١٤٧ - من حديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله - ﷺ - (قد رأيت دار هجرتكم، أريت سبخة ذات نخل بين لابتين وهما حرتان) " فخرج من كان مهاجرا قبل المدينة حين ذكر ذلك رسول الله - ﷺ -.
ورجع إلى المدينة بعض من كان هاجر إلى أرض الحبشة من المسلمين" (١).
١٤٨ - ومن حديث أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ - (رأيت في المنام أني أهاجر من مكة إلى أرض بها نخل، فذهب وهلي (٢) إلى أنها اليمامة أو هجر، فهذا هي يثرب) (٣).
الفصل الأول ما يذكر من هجرة أصحاب الرسول قبل هجرته
المبحث الأول: السابقون إلى الهجرة من الصحابة إلى المدينة
١٤٩ - من حديث البراء بن عازب ﵄ قال: "أول من قدم علينا من أصحاب النبي - ﷺ - مصعب بن عمير وابن أم مكتوم، فجعلا يقرئاننا القرآن، ثم جاء عمار وبلال وسعد، ثم جاء عمر بن الخطاب في عشرين، ثم جاء النبي - ﷺ - فما رأيت أهل المدينة فرحوا بشيء فرحهم به، حتى رأيت الولائد والصبيان يقولون: هذا رسول الله - ﷺ - قد جاء" (٤).
_________________
(١) أخرجه أحمد في المسند: ٦/ ١٩٨ بسند صحيح، والحاكم في المستدرك: ٢/ ٣ - ٤ وصححه ووافقه الذهبي، وأخرجه البخاري تعليقًا في كتاب الكفالة باب جوار أبي بكر.
(٢) وهلي: اعتقادي هجر: مدينة معروفة وهي قاعدة البحرين.
(٣) أخرجه البخاري في مناقب الأنصار باب هجرة النبي وأصحابه، وفي المغازي باب من قتل من المسلمين يوم أحد رقم: ٤٠٨١، مسلم في الرؤيا باب رؤيا النبي - ﷺ - رقم: ٢٢٧٢.
(٤) أخرجه البخاري في مناقب الأنصار باب مقدم النبي وأصحابه رقم: ٣٩٢٤ - ٣٩٢٥، الطيالسي رقم: ٢٣٣٤: ٢/ ٩٤، أحمد في المسند انظر الفتح الرباني: ٢٠/ ٢٧٦، وأخرجه ابن سعد: ٤/ ١/ ١٥١، والحاكم: ٣/ ٦٣٤ ورجاله ثقات.
[ ١١٥ ]
المبحث الثاني: ما أصاب أبا سلمة وآله
١٥٠ - عن ابن إسحاق قال حدثني أبي إسحاق بن يسار، عن سلمة بن عبد الله بن عمر بن أبي سلمة، عن جدته، زوج النبي - ﷺ -، قالت: "لما أجمع أبو سلمة الخروج إلى المدينة رحل لي بعيره ثم حملني عليه، وحمل معي ابني سلمة بن أبي سلمة في حجري، ثم خرج لي يقود بي بعيره فلما رأته رجال بني المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم قاموا إليه، فقالوا: هذه نفسك غلبتنا عليها، أرأيت صاحبتك هذه؟ علام نتركك تسير بها في البلاد؟
قالت: فنزعوا خطام البعير من يده، فأخذوني منه. قالت: وغضب عند ذلك بنو عبد الأسد، رهط أبي سلمة، فقالوا: لا والله لا نترك ابننا عندها إذ نزعتموها من صاحبنا، قالت: فتجاذبوا ابني سلمة بينهم حتى خلعوا يده، وانطلق به بنو عبد الأسد، وحبسني بنوا المغيرة عندهم، وانطلق زوجي أبو سلمة إلى المدينة، قالت: ففرق بيني وبين زوجي وبين ابني.
قالت: فكنت أخرج كل غداة فأجلس بالأبطح، فما أزال أبكي، حتى أمسي سنة أو قريبًا منها حتى مر بي رجل من بني عمي أحد بني المغيرة، فرأى ما بي فرحمني، فقال لبني المغيرة: ألا تخرجون هذه المسكينة، فرقتم بينها وبين زوجها وبين ولدها! قالت: فقالوا لي: الحقي بزوجك إن شئت.
قالت: ورد بنو عبد الأسد إلى عند ذلك ابني. قالت: فارتحلت بعيري ثم أخذت ابني فوضعته في حجري، ثم خرجت أريد زوجي بالمدينة. قالت: وما معي أحد من خلق الله، قالت: فقلت: أتبلغ بمن لقيت حتى أقدم على زوجي، حتى إذا كنت بالتنعيم لقيت عثمان بن طلحة بن أبي طلحة، أخا بني عبد الدار، فقال لي: إلى أين يا بنت أبي أمية؟
قالت: فقلت: أريد زوجي في المدينة. قال: أوما معك أحد؟ قالت: لا والله، إلا الله وبني هذا.
