هذه القصيدة هي لامية أبي طالب عم النبي ﷺ، وقد كان أبو طالب يحوط النبي ﷺ وينصره أمام قريش، حتى إن النبي ﷺ يشفع له يوم القيامة رغم كفره، فيكون في ضحضاح من النار.
والقصيدة قالها أبو طالب عندما حاصرت قريش بني هاشم وبني المطلب في الشعب.
[ ٦ / ١ ]
التفصيل في ذكر نسب أولاد عبد مناف
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمد عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وعلى سائر من اقتفى أثره، واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: أيها الإخوة المباركون والأخوات المباركات! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته هذا لقاء من لقاءاتنا الموسومة بالمدائح النبوية، نعرج فيه كما جرت العادة على بعض الأبيات من بعض القصائد التي مدح فيها رسولنا ﷺ، وقبل أن نذكر قصيدة اليوم نزدلف إليها بحديث نبوي شريف، ذلك أن النبي ﷺ أجدبت المدينة في عهده فخرج ﷺ بأصحابه إلى المصلى واستسقى ربه، فنزل الغيث سريعًا عاجلًا كثيرًا، وتفرق الناس إلى منازلهم ودورهم يستكنون، فلما رأى النبي ﷺ نزول الغيث وإجابة الرب ﵎ لدعائه ومشهد الناس وهم ينتقلون إلى دورهم قال ﵊: (لو رأى أبو طالب ذلك لسره)، ففقه بعض الصحابة مراد رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله! كأنك تشير إلى قوله: وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ثمال اليتامى عصمة للأرامل وقال ﷺ: نعم.
هذا البيت الذي استحضر أمام رسولنا ﷺ وذكر هو من قصيدة لامية قالها أبو طالب عم رسول الله ﷺ أيام حاصرت قريش بني هاشم في الشعب، ومعلوم أن بني هاشم حوصروا جميعًا في الشعب إلا اثنين: أبو لهب، وأبو سفيان بن الحارث وقد رفعناهما ها هنا؛ لأننا إنما ذكرناهما هنا من باب الحكاية.
فالذي يعنينا أن أبا طالب قال هناك قصيدته اللامية، وسنختار منها أبيات موجزة جدًا ثم نعرج عليها ونعلق على ما قام به أبو طالب مع رسولنا ﷺ، وما يمكن أن ننهل من معين السيرة في هذا الجانب.
قال أبو طالب في لاميته: خليليّ ما أذني لأول عاذل بصغواء في حق ولا عند باطل ولما رأيت القوم لا ود عندهم وقد قطعوا كل العرى والوسائل وقد صارحونا بالعداوة والأذى وقد طاوعوا أمر العدو المزايل وموطئ إبراهيم في الصخر رطبة على قدميه حافيًا غير ناعل جزى الله عنا عبد شمس ونوفلًا عقوبة شر عاجل غير آجل بميزان قسط لا يغيض شعيرة له شاهد من نفسه حق عادل وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ثمال اليتامى عصمة للأرامل يلوذ به الهلاك من آل هاشم فهم عنده في نعمة وفواضل صلوات الله وسلامه عليه، فهو المقصود من بيت الأخير من قول أبي طالب.
سنتكلم الآن عن جانب السيرة فيها: لقد أيد الله جل وعلا نبيه بظهيرين أيام الدعوة في مرحلتها السرية، وبعد ذلك بقليل في أيام اشتداد أذى قريش عليها في مكة، نصير ظاهري كانت تمثله: خديجة ﵂ وأرضاها، ونصير ظاهري وكان يمثله: أبو طالب الذي مات على الكفر.
ونبدأ بالقضية من أولها: فالنبي ﵊ اسمه: محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، وعبد مناف هذا ترك أربعة أبناء هم: عبد شمس، ونوفل، والمطلب -ليس عبد المطلب، فـ عبد المطلب هذا لقب وليس اسمًا- وهاشم فهؤلاء الأربعة إخوة، وأبوهم هو عبد مناف.
ومن هاشم كان نبينا ﷺ، فعندما نقول: بنو هاشم فإنما نعني أحد هؤلاء الأربعة، فالله جل وعلا اختار قريشًا من العرب، واختار هاشمًا من قريش، واختار نبينا ﷺ من بني هاشم، فهو ﵊ خيار من خيار.
