[ ٢١٣ ]
فصل في طعامه - ﷺ -
كان من كريم عادته إذا حضر طعام لا يرده، ولا يتكلف في طلب مفقود، ومتى حضر طعام صالح من طيبات الأطعمة، لابد أن يتناول منه "وما عاب طعاما قط إن اشتهاه أكله وإلا تركه" (١) وكان يكثر أكل الحلوى والعسل، ويحب ذلك، وكان يشرب كل يوم قدحا من ماء وعسل، يتجرعه، ويصبر حتى تغلب عليه شهوة الطعام ثمَّ يأكل قليلًا من خبز الشعير بالماء أو بإدام ويكتفى بذلك" (٢).
وثبت في الصحيح، أنَّه أكل لحم الإبل، ولحم الغنم، ولحم الدجاج، ولحم الحبارى، ولحم الأرنب، ولحم السمك، ولحم العنبرى البحرى، والرطب، والتمر، وشرب الحليب المحض وممزوحا، وأكل الخبز والتمر، والخبز بالخل، والخبز بالشحم المسلى، ونقيع التمر والرطب بالخيار، وكبد الغنم مشويا، واللحم القديد، والدباء مطبوخة، والجبن والثريد والخبز بالزيت، والتمر بالزبد، والرطب بالبطيخ، ثبت أنَّه - ﷺ - تناول هذه الأشياء كلها (٣).
وفي الجملة مهما حضر من الطيبات لم يرده، وإن لم يجد شيئًا صبر حتى أنَّه شد الحجر على بطنه الشريف (٤)، من شدة الجوع "وكان يمر عليه الهلالان، والثلاثة، لا يوقد في بيته نارا" (٥).
_________________
(١) متفق عليه أخرجه البخاري (٩/ ٤٧٧)، ومسلم (٢٠٦٤)، وأبو داود (٣٧٦٣)، والترمذي (٢٩٣٢)، وابن ماجه حديث رقم (٣٢٥٩)، والنووى في رياض الصالحين (ص ٣٤٠) حديث رقم (١/ ٧٣٦).
(٢) أخرجه الترمذي في سننه حديث رقم (١٨٨٤).
(٣) انظر صحيح البخاري (ج ٩ ص ٤٥٨)، ومسلم (٢٠٢٢)، وموطأ الإمام مالك (ج ٢ ص ٩٣٤)، وسنن أبي داود (٣٧٧٧)، والترمذي (١٨٥٨)، ومستدرك الحاكم (ج ٤ ص ١٠٨) وما بعدها.
(٤) متفق عليه أخرجه البخاري (ج ٦ ص ٤٢٩، ٤٣٢ وج ٩ ص ٤٦٠)، ومسلم (٢٠٤٠).
(٥) متفق عليه أخرجه البخاري (ج ١١ ص ٢٥١)، ومسلم (٢٩٧٢).
[ ٢١٥ ]
وإذا حضر الطعام وضعوه على السفرة وبسطوها على الأرض، ولم يأكل على خوان مرتفع "وكان يأكل بثلاثة أصابع وإذا فرغ لعق أصابعه" (١) وكان لا يأكل متكئا (٢).
والإتكاد على ثلاثة أنواع:
أحدها: أن يضع جنبه على الأرض.
الثاني: أن يقعد مربعا.
الثالث: أن يعتمد بإحدى يديه على الأرض ويأكل بالأخرى، وكلها مذمومة. وكان إذا فرغ من الطعام. قال: "الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه غير مكفى، ولا مودع، ولا مستغنى عنه ممم كلام ممسوح في المصور ممم (٣).
وفي بعض الأحيان يقول: "الحمد لله الذي أطعم من الطعام وسقى من الشراب، وكسا من العرى، وهدى من الضلالة، وأبصر من العمى، وفضل على كثير ممن خلق تفضيلا، الحمد لله رب العالمين" (٤).
وفي بعض الأحيان يقول: "الحمد لله الذي أطعم وسقى وسوغه" (٥) ولم يكن من العادة أن يغسل الأيدى بعد الطعام بالماء وكان يشرب الماء قاعدا في الغالب (٦) وكان يمنع من يشرب قائما ويزجره، وشرب قائما مرة، قال بعضهم: إنما شرب قائما لبيان ممم كلام ممسوح في المصور ممم.
_________________
(١) متفق عليه أخرجه البخاري ممم كلام ممسوح في المصور ممم.
(٢) متفق عليه أخرجه ممم كلام ممسوح في المصور ممم.
(٣) تقدم تخريجه.
(٤) أخرج نحوه أبو داود ممم كلام ممسوح في المصور ممم.
(٥) لم نقف عليه.
(٦) انظر صحيح البخاري ممم كلام ممسوح في المصور ممم.
[ ٢١٦ ]
وقال بعضهم بل لعذر، لا جرم قال أكثر العلماء: لا ينبغي أن يشرب قائما، وإذا منع عذرا من القعود، جاز الشرب قائما، وكان إذا شرب الماء دفع الباقي لمن هو عن يمينه، وإن كان الذي عن يساره أسن وأدرى (١).
فصل في لباسه - ﷺ -
كان غالب لباسه القطن، وكذا أصحابه الأخيار. وفي بعض الأحيان كان يلبس الصوف، والكتان، وما حضر وتيسر اكتفى به جبة كان أو قباء، أو قميصا وكان يلبس السراويل، والرداء، والخفين، والنعلين، يلبس كل ذلك (٢). وكان يجعل للعمامة عذبة في بعض الأحيان، ويرخيها بين كتفيه. وقد يلبسها بغير عذبة.
وكان يتحنك في بعض الأحيان، وكان إذا استجد ثوبا سماه باسمه عمامة أو قميصا أو رداء. ثمَّ يقول: "اللهم أنت كسوتنيه، أسألك خيره، وخير ما صنع له، وأعوذ بك من شره وشر ما صنع له، وإذا لبس ثوبا ابتدأ بالجانب الأيمن في الكم ونحوه" (٣).
وكان في بعض الأحيان يلبس ثوبا من شعر: قالت عائشة: خرج من البيت ولبس ثوبا من الشعر الأسود (٤). وقال قتادة: سألت أنسًا عن أحب الثياب إلى رسول الله - ﷺ -، فقال: الحبرة - والحبرة بُرد يمنى - وكان في بعض الأحيان يلبس ثوبا من كتان مصر.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٥/ ١٤٨ وج ١٠ ص ٦٦)، ومسلم (٢٠٢٩)، ومالك في الموطأ (ج ٢ ص ٩٢٦)، والترمذي (١٨٩٤)، وأبو داود (٣٧٢٦).
(٢) انظر صحيح البخاري (١٠/ ٢٥٨) ومسلم (٢٣٣٧)، وأبو داود برقم (٤٠٧٢)، والترمذي (١٧٢٤) والنسائي (٨/ ٢٠٣).
(٣) أبو داود (٤٠٢٠) والترمذي (١٧٦٧) والإمام أحمد في مسنده (٣/ ٣٠ و٥٠) وهو حديث حسن.
(٤) انظر مسلم (٢٣٥٨).
[ ٢١٧ ]
وقالت عائشة: صنعت له ثوبا من صوف فلبسه، وعرق فيه (١) فشم رائحة الصوف فألقاه عنه في الحال، لأنه كان يكره الرائحة الكريهة إلى الغاية، ويحب الرائحة الطيبة.
قال ابن عباس: رأيت رسول الله - ﷺ - في أحسن حلة. وقال أبو رمثة رأيت النبي - ﷺ - يخطب وقد لبس بردا أخضر، والبرد الأخضر هو برد فيه. خطوط خضر، لأنه أخضر خالص، ووسادته من أديم حشوها ليف.
وأكثر الناس قد صاروا فئتين:
فئة اختاروا البعد عن الملابس الجميلة واقتصروا على المرقعات والمحفرات.
وفئة اختاروا أفخر الملابس، وأشرف الثياب، ولبسوا الناعم المزين ذا الشهرة، وهاتان الفئتان مخالفتان لسنة النبي - ﷺ -، لأنه قال: "من لبس ثوب شهرة لبس يوم القيامة ثوب مذلة" (٢).
فصل أمر الرسول في الملابس
النبي - ﷺ - لبس السراويل، ولبس العمامة بغير قلنسوة، ومع القلنسوة، والقلنسوة بغير العمامة، وكان يجعل العذبة بين كتفيه في أكثر الأحوال (٣)، وجاء في بعض الأحاديث أنَّه - ﷺ - قال: "رأيت رب العزة في الصوم فقال: يا محمد فيما يختصم الملأ الأعلى؟ فقلت: لا أدرى. قال: فوضع يديه بين كتفي، فعلمت ما بين السماء والأرض" (٤).
_________________
(١) انظر صحيح مسلم (٢٠٨١)، ومسند الإمام أحمد (٦/ ١٦٢).
(٢) انظر صحيح البخاري (١٠/ ٢٤٤)، ومسلم (٢٠٦٨)، وسنن النسائى (ج ٨ ص ٢٠١).
(٣) انظر سنن أبى داود (٤٠٢٥)، والترمذي (١٧٦٢) وهو حديث حسن.
(٤) لهذا الحديث طرق متعددة وروايات مختلفة ذكرها السيوطي في الدر المنثور (ج ٥ ص ٣١٩، ٣٢٠)، وقد رواه أحمد في المسند (ج ٥ ص ٢٤٣) مطولا من حديث عبد الرحمن بن عياش الحضرمى، وأورده الإمام ابن الجوزى في زاد المسير (ج ٧ ص ١٥٥).
[ ٢١٨ ]
فلما أصبح - ﷺ - جعل العذبة بين كتفيه "وكان كم قميصه لا يجاوز رسغه (١) وكان أحب الثياب القميص، ولبس حلة حمراء" (٢) والحلة عبارة عن ثوبين والمراد بالأحمر هنا ما فيه خطوط حمر، لا أنَّه أحمر خالص، لأن الأحمر الخالص منهى عنه.
لبس عبد الله بن عمر بن العاص ثوبا أحمر. فقال - ﷺ -: ما هذا؟ قال: فعرفت ما يكره، فانطلقت فأحرقته، فلما جئت في اليوم الثاني قال لي: ما فعلت بثوبك؟ قلت: أحرقته. قال: "هلا كسوته بعض أهلك فإنَّه لا بأس به للنساء".
وفي الصحيح قال عبد الله بن عمرو: رأى رسول الله - ﷺ - على ثوبين معصفرين فقال: "إن هذه من ثياب الكفار فلا تلبسها" (٣).
وفي الجملة ينبغي الاحتراز من لبس الثياب الحمر الخالصة، وكان - ﷺ - يلبس الثوب المعلم (٤)، والثوب الساذج، والثوب الأسود، والفرو المعلم على أطرافه بالسندس، والنعل والتاسومة، كل هذا لبسه، ولبس الخاتم، والروايات مختلفة ففي بعضها: أنَّه لبسه في اليد اليمنى، وفي بعضها في اليد اليسرى، وكان نقشه على هذه الهيئة: (محمَّد رسول الله).
وقال: "لا ينقش أحدكم على نقش خاتمى" (٥) هذا ولبس الدرع من الزرد والخود والجواشن، وضاعف بين درعين في بعض الأحيان، وكان له جبة خسروانية، مفرجة عليها سجف من الديباج مخيطة".
_________________
(١) "الرسغ" بضم فسكون أو ضمتين: المفصل بين الساعد والكف. والحديث أخرجه أبو داود (٤٠٣٧)، والترمذي (١٧٦٥) وقال حديث حسن.
(٢) أخرجه البخاري (١٠/ ٢٥٨)، ومسلم (٢٣٣٧)، وأبو داود (٤٠٧٢)، والترمذي (١٧٢٤)، والنسائي (٨/ ٢٠٣)، وذكره النووى في رياض الصالحين (ص ٣٥٣).
(٣) أخرج نحوه الشيخان: البخاري (١٠/ ٢٤٤)، ومسلم (٢٠٦٨)، والنسائي (ص ٣٥٣).
(٤) انظر فتح البارى (ج ١ ص ٩٩) وفي كتاب الأذان (ج ١ ص ١٨١) وفي كتاب اللباس باب الأكسدة والحمائض (ج ٧ ص ١٩٠). ومسلم (ج ١ ص ٢٢٤) وأبو دواد، (ص ٣٧١)، والنسائي (٢/ ٧٢)، وابن ماجه (٢/ ١٧٦).
(٥) انظر كتاب أخلاق النبي - ﷺ - (ص ١٣٥).
[ ٢١٩ ]
وأما الطيلسان فإنَّه كان يلبسه حال الحر، كما في اليوم الذي أمر فيه بالهجرة، فإنَّه جاء في نصف الليل إلى بيت أبي بكر وهو مطيلس، وأما حديث أنس كان يكثر القناع يعني يلبس الطيلسان كثيرا - فحمله بعضهم على أوقات الضرورة - في السفر، وكان يلبس جبة ضيقة الكمين، وكان يلبس الإزار والرداء في بعض الأحيان، طول الرداء ستة أذرع، وعرضه ثلاثة أزرع وشبرا وطول الإزاء أربعة أذرع وشبر، وعرضه ذراعان وشبر. والله تعالى أعلم" (١).
فصل في العادة النبوية في معاشرة أزواجه الطاهرات ومباشرتهن
قال - ﷺ -: "حبب إلى من دنياكم النساء والطيب، وجعلت قرة عينى في الصلاة" (٢) وبعض المصنفين يزيد لفظ ثلاث وذلك غلط، وحيث لم يستقم أولوه بتأويلات كلها سهو. فإن الصلاة ليست من أمور الدنيا، وأحب الأشياء إليه من أمور الدنيا النساء والطيب، وفي كثير من الليالى كان يطوف على جميع نسائه التسع، وأكرمه الله بقوة ثلاثين رجلا من الأقوياء. لا جرم أبيح له ما شاء من النساء. وكان يسوى بينهن في المبيت والإيواء، والنفقة، وجميع الأمور.
وأما في المحبة فقال: "اللهم هذا قسمتى فيما أملك فلا تلمنى فيما تملك ولا أملك" (٣) يعني في المحبة والمجامعة.
_________________
(١) انظر تفاصيل ذلك في المصدر السابق (ص ١١٠ و١١١ و١١٢).
(٢) أخرجه أبو الشيخ الأصبهانى في كتاب أخلاق النبي - ﷺ - (ص ٢٤٧) وتقدم تخريجه.
(٣) أخرجه أبو داود في كتاب النكاح باب القسم بين النساء حديث رقم (٢١٣٤ ج ٢ ص ٢٤٢)، والترمذي في كتاب النكاح باب ما جاء في التسوية بين الحرائر حديث رقم (١١٤٠ ج ٣ ص ٤٤٦)، والنسائي (٧/ ٦٤) وابن ماجه ١/ ٦٣٤ حديث رقم (١٩٧١).
[ ٢٢٠ ]
وفي وجوب رعاية المساواة بينهن عليه قولان:
أحدهما وجوب القسم.
الثاني أنَّه كان يجوز له أن يعاشرهن بغير قسم وذا من خصائصه، وطلق بعضهن وراجع، وآلى مؤقتا بشهر، ولكن ما ظاهر، وبعض الفقهاء قال ظاهر أيضًا، وهو غلط واضح، وسهو فاضح، وسيرته معهن أحسن السير، وقد قال: "خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلى" (١).
وكان يسوق بنات الأنصار إلى عائشة ليلاعبوها، وإذا التمست أمرًا ليس فيه محظور وافق، وتابع. وشربت من كوز فأخذه - ﷺ - ووضع شفته موضع شفتها ثمَّ شرب، ورفعت عظما فنهشت مما عليه من اللحم، فأخذه - ﷺ - من يدها، وأكل من موضع فمها، وكان يتكئ عليها، ويقرأ القرآن، وكان يجعل رأسه في حضنها، ويتلو، وإن كانت حائضا.
وفي حالة الحيض كان يأمرها بشد الإزار، ثمَّ يعانقها فوقه، ويلصق سائر بشرته بها، وكان يقبلها في أيام الصيام، ومن كمال لطفه، وغاية مكارم أخلاقه مع أهل بيته، أنَّه كان يمكنها من اللعب باللعب، كما هي عادة البنات، واتكأت على كتفه لتنظر إلى الحبشة ورقصهم.