قال: والله ما لك من مترك، فأخذ بخطام البعيم، فانطلق معي يهوي بي، فوالله ما صحبت رجلًا من العرب قط، أرى أنه وإن أكرم منه، وإن إذا بلغ المنزل أناخ بي، ثم استأخر عني، حتى إذا نزلت استأخر بعيري، فحط عنه، ثم قيده في الشجرة، ثم تنحى عني إلى شجرة، فاضطجع تحتها، فهذا دنا
[ ١١٦ ]
الرواح، قام إلى بعيري فقدمه فرحله، ثم استأخر عني، وقال: اركبي، فإذا ركبت واستويت على بعيري أتى فأخذ بخطامه، فقاده، حتى ينزل بي، يصنع ذلك بي حتى أقدمني المدينة، فلما نظر إلى قرية بني عمرو بن عوف بقباء. قال: زوجك في هذه القرية -وكان أبو سلمة نازلًا فادخليها على بركة الله، ثم انصرف راجعًا إلى مكة.
قال: فكانت تقول: والله ما أعلم أهل بيت في الإِسلام أصابهم ما أصاب آل أبي سلمة، وما رأيت صاحبًا قط كان أكرم من عثمان بن طلحة" (١).
المبحث الثالث: قصة عياش بن أبي ربيعة وهشام بن العاص وإعادتهم
١٥١ - من حديث عمر بن الخطاب ﵁ قال: "اجتمعنا للهجرة أوعدت أنا وعياش بن أبي ربيعة وهشام بن العاص الميضاة، ميضاة بني غفار فوق شرف، وقلنا: أيكم لم يصبح عندها فقد احتبس فليمض صاحباه، فحبس عنا هشام بن العاص، فلما قدمنا منزلنا في بني عمرو بن عوف، وخرج أبو جهل ابن هشام والحارث بن هشام إلى عياش بن أبي ربيعة وكان ابن عمهما، وأخاهما لأمهما، حتى قدما علينا المدينة فكلماه فقالا له: إن أمك نذرت أن لا تمس رأسها مشط حتى تراك، فرق لها.
فقلت له: يا عياش والله إن يُردكَ القوم إلا عن دينك فاحذرهم، فوالله لو قد آذى أمك القمل لامتشطت، ولو قد اشتد عليها حر مكة أحسبه قال لامتشطت، قال: إن لي هناك مالًا فآخذه قال: قلت: والله إنك لتعلم أني من أكثر قريش مالًا ذلك نصف مالي، ولا تذهب معهما، فأبى إلا يخرح معهما، فقلت له: لما أبي علي: أما إذ فعلت فخذ ناقتي هذه، فإنها ناقة ذلول فالزم ظهرها فإن رابك من القوم ريب فانخ عليها.
فخرج معهما عليها حتى إذا كان ببعض الطريق قال أبو جهل بن هشام: والله لقد استبطأت بعيري هذا، أفلا تحملني على ناقتك هذه. قال: بلى فأناخ وأناخا ليتحول عليها، فلما استووا بالأرض عديا عليه فأوثقاه، ثم أدخلاه مكة وفتناه فافتتن، قال: فكنا نقول: والله لا يقبل الله ممن افتتن صرفا ولا عدلًا، ولا يقبل
_________________
(١) ابن هشام في السيرة: ١/ ٤٦٩ - ٤٧٠ من طريق ابن إسحاق وقد صرح بالسماع وعنده رجاله ثقات، فالحديث صحيح.
[ ١١٧ ]
توبة قوم عرفوا الله، ثم رجعوا إلى الكفر لبلاء أصابهم.
قال: وكانوا يقولون ذلك لأنفسهم فلما قدم رسول الله - ﷺ - المدينة، أنزل الله -﷿- فيهم وفي قولنا لهم وقولهم لأنفسهم ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ إلى قوله ﴿وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾.
قال عمر: فكتبتها في صحيفة وبعثت بها إلى هشام بن العاص قال هشام: فلم أزل أقرؤها بذي طوى أصعد بها فيه حتى فهمتها، قال: فألقي في نفسي أنها إنما نزلت فينا، وفيما كنا نقول في أنفسنا، ويقال فينا، فرجعت فجلست على بعيري، فلحقت برسول الله - ﷺ - بالمدينة" (١).
_________________
(١) قال الهيثمي في المجمع: ٦/ ٦١ رواه البزار ورجاله ثقات. كشف الأستار رقم: ١٧٤٦: ٢/ ٣٠٢، ابن هشام في السيرة: ١/ ٤٧٤ - ٤٧٥، بسند رجاله ثقات صرح في ابن إسحاق بالتحديث فقال حدثني نافع مولى ابن عمر عن عبد الله بن عمر بن الخطاب، ورواه البيهقي في الدلائل: ٢/ ٤٦١ - ٤٦٢، والبيهقي في السنن: ٩ / ص ١٣ - ١٤، من طريق ابن إسحاق. فالحديث صحيح.
[ ١١٨ ]
الفصل الثاني هجرة رسول الله إلى المدينة
المبحث الأول: الإذن للرسول ﵊ بالهجرة
١٥٢ - من حديث ابن عباس ﵄ قال: (كان رسول الله - ﷺ - بمكة فأمر بالهجرة وأنزل عليه ﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا﴾ (١) (٢).
المبحث الثاني: التخطيط للهجرة والرعاية الربانية
١ - صحبة أبي بكر للرسول ﵊
١٥٣ - من حديث علي بن أبي طالب كرم الله وجهه أن النبي - ﷺ - قال لجبريل: (من يهاجر معي؟ قال: أبو بكر الصديق) (٣).
