كل هذا التلطف من النبي ﷺ قد حدث مع عدم توجيه أي كلمة عتاب أو توبيخ أو نصح بألا يفعل ذلك مرة أخرى، ولم يقل النبي ﷺ: أضربه هذه المرة، حتى لا يكررها، أو أحرمه من الطعام حتى يعتبر مستقبلا، أكانت هذه الملاطفة من النبي ﷺ عن ضعف أو عجز، كلا والله، بل عن قلب رؤف رحيم.
٣- مراعاة النبي ﷺ للحاجات النفسية للغلام الصغير، فهو أحوج ما يكون إلى اللعب مع أقرانه، ولو على حساب تخلّفه عما كلف به من عمل، فهو يحتاج إلى اللعب ولو كان أجيرا خادما، كما يحتاج عند تعليمه إلى الملاطفة والبشاشة في وجهه، يفعل النبي ﷺ هذا مع خادمه، وأحدنا والله لا يستطيع أن يفعله مع أولاده الذين هم من صلبه، وعليكم أيها المسلمون اتباع السنة النبوية حتى مع أولادكم، في حال جدهم ولعبهم، لأننا مسئولون عن ذلك لا محالة، ولا يسعنا اتباع السنة في أمور ومخالفتها في أمور، والحذار الحذار أن يقول أحدنا: هم أولادي وأنا حر فيهم، فأقول: لا لست حرّا، سيسألك الله، - ﵎- عنهم، هل طبقت فيهم السنة، فالحرية لفظ وشعار لا يعرفه المسلمون، فالمسلمون عبيد عند خالقهم ورازقهم، والعبد مملوك وليس حرّا، ونحن نفتخر بذلك، بل وندعو ليل
[ ١ / ٤٦٢ ]
نهار، أن يتقبلنا الله عنده عبيدا، لا أن نمن عليه بعبوديتنا، قال تعالى: يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ [الحجرات: ١٧] .
وللتتمة أقول: للعبد المسلم حيز من الحرية، وهو نطاق المباح شرعا.
٤- حسن معاشرة النبي ﷺ لخادمه، ولو استمرت تلك المعاشرة عقدا كاملا من الزمان، وكانت من علامات حسن المعاشرة:
أ- عدم توجيه أدنى كلمات الضجر وهي كلمة أف لأنس، ورد في إحدى روايات البخاري: (خدمت النبي ﷺ عشر سنين فما قال لي أف) «١» .
ب- ترك معاتبته بالكلية، فلم يصدر من النبي ﷺ أدنى معاتبة على المفعول أو المتروك، قال أنس: (ما علمته قال لشيء صنعته لم فعلت كذا وكذا، أو لشيء تركته هلّا فعلت كذا وكذا) «٢» .