[ ١٢٧ ]
فصل صيام النبي - ﷺ -
كان أجود الناس وأجود ما يكون في رمضان، وكان يستغرق أوقاته بالذكر والصلاة والاعتكاف، والتلاوة، ويخص هذا الشهر العظيم بأنواع العبادات. وكان يواصل في بعض لياليه، وينهى غيره عن الوصال، فقالوا: أتواصل وتنهانا يا رسول الله؟ قال: "لست كهيئتكم، إني أبيت عند ربي" وفي لفظ: "أظل عند ربي يطعمني ويسقيني" (١).
وللعلماء في ذا الطعام أقوال:
أحدها: أنه طعام وشراب محسوس، فإن هذا حقيقة اللفظ، وليس في الظاهر ما يوجب العدول عن الحقيقة فتعين الحمل على الحقيقة.
الثاني: أن المراد غذاء روحاني، يحصل من المعارف، ولذة المناجاة، وفيضان اللطائف الإلهية الواردة على قلبه الكريم وتوابعها من نعيم الأرواح، ومسرة النفس، والروح والقلب، ونور البصر، ويحصل بذلك من القوة، والمسرة، ما يستغنى به عن الغذاء الجسمانى.
لها أحاديث من ذكراك تشغلها عن الشراب وتلهها عن الزاد
لها بوجهك نور تستضئ به ومن حديثك في أعقابها حادى
إدا اشتكى من كلال السير واعدها روح القدوم فتحيا ضد ميعاد
وهذا القول الثاني هو المختار، لأنه يتصور الوصال لو حمل على حقيقة الطعام والشراب بل يبطل الصيام.
_________________
(١) متفق عليه رواه البخاري في كتاب الصوم، باب التنكيل لمن أكثر الوصال حديث رقم (١٩٦٥ ج/٤ ص ٢٠٥ - ٢٠٦)، ومسلم في كتاب الصيام، باب النهى عن الوصال في الصوم، حديث رقم (١١٠٣ ج ٢ ص ٧٤١ - ٧٧٥)، والموطأ في كتاب الصيام، باب النهى عن الوصال في الصيام حديث رقم (٣١ ج ١ ص ٣٠١).
[ ١٢٩ ]
وكان من العادة أن لا يشرع في صيام رمضان إلا بعد رؤية الهلال على التحقيق، أو بشهادة الواحد العدل كما صام مرة بشهادة ابن عمر، ومرة بشهادة أعرابى، واكتفى بمجرد اختبارهما، ولم يكلفهما لفظ الشهادة، فإن لم ير ولم يشهد به أتم شعبان ثلاثين يوما (١)، ثم صام وأمر الناس أن يصوموا بشهادة شخص واحد، ويفطروا بشهادة شخصين، وكان يعجل الفطر (٢) ويواظب على السحور ويؤخره، وأمر الأمة بالسحور وتأخيره، وأمر أن يفطر الصائم بثلاث رطبات، فإن لم يجد فثلاث تمرات، فإن لم يجد فالماء.
وهذا غاية الشفقة على الأمة، لأن الطبيعة أوآن خلو المعدة، تقبل على الطعام أتم إقبال، فإذا كان الحلو أول واصل إلى المعدة ينتفع البدن بقبوله، غاية الانتفاع، على الخصوص القوة الباصرة، فإن انتفاعها بالحلو يكون أزيد من انتفاع سائر القوى، ولما كان التمر حلو الحجاز، وطبائعهم قد نشأت عليه، كان انتفاعهم به أزيد من انتفاعه بغيره من أنواع الحلواء من جهة الطب.
وأما وجهة الشرع، وأسرار ذلك، فالحق جل شأنه جعل تمر المدينة ترياقا، ودواءً لكل الهموم، ببركة سيد العالم، صلوات الله عليه وسلامه، ومن ثم قال: "إن في عجوة العالية شفاء من كل داء وأنها ترياق أول البكرة" (٣) وقال في موضع آخر "من تصبح بسبع تمرات مما بين لابتيها لن يضره ذلك اليوم ولا سحر" (٤).
_________________
(١) انظر صحيح البخاري في كتاب الصيام باب (١١) حديث رقم (١٩٠٩ ج ٤ ص ١١٩).
(٢) متفق عليه صحيح البخاري في كتاب الصوم باب (٤٥) تعجيل الإفطار حديث رقم (١٩٥٧ ج ٤ ص ١٩٨)، ومسلم في كتاب الصيام باب فضل السحور وتأكيد استحبابه حديث رقم (١٠٦٨ ج ٢ ص ٧٧١)، والترمذي برقم (٦٩٩ ج ٣ ص ٨٢)، ومالك في كتاب الصيام، باب ما جاء في تعجيل الفطر حديث رقم (٦ ج ١ ص ٢٨٨).
