الفصل الأول الأحداث والوقائع من قدوم النبي المدينة إلى غزوة بدر
المبحث الأول: قدوم النبي ﷺ - المدينة
١٦٩ - من حديث ابن شهاب عن عروة بن الزبير: "أن رسول الله - ﷺ - لقي الزبير في ركب من المسلمين كانوا تجارًا قافلين من الشام، فكسا الزبير رسول الله وأبا بكر ثياب بياض، ويسمع المسلمون بالمدينة مخرج رسول الله - ﷺ - من مكة، فكانوا يفدون كل غداة إلى الحرة، فينتظرونه حتى يردهم حر الظهيرة، فانطلقوا أيضًا بعدما أطالوا انتظارهم.
فلما آووا إلى بيوتهم، أوفى رجل من اليهود على أطم من آطامهم لأمر ينظر إليه، فبصر برسول الله وأصحابه مبيضين، يزول بهم السراب، فلم يملك اليهودي أن قال بأعلى صوته: يا معاشر العرب، هذا جدكم الذي تنتظرون، فثار المسلمون إلى السلاح، فتلقوا رسول الله - ﷺ - بظهر الحرة، فعدل بهم ذات اليمين حتى نزل في بني عمرو بن عوف، وذلك يوم الاثنين من شهر ربيع الأول. فقام أبو بكر للناس، وجلس رسول الله - ﷺ - صامتًا، فطفق من جاء من الأنصار ممن لم ير رسول الله - ﷺ -، يحيي أبا بكر، حتى أصابت الشمس رسول الله - ﷺ -، فأقبل أبو بكر حتى ظلل عليه بردائه، فعرف الناس رسول الله - ﷺ - عند ذلك.
فلبث رسول الله - ﷺ - في بني عمرو بن عوف بضع عشرة ليلة، وأسس المسجد الذي أسس على التقوى، وصلى فيه رسول الله - ﷺ -، ثم ركب راحلته، فسار يمشي معه الناس حتى بركت عند مسجد الرسول - ﷺ - بالمدينة، وهو يصلي فيه يومئذ رجال من المسلمين وكان مربدًا للتمر لسهيل وسهل غلامين يتيمين في حجر أسعد بن زرارة.
فقال رسول الله - ﷺ - حين بركت به راحلته: هذا إن شاء الله المنزل، ثم دعا
[ ١٣١ ]
رسول الله - ﷺ - الغلامين فساومهما بالمربد ليتخذه مسجدًا، فقالا: لا، بل نهبه لك يا رسول الله ثم بناه مسجدًا، وطفق رسول الله - ﷺ - ينقل معهم اللبن في بنيانه، ويقول -وهو ينقل اللبن:
هذا الحمال لا حمال خيبر هذا أبر ربنا وأطهر
ويقول:
اللهم إن الأجر أجر الآخرة فارحم الأنصار والمهاجرة
فتمثل بشعر رجل من المسلمين لم يسم لي". قال ابن شهاب: ولم يبلغنا في الأحاديث أن رسول الله - ﷺ - تمثل ببيت شعر تام غير هذه الأبيات (١).
المبحث الثاني: نزوله بفناء أبي أيوب وبناء المسجد
١٧٠ - من حديث أنس ﵁ قال: "لما قدم رسول الله - ﷺ - المدينة نزل في علو المدينة، في حي يقال لهم بنو عمرو بن عوف، قال: فأقام فيهم أربع عشرة ليلة، ثم أرسل إلى ملأ بني النجار، قال: فجاءوا متقلدي سيوفهم، قال: وكأني أنظر إلى رسول الله - ﷺ - على راحلته وأبو بكر ردفه وملأ بني النجار حوله، حتى ألقى بفناء أبي أيوب، قال: فكان يصلي حيث أدركته الصلاة، ويصلي في مرابض الغنم.
قال: ثم إنه أمر ببناء المسجد، فأرسل إلى ملأ بني النجار فجاءوا. فقال: يا بني النجار ثامنوني بحائطكم هذا، فقالوا: لا والله لا نطلب ثمنه إلا إلى الله. قال: فكان فيه ما أقول لكم: كانت فيه قبور المشركين، وكانت فيه خرب، وكان فيه نخيل.
فأمر النبي - ﷺ - بقبور المشركين وبالخرب فسويت، وبالنخل فقطعت، قال: فصفوا النخل قبلة المسجد، قال وجعلوا عضادتيه حجارة، وجعلوا ينقلون الصخر، وهم يرتجزون ورسول الله - ﷺ - معهم يقولون:
اللهم إنه لا خير إلا خير الآخرة فاغفر للأنصار والمهاجرة (٢)
_________________
(١) قد جاء جزء منه حديث رقم: ١٦٥ وحديث رقم: ١٦٨، فانظر تخريجه هناك -وقد جاء من حديث عبد الرحمن بن عويم بن ساعدة محمد ابن هشام في السيرة بإسناد رجاله ثقات نحو هذا: ١/ ٤٩٢.
(٢) أخرجه البخاري في مناقب الأنصار باب مقدم النبي وأصحاب إلى المدينة رقم: ٣٩٣٢ فتح الباري: ٢٦٥/ ٧، وفي المساجد باب هل تنبش قبور مشركي الجاهية ويتخذ مكانها مساجد، وفي فضائل المدينة باب =
[ ١٣٢ ]
المبحث الثالث: فرح أهل المدينة بمقدم الرسول ﷺ
١ - خروج الناس لاستقبال الرسول - ﵇ - حين قدم المدينة
١٧١ - من حديث البراء عن أبي بكر في حديث الهجرة فقال: (فقدمنا المدينة ليلًا، فتنازعوا أيهم ينزل عليه رسول الله - ﷺ - فقال: (أنزل علي بني النجار، أخوال عبد المطلب، أكرمهم بذلك) فصعد الرجال والنساء فوق البيوت وتفرق الغلمان والخدم في الطرق ينادون: يا محمَّد! يا رسول الله! يا محمَّد! يا رسول الله" (١).
٢ - إضاءة المدينة لمقدمه ﷺ وإظلامها لوفاته
١٧٢ - من حديث أنس ﵁ قال: "فما رأيت يومًا قط أنور ولا أحسن من يوم دخل رسول الله - ﷺ - وأبو بكر المدينة، وشهدت وفاته فما رأيت يومًا قط أظلم ولا أقبح من اليوم الذي توفي رسول الله - ﷺفيه" (٢).
٣ - لعب الحبشة بحرابها فرحًا بالرسول ﷺ
١٧٣ - من حديث أنس ﵁ قال: لما قدم رسول الله لعبت الحبشة بحرابهم فرحًا لقدومه" (٣).
_________________
(١) = حرم المدينة، وفي البيوع باب صاحب السلعة أحق بالسوم، ومسلم في المساجد باب ابتناء مسجد النبي - ﷺ - رقم: ٥٢٤ - أبو داود في الصلاة باب بناء المسجد: ٤٥٤، النسائي في المساجد باب نبش القبور واتخاذ أراضيها مساجد: ٢/ ٣٩ - ٤٠، ابن ماجه في المساجد باب أين يجوز بناء المساجد. ٧٤٢، وأحمد في المسند انظر الفتح الرباني: ٢١/ ٥ - ٦، ابن سعد في الطبقات: ١/ ٢٣٩ - ٢٤١، البيهقي في الدلائل: ٢/ ٥٣٩ - ٥٤٠، الطيالسي في المسند في منحة المعبود: ٢/ ٩٤ - ٩٥.
(٢) أخرجه البخاري في مناقب الصحابة باب مناقب المهاجرين: ٣٦٥٢ فتح الباري: ٧/ ٨، وفي الأنبياء باب علامات النبوة في الإِسلام، وفي الأشربة باب شرب اللبن، وفي اللقطة: باب من عرف اللقطة ولم يدفعها إلى السلطان، ومسلم: ٢٠٠٩، ٤/ ٢٣٠٩ في الزهد والرقائق: باب في حديث الهجرة.
(٣) أخرجه أحمد في المسند: ٣/ ١٢٢، والدارمي: ١/ ٤١ في المقدمة وإسناده صحيح، والحاكم في المستدرك: ٣/ ١٢، وقال صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه وأقره الذهبي وقال الهيثمي في المجمع: ٦/ ٥٩ - ٦٠، رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح.
(٤) أخرجه أبو داود في الأدب باب في الغناء: ٤٩٢٣، الفتح الرباني: ٢٠/ ٢٩٠ - ٢٩١ وسنده صحيح رجاله رجال الصحيح.
[ ١٣٣ ]
المبحث الرابع: مسائل عبد الله بن سلام حبر اليهود وإسلامه
١٧٤ - من حديث أبي أيوب الأنصاري ﵁: (أن النبي - ﷺ - نزل عليه، فنزل النبي في السفل وأبو أيوب في العلو. قال: فانتبه أبو أيوب ليلة فقال: نمشي فوق رأس رسول الله، فتنحوا، فباتوا في جانب، ثم قال للنبي - ﷺ -. فقال النبي - ﷺ - (السفل أرفق) فقال: لا أعلو سقيفة أنت تحتها، فتحول النبي - ﷺ - في العلو وأبو أيوب في السفل. فكان يصنع للنبي - ﷺ - طعاما. فإذا جيء به إليه سأل عن موضع أصابعه، فيتتبع موضع أصابعه، فصنع له طعاما فيه ثوم، فلما رد إليه سأل عن موضع أصابع النبي - ﷺ -، فقيل له: لم يأكل ففزع وصعد إليه. فقال: أحرام هو؟ فقال النبي - ﷺ -: (لا ولكني أكرهه) قال: فإني أكره ما تكره، أو ما كرهت، قال: وكان النبي - ﷺ - يؤتى؟!! " (١).
١٧٥ - من حديث أنس بن مالك ﵁ قال: إن عبد الله بن سلام بلغه مقدم النبي - ﷺ - المدينة، فأتاه يسأله عن أشياء فقال: إني سائلك عن ثلاث لا يعلمهن إلا نبي: ما أول أشراط الساعة؟ وما أول طعام يأكله أهل الجنة؟ وما بال الولد ينزع إلى أبيه أو إلى أمه؟ قال: أخبرني به جبريل آنفًا. قال: ذاك عدو اليهود من الملائكة، قال: أما أول أشراط الساعة فنار تحشرهم من المشرق إلى المغرب، وأما أول طعام يأكله أهل الجنة فزيادة كبد الحوت، وأما الولد فإذا سبق ماء الرجل ماء المرأة نزع الولد إلى أبيه، وإذا سبق ماء المرأة ماء الرجل نزع الولد إلى أمه. قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله. قال: يا رسول الله إن اليهود قوم بهت، فاسألهم عني قبل أن يعلموا بإِسلامي، فجاءت اليهود. فقال النبي - ﷺ -: أي رجل عبد الله بن سلام فيكم؟ قالوا: خيرنا وابن خيرنا، وأفضلنا وابن أفضلنا، فقال النبي - ﷺ -: أرأيتم إن أسلم عبد الله بن سلام؟ قالوا: أعاذه الله من ذلك. فأعاد عليهم فقالوا مثل ذلك. فخرج إليهم عبد الله. فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله. قالوا: شرنا وابن شرنا، وتنقصوه، قال: هذا ما كنت أخاف يا رسول الله" (٢).
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه كتاب الأشربة باب إباحة أكل الثوم وأنه ينبغي لمن أراد خطاب الكبار تركه رقم: ٢٠٥٣ - الترمذي كتاب الأطعمة باب كراهة أكل الثوم: ١٨٠٧، أحمد في المسند: ٥/ ٩٤ - ٩٥، ٩٦، ١٠٣، ١٠٦، البيهقي في الدلائل: ١٠/ ٥٠٩ - ٥١٠.
(٢) أخرجه البخاري في مناقب الأنصار باب كيف آخى النبي بين أصحابه رقم ٣٩٣٨ فتح الباري: ٧/ ٢٧٢، وكتاب مناقب الأنصار باب الهجرة رقم: ٣٩١١ فتح الباري: ٧/ ٢٤٩ - ٢٥٠.
[ ١٣٤ ]
المبحث الخامس: أول جمعة صلاها رسول الله ﷺ
من حديث ابن إسحاق قال: "نزل رسول الله - ﷺ - بقباء على كلثوم بن الهدم أخي بني عمرو بن عوف، ويقال بل نزل على سعد بن خيثم، فأقام في بني عمرو بن عوف وأدركته الجمعة في بني سالم بن عوف، فصلى الجمعة الكبرى في المسجد ببطن الوادي، قال ابن إسحاق: ثم نزل رسول الله على أبي أيوب، وأمر رسول الله - ﷺ - ببناء مسجده في تلك السنة" (١).
المبحث السادس: متى دخل النبي - ﷺ - المدينة
١٧٦ - من حديث عاصم بن عدي ﵁ قال: "قدم رسول الله - ﷺ - يوم الاثنين لاثنتي عشرة لية خلت من ربيع الأول فأقام بالمدينة عشر سنين" (٢).
المبحث السابع: المشاركة في بناء المسجد
١٧٧ - من حديث سفينة مولى رسول الله - ﷺ - قال: "لما بنى رسول الله - ﷺ - المسجد، جاء أبو بكر ﵁ بحجر فوضعه، ثم جاء عمر بحجر فوضعه، ثم جاء عثمان بحجر فوضعه، فقال رسول الله - ﷺ -: (هؤلاء ولاة الأمر من بعدي) (٣).
١٧٨ - من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: "كنا نحمل لبنة لبنة، وعمار لبنتين لبنتين، فرآه النبي - ﷺ -، فينفض التراب عنه ويقول: (ويح عمار تقتله الفئة الباغية، يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار). قال: يقول عمار: أعوذ باللهِ من الفتن" (٤).
_________________
(١) قال الهيثمي في المجمع: ٦/ ٦٢ - ٦٣، رواه الطبراني ورجاله ثقات: وانظر السيرة النبوية بتعليق الخشني: ٢/ ١٥٩.
(٢) قال الهيثمي في المجمع: ٦/ ٦٣ رواه الطبراني ورجاله ثقات، الطبراني في الكبير: ١٧/ ١٧٢.
(٣) أخرجه الحاكم في المستدرك: ٣/ ١٣، وقال صحيح الإسناد ولم يخرجاء ووافقه الذهبي وقال صحيح.
(٤) أخرجه البخاري في الصلاة باب التعاون في بناء المسجد رقم: ٤٤٧ فتح الباري: ١/ ٥٤١ ورقم: ٢٨١٢ في الجهاد. وانظر الفتح الرباني: ٢٣/ ٢٧٤ - مسلم في الفتن رقم: ٢٩١٥ - أحمد في المسند: ٣/ ٥ البيهقي في الدلائل: ٢/ ٥٤٨.
[ ١٣٥ ]
صفة مسجده:
١٧٩ - من حديث ابن عمر ﵄ قال: "كان المسجد على عهد رسول الله - ﷺ - مبنيًّا باللبن، وسقفه الجريد، وعمده خشب النخل" فلم يزد فيه أبو بكر شيئًا، وزاد فيه عمر وبناه على بنيانه في عهد رسول الله - ﷺ - باللبن والجريد وأعاد عمده خشبًا، ثم غيره عثمان فزاد فيه زيادة كثيرة، وبنى جداره بالحجارة المنقوشة والقصة، وجعل عمده من حجارة منقوشة، وسقفه بالساج" (١).
المبحث الثامن: ما أصاب المهاجرين من حمى المدينة
١٨٠ - من حديث عائشة ﵂ قالت: "قدمنا المدينة وهي وبيئة، فاشتكى أبو بكر، واشتكى بلال، فلما رأى رسول الله - ﷺ - شكوى أصحابه قال: (اللهم حبب إلينا المدينة، كما حببت مكة أو أشد وصححها، وبارك لنا في صاعها ومدها، وحول حماها إلى الجحفة) (٢).
١٨١ - من حديث عائشة ﵂ قالت: "لما قدم رسول الله - ﷺ - المدينة وعك أبو بكر وبلال، قالت: فدخلت عليهما، فقلت: يا أبت كيف تجدك؟ ويا بلال كيف تجدك؟ قالت: فكان أبو بكر ﵁ إذا أخذته الحمى يقول:
كل امرئ مصبح في أهله والموت أدنى من شراك نعله
وكان بلال إذا أقلع عنه الحمى يرفع عقيرته ويقول:
ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة بواد وحولي أذخر وجليل
وهل أردن يومًا مياه مجنة وهل يبدون لي شامة وطفيل
قالت عائشة فجئت رسول الله - ﷺ - فأخبرته، فقال: (اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد وصححها، وبارك لنا في صاعها ومدها، وانقل حماها،
_________________
(١) أخرجه البخاري في الصلاة باب بنيان المسجد رقم: ٤٤٦ فتح الباري: ١/ ٥٤٠، وانظر الفتح الرباني: ٢٣/ ٢٧٦.
(٢) أخرجه البخاري في مناقب الأنصار باب مقدم النبي وأصحابه المدينة رقم: ٣٩٢٦ فتح الباري: ٧/ ٢٦٢ وفي الدعوات باب الدعاء برفع الوباء والوجع، وفي فضائل المدينة باب حدثنا مسدد عن يحيى عن عبد الله بن عمر، وفي المرض باب عيادة النساء الرجال، وباب من دعا برفع الوباء والحمى، ومسلم في صحيحه الحج باب الترغيب في سكنى المدينة رقم: ١٣٧٦، والفتح الرباني: ٢١/ ١٢ - ١٣.
[ ١٣٦ ]
فاجعلها بالجحفة).
وفي رواية للبخاري: "أن بلالًا قال بعد شعره "اللهم العن شيبة بن ربيعة، وعتبة بن ربيعة وأمية بن خلف، كما أخرجونا من أرضنا إلى أرض الوباء، ثم قال رسول الله - ﷺ -: "اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد، اللهم بارك لنا في صاعنا وفي مدنا وصححها لنا، وانقل حماها إلى الجحفة). قالت: وقدمنا المدينة وهي أوبأ أرض الله، قالت: فكان بطحان يجري نجلا، تعني ماء آجنًا" (١).
١٨٢ - من حديث عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله - ﷺ - قال: (رأيت كان امرأة سوداء ثائرة الرأس خرجت من المدينة، حتى قامت بهيعة وهي الجحفة، فأولت أن وجاء المدينة نقل إليها) (٢).
مرض عائشة بالحمى:
١٨٣ - من حديث البراء عن أبي بكر ﵄ قال البراء: "فدخلت مع أبي بكر على أهله فإذا عائشة ابنته مضطجعة قد أصابتها حمى، فرأيت أباها يقبل خدها، وقال: كيف أنت يا بنية" (٣).
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب فضائل المدينة باب حدثنا مسدد عن يحيى عن عبيد الله بن عمر رقم: ١٨٨٩ وانظر التعليق السابق.
(٢) أخرجه البخاري في كتاب التعبير باب إذا رأى أنه أخرج الشيء من كوة وأسكنها موضعًا آخر، وباب المرأة السوداء: ١٢/ ٤٢٥ - ٤٢٦، رقم ٧٠٣٨، ٧٠٣٩، ٧٠٤٠، والترمذي كتاب الرؤيا باب ما جاء في رؤيا النبي الميزان والدلو رقم: ٢٢٩٠: وقال حسن صحيح غريب، وابن ماجه في التعبير باب تعبير الرؤيا رقم: ٣٩٢٤.
(٣) أخرجه البخاري في مناقب الأنصار باب هجرة النبي وأصحابه رقم: ٣٩١٨ فتح الباري: ٧/ ٢٥٥.
[ ١٣٧ ]
المبحث التاسع: المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار
قال السهيلي: "آخى بين أصحابه ليذهب عنهم وحشة الغربة، ويتأنسوا من مفارقة الأهل والعشيرة، ويشد بعضهم أزر بعض، فلما عز الإِسلام واجتمع الشمل وذهبت الوحشة أبطل المواريث، وجعل المؤمنين كلهم إخوة، وأنزل ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ يعني في التوادد وشمول الدعوة، واختلفوا في ابتدائها: فقيل بعد الهجرة بخمسة أشهر، وقيل: بتسعة، وقيل: وهو يبني المسجد" (١).
١٨٤ - من حديث أنس ﵁ قال: "قد حالف رسول الله - ﷺ - بين قريش والأنصار في داري" (٢).
١٨٥ - من حديث جابر بن عبد الله ﵄ قال: "كتب النبي - ﷺ - على كل بطن عقوله ثم كتب (أنه لا يحل لمسلم أن يتولى مولى رجل مسلم بغير إذنه) ثم أخبرت أنه لعن في صحيفته من فعل ذلك (٣).
١٨٦ - عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي - ﷺ -: "كتب كتابًا بين المهاجرين والأنصار أن يعقلوا معاقلهم، وأن يفدوا عانيهم بالمعروف، والإصلاح بين المسلمين" (٤).
١٨٧ - عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾ قال: ورثة ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ قال: كان المهاجرين لما قدموا على النبي - ﷺ - المدينة ورث المهاجر الأنصاري دون ذوي رحمه، للأخوة التي آخى النبي
_________________
(١) فتح الباري: ٧/ ٢٧٠.
(٢) أخرجه البخاري في كتاب الكفالة، باب قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ رقم: ٢٢٩٤، وجاء أيضًا بأرقام: ٦٠٨٣، ٧٣٤٠، ومسلم في صحيحه كتاب فضائل الصحابة باب مؤاخاة النبي بين أصحابه رقم: ٢٥٢٨.
(٣) أخرجه مسلم في كتاب العتق باب تحريم تولي العتيق غير مواليه رقم: ١٥٠٧، النسائي في القسامة باب صفة شبه العمد: ٨/ ٥٢، أحمد في المسند:٣/ ٣٢١، ٣٤٩،٣٤٢. * معاقلهم: المعاقل: الديات، العاني: الأسير، عقوله: العقول: الديات، والهاء ضمير البطن.
(٤) أخرجه أحمد في المسند: ١/ ٢٧١، ٢/ ٢٠٤، الفتح الرباني: ٢١/ ١٠، وقال الساعاتي: لم أقف عليه لغير الإِمام أحمد وسنده صحيح، وأورده الحافظ في تاريخه وقال: تفرد به أحمد، السيرة ابن كثير: ٢/ ٣٢٠ قلت: فيه حجاج بن أرطأة صدوق كثير الخطأ يدلس فالحديث إذن ليس كما قال الشيخ الساعاتي وإنما هو يشاهده عن جابر حسن. وأحاديث عمرو بن شعيب جلها حسنة إذا صح الإسناد إليه.
[ ١٣٨ ]
- ﷺ - بينهم، فلما نزلت ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾ نسخت. ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ إلا النصر والرفادة والنّصيحة -وقد ذهب الميراث- ويوصي له" (١).
١٨٨ - من حديث أنس ﵁: قال: (قالت المهاجرون: يا رسول الله ما رأينا مثل قوم قدمنا عليهم أحسن بذلًا من كثير، ولا أحسن مواساة في قليل، قد كفونا المؤنة وأشركونا في المهنأ، فقد خشينا أن يذهبوا بالأجر كله، قال: فقال رسول الله - ﷺ -: (كلا ما أثنيتم عليهم به، ودعوتم الله -﷿- لهم) (٢).
١٨٩ - من حديث أبي هريرة ﵁ قال: "قالت الأنصار: اقسم بيننا وبينهم النخيل، قال: (لا). قال: يكفوننا المئونة، ويشركوننا في الثمر، قالوا: سمعنا وأطعنا" (٣).
١٩٠ - من حديث أنس ﵁ قال: "قدم عبد الرحمن بن عوف فآخى النبي - ﷺ - بينه وبين سعد بن الربيع الأنصاري، فعرض عليه أن يناصفه أهله وماله، فقال عبد الرحمن: بارك الله لك في أهلك ومالك، دلني على السوق، فربح شيئًا من أقط وسمن، فرآه النبي - ﷺ - بعد أيام وعليه وضر من صفرة، فقال النبي - ﷺ -: (مهيم يا عبد الرحمن؟) قال: يا رسول الله تزوجت امرأة من الأنصار، قال: (فما سقت فيها؟) فقال: وزن نواة من ذهب. فقال النبي - ﷺ -: (أولم ولو بشاة) " (٤).
_________________
(١) أخرجه البخاري الكفالة باب قوله تعالى ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ رقم: ٢٢٩٢ وأرقام: ٤٥٨٠، ٦٧٤٧.
(٢) أخرجه أحمد في المسند: ٣/ ٢٠٤ وهو من ثلاثياته وسنده صحيح على شرط الشيخين، وأخرجه الترمذي في صفة القيامة برقم: ٢٤٨٧، وأبو داود في الأدب باب في شكر المعروف: ٤٨١٢، والبيهقي في السنن: ٦/ ١٨٣، وقال الترمذي حسن صحيح غريب من هذا الوجه.
(٣) أخرجه البخاري في مناقب الأنصار باب إخاء النبي بين المهاجرين والأنصار رقم: ٣٧٨٢.
(٤) أخرجه البخاري في منافب الأنصار باب إخاء النبي بين المهاجرين والأنصار رقم: ٣٧٨١، وباب كيف آخى النبي بين أصحابه رقم: ٣٩٣٧، مسلم النكاح رقم: ١٤٢٧، أبو داود في النكاح باب قلة المهر: ٢١٠٩، الترمذي في البر والصلة باب ما جاء في مواساة الأخ: ١٩٣٤، والنسائي في النكاح باب الهدية لمن عرس: ٦/ ١٣٧، والبيهقي في السنن: ٧/ ٢٣٦، ٢٣٧، وعبد الرزاق: ١٠٤١٠، وابن ماجة في النكاح باب الوليمة: ١٩٠٧، والدرامي: ٢/ ١٤٣ والحميدي: ١٢١٨. أحمد في المسند: ٣/ ١٥٢، ٣/ ١٩٠، ٢٠٤، ٢٧١، وقد جاء من حديث إبراهيم بن سعد بن عبد الرحمن بن عوف عن أبيه عن جده عند البخاري رقم: ٣٧٨٠ باب إخاء النبي بين المهاجرين والأنصار.
[ ١٣٩ ]
١٩١ - من حديث أنس قال: "آخى النبي بين أبي عبيدة وبين أبي طلحة" (١).
١٩٢ - "آخى النبي سلمان وأبي الدرداء" من حديث أبي جحيفة (٢).
١٩٣ - ومن حديث الزبير بن العوام قال: أنزل الله - ﷿ - فينا خاصة معشر قريش والأنصار ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ وذلك أنا معشر قريش لما قدمنا المدينة قدمنا ولا أموال لنا، فوجدنا الأنصار نعم الإخوان، فواخيناهم، ووارثناهم، فآخى أبو بكر ﵁ خارجة بن زيد، وآخى عمر ﵁ فلانًا، وآخى عثمان بن عفان ﵁ رجلًا من بني زريق بن سعد الزرقي، ويقول بعض الناس غيره، قال الزبير ﵁: وآخيت أنا كعب بن مالك، فجئته فابتعلته، فوجدت السلاح قد ثقله فيما يرى فوالله، يا بني لو مات يومئذ عن الدنيا ما ورثه غيري، حتى أنزل الله تعالى هذه الآية فينا معشر قريش والأنصار خاصة فرجعنا إلى مواريثنا" (٣).
المبحث العاشر: الوثيقة التي كتبها النبي في المدينة
لقد نظم النبي - ﷺ - العلاقات بين سكان المدينة، وكتب في ذلك كتابًا أوردته المصادر التاريخية، واستهدف هذا الكتاب أو الصحيفة توضيح التزامات جميع الأطراف داخل المدينة، وتحديد الحقوق والواجبات، وقد سميت في المصادر القديمة بالكتاب أو الصحيفة، وأطلقت عليها الأبحاث الحديثة لفظ الدستور والوثيقة.
أ - طرق ورود الوثيقة "الصحيفة":
ونظرًا لأهمية الوثيقة التشريعية إلى جانب أهميتها التاريخية، فلا بد من تحكيم مقاييس أهل الحديث فيها لبيان درجة قوتها أو ضعفها، وما ينبغي أن يتساهل فيها كما يفعل مع الروايات والأخبار التاريخية الأخرى.
_________________
(١) أخرجه مسلم في فضائل الصحابة باب مؤخاة النبي بين أصحابه رقم: ٢٥٢٨ - وأحمد في المسند: ٣/ ١٥٢، وأبو يعلى: ٣٣٢٠.
(٢) أخرجه البخاري في الصوم باب من أقسم على أخيه ليفطر في التطوع رقم: ١٩٦٨، وفي الأدب باب صنع الطعام والتكلف للضيف: ٦١٣٩، والترمذي في الزهد باب أعط كل ذي حق حقه: ٢٤١٥، وأبو يعلى: ٨٩٨.
(٣) تفسير ابن كثير: ٣/ ٤٦٨ في سورة الأحزاب آية: ٦ عن ابن أبي حاتم بسنده إلى الزبير وإسناده حسن.
[ ١٤٠ ]
أن أقدم من أورد نص الوثيقة كاملًا هو محمَّد بن إسحاق لكنه أوردها دون إسناد، ونقلها عنه ابن كثير وابن سيد الناس، وقد ذكر البيهقي إسناد ابن إسحاق للوثيقة التي تحدد العلاقات بين المهاجرين والأنصار دون البنود التي تتعلق باليهود، لذلك لا يمكن الجزم بأنه أخذها من نفس الطريق أيضًا.
وقد ذكر ابن سيد الناس أن ابن أبي خيثمة أورد الكتاب (الوثيقة)، فأسنده بهذا الإسناد، وحدثنا أحمد بن خباب أبو الوليد، حدثنا عيسى بن يوسف، حدثنا كثير بن عبد الله بن عمرو المزني، عن أبيه عن جده أن رسول الله - ﷺ - كتب كتابًا بين المهاجرين والأنصار فذكر بنحوه -أي بنحو الكتاب الذي أورده ابن إسحاق، ولكن يبدو أن الوثيقة وردت في القسم المفقود من تاريخ ابن أبي خيثمة إذ لا وجود لها فيما وصل إلينا منه.
كذلك وردت الوثيقة في كتاب الأموال لأبي عبيد القاسم بن سلام بإسناد آخر هو حدثني يحيى بن عبد الله بن بكير، وعبد الله بن صالح، قالا: حدثنا الليث ابن سعد، قال: حدثنا عقيل بن خالد، عن ابن شهاب أنه قال: بلغني أن رسول الله - ﷺ - كتب هذا الكتاب ..) وسرده.
كما وردت الوثيقة في كتاب الأموال لابن زنجويه من طريق الزهريّ أيضًا.
هذه هي الطرق التي وردت منها الوثيقة بنصها الكامل، والتطابق الكبير بين سائر الروايات سوى بعض التقديم والتأخير في العبارات، أو اختلاف بعض المفردات، أو زيادة بنود قليلة، ولا يؤثر هذا الاختلاف على مضمونها العام.
ب - مدى صحة الوثيقة:
اعتمد عدد من الباحثين المعاصرين على الوثيقة فبنوا عليها دراساتهم، في حين ذهب الأستاذ يوسف العش إلى أن الوثيقة موضوعة فهو يقول: إنها لم ترد في كتب الفقه والحديث الصحيح رغم أهميتها التشريعية، بل رواها ابن إسحاق بدون إسناد، ونقلها عنه ابن سيد الناس، وأضاف أن كثير بن عبد الله بن عمرو والمزني روى هذا الكتاب عن أبيه عن جده، وقد ذكر ابن حبان البستي: أن كثير المزني روى عن أبيه عن جده نسخة موضوعة لا يحل ذكرها في الكتب، ولا الرواية عنها إلا على جهة التعجب" ويرى العش أن ابن إسحاق اعتمد على رواية كثير لكنه تعمد حذف الإسناد.
[ ١٤١ ]
لقد ذهب الأستاذ العش إلى ذلك لأنه تصور أن الوثيقة لم يروها غير ابن إسحاق، ولم يعبر على إسناد لها سوى ما ذكر ابن سيد الناس من رواية ابن أبي خيثمة لها من طريق كثير المزني.
لكن أبا عبيد القاسم بن سلام أورد الوثيقة من طريق الزهريّ وهي طريق مستقلة لا صلة لها بكثير المزني. ونظرًا لكون ابن إسحاق من أبرز تلاميذ الزهريّ، فإن ثمة احتمال لأن يكون أورد الوثيقة من طريقه، لولا أن البيهقي ذكر إسناد ابن إسحاق للوثيقة التي تحدد العلاقات بين المهاجرين والأنصار دون أن تتناول البنود المتعلقة بيهود، ولا يمكن الجزم بأن ابن إسحاق أخذ البنود المتعلقة بيهود من هذه الطريق أو من طريق أخرى.
قال البيهقي: "أخبرني أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو العباس محمَّد بن يعقوب، حدثنا أحمد بن عبد الجبار، حدثنا يونس بن بكير، عن ابن إسحاق، قال: حدثني عثمان بن محمَّد بن المغيرة بن الأخنس بن شريق قال: أخذت من آل عمر بن الخطاب هذا الكتاب كان مقرونا بكتاب الصدقة".
والحديث بهذا الإسناد ضعيف؛ لأن عثمان تحملها وجادة، وفي الإسناد رجال فيهم ضعف مثل عثمان، فهو صدوق له أوهام، ويونس بن بكير يخطئ، والعطار ضعيف وتحمله للسيرة صحيح، فالرواية على ضعفها صالحة للاعتبار وقد توبعت وأن هذا النص يهدم الأساس الذي بنى عليه الأستاذ العش رأيه. كما أنه لا يمكن الحكم على الوثيقة بأنها موضوعة لأن كتب الحديث لم ترو نصًّا كاملًا!! فقد أوردت كتب الحديث مقتطفات كثيرة منها تغطي عددًا كبيرًا من بنودها.
وبذلك يتبين أن الحكم بوضع الوثيقة مجازفة، ولكن الوثيقة لا ترقى بمجموعها إلى مرتبة الأحاديث الصحيحة. فابن إسحاق في سيرته رواها دون إسناد مما يجعل روايته ضعيفه، وأوردها البيهقي من طريق ابن إسحاق أيضًا بإسناد فيه سعد بن المنذر وهو مقبول فقط، وابن أبي خيثمة أوردها من طريق كثير بن عبد الله المزني وهو يروي الموضوعات وأبو عبيد القاسم بن سلام رواها بإسناد منقطع يقف عند الزهريّ، وهو من صغار التابعين فلا يحتج بمراسيله".
ولكن نصوصًا من الوثيقة وردت في كتب الأحاديث بأسانيد متصلة وبعضها أوردها البخاري ومسلم، فهذه النصوص هي من الحديث الصحيح وقد احتج بها
[ ١٤٢ ]
الفقهاء وبنوا عليها أحكامهم. كما أن بعضها ورد في مسند الإِمام أحمد، وسنن أبي داود، وابن ماجه والترمذي، وهذه النصوص جاءت من طرق مستقلة عن الطرق التي وردت منها الوثيقة.
وإذا كانت الوثيقة بمجموعها لا تصلح للاحتجاج بها في الأحكام الشرعية، سوى ما ورد منها من كتب الحديث الصحيح، فإنها تصلح أساسًا للدراسة التاريخية التي لا تتطلب درجة الصحة التي تقتضيها الأحكام الشرعية، خاصة وأن الوثيقة وردت من طرق عديدة تتضافر في إكسابها القوة، كما وأن الزهريّ علم كبير من الرواد الأوائل في كتابة السيرة النبوية، ثم إن أهم كتب السيرة والمصادر التاريخية ذكرت موادعة النبي - ﷺ - لليهود، وكتابته بينه وبينهم كتابًا، كما ذكرت كتابته كتابًا بين المهاجرين والأنصار.
وقد جاء عند ابن كثير في البداية والنهاية: ٤/ ١٠٣ - ١٠٤ نقلًا عن موسى ابن عقبة: (وفيه أن بني قريظة مزقوا الصحيفة التي كان فيها العقد". والأثر موقوف عليه بدون إسناد، ولكن مجموع الآثار يتقوى بعضها ببعض وتصل إلى درجة الحسن لغيره.
كذلك فإن أسلوب الوثيقة ينم عن أصالتها، فنصوصها مكونة من جمل قصيرة بسيطة وغير معتدة التركيب، ويكثر فيها التكرار، وتستعمل كلمات وتعابير كانت مألوفة في عصر الرسول - ﵇ -، ثم قل استعمالها فيما بعد حتى أصبحت مغلقة على غير المتعمقين في دراسة تلك الفترة، وليس في هذه الوثيقة نصوص تمدح، أو تقدح فردًا، أو جماعة، أو تخص بالإطراء، أو الذم، لذلك يمكن القول بأنها وثيقة أصلية وغير مزورة، ثم إن التشابه الكبير بين أسلوب الوثيقة، وأساليب كتب النبي - ﷺ - الأخرى يعطيها توثيقًا آخر" (١).
ميثاق التحالف الإِسلامي:
وكما سبق ذكره تبين لنا أن رسول الله - ﷺ - قد عقد حلفًا بين المهاجرين والأنصار، وسأذكر بنود هذا الحلف من خلال الأحاديث الصحيحة الواردة في هذا الحلف:
_________________
(١) المجتمع المدني في عهد النبوة للدكتور أكرم ضياء العمري من صفحة: ١٠٧ - ١١٢ بتصرف قليل.
[ ١٤٣ ]
١٩٤ - من حديث علي ﵁ من روايات متعددة عنه من طرق عن عدد من التابعين وكل واحد منهم روى بعضها وكل ما ذكروه وارد فيها "الوثيقة أو الحلف".
من طريق إبراهيم التيمي، عن أبيه يزيد التيمي عن علي بن أبي طالب أن رسول الله - ﷺ - قال: (المدينة حرام ما بين عائر إلى كذا، من أحدث فيها حدثا أو آوى محدثًا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل منه صرف ولا عدل) وقال: (وذمة المسلمين واحدة، فمن أخفر مسلما فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل منه صرف ولا عدل، ومن تولى قوما بغير إذن مواليه فعليه لعنة الله والناس أجمعين لا يقبل منه صرف ولا عدل" (١).
١٩٥ - ومن طريق أبي جحيفة عن علي قال: فيها (الصحيفة) العقل وفكاك الأسير، ولا يقتل مسلم بكافر) (٢).
١٩٦ - ومن طريق أبي حسان الأعرج "بعد أن ذكر الحديث زاد (المؤمنون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، وهم يد على من سواهم، ألا لا يقتل مؤمن بكافر، ولا ذو عهد بعهده) وزاد أحمد: (إن إبراهيم حرم مكة؛ وإني أحرم ما بين حرتيها وحماها كله، لا يختلي خلاها ولا ينفر صيدها ولا تلتقط لقطتها، ولا يقطع منها شجرة إلا أن يعلف رجل بعيره، ولا يحمل فيها السلاح لقتال) (٣).
١٩٧ - ومن طريق أبي الطفيل (لعن الله من ذبح لغير الله، ولعن الله من سرق منار الأرض، ولعن الله من لعن والده، ولعن الله من آوى محدثا) (٤).
_________________
(١) أخرجه البخاري في فضائل المدينة باب حرم المدينة رقم: ١٨٧٠، ٣١٧٢، ٣١٧٦، ٦٧٥٥، ٧٣٠٠، ومسلم في الحج باب ضل المدينة: ١٣٧٠، أبو داود: المناسك باب في تحريم المدينة: ٢٠٣٤، والترمذي في الولاء باب ما جاء فيمن تولى غير مواليه: ٢١٢٨ وأحمد في المسند: ١/ ٨١، ١٢٦.
(٢) أخرجه البخاري في العلم باب كتابة العلم: ١١١، الجهاد، باب فكاك الأسير: ٣٠٤٧، الديات باب لا يقتل المسلم بالكافرة: ٦٩١٥، ٦٧٥٥ الترمذي الديات باب ما جاء لا يقتل مسلم بكافر: ١٤١٢، وابن ماجه: في الديات: ٢٦٥٨، النسائي في القسامة باب سقوط القود من المسلم للكافر: ٨/ ٢٤، والحميدي رقم: ٤٠، وأحمد: ١/ ٧٩، والطحاوي شرح معاني الآثار: ٣/ ١٩٢.
(٣) أخرجه أحمد في المسند: ١/ ١١٩، والثاثي القسامة باب القود بين المماليك والأحرار: ٨/ ٢٠ بدون قوله: إن إبراهيم).
(٤) أخرجه مسلم في كتاب الأضاحي باب تحريم الذبح لغير الله ولعن فاعله حديث رقم: ١٩٧٨.
[ ١٤٤ ]
١٩٨ - ومن طريق لإبراهيم التيمي قال: (فيها الجراحات وأسنان الإبل) (١).
يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني في فتح الباري:
والجمع بين هذه الأخبار أن الصحيفة المذكورة كانت مشتملة على مجموع ما ذكره، فنقل كل راو بعضها، وأتمها سياقًا طريق أبي حسان كما ترى والله أعلم (٢).
ومن الواضح أن هذه المقتطفات معظمها يطابق -نصًّا- ما ورد في الوثيقة: كما أنها تغطي معظم بنود الوثيقة المتعلقة بالتزامات المسلمين من المهاجرين والأنصار بعضهم تجاه بعض، ولكن ليس فيها إشارة إلى البنود المتعلقة بموادعة اليهود، مما يرجح أن الوثيقة في الأصل وثيقتان، وأن الصحيفة التي كانت معلقة بسيف رسول الله - ﷺ - ثم صارت عند علي ﵁ هي نفس الكتاب بين المهاجرين والأنصار (٣).
وهكذا يتبين أن الرسول - ﵇ - قد حالف بين الأنصار والمهاجرين في وثيقة خاصة بهم، ووادع اليهود في وثيقة أخرى، الأولى بعد بدر حدد فيها التزاماتهم بعضهم تجاه بعض، والثانية قبل بدر أول قدوم النبي المدينة، لكن المؤرخين جمعوا بين الوثيقتين" (٤).
وسأنقل نص الوثيقة كاملة وقد سبق التكلم عن صحتها وقوتها:
جـ - نص الوثيقة:
١ - هذا كتاب من محمَّد النبي (رسول الله) بين المؤمنين والمسلمين من قريش وأهل يثرب ومن تابعهم فلحق بهم وجاهد معهم.
٢ - إنهم أمة واحدة من دون الناس.
٣ - المهاجرون من قريش على ربعتهم يتعاقلون بينهم، وهم يفدون عانيهم بالمعروف والقسط بين المؤمنين.
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الجزية والموادعة باب ذمة المسلمين وجوارهم واحدة رقم: ٣١٧٢.
(٢) فتح الباري: ٤/ ٨٥.
(٣) المجتمع المدني: ٤/ ٨٥.
(٤) المصدر السابق: ص ١١٧ ببعض التصرف.
[ ١٤٥ ]
٤ - وبنو عوف على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين.
٥ - وبنو الحارث "بن الخزرج" على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى وكل طائفة تفدى عانيها بالمعروف.
٦ - وبنو ساعدة على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين.
٧ - وبنو جشم على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين.
٨ - وبنو النجار على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين.
٩ - وبنو عمرو بن عوف على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين.
١٠ - بنو النّبيت على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين.
١١ - وبنو الأوس على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين.
١٢ - وإن المؤمنين لا يتركون مفرحًا (١) بينهم أن يعطوه بالمعروف من فداء أو عقل.
(١٢ ب) وأن لا يحالف مؤمن مولى مؤمن دونه.
١٣ - وأن المؤمنين المتقين (أيديهم) على كل من بغى منهم أو ابتغى دسيعة ظلم (٢)، أو إثما، أو عدوانا أو فسادًا بين المؤمنين، وإن أيديهم عليهم جميعًا، ولو كان ولد أحدهم.
١٤ - ولا يقتل مؤمن مؤمنا في كافر، ولا ينصر كافرًا على مؤمن.
١٥ - وإن ذمة الله واحدة يجير أدناهم، وإن المؤمنين بعضهم موالي بعض دون الناس.
١٦ - وإنه من تبعنا من يهود فإن له النصرة والأسوة، غير مظلومين ولا متناصر
_________________
(١) المفرح: المثقل بالدين وكثير العيال.
(٢) دسيعة ظلم: الدسيعة هي العطية وهي ما يخرج من حلق البعير إذا رغا ومعناه ما: ما ينال فهم من ظلم.
[ ١٤٦ ]
عليهم.
١٧ - وإن سلم المؤمنين واحدة، لا يسالم مؤمن دون مؤمن في قتال في سبيل الله إلا على سواء وعدل بينهم.
١٨ - وإن كل غازية غزت معنا يعقب بعضها بعضًا.
١٩ - وإن المؤمنين يبيء (١) بعضهم عن بعض بما نال دماءهم في سبيل الله.
٢٠ - وإن المؤمنين المتقين على أحسن هدي وأقومه.
٢٠ ب - وأنه لا يجير مشرك مالًا لقريش ولا نفسًا ولا يحول دونه على مؤمن.
٢١ - لأنه من اعتبط (٢) مؤمنًا قتلًا عن بينة فإنه قود به، إلا أن يرضى ولي المقتول (بالعقل)، وأن المؤمنين عليه كافة، ولا يحل لهم إلا قيام عليه.
٢٢ - وإنه لا يحل لمؤمن أقر بما في هذه الصحيفة، وآمن بالله واليوم الآخر أن ينصر محدثًا أو يؤويه، وأن من نصره فإن عليه لعنة الله وغضبه يوم القيامة، ولا يؤخذ منه صرف ولا عدل.
٢٣ - وإنه مهما اختلفتم فيه من شيء فإن مرده إلى الله وإلى محمَّد.
٢٤ - وإن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين.
٢٥ - وإن يهود بني عوف أمة مع المؤمنين، لليهود دينهم وللمسلمن دينهم، مواليهم وأنفسهم إلا من ظلم نفسه وأثم لا يوتغ (٣) إلا نفسه وأهل بيته.
٢٦ - وإن يهود بني النجار مثل ما ليهود بني عوف.
٢٧ - وإن ليهود بني الحارث مثل ما ليهود بني عوف.
٢٨ - وإن ليهود بني ساعدة مثل ما ليهود بني عوف.
٢٩ - وإن ليهود بني جشم مثل ما ليهود بني عوف.
٣٠ - وإن ليهود بني الأوس مثل ما ليهود بني عوف.
٣١ - وإن ليهود بني ثعلبة ما ليهود بني عوف، إلا من ظلم وأثم، فإنه لا يوتغ إلا نفسه وأهل بيته.
٣٢ - وإن جفنة بطن من ثعلبة كأنفسهم.
_________________
(١) يبيء: يمنع ويكف.
(٢) اعتبط: قتل مؤمنًا من غير شيء يوجب قتله.
(٣) يرتغ: يهلك.
[ ١٤٧ ]
٣٣ - وإن لبني الشطيبة مثل ما ليهود بني عوف وأن البر دون الإثم.
٣٤ - وإن موالي ثعلبة كأنفسهم.
٣٥ - وإن بطانة يهود كأنفسهم.
٣٦ - وإنّه لا يخرج منهم أحد إلا بإذن محمَّد.
٣٦ ب - وإنه لا ينحجز على ثار جرح؛ لأنه من فتك فبنفسه وأهل بيته إلا من ظلم وأن الله على أبر هذا.
٣٧ - وإن على اليهود نفقتهم، وعلى المسلمين نفقتهم، وإن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة، وإن بينهم النصح والبر دون الإثم.
٣٧ ب - وإنه لا يأثم أمر بحليفه وإن النصر للمظلوم.
٣٨ - وإن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين.
٣٩ - وإن يثرب حرام جوفها لأهل هذه الصحيفة.