وفي السفر سابقها مرتين راجلا، سبقته عائشة في المرّة الأولى، وفي المرّة الثانية كانت عائشة قد بدنت فسبقها - ﷺ - فقال: "هذا بذاك" وخرجا مرة من الحجرة معا وتدافعا عند محلّ الباب، حتى خرجا، وكان إذا عزم على سفر أقرع بينهن، فمن وقعت قرعتها ذهب بها، ولم يقض للمقيمات عند العود وربما لاعب احداهن، ووضع يده عليها بحضور الجميع، وكان يطوف على
_________________
(١) أخرجه الترمذي في أبواب المناقب باب في فضل أزواج النبي - ﷺ - (ج ٥ ص ٣٦٩) وقال: هذا حديث حسن صحيح، والدارمي في كتاب النكاح باب في حسن معاشرة النساء (ج ٢ ص ٨٢) وليس فيه: (وأنا خيركم) وابن حبان في كتاب النكاح باب في عشرة النساء موارد الظمآن (ص ٣١٨)، والبيهقي في الأربعون الصغرى (ص ٢١٣).
[ ٢٢١ ]
الحجرات كلها في كل يوم بعد العصر، يتفقد أحوال أهلها، فإذا جن الليل بات في حجرة صاحبة النوبة، وقسم بين ثمانية من نسائه، لأنَّ سودة - ﵂ - وهبت نوبتها لعائشة، فكانت لعائشة ليلتان (١) وللأخريات ليلة ليلة.
والذي وقع في صحيح مسلم، عن عطاء، أنَّه قال: الزوجة التي لم يقسم لها هي صفية، غلط صريح من عطاء، وسبب هذا الوهم أن رسول الله - ﷺ - وجد على صفية في بعض الأيام، فاضطربت صفية وقالت لعائشة: إن استطعت أن ترضى رسول الله - ﷺ - عني وهبتك نوبتى، فقالت عائشة: بلى، ثمَّ جاءت وقعدت إلى جنب رسول الله - ﷺ - في يوم نوبة صفية فقال: "أبعدى فإن اليوم ليس نوبتك" قالت عائشة: ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، وحكت له، فرضى - ﷺ - عن صفية.
وهذه الحالة إنما كانت في يوم واحد، ونوبة واحدة لا غير. فإذا وهم بعض الرواة، وحديث كان يقسم ثمان صحيح، وكان من السادة النبوية أنَّه إذا واقع في أول الليل اغتسل، ثمَّ نام في بعض الأحيان.
وفي بعضها كان يتوضأ وينام، ثمَّ يغتسل في آخر الليل، والحديث المروى عن عائشة أنها قالت: ربما نام ولا يمس ماء، غلط من بعض الرواة، وربما طاف على جميعهن واغتسل في الآخر غسلا واحدا. وربما اغتسل عقيب كل مواقعة، وكان إذا قدم من السفر، لا يدخل البيت ليلًا (٢).
_________________
(١) أخرجه الشيخان البخاري في كتاب النكاح باب (٩٨) المرأة تهب يومها في زوجها لضرتها وكيف يقسم ذلك حديث رقم (٥٢١٢) فتح البارى (٩/ ٣١٢)، ومسلم في كتاب الرضاع باب جواز هبتها نوبتها لضرتها حديث رقم (١٤٦٣ ج ٢ ص ١٠٨٥).
(٢) انظر صحيح البخاري (٩/ ٢٩٦، ٢٩٧)، ومسلم (٩/ ١٥٢٨) رقم حديث الباب (١٨٤)، وسنن أبى داود (٢٧٧٦) و(٢٧٧٨)، والترمذي (٢٧١٣).
[ ٢٢٢ ]
فصل في نوم سيدنا رسول الله - ﷺ - ويقظته
كان النبي - ﷺ - ينام في بعض الأحيان على الفراش، وحينا على النطع، وحينا على الحصير، وحينا على الأرض، مجردا. وفراشه من أديم، حشوه ليف عوض القطن، وكان له مسح من شعر، ينام عليه في الليل، وكانوا يثنونه له عند النوم، فجعلوه في بعض الليالى أربع طاقات فنهاهم وقال: "اجعلوه مثنيا كما كنتم تفعلون أولًا. فإنَّه منعنى البارحة من صلاتي".
وفي الجملة: كان ينام على الفراش أيضًا. ويلتحف، وقال: إن جبريل لم يأتي قط في لحاف امرأة سوى لحاف عائشة، وكانت وسادته من أديم حشوها ليف.
[ ٢٢٣ ]
فصل في الركوب
كان - ﷺ - في بعض الأحيان يركب الفرس، وفي بعضها يركب البغل (١)، والحمار، وكان قد يركب الفرس عريانا بغير سرج. وقد يسوق، وفي الغالب كان يركب منفردا، وفي بعض الأحيان كان يردف على البعير أحدا، وربما أركب شخصا آخر بين يديه، فيصيرون ثلاثة على بعير، وربما أردف بعض أمهات المؤمنين.
وغالب مراكيبه - ﷺ - الفرس، والبعير، وأما البغل فإنَّه كان قليلًا في بر العرب، أهدى له - ﷺ - بغلة من الإسكندرية، وكان يركبها فقال بعض الصحابة: نحن أيضًا نقفز الحمير على الخيل لتنتج البغال، فقال: "إنما يفعل ذلك الذين لا يعلمون".
فصل في ممتلكات النبي - ﷺ -
كان للنبي - ﷺ - قطيع من الغنم، وكان لا يحب أن يزيد على مائة فإن زاد شيء ذبح بدله، وكان له جوار وغلمان، وكان العتقاء من تلك الجملة ينيفون على الأرقاء، وأكثر مواليه وعتقائه، الغلمان لا الإماء، وقال: "أيّما امرئ أعتق امرءا مسلما كان فكاكه من النار يجزى كل عضو منه عضوا منه" (٢)، "وأيما امرئ مسلم أعتق امرأتين مسلمتين كانتا فكاكه من النار يجزي كل عضوين منهما عضوا منه" (٣) وهذا حديث صحيح، ودليل على أن عتق الغلام أفضل من عتق الأمة، وأن عتق الغلام يعدل عتق أمتين.
_________________
(١) انظر: كتاب أخلاق النبي - ﷺ - وآدابه (ص ١٦١).
(٢) أخرجه البخاري في كتاب العتق باب ما جاء في العتق وفضله، حديث (٢٥١٧ ج ٥ ص ١٤٦)، ومسلم في كتاب العتق، باب فضل العتق حديث رقم (١٥٠٩) حديث الكتاب (٢٤ ج ٢/ ١١٤٨، ج ٤ ص ١١٤).
(٣) أخرجه الترمذي في كتاب النذور والإيمان باب ما جاء في فضل من أعتق، حديث رقم (١٥٤٧ ج ٤ ص ١٧٧ - ١١٨)، وانظر سبل السلام (ج ٤ ص ٢٦٨).
[ ٢٢٤ ]
فصل في عادة الرسول في أحواله العمومية
باع سيدنا رسول الله - ﷺ - واشترى، لكن بعد نزول الوحي كان الشراء غالبا، والبيع قليلًا، وأما بعد الهجرة فلم يحفظ البيع، إلا في ثلاث صور والشراء كثير، وأجر - ﷺ - واستأجر، والاستئجار أغلب، وحفظ أنَّه قبل النبوة أجر نفسه لرعى الغنم، وأجر نفسه لخديجة ليتجر لها (١).
وفي صحيح مسلم، أنَّه أجر نفسه من خديجة مرتين، وفي سفرتين كل سفرة بجمل، وشارك النبي - ﷺ - ووكل، وتوكل، وكان التوكيل أكثر، وأهدى له - ﷺ - وقبل الهدية، وعوض عنها، ووهب له - ﷺ - وقبل الهبة.
وحصل لسلمة بن الأكوع في بعض الغزوات، جارية حسناء، فقال له - ﷺ -: هبها لي، فأخذها، وفادى بها جماعة من الأسرى بمكة، وخلصهم من الأسر.
واقترض - ﷺ - برهن، وبغير رهن، واستعار واشترى بنقد ونسيئة، وضمن عن الله ﷿، ضمانا خاصا. كما قال: "من ضمن لي ما بين لحييه (٢) وما بين رجليه ضمنت له الجنة" (٣) ومثل هذا الضمان في السنة كثير.
وضمن ضمانا عاما عمن مات، وعليه دين، ولم يترك وفاء دينه. وكان - ﷺ - يشفع ويشفع إليه، وشفع لمغيث عند امرأته بريرة. فلم تقبل الشفاعة، ولم يغضب عليها ولم يعاتبها، وكان يكثر القسم بالله، والثابت من ذلك يزيد على ثمانين موضعا.
وأمر الله تعالى نبيه بالقسم في ثلاثة مواضع:
_________________
(١) انظر: عيون الأثر لابن سيد الناس، وابن حجر في الإصابة وغيرهما، وفتح البارى لابن حجر (ج ٧ ص ٩١).
(٢) ما بين لحييه: هو اللسان. وما بين رجليه: الفرج. انظر: رياض الصالحين ص ٥٧٠.
(٣) أخرجه البخاري (ج ١١ ص ٢٦٤)، وأخرجه الترمذي (٢٤٠٨).
[ ٢٢٥ ]
الأول: قال الله تعالى: ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ (١).
الثاني: قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ (٢).
الثالث: قال الله تعالِى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ (٣).
وكان في بعض الأحيان يستثنى في يمينه. وقد يكفر عنها في بعض الأحيان وقال: "إني والله إن شاء الله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها، إلا كفرت عن يمينى، وأتيت الذي هو خير" (٤).
وكان - ﷺ - يمزح، ولايقول إلا حقا ويورى، ولا يقول في توريته إلا حقا. كما أنه كان إذا عزم على قصد جهة سأل عن جهة أخرى ومياهها، ومراعيها، ومنزلها، وأمثال هذه التورية كان يفعلها في الغزوات، والجهاد كثيرا.
وكان - ﷺ - يستشير، ويشير، ويعود المرضى، ويحضر الجنائز، ويجيب الدعوة، ويمضى مع الأرامل والمساكين والضعفاء، لقضاء حوائجهم فيقضيها، وكان يسمع الشعر من الشعراء، ويعطيهم الخلع، لأن جميع ما قالوه وما يقولونه إلى يوم القيامة قطرة من بحر، فعطاؤه لهم على قول حق.
وأما مدح غيره، فإنه في الغالب زور وبهتان، وكذب صراح لا جرم قال: "احثوا في وجه المداحين التراب" (٥).
_________________
(١) سورة يونس آية رقم (٢٥)
(٢) سورة سبأ آية رقم (٣)
(٣) سورة التغابن آية رقم (٧).
(٤) متفق عليه أخرجه البخاري في كتاب الإيمان والنذور باب (لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم) حديث رقم (٦٦٢٢ ج ١١/ ٥١٦، ٥١٧)، ومسلم (ت ٣ ص ١٢٧٣) حديت رقم (١٦٥٢) والنسائي (٧/ ١٠، ١١).
(٥) أخرجه مسلم في صحيحه حديث رقم (٣٠٠٢) (٦٩) وأورده النووى في رياض الصالحين (ص ٦٦٥).
[ ٢٢٦ ]
فصل في أخلاق النبي
سابق رسول الله - ﷺ - على قدميه، وصارع، وخصف نعله بيده الكريمة - ﷺ -، ورقع ثوبه، ودلو بيته، وحلب الشاة بيده، ونقى ثوبه من الهوام، وكان يخدم أهل بيته بنفسه - ﷺ -. وفي عمارة المسجد كان يُعين العمال، ويحمل اللبن. وربما جاع حتى شد الحجر على بطنه. وأضاف، وأضيف واحتجم - ﷺ -، وأمر أمته بالحجامة.
وثبت أنه احتجم على رأسه. وعلى ظهر قدميه. وفي الأخدعين، والكاهل - والأخدعان عبارة عن عرقين في جانبي العنق. والكاهل: عبارة عن مقدم الظهر - يعنى بين الكتفين.
وتداوى - ﷺ -، وعند الضرورة أشار إلى الكى، وأمر به لكن لم يكتو، وكان يرقى المرضى، ولم يسترق لنفسه - ﷺ -. وأمر المرضى بالحمية، والمعالجة.
وأما استعمال الأدوية الركبة المذكورة في القراباذين، والمعاجين والمركبات، وأمثالها، فلم تكن من عادته، بل كان يتداوى بالمفردات. وربما أضاف شيئا لدفع سورة ذلك الدواء في النادر. وهذا كمال الحكمة، وغاية معرفة الأطباء. روى أبو خزامة عن أبيه قال: "قلت يا رسول الله أرأيت رقى نسترقيها، ودواء نتداوى به، وتقاه نتقيها هل ترد من قدر الله شيئا؟ قال: هي من قدر الله" (١).
ومنع من التخمة. وكثرة الأكل. وقال: "ما ملأ ابن آدم وعاء شرا من بطنه بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه، فان كان لابد فاعلا فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه" (٢).
_________________
(١) لم نقف عليه. وانظر صحيح مسلم (٢٢٠٢)، وسنن أبي داود (٣١٠٦)، والترمذي (٢٠٨٤).
(٢) أخرجة الترمذي (٢٣٨١)، وأحمد في مسنده (٤/ ١٣٢)، وابن ماجه (٣٣٤٩) وإسناده صحيح.
[ ٢٢٧ ]
فصل في الطب النبوى الشريف
كان - ﷺ - يعالج الأمراض بثلاثة أنواع:
أحدها: بالأدوية الطبيعية.
الثاني: بالأدوية الإلهية.
الثالث: بأدوية مركبة من هذين القسمين؟
أما علاج الحمى فقال: "الحمى من فيح جهنم فابردوها بالماء" (١) وجاء أيضا "إذا حم أحدكم فليرش عليه الماء البارد ثلاث ليال من السحر". وفي موضع آخر في مسند الإمام أحمد: كان رسول الله - ﷺ - إذا حم دعا بقربة من ماء فأفرغها على رأسه فاغتسل.
وثبت في الترمذي "إذا أصابت أحدكم الحمى فإنما الحمى قطعة من النار، فليطفئها بالماء البارد، ويستقبل نهرا جاريا فليستقبل جرية الماء بعد طلوع الفجر، وقبل طلوع الشمس وليقل: بسم الله اشف عبدك وصدق رسولك، وينغمس فيه ثلاث غمسات، ثلاثة أيام، فإن برأ، وإلا فخمسا، وإن لم يبرأ في خمس فسبع. فإنها لا تكاد تجاوز السبع بإذن الله" (٢).
اتفق أهل الحديث: أن هذا خطاب خاص لأهل الحجاز كخطاب لا تستقبلوا القبلة، ولا تستدبروها، ولكن شرقوا أو غربوا. ولما كان أكثر الحميات العارضة لهم، من نوع حمى يوم الناشئة من شدة الشمس، أمر - ﷺ - أن تعالج بالماء البارد شربا واغتسالا.
_________________
(١) رواه البخاري، وأخرج مثله. مسلم حديث رقم (٢٥٧٥).
(٢) أخرج نحوه الشيخان انظر صحيح مسلم (ج ٣ ص ١٢٥٣ (٨)، والبخاري (ج ١٠ ص ١٠٣).
[ ٢٢٨ ]
فصل في عادة الرسول في معالجة الأمراض
استطلاق البطن حيث كان من كثرة المادة عولج بتقوية الإطلاق كما في الصحيحين: "أن رجلا أتى النبي - ﷺ - فقال: إن أخي يشتكي بطنه، فقال: "اسقه عسلا" فذهب ثم رجع فقال: قد سقيته فلم يغن عنه شيئا - وفي لفظ - فلم يزده إلا استطلاقا مرتين أو ثلاثا كل ذلك يقول "اسقه عسلا" فقال له في الثالثة أو الرابعة: "صدق الله وكذب بطن أخيك" (١).
وفي صحيح مسلم "إن أخي عرب بطنه - أي فسد هضمه - واعتلت معدته" (٢) وفي تكرار الأمر بشرب العسل نكتة لطيفة من حديث أن الدواء ينبغي أن يكون له مقدار، وكمية بحسب حال الرض، حتى لو قصر عن ذلك يزيل الرض بالكلية، وإن زاد عن ذلك أسقط القوى، وزاد المرض.
