لقد كان النبي ﷺ يعبد ربه خير عبادة، فيقوم الليل حتى تتفطر قدماه، ويصوم النهار.
وقد حث النبي أمته على قيام الليل، وبين لهم أحسن الهدي في ذلك، فإن هديه ﷺ هو أكمل الهدي في الصلاة والصيام وغيرهما.
فمن أراد الفلاح والفوز فعليه باتباع سنته صلوات الله وسلامه عليه.
[ ١٠ / ١ ]
فضل قيام الليل
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له رب الأرض والسماوات، وأشهد أن سيدنا ونبينا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وعلى سائر من اقتفى أثره، وتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: أيها الإخوة المشاهدون! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
فهذا لقاء متجدد من لقاءاتنا الموسومة بالمدائح النبوية، وقد مرت معنا لقاءات تبين من خلالها المنهج الذي نسير عليه، فنعرض بعض القصائد التي قيلت في مدح النبي ﷺ فنختار منها أبياتًا، ثم نزدلف من تلك الأبيات إلى بيان ما في الأيام النضرة والسيرة العطرة مما يمكن أن ننهل ونستقي منه.
والقصيدة التي نختارها اليوم هي للدكتور ناصر الزهراني عضو هيئة التدريس بجامعة أم القرى، أي: أن القصيدة من الشعر العربي الحديث المعاصر.
وهذه القصيدة نظمها قائلها في ثلاثة وستين بيتًا، وأراد أن تكون القصيدة بعمر نبينا صلوات الله وسلامه عليه، وقد أخذت القافية الميمية، وهي من روائع ما قيل في مدح نبينا ﷺ.
وسنختار في هذا اللقاء أبياتًا، ونختار في لقاءات أخر أبياتًا أخرى منها.
قال الدكتور ناصر الزهراني في مدح النبي ﷺ: تعجب الخلق من دمعي ومن ألمي وما دروا أن حبي صغته بدمي أستغفر الله ما ليلى بفاتنتي ولا سعاد ولا الجيران في أضم لكن قلب بنار الشوق مضطرم أف لقلب جمود غير مضطرم منحت حبي خير الناس قاطبة برغم من أنفه لا زال في الرغم يكفيك عن كل مدح مدح خالقه واقرأ بربك مبدأ سورة القلم شهم تشيد به الدنيا برمتها على المنابر من عرب ومن عجم أحيا بك الله أرواحًا قد اندثرت في تربة الوهم بين الكأس والصنم نفضت عنها غبار الذل فاتقدت وأبدعت وروت ما قلت للأمم ربيت جيلًا أبيًا مؤمنًا يقظًا حثوا شريعتك الغراء في نهم محابر وسجلات وأندية وأحرف وقواف كن في صمم فمن أبو بكر قبل الوحي من عمر ومن علي ومن عثمان ذو الرحم من خالد من صلاح الدين قبلك من مالك ومن النعمان في القمم من البخاري ومن أهل الصحاح ومن سفيان والشافعي الشهم ذو الحكم من ابن حنبل فينا وابن تيمية بل الملايين أهل الفضل والشمم من نهرك العذب يا خير الورى اغترفوا أنت الإمام لأهل الفضل كلهم ينام كسرى على الديباج ممتلئًا كبرًا وطوِّق بالقينات والخدم لا هم يحمله لا دين يحكمه على كئوس الخنى في ليل منسجم أما العروبة أشلاء ممزقة من التسلط والأهواء والغشم فجئت يا منقذ الإنسان من خطر كالبدر لما يجلي حالك الظلم أقبلت بالحق يجتث الضلال فلا يلقى عدوك إلا علقم الندم أنت الشجاع إذا الأبطال ذاهلة والهندواني في الأعناق واللمم فكنت أثبتهم قلبًا وأوضحهم دربًا وأبعدهم عن ريبة التهم بيت من الطين بالقرآن تعمره تبًا لقصر منيف بات في نغم طعامك التمر والخبز الشعير وما عيناك تعد إلى اللذات والنعم تبيت والجوع يلقى فيك بغيته إن بات غيرك عبد الشحم والتخم لما أتتك قم الليل استجبت لها العين تغفو وأما القلب لم ينم تمسي تناجي الذي أولاك نعمته حتى تغلغلت الأورام في القدم أزيز صدرك في جوف الظلام سرى ودمع عينك مثل الهاطل العمم الليل تسهره بالوحي تعمره وشيبتك بهود آية استقم صلوات الله وسلامه عليه.