٤٠ - وإن الجار كالنفس غير مضار ولا آثم.
٤١ - وإنه لا تجار حرمة إلا بإذن أهلها.
٤٢ - وإنه ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث، أو اشتجار يخاف فساده فإن مرده إلى الله وإلى محمَّد رسول الله - ﷺ -، وإن الله على أتقى ما في هذه الصحيفة وأبره.
٤٣ - وأنه لا تجار قريش ولا من نصرها.
٤٤ - وإن بينهم النصر على من دهم يثرب.
٤٥ - وإذا دعوا إلى صلح يصالحونه ويلبسونه فإنهم يصالحونه ويلبسونه، وإنهم إذا دعوا إلى مثل ذلك فإن لهم على المؤمنين إلا من حارب في الدين.
٤٥ ب - على كل أناس حصتهم من جانبهم الذي قبلهم.
٤٦ - وإن يهود الأوس مواليهم وأنفسهم على مثل ما لأهل هذه الصحيفة مع البر المحض من أهل هذه الصحيفة، وإن البر دون الإثم لا يكسب كاسب إلا على نفسه، وإن الله على أصدق ما في هذه الصحيفة وأبره.
٤٧ - وإنه لا يحول هذا الكتاب دون ظالم أو آثم، وأنه من خرج آمن، ومن قعد آمن بالمدينة، إلا من ظلم وأثم، وإن الله جار عن بر وتقي، ومحمد
[ ١٤٨ ]
رسول الله (١).
ولقد حلل الأستاذ أكرم ضياء العمري حفظه الله هذه الوثيقة تحليلًا طيبًا، وكتب حولها بحثًا قيمًا في كتابه المجتمع المدني نقلت جزءًا كبيرًا منه لنفاسته وجودته، والله الموفق.
المبحث الحادي عشر: عبد الله بن الزبير "أول مولود بعد الهجرة"
١٩٩ - من حديث أسماء ﵂ أنها حملت بعبد الله بن الزبير، قالت: فخرجت وأنا متم، فأتيت المدينة، فنزلت بقباء فولدته بقباء، ثم أتيت به النبي - ﷺ - فوضعته في حجره، ثم دعا بتمرة فمضغها ثم تفل في فيه، فكان أول شيء دخل جوفه ريق رسول الله - ﷺ -، ثم حنكه بتمرة، ثم دعا له وبرك عليه، وكان أول مولود ولد في الإِسلام" (٢).
دخوله ﷺ بعائشة ﵂
٢٠٠ - من حديث عائشة ﵂: "تزوجني النبي وأنا بنت ست سنين، فقدمنا المدينة فنزلنا في بني الحارث بن الخزرج، فوعكت فتمزق شعري، فوفي جميمة، فأتتني أمي أم رومان -وإني لفي أرجوحة ومعي صواحب لي، فصرخت بي فأتيتها، لا أدري ما تريد بي، فأخذت بيدي حتى أوقفتني على باب الدار، وإني لأنهج حتى سكن بعض نفسي، ثم أخذت شيئًا من ماء فمسحت به وجهي ورأسي، ثم أدخلتني الدار، فإذا نسوة من الأنصار في البيت، فقلن: على الخير والبركة، وعلى خير طائر، فأسلمتني إليهن، فأصلحن من شأني، فلم يرعني إلا رسول الله - ﷺ - ضحى، فأسلمتني إليه، وأنا يومئذ بنت تسع سنين" (٣).
٢٠١ - وقد دخل النبي في شوال كما جاء ذلك عنها (٤).
_________________
(١) المجتمع المدني: ص ١١٩ - ١٢٢.
(٢) أخرجه البخاري في مناقب الأنصار باب هجرة النبي وأصحابه رقم: ٣٩٠٩، ومسلم في الأدب باب استحباب تحنيك المولود عند ولادته حديث: ٢١٤٦ وقد جاء أيضًا من حديث عائشة عند البخاري رقم: ٣٩١٠ ومسلم: ٢١٤٨.
(٣) أخرجه البخاري في مناقب الأنصار باب تزويج النبي عائشة رقم: ٣٨٩٤ وجاء بأرقام: ٣٨٩٦، ٥١٣٣، ٥١٣٤، ٥١٥٦، ٥١٥٨، ٥١٦٠، ومسلم في النكاح باب تزويج الأب البكر الصغيرة: ١٤٢٢.
(٤) أخرجه مسلم في النكاح باب استحباب التزويج في شوال: ١٤٢٣، الترمذي النكاح باب ما جاء في =
[ ١٤٩ ]
المبحث الثاني عشر: قصة الأذان ومشروعيته
٢٠٢ - من حديث عبد الله بن زيد قال: "لما أمر رسول الله وسلم بالناقوس ليضرب به للناس لجمع الصلاة، طاف بي وأنا نائم رجل يحمل ناقوسًا: فقلت: يا عبد الله أتبيع الناقوس؟ فقال: وما تصنع به؟ فقلت: ندعو به إلى الصلاة. قال: أفلا أدلك على خير من ذلك؟ فقلت: بلى فقال: تقول الله أكبر الله أكبر، الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي على الفلاح، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله.
قال: ثم استأخر عني غير بعيد ثم قال: وتقول إذا قمت إلى الصلاة: الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الفلاح، قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، فلما أصبحت أتيت رسول الله - ﷺ - فأخبرته بما رأيت، فقال: (إنها لرؤيا حق إن شاء الله، فقم مع بلال، فألق عليه ما رأيت فليؤذن به، فإنه أندى صوتًا منك).
وزاد أحمد في رواية "فقمت مع بلال، فجعلت ألقيه عليه، ويؤذن به، قال: فسمع ذلك عمر بن الخطاب وهو في بيته، فخرج يجر رداءه ويقول: والذي بعثك بالحق يا رسول الله لقد رأيت مثل ما رأى، فقال رسول الله - ﷺ -: (فلله الحمد) (١).
_________________
(١) = الأوقات التي يستحب فيها النكاح رقم: ١٠٩٣، وابن ماجه النكاح باب متى يستحب البناء بالنساء: ١٩٩٠.
(٢) أخرجه أبو داود في الصلاة باب كيف الأذان: ٤٩٩ الدارمي: ١/ ٢٦٩، الصلاة باب في بدء الأذان، ابن ماجه الأذان باب بدء الأذان رقم: ٧٠٦، البيهقي ١/ ٣٩١، أحمد في المسند: ٤/ ٤٣، الترمذي في الصلاة باب ما جاء في بدء الأذان رقم: ١٨٩ وقال حسن صحيح، والبخاري في خلق أفعال العباد ص: ٣٤ - ٣٥، وابن الجارود: ١٥٨، والدارقطني: ١/ ٣٤١، والسيرة النبوية لابن هشام: ٢/ ١٧٧، ١٧٨، وابن خزيمة: ٣٧١، وعبد الرزاق: ١٧٨٧. وقد صححه جماعة من الأئمة كالبخاري والذهبي والنووي وغيرهم- انظر نصب الراية: ١/ ٢٥٩ - ٢٦٠.
[ ١٥٠ ]
المبحث الثالث عشر: عبد الله بن أبي وإيذاؤه للنبي ﷺ
٢٠٣ - من حديث أسامة بن زيد قال: "إن النبي - ﷺ - ركب حمارًا، عليه إكاف تحته قطيفة فدكيه، وأردف وراءه أسامة، وهو يعود سعد بن عبادة في بني الحارث بن الخزرج. وذاك قبل وقعة بدر، حتى مر بمجلس فيه أخلاط من المسلمين والمشركين عبدة الأوثان، واليهود، فيهم عبد الله بن أبي، وفي المجلس عبد الله بن رواحة، فلما غشيت المجلس عجاجة الدابة، خمَّر عبد الله بن أبي أنفه بردائه ثم قال: لا تغبروا علينا.
فسلم عليهم النبي - ﷺ - ثم وقف فنزل، فدعاهم إلى الله وقرأ عليهم القرآن. فقال عبد الله بن أبي: أيها المرء! لا أحسن من هذا، إن كان ما تقول حقًّا، فلا تؤذنا في مجالسنا، وارجع إلى رحلك فمن جاءك فاقصص عليه.
فقال عبد الله بن رواحة: اغشنا في مجالسنا، فإنا نحب ذلك، قال: فاستب المسلمون والمشركون واليهود، حتى هموا أن يتواثبوا. فلم يزل النبي - ﷺ - يخفضهم، ثم ركب دابته حتى دخل على سعد بن عبادة، فقال: (أي سعد ألم تسمع إلى ما قال أبو حباب؟) -ويريد عبد الله بن أبي- (قال كذا وكذا) قال: اعف عنه يا رسول الله واصفح. فوالله! لقد أعطاك الله الذي أعطاك ولقد اصطلح أهل هذه البحيرة أن يتوجوه، فيعصبوه بالعصابة، فلما رد الله ذلك بالحق الذي أعطاكه، شرق بذلك، فذلك فعل به ما رأيت، فعفا عنه النبي - ﷺ -" (١).
_________________
(١) أخرجه البخاري في التفسير باب ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب رقم: ٤٥٦٦، ومسلم في الجهاد والسير باب في دعاء النبي - ﷺ - وصبره على أذى المنافقين رقم: ١٧٩٨. * أكاف: هو للحمار بمنزلة السرج للفرس، قطيفة: دثار مخمل. * عجاجة الدابة: ما ارتفع من غبار حوافرها. خمَّر أنفه: غطاه. يخفضهم: يسكنهم ويسهل الأمر بينهم شرق بذلك: غص ومعناه حسد النبي.
[ ١٥١ ]
المحبث الرابع عشر: الإذن بالقتال
٢٠٤ - قال الزهري أول آية نزلت في القتال كما أخبرني عروة عن عائشة ﵂ ﴿أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا﴾ (١).
٢٠٥ - ومن حديث ابن عباس ﵄ قال: "لما خرج رسول الله - ﷺ - من مكة قال أبو بكر: أخرجوا نبيهم، إنا لله وإنا إليه راجعون ليهلكن، فأنزل الله -﷿ - ﴿أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا﴾ (٢) وهي أول آية نزلت في القتال" (٣).
المبحث الخامس عشر: غزوة الأبواء
قال البخاري ﵀: "قال ابن إسحاق أول ما غزا رسول الله - ﷺ - الأبواء ثم بواط ثم العشيرة" (٤).
الأبواء: قرية من أعمال الفرع من المدينة بينها وبين الجحفة ثلاثة وعشرون ميلًا (٥).
أو ودان: قرية جامعة من أمهات القرى من عمل الفرع (٦). والأبواء وودان: مكانان متقاربان ليس بينهما إلا ستة أميال أو ثمانية أميال.
وكان خروجه - ﵇ - إلى الأبواء في صفر على رأس اثني عشر شهرًا من مهاجره (٧).
وقبل هذ الغزوة كان رسول الله - ﷺ - قد أرسل بعض السرايا وهي:
_________________
(١) فتح الباري: ٧/ ٢٨٠، وقال أخرجه النسائي وإسناده صحح، انظر السنن الكبرى، للنسائي التفسير باب قوله تعالى: ﴿أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا﴾ رقم: ١١٣٤٦.
(٢) سورة الحج: ٣٩.
(٣) أخرجه الترمذي في التفسير باب سورة الحج رقم: ٣١٧٠، والنسائي الجهاد باب وجوب الجهاد: ٦/ ٢، وفي الكبرى رقم: ١١٣٤٥، أحمد في المسند: ١/ ٢١٦، الحاكم في المستدرك: ٢/ ٦٦، وقال صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ووافقه الذهبي.
(٤) أخرجه البخاري في كتاب المغازي باب غزوة العشيرة أو العسيرة. ٣٩٤٩ من ضمن الترجمة للباب.
(٥) دلائل النبوة للبيهقي: ٣/ ٩.
(٦) السيرة النبوية ابن هشام: ١/ ٥٩١.
(٧) السيرة ابن هشام: ١/ ٥٩١.
[ ١٥٢ ]
١ - سرية حمزة بن عبد المطلب إلى سيف البحر من جهينه، فلقوا أبا جهل بن هشام فحجز بينهم مخشي بن عمرو الجهني وكان حليفًا للفريقين (١).
٢ - سرية عبيدة بن الحارث حتى بلغ ثنية المرة، فوجد هناك جمعًا للمشركين، ولم يكن بينهم قتال إلا أن سعد بن أبي وقاص قد رمى يومئذ بسهم، فكان أول سهم رمي في الإسلام، وفي هذه السرية فر من المشركين إلى المسلمين المقداد بن عمرو، وعتبة بن غزوان وكانا قد حبسا من قبل المشركين (٢).
واختلف أهل السير: أي البعثين كان أول: أبعث حمزة، أو بعث عبيدة. فقال ابن إسحاق أول راية عقدها رسول الله - ﷺ - وأول سرية بعثها عبيدة بن الحارث (٣)، قال ابن إسحاق: وبعض الناس يزعمون أن راية حمزة أول راية عقدها رسول الله - ﷺ - (٤).
وقال المدائني " أول سرية بعثها رسول الله - ﷺ -: حمزة بن عبد المطلب في ربيع الأول من سنة اثنتين إلى سيف البحر من أرض جهينة" (٥).
ويقول ابن إسحاق: "ويقول بعض الناس: كانت راية حمزة أول راية عقدها - ﷺ - لأحد من المسلمين، وذلك أن بعثه وبعث عبيدة كانا معًا، فشبه ذلك على الناس" (٦).
_________________
(١) ابن هشام: ١/ ٥٩٥، ابن سعد: ٢/ ٦، الطبري: ٢/ ٢٥٩، ٢٦٠، ابن كثير: ٢/ ٣٣٨ ابن سيد الناس: ١/ ٢٢٤.
(٢) ابن هشام: ١/ ٥٩١ ابن سعد: ٢/ ٧ ابن كثير: ٢/ ٣٣٨، ٣٣٩، ابن جرير: ٢/ ٢٦١.
(٣) أخرجه ابن هشام: ١/ ٥٩١.
(٤) ابن هشام: ١/ ٥٩٥.
(٥) دلائل النبوة للبيهقي: ٣/ ١٠ نقلا عن المدائني، ابن هشام: ٢/ ٢٢٨ - ٢٣٠، بينما هي في المغازي في رمضان من السنة الأولى للهجرة: مغازي الواقدي: ١/ ٢ البيهقي الدلائل: ٣/ ١٥.
(٦) أخرجه ابن هشام: ١/ ٥٩٥ - ٥٩٦.
[ ١٥٣ ]
المبحث السادس عشر: غزوة بواط
٢٠٧ - من حديث جابر بن عبد الله ﵄ قال:
"سرنا مع رسول - ﷺ - في غزوة بطن بواط، وهو يطلب المجدي بن عمرو الجهني، وكان الناضح يعقبه منا الخمسة والستة والسبعة، فدار عقبة رجل من الأنصار على ناضح له، فأناخه فركبه ثم بعثه فتلدن عليه بعض التلدن، فقال له: شأ لعنك الله. فقال رسول الله - ﷺ -: (من هذا اللاعن بعيره) فقال: أنا يا رسول الله. قال: (أنزل عنه، فلا تصحبنا بملعون، لا تدعوا على أنفسكم، ولا تدعوا على أولادكم، ولا تدعوا على أموالكم، لا توافقوا من الله ساعة يسأل فيها عطاء، فيستجيب لكم) (١).
وهي على رأس ثلاثة عشر شهرًا من مهاجره.
المبحث السابع عشر: غزوة العشيرة
٢٠٨ - عن أبي إسحاق قال: "كنت إلى جنب زيد بن أرقم، فقيل له: كم غزا النبي - ﷺ - من غزوة؟ قال: تسع عشرة، قال: كم غزوت أنت معه؟ قال سبع عشرة. قلت فأيهم كان أول؟ قال: العشير أو العشيرة، فذكرت ذلك لقتادة فقال العشيرة" (٢).
وعند الإمام أحمد لفظ آخر" عن أبي إسحاق قال: سألت زيد بن أرقم ﵁ كم غزا النبي - ﷺ - قال: تسع عشرة غزوة وغزوت معه سبع عشرة وسبقني بغزوتين" (٣).
قال الحافظ في الفتح: ٧/ ٢٨٠ - ٢٨١: كذا قال، ومراده الغزوات التي خرج النبي - ﷺ - فيها بنسفه سواء قاتل أو لم يقاتل، لكن روى أبو يعلى من طريق أبي
_________________
(١) أخرجه مسلم في كتاب الزهد والرقائق باب حديث جابر الطويل رقم: ٣٠٠٩. * بطن بواط: قال القاضي ﵀ قال أهل اللغة وهو بالضم وهي رواية أكثر المحدثين، وهو جبل من جبال جهينة، الناضح: البعير الذي يستقى عليه. يعقبه: يركبه. التلدن: التوقف التلكأ. شأ: كلمة زجر للبعير.
(٢) أخرجه البخاري في كتاب المغازي: باب غزوة العشيرة أو العسيرة: رقم: ٣٩٤٩، ومسلم: ١٢٥٤ في الجهاد والسيرة باب غزاوات النبي - ﷺ -.
(٣) الفتح الرباني: ٢١/ ٢٢ وقال الساعاتي أخرجه الشيخان وغيرهما.
[ ١٥٤ ]
الزبير عن جابر أن عدد الغزوات إحدى وعشرون، وأصله في مسلم: ١٨١٣، فعلى هذا ففات زيد بن أرقم ذكر ثنتين منها ولعلهما الأبواء وبواط، وكأن ذلك خقي عليه لصغره، ويؤيد ما قلته ما وقع عند مسلم بلفظ "قلت ما أول غزوة غزاها؟ قال: ذات العشير أو العشيرة" والعشيرة كما تقدم هي الثالثة.
وأما قول ابن التين: يحمل قول زيد بن أرقم على أن العشيرة أول ما غزا هو أي زيد بن أرقم، والتقدير: فقلت: ما أول غزوة غزاها أي وأنت معه؟ قال: العشير فهو محتمل أيضًا، ويكون قد خفي عليه ثنتان مما بعد ذلك، أو عد الغزوتين واحدة، فقد قال موسى بن عقبة: قاتل رسول الله - ﷺ - بنفسه في ثمان: بدر، ثم أحد ثم الأحزاب، ثم المصطلق، ثم خيبر، ثم مكة، ثم حنين، ثم الطائف وأهمل غزوة قريظة لأنه ضمها إلى الأحزاب، فكونها كانت في إثرها وأفردها غيره لوقوعها منفردة بعد هزيمة الأحزاب، وكذا وقع لغيره عن الطائف وحنين واحدة لتقاربهما، فيجتمع على هذا أقوال زيد بن أرقم وقول جابر.
المبحث الثامن عشر: سرية عبد الله بن جحش
٢٠٩ - عن جندب بن عبد الله ﵁: "عن النبي - ﷺ - أنه بعث رهطًا وبعث عليهم أبا عبيدة فلما ذهب لينطلق بكى صبابة إلى رسول الله - ﷺ -، فجلس، فبعث عليهم عبد الله بن جحش مكانه، وكتب له كتابًا وأمره أن لا يقرأ الكتاب حتى يبلغ مكان كذا وكذا، وقال: (لا تكرهن أحدًا من أصحابك على المسير معك).
فلما، قرأ الكتاب، استرجع وقال: سمعًا وطاعة لله ولرسوله، فخبرهم الخبر، وقرأ عليهم الكتاب، فرجع رجلان، ومضى بقيتهم فلقوا ابن الحضرمي فقتلوه، ولم يدروا أن ذلك اليوم من رجب أو جمادى، فقال المشركون للمسلمين: قتلتم في الشهر الحرام، فأنزل الله -﷿ - ﴿يسألونك عن الشهر الحرام﴾ الآية، فقال بعضهم: إن لم يكونوا أصابوا وزرًا فليس لهم أجر فأنزل الله -﷿- ﴿إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمة الله والله غفور رحيم﴾ (١).
_________________
(١) أخرجه البيهقي: ٩/ ١١ - ١٢ والطبري في التفسير: ٢/ ٣٤٩ - ٣٥٠، وأبو يعلى: ١٥٣٤ والطبراني في الكبير: ١٦٧٠، وقال البيهقي: سنده صحيح إن كان الحضرمي هو ابن لاحق. وذكره الهيثمي في مجمع الزواند: ٦/ ١٩٨، وقال رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح. =
[ ١٥٥ ]
المبحث التاسع عشر: حادثة تحويل القبلة
٢١٠ - من حديث البراء بن عازب ﵄: "أن النبي - ﷺ - كان أول ما قدم المدينة نزل على أجداده -أو قال أخواله- من الأنصار، وأنه صلى قبل بيت المقدس ستة عشر شهرًا، أو سبعة عشر شهرًا، وكان يعجبه أن تكون قبلته قبل البيت، وأنه صلى أول صلاة صلاها صلاة العصر، وصلى معه قوم، فخرج رجل ممن صلى معه، فمر على أهل مسجد وهم راكعون، فقال: أشهد بالله لقد صليت مع رسول الله - ﷺ - قبل مكة، فداروا -كما هم- قبل البيت، وكانت اليهود قد أعجبهم إذ كان يصلي قبل بيت المقدس، وأهل الكتاب، فلما ولى وجهه قبل البيت أنكروا ذلك".
قال زهير، حدثنا إسحاق عن البراء في حديثه هذا: أنه مات على القبلة قبل أن تحول رجال وقتلوا، فلم ندر ما نقول فيهم، فأنزل الله تعالى ﴿وما كان الله ليضيع إيمانكم﴾ (١).
٢١١ - ومن حديث ابن عباس ﵄ قال: "لما وجه النبي - ﷺ - إلى الكعبة قالوا: يا رسول الله كيف بإخواننا الذين ماتوا وهم يصلون إلى بيت المقدس فأنزل الله ﴿وما كان الله ليضيع إيمانكم﴾ الآية" (٢).
٢١٢ - ومن حديث أنس قال: أن رسول الله - ﷺ - كان يصلي نحو بيت المقدس، فنزلت: ﴿قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول
_________________
(١) = وقد جاء من حديث سعد بن أبي وقاص أخرجه ابن أبي شيبة: ١٤/ ٣٥١ وأحمد في المسند كما في الفتح الرباني: ٢١/ ٢٥ - ٢٦، وقال أبو زرعة: فيه زياد بن علاقة لم يسمع من سعد بن أبي وقاص شيئًا كما في المراسيل: ٥٧ فيكون سند أحمد منقطعًا، وأخرجه البيهقي في الدلائل: ٣/ ١٧ - ٢١ مرة من طريق ابن إسحاق مرسلًا عن عروة وقد صرح بالسماع، ومرة عن الزهري مرسلًا عن عروة أيضًا وأخرجه في السنن: ٩/ ٥٥ - ٥٩ وابن سعد في الطبقات: ٢/ ١٠ - ١١.
(٢) أخرجه البخاري في الإيمان باب الصلاة من الإيمان حديث رقم: ٤٠، وجاء بأرقام: ٣٩٩، ٤٤٨٦، ٤٤٩٢، ٧٢٥٢، الترمذي حديث: ٢٩٦٢ وقال حسن صحيح، ابن ماجه: ١٠١٠، أحمد: ٤/ ٢٧٤ أبو داود والطيالسي: ١/ ٨٥، مسلم في الصحيح كتاب المساجد باب تحويل القبلة رقم: ٥٢٥.
(٣) أخرجه الترمذي في كتاب التفسير باب ومن سورة البقرة حديث: ٢٩٦٤، وقال حسن صحيح، الطيالسي: ١٩٤٤، والحاكم: ٢/ ٢٦٩، وقال صحيح الإسناد ووافقه الذهبي.
[ ١٥٦ ]
وجهك شطر المسجد الحرام﴾ (١) فمر رجل من بني سلمة وهم ركوع في صلاة الفجر وقد صلوا ركعة: فنادى ألا إن القبلة قد حولت. فمالوا كما هم نحو القبلة" (٢).
٢١٣ - ومن حديث ابن عمر ﵄ قال: "بينما الناس في صلاة الصبح بقباء إذ جاءهم آت فقال: إن رسول الله - ﷺ - قد أنزل عليه الليلة، وقد أمر أن يستقبل القبلة، فاستقبلوها، وكانت وجوههم إلى الشام، فاستداروا إلى الكعبة" (٣).
_________________
(١) سورة البقرة: ١٤٤.
(٢) أخرجه مسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة باب تحويل القبلة من القدس إلى الكعبة رقم: ٥٢٧.
(٣) أخرجه مسلم في كتاب المساجد باب تحويل القبلة رقم: ٥٢٦، قلت: والظاهر أن القول والتحويل قد تكرر من عده رجال كما جاء من مجموع هذه الأحاديث.
[ ١٥٧ ]
الفصل الثاني غزوة بدر الكبرى
المبحث الأول: تاريخ الغزوة وأسبابها
٢١٤ - حديث ابن مسعود ﵁ قال: "التمسوها (يعني ليلة القدر) في سبع عشرة، وتلا هذه الآية (يوم التقى الجمعان) يوم بدر، قال: أو تسع عشرة، أو إحدى وعشرين" (١).
٢١٥ - ومن حديث ابن مسعود أيضًا: قال في ليلة القدر (تحروها لإحدى عشرة يبقين صبيحتها يوم بدر).
قال ابن حجر العسقلاني ﵀: "أما غزوة بدر فمتفق عليه بين أهل السير: ابن إسحاق وموسى بن عقبة وأبو الأسود وغيرهم، واتفقوا على أنها كانت في رمضان، قال ابن عساكر: والمحفوظ أنها كانت في يوم الجمعة، وروي أنها كانت في يوم الاثنين وهو شاذ، ثم الجمهور على أنها كانت سابع عشرة، وقيل ثاني عشرة، وجمع بينهما بأن الثاني ابتداء الخروج والسابع عشر يوم الوقعة" (٢).
قلت: وخلاصة الأمر كما جاء في قول ابن حجر أن الخروج كان في الثاني عشر، والسابع عشر يوم الوقفة، والتاسع عشر كما في قول ابن مسعود الثاني هو انتهاء الغزوة وخاصة أن الرسول - ﵇ - كان يقيم في عرصة أي قوم يغزوهم ثلاثًا، وكذا فعل في بدر كما سيأتي بيانه".
_________________
(١) أخرجه أبو داود في الصلاة باب من روى أنها ليلة سبع عشرة: ١٣٨٤ والبيهقي: ٤/ ٣١٠ وابن أبي شيبة: ٣/ ٧٥ - ٧٦، والطبراني في الكبير: ٩٠٧٤: ٩٥٧٩، وعبد الرزاق في المصنف: ٧٦٩٧ والطحاوي: ٢/ ٥٤، وابن نصر المروزي في مختصر قيام رمضان ص: ١٠٨، والحاكم في المستدرك ٣/ ٢٠ - ٢١ وقال صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ووافقه الذهبي وهو كما قالا، وأخرجه الطبري في التاريخ: ٢/ ٢٦٦ بإسناده صحيح، وعزاه السيوطي في الدر المنثور: ٦/ ٣٧٦، إلى سعيد بن منصور وابن مردويه.
(٢) التلخيص الحبير: ٤/ ٨٩ رقم الحديث: ١٨٢٦.
[ ١٥٨ ]
المبحث الثاني: مرحلة ما قبل المعركة
١ - إرسال العيون للتجسس على قوافل قريش
٢١٦ - من حديث أنس: قال: "بعث رسول الله - ﷺ - بسبسة عينًا ينظر ما صنعت عير أبي سفيان، فجاء وما في البيت أحد غيري وغير رسول الله (قال: لا أدري ما استثنى بعض نسائه) قال: فحدثه الحديث قال: فخرج رسول الله - ﷺ - فتكلم فقال: (إن لنا طلبة فمن كان ظهره حاضرًا فليركب معنا) فجعل رجال يستأذنونه في ظهرانهم في علو المدينة فقال: (لا إلا من كان ظهره حاضرًا) (١).
٢ - المشاورة الأولى من الرسول لأصحابه في المدينة
٢١٧ - من حديث أنس ﵁ قال: "أن رسول الله - ﷺ - شاور حين بلغه إقبال أبي سفيان قال: فتكلم أبو بكر فأعرض عنه، ثم تكلم عمر فأعرض عنه، فقام سعد بن عبادة، فقال: إيانا تريد يا رسول الله؟ والذي نفسي بيده لو أمرتنا أن نخيضها البحر لأخضناها، ولو أمرتنا أن نضرب أكبادها إلى برك الغماد لفعلنا، قال: فندب رسول الله الناس فانطلقوا ..) الحديث (٢).
٣ - دعوة الرسول - ﵇ - الناس للخروج
٢١٨ - من حديث ابن عباس ﵁ قال: "لما سمع رسول الله - ﷺ - بأبي سفيان مقبلًا من الشام: ندب المسلمين إليهم وقال: (هذه عير قريش فيها أموالهم فاخرجوا إليها لعل الله ينفلكموها، فانتدب الناس فخف بعضهم وثقل بعضهم، وذلك أنهم لم يظنوا أن رسول الله - ﷺ - يلقى حربًا.
وكان أبو سفيان حين دنا من الحجاز يتحسس الأخبار، ويسأل من لقي من الركبان خوفًا على أمر الناس، حتى أصاب خبرًا من بعض الركبان: أن محمدًا استنفر أصحابه لك ولعيرك فحذر عند ذلك. فاستأجر ضمضم بن عمرو الغفاري
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه الإمارة باب ثبوت الجنة للشهيد رقم: ١٩٠١ أحمد في المسند: ٣/ ١٣٦. * يعني الخيل أي لو أمرتنا بإدخال خيولنا في البحر وغشيتنا إياها فيه لفعلنا.
(٢) أخرجه مسلم في الجهاد والسير باب غزوة بدر رقم: ١٧٧٩ وأحمد في المسند: ٣/ ١٨٨، ٣/ ١٠٠، ٤/ ٢٢٨، ٦/ ٢٩.
[ ١٥٩ ]
فبعثه إلى مكة، وأمره أن يأتي قريشًا فيستنفرهم إلى أموالهم، ويخبرهم أن محمدًا قد عرض لها في أصحابه، فخرج ضمضم بن عمرو سريعًا إلى مكة (١).
٤ - قلة المراكب من الجمال والخيول
٢١٩ - من حديث ابن مسعود ﵁ قال: "كنا يوم بدر كل ثلاثة على بعير، كان أبو لبابة وعلي بن أبي طالب زميلي رسول الله - ﷺ - قال: وقال: وكانت عقبة رسول الله - ﷺ - قال: فقالا: نحن نمشي عنك.
فقال: (ما أنتما بأقوى مني، ولا أنا بأغنى عن الأجر منكما) (٢).
٢٢٠ - ومن حديث علي بن أبي طالب كرم الله وجهه:
"قال: لقد أتينا ليلة بدر وما فينا إلا نائم إلا النبي - ﷺ - فإنه كان يصلي إلى شجرة ويدعو، وما كان فينا فارس إلا المقداد" (٣).
٥ - عدد المسلمين في غزوة بدر
٢٢١ - من حديث البراء بن عازب ﵄ قال: "كنا أصحاب محمد - ﷺ - نتحدث أن عدة أصحاب بدر على عدة أصحاب طالوت الذين جاوزوا معه النهر، ولم يجاوز معه إلا مؤمن بضعة عشر وثلاثمائة" (٤).
٢٢٢ - ومن حديث أبي موسى الأشعري ﵁ قال: "كان عدة أهل بدر عدة أصحاب طالوت يوم جالوت ثلثمائة وسبعة عشر" (٥).
٢٢٣ - ومن حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: "خرج
_________________
(١) أخرجه ابن هشام من طريق ابن إسحاق: ٢/ ٦٠٦ - ٦٠٧، بسند صحيح فقد صرح ابن إسحاق بالتحديث.
(٢) أخرجه أحمد في المسند: ١/ ٤١١، طبعة لبنان رقم: ٣٩٠١، طبعة أحمد شاكر، ابن حبان: ١٦٨٨، والحاكم: ٣/ ٢٠، وقال حديث صحيح على شرط مسلم ووافقه الذهبي، وقال الهيثمي في المجمع: ٦/ ٦٩، رواه أحمد والبزار وفيه عاصم بن بهدلة وحديث حسن وبقية رجال أحمد رجال الصحيح، وحسنه الشيخ أحمد شاكر.
(٣) الفتح الرباني: ٢١/ ٣٦ والطيالسي: ٢٣٤٢ وأبو يعلى والحديث سنده صحيح.
(٤) أخرجه البخاري في المغازي باب عدة أصحاب بدر رقم: ٣٩٥٨، الترمذي في السير باب ما جاء في عدة أصحاب بدر رقم: ١٥٩٨ وقال حديث حسن صحيح.
(٥) كشف الأستار عن زوائد البزار رقم: ١٧٨٤ وقال الهيثمي: ٦/ ٩٣ رواه البزار ورجاله ثقات.
[ ١٦٠ ]
رسول الله - ﷺ - يوم بدر في ثلاثمائة وخمسة عشر رجلًا من أصحابه .. فذكر الحديث" (١).
وهذه الرواية لا تنافي التي قبلها لاحتمال أن تكون هذه الرواية لم يعد فيها النبي - ﷺ - ولا الرجل الذي لحق بهم.
٦ - عدم السماح لمن لم يبلغ بالخروج
٢٢٤ - من حديث البراء بن عازب ﵄ قال: "استصغرت أنا وابن عمر يوم بدر، وكان المهاجرون يوم بدر نيفًا على ستين، والأنصار نيفًا وأربعين ومائتين" (٢).
٢٢٥ - ومن حديث سعد بن أبي وقاص ﵁: "أن النبي - ﷺ - نظر إلى عمير بن أبي وقاص، فاستصغره حين خرج إلى بدر، ثم أجازه قال سعد: فيقال: أنه خانه سيفه قال عبد الله بن جعفر قتل يوم بدر" (٣).
٧ - رفضه الاستعانة بالمشركين
٢٢٦ - من حديث عائشة ﵂ قالت: "خرج رسول الله - ﷺ - قبل بدر، فلما كان بحرة الوبرة أدركه رجل قد كان يذكر منه جرأة ونجدة، ففرح أصحاب رسول الله - ﷺ - حين رأوه، فلما أدركه قال لرسول الله - ﷺ -: جئت لأتبعك وأصيب معك، قال له رسول الله - ﷺ -: (تؤمن بالله ورسوله؟).
قال: لا: قال: (فارجع فلن أستعين بمشرك).
قالت: ثم مضى، حتى إذا كنا بالشجرة أدركه الرجل. فقال له كما قال أول مرة، فقال له النبي - ﷺ - كما قال أول مرة: قال: (فارجع فلن أستعين بمشرك) قال: ثم رجع فأدركه بالبيداء. فقال له كما قال أول مرة: (تؤمن بالله ورسوله)
_________________
(١) أخرجه أبو داود في كتاب الجهاد باب في نفل السرية تخرج من العسكر رقم: ٢٧٤٧، والحاكم: ٢/ ١٤٥ وقال صحيح على شرط مسلم، والبيهقي: ٩/ ٥٧، وحسنه الحافظ في الفتح: ٧/ ٢٩٢ والحديث حسن والله أعلم.
(٢) أخرجه البخاري في المغازي باب عدة أصحاب بدر رقم: ٣٩٥٦.
(٣) كشف الأستار عن زوائد البزار: ١٧٧٠ قال الهيثمي في المجمع: ٦/ ٦٩، رواه البزار ورجاله ثقات.
[ ١٦١ ]
قال: نعم. فقال له رسول الله - ﷺ -: (فانطلق) (١).
٨ - رؤيا عاتكة وإنذار ضمضم لقريش
سبق وأن ذكرت في حديث ابن عباس رقم: ٢١٨، أن أبا سفيان كان يتحسس الأخبار عن النبي - ﷺ - وأصحابه، وأنه كان يخاف أن يقوم النبي - ﷺ - وأصحابه بقطع الطريق على قافلته، وسلب ما معه من أموال قريش.
فلما سمع من بعض الركبان بخروج رسول الله وأصحابه لاعتراض القافلة، استأجر رجلًا من بني غفار واسمه ضمضم بن عمرو الغفاري لينذر قريشًا من أجل أن تخرج لحماية قافلتها، وقبل أن يصل النذير مكة رأت عاتكة بنت عبد المطلب رؤيا أولت بأن مصابًا سيحل في مكة، سيؤدي إلى قتل عدد من زعماء قريش، مما أثار حفيظة بعض زعماء الشرك، ولنترك المجال لراوي الحدث ليخبرنا بالتفصيلات:
٢٢٧ - قال ابن إسحاق وحدثني يزيد بن رومان (٢) عن عروة بن الزبير قال: "وقد رأت عاتكة بنت عبد المطلب ﵂ قبل قدوم ضمضم (الغفاري) مكة بثلاث ليال، رؤيا أفزعتها، فبعثت إلى أخيها العباس بن عبد المطلب، فقالت له: يا أخي والله لقد رأيت الليلة رؤيا أفظعتني، وتخوفت أن يدخل على قومك منها شر ومصيبة، فاكتم عني ما أحدثك به، فقال لها: وما رأيت؟
قالت: رأيت راكبًا أقبل على بعير له، حتى وقف بالأبطح، ثم صرخ بأعلى صوته: ألا انفروا يالغُدُر لمصارعكم في ثلاث، فأرى الناس اجتمعوا إليه، ثم دخل المسجد والناس يتبعونه، فبينما هم حوله مثل به بعيره على ظهر الكعبة، ثم صرخ بمثلها، ألا انفروا يا لغدر لمصارعكم في ثلاث، ثم مثل به بعيره على رأس أبي قبيس، فصرخ بمثلها. ثم أخذ صخرة فأرسلها، فأقبلت تهوي، حتى إذا كانت بأسفل الجبل ارفضت، فما بقي بيت من بيوت مكة، ولا دار إلا
_________________
(١) أخرجه مسلم في الجهاد والسير باب كراهة الاستعانة في الغزو بالكافر رقم: ١٨١٧، أبو داود في الجهاد والسير باب في المشرك يسهم له:٢٧٣٢، والترمذي في السير ما جاء في أهل الذمة يغزون مع المسلمين هل يسهم لهم: ١٥٥٨، وقال حسن غريب، والدارمي: ٢/ ٢٣٣ وأحمد: ٦/ ٦٧، ٤٩. يحتمل أن عائشة كانت مع المودعين فرأت ذلك، ويحتمل أنها أرادت بقولها: كنا، كان المسلمون، كذا قال النووي في شرح مسلم: ١٢/ ١٩٨ - ١٩٩.
(٢) يزيد بن رومان ثقة من الخامسة، تقريب: ٢/ ٣٦٤.
[ ١٦٢ ]
دخلتها منها فلقه، قال العباس: والله إن هذه لرؤيا! وأنت فاكتميها، ولا تذكريها لأحد. ثم خرج العباس، فلقي الوليد بن عتبة بن ربيعة، وكان له صديقًا، فذكرها له، واستكتمه إياها، فذكرها الوليد لأبيه عتبة، ففشا الحديث بمكة، حتى تحدثت به قريش في أنديتها.
قال العباس: فغدوت لأطوف بالبيت، وأبو جهل بن هشام في رهط من قريش قعود يتحدثون برؤيا عاتكة، فلما رآني أبو جهل قال: يا أبا الفضل، إذا فرغت من طوافك فأقبل إلينا.
فلما فرغت أقبلت حتى جلست معهم، فقال لي أبو جهل: يا بني عبد المطلب، متى حدثت فيكم هذه النبّية؟ قال: قلت: وما ذاك؟ قال: تلك الرؤيا التي رأت عاتكة، قال: فقلت: وما رأت؟ قال: يا بني عبد المطلب، أما رضيتم أن يتنبأ رجالكم حتى تتنبأ نساءكم! قد زعمت عاتكة في رؤياها أنه قال: انفروا في ثلاث، فسنتربص بكم هذه الثلاث، فإن يك حقًّا ما تقول فسيكون، وإن تمض الثلاث ولم يكن من ذلك شيء، نكتب عليكم كتابًا أنكم أكذب أهل بيت في العرب. قال العباس: فوالله ما كان مني إليه كبير، إلا أني جحدت ذلك، وأنكرت أن تكون رأت شيئًا قال: ثم تفرقنا.
فلما أمسيت، لم تبق امرأة من بني عبد المطلب إلا أتتني، فقالت: أقررتم لهذا الفاسق الخبيث أن يقع في رجالكم، ثم قد تناول النساء وأنت تسمع، ثم لم يكن عندك غيرٌ لشيء مما سمعت!، قال: قلت: قد والله فعلت، ما كان مني إليه من كبير، وأيم الله لأتعرضن له، فإن عاد لأكفيَّنكُنَّه.
قال: فغدوت في اليوم الثالث من رؤيا عاتكة، وأنا حديد مغضب أرى أني قد فاتني منه أمر أحب أن أدركه منه.
قال: فدخلت المسجد فرأيته، فوالله إني لأمشي نحوه أتعرضه ليعود لبعض ما قال فأقع به، وكان رجلًا خفيفًا، حديد الوجه، حديد اللسان، حديد النظر.
قال: إذ خرج نحو باب المسجد يشتد. قال: فقلت في نفسي ما له لعنه الله! أكل هذا فرقٌ مني أن أشاتمه!
قال: وإذا هو قد سمع ما لم أسمع: صوت ضمضم بن عمرو الغفاري، وهو يصرخ ببطن الوادي واقفًا على بعيره، قد جدع بعيره، وحول رحله، وشق
[ ١٦٣ ]
قميصه وهو يقول: يا معشر قريش اللطيمة اللطيمة، أموالكم مع أبي سفيان قد عرض لها محمد في أصحابه، لا أرى أن تدركوها، الغوث الغوث: قال: فشغلني عنه وشغله عني ما جاء من الأمر" (١).
٩ - إجارة الشيطان قريشًا
٢٢٨ - قال ابن إسحاق: وحدثني يزيد بن رومان، عن عروة بن الزبير، قال: "لما أجمعت قريش المسير ذكرت ما كان بينها وبين بني بكر، فكاد ذلك يثنيهم، فتبدى لهم إبليس في صورة سراقة بن مالك بن جعشم المدلجي، وكان من أشراف بني كنانة، فقال لهم: أنا جار لكم من أن تأتيكم كنانة من خلفكم بشيء تكرهونه، فخرجوا سراعًا" (٢).
١٠ - تخوف بعض أئمة الكفر من الخروج
أمية بن خلف وقصته مع سعد بن معاذ.
٢٢٩ - من حديث عبد الله بن مسعود ﵁ حدث عن سعد بن معاذ أنه قال: "كان صديقًا لأمية بن خلف، وكان أمية إذا مر بالمدينة نزل على سعد، وكان سعد إذا مر بمكة نزل على أمية، فلما قدم رسول الله - ﷺ - المدينة انطلق سعد معتمرًا، فنزل على أمية بمكة، فقال لأمية: انظرني ساعة خلوة لعلي أن أطوف بالبيت، فخرج به قريبًا من نصف النهار، فلقيهما أبو جهل فقال: يا أبا صفوان من هذا معك؟
فقال: هذا سعد. فقال له أبو جهل: ألا أراك تطوف بمكة آمنًا وقد آويتم الصباة، وزعمتم أنكم تنصرونهم وتعينوهم. أما والله لولا أنك مع أبي صفوان ما
_________________
(١) أخرجه ابن هشام في السيرة: ١/ ٦٠٧، وسنده صحيح إلا أنه مرسل، وقد جاءت حادثة عاتكة من طرق متعددة -من حديث ابن عباس عد الحاكم: ٣/ ١٩ إلا أن سنده ضعيف، ورواه الطبراني بإسنادين أحدهما مرسل، والآخر مرفوع من حديث مصعب بن عبد الله وفيهما ابن لهيعة وحديثه حسن كما قال الهيثمي في المجمع: ٦/ ٧٣٢، وله سند آخر عند ابن إسحاق عن ابن عباس ولكنه ضعيف"، وأورده ابن منده بسنده عن عاتكة بنت عبد المطلب وسنده ضعيف كما قال ابن حجر في الإصابة: ٤/ ٣٤٧ وبهذه الطرق يقوى الحديث فيرتفع الحديث إلى درجة الحسن لغيره والله أعلم. * أفظعتني: اشتدت علي. * يا لغدر: يا أهل غدر، يا آل غدر، مثل به: قام به، أرفضت: تفتتت، جدع بعيره: قطع أنفه، اللطيمة: الإبل التي تحمل البر والطيب.
(٢) ابن هشام في السيرة: ١/ ٦١٢، وسنده صحيح لكنه مرسل، ابن كثير من طريقه: ٢/ ٤٣٢.
[ ١٦٤ ]
رجعت إلى أهلك سالمًا، فقال له سعد -ورفع صوته عليه-: أما والله لئن منعتني هذا لأمنعنك ما هو أشد عليك منه: طريقك على المدينة، فقال له أمية: لا ترفع صوتك يا سعد على أبي الحكم سيد أهل الوادي. فقال سعد: دعنا عنك يا أمية، فوالله لقد سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: (إنهم قاتلوك). قال: بمكة؟ قال: لا أدري، ففزع لذلك أمية فزعًا شديدًا. فلما رجع أمية إلى أهله قال: يا أم صفوان، ألم تري ما قال لي سعد؟ قالت: وما قال لك؟ قال: زعم أن محمدًا أخبرهم أنهم قاتلي. فقلت له: بمكة؟ قال: لا أدري. فقال أمية: والله لا أخرج من مكة.
فلما كان يوم بدر استنفر أبو جهل الناس قال: أدركوا عيركم، فكره أمية أن يخرج، فأتاه أبو جهل فقال: يا أبا صفوان إنك متى ما يراك الناس قد تخلفت، وأنت سيد أهل الوادي تخلفوا معك، فلم يزل به أبو جهل حتى قال: أما إذا غلبتني فوالله لأشترين أجود بعير بمكة. ثم قال أمية: يا أم صفوان جهزيني. فقالت له: يا أبا صفوان وقد نسيت ما قال لك أخوك اليثربي؟ قال: لا ما أريد أن أجوز معهم إلا قريبًا. فلما خرج أمية أخذ لا يترك منزلًا إلا عقل بعيره. فلم يزل بذلك حتى قتله الله -﷿- ببدر" (١).
١١ - عدد المشركين في بدر
٢٣٠ - من حديث أنس ﵁، وهو تتمة لما جاء في حديث المشورة رقم: ٢١٧: قال: "فندب رسول الله - ﷺ - الناس، فانطلقوا حتى نزلوا بدرًا، ووردت عليهم روايا قريش، وفيهم غلام أسود لبني الحجاج، فأخذوه، فكان أصحاب رسول الله - ﷺ - يسألونه عن أبي سفيان وأصحابه: فيقول: ما لي علم بأبي سفيان، ولكن هذا أبو جهل وعتبة وشيبة وأمية بن خلف، فهذا قال ذلك ضربوه، فقال: نعم: أنا أخبركم هذا أبو سفيان، فهذا تركوه فسألوه فقال: ما لي بأبي سفيان علم، ولكن هذا أبو جهل وعتبة وشيبة وأمية بن خلف في أناس، فإذا قال هذا أيضًا ضربوه، ورسول الله - ﷺ - قائم يصلي، فلما رأى ذلك انصرف وقال: والذي نفسي بيده لتضربوه إذا صدقكم، وتتركوه إذا كذبكم" (٢).
_________________
(١) أخرجه البخاري في المغازي باب ذكر النبي من يقتل ببدر رقم: ٣٩٥٠، وأحمد في المسند: (١/ ٤٠٠) انظر الفتح الرباني: (٢١/ ٤٢).
(٢) انظر حديث: ٢١٧، وتخريجه هناك.