إذًا فنبينا من بني هاشم، وبقي لـ هاشم من الإخوة؟ ثلاثة عبد شمس، ونوفل، والمطلب، فلما حصر بنو هاشم في شعب بني هاشم حاصرتهم قريش في الشعب كان بنو عبد شمس وبنو نوفل قد تآمروا مع قريش ضد بني هاشم، فأصبحوا غير موالين لأبناء أخيهم، وأما المطلب فقد انضموا إلى بني هاشم في الشعب، فأصبح الشعب يضم بني هاشم الذين منهم النبي ﷺ ويضم أبناء عمومتهم من بني المطلب.
وأما أبناء عمومتهم عبد شمس ونوفل فهؤلاء كانوا مع قريش ضدهم، لهذا قال أبو طالب في لاميته: جزى الله عنا عبد شمس ونوفلًا عقوبة شر عاجل غير آجل لأنه كان يتوقع ويتمنى أن يكونوا معهم لكنهم انقلبوا عليهم وكانوا مع قريش، لذلك لما جاء النبي ﷺ في يوم خيبر يقسم الغنائم جعل الخمس بين بني هاشم وبني المطلب، فاعترض بنو عبد شمس وبنو نوفل مثل: عثمان بن عفان وغيره وجبير بن مطعم.
فهؤلاء قدموا إلى النبي ﷺ يسألونه ويستفسرون كيف يعطي بني المطلب من الغنائم؟ وقالوا بلسان الحال والمقال: يا رسول الله! أما إنك أعطيت بني هاشم فهذا لا غضبة فيه؛ لأنك منهم، فنحن لا نعترض على أنك أعطيت بني هاشم؛ لأنك أنت هاشمي، لكن ما دمت قد أعطيت بني المطلب فكان ينبغي أن تعطينا؛ لأن المطلب أخ لـ نوفل وأخ لـ عبد شمس، فقال ﷺ: (إن بني المطلب لم يفارقونا في جاهلية ولا إسلام)، فيذكر ﷺ بموقف بني المطلب في الشعب، (فبنو المطلب وبنو هاشم كالشيء الواحد، وشبك ﷺ بين أصابعه) فإذا قلنا: آل البيت فإنهم لا يدخل فيهم بنو المطلب على الصحيح، وأما عند قسمة الغنائم فإنه يعطون منها، هذا مذهب الشافعي ﵀ وأكثر أهل العلم وهو الذي نختاره.
نعود الآن إلى قضية أبي طالب.
[ ٦ / ٢ ]
نصرة أبي طالب لرسول الله
لقد نصر أبو طالب النبي ﷺ وقد عمر أكثر من ٨٠ عامًا، فنصر النبي ﷺ نصرًا مؤزرًا، ومن أعظم الدلائل على أن هذا الرجل أشرب حب رسول الله ﷺ أنه كان في الشعب إذا جاء الليل واتخذ ﷺ مكانًا ينام فيه ونام بقية من في الشعب، يقوم أبو طالب في الليل فيحمل النبي ﷺ من مرقده ويأتي بأحد أبنائه فيضعه مكانه؛ حتى إذا بيت أحد أن يقتل النبي ﷺ ويغدر به وهو نائم فإنه سيغدر بابن أبي طالب ولا يغدر بالنبي ﷺ.
وهذا ينبئك عن عظيم المحبة التي كان يكنها أبو طالب لرسول الله ﷺ، فلا غروا بعد ذلك أن يشفع النبي ﷺ له يوم القيامة في أن يكون أهون أهل النار عذابًا.
نعود إلى أبي طالب ولاميته، فلما قال أبو طالب: جزى الله عنا عبد شمس ونوفلًا عقوبة شر عاجل غير آجل إنما كان يقصد أنه كان يرغب ويتمنى من أبناء عمومته أن يقفوا نصراء يحمون ويدافعون معه عن النبي ﷺ، لكن الأمر لم يكن كما توقع، وأبو طالب كان يعلم أن النبي ﷺ على الحق، وله في ذلك نونية منها: ولقد علمت بأن دين محمد من خير أديان البرية دينا لولا الملامة أو حذار مسبة لوجدتني سمحًا بذاك مبينا لكن كتب الله جل وعلا له ذلك، فكان أبو طالب يمثل أعظم نصير وظهير للنبي ﷺ من الخلق خارج البيت النبوي، في حين كانت خديجة كما بينا تمثل أعظم نصير داخلي له ﷺ، فلما رأت قريش أن النبي ﷺ في حمى عمه اشتد أذاها على أصحابه، وقل أذاها عليه صلوات الله وسلامه عليه، ثم فجع ﷺ بعد ذلك بموت أبي طالب.