هذه بعض من أبيات الشيخ الدكتور ناصر الزهراني في مدح النبي ﷺ، وسنقف عند بعض أبياتها.
سنقف عند قوله: الليل تسهره بالوحي تعمره وشيبتك بهود آية استقم وقبلها قال: لما أتتك قم الليل استجبت لها تنام عينك أما القلب لم ينم قيام الليل منقبة من أعظم مناقب الصالحين، قال الله جل وعلا: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ [الذاريات:١٧].
وقال جل وعلا: ﴿يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا﴾ [الفرقان:٦٤]، والنبي ﷺ عندما أنزل عليه الملك أول الأمر وجاءه التكليف السماوي بهذه الرسالة العالمية السماوية؛ نزل يضطرب فؤاده وتتسابق رجلاه حتى وصل إلى بيت خديجة، والخائف دائمًا يحتاج إلى شيء ثقيل عليه حتى يسكن، فلما دخل بيته قال: (دثروني دثروني)، والعرب تسمي الثياب الملاصقة للبدن شعارًا، وما زاد تسميه دثار، والنبي قطعًا ﵊ لما قدم إلى خديجة كان عليه ثياب، لكنه كان يجد في نفسه رجفة لهول ما رأى، فأخذ ينادي: (دثروني دثروني) يريد شيئًا ثقيلًا على بدنه، لعله يسكن، فدثرته خديجة، فقال: (زملوني زملوني)، وهو نفس المعنى السابق، فزملته خديجة ﵂ وأرضاه، فناداه ربه: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ [المدثر:١]، وهذا قيام بالتكليف، وقد قال بعضهم: إن النبي ﷺ نبئ باقرأ وأرسل المدثر، وقال: (زملوني زملوني)، فأنزل الله عليه: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾ [المزمل:١]، وهذا ليس اسمًا للنبي ﷺ، وإنما نداء له، بالصفة المتلبس بها، كما سمى النبي ﷺ عليًا: أبا تراب؛ لأنه نام واضطجع على التراب ﵁.
[ ١٠ / ٢ ]
قيام الليل زاد ومعين على تحمل التكاليف
ولما أراد الله أن يكلف نبيه بين له ما يعينه على التكليف، فقال له: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا * نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا * إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا * إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾ [المزمل:١ - ٦].
فأنت أيها النبي الكريم ستكلف تكليفًا عظيمًا: «إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا»، وهذا القول الثقيل يحتاج منك إلى قيام في الليل، فإن أحسنت القيام بين يدينا في الليل رزقت التوفيق منا في النهار، فقام ﷺ لربه في الليل حق قيام كما قال الدكتور ناصر وفقه الله: الليل تسهره بالوحي تعمره وشيبتك بهود آية استقم آية هود هي: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ [هود:١١٢]، والنبي ﷺ لما قيل له: (دب إليك الشيب، قال: شيبتني هود -أي سورة هود- وأخواتها)، مثل التكوير والنبأ والمرسلات التي ذكر الله جل وعلا فيهن حشر العباد وقيام الأشهاد، وذكر الله جل وعلا فيها ما يكون بعد نفخة الفزع من اضطراب السماء وغيرها.
[ ١٠ / ٣ ]
هديه ﷺ في قيام الليل
والذي يعنينا أن النبي ﷺ لما ناداه ربه: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [المزمل:٢] كان ﷺ يقوم الليل ويحييه، إلا أنه من مجمل ما دل عليه قيامه في الليل أنه لم يقم ﷺ ليلة بأكملها، وقد كان صلوات الله وسلامه عليه في العشر الأواخر من رمضان كان يحيي الليل كله، فيجمع ما بين الصلاة، وتلاوة القرآن، والذكر والتسبيح، كما تقول عائشة رضي الله تعالى عنها وأرضاها، فقيام العبد بين يدي ربه في الليل منقبة جليلة كان الصالحون قبلنا من لدن آدم وسيبقون إلى أن تقوم الساعة يحيون الليل بعضه أو كله، والنبي ﷺ أرشد إلى قيام داود، فقال ﵊: (أحب الصيام إلى الله صيام داود، وأحب الصلاة إلى الله صلاة داود)، ثم فصل هذا الإجمال فقال: (كان يصوم يومًا ويفطر يومًا)، فهذا صيامه ﵊، أي: صيام داود، ثم قال في الصلاة: (كان ينام نصف الليل -أي داود-، ويقوم ثلثه، وينام سدسه).