[ ١٦٥ ]
٢٣١ - ومن حديث علي بن أبي طالب كرم الله وجهه أنه قال: "لما قدمنا المدينة أصبنا من ثمارها فاجتويناها، فأصابنا بها وعك، فكان النبي - ﷺ - يتخبر عن بدر، فلما بلغنا أن المشركين قد أقبلوا سار رسول الله - ﷺ - إلى بدر، وبدر بئر، فسبقنا المشركون إليها، فوجدنا فيها رجلين منهم رجل من قريش ومولى لعقبة بن أبي معيط، فأما القريشي فانفلت، وأما مولى عقبة فأخذناه، فجعلنا نقول له: كم القوم؟ فيقول: هم والله كثير عددهم، شديد بأسهم، فجعل المسلمون إذا قال ذلك ضربوه، حتى انتهوا به إلى النبي - ﷺ - فقال: له النبي - ﷺ -: (كم القوم؟)، فقال: هم والله كثير عددهم شديد بأسهم، فجهد رسول الله - ﷺ - أن يخبره فأبى، ثم إن النبي - ﷺ - سأله: كم ينحرون من الجزر؟ قال: عشر لكل يوم، فقال رسول الله - ﷺ -: (القوم ألف كل جزور لمائة ونيفها) (١).
١٢ - تحديد مصارع القوم
٢٣٢ - من حديث أنس ﵁ قال: "كنا مع عمر بين مكة والمدينة فتراءينا الهلال" إلى أن قال: "ثم أنشأ يحدثنا عن أهل بدر فقال: إن رسول الله - ﷺ - كان يرينا مصارع أهل بدر بالأمس يقول (هذا مصرع فلان غدًا إن شاء الله) قال: فقال عمر: فوالذي بعثه بالحق! ما أخطؤوا الحدود التي حد رسول الله - ﷺ -" (٢).
١٣ - الاستشارة الثانية من الرسول - ﵇ - لأصحابه
وقد استشار الرسول - ﷺ - أصحابه رضوان الله عليهم المرة الثانية ليبين للأمة الإسلامية أهمية مبدأ الشورى في الإسلام، ولأن الأنصار رضوان الله عليهم كانوا يشكلون الغالبية العظمى من جيشه - ﷺ -، وبذلك يبنى القرار الذي يتخذ على رأيهم وأكثريتهم، ولأنهم أصحاب الأرض التي انطلقت منها القوة المؤمنة فلا بد
_________________
(١) أخرجه أحمد في المسند: ١/ ١١٧، وأبو داود: ٢٦٦٥، في الجهاد باب في المبارزة من حديث علي وإسناده صحيح، وأخرجه الحاكم: ٣/ ١٨٧ - ١٨٨، عن ابن عباس وسنده حسن وقال الهيثمي في حديث علي: ٦/ ٧٦ أحمد والبزار ورجال أحمد رجال الصحيح غير حارثة بن مضرب وهو ثقة وانظر كشف، الأستار: ١٧٦١. * اجتويناها: أصابهم الجوى وهو المرض وداء الجوف إذا تطاول وذلك إذا لم يوافقهم هواؤها، ما واستوخموها.
(٢) أخرجه مسلم في كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها باب عرض مقعد الميت من الجنة أو النار عليه رقم: ٢٨٧٣، وأحمد في المسند: ١/ ٢٦، والنسائي في الجنائز باب أرواح المؤمنين: ٤/ ١٠٨.
[ ١٦٦ ]
من أخذ رأيهم وسأنقل وصف مشهد المشاورة كما وصفها الصحابة رضوان الله عليهم.
٢٣٣ - من طريق ابن إسحاق بسنده الصحيح إلى ابن عباس في رواية أحداث بدر يقول ابن عباس ﵄: " وأتاه الخبر عن قريش بمسيرهم ليمنعوا عيرهم، فاستشار الناس، وأخبرهم عن قريش، فقام أبو بكر الصديق، فقال وأحسن. ثم قام عمر بن الخطاب، فقال وأحسن، ثم قام المقداد بن عمرو فقال: يا رسول الله، امضي لما أراك الله، فنحن معك، والله لا نقول كما قالت بنو إسرانيل لموسى ﴿اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون﴾ ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون، فوالذي بعثك بالحق لو سرت بنا إلى برك الغماد لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه، فقال له رسول الله خيرًا، ودعا له به.
ثم قال رسول الله - ﷺ -: (أشيروا علي أيها الناس)، وإنما يريد الأنصار، وذلك أنهم عدد الناس، وأنهم حين بايعوه بالعقبة قالوا: يا رسول الله: إنا برآء من ذمامك حتى تصل إلى ديارنا، فهذا وصلت إلينا، فأنت في ذمتنا، نمنعك مما نمنع منه أبناءنا ونساءنا، فكان رسول الله - ﷺ - يتخوف ألا تكون الأنصار ترى عليها نصره إلا ممن دهمه بالمدينة من عدوه، وأن ليس عليهم أن يسير بهم إلى عدو في بلادهم.
فلما قال ذلك رسول الله - ﷺ -، قال سعد بن معاذ: والله لكأنك تريدنا يا رسول الله؟ قال: (أجل). قال: فقد آمنا بك وصدقناك، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا، على السمع والطاعة، فامض يا رسول الله لما أردت فنحن معك، فوالذي بعثك بالحق، لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك، ما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدًا، إنا لصبر في الحرب، صدق عند اللقاء، لعل الله يريك منا ما تقر به عينك، فسر بنا على بركة الله، فسرَّ رسول الله - ﷺ - بقول سعد ونشطه ذلك، ثم قال: (سيروا وابشروا، فإن الله تعالى قد وعدني إحدى الطائفتين، والله لكأني أنظر إلى مصارع القوم) (١).
_________________
(١) أخرجه ابن هشام في السيرة: ١/ ٦١٤ - ٦١٥، بإسناد صحيح وقد صرح ابن إسحاق بالسماع، وأخرجه الطبراني وإسناده حسن كما في المجمع: ٦/ ٧٣، والبيهقي في دلائل النبوة: ٣/ ٣٢، وقال ابن =
[ ١٦٧ ]
٢٣٤ - حديث ابن مسعود ﵁ قال: "شهدت من المقداد بن الأسود مشهدًا، لأن أكون صاحبه أحب إلي مما عدل به، أتى النبي - ﷺوهو يدعو على المشركين فقال: لا نقول كما قال قوم موسى ﴿اذهب أنت وربك فقاتلا﴾ ولكنا نقاتل عن يمينك، وعن شمالك، وبين يديك وخلفك، فرأيت النبي - ﷺ - أشرق وجهه وسر. يعني قوله" (١).
ويقول الحافظ في فتح الباري: "ويمكن الجمع بأن النبي - ﷺ - استشارهم في غزوة بدر مرتين: الأولى: وهو بالمدينة أول ما بلغه خبر العير مع أبي سفيان، وذلك بين في رواية مسلم ولفظه "أن النبي - ﷺ - شاور حين بلغه إقبال أبي سفيان والثانية كانت بعد أن خرج" (٢).
١٤ - الانشقاق في صفوف المشركين حين وصولهم بدر
٢٣٥ - ومن حديث علي كرم الله وجهه في تكملة حديث رقم: ٢٣١ قال ﵁:
"فلما دنا القوم منا وصاففناهم إذا رجل منهم على جمل أحمر، يسير في القوم، فقال رسول الله - ﷺ -: (يا علي ناد حمزة)، وكان أقربهم من المشركين من صاحب الجمل الأحمر وماذا يقول لهم، ثم قال رسول الله - ﷺ -: (إن يكن في القوم أحد يأمر بخير فعسى أن يكون صاحب الجمل الأحمر)، قال: هو عتبة بن ربيعة، وهو ينهى عن القتال، ويقول لهم: يا قوم: إني أرى قومًا مستميتين لا تصلون إليهم، وفيكم خير، يا قوم، اعصبوها اليوم برأسي وقولوا جبن عتبة بن ربيعة، وقد علمتم أني لست بأجبنكم، فسمع ذلك أبو جهل فقال: أنت تقول هذا، والله لو غيرك يقول لأعضضته، قد ملات رئتك جوفك
_________________
(١) = كثير في البداية: ٣/ ٢٦٢ - ٢٦٣ هكذا رواه ابن إسحاق ﵀، وله شواهد من وجوه كثيرة من، ذلك رواية البخاري والنسائي وأحمد.
(٢) أخرجه البخاري في المغازي باب قوله تعالى ﴿إذ تستغيثون ربكم﴾ رقم: ٣٩٥٢، أحمد في المسند: ٣٩٠ - ٤٢٨، الحاكم في المستدرك: ٣/ ٣٤٩، وصححه ووافقه الذهبي. وقد جاء مثل هذا القول دون ذكر اسم المقداد من حديث عتبة بن عبد السلمي قال الهيثمي في المجمع: ٦/ ٧٥، رواه أحمد ورجاله ثقات، وجاء أيضًا من حديث أبي أيوب الأنصاري عند الطبراني بإسناد حسن كما قال الهيثمي في المجمع: ٦/ ٧٣ - ٧٤.
(٣) فتح الباري: ٧/ ٢٨٨.
[ ١٦٨ ]
رعبًا، فقال عتبة: إياي تعني يا مصفر إسته، ستعلم اليوم أينا الجبان" (١).
٢٣٦ - وقد جاء من حديث ابن عباس ﵄ قال: "لما نزل المسلمون وأقبل المشركون، نظر رسول الله - ﷺ - عتبة بن ربيعة وهو على جمل أحمر فقال: (إن يكن عند أحد من القوم خير فهو عند صاحب الجمل الأحمر إن يطيعوه يرشدوا) وهو يقول:
"يا قوم أطيعوني في هؤلاء القوم، فإنكم إن فعلتم لن يزال ذلك في قلوبكم، ينظر كل رجل إلى قاتل أخيه، وقاتل إليه، فاجعلوا حقها برأسي وارجعوا، فقال أبو جهل: انتفخ والله سحره حين رأى محمدًا وأصحابه، إنما محمد وأصحابه كأكلة جزور ولو قد التقينا، فقال عتبة: ستعلم من الجبان المفسد لقومه، أما والله إني لأرى قومًا يضربونكم ضربًا، أما ترون كأن رؤسهم الأفاعي، وكأن وجوههم السيوف، ثم دعا أخاه وابنه، فخرج يمشي بينهما ودعا بالمبارزة" (٢).
١٥ - مناجاة ودعاء، ومطر ونقاء
٢٣٧ - من حديث علي السابق الذكر رقم: ٢٣١: قال: " أصابنا من الليل طش من المطر -يعني الليلة التي كانت صبيحتها وقعة بدر- فانطلقنا تحت الشجر والحجف، نستظل تحتها من المطر، وبات رسول الله - ﷺ - يدعو ربه ويقول: (اللهم إن تهلك هذه الفئة لا تعبد) قال: فلما تطلع الفجر نادى: (الصلاة عباد الله) فجاء الناس من تحت الشجر والحجف فصلى بنا رسول الله وحض على القتال" (٣).
٢٣٨ - من حديث عمر بن الخطاب ﵁ قال: "لما كان يوم بدر نظر رسول الله إلى المشركين وهم ألف، وأصحابه ثلاثمائة وتسعة عشر رجلًا، فاستقبل نبي الله - ﷺ - القبلة ثم مد يديه فجعل يهتف بربه (اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم آت ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام
_________________
(١) انظر تخريج الحديث رقم: ٢٣١.
(٢) قال الهيثمي في المجمع: ٦/ ٧٦ رواه البزار ورجاله ثقات، وانظر كشف الأستار: ١٧٦٢، والحاكم: ٣/ ١٨٧، ١٨٨، وسنده حسن. * الطش: المطر الضعيف وهو فوق الرذاذ، الجحفة: الترس الصغير.
(٣) انظر التخريج حديث رقم: ٢٣١. * يهتف بربه: يصيح ويستغيث بالله بالدعاء.
[ ١٦٩ ]
لا تعبد في الأرض)، فما زال يهتف بربه، مادًّا يديه مستقبل القبلة، حتى سقط رداؤه عن منكبيه.
فأتاه أبو بكر فأخذ رداءه فألقاه على منكبيه، ثم التزمه من ورائه، وقال: "يا نبي الله، كفاك مناشدتك ربك، فإنه سينجز لك ما وعدك، فأنزل الله -﷿- ﴿إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين﴾ (١) فأمده الله بالملائكة" (٢).
٢٣٨ - ومن حديث ابن عباس ﵄ قال: (قال النبي - ﷺ - يوم بدر (اللهم إني أنشدك عهدك ووعدك، اللهم إن شئت لم تعبد) فأخذ أبو بكر بيده، فقال حسبك فخرج وهو يقول: (سيهزم الجمع ويولون الدبر) (٣).
٢٣٩ - ومن حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ قال: "خرج رسول الله - ﷺ - يوم بدر في ثلاثمائة وخمسة عشر رجلًا من أصحابه، فلما انتهى إليها قال (اللهم إنهم جياع فأشبعهم، اللهم إنهم حفاة فاحملهم، اللهم إنهم عراة فاكسهم) ففتح الله له يوم بدر، فانقبوا حين انقلبوا، وما منهم رجل إلا وقد رجع يحمل أو حملين واكتسوا وشبعوا" (٤).
١٦ - استفتاح أبي جهل ودعاؤه يوم بدر
٢٤٠ - أ - من حديث عبد الله بن ثعلبة بن صعير قال: "كان المستفتح يوم بدر أبا جهل قال: اللهم "أقطعنا للرحم وآتانا بما لم يُعرف فأحنه الغداة" فبينما هم على تلك الحال، وقد شجع الله المسلمين على لقاء عدوهم، وقللهم في أعينهم حتى طمعوا فيهم، خفق رسول الله - ﷺ - خفقة في العريش ثم انتبه فقال: (أبشر يا أبا بكر هذا جبريل معتجر بعمامته، آخذ بعنان فرسه يقوده، على ثناياه النقع، أتاك نصر الله وَعِدتُه) (٥).
_________________
(١) سورة الأنفال: ٩.
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه كتاب الجهاد باب الإمداد بالملائكة في غزوة بدر رقم: ١٧٦٣، وأحمد في المسند: ١/ ٣٠ - ٣٢.
(٣) أخرجه البخاري في المغازي باب: (إذ تستغيثون ربكم ) رقم: ٣٩٥٣.
(٤) انظر تخريج الحديث رقم: ٢٢٣.
(٥) أخرجه أحمد في المسند: ٥/ ٤٣١، الحاكم في المستدرك: ٢/ ٣٢٨، وقال حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه وأقره الذهبي، ابن كثير في السيرة: ٢/ ٤٣٤ وسنده حسن، وفي التفسير: ٢٩٦/ =
[ ١٧٠ ]
٢٤٠ - ب - من حديث أنس بن مالك ﵁ قال: "قال أبو جهل: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم فنزلت (١): ﴿وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون﴾ (٢) (٣).
١٧ - نزول جبريل ﵇ يوم بدر
٢٤١ - من حديث ابن عباس ﵄ أن النبي - ﷺ - قال يوم بدر: (هذا جبريل آخذ برأس فرسه عليه أداة الحرب) (٤).
١٨ - أسلوب القتال
٢٤٢ - من حديث أبي طلحة ﵁ قال: "غشينا النعاس ونحن في مصافنا يوم بدر" (٥).
وهذا المبدأ "قتال الصف" قرره الإسلام وحث عليه في قول الله تعالى: ﴿إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفًّا كأنهم بنيان مرصوص﴾ (٦).
فأسلوب القتال هذا الذي ذكره القرآن يعطي القائد القدرة الفائقة للسيطرة على الجند.
_________________
(١) = ٢ وعزاه للنسائي، وانظر سيرة ابن هشام: ١/ ٦٢٦ - ٦٢٧، البيهقي في الدلائل: ٣/ ٧٤.
(٢) الآية: ٣٢ سورة الأنفال.
(٣) سورة الأنفال آية:٣٣.
(٤) أخرجه البخاري في تفسير سورة الأنفال باب وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم رقم: ٤٦٤٩ فتح الباري: ٣٠٩٨، مسلم في صحيحه كتاب صفة القيامة والجنة والنار باب قوله تعالى: ﴿وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم﴾، الآية حديث رقم: ٢٧٩٦.
(٥) أخرجه البخاري في المغازب باب شهود الملائكة بدرًا رقم: ٣٩٩٥.
(٦) أخرجه أحمد في المسند الفتح الرباني: ٢١/ ٤٣، وإسناده صحيح كما قال شاكر في تحقيقه للمسند: ٤/ ٣٩ حديث رقم: ٢١٩٧ - ٢١٩٨ ورجال هذا الإسناد ثقات، وقد جاء أيضًا من حديث أبي أسيد الساعدي أخرجه أبو داود: ٢٦٦٣ بسند حسن.
(٧) سورة الصف: ٤.
[ ١٧١ ]
١٩ - تسويته الصفوف وقصته مع سواد
٢٤٣ - من حديث محمد بن علي بن الحسين أبي جعفر الباقر: "أن النبي - ﷺ - كان يتخطى بعرجون فأصاب به سواد بن غزية الأنصاري فقال: "يا رسول الله أوجعتني، وقد بعثك الله بالحق والعدل فأقدني"، فكشف رسول الله - ﷺ - عن بطنه فقال: (استقد) قال: فاعتنقه فقبل بطنه، فقال: (ما حملك على هذا يا سواد؟).
قال يا رسول الله: "حضر ما ترى فأردت أن يكون آخر العهد بك أن يحس جلدي جلدك، فدعا له رسول الله - ﷺ - بخير، وقال له خيرًا" (١).
٢٠ - عريش القيادة النبوية يوم بدر
ثبت أن النبي - ﷺ - كان له عريش يدير منه المعركة يوم بدر، وقد شارك أيضًا صلوات الله عليه في الحرب والمعركة ونزل إلى ساحة القتال.
٢٤٤ - من حديث ابن عباس ﵄ "أن النبي - ﷺ - قال وهو في قبة له يوم بدر .. وذكر دعاء النبي - ﷺ - (٢).
٢٤٥ - ومن طريق ابن إسحاق: أن رسول الله - ﷺ - لما حرض أصحابه على القتال، ورمى المشركين بما رماهم به من التراب، وهزمهم الله تعالى صعد إلى العريش أيضًا ومعه أبو بكر، ووقف سعد بن معاذ ومن معه من الأنصار على باب العريش، ومعهم السيوف خشية أن تكر راجعة من المشركين إلى النبي - ﷺ - (٣).
_________________
(١) الإصابة في تمييز الصحابة: ٢/ ٩٥، وسنده حسن إلا أنه مرسل، ويسنده ما جاء عن عبد الله بن جبير الخزاعي في مجمع الزوائد: ٦/ ٢٨٩، وقال الهيثمي: رواه الطبراني ورجاله ثقات على ما في عبد الله بن جبير من ضعف كما جاء في التهذيب: ٥/ ١٦٨.
(٢) أخرجه البخاري في المغازي باب إذ تستغيثون ربكم رقم: ٣٩٥٣ من طرق متعددة.
(٣) البداية والنهاية: ٣/ ٢٨٤، وانظر سيرة ابن هشام: ١/ ٦٢٠، والطبري في التاريخ: ٢/ ٤٤٠، والبيهقي في الدلائل: ٣/ ٤٤، جميعًا من طريق ابن إسحاق من مرسل عبد الله بن أبي بكر.
[ ١٧٢ ]
المبحث الثالث: المرحلة الثانية: أحداث المعركة
١ - المبارزة بين المسلمين والمشركين
٢٤٦ - من حديث علي بن أبي طالب ﵁ قال: "أنا أول من يجثو بين يدي الرحمن للخصومة يوم القيامة، وقال قيس بن عبادة: وفيهم أنزلت ﴿هذان خصمان اختصموا في ربهم﴾ قال: هم الذين تبارزوا يوم بدر، حمزة، وعلي، وعبيدة، أو أبو عبيدة بن الحارث، وشيبة بن ربيعة، وعتبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة" (١).
٢٤٧ - ومن طريق ابن إسحاق قال حدثني عاصم بن عمر بن قتادة قال:
"ثم خرج عتبة بن ربيعة، بين أخيه شيبة بن ربيعة وابنه الوليد بن عتبة، حتى إذا فصل من الصف دعا إلى المبارزة، فخرج إليه فتية من الأنصار ثلاثة، وهم عوف، ومعوذ، أبناء الحارث -وأمهما عفراء- ورجل آخر يقال: هو عبد الله بن رواحة فقالوا: من أنتم؟ فقالوا: رهط من الأنصار. قالوا: ما لنا بكم من حاجة. ثم نادى مناديهم: يا محمد، أخرج إلينا أكفاءنا من قومنا.
فقال رسول الله - ﷺ -: قم يا عبيدة بن الحارث، قم يا حمزة، قم يا علي، فلما قاموا ودنوا منهم.
قالوا: من أنتم؟ قال عبيدة: عبيدة، وقال حمزة: حمزة، وقال علي: علي، قالوا: نعم، أكفاء كرام.
فبارز عبيدة -وكان أسن القوم، عتبة بن ربيعة، وبارز حمزة شيبة بن ربيعة، وبارز علي الوليد بن عتبة.
فأما حمزة فلم يمهل شيبة أن قتله، وأما علي فلم يمهل الوليد أن قتله، واختلف عبيدة وعتبة بينهما ضربتين، كلاهما أثبت صاحبه، وكر حمزة وعلي
_________________
(١) أخرجه البخاري في المغازي باب قتل أبي جهل حديث رقم: ٣٩٦٥، وقد جاء هذا الحديث أيضًا من طريق أبي ذر ﵁ عند البخاري في المغازي باب قتل أبي جهل رقم: ٣٩٦٦، ومسلم بشرح النووي: ١٨/ ١٦٦، وابن ماجه برقم: ٢٨٣٥، الطيالسي: ٢/ ٢١، والطبراني في الكبير: ٣/ ١٦٤، وقال الحاكم: ٢/ ٣٨٦ عن حديث علي: لقد صح الحديث بهذه الروايات من طريق علي، كما صح من طريق أبي ذر.
[ ١٧٣ ]
بأسيافهما على عتبة فذففا عليه، واحتملا صاحبهما، فحازاه إلى أصحابه (١).
٢٤٨ - من حديث علي بن أبي طالب قال: "تقدم يعني عتبة بن ربيعة، وتبعه ابنه وأخوه، فنادى من يبارز فانتدب له شباب من الأنصار، فقال: من أنتم؟ فأخبروه فقال: لا حاجة لنا فيكم، إنما أردنا بني عمنا، فقال رسول الله - ﷺ -: (قم يا حمزة، قم يا علي، قم يا عبيده بن الحارث) فأقبل حمزة إلى عتبة، وأقبلت إلى شيبة، واختلف بين عبيدة والوليد ضربتان، فأثخن كل واحد منهما صاحبه، ثم ملنا على الوليد فقتلناه، واحتملنا عبيدة" (٢).
وقد وافقت رواية حديث علي هذه بأنه قتل شيبة وحمزة قتل عتبة ثم أعانا عبيدة على الوليد ما رواه الطبراني بإسناد حسن عن علي قال: "أعنت أنا وحمزة عبيدة بن الحارث على الوليد بن عتبة، فلم يعب النبي - ﷺ - ذلك علينا" (٣).
وقال ابن حجر (بعد أن ذكر حديث علي الذي رواه أبو داود): وهذا أصح الروايات، لكن الذي في السير أن الذي بارز علي هو الوليد، وهو المشهور، وهو اللائق بالمقام لأن عبيدة وشيبة كانا شيخين كعتبة وحمزة، بخلاف الوليد وعلي فكانا شابين (٤).
ولمن أراد زيادة تفصيل في هذا الأمر فليراجع كتاب مرويات غزوة بدر ومناقشة الأقوال في بيان من بارز كل واحد من الثلاثة من المشركين الثلاثة أيضًا، والأظهر والله أعلم ما جاء في حديث أبي داود عن علي كرم الله وجهه؛ لأنه أصح الروايات كما قال ابن حجر رحمه الله تعالى.
٢ - أوامر القائد الأعلى بالنضح بالنبل
٢٤٩ - من حديث أبي أسيد الساعدي ﵁ قال: "قال لنا رسول الله
_________________
(١) أخرجه ابن هشام في السيرة بإسناد حسن عن ابن إسحاق: ١/ ٦٢٥ ولكنه مرسل، وفتح الباري: ٧/ ٢٩٨، وقد أخرجه الإمام أحمد بتحقيق أحمد شاكر: ٢/ ١٩٣ من حديث علي وإسناده صحيح. * فذففا: أسرعا قتله.
(٢) أخرجه أبو داود في الجهاد باب في المبارزة رقم: ٢٦٦٥ وإسناده صحيح كما قال ابن حجر في فتح الباري: ٧/ ٢٩٨، وأحمد: ١/ ١١٧، وأخرجه الحاكم: ٣/ ١٨٧ - ١٨٨، عن ابن عباس وسنده حسن وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.
(٣) فتح الباري: ٧/ ٢٩٨.
(٤) فتح الباري: ٧/ ٢٩٨.
[ ١٧٤ ]
- ﷺ - يوم بدر: (إذا أكثبوكم فارموهم واستبقوا نبلكم) " (١).
وفي رواية أبي داود زيادة (إذا اكثبوكم فارموهم بالنبل، ولا تسلوا السيوف حتى يغشوكم" (٢).
٣ - وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى
٢٥٠ - من حديث ابن عباس قال: "قال رسول الله - ﷺ - لعلي: (ناولني كفًّا من حصى) فناوله، فرمى بها وجوه القوم، فما بقى أحد من القوم إلا امتلأت عيناه من الحصباء، فنزلت ﴿وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى﴾ (٣).
٢٥١ - ومن حديث حكيم بن حزام ﵁ قال: "لما كان يوم بدر أمر رسول الله - ﷺ - فأخذ كفًّا من الحصى، فاستقبلنا به فرمى بها وقال: (شاهت الوجوه) فانهزمنا فأنزل الله -﷿- ﴿وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى﴾ (٤).
٤ - مشاهد وأحداث من المعركة
أ - عمير بن الحمام والتمرات:
٢٥٢ - من حديث أنس بن مالك ﵁ قال: " فانطلق رسول الله - ﷺ - وأصحابه حتى سبقوا المشركين إلى بدر، وجاء المشركون، فقال رسول الله - ﷺ - (لا يقدمَنَّ أحد منكم إلى شيء، حتى أكون أنا دونه) فدنا المشركون فقال رسول الله - ﷺ - (قوموا إلى جنة عرضها السموات والأرض).
قال: يقول عمير ابن الحمام الأنصاري: يا رسول الله جنة عرضها السموات والأرض؟ قال: "نعم" قال: بخ بخ، فقال رسول الله - ﷺ -: (ما يحملك على قولك بخ بخ؟) قال: لا. والله يا رسول الله إلا رجاء أن أكون من
_________________
(١) أخرجه البخاري في المغازي باب من شهد بدرًا رقم: ٣٩٨٤، ٣٩٨٥ أحمد انظر الفتح الرباني: ٢١/ ٤٢ والبيهقي في الدلائل: ٣/ ٧٠.
(٢) أخرجه أبو داود في السنن طبعة الساعاتي: ٢/ ٤٨ وسكت عنه المنذري والإسناد ضعيف والله أعلم، وفي إسناده إسحاق بن نجيح قال في التقريب: ١/ ٦١، مجهول، ومالك بن حمزة بن أبي أسيد: التقريب: ٢/ ٢٢٤، مقبول، ولكنه أخرجه بإسناده آخر وهو سند حسن في نفس الصفحة.
(٣) قال الهيثمي في المجمع: ٦/ ٨٤ رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح انظر الطبراني: ١١٧٥٠.
(٤) قال الهيثمي في المجمع: ٦/ ٨٤ رواه الطبراني وسنده حسن، انظر الطبراني في الكبير: ٣١٢٧، ٣١٢٨، ورواه الطبراني في الأوسط كما في مجمع البحرين: ٢٣٧.
[ ١٧٥ ]
أهلها، قال: (فإنك من أهلها) فأخرج تمرات من قرنه، فجعل يأكل منهن، ثم قال: لئن أنا حييت حتى آكل تمراتي هذه، إنها لحياة طويلة، قال: فرمى بما كان معه من التمر، ثم قاتلهم حتى قتل" (١).
ب - مصرع أبي جهل لعنه الله:
٢٥٣ - من حديث عبد الرحمن بن عوف ﵁: قال: "بينما أنا واقف في الصف يوم بدر، نظرت عن يميني وشمالي، فهذا أنا بين غلامين من الأنصار حديثة أسنانهما، تمنيت لو كنت بين أضلع منهما، فغمزني أحدهما فقال: يا عم هل تعرف أبا جهل؟ قال: قلت: نعم وما حاجتك إليه يا ابن أخي؟ قال: أخبرت أنه يسب رسول الله - ﷺ -، والذي نفسي بيده لئن رأيته لا يفارق سوادي سواده، حتى يموت الأعجل منا. قال: فتعجبت لذلك، فغمزني الآخر فقال مثلها.
قال: فلم أنشب أن نظرت إلى أبي جهل يزول في الناس فقلت: ألا تريان؟ هذا صاحبكما الذي تسألان عنه، قال: فابتدراه بسيفيهما حتى قتلاه، ثم انصرفا إلى رسول الله - ﷺ - فأخبراه، فقال: (أيكما قتله؟) فقال كل واحد منهما: أنا قتلته، فقال: (هل مسحتما سيفيكما؟) قالا: لا: فنظر في السيفين فقال: (كلاكما قتله)، وقضى بسلبه لمعاذ بن عمرو بن الجموح. والرجلان معاذ بن عمرو بن الجموح، ومعاذ بن عفراء" (٢).
٢٥٤ - من حديث أنس ﵁ قال: " قال رسول الله - ﷺ - يوم بدر: (من ينظر ما صنع أبو جهل؟) فانطلق ابن مسعود فوجده قد ضرباه! أبناء عفراء حتى برد، فأخذ بلحيته فقال: أنت أبو جهل، قال: وهل فوق رجل قتله قومه أو قال: قتلتموه" (٣).
_________________
(١) أخرجه مسلم في الإمارة باب ثبوت الجنة للشهيد: رقم: ١٩٠١، أحمد في المسند: ٣/ ١٣٦ - ١٣٧، والحاكم في المستدرك:٣/ ٤٢٦ - وابن سعد في الطبقات: ٢/ ٢٥، والبيهقي في السنن: ٩/ ٤٣. * بخ بخ: كلمة تطلق لتفخيم الأمر وتعظيمة في الخير. قرنه: جعبة النشاب.
(٢) أخرجه البخاري في المغازي باب فضل من شهد بدرًا رقم: ٣٩٨٨، ومسلم في الجهاد والسيرة باب استحقاق القائل سلب القتيل: ١٧٥٢، الحاكم: ٣/ ٤٢٥ - والطبري في التاريخ: ٢/ ٤٥٤ - ٤٥٥، والبيهقي في الدلائل: ٣/ ٨٣ - ٨٥.
(٣) أخرجه البخاري في المغازي باب قتل أبو جهل رقم: ٣٩٦٣، مسلم في الجهاد، باب قتل أبي جهل =
[ ١٧٦ ]
٢٥٥ - ومن حديث ابن مسعود ﵁ قال: "أدركت أبا جهل يوم بدر صريعًا، فقلت: أي عدو الله قد أخزاك الله؟ قال: وبما أخزاني: من رجل قتلتموه، ومعي سيف لي، فجعلت أضربه ولا يحتك فيه شيء، ومعه سيف له جيد، فضربت يده فوقع السيف من يده فأخذته، ثم كشفت المغفر عن رأسه فضربت عنقه، ثم أتيت النبي - ﷺ - فأخبرته، فقال: (الله الذي لا إله إلا هو).
قلت: الله الذي لا إله إلا هو.
قال: فانطلق فاستثبت فانطلقت وأنا أسعى مثل الطائر، ثم جئت وأنا أسعى مثل الطائر أضحك فأخبرته.
فقال رسول الله - ﷺ -: (انطلق) فانطلقت معه فأريته، فلما وقف عليه - ﷺ - قال: (هذا فرعون هذه الأمة) (١).
جـ - مصرع أمية بن خلف:
٢٥٦ - من حديث عبد الرحمن بن عوف ﵁ قال: "كاتبت أمية بن خلف كتابًا بأن يحفظني في صاغيتي (٢) بمكة، وأحفظه في صاغيته بالمدينة، فلما ذكرت "الرحمن" قال: لا أعرف الرحمن، كاتبني باسمك الذي كان في الجاهلية، فكاتبته (عبد عمرو).
فلما كان في يوم بدر خرجت إلى جبل لأحرزَه حين نام الناس، فأبصره بلال، فخرج حتى وقف على مجلس من الأنصار، فقال: أمية بن خلف لا نجوت إن نجا أمية، فخرج معه فريق من الأنصار في آثارنا فلما خشيت أن يلحقونا خلفت لهم ابنه لأشغلهم فقتلوه، ثم أبوا حتى يتبعونا -وكان رجلًا ثقيلًا
_________________
(١) = رقم: ١٨٠٠، أبو داود في الجهاد باب خصة في السلاح يقاتل به في المعركة رقم: ٢٧٠٩، أحمد في المسند: ٣/ ١١٥، ١٢٩، ٢٣٦.
(٢) أخرجه الهيثمي في المجمع: ٦/ ٧٩ وقال رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح غير محمد بن وهب بن أبي كريمة وهو ثقة، قال عنه في التقريب: ٢/ ٢١٦، صدوق من العاشرة فيكون الحديث حسنًا والله أعلم، وانظر الطبراني من حديث: ٨٤٦٨ - ٨٤٧٦، والبيهقي في الدلائل: ٢/ ٢٦١ - ٢٦٢، والبزار كلما في الكشف: ١/ ٢٨٨ - أحمد كما في الفتح الرباني: ٢١/ ٣٨.
(٣) الصاغية: صاغية الرجل: ما يميل إليه، ويطلق على الأهل والمال.
[ ١٧٧ ]
- فلما أدركونا قلت له: ابرك، فبرك، فألقيت عليه نفسي لأمنعه، فتجللوه بالسيوف من تحتي حتى قتلوه، وأصاب أحدهم رجلي بسيفه، وكان عبد الرحمن ابن عوف يرينا ذلك الأثر في ظهر قدمه" (١).
٢٥٧ - ومن حديث عبد الرحمن بن عوف ﵁ قال: "كان أمية بن خلف لي صديقًا بمكة، وكان اسمي عبد عمرو فتسميت حين أسلمت عبد الرحمن، ونحن بمكة، فكان يلقاني إذ نحن بمكة فيقول: يا عبد عمرو أرغبت عن اسم سماك أبوك؟ قال: فأقول: نعم.
قال: فإني لا أعرف الرحمن، فاجعل بيني وبينك شيئًا أدعوك به، أما أنت فلا تجبني باسمك الأول، وأما أنا فلا أدعوك بما لا أعرف!.
قال: وكان إذا دعاني يا عبد عمرو لم أجبه، قال: فقلت: يا أبا علي اجعل ما شئت، قال: فأنت عبد الإله، قال: قلت نعم.
قال: فكنت إذا مررت به قال: يا عبد الإله فأجبته فأتحدث معه، حتى إذا كان يوم بدر، مررت به وهو واقف مع ابنه علي، وهو آخذ بيده قال: ومعي أدراع لي قد استلبتها، فأنا أحملها، فلما رآني قال: يا عبد عمرو فلم أجبه، فقال: يا عبد الإله، فقلت: نعم، قال: هل لك فيَّ فأنا خير لك من هذه الأدراع التي معك؟ قال: قلت: نعم ها الله؟
قال: فطرحت الأدراع من يدي، وأخذت بيده وبيد ابنه وهو يقول: ما رأيت كاليوم قط، أما لكم حاجة في اللبن؟ ثم خرجت أمشي بهما.
قال ابن هشام: يريد باللبن أن من أسرني افتديت منه بإبل كثيرة اللبن" (٢).
د - مصرع عبيد بن سعيد بن العاص على يد الزبير:
٢٥٨ - من حديث الزبير بن العوام ﵁ قال: "لقيت يوم بدر عبيد ابن سعيد بن العاص وهو مدجج لا يرى منه إلا عيناه، وهو يكنى أبا ذات
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الوكالة باب إذا وكل المسلم حربيًّا في دار الحرب رقم: ٢٣٠١، فتح الباري: ٤/ ٤٨٠، ابن هشام في السيرة، ١/ ٦٣٢، بإسناد حسن والطبري في التاريخ: ٢/ ٤٥١ - ٤٥٣، مسلم برقم:١٧٥٢.
(٢) السيرة النبوية ابن هشام: ١/ ٦٣١، وسنده صحيح وقد صرح ابن إسحاق بالتحديث.
[ ١٧٨ ]
الكرش، فقال: أنا أبو ذات الكرش، فحملت عليه فطعنته في عينه فمات".
قال هشام، فأخبرت أن الزبير قال: "لقد وضعت رجلي عليه ثم تمطأت فكان الجهد أن نزعتها وقد انثنى طرفاها".
قال عروة: "فسأله إياها رسول الله - ﷺ - فأعطاه، فلما قبض رسول الله - ﷺ - أخذها، ثم طلبها أبو بكر فأعطاه، فلما قبض أبو بكر سأله إياها عمر فأعطاه إياها، فلما قبض عمر أخذها، ثم طلبها عثمان منه فأعطاه إياها، فلما قتل عثمان وقعت عند آل علي، فطلبها عبد الله بن الزبير، فكانت عنده حتى قتل" (١).
هـ - استشهاد حارثة بن سراقة:
٢٥٩ - من حديث أنس بن مالك ﵁ قال: "أصيب حارثة يوم بدر وهو غلام، فجاءت أمه إلى النبي - ﷺ - فقالت: يا رسول الله، قد عرفت منزلة حارثة مني، فإن يكن في الجنة أصبر وأحتسب، وإن تكن الأخرى تر ما أصنع؟. فقال: (ويحك -أوهبلت- أوجنة واحدة هي؟ إنها جنان كثيرة، وإنه في جنة الفردوس) (٢).
و- عوف بن الحارث وسؤاله: ما يضحك الرب من عبده:
٢٦٠ - قال ابن إسحاق حدثني عاصم بن عمر بن قتادة: "أن عوف بن مالك وهو الحارث بن عفراء، قال: يا رسول الله، ما يضحك الرب من عبده؟ قال: (غمسه يده في العدو حاسرًا)، فنزع درعًا كانت عليه فقذفها، ثم أخذ سيفه فقاتل القوم حتى قتل" (٣).
ز - شجاعة الرسول ﷺ:
٢٦١ - من حديث علي بن أبي طالب كرم الله وجهه:
"قال: لقد رأيتنا يوم بدر، ونحن برسول الله - ﷺ - وهو أقربنا من العدو،
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه في المغازي باب شهود الملائكة بدرًا حديث رقم: ٣٩٩٨.
(٢) أخرجه البخاري في المغازي باب فضل من شهد بدرًا حديث رقم: ٣٩٨٢.
(٣) أخرجه ابن هشام في السيرة: ١/ ٦٢٧ - ٦٢٨ والبيهقي في السنن: ٦/ ٩٩ - ١٠٠، الطبري في التاريخ: ٢/ ٤٤٨ - ٤٤٩ من طريق ابن إسحاق وصرح ابن إسحاق بالتحديث فسنده حسن ولكنه مرسل.
[ ١٧٩ ]
وكان من أشد الناس يومئذ بأسًا" (١).
٢٦٢ - ومن حديث أنس ﵁ قال: "فانطلق رسول الله - ﷺ - وأصحابه حتى سبقوا المشركين إلى بدر، وجاء المشركون فقال رسول الله - ﷺ -: (لا يقومن أحد منكم إلى شيء حتى أكون أنا دونه ) فذكر الحديث وفيه قصة عمير بن الحمام (٢).
حـ - مشاركة الملائكة يوم بدر:
٢٦٣ - من حديث ابن عباس قال: "بينما رجل من المسلمين يومئذ يشتد في إثر رجل من المشركين أمامه، إذ سمع ضربة بالسوط فوقه، وصوت الفارس يقول أقدم حيزوم. فنظر إلى المشرك أمامه فخر مستلقيًا، فنظر إليه فهذا هو قد خطم أنفه وشق وجهه كضربة السوط فاخضر ذلك، فجاء الأنصاري فحدث بذلك رسول الله - ﷺ - فقال: (صدقت، ذلك من مدد السماء الثالثة) (٣).
٢٦٤ - ومن حديث ابن عباس ﵄ أيضًا قال: "إن النبي - ﷺ - قال يوم بدر: (هذا جبريل آخذ برأس فرسه عليه أداة الحرب) (٤).
٢٦٥ - من حديث علي بن أبي طالب كرم الله وجهه قال: "فجاء رجل من الأنصار قصير بالعباس بن عبد المطلب أسيرًا، فقال العباس: يا رسول الله إن هذا والله ما أسرني، لقد أسرني رجل أجلح من أحسن الناس وجهًا على فرس أبلق ما أراه في القوم، فقال الأنصاري: أنا أسرته يا رسول الله فقال: (اسكت فقد أيدك الله بملك كريم) (٥).
_________________
(١) أخرجه أحمد في المسند: ١/ ٨٦، وأبو الشيخ في أخلاق النبي - ﷺ -: ص: ٥٧، من طريق وكيع حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن حارثة بن مضرب به، وهذا إسناد صحيح فقد صحح الشيخان رواية إسرائيل عن جده، وانظر مجمع الزوائد: ٩/ ١٢، وصححه أحمد شاكر في تعليقه على المسند: ٢/ ٢٢٨، ويشهد له حديث البراء عند مسلم: ١٧٧٦، الجهاد باب في غزوة حنين.
(٢) انظر تخريج الحديث: ٢٥٢، فإنه قطعة منه. * خطم: الخطم الأثر على الأنف. حيزوم: اسم الفرس الذي يركبه الملك.
(٣) أخرجه مسلم في الجهاد باب الإمداد بالملائكة من حديث عمر الذي حدثه ابن عمر رقم: ١٧٦٣. انظر شرح مسلم للنووي: ١٢/ ٨٥ - ٨٦.
(٤) رواه البخاري في المغازي باب فضل من شهد بدرًا رقم: ٣٩٩٥.
(٥) تقدم تخريجه حديث رقم: ٢٤٨.
[ ١٨٠ ]
٢٦٦ - ومن حديث أبي داود المازني: قال: "إني لأتبع رجلًا من المشركين لأضربه إذ وقع رأسه قبل أن يصل إليه سيفي فعرفت أنه قتله غيري" (١).
٢٦٧ - ومن حديث البراء قال: "جاء رجل من الأنصار بالعباس قد أسره، فقال العباس، يا رسول الله ليس هذا من أسرني، أسرني رجل في القوم أنزع من هيئته كذا وكذا فقال رسول الله - ﷺ -: (قد آزرك الله بملك كريم) (٢).
٢٦٨ - ومن حديث علي بن أبي طالب كرم الله وجهه قال: "قال لي النبي - ﷺ - ولأبي بكر يوم بدر (مع أحدكما جبريل، ومع الآخر ميكائيل، وإسرافيل ملك عظيم يشهد القتال، أو يكون في الصف) (٣).
قال الحافظ في الفتح: "قال الشيخ تقي الدين السبكي:
"سئلت عن الحكمة في قتال الملائكة مع النبي - ﷺ - مع أن جبريل قادر على أن يدفع الكفار بريشة من جناحه؟
فقلت: وقع ذلك لإرادة أن يكون الفعل للنبي وأصحابه، وتكون الملائكة مددًا على عادة مدد الجيوش، رعاية لصورة الأسباب وسنتها التي أجراها الله تعالى في عباده، والله تعالى هو فاعل الجميع والله أعلم" (٤).
ط - قتال سعد بن أبي وقاص:
٢٦٩ - من حديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال: "كان سعد يقاتل مع رسول الله - ﷺ - يوم بدر، قتال الفارس والراجل" (٥).
_________________
(١) أخرجه ابن هشام: ١/ ٦٣٣، وأحمد في المسند: ٥/ ٤٥٠ من طريق ابن إسحاق حدثني أبي إسحاق بن يسار عن رجال من بني مازن عن أبي داود المازني وسنده حسن -والبيهقي في الدلائل: ٣/ ٥٦، والطبري في التاريخ: ٢/ ٤٥١. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد: ٦/ ٨٣، رواه أحمد وفيه رجل لم يسم.
(٢) قال الهيثمي: ٦/ ٨٥، رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح.
(٣) قال الهيثمي في المجمع: ٦/ ٨٢، رواه أحمد بنحوه والبزار واللفظ له ورجالهما رجال الصحيح، ورواه أبو يعلى" كشف الأستار رقم: ١٤٦٧، ١٧٦٢، أحمد: ١/ ١٤٧، أبو يعلى رقم: ٣٤٠، الحاكم: ٣/ ١٣٤، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي والحديت بإسناده صحيح.
(٤) فتح الباري: ٧/ ٣١٣، في التعليق على حديث رقم: ٣٩٩٥.
(٥) كشف الأستار: ١٧٦٨ - ١٧٦٩، وكان الهيثمي في المجمع: ٦/ ٨٢، رواه البزار بإسنادين أحدهما متصل والآخر مرسل ورجالهما ثقات.
[ ١٨١ ]
ك - شدة بأس علي بن أبي طالب يوم بدر:
٢٧٠ - من حديث علي بن أبي طالب كرم الله وجهه قال: "كنت على بئر فكنت يوم بدر أميح وأمتح منه، فجاءت ريح شديدة، ثم جاءت ريح شديدة، فلم أر ريحًا أشد منها إلا التي كانت قبلها، ثم جاءت ريح شديدة، فكانت الأولى ميكائيل في ألف من الملائكة عن يمين النبي - ﷺ -، والثانية إسرافيل في ألف من الملائكة عن يسار النبي - ﷺ -، والثالثة جبريل في ألف من الملائكة، وكان أبو بكر عن يمينه، وكنت عن يساره، فلما هزم الله الكفار حملني رسول الله - ﷺ - على فرسه، فلما استويت عليه حمل لي، فصرت على عنقه فدعوت الله فثبتني عليه، فطعنت برمحي حتى بلغ الدم إبطي" (١).
ل - الريح العقيم التي أرسلت على المشركين يوم بدر:
٢٧١ - من حديث ابن عباس ﵄ قال: "أخذتهم ريح عقيم يوم بدر" (٢).
م - قذف قتلى أئمة الكفر في القليب:
٢٧٢ - من حديث أنس بن مالك ﵁، عن أبي طلحة ﵁: "أن نبي الله - ﷺ - أمر يوم بدر بأربعة وعشرين رجلًا من صناديد قريش، فقذفوا في طوي من أطواء بدر خبيث مخبث، وكان إذا ظهر على قوم أقام بالعرصة ثلاث ليال، فلما كان ببدر اليوم الثالث: أمر براحلته فشدت عليها رحلها، ثم مشى واتبعه أصحابه وقالوا: ما نرى ينطلق إلا لبعض حاجته، حتى قام على شفى الركي فجعل يناديهم بأسمائهم وأسماء آبائهم: (يا فلان بن فلان، ويا فلان بن فلان، أيسركم أنكم أطعتم الله ورسوله؟ فإنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقًّا، فهل وجدتم ما وعد ربكم حقًّا).
قال: فقال: عمر يا رسول الله، ما تكلم من أجساد لا أرواح لها.
فقال: رسول الله - ﷺ -: (والذي نفس محمد بيده ما أنتم بأسمع لما أقول
_________________
(١) * متح الدلو جذبها متسقيا لها.
