الفصل الأول نسب الرسول ﷺ ومكانته في قومه
قال الإمام البخاري ﵀: "هو أبو القاسم، محمد بن عبد الله، بن عبد المطلب، بن هاشم، بن عبد مناف، بن قصي، بن كلاب، بن مرة، بن كعب، بن لؤي، بن غالب، بن فهر، بن مالك بن النضر، بن كنانة، بن خزيمة، بن مدركة، بن إلياس، بن مضر، بن نزار، بن معد، بن عدنان" (١).
وقال البغوي في شرح السنة بعد ذكر النسب إلى عدنان: "ولا يصح النسب فوق عدنان" (٢).
وقال ابن القيم: بعد ذكر النسب إلى عدنان أيضًا: "إلى هاهنا معلوم الصحة، متفق عليه بين النسابين، ولا خلاف ألبتة، وما فوق عدنان مختلف فيه، ولا خلاف بينهم أنَّ عدنان من ولد إسماعيل - ﵇ - " (٣).
وقد جاء عن ابن سعد في طبقاته: "الأمر عندنا الإمساك عما وراء عدنان إلى إِسماعيل" (٤).
وعن عروة بن الزبير أنه قال: "ما وجدنا من يعرف ما وراء عدنان ولا
_________________
(١) رواه البخاري في كتاب مناقب الأنصار: باب مبعث النبي - ﷺ - فتح الباري: ٧/ ١٦٢، قبل رقم: ٣٨٥١، شرح السنة: ١٣/ ١٩٣، الذهبي: السيرة النبوية: ص ١.
(٢) شرح السنة: ١٣/ ١٩٣.
(٣) زاد المعاد: ١/ ٧١.
(٤) ابن سعد: ١/ ٥٨.
[ ١٩ ]
قحطان إلا تخرصًا" (١).
قال الذهبي ﵀ في كتابه السيرة النبوية: "وعدنان من ولد إسماعيل بن إبراهيم ﵉ بإجماع الناس، لكن اختلفوا فيما بين عدنان وإِسماعيل من الآباء" (٢).
أما عن نسبه - ﵇ - في قومه فقد كان في خيرهم قبيلة، وكان أشرَفهم أرومة كما جاء في الصحيح من حديثه ﵊:
١ - فعن واثلة بن الأسقع ﵁: أن النبي - ﷺ - قال:
(إن الله -﷿- اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل، واصطفى من بني إسماعيل كنانة، واصطفى من بني كنانة قريشًا، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم) (٣).
٢ - ومن حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: (بعثتُ من خير قرون بني آدم قرنًا فقرنًا، حتى بعثت من القرن الذي كنت فيه) (٤).
٣ - ومن حديث عبد المطلب بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب قال: أتى أناس من الأنصار إلى النبي - ﷺ - فقالوا: إنا لنسمع من قومك حتى يقول القائل منهم إنما مثل محمَّد مثل نخلة نبتت في كباء (٥)، فقال رسول الله - ﷺ -: (أيها الناس من أنا؟ قالوا أنت رسول الله - ﷺ -. قال: أنا محمَّد بن عبد الله بن عبد المطلب -قال فما سمعناه، قط ينتمي قبلها- إلا إن الله -﷿ - خلق خلقه، فجعلني من خير خلقه، ثم فرقهم فرقتين، فجعلني من خير الفرقتين، ثم جعلهم قبائل، فجعلني من خيرهم قبيلة، ثم جعلهم بيوتًا، فجعلني من خيرهم بيتًا، وأنا
_________________
(١) ابن سعد: ١/ ٥٨.
(٢) الذهبي في السيرة النبوية: ص١.
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الفضائل: باب فضل نسب النبي - ﷺ -، رقم: ٢٧٧٦، شرح السنة: ٣٦١٣، والترمذي في سننه، أبواب المناقب: باب ما جاء في فضل النبي - ﷺ - رقم: ٣٦٠٦ وقال حسن صحيح، انظر الفتح الرباني: ٢٠/ ١٧٩، وانظر أحمد في المسند: ٤/ ١٠٧، والخطيب في تاريخ بغداد: ١٣/ ٦٤.
(٤) أخرجه البخاري في المناقب، باب صفة النبي - ﷺ - رقم: (٣٥٥٧)، وأحمد في المسند: ٥/ ٣٧٣، ٤١٧ وابن سعد: ١/ ٢٥.
(٥) الكباء: الكناسة.
[ ٢٠ ]
خيركم بيتًا، وخيركم نفسًا) (١).
٤ - ومن حديث الأشعث بن قيس ﵁ قال: (أتيت رسول الله - ﷺ - في وفد، ولا يروني إلا أفضلهم، فقلت: يا رسول الله! ألستم منا؟ فقال: (نحن بنو النضر بن كنانة، لا نقفو أمنا، ولا ننتفي من أبينا) فكان الأشعث يقول: "لا أوتى برجل نفى قريشًا من النضر بن كنانة إلا جلدته الحد" (٢).
٥ - ومن حديث أبي سفيان ﵁ حين سأله هرقل وقال له: "كيف نسبه فيكم، قلت: هو فينا ذو نسب".
وقول هرقل: "وسألتك عن نسبه، فذكرت أنه فيكم ذو نسب، فكذلك الرسل تبعث في نسب قومها" (٣).
_________________
(١) أخرجه الترمذي في أبواب المناقب: باب ما جاء في فضل النبي رقم ٣٦٠٧ - ٣٦٠٨، وأحمد في المسند: ٤/ ١٦٦، من طريق عبد الله بن الحارث بن نوفل به، وقال الهيثمي في المجمع: ٨/ ٢١٥ - ٢١٦: "رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح". والحديث صحيح.
(٢) أخرجه ابن ماجه في الحدود: باب من نفى رجلًا من قبيلة: ٢٦١٢، وأحمد في المسند: ٥/ ٢١١، ٢١٢ من طريق حماد بن سلمة، عن عقيل بن طلحة السلمي، عن مسلم بن هيضم، عن الأشعث بن قيس به، وقال البوصيري في الزوائد: إسناد صحيح، رجاله ثقات، لأن عقيل بن طلحة وثقه ابن معين والنسائي، وذكره ابن حبان في الثقات، وباقي رجال السند على شرط مسلم. قلت: وفي السند قوله: (لا يرون أني أفضلهم) من غير إلا وفيه تصحيف، والعبارة الصحيحة ما أثبتناه. لا نقفو أمنا: أي لا نتهمها، ولا نقذفها
(٣) أخرجه البخاري في كتاب بدء الوحي، حديث رقم: (٧)، وسيأتي تخريجه في رسائل الرسول إلى الملوك والقياصرة.
[ ٢١ ]
الفصل الثاني البشارة بالرسول صلي الله عليه وسلم
المبحث الأول: صفته في التوراة وتبشير اليهود به
٦ - عن عطاء بن يسار قال: لقيت عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، فقلت: "أخبرني عن صفة رسول الله - ﷺ - في التوراة، فقال: أجل، والله إنه لموصوف في التوراة بصفته في القرآن: "يا أيها النبيّ إنا أرسلناك شاهدًا ومبشرًا ونذيرًا، وحرزًا للأميين، أنت عبدي ورسولي، سميتك المتوكل، ليس بِفظ، ولا غليظ، ولا سخاب في الأسواق، ولا يدفع بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح، ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء بأن يقولوا: لا إله إلا الله، ويفتح به أعينًا عميًا، وآذانًا صمًّا، وقلوبًا غلفًا" (١).
٧ - ومن حديث كعب الأحبار قال: "إني أجد في التوراة مكتوبًا: محمَّد رسول الله، لا فظ ولا غليظ، ولا سَخَّاب في الأسواق، ولا يجزي السيئة بالسيئة، ولكن يعفو ويصفح، أمته الحمادون، يحمدون الله في كل منزلة، ويكبِّرونه على كل نجد، يأتزرون إلى أنصافهم، ويوضئون أطرافهم، صفُّهم في الصلاة، وصفُّهم في القتال سواء، مناديهم ينادي في جو السماء، لهم في جوف الليل دوي كدوي النحل، مولده بمكة، ومهاجره بطابة، وملكه بالشام" (٢).
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب البيوع في الأسواق: ٢١٢٥، وفي التفسير حديث: ٤٨٣٨، وأخرجه أيضًا في كتاب الأدب المفرد حديث: ٢٤٦، ٢٤٧، والبيهقي في دلائل النبوة: ١/ ٣٧٤ - ٣٧٥، من طريق هلال بن علي، عن عطاء بن يسار. حرزًا للأميين: حافظًا لهم، والسخاب: رفع الصوت بالخصام. حتى يقيم به الملة العوجاء: ملة إبراهيم التي غيرتها العرب عن استقامتها.
(٢) أخرجه الدارمي في المقدمة: ١/ ٤ - ٥ من طريق الأعمش عن أبي صالح قال: قال كعب: ورجاله ثقات، وجاء في دلائل النبوة للبيهقي: ١/ ٣٧٧، عن أم الدرداء قالت: قلت لكعب الأحبار -وذكر شبيهًا بهذا البيهقي وقد جاء عند الدارمي: ١/ ٦، من طريق معاوية بن صالح عن أبي فروة، عن ابن عباس، أنه سأل كعب الأحبار.
[ ٢٢ ]
٨ - ومن حديث سلمة بن سلامة بن وقش ﵁: وكان من أصحاب بدر قال: "كان لنا جار من يهود في بني عبد الأشهل قال: فخرج علينا يومًا من بيته قبل مبعث النبي - ﷺ - بيسير، فوقف على مجلس عبد الأشهل، قال سلمة: وأنا يومئذ أحدث من فيه سنًّا عليَّ بردة مضطجعًا فيها بفناء أهلي فذكر البعث والقيامة والحساب والميزان والجنة والنار، فقال ذلك لقوم أهل شرك أصحاب أوثان، لا يرون أن بعثًا كائن بعد الموت.
فقالوا له: ويحك يا فلان، ترى هذا كائنًا أنَّ الناس يبعثون بعد موتهم إلى دار فيها جنة ونار، ويجزون فيها بأعمالهم؟ قال: نعم، والذي يحلف به، وَلوَدَّ أن له بحظه من تلك النار أعظم تنور في الدنيا يحمونه، ثم يدخلونه إياه، فيطبق به عليه، وأن ينجو من تلك النار غدًا.
قالوا له: ويحك، وما آية ذلك؟ قال: نبي يبعث من نحو هذه البلاد، وأشار بيده نحو مكة واليمن.
قالوا: ومتى تراه؟ قال: فنظر إليَّ -وأنا من أحدثهم سنًّا- فقال: إن يستنفذ هذا الغلام عمره يدركه".