الصلاة إذا كانت بين منامين، يعني: نام الرجل في الليل ثم استيقظ فصلى، ثم عاد فاضطجع قبل الفجر، فهذه التي تسمى ناشئة الليل على أظهر أقوال أهل العلم، وهي المقصودة بقول الله جل وعلا في سورة المزمل: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾ [المزمل:٦]، فتحرر من هذا أن النبي ﷺ كان يقوم الليل ويحييه لربه ﵎.
وسيأتي إن شاء الله تعالى تفصيلًا ما ورد في كيفية صلاته صلوات الله وسلامه عليه وقيامه، مما يمكن للمرء أن يستن به بسنة نبيه ﷺ.
فمن حيث الإجمال كان النبي ﷺ يطيل القراءة، كما كان ﵊ يقول في سجوده -لما سمعته عائشة -: (اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وأعوذ بمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك)، جاء هذا في حديث صحيح، فهذا كله يندرج في إجمالنا لقيام ليل رسولنا ﷺ.
[ ١٠ / ٤ ]
تفصيل قيامه ﷺ في الليل
وجاء عن النبي ﷺ في روايات عدة صحيحة كيفية قيامه بالليل، فلما أرشد قال: (صلاة الليل مثنى مثنى)، فيتحرر من هذا ما يلي: أن يصلي الرجل ركعتين ركعتين، فإذا خشي الصبح وأراد أن يوتر أوتر بواحدة توتر له ما قد سلف، فهذه صورة من صور قيام الليل.
الصورة الثانية: أن يوتر الإنسان بتسع، ثبت عنه ﷺ أنه كان يصلي ثمان ركعات متتابعات لا يجلس في واحدة منهن إلا في الثامنة، فيقول التشهد ويثني على الله ثم يقوم، فإذا قام قبل أن يسلم قام إلى الركعة التاسعة، فيصلي الركعة التاسعة ثم يجلس، فيتشهد ويصلي على النبي ﷺ، ثم يثني على ربه كثيرًا ويدعو، ثم يسلم سلامًا يُسمع أهله، هذه صورة.
الصورة الثالثة: نفس ما صنعه في الثمان والتسع يصنعه في الست والسبع، بمعنى أنه يصلي ست ركعات متتابعة ثم يجلس في السادسة، ثم يقوم قبل أن يسلم فيأتي بالسابعة، ثم يجلس فيسلم.
الحالة الرابعة: أن يفعل ذلك أربع وخمس ركعات بنفس الطريقة الأولى، وقد كان أولًا يصلي الثمان والتسع، فلما ثقل وحمل اللحم كما تقول عائشة ﵂ وأرضاها كان يصلي ست ويوتر بالسابعة، ثم نقل عنه نقلًا صحيحًا أنه كان يصلي ركعتين وهو جالس بعد الوتر، وهذه سنة اختلف الناس في فهمها أو في قبولها، والأظهر والعلم عند الله أنها سنة ثابتة صحيحة كما عند مسلم في الصحيح فلا يمكن دفعها، وهذه السنة لا تعارض قوله ﷺ: (اجعلوا آخر صلاتكم وترًا)؛ لأن الذي قال: (اجعلوا آخر صلاتكم وترًا) هو الذي صنع هاتين الركعتين، وقد جاء بسند لا بأس به: (أنه ﷺ كان يقرأ في الركعة الأولى بالزلزلة: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الأَرْضُ زِلْزَالَهَا﴾ [الزلزلة:١]، ويقرأ في الركعة الثانية: بـ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون:١])، فهذا حال صلاته وهو جالس صلاة ركعتين بعد وتره صلوات الله وسلامه عليه.
ونقل عنه ﷺ أنه كان يقرأ بسبح والكافرون وقل هو الله أحد عند ختم صلاته، يعني: عندما يصلي مثنى مثنى يأتي بركعتين في الأخير يقرأ في الأولى بسبح وفي الثانية بسورة قل يا أيها الكافرون، ثم يأتي بركعة بواحدة منفصلة يقرأ فيها بقل هو الله أحد.
