، والمسميات في الأسماء ظاهر وبائن، وإلى هذا المعنى أشار القائل:
وقل إن أبصرت عيناك ذا لقب إلا ومعناه إن فكرت في لقبه
_________________
(١) وهذه الجملة الأخيرة ليست من كلام رسول الله - ﷺ -، وإنما هي من كلام الراوى، والحديث أخرجه مسلم في كتاب الأدب، باب كراهية التسمية بالأسماء القبيحة ونافع ونحوه بألفاظ أخر (١٠، ١١) وأبو داود في الأدب، باب: في تغيير الاسم القبيح (٤٩٥٨، ٤٩٥٩).
(٢) أخرجه مسلم في الآداب، باب: استحباب تغيير الاسم القبيح إلى حسن. حديث رقم (١٥،١٤) عن ابن عمر أن رسول الله - ﷺ - غير اسم عاصية وقال: "أنت جميلة" وأبو داود في الأدب، باب: في تغيير الاسم القبيح حديث رقم (٢٩٥٤).
(٣) أخرجه أبو داود في الأدب، باب: في تغيير الاسم القبيح، حديث رقم (٢٩٥٤).
(٤) انظر سنن أبي داود في كتاب الأدب.
(٥) أنظر: تحفة المودود بأحكام المولود (ص ٤٣).
(٦) انظر: صحيح البخاري في الأدب، باب: تحويل الاسم إلى اسم أحسن منه (ج ٤ ص ٨٠)، ومسلم في الآداب (١٧، ١٨، ١٩) وابن ماجة في الأدب، باب تغيير الأسماء (٣٧٣٢).
[ ١٦٤ ]
وكان - ﷺ - يأخذ تعبير الرؤيا، من معانى الأسماء، كما فعل مرة في منام رآه قال: "أرأيت في منامى كأني في دار عقبة بن رافع وأتينا برطب ابن طاب، فأولت الرفعة لنا في الدنيا، والعاقبة لنا في الآخرة، وأن ديننا قد طاب يعني أن الذي اختاره الله لهم، قد أرطب وطاب" (١).
ومرة أخرى أشار أن تحلب شاة، فقام شخص ليحلبها، قال: "ما اسمك؟ " قال: مرة. قال: "اقعد" فقام آخر. فقال: "ما اسمك؟ " قال: حرب. قال: "اقعد". فقام آخر فقال: "ما اسمك؟ " قال: حرب. قال: "اقعد"، فقام آخر فقال: "ما اسمك؟ " فقال: يعيش. قال: "احلب" (٢) وكذا الطرق، والمنازل، المكروهة الأسماء، كان يتجنب عبورها والنزول بها، لسبب ارتباط بين الأسماء ومسمياتها.
وكان إياس بن معاوية إذا رأى شخصا. قال: ينبغي أن يكون اسمه كذا، وقلما يخطئ في ذلك، ولما كانت الأنبياء صلوات الله عليهم أشرف الخلق وأكملهم، وأخلاقهم وأعمالهم أشرف الأخلاق والأعمال، وأسماؤهم أشرف الأسماء، فلهذا الوجه أمر - ﷺ - بالتسمي بأسمائهم. وفي سنن النسائي: "تسموا بأسماء الأنبياء" (٣).
وأما الكنية، ففيها نوع إكرام، وقد كنى رسول الله - ﷺ -، صهيبا: أبا يحيى وأمير المؤمنين، وعليا: أبا تراب، مع كنيته الأولى أبو الحسن، وكانت أحب كناه إليه، وكنى صنو أنس الطفل: أبا عميرة، ولم يثبت في المنع عن التكني شيء إلا حديث "وتسموا باسمي ولا تكنوا بكنيتي" (٤) وللعلماء في هذه المسألة أقوال:
بعضهم يقول: يجوز أن يتكنى أحد بأبي القاسم مطلقا. سواء كان اسمه
_________________
(١) لم نعثر عليه وانظر تحفة المولود بأحكام المولود (ص ٤٢) وما بعدها.
(٢) أخرجه مالك في الموطأ في كتاب الاستئذان، باب: ما يكره من الأسماء، حديث رقم (٣٤) وهو حديث مرسل أو معضل، وصله ابن عبد البر من طريق أبي وهب عن ابن لهيعة، عن الحارث بن يزيد عن عبد الرحمن بن جبير عن يعيش الغفاري.
(٣) رواه السيوطي في جميع الجوامع (ج ٢ ص ٤٣٤) وانظر تحفة المولود (ص ٨٦).
(٤) تقدم تخريجه في الحديث قبله.
[ ١٦٥ ]
محمدا أو غير محمد، وهذا القول منقول عن الشافعي.
القول الثاني: أنه لا يجوز الجمع بين اسمه - ﷺ - وكنيته، كما ورد في حديث الترمذي "ومن تسمى باسمي، فلا يتكنى بكنيتي، ومن تكنى بكنيتي فلا يتسمى باسمي" (١) وهذا الحديث مقيد ومفسر لذلك الحديث.