ولما لم يعط في كل نوبة ما يقاوم المرض، لا جرم كان الإطلاق يزداد، وكان - ﷺ - يأمر بإعادة شرب العسل وحيث وصل إلى حده قال - ﷺ -: "صدق الله وكذب بطن أخيك" (٣) وكذب البطن عبارة عن كثرة المادة الفاسدة.
وأعلم أن الطب النبوى، لا نسبة له من طب الأطباء، لأن الطب النبوى متيقن النجاح قطعا لأنه صادر عن الوحي الإلهى، ومشكاة النبوة، وكمال العقل، وأما طب الغير غالبا، فإنه مأخوذ من الحدس، والظن، والتجربة، وهذا مثار الخطر، ومن لا ينتفع بالطب النبوى، فينبغى أن يعلم يقينا، أنه من نقص إيمانه، ومن تلقاه بالقبول، والصدق، وحسن الاعتقاد، انتفع به البتة، كما أن القرآن الكريم، شفاء لما في الصدور والقلوب، ومن لم يتلقه بالقبول، والإخلاص، زاد مرضه ووباله.
_________________
(١) أخرجه الشيخان، انظر صحيح البخاري (ج ١٠ ص ١١٨)، صحيح مسلم (ج ٤ ص ١٧٣٦).
(٢) انظر صحيح مسلم (ج ٤ ص ١٧٣٦).
(٣) انظر صحيح البخاري (١٠/ ١١٨).
[ ٢٢٩ ]
فصل في علاج الطاعون والوباء
كان - ﷺ - يقول: "الطاعون رجز أرسل على طائفة من بنى إسرائيل، وعلى من كان قبلكم، فإذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها، فلا تخرجوا منها فرارا منه" (١) وثبت في حديث آخر "الطاعون شهادة لكل مسلم" (٢).
وجاء في حديث آخر: "الطاعون وخز الجن" (٣) وجاء في رواية أخرى: "الطاعون دعوة نبي" (٤) وفي هذا الحديث الذي نهى فيه عن دخول بلد فيها وباء وعن الخروج منها إشارة إلى الاحتراز، والاجتناب من الوباء، لأن في الدخول إلى محل الوباء تعرضا للبلاء، وإلقاء للنفس في المهلكة، وهذا مخالف للشريعة ومناف للعقل.
وقد ثبت في الحديث: "أن من القرف التلف" (٥) والقرف مداناة المريض. ومقاربة الوداء، ففى الحل أمر الحذر، والحمية، ونهى عن التعرض لأسباب التلف.
وأما النهي عن الخروج من محل دخله الوباء، فيظهر فيه معنيان: حمل النفس على التوكل والاعتماد على الخالق، والصبر على القضاء، والرضا به.
والمعنى الثاني هو ما يقوله الأطباء من أنه يجب على كل من أراد الاحتراز من الوباء تقليل الغذاء، وإخراج الفضلات من الرطوبات من البدن. والميل إلى التدبير اللطيف، والاجتناب من الرياضة، والحمام، لئلا تنبعث الفضلات
_________________
(١) أخرجه الشيخان انظر صحيح البخاري (ج ١٠ ص ١٥٠، ١٥٣)، وصحيح مسلم (٢٢١٨).
(٢) لم نقف عليه، وأخرج نحوه الشيخان، انظر صحيح البخاري (١٠/ ١٥٣، ١٥٦).
(٣) وانظر نحو، في صحيح مسلم (٢٢١٩) والحديث أخرجة الحاكم وصححه وانظر تفسير المنار: محمد رشيد رضا (ج ٨ ص ٣٦٤).
(٤) انظر المصدر السابق (٨/ ٣٦٤) في ما بعدها.
(٥) لم نقف عليه وانظر نيل الأوطار (ج ٤ ص ١٧) وما بعدها.
[ ٢٣٠ ]
الرديئة الكامنة في قعر البدن، ويجب عليه اختيار السكون، والراحة، والطمأنينة، ليسلم من هيجان الأخلاط، ولا شك أن الخروج من أرض الوباء، والسفر إلى أرض أخرى، إنما يتيسر بحركة شديدة وضرر ذلك ظاهر.
فصل في الاستسقاء
أمر - ﷺ - في علاجه بشرب ألبان الإبل وأبوالها. ورد المدينة رهط من قبيلة عكل، فلم يوافقهم ماء الهدينة وهواؤها، فاستسقوا، فجاؤا إلى الرسول - ﷺ - وقالوا: إنا استوخمنا المدينة، فعظمت بطوننا، وارتشهت أعضاؤنا. فقال "لو خرجتم إلى إبل الصدقة، فشربتم من أبوالها وألبانها" ففعلوا.
فلما صحوا عمدوا إلى الرعاة فقتلوهم، واستاقوا الإبل، وحاربوا الله ورسوله، فبعث رسول الله - ﷺ - في آثارهم، فأخذوا، فقطع أيديهم، وأرجلهم، وسمل أعينهم، وألقاهم في الشمس حتى ماتوا، والمحققون من الأطباء مطبقون على أن لبن اللقاح وبول الجمال، من الأدوية المعتبرة في هذا المرض. والله أعلم.
فصل في علاج الجراحات
أمر - ﷺ - في علاج الجراحات، برماد من حصير محروق لما جرح وجهه المبارك في يوم أحد، وكانت فاطمة ﵂ تغسل، وأمير المؤمنين علي ﵁ يصب الماء عليها، وحيث لم ينقطع، أخذت فاطمة قطعة من حصير فأحرقتها حتى صارت رمادا، ووضعت ذلك الرماد على الجراح فانقطع الدم من ساعته، وكانت الحصير من البردى، وفي تلك البلاد غال حصرهم من البردى، ولرماده قوة تامة في قبض الدم.
[ ٢٣١ ]
فصل الرسول وأقواله في الحجامة
كان - ﷺ - يقول: "الشفاء في ثلاثة: في شرطة محجم، أو شربة عسل، أو كية بنار، وأنا أنهى أمتي عن الكي" (١) قال العلماء: هذا الحديث إشارة إلى معالجة جميع الأمراض المادية، لأن المرض إما دموى، أو صفراوى، أو بلغمى، أو سوداوى، فإن كان دمويا، فعلاجه بإخراج الدم، وإن كان من الأقسام الثلانة، فعلاجه بالإسهال - الذي يليق بكل خلط منها - نبه بالعسل على ذلك، وبالمحجم على الفصد، والحجامة، ونبه بالكى، على حالة يعجز فيها الطبيب، ويعيا. وآخر الدواء الكى.
ولما حجمه - ﷺ - أبو طيبة أمر له بصاعين، وقال لسادته: خففوا عنه شيئا من خراجه، ففعلوا، وكان يقول "خير ما تداويتم به الحجامة" (٢) وقال: "ما مررت ليلة أسر بي بملأ من الملائكة إلا قالوا: يا محمد مر أمتك بالحجامة" (٣) والسبب أن الحجامة تخرج الدم من نواحي الجلد، والأطباء بأسرهم قائلون بأن الحجامة في البلاد الحارة أفضل من الفصد، لأن دمهم رقيق ناضج منبسط على سطح البدن، وإنما يخرج بالحجامة، لا بالفصد، والفصد ينفع أعماق البدن.
وفي الصحيحين: "كان رسول الله - ﷺ - يحتجم ثلاثا، واحدة على كاهله واثنتين على الأخدعين (٤) " وفي الصحيح، أنه احتجم، وهو محرم في رأسه لصداع كان به.
_________________
(١) متفق عليه وأورده الشوكاني في نيل الأوطار (ج ٨ ص ٢٠٧).
(٢) متفق عليه وأورده الشوكاني في نيل الأوطار (ج ٨ ص ٢٠٧).
(٣) لم نقف عليه وانظر نيل الأوطار (ج ٨ ص ٢٠٧، ٢٠٨).
(٤) أخرجه الترمذي في سننه وقال: حديث حسن غريب انظر نيل الأوطار (ج ٨ ص ٢٠٧).
[ ٢٣٢ ]
وفي سنن ابن ماجه، أن جبريل جاءه وأمره بالحجامة في الأخدعين والكاهل. وفي سنن أبي داود: "أنه - ﷺ - احتجم في وركه من وثى كان به" (١) والوثى، دكة في البدن، من سقطة، أو ضربة لا تصل الخلع والكسر.
فصل أقوال النبي في الكي
كان النبي - ﷺ - لا يحب الكي. ومع هذا كان يأمر به عند الضرورة، وأرسل مرة طبيبا إلى أبي بن كعب، فرآه وكواه، ولا جرح سعد بن معاذ (٢) في أكحله أمر أن يكوى. فورم فكوى ثانيا. وأمر أسعد بن زارة فكوى من داء (٣) الشوكة، والشوكة - حمرة شديدة تستولى على الوجه والجبهة - وكوى جابر على الأكحل.
مجموع هذه الأحاديث صحيح، وقد بينا من قبل أنه نهى الأمة عن الكى، والجواب عنه أن الأحاديث على أربعة أنواع: بعضها دال على الفعل، وبعضها دال على دعم المحبة، وبعضها دال على الثناء والمدح على تاركه، وبعضها مشتمل على النهى عنه.
أما الفعل فيدل على الجواز. وأما عدم الحبة فلا يدل على المنع. وأما الثناء والدح على الترك، فدليل على الأفضلية والأولوية، وأما النهى عنه فإنه محمول على أنه لن يفعله مختارا، أو يفعله من خوف حدوث مرضا فلا يكون بين الأحاديث تعارض.
_________________
(١) أخرجه الترمذي في سننه، انظر نيل الأوطار (ج ٨ ص ٢٠٩).
(٢) أخرجه ابن ماجه ومسلم بمعناه، وأورده الشوكانى في نيل الأوطار (ج ٨ ص ٢٠٤).
(٣) أخرجه الترمذي في سننه وقال: حديث حسن وغريب، وأورده الشوكانى في نيل الأوطار (ج ٨ ص ٢٠٤).
[ ٢٣٣ ]
فصل في علاج عرق النساء
وهو ما قال رسول الله - ﷺ -: "دواء عرق النساء آلية شاة أعرابية تذاب، ثم تجزأ ثلاثة أجزاء، ثم تشرب على الريق، في كل يوم جزءا". ولما كان هذا المرض يحدث من مادة غليظة لزجة، أو من يبس مزاج، احتاج إلى إنضاج وتليين، وهما في الألية بالخاصية، فأمر - ﷺ - أن يعالج بها، وإنما خص الشاة بالأعرابية لأنها أصغر وألطف، وخاصية مراعى الشيح والقيصوم والنباتات اللطيفة فيها موجودة.
فصل في معالجة يبس المزاج
أمر - ﷺ - في معالجة يبس المزاج بالتليين، واختار للتليين السنا المكى "سأل رسول الله - ﷺ - أسماء بنت عميس: بم كنت تستمشين؟ قالت: بالشبرم. قال: حار جار. ثم قال: استمشين بالسنا". وقال - ﷺ -: "لو كان شيء يشفى من الموت كان السنا" - الشبرم نبت معروف في الحجاز يستعمل من قشور عروق جذوره. (قوله) - ﷺ -: "حار جار" أول الأولى حاء مهملة والثانية جيم، وهذا من باب الاتباع يقال في المبالغة.
وقال - ﷺ - "عليكم بالسنا والسنوت فإن فيهما شفاء من كل داء إلا السام".
وفي تفسير السنوت ثمانية أقوال:
الأول: العسل.
الثاني: رب عكة السمن يخرج مخلوطا بالسمن.
الثالث: حمة تشبه الكمون وليست به.
[ ٢٣٤ ]
الرابع: كمون كرمان.
الخامس: الرزيانج.
السادس: الشبت.
السابع: التمر.
الثامن: عسل يكون في أسفل ظروف السمن، وهذا المعنى أقرب لأن السنا المدقوق المخلوط بعسل مخلوط بسمن أقوى للإسهال وأصلح، وجاء في حديث آخر "خير ما تداويتم به السعوط واللدود والحجامة والمشاء". السعوط يقال لدواء يقطر في الدماغ عن طريق الأنف، واللدود يقال لدواء يصب في الحلق من أحد جانبى الفم، والمشاء دواء مسهل.
فصل في الحكة
أمر - ﷺ - في علاج ذلك بلبس ثياب الحرير، قال أنس بن مالك: "إن عبد الرحمن بن عوف والزبير بن العوام، كانا في مشقة عظيمة من حكة البدن، فرخص لهما في لبس قميص الحرير". وجاء في بعض الروايات "أنهم في بعض الغزوات شكوا إلى حضرة سيدنا رسول الله - ﷺ - كثرة القمل، فرخص لهم في لبس قميص الحرير".
ويتعلق بهذا الحديث أمران: فقهى، وطبى.
أما الفقهى: فحرمة لبس الحرير على ذكور الأمة، إلا لحاجة، أو رجحان مصلحة.
أما الأمر الطبي: فالتداوى بلبس الحرير من الأمراض اليابسة السوداوية، لأن الحرير من الأدوية الحيوانية، ومن خواصه تقوية القلب، والتفريح، ودفع
[ ٢٣٥ ]
غلبة السوداء، والمرض يظهر منها، وهو حار رطب، ومعتدل في قول بعض، وليس فيه شيء من اللين ولا من الخشونة أصلا. لا جرم أنه ينفع من الحكة والجرب وأمثالهما، وبسبب ملاسته لا يثبت القمل عليه.
فصل في ذات الجنب
أمر - ﷺ - في علاج ذلك باستعمال القسط البحرى في جامع الترمذي عن زيد بن أرقم: أن النبي - ﷺ - قال: "تداووا من ذات الجنب بالقسط البحرى والزيت" (١). وفي حديث آخر "القسط البحرى هو العود الهندى" (٢) وذات الجنب على نوعين: حقيقى، وغير حقيقى.
فالحقيقى: ورم يظهر في غشاء بين الأضلاع، وغير الحقيقى يظهر في الجنب الأيسر من احتقان ريح غليظ وهذا الدواء لهذا النوع، لأن القسط الهندى، إذا سحق سحقا جيدا، وخلط بالزيت وطلى به ذلك المكان أو لعق منه بالإصبع حلل تلك المادة، وقوى أعضاء الباطن وفتح السدد.
وأما النوع الحقيقى كان من المادة بلغمية، فهذا الدواء علاجه خصوصا حالة انحطاطه المرض، ولما اشتد به - ﷺ -، مرضه، وكان عنده نساؤه، والعباس وأم الفضل بنت الحارث، وأسماء بنت عميس، فتشاوروا في لده فلدوه، وهو مغمور، فلما أفاق قال: "من فعل بى هذا؟ هذا من عمل نساء جئن من هنا. وأشار بيده الى أرض الحبشة، يشير إلى أم سلمة وأسماء. قالوا: يارسول الله حسبنا أن يكون بك ذات الجنب قال: فيم لددتمونى؟ قالوا: بالعود الهندى، وشئ من ورس، وقطرات من زيت. قال: ما كان الله ليقذفنى بذلك الداء، ثم قال: عزمت عليكم لا يبقى في هذا البيت أحدا إلا لد، إلا عمى العباس فإنه لم يشهدكم، والله أعلم.
_________________
(١) أخرج نحوه ابن ماجة، وأبو داود والترمذي وصححه، انظر الشوكانى في نيل الأوطار (٨/ ٢٠٠).
(٢) لم نقف عليه.
[ ٢٣٦ ]
فصل في علاج الصداع
وإذا حدث برأسه - ﷺ - صداع، وضع عليها الحناء. ويقول: "هذا ينفع الصداع" وفي سنن ابن ماجه: "أن النبي - ﷺ - كان إذا أصابه صداع غلف رأسه بالحناء". ويقول: "إنه نافع بإذن الله من الصداع" (١) والمراد به نوع من الصداع وهو ما لم يكن ماديا، بل كان ملتهبا بحرارة الشمس، والحناء لهذا النوع نافع سيما إذا دق ولت بالخل، وضمد به الجبهة.
وثبت في سنن أبي داود "أن رسول الله - ﷺ - ما شكا إليه وجعا في رأسه إلا قال له: "اختضب بالحناء" (٢) وفي الترمذي عن أم نافع قالت: لا تصيب النبي - ﷺ - قرحة، ولا شوكة، إلا وضع عليه الحناء.
