لقد رمى المنافقون عرض النبي ﷺ فصبر وصبرت زوجته عائشة ﵂، فأنزل الله براءتها من فوق سبع سماوات في قرآن يتلى إلى يوم القيامة.
وتوعد الله المنافقين بالعذاب الأليم، بعد أن وبخهم في القرآن الكريم.
[ ١١ / ١ ]
اصطناع الله نبيه لنفسه
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، وإن كان يقل مع حق جلاله حمد الحامدينن وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له رب العالمين، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبده ورسوله الصادق الوعد الأمين، صلى الله عليه، وعلى آله وأصحابه، وعلى سائر من اقتفى أثره، وتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون والمؤمنات السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فهذا لقاء متجدد من لقاءاتنا الموسومة بالمدائح النبوية، وكنا قد تكلمنا في اللقاء الماضي عن ميمية الدكتور ناصر الزهراني في مدح النبي ﷺ، وذكرنا أنها ميمية حوت ثلاثة وستين بيتًا من الشعر على قدر عمر رسول الله ﷺ.
وتكلمنا وعلقنا على بعض أبيات منها، واليوم نستأنف الحديث عنها ونذكر الجزء الثاني من القصيدة، ثم نعلق عليه بعون الله وفضله ورحمته.
قال الزهراني حفظه الله: فوضت أمرك للديان مصطبرًا بصدق نفس وعزم غير منثلم ولى أبوك عن الدنيا ولم تره وأنت مرتهن لازلت في الرحم وماتت الأم لما أن أنست بها ولم تكن حين ولت بالغ الحلم ومات جدك من بعد الولوع به فكنت من بعدهم في ذروة اليتم فجاء عمك حصنًا تستكن به فاختاره الموت والأعداء في الأجم ترمى وتؤذى بأصناف العذاب فما رئيت في ثوب جبار ومنتقم حتى على كتفيك الطاهرين رموا سلى الجزور بكف المشرك القزم أما خديجة من أعطتك مهجتها وألبستك ثياب العطف والكرم عادت إلى جنة الباري ورحمته وأسلمتك لجرح غير ملتئم والقلب أفعم من حب لعائشة ما أعظم الخطب فالعرض الشريف رمي وشج وجهك ثم الجيش في أُحد يعود بين مقتول ومنهزم لما رزقت بإبراهيم وامتلأت به حياتك بات الأمر كالعدم ورغم تلك الرزايا والخطوب وما رأيت من لوعة كبرى ومن ألم ما كنت تحمل إلا قلب محتسب في عزم متقد في وجه مبتسم بنيت بالصبر مجدًا لا يماثله مجد وغيرك عن نهج الرشاد عمي يا أمة غفلت عن نهجه ومضت تهيم من غير هدي ولا علم يومًا مشرقة ويومًا مغربة تسعى لنيل دواء من ذوي سقم لن تهتدي أمة في غير منهجه مهما ارتضت من بديع الرأي والنظم هذا الجزء الثاني من القصيدة التي قالها الدكتور الزهراني في مدح سيد الخلق وأشرفهم محمد بن عبد الله ﷺ، وسنقف وقفات مع هذه القصيدة، ووقفاتنا كالتالي: نلحظ في القصيدة أن الشاعر وفق في مسألة أن الله جل وعلا أراد أن يصطنع هذا النبي لنفسه، وإن كان الشاعر لم يقل ذلك صراحة، وإنما ذكرها من باب الصبر على الرزايا، لكن هناك من يقول: إن الله جل وعلا اختار محمد بن عبد الله واصطفاه من الخلق أجمعين، وحتى يكون هذا العبد الصالح والنبي الكريم لربه لا غيره فإنه قدر عليه أن لم ير والده قط، فمات والده وهو حمل في بطن أمه، فلما ولد لم يكن هناك شفقة من الوالد عرفها ﷺ فيتعلق بها، ثم ما