١٥٤ - ومن حديث عائشة ﵂ قالت: (بينما نحن يومًا جلوس في بيت أبي بكر في نحو الظهيرة قال قائل لأبي بكر: هذا رسول الله - ﷺ - متقنعًا في ساعة لم يكن يأتينا فيها، فقال أبو بكر فدى له أبي وأمي، والله ما جاء به في هذه الساعة إلا أمر.
قالت: فجاء رسول الله - ﷺ -، واستأذن، فأذن له، فدخل، فقال النبي لأبي بكر: أخرج من عندك" فقال أبو بكر: إنما هم أهلك بأبي أنت يا رسول الله، قال: فإني قد أذن لي في الخروج" فقال أبو بكر: الصحابة (٤) بأبي أنت يا رسول الله، قال: رسول الله - ﷺ -: نعم، قال أبو بكر: فخذ بأبي أنت يا رسول الله إحدى راحلتي هاتين، قال رسول الله - ﷺ -: بالثمن" (٥).
_________________
(١) سورة الإسراء: ٨٠.
(٢) أخرجه الترمذي في سننه التفسير وفي سورة بني إسرائيل رقم: ٣١٣٩ وقال حديث حسن صحيح، والحاكم في المستدرك: ٣/ ٣ وقال صحيح في الإسناد ووافقه الذهبي. وفي سنده قابوس بن أبي ظبيان لينه الحافظ في التقريب ومع ذلك صححه الترمذي والحاكم ووافقه الذهبي.
(٣) الحاكم في المستدرك: ٣/ ٥ وقال صحيح الإسناد والمتن ووافقه الذهبي وقال صحيح غريب.
(٤) الصحابة: أريد المصحابة.
(٥) الحديث صحيح انظر حديث رقم: ١١٩.
[ ١١٩ ]
٢ - نوم علي في فراش النبي ﷺ ليلة الهجرة
١٥٥ - عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: "شرى علي نفسه، ولبس ثوب النبي - ﷺ -، ثم نام مكانه: وكان المشركون يرمون رسول الله - ﷺ -، وقد كان رسول الله عليه وآله وسلم ألبسه بردة، وكانت قريش تريد أن تقتل النبي - ﷺ -، فجعلوا يرمون عليًّا، ويرونه النبي - ﷺ -، وقد لبس برده، وجعل علي ﵁ يتضور، فهذا هو علي، فقالوا: إنك للئيم إنك لتتضور، وكان صاحبك لا يتضور، ولقد استنكرناه منك" (١).
١٥٦ - وقد جاء تفصيل قصة مكوثهم على باب الرسول ﵊، ووضعه ﵊ التراب على رؤوسهم وخروجه دون أن يروه، عن ابن إسحاق في السيرة فقال:
حدثني يزيد بن زياد عن محمَّد بن كعب القرظي قال: "لما اجتمعوا له، وفيهم: أبو جهل بن هشام فقال: وهم على بابه: إن محمدًا يزعم أنكم إن تابعتموه على أمره، كنتم ملوك العرب والعجم، ثم بعثتم من بعد موتكم، فجعلت لكم جنات كجنات الأردن، وإن لم تفعلوا كان له فيكم ذبح، ثم بعثتم من بعد موتكم، ثم جعلت لكم نار تحرقون فيها.
قال: وخرج رسول الله - ﷺ -، فأخذ حفنة من التراب في يده، ثم قال: (أنا أقول ذلك، أنت أحدهم)، وأخذ الله تعالى على أبصارهم عنه، فلا يرونه، فجعل ينثر ذلك التراب على رؤسهم وهو يتلو هؤلاء الآيات من يس ﴿يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (٢) إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٣) عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤) تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (٥)﴾ إلى قوله: ﴿فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ حتى فرغ رسول الله - ﷺ - من هؤلاء الآيات، ولم يبق منهم رجل إلا وقد وضع على رأسه ترابًا، ثم انصرف إلى حيث أراد أن يذهب.
فأتاهم آت فيمن لم يكن معهم، فقال: ما تنظرون ها هنا؟ قالوا: محمدًا، قال: خيبكم الله! قد والله خرج عليكم محمَّد، ثم ما ترك منكم رجلًا إلا
_________________
(١) أخرجه الحاكم في المستدرك: ٣/ ٤ وقال: هذ حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه وقد رواه أبو داود الطيالسي وغيره عن أبي عوانة بزيادة ألفاظ، ووافقه الذهبي. وأخرجه أحمد كما في الفتح الرباني: ٢٠/ ٢٧٩.
[ ١٢٠ ]
وضع على رأسه ترابًا، وانطلق لحاجته، أفما ترون ما بكم؟
قال: فوضع كل رجل منهم يده على رأسه، فإذا عليه تراب، ثم جعلوا يتطلعون فيرون عليا على الفراش متسجيًّا بِبُرد رسول الله - ﷺ -، فيقولون: والله إن هذا لمحمد نائمًا، عليه برده. فلم يبرحوا كذلك حتى أصبحوا فقام علي ﵁ عن الفراش فقالوا: والله لقد كان صدقنا الذي حدثنا" (١).