فصل قول النبي في طعام المريض وشرابه
كان النبي - ﷺ - يقول: "لا تكرهوا مرضاكم على الطعام والشراب، فإن الله تعالى يطعمهم ويسقيهم" (٣) رواه الترمذي في جامعة وابن ماجه عن عقبة بن عامر الجهنى ﵁ يرفعه، وحكمته ظاهرة، لأن طبيعة المريض مشغولة بإنضاج المادة وإخراجها.
وإذا أكره المريض على الطعام والشراب، تعجز الطبيعة عن فعلها وتشتغل بهضم الطعام والشراب، ولا تنضج المادة أصلا، بل يبقى شيء غير نضج، ويشتد المرض، ولا ينبغي أن يعانى على قوة المرض إلا أجزاء لطيفة من الأشربة والأغذية، يحصل بها القوة للمريض، ولا تشتغل الطبيعة بإنضاجها كالأشربة اللطيفة وأمراق الفراريج، وإنعاش القوة الغريزية، بشم العطر واستماع الأخبار الفرحة.
_________________
(١) أخرج نحوه البيهقي في السنن الكبرى (٧/ ٣١١)، وفيض القدير (٥/ ٢٤٤)، ونيل الأوطار (٨/ ٢٠٩).
(٢) انظر مسند أحمد (٤/ ٧٠، ٥/ ٣٨١، ٦/ ٤٣٧) ومجمع الزوائد (٥/ ١٧١).
(٣) أخرجه الترمذي في سننه، وابن ماجه في باب عيادة المريض عن عقبة بن عامر الجهني.
[ ٢٣٧ ]
فصل أمره بعلاج العذرة
يظهر في حلق بعض الأطفال علة من ثوران الدم، يقال لها: العذرة، أمر - ﷺ - في علاجها بالقسط الهندى، وبعض الدايات تعصر لهات الصغير بإبهامها فتخرج الدم، فنهى - ﷺ - وقال: "خير ما تداويتم به الحجامة، والقسط البحرى" (١) وقال: "لا تعذبوا صبيانكم بالغمز في العذرة".
وفي مسند الإمام أحمد: "دخل رسول الله - ﷺ - على عائشة وعندها صبي تسيل منخراه دما، فقال: ما هذا؟ فقالوا: به العذرة، أو وجع في رأسه فقال: "ويلكن لا تقتلن أولادكن، أيما امرأة أصاب ولدها عذرة أو وجع في رأسه فلتأخد قسطا هنديا فلتحكه بماء ثم تسعطه إياه" فأمرت عائشة فصنع ذلك بالصبى فبرئ (٢).
ولما كانت مادة تلك العلة، دما غلب عليه البلغم، كان العلاج بالقسط موافقا، لأن القسط مجفف، ومقو للعضو، والتسعيط الذي أمر به - ﷺ -: هو أن يصب الدواء في الدماغ، حالة الاستلقاء، وإذا وصل إلى الدماغ تخرج العلة بالعطاس، ومدح - ﷺ - التداوى بالسعوط، واستعط هو - ﷺ -.
فصل في أقوال النبي عن وجع القلب
من اشتكى وجع القلب يقال له مفؤد، لأن الوجع فؤاده، وأمر - ﷺ - في دوائه بتمر المدينة، ثبت في سنن أبي داود، عن سعيد قال: مرضت مرضا فأتانى رسول الله - ﷺ - يعودنى، فوضع يده بين ثديى، حتى وجدت بردها على فؤادى، وقال لي: "إنك رجل مفؤد، فأت الحارث بن كلدة من ثقيف،
_________________
(١) أخرجه أبو داود ابن ماجه بنحوه، وذكره الشوكاني في نيل الأوطار (٨/ ٢٠٩).
(٢) انظر نيل الأوطار (ج ٨ ص ٣٠٩، ٣١٠).
[ ٢٣٨ ]
فإنه رجل يتطبب" ثم قال: فليأخذ - يعنى صاحب هذه العلة - سبع تمرات من عجوة المدينة، فليجأهن بنواهن ثم ليدلك بهن" (١).
وفي التمر خاصية عجيبة لهذا المرض، وفي تخصيص السبع سر علم بالوحي، وقال "من تصبح كل يوم بسبع تمرات عجوة لم يضره في ذلك اليوم سم ولا سحر" (٢) وقال: "إن في عجوة العالية شفاء وإنها ترياق أول البكرة".
وينبغي أن يعلم أن شرط انتفاع المريض بالدواء أن يعتقد نفعه أو تقبل طبيعته عليه، فيستعين بذلك على دفع العلة، كما أن جمعا من الأكابر، عالجوا بالحبة السوداء في جميع الأمراض، وبعضهم استعمل العسل في جميع الأمراض، وببركة حسن الاعتقاد، دفعت تلك الأمراض.
فصل الأخذ بأقوال النبي عن الحمية
أمر - ﷺ - المرضى بالحمية ومنع من الغذاء المخالف، والأصل في الحمية نص التنزيل ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا﴾.
أمر المريض بالاحتماء عن استعمال الماء البارد، لأنه يضره، وروت أم المنذر الأنصارية فقالت: "دخلت على رسول الله - ﷺ - ومعه عليّ، وعلى ناقة من مرض، ولنا دلول معلقة، فقام رسول الله - ﷺ - يأكل منها، وقام عليّ يأكل منها، فطفق النبي ﷺ يقول لعليّ: إنك ناقة، إنك ناقة" حتى كف، قالت: وصنعت شعيرا وسلقا فجئت به، فقال النبي - ﷺ - لعليّ: "من هذا أنفع لك" (٣) ويروى "من هذا فأصب فإنه أوفق لك" (٤).
_________________
(١) لم نقف عليه.
(٢) لم نقف عليه.
(٣) لم نقف عليه.
(٤) لم نقف عليه.
[ ٢٣٩ ]
وعن صهيب قال: "قدمت على النبي - ﷺ - وبين يديه خبز وتمر فقال: "ادن فكل" فأخذت تمرا فأكلت، فقال: "أتأكل تمرا وبك رمد؟ " فقلت: يا رسول الله، أمضغ من الناحية الأخرى، فتبسم رسول الله - ﷺ -، وقال: "إن الله إذا أحب عبده حماه الدنيا كما يحمى أحدكم مريضه عن الطعام والشراب" (١).
وأما الأحاديث المشهورة الجارية على ألسنة العوام من المفتريات، فمنها الحمية رأس كل دواء، والمعدة بيت كل داء.
فصل في أمر النبي في دواء وجع العين
أمر - ﷺ - في دواء وجع العين بالسكون والراحة ومنع أمير المؤمنين عليا من أكل الرطب، في حال الرمد، وكان لا يقرب من بها رمد من أمهات المؤمنين، إلى أن يحصل لها الشفاء.
فصل في أقوال النبي في دواء الخدر
أمر - ﷺ - في دواء الخدران الكلي بالماء البارد، اتفق أن جماعة ساروا في طريق فوصلوا إلى شجرة، لم يعلموا ما هي، فأكلوا منها فخدروا في مواضعهم وبطل حسهم فقال - ﷺ -: "بردوا الماء في الشنان، وصبوا عليهم فيما بين الآذانين يعني آذان الفجر، والإقامة" وهذا من أفضل المعالجات.
_________________
(١) لم نقف عليه.
[ ٢٤٠ ]
فصل في إصلاح الطعام والشراب الذي سقط فيه الذباب
روى أبي هريرة: "إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فأمقلوه فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر شفاء" (١) وفي رواية أبي سعيد الخدري "فإنه يقدم السقم، ويؤخر الشفاء" (٢). وفي هذين الحديثين أمران: فقهي وطبي.
أما الفقهى: فهو أن الذباب إذا وقع في ماء أو مائع فمات لا ينجس، وهذا قول جمهور العلماء.
وأما الأمر الطبى: فهو دفع ضرر الأشياء بأضدادها، لأن الذباب إذا وقع في طعام أو شراب قصد دفع ضرر بسلاحه المسموم فقدمه، لا جرم أمر رسول الله - ﷺ - أن يقابل السمية بالترياقية ليدفع ضرره.
فصل في أمر النبي في علاج البثرات
أمر - ﷺ - في علاج البثرات بالذريرة، والبثرات جراحات صغار تظهر بسبب خلط على ظاهر البدن، والذريرة دواء يأتى به من الهند يخرج من قصب الذريرة، عن بعض أزواج النبي - ﷺ - قالت: دخل على النبي - ﷺ - وقد خرج في إصبعي بثيرة فقال: "هل عندك ذريرة؟ " قالت: نعم، قال "ضعيها عليها، وقولي "اللهم مصغر الكبير، ومكبر الصغير ما بي" (٣).
وإذا كان بأحد ورم أمر النبي - ﷺ - ببطه، عن عليّ ﵁ قال: "دخلت مع رسول الله - ﷺ - رجل يعوده، بظهره ورم. فقال رسول
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه.
(٢) انظر صحيح البخاري.
(٣) لم نقف عليه.
[ ٢٤١ ]
الله - ﷺ -: "هذه مدة بطوا" (١) عنه" قال عليّ: فما برحت حتى بطت والنبي - ﷺ - شاهد.
وفي مرة أخرى أمر - ﷺ - ببط شخص كان قد ورم فقالوا: يارسول الله، هل ينفع الطب؟ فقال: "الذي أنزل الداء أنزل الشفاء فيما شاء" (٢).
فصل في أمر النبي بمعالجة المريض بالكلمات المطيبة للنفس
أمر - ﷺ - أن يعالج المريض في بعض الأحيان، بالكلمات المطيبة للنفس الدافعة للحزن والغم، روى أبو سعيد الخدري ﵁: إذا دخلتم على مريض فنفسوا له في أجله فان ذلك لا يرد شيئا، ويطيب نفسه" (٣).
وأمر - ﷺ - في معالجة الحزن والغم بالتلبينة - وهي طعام رقيق يصنع من دقيق شعير غير منخول - بشرط أن يطبخ تاما، ليكون في القوام، والرقة كالحليب، ولذا قالوا التلبينة وله حكم ماء الشعير، الذي عليه اعتماد الأطباء في أكثر المعالجات.
عن عائشة ﵂: أنها كانت إذا مات الميت من أهلها، واجتمع لذلك النساء ثم تفرقن إلا أهلهن، أمرت ببرمة تلبينة، فطبخت وصنعت ثريدا، ثم صبت التلبينة عليه ثم قالت: كلوا منها فإني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "التلبينة مجمة لفؤاد المريض، وتذهب بعض الحزن" (٤).
_________________
(١) جاء في لسان العرب: بط الجرح وغيره، يبطه بطا، وبجه بجا: إذا شقه، والمبطة: المبضع. وبططت القرصة: شققتها. والبط: شق الدمامل والخراج ونحوهما ابن منظور لسان العرب (ج ١ ص ٢٢٦).
(٢) أخرجه أحمد في مسنده بمثله، والبخارى في صحيحه، وابن ماجه في سننه، وأورده الشوكانى في نيل الأوطار (ج ٨ ص ٢٠٠).
(٣) انظر نيل الأوطار (ج ٨ ص ٢٠٠)، وما بعدها.
(٤) لم نقف عليه.
[ ٢٤٢ ]
وجاء في حديث آخر: "عليكم بالبغيض النافع: التلبين" (١) وثبت في حديث عن عائشة أنها قالت: كان رسول الله - ﷺ - إذا قيل له: إن فلان وجع لا يطعم الطعام قال: "عليكم بالتلبينة فاحسموه إياها" (٢) وكان يقول؟ "والذي نفسي بيده إنها تغسل بطن أحدكم كما تغسل إحداكن وجهها من الوسخ" (٣).
فصل في علاج السم
جاءت امرأة يهودية إلى رسول الله - ﷺ - في خيبر مصلية، فتناول منها
فنطقت الشاة، فقالت الذي معناه لا تزد على هذا فإني مسمومة، فطلب - ﷺ - المرأة وقال: "لم فعلت هذا؟ " فقالت: إن كنت نبيا لا يضرك. فاحتجم - ﷺ - بين الكتفين في ثلاثة مواضع، وأمر من أكل معه بذلك وعاش بعدها ثلاث سنين، وكان يقول في كل سنة، ما زلت أجد ألم لقمة خيبر، وقال عام وفاته: "ما زلت أجد من الأدلة التي أكلت من الشاة يوم خيبر، حتى كان هذا أوان انقطاع الأبهر مني" فتوفى رسول الله - ﷺ - شهيدا (٤).
_________________
(١) لم نقف عليه.
(٢) لم نقف عليه.
(٣) لم نقف عليه.
(٤) انظر كتاب سيرة ابن هشام (ج ٢ ص ١٣٨) وانظر: كتاب محمد رسول الله (ص ١٩٨) وما بعدها، وكتاب رسالة الإسلام (ص ٩١)، وكتاب الاصطفا في سيرة المصطفى (ج ٢ ص ٦٤) وما بعدها.
[ ٢٤٣ ]
فصل في علاج السحر
لما سحره اليهود، ووصل المرض إلى الذات المقدسة النبوية أمر - ﷺ - بالحجامة على قمة رأسه المبارك، ومن لاحظ له من الدين والإيمان يستنكر كل هذا العلاج، ولو نقل عن كبار الأطباء كالجالينوس وأرسطاطاليس لم ينكره. ولما وصلت مادة السحر إلى رأسه المبارك، كان يخيل إليه أنه فعل الشئ ولم يكن فعله، وهذا تصرف من الساحر في الطبيعة، واختلطت المادة الدموية بتلك المادة، فغلبتا على بطن الدماغ، فخرج عن طبيعته الأصلية، لأن السحر مركب من تأثيرات الأرواح الخبيثة وانفعال قوى الطبيعة، واستعمال الحجامة في محل تضرر بالسحر غاية الحكمة، ونهاية حسن المعالجة.
ومن جملة العلاجات التي هي عظيمة النفع في السحر الأدوية الربانية من آيات والدعوات المبطلة لذلك، وكان ما كان أقوى بطل به السحر عاجلا، لا جرم لما نزلت المعوذتان بطل السحر بالكلية.
فصل في قول النبي عن العلاج بالقئ
كان - ﷺ - في بعض الأحيان يعالج البدن بالقئ. عن أبي الدرداء "أن النبي - ﷺ -: قاء فتوضأ، فلقيت ثوبان، فذكرت له ذلك، فقال: صدق أنا صببت له وضوءه". وألقئ أحد الاستفراغات الخمس التي هي أصل أنواع الاستفراغات وهي: الإسهال، والقئ، وإخرج الدم، وخروج الأبخرة، والعرق، وقد وردت السنة بالخمس كما ذكرناه.
[ ٢٤٤ ]
فصل من يعالج بغير معرفة
كان - ﷺ - يضمن من يعالج بغير معرفة، عن عمرو بن العاص يرفعه "من تطبب ولم يعلم منه الطب قبل ذلك فهو ضامن". ولا خلاف بين العلماء، أن من طبب بغير علم فأهلك المريض لزمه الضمان، وإن حضر طبيبان في حضرته - ﷺ - أشار إلى أحذقهما. روى مالك في الموطأ عن زيد بن أسلم: أن رجلا في زمن رسول الله - ﷺ - جرح فاحتقن الدم، وأن الرجل دعا رجلين من بني أنمار، فنظر إليه، فزعم أن رسول الله - ﷺ - قال لهما: "أيكما أطب؟ " فقالا: أفي الطب خير يا رسول الله، فقال: "الذي أنزل الداء أنزل الدواء".
فصل في أمر الرسول باجتناب معاشرة أرباب الأمراض
أمر - ﷺ - باجتناب معاشرة أرباب الأمراض المعدية، كما في حديث أبي هريرة مرفوعا "فر من المجذوم كما تفر من الأسد" وصح في حديث جابر "أنه كان في وفد ثقيف رجل مجذوم، فقال له: إنا بايعناك فارجع". وفي حديث ابن عباس مرفوعا "لا تديموا النظر إلى المجذومين". وجاء في حديث آخر "كلم المجذوم وبينك وبينه قدر رمح أو رمحين". والجذام مرض خبيث يظهر من انتشار السوداء في جميع البدن، فيفسد مزاج الأعضاء ويغير شكلها وهيأتها. وجد في حديث آخر أنه - ﷺ - أكل مع مجذوم طعاما، وأخذ بيده وجعلها معه في القصعة، وقال: "كل بسم الله ثقة بالله وتوكلا عليه". والجواب عن حديث "لا عدوى ولا طيرة" قالوا: إنما أمر بالاحتراز منهم، لئلا يصل هذا المرض إلى أحد والعياذ بالله، فيتصور له بهذا أن العدوى حق.