وعلم النبي ﷺ الحسن بن علي أن يقول في قنوته في وتره: (اللهم اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، وتولني فيمن توليت، واصرف عني ما قضيت، فإنك تقضي ولا يقضى عليك)، إلى هنا تقريبًا انتهى ما علمه النبي ﷺ الحسن أن يقوله في قنوته، والإطالة التي يصنعها الأئمة الآن لا بأس بها إذا كانت إطالة قليلة، لكنه لا ينبغي أن تكون الإطالة زائدة عن الحد، أن أو تورث في الناس السآمة والملل، أو أن تكون دعاء مكررًا أو ما أشبه ذلك، فقد كان ﷺ يتوخى جوامع الكلم في دعائه وفي حديثه للناس.
فهذا بعض ما نقل إلينا من قيام الليل عند رسول الله ﷺ، كانت عائشة تقول: (يصلي أربعًا لا تسل عن حسنهن وطولهن)، فقولها: أربعًا فيه إجمال، فسره قوله ﷺ: (صلاة الليل مثنى مثنى)، فلعل أم المؤمنين ﵂ وأرضاها تقصد أنه كان يصلي ركعتين ثم يتبعها بركعتين، ثم يستريح، وهذا معنى قولها: (صلى أربعًا لا تسل عن حسنهن وطولهن)، وذات مرة قام ﷺ يصلي، فقرأ بالبقرة، ثم قرأ بالنساء، ثم قرأ بآل عمران، وهذا فيه دلالة ظاهرة واضحة على أنه ﷺ كان يطيل القيام جدًا، والناس مأمورون جملة بقيام الليل، وكل بحسب طاقته وبدنه وصحته، لكن من المهم جدًا أن يكون لك أيها المؤمن وأنت تكون لك أيتها المؤمنة حظ من قيام الليل بين يدي ربك جل وعلا.
والنبي ﷺ ذكر الركوع والسجود فقال: (أما الركوع فعظموا فيه الرب)، قال في أول الحديث: (أما وإني نهيت أن أقرأ القرآن ساجدًا أو راكعًا، فأما الركوع فعظموا فيه الرب، وأما السجود فأكثروا فيه الدعاء؛ فقمن أن يستجاب لكم)، ولا يوجد حالة للعبد هو أقرب فيها إلى الله من حال السجود، فأقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، ولهذا قدم الله السجود على القيام في كتابه، قال تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا﴾ [الزمر:٩]، وجاء في الخبر الصحيح عن عصاة بني آدم من المؤمنين عندما يدخلون النار، قال ﷺ: (إن الله حرم على النار أن تأكل أعضاء السجود من بني آدم)، فعصاة المؤمنين من بني آدم وهم من كتب الله عليهم النار -نسأل الله لنا ولكم العافية- تحرق النار فيهم كل شيء إلا أعضاء السجود، وهذا ينبيك عن عظمة السجود لرب العالمين ﷻ.
[ ١٠ / ٥ ]
أنواع السجود
والسجود يقع أيها المبارك -كما دلت عليه سنة أحمد التي نحن نتلمسها في هذه المدائح- على أحوال: يقع السجود كجزء من الصلاة فرضًا ونفلًا، وهذا ظاهر.
ويقع السجود سجود تلاوة، وذلك في أن يقرأ الإنسان آية سجدة فيسجد، فهذه قد جاء في السنن والمسند: (أن الرجل المؤمن إذا قرأ القرآن فمر بآية سجدة فسجد يعتزل الشيطان يبكي، ويقول: يا ويلاه أمر بالسجود فسجد فله الجنة، وأمرت بالسجود فلم أسجد فلي النار) فهذه الحالة الثانية للسجود.
الحالة الثالثة: سجود الشكر، وذلك أن يبشر الإنسان بدفع نقمة أو بحلول نعمة فيسجد، وسجود الشكر على الأظهر لا يلزم له طهارة؛ لأن الإنسان لا يدري على أية حالة يبشر، والقبلة يجتهد فيها قدر الإمكان، وغالبًا أن الإنسان في بلده أو في موطنه يعرف اتجاه القبلة، لكن لو فرضنا أنه في سفر ولم يكن قد تبينت له قبلة فيسجد على أي حال كان: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة:١١٥].