قال سلمة: "فوالله ما ذهب الليل والنهار، حتى بعث الله تعالى رسوله - ﷺ -، وهو حيٌّ بين أظهرنا، فآمنا به، وكفر به بغيًا وحسدًا، فقلنا: ويلك يا فلان، ألست بالذي قلت لنا فيه ما قلت؟ قال: بلى: وليس به" (١).
_________________
(١) أخرجه ابن هشام في السيرة: ١/ ٢١٢ من طريق ابن إسحاق، قال: حدثني صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عرف، عن محمود بن لبيد، عن سلمة به، فصرح ابن إسحاق بالتحديث فانتفت شبهة التدليس". ومن طريق ابن إسحاق أخرجه أحمد في المسند: ٣/ ٤٦٧، والطبراني في الكبير حديث: ٦٣٢٧، والبخاري في التاريخ الكبير: ٢/ ٢ / ٦٨ - ٦٩، وأبو نعيم في الدلائل:١٩١، والحاكم في المستدرك: ٣/ ٤١٧ - ٤١٨، والبيهقي في الدلائل: ٢/ ٧٨ - ٧٩ وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي. وقال الهيثمي في المجمع: ٨/ ٢٣٠. رواه أحمد والطبراني، ورجال أحمد رجال الصحيح غير ابن إسحاق، وقد صرح بالسماع". فالحديث صحيح. يأسها من بعد إنكاسها: يأسها من الاستماع في السماع، أو استراق السمع بعد أن كانت قد ألفته، فانقلبت عن الاستراق، وقد يئست من السماع. القلاص: جمع قلوص: وهي الفيتة من النياق. جليح: الوقح المكافح بالعداوة.
[ ٢٣ ]
المبحث الثاني: أخبار الكهان عن بعثته
٩ - من حديث عبد الله بن عمر ﵄ قال: "ما سمعت عمر بشيء قط يقول: إني لأظنه كذا، إلا كان كما يظنُّ.
بينما عمر جالس إذ مر به رجل جميل، فقال عمر: "لقد أخطأ ظني أو إن هذا على دينه في الجاهلية، أو لقد كان كاهنهم، عليَّ الرجل، فدعي، له، فقال له ذلك.
فقال: ما رأيت كاليوم استقبل به رجل مسلم. قال: فإني أعزم عليك إلا ما أخبرتني. قال: كنت كاهنهم في الجاهلية. قال: فما أعجب ما جاءتك به جنيتك؟ قال: بينما أنا يومًا في السوق، جاءتني أعرف منها الفزع، فقالت:
ألم تر الجن وإبلاسها ويأسها من بعد إنكاسها
ولحوقها بالقلاص وأحلاسها
قال: صدق، بينما أنا نائم عند آلهتهم، إذ جاء رجل بعجل فذبحه، فصرخ به صارخ لم أسمع صارخًا قط أشد صوتًا منه يقول: يا جليح، أمر نجيح، رجل فصيح يقول: لا إله إلا الله فوثب القوم، قلت: لا أبرح حتى أعلم ما وراء هذا، ثم نادى: يا جليح، أمر نجيح، رجل فصيح، يقول: لا إله إلا الله.
فقمت، فما نشبنًا أن قيل: هذا نبي" (١).
١٠ - ومن حديث جابر ﵁ قال: "أن أول خبر قدم علينا عن رسول الله - ﷺ - أن امرأة كان لها تابع قال: فأتاها في صورة طير، فوقع على جذع لهم، قال: فقالت: ألا تنزل فنخبرك وتخبرنا، قال: إنه قد خرج رجل بمكة حرم علينا الزنا، ومنع منا القرار" (٢).
_________________
(١) أخرجه البخاري في فضائل الصحابة، باب إسلام عمر: ٣٦٥٣، ومناقب الأنصار: ٣٨٦٦ والبيهقي في الدلائل: ٢/ ٢٤٨. وابن أبي خثيمة في تاريخه، والروياني في مسنده، كما عزاه إليهما ابن حجر في الإصابة: (٢/ ٩٥).
(٢) أخرجه أحمد في المسند: ٣/ ٣٥٦، عن طريق إبراهيم بن أبي العباس أبو المليح، حدثنا عبد الله بن محمَّد بن عقيل به، وأبو نعيم في الدلائل: ١/ ١٠٧ حديث: ٥٦، وابن سعد في الطبقات: ١/ ١٨٩، وقال الهيثمي في المجمع: ٨/ ٢٤٣: رواه أحمد والطبراني في الأوسط، ورجاله وثقوا.
[ ٢٤ ]
المبحث الثالث تبشير النبيين به وكيف كان أول أمره
١١ - من حديث أبي أمامة ﵁ قال: "قلت يا نبي الله ما كان أول بدء أمرك؟ " قال: (دعوة أبي إبراهيم، وبشرى عيسى، ورأت أمي نورًا أضاءت منه قصور الشام) (١).
١٢ - ومن حديث العرباض بن سارية ﵁ قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: (إني عند الله في أم الكتاب لخاتم النبيين، وإنَّ آدم لمنجدل في طينته، وسأنبئكم بتأويل ذلك، دعوة أبي إبراهيم، وبشارة عيسى قومه، ورؤيا أمي التي رأت أنه خرج منها نور أضاءت له قصور الشام، وكذلك ترى أمهات النبيين صلوات الله عليهم) (٢).
_________________
(١) أخرجه أحمد في المسند: ٥/ ٢٦٢. والطبراني في المعجم الكبير: ٧٧٢٩. والبيهقي في الدلائل: ١/ ٨٤ وابن سعد في الطبقات: ١/ ١٠٢ من طريق فرج بن فضالة، عن لقمان بن عامر، عن أبي أمامة. وقال الهيثمي في المجمع: ٨/ ٢٢٢ وإسناد أحمد حسن، وله شواهد تقويه". قلت: ومن هذه الشواهد الحديث الذي يليه عن العرباض بن سارية رقم: ١٢، وحديث عتبه بن عبد السلمي برقم: ٢٤ ومن حديث خالد بن معدان، عن أصحاب رسول الله - ﷺ -، فذكر شبيهًا بهذا بزيادة، أخرجه الحاكم: ٢/ ٦٠٠، والبيهقي في الدلائل: ١/ ٨٤، وقال الحاكم: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. وقال ابن كثير في البداية: ٢/ ٢٥٦ صرح ابن إسحاق بالتحديث فيها، وهذا إسناد جيد قوي. قلت: فالحديث حسن لشواهده.
(٢) أخرجه أحمد: ٤/ ١٢٧، ١٢٨، والطبراني في الكبير: ١٨/ ٢٥٢، والبيهقي في الدلائل: ١/ ٨٠، والبزار كما في كشف الأستار: ٣/ ١١٢ - ١١٣. حديث: ٢٣٦٥ من طريق سعيد بن سويد، عن عبد الأعلى بن هلال، عن العرباض به. وأخرجه الحاكم: ٢/ ٦٠٠ من طريق سعيد بن سويد، وعنده رجل ضعيف هو ابن أبي مريم. وقال الهيثمي في المجمع: ٨/ ٢٢٣ رواه أحمد، والطبراني نحوه، والبزار وأحد أسانيد أحمد رجاله رجال الصحيح غير سعيد بن سويد، ووثقه ابن حبان. وللحديث شواهد انظرها في الحديث الذي قبله، ومن حديث ميسرة: أخرجه أحمد: ٥/ ٥٩، والحاكم: ٢/ ٦٠٨ - ٦٠٩، والبيهقي في الدلائل: ١/ ٨٤ - ٨٥.
[ ٢٥ ]
الفصل الثالث حالة المجتمع الجاهلي قبل البعثة النبوية
١٣ - حديث أم سلمة ﵂ في قصة الهجرة إلى الحبشة ومحاورة جعفر ﵁ للنجاشي وقوله:
"أيها الملك كنا قومًا أهل جاهلية نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، يأكل القوي منا الضعيف، فكنَّا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولًا منا نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله تعالى لنوحده ونعبده، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان. وأمر بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش، وقول الزور، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنة" (١).
١٤ - حديث أبي مالك الأشعري ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: "أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن، الفخر في الأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة" (٢).
١٥ - من حديث عائشة ﵂ قالت: "إن النكاح في الجاهلية كان على أربع أنحاء: فنكاح منها نكاح اليوم: يخطب الرجل إلى الرجل وليته أو ابنته، فيصدقها ثم ينكحها.
ونكاح آخر: كان الرجل يقول لامرأته إذا طهرت من طمثها: أرسلي إلى فلان فاستبضعي منه، ويعتزلها زوجها ولا يمسها أبدًا، حتى يتبين حملها من ذلك الرجل الذي تستبضع منه، فإذا تبين حملها أصابها زوجها إذا أحب، وإنما يفعل
_________________
(١) الحديث صحيح انظر حديث رقم: ٩٤.
(٢) أخرجه مسلم في الجنائز، باب التشديد في النياحة، حديث: ٩٣٤. وأحمد: ٥/ ٣٤٢، ٣٤٣، ٣٤٤، والبيهقي في السنن: ٤/ ٦٣، والحاكم في المستدرك: ١/ ٣٨٣، وقد جاء من حديث أبي هريرة شبيهًا بهذا الحديث، وأخرجه الترمذي: ١٠٠٤، والطيالسي: ٢٣٩٥، وأحمد: ٢/ ٢٩١، ٤١٤، ٤١٥، ٤٥٥، ٥٢٦، ٥٣١، والبزار، وقال الهيثمي في المجمع: ٣/ ١٣، رواه البزار، وإسناده حسن.
[ ٢٦ ]
ذلك رغبة في نجابة الولد، فكان هذا النكاح نكاح الاستبضاع.
ونكاح آخر: يجتمع الرهط ما دون العشرة، فيدخلون على المرأة كلهم يصيبها، فإذا حملت، ووضعت، ومر ليال بعد أن تضع حملها أرسلت إليهم، فلم يستطع رجل منهم أن يمتنع حتى يجتمعوا عندها، تقول لهم: قد عرفتم الذي كان من أمركم، وقد ولدت، فهو ابنك يا فلان، تسمي من أحبت باسمه، فيلحق به ولدها لا يستطيع أن يمتنع به الرجل.
والنكاح الرابع: يجتمع الناس الكثير، فيدخلون على المرأة لا تمنع من جاءها، وهنَّ البغايا كن ينصبن علي أبوابهن رايات تكون علمًا، فمن أرادهنَّ دخل عليهن، فإذا حملت إحداهن ووضعت حملها جمعوا لها، ودعوا لهم القافة، ثم ألحقوا ولدها بالذي يرون، فالتاطه به، ودعي ابنه، لا يمتنع من ذلك. فلما بُعث محمد بالحق هدم نكاح الجاهلية كله إلا نكاح الناس اليوم" (١).