[ ٢٤٥ ]
وقال بعضهم في الجواب: الأمر باجتناب المجذوم على سبيل الاستحباب والاختيار والإرشاد، ومؤاكلة المجذوم لبيان جواز الفعل والإعلام بأنه غير حرام.
وقال بعضهم في الجواب: إن الخطاب فيه غير كلي لكل مؤمن وإنما خاطب كل مؤمن بما يليق ويتسع له حاله، فمن كان إيمانه وتوكله في نهاية القوة فلا يتضرر بمخالطتهم لأن قوة إيمانه تدفع قوة العدوى، وأما الضعفاء فأمرهم بالاحتياط والاحتراز، وهو - ﷺ - باشر الصورتين ليقتدى به، فيأخذ القوى بطريق التوكل والضعيف بطريق التحفظ.
فصل في منع الرسول عن التداوى بالمحرمات
روى أبو الدرداء "أن الله تعالى أنزل الداء والدواء، وجعل لكل داء دواء، فتداووا ولا تداووا بالمحرم"، وروى ابن مسعود "إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم"، وسأل طارق النبي - ﷺ - عن عمل الخمر فنهاه، فقال: إنما أصنعه للدواء، فقال: "إنه ليس بدواء لكنه داء" وفي لفظ آخر في سنن أبي داود والترمذي عن طارق "قلت: يارسول الله إن بأرضنا أعنابا نعتصرها ونشرب منها. قال: لا، فراجعته، فقلت: إنا نستشفى بها للمريض قال: "إن ذلك ليس بشفاء ولكنه داء"، وفي سنن النسائى مروى "أن طبيبا ذكر أن الضفدع تنفع في هذا الدواء فنهى - ﷺ - عن قتل الضفدع"، وثبت في حديث آخر "من تداوى بالخمر فلا شفاه الله".
فصل في علاج القمل
أمر - ﷺ - في علاج القمل بحلق الرأس لتتفتح المسام وتتصاعد الأبخرة، وتضعف المادة التي يتولد منها القمل.
[ ٢٤٦ ]
فصل المعالجة بالأدوية الروحانية الربانية والأدوية المركبة منها ومن الطبيعة
كان - ﷺ - يقول: "العين حق، ولو كان شيء سابق القدر لسبقته العين وإذا استغسلتم فاغسلوا" (١) ورخص في رقية العين، والحمة، والنملة.
روى مالك "أن عامر بن ربيعة، رأى سهل بن حنيف يغتسل فتأمل في حسن بدنه، وقال: والله ما رأيت مثل هذا، ولا جلد مخدرة، فلبط (٢) سهل لحينه".
وبلغ خبره رسول الله - ﷺ - فغضب على عامر، فدعا عامرا، فتغلظ عليه. وقال: "علام يقتل أحدكم أخاه ألا بركت اغتسل له" فغسل عامر وجهه، ويديه، ومرفقيه، وركبتيه، وأطراف رجليه، وداخلة إزاره في قدح. ثم صعب عليه فراح مع الناس ليس به بأس" (٣) قوله: ألا بركت، يعني: لم لا قلت بارك الله فيه.
وكيفية الغسل بينها الزهرى فقال: يؤمر العائن أن يدخل يده في قدح ماء، ويخرج منه كفا، فيتمضمض به. ثم يصبه في القدح. ويغسل وجهه في القدح، ثم يدخل يده اليسرى، ثم يغسل إزاره.
وفي داخل إزاره قولان:
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه (ج ٣ ص ١٧١٩) عن ابن عباس ﵄ بلفظه، وروى البخاري وأصحاب السنن عن ابن عباس ﵄ قال: كان رسول الله - ﷺ - يعوذ الحسن والحسين يقول: "أعيذكما بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة ومن كل عين لامة" وانظر، زاد المسير لابن الجوزي (ج ٨ ص ٣٤٣ ح ٣٤)، وتفسير القرطبى (ج ٨ ص ٢٥٦)، والبحر المحيط (٨/ ٣١٧)، والكشاف (ج ٤ ص ١٣٢ - ١٤٥).
(٢) لبط فلان بفلان الأرض، بلبط لبطا، مثل لبج به، ضربها به، وقيل صرعه صرعا عنيفا ولبط بفلان إذا صرع من عين أو حمى، ابن منظور لسان العرب (ج ٣ ص ٣٣٦).
(٣) أخرجه أحمد في مسنده وأورده مطولا الشوكاني في نيل الأوطار (ج ٨ ص ٢١٥).
[ ٢٤٧ ]
أحدهما: مراده الفرج.
الثاني: مراده طرف الإزار داخل الذي يلي البدن من الجانب الأيمن. ولا يضع القدح على الأرض ثم يصب ذلك الماء على المعيون، من خلف رأسه.
ورأى - ﷺ - في بيت أم سلمة جارية في وجهها سعفة. فقال: "استرقوا لها فإن بها النظرة" وفي سنن أبى داود عن سهل بن حنيف. "مررت على ماء فاغتسلت منه فأخذتنى الحمى، فبلغ الخبر إلى رسول الله - ﷺ - فقال "مروا ابا ثابت يتعوذ" قال: فقلت يا سيدى والرقى صالحة؟ فقلت: "لا رقية إلا في نفس، أو حمة، أو لدغة" والنفس العين، والحمة كل ذى سم (١).
وأكثر الرقى النبوية ثابتة في الحديث الصحيح. منها "أعوذ بكلمات الله التامات، التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر، وبأسماء الله الحسنى ما علمت منها، وما لم أعلم، من شر ما خلق، وذرأ، وبرأ، ومن شر ما ينزل من السماء، ومن شر ما يعرج فيها، ومن شر ما ذرأ في الأرض، ومن شر ما يخرج منها، ومن شر فتن الليل والنهار، ومن شر طوارق الليل، إلا طارقا يطرق بخير يا رحمن" (٢) ومن جملتها: "أعوذ بكلمات الله التامات من غضبه وعقابه، ومن شر عباده، ومن همزات الشياطين، وأن يحضرون" (٣).
وفي تلك الجملة: "اللهم إنى أعوذ بوجهك الكريم، وبكلماتك التامات، من شر ما أنت آخذ بناصيته، اللهم أنت تكشف المأثم والمغرم، اللهم إنه لا يهزم جندك، ولا يخلف وعدك، سبحانك وبحمدك" (٤) ومن تلك الجملة: "أعوذ بوجهه الله العظيم، الذي ليس شيء أعظم منه، وبكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر، ولا فاجر، وبأسماء الله الحسنى، ما علمت منها،
_________________
(١) انظر نيل الأوطار (ج ٨ ص ٢١٥) وما بعدها.
(٢) انظر: زاد المعاد في خير هدي العباد لابن القيم.
(٣) لم نقف عليه.
(٤) لم نقف عليه.
[ ٢٤٨ ]
وما لم أعلم، من شر ما خلق، وزرأ، وبرأ، ومن كل ذى شر لا أطيق شره، ومن شر كل ذى شر. رب أنت آخذ بناصيته، إن ربي على صراط مستقيم" (١).
ومن تلك الجملة: "اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت عليه توكلت، وأنت رب العرش العظيم، ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، ولا حول ولا قوة إلا بالله، أعلم أن الله على كل شيء قدير. وأن الله قد أحاط بكل شيء علما، وأحصى كل شيء عددا، اللهم إنى أعوذ بك من شر نفسى، ومن شر الشيطان وشركه، ومن شر كل دابة أنت آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم" (٢).
ومن تلك الجملة: "تحصنت بالذي لا إله إلا هو إلهى، وإله كل شيء، وتوكلت على الحى الذي لا يموت، واستدفعت الشر، بلا حول ولا قوة إلا بالله، حسبي الله ونعم الوكيل، حسبي الرب من العباد، حسبي الخالق من المخلوق، حسبي الرازق من المرزوق، حسبي الذي هو حسبي، حسبي الذي بيده ملكوت كل شيء، وهو يجار ولا يجار عليه، حسبي الله وكفى، سمع الله لمن دعا، ليس وراءه مرمى، حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت، وهو رب العرش العظيم" (٣).
ومن جرب هذه الدعوات، علم عظيم قدرها بالإجابات، ومن تلك الجملة رقية جبريل الثابتة في صحيح مسلم، التي رقى بها سيدنا رسول الله عليه من الله أفضل الصلاة والسلام: "بسم الله أرقيك" (٤).
ومن جملة الكلمات، التي تدفع شر النظرة قول: ما شاء الله لا قوة إلا بالله، وإن قال العائن: "اللهم بارك عليه" دفع شر نظره، وجماعة من السلف
_________________
(١) تقدم تخريجه.
(٢) تقدم تخريجه.
(٣) لم نقف عليه.
(٤) أخرجه مسلم في صحيحه حديث رقم (٢١٨٦)، وأورده النووي في رياض الصالحين (ص ٣٨٩) حديث رقم (٨/ ٩٠٨).
[ ٢٤٩ ]
أجازوا أن يكتب آيات من القرآن، ويشربها المعيون: قال مجاهد: لا بأس أن يكتب القرآن ويغسله، ويسقيه لمريض.
وروى أن امرأة أصابها المخاض مدة فأمر ابن عباس بكتابة آيتين، من القرآن فكتبتا، وغسلتا، وشربت المرأة الماء.
ومن رقى العين، روى عن أبي عبدالله الباجي، أنه قال: كنت في بعض الأسفار على جمل جيد، وكان في القافلة شخص معروف أنه إذا نظر إلى شيء واستحسنه تلف، فقيل، لأبي عبد الله ذلك فقال: ليس له قدرة على جملي، فبلغ كلامه إلى العائن، فارتقب أبا عبد الله عند المنزل، ثم جاء فنظر إلى البعير، فاضطرب وسقط كما تسقط النخلة إذا اقتلعت من جدرها.
فلما جاء أبو عبد الله أخبر بذلك، فقال سيروا إليه فلما رآه قال: (بسم الله حبس حابس، وحجر يابس، وشهاب قابس، رددت عين العائن عليه، وعلى أحب الناس إليه، فارجع البصر هل ترى من فطور، ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئًا وهو حسير) فخرجت حدقة العائن، وقامت الناقة لا بأس بها.
فصل الذي يقوله الرسول في معالجته المرضى
عالج - ﷺ - جميع الأمراض، والآلام، بهذا الدعاء. وهو الذي قال أبو الدرداء: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "من اشتكى منكم شيئا فليقل ربنا الله الذي في السماء، تقدس اسمك، أمرك في السماء والأرض، كما رحمتك في السماء، فاجعل رحمتك في الأرض، واغفر لنا حوبنا وخطايانا، أنت رب الطيبين، أنزل رحمة من عندك، وشفاء من شفائك، على هذا الوجع فيبرأ بإذن الله" (١).
_________________
(١) انظر سنن أبي داود (٣١٠٦) والترمذي (٢٠٨٤) بنحوه، والمستدرك للحاكم (ج ١ ص ٣٤٢) وما بعدها، وصحيح البخاري (١٠/ ١٧٦) وما بعدها، وصحيح مسلم (٢١٩١).
[ ٢٥٠ ]
وثبت في صحيح مسلم: أن جبريل جاء إلى النبي - ﷺ - وهو وجع، فقال: يا محمد اشتكيت؟: فقال نعم قال: "بسم الله أرقيك من كل داء يؤذيك. ومن نفس وعين. بسم الله أرقيك والله يشفيك (١) " والذي رويناه: "لا رقية إلا في عين أو حمة" (٢).
المراد أنه لا رقية أولى وأنفع منها في ذلك. وأكبر الرقى فاتحة الكتاب. والنبي - ﷺ - قال: "خير الدواء القرآن" (٣) وهي مشتملة على معانيه.
وفي صحيح مسلم، عن أبي سعيد الخدرى قال: "انطلق نفر من أصحاب رسول الله - ﷺ - في سفرة سافروها، حتى نزلوا على حى من أحياء العرب فاستضافوهم فأبوا أن يضيفوهم، فلدغ سيد ذلك الحى، فسعوا له بكل شيء فلم ينفعه، فقال بعضهم: لو أتيتم هؤلاء الرهط الذين نزلوا لعل أن يكون عندهم بعض شيء. فأتوهم فقالوا: يا أيها الرهط إن سيدنا لدغ. وسعينا له بكل شيء فلم ينفعه. فهل عند أحدكم من شيء؟ فقال بعضهم. أى والله إنى لأرقى. ولكن والله لقد استضفناكم فلم تضيفونا، فما أنا براق لكم حتى تجعلوا لنا جعلا فصالحوهم على قطيع من الغنم، فانطلق يتفل عليه، ويقرأ "الحمد لله رب العالمين" فكأنما نشط من عقال، قال فانطلق يمشى، وما به قلبة، فأوفوهم جعلهم الذي صالحوهم عليه" (٤) هذا لفظ البخاري.
وقال بعضهم: اقتسموا، فقال الذي رقى: لا تفعلوا حتى نأتى النبي - ﷺ - فنذكر الذي كان فيه فننظر الذي يأمرنا به، فقدموا على النبي - ﷺ -، فذكروا له
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه بلفظه حديث رقم (٢١٨٦)، وذكره النووي في رياض الصالحين (ص ٣٨٩) حديث رقم (٨/ ٩٠٨).
(٢) أخرجه أحمد في مسنده، ومسلم في صحيحه، والترمذي في سننه؛ وابن ماجة في سننه، وأورد الشوكاني في نيل الأوطار (ج ٨ ص ٢١١).
(٣) انظر نيل الأوطار (ج ٨ ص ٢١٥).
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه.
[ ٢٥١ ]
ذلك. فقال: "وما يدريك أنه رقية ثم قال: "قد أصبتم اقسموا واضربوا لي معكم سهما" (١). وأما في لدغ العقرب، ففى مسند أبى بكر بن أبى شيبة مروى عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: "كان النبي - ﷺ - يصلى إذ سجد فلدغته عقرب في إصبعه المباركة فلما خرج من الصلاة. قال: "لعن الله العقرب ما تدع نبيا، ولا غيره" ثم طلب ظرف ماء وملحا ووضع إصبعه في الماء والملح، وقرأ سورة الإخلاص، والمعوذتين؛ ولم يزل يكررهن حتى زال الألم" (٢).
وفي سنن أبى داود، عن الشفاء بنت عبد الله أنها قالت: "دخل علي رسول الله - ﷺ - وأنا عند حفصة فقال: ألا تعلمين هذه رقية النملة كما علمتها الكتابة" (٣) والنملة جراح تظهر على الجنب، تؤلم ألما شديدًا يحس المريض منها حركة النملة، وكانت الشفاء بنت عبد الله دائما بمكة ترقى هذا المرض، فلما هاجرت أتت النبي - ﷺ -، وقالت: يا رسول الله كنت في الجاهلية أرقى من النملة، وأريد أن أعرض ذلك عليك، ثم قال: "بسم الله صلت حتى يعوذ من أفواهنا، ولا تضر أحدا. اللهم اكشف البأس رب الناس" (٤).
يقرأ هذا الدعاء على خشبة، ثم تحك على حجر بخل حادق، ويطلى به الجراح.
وأما في سائر الجراحات والقروح، فقد روت عائشة: "كان رسول الله إذا اشتكى الإنسان، أو كانت به قرحة، أو جرح، قال بأصبعه هكذا ووضع سفيان سبابته بالأرض، ثم رفعها ثم قال: "بسم الله تربة أرضنا بريقة بعضنا، يشفى سقيمنا بإذن ربنا" (٥).
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه.
(٢) أخرج الشيخان نحوه، وأورده الشوكاني في نيل الأوطار (ج ٨ ص ٢١٢).
(٣) أخرجه أحمد في مسنده، وأبو داود في سننه، وأورده الشوكاني في نيل الأوطار (ج ٨ ص ٢١١، وقال الشوكاني: وهو دليل على جواز تعلم النساء الكتابة.
(٤) أخرجه مسلم بنحوه، وأبو داود في سننه، انظر نيل الأوطار (ج ٨ ص ٢١٢).
