أن القول الأول احتاج إلى تقدير أداة تشبيه والقول الثاني أنزل المعنى منزلة المجاز، وحيث لا ضرورة إلى التقدير أو الذهاب إلى المجاز فلا يصير إليهما، فكلما استطعنا أن ننزل كلام الوحي منزلة الحقيقة بلا تشبيه ولا مجاز كان ذلك هو الأولى والأصوب خاصة إذا كانت هناك أسباب تدعو إلى ذلك وقد ذكرتها.
الفائدة الرابعة:
اعتناء الله﷾- بمنبر رسوله ﷺ، ودليله أنه سيكون معه يوم القيامة وموضعه على حوضه ﷺ، قال الإمام ابن حجر- رحمه الله تعالى- في شرحه لقوله ﷺ: («ومنبري على حوضي»: أي ينقل يوم القيامة فينصب على الحوض، وقال الأكثر: منبره بعينه الذي قال هذه المقالة وهو فوقه، وقيل: المراد: المنبر الذي يوضع له يوم القيامة والأول أظهر) «٣» . وهو الذي مال إليه القاضي عياض حيث نقل عنه الإمام النووي ﵀ قوله: (قال أكثر العلماء: المراد: منبره بعينه الذي كان في الدنيا قال: وهذا هو الأظهر) «٤» .
_________________
(١) أي تشبيه حذفت أداته وهي: «الكاف» .
(٢) فتح الباري (٤/ ١٠٠) .
(٣) فتح الباري (٤/ ١٠٠) .
(٤) شرح النووي على صحيح مسلم (٩/ ١٦٢) .
[ ١ / ٢٩٩ ]
٦- علوها على بقية القرى:
عن أبي هريرة ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ: «أمرت بقرية تأكل القرى، يقولون: يثرب، وهي المدينة تنفي النّاس كما ينفي الكير خبث الحديد» . [رواه البخاري] «١» .
الشاهد في الحديث:
قوله ﷺ: «أمرت بقرية تأكل القرى»، وقوله: «تنفي الناس كما ينفي الكير خبث الحديد»، أما الكير فمعناه كما رجح ابن حجر: حانوت الحداد والصائغ ومجمل المعنى كما ذكر ابن حجر: (أنها لا تترك فيها من في قلبه دغل بل تميزه عن القلوب الصادقة وتخرجه كما يميز الحداد رديء الحديد من جيده) «٢» .
بعض فوائد الحديث:
الفائدة الأولى:
بيان فضل المدينة وعلوها على بقية المدن والقرى، يتبين ذلك من:
١- أن الله﷿- هو الذي أمر النبي ﷺ بالهجرة إلى المدينة وملازمة سكناها وأنه﵎- هو الذي اختارها له مقاما في حياته وبعد مماته ﷺ، ودليله: «أمرت بقرية»، فالآمر بلا شك هو الله﷾-.
٢- كونها تأكل القرى، أي تغلبهم، وقال ابن حجر: (كنّى بالأكل عن الغلبة؛ لأن الآكل غالب على المأكول. وقيل: معناه: يفتح أهلها القرى فيأكلون أموالهم ويسبون ذراريهم) «٣» .
وأعتقد أن قوله ﷺ: «تأكل القرى» يحتمل معنى آخر وقد يكون هو الأوجه، وهو أن المدينة تغلب بقية المدن في الفضل والبركة في صاعها ومدها واشتياق الناس إليها وحبهم لها وهو مشهود جدّا إلى يومنا هذا، وهو ما نوه إلى بعضه المنير في الحاشية بقوله: (يحتمل أن يكون المراد بأكلها القرى غلبة فضلها على فضل غيرها، ومعناها أن الفضائل تضمحل في جنب عظيم فضلها حتى تكاد تكون عدما) «٤» . ويتوجب الجمع بين القولين وعدم رد أحدهما حيث إن اللفظ يحتملهما والنصوص الشرعية تؤيدهما.
٣- قدرتها على إخراج الكافرين والمنافقين خارج حدودها، فكأنها تطّلع على قلوب الناس فتميزها فتخرج الرديء، وليس هذا لمدينة أخرى سواها، ولكن هل هذا النفي على
_________________
(١) البخاري، كتاب: الحج، باب: فضل المدينة وأنها تنفي الناس، برقم (١٨٧١) .
(٢) فتح الباري (٤/ ٨٨) .
(٣) فتح الباري (٤/ ٨٧) .
(٤) حاشية المنير.
[ ١ / ٣٠٠ ]
مدار الزمن منذ أن قال النبي ﷺ هذه المقولة إلى قيام الساعة أم أنها تنقطع مدة من الزمان؟.
فيه رأيان للعلماء، رجح الإمام النووي الرأي الثاني وهو أن هذه المقولة تختص بزمن حياته ﷺ وقبل قيام الساعة، وحجته في ذلك قصة الأعرابي فإنه ﷺ ذكر هذا الحديث معللا به خروج الأعرابي، وما ورد في أحداث آخر الزمان عندما ينزل الدجال فترجف المدينة بأهلها فلا يبقى منافق ولا كافر إلا خرج إليه، وقال: وأما بين ذلك فلا.