_________________
(١) أخرجه البخاري في النكاح، باب من قال لا نكاح إلا بولي: رقم: ٥١٢٧، وأبو داود في الطلاق، باب في وجوه النكاح التي كان يتناكح بها أهل الجاهلية: ٢٢٧٢، والبيهقي في سننه: ٧/ ١١٠، ١٩٠.
[ ٢٧ ]
الباحثون عن الدين الحق في الجاهلية
زيد بن عمرو بن نُفيل
٤٣ - من حديث ابن عمر ﵄: "أن زيد بن عمرو بن نفيل خرج إلى الشام يسأل عن الدين ويتبعه، فلقي عالمًا من اليهود فسأله عن دينهم فقال: إني لعليّ أن أدين دينكم فأخبرني، فقال: لا تكون على ديننا حتى تأخذ بنصيبك من غضب الله.
قال زيد: ما أفرُّ إلا من غضب الله، ولا أحمل من غضب الله شيئًا، وأنَّى أستطيعه؛ فهل تدلني على غيره؟
قال ما أعلمه إلا أن يكون حنيفًا. قال زيد: وما الحنيف؟ قال: دين إبراهيم، لم يكن يهوديًّا ولا نصرانيًّا، ولا يعبد إلا الله.
فخرج زيد فلقي عالمًا من النصارى فذكر مثله، فقال: لن تكون على ديننا حتى تأخذ بنصيبك من لعنة الله. قال: ما أفرُّ إلا من لعنة الله، ولا أحمل من لعنة الله ولا من غضبه شيئًا أبدًا، وأنَّى أستطيع؟ فهل تدلني على غيره؟
قال: ما أعلمه إلا أن يكون حنيفًا. قال: وما الحنيف؟ قال: دين إبراهيم، لم يكن يهوديًّا ولا نصرانيًّا، ولا يعبد إلا الله، فلما رأى زيد قولهم في إبراهيم ﵇ خرج، فلما برز رفع يديه، فقال: اللهم إني أشهد أني على دين إبراهيم" (١).
٤٤ - من حديث أسماء بنت أبي بكر ﵂ قالت: "رأيت زيد بن عمرو بن نفيل قائمًا مسندًا ظهره إلى الكعبة يقول: يا معشر قريش، والله ما منكم على دين إبراهيم غيري، وكان يحيي الموؤودة، يقول للرجل إذا أراد أن يقتل ابنته: لا تقتلها، أنا أكفيك مؤونتها، فيأخذها، فإذا ترعرعت قال لأبيها: إن شئت دفعتها إليك، وإن شئت كفيتك مؤنتها" (٢).
_________________
(١) رواه البخاري في مناقب الأنصار، باب حديث زيد بن عمرو بن نفيل، رقم: ٣٨٢٧، فتح الباري: ٧/ ١٤٢.
(٢) رواه البخاري في مناقب الأنصار، باب حديث زيد بن عمرو بن نفيل رقم: ٣٨٢٨ فتح الباري: ٧/ ١٤٣ معلقًا، ووصله الحاكم في المستدرك: ٣/ ٤٤٠، وقال: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه، بل أخرجاه كما سبق ذكر.، وقال الحافظ: وصله جماعة ذكرهم في الفتن.
[ ٢٨ ]
٤٥ - أ - ومن حديث ابن عمر ﵄ قال: "إن النبي - ﷺ - لقي زيد ابن عمرو بن نفيل بأسفل بَلدح قبل أن ينزل على النبي - ﷺ - الوحي، فَقُدِّمت إلى النبي - ﷺ - سفرة، فأبى أن يأكل منها، ثم قال زيد: إني لست آكل ما تذبحون على أنصابكم، ولا آكل إلا ما ذكر اسم الله عليه.
وإن زيد بن عمرو بن نفيل كان يعيب على قريش ذبائحهم، ويقول: الشاة خلقها الله، وأنزل لها من السماء الماء، وأنبت لها من الأرض، ثم تذبحونها على غير اسم الله، إنكارًا لذلك وإعظامًا له" (١).
٤٥ - ب - من حديث ابن عباس ﵄ قال: حدثني سلمان الفارسي ﵁ قال: "كنت من أهل فارس من أهل أصبهان، من قرية يقال لها جَيٌّ، وكان أبي دِهْقَان أرضه، وكان يحبني حبًّا شديدًا لم يحبه شيئًا من ماله ولا ولده، فما زال به حبُّه إيّايَ حتى حبسني في البيت كما تحبس الجارية.
واجتهدت في المجُوسِيَّة حتى كنت قطن النَّار (الذي يُوقدُهَا) ولا يَتْرُكُها تَخْبُو ساعة، فكنت كذلك لا أعلم من أمر الناس شيئًا إلا ما أنا فيه، حتَّى بنى أبي بنيانًا له، وكانت له ضيعة فيها بعض العمل، فدعاني فقال: أي بني، إنه قد شغلني ما ترى من بنياني عن ضيعتي هذه، ولا بدَّ لي من إطلاعها، فانطلق إليها فأمرهم بكذا وكذا ولا تحتبسنَّ عنِّي، فإنك إن احتبست عنِّي شغلتني عن كلِّ شيءٍ. فخرجت أريد ضَيعته، فمررت بكنيسة النصارى، فسمعت أصواتهم فيها، فقلت: ما هذا؟ فقالوا: هؤلاء النصارى يصلون. فدخلت أنظر فأعجبني ما رأيت من حالهم. فوالله ما زلت جالسًا عندهم حتى غربت الشمس.
وبعث أبي في طلبي في كل وجهة حتى جئته حين أمسيت ولم أذهب إلى ضيعته، فقال أبي: أين كنت؟ ألم أكن قلت لك؟ فقلت: يا أبتاه مررت بناس يقال لهم النَّصارى، فأعجبني صلواتهم ودعاؤهم، فجلست أنظر كيف يفعلون. فقال: أيْ بُنَي دينك ودين آبائك خيرٌ من دينهم. فقلت: لا والله ما هو بخير من دينهم، هؤلاء قومٌ يعبدون الله ويدعونه ويصلون له، ونحن إنما نعبد نارًا نوقدها بأيدينا، إذا تركناها ماتت. فخافني، فجعل في رجْليَّ حديدًا، وحبسني في بيت عندَهُ، فبعثتُ إلى النصارى، فقلت لهم: أين أصْلُ هذا الدين الذي أراكم
_________________
(١) رواه البخاري في مناقب الأنصار، باب حديث زيد بن عمرو بن نفيل رقم: ٣٨٢٦، فتح الباري: ٧/ ١٤٢.
[ ٢٩ ]
عليه؟ فقالوا: بالشام. فقلت: فإذا قدم عليكم من هناك ناسٌ فآذنُونِي، قالوا: نفعل. فقدم عليهم ناسٌ في تجارتهم.
فبعثوا إليَّ أنَّه قد قدم علينا تجار من تجارنا. فبعثت إليهم إذا قضوا حوائجهم وأرادوا الخروج فآذِنُوني. فقالوا: نفعل. فلما قضوا حوائجهم وأرادوا الرَّحيل بعثوا إليَّ بذلك، فطرحت الحديد الذي في رجليَّ ولحقت بهم، فانطلقت معهم حتى قدمت الشام. فلما قدمتها، قلت: من أفضل أهل هذا الدين؟ فقالوا: الأسقُف صاحب الكنيسة. فجئته، فقلت له: أحببت أن أكون معك في كنيستك، وأعبد الله معك، وأتعلم منك الخير. قال: فكن معي.
قال: فكنت معه، وكان رجل سَوْءٍ؛ كان يأمرهم بالصَّدقة ويرغِّبهم فيها. فإذا جَمعوها إليه اكْتَنَزَهَا ولم يعطها المساكين. فأبغضته بغضًا شديدًا لما رأيت من حاله، فلم ينْشَب أن مات، فلما جاءُوا ليدفنوه قلت لهم: إن هذا رجل سَوْءٍ؛ كان يأمركم بالصدقة ويرغِّبكم فيها، حتى إذا جمعتموها إليه اكتَنَزَها ولم يعطها المساكين. فقالوا: وما علامة ذلك؟ فقلت: أنا أخرج لكم كنزه. فقالوا: فهاته. فأخرجت لهم سبع قلالٍ مملوءَة ذهبًا وَوَرِقًا. فلمَّا رأوا ذلك قالوا: والله لا يدفن أبدًا. فصلبوه على خشبة ورموه بالحجارة، وجاءُوا برجل آخر فجعلوه مكانه. فلا والله يا ابن عبَّاس، ما رأيتُ رجلًا قط لا يصلي الخمس أرى أنَّه أفضَل منه أشدَّ اجتهادًا، ولا أزْهَدَ في الدُّنيا، ولا أدأب ليلًا ولا نهارًا منه. ما أعلمني أحببت شيئًا قط، قبله، حُبَّه. فلم أزل معه حتى حضرته الوفاة.
فقلت: يا فلان، قد حضرك ما ترى من أمر الله، وإني والله ما أحببت شيئًا، قط، حُبَّك، فماذا تأمرني؟ إلى من توصيني؟ فقال: أي بني، والله ما أعلمه إلا رجلًا بالموُصل فائته، فإنك ستجده على مثل حالي.
فلما مات (وغُيِّب) لحقت بالموصل، فأتيت صاحبها، فوجدته على مثل حاله من الاجتهاد والزَّهادَة في الدنيا، فقلت له: إن فلانًا أوصاني إليك أن آتيك وأكون معك. قال: فأقم أي بني. فأقمت عنده على مثل أمر صاحبه، حتى حضرته الوفاة. فقلت له: إنَّ فلانًا أوصاني إليك وقد حَضَرَك من أمر الله ما ترى، فإلى من توصيني، فقال: والله ما أعلمه، أي بني، إلا رجلٌ بنصيبين وهو على مثل ما نحن عليه، فالحقْ به، فلما دفناه. لحقت بالآخر فقلت له: يا فلان، إن فلانًا أوصاني إلى فلان، وفلان أوصاني إليك. قال: فأقم يا بني.
[ ٣٠ ]
فأقمت عنده على مثل حالهم حتى حضرته الوفاة. فقلت له: يا فلان، إنَّه قد حضرك من أمر الله ما ترى، وقد كان فلانٌ أوصاني إلى فلانٍ، وأوصاني فلانٌ إلى فلان، وأوصاني فلان إليك، فإلى من توصيني؟ قال لي: أي بنيّ، والله ما أعلم أحدًا على مثل ما نحن عليه إلا رجل بعمُّورية من أرض الرُّوم، فأتِهِ، فإنك ستجده على مثل ما كنا عليه.