(٢) قال الهيثمي في المجمع: ٦/ ٧٧، رواه أبو يعلى ورجاله ثقات.
(٣) قال الهيثمي في المجمع: ٦/ ٧٨ رواه البزار ورجاله ثقات، وانظر كشف الأستار رقم: ١٧٨٢.
[ ١٨٢ ]
منهم).
قال قتادة: "أحياهم الله حتى أسمعهم قوله، توبيخًا وتصغيرًا ونقيمة وحسرة وندمًا" (١).
٢٧٣ - من حديث ابن عمر ﵄ قال: "وقف النبي - ﷺ - على قليب بدر فقال: (هل وجدتم ما وعد ربكم حقًّا؟) ثم قال: (إنهم الآن يسمعون)، فذكر لعائشة، فقالت: إنما قال النبي - ﷺ -: (إنهم الآن ليعلمون أن الذي كنت أقول لهم هو الحق). ثم قرأت ﴿إنك لا تسمع الموتى﴾ حتى قرأتْ الآية .. (٢).
٢٧٤ - ومن حديث أنس بن مالك ﵁: "أن رسول الله - ﷺ - ترك قتلى بدر ثلاثًا، ثم أتاهم فقام عليهم فناداهم فقال: (يا أبا جهل بن هشام! يا أمية بن خلف! يا عتبة بن ربيعة! يا شيبة بن ربيعة! أليس قد وجدتم ما وعد ربكم حقًّا؟ فإني قد وجدت ما وعدني ربي حقًّا) فسمع عمر قول النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله كيف يسمعوا وأنَّى يجيبوا وقد جيفوا قال: (والذي نفسي بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، ولكنهم لا يقدرون أن يجيبوا) ثم أمر بهم فسحبوا فألقوا في قليب بدرًا" (٣).
ولمن أراد التوسع في هذه المسألة والآراء المعروضة فيها فليراجع فتح الباري وأقوال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى في تعليقه على حديث ابن عمر ﵄ السابق وقول ابن كثير ﵀ في التفسير: (٣/ ٤٣٨) فإن في ذلك فائدة جيدة والله أعلم.
_________________
(١) أخرجه البخاري في المغازي باب قتل أبي جهل حديث رقم: ٣٩٧٦، مسلم في الجنة باب عرض مقعد الميت من الجنة أو النار عليه رقم: ٢٨٧٤ - ٢٨٧٥، والنسائي: ٤/ ١٠٩ - ١١٠، وأحمد في المسند: ٣/ ١٠٤ - ١٨٢ من طريق حميد به. الركى: البئر.
(٢) أخرجه البخاري في المغازي باب قتل أبي جهل حديث رقم: ٣٩٨٠ - ٣٩٨١، النسائي: ٤/ ١١١، أحمد في المسند: ٢/ ١٣١، ورجال أحمد رجال الصحيح كما قال الهيثمي في المجمع: ٦/ ٩١.
(٣) أخرجه مسلم في كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها رقم: ٢٨٧٤، وأحمد في المسند: ٣/ ٢٨٧. * جيفوا: أنتنوا وصاروا جيفًا.
[ ١٨٣ ]
ن - أسرى بني عبد المطلب وخروجهم كرهًا:
٢٧٤ - من حديث علي بن أبي طالب قال: قال رسول الله - ﷺ - يوم بدر: (إن استطعتم أن تأسروا من بني عبد المطلب فإنهم خرجوا كرهًا) (١).
س - إقامة الرسول - ﵇ - في بدر ثلاثًا:
وقد ثبت في الصحيح أنه مكث ثلاثة أيام في بدر.
من حديث أنس رقم: ٢٧٢، وهو في الصحيح" أنه - ﷺ - كان إذا ظهر على قوم أقام بالعرصة ثلاث ليال .. ".
٢٧٥ - ومن حديث أبي طلحة ﵁ قال: "كان رسول الله - ﷺ - إذا ظهر على قوم أقام بعرصتهم ثلاثًا" (٢).
ع - عدد القتلى من المشركين والشهداء من المسلمين:
٢٧٦ - من حديث البراء بن عازب ﵄ قال: "جعل النبي - ﷺ - على الرماة يوم أحد عبد الله بن جبير، فأصابوا منا سبعين، وكان النبي - ﷺ - وأصحابه أصابوا من المشركين يوم بدر أربعين ومائة، سبعين أسيرًا وسبعين قتيلًا، قال أبو سفيان: يوم بيوم بدر، والحرب سجال" (٣).
٢٧٧ - من حديث ابن مسعود ﵁ قال: "إن الثمانية عشر الذين قتلوا من أصحاب رسول الله - ﷺ - يوم بدر جعل الله أرواحهم في الجنة في طير خضر تسرح في الجنة، فبينما هم كذلك إذ اطلع عليهم اطلاعة فقال: يا عبادي ماذا تشتهون؟، فقالوا: يا ربنا هل فوق هذا شيء؟ قال: فيقول: عبادي ماذا تشتهون؟، فيقولون في الرابعة: ترد أرواحنا في أجسادنا فنقتل كما قتلنا" (٤).
_________________
(١) تقدم تخريجه رقم: ٢٤٨.
(٢) أخرجه الترمذي في السير باب في البيات والغارات وقال حسن صحيح رقم: ١٥٥١.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه في المغازي باب: حديث رقم: ٣٩٨٦.
(٤) قال الهيثمي في المجمع: ٦/ ٩٠، رواه الطبراني ورجاله ثقات، وانظر الطبراني في الكبير: ١٠٤٦٦.
[ ١٨٤ ]
المبحث الرابع: أحداث ما بعد المعركة
١ - الغنائم:
٢٧٨ - من حديث عبادة بن الصامت ﵁ قال: "خرجنا مع النبي - ﷺ - فشهدت معه بدرًا، فالتقى الناس فهزم الله ﵎ العدو، فانطلقت طائفة في آثارهم يهزمون ويقتلون، فأكبت طائفة على المعسكر يحوونه ويجمعونه، وأحدقت طائفة برسول الله - ﷺ - لا يصيب العدو منه غرة، حتى إذا كان الليل، وفاء الناس بعضهم إلى بعض، قال الذين جمعوا الغنائم: نحن حويناها وجمعناها فليس لأحد فيها نصيب، وقال الذين خرجوا في طلب العدو: لستم بأحق بها منا، نفينا العدو وهزمناهم، وقال الذي أحدقوا برسول الله - ﷺ -: لستم بأحق بها منا، نحن أحدقنا برسول الله - ﷺ - وخفنا أن يصيب العدو منه غرة واشتغلنا به فنزلت ﴿يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول فاتقوا وأصلحوا ذات بينكم﴾ فقسمها رسول الله - ﷺ - على وفاق بين المسلمين" (١).
٢٧٩ - من حديث ابن عباس ﵄ قال: أن النبي - ﷺ - قال: (من أتى مكان كذا وكذا فله كذا وكذا، أو فعل كذا وكذا فله كذا وكذا)، فتسارع إليه الشبان وبقي الشيوخ عند الرايات فلما فتح الله عليهم، جاءوا يطلبون ما جعل لهم النبي - ﷺ - فقال لهم الأشياخ: لا تذهبوا به دوننا فأنزل الله تعالى ﴿فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم﴾ (٢).
_________________
(١) أخرجه أحمد في المسند: ٥/ ٣٢٤، وقال الهيثمي في المجمع: ٦/ ٩٢ رجاله ثقات، وفي: ٧/ ٢٦، قال رجال الطريقين ثقات وابن حبان رقم: ١٦٩٣، موارد، وابن جرير في التفسير: ٩/ ١٧٢، والحاكم: ٢/ ٣٢٦،١٣٦،١٣٥، وقال على شرط مسلم وأقره الذهبي في الموضعين، والبيهقي في السنن: ٦/ ٢٩٢، وهذا لفظ أحمد. وقال الساعاتي: ١٤/ ٧٣، قال الترمذي هذا حديث صحيح، ثم قال: وأورده الهيثمي وقال رجال أحمد ثقات، ورواه الحاكم في المستدرك وصححه ووافقه الذهبي.
(٢) أخرجه أبو داود في السنن الجهاد باب في النفل رقم: ٢٧٣٧، وابن حبان في الموارد رقم: ١٧٤٣، والحاكم في المستدرك: ٢/ ١٣٢، ٢٢١، ٣٢٦، وصححه في المواضع الثلاث ووافقه الذهبي، وابن جرير: ١٣/ ٣٦٧،٣٦٨، وصححه أحمد شاكر في تحقيقه الكتاب، والبيهقي: ٦/ ٣١٥ وابن كثير في التفسير: ٢/ ٢٨٤، وزاد نسبته إلى النسائي وابن مردويه.
[ ١٨٥ ]
٢٨٠ - ومن حديث مصعب بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه قال: لما كان يوم بدر جئت بسيف فقلت: يا رسول الله - ﷺ - إن الله قد شفى صدري من المشركين أو نحو هذا، هب لي هذا السيف فقال: (هذا ليس لي ولا لك)، فقلت: عسى أن يعطى هذا من لم يبلي بلائي، فجاءني رسول الله - ﷺ -، فقال: (إنك سألتنى وليس لي، وإنه قد صار لي وهو لك) قال: فنزلت ﴿يسألونك عن الأنفال﴾ الآية (١).
٢٨١ - ومن حديث أبي هريرة ﵁ قال: "لما كان يوم بدر تعجل الناس إلى الغنائم فأصابوها فقال رسول الله - ﷺ -: (إن الغنيمة لا تحل لأحد سود الرؤوس غيركم) وكان النبي وأصحابه إذا غنموا غنيمة جمعوها ونزلت نار فأكلتها، فأنزل الله هذه الآية ﴿لولا كتاب من الله سبق﴾ إلى آخر الآيتين" (٢).
٢ - الاختلاف في الأسرى:
٢٨٢ - من حديث عمر بن الخطاب ﵁، الذي رواه عنه ابن عباس ﵄ قال:
فقتلوا يومئذ سبعين وأسروا سبعين قال أبو زميل: قال ابن عباس: فلما أسروا الأسارى قال رسول الله - ﷺ -: يا أبا بكر وعلي وعمر ما ترون في هؤلاء الأسارى؟
فقال أبو بكر: يا نبي الله! هم بنو العم والعشيرة، أرى أن تأخذ منهم فدية، فتكون لنا قوة على الكفار، فعسى الله أن يهديهم للإسلام.
فقال رسول الله: ما ترى يا ابن الخطاب؟
قال: لا والله، يا رسول الله ما أرى الذي رأى أبو بكر، ولكني أرى أن تمكنا فنضرب أعناقهم، فتمكن عليًّا من عقيل فيضرب عنقه، وتمكني من فلان
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه كتاب الجهاد والسير باب الأنفال رقم: ١٧٤٨، وأبو داود الطيالسي في مسنده: ١/ ٢٣٨ - ٢٣٩ رقم: ٢٠٦٦، والحاكم: ٢/ ١٣٢، وصححه ووافقه الذهبي، وأحمد في المسند: ١/ ١٨١، ١٨٦، وأبو نعيم: ٨/ ٣١٢، والبيهقي: ٦/ ٢٢٩.
(٢) أخرجه الترمذي في التفسير تفسير سورة الأنفال رقم: ٣٠٨٥، وقال حديث حسن صحيح غريب، وأبو داود الطيالسي في مسنده: ٢/ ١٩، وابن حبان في الموارد:١٦٦٨، والبيهقي: ٦/ ٢٩٠ وهو كما قال الترمذي.
[ ١٨٦ ]
(نسيبًا لعمر) فأضرب عنقه، فإن هؤلاء أئمة الكفر وصناديدها.
فهوى رسول الله - ﷺ - ما قال أبو بكر ولم يهو ما قلت. فلما كان من الغد جئت فهذا رسول الله - ﷺ - وأبو بكر قاعدان يبكيان.
قلت: يا رسول الله أخبرني من أي شيء تبكي أنت وصاحبك، فإن وجدت بكاء بكيت، وإن لم أجد بكاء تباكيت لبكائكما".
فقال رسول الله - ﷺ -: (أبكي للذي عرض على أصحابك من أخذهم الفداء لقد عرض علي عذابهم أدنى من هذه الشجرة) - شجرة قريبة من النبي - ﷺ - وأنزل الله ﷿ ﴿ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض﴾ إلى قوله: ﴿فكلوا مما غنمتم حلالًا طيبًا﴾ فأحل الله الغنيمة لهم" (١).
٢٨٣ - ومن حديث ابن عمر ﵄ قال: استشار رسول الله - ﷺ - في الأسارى أبا بكر فقال: قومك وعشيرتك فخل سبيلهم، فاستشار عمر فقال: اقتلهم، قال: ففداهم رسول الله - ﷺ - فأنزل الله ﷿ ﴿ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض﴾ إلى قوله: ﴿فكلوا مما غنمتم حلالًا طيبًا﴾، قال: فلقي النبي - ﷺ - عمر قال: (كاد أن يصيبنا بلاء في خلافك) (٢).
٢٨٤ - وقد جاء من حديث عبد الله بن مسعود ﵁ بإسناد صحيح ببعض زيادة في وصف أبي بكر وعمر ﵄ الذي وصفهما به رسول الله فمن أحب الزيادة فلينظر الحديث في مكانه (٣).
٣ - زيد يحمل بشارة النصر إلى المدينة المنورة:
٢٨٥ - من حديث أسامة بن زيد ﵄ قال: "إن النبي - ﷺ - خلف
_________________
(١) أخرجه مسلم في الصحيح كتاب الجهاد والسيرة باب الإمداد بالملائكة حديث رقم: ١٧٦٣، أحمد في المسند: ١/ ٣٠ - ٣١، والطبري في التفسير: ١٠/ ٤٤.
(٢) أخرجه الحاكم في المستدرك: ٢/ ٣٢٩، وقال الحاكم حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه وقال الذهبي قلت: على شرط مسلم.
(٣) أخرجه الترمذي في سننه كتاب الجهاد باب في المسؤرة: ٤/ ٢١٣، وفي تفسير سورة الأنفال رقم: ٣٠٨٤، ٥/ ٢٧١، وفي مسند أحمد: ١/ ٣٨٣، والحاكم في المستدرك: ٣/ ٢٢، وقال حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي، وقال ابن حجر في الإصابة: ٢/ ٩١ معلقًا عليه: رواه الطبراني بإسناد صحيح عن أبي عبيدة عن عبد الله بن مسعود، وسبب إرساله أن ابا عبيدة بن عبد الله بن مسعود لم يسمع من أبيه. وقال شاكر بإسناده منقطع: ٥/ ٢٢٩، حديث رقم: ٣٦٣٤.
[ ١٨٧ ]
عثمان بن عفان، وأسامة بن زيد على بنت رسول الله - ﷺ -، فجاء زيد بن حارثة على العضباء ناقة رسول الله - ﷺ - بالبشارة قال أسامة: فسمعت الهيعة، فخرجت فهذا زيد قد جاء بالبشارة، فوالله ما صدقت حتى رأينا الأسارى وضرب رسول الله - ﷺ - لعثمان سهمه" (١).
٢٨٦ - ومن حديث عبد الرحمن بن أسعد بن زرارة ﵄: قال: "قدم بالأسارى حين قدم بهم المدينة، وسودة بنت زمعة زوج النبي - ﷺ - عند آل عفراء في مناحتهم على عوف ومعوذ ابني عفراء، وذلك قبل أن يضرب الحجاب.
قالت سودة: فوالله إني لعندهم إذ أتينا، فقيل هؤلاء الأسارى قد أتى بهم، فرجعت إلى بيتي ورسول الله - ﷺ - فيه، فإذا أبو يزيد سهيل بن عمرو في ناحية الحجرة ويداه مجموعتان إلى عنقه بحبل، فوالله ما ملكت حين رأيت أبا يزيد كذلك أن قلت: "أبا يزيد أعطيتم بأيدكم ألا مِتم كرامًا".
فما انتبهت إلا بقول رسول الله - ﷺ - من البيت: (يا سودة على الله وعلى رسوله)، فقلت: يا رسول الله والذي بعثك بالحق ما ملكت حين رأيت أبا يزيد مجموعة يداه إلى عنقه بالحبل أن قلت ما قلت" (٢).
٤ - قتل عقبة بن أبي معيط في الطريق إلى المدينة:
٢٨٧ - من حديث ابن عباس ﵄ قال: "فأدى رسول الله - ﷺ - أسارى بدر، وكان فداء كل رجل منهم أربعة آلاف، وقتل عقبة بن أبي معيط قبل الفداء قام إليه علي بن أبي طالب فقتله صبرًا، قال: من للصبية يا رسول الله؟ قال: (النار) (٣).
_________________
(١) أخرجه البيهقي: ٩/ ١٧٤، بسند صحيح، والحاكم في المستدرك: ٣/ ٢١٧، ٢١٨، وقال هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه وسكت عنه الذهبي، والبيهقي في الدلائل: ٣/ ١٣٠ - ١٣١، والطبري في التاريخ: ٢/ ٤٥٨، وقد رواه ابن أبي شيبة في المصنف: ١٤/ ٣٦٨، مرسلًا عن عروة، والحاكم: ٣/ ٤٨، عن الزهري مرسلًا، وانظر السيرة النبوية لابن هشام: ١/ ٦٤٢. * الهيعة: الصوت الذي تفرع منه وتخاف.
(٢) أخرجه الحاكم في المستدرك: ٣/ ٢٢، وقال صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وابن جرير في التاريخ: ٢/ ٤٦٠، وابن هشام في السيرة: ١/ ٦٤٥، وسنده صحيح.
(٣) أخرجه الهيثمي في المجمع: ٦/ ٨٩ وقال رواه الطبراني في الكبير: ١٢١٥٢ ورجاله رجال الصحيح وانظر عبد الرزاق في المصنف: ٩٣٩٤.
[ ١٨٨ ]
٢٨٨ - وعن مسروق أنه قال: -لابن أبي معيط- حدثنا عبد الله بن مسعود ﵁ وكان غير كذاب: (إن رسول الله - ﷺ - أمر بعنق أبيك أن تضرب صبرًا، ثم مر به فقال: من للصبية بعدي؟ قال: (لهم النار)، حسبك ما رضي لك رسول الله - ﷺ -" (١).
٥ - كيف تلقت قريش نبأ الهزيمة:
٢٨٩ - وقال ابن إسحاق ﵀ قال:
وكان أول من قدم بمكة بمصاب قريش الحيسمان بن عبد الله الخزاعي فقالوا له: ما وراءك؟
قال: قتل عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأبو الحكم بن هشام، وأمية ابن خلف، وزمعة بن الأسود، ونبيه ومنبه ابنا الحجاج، وأبو البحتري بن هشام، فلما جعل يعدد أشراف قريش قال صفوان بن أمية: والله إن يعقل هذا فسلوه علي؟
فقالوا: ما فعل صفوان بن أمية؟
قال: هو ذاك جالس في الحجر، قد والله رأيت أباه وأخاه حين قتلا" (٢).
٦ - عمير يريد قتل الرسول فيكشف الرسول سرّه فيسلم:
٢٩٠ - من حديث عروة بن الزبير مرسلًا قال: "جلس عمير بن وهب الجمحي مع صفوان بن أمية في الحجر، بعد مصاب أهل بدر بيسير وكان عمير ابن وهب شيطانًا من شياطين قريش، وممن كان يؤذي رسول الله - ﷺ - وأصحابه، ويلقون منه عناء وهو بمكة، وكان ابنه وهب بن عمير في أسارى بدر، فذكر أصحاب القليب ومصابهم، فقال صفوان: "والله إن في العيش بعدهم خير".
قال له عمير: صدقت، أما والله لولا دين علي ليس عندي قضاؤه وعيال
_________________
(١) أخرجه أبو داود في سنة الجهاد باب في قبل الأسير صبرًا رقم: ٢٦٨٦، وقال الهيثمي في المجمع: ٦/ ٥٩ رواه الطبراني في الأوسط ورجاله ثقات. وسند أبي داود حسن.
(٢) إن كان أخرجه ابن إسحاق بسنده الصحيح الوارد في بداية غزوة بدر فالحادثة صحيحة والله أعلم وإلا فالحادثة بلا سند انظر سنده (ابن هشام في السيرة: ١/ ٦٠٦).
[ ١٨٩ ]
أخشى عليهم الضيعة بعدي، لركبت إلى محمد حتى أقتله، فإن لي فيهم علة ابني أسير في أيديهم.
قال: فاغتنمها صفوان بن أمية فقال:
عليَّ دينك أنا أقضيه عنك، وعيالك مع عيالي أواسيهم ما بقوا، لا يسعني شيء ويعجز عنهم، فقال له عمير: فاكتم علي شأني وشأنك.
قال: سأفعل.
قال: ثم أمر عمير سيفه، فشُحذ وسم، ثم انطلق حتى قدم المدينة، فبينما عمر بن الخطاب في نفر من المسلمين يتحدثون عن يوم بدر، ويذكرون ما أكرمهم الله به، وما أراهم في عدوهم، إذ نظر عمر إلى عمير بن وهب وقد أناخ راحلته على باب المسجد متوشحًا سيفه، فقال: هذا الكلب عدو الله عمير بن وهب، ما جاء إلا لشرّ وهو الذي حرش بيننا، وحزرنا للقوم يوم بدر.
ثم دخل عمر على رسول الله - ﷺ - فقال: يا نبي الله، هذا عدو الله عمير بن وهب قد جاء متوشحًا سيفه.
قال: فأدخله علي، قال: فأقبل عمر حتى أخذ بحمالة سيفه في عنقه فلببه بها، وقال لمن كان معه من الأنصار: ادخلوا على رسول الله - ﷺ - فاجلسوا عنده، واحذروا عليه من هذا الخبيث، فإنه غير مأمون.
ثم دخل به على رسول الله - ﷺ -، فلما رآه رسول الله - ﷺ - وعمر آخذ بحمالة سيفه في عنقه قال: (أرسله يا عمر، ادن يا عمير).
فدنا ثم قال: انعموا صباحًا، وكانت تحية أهل الجاهلية بينهم، فقال رسول الله (قد أكرمنا الله بتحية خير من تحيتك يا عمير، بالسلام تحية أهل الجنة).
فقال: أما والله يا محمد إن كنت بها لحديث عهد.
قال: (فما جاء بك يا عمير؟) قال: جئت لهذا الأسير الذي في أيديكم فأحسنوا فيه.
قال: (فما بال السيف في عنقك؟) قال: قبحها الله من سيوف! وهل أغنت عنا شيئًا؟
[ ١٩٠ ]
قال: (اصدقني، ما الذي جئت له؟) قال: ما جئت إلا لذلك.
قال: (بل قعدت أنت وصفوان بن أمية في الحجر، فذكرتما أصحاب القليب من قريش، ثم قلت: لولا دين عليَّ وعيال عندي لخرجت حتى أقتل محمدًا، فتحمل لك صفوان بن أمية بدينك وعيالك، على أن تقتلني له، والله حائل بينك وبين ذلك).
قال عمير: أشهد أنك رسول الله، قد كنا يا رسول الله نكذبك بما كنت تأتينا به من خبر السماء، وما ينزل عليك من الوحي، وهذا أمر لم يحضره إلا أنا وصفوان، فوالله إني لأعلم ما أتاك به إلا الله، فالحمد لله الذي هداني للإسلام، وساقني هذا المساق، ثم شهد شهادة الحق.
فقال رسول الله - ﷺ -: (فقهوا أخاكم في دينه، وعلموه القرآن، وأطلقوا أسيره ففعلوا).
ثم قال: يا رسول الله، إني كنت جاهدًا على إطفاء نور الله، شديد الأذى لمن كان على دين الله -﷿-، وأنا أحب أن تأذن لي، فأقدم مكة، فأدعوهم إلى الله، وإلى رسوله، وإلى الإِسلام، لعل الله يهديهم، وإلا آذيتهم في دينهم كما كنت أوذي أصحابك في دينهم. قال: فأذن له رسول الله - ﷺ - فلحق بمكة.
وكان صفوان بن أمية حين خرج عمير بن وهب، يقول: أبشروا بوقعة تأتيكم الآن في أيام، تنسيكم وقعة بدر، وكان صفوان يسأل عنه الركبان، حتى قدم راكب فأخبره بإسلامه، فحلف أن لا يكلمه أبدًا، ولا ينفعه بنفع أبدًا" (١).
٧ - عمليات الافتداء للأسرى:
٢٩١ - عن ابن عباس ﵄ قال: "فأدى رسول الله - ﷺ - أسارى بدر، وكان فداء كل رجل منهم أربعة آلاف" (٢).
_________________
(١) ابن هشام في السيرة: ١/ ٦٦١ - ٦٦٣ عن ابن إسحاق بسند صحيح مرسلًا، وقال ابن حجر في الإصابة: ٣/ ٣٦ قال موسي بن عقبة في المغازي عن ابن شهاب مرسلًا وذكر قصة عمير، وقد أخرجه ابن منده من وجه آخر موصولًا، من طريق أبي الأزهر عن عبد الرزاق عن جعفر بن سليمان عن أبي عمران الجوني عن أنس أو غيره وإسناد ابن مندة ظاهره أنه حسن.
(٢) مجمع الزوائد: ٦/ ٩٠، وقال الهيثمي رواه الطبراني في الكبير والأوسط ورجاله رجال الصحيح.
[ ١٩١ ]
٢٩٢ - من حديث عبد الله بن الزبير ﵄ قال: "كانت قريش ناحت قتلاها ثم ندمت، وقالوا: لا تنوحوا عليهم، فيبلغ ذلك محمدًا وأصحابه فيشمتوا بكم، وكان في الأسرى أبو وداعة بن صبرة السهمي فقال رسول الله - ﷺ -: (إن له بمكة ابنًا تاجرًا كيسا، ذا مال، كأنكم قد جاءكم في فداء أبيه) فلما قالت قريش في الفداء ما قالت: قال المطلب: صدقتم والله لئن صدقتم ليثاربن عليكم، ثم انسل في الليل، فقدم المدينة ففدى أباه بأربعة آلاف درهم" (١).
٨ - أبو العاص بن الربيع وعفو الرسول عنه وإطلاقه:
٢٩٣ - من حديث عائشة ﵂ قالت: "لما بعث أهل مكة في فداء أسراهم، بعثت زينب بنت رسول الله - ﷺ - في فداء أبي العاص بن الربيع بمال، وبعثت فيه بقلادة لها كانت لخديجة أدخلتها بها على أبي العاص حين بنى عليها، قال: فلما رآها رسول الله - ﷺ -. رق لها رقة شديدة وقال: (إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها، وتردوا عليها الذي لها فافعلوا)، فقالوا: "نعم يا رسول الله فأطلقوه وردوا عليها الذي لها".
وهذا لفظ أحمد وفي رواية أبي داود زيادة نوردها فيما يلي:
"وكان رسول الله - ﷺ - أخذ عليه، أو وعده، أن يخلي سبيل زينب إليه، وبعث رسول الله - ﷺ - زيد بن حارثة ورجلًا من الأنصار فقال: (كونا ببطن يأجج حتى تمر بكما زينب فتصحباها حتى تأتيا بها) (٢).
٩ - تكليف من لا يجد فداء بتعليم أبناء المسلمين:
٢٩٤ - من حديث ابن عباس ﵄ قال:
"كان ناس من الأسرى يوم بدر لم يكن لهم فداء، فجعل رسول الله - ﷺ - فداءهم أن يعلموا أولاد الأنصار الكتابة، قال: فجاء يومًا غلام يبكي إلى أبيه فقال: ما شأنك؟
_________________
(١) قال الهيثمي في المجمع: ٦/ ٩٠، رواه الطبراني ورجاله ثقات.
(٢) أخرجه أحمد في المسند: ٦/ ٣٧٦، وأبو داود في الجهاد باب في فداء الأسير بالمال: ٢٦٩٢، الحاكم في المستدرك: ٣/ ٣٣٦، وسكت عليه الحاكم والذهبي، وابن هشام في السيرة: ١/ ٦٥٣ وسنده صحيح رجاله كلهم ثقات، وابن إسحاق صرح بالتحديث، وقال الساعاتي في الفتح الرباني: ١٤/ ١٠٠، أخرجه ابن إسحاق في سيرته وإسناده جيد.
[ ١٩٢ ]
قال: ضربني معلمي".
قال: الخبيث يطلب بذحل بدر والله لا تأتيه أبدًا" (١).
١٠ - حفظ النبي لجوار المطعم بن عدي في الأسرى:
٢٩٥ - من حديث جبير بن مطعم ﵁: أن النبي - ﷺ - قال لأسارى بدر: (لو كان مطعم بن عدي حيًّا، ثم كلمني في هؤلاء النتنى لأطلقتهم له) (٢).
١١ - العباس وقصته في الفداء:
٢٩٦ - من حديث أنس بن مالك ﵁ قال: "إنَّ رجالًا من الأنصار استأذنوا رسول الله - ﷺ - فقالوا: ائذن لنا فلنترك لابن أختنا عباس فداءه، قال: (والله لا تذرون منه درهما) (٣).
٢٩٧ - من حديث ابن عباس ﵄ قال: قال العباس: فيَّ نزلت: ﴿ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض﴾ فأخبرت النبي - ﷺ - بإسلامي، وسألته أن يحاسبني بالعشرين الأوقية التي أخذت معي، فأعطاني بها عشرين عبدًا كلهم قد تاجر بمال في يده، مع ما أرجو من مغفرة الله تعالى" (٤).
١٢ - منزلة من شهد بدرًا من الصحابة رضوان الله عليهم:
٢٩٨ - من حديث رفاعة بن رافع الزرقي ﵁ قال: "جاء جبريل إلى النبي - ﷺ - فقال: ما تعدون أهل بدر فيكم؟ قال: (من أفضل المسلمين) -
_________________
(١) أخرجه أحمد في المسند: ٤/ ٤٧، تحقيق أحمد شاكر وقال: إسناده صحيح وقال البناني الفتح الرباني: لم أقف عليه لغير الإمام أحمد وفي إسناده علي بن عاصم فيه كلام لكن وثقه الإمام أحمد، ذحل بدر: ثأر بدر.
(٢) أخرجه أبو داود في الجهاد باب المن على الأسير رقم: ٢٦٨٩، وإسناده صحيح البخاري في المغازي باب: ١٢ حديث رقم: ٤٠٢٤.
(٣) أخرجه البخاري في المغازي باب ١٢، حديث رقم: ٤٠١٨.
(٤) المطالب العالية: ٤٣٠٠ وقال ابن حجر: هذا إسناد صحيح، رواه ابن مردويه في التفسير والمسند، عن أحمد بن الحسن عن عبد الله بن محمد عن ابن إسحاق هكذا، وأخرجه الطبراني من حديث يزيد بن هارون عن ابن إسحاق، وقال البوصيري: رواه ابن راهويه بسند صحح، وابن مردويه في تفسيره، والطبراني" قلت: وأخرجه ابن جرير الطبري في التفسير: ١٤/ ٧٣، تحقيق أحمد شاكر، وإسناد هذا الحديث صحيح، وقال الهيثمي في المجمع: ٧/ ٢٨، رواه الطبراني في الأوسط والكبير باختصار ورجال الأوسط رجال الصحيح، غير ابن إسحاق وقد صرح بالسماع.
[ ١٩٣ ]
وكلمة نحوها- قال: (وكذلك ما شهد بدرًا من الملائكة) (١).
٢٩٩ - من حديث علي بن أبي طالب الطويل في قصة حاطب بن بلتعة قال فيه رسول الله - ﷺ -: (لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد وجبت لكم الجنة أو فقد غفرت لكم) فدمعت عينا عمر وقال: الله ورسوله أعلم" (٢).
٣٠٠ - من حديث جابر ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: (لن يدخل النار رجل شهد بدرًا أو الحديبية) (٣).
١٣ - أسماء من شهد بدرًا من الصحابة:
قال الحافظ في الفتح: قلت فجملة من ذكر من أهل بدر هنا أربعة وأربعون رجلًا، وقد سبق البخاري إلى ترتيب أهل بدر على حروف المعجم وهو أضبط لاستيعاب أسمائهم، ولكنه اقتصر على ما وقع عنده منهم، واستوعبهم الحافظ ضياء الدين المقدسي في (كتاب الأحكام)، وبين اختلاف أهل السير في بعضهم اختلاف غير فاحش، وأورد ابن سيد الناس أسماءهم في (عيون الأثر)، لكن على القبائل كما صنع ابن إسحاق وغيره، واستوعب ما وقع له من ذلك فزادوا -على ثلاثمائة وثلاثة عشر- خمسين رجلًا قال: وسبب الزيادة الاختلاف في بعض الأسماء. قلت: ولولا خشية التطويل لسردت أسماءَهُم مفصلًا مبينا للراجح، لكن في هذه الإشارة كفاية والله المستعان" (٤).
قلت: وانظر أيضًا سيرة ابن كثير ﵀ فقد أورد أسماءهم هناك (٥).
وذكرهم الهيثمي أيضًا في مجمع الزوائد: (٦/ ٩٣ - ١٠٦) وبين مواضع ذكرهم وأسانيده في ذلك مرتبًا لتلك الأسانيد من صفحة: (٩٣ - ٩٧) بإسناد واحد إلى ابن شهاب الزهري ورجاله رجال الصحيح.
_________________
(١) أخرجه البخاري في المغازي باب شهود الملائكة بدرًا رقم: ٣٩٩٢.
(٢) أخرجه البخاري في المغازي باب فضل من شهد بدرًا رقم: ٣٩٨٣.
(٣) أخرجه الترمذي في المناقب حديث: ٣٨٦٤، ٥/ ٦٩٧، وقال حسن صحيح، ومسلم في فضائل الصحابة، باب أهل الشجرة رقم: ٢٤٩٦، وابن ماجه رقم: ٤٢٨١.
(٤) فتح الباري: ٧/ ٣٢٨ - ٣٢٩ في التعليق على الباب الثالث عشر من المغازي باب تسمية من سمى من أهل بدر.
(٥) سيرة ابن كثير ٢/ ٤٨٩.
[ ١٩٤ ]
الفصل الثالث الأحداث ما بين بدر واحد
المبحث الأول: زواج النبي - ﷺ - بحفصه بنت عمر
٣٠١ - من حديث عمر بن الخطاب ﵁ قال: "حين تأيمت حفصة بنت عمر من خنيس بن حذافة السهمي، وكان من أصحاب رسول الله - ﷺ - فتوفي في المدينة، فقال عمر "أتيت عثمان بن عفان فعرضت عليه حفصة بنت عمر، قال: فقلت: إن شئت أنكحتك حفصة، فقال: سأنظر في أمري، فلبثت ليالٍ، ثم لقيني فقال: قد بدا لي أن لا أتزوج يومي هذا.
قال عمر: فلقيت أبا بكر الصديق، فقلت: إن شئت زوجتك حفصة بنت عمر، فصمت أبو بكر ﵁ فلم يرجع إليَّ شيئًا، فكنت عليه أوجد مني على عثمان.
فلبثت ليالي ثم خطبها رسول الله - ﷺ - فأنكحتها إياه، فلقيني أبو بكر فقال: لعلك وجدت علي حين عرضت علي حفصة فلم أرجع إليك شيئًا؟ قال عمر: نعم، قال: فإنه لم يمنعنى أن أرجع إليك فيما عرضت علي، إلا أني كنت علمت أن رسول الله - ﷺ - قد ذكرها، فلم أكن لأفشي سر رسول الله - ﷺ -، ولو تركها رسول الله - ﷺ - قبلتها" (١).
المبحث الثاني: زواج علي وفاطمة رضوان الله عليهما
٣٠٢ - من حديث علي بن أبي طالب كرم الله وجهه قال: "كانت لي شارف من نصيبي من المغنم يوم بدر، وكان النبي - ﷺ - أعطاني مما أفاء الله عليه من الخمس يومئذ، فلما أردت أن أبتني بفاطمة ﵍ بنت النبي - ﷺ -، واعدت رجلًا صواغًا في بني قينقاع أن يرتحل معي فنأتي بإذخر، فأردت أن أبيعه
_________________
(١) أخرجه البخاري في النكاح باب عرض الإنسان ابنته أو أخته على أهل الخير الحديث: ٥١٢٢، فتح الباري: ٩/ ١٧٥ - ١٧٦، النسائي: ٢/ ٧٥ - ٧٦ - ٧٧، وأحمد في المسند رقم: ٧٤، تحقيق أحمد شاكر.
[ ١٩٥ ]
من الصواغين فنستعين به في وليمة عرسي، فبينما أنا أجمع لشارفيَّ من الأقتاب والغرائر والحبال، وشارفاي مناخان إلى جنب حجرة رجل من الأنصار حتى جمعت ما جمعت، فهذا أنا بشارفي قد أجبت أسنمتهما، وبقرت خواصرهما، وأخذت من أكبادهما، فلم أملك عيني حين رأيت المنظر قلت: من فعل هذا. قالوا: حمزة بن عبد المطلب " فذكر الحديث (١).
٣٠٣ - من حديث علي بن أبي طالب كرم الله وجهه. قال: (خطبت فاطمة إلى رسول الله - ﷺ - فقالت مولاة لي: هل علمت أن فاطمة قد خطبت إلى رسول الله - ﷺ - قلت: لا، قالت: فقد خطبت، فما يمنعك أن تأتي رسول الله - ﷺ - فيزوجك. فقلت: وعندي شيء أتزوج به! فقالت: إنك إن جئت رسول الله - ﷺ - زوجك.
قال: فوالله ما زالت ترجيني حتى دخلت على رسول الله - ﷺ - فلما أن قعدت بين يديه أفحمت، فوالله ما استطعت أن أتكلم جلالة وهيبة.
فقال رسول الله - ﷺ -: (ما جاء بك؟ ألك حاجة؟) فسكت، فقال: (لعلك جئت تخطب فاطمة؟) فقلت: نعم، فقال: (وهل عندك من شيء تستحلها به؟) فقلت: لا والله يا رسول الله. فقال: (ما فعلت درع سلحتكها)؟.
فوالذي نفس على بيده إنها لحطمية ما قيمتها أربعة دراهم، فقلت: عندي. فقال: (قد زوجتكها فابعث إليها بها فاستحلها بها) فإن كانت لصداق فاطمة بنت رسول الله - ﷺ - (٢).
جهاز فاطمة عليها رضوان الله عليها
٣٠٤ - من حديث علي كرم الله وجهه قال: "جهز رسول الله - ﷺ - فاطمة في
_________________
(١) أخرجه البخاري في المغازي باب ١٢ حديث رقم: ٤٠٠٣، مسلم في أول كتاب الأشربة حديث رقم: ١٩٧٩، والفتح الرباني: ٣١/ ٤٥ - ٤٧. * الشارف: الناقة.
(٢) أخرجه البيهقي في الدلائل: ٣/ ١٦٠، وإسناده حسن وقد صرح ابن إسحاق بالتحديث، سيرة ابن كثير: ٢/ ٥٤٤.
[ ١٩٦ ]
خميل وقربة ووسادة أدم حشوها إذخر" (١).
وقد روى البيهقي عن ابن منده في كتاب المعرفة "أن عليا تزوج فاطمة بالمدينة بعد سنة من الهجرة، وابتنى بها بعد ذلك بنحو من سنة، وولدت لعلي الحسن، والحسن، ومحسنًا، وأم كلثوم الكبرى، وزينب الكبرى (٢).
وعلق على ذلك ابن كثير ﵀ فقال: "قلت: فعلى هذا يكون دخوله بها في أوائل السنة الثالثة من الهجرة، فظاهر سياقه حديث الشارفين يقتضي أن ذلك عقب وقعة بدر بيسير، فيكون ذلك كما ذكرناه في آخر السنة الثانية والله أعلم" (٣).
المبحث الثالث: إجلاء بني قينقاع
٣٠٥ - من حديث ابن عباس ﵄ قال: "كان من حديث بني قينقاع أن رسول الله - ﷺ - جمعهم بسوق بني قينقاع ثم قال: يا معشر يهود، احذروا من الله مثل ما نزل بقريش من النقمة وأسلموا، فإنكم قد عرفتم أني نبي مرسل، تجدون ذلك في كتابكم وعهد الله إليكم قالوا: يا محمد إنك ترى أنا قومك، لا يغرنك أنك لقيت قومًا لا علم لهم بالحرب، فأصبت منهم فرصة، إنا والله لئن حاربناك لتعلمن أنا نحن الناس.
ثم قال ابن عباس: فأنزل هؤلاء الآيات إلا فيهم ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (١٢) قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ (٤) (٥).
_________________
(١) أخرجه أحمد في المسند: ١/ ١٤، ابن ماجه في السنن والزهد باب ضجاع آل محمد رقم: ٤١٥٢، البيهقي في الدلائل: ٣/ ١٦١، والحديث إسناده صحيح. * خميل: القطيفة: الأدم: الجلد. الأذخر: خشيشة رطبة طيبة الرائحة.
(٢) أخرجه البيهقي في الدلائل: ٣/ ١٦٢.
(٣) السيرة النبوية ابن كثير: ٢/ ٥٤٥.
(٤) آل عمران آية: ١٢ - ١٣.
(٥) أخرجه أبو داود في كتاب الخراج باب كيف كان إخراج اليهود من المدينة رقم: ٣٠٠١، وابن هشام في السيرة: ٢/ ٤٧، بسند ابن إسحاق، وحسن إسناده الحافظ ابن حجر في فتح الباري: ٧/ ٣٣٢.
[ ١٩٧ ]
المبحث الرابع: موقف عبد الله بن أبي زعيم المنافقين من أوليائه اليهود
من طريق ابن إسحاق قال: حدثني عاصم بن عمر بن قتادة: "أن بني قينقاع كانوا أول يهود نقضوا ما بينهم وبين رسول الله - ﷺ -، وحاربوا فيما بين بدر وأحد، فحاصرهم رسول الله - ﷺ - حتى نزلوا على حكمه، فقام عبد الله بن أبي ابن سلول إلى رسول الله - ﷺ - حين أمكنه الله تعالى منهم، فقال: يا محمد، أحسن في موالي) فأعرض عنه، فأدخل يده في حبيب درع رسول الله - ﷺ -، فقال رسول الله - ﷺ -: (أرسلني) وغضب حتى رؤي لوجه رسول الله - ﷺ - ظلال، فقال له: (ويحك أرسلني). فقال: والله لا أرسلك حتى تحسن في موالي، أربعمائة حاسر وثلاثمائة دارع منعوني من الأحمر والأسود، تحصدهم في غداة واحدة، أي والله إني لامرؤ أخشى الدوائر فقال رسول الله - ﷺ -: (هم لك) (١).
٣٠٦ - ومن طريق ابن إسحاق أيضًا قال: حدثني أبي إسحاق بن يسار، عن عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت قال: "لما حاربت بنو قينقاع رسول الله - ﷺ - تشبث بأمرهم عبد الله بن أبي، وقام دونهم، فمشى عبادة بن الصامت إلى رسول الله - ﷺ - وكان أحد بني عوف بن الخزرج لهم من حلفهم مثل الذي لهم من حلف عبد الله بن أبي، فخلعهم إلى رسول الله - ﷺ - وتبرأ إلى الله وإلى رسول الله - ﷺ - من حلفهم، فقال: "يا رسول الله أتبرأ إلى الله وإلى رسوله من حلفهم، وأتولى الله ورسوله والمؤمنين، وأبرأ من حلف الكفار وولايتهم.
ففيه وفي عبد الله بن أبي نزلت الآيات في المائدة ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ -إلى قوله- ﴿فترى الذين في قلوبهم مرض﴾ يعني عبد الله بن أبي لقوله: إني أخشى الدوائر، ﴿يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة﴾ -حتى بلغ قوله- ﴿إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا﴾ لقول عبادة: أتولى الله ورسوله والذين آمنوا وتبريه من بني قينقاع وحلفهم وولايتهم إلى قوله ﴿ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون﴾ " (٢).
_________________
(١) السيرة النبوية ابن هشام: ٢/ ٤٨ وإسناده صحيح وقد صرح ابن إسحاق بالتحديث ولكنه مرسل، ودلائل البيهقي: ٣/ ١٧٤، الطبري في التاريخ: ٢/ ٤٨٠.
(٢) السيرة النبوية ابن هشام: ٢/ ٤٩ - ٥٠، وإسناده صحيح وقد صرح بالتحديث وهو مرسل، ودلائل =
[ ١٩٨ ]
المبحث الخامس: مقتل كعب بن الأشرف
٣٠٧ - من حديث جابر بن عبد الله ﵄ قال: "قال رسول الله - ﷺ -: (من لكعب بن الأشرف؟ فإنه قد آذى الله ورسوله). فقام محمد بن مسلمة فقال: يا رسول الله أتحب أن أقتله؟ قال: (نعم). قال: فأذن لي رسول الله أن أقول شيئًا. قال: (قل). فأتاه محمد بن مسلمة فقال: إن هذا الرجل قد سألنا صدقة، وإنه قد عنَّانا، وإني قد أتيتك أستسلفك، قال: وأيضًا والله لتملنه.
قال: إنا قد اتبعناه، فلا نحب أن ندعه حتى ننظر إلى أي شيء يصير شأنه، وقد أردنا أن تسلفنا وسقًا أو وسقين -وحدثنا عمرو غير مرة فلم يذكر (وسقا أو وسقين) فقلت له: فيه (وسقًا أو وسقين)، فقال: أرى فيه (وسقًا أو وسقين) فقال: نعم أرهنوني، قالوا: أي شيء تريد؟ قال: أرهنوني نساءكم، قالوا: كيف نرهنك نساءنا وأنت أجمل العرب؟ قال: أرهنوني أبناءكم، قالوا: كيف نرهنك أبناءنا فيسب أحدهم فيقال: رهن بوسق أو وسقين هذا عار علينا، ولكنا نرهنك اللامة .. قال سفيان: يعني السلاح.
فواعده أن يأتيه فجاءه ليلًا ومعه أبو نائلة -وهو أخو كعب من الرضاعة- فدعاهم إلى الحصن، فنزل إليهم فقالت له امرأته: أين تخرج هذه الساعة؟ فقال: إنما هو محمد بن مسلمة وأخي أبو نائلة. وقال غير عمرو: قالت أسمع صوتًا كأنه يقطر منه الدم. قال: إنما هو أخي محمد بن مسلمة ورضيعي أبو نائلة، إن الكريم لودعي إلى طعنة بليل لأجاب.
قال: ويُدخل محمد بن مسلمة معه رجلين -قيل لسفيان: سماهم عمرو؟ قال: سمى بعضهم قال عمرو: جاء معه برجلين وقال غير عمرو: أبو عبس بن جبر والحارث بن أوس، وعباد بن بشر- قال عمرو جاء معه برجلين.
فقال: إذا ما جاء فإني قائل بشعره فأشمه، فهذا رأيتموني استمكنت من رأسه فدونكم فاضربوه، قال مرة: ثم أشِمُّكم، فنزل إليهم متوشحًا وهو ينفخ منه ريح الطيب، فقال: ما رأيت كاليوم ريحًا -أي أطيب - وقال غير عمرو قال: عندي أعطر نساء العرب وأكمل العرب. قال عمرو فقال: أتأذن لي أن أشم رأسك
_________________
(١) = البيهقي: ٣/ ١٧٤ - ١٧٥، الآيات من: ٥١ - ٥٦، سورة المائدة.
[ ١٩٩ ]
قال: نعم فشمه، ثم أشم أصحابه ثم قال: أتأذن لي؟ قال: نعم فلما استمكن منه قال: دونكم، فقتلوه، ثم أتوا النبي - ﷺ - فأخبروه" (١).