لبث أن تعلق بأمه، وما أن شب وتعلق بأمه وبلغ ست سنين إلا واختار الموت تلك الأم فماتت بالأبواء، فلما ماتت تعلق ﷺ بجده عبد المطلب، فما أن بدأ قلبه يتعلق بجده حتى مات الجد، فلما بلغ مبلغ الرجال وبلغ أشده ونبئ صلوات الله وسلامه عليه نصره عمه، فلما رأى نصرة عمه تزداد يومًا بعد يوم ويقف عمه أمام كفار قريش؛ حماية لابن أخيه صلوات الله وسلامه عليه، ثم يموت أبو طالب فيصبح هذا القلب النبوي لا يعرف منة لأحد عليه، ويصبح معلقًا كل التعلق بربه ﵎، وهذا من اصطفاء الله لنبيه ﷺ، ألم يقل الله عن كليمه موسى: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ [طه:٤١]، فالأنبياء يصطفون لربهم جل وعلا، ولا ريب أن نبينا ﷺ في الذروة منهم صلوات الله وسلامه عليه، فالله جل وعلا اصطنعه لنفسه، ولذلك نشأ ﷺ لا يتعلق إلا بربه، وحتى يزداد الأمر يقينًا عندك أيها المبارك تدبر غزوة بدر، ولا نريد من تدبرها أن نحفظ أرقامًا؛ قتل كذا من المؤمنين وقتل كذا من المشركين، لكن تأمل أولها، فقد خرج النبي ﷺ وبعض أصحابه يريدون القافلة، فقال الرب ﵎ لهم قبل أن يحسم أمر القافلة: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ﴾ [الأنفال:٧]، فالله جل وعلا وعد نبيه وأصحابه إما أن يدركوا عير قريش، وإما أن ينتصروا، ومع ذلك فرت العير ونجا أبو سفيان، فلم يبق من موعود الله إلا الأمر الثاني؛ لأن الله جل وعلا وعد نبيه إما عير قريش وإما النصر، فقول ربنا: إحدى الطائفتين ليس المقصود منه النصر أو الشهادة فهذا محال، وإنما المقصود منه إما العير وإما النصر، ولهذا قال الله: ﴿وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾ [الأنفال:٧]، فلما فرت العير أصبح واضحًا جليًا أن الفريقين سيلتقيان وأن النصر للمؤمنين، فالنبي ﷺ قدم بدرًا وهو يعلم علم اليقين أن النصر له، ومع ذلك لأن قلبه معلق بالله أظهر هنا في ليلة بدر كمال العبودية، فأخذ ﷺ يدعو ربه ويتوجه إليه ويسأله ويلح على ربه في السؤال ويقول: (اللهم إن تهلك هذه العصابة فلن تعبد في الأرض أبدًا)، فالإلحاح هنا لإظهار عبوديته لربه صلوات الله وسلامه عليه، وهذا ثمرة طبيعية لتربية الله له واصطفاء الله جل وعلا له دون سائر الخلق، فالأم تموت قبل أن يتعلق بها تعلقًا تامًا، ثم يتعلق بالجد فيموت الجد، ثم يتعلق بالعم فيموت العم، فلا يبقى في البيت إلا خديجة فتموت خديجة، حتى يصبح ﷺ يمشي على الأرض وقلبه معلق بربه، ومن قبل ذلك فالإنسان يبقى معترفًا بوالديه بالتربية والحنان والعطف والتنشئة، فمات أبوه وأمه وهو صغير حتى يمشي ﷺ وليس لأحد من أهل الأرض عليه منة إلا منة ربه ﵎، ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى * وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى * وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾ [الضحى:٦ - ٨] صلوات الله وسلامه عليه، وهذا كله من اصطفاء الرب ﵎ له.
لقد وفق الشاعر في قضية تسلسل الأمر، وجعل ثمرته الصبر، ولو أنه جعلها في كيفية بناء الله جل وعلا لشخصية نبيه لكان أولى وأحرى.