فلما وَارَيْتُهُ، خرجت حتى قدمت على صاحب عَمُّوريَّة، فوجدته على مثل حالهم، فأقمت عنده، واكتسبت حتى كان لي غنَيمةٌ وبقرات. ثم حضرته الوفاة. فقلت: يا فلان، إن فلانًا كان أوصاني إلى فلان، وفلانٌ إلى فلان، وفلان إليك، وقد حضرك ما ترى من أمر الله تعالى، فإلي من توصيني؟
قال: أي بني، والله ما أعلمه بقي أحد على مثل ما كنا عليه آمرك أن تأتيه.
ولكنَّه قد أظلك زمان نَبي يبعث من الحرم، مُهاجَرُهُ بين حَرَّتيْن، إلى أرض سِبِخةٍ ذات نخيل، وإنَّ فيه علامات لا تخفى: بين كتفيه خاتم النبوَّة، يأكل الهدية، ولا يأكل الصدقة. فإن استطعت أن تَخْلص إلى تلك البلاد فافعل، فإنه قد أظلك زمانه.
فلما واريناه، أقمت حتى مَرَّ رجالٌ من تجار العرب من كَلبٍ، فقلت لهم: تحملوني معكم حتى تقدموا بي أرض العرب، وأعطيكم غنيمتي هذه وبقراتي؟ قالوا: نعم. فأعطيتهم إياها، وحملوني حتى إذا جاءُوا بي وادي القرى ظلموني فباعوني عَبدًا من رجل من يهود، بوادي القُرى. فوالله لقد رأيت النخل، وطمعت أن تكون البلد الذي نَعَتَ لي صاحبي وما حقت عندي، حتى قدم رجل من بني قُريظة، من يهود وادي القرى، فابتاعني من صاحبي الذي كنت عنده، فخرج بي حتى قدم المدينة. فوالله ما هو إلا أن رأيتها فعرفت نعمته، فأقمت في رِق مع صاحبي.
وبعث الله رسوله - ﷺ -، بمكة لا يذكر لي شيئًا من أمره مع ما أنا فيه من الرِّق حتى قدم رسول الله - ﷺ - قُباء، وأنا أعمل لصاحبي في نخلة له. فوالله إني لفيها إذ جاءَ ابن عم له، فقال: يا فلان قاتل الله بني قَيْلة، ووالله إنهم الآن لفي قُباءَ مجتمعون على رجل من مكة، يزعمون أنه نبي، فوالله ما هو إلا أن سمعتها، فأخذتني "العُرَوَاءُ" -يقول "الرِّعدة"- حتى ظننت لأسقطن على صاحبي. ونزلت أقول: ما هذا الخبر؟ ما هو؟ فرفع مولاي يده، فلكمني
[ ٣١ ]
لكمة شديدة، وقال: ما لك ولهذا؟ أقبل قِبَلَ عملك. فقلت: لا شيء، إنما سمعت خبرًا فأحببت أن أعلمه. فلمَّا أمسيت، وكان عندي شيءٌ من طعام، فحملته وذهبت به إلى رسول الله - ﷺ -، وهو بِقُباء، فقلت: إنه قد بلغني أنك رجل صالح، وأن معك أصحابًا لك غرباء، وقد كان عندي شيء للصدقة، فرأيتكم أحقَّ مَنْ بهذه البلاد (به) فها هو ذا فكل منه. فأمسك رسول الله، - ﷺ - بيده، وقال: لأصحابه: كُلوا، ولم يأكل. فقلت في نفسي هذه خلة مما وصَفَ لي صاحبي.
ثم رجعت، وتحوَّل رسولُ الله - ﷺ -، إلى المدينة فجمعت شيئًا كان عندي ثم جئته به، فقلت: إن قد رأيتك لا تأكل الصدقة، وهذه هدية وكرامة ليست بالصدقة. فأكل رسول الله - صلى الله عليه وسول-، وأكل أصحابه. فقلت: هذه خلتان.
ثم جئت رسول الله - ﷺ - وهو يتبع جنازة وعلي شملتان لي وهو فى أصحابه، فاستدرت به لأنظر إلى الخاتم في ظهره، فلما رآني رسول الله - ﷺ -، اسْتَدْبَرْتُه عَرَفَ أني أسْتَتْبِتُ شيئًا قد وُصف لي، فوضع رداءَه عن ظهره، فنظرت إلى الخاتم بين كتفيه كما وصف لي صاحبي فأكْبَبْتُ عليه أقبله وأبكي. فقال: تحوَّل يا سلمان هكذا. فتحولت فجلست بين يديه. وأحب أن يُسْمِع أصحَابه حديثي عنه. فحدَّثته يا ابن عباس كما حدَّثتك. فلما فرغت قال رسول الله - ﷺ -: كاتب يا سلمان. فكاتبت صاحبي على ثلاثمائة نخلة أحييها، وأربعين أوقية. وأعانني أصحاب رسول الله - ﷺ -، بالنخل: ثلاثين وَدِيَّة (١). وعشرين وَديَّة، وَعَشْرٍ، كل رجل منهم على قدر ما عنده. فقال لي رسول الله - ﷺ -: فقِّرْ لها (٢) فإذا فرغت فآذني حتى أكون الذي أضعها بيدي.
ففقرتها وأعانني أصحابي -يقول حَفَرْتُ لها حيث توضع- حتى فرغنا منها. ثم جئت رسول الله - ﷺ -، فقلت: يا رسول الله، قد فرغنا منها فخرج معي حتى جاءَها، وكنا نحمل إليه الوَديَّ، ويضعه بيده، ويُسَوَّي عليها. فوالذي بعثه بالحق ما ماتت منها وَدِيَّة واحدةٌ. وبقيت عليَّ الدراهم. فأتاه رجل من بعض المعادن بمثل البَيْضة من الذهب، فقال رسول الله - ﷺ -: أين الفارس المسلم المكَاتب؟ فَدعِيتُ له، فقال: خذ هذه يا سلمان، فأدها مما عليك. فقلت: يا
_________________
(١) الودية: النخلة الصغيرة.
(٢) فقر لها: أي أحفر.
[ ٣٢ ]
رسول الله، وأين تقع هذه مما علي؟ قال: فإن الله تعالى سيؤدي بها عنك.
فوالذي نفس سلمان بيده لوَزَنْتُ لهم منها أربعين أوقيَّة، فأدَّيتها إليهم وعتق سلمان. وكان الرِّق قد حبسني حتى فاتني مع رسول الله - ﷺ -، بدْرٌ وأحُدٌ، ثم عتقت فشهدت الخندَق، ثم لم يفتني معه مشهد (١)
_________________
(١) أخرجه أحمد في المسند: ٥/ ٤٤١ - ٤٤٤، وابن هشام في السيرة: ١/ ٢٢٨ - ٢٣٥، والبيهقي في الدلائل: ٢/ ٩٢ - ٩٧ والخطيب في التاريخ: ١/ ١٦٤ - ١٦٩، وأبو نعيم في دلائل النبوة: ١٩٩، وابن سعد في الطبقات: ٤/ ٧٥ - ٨٠، والطبراني في الكبير برقم: ٦٠٦٥، جميعًا من طريق ابن إسحاق، حدثني عاصم بن عمر بن قتادة عن محمود بن لبيد عن ابن عباس عن سلمان به. وقد صرح ابن إسحاق بالتحديث فزالت شبهة التدليس والإسناد حسن.
[ ٣٣ ]
الفصل الرابع قصة حفر زمزم
١٦ - من حديث علي بن أبي طالب كرم الله وجهه- قال: "قال عبد المطلب: إني لنائم في الحجر إذ أتاني آت فقال لي: احفر طيبة. قلت: وما طيبة؟ قال: ثم ذهب عني.
قال: فلما كان الغد رجعت إلى مضجعي، فنمت فيه، فجاءني فقال: احفر برَّة، قال: قلت وما برَّة؟ قال: ثم ذهب عني.
فلما كان الغد رجعت إلى مضجعي فنمت فيه، فجاءني. فقال: احفر المضنونة. قال: قلت: وما المضنونة؟ قال: ثم ذهب عني.
فلما كان الغد رجعت إلى مضجعي، فنمت فيه. فجاءني فقال: احفر زمزم. قال: قلت: وما زمزم؟ قال: لا تنزف أبدًا، ولا تذم، تسقي الحجيج الأعظم، وهي بين الفرث والدم، عند نقرة الغراب الأعصم، عند قرية النمل.
قال: فلما بين شأنها، ودلَّ على موضعها، وعرف أنه قد صدق، غدا بمعوله ومعه ابنه الحارث بن عبد المطلب، وليس معه يومئذ ولد غيره، فحفر فيها، فلما بدا لعبد المطلب الطيُّ كبَّرَ، فعرفت قريش أنه قد أدرك حاجته، فقاموا إليه فقالوا: يا عبد المطلب إنها بئر أبينا إسماعيل، وإنَّ لنا فيها حقًّا، فأشركنا معك فيها. قال: ما أنا بفاعل، إن هذا الأمر قد خصصت به دونكم، وأعطيته من بينكم. قالوا له: فأنصفنا، فإنا غير تاركيك حتى نخاصمك فيها، قال: فاجعلوا بيني وبينكم من شئتم أحاكمكم إليه. قالوا: كاهنة بني سعد بن هذيم، قال: نعم، وكانت بأشراف الشام.
فركب عبد المطلب ومعه نفر من بني أمية، وركب من كل قبيلة من قريش نفر، فخرجوا والأرض إذ ذاك مفاوز، حتى إذا كانوا ببعضها نفد ماء عبد المطلب وأصحابه، فعطشوا حتى استيقنوا بالهلكة، فاستسقوا من كانوا معهم فأبوا عليهم،
[ ٣٤ ]
وقالوا: إنا بمفازة وإنا نخشى على أنفسنا مثل ما أصابكم. فقال عبد المطلب: إني أرى أن يحفر كلُّ رجل منكم حفرته لنفسه بما لكم الآن من القوة، فكلما مات رجل دفعه أصحابه في حفرته ثم واروه، حتى يكون آخرهم رجلًا واحدًا، فضيعة رجل واحد أيسر من ضيعة ركب جميعه. فقالوا: نعم ما أمرت به.
فحفر كل رجل لنفسه حفرة، ثم قعدوا ينتظرون الموت عطشًا.