٣ - لجوء الرسول ﷺ وأبي بكر إلى الغار
١٥٧ - من حديث محمَّد بن سيرين قال: ذكر رجال على عهد عمر ﵁، فكأنهم فضلوا عمر على أبي بكر ﵄، قال: فبلغ ذلك عمر ﵁، فقال: والله لليلة من أبي بكر خير من آل عمر، وليوم من أبي بكر، خير من آل عمر، لقد خرج رسول الله - ﷺ - لينطلق إلى الغار ومعه أبو بكر، فجعل يمشي ساعة بين يديه وساعة خلفه، حتى فطن له رسول الله - ﷺ -، فقال: (يا أبا بكر ما لك تمشي ساعة بين يدي وساعة خلفي؟)
فقال: يا رسول الله! أذكر الطلب فأمشي خلفك، ثم أذكر الرصد فأمشي بين يديك، فقال: (يا أبا بكر، لو كان شيء أحببت أن يكون بك دوني)، قال: نعم والذي بعثك بالحق ما كانت لتكون من ملمة إلا أن تكون لي دونك، فلما انتهيا إلى الغار، قال أبو بكر: مكانك يا رسول الله حتى استبرئ لك الغار، فدخل واستبرأ حتى إذا كان في أعلاه، ذكر أنه لم يستبرئ الحجرة، فقال: مكانك يا رسول الله حتى استبرئ الحجرة، فدخل واستبرأ ثم قال: انزل يا رسول الله، فنزل فقال عمر: والذي نفسي بيده لتلك الليلة خير من آل عمر" (٢).
_________________
(١) أخرجه ابن هشام في السيرة: ١/ ٤٨٣ وإسناده رجاله ثقات وهو مرسل حسن، وأخرجه الطبري في تاريخه: ٢/ ٣٧٣، وأبو نعيم في الدلائل ص: ٦٤، وقد صرح ابن إسحاق بالتحديث، وله شاهد من حديث ابن عباس رقم: ١٥٥، ١٥٨، وبه يكون الحديث حسنًا.
(٢) أخرجه الحاكم في المستدرك: ٣/ ٦ وقال: حديث صحيح الإسناد على شرط الشيخين لولا إرسال فيه لم يخرجاه ووافقه الذهبي، وقال: صحيح مرسل، والحافظ في الفتح: ٧/ ٢٣٧ عن دلائل النبوة للبيهقي من مرسل محمَّد بن سيرين وقال: وذكره أبو القاسم البصري من مرسل ابن أبي مليكة نحوه، وذكر ابن هشام من زياداته عن الحسن البصري بلاغًا نحوه.
[ ١٢١ ]
٤ - نسج العنكبوت على باب الغار
١٥٨ - عن ابن عباس ﵄، قال: في قوله تعالى ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ﴾ قال: تشاورت قريش ليله بمكة، فقال بعضهم: إذا أصبح فأثبتوه بالوثاق -يريدون النبي - ﷺ - وقال بعضهم: بل اقتلوه، وقال بعضهم: بل أخرجوه، فأطلع الله -﷿- نبيه على ذلك، فبات علي على فراش النبي - ﷺ - تلك الليلة، وخرج النبي حتى لحق بالغار، وبات المشركون يحرسون عليًّا يحسبونه النبي - ﷺ -.
فلما أصبحوا ثاروا إليه فلما رأوه عليًّا رد الله مكرهم، فقالوا: أين صاحبك هذا؟ قال: لا أدري، فاقتصوا أثره، فلما بلغوا الجبل، خلط عليهم، فصعدوا في الجبل فمروا بالغار فرأوا على بابه نسج العنكبوت، فقالوا: لو دخل ها هنا لم يكن نسج العنكبوت على بابه فمكث فيه ثلاث ليال" (١).
تعمية أبصار المشركين عن إبصار رسول الله - ﷺ - وأبي بكر في الغار:
١٥٩ - من حديث أنس بن مالك ﵁: عن أبي بكر ﵁ قال: قلت للنبي - ﷺ - وأنا في الغار: لو أن أحدهم نظر تحت قدميه لأبصرنا.
فقال: (ما ظنك يا أبا بكر باثنين الله ثالثهما) (٢).
_________________
(١) أخرجه أحمد في المسند: ١/ ٣٤٨، عبد الرزاق في المصنف: ٥/ ٣٨٩، وذكره الحافظ في الفتح: ٧/ ٢٣٦ وقال سنده حسن، وحسن إسناده أيضًا ابن كثير في السيرة: ٢/ ٢٣٩، وقال: إسناد حسن وهو من أجود ما روي في قصة نسج العنكبوت على فم الغار"، ورواه الطبراني مطولًا ذاكرًا تفاصيل الهجرة وإسناده مرسل، وفيه ابن لهيعة وفيه كلام وحديثه حسن، انظر مجمع الزوائد: ٦/ ٥٢ - ٥٣، وزاد صاحب فتح القدير عزوه إلى: عبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه وغيرهم، انظر فتح القدير: ٢/ ٣٠٤، وقد رواه عبد الرزاق: ٥/ ٣٨٩ متقطعًا عن مقسم وقتادة، ومرة موصولا عن عائشة، ورواه الطبري في التاريخ: ٢/ ٣٧٢، ويشهد له مرسل الحسن أخرجه أبو بكر المروزي في مسند أبي بكر، وجاء من حديث أنس عند البزار، انظر كشف الأستار: ٢/ ٢٩٩، وابن سعد في الطبقات: ١/ ٢٩٩، والبيهقي في الدلائل: ٢/ ٤٧٣، وبهذا يكون الحديث حسنًا.