[ ١١ / ٢ ]
فضل عائشة
ثم ذكر الشاعر مسألة أن عائشة ﵂ رميت، فقال: ما أعظم الخطب فالعرض الشريف رمي هذا بعد أن أفعم قلبه ﷺ بحب عائشة، وعائشة هي البكر الوحيدة التي تزوجها النبي ﷺ، فكل أزواجه قبلها وبعدها كانت كل واحدة منهن سيدة، ونبينا ﷺ منّ الله جل وعلا عليه بتعدد النساء، وقد كان هذا سنة في الأنبياء من قبله، ولهذا قال الرب ﵎: ﴿مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ﴾ [الأحزاب:٣٨] أي: من أنبياء الله ورسله، وقال الله جل وعلا عن بعض أنبيائه ورسله: ﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً﴾ [الرعد:٣٨]، فهو ﷺ قد منّ الله جل وعلا على بعض النساء أن اختارهن الله زوجات لنبيه وأشرف خلقه ﵊ ومنهن عائشة بنت الصديق، والأربعة الراشدون الذين حول النبي ﷺ وهم: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي لو تأملناهم لوجدنا أن النبي ﷺ قد تزوج بنت أبي بكر وبنت عمر، وزوج عثمان وعليًا، فتزوج ﷺ بنت أبي بكر وهي عائشة، وتزوج بنت عمر وهي حفصة، وزوج عثمان: رقية ثم أم كلثوم، وزوج عليًا: فاطمة، فالأربعة الراشدون ﵃ وأرضاهم معهم نسب واتصال غير اتصال الصحبة مع رسولنا صلوات الله وسلامه عليه.
فكانت عائشة ﵂ وأرضاها أحظى زوجات النبي ﷺ عنده، لكن الشاعر هنا يذكر أن القلب أفعم حبًا لـ عائشة بعد موت خديجة، لكن هناك مرحلة زمنية ما بين خديجة وعائشة، نعم خديجة لا يرقى إليها أحد من النساء، قال ﷺ: وقد قالت له عائشة وقد غضبت وأصابها ما يصيب النساء، قالت: وهل كانت إلا عجوزًا في غابر الأزمان قد أبدلك الله خيرًا منها، فقال ﷺ: (والله ما أبدلني الله خيرًا منها؛ لقد آمنت بي إذ كفر بي الناس، وصدقني إذ كذبني الناس، وواستني في مالها إذ حرمني الناس، وكان لي منها الولد، ثم قال: ورزقت حبها)، فكان ﷺ قد رزقه الله حب خديجة، فيجب أيها المؤمن! أن تلحظ أن النبي ﷺ لم يتزوج امرأة على خديجة، فـ خديجة كانت واحدة في بيت النبوة، ثم ماتت، وبعد أن ماتت تزوج النبي ﷺ النساء مثنى وثلاث كما أباح الله ﵎ له.
[ ١١ / ٣ ]
حادثة الإفك
ومسألة رمي عائشة رضي الله تعلى عنها تسمى في عرف أهل السيرة بحادثة الإفك؛ لأن الله قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ [النور:١١]، وقبل أن أزدلف إلى القصة كاملة ثم أحرر ما فيها من معان زاهرة، أنبه إلى أن كلمة الإفك معناها الكذب، وتقال عندما يريد أحد أن يجعل من الباطل حقًا، ويريد أن يغير الواقع، فيسمى ذلك إفكًا، قال الله جل وعلا: ﴿وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى﴾ [النجم:٥٣]، والمؤتفكة هم قوم لوط لما قلبوا الفطرة وأتوا الذكران من العالمين، فعاملهم الله بالمثل، فقلب عليهم الأرض وجعل عاليها سافلها، قال الله جل وعلا: ﴿جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ﴾ [هود:٨٢]، هذا الأمر سماه الله إفكًا؛ لأن الأمر انقلب عليهم، فسمى قوم لوط بالمؤتفكة.