٤- كره النبي ﷺ أن يسميها أحد باسم لا يليق بها فلا شك أن قوله ﷺ: «يقولون:
يثرب وهي المدينة» جاء في سياق الذم لمن يطلق على المدينة يثرب. قال الإمام ابن حجر ﵀-: (أي أن بعض المنافقين يسميها يثرب، واسمها الذي يليق بها المدينة، وفهم بعض العلماء من هذا كراهة تسمية المدينة يثرب وقالوا: ما وقع في القرآن إنما هو حكاية عن قول غير المؤمنين) «١» . ونقل﵀- عن عيسى بن دينار قوله: (سبب هذه الكراهة؛ لأن يثرب إما من التثريب الذي هو التوبيخ والملامة أو من الثرب وهو الفساد وكلاهما مستقبح) «٢» .
الفائدة الثانية:
من السنة اختيار الأسماء الحسنة، وكراهية الأسماء المشتقة من معان رديئة أو مستقبحة، وأن هذا ليس مختصّا بأسماء الأشخاص بل ينسحب إلى أسماء البلدان، كما أن من السنة تغيير الأسماء المستقبحة وحث الناس على عدم استخدامها.
الفائدة الثالثة:
ليس من لازم قوله ﷺ: «تنفي الناس» أن يكون كل من خرج من المدينة يكون في قلبه شيء اقتضى أن المدينة قد أخرجته، قال الإمام ابن حجر ﵀: (إنما هو في خاص من الناس ومن الزمان بدليل قوله تعالى: وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفاقِ، والمنافق خبيث بلا شك وقد خرج من المدينة بعد النبي ﷺ معاذ وأبو عبيدة وابن مسعود وطائفة، ثم علي وطلحة والزبير وعمار وآخرون، وهم من أطيب الخلق فدل على أن المراد بالحديث تخصيص ناس دون ناس ووقت دون وقت) «٣» .
الفائدة الرابعة:
بيان أن لله مشيئة كونية وهي نافذة في العباد لا محالة، دليله أن أهل النفاق والزيغ قضت مشيئة الله الكونية أن يخرجوا من المدينة سواء من أراد ذلك أو لم يرد؛ لأن الحديث دل على أن جميعهم سيخرجون منها.
_________________
(١) فتح الباري (٤/ ٨٧) .
(٢) انظر السابق.
(٣) فتح الباري (٤/ ٨٨) .
[ ١ / ٣٠١ ]
تنبيه هام: لا يفهم من هذا الثناء على المدينة- على صاحبها الصلاة والسلام- وذكر فضائلها ومحاسنها، أنها أفضل من مكة- بلد الله الحرام- أو أنني أريد أن أحبب الناس فيها فحسب، كلا والله، فإن هذا ليس من قصدي، ولكن المقام مقام ذكر المدينة وما ورد فيها، أما بلد الله الحرام فحقها عظيم جدّا يكاد الناس فعلا في غنى عن تذكيرهم به، وأقول على عجل: إنه يكفيها شرفا وعزّا أن فيها بيت الله الحرام قبلة الناس قديما وحديثا، البلدة التي يعظمها الناس جميعا، حتى في زمن الجاهلية، ومن هذا الذي يسعه ألايتوجه إليها بقلبه وبدنه في يومه وليلته خمس مرات، ذكرها الله﷾- في القرآن في عدة مواضع في سياق المدح والتشريف والثناء الحسن، كما ذكر لها﷿- عدة أسماء للدلالة على شريف قدرها، كما استجاب الله﷾- لدعوة إبراهيم ﷺ لها، فجعل القلوب تهوي إليها من مشارق الأرض ومغاربها، ووالله ما تزداد القلوب بزيارتها ورؤيتها إلا شوقا وحنينا إليها، وأقول: إن فيها مزية فوق هذا وذاك لا تشاركها فيها بلدة أخرى أبدا، وهي أن قصدها للحج والعمرة فريضة على كل مسلم ومسلمة، ويستحيل أن تنعقد هذه الفريضة أو تسقط على القادر إلا بالذهاب إليها والمشي في أرضها المباركة زادها الله تشريفا وتعظيما، علاوة على أن فيها الماء المبارك- زمزم- والمقام المبارك- مقام إبراهيم- والحجر المبارك- الحجر الأسود، والمشعر الحرام. فالسعيد السعيد الذي جمع في قلبه حب المدينتين والشوق إليهما، والشقيّ من خلا قلبه من حبهما وزهد في العيش فيهما، وأما من حب إحداهما دون الآخرى فهو المحروم حقّا.
كما يحسن التنبيه إلى أن ما يردده البعض وينسبه إلى النبي ﷺ: «من حج ولم يزرني فقد جفاني، ومن جفاني دخل النار» هو حديث موضوع لا أصل له «١» .