(٣) انظر صحيح ابن خزيمة وابن حبان ومستدرك الحاكم، وسبل السلام (ج ٣ ص ٣١٦).
(٤) انظر المصادر المتقدمة.
[ ١٣٠ ]
وليس يظهر للأطباء الرسميين في هذا المقام غير التحير، ودوران الرأس، وسر ذلك يعلمه أطباء القلوب، وفي وقت الإفطار، كان يقول هذا الدعاء: "اللهم لك صمنا وعلى رزقك أفطرنا فتقبل منا إنك أنت السميع العليم" (١)، وفي إسناده مقال.
وثبت في سنن أبي داود أنه كان يقول: "اللهم لك صمت وعلى رزقك أفطرت" (٢) وجاء في بعض الروايات أنه كان يقول: "ذهب الظمأ وابتلت العروق وثبت الأجر" (٣).
وكان ينهى الصائم عن الرفث، وعن الجهل، وقال: "إن قاتله أحد أو شاتمه فليقل إنى صائم" (٤) وللعلماء في هذه المسألة ثلاثة أقوال:
قال بعضهم: السنة أن يقول في جوابه هذا اللفظ بلسانه وذا أظهر الأقوال.
قال بعضهم: يقول بقلبه ويذكر نفسه أنه صائم لئلا يشتغل بالجواب.
قال بعضهم: إن كان صومه فرضا يقول بلسانه وإن كان سنة يقول بقلبه ليكون أبعد عن الرياء.
_________________
(١) إسناده ضعيف كما ذكر المصنف انظر نيل الأوطار (ج ٤ ص ٣٢١).
(٢) رواه أبو داود في سننه، وأررده الشوكاني في نيل الأوطار (ج ٤ ص ٣٢٠).
(٣) رواه الطبرانى في معجمه الكبير. والدارقطنى من حديث ابن عباس بسند ضعيف، ورواه أبو داود والنسائي والحاكم وغيرهم عن ابن عمر، وأورده الشوكاني في نيل الأوطار (ج ٤ ص ٢٢١).
(٤) متفق عليه رواه البخاري (ج ٤ ص ٨٨، ٨٩، ١٠١)، ومسلم برقم (١١٥١)، وأخرجه مالك في الموطأ (ج ١ ص ٣١٠)، وأبو داود برقم (٢٣٦٣)، والنسائي (ج ص ١٦٣) وذكره النووى في رياض الصالحين (ص ٤٨٦).
[ ١٣١ ]
فصل إفطار الرسول - ﷺ - خلال رمضان
كان - ﷺ - إذا سافر في رمضان أفطر في بعض الأحيان وصام في بعضهما، وخيّر الناس في الصوم والإفطار، وكان إذا اقترب من العدو أمر بالإفطار، وإن وقع مثل هذا في الحضر، وإن كان في إفطار العسكر تقوية على العدو حل الإفطار، وكان من العادة النبوية في ليالى رمضان، أنه إن احتاج إلى الغسل، اغتسل في الليل، وفي بعض الليالى كان يؤخر ويغتسل بعد الصبح، وكان يقبل أمهات المؤمنين في أيام رمضان.
والحديث الذي رواه ابن ماجه سئل النبي - ﷺ - عن رجل قبل امرأته وهما صائمان؟ فقال: "قد أفطر" (١) إسناده ليس بثابت، ولم يبلغ درجة الصحة.
ومن أكل الطعام أو شرب ناسيا لم يأمره بالقضاء، وكان يقول: "إن الله هو الذي أطعمه وسقاه" وكان يعد هذا الأكل والشرب منزلة أكل النائم وشربه، وكان يحتجم في رمضان ويستاك، وكان لا يبالغ في الضمضة والاستنشاق، ولم يصح في النهي عن السواك والاكتحال حديث، وورد في هذا الباب حديثان: "اكتحل رسول الله - ﷺ - وهو صائم (٢)، والآخر قال في الكحل: "ليتقه الصائم" (٣) وهذان الحديثان ضعيفان، لا يصلحان للاحتجاج.
_________________
(١) ورد في الصحيحين ما يخالف هذا الحديث الضعيف الذي لم تصح نسبته لرسول الله - ﷺ -، انظر صحيح البخاري في كتاب الصوم باب (٢٤) القبلة للصائم حديث رقم (١٩٢٨ ج ٤ ص ١٥٢)، ومسلم في كتاب الصيام باب (١٢) بيان أن القبلة في الصوم ليست محرمة على من لم تحرك شهوته حديث رقم (١١٠٦ ج ٢ ص ٧٧٦، ١٧٧)، وابن داود برقم (٢٣٨٢ - ٢٣٨٣ ج ٢ ص ١١٣)، والترمذي (ج ٣ ص ١٠٦)، والموطأ برقم (١٤ ج ١ ص ٢٩٢).