تشييع النبي للصحابة الذين ذهبوا لقتل كعب بن الأشرف:
٣٠٨ - من حديث ابن عباس ﵄ قال: "إن النبي - ﷺ - مشى معهم إلى بقيع الغرقد، ثم وجههم فقال: (انطلقوا على اسم الله، اللهم أعنهم) (٢).
وذكر في بقية الحديث كما في حديث جابر بن عبد الله ﵄.
سبب قتله: إيذاء كعب بن الأشرف للمسلمين بهجائه لهم في شعره:
٣٠٩ - من حديث كعب بن مالك ﵁، قال: "إن كعب بن الأشرف اليهودي كان شاعرًا وكان يهجو رسول الله - ﷺ - ويحرض عليه كفار قريش في شعره، وكان رسول الله - ﷺ -، قدم المدينة وأهلها أخلاط منهم المسلمون الذين تجمعهم دعوة رسول الله - ﷺ -، ومنهم المشركون الذين يعبدون الأوثان، ومنهم اليهود، وهم أهل الحلقة والحصون، وهم حلفاء للحيين الأوس والخزرج، فأراد رسول الله - ﷺ - حين قدم المدينة استصلاحهم كلهم، وكان الرجل يكون مسلمًا وأبوه مشرك، والرجل يكون مسلمًا وأخوه مشرك.
وكان المشركون واليهود من أهل المدينة حين قدم رسول الله - ﷺ - يؤذون رسول الله - ﷺ - وأصحابه أشد الأذى، فأمر الله تعالى رسوله والمسلمن بالصبر على ذلك، والعفو عنهم، ففيهم أنزل الله جل ثناؤه ﴿ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب
_________________
(١) أخرجه البخاري في المغازي باب قتل كعب بن الأشرف رقم: ٤٠٣٧، فتح الباري: ٧/ ٣٣٦ - ٣٣٧ مسلم في صحيحه كتاب الجهاد والسير باب قتل كعب بن الأشرف حديث رقم: ١٨٠١، ص: ١٤٢٥ - ١٤٢٦ وأبو داود في سننه كتاب الجهاد باب في العدو يؤخذ على حين غرة حديث رقم: ٢٧٦٨ والبيهقي في الدلائل: ٣/ ١٩٥ - ١٩٦. ابن هشام في السيرة: ٢/ ٥١ - ٥٨، وابن كثير: ٣/ ٩ - ١٧، ابن سعد: ٢/ ٣١ - ٣٤.
(٢) المطالب العالية: ٤٣١٢، وقال أخرجه إسحاق بن راهوية وإسناده حسن متصل، وأحمد في المسند انظر الفتح الرباني: ٢١/ ٤٩، البزار كما في كشف الأستار: ٢/ ٣٣٠ - ٣٣١، والطبراني في الكبير: ١١/ ٢٢١ برقم: ١١٥٥٤، وقال الهيثمي في المجمع: ٦/ ١٩٦، رواه أحمد والبزار، والطبراني وفيه ابن إسحاق وهو مدلس وبقية رجاله ثقات، قلت: وحسن إسناده أيضًا الحافظ ابن حجر في الفتح: ٧/ ٣٣٨، وقال: وعند ابن إسحاق بسند حسن، وابن هشام في السيرة: ٢/ ٥٥ - ٥٦، وقد صرح ابن إسحاق بالتحديث فزال التدليس.
[ ٢٠٠ ]
مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا﴾ (١).
وفيهم أنزل الله ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ (٢).
فلما أبي كعب بن الأشرف أن ينزع عن أذى رسول الله - ﷺ -، وأذى المسلمين. وأمر رسول الله - ﷺ - سعد بن معاذ أن يبعث رهطًا ليقتلوه، فبعث إليه سعد ).
وذكر نحوًا من حديث جابر (٣).
وهكذا طويت صفحة من صفحات الغدر، ممثلة في هذا اليهودي الخبيث، وارتاح المسلمون من عدو من ألد أعدائهم، وأشدهم تحريضًا على الإِسلام وأهله.
_________________
(١) الآية الكريمة: ١٨٦ من سورة آل عمران.
(٢) الآية الكريمة: ١٠٩ من سورة البقرة.
(٣) أخرجه أبو داود في الخراج والإمارة والفيء (٣٠٠٠)، والهيثمي في المجمع: ٦/ ١٩٥ - ١٩٦، وقال رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح، فتح الباري: ٧/ ٣٣٧، وعزاه إلى أبي داود والترمذي.
[ ٢٠١ ]
الفصل الرابع غزوة أُحد
المبحث الأول: أحداث ما قبل المعركة
١ - تاريخ الغزوة:
٣١٠ - من طريق محمَّد بن إسحاق قال: (وخرج رسول الله - ﷺ - يوم الجمعة حين صلى الجمعة، فأصبح بالشعب من أحد، فالتقوا يوم السبت في النصف من شوال" (١).
٢ - مشاورة النبي للصحابة للخروج وإخبارهم عن رؤياه:
٣١١ - من حديث جابر بن عبد الله ﵄ أن رسول الله - ﷺ - قال: (رأيت كأني في درع حصينة، ورأيت بقرًا منحرة، فأولت أن الدرع الحصينة المدينة، وأن البقر هو الله خير) قال: فقال لأصحابه: (لو أنا أقمنا بالمدينة فإن دخلوا علينا فيها قاتلناهم؟ فقالوا: يا رسول الله، والله ما دخل علينا فيها في الجاهلية، فكيف يدخل علينا فيها في الإِسلام؟
قال عفان في حديثه: فقال: (شأنكم إذًا)، قال: فلبس لأمته قال: فقالت الأنصار رددنا على رسول الله - ﷺ - فجاءوا فقالوا: يا نبي الله شأنك إذًا فقال: (إنه ليس لنبي إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يقاتل) (٢).
٣١٢ - من حديث ابن عباس ﵄ قال: "تنفل رسول الله - ﷺ - سيفه ذا الفقار يوم بدر، وهو الذي رأى فيه الرؤيا يوم أحد، فقال: (رأيت في سيفي ذي الفقار فلًا، فأولته فلًا يكون فيكم "أي انهزامًا" ورأيت أني مردف
_________________
(١) قال الهيثمي في المجمع: ٦/ ١٢٤، رواه الطبراني ورجاله ثقات. * البقر المذبوحة: يعني استشهاد أصحابه - ﷺ -.
(٢) أخرجه أحمد في المسند: ٣/ ٣٥١، الدارمي: ٢/ ١٢٩ - ١٣٠، وعلق البخاري بعضه فتح الباري: ١٣/ ٢٨٤، وقال الهيثمي في المجمع: ٦/ ١٠٧، رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح وقد جاء من مرسل عروة عند عبد الرزاق في المصنف:٥/ ٣٦٤ ومن مرسل الزهري وموسى بن عقبة في دلائل النبوة للبيهقي: ٣/ ٢٠٨. * ذا الفقار: سمي بذلك لأنه كانت فيه حفر حسان صغار، والسيف المفقر الذي فيه حزوز مطمئنة عن متنه. الفل: الثلم في السيف.
[ ٢٠٢ ]
كبشًا، فأولته كبش الكتيبة، ورأيت أني في درع حصينة، فأولتها المدينة، ورأيت بقرًا تذبح، فَبَقرٌ والله خير، فَبَقرٌ والله خير) فكان الذي قال رسول الله - ﷺ -" (١).
٣١٣ - ومن حديث أبي موسى الأشعري ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: (رأيت في رؤياي أني هززت سيفًا فانقطع صدره، فهذا هو ما أصيب من المؤمنين يوم أحد، ثم هززته أخرى فعاد أحسن ما كان، فإذا هو ما جاء به الله من الفتح واجتماع المؤمنين، ورأيت فيها بقرًا والله خير، فإذا هم المؤمنون يوم أحد) (٢).
٣ - مظاهرة النبي بين درعين وأخذه بالأسباب:
٣١٤ - من حديث السائب بن يزيد ﵁ قال: "إن النبي - ﷺ - يوم أحد أخذ درعين كأنه ظاهر بينهما" (٣).
٣١٥ - ومن حديث الزبير بن العوام ﵁ قال: "رأيت رسول الله - ﷺ - حين ذهب لينهض إلى الصخرة وكان رسول الله - ﷺ - قد ظاهر بين درعين فلم يستطع أن ينهض وذكر الحديث" (٤).
٣١٦ - وقد جاء أيضًا من طريق رجل من بني تيم يقال له معاذ: "أن رسول الله - ﷺ - ظاهر يوم أحد بين درعين" (٥).
_________________
(١) أخرجه الترمذي كتاب السير في النفل ضمن حديث رقم: ١٥٦١، وقال حديث حسن غريب، وابن ماجه في الجهاد باب السلاح رقم: ٢٨٠٨، وأحمد في المسند: ١/ ٢٧١، والحاكم: ٢٨/ ١٢٨ - ٢٢١ وصححه ووافقه الذهبي، والبيهقي كما في البداية والنهاية: ٤/ ١١، بسند حسن، وقال الساعاتي في الفتح الرباني: ١٧/ ٢٢١: وسنده صحيح.
(٢) أخرجه البخاري في المغازي باب من قتل من المسلمين يوم أحد حديث رقم: ٤٠٨١، ومسلم في كتاب الرؤيا باب رؤيا النبي - ﷺ - حديث رقم: ٢٢٧٢، وابن ماجه في سننه كتاب تعبير الرؤيا باب تعبير الرؤيا حديث رقم: ٣٩٢١، وقد أورده البخاري مقطعًا أيضًا: في كتاب المناقب -باب علامات النبوة، والتعبير باب إذا رأى بقرًا تنحر، وأخرجه الدارمي: ٢/ ١٢٩، كتاب الرؤيا باب رؤية الرب، والبيهقي في الدلائل: ٣/ ٢٠٣. * ظاهر: لبسهما فوق بعضهما.
(٣) أخرجه أبو داود في الجهاد باب لبس الدرع رقم: ٢٥٩٠، وابن ماجه في الجهاد باب في السلاح رقم: ٢٨٠٦ وقال البوصيري في الزوائد وإسناده صحيح على شرط البخاري، قلت: ورجال ابن ماجه كلهم ثقات.
(٤) أخرجه الحاكم في المستدرك: ٣/ ٢٥، وقال صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه ووافقه الذهبي والبيهقي في سننه: ٩/ ٤٦.
(٥) قال الهيثمي في المجمع: ٦/ ١٠٨، رواه أبو يعلى ورجاله رجال الصحيح.
[ ٢٠٣ ]
٤ - رجوع المنافقين وانخذالهم من أول الطريق:
٣١٧ - من حديث زيد بن ثابت ﵁ قال: "لما خرج رسول الله - ﷺ - إلى غزوة أحد رجع ناس ممن خرج معه، وكان أصحاب النبي - ﷺ - فرقتين، فرقة تقول نقاتلهم، وفرقة تقول: لا نقاتلهم. فنزلت ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا﴾ وقال: (إنها طيْبَةٌ تنفي الذنوب، كما تنفي النار خبث الفضة) (١).
٣١٨ - من حديث جابر بن عبد الله ﵄ قال: "نزلت هذه الآية فينا ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا﴾ (٢) بني سلمة وبني حارثة وما أحب أنها لم تنزل والله يقول ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾ " (٣).
٣١٩ - وقد جاء من طريق ابن إسحاق قال: حدثني الزهري، ومحمد بن يحيى بن حبان وعاصم بن عمر بن قتادة، وحصين بن عبد الرحمن فذكر حديث الرؤيا حتى قال: "حتى خرج في ألف من أصحابه حتى إذا كانوا بالشوط بين المدينة وأحد، انخذل عنه عبد الله بن أبي بن سلول بثلث الناس وقال: أطاعهم وعصاني، ما ندري علام نقتل أنفسنا ها هنا أيها الناس! فرجع بمن اتبعه من قومه من أهل النفاق والريب، واتبعهم عبد الله بن عمرو بن حرام يقول:
"يا قوم، أذكركم الله ألا تخذلوا قومكم ونبيكم عند من حضر من عدوهم، فقالوا: لو نعلم أنكم تقاتلون لما أسلمناكم، ولكنا لا نرى أنه يكون قتال، قال: فلما استعصوا عليه وأبوا إلا الانصراف:
قال: أبعدكم الله، أعداء الله، فسيغني الله عنكم نبيه" (٤).
٥ - إعادة الكتيبة اليهودية التي خرجت لمساعدة المسلمين:
٣٢٠ - من حديث أبي حميد الساعدي ﵁ قال: "خرج رسول الله - ﷺ - يوم أحد حتى إذا خلف ثنية الوداع نظر وراءه فإذا كتيبة خشناء (٥) (قال: من
_________________
(١) أخرجه البخاري في المغازى باب غزوة أحد رقم: ٤٠٥٠، ومسلم في صحيحه كتاب صفات المنافقين وأحكامهم حديث رقم: ٢٧٧٦، والترمذي: ٤/ ٨٩، وقال حسن صحيح، وأحمد: ٥/ ١٨٤ - ١٨٧.
(٢) سورة آل عمران: ٢٢.
(٣) أخرجه البخاري في المغازي باب إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا رقم: ٤٠٥١، مسلم في فضائل الصحابة باب فضائل الأنصار رقم: ٢٥٠٥.
(٤) ابن هشام: ٢/ ٦٠ - ٦٤ وسنده حسن وهو مرسل.
(٥) خشناء كثيرة السلاح خشنة.
[ ٢٠٤ ]
هذا؟ قال: هو عبد الله بن أبي بن سلول في مواليه من اليهود من بني قينقاع وهم رهط عبد الله بن سلام فقال: أوقد أسلموا؟ فقال: إنهم على دينهم قال: قل لهم فليرجعوا، فإنا لا نستعين بالمشركين على المشركين) (١).
٦ - التنافس في الخروج بين صغار الشباب:
استعرض الرسول - ﷺ - الشباب يوم خروجه إلى أحد، فرد من استصغره منهم مثل ابن عمر والبراء وغيرهما، وأجاز من رآه مطيقًا منهم مثل رافع بن خديج وسمرة ابن جندب، وقيل إنما أجاز رسول الله - ﷺ - من أجاز لإطاقته، ورد من رد لعدم إطاقته، والصحيح أنه أجاز من أجاز لبلوغه بالسن خمس عشرة سنة، ورد من رد لصغره عن سن البلوغ.
٣٢١ - من حديث ابن عمر ﵄ قال: "إن رسول الله - ﷺ - عرضني يوم أحد وأنا ابن أربع عشرة سنة فلم يجزني وعرضني يوم الخندق وأنا ابن خمسة عشرة سنة فأجازني" (٢).
٧ - وضع الرماة على الجبل:
٣٢٢ - من حديث البراء بن عازب ﵁ قال: "لقينا المشركين يومئذ، وأجلس النبي - ﷺ - جيشًا من الرماة، وأمر عليهم عبد الله وقال: (لا تبرحوا، إن رأيتمونا ظهرنا عليهم فلا تبرحوا، وإن رأيتموهم ظهروا علينا فلا تعينونا)، فلما لقينا هربوا، حتى رأيت النساء يشتددن في الجبل رفعن عن سوقهن قد بدت خلاخلهن، فأخذوا يقولون: الغنيمة الغنيمة فقال: عبد الله عهد إليَّ النبي - ﷺ - أن لا تبرحوا، فأبوا، فلما أبوا صرف وجوههم فذكر الحديث" وسيأتي بقيته في مواطن أخرى يشار إليها هناك.
وقد جاء في لفظ أبي داود عنه "جعل رسول الله - ﷺ - على الرماة يوم أحد -وكانوا خمسين رجلًا- عبد الله بن جبير قال: ووضعهم موضعًا، وقال: (إن
_________________
(١) المطالب العالية: ٤٣١٩، وعزاء الحافظ ابن حجر لإسحاق بن راهويه وحسن إسناده، وقال البوصيري: رواه إسحاق بإسناد حسن.
(٢) أخرجه البخاري في المغازي باب غزوة الخندق رقم: ٤٠٩٧، مسلم في الإمارة باب بيان سن البلوغ رقم: ١٨٦٨، أبو داود في سننه رقم: ٢٩٥٧، ٤٤٠٦، الترمذي رقم: ١٧١١، ١٣٦١، ابن ماجه رقم: ٢٥٤٣، النسائي: ٦/ ١٥٥ - ١٥٦، أحمد في المسند: ٢/ ١٧، الطحاوي في شرح معاني الآثار: ٢/ ١٢٥.
[ ٢٠٥ ]
رأيتمونا تخطفنا الطير، فلا تبرحوا حتى أرسل إليكم، وإن رأيتمونا ظهرنا على العدو وأوطأناهم فلا تبرحوا حتى أرسل إليكم) (١).
٨ - من يأخذ هذا السيف بحقه:
٣٢٣ - من حديث أنس ﵁ قال: "إن رسول الله - ﷺ - أخذ سيفًا يوم أحد، فقال: (من يأخذ مني هذا السيف بحقه؟) فبسطوا أيديهم كل إنسان فيهم يقول: أنا أنا، فقال: (من يأخذه بحقه؟) فأحجم القوم فقال له سماك أبو دجانة: أنا آخذه بحقه، قال فأخذه ففلق به هام المشركين" (٢).
٣٢٤ - وقد جاء من حديث الزبير ﵁ قال: عرض رسول الله - ﷺ - سيفًا يوم أحد فقال: (من يأخذ هذا السيف بحقه؟) فقمت فقلت: أنا يا رسول الله، فأعرض عني، ثم قال: (من يأخذ هذا السيف بحقه؟) فقمت فقلت: أنا يا رسول الله فأعرض عني ثم قال: من يأخذ هذا السيف بحقه، فقام أبو دجانة سماك بن خرشة فقال: أنا آخذه يا رسول الله بحقه؟ قال: (ألا تقتل به مسلمًا ولا تغربه عن كافر)، قال: فدفعه إليه وكان إذا أراد القتال أعلمَ بعصابة، قال: "لأنظرن إليه اليوم كيف يصنع، قال: فجعل لا يرتفع له شيء إلا هتكه وأفراه، حتى انتهى إلى نسوة في سفح جبل معهن دفوف لهن، فيهن امرأة وهي تقول:
نحن بنات طارق نمشي على النمارق
إن تقبلوا نعانق ونبسط النمارق
إن تدبروا نفارق فراق غير وامق
قال: فأهوى بالسيف إلى امرأة ليضربها، ثم كف عنها، فلما انكشف القتال قلت له: كل عملك قد رأيت ما خلا رفعك السيف على المرأة، ثم لم تضربها، قال: أي والله أكرمت سيف رسول الله - ﷺ - أن أقتل به امرأة" (٣).
_________________
(١) أخرجه البخاري في المغازي غزوة أحد رقم: ٤٠٤٣، أحمد: ٤/ ٢٩٣ - ٢٩٤، وأبو داود في الجهاد في الكمناء رقم: ٢٦٦٢، والبيهقي في الدلائل: ٢٢٩٣ - ٢٣٠ وقد جاء نحوه من حديث ابن عباس ﵄ عند أحمد: ١/ ٢٨٧ - ٢٨٨، والحاكم: ٢/ ٢٩٦، ٢٩٧، وصححه ووافقه الذهبي.
(٢) أخرجه مسلم في فضائل الصحابة باب فضائل أبي دجانة حديث رقم: ٢٤٧٠، أحمد في المسند: ٣/ ١٢٣ والحاكم في المستدرك: ٣/ ٢٣٠، وابن سعد في الطبقات: ٣/ ٥٥٦، والبيهقي في الدلائل: ٣/ ٢٣٢ - ٢٣٣.
(٣) أخرجه البيهقي في دلائل النبوة: ٣/ ٢٣٣، والبزار انظر كشف الأستار رقم: ١٧٨٧، وقال الهيثمي في المجمع: ٦/ ١٠٩ رواه البزار، ورجاله ثقات.
[ ٢٠٦ ]
المبحث الثاني: مشاهد من المعركة
١ - هزيمة المشركين في بداية المعركة:
٣٢٥ - من حديث الزبير بن العوام ﵁ قال: "والله لقد رأيتني أنظر إلى خدم هند بنت عتبة وصواحبها مشمرات هوارب ما دون أخذهن قليل ولا كثير، إذ مالت الرماة إلى العسكر حين كشفنا القوم عنه، وخلوا ظهورنا للخيل، فأتينا من خلفنا، وصرخ صارخ ألا إن محمَّد قتل، فانكفأنا، وانكفأ علينا القوم بعد أن أصبنا أصحاب اللواء، حتى ما يدنوا منه أحد من القوم" (١).
وقد جاء بزيادة في رواية إسحاق بن راهوية عن الزبير فقال: "والله إني لأنظر يومئذ إلى خدم النساء مشمرات يسعين حين انهزم القوم، وما أرى دون أخذهن شيئًا، وإن لنحسبهم قتلى ما يرجع إلينا منهم أحد، ولقد أصيب أصحاب اللواء، وصبروا عنده حتى صار إلى عبد لهم حبشي يقال له (صواب)، ثم قتل صواب، فطرح اللواء فلم يقربه أحد من خلق الله، حتى وثبت إليه عمرة بنت علقمة الحارثية، فرفعته لهم، وثاب إليه الناس، قال: الزبير: فوالله إنا لكذلك قد علوناهم وظهرنا عليهم، إذ خالفت الرماة عن أمر الرسول - ﷺ - فجعلوا يأخذون الأمتعة، فأتتنا الخيل فحطمتنا، وكر الناس منهزمين، فصرخ صارخ يرون أنه الشيطان: ألا إن محمدًا قد قتل. فأعظم الناس وركب بعضهم بعضًا فصاروا أثلاثًا: ثلثًا جريحًا، وثلثًا مقتولًا، وثلثًا منهزمًا، قد بلغت الحرب، وقد كانت الرماة اختلفوا فيما بينهم، فقالت طائفة: روا الناس وقعوا في الغنائم، وقد هزم الله المشركين وأخذ المسلمون الغنائم، فماذا تنتظرون؟ وقالت طائفة: قد تقدم إليكم رسول الله - ﷺ - ونهاكم أن تفارقوا مكانكم إن كانت عليه أوله، فتنازعوا في ذلك، ثم إن الطائفة الأولى من الرماة أبت أن تلحق بالعسكر، فتفرق القوم، وتركوا مكانهم، فعند ذلك حملت خيل المشركين" (٢).
_________________
(١) أخرجه ابن إسحاق بإسناد صحيح انظر سيرة ابن هشام: ٢/ ٧٧، والبيهقي في الدلائل: ٣/ ٢٢٨، والطبري في تاريخه: ٢/ ٥١٣ عن طريق ابن إسحاق به. * خدم: الخلاخيل روا: فعل أمر من رأى أي انظروا.
(٢) أخرجه إسحاق بن راهويه كما في المطالب العالية رقم: ٤٣١٣، وقال الحافظ ابن حجر ﵀ هذا إسناد صحيح له شاهد من حديث البراء في الصحيح.
[ ٢٠٧ ]
٢ - استشهاد حمزة بن عبد المطلب أسد الله وأسد رسوله:
٣٢٦ - من حديث وحشي بن حرب الذي رواه عنه: جعفر بن عمرو بن أمية الضمْري قال: خرجت مع عبيد الله بن عدي بن الخيار إلى الشام فلما قدمنا حمص قال لي عبيد الله: هل لك في وحشي نسأله عن قتل حمزة؟ قلت: نعم، وكان وحشي يسكن حمص، قال: فسألنا عنه فقيل لنا: هو ذاك في ظل قصره كأنه حميت.
قال: فجئنا حتى وقفنا عليه بيسير، فسلمنا، فرد السلام، قال: وعبيد الله معتجر بعمامته ما يرى وحشي إلا عينيه ورجليه، فقال عبيد الله: يا وحشي أتعرفني؟ قال: فنظر إليه ثم قال: لا والله، إني أعلم أن عدي بن الخيار تزوج امرأة يقال لها أم قتال بنت أبي العيص، فولدت له غلامًا بمكة فكنت أسترضع له، فحملت ذلك الغلام مع أمه فناولتها إياه فلكأني أنظر إلى قدميك، قال: فكشف عبيد الله عن وجهه ثم قال: ألا تخبرنا بقتل حمزة؟
قال: نعم؟ إن حمزة قتل طعيمة بن عدي بن الخيار، فقال لي مولاي جبير ابن مطعم، إن قتلت حمزة بعمي فأنت حر، قال: فلما أن خرج الناس عام عينين -وعينين جبل بحيال أحد- وبينه وبينه واد -خرجت مع الناس إلى القتال. فلما اصطفوا للقتال خرج سباع فقال: هل من مبارز؟ قال: فخرج إليه حمزة بن عبد المطلب، فقال: يا سباع يا ابن أم أنمار مقطعة البظور، أتحاد الله ورسوله - ﷺ - قال: ثم شد عليه، فكان كأمس الذاهب.
قال: وكمنت لحمزة تحت صخرة، فلما دنا مني رميته بحربتي فأضعها في ثنته حتى خرجت من بين وركيه، قال: فكان ذاك العهد به، فلما رجع الناس رجعت معهم، فأقمت بمكة حتى فشا فيها الإِسلام، ثم خرجت إلى الطائف، فأرسلوا إلى رسول الله - ﷺ - رسلًا، فقيل لي: إنه لا يهيج الرسل، قال: فخرجت معهم حتى قدمت على رسول الله - ﷺ - فلما رآني قال: (أنت وحشي)، قلت: نعم، قال: (أنت قتلت حمزة؟) قلت: قد كان من الأمر ما بلغك. قال: (فهل تستطيع أن تغيب وجهك عني؟).
قال: فخرجت، فلما قبض رسول الله - ﷺ - فخرج مسيلمة الكذاب، قلت: لأخرجن إلى مسيلمة لعلي أقتله فأكافئ به حمزة، قال: فخرجت مع الناس،
[ ٢٠٨ ]
فكان من أمره ما كان، قال: فهذا رجل قائم في ثلمة جدار كأنه جمل أورق ثائر الرأس، قال فرميته بحربتي، فأضعها بين ثدييه حتى خرجت من بين كتفيه، قال: ووثب رجل من الأنصار فضربه بالسيف على هامته" (١).
قال: قال عبد الله بن الفضل، فأخبرني سليمان بن يسار أنه سمع عبد الله بن عمر يقول: "فقالت جارية على ظهر بيت، أمير المؤمنين قتله العبد الأسود".
سؤال النبي عمن رأى مقتل حمزة:
٣٢٧ - من حديث كعب بن مالك ﵁ قال: "أن رسول اللهﷺ - قال يوم أحد: (من رأى مقتل حمزة؟) فقال رجل أعزل: أنا رأيت مقتله، قال: (فانطلق أرناه) فخرج رسول اللهﷺ - حتى وقف على حمزة، فرآه وقد شق بطنه، وقد مثل به، فقال: يا رسول الله، مثل به والله، فكره رسول الله - ﷺ - أن ينظر إليه، ووقف بين ظهراني القتلى فقال: (أنا شهيد على هؤلاء، كفنوهم في دمائهم فإنه ليس جرح يجرح في الله إلا جاء يوم القيامة يدمى، لونه لون الدم، وريحه ريح المسك، قدموا أكثرهم قرآنًا فاجعلوه في اللحد) (٢).
تألم النبي - ﷺ - لمقتل حمزة:
٣٢٨ - من حديث جابر بن عبد الله ﵄ قال: "لما بلغ النبي - ﷺ - قتل حمزة بكى فلما نظر إليه شهق" (٣).
_________________
(١) أخرجه البخاري في المغازي باب قتل حمزة بن عبد المطلب رقم: ٤٠٧٢، وأحمد في المسند: ٣/ ٥٠١، ودلائل النبوة للبيهقي: ٣/ ٢٤١ أو الطبري في تاريخه مختصرًا: ٢/ ٥١٦ - ٥١٧.
(٢) المطالب العالية رقم: ٤٣٢٥، ونسبه إلى أبي بكر من أبي شيبة، وقال البوصيري فيه: رواته ثقات كما في التعليق عليه، وقال الهيثمي في المجمع: ٦/ ١١٩، رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح - ومقطع الحديث (أنا شهيد على هؤلاء) أخرجه البخاري في المغازي باب من قتل من المسلمين بأحد: ٤٠٧٩ وأبو داود في الجنائز باب في الشهيد يغسل: ٣١٣٨ الترمذي في الجنائز باب ترك الصلاة على الشهيد: ١٠٣٦، والنسائي في الجنائز باب ترك الصلاة عليهم: ٣/ ٦٢، وابن ماجه في الجنائز، باب ما جاء في الصلاة على الشهداء: ١٥١٤، من حديث جابر به.
(٣) كشف الأستار: ١٧٩٤، وقال الهيثمي: ٦/ ١١٨، رواه البزار وفيه عبد الله بن محمَّد ابن عقيل وهو حسن الحديث على ضعفه.
[ ٢٠٩ ]
تكفين حمزة ﵁:
٣٢٩ - من حديث ابن عباس ﵄ قال: "قتل حمزة يوم أحد وقتل رجل من الأنصار، فجاءته صفية بنت عبد المطلب بثوبين ليكفن فيهما حمزة، فلم يكن للأنصاري كفن فأسهم النبي - ﷺ - بين الثوبين، ثم كفن كل واحد منهما في ثوب" (١).
٣٣٠ - من حديث أبي أسيد الساعدي ﵁ قال: "أنا مع رسول الله - ﷺ - على قبر حمزة بن عبد المطلب، فجعلوا يجرون النمرة (٢) على وجهه فينكشف قدماه، ويجرونها على قدميه فينكشف وجهه، فقال رسول الله - ﷺ -: (اجعلوها على وجهه واجعلوا على قدميه من هذا الشجر) قال فرفع رسول الله - ﷺ - رأسه فإذا أصحابه يبكون فقال رسول الله - ﷺ -: (يأتي على الناس زمان يخرجون إلى الأرياف والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون، لا يصبر على لأوائها (٣) وشدتها أحد إلا كنت له شفيعًا أو شهيدًا يوم القيامة) (٤).
صبر صفية:
٣٣١ - من حديث الزبير بن العوام ﵁ قال: "إنه لما كان يوم أحد أقبلت امرأة تسعى حتى كادت أن تشرف على القتلى، قال فكره النبي - ﷺ - أن تراهم فقال: المرأة المرأة.
قال الزبير فتوسمت أنها صفية قال: فخرجت أسعى إليها، قال فأدركتها قبل أن تنتهي إلى القتلى. قال: فلدمت في صدري وكانت امرأة جلدة، قالت: إليك عني لا أرض لك، فقلت، إن رسول الله - ﷺ - عزم عليك.
_________________
(١) قال الهيثمي في المجمع: ٦/ ١٢٠، رواه الطبراني ورجاله ثقات، انظر الطبراني في المعجم الكبير: ١٢١٥٢. * النمرة الثوب المخطط من مآزر الأعراب.
(٢) لدمت: ضربت ودفعت.
(٣) لأوائها: شدتها وضيق المعيشة فيها.
(٤) المطالب العالية رقم: ٤٣٢٢، وعزاه إلى أبي بكر بن أبي شيبة وسكت عنه البوصيري وقال في المجمع: ٦/ ١١٩ رواه الطبراني ورجاله ثقات.
[ ٢١٠ ]
قال: فوقفت وأخرجت ثوبين معها فقالت: هذان ثوبان جئت بهما لأخي حمزة فقد بلغني مقتله، فكفنوه فيهما قال فجئنا بالثوبين لنكفن فيهما حمزة فإذا إلى جنبه رجل من الأنصار قتيل فعل به كما فعل بحمزة، قال: فوجدنا غضاضة وخنى أن يكفن حمزة في ثوبين والأنصاري لا كفن له، فقلنا لحمزة ثوب وللأنصاري ثوب، فقدرناهما فكان أحدهما أكبر من الآخر فأقرعنا بينهما، فكفنا كل واحد منهما في الثوب الذي طار له" (١).
٣٣٢ - من حديث ابن عمر وأنس بن مالك ﵃ قالا: "لما رجع رسول الله - ﷺ - من أحد سمع نساء الأنصار يبكين فقال: (لكن حمزة لا بواكي له) فبلغ ذلك نساء الأنصار فبكين حمزة فنام رسول الله - ﷺ - ثم استيقظ وهن يبكين فقال: (يا ويحهن ما زلن يبكين منذ اليوم فليبكين، ولا يبكين على هالك بعد اليوم) (٢).
٣٣٣ - من حديث وحشي قال: (أتيت النبي - ﷺ - فقال لي: (وحشي) قلت: نعم، قال: (قتلت حمزة؟)، قلت: نعم، والحمد لله الذي أكرمه بيدي ولم يهني بيده، فقالت له قريش: أتحبه وهو قاتل حمزة؟ فقلت: يا رسول الله فاستغفر لي، فتفل رسول الله - ﷺ - في الأرض ثلاثة، ودفع في صدري ثلاثة وقال: (وحشي أخرج فقاتل في سبيل الله كما قاتلت لتصد عن سبيل الله) (٣).
_________________
(١) أخرجه أحمد في المسند: ١/ ١٦٥، والبزار كما في كشف الأستار رقم: ١٧٩٧ وقال الهيثمي في المجمع: ٦/ ١١٨: رواه أحمد وأبو يعلى والبزار، وفيه عبد الرحمن بن أبي الزناد وهو ضعيف وقد وثق" وأخرجه البيهقي في السنن: ٤/ ٤٠١ - ٤٠٢، وفي الدلائل: ٣/ ٢٩٠ وأبو يعلى الموصلي رقم: ٦٨٦، وإسناد هذا الحديث حسن فابن أبي الزناد قال ابن معين فيه: أثبت الناس في هشام بن عروة، وقال ابن المديني: ما حدث بالمدينة فصحيح وما حدث ببغداد أفسده البغداديون. تهذيب التهذيب: ٦/ ١٧١ - ١٧٢.
(٢) أخرجه ابن ماجه في الجنائز باب ما جاء في البكاء على الميت: ١٥٩١، وأحمد في المسند انظر الفتح الرباني: ٧/ ١٠٦ - ١٠٧ وقال الساعاتي سنده جيد قال الهيثمي في المجمع: ٦/ ١٢٠ رواه أبو يعلى بإسنادين رجال أحدهما رجال الصحيح قلت: وإسناد ابن ماجه على شرط مسلم.
(٣) قال الهيثمي في المجمع: ٦/ ١٢١: رواه الطبراني وإسناده حسن، انظر الطبراني في الكبير: ٢٢/ ١٣٩ رقم: ٣٧٠.
[ ٢١١ ]
٣ - أنس بن النضر وشجاعته:
٣٣٤ - من حديث أنس بن مالك ﵁ قال: "عَمَّي الذي سميت به (١) لم يشهد مع رسول الله - ﷺ - بدرًا. قال: فشق عليه. قال: أول مشهد شهده رسول الله - ﷺ - غُيبت عنه، وإن أراني الله مشهدًا، فيما بعد، مع رسول الله - ﷺ - ليراني الله ما أصنع، قال: فهاب أن يقول غيرها (٢).
قال: فشهد مع رسول الله - ﷺ - يوم أحد قال: فاستقبل سعد بن معاذ فقال له: يا أبا عمرو أين؟ واهًا لريح الجنة أجده دون أحد. فقاتلهم حتى قتل. قال: فوجد في جسمه بضع وثمانون من بين ضربة وطعنة ورمية، قال: فقالت أخته عمتي الربيع بنت النضر: فما عرفت أخي إلا ببنانه، ونزلت هذه الآية ﴿رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ (٣).
فكانوا يرون أنها نزلت فيه وفي أصحابه" وهذا لفظ مسلم (٤).
وفي لفظ البخاري زيادة أذكرها للفائدة: "فلقي يوم أحد فهزم الناس فقال: اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء -يعني المسلمين- وأبرأ إليك مما جاء به المشركون -فتقدم بسيفه، فلقي سعد بن معاذ فقال: أين يا سعد؟ إني أجد ريح الجنة دون أحد فمضى فقتل، فما عرف حتى عرفته أخته بشامة -أو ببنانه- وبه بضع وثمانون: من طعنة وضربة ورمية بسهم".
٣٣٥ - ومن طريق ابن إسحاق قال: وحدثني القاسم بن عبد الرحمن بن رافع أخو بني عدي بن النجار: "قال انتهى أنس بن النضر، عم أنس بن مالك، إلى عمر بن الخطاب وطلحة بن عبيد الله، في رجال من المهاجرين والأنصار، وقد ألقوا بأيديهم، فقال ما يجلسكم؟ قالوا: قتل رسول الله - ﷺ -. قال: فماذا تصنعون بالحياة بعده؟ قوموا فموتوا على ما مات عليه رسول الله - ﷺ - ثم استقبل القوم، فقاتل حتى قتل) (٥).
_________________
(١) عمي الذي سميت به: أي بإسمه وهو أنس بن النضر.
(٢) مخافة أن يقول شيئًا يعجز عن فعله.
(٣) الأحزاب آية: ٢٣.
(٤) أخرجه البخاري في المغازي باب غزوة أحد رقم: ٤٠٤٨، مسلم في الإمارة باب ثبوت الجنة للشهيد رقم: ١٩٠٣، الترمذي رقم: ٣١٩٨، ٣١٩٩، وقال حسن صحيح، وأحمد في المسند: ٣/ ١٩٤، ٢٠١، ٢٥٣، والطيالسي: ٢/ ٢٢، وأبو نعيم في الحلية: ١/ ١٢١، ابن جرير الطبري في التفسير: ٢١/ ١٤٧، وابن كثير في التفسير: ٣/ ٤٧٥.
(٥) أخرجه ابن هشام في السيرة: ٢/ ٨٣، وصرح ابن إسحاق بالتحديث، والقاسم بن عبد الرحمن ذكره ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل ٧/ ١٣، ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا، وأخرجه الطبري في تاريخه: ٢/ ٥١٧ والبيهقي في الدلائل: ٣/ ٢٤٥ من طريق ابن إسحاق به.
[ ٢١٢ ]
٤ - أبو عامر الفاسق وتحريضه على المسلمين يوم أحد:
٣٣٦ - من طريق ابن إسحاق قال: وحدثني عاصم بن قتادة: "أن أبا عامر، عبد عمرو بن صيفي بن مالك بن النعمان، أحد بني ضبيعة، وقد كان خرج حين خرج إلى مكة مباعدًا لرسول الله - ﷺ -، معه خمسون غلامًا من الأوس، وبعض الناس كان يقول: كانوا خمسة عشرة رجلًا، وكان يعد قريشًا أن لو قد لقي قومه لم يختلف عليه منهم رجلان، فلما التقى الناس كان أول من لقيهم أبو عامر في الأحابيش وعبدان أهل مكة، فنادى: يا معشر الأوس أنا أبو عامر، قالوا: فلا أنعم الله بك عينًا يا فاسق -وكان أبو عامر يسمى في الجاهلية: الراهب، فسماه رسول الله - ﷺ -: الفاسق- فلما سمع ردهم عليه، قال: لقد أصاب قومي بعدي شر، ثم قاتلهم قتالًا شديدًا، ثم راضخهم بالحجارة (١).
٥ - رجل يستطيل حياته:
٣٣٧ - من حديث جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال رجل يوم أحد: يا رسول الله إن قتلت فأين أنا؟ قال: (في الجنة)، فألقى ثمرات في يده وقاتل حتى قتل (٢).
قال الحافظ في الفتح "وزعم ابن بشكوال أنه عمير بن الحمام، وسبقه إلى ذلك الخطيب، واحتج بما أخرجه مسلم من حديث أنس (أن عمير بن الحمام أخرج ثمرات فجعل يأكل منهن ثم قال: لئن أنا حييت حتى آكل ثمراتي هذه إنها لحياة طويلة، ثم قاتل حتى قتل.
قلت: لكن وقع التصريح في حديث أنس أن ذلك كان يوم بدر، والقصة التي في الباب وقع التصريح في حديث جابر أنها كانت يوم أحد، فالذي يظهر أنهما قصتان وقعتا لرجلين، والله أعلم، وفيه (الحديث) ما كان عليه الصحابة من حب نصر الإِسلام، والرغبة في الشهادة ابتغاء مرضاة الله" (٣).
_________________
(١) أخرجه ابن هشام: ٢/ ٦٧ والطبري في تاريخه: ٢/ ٥١٢ وسنده حسن ورجاله ثقات، وصرح ابن إسحاق بالتحديث والحديث مرسل.
(٢) أخرجه البخاري في المغازي باب غزوة أحد رقم: ٤٠٤٦، مسلم في الإمارة باب ثبوت الجنة للشهيد رقم: ١٨٩٩، النسائي في الجهاد باب ثواب من قتل في سبيل الله ﷿: ٦/ ٣٣، أحمد في المسند: ٣/ ٣٠٨، الحميدي برقم: ١٢٤٩، دلائل النبوة للبيهقي: ٣/ ٢٤٣.
(٣) فتح الباري: ٧/ ٣٥٤.
[ ٢١٣ ]
٦ - كافر تصيبه دعوته:
٣٣٨ - من حديث بريدة ﵁ قال: "أن رجلًا قال يوم أحد اللهم إن كان محمدًا على الحق فاخسف بي قال فخسف به" (١).
٧ - حنظلة الغسيل:
٣٣٩ - من حديث عبد الله بن الزبير ﵄ قال: "سمعت رسول الله - ﷺ - يقول عند قتل حنظلة بن أبي عامر بعد أن التقى هو وأبو سفيان حين علاه شداد بن الأسود بالسيف فقتله، فقال رسول الله - ﷺ -: (إن صاحبكم تغسله الملائكة فسألوا صاحبته) فقالت: إنه خرج لما سمع الهائعة وهو جنب فقال رسول الله - ﷺ -: (لذلك غسلته الملائكة) (٢).
٣٤٠ - من حديث ابن عباس ﵄ قال: "أصيب حمزة بن عبد المطلب، وحنظلة بن الراهب، وهما جنب فقال رسول الله - ﷺ -: (رأيت الملائكة تغسلهما) (٣).
٨ - جرح الرسول ﵊ يوم أحد:
٣٤١ - من حديث أبي هريرة ﵁ قال: "قال رسول الله - ﷺ -: (اشتد غضب الله على قوم فعلوا بنبيهم -يشير إلى رباعيته-، اشتد غضب الله على رجل يقتله رسول الله - ﷺ -) (٤).
٣٤٢ - من حديث سهل بن سعد الساعدي ﵁ قال: "حين سئل عن جرح الرسول - ﷺ - يوم أحد -جرح وجه رسول الله - ﷺ - وكسرت رباعيته،
_________________
(١) كشف الأستار عن زوائد البزار رقم: ١٧٩٩، وقال الهيثمي في المجمع: ٦/ ١٢٢، رواه البزار ورجاله رجال الصحيح.
(٢) أخرجه الحاكم: ٣/ ٢٠٤ - ٢٠٥ وقال صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه ووافقه الذهبي، والبيهقي: ٤/ ١٥ من حديث ابن إسحاق عن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه عن جده وسنده صحيح ورواه الطبراني في الكبير وفي لفظه اختلاف انظر مجمع الزوائد: ٣/ ٢٣، وقال الهيثمي: وإسناده حسن، وله شاهد من حديث ابن عباس يأتي بعد.
(٣) قال الهيثمي في المجمع: ٣/ ٢٣، رواه الطبراني في الكبير وإسناده حسن.
(٤) أخرجه البخاري في المغازي باب ما أصاب النبي - ﷺ - من الجراح يوم أحد رقم: ٤٠٧٣، مسلم في الجهاد والسير باب اشتداد غضب الله تعالي على من قتله رسول الله - ﷺ - رقم: ١٧٩٣، وأحمد في المسند: ٢/ ٢٥٥.
[ ٢١٤ ]
وهشمت البيضة على رأسه، فكانت فاطمة بنت رسول الله - ﷺ - تغسل الدم، وكان علي بن أبي طالب يسكب عليها بالمجن، فلما رأت فاطمة الماء لا يزيد الدم إلا كثرة، أخذت قطعة من حصير فأحرقته حتى صار رمادًا ثم ألصقته بالجرح، فاستمسك الدم" اللفظ لمسلم (١).
٣٤٣ - من حديث أنس ﵁ قال: (إن رسول الله - ﷺ - كسرت رباعيته يوم أحد وشج في رأسه، فجعل يسلت الدم عنه ويقول: (كيف يفلح قوم شجوا نبيهم وكسروا رباعيته وهو يدعوهم إلى الله) فأنزل الله -﷿- (ليس لك من الأمر شيء) (٢) (٣).
وقد جاء أيضًا من حديث ابن عباس عند البخاري رقم: (٤٠٧٤، ٤٠٧٦)، وابن عمر رحمهما الله تعالى عند البخاري رقم: (٤٠٦٩، ٤٠٧٠).
حال الرسول - ﷺ - وهو يمسح الدم
٣٤٤ - من حديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال: "كأني أنظر إلى رسول الله - ﷺ - يحكي نبيًّا من الأنبياء ضربه قومه، وهو يمسح الدم عن وجهه ويقول: (رب اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون) (٤).
٩ - شهيد لم يصل لله ركعة:
٣٤٥ - من حديث أبي هريرة ﵁ قال: "إن عمرو بن أقيش كان له ربًا في الجاهلية، فكره أن يسلم حتى يأخذه فجاء يوم أحد، فقال: أين بنو
_________________
(١) أخرجه البخاري في المغازي باب ما أصاب النبي - ﷺ - من الجراح يوم أحد رقم: ٤٠٧٥، مسلم في الجهاد والسيرة غزوة أحد رقم: ١٧٩٠، وأحمد في المسند: ٥/ ٣٣٠، ٥٣٤، ابن ماجه في سننه كتاب الطب باب دواء الجراحة رقم: ٣٤٦٤.
(٢) آل عمران: ١٢٨.
(٣) أخرجه البخاري في المغازي باب ليس لك من الأمر شيء في ترجمة الباب معلقًا فتح الباري: ٧/ ٣٦٥، مسلم في الجهاد والسير باب غزوة أحد رقم: ١٧٩١، والترمذي في كتاب التفسير باب ومن سورة آل عمران رقم: ٣٠٠١، ٣٠٠٢ وقال حديث حسن صحيح، وابن ماجه برقم: ٤٠٢٧، وأحمد في المسند: ٣/ ٩٩، ١٧٨، ٢٠١، ٢٠٦، ٢٥٣، ٢٨٨.
(٤) أخرجه البخاري في أحاديث الأنبياء باب ٥٤، باب حديث بينما امرأة ترضع ابنها إذ مر بها راكب رقم: ٣٤٧٧، مسلم في الجهاد باب غزوة أحد رقم: ١٧٩٢، ابن ماجه في الفتن باب الصبر على البلاء رقم: ٤٠٢٥.
[ ٢١٥ ]
عمي؟ قالوا: بأحد قال: أين فلان قالوا: بأحد، قال: أين فلان؟ قالوا: بأحد. فلبس لأمته وركب فرسه، ثم توجه قبلهم فلما رآه المسلمون قالوا: إليك عنا يا عمرو، قال: إني قد آمنت، فقاتل حتى جرح، فحمل إلى أهله جريحًا، فجاء سعد بن معاذ، فقال لأخته: سليه حمية لقومك، أو غضبًا لهم، أم غضبًا منه ﷿، قال: بل غضبًا لله -﷿- ورسوله، فمات فدخل الجنة وما صلى لله صلاة" (١).