ثمَّ إنَّ عبد المطلب قال لأصحابه: والله إنَّ إلقاءنا بأيدينا هكذا للموت لا ضرب في الأرض، ولا نبتغي لأنفسنا لعجز، فعسى الله أن يرزقنا ماءً ببعض البلاد، ارتحلوا. فارتحلوا حتى إذا بعث عبد المطلب راحلته انفجرت من تحت خفها عين ماء عذب، فكبَّر عبد المطلب، وكبر أصحابه، ثم نزل فشرب وشرب أصحابه، واستسقوا حتى ملأوا أسقيتهم، ثم دعا قبائل قريش -وهم ينظرون إليهم في جميع هذه الأحوال- فقال: هَلمُّوا إلى الماء فقد سقانا الله، فجاءوا فشربوا، واستقوا كلهم، ثم قالوا: قد والله قضى لك علينا، والله ما نخاصمك في زمزم أبدًا، إن الذي سقاك هذا الماء بهذه الفلاة هو الذي سقاك زمزم، فارجع إلى سقايتك راشدًا. فرجع ورجعوا معه، ولم يصلوا إلى الكاهنة، وخَلَّوا بينه وبين زمزم".
قال ابن إسحاق: فهذا ما بلغني عن علي بن أبي طالب في زمزم (١).
_________________
(١) أخرجه ابن إسحاق بسنده، فقال: حدثني يزيد بن حبيب المصري، عن مرثد بن عبد الله اليزني، عن عبد الله بن زرير أنه سمع علي بن أبي طالب، فذكره انظر السيرة النبوية لابن هشام: ١/ ١٤٢ - ١٥٥. والسير والمغازي لابن إسحاق صفحة: ٢٤ - ٢٥ تحقيق سهيل زكار. والبيهقي في الدلائل: ١/ ٩٣ - ٩٥، من طريق ابن إسحاق، وقد صرح ابن إسحاق بالسماع، فسنده صحيح، وله شاهد من مرسل الزهري عند عبد الرزاق في المصنف، حديث رقم: ٩٧١٨، ٥/ ٣١٤، ورواه ابن سعد في طبقاته: ١/ ٨٣ - ٨٥ من طريق الواقدي، وهو ضعيف. فالحديث بهذا صحيح من طريق البيهقي وابن هشام.
[ ٣٥ ]
الفصل الخامس أخبار الرسول ﷺ قبل البعثة
المبحث الأول: مولده ﷺ
ولد في ربيع الأول يوم الإثنين بلا خلاف، والأكثرون على أنه ليلة الثاني عشر منه (١).
وقال خليفة بن خياط: والمجمع عليه أنه - ﵇ - ولد عام الفيل (٢).
١٧ - من حديث قيس بن مخرمة بن المطلب بن عبد مناف ﵁ قال: "ولدت أنا ورسول الله - ﷺ - عام الفيل، فنحن لِدَّان، ولدنا مولدًا واحدًا" (٣).
١٨ - ومن حديث أبي قتادة الأنصاري ﵁ عن صوم يوم الاثنين قال رسول الله - ﷺ -: (ذاك يوم ولدت فيه، ولوم بعثت أو أنزل عليَّ فيه) (٤).
١٩ - ومن حديث ابن عباس ﵁ قال: "ولد النبي - ﷺ - يوم الاثنين، واستنبئ يوم الاثنين، وتوفي يوم الاثنين، وخرج مهاجرًا من مكة إلى المدينة يوم الاثنين، وقدم المدينة يوم الاثنين، ورفع الحَجَرَ الأسود يوم الاثنين" (٥)
٢٠ - ومن حديث ابن عباس وجابر ﵃ أنهما قالا: "ولد رسول
_________________
(١) انظر سيرة ابن هشام: ١/ ١٥٨، تاريخ الطبري: ٢/ ١٥٤ - ١٥٧، الاستيعاب: ١/ ٣٠ - ٣١، البداية والنهاية: ٢/ ٢٥٩ - ٢٦٢، دلائل النبوة لأبي نعيم: ١/ ٤٠، دلائل النبوة للبيهقي: ١/ ٨٩ - ٩٤.
(٢) السيرة النبوية لابن كثير: ١/ ٢٠٣.
(٣) أحمد: ٤/ ٢١٥، والترمذي في المناقب باب ما جاء في ميلاد النبي - ﷺ - بزيادة: ٣٦١٩ وقال: حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث محمَّد بن إسحاق، وقد صرح بالتحديث، فانتفت الشبهة في التدليس" قلت وبذلك يصح الحديث.
(٤) مسلم: كتاب الصيام، باب استحباب صيام ثلاثة أيام من كل شهر: ١١٦٢ وأبو داود في الصيام، باب في صوم الدهر تطوعًا رقم: ٢٤٢٦.
(٥) أخرجه أحمد: ١/ ٢٧٧، والطبراني في الكبير: ١٢٩٨٤ من طريق ابن لهيعة، عن خالد بن أبي عمران، عن حنش الصنعاني به، ومن الرواة عن ابن لهيعة عمرو بن خالد عند الطبراني، وقد سمع من ابن لهيعة قبل اختلاطه، فالحديث بهذا حسن، وله شواهد، انظر ما بعده:٢٠. وقال الهيثمي في المجمع: ١/ ١٩٦، وفيه ابن لهيعة، وهو ضعيف، وبقية رجاله ثقات من أهل الصحيح.
[ ٣٦ ]
الله - ﷺ - عام الفيل يوم الاثنين الثاني عشر من ربيع الأول، وفيه عرج به إلى السماء، وفيه هاجر، وفيه مات". هذا هو المشهور عند الجمهور. والله أعلم (١).
٢١ - ومن حديث ابن عباس ﵄ قال: "ولد رسول الله - ﷺ - عام الفيل" (٢).
المبحث الثاني: مرضعاته ﵊
ثويبة مولاة أبي لهب مولاة بني هاشم
٢٢ - من حديث زينب ابنة أبي سلمة أنَّ أمَّ حبيبة ﵂ أخبرتها أنها قالت: "يا رسول الله، انكح أختي بنت أبي سفيان، فقأل: أو تحبين ذلك؟ فقالت: نعم، لست لك بِمُخْلِيةً، وأحَبُّ من شاركني في خير أختي". فقال النبي - ﷺ -: (إنَّ ذلك لا يحلُّ لي. قلت: فإنا نُحَدَّثُ أنك تريد أن تنكح بنت أبي سلمة. قال: بنت أم سلمة؟ قلت: نعم. فقال: لو أنَّها لم تكن ربيبتي في حجري ما حَلَّت لي، إنها لابنة أخي من الرضاعة، أرضعتني وأبا سلمة ثويبة، فلا تَعْرضَنَّ عليَّ بناتكن، ولا أخواتكن) (٣).
_________________
(١) ابن أبي شيبة في مصنفه، وإسناده صحيح، رجاله رجال الصحيح، انظر السيرة النبوية، لابن كثير: ١/ ١٩٩.
(٢) رواه الطبراني في الكبير: ١٢٤٣٢، والبيهقي في دلائل النبوة: ١/ ١٠، والبزار كما في كشف الأستار: ١/ ١٢١، حديث: ٢٢٦ عن طريق يونس بن أبي إسحاق، عن أبيه، عن سعيد بن جبير به. وقال الهيثمي في المجمع: ١/ ١٩٦: رواه البزار والطبراني في الكبير ورجاله موثقون.
(٣) رواه البخاري، كتاب النكاح، باب: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ رقم: ٥١٠١، فتح الباري: ٩/ ١٤٠، مسلم: ١٤٤٩، الرضاع، باب تحريم الربيبة وأخت المرأة، وأبو داود: ٢٠٥٦ النكاح، وباب يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب، وابن ماجه: ١٩٣٩كتاب النكاح، باب يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب، والنسائي في النكاح، باب تحريم الجمع بين الأختين: ٦/ ٩٦، وابن سعد في الطبقات: ١/ ١٠٨. قمراء: القمرة لون البياض إلى الخضرة. وأدمت: حدثت في ركبها جروح دامية باصطكاكها، والشارف: الناقة المسنة. وبض: سال منه الماء شبه العرق أي قليلًا قليلًا، شهباء: مجدبة لا خضرة فيها ولا مطر.
[ ٣٧ ]
حليمة السعدية
٢٣ - من حديث عبد الله بن جعفر ﵄: قال: "لما وُلد رسول الله - ﷺ - قدمت حليمة بنت الحارث، في نسوة من بني سعد بن بكر يلتمسون الرضعاء بمكة.
قالت حليمة: فخرجت في أوائل النسوة على أتان لي، قمراء، ومعي زوجي الحارث بن عبد العزى، أحد بني سعد بن بكر، ثم أحد بني ناضرة، قد أدمت أتاننا، ومعي بالركب شارف والله ما تبض بقطرة لبن، في سنة شهباء. قد جاع الناس حتى خلص إليهم الجهد، ومعي ابن لي، والله ما ينام ليلنا، وما أجد في يدي شيئًا أعلله به، إلا أنا نرجوا الغيث، وكانت لنا غنم، فنحن نرجوها.
فلما قدمنا مكة فما بقي منا أحد إلا عرض عليها رسول الله - ﷺ - فَكَرهَتْهُ، فقلنا: إنه يتيم، وإنما يكرم الظئر، ويحسن إليها الوالد، فقلنا: ما عسى أن تصنع بنا أمه أو عمه أو جده، فكلُّ صواحبي أخذ رضيعًا، فلما لم أجد غيره، رجعت إليه، وأخذته، والله ما أخذته إلا إني لم أجد غيره، فقلت لصاحبي: والله لآخذنَّ هذا اليتيم من بني عبد المطلب، فعسى الله أن ينفعنا به، ولا أرجع من بين صواحبي ولا آخذ شيئًا، فقال: قد أصبت.
قالت: فأخذته، فأتيت به الرَّحْلَ، فوالله ما هو إلا أن أتيت به الرَّحْلَ، فأمسيت أقبل ثدياي باللبن، حتى أرويته، وأرويت أخاه، وقام أبوه إلى شارفنا تلك يلمسها، فإذا هي حافل، فحلبها، فأرواني وروي، فقال: يا حليمة، تعلمين والله لقد أصبنا نسمة مباركة، ولقد أعطى الله عليها ما لم نتمنَّ، قالت: فبتنا بخير ليلة، شباعًا، وكنا لا ننام ليلنا مع صبينا.
ثم اغتدينا راجعين إلى بلادنا أنا وصواحبي، فركبت أتاني القمراء، فحملته معي، فوالذي نفس حليمة بيده لقطعَتْ الركب حتى أن النسوة ليقلن: أمسكي علينا، أهذه أتانك التي خرجت عليها؟ فقلت: نعم، فقالوا: إنها كانت أدمت حين أقبلنا فما شأنها؟ قالت، فقلت: والله حملت عليها غلامًا مباركًا.