٧- الأجر العظيم على سكناها والتحذير من الرغبة عنها:
قال عثمان بن حكيم: حدّثني عامر بن سعد، عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ:
«إنّي أحرّم ما بين لابتي المدينة، أن يقطع عضاهها، أو يقتل صيدها» . وقال: «المدينة خير لهم لو كانوا يعلمون، لا يدعها أحد رغبة عنها إلّا أبدل الله فيها من هو خير منه، ولا يثبت أحد على لأوائها وجهدها إلّا كنت له شفيعا أو شهيدا يوم القيامة» . [رواه مسلم] «٢» .
_________________
(١) موضوع: أورده الذهبي في «الميزان» (٧/ ٣٩) عن ابن عمر مرفوعا، وقال: هذا موضوع.
(٢) مسلم، كتاب: الحج، باب: فضل المدينة ودعاء النبي ﷺ ، برقم (١٣٦٣) .
[ ١ / ٣٠٢ ]
وعند البخاري عن عبد الله بن الزّبير، عن سفيان بن أبي زهير ﵁ أنّه قال:
سمعت رسول الله ﷺ يقول: «تفتح اليمن فيأتي قوم يبسّون فيتحمّلون بأهلهم ومن أطاعهم، والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون، وتفتح الشّأم فيأتي قوم يبسّون فيتحمّلون بأهليهم ومن أطاعهم، والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون، وتفتح العراق فيأتي قوم يبسّون فيتحمّلون بأهليهم ومن أطاعهم، والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون» «١» .
الشاهد في الحديث:
قوله ﷺ: «والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون»، وقوله: «ولا يثبت أحد على لأوائها وجهدها إلا كنت له شفيعا أو شهيدا يوم القيامة» .
معاني بعض الكلمات: اللأواء: الشدة والجوع، الجهد: المشقة، يبسون: يسوقون دوابهم للرحيل من المدينة. قال النووي: (الصواب أن معناه الإخبار عمن خرج من المدينة متحملا بأهله باسّا في سيره مسرعا إلى الرخاء والأمصار المفتتحة) «٢» .
بعض فوائد الحديثين:
الفائدة الأولى:
الحث على سكنى المدينة وملازمتها، يتبين ذلك من:
١- قوله ﷺ: «والمدينة خير» . وكرر هذا الحث في حديث البخاري ثلاث مرات؛ ليتأكد المعنى.
ومواطن الخيرية في الإقامة في المدينة لا تخفى وهي كل ما ذكر في هذا الفصل من الكتاب وغير ذلك، قال ابن حجر ﵀: (والحال أن الإقامة في المدينة خير لهم لأنها حرم الرسول وجواره ومهبط الوحي ومنزل البركات) «٣» . وهذه الخيرية- ولله الحمد- دائمة إلى يوم القيامة لم تعدم بعد وفاة النبي ﷺ، والدليل على ذلك أن الأحاديث التي ذكرت في هذا الفصل لم تقيد خيرية المدينة بزمن دون زمن، نقل النووى عن القاضي عياض قوله: (قيل: هو مختص بمدة حياته ﷺ وقال آخرون: هو عام أبدا، وهذا أصح) «٤» .
٢- ذم من تركها وفضّل عليها غيرها من القرى لقوله ﷺ: «لا يدعها أحد رغبة عنها إلا أبدل الله فيها من هو خير منه» .
_________________
(١) البخاري، كتاب: الحج، باب: من رغب عن المدينة، برقم (١٨٧٥) .
(٢) شرح النووي على صحيح مسلم (٩/ ١٥٩) .
(٣) فتح الباري (٤/ ٩٣) .
(٤) نقله النووي في شرحه على صحيح مسلم (٩/ ١٣٧) من قول القاضي عياض ﵀.
[ ١ / ٣٠٣ ]
وقوله ﷺ: «لو كانوا يعلمون»، فوصف الذين يرغبون عنها ويفضلون الرخاء بعدم العلم، وفي هذا أعظم الذم والتقبيح لفعلهم، قال ابن حجر ﵀: (فيه تجهيل لمن فارقها وآثر عليها غيرها، وقال: أي ليتهم كانوا من أهل العلم تغليظا وتشديدا) «١» . كما أنه نقل عن الطيبي «٢» موضع الذم بقوله: (نكّر الحديث قوما ووصفهم بكونهم يبسون ثم أكد بقوله: «لو كانوا يعلمون»؛ لأنه يشعر بأنهم ممن ركن إلى الحظوظ البهيمية والحطام الفاني وأعرضوا عن الإقامة في جوار الرسول ﷺ ولذلك كرر قوما ووصفهم في كل قرينة بقوله: «يبسّون» استحضارا لتلك الهيئة القبيحة) «٣» .
٣- في الحديث أبلغ الحث، بل هو المنتهى في الحث، على سكنى المدينة حيث إن النبي ﷺ قد وعد أهلها وعدا عظيما وبشرهم بشرى فيها غاية الحبور والسرور لهم، من تحققت في حقه فقد فاز فوزا عظيما، ألا وهي شفاعته وشهادته ﷺ لأهلها يوم القيامة،