القول الثالث: أن الجمع بين الاسم والكنية جائز، وهذا مذهب مالك، واستدلاله بحديث أمير المؤمنين عليّ حيث قال: "يا رسول الله: إن ولد لي من بعدك ولد، أسميه باسمك، وأكنيه بكنيتك؟ قال. نعم. قال علي: وكانت رخصة لي" (٢) صححه الترمذي.
وحديث عائشة قالت: "جائت امرأة إلى النبي - ﷺ - فقالت: يا رسول الله: إني قد ولدت غلاما فسميته محمدا، وكنيته أبا القاسم، فذكر لي أنك تكره ذلك فقال: "ما الذي أحل اسمي وحرم كنيتي"، أو "ما الذي حرم كنيتي وأحل أسمي".
وهذه الطائفة تقول: أحاديث المنع، منسوخة بهذين الحديثين.
القول الرابع، أن التكني بأبي القاسم كان ممنوعا في حياة رسول الله - ﷺ -، وأما بعد وفاته فجائز، لأن سبب المنع: أن شخصا بالبقيع، نادى شخصا، وقال: يا أبا القسم، فالتفت رسول الله - ﷺ -، فقال المنادى: يا رسول الله أنادي غيرك. فقال: "تسموا باسمي، ولا تكنوا بكنيتي" (٣) فيكون مخصوصا بزمانه - ﷺ -.
وحديث عليّ، يشير إلى هذا المعنى، وقال بعض العلماء، ممن لا يعرج
_________________
(١) أخرجه أبو داود في الأدب. باب من رأى أن لا يجمع بينهما برقم (٤٩٦٦)، وأحمد في المسند (٢/ ٣١٢، ٤٥٥) وانظر ضعيف الجامع حيث عزاه إلى أحمد والبيهقي وقال: ضعيف (٥٥٣٥).
(٢) أخرجة أبو داود في الأدب، بادب الرخصة في الجمع بينهما برقم (٤٩٦٧)، والترمذي في الأدب، باب ما جاء في كراهية الجمع بين اسم النبي وكنيته وقال صحيح (١٠/ ٢٨٧)، وأحمد في المسند (١/ ٩٥).
(٣) أخرجه البخاري في كتاب الأدب (ج ٤ ص ٧٩).
[ ١٦٦ ]
على قوله: ثبت النهي عن التكني بكنية رسول الله - ﷺ -، فلا يجوز التكني بكنيته، وكذا التسمي باسمه، فلا ينبغي أن يجوز، والصواب من هذه المقالات أن التسمي باسمه جائز، بل مستحب لقوله: "وتسموا باسمي" (١) والتكني بكنيته ممنوع.
والمنع كان في حياته أقوى وأشد، والجمع بين اسمه وكنيته ممنوع، والجواب عن حديث عائشة - ﵂ - أنه غريب، فلا يعارض الصحيح، وفي حديث عليّ نظر ومع ذلك ثبت أنه قال: رخصة لي، وذا دلالة بقاء المنع، والله تعالى أعلم.
فصل قول الرسول في تسمية العنب كرما
ونهى رسول الله - ﷺ - أن يسمى العنب كرما، لأن الكرم قلب المؤمن، وفي هذا النهي وجهان:
أحدهما: أن النهي عن تخصيص العنب بهذا الاسم، والحال أن قلب المؤمن من أولى بذلك، فلا يكون ذلك منعا عن تسمية العنب بالكرم، بل يكون نهيا عن تخصيص العنب بهذا الاسم.
الوجه الثاني: المنع عن تسمية العنب كرما، لأن تسمية الشجرة التي هي أصل أم الخبائث بالكرم، والخير يؤدي إلى مدح المحرمات، وتهييج النفوس إلى ذلك، والله أعلم.
ومنع - ﷺ - أن تسمى العشاء العتمة، وقال: "لتغلبنكم الأعراب على اسم
_________________
(١) أخرجه البخاري في الأنبياء. باب كنية النبي - ﷺ - (ج ٢ ص ٢٧٠)، ومسلم في الآداب باب: النهي عن التكني بأبي القاسم .. (٨) وأبو داود في الأدب. باب: في الرجل يتكنى بأبي القاسم برقم (٤٩٦٥)، وأحمد في المسند في مواضع متفرقة.
[ ١٦٧ ]
صلاتكم ألا وإنها العشاء، وأنهم يسمونها العتمة" (١) وورد في حديث آخر: "لو يعلمون ما في العتمة والصبح لأتوهما ولو حبوا" قال بعضهم: المنع منسوخ بالجواز.
وقال بعضهم: الجواز المنسوخ بالمنع، والصواب أنه ليس بين الحديثين تعارض، بل لم ينه أن يطلق اسم العتمة بالكلية بل نهى أن يهجر اسم العشاء، ويكتفي بالعتمة، حتى ولو سماها بالعشاء تارة، وبالعتمة تارة جاز، والله أعلم.
_________________
(١) متفق عليه وانظر نيل الأوطار (ج ٢ ص ٩) حيث أورده الشوكاني بلفظه.
[ ١٦٨ ]