[ ٦ / ٣ ]
ذكر أولاد عبد المطلب ومن آمن ومن كفر
لقد ترك أبو طالب أربعة أبناء: طالبًا وبه يكنى، وجعفرًا، وعقيلًا، وعليًا، وابنتين هما: أم هاني، وجمانة.
وأما علاقة هؤلاء بالنبي ﷺ فـ طالب على المشهور مات على الشرك، وليس فيما بين أيدينا في المصادر التاريخية أخبار عنه، وأما عقيل فقد أسلم تقريبًا عند الحديبية وحسن إسلامه، وأما جعفر فهو الذي قال النبي ﷺ فيه: (أشبهت خلقي وخلقي).
وقد بينا في لقاء سابق أن هناك خمسة شديدوا الشبه برسول الله ﷺ وهم: جعفر، وقاسم، والفضل، وأبو سفيان بن الحارث، والحسن بن علي رضي الله تعالى عنه وأرضاه، فهؤلاء الخمسة الذي يشبهون النبي ﷺ منهم جعفر بن أبي طالب، وقد كان من السابقين الأولين إلى الإسلام، وهاجر إلى الحبشة، ولقي النبي ﷺ بعد فتح خيبر فقال النبي ﷺ ذلك الحديث الشهير، قال: (لا أدري بأيهما أسر بفتح خيبر أم بقدوم جعفر)، وعانقه وقبله بين عينيه.
ثم قدر لهذا الصحابي الجليل أن يستشهد في غزوة مؤتة، ونعاه النبي ﷺ مع صاحبيه اللذين استشهدا معه وهما: زيد بن حارثة، وعبد الله بن رواحة، وذلك لما أن خرج على الناس وأخبر ﷺ بحال قادة الجيش وأمرائه في مؤتة.
[ ٦ / ٤ ]
ذكر مثال على ذكاء علي وقضائه
وأما علي رضي الله تعالى عنه فهو رابع الخلفاء، وحاكم الحنفاء، الصحابي الجليل المشهور، أحد العشرة المبشرين، زوجه النبي ﷺ ابنته فاطمة، وكان من أذكى الناس، ومن دلائل ذكائه نأخذ هذه القصة التي تبين قضاء علي ﵁ وفهمه وذكاؤه: ذلك أن رجلًا كان يمشي في الصحراء ثم التقى به صديق له، فمضى يمشيان سويًا فجاعا، فلما جاعا أناخا مطياهما تحت شجرة وأخرج كل منهما ما معه من زاد، فأحدهما أخرج خمسة أرغفة، والآخر أخرج ثلاثة أرغفة، فأصبحت ثمانية أرغفة بينهما، وقبل أن يبدآ الأكل مر بهما أعرابي ضيف فدعواه إلى الطعام، فقبل فأكل معهما، فلما أكل معهما وانتهى أعطاهم ثمانية دنانير أو ثمانية دراهم وخرج لما خرج أراد أن يقتسم الثمانية فقال الذي جاء بخمسة أرغفة أنا أتيت بخمسة أرغفة وأنت بثلاث فخمس دراهم لي وثلاث لك، فاعترض الثاني وقال: لا إنما هي بالقسمة نحن اثنان والدراهم ثمانية فأربعة لي وأربعة لك فلما اختصما ذهبا إلى علي ﵁ وأرضاه يحتكما إليه، فلما ذهبا إلى علي ﵁ وأرضاه يحتكما إليه وتيقن علي أنهما سيقبلان حكمه قال: ٧ دراهم لصاحب الخمسة ودرهم ١ لصاحب ٣.
وهذا من دلائل فقه وذكاء علي ﵁ وأرضاه، فـ علي ﵁ نظر إلى أن الأرغفة الثمانية في كل رغيف ثلاثة أثلاث.
إذًا فهذه الأرغفة تتكون من أربعة وعشرين ثلثًا، وقد أكملها ثلاثة رجال، أي: أن كل شخص من هؤلاء الثلاثة أكل ثمانية أثلاث، فصاحب الخمسة أرغفة قدم خمسة عشر ثلثًا؛ لأن ثلاثة في خمسة بخمسة عشر، فقدم خمسة عشر ثلثًا، وقد أكل منها ثمانية وأبقى ٧ أكلها الضيف، فاستحق سبعة دراهم، وأما صاحب الثلاثة أرغفة فإن الثلاثة أرغفة في مجموعها فيها تسعة أثلاث، وقد أكل هو منها ثمانية أثلاث وبقي ثلث استحق عليه الدرهم.