(٢) رواه ابن ماجه بإسناد ضعيف في كتاب الصيام باب (١٧) ما جاء في السواك والكحل للصائم حديث رقم (١٦٧٨ ج ١ ص ٣٦)، وقال الترمذي: لا يصح في هذا الباب شيء.
(٣) أخرجه أبو داود عنه - ﷺ - قال في الأثمد: "ليتقه الصائم" فقال أبو داود: قال لي يحيى ين معين: هو منكر، وذكره الأمير الصنعاني في سبل السلام (ج ٢ ص ٣٢٦).
[ ١٣٢ ]
فصل في صيام النافلة
كان رسول الله - ﷺ - يصوم نافلة، حتى يظنوا أنه لا يفطر، ويفطر حتى يظنوا أنه لا يصوم نافلة بعدها، وكان لا يدع شهرا خاليا من الصيام، وما يفعله العوام من صيام الأشهر الثلاثة لم يرد فيه شيء.
ونهى عن صيام رجب، وقال في سنة شوال: "ومن صام رمضان واتبعه بست من شوال فكأنما صام الدهر" (١)، وكان يصوم عاشوراء البتة. ولصيام عاشوراء ثلاث مراتب:
أفضلها وأكملها أن يصوم ثلاثة أيام، العاشر، ويوم قبله، ويوم بعده.
المرتبة الثانية: أن يصوم التاسع، والعاشر.
المرتبة الثالثة: أن يصوم العاشر على انفراده، وأما صوم التاسع على انفراده، فإنه لا يجزى عن السنة، وأما يوم عرفة، فإن كان في الحج أفطر، ليتقوى على الدعاء والاجتهاد، ولأن الإفطار في السفر أفضل.
وأيضا فإنه كان يوم الجمعة، وإفراد صوم الجمعة مكروه، وأيضا فإن يوم عرفة لأهل الموقف عيد، فإنهم كانوا يجتمعون فيه، كما يجتمع غيرهم من مواطن الأعياد.
وورد في الحديث النبوي "ويوم عرفة، ويوم النحر، وأيام منى عيدنا أهل (٢) الإسلام" وكان في بعض الأوقات يصوم يوم السبت والأحد، وغرضه مخالفة اليهود والنصارى.
_________________
(١) رواه مسلم في كتاب الصيام باب استحباب صوم ستة أيام من شوال اتباعا لرمضان حديث رقم (١١٦٤ ج ٢ ص ٨٢٢)، وأبو داود في كتاب الصوم، باب في صوم ستة أيام من شوال، حديث رقم (٢٤٣٣ ج ٢ ص ٣٢٤)، والترمذي في كتاب الصوم، باب ما جاء في صيام ستة أيام من شوال حديث رقم (٧٥٩ ج ٣ ص ١٣٢).
(٢) أخرج الشيخان مثله، رواه البخاري في كتاب الصوم باب صوم يوم النحر حديث رقم (١٩٩٥ ج ٤/ ٢٤٠، ٢٤١)، ومسلم في كتاب الصيام باب النهي عن صوم يوم الفطر ويوم الأضحى حديث رقم (٨٢٧، ١٤٠ ج ٢ ص ٧٩٩).
[ ١٣٣ ]
وفي حديث أم سلمة حيث قالوا: أي الأيام كان رسول الله - ﷺ - أكثرنا صياما؟ قالت: يوم السبت والأحد. ويقول: "إنهما عيد للمشركين، فأنا أحب أن أخالفهم" (١) ولم يكن من العادة النبوية، دوام الصيام بل نهى عن صوم الدهر، قال في حق الصائم: "ولا صام ولا أفطر" (٢).
كان في غالب الأيام، إذا دخل بيته، سأل: "هل عندكم ما يؤكل؟ " فإن قالوا: لا، قال: "فإني صائم"، ونوى الصيام، وكان في بعض الأوقات ينوى صوم التطوع ولا يتم الصيام، بل يفطر، وقال: "من نزل على قوم، فلا يصومن تطوعا إلا بإذنهم" لكن طعنوا في إسناد هذا الحديث، وكان يكره تخصيص يوم الجمعة بصوم، ويقول: "إنه يوم عيد فلا تصوموه إلَّا أن يتقدمه يوم أو يعقبه يوم" (٣) فلا يكره إذا وقد بين سر هذا في باب الجمعة.