١٠ - مقتل اليمان والد حذيفة على يد المسلمين خطأ:
٣٤٦ - من حديث عائشة ﵂ قالت: "لما كان يوم أحد هزم المسلمون، فصرخ إبليس لعنة الله عليه: أي عباد الله، أخراكم، فرجعت أولاهم فاجتلدت هي وأخراهم، فبصر حذيفة فإذا هو بأبيه اليمان فقال: أي عباد الله أبي أبي. قال: قالت: فوالله ما احتجزوا حتى قتلوه، فقال حذيفة: يغفر الله لكم، قال عروة: فوالله ما زالت في حذيفة بقية خير حتى لحق بالله" (٢).
وقد جاء زيادة عند ابن هشام عن ابن إسحاق قال حدثني عاصم بن عمر بن قتادة عن محمود بن لبيد فقال حذيفة: (قتلتم أبي! قتلتم أبي! قالوا: والله ما عرفناه وصدقوا، فقال حذيفة: يغفر الله لكم فأراد رسول الله - ﷺ - أن يديه، فتصدق حذيفة بديته على المسلمين، فزاده ذلك عند رسول الله - ﷺ - خيرًا) (٣).
١١ - عبد الله بن جحش وسعد ودعوتان مستجابتان:
٣٤٧ - من حديث سعد بن أبي وقاص ﵁: (أن عبد الله بن جحش قال له يوم أحد ألا تدعو الله، فخلوا في ناحية فدعا سعد فقال: يا رب إذا لقيت
_________________
(١) أخرجه أبو داود في الجهاد باب فيمن يسلم ويقتل مكانه في سبيل الله ﷿ رقم: ٢٥٣٧، وأحمد في المسند ٥/ ٤٢٨ - ٤٢٩ والبيهقي في الدلائل: ٣/ ٢٤٧ - ٢٤٨وابن هشام: ٢/ ٩٠، وسنده حسن، وقد رواه أحمد وابن هشام بسند آخر عن أبي هريرة عن ابن إسحاق قال حدثني الحصين بن عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن معاذ عن أبي سفيان مولى أبي أحمد عن أبي هريرة هذا السند رجاله ثقات، وقال الحافظ في الإصابة: ٢/ ٥١٩: هذا إسناد حسن.
(٢) أخرجه البخاري في المغازي باب إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا رقم: ٤٠٦٥، وفي المناقب الأنصار باب ذكر حذيفة بن اليمان رقم: ٣٧٢٤، ابن سعد: ٢/ ٤٥، والحاكم في المستدرك: ٣/ ٣٧٩: والبيهقي في الدلائل: ٣/ ٢٣٠ - ٢٣١.
(٣) أخرجه ابن هشام: ٢/ ٨٧ - ٨٨ والطبري في تاريخه: ٢/ ٥٣٠ من طريق ابن إسحاق، وسنده حسن رجاله ثقات، وقد صرح ابن إسحاق بالتحديث فسنده متصل.
[ ٢١٦ ]
العدو، فلقيني رجلًا شديدًا بأسه، شديدًا حرده، أقاتله ويقاتلني، ثم ارزقني الظفر عليه حتى أقتله، وآخذ سلبه، فأمن عبد الله بن جحش، ثم قال: اللهم ارزقني رجلًا شديدًا حرده، شديدًا بأسه، أقاتله فيك ويقاتلني، ثم يأخذني فيجدع أنفي وأذني، فإذا لقيتك غدًا، قلت: من جدع أنفك وأذنك، فأقول: فيك وفي رسولك، فتقول صدقت: قال سعد: يا بني كانت دعوة عبد الله بن جحش خيرًا من دعوتي، لقد رأيته آخر النهار وإن أنفه وأذنه لمعلقان في خيط (١).
١٢ - عمرو بن الجموح ورجاؤه أن يطأ في الجنة بعرجته:
٣٤٨ - من حديث أبي قتادة ﵁ قال: (أتى عمرو بن الجموح إلى رسول الله - ﷺ - فقال: يا رسول الله أرأيت إن قاتلت في سبيل الله حتى أقتل أمشي برجلي هذه صحيحة في الجنة؟ وكانت رجله عرجاء، فقال: رسول الله - ﷺ -: (نعم)، فقتلوا يوم أحد هو وابن أخيه ومولى لهم، فمر رسول الله - ﷺ -، فقال: (كأني أنظر إليك تمشي برجلك هذه صحيحة في الجنة) فأمر رسول الله - ﷺ - بهما وبمولاهما فجعلوا في قبر واحد" (٢).
وقد جاء بلفظ آخر من طريق ابن إسحاق قال: وحدثني أبي إسحاق بن يسار عن أشياخ من بني سلمة: أن عمرو بن الجموح كان رجلًا أعرج شديد العرج، وكان له بنون أربعة مثل الأسد يشهدون مع رسول الله - ﷺ - المشاهد، فلما كان يوم أحد أرادوا حبسه، وقالوا له: إن الله -﷿- قد عذرك، فأتى رسول الله - ﷺ - (فقال: إن بني يريدون أن يحبسوني عن هذا الوجه، والخروج معك فيه، فوالله إني لأرجو أن أطأ بعرجتي هذه في الجنة، فقال رسول الله - ﷺ -: أما أنت فقد عذرك الله؛ فلا جهاد عليك) وقال لبنيه: (ما عليكم أن لا تمنعوه، لعل الله أن يرزقه الشهادة) فخرج معه فقتل يوم أحد" (٣).
_________________
(١) أخرجه الحاكم: ٣/ ١٩٩ - ٢، وقال صحيح على شرطهما لولا إرساله، ووافقه الذهبي وقال: صحيح مرسل وابن سعد: ٣/ ٦٣، وقال الهيثمي في المجمع: ٩/ ٣٠١ - ٣٠٢: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح، وله شواهد متصلة من طريق إسحاق بن سعد بن أبي وقاص كما في الإصابة ترجمة رقم: ٤٥٨٣، والبيهقي في السنن الكبرى: ٦/ ٣٠٧ - ٣٠٨ موصولًا من حديث إسحاق بن سعد.
(٢) أخرجه أحمد في المسند: ٥/ ٢٩٩ وحسن إسناده الحافظ في الفتح، وقال الهيثمي في المجمع: ٩/ ٣١٥: رجاله رجال الصحبح غير يحيي بن نصر الأنصاري وهو ثقة.
(٣) أخرجه ابن هشام في السيرة: ٢/ ٩٠ - ١٩ والبيهقي في الدلائل: ٣/ ٢٤٦، وسنده حسن إن كان الأشياخ من الصحابة وإلا فهو مرسل ورجاله ثقات.
[ ٢١٧ ]
١٣ - سعد بن الربيع ووصيته:
٣٤٩ - من حديث زيد بن ثابت ﵁ قال: (بعثني رسول الله - ﷺ - يوم أحد لطلب سعد بن الربيع، وقال لي: (إن رأيته فأقرئه مني السلام، وقل له: يقول لك رسول الله - ﷺ - كيف تجدك؟) قال: فجعلت أطوف بين القتلى فأصبته، وهو في آخر رمق وبه سبعون ضربة ما بين طعنة برمح، وضربة بسيف، ورمية بسهم فقلت له: يا سعد! إن رسول الله - ﷺ - يقرأ عليك السلام ويقول لك: أخبرني كيف تجدك؟ قال: على رسول الله - ﷺ - وعليك السلام، قل له: يا رسول الله أجد ريح الجنة، وقل لقومي الأنصار: لا عذر لكم عند الله إن خلص إلى رسول الله - ﷺ - وفيكم شفر (١) يطرف، قال: وفاضت نفسه ﵀" (٢).
١٤ - سعد بن أبي وقاص ودفاعه عن النبي يوم أحد:
٣٥٠ - من حديث أبي عثمان النهدي قال: "لم يبق مع النبي - ﷺ - في تلك الأيام التي كان يقاتل بها رسول الله غير طلحة وسعد عن حديثهما" (٣).
٣٥١ - من حديث علي كرم الله وجهه: قال: "ما سمعت النبي - ﷺ - جمع أبويه لأحد إلا لسعد بن مالك، فإني سمعته يقول يوم أحد: (يا سعد ارم فداك أبي وأمي) (٤).
٣٥٢ - من حديث سعيد بن المسيب عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: "نثل لي النبي - ﷺ - كنانته يوم أحد فقال: (ارم فداك أبي وأمي) (٥).
_________________
(١) شفر: العين.
(٢) أخرجه الحاكم في المستدرك: ٣/ ٢٠١، وقال صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي من غير طريق ابن إسحاق، وقد جاء في سيرة ابن هشام: ٢/ ٩٤ - ١٥ والطبري في تاريخه: ٢/ ٥٢٨ والبيهقي في الدلائل:٣/ ٢٤٨، من طريق ابن إسحاق وقال حدثني محمَّد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة المازني أخو بني النجار والإسناد صحيح إلا أنه مرسل، وقد جاء في المطالب العالية رقم: ٤٣١٧، عن عمرو بن يحيى المازني وعزاه لإسحاق بن راهويه وصحح إسناده البوصيري إلا أنه مرسل وجاء أيضًا من مرسل يحيى بن سعيد أخرجه مالك في الجهاد وباب الترغيب في الجهاد: ٢/ ٢١ بهامش تنوير الحوالك، ومن طريقه أخرجه ابن سعد في الطبقات: ٣/ ٥٢٣ وبهذه الطرق يكون الحديث صحيحًا.
(٣) أخرجه البخاري في الفضائل: ٣٧٢٣، وفي المغازي باب غزوة أحد رقم: ٤٠٦٠، ٤٠٦١، ومسلم في الفضائل رقم: ٢٤١٤.
(٤) أخرجه البخاري رقم: ٢٩٠٥، وفي المغازي إذ همت طائقان منكم أن تفشلا أرقام: ٤٠٥٨، ٤٠٥٩، وجاء أيضًا برقم: ٦١٨٤، مسلم في الفضائل رقم: ٢٤١١، الترمذي: ٣٧٥٦، وابن ماجه رقم: ١٢٩، المقدمة، وأحمد في المسند: ١/ ٢٩، ١٢٤، ١٣٦، ١٣٧.
(٥) أخرجه البخاري في المغازي باب إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا رقم: ٤٠٥٥. نثل: استخرج ما فيها من السهام. الكنانة: جعبة السهام.
[ ٢١٨ ]
٣٥٣ - من حديث سعيد بن المسيب عن سعد بن أبي وقاص قال: "جمع لي رسول الله - ﷺ - يوم أحد أبويه كليهما -يريد حين قال: (فداك أبي وأمي) - وهو يقاتل" (١).
١٥ - طلحة بن عبيد الله ودفاعه عن رسول الله يوم أحد:
٣٥٤ - من حديث قيس قال: (رأيت يد طلحة التي وقى بها النبي يوم أحد شلاء" (٢).
٣٥٥ - من حديث جابر ﵁ قال: "لما كان يوم أحد، وولى الناس، كان رسول الله - ﷺ - في ناحية في اثنى عشر رجلًا منهم طلحة، فأدركهم المشركون فقال النبي - ﷺ -: (من للقوم؟) قال: طلحة: أنا، قال: (كما أنت)، فقال رجل: أنا، قال: (أنت)، فقاتل حتى قتل، ثم التفت فإذا المشركون، فقال: (من لهم؟) قال طلحة: أنا، قال: (كما أنت)، فقال رجل من الأنصار: أنا، قال: (أنت) فقاتل حتى قتل، فلم يزل كذلك حتى بقي مع نبي الله طلحة، فقال: (من للقوم؟) قال: طلحة: أنا، فقاتل طلحة قتال الأحد عشر حتى قطعت أصابعه، فقال: حسس، فقال: رسول الله - ﷺ -: (لو قلت باسم الله، لرفعتك الملائكة والناس ينظرون) ثم رد الله المشركين (٣).
٣٥٦ - من حديث الزبير ﵁ قال: "كان على النبي يوم أحد درعان، فنهض إلى الصخرة فلم يستطع، فقعد طلحة تحته حتى استوى على الصخرة، قال الزبير فسمعت النبي - ﷺ - يقول: (أوجب طلحة) (٤).
_________________
(١) أخرجه البخاري في الفضائل رقم: ٣٧٢٥، وفي المغازي إذ همت طائفان منكم أن تفشلا رقم: ٤٠٥٥، ٤٠٥٦، ٤٠٥٧، ومسلم في الفضائل رقم: ٢٤١٢، الترمذي: ٣٧٥٥، وابن ماجه رقم: ١٣٠ في المقدمة، وأحمد في المسند: ١/ ١٧٤ - ١٨٠.
(٢) أخرجه البخاري في فضائل الصحابة باب مناقب طلحة رقم: ٣٧٢٤، وفي المغازي باب إذ همت طائفان رقم: ٤٠٦٣، وابن ماجه في المقدمة رقم: ١٢٨، وأحمد في المسند: ١/ ١٦١.
(٣) أخرجه النسائي: ٦/ ٢٩ - ٣٠ في الجهاد باب ما يقول من يطعنه العدو، ورجاله ثقات كما قال الذهبي وأخرج الحاكم معنا: ٣/ ٣٦٩.
(٤) أخرجه الترمذي في الجهاد باب ما جاء في الدرع: ١٦٩٢، وفي المناقب باب مناقب طلحة رقم: ٣٧٣٩، وقال حسن غريب، وأحمد: ١/ ١٦٥، وصححه الحاكم: ٣/ ٣٧٤، ووافقه الذهبي وقد صرح ابن إسحاق بالتحديث في رواية أحمد، فزالت شبهته تدليسه فالحديث بذلك صحيح والله أعلم.
[ ٢١٩ ]
١٦ - أبو طلحة الأنصاري ودفاعه عن رسول الله ﷺ:
٣٥٧ - من حديث أنس ﵁ قال: "لما كان يوم أحد انهزم ناس عن رسول الله - ﷺ -، وأبو طلحة بين يديه مجوبًا عليه بحجفة، وكان راميًا شديد النزع كسر يومئذ قوسين أو ثلاثة، وكان الرجل يمر معه الجعبة من النبل، فيقول رسول الله - ﷺ -: (انثرها لأبي طلحة)، ثم يشرف إلى القوم. فيقول أبو طلحة: يا نبي الله بأبي أنت، لا تشرف ألا يصيبك سهم، نحري دون نحرك" (١).
١٧ - مصعب بن عمير ﵁ وعدم توفر كفن لدفنه:
٣٥٨ - من حديث خباب ﵁ قال: "هاجرنا مع رسول الله - ﷺ - ونحن نبتغي وجه الله فوقع أجرنا على الله فمنا من مضى بسبيله لم يأكل من أجره شيئًا، منهم مصعب بن عمير قتل يوم أحد، ولم يترك إلا نمرة، كنا إذا غطينا رأسه بدت رجلاه، وإذا غطينا رجليه بدا رأسه، فقال رسول الله - ﷺ -: (غطوا رأسه، واجعلوا على رجليه من الأذخر)، ومنا من أينعت له ثمرته فهو يهدبها" (٢).
٣٥٩ - من حديث عبد الرحمن بن عوف ﵁ أنه "أتى بطعام، وكان صائمًا، فقال: قتل مصعب بن عمير، وهو خير مني، كفن في بردة، إن غطي رأسه بدت رجلاه، وإن غطي رجلاه بدا رأسه، وأراه قال: وقتل حمزة وهو خير مني، ثم بسط لنا من الدنيا أو قال: أعطينا من الدنيا ما أعطينا -وقد خشينا أن تكون حسناتنا عجلت لنا، ثم جعل يبكي حتى ترك الطعام" (٣).
_________________
(١) أخرجه البخاري في فضائل الأنصار باب مناقب أبي طلحة رقم: ٣٨١١، وفي المغازي باب إذ همت طائفتان أن تفشلا رقم: ٤٠٦٤، مسلم في الجهاد والسير باب غزوة النساء مع الرجال رقم: ١٨١١، وأحمد في المسند: ٣/ ١٠٥، ٢٥٦، ٢٨٦ وعنده قوله أبو طلحة للنبي "إني جلد".
(٢) أخرجه البخاري في الجنائز باب إذا لم يجد كفنًا إلا ما يوارى رأسه أو قدميه رقم: ١٢٨٦، في مناقب الأنصار باب هجرة النبي: ٣٨٩٧، ٣٩١٤، وفي المغازي باب غزوة أحد: ٤٠٤٧، باب من قتل من المسلمين يوم أحد رقم: ٤٠٨٢، وفي الرقاق باب ما يحذر من زهرة الدنيا رقم: ٦٤٣٢، باب فضل الفقر: ٦٤٤٨، مسلم في الجنائز باب كفن الميت رقم: ٩٤٠، أبو داود: ٣١٥٥، في الجنائز الترمذي في المناقب: ٣٨٥٢، والنسائي في الجنائز، باب القميص من الكفن: ٤/ ٢٨، أحمد في المسند: ٥/ ١١٢.
(٣) أخرجه البخاري في الجنائز باب الكفن من جميع المال رقم: ١٢٧٤، ١٢٧٥، وفي المغازي باب غزوة أحد رقم: ٤٠٤٥.
[ ٢٢٠ ]
٣٦٠ - من حديث أبي هريرة ﵁ قال: (إن رسول الله - ﷺ - حين انصرف من أحد مر على مصعب بن عمير وهو مقتول على طريقه، فوقف عليه، ودعا له، ثم قرأ هذه الآية ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ (١). ثم قال رسول الله - ﷺ -: (أشهد أن هؤلاء شهداء عند الله يوم القيامة، فأتوهم وزوروهم، والذي نفسي يبده لا يسلم عليهم أحد إلى يوم القيامة إلا ردوا عليه" (٢).
١٨ - عبد الله بن عمرو بن حرام وإظلال الملائكة له:
٣٦١ - من حديث جابر بن عبد الله قال: "لما قتل أبي يوم أحد، جعلت أكشف عن وجهه وأبكي، وجعل أصحاب رسول الله - ﷺ - ينهوني وهو لا ينهاني وجعلت عمتي تبكيه، فقال النبي - ﷺ -: (تبكيه، أو لا تبكيه ما زالت الملائكة تظلله بأجنحتها حتى رفعتموه" (٣).
استخراجه وإعادة دفنه بعد ستة أشهر:
٣٦٢ - من حديث جابر ﵁ قال: قال أبي: (أرجو أن أكون في أول من يصاب غدًا، فأوصيك ببناتي خيرًا، فأصيب، فدفنته مع آخر، فلم تدعني نفسي حتى استخرجته ودفنته وحده بعد ستة أشهر، فإذا الأرض لم تأكل منه شيئًا إلا بعض شحمة أذنه" (٤).
تكليم الله تعالى لعبد الله بن حرام كفاحًا:
٣٦٣ - من حديث جابر ﵁ قال: قال لي رسول الله - ﷺ -: (ألا أخبرك أن الله كلم أباك كفاحًا، فقال: يا عبدي! سلني أعطك، قال: أسألك أن تردني إلى الدنيا فأقتل فيك ثانيًا، فقال: إنه قد سبق مني أنهم إليها لا
_________________
(١) الأحزاب: ٢٣.
(٢) أخرجه الحاكم في المستدرك: ٣/ ٢٠٠، وقال هذا حيث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي.
(٣) أخرجه البخاري في الجنائز باب الدخول على الميت بعد الموت رقم: ١٢٤٤، وفي المغازي باب من قتل من المسلمين يوم أحد رقم: ٤٠٨٠، مسلم في الفضائل باب من فضائل عبد الله بن عمرو بن حرام رقم: ٢٤٧١، والنسائي في الجنائز باب في البكاء على الميت: ٤/ ١٣، وأحمد في المسند: ٣/ ٢٩٨، ٣٠٧.
(٤) أخرجه البخاري في الجنائز باب هل يخرج الميت من القبر وللحد لعلة رقم: ١٣٥١، ١٣٥٢، الحاكم في المستدرك: ٣/ ٢٠٣، وصححه ووافقه الذهبي، وابن سعد: ٣/ ٢ / ١٠٦.
[ ٢٢١ ]
يرجعون. قال: يا رب! فأبلغ من ورائي، فأنزل الله ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ (١) (٢).
١٩ - الأنصار السبعة الذين ضحوا بأنفسهم لحماية رسول الله ﷺ:
٣٦٤ - من حديث أنس ﵁ قال: (أن رسول الله - ﷺ - أفرد يوم أحد في سبعة من الأنصار ورجلين من قريش فلما رهقوه (٣)، قال: (من يردهم عنا وله الجنة، أو هو رفيقي في الجنة)، فتقدم رجل من الأنصار فقاتل حتى قتل، ثم رهقوه أيضًا، فقال: (من يردهم عنا وله الجنة، أو هو رفيقي في الجنة) فتقدم رجل من الأنصار فقاتل حتى قتل، فلم يزل كذلك، حتى قتل السبعة، فقال رسول الله - ﷺ - لصاحبيه: (ما أنصفنا أصحابنا» (٤).
٢٠ - بطل إلى النار:
٣٦٥ - من حديث سهل بن سعد الساعدي ﵁ قال: "إن رسول الله - ﷺ - التقى هو والمشركون فاقتتلوا، فلما مال رسول الله - ﷺ - إلى عسكره، ومال الآخرون إلى عسكرهم -وفي أصحاب رسول الله - ﷺ - رجل لا يدع لهم شاذة ولا فاذة إلا اتبعها يضربها بسيفه- فقيل: ما أجزأ منا اليوم أحد كما أجزأ فلان، فقال رسول الله - ﷺ -: (أما إنه من أهل النار)، فقال رجل من القوم: أنا صاحبه. قال فخرج معه كلما وقف، وقف معه، وإذا أسرع أسرع معه، قال: فجرح الرجل جرحًا شديدًا، فاستعجل الموت فوضع سيفه بالأرض وذبابه بين ثدييه، ثم تحامل على سيفه فقتل نفسه، فخرج الرجل إلى رسول الله - ﷺ - فقال: أشهد أنك رسول الله، قال: (وما ذاك؟).
_________________
(١) آل عمران: ١٦٩.
(٢) أخرجه الترمذي في التفسير باب ومن سورة آل عمران رقم: ٣٠١٣، وقال حديث حسن، وابن ماجه في المقدمة باب ما أنكرت الجهمية رقم: ١٩٠، وفي الجهاد باب فضل الشهادة في سبيل الله رقم: ٢٨٠٠، والحاكم في المستدرك: ٣/ ٢٠٤ وصححه ووافقه الذهبي وابن جرير بسند صحيح في التفسير: ٤/ ١٧٣، وفي التاريخ: ٣/ ٣٦.
(٣) رهقوه: نمشوه وقربوا منه.
(٤) أخرجه مسلم في صحيحه الجهاد والسير باب غزوة أحد رقم: ١٧٨٩، وقد جاء من حديث جابر ﵁ في قتال طلحة بن عبد الله برقم: ٣٥٥، فانظره هناك. رهقوه: غشوه وقربوا منه وأدركوه.
[ ٢٢٢ ]
قال: الرجل الذي ذكرت آنفًا من أهل النار فأعظم الناس ذلك. فقلت: أنا لكم به، فخرجت في طلبه، ثم جرح جرحًا شديدًا فاستعجل الموت، فوضع نصل سيفه في الأرض وذبابه بين ثدييه، ثم تحامل عليه فقتل نفسه، فقال رسول الله - ﷺ - عند ذلك: (إن الرجل ليعمل عمل أهل الجنة فيما يبدو للناس، وهو من أهل النار، وإن الرجل ليعمل عمل أهل النار فيما يبدو للناس وهو من أهل الجنة) (١).
وقد جاء عند ابن هشام في سيرته التصريح بأن هذا الرجل هو قزمان، وأنه قتل نفسه يوم أحد، كما ورد من طريق ابن إسحاق حدثني عاصم بن عمر بن قتادة والإسناد حسن ورجاله ثقات، إلا أنه مرسل وهو يعتد به كشاهد للمتابعة والله أعلم (٢).
وقال الحافظ في الفتح (جزم ابن الجوزي في مشكلة بأن القصة التي حكاها سهل بن سعد وقعت بأحد، قال: واسم الرجل قزمان الظفري، وكان قد تخلف عن المسلمين يوم أحد فعيره النساء، فخرج حتى صار في الصف الأول، فكان أول من رمى بسهم، ثم صار إلى السيف ففعل العجائب، فلما انكشف المسلمون كسر جفن سيفه وجعل يقول: الموت أحسن من الفرار، فمر به قتادة بن النعمان فقال له: هنيئا لك الشهادة، قال: والله إني ما قاتلت على دين، وإنما قاتلت على حسب قومي، ثم أقلقته الجراحة فقتل نفسه".
وعقب الحافظ على ذلك بقوله: "قلت وهذا الذي نقله أخذه من مغازي الواقدي، وهو لا يحتج به إذا انفرد فكيف إذا خالف" (٣).
قلت: وقد سبق من طريق ابن إسحاق عند ابن هشام التصريح بأنه قزمان وبأنه قتل نفسه يوم أحد، وقول الحافظ لا يعارض ذلك المروي خاصة وأنه مرسل وإسناده ثقات، فالظاهر هو كما قال ابن الجوزي وابن إسحاق إمام أهل السير والله أعلم".
_________________
(١) أخرجه البخاري في المغازي باب غزوة خيبر رقم: ٤٢٠٢، ومسلم في الإيمان باب غلظ تحريم قتل الإنسان نفسه رقم: ١١٢ - وفي رواية عند مسلم وقع أن الغزوة "حنين" وفي رواية أخرى أبهمت، وأخرجه أحمد في المسند: ٤/ ١٣٥، وفيه أن الغزوة هي خيبر.
(٢) ابن هشام في السيرة: ٢/ ٨٨.
(٣) فتح الباري: ٧/ ٤٧٣، في التعليق على حديثه سهل السابق.
[ ٢٢٣ ]
٢١ - تصحيح الشعارات حتى في أحلك المواطن:
٣٦٦ - من حديث عقبة مولى جبر بن عتيك الأنصاري ﵁ قال: "شهدت أحدًا مع مولاي، فضربت رجلًا من المشركين، فلما قتلته، قلت: خذها مني وأنا الرجل الفارسي، فبلغت رسول الله - ﷺ - فقال: (ألا قال: خذها وأنا الرجل الأنصاري، فإن مولى القوم من أنفسهم) " (١).
٢٢ - قتال الملائكة دفاعًا عن رسول الله ﷺ:
٣٦٧ - من حديث سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: "رأيت رجلين عن يمين رسول الله - ﷺ - ويساره يوم أحد عليهما ثياب بيض يقاتلان عنه كأشد القتال ما رأيتهما قبل ولا بعد" (٢).
٢٣ - تغشية النعاس المسلمين يوم أحد:
٣٦٨ - من حديث أبي طلحة الأنصاري ﵁ قال: "غشينا ونحن في مصافنا يوم أحد، حدَّث أنه فيمن غشيه النعاس يومئذ قال: فجعل سيفي يسقط من يدي وآخذه، ويسقط من يدي فآخذه، والطائفة الأخرى المنافقون ليس لهم هم إلا أنفسهم أجبن قوم وأرعبه، وأخذله للحق" وهذا اللفظ للترمذي (٣).
وفي لفظ آخر لأبي طلحة قال: "رفعت رأسي يوم أحد فجعلت أنظر، وما منهم يومئذ أحد إلا يميد تحت حجفته من النعاس، فذلك قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا﴾ (٤) ".
٣٦٩ - من حديث الزبير ﵁ قال: "لقد رأيتني مع رسول الله - ﷺ -
_________________
(١) أخرجه أحمد في المسند: ٥/ ٢٩٥، أبو داود في الأدب: ٥١٢٣، باب في العصبية، وابن ماجه في الجهاد باب النية في القتال: ٢٧٨٤، وإسناده حسن وقال الهيثمي في المجمع: ٦/ ١١٥، رواه أبو يعلى ورجاله ثقات، وانظر المطالب العالية رقم: ٤٣٢٤.
(٢) أخرجه البخاري في اللباس باب الثياب البيض رقم: ٥٨٢٦، وفي المغازي باب قوله تعالى ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ﴾ رقم: ٤٠٥٤، مسلم في الفضائل باب قتال جبريل وميكائيل عن النبي - ﷺ - يوم أحد رقم: ٢٣٠٦، وأحمد في المسند: ١/ ١٧١، ١٧٧.
(٣) أخرجه البخاري في المغازي باب ثم أنزل عليكم من بعد الغم نعاسًا رقم: ٤٠٦٨، والترمذي في سننه كتاب تفسير سورة آل عمران رقم: ٣٠٠٨، وقال حديث حسن صحيح وأحمد في المسند: ٤/ ٢٩.
(٤) أخرجه الترمذي في تفسير القرآن باب ومن تفسير آل عمران رقم: ٣٠٠٧، وقال حديث حسن صحيح.
[ ٢٢٤ ]
يوم أحد حين اشتد علينا الخوف، وأرسل علينا النوم، فما منا أحد إلا وذقنه -أو قال- ذقنه في صدره، فوالله إني لأسمع كالحلم قول معتب بن قشير "لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ها هنا" فحفظتها، فأنزل الله ﵎ في ذلك ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا﴾، إلى قوله: ﴿مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾ لقول معتب بن قشير، قال: ﴿لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ﴾ حتى بلغ ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ (١) ".
٢٤ - الحرب خدعة:
٣٧٠ - من حديث كعب بن مالك ﵁ قال: "لما كان يوم أحد وصرنا إلى الشعب كنت أول من عرفته فقلت: هذا رسول الله - ﷺ -.
فأشار إلى بيده أن اسكت، ثم ألبسني لامته، ولبس لأمتي، فلقد ضربت حتى جرحت عشرين جراحة أو قال بضعة وعشرين جرحًا كل من يضربني يحسبني رسول الله - ﷺ -" (٢).
٢٥ - ظن علي أن رسول الله - ﷺ - قد رفع:
٣٧١ - من حديث علي كرم الله وجهه قال: "لما انجلى الناس عن رسول الله - ﷺ - يوم أحد نظرت إلى القتلى فلم أر رسول الله - ﷺ - فيهم، فقلت: والله ما كان ليفر وما أراه في القتلى، ولكن أرى الله غضب علينا بما صنعنا فرفع نبيه - ﷺ -، فما فيَّ خير من أن أقاتل حتى أقتل، فكسرت جفن سيفي، ثم حملته على القوم فأفرجوا لي، فإذا أنا برسول الله - ﷺ - بينهم" (٣).
_________________
(١) المطالب العالية رقم: ٤٣١٥، ونسبه إلى إسحاق بن راهويه وسكت عليه البوصيري وإسناده جيد، وقال الترمذي معلقًا على إسناده في تخريج الحديث السابق: ٣٠٠٧ وجاء في حديث الزبير وقال حديث حسن صحيح.
(٢) قال الهيثمي في المجمع: ٦/ ١١٢، رواه الطبراني في الأوسط والكبير باختصار ورجال الأوسط ثقات، ورواه أبو نعيم في الدلائل: ٢/ ٤٨٢ من طريق ابن إسحاق وقد صرح عنده بالسماع وسنده متصل، فالحديث صحيح. * لامته: درعه.
(٣) المطالب العالية: ٤٣٢٣، قال البوصيري رواه أبو يعلى برقم: ٥٤٦، بإسناد حسن، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد: ٦/ ١١٢ فيه محمَّد بن مروان العقيلي وثقه أبو داود وابن حبان وضعفه أبو زرعة وغيره" وإسناده حسن كما قال البوصيري والله أعلم.
[ ٢٢٥ ]
٢٦ - فخر أبي سفيان بعد المعركة:
٣٧٢ - من حديث البراء ﵁ قال: "جعل رسول الله - ﷺ - على الرماة يوم أحد وكانوا خمسين رجلًا -عبد الله بن جبير قال: ووضعهم موضعًا، وقال: (إن رأيتمونا تخطفنا الطير فلا تبرحوا حتى أرسل إليكم، إن رأيتمونا ظهرنا على العدو وأوطأناهم فلا تبرحوا حتى أرسل إليكم)، قال: فهزموهم.
قال: فأنا والله رأيت النساء يشتددن على الجبل وقد بدت سوقهن وخلاخلهن- رافعات ثيابهن فقال أصحاب عبد الله بن جبير: الغنيمة، أي قوم الغنيمة، ظهر أصحابكم فما تنظرون؟
قال عبد الله بن جبير: أنسيتم ما قال لكم رسول الله - ﷺ -، قالوا: إنا والله لنأتين الناس فلنصيبن من الغنيمة، فلما أتوهم صرفت وجوههم، فأقبلوا منهزمين، فذلك الذي يدعوهم الرسول - ﷺ - في أخراهم، فلم يبق مع رسول الله - ﷺ - غير اثني عشر رجلًا، فأصابوا منا سبعين رجلًا، وكان رسول الله - ﷺ - وأصحابه، أصاب من المشركين يوم بدر أربعين ومائة، سبعين أسيرًا، وسبعين قتيلًا.
فقال أبو سفيان: أفي القوم محمَّد؟ أفي القوم محمَّد؟ أفي القوم محمَّد؟ ثلاثًا، فنهاهم رسول الله - ﷺ - أن يجيبوه، ثم قال: أفي القوم ابن أبي قحافة؟ أفي القوم ابن أبي قحافة؟ أفي القوم ابن الخطاب؟ أفي القوم ابن الخطاب؟ ثم أقبل على أصحابه فقال: أما هؤلاء فقد قتلوا وقد كفيتموهم، فما ملك عمر نفسه أن قال: كذبت والله يا عدو الله إن الذين عددت لأحياء كلهم، وقد بقي لك ما يسوءك، فقال: يوم بيوم بدر والحرب سجال، إنكم ستجدون في القوم مثلة لم آمر بها، ولم تسؤني ثم أخذ يرتجز: أعل هبل. أعل هبل.
فقال رسول الله - ﷺ -: (ألا تجيبونه؟) قالوا: يا رسول الله ما نقول؟ قال: (قولوا الله أعلى وأجل)، قال: أن العزى لنا ولا عزى لكم، فقال رسول الله - ﷺ -: (ألا تجيبونه؟) قالوا: يا رسول الله وما نقول؟ قال: (قولوا الله مولانا ولا مولى لكم) (١) ".
_________________
(١) أخرجه البخاري في المغازي باب غزوة أحد رقم: ٤٠٤٣، وأبو داود في الجهاد باب في الكمناء رقم: ٢٦٦٢، وأحمد في المسند: ٤/ ٢٩٣، أبو داود الطيالسي رقم: ٢٣٤٥، ٢/ ٩٨ - ٩٩.
[ ٢٢٦ ]
٢٧ - رواية ابن عباس في أحد:
٣٧٣ - من حديث ابن عباس ﵄ قال: "ما نصر الله ﵎ في موطن كما نصر في يوم أحد فقال (ابن عتبة) فأنكرنا ذلك، فقال ابن عباس: بيني وبين من أنكر ذلك كتاب الله ﵎، إن الله -﷿- يقول في يوم أحد: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ﴾، يقول ابن عباس والحس القتل ﴿حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ﴾ -إلى قوله- ﴿وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾، عني بهذا الرماة، وذلك أن النبي - ﷺ - أقامهم في موضع ثم قال: (احموا ظهورنا فإن رأيتمونا نُقتل فلا تنصرونا، وإن رأيتمونا قد غنمنا فلا تشركونا).
فلما غنم النبي - ﷺ - وأباحوا عسكر المشركين أكب الرماة جميعًا، فدخلوا العسكر ينتهبون، وقد التقت صفوف أصحاب رسول الله - ﷺ -، فهم كذا وشبك بين أصابع يديه والتبسوا، فلما أخل الرماة تلك الخلة التي كانوا فيها دخلت الخيل من ذلك الموضع على أصحاب رسول الله - ﷺ -، فضرب بعضهم بعضًا والتبسوا، وقتل من المسلمين ناس كثير.
وقد كان لرسول الله - ﷺ - وأصحابه أول النهار، حتى قتل من أصحاب لواء المشركين سبعة أو تسعة، وجال المسلمون جولة نحو الجبل، ولم يبلغوا حيث يقول الناس الغار، وإنما كانوا تحت المهراس (١) وصاح الشيطان: قتل محمَّد فلم يشك فيه أنه حق، فما زلنا كذلك نشك أنه قد قتل حتى طلع رسول الله - ﷺ - بين السعدين (٢) نعرفه بتكفئه إذا مشى، قالوا: ففرحنا حتى كأنه لم يصبنا ما أصابنا.
قال: فرقى نحونا وهو يقول: (اشتد غضب الله على قوم دمّوا وجه رسوله)، قال ويقول مرة أخرى: (اللهم أنه ليس لهم أن يعلونا) حتى انتهى إلينا فمكث ساعة فهذا أبو سفيان يصيح في أسفل الجبل: اعل هبل مرتين يعني آلهته، أين ابن أبي كبشة؟ أين ابن أبي قحافة؟ أين ابن الخطاب؟
فقال عمر: يا رسول الله ألا أجيبه؟ قال: بلى، قال: فلما قال: اعل هبل، قال عمر: الله أعلى وأجل، قال: فقال أبو سفيان يا ابن الخطاب إنه قد أنعمت عينها فعاد عنها أو فعال عنها، فقال: أين ابن أبي كبشة؟ أين ابن أبي قحافة؟ أين
_________________
(١) المهراس: ماء بجبل أحد دفن بجواره حمزة عم رسول الله - ﷺ -.
(٢) السعدين: مكانان في ذاك الموضع والله أعلم.
[ ٢٢٧ ]
ابن الخطاب؟ فقال عمر: هذا رسول الله - ﷺ -، وهذا أبو بكر، وهذا أنا عمر.
قال: فقال أبو سفيان: يوم بيوم بدر، الأيام دول وإن الحرب سجال (١) قال: فقال عمر: لا سواء، قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار، قال: إنكم لتزعمون ذلك، لقد خبنا إذا وخسرنا، ثم قال أبو سفيان: أما إنكم سوف تجدون في قتلاكم مثلًا (٢) ولم يكن ذاك عن رأي سراتنا (٣) قال: ثم أدركته حمية الجاهلية قال: فقال: أما إنه قد كان ذاك ولم نكرهه" (٤).
٢٨ - دور المسلمات في أحد:
وقد سبق من حديث أنس في دفاع أبي طلحة عن رسول الله - ﷺ - فانظره هناك وقد جاء أيضًا:
٣٧٤ - من حديث عمر بن الخطاب ﵁، قال ثعلبة بن أبي مالك: إن عمر بن الخطاب ﵁ قسم مروطًا بين نساء من نساء أهل المدينة، فبقي منها مرط جيد، فقال له بعض من عنده يا أمير المؤمنين: "أعط هذا بنت رسول الله - ﷺ - التي عندك -يريدون أم كلثوم بنت علي، فقال عمر: أم سليط أحق منها، وأم سليط من نساء الأنصار ممن بايع رسول الله - ﷺ -، قال عمر: فإنها كانت تزفر لنا القرب يوم أحد" (٥).
٢٩ - ثناء النبي على ربه ودعاؤه بعد انتهاء المعركة:
٣٧٥ - من حديث عبيد الله بن رفاعة الزرقي ﵁ قال: لما كان يوم أحد وانكفأ المشركون قال رسول الله - ﷺ -: (استووا حتى أثني على ربي، فصاروا خلفه صفوفًا فقال: اللهم لك الحمد كله، اللهم لا قابض لما بسطت، ولا باسط لما قبضت، ولا هادي لما أضللت، ولا مضل لمن هديت، ولا معطي لما منعت، ولا مانع لما أعطيت، ولا مقرب لما باعدت، ولا مبعد لما قربت،
_________________
(١) سجال: أي مرة لنا ومرة علينا.
(٢) مثل: أنكل بالقتل بجدع الأنف أو قطع الأذن.
(٣) السراة: الأشراف والكبراء.
(٤) أخرجه أحمد في المسند: ١/ ٢٨٧، ٢٨٨، ٤٦٣، والحاكم في المستدرك: ٢/ ٢٩٦، ٢٩٧ وقال صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي.
(٥) أخرجه البخاري في المغازي باب ذكر أم سليط رقم: ٤٠٧١.
[ ٢٢٨ ]
اللهم ابسط علينا من بركاتك، ورحمتك، وفضلك، ورزقك، اللهم إني أسألك النعيم المقيم الذي لا يحول ولا يزول، اللهم إني أسألك النعيم يوم الغلبة، والأمن يوم الخوف، اللهم إني عائذ بك من شر ما أعطيتنا، وشر ما منعت منا، اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان واجعلنا من الراشدين، اللهم توفنا مسلمين، وأحينا مسلمين، وألحقنا بالصالحين، غير خزايا ولا مفتونين، اللهم قاتل الكفرة الذين يكذبون رسلك، ويصدون عن سبيلك، واجعل عليهم زجرك وعذابك، اللهم قاتل الكفرة الذين أوتو الكتاب، إله الحق) (١).
٣٧٦ - من حديث أنس بن مالك ﵁ قال: "إن رسول الله - ﷺ - كان يقول يوم أحد (اللهم إنك إن تشأ لا تعبد في الأرض) " (٢).
٣٠ - ردوا القتلى إلى مضاجعهم:
٣٧٧ - من حديث جابر ﵁ قال: "إن قتلى أحد حملوا من مكانهم فنادى منادي رسول الله - ﷺ -: (أن ردوا القتلى إلى مضاجعها) (٣) ".
٣٧٨ - وقد جاء عنه بلفظ آخر فقال: "استشهد أبي بأحد، فأرسلتني أخواتي إليه بناضح (٤) لهن، فقلن: اذهب فاحتمل أباك على هذا الجمل فادفنه في مقبرة بني سلمة، قال: فجئته وأعوان لي، فبلغ ذلك نبي الله وهو جالس بأحد فدعاني وقال: (والذي نفسي بيده لا يدفن إلا مع إخوته فدفن مع أصحابه بأحد) (٥) ".
_________________
(١) أخرجه أحمد في المسند: ٣/ ٤١٤، والحاكم في المستدرك: ١/ ٥٠٧، ٣/ ٢٣، ٢٤، وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين وقد وافق الذهبي الحاكم في موطن على التصحيح، وقال في موطن آخر: والحديث مع نظافة إسناده منكر -والحديث صحيح فقط فيه عبيد بن رفاعة لم يخرج له الشيخان، وليس لقول الذهبي في تعليله وجه. وقال الهيثمي في المجمع: ٦/ ١٢١، ١٢٢ رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح.
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه كتاب الجهاد والسير باب استجاب الدعاء بالنصر عند لقاء العدو رقم: ١٧٤٣.
(٣) أخرجه أحمد في المسند ٣/ ٣٠٨، أبو داود في الجنائز باب في الميت يحمل من أرض إلى أرض: ٣١٦٥، والنسائي في الجنائز باب أين يدفن الشهيد: ٤/ ٧٩، والترمذي في الجهاد باب ما جاء في دفن الشهداء: ١٧١٧، وابن ماجه في الجنائز باب ما جاء في الصلاة على الشهداء ودفنهم: ١٥١٦، وقال الترمذي حسن صحيح وصححه ابن حبان: ١٩٦، وسنده صحيح.
(٤) الناضح: البعير الذي يحمل الماء يسقي الزرع.
(٥) انظر التخريج في الحديث السابق، وقال الشيخ الساعاتي: ٨/ ١٥٠ أخرجه الأربعة وغيرهم وصححه الترمذي.
[ ٢٢٩ ]
٣١ - صلاة النبي على شهداء أحد:
٣٧٩ - من حديث عقبة بن عامر ﵁ قال: "صلى رسول الله - ﷺ - على قتلى أحد بعد ثماني سنين كالمودع للأحياء والأموات، ثم طلع المنبر فقال: (إني بين أيديكم فرط، وأنا عليكم شهيد، وإن موعدكم الحوض، وإني لأنظر إليه من مقامي هذا، وإني لست أخشى عليكم أن تشركوا ولكني أخشى عليكم الدنيا أن تنافسوها)، قال: فكانت آخر نظرة نظرتها إلى رسول الله - ﷺ - (١).
قال الحافظ ابن حجر في الفتح (والخلاف في الصلاة على قتيل معركة الكفار مشهور، قال الترمذي: (قال بعضهم يصلى على الشهيد وهو قول الكوفيين وإسحق، وقال بعضهم لا يصلى عليه وهو قول المدنيين والشافعي وأحمد، وقال الشافعي في الأم: (جاءت الأخبار كأنها عيان من وجوه متواترة أن النبي - ﷺ - لم يصل على قتلى أحد، وما روي أنه صلى عليهم وكبر على حمزة سبعين تكبيرة لا يصح، وقد كان ينبغي لمن عارض بذلك هذه الأحاديث الصحيحة أن يستحي على نفسه" انتهى، ثم إن الخلاف في ذلك في منع الصلاة عليهم على الأصح عند الشافعية، وفي وجه أن الخلاف في الاستحباب وهو المنقول عن الحنابلة.
قال الماوردي عن أحمد: الصلاة على الشهيد أجود، وإن لم يصلوا عليه أجزأ، وقال الطحاوي: "معنى صلاته - ﷺ - عليهم لا يخلو من ثلاثة معان: إما أن يكون ناسخًا لما تقدم من ترك الصلاة عليهم، أو يكون من سنتهم أن لا يصلي عليهم إلا بعد هذه المدة المذكورة، أو تكون الصلاة عليهم جائزة بخلاف غيرهم فإنها واجبة، وأيها كان فقد ثبت بصلاته عليهم الصلاة على الشهداء، ثم كان الكلام بين المختلفين في عصرنا، إنما هو في الصلاة عليهم قبل دفنهم، وإذا ثبتت الصلاة عليهم بعد الدفن كانت قبل الدفن أولى" انتهى (٢).
وقد وردت الأحاديث والسنن الصحيحة عن رسول الله - ﷺ - تدل على الصلاة
_________________
(١) أخرجه البخاري في الجنائز باب الصلاة على الشهيد رقم: ١٣٤٤، وفي المغازي باب غزوة أحد رقم: ٤٠٤٢، وله أطراف أرقام: ٣٥٩٦، ٤٠٨٥، ٦٤٢٦، ٦٥٩٠، مسلم في صحيحه في الفضائل باب إثبات حوض نبينا - ﷺ - رقم: ٢٢٩٦، وأبو داود رقم: ٣٢٢٣، ٣٢٢٤، والنسائي: ٤/ ٦١، ٦٢ أحمد: ٤/ ١٤٩، ١٥٣، ١٥٤، البيهقي: ٤/ ١٤.
(٢) فتح الباري على صحيح البخاري: ٣/ ٢١٠ - ٢١١، في التعليق على حديث عقبة بن عامر المذكور آنفًا، وانظر قول الطحاوي في شرح معاني الآثار: ١/ ٥٠٤.
[ ٢٣٠ ]
على الشهداء، أورد بعضها هنا:
٣٨٠ - من حديث أنس بن مالك ﵁ قال: "لما كان يوم أحد مر رسول الله - ﷺ - بحمزة بن عبد المطلب وقد جدع ومثل به، فقال: لولا أن تجد صفية في نفسها تركته حتى تأكله العافية (١)، حتى يحشره الله من بطون الطير والسباع، فكفنه في نمرة، وكانت إذا خمرت رأسه بدت رجلاه، وإذا خمرت رجلاه بدا رأسه، فخمر رأسه، ولم يصل على أحد من الشهداء غيره" (٢).
٣٨١ - من حديث عبد الله بن الزبير قال: (أن رسول الله - ﷺ - أمر يوم أحد بحمزة فسجي ببردة، ثم صلى عليه، فكبر تسع تكبيرات، ثم أتى بالقتلى يصفون، ويصلي عليهم، وعليه معهم" (٣).