وحديث الإفك سمي بحديث الإفك لأن عبد الله بن أبي المنافق المعروف ومن معه من مرضى القلوب أرادوا أن يجعلوا من عائشة الطاهرة المبرأة ومن الفراش النبوي الطاهر الكريم أن يجعلوه عرضة ومقامًا ومكانًا للفواحش، فأرادوا من أن يجعلوا عين الحقيقة باطلًا، وهذا محال، قال الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ [النور:١١].
وعلى عجل أسرد الخبر، ثم أذكر ما فيه من معان زاخرة.
خرجت عائشة ﵂ مع النبي ﷺ في غزوة المريسيع لما أجريت القرعة، وكانت يوم ذاك صغيرة خفيفة اللحم لم تتجاوز على الكثير أربعة عشر عامًا؛ لأن غزوة المريسيع كانت تقريبًا في السنة الخامسة، وعائشة لما مات النبي ﷺ كان عمرها ثمانية عشر عامًا، وكانت خفيفة البدن قليلة اللحم، فلما كان الجيش عائد وقبل أن يصلوا إلى المدينة كانوا في مكان يسمى اليوم بالعشيرة، وهو إلى الآن موجود قبل المدينة بحوالي ثلاثين كيلو، فأناخ الجيش مطاياه كالعادة في نحر الظهيرة، وذهب كل لشأنه، فخرجت عائشة لبعض حاجتها، وكانت عليها قلادة أهدتها إياها أمها، فلما عادت إلى مكانها لم تجد القلادة، فبدهي أن ترجع إلى المكان الذي ذهبت إليه، فخرجت تبحث عن القلادة، وفي هذه الفترة التي تبحث عنها -والله جل وعلا يحكم ما يشاء فوق عرشه ويقدر ما يريد- قام الجيش ورحل، فعادت عائشة فلم تجد الجيش، فكان كل ما كانت تحمله من هم وما تفكر فيه أن الجيش لا يلبث أن يفقدها فيعود، والذين حملوا الهودج ظنوا أن أم المؤمنين فيه ولم يشعروا بأنها ليست فيه؛ لأنها كانت خفيفة اللحم، ثم عادت عائشة ﵂ وأرضاها إلى المكان الذي فيه الجيش واتكأت على جذع شجرة تنتظر أن يعود إليها أحد، وبقدر الله غلبها النوم، فجاء صفوان بن المعطل، وهو صحابي اشتهر أنه كان كثير النوم، ولأمر ما بقدر الله تأخر عن الجيش، فلما وصل إلى المكان الذي كان الجيش منيخًا فيه رأى أم المؤمنين، والإنسان إذا نام يتكشف فرأى وجهها وعرفها؛ لأنه كان يعرفها قبل أن تنزل آية الحجاب، فلما رآها ماذا قال؟ وفق، والإنسان إذا وفق عند اللحظة الأولى فما بعدها تبع لها، فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، فينبغي على الإنسان أن يوطن نفسه كيف يتعامل مع الأحداث إذا وقعت، فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، فأفاقت أم المؤمنين على استرجاعه فاسترجعت، وقالت كلمة سأقولها في آخر الكلام، ثم أدنى منها ناقته وركبت الناقة وهو يقودها ومضوا، وكان الجيش منيخًا والناس في عز الظهيرة ماكثون، وإذا بالناقة يقودها صفوان وعليها أم المؤمنين، فرآها عبد الله بن أبي فقال عليه من الله ما يستحق: امرأة نبيكم مع رجل؟ والله ما سلمت منه ولا سلم منها، ثم أخذ يفرق الكلام ويجمع ويزيد فيه وينقص منه، وعائشة ﵂ لا تدري عن ذلك شيئًا، فشاع الخبر حتى وصل إلى أم مسطح ومسطح فقير من قرابة أبي بكر وكان أبو بكر ينفق عليه، وكانت أمه تتضجر من كون مسطح خاض في الحديث، فأرادت أن تخبر عائشة الخبر، فذات يوم خرجت عائشة مع أم مسطح فعمدًا عثرت أم مسطح؛ تريد أن تفتح الباب للكلام، فقالت بعدما عثرت -والإنسان جبلة يا أخي إذا عثر وسقط يردد كلمة فيقول: باسم الله، خير إن شاء الله، فهذا بدهي في الإنسان-: تعس مسطح، فسكتت عائشة، وبعد قليل سقطت مرة أخرى فقالت: تعس مسطح، فتعجبت عائشة كيف تدعين على رجل شهد بدرًا هذا وهو ولدك، فأخبرتها الخبر، ففجعت أم المؤمنين وفوجئت، فعادت وقد شعرت من قبل أنها تفقد اللطف الذي تراه في النبي ﷺ، ثم استأذنت النبي ﵇ أن تذهب إلى أبويها حتى تستفتح الخبر، فعادت إلى أبويها، وكان الصديق أكمل الناس أدبًا مع رسول الله ﷺ، وكان على سطح البيت يقرأ القرآن ويبكي، وزوجته أم رومان تبكي وعائشة كذلك، ومع ذلك كان يستحيي أن يأتي النبي ﷺ ويسأله عن الخبر، وسكت النبي لأن الوحي سكت، فلما سكت نبي الله سكت أبو بكر، وهذا من كمال الأدب معه ﷺ، وبعد ذلك أخذ النبي ﷺ يستشير الناس فاستشار عليًا، فغلبت على علي عصبته؛ لأن النبي ﷺ ابن عمه، فقال: تلميحًا لا تصريحًا النساء غيرها كثير، وأما أسامة فنصح النبي ﷺ أن يبقي على عهده، ثم إن النبي ﷺ استشار إحدى أمهات المؤمنين وهي التي كانت تسامي عائشة وتنازعها في المنزلة، فقالت: أهلك ولا نعلم إلا خيرًا، فأثنت على عائشة، وهذا من حفظ الله لتلك المرأة العظيمة.
وموضع الشاهد: أن النبي ﷺ بعد فترة أتى إلى عائشة في بيت أبويها وسألها إن كان وقع منها ذنب أن تستغفر أو أن تعترف، فقالت: لا أجد إلا ما قال أبو يوسف -نسيت اسم يعقوب-: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف:١٨]، وهنا نزل الوحي: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ [النور:١١]، فبرأ الله أم المؤمنين عائشة ﵂ وأرضاها، ولما برأها الله قال ﷺ لـ عائشة: (يا عائشة! أما الله فقد برأك، فقالت لها أمها: قومي إلى رسول الله، فاتكأت على محبة رسول الله لها، وعلى أنها بريئة وقالت: والله لا أقوم إليه، ولكن أحمد الله)، فهي لم تفعل هذا من باب أن عائشة ﵂ وأرضاها لا تعرف قدر رسول الله لا، فهي أم المؤمنين الصادقة الصديقة بنت الصديق، لكنها قالت ذلك مدلة بعظم حب رسول الله ﷺ لها.
[ ١١ / ٤ ]
الذين اتهموا وبرأهم القرآن
وهنا نقف قبل أن أسترسل في مسألة ما الذي تستفيده أنتَ وأنتِ أيتها المباركة عندما نتكلم عن قضية الاستنباط من الآيات، نحن لم نأت هنا لنذكر تاريخًا نقرؤه قرأه عشرات والمئات قبلنا، لكن نأتي هنا لنذكر استنباطات نقدمها للناس؛ حتى يعرف الناس بأي طريقة يقرءون القرآن، ويستنبطونه، ويعرفون ما فيه من مناهل، ففي كتاب الله جل وعلا وفي السنة أيضًا ذكْر أربعة اتهموا، والأربعة هؤلاء الذين اتهموا برأهم الله، فنأخذهم تاريخيًا: فيوسف ﵇ اتهم بامرأة العزيز، فبرأه الله، قال الله: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا﴾ [يوسف:٢٦]، فجعل البراءة على يد رجل أو طفل كان موجودًا في الدار، وأما موسى ﵊ فإن النبي ﷺ أخبر في الحديث القدسي أن الحجر شهد له لما أخذ ثيابه، فأصبح يتبعه فرآه بنو إسرائيل عراينًا، فعرفوا أنه بريء مما رموه به من عاهة في جسده.