قالت: فخرجنا، فما زال يزيدنا الله في كل يوم خيرًا، حتى قدمنا والبلاد سِنَةٌ، ولقد كان رعاتنا يسرحون ثم يريحون، فتروح أغنام بني سعد جياعًا، وتروح غنمي شباعًا، بِطانًا، حفلًا، فنحتلب، ونشرب، فيقولون: ما شأن
[ ٣٨ ]
غنم الحارث بن عبد العزى، وغنم حليمة تروح شباعًا حفلًا، وتروح غنمكم جياعًا؟ ويلكم اسرحوا حيث تسرح غنم رعاؤهم، فيسرحون معهم، فما تروح إلا جياعًا، كما كانت، وترجع غنمي كما كانت.
قالت: وكان يُنسب شبابًا ما يشبه أحد من الغلمان، يشب في اليوم شباب الغلام في الشهر، ويشب في الشهر شباب السنة، فلما استكمل سنتين أقدمناه مكة، أنا وأبوه، فقلنا: والله لا نفارقه أبدًا ونحن نستطيع، فلما أتينا أمه، قلنا: أي ظئر! والله ما رأينا صبيًّا قط أعظم بركة منه، وإنا نتخوف عليه وباء مكة وأسقامها، فدعيه نرجع به حتى تبرئي من دائك، فلم نزل بها حتى أذنت، فرجعنا به، فأقمنا أشهرًا ثلاثة أو أربعة.
فبينما هو يلعب خلف البيوت هو وأخوه في بُهْم له، إذ أتى أخوه يشتدُّ، وأنا وأبوه في البدن، فقال: إن أخي القرشي، أتاه رجلان عليهما ثياب بيض، فأخذاه واضطجعاه، فشقَّا بطنه، فخرجت أنا وأبوه يشتدُّ، فوجدناه قائمًا، قد انتقع لونه، فلما رآنا أجهش إلينا، وبكى، قالت: فالتزمته أنا وأبوه، فضممناه إلينا، فقلنا: ما لك بأبي أنت؟ فقال: أتاني رجلان وأضجعاني، فشقا بطني، وصنعا به شيئًا، ثم رداه كما هو، فقال أبوه: والله ما أرى ابني إلا وقد أصيب، إلحقي بأهله، فرديه إليهم قبل أن يظهر له ما نتخوف منه.
قالت: فاحتملناه، فقدمنا به على أمه، فلما رأتنا أنكرتْ شأننا، وقالت: ما رجعكما به قبل أن أسألكماه، وقد كنتما حريصين على حبسه؟ فقلنا: لا شيء إلا أن قد قض الله الرضاعة وسرّنا ما نرى، وقلنا: نؤويه كما تحبون أحبَّ إلينا، قال: فقالت: إن لكما شأنًا فأخبراني ما هو، فلم تدعنا حتى أخبرناها، فقالت: كلا والله، لا يصنع الله ذلك به، إن لابني شأنًا، أفلا أخبركما خبره، إني حملت به، فوالله ما حملت حملًا قط، كان أخف علي منه، ولا أيسر منه، ثم أريت حين حملته خرج مني نور أضاء منه أعناق الإبل ببصري -أو قالت: قصور بصرى- ثم وضعته حين وضعته، فوالله ما وقع كما يقع الصبيان، لقد وقع معتمدًا بيديه على الأرض رافعًا رأسه إلى السماء فدعاه عنكما فقبضه وانطلقنا" (١).
_________________
(١) رواه ابن حبان كما في الموارد: ٥١٢، ٥١٣، والطبراني في الكبير: ٢٤/ ٢١٢ - ٢١٥، والبيهقي في الدلائل: ١/ ١٣٣ - ١٣٦، والسيرة النبوية بشرح الخشني: ١/ ٢١٤ وإسحاق بن راهويه في مسنده كما في المطالب العالية: ٤/ ١٦٧ - ١٧١، وأبو يعلى كما في مجمع الزوائد: ٨/ ٢٢١ جميعًا من طريق بن إسحاق، وقد صرح ابن إسحاق بالسماع في رواية السيرة، وقال الهيثمي في المجمع: ٨/ ٢٢٧، رواه =
[ ٣٩ ]
المبحث الثالث: شق صدره وذر السكينة على قلبه
سبق ذكرها في الحديث السابق
٢٤ - من حديث عتبة بن عبد السلمي ﵁: "أنَّ رجلًا سأل رسول الله - ﷺ - فقال: كيف كان أول شأنك يا رسول الله؟ قال: (كانت حاضتني من بني سعد بن بكر، فانطلقت أنا وابن لها في بُهْم لنا، ولم نأخذ معنا زادًا.
فقلت: يا أخي، اذهب فأتنا بزاد من عند أمنا.
فانطلق أخي، ومكثت عند البهم، فأقبل طيْرَان أبيضان كأنهما نسران، فقال أحدهما لصاحبه: أهو هو؟ قال: نعم، فأقبلا يبتدراني، فأخذاني، فبطحاني إلى القفا، فشقَّا بطني، ثم استخرجا قلبي، فشقاه فأخرجا منه علقتين سوداوين، فقال أحدهما لصاحبه: -قال: يزيد في حديثه- أفتني بماء ثلج، فغسلا به جوفي، ثم قال: أئتني بماء برد، فغسلا به قلبي، ثم قال: أئتني بالسكينه، فَذَرَّاها في قلبي، ثم قال أحدهما لصاحبه: خِطه، فخاطه وختم عليه بخاتم النبوة.
فقال أحدهما لصاحبه: اجعله في كِفَّةٍ، واجعل ألفًا من أمته في كفة، فإذا أنا أنظر إلى الألف فوقي، أشفق أن يخرَّ عليَّ بعضهم، فقال: لو أن أمته وزنت به لمال بهم، ثم انطلقا وتركاني.
وفَرقَتُ فرقًا شديدًا، ثم انطلقت إلى أمي، فأخبرتها بالذي لقيته، فأشفقت عليَّ أن يكون ألبس بي قالت: أعيذك بالله، فرحَّلت بعيرًا لها، فجعلتني أو فحملتني على الرحل، وركبت خلفي حتى بلغنا إلى أمي فقالت: أديت أمانتي وذمتي، وحدثتها بالذي لقيت، فلم يرعها ذلك، فقالت لي: رأيت خرج مني نور، أضاءت منه قصور الشام) (١).
_________________
(١) = أبو يعلى، والطبراني بنحوه إلا أنه قال: حليمة بنت أبي ذؤيب، ورجالهما ثقات، قلت ولكثير من مقاطع الحديث شواهد تقويها ولذلك فالحديث حسن لشواهده. وناقة حافل: كثير لبنها. لقطعت: سبقت.
(٢) رواه أحمد في المسند: ٤/ ١٨٤ - ١٨٥، والحاكم في المستدرك: ٢/ ٦١٦ - ٦١٧، والطبراني في الكبير ددد ١٧/ ١٣١،ددد والدارمي في المقدمة، باب كيف كان أول شأن النبي: ١/ ٨، جميعًا من طريق بقية، حدثني بحير بن سعد عن خالد بن معدان، عن ابن عمرو السلمي، عن عتبة بن عبد السلمي، وقد صرح بقية بالتحديث عندهم جميعًا إلا عند الدارمي، وبقية إذا روى عن بحير فهو معتد به، ومقبول وموثق، =
[ ٤٠ ]
٢٥ - وقد جاء من حديث أنس ﵁ باختصار أكثر فقال: "إن رسول الله - ﷺ - أتاه جبريل - ﷺ - وهو يلعب مع الغلمان، فأخذه فصرعه فشقَّ عن قلبه، فاستخرج القلب، فاستخرج منه علقة، فقال: هذا حظُّ الشيطان منك، ثم غسله في طست من ذهب بماء زمزم، ثم لأمه، ثم أعاده في مكانه، وجاء الغلمان يسعون إلى أمه "يعني ظئره" فقالوا: إن محمدًا قد قتل، فاستقبلوه، وهو منتقع اللون". قال أنس: "وقد كنت أرى أثر ذلك المخيط في صدره" (١).
وقد حدثت أيضًا حادثة شقِّ الصدر مرة أخرى في رحلة الإسراء والمعراج، وسيأتي تفصيلها هناك فانظرها.
المبحث الرابع: وفاة أمه - ﵇ - وزيارته قبرها بعد البعثة
٢٦ - قال ابن إسحاق: حدثني عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم: "أنَّ أم رسول الله - ﷺ - توفيت وهو ابن ست سنين بالأبواء بين مكة والمدينة. كانت قد قدمت به على أخواله من بني عدي بن النجار تزيره إياهم، فماتت وهي راجعة به إلى مكة" (٢).
٢٧ - من حديث أبي هريرة ﵁ قال: "زار النبي - ﷺ - قبر أمه، فبكى وأبكى من حوله، فقال: استأذنت ربي في أن أستغفر لها فلم يؤذن لي، واستأذنته في أن أزور قبرها فأذن لي، فزوروا القبور، فإنها تذكر الموت" (٣).
_________________
(١) = وقال الحاكم: حديث صحيح على شرط مسلم، وأقره الذهبي. وقال الهيثمي في المجمع: ٨/ ٢٢٢ إسناد أحمد حسن، وللحديث شواهد سبق ذكرها تحت رقمي: ١١ - ١٢، فالحديث صحيح.
(٢) رواه مسلم في كتاب الإيمان، باب الإسراء برسول الله - ﷺ - رقم: ٢٦١، أحمد في المسند:٣/ ١٢١، ١٤٩، ٢٢٨، والحاكم في المستدرك: ٢/ ١١٦ - ١١٧، والبيهقي في الدلائل: ٢/ ٧ - ٨، والدارمي في المقدمة، باب كيف كان أول شأن النبي: ١/ ٨ - ٩. ومعنى منتفع اللون: متغير اللون. والمخيط: الإبرة. لأمه: جمعه، وضم بعضه إلى بعض.
(٣) ابن هشام في السيرة: ١/ ١٦٨، عن ابن إسحاق، ورجاله ثقات، وقد صرح ابن إسحاق بالتحديث، فزالت شبهة تدليسه، ابن كثير: ١/ ٢٣٥.
(٤) رواه مسلم في الصحيح، كتاب الجنائز، باب استئذان النبي - ﷺ - ربه - ﷿ - في زبارة قبر أمه الحديث رقم: ٩٧٦، ٢/ ٦٧١.
[ ٤١ ]
المبحث الخامس: كفالة جده وحبه له
٢٨ - من حديث كندير بن سعيد عن أبيه قال: حججت في الجاهلية فهذا رجل يطوف بالبيت وهو يرتجل يقول:
رب رد راكبي محمدًا رده لي واصطنع عندي يدًا
قلت: من هذا يعني؟ قال: عبد المطلب بن هاشم ذهبت إبل له، فأرسل ابن ابنه في طلبتها، فاحتبس عليه، ولم يرسله في حاجة قط إلا جاء بها، قال: فما برحت حتى جاء النبي - ﷺ -، وجاء بالإبل فقال: يا بني، لقد حزنت عليك كالمرأة حزنًا لا يفارقني أبدًا" (١).