وقد جاء من حديث ابن عباس (٤) وغيره انظرها في التعليق، ولا يعارض هذان الحديثان وشواهدهما بحديث جابر بأنه لم يصل على شهداء أحد لأنه ناف، والمثبت مقدم على النافي، نفي هذين الحديثين وشواهدهما ثبتت مشروعية الصلاة على الشهداء لا على سبيل الإيجاب؛ لأن كثيرًا من الصحابة استشهدوا يوم بدر، ولم ينقل عن النبي - ﷺ - الصلاة عليهم، ولو فعل ذلك لنقل إلينا، فدل ذلك على أن الصلاة عليهم غير واجبة، ولذلك قال ابن القيم: "والصواب في المسألة أنه مخير بين الصلاة عليهم وتركها، لمجيء الآثار بكل واحد من الأمرين، وهذا إحدى الروايات عن الإِمام أحمد، وهو الأليق بأصوله ومذهبه" (٥).
_________________
(١) العافية: السباع والطير التي تقع على الجيف فتأكلها.
(٢) أخرجه أبو داود حديث رقم: ٣١٣٧، وأحمد في المسند: ٣/ ١٢٨، والبيهقي في السنن: ٤/ ١٠، ١١، والطحاوي في شرح معاني الآثار: ١/ ٥٠٢ - ٥٠٣، والحاكم في المستدرك: ١/ ٣٦٥، وقال صحيح على شرط مسلم ووافقه الذهبي ورواه ابن أبي شيبة في المصنف: ١٤/ ٣٩١، ٣٩٢، وقال النووي في المجموع: ٥/ ٢٦٥، وعزاه لأبي داود وحده وقال: إسناده حسن أو صحيح.
(٣) أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار: ١/ ٥٠٣، وإسناده حسن رجاله كلهم ثقات وقد صرح ابن إسحاق بالتحديث.
(٤) أخرجه الحاكم: ٣/ ١٩٨، والحديث حسن الإسناد، وابن ماجه في الجنائز. باب ما جاء في الصلاة على الشهيد رقم: ١٥١٣، وهناك شواهد من حديث ابن مسعود، أخرجه أحمد في المسند: ١/ ٤٦٣، وسنده حسن، ومن حديث شداد بن الهاد وأخرجه النسائي: ٤/ ٥٠٦ والطحاوي في شرح معاني الآثار: ١/ ٥٠٦ البيهقي: ٤/ ١٥، ١٦، وسنده صحيح الحاكم: ٣/ ٥٩٥ - ٥٩٦، وصححه ووافقه الذهبي.
(٥) تهذيب السنن: ٤/ ٢٩٥.
[ ٢٣١ ]
٣٢ - طريقة دفن الشهداء في أحد وتقديم الأحفظ للقرآن:
٣٨٢ - من حديث جابر بن عبد الله ﵁ قال: (إن رسول الله - ﷺ - كان يجمع بين الرجلين من قتلى أحد في ثوب واحد، ثم يقول: (أيهم أكثر أخذًا للقرآن؟) فإذا أشير له إلى أحد قدمه في اللحد، وقال: (أنا شهيد على هؤلاء يوم القيامة) وأمر بدفنهم بدمائهم، ولم يصل عليهم ولم يغسلوا" (١).
٣٨٣ - حديث هشام بن عامر ﵁ قال: "شكي إلى رسول الله - ﷺ - الجراحات يوم أحد فقال: (احفروا وأوسعوا وأحسنوا وادفنوا الاثنين والثلاثة في قبر واحد، وقدموا أكثرهم قرآنًا) فمات أبي فقدم بين رجلين" (٢).
٣٨٤ - من حديث أنس ﵁ قال: " وكثرت القتلى وقلت الثياب، قال: وكان يجمع الثلاثة والاثنين في قبر واحد، ويسأل أيهم أكثر قرآنًا فيقدم في اللحد، وكفن الرجلين والثلاثة في الثوب الواحد" (٣).
٣٣ - الشهداء أحياء عند ربهم:
٣٨٥ - من حديث ابن عباس ﵄ قال: (قال رسول الله - ﷺ -: (لما أصيب إخوانكم بأحد، جعل الله -﷿- أرواحهم في أجواف طير خضر، ترد أنهار الجنة، تأكل من ثمارها، وتهوي إلى قناديل من ذهب في ظل العرش، فلما وجدوا طيب مشربهم، ومأكلهم وحسن منقلبهم قالوا: يا ليت إخواننا يعلمون بما صنع الله لنا، لئلا يزهدوا في الجهاد، ولا ينكلوا عن الحرب، فقال الله ﷿: أنا أبلغهم عنكم، فأنزل الله -﷿- هؤلاء الآيات على رسوله ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ﴾ (٤) ".
_________________
(١) أخرجه البخاري في الجنائز باب الصلاة علي الشهداء رقم: ١٣٤٣، وفي المغازي باب من قتل من المسلمين يوم أحد رقم: ٤٠٧٩ وجاء بأرقام: ١٣٤٧،١٣٤٦،١٣٤٥، ١٣٤٨، ١٣٥٣، الترمذي في الجنائز باب ما جاء في ترك الصلاة على الشهيد: ١٠٣٦، وأبو داود في الجنائز في الشهيد يغسل: ٣١٣٨ والنسائي في الجنائز باب ترك الصلاة عليهم: ٤/ ٦٢، وابن ماجه في الجنائز باب ما جاء في الصلاة على الشهيد: ١٥١٤، وأحمد في المسند: ٥/ ٤٣١.
(٢) أخرجه الترمذي في الجهاد باب دفن الشهيد رقم: ١٧١٣ وقال حديث حسن صحيح وأبو داود في الجنائز باب تعميق القبر: ٣٢١٥، والنسائي في الجنائز باب ما يستحب في توسيع القبر: ٤/ ١٨، وابن ماجه في الجنائز باب ما جاء في حفر القبر: ١٥٦٠ والحديث إسناده صحيح.
(٣) سبق تخريجه حديث رقم: ٣٨٩.
(٤) أخرجه أحمد في المسند: ١/ ٢٦٥، أبو داود في الجهاد باب فضل الشهادة رقم: ٢٥٢٠، وعبد بن حميد رقم: ٦٦٧، وابن أبي شيبة: ٥/ ٢٩٤ - ٢٩٥، والطبري في التفسير: ١٤/ ١١٣ =
[ ٢٣٢ ]
٣٨٦ - ومن حديث ابن مسعود ﵁. قال مسروق: سألنا عبد الله بن مسعود عن هذه الآية ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾، قال: أما إنا سألنا عن ذلك فقال: (أرواحهم كطير خضر تسرح في أيها شاءت، ثم تأوي إلى قناديل معلقة بالعرش، قال: فبينما هم كذلك، إذ اطلع عليهم ربهم اطلاعة، فقال: سلوني ما شئتم؟! فقالوا: يا ربنا! وما نسألك، ونحن نسرح في الجنة في أيها شئنا، فلما رأوا أن لا يتركوا من أن يسألوا، قالوا: نسألك أن ترد أرواحنا إلى أجسادنا في الدنيا، حتى نقتل في سبيلك، قال: فلما رأى أنهم لا يسألون إلا هذا تركوا) (١).
٣٤ - عدد شهداء المسلمين:
٣٨٧ - من حديث البراء بن عازب ﵁ قال: "جعل رسول الله - ﷺ - على الرماة يوم أحد فذكر الحديث إلى أن قال: فأصابوا منا سبعين، وكان رسول الله - ﷺ - وأصحابه قد أصابوا من المشركين، أراه قال: يوم بدر أربعين ومائة: سبعين أسيرًا وسبعين قتيلًا" (٢).
٣٨٧ - من حديث أبي بن كعب ﵁ قال: "إنه أصيب من الأنصار يوم أحد أربعة وستون، وأصيب من المهاجرين ستة فيهم حمزة، فمثلوا بقتلاهم فقالت الأنصار: لئن أصبنا منهم يومًا من الدهر لنربين عليهم، فلما كان يوم فتح مكة، نادى رجل لا يعرف: لا قريش بعد اليوم، مرتين فأنزل الله -﷿- على نبيه - ﷺ - ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ فقال النبي - ﷺ -: (كفوا عن القوم) " (٣).
_________________
(١) = والآجري في الشريعة: ٣٩٢، والبيهقي في عذاب القبر رقم: ١٢٩، والحاكم في المستدرك: ٢/ ٨٨، ٢٩٧، وقال في الموضعين صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه ووافقه الذهبي، وقد صرح ابن إسحاق بالتحديث عند أحمد فزالت شبهة التدليس، فالحديث صحيح.
(٢) أخرجه مسلم في الإمارة باب بيان أن أرواح الشهداء في الجنة وأنهم أحياء عند ربهم يرزقون رقم: ١٨٨٧، الترمذي في التفسير باب ومن تفسير آل عمران رقم: ٣٠١١ وقال حسن صحيح، ابن ماجه في الجهاد باب فضل الشهادة في سبيل الله رقم: ٢٨٠١، وابن أبي شيبة: ٥/ ٣٠٨، والدرامي: ٢/ ٢٠٦، والطبري في التفسير: ٤/ ١١٣ - ١١٤.
(٣) سبق تخريجه حديث رقم: ٣٧٢.
(٤) أخرجه الترمذي في التفسير باب من تفسير سورة النحل رقم: ٣١٢٩ وقال حديث حسن غريب وأحمد في المسند: ٥/ ١٣٥، وابن حبان في الموارد رقم: ١٦٩٥، ص: ٤١١، والطبراني في الكبير: ٣/ ١٥٧، والحاكم في المستدرك: ٢/ ٤٤٦،٣٥٩، وقال في الموضعين صحيح الإسناد وأقره الذهبي.
[ ٢٣٣ ]
٣٥ - أحد جبل يحبنا ونحبه:
٣٨٩ - من حديث أنس ﵁ قال: (أن رسول الله - ﷺ - طلع له أحد فقال: (هذا جبل يحبنا ونحبه، اللهم إن إبراهيم حرم مكة، وإني حرمت ما بين لابتيها) " (١).
٣٦ - أمنية النبي ﷺ إذا ذكر شهداء أحد:
٣٩٠ - من حديث جابر بن عبد الله ﵄ قال: "كان رسول الله - ﷺ - إذا ذكر أصحاب أحد قال: (والله لوددت أني غودرت مع أصحاب فحص الجبل) يقول: قتلت معهم - ﷺ -" (٢).
٣٧ - من أحسن القتال يوم أحد من المسلمين:
٣٩١ - من حديث ابن عباس ﵄ قال: "جاء علي ﵁ بسيفه يوم أحد قد انحنى، فقال لفاطمة ﵂: هاكي السيف حميدًا، فإنها قد شفتني فقال رسول الله - ﷺ -: (لئن كنت أجدت الضرب بسيفك، لقد أجاده سهل بن حنيف، وأبو دجانة، وعاصم بن ثابت بن الأقلح، والحارث بن الصمة) " (٣).
٣٨ - أسماء من استشهد يوم أحد:
ذكر الهيثمي أسماءهم في المجمع: (٦/ ١٢٣ - ١٢٤)، بسند الطبراني إلى ابن شهاب، ورجاله رجال الصحيح، فمن أحب الاستزاده في معرفة أسمائهم فليرجع إلى المجمع.
_________________
(١) أخرجه البخاري في المغازي باب أحد جبل يحبنا ونحبه رقم: ٤٠٨٤، ومسلم في الحج باب فضل المدينة ودعاء النبي فيها بالبركة: ١٣٦٥.
(٢) أخرجه أحمد في المسند: ٣/ ٣٧٥، وفي سيرة ابن كثير: ٣/ ٨٩، وقال الهيثمي في المجمع: ٦/ ١٢٣، رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح غير ابن إسحاق وقد صرح بالسماع فالحديث بذلك صحيح.
(٣) أخرجه الحاكم في المستدرك: ٣/ ٢٤، وقال صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه ووافقه الذهبي وقال الهيثمي في المجمع: ٦/ ١٢٣، رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح.
[ ٢٣٤ ]
٣٩ - كل مصيبة بعدك جلل:
٣٩٢ - من حديث سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: "مر رسول الله - ﷺ - بامرأة من بني دينار، وقد أصيب زوجها وأخوها وأبوها مع رسول الله - ﷺ - بأحد، فلما نعوا لها، قالت: فما فعل رسول الله - ﷺ -؟ قالوا: خيرًا يا أم فلان، هو بحمد الله كما تحبين، قالت: أرونيه حتى أنظر إليه؟، قال: فأشير لها إليه، حتى إذا رأته، قالت: كل مصيبة بعدك جلل! تريد صغيرة" (١).
_________________
(١) ابن هشام في السيرة: ٢/ ٩٩ والبيهقي في الدلائل: ٣/ ٣٠٢، والطبري في تاريخه: ٢/ ٥٣٣، بسند ابن إسحاق إلى سعد بن أبي وقاص وسنده حسن وقد صرح بالحديث فزالت شبهة تدليسه.
[ ٢٣٥ ]
الفصل الخامس الأحداث والوقائع بين أحد والخندق
المبحث الأول: غزوة حمراء الأسد
قال ابن إسحاق: "كان يوم أحد، يوم بلاء ومصيبة وتمحيص، اختبر الله به المؤمنين، ومحن به المنافقين، فمن كان يظهر الإيمان بلسانه، وهو مستخف بالكفر في قلبه، ويومًا أكرم الله فيه من أراد كرامته بالشهادة من أهل ولايته" (١).
وبعد انتهاء غزوة أحد، ورحيل قريش جاءت الأخبار إلى المدينة بأن قريشًا تريد العودة لتستأصل المسلمين في مدينتهم، فما كان من القائد القدوة محمَّد - ﷺ - إلا أن دعا أصحابه للخروج لتعقب قريش، وزرع الخوف في قلب من يفكر بالاعتداء على المدينة الآمنة الطيبة، وشرط رسول الله - ﷺ - أن لا يخرج معه إلا من خرج معه لأحد، وهنا وفي هذا المقام تتجلى صور التضحية والبذل، حيث يخرج أصحاب النبي، والكثير منهم قد أصيب بالجراحات المتعددة، ولكن في سبيل الله تهون كل المصاعب، ولندع أصحاب رسول الله - ﷺ - يروون بعض هذه المشاهد:
٣٩٢ - من حديث عائشة ﵂: كما روى عنها عروة بن الزبير في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ قالت لعروة: يا ابن أختي كان أبواك منهم: الزبير وأبو بكر، لما أصاب رسول الله - ﷺ - ما أصاب يوم أحد وانصرف عنه المشركون خاف أن يرجعوا، قال: (من يذهب في إثرهم؟) فانتدب منهم سبعون رجلًا، قال: كان فيهم أبو بكر والزبير (٢).
وقال ابن كثير عقب ذكر هذا الحديث: "وهذا السياق غريب جدًّا، فإن المشهور عند أصحاب المغازي أن الذين خرجوا مع رسول الله - ﷺ - إلى حمراء الأسد كل
_________________
(١) سيرة ابن هشام: ٢/ ١٠٥.
(٢) أخرجه البخاري في المغازي باب الذين استجابوا لله والرسول رقم: ٤٠٧٧، مسلم في صحيحه في فضائل الصحابة باب من فضائل طلحة والزبير: ٢٤١٨، باختصار، وابن ماجه في المقدمة وفي فضائل الزبير رقم: ١٢٤، والحاكم في المستدرك: ٤/ ٢٩٨ وقال صحيح الإسناد ووافقه الذهبي.
[ ٢٣٦ ]
من شهد أحد، وكانوا سبعمائة قتل منهم سبعون وبقي الباقون" (١).
وقال الشامي: "والظاهر أنه لا تخالف بين قولي عائشة وأصحاب المغازي؛ لأن معنى قولها فانتدب لها سبعون أنهم سبقوا غيرهم، ثم تلاحق الباقون" (٢).
٣٩٣ - من حديث ابن عباس ﵄ قال: "لما انصرف أبو سفيان والمشركون عن أحد وبلغوا الروحاء قال أبو سفيان: لا محمدًا قتلتم، ولا الكواعب أردفتم، شر ما صنعتم، فبلغ ذلك رسول الله - ﷺ -، فندب الناس فانتدبوا حتى بلغوا حمراء الأسد -أو بئر بني عيينة- فأنزل الله ﷿: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ﴾ وذلك أن أبا سفيان قال للنبي - ﷺ -: موعدك موسم بدر حيث قتلتم أصحابنا، فأما الجبان فرجع، وأما الشجاع فأخذ أهبة القتال والتجارة، فأتوه فلم يجدوا به أحدًا، وتسوقوا فأنزل الله -﷿- ذكره ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ﴾ (٣) ".
المبحث الثاني: آثار غزوة أحد
طمع الأعراب والمنافقين واليهود في المسلمين
لقد كان لغزوة أحد من الآثار الشيء الكثير إذ انتقض على الإِسلام وأهله كثير ممن هادنهم أو مالأهم خوفًا منهم، وعلى الرغم مما فعله النبي - ﵇ - وأصحابه من الخروج إلى حمراء الأسد وما أظهروه من مظاهر البأس، إلا أن ما حدث في أحد جعل الأعراب يتجرأون ويبدأون بمحاولة مهاجمة المدينة والإغارة عليها ونهب أموالها وخيراتها.
ولقد جرأت الحادثة أيضًا اليهود في المدينة ليظهروا حقدهم الدفين على الإِسلام وأهله، ويسخرون من المسلمين علانية، ويكررون محاولاتهم الغادرة للكيد للإسلام وأهله، ولقد جرأت الحادثة أيضًا المنافقين ليظهروا نفاقهم، وينبثوا بين صفوف المسلمين يشيعون الشائعات والدسائس محاولين بذلك تمزيق الصف الإِسلامي.
_________________
(١) سيرة ابن كثير: ٣/ ١٠١.
(٢) زاد المعاد: ٣/ ٢٤٣.
(٣) قال الهيثمي في مجمع الزوائد: ٦/ ١٢١، رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح غير محمَّد بن منصور الجواز وهو ثقة وقال السيوطي في لباب النقول (ص: ٦١) أن سنده صحيح، وقال الحافظ ابن حجر في الفتح: ٨/ ٢٢٨: أخرجه النسائي وابن مردويه ورجاله رجال الصحيح إلا أن المحفوظ إرساله عن عكرمة ليس فيه عن ابن عباس، ومن الطريق المرسلة أخرجه ابن أبي حاتم وغيره.
[ ٢٣٧ ]
١ - اغتيال المسلمين لابن سفيان الهذلي لحشده لقتال المسلمين:
٣٩٤ - من حديث عبد الله بن أنس ﵁ قال: "دعاني رسول الله - ﷺ - فقال: (إنه قد بلغني أن خالد بن سفيان بن نبيح يجمع لي الناس ليغزوني، وهو بعرنة فأته فاقتله)، قال: قلت: يا رسول الله انعته حتى أعرفه، قال: (إذا رأيته وجدت له قشعريرة).
قال: فخرجت متوشحًا بسيفي، حتى وقعت عليه بعرنة مع ظعن يرتاد لهن منزلًا، وحين كان وقت العصر، فلما رأيته وجدت ما وصف لي رسول الله - ﷺ - من القشعريرة، فأقبلت نحوه، وخشيت أن يكون بيني وبينه محاولة تشغلني عن الصلاة، فصليت وأنا أمشي نحوه أومئ برأسي الركوع والسجود.
فلما انتهيت إليه قال: من الرجل، قلت: رجل من العرب سمع بك وبجمعك لهذا الرجل فجاءك لهذا، قال: أجل أنا في ذلك، قال: فمشيت معه شيئًا، حتى إذا أمكنني حملت عليه بالسيف حتى قتلته، ثم خرجت وتركت ظعائنه مكبات عليه، فلما قدمت على رسول الله - ﷺ - فرآني فقال: (أفلح الوجه)، قال: قلت: قتلته يا رسول الله، قال: (صدقت)، قال: ثم قام معي رسول الله - ﷺ - فدخل في بيته فأعطاني عصا، فقال: (أمسك هذه عندك يا عبد الله بن أُنيس).
قال: فخرجت بها على الناس، فقالوا: ما هذه العصا؟، قال: قلت: أعطانيها رسول الله - ﷺ -، وأمرني أن أمسكها، قالوا: أولا ترجع إلى رسول الله - ﷺ - فتسأله عن ذلك؟ قال: فرجعت إلى رسول الله - ﷺ -، فقلت: يا رسول الله لم أعطيتني هذه العصا؟، قال: (آية بيني وبينك يوم القيامة، إن أقل الناس المختصرون (١) يومئذ يوم القيامة)، فقرنها عبد الله بسيفه فلم تزل معه، حتى إذا مات أمر بها، فضمت معه في كفنه، ثم دفنا جميعًا" (٢).
_________________
(١) المختصرون: أو المتخصرون: المتكئون على المخاصر: جمع مخصرة وهي ما يمسكه الإنسان بيده من عصا وغيرها. والمراد هنا: الذين يأتون يوم القيامة ومعهم أعمال صالحة يتكئون عليها.
(٢) أخرجه أبو داود في سننه كتاب الصلاة باب صلاة الطالب حديث رقم: ١٢٤٩، بإختصار أحمد في المسند: ٣/ ٤٩٦ البيهقي في السنن: ٣/ ٢٥٦، وقال الحافظ ابن كثير في تفسيره: ١/ ٢٩٥، إسناده جيد، وقال الحافظ ابن حجر في الفتح: ٢/ ٣٥٠، إسناده حسن، وقال الهيثمي في المجمع: ٦/ ٢٠٣ - ٢٠٤رواه الطبراني ورجاله ثقات، واللفظ لأحمد.
[ ٢٣٨ ]
٢ - قصة أصحاب رسول الله - ﷺ - في الرجيع:
٣٩٥ - من حديث أبي هريرة ﵁ قال: (بعث رسول الله - ﷺ - عشرة عينًا، وأمر عليهم عاصم بن ثابت الأنصاري جد عاصم بن عمر بن الخطاب، حتى إذا كانوا بالهدة بين عسفان ومكة، ذكروا لحي من هذيل يقال لهم بنو لحيان، فنفروا لهم بقريب من مائة رجل رام، فاقتصوا آثارهم حتى وجدوا مأكلهم التمر في منزلٍ نزلوه.
فقالوا: تمر يثرب فاتبعوا آثارهم، فلما أحس بهم عاصم وأصحابه لجئوا إلى موضع، فأحاط بهم القوم فقالوا لهم: انزلوا فأعطوا أيديكم، ولكم العهد والميثاق أن لا نقتل منكم أحدًا.
فقال عاصم بن ثابت: أيها القوم، أما أنا فلا أنزل في ذمة كافر، ثم قال: اللهم أخبر عنا نبيك - ﷺ -، فرموهم بالنبل فقتلوا عاصمًا، ونزل إليهم ثلاثة نفر على العهد والميثاق، منهم خبيب وزيد بن الدثنة ورجل آخر، فلما استمكنوا منهم أطلقوا أوتار قسيهم فربطوهم بها.
قال الرجل الثالث: هذا أول الغدر، والله لا أصحبكم، إن لي بهؤلاء أسوة -يريد القتلى- فجروه وعالجوه، فأبى أن يصحبهم (فقتلوه)، فانطلقوا بخبيب وزيد بن الدثنة حتى باعوهما بعد وقعة بدر، فابتاع بنو الحارث بن عامر بن نوفل خبيبًا -وكان خبيب هو قتل الحارث بن عامر بن نوفل يوم بدر- فلبث خبيب عندهم أسيرًا حتى أجمعوا قتله، فاستعار من بعض بنات الحارث موسى يستحدبها، فأعارته، فدرج بني لها وهي غافلة حتى أتاه، فوجدته مجلسه على فخذه والموسى بيده، قالت: ففزعت فزعة عرفها خبيب، فقال: أتخشين أن أقتله؟ ما كنت لأفعل ذلك.
قالت: والله ما رأيت أسيرًا، قط خيرًا من خبيب، والله لقد وجدته يومًا يأكل قطفًا من عنب في يده، وإنه لموثق بالحديد، وما بمكة من ثمرة.
وكانت تقول: إنه لرزق رزقه الله خبيبًا، فلما خرجوا به من الحرم ليقتلوه في الحل، قال لهم خبيب: دعوني أصلي ركعتين، فتركوه، فركع ركعتين، فقال:
[ ٢٣٩ ]
والله لولا أن تحسبوا أن ما بي جزع لزدت، ثم قال: اللهم أحصهم عددًا، واقتلهم بددًا، ولا تبق منهم أحدًا، ثم أنشأ يقول:
فلست أبالي حين أقتل مسلمًا على أي جنب كان لله مصرعي
وذلك في ذات الإله وإن يشأ يبارك على أوصال شلو ممزع
ثم قام إليه أبو سروعة عقبة بن الحارث فقتله، وكان خبيب سن لكل مسلم قتل صبرًا الصلاة، وأخبر -يعني النبي - ﷺ - أصحابه يوم أصيبوا خبرهم، وبعث ناس من قريش إلى عاصم بن ثابت حين حدثوا أنه قتل أن يؤتوا بشيء منه يعرف -وكان قتل رجلًا عظيمًا من عظمائهم- فبعث الله لعاصم مثل الظلة من الدبر فحمته من رسلهم، فلم يقدروا أن يقطعوا منه شيئًا" (١).
وقد أورد ابن إسحاق ﵀ في السيرة أن عددهم كان ستة وأن أميرهم كان مرثد بن أبي مرثد الغنوي، والمقدم عندنا ما في الصحيح أن عددهم كان عشرة وأن أميرهم كان عصام بن ثابت الأنصاري والله أعلم.
٣ - قصة أصحاب رسول الله في بئر معونة:
أ - سبب خروج القراء من أصحاب رسول الله:
٣٩٦ - من حديث أنس ﵁ قال: "إن رعلًا وذكوان وعصية وبني لحيان استمدوا رسول الله - ﷺ - على عدو، فأمدهم بسبعين من الأنصار كنا نسميهم القراء في زمانهم، كانوا يحتطبون بالنهار، ويصلون بالليل، حتى كانوا ببئر معونة قتلوهم وغدروا بهم، فبلغ ذلك رسول الله - ﷺ - فقنت شهرًا يدعو في الصبح على أحياء من أحياء العرب، على رعل وذكوان وعصية وبني لحيان" (٢).
_________________
(١) أخرجه البخاري في المغازي باب فضل من شهد بدرًا رقم: ٣٩٨٩، وباب غزوة الرجيع ورعل وذكوان رقم: ٤٠٨٦، أبو داود في الجهاد باب في الرجل يستأسر رقم: ٢٦٦٠، ٢٦٦١، وعبد الرزاق في المصنف رقم: ٩٧٣٠، وأحمد في المسند: ٢/ ٢٩٥ - ٣١٥ والبيهقي في الدلائل: ٣/ ٣٢٣ - ٣٢٥ والطبري في تاريخه: ٢/ ٥٣٨ - ٥٤١، وأبو داود الطيالسي رقم: ٢٣٤٩، ٢/ ١٠١.
(٢) أخرجه البخاري في المغازي باب غزوة بني الرجيع: ٤٠٩٠، وقد جاء أيضًا في الوتر باب القنوت قبل الركوع وبعده، الجهاد، باب دعاء الإمام على من نكث عهدًا، الدعوات باب الدعاء على المشركين، مسلم في المساجد باب استحباب القنوت في جميع الصلاة، إذا نزلت بالمسلمين نازلة رقم: ٦٧٧، وأحمد في المسند: ٣/ ١٦٧، ٢٥٥، ابن سعد في الطبقات: ٢/ ٥١ - ٥٤ والبيهقي في الدلائل: ٣/ ٣٣٨ - ٣٤٤ والطبراني ورجاله رجال الصحيح كما قال الهيثمي في المجمع: ٦/ ١٢٦ - ١٢٧.
[ ٢٤٠ ]
ب - جوار ملاعب الأسنة لأصحاب رسول الله ﷺ:
٣٩٧ - من حديث كعب بن مالك ﵁ قال: (جاء ملاعب الأسنة إلى النبي - ﷺ - بهدية، فعرض عليه الإِسلام فأبى أن يسلم، فقال النبي - ﷺ - فإني لا أقبل هدية من مشرك، قال: فأبعث إلى أهل نجد من شئت فأنا لهم جار، فبعث إليهم بقوم فيهم المنذر بن عمرو، وهو الذي يقال له -المعتق ليموت -أو -أعتق عند الموت-، فاستجاش (١) عليهم عامر بن الطفيل بني عامر فابوا أن يطيعوه، وأبوا أن يخفروا ملاعب الأسنة، فاستجاش عليهم بني سليم، فأطاعوه، فاتبعهم بقريب من مائة رجل رام فأدركهم ببئر معونة، فقتلوهم إلا عمرو بن أمية" (٢).
٣٩٨ - من حديث أنس ﵁ قال: "جاء ناس إلى النبي - ﷺ - فقالوا: أن ابعث معنا رجالًا يعلمونا القرآن والسنة، فبعث إليهم سبعين رجلًا من الأنصار يقال لهم القراء فيهم خالي حرام، يقرأون القرآن، ويتدارسون بالليل يتعلمون، وكانوا بالنهار يجيئون بالماء فيضعونه في المسجد، ويحتطبون فيبيعونه، ويشترون به الطعام لأهل الصفة وللفقراء، فبعثهم النبي - ﷺ - إليهم، فعرضوا لهم فقتلوهم، قبل أن يبلغوا المكان، فقالوا: اللهم بلغ عنا نبينا، أنا قد لقيناك فرضينا عنك، ورضيت عنا، قال: وأتى رجل حرامًا خال أنس من خلفه فطعنه برمح حتى أنفذه، فقال حرام: فزت ورب الكعبة، فقال رسول الله - ﷺ - لأصحابه: (إن إخوانكم قد قتلوا، وإنهم قالوا: اللهم! بلغ عنا نبينا أنا قد لقيناك، فرضينا عنك ورضيت عنا) (٣) ".
_________________
(١) استجاش: طلب لهم الجيش وجمعه.
(٢) أخرجه عبد الرزاق في المصنف: ٩٧٤١، والطبراني في الكبير: ١٩/ ٧٠ - ٧٢ رقم: ١٣٨، ١٣٩، ١٤٠، وقال الهيثمي في المجمع: ٦/ ١٢٦ - ١٢٧، رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح.
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه في الإمارة باب ثبوت الجنة للشهيد رقم: ٦٧٧، ص: ١٥١١ طبعة فؤاد عبد الباقي، وأبو نعيم في الدلائل: ص: ٥١٣، والبيهقي في الدلائل: ٣/ ٣٤٧.
[ ٢٤١ ]
جـ - قصة عامر بن فهيرة يوم بئر معونة:
٣٩٩ - من حديث عائشة ﵂: ( فقتل عامر بن فهيرة يوم بئر معونة، وعن أبي أسامة قال: قال هشام بن عروة فأخبرني أبي قال: لما قتل الذين ببئر معونة وأسر عمرو بن أمية الضمري، قال له عامر بن الطفيل: من هذا؟ فأشار إلى قتيل، فقال له عمرو بن أمية: هذا عامر بن فهيرة. فقال: لقد رأيته بعد ما قتل رفع إلى السماء حتى إني لأنظر إلى السماء بينه وبين الأرض، ثم وضع، فأتى النبي - ﷺ - خبرهم فنعاهم فقال: (إن أصحابكم قد أصيبوا، وإنهم قد سألوا ربهم فقالوا: ربنا أخبر عنا إخواننا بما رضينا ورضيت عنا فأخبرهم عنهم) وأصيب يومئذ عروة بن أسماء بن الصلت فسمي عروة به، ومنذر بن عمرو سمي به منذرًا) (١).
د - دعاء النبي على قتلة القراء في دعاء القنوت ثم تركه عندما جاؤوا تائبين مسلمين:
٤٠٠ - وقد سبق من حديث أنس في سبب خروج القراء من أصحاب النبي - ﷺ - فانظر تخريجه هناك (٢).
٤٠١ - وقد جاء من حديث ابن عباس ﵄ أنه قال: "قنت رسول الله - ﷺ - شهرًا متتابعًا في الظهر والعصر والمغرب والعشاء وصلاة الصبح، في دبر كل صلاة، إذا قال: (سمع الله لمن حمده) من الركعة الأخيرة، يدعو على أحياء من بني سليم، على رعل وذكوان وعصية، ويؤُمِّن من خلفه" (٣).
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب المغازي باب غزوة الرجيع ورعل وذكوان وبئر معونة وحديث عضل والقارة وعاصم بن ثابت ونجيب وأصحابه رقم: ٤٠٩٣، وفي مناقب الأنصار باب هجرة النبي وأصحابه إلى المدينة رقم: ٣٩٠٠، وأبو نعيم في الدلائل: ص: ٥١٣، والبيهقي في الدلائل: ٣/ ٣٥٣ وأبو نعيم في الحلية: ١/ ١١٠، وقد سبق جزء منه برقم: ١١٩.
(٢) انظر حديث رقم: ٣٩٦.
(٣) أخرجه أبو داود في الصلاة باب القنوت في الصلوات: ١٤٤٣، وأحمد في المسند: ١/ ٣٠١ وصححه الحاكم في المستدرك: ١/ ٢٢٥ ووافقه الذهبي، واللفظ لأبي داود.
[ ٢٤٢ ]
المبحث الثالث: غزوة بني النضير
وقت الغزوة:
قال الزهري عن عروة: (كانت على رأس ستة أشهر من وقعة بدر قبل أحد (١)، وجعله ابن إسحاق بعد بئر معونة وأحد (٢)، وقد وافق ابن إسحاق جل أهل المغازي كما قال الحافظ في الفتح (٣).
وقد ذهب إلى تأييد الرأي الثاني ابن القيم ﵀ في زاد المعاد فقال: "وزعم محمَّد بن شهاب الزهري أن غزوة بني النضير كانت بعد بدر بستة أشهر، وهذا وهم منه أو غلط عليه، بل الذي لا شك فيه أنها كانت بعد أحد، والتي كانت بعد بدر بستة أشهر هي غزوة بني قينقاع، وقريظة بعد الخندق، وخيبر بعد الحديبية، وكان له مع اليهود أربع غزوات، أولها: غزوة بني قينقاع بعد بدر، والثانية: بني النضير بعد أحد، والثالثة: قريظة بعد الخندق، والرابعة: خيبر بعد الحديبية" انتهى، وقد ذهب ابن حزم في جوامع السير هذا المذهب قبل ابن القيم والله أعلم (٤).
سبب نزول سورة الحشر:
٤٠٢ - من حديث ابن عباس ﵄ قال: (قال سعيد بن جبير: قلت لابن عباس: سورة التوبة قال: التوبة هي الفاضحة، ما زالت تنزل حتى ظنوا أنها لم تبق أحدًا منهم إلا ذكر فيها، قال: قلت: سورة الأنفال، قال: نزلت في بدر قال: سورة الحشر قال: نزلت في بني النضير" (٥).
_________________
(١) علقه البخاري في المغازي باب حديث بني النضير قبل الحديث رقم: ٤٠٢٨، ووصله عبد الرزاق في مصنفه رقم: ٩٧٣٢، عن معمر عن الزهري أتم من هذا، وهو في حديثه عن عروة.
(٢) علقه البخاري في المغازي باب حديث بني النضير قبل الحديث رقم: ٤٠٢٨.
(٣) فتح الباري: ٧/ ٣٣٠ - ٣٣١.
(٤) زاد المعاد: ٣/ ٢٤٩، جوامع السير ص: ١٨١.
(٥) أخرجه البخاري في المغازي حديث بني النضير حديث رقم: ٤٠٢٩ مسلم في صحيحه كتاب التفسير باب في سورة براءة والأنفال والحشر حديث رقم: ٣٠٣١.
[ ٢٤٣ ]
قطع الشجر وتحريقه:
٤٠٣ - من حديث ابن عمر ﵄ أنه قال: (حرق رسول الله - ﷺ - نخل بني النضير وقطع، وهي البويرة، فنزلت ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾ وفي لفظ آخر له "أن النبي - ﷺ - حرق نخل بني النضير، قال: ولها يقول حسان بن ثابت:
وهان على سراء بني لؤي حريق بالبويرة مستطير
قال فأجابه أبو سفيان بن الحارث:
أدام الله ذلك من صنيع وحرق في نواحيها السعير
ستعلم أينا منها بنزه وتعلم أي أرضينا تضير (١)
٤٠٤ - من حديث عائشة ﵂ قالت: "كانت غزوة بني النضير، وهم طائفة من اليهود على رأس ستة أشهر من غزوة بدر، وكان منزلهم ونخلهم بناحية المدينة، فحاصرهم رسول الله - ﷺ - حتى نزلوا على الجلاء، وعلى أن لهم ما أقلت الإبل والأمتعة والأموال إلا الحلقة يعني السلاح -فأنزل الله فيهم ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ إلى قوله: ﴿لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا﴾، فقاتلهم النبي - ﷺ - حتى صالحهم على الجلاء، فأخلاهم إلى الشام، وكانوا من سبط لم يصبهم جلاء فيما خلا، وكان الله قد كتب عليهم ذلك، ولولا ذلك لعذبهم في الدنيا بالقتل والسبي، وأما قوله: ﴿لأَوَّلِ الْحَشْرِ﴾ فكان ذلك أول حشر في الدنيا إلى الشام" (٢).
والناظر في حديث عائشة ﵂ يرى أنه مؤيد للرأي القائل أن غزوة بني النضير كانت بعد بدر بستة أشهر كما قال الزهري ﵀، وهو في سند حديث عائشة، فالجواب عنه ما قال ابن القيم رحمه الله تعالى في ذلك من الخطأ في النقل عن الزهري، أو هو وهم من الزهري ﵀ والله أعلم".
_________________
(١) أخرجه البخاري في المغازي باب غزوة بني النضير رقم: ٤٠٣١، ٤٠٣٢، مسلم في صحيحه الجهاد والسير باب جواز قطع أشجار الكفار وتحريقها رقم: ١٧٤٦، الترمذي في الجهاد والسير باب في التحريق والتخريب رقم: ١٥٥٢، وفي التفسير باب ومن سورة الحشر رقم: ٣٣٠٢ وقال حسن صحيح، وأبو داود في الجهاد باب في الحرق في بلاد العدو رقم: ٢٦١٥.
(٢) الحاكم في المستدرك: ٢/ ٤٨٣، وقال صحيح على شرط الشيخين وأقره الذهبي والبيهقي في دلائل النبوة: ٢/ ٤٤٤، والحديث صحيح إلا أنه ليس على شرط الشيخين لأنهما لم يخرجا لزيد بن المبارك ومحمد بن ثور وكلاهما ثقة.
[ ٢٤٤ ]
المبحث الرابع: غزوة بدر الثانية
٤٠٥ - من حديث ابن عباس ﵄ قال: "لما انصرف أبو سفيان والمشركون عن أحد وبلغوا الروحاء قال أبو سفيان: لا محمَّد قتلتم، ولا الكواكب أردفتم، شر ما صنعتم، فبلغ ذلك رسول الله - ﷺ - فندب الناس فانتدبوا حتى بلغوا حمراء الأسد -أو بئر بني عيينة فأنزل الله -﷿- ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ﴾، وذلك أن أبا سفيان قال للنبي - ﷺ -: موعدك موسم بدر حيث قتلتم أصحابنا، فأما الجبان فرجع، وأما الشجاع فأخذ أهبة القتال والتجارة فأتوه فلم يجدوا به أحدًا وتسوقوا فأنزل الله -﷿- ذكره. ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ﴾ " (١).
المبحث الخامس: غزوة بني المصطلق أو غزوة المريسيع
١ - وقت الغزوة:
اختلف العلماء في ذلك وانحصرت أقوالهم فيها في ثلاثة أقوال، فمن قائل أنها سنة ست، قال بذلك ابن إسحاق إمام المغازي، وتبعه على ذلك خليفة بن خياط، وابن جرير الطبري، وابن حزم، وابن عبد البر، وابن العربي، وابن الأثير، وابن خلدون، فقد صرح كل منهم بأن غزوة بني المصطلق كانت في شعبان من السنة السادسة للهجرة (٢).
ولابن حزم رأي آخر، وافقه عليه عدد من العلماء، منهم مالك بن أنس وموسى بن عقبة، والبخاري، وابن قتيبة ويعقوب بن سفيان الفسوي والنووي، وابن خلدون أنها كانت في شعبان من العام الرابع للهجرة (٣).
وذهبت طائفة إلى أنها كانت في شعبان من السنة الخامسة للهجرة وذهب إلى هذا القول: موسى بن عقبة، وابن سعد، وابن قتيبة، والبلاذري، والذهبي،
_________________
(١) قد سبق تخريجه في حديث رقم: ٣٩٣ في غزوة حمراء الأسد فانظره هناك.
(٢) تاريخ خليفة ص ٨٠، جوامع السير ابن حزم ص: ٢٠٦، الدرر في اختصار المغازي والسير لابن عبد البر ص: ٢٠٠ - ٢٠٢، عارضه الأحوذي لابن العربي: ١٢/ ٤٩، تاريخ ابن خلدون: ٢/ ٢٩، الكامل لابن الأثير: ٢/ ١٩٢، تاريخ الطبري: ٢/ ٦٠٤.
(٣) البداية والنهاية ابن كثير: ٤/ ٩٣ - ٩٤، وفتح الباري: ٧/ ٤٢٨، والمعرفة والتاريخ للفسوي: ٣/ ٢٥٧، شرح صحيح مسلم للنووي: ٤/ ٥٣٢، وابن خلدون في تاريخه: ٢/ ٢٩، المعارف ابن قتيبة ص ٧٠.
[ ٢٤٥ ]
وابن القيم وابن حجر العسقلاني، وابن كثير ﵏ ومن المحدثين الخضري بك، والغزالي، والبوطي، وأبو شهبة والشيخ الساعاتي، وهذا القول هو الأصح والأظهر، والله أعلم؛ لأن الأدلة كلها متظاهرة ومتفقة على تأييد هذا القول، ومن هذه الأدلة:
أ - روى البيهقي عن عروة، وموسى بن عقبة عن ابن شهاب الزهري أنه قال: "ثم قاتل بني المصطلق وبني لحيان في شعبان سنة خمس" (١).
ب - قال ابن كثير: قال موسى بن عقبة عن الزهري: "هذه مغازي رسول الله - ﷺ - التي قاتل فيها، يوم بدر في رمضان سنة ثنتين، ثم قاتل يوم أحد في شوال سنة ثلاث، ثم قاتل يوم الخندق -وهو يوم الأحزاب وبني قريظة- في شوال أربع، ثم قاتل بني المصطلق وبني لحيان في شعبان سنة خمس".
ثم أورد ابن كثير قول البخاري عن موسى بن عقبة "أنها سنة أربع" (٢) وعقب عليه بقوله: هكذا رواه البخاري عن مغازي موسى بن عقبة أنها سنة أربع، والذي حكاه موسى بن عقبة، عن الزهري وعن عروة أنها كانت في شعبان سنة خمس (٣).
وعقب ابن حجر العسقلاني في فتح الباري على قول البخاري "وقال موسى ابن عقبة سنة أربع" بقوله: "كذا ذكره البخاري، وكأنه سبق قلم أراد أن يكتب سنة خمس، فكتب سنة أربع، والذي في مغازي موسى بن عقبة من عدة طرق، أخرجها الحاكم، وأبو سعيد النيسابوري، والبيهقي في الدلائل وغيرهم سنة خمس.
ولفظه عن موسى بن عقبة عن ابن شهاب ثم قاتل رسول الله - ﷺ - بني
_________________
(١) البداية والنهاية: ٣/ ٢٤٢، ٤/ ١٥٦، طبقات ابن سعد: ٢/ ٦٣، المعارف لابن قتيبة ص: ٧٠، أنساب الأشراف البلاذري ص: ٣٤١، ٣٤٣، العبر في خبر من غبر: ١/ ٧، تاريخ الإِسلام: ٢/ ٢٧٢ وكلاهما للذهبي، ابن القيم ﵀ (زاد المعاد: ٣/ ٢٥٦، نور اليقين: ص: ١٥٢، فقه السيرة الغزالي: ٣١٦، فقه السيرة البوطي القسم الثاني: ٩٣، السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة: ١٩٦، الفتح الرباني ترتيب مسند أحمد الشيباني: ١٤/ ١٠٩، فتح الباري: ٧/ ٤٣٠.
(٢) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى: ٩/ ٥٤: ١٣٠ البخاري في المغازي باب غزوة بني المصطلق فتح الباري: ٧/ ٤٢٨.
(٣) البداية والنهاية: ٣/ ٢٤٢، ٤/ ١٥٦.
[ ٢٤٦ ]
المصطلق وبني لحيان في شعبان سنة خمس) ويؤيده ما أخرجه البخاري في الجهاد (عن ابن عمر أنه غزا مع النبي - ﷺ - بني المصطلق في شعبان سنة أربع) ولم يؤذن له في القتال؛ لأنه إنما أذن له فيه في الخندق كما تقدم، وهي بعد شعبان سواء قلنا أنها كانت خمس أو سنة أربع).
وقال الحاكم في الإكليل: قول عروة وغيره أنها كانت في سنة خمس أشبه من قول ابن إسحاق.
قلت: ويؤيده ما ثبت في حديث الإفك: أن سعد بن معاذ تنازع هو وسعد بن عبادة في أصحاب الإفك كما سيأتي، فلو كانت المريسيع في شعبان سنة ست مع كون الإفك كان فيها، لكان ما وقع في الصحيح من ذكره سعد بن معاذ غلطًا، لأن سعد بن معاذ مات أيام قريظة، وكانت سنة خمس على الصحيح كما تقدم تقريره، وإن كانت كما قيل سنة أربع.
فيظهر أن المريسيع كانت سنة خمس في شعبان، لتكون قد وقعت قبل الخندق؛ لأن الخندق كانت في شوال من سنة خمس أيضًا، فتكون بعدها، فيكون سعد بن معاذ موجودًا في المريسيع ورُميَ بعد ذلك بسهم ومات من جراحته في قريظة، ويؤيده أيضًا أن حديث الإفك كان سنة خمس، إذ الحديث فيه التصريح بأن القصة وقعت بعد نزول الحجاب، والحجاب كان في ذي القعدة سنة أربع عند جماعة، فيكون المريسيع بعد ذلك فيرجح أنها سنة خمس" (١).
٢ - سبب غزوهم:
كان لذلك أسبابًا عدة منها:
١ - تأييد هذه القبيلة لقريش وتكتلها معها في معركة أحد ضد المسلمين، وذلك ضمن كتلة الأحابيش (٢) التي كانت في الجيش المكي.
٢ - سيطرة هذه القبيلة على الخط الرئيسي المؤدي إلى مكة، فكانت حاجزًا منيعًا
_________________
(١) فتح الباري: ٧/ ٤٣٠، في المغازي باب غزوة بني المصطلق وغزوة أنمار.
(٢) الأحابيش: هم بنو الحارث بن عبد مناة بن كنانة، والهون بن خزيمة بن مدركة، وبنو المصطلق من خزاعة، وسمو بذلك لأنهم تحالفوا وتعاقدوا مع قريش على أنهم يد على من سواهم، وكان ذلك عند جبل بأسفل مكة يقال له حبشي فنسبوا إليه، وقيل سموا بذلك لتجمعهم والتحبش التجمع، والحباشة الجماعة، لسان العرب ابن منظور: ٨/ ١٦٦، القاموس المحيط الفيروز آبادي: ٢/ ٢٦٧.
[ ٢٤٧ ]
من نفوذ المسلمين إلى مكة.
٣ - من أهم الأسباب في هذه الغزوة أن قبيلة بني المصطلق أخذت تجمع المجموع لغزو المدينة المنورة، وقد أطمعها في التفكير في غزو المدينة والتصميم على ذلك انتصار المشركين في غزوة أحد، فلما بلغ رسول الله - ﷺ - ذلك أعد عدته، واتخذ التدابير المناسبة، وباغتهم في مكانهم، وهزمهم شر هزيمة.