(٢) أخرجه البخاري في كتاب فضائل الصحابة باب مناقب المهاجرين وفضلهم منهم أبو بكر رقم: ٣٦٥٣، فتح الباري: ٧/ ٨، وفي مناقب الأنصار باب هجرة النبي رقم: ٣٩١٧، فتح الباري: ٧/ ٢٥٥، مسلم في صحيحه كتاب فضائل الصحابة باب فضائل أبي بكر الصديق: ٢٣٨١.
[ ١٢٢ ]
٥ - كيف كانا يحصلان على أخبار قريش والزاد واتفاقهما مع الدليل
١٦٠ - من حديث عائشة ﵂ قالت: (ثم لحق رسول الله وأبو بكر بغار في جبل ثور، ممم فأقمنا أو فمكثنا ممم فكمنا فيه ثلاث ليال، يبيت عندهما عبد الله بن أبي بكر وهو غلام شاب ثقف لقن، فيدلج من عندهما بسحر، فيصبح مع قريش بمكة كبائت، فلا يسمع أمرًا يكتادان (١) به إلا وسماه حتى يأتيهما بخبر ذلك حين يختلط الظلام، ويرعى عليهما عامر بن فهيرة مولى أبي بكر منحه من غنم، فيريحها عليهما حين تذهب ساعة من العشاء، فيبيتان في رَسْل -وهو لبن منحتهما ورضيفهما (٢) - حتى ينعق عامر بن فهيرة بغلس، يفعل ذلك في كل ليلة من تلك الليالي الثلاث.
واستأجر رسول الله - ﷺ - وأبو بكر رجلًا من بني الديل، وهو من بني عبد ابن عدي هاديًا خريتًا -والخريت الماهر بالهداية- قد غمس حلفًا في آل العاص بن وائل السهمي، وهو على دين كفار قريش، فأمناه، فدفعا إليه راحلتيهما، وواعداه غار ثور بعد ثلاث ليال براحلتيهما صبح ثلاث، وانطلق معهما عامر بن فهيرة والدليل، فأخذ بهما طريق السواحل" (٣).
_________________
(١) يكتادان: يطلب لهما فيه المكروه، وهو من الكيد.
(٢) رضيفهما: اللبن الموضوف: أي الذي وضعت فيه الحجارة المحماة بالشمس والنار لينعقد وتزول رخاوته.
(٣) سبق تخريجه رقم الحديث: ١١٩ - وقد رواه البخاري.
[ ١٢٣ ]
المبحث الثالث: ما يذكر عن أسماء في الهجرة
١ - ذات النطاق
١٦١ - قالت عائشة ﵂: "فجهزناهما (الراحلتين) احث الجهاز، وصنعنا لهما سفرة في جراب، فقطعت أسماء بنت أبي بكر قطعة من نطاقها، فربطت به على فم الجراب، فبذلك سميت ذات النطاق" (١).
٢ - قصة أسماء مع جدها وتعليله بالحجارة عن النقود
١٦٢ - من حديث أسماء بنت أبي بكر ﵂ قالت: "لما خرج رسول الله - ﷺ - وخرج معه أبو بكر احتمل أبو بكر ماله كله معه، خمسة آلاف درهم أو ستة آلاف درهم، قالت: وانطلق بها معه، قالت: فدخل علينا جدي أبو قحافة وقد ذهب بصره، فقال: والله إني لأراه قد فجعكم بماله مع نفسه.
قالت: قلت كلا يا أبت إنه قد ترك خيرًا كثيرا، قالت: فأخذت أحجارًا فتركتها فوضعتها في كوة ببيت كان أبي يضع فيها ماله، ثم وضعت عليها ثوبًا ثم أخذت بيده فقلت: يا أبت ضع يدك على هذا المال، قالت: فوضع يده عليه فقال: لا بأس إن كان قد ترك لكم هذا فقد أحسن، وفي هذا لكم بلاغ، قالت: لا والله ما ترك لنا شيئًا، ولكني أردت أن أسكن الشيخ" (٢).
المبحث الرابع: في الطريق إلى المدينة
١ - استراحة في القائلة وشربة لبن
١٦٣ - من حديث البراء بن عازب ﵄ قال: "اشترى أبو بكر ﵁ من عازب رحلًا بثلاثة عشر درهما، فقال أبو بكر لعازب: مر البراء فليحمل إليَّ رحلي، فقال عازب: لا، حتى تحدثنا كيف صنعت أنت ورسول الله - ﷺ - حين خرجتما من مكة والمشركون يطلبونكم.
_________________
(١) الحديث السابق.
(٢) أخرجه الحاكم في المستدرك: ٣/ ٥ - ٦، وقال صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه ووافقه الذهبي، وأحمد انظر الفتح الرباني: ٢٠/ ٢٨٢، وابن هشام في السيرة ورجاله ثقات: ١/ ٤٨٨، وقال الهيثمي في المجمع: ٦/ ٥٩ رواه أحمد والطبراني رجال أحمد رجال الصحيح غير ابن إسحاق وقد صرح بالسماع.