الذي يعنينا هو أن هؤلاء الأربعة هم أبناء أبي طالب، وقلنا: إن ثلاثة منهم أسلموا: عقيل، وجعفر، وعلي ﵃ وأرضاهم، وأم هاني، وجمانة ابنتا أبي طالب.
وأما طالب فقد حررنا القول: أنه مات بعد غزوة بدر على الأشهر، ولا يعرف كيف مات، ولا يدرى عنه كثير شيء؛ لأن المصادر شحيحة.
لمثل هذا.
[ ٦ / ٥ ]
ذكر أعمام النبي ﷺ وأحوالهم
إن أبا طالب واحد من عشرة من أعمام النبي ﷺ، فالنبي ﵊ له عشرة أعمام، ستة من هؤلاء الأعمام لم يدركوا بعثته، فلا يتحرر في حقهم كفر ولا إيمان؛ لأنهم أقرب إلى أهل الفترة، وأما أربعة منهم فأدركوا البعثة، فآمن منهم اثنان، وكفر اثنان، فاللذان كفرا هما أبو لهب، وأبو طالب، إلا أن الفرق بينهما: أن أبا طالب كان أعظم نصير للنبي ﷺ، وأما أبو لهب فأخباره مشهورة ذائعة منتشرة في أنه ناصب النبي ﷺ العداوة، وفيه نزلت: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾ [المسد:١ - ٢].
﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد:١]، تكرر مرتين: في المرة الأولى دعاء، وفي المرة الثانية ليس تأكيدًا كما يظنه بعض النحاة، وإنما تب الأولى دعاء، وتب الثانية بمعنى وقد فعل، أي: هذا الدعاء الذي كان عليه قد وقع وحصل بأمر من الله وقدره.
وأبو لهب اسمه: عبد العزى، وسمي أبو لهب؛ لأنه كان وضيء الوجنتين، فكانتا متقدمتين كالجمرتين فعرف بذلك.
[ ٦ / ٦ ]
ذكر خبر حمزة ﵁
وأسلم من أعمام النبي ﷺ حمزة، والعباس، وحمزة ﵁ وأرضاه هو أخ للنبي ﷺ من الرضاعة، وقد أسلم قديمًا قبل الهجرة.
ثم هاجر مع النبي ﷺ إلى المدينة، وكان له مواقف مشهودة يوم بدر، فهو أسد الله وأسد رسوله ﷺ، وقد قتل شهيدًا يوم أحد طعنه وحشي، ووحشي هذا كان غلامًا عند بعض بني أمية، ولم يكن له ناقة ولا جمل في نصر قريش أو هزيمتها لكنه كان ينشد حريته.
فأعمامه وأسياده عرضوا عليه الحرية على أن يقتل حمزة، فاتخذ حربة ونزل ساحة القتال ولم يكن له هم إلا أن يقتل حمزة، فوقع منه أن رمى الحربة فأصابت حمزة في مقتل فقتل، ثم مرت سنون وأعوام حتى انتشر دين الله فآمن وحشي، وقدم المدينة، فدخل على النبي ﷺ فقال له: أوحشي أنت؟ قال: نعم، قال: قص علي قتل حمزة، فقص وحشي على رسول الله ﷺ قتل حمزة، فإذا بعيناه تذرفان صلوات الله وسلامه عليه، ثم قال له: غرب وجهك عني؛ لأن النبي ﷺ كان يحب حمزة حبًا جمًا، ولم يكن يقدر -وهذا شيء بشري لا يعاتب فيه ولا يلام صلوات الله وسلامه عليه من ذا الذي يقدر على معاتبته ولو أنه قد زكاه الله من فوق سبع سموات واختاره واصطفاه على الخلق أجمعين.
لم يكن يقدر على أن ينظر إلى قاتل حمزة وهو وحشي، لكن وحشي بقي على إيمانه وإسلامه وقدر له بنفس الحربة أن يقتل مسيلمة الكذاب ثم يموت بعدها بسنين، هذا حمزة.
[ ٦ / ٧ ]
ذكر خبر العباس وأولاده
وأما العباس فهو من حيث السن أسن من النبي ﷺ وهو عم رسول الله ﷺ وأسلم قبيل الفتح بقليل وقيل: أنه أسلم قبل ذلك لكنه كان يخفي إسلامه وكنيته: أبو الفضل، ومن أشهر أبنائه: عبد الله الذي دعا النبي ﷺ بقوله: (اللهم فقه في الدين، وعلمه التأويل).