المبحث السادس: رعيه الغنم وعصمة الله له من الزلل
٢٩ - من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: (ما بعث الله نبيًّا إلا رعى الغنم، فقال أصحابه: وأنت يا رسول الله؟ فقال: نعم، كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة) (٢).
٣٠ - ومن حديث جابر ﵁: قال كنا مع رسول الله - ﷺ - نجتني الكباث، فقال: (عليكم بالأسود منه، فإنه أطيبه قال: قلنا: وكنت ترعى الغنم يا رسول الله؟ قال: (نعم، وهل من نبيّ إلا قد رعاها) (٣).
٣١ - من حديث علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: (ما هممت بقبيح مما كان أهل الجاهلية يهمُّون به، إلا مرتين من الدهر، كلتيهما يعصمني الله منهما، قلت ليلة لفتى كان معي من قريش بأعلى مكة في
_________________
(١) أخرجه الطبراني في الكبير: ٥٥٢٤، والبيهقي في دلائل النبوة: ٢/ ٢٠ - ٢١ وابن سعد في الطبقات: ١/ ١١١، والحاكم في المستدرك: ٢/ ٦٠٣، ٦٠٤، وابن أبي حاتم في الجرح والتعديل: ٢/ ٣ / ١٧٣، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي. وقال الهيثمي في "المجمع: ٨/ ٢٢٤: رواه أبو يعلى، والطبراني، وإسناده حسن. وعزاه السيوطي في الخصائص: ١/ ٨١ إلى البخاري في تاريخه، وابن عدي وأبو نعيم، وابن مندة.
(٢) رواه البخاري في كتاب الإجارة، باب: رعى الغنم على قراريط، فتح البارى: ٤/ ٤٤١، رقم ٢٢٦٢، وابن ماجه في سنته، كتاب التجارات، باب الصناعات، رقم: ٢١٤٩، وابن سعد: ١/ ١٤٥.
(٣) أخرجه البخاري في الأطعمة، باب الكباث، حديث: ٥٤٥٣، ومسلم في الأشربة، باب فضيلة الأسود من الكبات، حديث: ٢٠٥٠.
[ ٤٢ ]
أغنام لأهله يرعاها: (أبصر إلى غنمي حتى أسمر هذه الليلة بمكة، كما يسمر الفتيان، قال: نعم، فخرجت، فجئت أدنى دار من دور مكة، سمعت غناء، وضرب دفوف، ومزامير، فقلت: ما هذا؟ فقالوا: فلان تزوج فلانة، لرجل من قريش تزوج امرأة من قريش، فلهوت بذلك الغناء وبذلك الصوت حتى غلبتني عيني، فما أيقظني إلا حر الشمس، فرجعت فقال: ما فعلت؟ فأخبرته.
ثم قلت له ليلة أخرى مثل ذلك، ففعل، فخرجت، فسمعت مثل ذلك، فقيل لي مثل ما قيل لي، فلهوت بما سمعت حتى غلبتني عيني، فما أيقظني إلا مسُّ الشمس، ثم رجعت إلى صاحبي فقال: فما فعلت؟ قلت: ما فعلت شيئًا. قال رسول الله - ﷺ -: فوالله ما هممت بعدها بسوء مما يعمل أهل الجاهلية حتى أكرمني الله بنبوته" (١).
المبحث السابع: قصة بحيرا الراهب
٣٢ - من حديث أبي موسى الأشعري: قال: "خرج أبو طالب إلى الشام، وخرج معه النبي - ﷺ - في أشياخ من قريش، فلما أشرفوا على الراهب هبطوا، فحلوا رحالهم، فخرج إليهم الراهب، وكانوا قبل ذلك يسيرون، فلا يخرج إليهم، ولا يلتفت.
قال: فهم يحلون رحالهم، فجعل يتخللهم الراهب حتى جاء، فأخذ بيد رسول الله - ﷺ - قال: هذا سيد العالمين، هذا رسول رب العالمين، يبعثه الله رحمة للعالمين، فقال له أشياخ من قريش: ما علمك؟ فقال: إنكم حين أشرفتم من العقبة لم يبق شجر ولا حجر إلا خرَّ ساجدًا، ولا يسجدان إلا لنبي، وإني أعرفه بخاتم النبوة أسفل من غضروف كتفه مثل التفاحة.
ثم رجع فصنع لهم طعامًا، فلما أتاهم به، وكان هو في رعية الإبل قال: أرسلوا إليه، فأقبل وعليه غمامة تظله، فلما دنا من القوم وجدهم قد سبقوه إلى
_________________
(١) أخرجه أبو نعيم في الدلائل: ١٢٨، والبيهقي في الدلائل: ٢/ ٣٣، والبزار كما في الكشف برقم: ٢٤٠٣، وابن حبان في صحيحه كما في الإحسان: ٨/ ٥٦، رقم: ٦٢٣٩، وانظر المطالب العالية: ٤/ ١٧٨. رقم ٤٢٥٩. وقال البوصيري: رواه إسحاق بن راهويه بإسناد حسن، وابن حبان في صحيحه، وهكذا رواه محمد بن إسحاق في السيرة، وقال ابن حجر: هذه الطريق حسنة جليلة، وما روي في شيء من المسانيد الكبار إلا في مسند إسحاق، هذا وهو حديث حسن فصل، ورجاله ثقات. وقال الهيثمي في للجمع: ٨/ ٢٢٦ رواه البزار ورجاله ثقات. وأخرجه الحاكم في المستدرك: ٤/ ٢٤٥. وقال: حديث صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي.
[ ٤٣ ]
فيء الشجرة، فلما جلس مال فيء الشجرة عليه، فقال: انظروا إلى فيء الشجرة مال عليه.
قال: فبينما هو قائم عليهم، وهو يناشدهم أن لا يذهبوا به إلى الروم فإن الروم إذا عرفوه بالصفة فيقتلونه، فالتفتَ فإذا سبعة قد أقبلوا من الروم، فاستقبلهم، فقال: ما جاء بكم؟ قالوا: جاءنا أن هذا النبي خارج في هذا الشهر، فلم يبق طريق إلا بعث إليه بأناس، وإنا قد أخبرنا خبره، بعثنا إلى طريقك هذا، فقال: هل خلفكم أحد هو خير منكم؟
قالوا: إنما اخترنا خيره لك لطريقك هذا، قال: أفرأيتم أمرًا أراد الله أن يقضيه هل يستطيع أحد من الناس رده؟ قالوا: لا. قال: فبايعوه وأقاموا معه.
قال: أنشدكم الله أيكم وليه؟ قالوا: أبو طالب فلم يزل يناشده حتى رده أبو طالب وبعث معه (أبا بكر وبلالًا) وزوده الراهب من الكعك والزيت" (١).
_________________
(١) أخرجه الترمذي فى المناقب، باب ما جاء في بدء نبوة النبي - ﷺ -: ٣٦٢٠، وابن أبي شيبة في مصنفه: ١٨٣٩٠، وأعلام النبوة للماوردي: ١٥٥ - ١٥٦، وأبو نعيم في الدلائل: ٥١ - ٥٤، والطبري في تاريخه: ٢/ ٢٧٧ - ٢٧٩، والبيهقي في دلائل النبوة: ١/ ٣٠٧ - ٣١٢ والحاكم في المستدرك: ٢/ ٦١٥، والسيرة النبوية، للذهبي ص: ٢٨. وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخبن، ولم يخرجاه. وقال الذهبي: أظنه موضوعًا وبعضه باطل. وقال الترمذي: حسن غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه. وانظر نقد ابن كثير لهذا الحديث في السيرة النبوية له: ١/ ٢٤٣، وقد تكلم عليه الذهبي في السيرة النبوية له ص: ٢٨. وقال: حديث منكر جدًّا، وذكر مجموعة من الأسباب التي توضح قوله هذا. وتكلم عليه شبيها بما قال الذهبي، ابن سيد الناس في عيون الأثر ص: ٥٥، وقال ابن حجر في الإصابة: رجاله ثقات، وذِكْرُ أبي بكر وبلال فيه غير محفوظ، ونقل الشيخ الألباني تصحيحه عن الجرزي ومال إلى تصحيحه في تعليقه على فقه السيرة (ص: ٦٨)، قلت: وسنده صحيح رجاله ثقات، وذكر بلال وأبي بكر فيه غلط واضح كما قال ابن القيم ﵀ في زاد المعاد: (١/ ٧٦) ولعلها مدرجة فيه ووهم من أحد الرواة كما قال الحافظ ابن حجر.
[ ٤٤ ]
المبحث الثامن: مشاركة النبي ﷺ في حلف الفضول
٣٣ - من حديث عبد الرحمن بن عوف قال - ﵇ -: شهدت حلف المطيبين مع عمومتي وأنا غلام، فما أحب أن لي حمر النعم، وأني أنكثه) (١).
وحلف الفضول هو كما قال محمد بن إسحاق: وتداعت قبائل من قريش إلى حلف، فاجتمعوا له في دار عبد الله بن جدعان، لشرفه وسنه.
وكان حلفهم عنده بنو هاشم وبنو عبد المطلب وبنو أسد بن عبد العزى، وزهرة ابن كلاب، وتيم بن مرة.
فتعاهدوا وتعاقدوا على أن لا يجدوا مظلومًا من أهلها وغيرهم ممن دخلها من سائر الناس إلا كانوا معه، وكانوا على من ظلمه حتى يردوا عليه مظلمته.
فسَمَّت قريشًا ذلك الحلف حلف الفضول"
المبحث التاسع: زواجه من خديجة وبيان عظم منزلتها
٣٤ - من حديث ابن عباس ﵄: "أن رسول الله - ﷺ - ذكر خديجة، وكان أبوها يرغب عن أن يزوجه، فصنعت طعامًا وشرابًا، فدعت أباها وزُمَرًا من قريش، فطعموا وشربوا حتى ثملوا، فقالت خديجة لأبيها: "إن محمد ابن عبد الله يخطبني فزوجني إياه، فزوجها إياه، فخلقَتْهُ، وألبسته حلة، وكذلك كانوا يفعلون بالآباء، فلما سرى عنه سكره نظر، فإذا هو مخلَّق، وعليه حلَّة، فقال ما شأني؟ ما هذا؟ فقالت: زوجتني محمد بن عبد الله، قال: أزوج يتيم أبي طالب، لا لعمري. فقالت خديجة: أما تستحي، تريد أن تسفه نفسك عند قريش، تخبر الناس أنك كنت سكران؟ فلم تزل به حتى رضي) (٢).