[ ١٢٤ ]
قال: ارتحلنا من مكة فأحيينا -أو سرينا- ليلتنا ويومنا حتى أظهرنا، وقام قائم الظهيرة، فرميت ببصري هل أرى من ظل فآوي إليه، فإذا صخرة أتيتها، فنظرت بقية ظل لها فسويته، ثم فرشت للنبي - ﷺ - فيه، ثم قلت له: اضطجع يا نبي الله، فاضطجع النبي - ﷺ -، ثم انطلقت أنظر ما حولي: هل أرى من الطلب أحدا؟ فإذا أنا براعي غنم يسوق غنمه إلى الصخرة، يريد منها الذي أردنا، فسألته، لمن أنت يا غلام؟ فقال لرجل من قريش سماه فعرفته، فقلت: هل في غنمك من لبن؟ قال: نعم. قلت: فهل أنت حالب لنا. قال: نعم، فأمرته فاعتقل شاة من غنمه، ثم أمرته أن ينفض ضرعها من الغبار، ثم أمرته أن ينفض كفيه، فقال: هكذا، ضرب إحدى كفيه بالأخرى فحلب لي كثبة من لبن.
وقد جعلت لرسول الله - ﷺ - أداوة على فمها خرقها، فصببت على اللبن حتى برد أسفله، فانطلقت به إلى النبي - ﷺ - فوافقته قد استيقظ، فقلت: اشرب يا رسول الله، فشرب حتى رضيت، ثم قلت: قد آن الرحيل يا رسول الله، قال: (بلى) فارتحلنا والقوم يطلبوننا، فلم يدركنا أحد منهم غير سراقة بن مالك بن جعشم على فرس له: فقلت: هذا الطلب قد لحقنا يا رسول الله، فقال: (لا تحزن، إن الله معنا) (١).
١٦٤ - ومن حديث قيس بن النعمان ﵁ قال: "لما انطلق النبي - ﷺ - وأبو بكر مستخفين مرا بعبد يرعى غنمًا، فاستسقياه من اللبن، فقال: ما عندي شاة تحلب غير أن ها هنا عناقا حملت أول الشتاء، وقد أخدجت وما بقي لها لبن، فقال: (ادع بها) فدعا بها، فاعتقلها النبي - ﷺ - ومسح ضرعها ودعا حتى أنزلت، قال: وجاء أبو بكر ﵁ بمجن فحلب فسقى أبا بكر، ثم حلب فشرب، فقال الراعي: بالله من أنت؟ فوالله ما رأيت مثلك قط! قال: (أوتراك تكتم علي حتى أخبرك؟) قال: نعم. قال: (فإني محمَّد رسول الله). فقال: أنت الذي تزعم قريش أنه صابئ، قال (إنهم ليقولون ذلك). قال:
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه كتاب فضائل الصحابة باب مناقب المهاجرين وفضلهم ومنهم أبو بكر رقم: ٣٦٥٢، فتح الباري: ٧/ ٨، وانظر: ٣٤٣٩، ٣٦١٥، ٣٩١٧، مسلم في صحيحه كتاب الزهد باب في حديث الهجرة ويقال له حديث الرحل رقم: ٢٠٠٩ صفحة: ٤/ ٢٣٠٩ - ٢٣١٠، وأحمد في المسند: ١/ ٢ - ٣. * أخدجت: ألقت ولدها.
[ ١٢٥ ]
فأشهد أنك نبي، وأشهد أن ما جئت به حق، وأنه لا يفعل ما فعلت إلا نبي، وأنا متبعك، قال: (إنك لا تستطيع ذلك يومك، فإذا بلغك أني قد ظهرت فأتنا) (١).
٢ - حديث سراقة بن مالك
١٦٥ - من حديث سراقة بن مالك بن جعشم ﵁ قال: "جاءنا رسل كفار قريش يجعلون في رسول الله - ﷺ - وأبي بكر دية كل واحد منهما لمن قتله أو أسره، فبينما أنا جالس في مجلس من مجالس قومي بني مدلج، إذا أقبل رجل منهم، حتى قام علينا ونحن جلوس فقال: يا سراقة إني قد رأيت آنفًا أسودة بالساحل أراهما محمدًا وأصحابه، قال سراقة: فعرفت أنهم هم، فقلت: إنهم ليسوا بهم، ولكنك رأيت فلانًا وفلانًا انطلقوا بأعيننا.
ثم لبثت في المجلس ساعة، ثم قمت فدخلت فأمرت جاريتي أن تخرج بفرسي -وهي من وراء أكمة- فتحبسها علي، وأخذت رمحي فخرجت به من ظهر البيت فخططت بزجه الأرض، وخفضت عاليه، حتى أتيت فرسي، فركبتها، فرفعتها تقرب لي، حتى دنوت فعثرت بي فرسي فخررت عنها، فقمت فأهويت يدي إلى كنانتي، فاستخرجت منها الأزلام، فاستقسمت بها: أضرهم أم لا؟ فخرج الذي أكره.