(٥) متفق عليه، أخرجه البخاري (ج ١٠ ص ١٧٦، ١٧٧)، ومسلم برقم (٢١٩٤)، وانظر رياض الصالحين (ص ٣٨٨).
[ ٢٥٢ ]
وهذا علاج سهل هين، نافع، مركب من طبيعى، وإلهى، لأن التراب بارد يابس مجفف لرطوبات القروح، والجراحات خصوصا في البلاد الحارة، لاسيما تراب المدينة.
وجاء شخص فقال: يارسول الله في بدنى ألم عظيم، منذ أسلمت فقال - ﷺ - "ضع يدك على الذي تألم من جسدك، وقل بسم الله ثلاثا، وقل سبع مرات أعوذ بعزة الله وقدرته، من شر ما أجدر وأحاذر" (١) وأما في ألم الصائب ودفعها فقال - ﷺ -: "ما من عبد تصيبه مصيبة، فيقول إنا لله وإنا إليه راجعون. اللهم أجرنى في مصيبتى واخلف لي خيرا منها إلا آجره الله في مصيبته، وأخلف له خيرا منها" (٢).
فصل في علاج الكرب والغم والهم والحزن
كان رسول الله - ﷺ - يقول عند الكرب: "لا إله إلا الله العظيم الحليم لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السموات والأرض ورب العرش الكريم" (٣).
وفي جامع الترمذي، كان إذا حزبه أمر قال: "يا حي يا قيوم، برحمتك أستغيث" (٤) وكان إذا أهمه، رفع رأسه إلى السماء فقال: سبحان الله العظيم، وإذا اجتهد في الدعاء قال: "يا حي يا قيوم" وقال: "دعوات الكروب. اللهم
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه حديث رقم (٢٢٠٢)، وأورده النووي في رياض الصالحين (ص ٣٨٩) حديث رقم (٥/ ٩٠٥).
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه حديث رقم (٩١٨) (٤)، وأورده النووي في رياض الصالحين (ص ٣٩٣) حديث رقم (٣/ ٩٢١).
(٣) أخرجه أبو داود بنحوه (٥٠٦٧) والترمذي (٣٣٨٩) وسنده حسن، وصححه ابن حبان (٢٣٤٩)، والحاكم (١/ ٥١٣)، ووافقه الذهبي. انظر في رياض الصالحين (ص ٥٤٨).
(٤) أخرجه الترمذي في سننه وانظر تهذيب الأسماء والصفات للبيهقي (٢/ ٢١٩) وما بعدها.
[ ٢٥٣ ]
رحمتك أرجو فلا تكلنى إلى نفسى، طرفة عين، وأصلح لي شأنى كله لا إله إلَّا أنت" (١).
وقال أسماء بنت عميس: قال رسول الله - ﷺ -: "ألا أعلمك كلمات تقولهن عند الكرب: "الله ربي لا أشرك به شيئا" سبع مرات وقال: "ما أصاب عبدًا هم ولا حزن فقال اللهم إنى عبدك، وابن عبدك، وابن أمتك، ناصيتى بيدك، ماض في حكمك، عدل في قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدًا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن ربيع قلبى ونور صدرى، وجلاء حزنى، وذهاب همى وغمى، إلا أذهب الله همه وحزنه، وأبدله مكانه فرحًا" (٢).
وقال - ﷺ -: "دعوة ذى النون إذ دعا بها وهو في بطن الحوت، لا إله إلا أنت سبحانك إنى كنت من الظالمين، لم يدع بها رجل مسلم قط في شيء إلا استجاب له" (٣).
ودخل رسول الله - ﷺ - المسجد ذات يوم، فإذا هو برجل من الأنصار، يقال له: أبو أمامة، فقال له: "يا أبا أمامة، ما لي أراك جالسا في المسجد في غير وقت صلاة؟ " قال: هموم لزمتنى وديون يارسول الله، قال: "أفلا أعلمك كلامًا إذا قلته أذهب الله ﷿ همك، وقضى عنك دينك؟ " فقلت: بلى يا رسول الله. قال: "قل إذا أصبحت، وإذا أمسيت: "اللهم أنى أعوذ بك من الهم والحزن، وأعوذ بك من العجز والكسل، وأعوذ بك من
_________________
(١) أخرجه الترمذي سننه، وانظر تهذيب الأسماء والصفات (ج ٢ ص ٢٥٩).
(٢) أخرجه أحمد في مسنده عن عبد الله بن مسعود، وأورده ابن كثير في تفسيره وانظر زاد المسير (ج ٩ ص ١٩١).
(٣) الحديث أخرجه أحمد (١/ ١٧٠)، والترمذي (٥/ ٥٢٩)، والنسائي في عمل اليوم والليلة (٦٥٦)، والحاكم في المستدرك (١/ ٥٠٥، ٢/ ٣٨٣) من حديث سعد بن أبي وقاص، والبيهقي في شعب الإيمان رقم (٦٠٦).
[ ٢٥٤ ]
الجبن والبخل، وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال" قال: ففعلت فأذهب الله ﷿، همى، وغمى، وقضى عنى دينى" (١).
وقال - ﷺ -: "من لزم الاستغفار، جعل الله له من كل هم فرجًا، ومن كل ضيق مخرجًا، ورزقه من حيث لا يحتسب" (٢) وفي مسند أحمد: "كان إذا حزبه أمر لجأ إلى الصلاة، وكان يقول "اجتهدوا في الجهاد فإنه باب من أبواب الجنة، وهو يدفع الكرب، والهم، والغم" (٣).
وقال: "من كثرت همومه وغمومه، فليكثر من قول لا حول ولا قوة إلا بالله، فإنها كنز من كنور الجنة" (٤). وفي صحيح ابن حبان، قال شخص في دعائه: "اللهم إنى أسألك بأن لك الحمد، لا إله إلا أنت، الحنان، المنان، بديع السموات والأرض، ياذا الجلال والإكرام، يا حي يا قيوم" فقال النبي - ﷺ -: "لقد دعا الله باسمه الأعظم، الذي إذا دعى به أجاب، وإذا سئل بها أعطى" (٥).
وفي علاج الخوف والأرق أمر أن يقال: "اللهم رب السموات السبع، وما أظلت، ورب الأرضين السبع، وما أقلت، ورب الشياطين وما أضلت، كن لي جارًا من شر خلقك كلهم جميعًا أن يفرط على منهم أحد أو أن يبغى على، عز جارك وجل ثناؤك ولا إله غيرك " (٦) وأمر في علاج الحريق بالتكبير.
_________________
(١) أخرجه الشيخان، انظر صحيح البخاري (ج ١١ ص ١٥٢)، ومسلم حديث رقم (٢٧٠٦)، والترمذي حديث رقم (٣٤٨٠)، وأورده النووي في رياض الصالحين (ص ٥٥٣).
(٢) أخرجه أبو داود في سننه حديث رقم (١٥١٨)، وأحمد في مسنده (٢٢٣٤)، وابن ماجة (٣٨١٩)،، الحاكم (٤/ ٢٦٢) وفي سنده الحكم بن مصعب قال أبو حاتم: مجهول. وذكره ابن حبان في الصعفاء، وقال الأزدي، لا يتابع على حديثه وانظر رياض الصالحين (ص ٢٤٢ رقم ٣٦/ ١٤٤٣).
(٣) انظر نيل الأوطار (ج ٧ ص ٢٠٧) وما بعدها.
(٤) متفق عليه أخرجه البخاري (ج ١١ ص ١٥٩) ومسلم حديث رقم (٢٧٠٤)، وأبو داود (١٥٢٦)، والترمذي (٣٤٥٧)، وأورده الترمذي في رياض الصالحين (ص ٢٤٢ رقم ٣٦/ ١٤٤٣).
(٥) أخرجه ابن حبان في صحيحه.
(٦) تقدم تخريجه وانظر صحيح سنن المصطفى (ج ٢ ص ٣٢٤) - كتاب الأدب.
[ ٢٥٥ ]
فصل في العادة النبوية في الطعام والشراب
كان - ﷺ - يقول: "لا أكل متكئًا إنما أجلس كما يجلس العبد وآكل كما يأكل العبد" (١) ونهى أن يأكل الإنسان مستلقيًا على وجهه، وكان يأكل بثلاثة أصابع، ولم يأكل بواحدة أبدًا، ولم يجمع بين سمك ولبن، ولا بين اللبن وشئ من الحوامض، ولا بين غذائين حارين، ولا بين دواءين لزجين، ولا بين قابضين، ولا بين مسهلين، ولا بين غليظين، ولا بين مختلفين، كقابض ومسهل، أو سريع الهضم وبطيئة، ولا بين المشوى والمطبوخ، ولا بين القديد والرطب، ولا بين الحليب والبيض، ولا بين اللحم والحليب.
وكان لا يأكل الطعام في حال شدة حرارته حتى يبرد، ولا يأكل طعامًا بائتًا، ولا ما فيه عفونة من الأطعمة كالكامخ (٢) والمخللات والملوحات، ولم يثبت أنه تناول منها شيئا وكان يدفع ضرر بعض الأغذية بأضدادها، كالتمر بالسمن، والرطب بالقثاء. وكان ينقع التمر ويشرب ماءه لهضم الطعام، وأمر أن يؤكل ما تيسر من الطعام قبل النوم، ولو كفا من تمر، ونهى عن النوم عقيب الأكل.
وأما شرب العسل، فإنه كان يمزجه بماء بارد في غاية البرودة. ولما كان العسل أفضل الأشربة، بإجماع أهل العلم؛ لأنه نتيجة الوحي الإلهى كان يحبه أكثر من جميع الحلاوات. ولما دخل - ﷺ -، بستان ابن التيهان. قال: "هل عندكم ماء بات في شن وإلا كرعنا" (٣)؟ والمراد بالكرع هنا الاغتراف باليدين، إذ يكون الشرب باليد متعذرًا في تلك الحالة فأدت الضوورة إلى الكرع (٤).
_________________
(١) أخرجه البخاري (٩/)، ٤٧٢، والترمذي (١٨٣١)؛ وأبو داود (٣٧٦٩)، وانظر رياض الصالحين (ص ٣٤٤).
(٢) الكامخ، نوع من الأدم معرب. وقرب إلى أعرابي خبز وكامخ، فلم يعرفه فقال: ما هذا؟ فقيل: (كامخ) فقال: قد علت أنه كامخ، ولكن أيكم كمخ به؟ يريد: سلح به، ابن منظور. لسان العرب (ج ٢ ص ٢٩٥).
(٣) الكرع: تناول الماء بالفم من غير إناء ولا كف.
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه (ج ١٠ ص ٧٧).
[ ٢٥٦ ]
وكان - ﷺ - يشرب قاعدًا. وينهى أن يشرب أحد قائمًا. وكان يقول: "من نسى فشرب قائمًا فليتقيا" (١) "لكن ثبت في الصحيح أنه شرب قائمًا" (٢) كما ذكرناه في الحج قال بعضهم: هو ناسخ للنهى وقال بعضهم: هذا مبنى على أن النهى لم يكن للتحريم وإنما كان للإرشاد.
وقال بعضهم: ليس فيه تعارض، لأنه إنما شرب قائمًا للضرورة، وكان - ﷺ - يتنفس في الإناء ثلاث (٣). ويقول "إنه أروى، وأمرأ، وأبرأ، وقال: "غطوا الإناء، وأوكئوا السقاء، فإن في السنة ليلة ينزل فيها وباء لا يمر بإناء ليس عليه غطاء، وسقاء ليس عليه وكاء، إلا وقع فيه من ذلك الداء" (٤).
ونهى عن الشرب من ثلة القدح - يعني من المكان المكسور - وكان يشرب الحليب المحض. وقد يمزجه بالماء، ويقول: "ليس شيء يجزى عن الطعام والشراب غير اللبن" وكان ينقع التمر في الماء ليلة، وليلتين، وثلاث ليال، ثم يشربه، وما بقى مما مضى عليه ثلاث ليال يسقيه بعض الغلمان أو يأمر بإراقته.
فصل تدبير النوم واليقفة
وأما تدبير النوم واليقظة، فكان على أعدل الوجوه. كان - ﷺ - ينام الليل ويقوم أول النصف الثاني، فيتسوك ويتوضأ ويتهجد على الوجه الذي بيناه لا جرم أن البدن والأعضاء أخذت من النوم والراحة والرياضة بأتم حظ، وأوفر أجر، وأكمل عبادة.
وكان لا يزيد في النوم على القدر المحتاج إليه ولا يمنع النفس من قدر
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه حديث رقم (٢٠٢٦) وأورده النووي في رياض الصالحين (ص ٣٥٠).
(٢) انظر صحيح البخاري (ج ١٠ ص ٧١) وأبو داود حديث رقم (٣٧١٨) والنسائي (ج ١ ص ٨٤، ٨٥).
(٣) انظر صحيح البخاري (ج ١٠ ص ٨١) ومسلم برقم (٢٠٢٨) والترمذي (١٨٨٥) وأبي داود (٣٧٢٧).
(٤) انظر صحيح البخاري.
[ ٢٥٧ ]
الحاجة. وكان إذا قصد النوم. أضطجع على الشق الأيمن (١) ولا يزال مشتغلا بالذكر حتى يغلبه النوم (٢). وكان لا ينام على الفرش المحشية حشوًا عاليًا، ولا يبيت على الأرض الجردة، وفي بعض الأحيان كان يضع رأسه على الوسادة، وقد يتوسد ساعده المبارك - ﷺ -.
فصل في الجماع والباه
فكان هديه - ﷺ - أكمل هدى يحفظ به الصحة، ويتم به اللذة وسرور النفس، ويحصل به مقاصده التي وضع لأجلها، فإن الجماع وضع في الأصل لثلاثة أمور، هي مقاصده الأصلية:
أحدها: حفظ النسل، ودوام النوع إلى أن يتكامل العدة التي قدر الله بروزها إلى هذا العالم.
الثاني: إخراج الماء الذي يضر احتباسه، واحتقانه بجملة البدن.
الثالث: قضاء الوطر، ونيل اللذة، والتمتع بالنعمة، وهذه وحدها هي الفائدة التي في الجنة إذ لا تناسل هناك ولا احتقان، وفضلاء الأطباء يرون أن الجماع من أحد أسباب حفظ الصحة، لأن المنى إن دام احتقانه أحدث أمراضًا رديئة.
وحث النبي - ﷺ - على التزويج لأمته، فقال "تزوجوا فإننى مكاثر بكم الأمم" (٣) وقال ابن عباس: خير هذه الأمة أكثرها نساءًا (٤) وقال - ﷺ -: "يا
_________________
(١) انظر صحيح البخاري (ج ١١ ص ٩٨) في الدعوات: باب النوم على الشق الأيمن، و(ج ١١ ص ٩٣) و(١٣ ص ٣٨٨)، ومسلم (٢٧١٠).
(٢) انظر سنن أبي داود (٤٨٥٦)، و(٥٠٥٩)، وابن السنى (٧٤٣).
(٣) أخرجه ابن حبان في كتاب النكاح باب (١) ما جاء في التزويج واستحبابه حديث رقم (١٢٢٨) موارد الظمآن (ص ٣٠٢) وانظر سبل السلام (٣/ ٢٣٧) وله شاهد عند أبي داود والنسائي حديث معقل بن يسار انظر سنن أبي داود في كتاب النكاح، باب النهي عن تزويج من لم يلد من النساء حديث رقم (٢٠٥٠ ج ٢ ص ٢٢٠)، والنسائي (٦/ ٦٥، ٦٦) في كتاب النكاح، باب كراهية تزويج العقيم.
(٤) أخرجه أحمد في مسنده والبخاري في صحيحه، وأورده الشوكاني في نيل الأوطار (ج ٦ ص ١٠٠).
[ ٢٥٨ ]
معشر الشباب؟ من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر، واحفظ للفرج. ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاء" (١) أى وقاية وحفظ من الوقوع في الزنا المهلك.
وكان - ﷺ - يحرض أمته على نكاح الأبكار الحسان، وذوات الدين، وأنفع الجماع ما حصل بعد هضم، وعند اعتدال البدن في حره وبرده، ولا يكون البدن ممتلئًا ولا خلوًا، وضرره عند امتلاء البدن أسهل، ولا يجامع إلا إذا اشتدت الشهوة وحصل الانتشار التام، الذي ليس عن تكلف، ولا فكر في صورة.