ومريم الصديقة اتهمها قومها: ﴿لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا﴾ [مريم:٢٧]، فبرأها الله بأن أنطق الله نبيه: ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ [مريم:٣٠].
والرابعة: عائشة فقد اتهمت في عرضها، فبرأها الله بآيات أنزلت من فوق سبع سماوات تتلى إلى يوم القيامة: ﴿أُوْلَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ﴾ [النور:٢٦]، فهذا كلام رب العزة فيه البراءة العظيمة لأم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها وأرضاها.
فهذا أول ما يمكن أن نأخذه من معان زاخرة من حديث الإفك.
[ ١١ / ٥ ]
أرجى آية في القرآن
الأمر الثاني: كان أبو بكر رضي الله تعالى عنه وأرضاه ينفق على مسطح؛ لأن مسطحًا كان فقيرًا، فلما ثبت لدى أبي بكر براءة ابنته وأن مسطحًا كان ممن خاض في حديث الإفك أقسم ألا ينفق على مسطح، وذنب مسطح أنه وقع في عرض النبوة، وهو ذنب يحط النجم من قدره كما يقول العلماء، ومع ذلك عاتب الله أبا بكر لأنه حرم مسطحًا مما كان يعطيه، قال الله: ﴿وَلا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا﴾ [النور:٢٢]، فذكر الله جل وعلا ذووا القربى، فهذه الآية قال بعض العلماء: إنها أرجى آية في كتاب الله، لماذا أرجى آية في كتاب الله؟ إن الله جل وعلا سمى مسطحًا مؤمنًا ومهاجرًا ولم يحبط الله جهاد مسطح وهجرته، مع أن مسطحًا وقع في كبيرة من أعظم الكبائر وهو الخوض في بيت النبوة، ومع ذلك لم يحبط الله جل وعلا عمله، وأمر أبا بكر أن يبقى على صلته له، فإذا كان هذا ذنب مسطح ومع ذلك لم يحبط الله عنه عمله السابق إذًا فهذا الآية من أعظم آيات الرجاء.
وبعض العلماء يقول: إن أرجى آية في كتاب الله هي قول الله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة:٢٨٢] آية المداينة، وهي أطول آية في كلام الله، قال الفقهاء والعلماء والمفسرون: إن هذه الآية فيها دلالة واضحة على عناية الله جل وعلا بمال المؤمن في الدنيا فكيف بعناية الله جل وعلا بالمؤمن في يوم القيامة يوم يكون أحوج ما يكون إلى رحمة ربه.
وذهب فريق آخر إلى أن أرجى آية في كلام الله هي قول الله جل وعلا: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ * جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا﴾ [فاطر:٣٢ - ٣٣]، قالوا: إن واو الجماعة في قول الله جل وعلا: «يَدْخُلُونَهَا» تعود إلى الظالم نفسه وإلى المقتصد وإلى المحسن السابق في الخيرات، حتى قال بعض العلماء: إن هذه الواو ينبغي أن تكتب بماء العينين لا بماء الحبر.
هذا ما تيسر إيراده في هذا اللقاء المبارك حول قول الدكتور ناصر الزهراني في مدح النبي ﷺ: ما أعظم الخطب فالعرض الشريف رمي والقصيدة زاخرة بكثير من المعاني، وسنعلق ونواصل التعليق عليها في اللقاء القادم إن شاء الله.
وصلى الله على محمد، والحمد لله رب العالمين.
[ ١١ / ٦ ]