فركبت فرسي -وعصيت الأزلام- تقرب بي، حتى إذا سمعت قراءة رسول الله - ﷺ -، وهو لا يلتفت، وأبو بكر يكثر الالتفات، ساخت يدا فرسي في الأرض حتى بلغتا الركبتين، فخررت عنها، ثم زجرتها، فنهضت فلم تكد تخرج يديها، فلما استوت قائمة إذا لأثر يديها عنان ساطع في السماء مثل الدخان، فاستقسمت بالأزلام فخرج الذي أكره، فناديتهم بالأمان، فوقفوا، فركبت فرسي حتى جئتهم، ووقع في نفسي حين لقيت ما لقيت من الحبس عنهم أن سيظهر أمر رسول الله - ﷺ -، فقلت له:
إن قومك قد جعلوا فيك الدية، وأخبرتهم أخبار ما يريد الناس بهم،
_________________
(١) أخرجه الحاكم في المستدرك: ٣/ ٨ - ٩، وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي، وقال: صحيح، المطالب العالية رقم: ٤٢٩٥، رواه أبو يعلى بإسناد رواته ثقات كذا قال البوصيري، وقال الهيثمي في المجمع: ٦/ ٥٨ رواه البزار ورجاله رجال الصحيح، كشف الأستار عن زوائد البزار: ١٧٤٣.
[ ١٢٦ ]
وعرضت عليهم الزاد والمتاع، فلم يرزآني، ولم يسألاني إلا أن قال: (أخف عنا). فسألته أن يكتب لي كتاب أمن، فأمر عامر بن فهيرة فكتب في رقعة من أدم، ثم مضى رسول الله - ﷺ - (١).
ذكاء أبي بكر حين سئل عن رسول الله ﷺ:
١٦٦ - من حديث أنس ﵁ قال: (أقبل نبي الله - ﷺ - إلى المدينة وهو مردف أبا بكر، وأبو بكر شيخ يعرف، ونبي الله - ﷺ - شاب لا يعرف، قال فيلقى الرجل أبا بكر فيقول: يا أبا بكر من هذا الرجل الذي بين يديك؟
فيقول: هذا الرجل يهديني السبيل، قال فيحسب الحاسب أنه إنما يعني الطريق، وإنما يعني سبيل الخير. فالتفت أبو بكر فهذا هو بفارس قد لحقهم، فقال: يا رسول الله هذا فارس قد لحق بنا، فالتفت نبي الله - ﷺ - فقال: (اللهم اصرعه)، فصرعه الفرس، ثم قامت تحمحم، فقال: يا نبي الله مرني بما شئت. قال: (فقف مكانك لا تتركن أحدًا يلحق بنا)، قال فكان أول النهار جاهدًا على نبي الله - ﷺ -، وكان آخر النهار مسلمة له" (٢).
٣ - حديث أم معبد الخزاعية
١٦٧ - من حديث هشام بن حبيش عن أبيه حبيش بن خالد صاحب رسول الله - ﷺ -: (أن رسول الله - ﷺ - خرج من مكة مهاجرًا إلى المدينة، وأبو بكر ﵁ ومولى أبي بكر عامر بن فهيرة، ودليلهما الليثي عبد الله بن أريقط مروا على خيمتي أم معبد الخزاعية، وكانت امرأة برزة جلدة، تحتبي بفناء الخيمة، ثم تسقي وتطعم.
فسألوها لحمًا وتمرًا ليشتروا منها فلم يصيبوا عندها شيئًا من ذلك، وكان القوم مرملين مسنتين، فنظر رسول الله - ﷺ - إلى شاة في كسر الخيمة، فقال: (ما
_________________
(١) أخرجه البخاري في مناقب الأنصار باب هجرة النبي - ﷺ - حديث رقم: ٣٩٠٦، فتح الباري: ٧/ ٢٣٨، ومسلم في الزهد باب حديث الهجرة: ٢٠٠٩، وابن سعد في الطبقات مختصرًا: ١/ ٢٣٢، وأحمد في المسند: ٤/ ١٧٦، وعبد الرزاق في المصنف: ٥/ ٣٩٢ - ٣٩٤. والبيهقي في الدلائل: ٢/ ٤٨٤، والحاكم في المستدرك: ٣/ ٦ - ٧. وقال صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاء وأقره الذهبي. وأشار إلى أن البخاري ومسلم قد أخرجاه، وابن هشام في السيرة: ١/ ٤٨٩.
(٢) أخرجه البخاري في مناقب الأنصار باب هجرة النبي - ﷺ - حديث رقم: ٣٩١١ فتح الباري: ٧/ ٢٤٩، وأحمد كما في الفتح الرباني: ٢٠/ ٢٨٨.
[ ١٢٧ ]
هذه الشاة يا أم معبد؟) قالت: شاة خلفها الجهد عن الغنم. قال: (هل بها من لبن؟) قالت: هي أجهد من ذلك، قال: (أتأذنين لي أن أحلبها؟) قالت: بأبي أنت وأمي إن رأيت بها حلبًا فاحلبها.
فدعا بها رسول الله - ﷺ - فمسح بيده ضرعها، وسمى الله تعالى ودعا لها في شاتها فتفاجت عليه ودرت، فاجترت (١) فدعا بإناء يربض (٢) الرهط، فحلب فيه ثجًّا حتى علاه البهاء، ثم سقاها حتى رويت، وسقى أصحابه حتى رووا، وشرب آخرهم حتى أراضوا (٣) ثم حلب فيه الثانية على بدء حتى ملا الإناء، ثم غادره عندها، ثم بايعها -يعني على الإِسلام- ثم ارتحلوا عنها، فقل ما لبثت حتى جاءها زوجها أبو معبد يسوق أعنزًا عجافًا، يتساوكن هزالا مخهن قليل.