فالمقصود أن سجود الشكر حالة وسجود التلاوة حالة، والسجود داخل الصلاة فرضًا ونفلًا حالة.
ويبقى سجود يكون داخل الصلاة ويسمى سجود السهو، وهذا له أسبابه، من ترك ركن نسيان ركن أو نسيان واجب، وفي كل الأحوال يسبح الإنسان ربه، ويتوسل إلى خالقه ومولاه، ويسأله من خيري الدنيا والآخرة، يقول ﷺ كما بينا: (أما السجود فأكثروا فيه من الدعاء فقمن -أي: جدير وحري- أن يستجاب لكم).
[ ١٠ / ٦ ]
خيرة الله للعبد خير من خيرته لنفسه
هناك مخاوف نحذرها لا يدفعها إلا الله، وهناك رغبات وأماني وآمال نطلبها لا يحققها إلا الله، فكلما خلصت نية العبد وصفت سريرته وازدلف إلى ربه وأظهر لله فقره في السجود وفي غيره نال ما عند الله جل وعلا من العطايا، والرب ﵎ أرحم بنا من أنفسنا، فقد لا يستجاب لنا في أمر أعظم في أنفسنا، وقد يعجل لنا الثواب، وقد يؤخر، لكن ينبغي عليك أن تكون حسن الظن بربك جل وعلا، وأن تعلم حقيقة علمها الله نبيه وهي: أن خيرة الرب لعبده خير من خيرة العبد لنفسه، وسأضرب لك مثلًا من القرآن يدل على هذا المعنى أختم به هذه اللقاء.
فموسى ﵊ خرج من أرض مصر يتبعه فرعون وجنده، فلما وصل موسى إلى شاطئ البحر قال بنو إسرائيل: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [الشعراء:٦١]، فقال موسى: ﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء:٦٢]، فأمر الله موسى أن يضرب بعصاه البحر، فورد أنه قال: باسم الله، انفلق أبا خالد، وهي كنية البحر، فانفلق البحر، وأيًا كان الأمر سواء قالها موسى أو لم يقل فقد انفلق البحر، ولما انفلق البحر أصبح البحر اثني عشر طريقًا يبسًا، فمشى موسى والمؤمنون الذين معه وتجاوزوا إلى الشق الآخر، فلما وصل موسى إلى الشق الآخر كان فرعون داهية بمعنى الكلمة، فلم يأمر فرعون جنده أن يعبروا البحر، بل توقف ينتظر ماذا سيحل بموسى، لكن لا يمكن أن يرقى مكر فرعون إلى مكر الله؛ ففرعون منع جنده أن يعبروا البحر فوقف ينظر ما الذي سيحل بموسى، وموسى ﵇ نجا هو المؤمنون جميعًا إلى الشق الآخر، فلما وصلوا إلى الشق الآخر أراد موسى ألا يصل إليه فرعون، فبدهي من موسى أن يضرب البحر بعصاه حتى يعود بحرًا فيمتنع فرعون، فينجو موسى ويعود فرعون، فهذا اختيار العبد الكليم موسى بن عمران، لكن الله قال لموسى: ﴿وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا﴾ [الدخان:٢٤]، أي: اتركه ساكنًا، أي: أنت لا علاقة لك بالموضوع، فلم يقدر موسى أن يضرب البحر؛ لأن الله نهاه، فبقي البحر يبسًا كما هو، فاقتنع فرعون أن البحر سيبقى يبسًا أبد الآبدين، فهنا اطمأن فرعون فعبر، فلما عبر واكتمل جنده في البحر أمر الله البحر أن يعود بحرًا فعاد بحرًا، فأغرق فرعون وجنده ونجا موسى، فكانت خيرة موسى أن ينجو وأن يعود فرعون، وكان قدر الله أن ينجو موسى ويغرق فرعون، فتعلم بذلك أن خيرة الرب لعبده خير من خيرة العبد لنفسه.
هذا ما تيسر إيراده وتهيأ إعداده حول الجزء الأول من ميمية الدكتور ناصر الزهراني في مدح سيد الخلق محمد بن عبد الله، ﷺ.
أسأل الله لي ولكم التوفيق، وصلى الله على محمد وعلى آله.
والحمد لله رب العالمين.
[ ١٠ / ٧ ]