وليحذر جماع العجوز والصغيرة التي لا توطأ مثلها، والتي لا شهوة لها، والمريضة والقبيحة النظر، والبغيضة. فوطء هؤلاء يوهن القوى، ويضعف الجماع، وجماع البكر أنفع، وأحفظ في الصحة من جماع الثيب، وجماع الحائض، حرام طبعًا وشرعًا، فإنه مضر جدًّا والأطباء قاطبة تحذر منه، وأما الوطء في الدبر، فلم يبح قط على لسان نبي من الأنبياء. وقال رسول الله - ﷺ -: "ملعون من أتى المرأة في دبرها" (٢) رواه أبو داود في سننه. وفي لفظ البيهقي: "من أتى شيئا من الرجال والنساء في الأدبار فقد كفر" (٣) والله أعلم.
_________________
(١) الحديث أخرجه البخاري انظر كتاب النكاح انظر فتح الباري (٩/ ١١٢)، وأخرجه مسلم في كتاب النكاح انظر صحيح مسلم (٢/ ١٠١٩)، وأحمد (١/ ٣٧٨) وسنن الدرامى (٢/ ١٣٢)، وأخرج ابن الجوزى في كتاب أحكام النساء (ص ٣٠٠) تحقيق زميلنا الدكتور على محمد يوسف المحمدي، ط ١، المكتبة العصرية ببيروت سنة ١٩٨١ م.
(٢) أخرجه أبو داود في كتاب النكاح، باب في جامع النكاح حديث رقم (٢١٦٢ ج ٢ ص ٢٤٩)، وأخرجه النسائى في سننه واللفظ له، ورجاله ثقات، لكن أعل بالإرسال، وأورده صاحب السلام (ج ٣ ص ٢٩١) باب عشرة النساء، وانظر نيل الأوطار (ج ٦ ص ٢٠٠).
(٣) أخرجه الترمذي في سننه بنحوه، قال: حديث غريب، وأورده الشوكاني في نيل الأوطار (ج ٦ ص ٢٠٠).
[ ٢٥٩ ]
فصل في استعمال الرسول للطيب
أمر في حفظ الصحة باستعمال الطيب، كثيرًا ما كان يستعمله، وكان له ظرف خاص بالعطر والطيب منه يستعمل الطيب، وما رد طيبًا قط وقال: "من عرض عليه شيء من الرياحين، فلا يرده لأنه طيب ولا مؤتة فيه" (١) يعني من جهة المنة، ولا من جهة الثقل والحمل.
وفي مسند البزار أنه - ﷺ - قال: "إن الله طيب يحب الطيب، نظيف يحب النظافة، كريم يحب الكرم، جواد يحب الجود. فنظفوا أفنائكم، وساحاتكم، ولا تشبهوا اليهود يجمعون أبناءهم في دورهم، الكباء" - الأرواث والزبالة - وثبت أنه قال: "إن لله حقًّا على كل مسلم أن يغتسل في كل سبعة أيام وإن كان له طيب أن يمس منه" (٢).
فصل في مسكن ومنزل الرسول
لم يكن له - ﷺ - ولا لأصحابه إلتفات إلى المسكن والمنزل لأنهم يعلمون أنهم على ظهر سفر، لا جرم أنهم اكتفوا بقدر الحاجة مما يدفع الحر والبرد، ويمنع ولوج الدواب والبهائم، ويحصل به ستر من عيون بنى آدم، وأما الزخرفة والتعلية والوسعة فلم تكن أصلا.
[ ٢٦٠ ]
فصل في حفظ صحة العين
أمر - ﷺ - بالمداومة على الاكتحال وقت النوم، وثبت في مسند أبي داود "أمر رسول الله - ﷺ - بالإثمد المروح عند النوم وقال ليتقه الصائم" والروح ما طيب ريحه بالمسك. وورد في سنن ابن ماجة "خير أكحالكم الإثمد، يجلو البصر وينبت الشعر".
وجاء في رواية أخرى "عليكم بالإثمد، فإنه منبتة للشعر مذهبة للقذى، مصفاة للبصر". وكان للنبي - ﷺ - مكحلة خاصة وكان إذا اكتحل اكتحل في العين اليمنى ثلاثا، وفي العين اليسرى اثنتين، يجعل أولًا في العين اليمنى ميلين، ثم في اليسرى ميلين، ثم يجعل ميلًا ثالثا في العين اليمنى.
وقال ﷺ: "من اكتحل فليوتر".
وفي الإيتار قولان:
(أحدهما): أن يجعل في كل عين ثلاثة، ليكون الوتر في كل عين.
(الثاني): أن يجعل في العين اليمنى ثلاثة، وفي اليسرى اثنين يبدأ باليمنى ويختم بها كما تقدم، تفصيلًا لليمنى على اليسرى.
[ ٢٦١ ]
فصل في القرض السلف
كان من العادة النبوية أنه يفي أحسن مما أخذ وأرجح، وأن يدعو له، ويقول: "بارك الله لك في أهلك، ومالك. إنما جزاء السلف الحمد والآداء" (١) واقترض مرّة من أنصارى مقدار أربعين صاعا من قوت، فاحتاج الأنصارى فجاء وطالب، فقال - ﷺ -: "لم يحضرنا شيء" فأراد الأنصارى أن يغلظ في الكلام، فقال - ﷺ -: "إحفظ لسانك ولا تقل إلا خيرًا فإنى خير من اقترض" (٢)، ثم بعد ذلك أعطاه أربعين صاعا قرضة فصارت الجملة ثمانين صاعًا، وجاءه في بعض الأيام غريم، فتقاضاه أشد تقاض، فأراد عمر بن الخطاب أن يؤذيه فقال - ﷺ -: "مه يا عمر، كنت أحوج إلى أن تأمرني بالوفاء، وكان أحوج إِلى أن تأمره بالصبر" (٣).
وفي مرّة أخرى جاء يهودى يتقاضاه دينًا، فقال له - ﷺ -: "لم يحل أجل دينك، فاصبر إلى أن يحل" فقال له اليهودى: أنتم يا بنى عبد المطلب صنعتكم الكذب في العدة، فجاشت الصحابة، وأرادو إهلاكه، فسكنهم رسول الله - ﷺ -، ودعاهم إلى الحلم، فقال اليهودى: قد شاهدت فيك جميع علامات النبوة. ولم يبق إلا واحدة وهي أنى كلما ردت على النبي جهلًا زاد حلمًا وعفوًا. فأردت أن أختبر ذلك وقد علمته. ودخل في دين الإسلام فهى حينه ﵁ (٤).
_________________
(١) لم نجده.
(٢) أخرجه الترمذي بنحوه حديث رقم (٢٤٠٨)، وأحمد في مسنده (٤/ ٤٨ و١٥٨ و٥/ ٢٥٩).
(٣) أخرجه الشيخان بمثله في انظر صحيح البخاري (ج ١٠ ص ٢٣٤ و٤٢٠، ٤٢١)، ومسلم برقم (١٠٥٧) وانظر رياض الصالحين (ص ٣٠٥ و٣٠٦).
(٤) انظر مسند أحمد (٣/ ٢٨٨)، وما بعدها والمستدرك للحاكم (٣/ ٥٧) وصحيح البخاري (٧/ ١٤٥)، وصحيح مسلم (١/ ١٨٩)، وسنن أبي داود (٣/ ١٢٦)، وسنن الترمذي (٥/ ٥٦٩)، وسنن ابن ماجة (١/ ٢٣١ - ٢٣٢).
[ ٢٦٢ ]
فصل في صفة مشية - ﷺ -
كان إذا مشى كأنما ينحط من صبب يخطو تكفوًا: يعني كأنما يقلع نفسه من الأرض قلعًا، وهذا مشى الشجعان، وأصحاب الهمم العالية. ومن قلبه حي وأعدل ما يكون من المشى، لأن الماشى: إما متماوت يابس كالخشبة، أو طائش، منزعج قلق مضطرب. وهذان النوعان، في غاية القبح، والذم، ودليل على خفة الدماغ. وقلة العقل، أو على الخمول، وموت القلب. وإما بأتم حركة وأقل سرعة. وهذا النوع يسمى مشى الهون ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ (١) "قال المفسرون: يعني سكينةً ووقارًا، من غَير كبر، ولا تماوت (٢). ومع هذا كان يرى كأنه ينحط من صبب. وكانت الأرض تطوى له. وأنواع المشى عشرة هذه الثلاثة والرابع: السعى، والخامس: الرمل. والسادس: النسلان وهو عدو خفيف. والسابع: الخوزلى. وهو مسير فيه تمايل. والثامن: القهقرى. والتاسع؛ الجمزى. وهو وثوب في السير. والعاشر؛ التبختر. وهو مشى التكبرين. وأفضل هذه الجملة وأكملها الهون الذي هو مشيه - ﷺ -.
وكان إذا سار مع أصحابه، قدمهم أمامه، ومشى خلفهم. وقال: "دعوا ظهري للملائكة" (٣) وكان يمشى منتعلًا، وفي بعض الأحيان يمضى حافيا، وأصاب إصبع رجله المباركة حجر في بعض غزواته. فسال دمها فقال:
هل أنت إلا أصبع دميت وفي سبيل الله ما لقيت (٤)
_________________
(١) سورة الفرقان آية رقم ٦٣.
(٢) انظر: غريب القرآن (٣١٤)، ومجاز القرآن (٢/ ٨٠)، والطبري (١٩/ ٣٢)، والقرطبى (١٣/ ٦٥) يقول العلامة ابن كثير. وليس المراد أنهم يمشون كالمرضى ورياء، فقد كان سيد ولد آدم - ﷺ - إذا مشى كأنما ينحط من صبب، وكأنما الأرض تطوى له. قال: وقد كره بعض السلف بتخفف وتصنع، قال: وإنما المراد بالهون هنا. السكينة والوقار كما قال رسول الله - ﷺ -: "إذا أتيتم الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون، وائتوها وعليكم السكينة والوقار، فما أدركتم منها فصلوا، وما فاتكم فأتموا" اهـ والحديث متفق عليه.
(٣) أخرجه أبو الشيخ الأصبهاني في كتاب أخلاق النبي - ﷺ - وآدابه (ص ٩٩).
(٤) انظر صحيح مسلم (٢/ ١٤٩)، وسيرة ابن هشام (٣/ ٢٩)، والبخاري (فتح البارى ٧/ ٣٦٥)، ومستدرك الحاكم (٣/ ١٩٩).
[ ٢٦٣ ]
وكان في السفر يعصب جميع أصحابه، ويقوى الضعفاء، ويدعو لهم. ويحمل المنقطعين ويردفهم في بعض الأحيان خلفه - ﷺ -.
فصل في كلام النبي - ﷺ - وسكوته وضحكه وبكائه - ﷺ -
أما كلامه: فكله فصل بين، لو شاء أحد، أن يعد كلماته، فعل. ولم يكن يسرده سردًا، لا يمكن أن يحفظ، ولا يقطعه قطعًا يظهر انفصاله. كما قالت عائشة ﵂: "ما كان رسول الله - ﷺ - يسرد سردكم هذا، ولكن كان يتكلم بكلام بين فصل يحفظه من جلس إليه" (١).
وكان في بعض الأحيان، يعيد الكلمة ثلاث مرات ليتمكن السامع (٢) من حفظها. وغالب أحواله السكوت، والسكون، لا يتكلم إلا عن ضرورة. وإذا تكلم تكلم بجميح فمه، وأشداقه، بلا غمغمة وهمهمة. أكثر نطقه بجوامع الكلم. ولم يكن يحرك لسانه بما لا يعنيه. وكان إذا كره أمرًا ظهر أثر ذلك على وجهه المبارك. وما نطق بفحش (٣) أبدًا ما وكان لا يضحك كثيرًا، جل ضحكه التبسم، وغايته أن تبدو نواجذه. وكالط لا يضحك لكل ما يضحك منه.
وأما بكاؤه فمعتدل نظير ضحكه، ودموعه جارية يسمع من صدره أزيز، وبكاؤه إما لميت أو لشفقة، على الأمة أو من خوف الخالق تعالى. وكان يبكى في بعض الأحيان عند سماع القرآن. وذلك بكاء اشتياق، ومحبة، وإجلال.
_________________
(١) أخرجه أبو داود في سننه برقم (٤٨٣٩) وسنده حسن.
(٢) روى أنس ﵁ أن النبي - ﷺ -: كان إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثا حتى تفهم عنه، وإذا أتى على قوم فسلم عليهم سلم عليهم ثلاثا، رواه البخاري في صحيحه (ج ١ ص ١٦٩، ١٧٠).
(٣) أخرجه الترمذي بسنده (١٩٧٨) عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ - "ليس المؤمن بالطعان، ولا اللعان ولا الفاحش، ولا البذيء" وقال حديث حسن، وأخرجه أحمد في مسنده (ج ١ ص ٤٠٤ و٤٠٥ و٤١٦)، والبخاري في الأدب المفرد (٣١٢ و٣٣٢)، إسناده صحيح، وصححه ابن حبان (٤٨)، الحاكم (١/ ١٢ و١٣) ووافقه الذهبي.
[ ٢٦٤ ]
وفي بعض الأحيان كان يبكي في صلاة التهجد، ومرة بكى في الصلاة وقال: "رب ألم تعدني أنك لا تعذبهم وأنا فيهم، وهو يستغفرون، ونحن نستغفرك" (١).
والعلماء يقولون: البكاء على عشرة أنواع: بكاء فرح، وبكاء جزع، وبكاء رحمة ورقة، وبكاء خوف وخشية، وبكاء محبة، وبكاء غم ومصيبة، وبكاء ضعف ووحشة، وبكاء نفاق ومداهنة، وبكاء كذب وعارية، كبكاء النائحة، وبكاء مؤالفة وموافقة، كما إذا رأى جماعة يبكون، ولم يعلم سبب بكائهم فيبكى موافقة لهم.
فصل في الفطرة وتوابعها
للعلماء أقوال في ختانه - ﷺ -: أحدهما: "أنه ولد مختونًا مسرورًا" (٢)، الثاني: "أن الملائكة ختنته في اليوم الذي شق فيه صدره المبارك، وملئ علمًا وحكم" (٣). وذلك خلف خيمة حليمة ﵂. وكان ختانه في ذلك اليوم. الثالث: أن جده عبد المطلب ختنه في اليوم السابع، وسماه وأضاف. وكان - ﷺ - يحب التيامن في كل شيء حتى تنعله، وترجله، وأخذه، وعطائه، وأكله، وشربه، ووضوئه (٤). واليد اليسرى لإزالة الأذى، والقذى، والاستنجاء، والاستبراء. وما أشبه ذلك.
_________________
(١) أخرج مسلم بنحوه (٢٧٠٢)، وأبو داود (١٥١٦)، والترمذي (٣٤٣٠)، وابن ماجة (٣٨١٩).
(٢) الأحاديث في ذلك كلها معلولة بعلل قادحة بحيث لا تنهض للاحتجاج بها لأن معظمها لا يخلو من وضاع أو متهم، وهي حديث العباس (ابن سعد: الطبقات (١/ ٢١٠٣) وفي إسناده يونس بن عطاء المكي يروي الموضوعات، ولا يجوز الاحتجاج بخبره (الميزان ٤/ ٤٢٨) وحديث ابن عباس (الكامل لابن عدي (٢/ ٢٥٧٦) وفي اسناده جعفر بن عبد الواحد متهم بوضع الحديث (الميزان ١/ ٤١٢) وحديث أنس بن مالك (الطبراني: المعجم الصغير (٣/ ١٤٥ - ١٤٦) وفي إسناده سفيان بن محمد الغزارى، و٥١، وانظر، السيرة النبوية الصحيحة (ج ١ ص ٩٩) د. أكرم ضياء العمري، مركز بحوث السنة والسيرة جامعة قطر سنة ١٤٤١ هـ ١٩٩١ م.
(٣) انظر صحيح مسلم (١/ ١٤٧)، كتاب الإيمان، باب (٧٤) الإسراء برسول الله - ﷺ - إلى السموات وابن هشام. السيرة النبوية للحافظ ابن كثير (١/ ٢٩٩) بتحقيق مصطفى عبد الوهاب.