فلما رأى أبو معبد اللبن أعجبه قال: "من أين لك هذا يا أم معبد، والشاء عازب حائل ولا حلوب في البيت؟ " قالت: لا والله إلا أنه مر بنا رجل مبارك من حاله كذا وكذا قال: "صفيه لي يا أم معبد؟ ".
قالت: "رأيت رجلًا ظاهر الوضاءة أبلج الوجه، حسن الخلق لم تعبه تجلة، ولم تزريه صعلة، وسيم قسيم، في عينيه دعج، وفي أشفاره وطف، وفي صوته سهل، وفي عنقه سطع، وفي لحيته كثاثة، أزج أقرن، إن صمت فعليه الوقار، وإن تكلم سماه وعلاه البهاء، أجمل الناس وأبهاه من بعيد، وأحسنه وأجمله من قريب. حلو المنطق، فصل لا نزر ولا هذر، كان منطقه خرزات نظم يتحدرن، ربعة لا تشنأه من طول، ولا تقتحمه عين من قصر، غصن بين غصنين، فهو أنضر الثلاثة منظرًا، وأحسنهم قدرًا، له رفقاء يحفون به، إن قال سمعوا لقوله، وإن أمر تبادروا إلى أمره، محفود محشود، لا عابس ولا مفند.
قال أبو معبد: هذا والله صاحب قريش الذي ذكر لنا من أمره ما ذكر، ولقد هممت أن أصاحبه، ولأفعلن إن وجدت إلى ذلك سبيلًا، وأصبح صوت بمكة عاليًا، يسمعون الصوت، ولا يدرون صاحبه، وهو يقول:
_________________
(١) تفاجت: فرجت رجليها للحلب.
(٢) يربض الرهط: يبالغ في ريهم ويقلهم حتى يلصقهم بالأرض.
(٣) أراضوا: كرروا الشوب حتى بالغوا في الري.
[ ١٢٨ ]
جزى الله رب الناس خير جزائه رفيقين حلا خيمتي أم معبد
هما نزلاها بالهدى واهتدت به فقد فاز من أمسى رفيق محمَّد
فيا لقصي ما زوى الله عنكم به من فعال لا تجازى وسؤدد
ليهن أبا بكر سعادة جده بصحبته من يسعد الله يسعد
وليهن بني كعب مقام فتاتهم ومقعدها للمؤمنين بمرصد
سلوا أختكم عن شاتها وإنائها فإنكم إن تسألوا الشاة تشهد
دعاها بشاة حائل فتحلبت عليه صريما ضرة الشاة مزبد
فغادره رهنا لديها لحالب يرددها في مصدر بعد مورد (١) (٢)
كسوة الزبير ﵁ للنبي وأبي بكر ﵁:
١٦٨ - قال ابن شهاب الزهريّ أخبرني عروة بن الزبير "أن رسول الله - ﷺ - لقي الزبير في ركب من المسلمين كانوا تجارًا قافلين من الشام، فكسا الزبير رسول الله - ﷺ - ثياب بياض" (٣).
_________________
(١) أخرجه الحاكم في المستدرك: ٣/ ٩ - ١٠ وقال هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه وواففه الذهبي، وقال صحيح" وعزاه ابن حجر في الإصابة: ١/ ٣٠٩ للبغوي وابن شاهين وابن السكن وابن منده وغيرهم، وأخرجه الطبراني في الكبير: ٣٦٠٥ وأبو نعيم في الدلائل: ص ٢٨٢ - ٢٨٧. واللالكائي في اعتقاد أهل السنة والجماعة: ١٤٣٤ - ١٤٣٧. وللحديث شواهد من حديث جابر رواه البزار كما في كشف الأستار: ١٧٤٢. وأبي معبد الخزاعي رواه البيهقي ذكرهما الحافظ ابن كثير في السيرة: ٢/ ٢٥٨ - ٢٦٢ ابن سعد في الطبقات: ١/ ٢٣٠ - ٢٣٢. وله شاهد ثالث من حديث أبي بكر دون ذكر اسم أم معبد ذكره البيهقي في الدلائل: ٢/ ٤٩١، وإسناده حسن، كما قال ابن كثير، وقال البيهقي. هذه القصة شبيهة بقصة أم معبد والظاهر أنها هي والله أعلم قلت: وبهذه الشواهد يكون الحديث حسنًا إن شاء الله تعالى.
(٢) انظر شرح غريب الحديث في السيرة النبوية لابن هشام تعليق الخشني تحقيق الدكتور همام سعيد، ومحمد أبو صعليك: ٢/ ١٤٦ - ١٥٠.
(٣) أخرجه البخاري في مناقب الأنصار باب هجرة النبي - ﷺ -: ٣٩٠٦، وقال الحافظ: وصورته مرسل لكن وصله الحاكم من طريق معمر عن الزهريّ: ٣/ ١١ قال صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ووافقه الذهبي وقال: أخرجه البخاري، وأخرجه ابن هشام في السيرة: ١/ ٤٩٢.
[ ١٢٩ ]