٣٥ - ويؤيده ما جاء من حديث جابر بن سمرة ﵁ بنحو اللفظ
_________________
(١) أخرجه أحمد: ١/ ١٩٠، ١٩٣، وأبو يعلى رقم: ٨٤٤، ٨٤٥، ٨٤٦، والبزار كما في كشف الأستار: ١٩١٤، ٣٣٠٨. وقال الهيثمي في المجمع: ٨/ ١٧٢: رواه أحمد وأبو يعلى والبزار، ورجال حديث عبد الرحمن بن عوف رجال الصحيح". وقال الشيخ الساعاتي في الفتح الرباني: ٢١/ ٩ الحديث إسناده صحيح.
(٢) أخرجه أحمد في المسند: ١/ ٣١٢ والبيهقي في الدلائل: ٢/ ٧٣، مختصرًا والطبراني في الكبير رقم: ١٢٨٣٨. وقال الهيثمي: ٩/ ٢٢٠: رواه أحمد، والطبراني، ورجال أحمد والطبراني رجال الصحيح.
[ ٤٥ ]
السابق ببعض زياده (١).
وهذا يردُّ ما جاء عن المؤملي أن الذي زوج خديجة هو عمها عمرو بن أسد، لأن المؤملي متروك، لا يعتد بكلامه (٢).
٣٦ - وعن الزهري قال: "لم يتزوج رسول الله على خديجة حتى ماتت" (٣).
٣٧ - وعن ابن عباس ﵄ قال: (خط رسول الله - ﷺ - في الأرض أربعة خطوط، فقال: (أتدرون ما هذا؟ فقالوا: الله ورسوله أعلم. فقال رسول الله - ﷺ -: أفضل نساء أهل الجنة: خديجة بنت خويلد، وفاطمة بنة محمَّد - ﷺ -، ومريم بنة عمران، وآسية بنة مزاحم امرأة فرعون) (٤).
٣٨ - ومن حديث علي بن أبي طالب قال - ﵇ -: (خير نسائها مريم وخير نسائها خديجة) (٥).
٣٩ - ومن حديث أبي هريرة ﵁ قال: "أتى جبريل - ﵇ - النبي فقال: يا رسول الله هذه خديجة قد أتت معها إناء فيه إدام وطعام أو شراب، فإذا هي أتتك فاقرأ ﵍ من ربها ومني، وبشرها ببيت في الجنة من قصب، لا صَخَبَ فيه، ولا نَصَب" (٦).
_________________
(١) أخرجه الطبراني في الكبير برقم: ١٨٥٨، والبزار كما في الكشف رقم: ٢٦٥٧ قال الهيثمي في المجمع: ٩/ ٢٢٢: أخرجه الطبراني والبزار، ررجال الطبراني رجال الصحيح غير أبي خالد الوالبي، وهو ثقة، ورجال البزار أيضًا رجال الصحيح غير أحمد بن يحيى الصوفي، وهو ثقة، لكنه ليس من رجال الصحيح، وقال ابن حجر: وكذا شيخ الطبراني، فكان ينبغي أن يقول: ورجالهما رجال الصحيح سوى شيخيهما وأبي خالد الوالبي.
(٢) مجمع الزوائد: ٩/ ٢٢١.
(٣) قال الهيثمي في المجمع: ٩/ ٢٢٠: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح.
(٤) أخرجه أحمد: ١/ ٣١٦، ٣٢٢، والطبراني في الكبير: ١١٩٢٨، والحاكم: ١٨٥٣، وأبو يعلى في مسنده رقم: ٢٧٢٢، وأحمد في فضائل الصحابة: ١٣٣٩، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي، وصححه الحافظ ابن حجر في الفتح: ٧/ ١٣٣. وقال الهيثمي في المجمع: ٩/ ٢٢١ رواه أحمد وأبو يعلى والطبراني، ورجالهم رجال الصحيح.
(٥) رواه البخاري في مناقب الأنصار، باب تزويج النبي خديجة: ٣٨١٥، ومسلم في فضائل الصحابة، باب فضائل خديجة أم المؤمنين: ٢٤٣٠، والترمذي في المناقب، باب خديجة: ٣٨٧٧، والنسائي في الكبرى كما في تحفة الأشراف: ٧/ ٣٩٥، وأحمد في المسند: ١/ ١٦١، ١٣٢، ١٤٣، وفي فضائل الصحابة: ١٥٦٣.
(٦) أخرجه البخاري في مناقب الأنصار، باب تزويج خديجة وفضلها، فتح الباري رقم: ٣٨٢٠، ٧/ ١٣٣ - ١٣٤، ومسلم في فضائل الصحابة، باب فضائل خديجة أم المؤمنين: ٢٤٣٢، والترمذي في المناقب، باب فضل خديجة رقم: ٣٨٧٦، وأحمد في المسند: ٢/ ٢٣١، والحاكم في المستدرك:٣/ ١٨٥، وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي فيه، وليس الأمر كما قالاه، فقد أخرجه الشيخان كما ترى.
[ ٤٦ ]
المبحث العاشر: مشاركة الرسول ﷺ في بناء الكعبة
٤٠ - من حديث أبي الطفيل ﵁ قال: "كانت الكعبة في الجاهلية مبنية بالرضم، وكانت قدر ما يفتحها العناقة، وكانت غير مسقوفة، إنما توضع ثيابها عليها ثم تسدل سدلًا عليها، وكان الركن الأسود موضوعًا على سورها تأدبًا، وكانت ذات ركنين كهيأة الحلقة.
فأقبلت سفينة من أرض الروم، حتى إذا كانوا قريبًا من جدة، تكسرت السفينة، فخرجت قريش ليأخذوا خشبها، فوجدوا روميًّا عندها، فأخذوا الخشب أعطاهم إياه.
وكانت السفينة تريد الحبشة، وكان الرومي الذي في السفينة نجارًا، فقدموا، وقدموا بالرومي، فقالت قريش: نبني بهذا الخشب الذي في السفينة بيت ربنا.
فلما أرادوا هدمه، إذا هم بحية على سور البيت مثل قطعة الحائر، سوداء الظهر، بيضاء البطن، فجعلت كلما دنا أحد إلى البيت ليهدمه أو يأخذ من حجارته، سعت إليه فاتحة فاها.
فاجتمعت قريش عند المقام، فعجُّوا إلى الله -﷿- فقالوا: ربنا لم ترع، أردنا تشريف بيتك، فإن كنت ترضى بذلك، وإلا فافعل ما بدا لك.
فسمعوا خوارًا في السماء، فهذا بطائر أسود الظهر، أبيض البطن والرجلين، أعظم من البشر، فغرز مخاليبه في رأس الحية، حتى انطلق بها يجر ذنبها، أعظم من كذا وكذا ساقطًا، فانطلق نحو أجياد، فهدمتها قريش، وجعلوا يبنونها بحجارة الوادي تحملها قريش على رقابها، فرفعوها في السماء عشرين ذراعًا.
فبينما النبي - ﷺ - يحمل حجارة من أجياد، وعليه نمرة، فضاقت عليه النمرة، فذهب يضع النمرة على عاتقه، فتُرَى عورتُه من صغر النمرة، فنودي يا محمد، خَمِّر عورتك، فلم ير عريانًا بعد ذلك، وكان يرى بين بناء الكعبة وبين ما أنزل عليه خمس سنين، وبين مخرجه وبنيانها خمس عشرة سنة" (١).
_________________
(١) أخرجه الطبراني في الكبير بطوله، وأحمد طرفًا منه، ورجالهما رجال الصحيح كما قال الهيثمي في المجمع:٣/ ٢٨٩. انظر المطالب العالية: ٤/ ١٨٢ برقم: ٤٢٦٦، والفتح الرباني: ٢٠/ ١٩٨ - ١٩٩ والرضم: الصخور، والنمرة: الكساء المخطط.
[ ٤٧ ]
٤١ - من حديث جابر بن عبد الله ﵄ قال: "إنَّ رسول الله - ﷺ - كان ينقل معهم الحجارة للكعبة وعليه إزاره، فقال له العباس عمه: يا ابن أخي، لو حللت إِزارك، فجعلته على منكبك، دون الحجارة؛ قال: فحلَّه، فجعله على منكبه، قال: فسقط مغشيًّا عليه، فما رؤي بعد ذلك اليوم عريانًا" (١).
المبحث الحادي عشر: تحكيم قريش الرسول ﷺ في رفع الحجر
٤٢ - من حديث عليّ قال: "لما أرادوا أن يرفعوا الحجر "يعني قريشًا" اختصموا فيه، فقالوا: يحكم بيننا أول رجل يخرج من هذه السكة، قال: وكان رسول الله - ﷺ - أول من خرج عليهم، فجعلوه في مرط، ثم رفعه جميع القبائل كلها، ورسول الله يومئذ رجل شاب يعني قبل البعثة" وفي رواية قال: "لما رأوا النبي - ﷺ - قد دخل قالوا: قد جاء الأمين" (٢).
المبحث الثاني عشر: تسليم الحجر عليه قبل النبوة
٤٦ - من حديث جابر بن سمرة قال: قال رسول الله - ﷺ - "إنّي لأعرف حجرًا بمكة كان يسلم عليَّ قبل أن أبعث، إني لأعرفه الآن" (٣).
_________________
(١) أخرجه البخاري في الصلاة، باب كراهية التعري في الصلاة. وغيرها، حديث: ٣٦٤، وفي الحج باب فضل مكة وبنيانها حديث: ١٥٨٢، وفي مناقب الأنصار، باب بنيان الكعبة حديث: ٣٨٢٩، ومسلم في الحيض، باب الاعتناء بحفظ العورة حديث:٣٤٠، وأحمد في المسند: ٣/ ٣١٠ - ٣١٣ كلهم من طريق عمرو بن دينار عن جابر.
(٢) المطالب العالية رقم: ٤٢٦٧، وفي مجمع الزوائد: ٨/ ٢٢٩، قال الهيثمي: رواه الطبراني في الأوسط، ورجاله رجال الصحيح، عمير بن حفص بن عمر الضرير، وخالد بن عرعره كلاهما ثقة. ويشهد له حديث السائب بن عبد الله عند أحمد: ٣/ ٤٢٥، وقال الهيثمي فيه: ٣/ ٢٩٢،٢٩١ "رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح، غير هلال بن خباب، ومو ثقة وفيه كلام" ورواه أيضًا الحاكم، وصححه على شرط مسلم، ووافقه الذهبي.
(٣) رواه مسلم في الصحيح، كتاب الفضائل، باب فضل نسب النبي، وتسليم الحجر عليه قبل النبوة رقم: ٢٢٧٧.
[ ٤٨ ]