(٤) انظر صحيح البخاري (١/ ٢٣٣ و١٠/ ٢٦١)، وصحيح مسلم (٢٦٨) (٦٧).
[ ٢٦٥ ]
وكان يحلق جميع رأسه، ولم يروا أنه حلق في غير حج أو عمرة، وكان يحب التسوك، وورد في فضله أربعون حديثًا. وكان يتسوك مفطرًا وصائمًا وعقيب النوم، ووقت الوضوء، ووقت الصلاة، وعند دخول البيت، وكان سواكه عود الأراك، وكان يحب الطيب، ويستعمله كثيرًا.
وجاء في بعض الروايات: "أنه - ﷺ - استعمل النورة، وكان أولًا يرسل جميع شعره خلف قفاه ثم فرقه، فجعل على كل جانب فرقة ولم يدخل الحمام أبدًا، والحمام الموجود الآن بمكة شرفها الله المشهورة بحمام النبي، لعلها بنيت في موضع اغتسل فيه مرّة، والله أعلم، ولم يصبغ شعره أبدًا ولكن كان يستعمل الطيب كثيرًا فظن بعضهم أنه خضب (١).
وكان يدهن رأسه ولحيته كثيرًا، وكان يسرع رأسه حينًا فحينًا، يباشر ذلك بنفسه. وقد يأمر عائشة فتسرحه، وكانت جمته إلى شحمتى أذنيه، فإذا طالت جعلها أربع غدائر.
قالت أم هانئ: "قدم علينا رسول الله - ﷺ -، مكة، قدمه وله أربع غدائر" (٢) "وكان لا يرد الطيب" (٣)، ويمنع من رده، وقال: "أطيب الطيب (٤) المسك" وكان يحب زهر الحناء.
_________________
(١) انظر سنن أبي داود في كتاب مناسك الحج، وسنن الترمذي في كتاب مناسك الحج، انظر نيل الأوطار (ج ٤ ص ٣٠٣).
(٢) انظر صحيح البخاري (ج ٢ ص ١٣٥)، صحيح مسلم (ج ٦ ص ٣٩).
(٣) روى أنس بن مالك ﵁ أن النبي - ﷺ - كان لا يرد الطيب، أخرجه البخاري (ج ١٠ ص ٣١٢) وانظر رياض الصالحين (ص) ٦٦٥ حديث رقم (٢/ ١٧٨٧).
(٤) أخرجه مسلم في صحيحه بنحوه حديث رقم (٢٢٥٣).
[ ٢٦٦ ]
فصل قول الرسول - ﷺ - في قص الشارب
كان - ﷺ - يقص شاربه ويقول: "من لم يأخذ من شاربه فليس منا" (١) وقال "خالفوا المجوس، جزوا الشوارب وارخوا اللحى" (٢) وفي الصحيحين: "خالفوا المشركين، وفروا اللحى، واحفوا الشوارب" وفي صحيح مسلم عن أنس: "أن النبي - ﷺ - وقت لقص الشارب، وتقليم الأظافر، أن لا يدع ذلك أربعين يومًا" (٣) وفي قص الشارب للعلماء أقوال.
قال الإمام مالك يكتفى في ذلك أن يظهر طرف الشفة، ولا يزيد على ذلك، لئلا يصير مثله، وحلق الشارب بدعة، يعزر فاعله، قال الطحاوي: ولا نص للإمام الشافعي، لكن رأيت أصحابه مثل المزنى والربيع يحفون، وهذا دليل على أنهم أخذوه عنه.
وأما الإمام أبو حنيفة، وزفر، وأبو يوسف، ومحمد مذهبهم الإحفاء، والإحفاء الأخذ من الأضل.
وقد ثبت في الحديث أن - ﷺ - أخذ من شاربه على سواك. هذا لا يتصور مع الإحفاء، والحديث المتفق عليه: "عشرة من الفطرة قص الشارب" (٤) إلى آخره، صريح في القص، والقص مع الإحفاء غير متصور.
قال الطحاوي: لما كان استحباب القص مجمعًا عليه، كان الحلق أفضل قياسًا على الرأس، وفي هذا القياس نظر. لأن في إحفاء الشارب قبحًا ظاهرًا ونوع مثله.
_________________
(١) ورد هذا الحديث بروايات كثيرة، فرواه مسلم في صحيحه في كتاب الطهارة (وفروا).
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه بلفظه في كتاب الطهارة والبخارى في كتاب اللباس والنسائي في الزينة.
(٣) أخرجه صحيح مسلم في كتاب الطهارة، والترمذي في الأدب، والنسائي في الزينة.
(٤) انظر صحيح البخاري في اللباس. باب: قص الشارب وباب: تقليم الأظافر (٤/ ٣٨، ٣٩)، ومسلم في الطهارة. باب: خصال الفطرة (٤٩، ٥٠)، وسنن أبي داود في الترجل. باب: في أخذ الشارب (٤١٩٨)، والترمذي في الأدب باب: ما جاء في تقليم الأظافر (١٠/ ٢١٥)، وابن ماجة في الطهارة باب الفطرة (١٩٤). وأحمد في المسند (٤/ ٢٦٤) وانظر: تحفة الودود بأحكام المولود لابن قيم الجوزية (ص ١١٢، ١١٣).
[ ٢٦٧ ]
فصل في الجهاد وآدابه
الجهاد ذروة سنام الإسلام، ومقام أهله في الدنيا والعقبى أعلى المنازل لا جرم كان حظ الجناب النبوي من ذلك أوفر الحظوظ، وعادته في سلوك طرقه أكمل العادات وأجملها، وأوقاته وساعاته موقوفة على الجهاد باللسان وبالجنان وبالدعوة والبيان وبالسيف والسنان ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾. قال تعالى: ﴿فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾.
وقالت العلماء مراتب الجهاد أربع مراتب:
جهاد النفس. وجهاد الشيطان. وجهاد الكفار. وجهاد المنافقين.
أما جهاد النفس فعلى أربع مراتب:
إحداهن: الجهاد في تعليم دين الحق.
الثانية: الجهاد في العمل بذلك العلم.
الثالثة: الجهاد في الدعوة لذلك العلم وتعليم آدابه.
الرابعة: الجهاد على الصبر، واحتمال مشقات الدعوة، وأذى الخلق. ومن استعمل هذه المراتب الأربعة دعى في ملكوت السموات عظيمًا.
وأما جهاد الشيطان فعلى مرتبتين:
الأول: الجهاد على دفع ما يلقيه من الشبهات والشكوك.
الثانية: الجهاد على دفع ما يلقيه من الإرادات والشهوات. وسلاح الأول اليقين، وسلاح الثاني نوع صبر.
وأما جهاد الكفار والمنافقين فعلى أربع مراتب:
القلب. واللسان. والمال. والنفس.
[ ٢٦٨ ]
وأما جهاد أرباب الظلم والمنكر والبدع فعلى ثلاث مراتب: الأول باليد، وإن عجز فباللسان، وإن عجز فبالقلب. هذه مراتب الجهاد وهي ثلاثة عشر، من لا حظ له منها فهو منافق "من مات ولم يحدث نفسه بالغزو، مات على شعبة من النفاق".
وأكمل الخلق في مجموع هذه المراتب هو سيدنا رسول الله - ﷺ - لأنه من أول يوم البعث إلى يوم الوفاة لم يزل في الجهاد يدعو الجن والإنس، والعرب والعجم، والصغير والكبير، والعبد والحر، والأنثى والذكر إلى الحق ويريهم الطريق المستقيم ويمنعهم من الكفر والضلال - ﷺ -، ولما أطلق لسانه بسب الأصنام قامت كفار قريش بعداوته، ولما بلغوا من أذيته الغاية ومن معاداته النهاية، أمر بالهجرة فهاجر جماعة إلى أرض الحبشة عثمان بن عفان ورقية ابنة رسول الله - ﷺ - وعشرة غيرهم.
ثم أسلم حمزة، وفشا الإسلام وتزايد فاضطراب الكفار لذلك اضطرابا شديدًا، ثم تعاقدوا على ألا يناكحوا بني عبد المطلب وبني عبد مناف ولا يبايعوهم، ولا يجالسوهم، ولا يكالموهم حتى يسلموا إليهم النبي وكتبوا بهذه الجملة كتابًا علقوه في سقف الكعبة، فشلت يد الكاتب، وأكلت الصحيفة الأرضة، إلا موضع اسم الله ورسوله هذا وبنو عبد المطلب محصورون في الشعب مدة ثلاث سنين، حتى أخبر جبريل رسول الله - ﷺ - فأخبر أبا طالب بذلك، وهو أخبر كفار قريش، وقال لهم: انظروا فإن كذب أسلمناه لكم، وإن صدق فارجعوا عن هذا الحال فقالوا قد أنصفت، ولا أنزلوا الصحيفة ورأوها ازدادوا كفرًا وطغيانًا، ثم بعد ستة أشهر توفى أبو طالب، وبعد ثلاثة أيام توفيت خديجة، وتضاعفت أذية الكفار، فخرج - ﷺ - من مكة إلى الطائف، فلم يجد من الطائف مساعدة ولا موافقة فرجع، ولا وصل في رجوعه إلى نخلة جاءه الجن، وعرضوا إسلامهم عليه، ولا رجع إلى مكة عرج به، فأخبر كفار قريش بما شاهد في تلك الليلة من رؤية الأنبياء وفرض الصلاة فلما سمعوا هذا ازدادوا في تكذيبهم، وزادوا في إيذائهم.
[ ٢٦٩ ]
وكان المعراج مرّة واحدة ببدنه في اليقظة، وبعضهم يقول: مرتان، وبعضهم يقول: ثلاث مرات، وبعضهم يقول: أربع مرات. وبعد الإسراء بسنة وشهر أمر بالهجرة فاستصحب أبا بكر بأمر البارى تعالى وسافر، ولما وصل المدينة فرح الأنصار بقدومه، وقدموا محبته على الأباء والأبناء، فقامت العرب لعداوتهم، وشنوا عليهم الغارة من كل جانب، فنزلت آية القتال، وحصل الإذن فيه بعد حرمته، ثم افترض.
والأحاديث الثابتة في فضل الجهاد تزيد على أربعمائة، وكان يبايع الصحابة على أن لا يفروا يوم الزحف، وفي بعض الأحيان كان يبايع على الموت. وكان يشاور أصحابه في أمر الجهاد قال أبو هريرة: "ما رأيت أحدًا أكثر مشورة لأصحابه من رسول الله - ﷺ -. وكان يسير في عقب العسكر ويحمل من أعبائه ويرفق في سيره أتم الرفق، ويرسل الجواسيس إلى الأعداء ويقدم الطلائع والمقدمات بين يديه، ويبث الخيل حول العسكر وكان إذا قابل العدو استقام ودعا الله وسأله النصرة واشتغل بذكر الله هو وأصحابه ثم أخذ في ترتيب العسكر بنفسه - ﷺ - وكان يعين المقاتل المبارز وفي حضرته تقع المبارزة بأمره، وكان يلبس لأمة الحرب وربما ظاهر بين درعين وكان في عسكره الرايات والأعلام، وكان إذا ظهر على قوم أقام بساحتهم ثلاثة أيام ثم رجع وكان إذا أراد الغارة على قوم انتظر، فإن سمع فيهم أذانا لم يغر عليهم، وكان في بعض الأحيان يأتي العدو بيتًا وقد يشن الغارة بالنهار، ويحب السفر يوم الخميس، وكان إذا نزل العسكر في منزل جمع بينهم حتى لو أن أحدًا غطاهم بثوب لعمهم جميعًا، وكان يعبي الصفوف بنفسه، وفي وقت القتال كان يعين الشجعان بيده ويقول: يا فلان تقدم يا فلان تأخر، وفي بعض الأحيان عند لقاء العدو قرأ هذا الدعاء "اللهم منزل الكتاب ومجري السحاب وهازم الأحزاب اهزمهم وانصرنا عليهم سيهزم الجمع ويولون الدبر بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر، اللهم أنزل نصرك، اللهم أنت عضدى وأنت نصيرى وبك أقاتل" وكان إذا التحم الحرب وحمى الوطيس وقصده العدو قال بأعلى صوته: "أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب" وكان
[ ٢٧٠ ]
الشجعان من أصحابه إذا اشتد بهم الأمر اتقوا به، وكان أقربهم إلى العدو، وكان يعين لأصحابه شعارًا يعرف به بعضهم بعضًا، وكان شعارهم مرّة (أمت أمت)، ومرة (يا منصور يا منصور)، وحينًا (حم لا ينصرون). وكان في بعض الأحيان يلبس الدرع ويجعل الخوذة على رأسه ويتقلد حمائل السيف ويحمل الرمح ويعتضد القوس، وربما رفع الدرقة وكان يحب التبختر في حال الحرب ويسوى المنجنيق على الأعداء، كما فعل في الطائف، ونهى عن قتل النساء والأطفال وأمر المقاتلة أن ينظروا، فمن ثبت قتلوه ومن لم يثبت استحيوه وأسروه. وكان إذا أرسل طائفة للغزو أمرهم بتقوى الله فقال: "سيروا باسم الله وفي سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله ولا تمثلوا ولا تغدروا ولا تقتلوا وليدًا".
ونهى - ﷺ - عن حمل القرآن إلى دار الحرب، وكان إذا بعث سرية أمر أميرها أن يدعو إلى الإسلام والهجرة أو الإسلام فقط بغير هجرة ويكون حكمهم حكم أعراب السلمين لا نصيب لهم في مال الفئ، ويبذلوا الجزية، وإن امتنعوا من جميع ذلك استعان بالله وقاتلهم. وكان - ﷺ - إذا ظفر بقوم أمر أن ينادى بجميع الغنائم كلها، ثم ابتدأ بالسلب فأعطى كل قاتل سلب مقتوله - يعني ثيابه وما عليه - ثم يخرج خمس الباقي ويصرفه في مصالح الإسلام كما عينها الله تعالى، وما بقى منه أعطى منه النساء والصبيان والأرقاء، ثم قسم الباقي بين العسكر للفارس ثلاثة أسمهم وللراجل سهم. هذا هو الصحيح. والأنفال من صلب الغنيمة على ما يرى فيه من المصلحة.
وقال بعضهم: كانت الأنفال من جملة الخمس. وبعضهم يقول: من خمس الخمس، وذا أضعف الأقوال. وفي بعض الغزوات أعطى سلمة بن الأكوع خمسة سهام؛ لأنه في تلك الغزوة وافقه توفيق عظيم، وظهر من إقدامه أمور عجيبة. وكان - ﷺ -، يسوي بين الضعيف والقوى في القسمة، وكان إذا قصد ديار العدو في بعض الأحيان يرسل سرية، فإذا ظفروا بغنيمة أخرج منها الخمس وأخرج الربع من الباقي وخص به السرية، وقسم الباقي بينهم وبين العسكر بالسوية، ومع هذا كان يكره النفل ويقول: "ينبغي للأقوياء أن
[ ٢٧١ ]
يردوه على الضعفاء وكان له - ﷺ - من الغنيمة سهم خاص، يقال له: "الصفى" إِذا أراد عبدًا أو أمة أو فرسًا، أو ما أحب أخذه قبل الخمس، وصفية أم المؤمنين وذو الفقار من تلك الجملة، وإن غاب أحد عن المعركة لمصلحة المسلمين دفع له سهمًا كما فعل مع عثمان في يوم بدر، حيث كان مشغولًا بتمريض ابنة النبي - ﷺ - فقال - ﷺ -: "إن عثمان انطلق في حاجة الله وحاجة رسوله" فضرب له بسهمه وأجره، وسهم ذوي القربى، وكان يقسمه بين بني هاشم وبني المطلب، ولا يعطى لإخوانهم من بنى عبد شمس وبنى نوفل شيئًا. وقال: "إنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد وما وجدوا في المغازى من طعام مثل العسل والعنب والجوز وغير ذلك أكلوه".
أخذ عبد الله بن مغفل جراب شحم، وقال: لا أعطى أحدًا منه شيئًا، فأقره على ذلك. وكان يشدد في أمر الغلول والخيانة تشديدًا عظيمًا ويقول: "هو نار وعار وشنار على أهله إلى يوم القيامة"، وغل شخص فأمر باحراق ما اختانه، وكذلك فعل أبو بكر وعمر - ﵄ - وهذا من باب التعزير بالمال والله أعلم.
[ ٢٧٢ ]