وإلى أحفاد العباس تنسب الدولة العباسية التي أسسها أبو العباس السفاح، وأسسها ثانيًا: أبو جعفر المنصور، ومن خلفائها: هارون الرشيد، والأمين، والمأمون، والمعتصم وغيرهم، فهؤلاء من جهة القرابة أبناء عم رسول الله ﷺ.
ويتحرر من هذا أن أعمام النبي ﷺ ينقسمون إلى قسمين: منهم من لم يدرك البعثة، ومنهم من أدرك البعثة، فأدرك البعثة منهم أربعة، آمن اثنان منهم وكفر اثنان، كفر أبو طالب وأبو لهب، وآمن العباس، وحمزة.
نعود إلى أبي طالب، قلنا: إن أبا طالب عمّر حتى جاوز الثمانين، وكان فقير المال لكنه أسر الناس بأخلاقه، وكان له جاه عظيم على فقره في قريش، ولهذا لم تستطيع قريش أن تصل إلى النبي ﷺ، وبعض أهل العلم يحمل قول الله جل وعلا في سورة الأنعام: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾ [الأنعام:٢٦] على أنها نزلت في أبي طالب، وهذا قول من أقوال المفسرين، ومفاده: أن أبا طالب ينهى الناس أن يقربوا إلى النبي ﷺ ويدافع عنه، وفي نفس الوقت ينأ بنفسه على أن يدخل في هذا الدين، قال الله: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾ [الأنعام:٢٦]، فهذا قول لبعض أهل التفسير قد يكون قريبًا من الصواب، لكن الآية لا تحتمل فصل الخطاب فالأمر فيها غير واضح جلي في هذا المعنى.
[ ٦ / ٨ ]
إلانة الله تعالى الصخر لإبراهيم ﵇
والذي يعنينا هنا أن هذه اللامية قالها أبو طالب يبين فيها أنه باقي على مولاته ونصرته لنبينا ﷺ، ونلحظ أن أبا طالب كان يقسم حينها بما كانت العرب تقسم به من الأمور المعظمة كالبيت، وقال في لاميته: وموطئ إبراهيم في الصخر رطبة على قدميه حافيًا غير ناعل فمقام إبراهيم كان موجودًا عند قريش يرونه، وإبراهيم ﵊وهو خليل الله المعروف- بنى البيت، فلما علا البنيان اتخذ صخرًا فرقى عليه ليصل، وهنا ننيخ المطايا إيمانيًا، فمن لان قلبه لله ألان الله له كل شيء، فإبراهيم ﵊ أسلم قلبه لله ولان فلما وضع قدميه على الصخر لان الصخر، فأصبح أثر قدمي إبراهيم بينًا ظاهرًا في الصخر يراه كل أحد، فانظر إلى حسن التعامل مع الرب ﵎، ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف:٩٠]، ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة:٢٤]، ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ * وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة:١٣١ - ١٣٢].
فهذا خليل الله لان قلبه لربه وأسلم قلبه لربه جل وعلا.
فلما ارتقى على الصخر لان الصخر -على ما في الصخر من صلاته- لقدم خليل الله إبراهيم، فأصبح الناس جليلًا بعد جليل يرونه، فكانت قريش تعظم هذا، فجاء أبو طالب يقسم فيقول: وموطئ إبراهيم في الصخر رطبة على قدميه حافيًا غير ناعل وقد كانوا ما يعظمونه يقسمون به، فلما جاء الإسلام وجاء نبينا بالدين الحق نهانا نبينا ﷺ عن أن نحلف بأحد غير ربنا؛ لأن القسم بأي أحد تعظيم له، والتعظيم المقيد قد يطلق لأي أحد، وأما التعظيم المطلق والذي منه القسم فهذا لا يكون إلا لله الواحد القهار، فمن أراد أن يحلف فليحلف بالله وحده ولا يحلف بأحد غيره، وكلما عظمت ربك كان ذلك أرفع في درجاتك وأعلى في منزلتك.
والله أمر نبيه أن يقسم في القرآن في ثلاثة مواضع: في سورة التغابن، وفي سورة سبأ، وفي سورة يوسف، ﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ [التغابن:٧]، وفي سورة يونس، ﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ [التغابن:٧]، في التغابن.
ومقصودنا من هذا: أن ينبغي أن تكون قلوبنا طائعة لربها كما كان هدي نبينا ﷺ.
هذا ما تيسر إيراده وتهيأ إعداده في التعليق على بعض أبيات لامية أبي طالب.
وفقني الله وإياكم لما يحب ويرضى، وألبسنا الله وإياكم لباسي العافية والتقوى.
وصل الله على محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين.
[ ٦ / ٩ ]