فصل اعتكاف النبي - ﷺ -
لما كان الاعتكاف سبب جمعية الخاطر والانقطاع عن الغير إلى الحق، والإقبال على العبادات، وموجب البعد عن الخلق، وواسطة لزوال التفرقة، والهموم المغايرة، وهذه القاصدة في حالة الصيام أكمل وأفضل.
لا جرم أنه - ﷺ - بين للأنام، تشريع الاعتكاف، في أفضل أيام الصيام، وهي العشر الأواخر، من شهر رمضان، ولم يرد أنه اعتكف بغير صيام أبدا،
_________________
(١) أخرجه النسائي وصححه ابن خزيمة، وهذا لفظه، وأورده الأمير الصنعاني في سبل السلام (ج ٢ ص ٣٥٠).
(٢) أخرجه الشيخان بلفظ: "لا صام من صام الأبد" انظر صحيح البخاري في كتاب الصوم باب حق الأهل في الصوم حديث رقم (١٩٧٧ ج ٤ ص ٢٢١)، ومسلم في كتاب الصيام باب النهي عن صوم الدهر حديث رقم (١١٥٩) حديث الباب (١٨٦ ج ٢ ص ٨١٤، ٨١٥).
(٣) متفق عليه، أخرجه البخاري في كتاب الصوم باب صوم يوم الجمعة حديث رقم (١٩٨٥ ج ٤ ص ٢٣٢)، ومسلم في كتاب الصوم باب كراهية صيام يوم الجمعة منفردا حديث رقم (١١٤٤ ج ٢ ص ٨٠١)، وأبو داود في كتاب الصوم باب النهي أن يخص يوم الجمعة بصوم حديث رقم (٢٤٢٠ ج ٢ ص ٣٢٠)، والترمذي برقم (٧٤٣ ج ٣ ص ٣٢٠).
[ ١٣٤ ]
وكانت عائشة - ﵂ - تقول: لا اعتكاف إلا بصوم، واعتكف في جميع الرمضانات في العشر الأواخر (١)، ولم يفته إلا رمضان واحد قضى اعتكافه في شوال، واعتكف مرة في العشر الأول، ومرة في العشر الأوسط، ومرة في العشر الأخير.
ولما علم أن ليلة القدر في ذا العشر، واظب اعتكافه، إلى آخر الحال، وكان إِذا قصد الاعتكاف، صلى الصبح ودخل معتكفه، وهو خيمة كانت تنصب له في المسجد ليختلى فيها، وكان لا يأتى إلا لقضاء الحاجة (٢). وكان في بعض الأحيان يخرج رأسه من المسجد إلى حجرة عائشة - ﵂ - لترجل له رأسه (٣) وتغسله.
ومن أراد من أمهات المؤمنين زيارته - ﷺ - في حال الاعتكاف جاءت إليه وعند قيامها للرجوع كان يقوم معها، ويعانقها ويقبلها. وهذا المجموع كان في الليل، وكان لا يباشر في مدة الاعتكاف، وكان إذا أراد الاعتكاف يوضع له سرير في معتكفه. ويفرش له عليه.
وكان إذا دخل منزله لقضاء الحاجة، لا يشتغل بأحد، وكان يمر في بعض الأحيان على المريض من أهل بيته، فلا يقف عنده ولا يسأل عن حاله، وكان يعتكف في كل عام عشر أيام، وفي العام الأخير اعتكف عشرين يوما (٤). وكان يعرض القرآن على جبريل في كل عام مرة، وفي العام الأخير عرضه مرتين. وبالله تعالى التوفيق.
_________________
(١) متفق عليه رواه البخاري في كتاب الاعتكاف باب الاعتكاف في العشر الأواخر حديث رقم (٢٠٢٦ - ج ٤ ص ٢٧١)، ومسلم في كتاب الاعتكاف باب اعتكاف العشر الأواخر من رمضان حديث رقم (١١٧٢) حديث الباب رقم (٥ - ج ٢ ص ٨٣١)، وأبو داود برقم (٢٤٦٢ - ج ٢ ص ٣٣١)، والترمذي (٣/ ١٥٧)، والنسائي (٢٦ ص ٤٤).
(٢) متفق عليه انظر صحيح البخاري (ص ٢٧٣ حديث رقم (٢٠٢٩)، ومسلم (ج ١ ص ٢٤٤) برقم (٧٩٧).
(٣) متفق عليه انظر نفس المصدرين السابقين.
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه (ج ٤ ص ٢٤٥).
[ ١٣٥ ]