٤٠٦ - قال ابن إسحاق: حدثني عاصم بن عمر بن قتادة، وعبد الله بن أبي بكر، ومحمد بن يحيى بن حبان، كل قد حدثني ببعض حديث بني المصطلق قال: "بلغ رسول الله - ﷺ - أن بني المصطلق يجمعون له " فذكر الحديث (١).
٤٠٧ - من حديث نافع عن ابن عمر ﵄: "أن ابن عون قال: كتبت إلى نافع فكتب إلى أن النبي - ﷺ - أغار علي بني المصطلق، وهم غارون وأنعامهم تسقي على الماء، فقتل مقاتلتهم، وسبي ذراريهم، وأصاب يومئذ جويرية، حدثني به ابن عمر وكان في ذلك الجيش" لفظ البخاري، وفي لفظ مسلم، قال ابن عون: "كتبت إلى نافع أسأله عن الدعاء قبل القتال، قال: فكتب إلي إنما كان ذلك في أول الإِسلام، قد أغار رسول الله - ﷺ - علي بني المصطلق وهم غارون، وأنعامهم تسقى على الماء، فقتل مقاتلتهم، وسبي سبيهم" الحديث فذكر بقية الحديث" (٢).
ترك الشيخ محمَّد الغزالي رواية البخاري ومسلم المتفق عليها في طريقة غزوه - ﷺ - لبني المصطلق وأثبت أثرًا مخالفًا، وعلل ذلك بقوله "وفي الوقت الذي فسحت مكانًا لهذا الأثر -على ما به- صددت عن إثبات رواية البخاري ومسلم مثلًا للطريقة التي تمت بها غزوة بني المصطلق، فإن رواية الصحيحين تشعر بأن الرسول - ﷺ - باغت القوم وهم غارون، ما عرضت عليهم دعوة الإِسلام، ولا
_________________
(١) قال الهيثمي في المجمع ٦/ ١٤٢، رواه الطبراني ورجاله ثقات، وانظر سيرة ابن هشام: ٢/ ٢٩٠، وسنده صحيح.
(٢) أخرجه البخاري في العتق باب من ملك من العرب رقيقًا فوهب وباع رقم: ٢٥٤١، وسلم في كتاب الجهاد باب جواز الإغارة على الكفار الذين بلغتهم دعوة الإسلام رقم:١٧٣٠، أبو داود في الجهاد باب في دعاء المشركين: ٢٦٣٢، وأحمد في المسند: ٢/ ٣١، ٣٢، ٥١، شرح معاني الآثار للطحاوي كتاب السير: ٣/ ٢٠٩، السنن الكبرى للبيهقي: ٩/ ٥٤، ٩/ ١٠٧، كتاب الأموال لأبي عبيد ص: ١٧٥.
[ ٢٤٨ ]
بدا من جانبهم نكوص، ولا عرف من أحوالهم ما يقلق " إلى آخر كلامه (١) وقد جانب الشيخ الصواب لأسباب عدة منها:
١ - صحة حديث ابن عمر وصراحته في ذلك، وهو ثابت في الصحاح والسنن والمسانيد وغيرها، فلا يرده رأي يراه أي إنسان أو قول يحب أن ينصره.
٢ - صرح كثير من العلماء بأن من بلغته الدعوة العامة إلى الإِسلام وقربت داره، أو حاول النيل من المسلمين أنه يجوز مباغتته على غرة (٢).
٣ - أن المستند الذي استند عليه الشيخ الغزالي حفظه الله لم تثبت صحته، في أثناء ذكره لسياق حديث غزوة بني المصطلق، وهو لا يقاوم الحديث الصحيح المسند المتفق على صحته إن كان صحيحًا فما بالك وهو ضعيف.
٤ - ذكر الدكتور أكرم ضياء العمري حفظه الله أنه "لا يمكن معارضة آية قرآنية، أو حديث صحيح، برواية من كتب التاريخ والأدب.
وقال في موطن آخر "ولا شك أن مادة السيرة في كتب الحديث موثقة يجب الاعتماد عليها، وتقديمها على روايات كتب المغازي والتواريخ العامة، وخاصة إذا أوردتها كتب الحديث الصحيحة؛ لأنها ثمرة جهود جبارة قدمها المحدثون عند تمحيص الحديث ونقده سندًا ومتنًا. وهذا التدقيق والنقد الذي حظي به الحديث، لم تحظ به الكتب التاريخية".
٣ - أحداث الغزوة:
٤٠٨ - وعن محمَّد بن إسحاق قال: حدثني عاصم بن عمر بن قتادة وعبد الله ابن أبي بكر ومحمد بن يحيى ابن حبان كل قد حدثني ببعض حديث بني المصطلق قال: "بلغ رسول الله - ﷺ - أن بني المصطلق يجمعون له، وقائدهم الحارث بن أبي ضرار، أبو جويرية بنت الحارث، زوج رسول الله - ﷺ -.
فلما سمع بهم رسول الله - ﷺ - خرج إليهم، حتى لقيهم على ماء لهم يقال له: المريسيع، من ناحية قديد إلى الساحل، فتزاحف الناس واقتتلوا، فهزم الله
_________________
(١) فقه السيرة محمَّد الغزالي ص: ١٠ تحت عنوان حول أحاديث هذا الكتاب.
(٢) صحيح مسلم بشرح النووي: ٤/ ٣٤٣، شرح معاني الآثار للطحاوي: ٣/ ٢٠٧ - ٢١٠ المدونة الكبرى لمالك: ٢/ ٢ تحفة الأحوذي: ٥/ ١٥٥ - ١٥٦، فتح الباري: ٦/ ١١٢، ٧/ ٣٤٠،٤٤٥.
[ ٢٤٩ ]
بني المصطلق (وقتل الحارث بن أبي ضرار أبا جويرية)، وقتل من قتل منهم، ونفل رسول الله - ﷺ - أبناءهم ونساءهم وأموالهم.
وكان رسول الله - ﷺ - أصاب منهم سبيًا كثيرًا، قسمه بين المسلمين (وكان فيما أصاب يومئذ جويرية بنت أبي ضرار سيدة قومها).
وقد أصيب رجل من المسلمين من بني كلب بن عوف بن عامر بن ليث بن بكر، يقال له: هشام بن صبابة، أصابه رجل من الأنصار من رهط عبادة بن الصامت، وهو يرى أنه من العدو فقتله خطأ، وقد وفد مقيس بن صبابة من مكة مسلمًا فيما يظهر، فقال: يا رسول الله جئتك مسلمًا، وجئت أطلب دية أخي، قتل خطأ.
فأمر له رسول الله - ﷺ - بدية أخيه هشام بن صبابة، فأقام عند رسول الله - ﷺ - غير كثير، ثم عدا على قاتل أخيه فقتله، ثم خرج إلى مكة مرتدًا، وأصيب من بني المصطلق يومئذ ناس، وقتلَ علي بن أبي طالب منهم رجلين مالكًا وابنه، وقتل عبد الرحمن بن عوف رجلًا من فرسانهم يقال له: أحمر، أو أحيمر" (١).
وليس بين هذا الحديث وبين حديث ابن عمر في الصحيح تعارض، فقد جمع ابن حجر ﵀ بينهما بقوله: "ويحتمل أن يكون لما دهم المسلمون بني المصطلق وهم على الماء ثبتوا قليلًا وقاتلوا، ولكن وقعت الغلبة عليهم" (٢).
٤ - شعار المسلمين في غزوة بني المصطلق:
٤٠٩ - من حديث سنان بن وبرة قال: "كنا مع رسول الله - ﷺ - في غزوة المريسيع غزوة بني المصطلق فكان شعارهم: "يا منصور أمت أمت" (٣).
_________________
(١) ابن هشام في السيرة: ٢٩٠ - ٢٩٣، وسنده صحيح إلى ابن إسحاق وقد صرح بالتحديث وقال الهيثمي في المجمع: ٦/ ١٤٢، رواه الطبراني ورجاله ثقات، ومدار الحديث على ابن إسحاق ورجاله ثقات وهم رجال الصحيح غير أنه مرسل، ويشهد له حديث عبد الله بن عمر فإنه صريح في وجود القتل والسبي وبذلك يكون الحديث حسنًا لغيره.
(٢) فتح الباري: ٧/ ٤٣٠ - ٤٣١، في التعليق علي حديث غزوة بني المصطلق في المغازي.
(٣) مجمع الزوائد: ٦/ ١٤٢، وقال الهيثمي: رواه الطبراني في الأوسط والكبير وإسناده حسن، وهو كما قال الهيثمي وإن كان فيه الحارث بن رافع الجهني قال فيه في التقريب مقبول عملًا بقاعدة تحسين الحديث للمستور إذا كان من التابعين كما هو مذهب ابن كثير وابن رجب رحمهما الله تعالى.
[ ٢٥٠ ]
٥ - قصة جويرية بنت الحارث وزواج النبي - ﵇ - بها:
٤١٠ - من حديث عائشة ﵂ قالت: "لما قسم رسول الله - ﷺ - سبايا بني المصطلق، وقعت جويرية بنت الحارث في السهم لثابت بن قيس بن الشماس، أو لابن عم له، وكاتبته على نفسها، وكانت امرأة حلوة ملاحة، لا يراها أحد إلا أخذت بنفسه، فأتت رسول الله - ﷺ - تستعينه في كتابتها.
قالت: فوالله ما هو إلا أن رأيتها على باب حجرتي، فكرهتها وعرفته أنه سيرى منها ما رأيت، فدخلت عليه، فقالت: يا رسول الله أنا جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار سيد قومه، وقد أصابني ما لم يخف عليك، فوقعت في السهم لثابت بن قيس بن الشماس أو لابن عمه له، فكاتبته على نفسي، فجئتك أستعينك على كتابي.
قال: (فهل لك خير من ذلك؟) قالت: وما هو يا رسول الله؟ قال: (أقضي كتابتك وأتزوجك)، قالت: نعم يا رسول الله، قال: (قد فعلت).
قالت: وخرج الخبر إلى الناس أن رسول الله - ﷺ - تزوج جويرية بنت الحارث، فقال الناس: أصهار رسول الله - ﷺ - فأرسلوا ما بيديهم، قالت: فلقد أعتق بتزويجه إياها مائة أهل بيت من بني المصطلق، فما أعلم امرأة أعظم بركة على قومها منها" (١).
٦ - محاولة المنافقين إثارة الفتنة بين المسلمين في هذه الغزوة:
٤١١ - من حديث جابر بن عبد الله قال: "كنا مع النبي - ﷺ - في غزوة، قال: يرون أنها غزوة بني المصطلق، فكسع (٢) رجل من المهاجرين رجلًا من الأنصار، فقال الأنصاري: يا للأنصار، وقال المهاجري: يا للمهاجرين، فسمع ذاك رسول الله - ﷺ - فقال: (ما بال دعوى جاهلية؟) قالوا: يا رسول الله كسع رجل من المهاجرين رجلًا من الأنصار، فقال: (دعوها فإنها منتنة).
_________________
(١) أخرجه أحمد في المسند: ٦/ ٢٧٧، والحاكم: ٤/ ٢٦، وسكت عنه هو والذهبي وأخرجه ابن هشام في السيرة النبوية وقد صرح ابن إسحاق بالسماع وسنده متصل: ٢/ ٢٩٤ والطبراني في الكبير: ٢٤/ ٦١ وقال الساعاتي في الفتح الرباني: ١٤/ ١٠٩ - ١١٠ سنده جيد. أبو داود في كتاب العتق باب في بيع المكاتب إذا فسخت الكتابة: ٣٩٣١ وسنده حسن- وقد صرح ابن إسحاق بالسماع وسنده متصل.
(٢) كسع: ضرب دبره أخرجه بيد أو رجل أو سيف.
[ ٢٥١ ]
فسمع بذلك عبد الله بن أبي فقال: فعلوها؟ أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، فبلغ ذلك رسول الله - ﷺ - فقام عمر فقال: يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق، فقال النبي - ﷺ -: دعه لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه، وكانت الأنصار أكثر من المهاجرين حين قدموا المدينة ثم أن المهاجرين كثروا بعدا" (١).
قول زعيم المنافقين (لا تنفقوا على من عند رسول الله ) ونقل زيد بن أرقم ذلك إلى النبي:
٤١٢ - من حديث زيد بن أرقم ﵁: قال: "خرجنا مع النبي - ﷺ - في سفر أصاب الناس فيه شدة، فقال عبد الله بن أبي لأصحابه: لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا من حوله".
وقال: "لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، فأتيت النبي - ﷺ - فأخبرته، فأرسل إلى عبد الله بن أبي فسأله، فاجتهد يمينه ما فعل، قالوا: كذب زيد رسول الله - ﷺ - فوقع في نفسي ما قالوا شدة حتى أنزل الله -﷿- تصديقي في قوله: ﴿إذا جاءك المنافقون﴾ فبعث إليَّ النبي فقرأ فقال: (إن الله قد صدقك يا زيد) (٢).
كيف عالج رسول الله ﵊:
٤١٣ - من طريق محمَّد بن إسحاق قال حدثني عاصم بن عمر بن قتادة وعبد الله بن أبي بكر، ومحمد بن يحيى بن حبان، كل قد حدثني حديث بني المصطلق وساق الحديث، وذكر قصة الأنصار والمهاجرين والخصومة بينهما إلى أن قال: ( فغضب عبد الله بن أبي بن سلول، وعنده رهط من قومه فيهم: زيد
_________________
(١) أخرجه البخاري في التفسير باب قوله ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ رقم: ٤٩٠٥، ٤٩٠٧، مسلم كتاب البر والآداب والصلة باب نصر الأخ ظالمًا أو مظلومًا رقم: ٢٥٨٤، والترمذي في التفسير باب ومن سورة المنافقين حديث رقم: ٣٣١٥، وقال حسن صحح أحمد في المسند: ٣/ ٣٩٢ - ٣٩٣، والطيالسي: ٢/ ٧٦ رقم: ٢٢٧٢، والحميدي: ١٢٣٩، واللفظ لأحمد.
(٢) أخرجه البخاري في التفسير سورة المنافقين باب إذا جاءك المنافقون رقم: ٤٩٠٠، ٤٩٠١، ٤٩٠٢، ٤٩٠٣، ٤٩٠٤، مسلم أول صفات المنافقين رقم: ٢٧٧٢، الترمذي في التفسير باب ومن سورة المنافقين حديث رقم: ٣٣١٢، وقال حسن صحيح: ٣٣١٣ وقال حسن صحيح: ٣٣١٤ وقال حسن صحح، وأحمد في المسند: ٤/ ٣٦٩، ٣٧٣.
[ ٢٥٢ ]
بن أرقم غلام حدث! فقال: أو قد فعلوها؟ قد نافرونا وكاثرونا في بلادنا، والله ما أعدّنا وجلابيب قريش إلا كما قال الأول: سمن كلبك يأكلك، أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، ثم أقبل على من حصره من قومه، فقال لهم: هذا ما فعلتم بأنفسكم، أحللتموهم بلادكم، وقاسمتموهم أموالكم، أما والله لو أمسكتم عنهم ما بأيديكم لتحولوا إلى غير بلادكم.
فسمع ذلك زيد بن أرقم فمشى به إلى رسول الله - ﷺ -، وذلك عند فراغ رسول الله - ﷺ - من عدوه، فأخبره الخبر، وعنده عمر بن الخطاب، فقال: مر به عباد بن بشر فليقتله، فقال له رسول الله - ﷺ -: (فكيف يا عمر إذا تحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه! لا، ولكن أذن بالرحيل) وذلك في ساعة لم يكن رسول الله - ﷺ - يرتحل فيها، فارتحل الناس وقد مشى عبد الله بن أبي بن سلول إلى رسول الله - ﷺ -، حين بلغه أن زيد بن أرقم قد بلغه ما سمع منه، فحلف بالله، ما قلت ما قال، ولا تكلمت به -وكان في قومه شريفًا عظيمًا- فقال من حضر رسول الله - ﷺ - من الأنصار من أصحابه: يا رسول الله عسى أن يكون الغلام قد أوهم في حديثه، ولم يحفظ ما قال الرجل، حدبًا على ابن أبي بن سلول، ودفعًا عنه.
فلما استقل رسول الله - ﷺ - وسار، لقيه أسيد بن حضير، فحياه بتحية النبوة وسلم عليه، ثم قال: يا نبي الله، والله لقد رحت في ساعة منكرة، ما كنت تروح في مثلها، فقال له رسول الله - ﷺ -: (أوما بلغك ما قال صاحبكم؟) قال: وأي صاحب يا رسول الله؟ قال: (عبد الله بن أبي)، قال: وما قال: قال: (زعم أنه إن رجع إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، قال: فأنت يا رسول الله، والله تخرجه منها إن شئت، هو والله الذليل، وأنت العزيز، ثم قال: يا رسول الله ارفق به، فوالله لقد جاءنا الله بك وإن قومه لينظمون له الخرز ليتوجوه، فإنه ليرى إنك قد استلبته ملكًا.
ثم مشى رسول الله - ﷺ - بالناس يومهم ذلك حتى أمسى، وليلتهم حتى أصبح، وصدد يومهم ذلك، حتى آذتهم الشمس، ثم نزل بالناس، فلم يلبثوا أن وجدوا مس الأرض فوقعوا نيامًا، وإنما فعل ذلك رسول الله - ﷺ - ليشتغل الناس عن الحديث الذي كان بالأمس، من حديث عبد الله بن أبي" إلى أن قال: وجعل بعد ذلك إذا أحدث الحدث كان قومه هم الذين يعاتبونه، ويأخذونه
[ ٢٥٣ ]
ويعنفونه، فقال رسول الله - ﷺ - لعمر بن الخطاب حين بلغه ذلك من شأنهم: (كيف ترى يا عمر، أما والله لو قتلته يوم قلت لي اقتله لأرعدت (١) له أنف لو أمرتها اليوم بقتله لقتلته).
قال: قال عمر: "قد والله علمت لأمر رسول الله - ﷺ - أعظم بركة من أمري" (٢):
موقف عبد الله بن عبد الله بن أبي من أبيه:
٤١٤ - في رواية الترمذي لحديث جابر السابق الذكر عن غزوة بني المصطلق ومحاولة المنافقين إثارة الفتنة زيادة لطيفة ليست عند البخاري ومسلم حيث قال الترمذي بعد قول النبي لعمر: (دعه لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه)، وقال غير عمرو (يعني ابن دينار): فقال له ابنه عبد الله بن عبد الله: والله لا تنفلت حتى تقر أنك الذليل ورسول الله - ﷺ - العزيز ففعل (٣).
وقد جاء موقف عبد الله بن عبد الله بن أبي من أبيه واستئذانه لرسول الله - ﷺ - في أربعة أحاديث كلها منقطعة، ولكن رجالها ثقات عند الحميدي (٤) من طريق أبي هارون، وعند الطبراني من طريق عروة بن الزبير، قال فيه الهيثمي (٥) رجاله رجال الصحيح، ومن طريق عاصم بن عمر بن قتادة عند ابن جرير الطبري وابن هشام في السيرة (٦)، ومن طريق عكرمة وابن زيد عند ابن كثير في التفسير والتاريخ (٧).
ولكن مجموع هذه الطرق يؤيد بعضها بعضًا، وترتقي إلى درجة الحسن
_________________
(١) لأرعدت له أنف: انتفخت واضطربت أنوفهم حمية وعصبية.
(٢) سيرة ابن هشام: ٢/ ٢٩٠ - ٢٩٢ والحديث رجاله ثقات ولكنه مرسل، وابن جرير الطبري في تاريخه: ٢/ ٦٠٥، وله شاهد مرسل من طريق عروة عند ابن أبي حاتم قال فيه ابن حجر، أنه مرسل جيد فتح الباري: ٨/ ٦٤٩، وأصله في الصحيحين كما سبق من حديث زيد بن أرقم، وجابر بن عبد الله وبهذا يكون الحديث حسنًا لغيره.
(٣) سبق تخريجه دون هذه الزيادة من حديث جابر رقم: ٤١١، فانظر هناك.
(٤) مسند الحميدي: ٢/ ٥٢٠.
(٥) مجمع الزوائد: ٩/ ٣١٨.
(٦) سيرة ابن هشام: ٢/ ٢٩٢ - ٢٩٣، ابن جرير التاريخ: ٢/ ٦٠٨ تفسير: ٢٨/ ١١٦.
(٧) تفسير ابن كثير: ٤/ ٣٧٢، تاريخ البداية والنهاية: ٤/ ١٥٨.
[ ٢٥٤ ]
لغيره، ويقويها رواية الترمذي السابقة الذكر، وقد جاء أيضًا ما يقويها من حديث أبي هريرة دون ذكر أنها كانت في غزوة بني المصطلق.
٤١٥ - من حديث أبي هريرة قال: "مر رسول الله - ﷺ - بعبد الله بي أبي وهو في ظل أطم (١) فقال: عبر علينا ابن أبي كبشة (يعني بذلك رسول الله) فقال له ابنه عبد الله بن عبد الله: يا رسول الله، والذي أكرمك لئن شئت لآتينك برأسه، فقال: (لا ولكن بر أباك وأحسن صحبته) " (٢).
هبوب ريح شديدة لموت عظيم من المنافقين:
٤١٦ - من حديث ابن إسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة، وعبد الله بن أبي بكر، ومحمد بن يحيى بن حبان. "أن رسول الله - ﷺ - لما قفل من غزوة بني المصطلق سلك بالناس طريق الحجاز حتى نزل على ماء بالحجاز فويق النقيع يقال له نقعاء، فلما راح رسول الله - ﷺ - هبت على الناس ريح شديدة آذتهم، وتخوفوها، فقال رسول الله - ﷺ -: (لا تخافوها، فإنما هبت لموت عظيم من عظماء الكفار، فلما قدموا المدينة، وجدوا رفاعة بن زيد بن التابوت أحد بن قينقاع، وكان عظيمًا من عظماء يهود، وكهفًا للمنافقين، مات في ذلك اليوم ) " (٣).
وقد وصله الإِمام مسلم، وعبد بن حميد، وأحمد من طريق آخر عن جابر دون ذكر أن الريح كانت في غزوة بني المصطلق وسأكتفي هنا بإيراد رواية مسلم.
٤١٧ - من حديث جابر ﵁ قال: أن رسول الله - ﷺ - قدم من سفر، فلما كان قرب المدينة هاجت ريح شديدة تكاد أن تدفن الراكب، فزعم أن رسول الله - ﷺ - قال: (بعثت هذه الريح لموت منافق، فلما قدم المدينة، فإذا منافق عظيم من المنافقين قد مات) (٤).
وبهذا الشاهد يعلم أن حديث ابن إسحاق يصبح حسنًا لغيره.
_________________
(١) أطم: بناء مرتفع.
(٢) قال الهيثمي في المجمع: ٩/ ٣١٨، رواه البزار ورجاله ثقات.
(٣) سيرة ابن هشام: ٢/ ٢٩٢ وهو مرسل رجاله ثقات وصرح ابن إسحاق بالتحديث.
(٤) أخرجه مسلم في كتاب صفة المنافقين رقم: ٢٧٨٢ أحمد في المسند: ٣/ ٣١٥، ٣٤١، ٣٤٦ وأبو يعلى في مسنده: ٤/ ٢٠١، والطبري في تاريخه: ٢/ ٦٠٧ والبيهقي في الدلائل: ٤/ ٦١.
[ ٢٥٥ ]
المبحث السادس: حادثة الإفك
٤١٨ - من حديث عائشة ﵂ قالت: "كان رسول الله - ﷺ - إذا أراد أن يخرج سفرًا أقرع بين نسائه، فأيتهن خرج سهمها خرج بها رسول الله - ﷺ - معه.
قالت عائشة: فأقرع بيننا في غزوة غزاها، (١) فخرج فيها سهمي، فخرجنا مع رسول الله - ﷺ -، وذلك بعد ما أنزل الله الحجاب، فانا أحمل في هودجي، وأنزل فيها مسيرنا، حتى إذا فرغ رسول الله - ﷺ - من غزوه، وقفل ودنونا من المدينة آذن (٢) ليله بالرحيل".
١ - سبب تأخر عائشة عن الجيش:
فقمت حين آدنوا بالرحيل، فمشيت حتى جاوزت الجيش، فلما قضيت من شأني أقبلت إلى الرحل، فلمست صدري فهذا عقدي من جزع (٣) ظفار قد انقطع، فرجعت فالتمست عقدي فحبسني ابتغاؤه، وأقبل الرهط الذين كانوا يرحلون لي فحملوا هودجي (٤)، فرحلوه على بعيري الذي كنت أركب، وهم يحسبون أني فيه.
قالت: وكان النساء إذ ذاك خفافًا، لم يُهَبَّلنَ (٥)، ولم يغشهن اللحم (٦)، إنما يأكلن العلقة (٧) من الطعام، فلم يستنكر القوم ثقل (٨) الهودج حين رحلوه ورفعوه، وكنت جارية حديثة السنن، فبعثوا الجمل وساروا، ووجدت عقدي بعدما استمر الجيش، فجئت منازلهم وليس بها داع ولا مجيب.
_________________
(١) غزوة غزاها: هي غزوة بني المصطلق كما هو في رواية أبي يعلى في مسنده عن عائشة: ٤/ ٤٥٠.
(٢) آذن: اعلم.
(٣) جزع ظفار: خرز يماني.
(٤) هودج: مركب النساء.
(٥) يهبلن: لم يكثر عليهن اللحم والشحم.
(٦) يغشهن: يغط اللحم بعضه بعضًا.
(٧) العلقة: القليل من الطعام.
(٨) في رواية الليث عن يونس (فلم يستنكر القوم خفة الهودج).
[ ٢٥٦ ]
فتيممت منزلي الذي كنت فيه، وظننت أن القوم سيفقدوني فيرجعون إلي، فبينما أنا جالسة في منزلي غلبتني عيني فنمت، وكان صفوان بن المعطل السلمي ثم الذكراني قد عرس (١) من وراء الجيش فأدلج (٢)، فأصبح عند منزلي، فرأى سواد إنسان نائم، فأتاني، فعرفني حين رآني، وقد كان يراني قبل أن يضرب الحجاب عليَّ، فاستيقظت باسترجاعه (٣) حين عرفني، فخمرت (٤) وجهي بجلبابي، والله ما يكلمني كلمة ولا سمعت منه كلمة غير استرجاعه، حتى أناخ راحلته فوطئ على يدها فركبتها، فانطلق يقول في الراحلة حتى أتينا الجيش بعد ما نزلوا موغرين في نحو الظهيرة (٥)، فهلك من هلك في شأني، وكان الذي تولى كبره عبد الله بن أبي بن سلول.
٢ - انتشار الإفك في المدينة:
فقدمنا المدينة، فاشتكيت حين قدمنا المدينة شهرًا، والناس يفيضون (٦) في قول أهل الإفك، ولا أشعر بشيء من ذلك، وهو يريبني (٧) في وجعي أني لا أعرف من رسول الله - ﷺ - اللطف (٨) الذي كنت أرى منه حين أشتكي، إنما يدخل رسول الله - ﷺ - فيسلم ثم يقول: كيف تيكم؟
فذاك يريبني، ولا أشعر بالشر حتى خرجت بعد ما نقهت (٩)، وخرجت معي أم مسطح قبل المناصع (١٠) هو متبرزنا، ولا نخرج إلا ليلًا إلى ليل، وذلك قبل أن نتخذ الكنف (١١) قريبًا من بيوتنا، وأمرنا أمر العرب الأول في التنزه (١٢)، وكنا
_________________
(١) عرس: التعريس هو نزول المسافر آخر الليل نزله للنوم والاستراحة.
(٢) أدلج: صار آخر الليل.
(٣) الاسترجاع: قوله إنا لله وإنا إليه راجعون.
(٤) خمرت: غطيت.
(٥) موغرين: النازل في وقت الوغرة وهو شدة الحر.
(٦) يفيضون: يخوضون.
(٧) يربيني: أوهمه وشكله.
(٨) اللطف: البر والرفق.
(٩) نقهت: برأت وافقت.
(١٠) المناصع: مواضع قضاء الحاجة.
(١١) الكنف: جمع كنيف المكان الساتر المعد لقضاء الحاجة.
(١٢) التنزه: البعد لقضاء لحاجة.
[ ٢٥٧ ]
نتأذى (١) بالكنف أن نتخذها عند بيوتنا، فانطلقت أنا وأم مسطح وهي بنت أبي رهم بن المطلب بن عبد مناف، وأمها ابنة صخر بن عامر خالة أبي بكر الصديق، وابنها مسطح بن أثاثة بن عباد بن المطلب، فأقبلت أنا وبنت أبي رهم قبل بيتي حين فرغنا من شأننا.
فعثرت أم مسطح في مرطها (٢). فقالت: تعس (٣) مسطح، فقلت لها: أتسبين رجلًا قد شهد بدرًا؟!
قالت: آي هنتاه (٤)؟ ألم تسمعي ما قال: قلت: وماذا قال قالت: فأخبرتني يقول أهل الإفك فازددت مرضًا إلى مرضي، فلما رجعت إلى بيتي، فدخل علي رسول الله - ﷺ - ثم قال: (كيف تيكم؟) قلت: أتأذن لي أن آتي أبوي؟ قالت: وأنا حينئذ أريد أن أتيقن الخبر من قبلهما، فأذن لي رسول الله - ﷺ - فجئت أبوي، فقلت لأمي: يا أمتاه ما يتحدث الناس، فقالت: يا ابنية هوني عليك، فوالله لقلما كانت امرأة قط وضيئة (٥)، عند رجل يحبها ولها ضرائر إلا كثرن (٦) عليها، قالت: قلت: سبحان الله وقد تحدث الناس بهذا؟
قالت: فبكيت تلك الليلة حتى أصبحت لا يرقأ لي دمع، ولا أكتحل بنوم ثم أصبحت أبكي.
٣ - استشارة رسول الله - ﷺ - بعض أصحابه عند تأخر الوحي:
ودعا رسول الله - ﷺ - علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد حين استلبث الوحي يستشيرهما في فراق أهله، قالت: فأما أسامة فأشار على رسول الله - ﷺ - بالذي يعلم من براءة أهله، وبالذي يعلم في نفسه لهم من الود فقال: يا رسول الله هم أهلك ولا نعلم إلا خيرًا، وأما علي بن أبي طالب فقال: لم يضيق الله عيك في
_________________
(١) نتأذى: نتقذر
(٢) عثرت في مرطها: وطئته برجلها فسقطت.
(٣) تعس: إذا أعثر وانكب لوجهه وهو دعاء عليه بالهلاك.
(٤) هنتاه: يا بلهاء كأنها نسبتها إلى قلة المعرفة بمكائد الناس وشرورهم.
(٥) وضيئة: حسنة مبهجة جميلة.
(٦) كثرن عليها: القول في عيبها.
[ ٢٥٨ ]
النساء كثيرًا، وإن تسأل الجارية تصدقك، فدعا رسول الله - ﷺ - بريرة فقال: (أي بريرة هل رأيت من شيء يريبك من عائشة؟).
قالت له بريرة: والذي بعثك بالحق إن رأيت عليها أمرًا قط أغمصه (١) عليها، أكثر من أنها جارية حديثة السن تنام عن عجين أهلها فتأتي الداجن (٢) فتأكله، قالت: فقام رسول الله - ﷺ - على المنبر فاستعذر (٣) من عبد الله بن أبي بن سلول.
قالت: فقال رسول الله - ﷺ - وهو على المنبر: (يا معشر المسلمين من يعذرني من رجل قد بلغ أذاه في أهل بيتي، فوالله ما علمت على أهلي إلا خيرًا، ولقد ذكروا رجلًا ما علمت عليه إلا خيرًا، وما كان يدخل على أهلي إلا معي) فقام سعد بن معاذ الأنصاري فقال: أنا أعذرك منه يا رسول الله، إن كان من الأوس ضربنا عنقه، وإن كان من إخواننا الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك.
٤ - آثار فتنة الإفك:
قالت: فقام سعد بن عبادة وهو سيد الخزرج، وكان رجلًا صالحًا، ولكن اجتهلته الحمية، فقال لسعد بن معاذ: كذبت لعمر الله لا تفتله، ولا تقدر على قتله، فقام أسيد بن حضير، وهو ابن عم سعد بن معاذ، فقال لسعد بن عبادة: كذبت لعمر الله لنقتلنه فإنك منافق تجادل عن المنافقين، فثار الحيان الأوس والخزرج، حتى هموا أن يقتتلوا، ورسول الله - ﷺ - قائم على المنبر، فلم يزل رسول الله - ﷺ - يخفضهم حتى سكتوا، وسكت.
قالت وبكيت يومي ذلك، لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم، ثم بكيت ليلتي المقبلة لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم، وأبواي يظنان أن البكاء فالق كبدي، فبينما هما جالسان عندي وأنا أبكي، استأذنت علي امرأة من الأنصار فأذنت لها، فجلست تبكي، قالت: فبينما نحن على ذلك دخل رسول الله - ﷺ -، فسلم ثم جلس قالت: ولم يجلس عندي منذ قيل لي ما قيل.
_________________
(١) أغمصه: أعيبها به وأطعن فيها به.
(٢) الداجن: الشاة التي يعلفها الناس في منازلهم.
(٣) استعذر أي قال من يقوم بعذري إن كافأت على سوء صنيعه فلا يلومني.
[ ٢٥٩ ]
٥ - مفاتحة الرسول - ﷺ - لعائشة وجوابها له:
وقد لبث شهرًا لا يوحى إليه في شأني بشيء، قالت: فشهد رسول الله - ﷺ - ثم قال: (أما بعد يا عائشة فإنه قد بلغني عنك كذا وكذا (١). فإن كنت بريثة فسيبرئك الله، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه، فإن العبد إذا اعترف بذنب ثم تاب، تاب الله عليه).
قالت: فلما قضى رسول الله - ﷺ - مقالته، قلص دمعي (٢) حتى ما أحس منه قطرة، فقلت لأبي: أجب عني رسول الله - ﷺ - فيما قال، فقال: والله ما أدري ما أقول لرسول الله - ﷺ -، فقلت لأمي: أجيبي عني رسول الله - ﷺ -، فقالت: والله ما أدري ما أقول لرسول الله - ﷺ -.
فقلت: وأنا جارية حديثة السن لا أقرأ كثيرًا من القرآن، إني والله لقد عرفت أنكم قد سمعتم بهذا حتى استقر في نفوسكم، وصدقتم به، فإن قلت لكم: إني بريئة -والله يعلم أني بريئة- لا تصدقوني بذلك، ولئن اعترفت لكم بأمر -والله يعلم أني بريئة- لتصدقونني، وإني والله ما أجد لي ولكم مثلًا إلا كما قال أبو يوسف: ﴿فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون﴾.
قالت: ثم تحولت فاضجعت على فراشي، قالت: وأنا والله حينئذ أعلم أني بريئة، وأن الله مبرئي ببرائتي، ولكن والله ما كنت أظن أن ينزل في شأني وحي يتلى، ولشأني كان أحقر في نفسي من أن يتكلم الله -﷿- في بأمر يتلى، ولكني كنت أرجو أن يرى رسول الله - ﷺ - في النوم رؤيا يبرئني الله بها.
٦ - نزول الوحي ببراءة عائشة:
قالت: فوالله ما رام (٣) رسول الله - ﷺ - مجلسه، ولا خرج من أهل البيت أحد حتى أنزل الله -﷿- على نبيه - ﷺ -، فأخذه ما كان يأخذه من
_________________
(١) كذا وكذا: كناية عما رميت به من الإفك.
(٢) قلص دمعي: ارتفع وذهب.
(٣) ما رام: ما برح وما فارق مجلسه.
[ ٢٦٠ ]
البرحاء (١) عند الوحي، حتى إنه ليتحدر منه مثل الجمان (٢) من العرق في اليوم الشات من ثقل القول الذي أنزل عليه، قالت: فلما سرى (٣) عن رسول الله - ﷺ - وهو يضحك، فكان أول كملة تكلم بها أن قال: (أبشري يا عائشة، أما الله فقد برأك) فقالت لي أمي: قومي إليه، فقلت: والله لا أقوم إليه، ولا أحمد إلا الله هو الذي برأني. قالت: فأنزل الله -﷿- ﴿إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم﴾ عشر آيات فأنزل الله -﷿- هؤلاء الآيات ببراءتي، قالت: فقال أبو بكر وكان ينفق على مسطح لقرابته منه وفقره: والله لا أنفق عليه شيئًا أبدًا بعد الذي قال لعائشة، فأنزل الله -﷿- ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى﴾ إلى قوله ﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ ".
قال حبان بن موسى: قال عبد الله بن المبارك: هذه أرجى آية في كتاب الله.
"فقال أبو بكر: والله إني لأحب أن يغفر الله لي، فرجع إلى مسطح النفقة التي كان ينفق عليه، وقال لا أنزعها منهُ إبدًا.
قالت عائشة: وكان رسول الله - ﷺ - سأل زينب بنت جحش زوج النبي - ﷺ - عن أمري (ما علمت؟ وما رأيت؟) فقالت: يا رسول الله أحمي سمعي وبصري، (٤) والله ما علمت إلا خيرًا.
قالت عائشة: وهي التي كانت تساميني (٥) من أزواج رسول الله - ﷺ - فعصمها الله بالورع. وطفقت أختها حمنة بنت جحش تحارب لها، فهلكت فيمن هلك، قال الزهريّ: فهذا ما انتهى إلينا من أمر هؤلاء الرهط" (٦). وهذا اللفظ لمسلم.
_________________
(١) البرحاء: شدة الكرب من ثقل الوحي.
(٢) الجمان: هو اللؤلؤ الصغار.
(٣) سرى: انكشف عنه ما يجده من الهم والقتل.
(٤) أحمي سمعي وبصري: أي أمنعهما من أن أنسب إليهما ما لم يدركاه، ومن العذاب لو كذبت عليهما.
(٥) تساميني: تعاليني وتفاخرني تطاولني عنده - ﷺ -.
(٦) أخرجه البخاري في المغازي باب حديث الإفك رقم: ٤١٤١، مسلم في صحيحه كتاب التوبة باب في حديث الإفك وقبول توبة القاذف رقم: ٢٧٧٠، الترمذي في التفسير باب ومن سورة النور حديث رقم: ٣١٨٠، وأبو يعلى في منده: ٤٣٩٧، ٤٩٢٧، أحمد في المسند: ٦/ ٥٩، وانظر الفتح الرباني: ٢١/ ٧٣ - ٧٥ وعبد الرزاق في المصنف: ٥/ ٤١٠ - ٤١٩.
[ ٢٦١ ]
٧ - الذي تولى كبر الإفك:
٤١٩ - من حديث عائشة: قالت: "وكان الذي يتكلم فيه مسطح وحسان بن ثابت والمنافق عبد الله بن أبي، وهو الذي كان يستوشيه (١) وهو الذي تولى كبره منهم هو وحمنة" (٢).
٨ - إقامة الحد على القاذفين:
٤٢٠ - من حديث عائشة قالت: "لما نزل عذري قام رسول الله - ﷺ - على المنبر فذكر ذلك وتلا القرآن، فلما نزل أمر برجلين وامرأة فضربوا حدهم" (٣).
٤٢١ - من حديث أبي هريرة قال: "كان رسول الله - ﷺ - إذا أراد سفرًا أقرع بين نسائه، فأصاب عائشة القرعة في غزوة بني المصطلق " الحديث (٤).
وفيه "وكان رسول الله - ﷺ - يجيء فيقوم على الباب فيقول: (كيف تيكم؟) حتى جاء يومًا فقال: (أبشري يا عائشة فقد أنزل الله عذرك، فقالت: بحمد الله لا بحمدك، وأنزل الله -﷿- في ذلك عشر آيات ﴿إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم﴾ قال: فحد رسول الله - ﷺ - مسطحًا وحمنة وحسان".
وكذا جاء من حديث عائشة عن ابن إسحاق في السيرة وسنده في ذلك صحيح، وقد صرح بالتحديث كما جاء في سيرة ابن هشام (٥).
٩ - موقف صفوان بن المعطل من حسان بن ثابت:
٤٢٢ - قال ابن إسحاق: حدثني محمَّد بن إبراهيم بن الحارث التيمي: أن ثابت ابن قيس بن الشماس وثب على صفوان بن المعطل، حين ضرب حسان، فجمع
_________________
(١) يستوشيه: يستخرجه الحديث .. والسؤال والبحث عه.
(٢) أخرجه البخاري في تفسير سورة النور باب قوله ﴿إن الذي يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا﴾ رقم: ٤٧٥٧، مسلم في كتاب التوبة باب حديث الإفك رقم: ٢٧٧٠ الترمذي تفسير سورة النور حديث رقم:٣١٨٠.
(٣) أخرجه الترمذي في التفسير باب ومن سورة النور حديث رقم: ٣١٨١ وقال حسن غريب ابن ماجه كتاب الحدود باب حد القذف حديث رقم: ٢٧٦٥، أبو داود حديث رقم: مصنف عبد الرزاق: ٥/ ١٩، وأحمد: ٦/ ٦١.
(٤) قال الهيثمي في المجمع: ٩/ ٢٣٠ رواه البزار وفيه محمَّد بن عمرو حسن الحديث وبقية رجاله ثقات.
(٥) سيرة ابن هشام: ٢/ ٢٩٧ - ٣٠٠.
[ ٢٦٢ ]
يديه إلى عنقه بحبل، ثم انطلق به إلى دار بني الحارث بن الخزرج: فلقيه عبد الله بن رواحة فقال: ما هذا؟
قال: أما أعجبك ضرب حسان بالسيف! والله ما أراه إلا قد قتلته، قال له عبد الله بن رواحة: هل علم رسول الله - ﷺ - بشيء مما صنعت؟
قال: لا والله، قال: لقد اجترأت، أطلق الرجل، فأطلقه، ثم أتوا رسول الله - ﷺ -، فذكروا ذلك له، فدعا حسان وصفوان بن المعطل، فقال ابن المعطل: يا رسول الله آذاني وهجاني، فاحتملني الغضب، فضربته، فقال رسول الله - ﷺ - لحسان: (أحسن يا حسان، أتشوفت على قومي، أن هداهم الله للإسلام)، ثم قال: (أحسن يا حسان في الذي أصابك) قال: هي لك يا رسول الله" (١).
_________________
(١) سيرة ابن هشام: ٢/ ٣٠٥، ابن جرير: ٢/ ٦١٨ البيهقي في الدلائل: ٤/ ٧٤ - ٧٥ وقال ابن حجر في تعجيل المنفعة: ص ١٢٨ سنده صحيح وقد وصلها موسى بن عقبة في مغازيه عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة، وانظر مجمع الزوائد: ٩/ ٢٣٤ - ٢٣٦. وقال الهيثمي رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح.
[ ٢٦٣ ]
الفصل السادس غزوة الأحزاب
المبحث الأول: أحداث ما قبل المعركة
١ - وقت الغزوة وسببها:
اختلف في وقتها وتاريخها على قولين أحدهما قول ابن إسحاق أنها في سنة خمس:
٤٢٣ - عن محمَّد بن إسحاق قال: كانت الخندق في شوال سنة خمس وفيها مات سعد بن معاذ ﵁ (١) قال ابن القيم ﵀ في زاد المعاد (وكانت في سنة خمس من الهجرة في شوال على أصح القولين إذ لا خلاف أن أحدًا كانت في شوال سنة ثلاث، وواعد المشركون رسول الله - ﷺ - في العام المقبل وهو سنة أربع ثم أخلفوه، لأجل جدب تلك السنة، فرجعوا، فلما كانت سنة خمس جاءوا لحربه، هذا قول أهل السير والمغازي (٢).
وذهب إلى هذا القول ابن سعد في الطبقات، والبيهقي في السنن وقطع به الذهبي، واعتمده الحافظ ابن حجر في فتح الباري، وأبي عبيد في كتاب الأموال (٣).
وقال ابن كثير: وقد كانت غزوة الخندق في شوال سنة خمس من الهجرة نص على ذلك ابن إسحاق وعروة ابن الزبير وقتادة والبيهقي وغير واحد من العلماء سلفًا وخلفًا، وقد صرح الزهريّ بأن الخندق قد كانت بعد أحد بسنتين،
_________________
(١) قال الهيثمي في المجمع: ٦/ ١٤٢، رواه الطبراني ورجاله ثقات، سيرة ابن هشام: ٢/ ٢١٤.
(٢) زاد المعاد: ٣/ ٢٦٩.
(٣) السيرة النبوية ابن هشام: ٢/ ٢١٤، طبقات ابن سعد: ٢/ ٦٥، المغازي النبوية ص: ٧٩، كتاب الأموال ص: ١٣٥، فتح الباري: ٧/ ٣٩٣، المغازي باب غزوة الخندق، دلائل النبوة للبيهقي: ٣/ ٣٩٣ - ٣٩٧.
[ ٢٦٤ ]
ولا خلاف أن أحدًا في شوال سنة ثلاث" (١).
والقول الآخر: أنها كانت في شوال سنة أربع للهجرة، قال بذلك موسى بن عقبة في مغازيه، وتابعه على ذلك مالك بن أنس، ومال البخاري إلى ذلك، وقد رد ابن حجر في فتح الباري على القائلين بهذا القول، وبين ضعفه، وبأنه غير معتمد، وناقش ذلك حجة بحجة ودليلًا بدليل فانظره (٢).
٤٢٤ - قال ابن إسحاق حدثنا يزيد بن رومان، عن عروة بن الزبير عن عبد الله بن كعب بن مالك، ومحمد بن كعب القرظي، والزهري، وعاصم بن عمر بن قتادة، وعبد الله بن أبي بكر وغيرهم من علمائنا، كلهم قد اجتمع حديثه في الحديث عن الخندق قالوا:
"إنه كان الذين حزبوا الأحزاب نفرًا من اليهود، وكان منهم سلام بن أبي الحقيق، وحيي بن أخطب النضري، وكنانة بن أبي الحقيق النضري، وهوذة بن قيس الوائلي، وأبو عمار الوائلي، في نفر من بني النضير، فلما قدموا على قريش، فدعوهم إلى حرب رسول الله - ﷺ - وقالوا: إنا سنكون معكم عليه، حتى نستأصله.
فقالت لهم قريش: يا معشر يهود، إنكم أهل الكتاب الأول والعلم بما أصبحنا يختلف فيه نحن ومحمد، أفديننا خير أم دينه؟ قالوا: بل دينكم خير من دينه، وأنتم أولى بالحق منه، فهم الذين أنزل الله فيهم ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا (٥١) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾ (٣) (٤).
_________________
(١) سيرة ابن كثير: ٣/ ١٨٠ وانظر الرد على القائلين بغير القول عند ابن إسحاق.
(٢) فتح الباري: ٧/ ٣٩٣، المغازي باب غزوة الخندق وهو غزوة الأحزاب.
(٣) الآيات من سورة النساء: ٥١ - ٥٤.
(٤) السيرة النبوية ابن هشام: ٢/ ٢١٤ - ٢١٥ بإسناده ورجاله ثقات وقد صرح ابن إسحاق بالتحديث ولكنه مرسل، وقد وصله السيوطي من رواية ابن إسحاق عن ابن عباس في لباب النقول، لأسباب النزول ص: ١٧، رواه الطبراني في الكبير: ١١/ ٢٥١، وقال الهيثمي في المجمع: ٧/ ٦ وفيه يونس بن سليمان الجمال ولم أعرفه وبقية رجاله رجال الصحيح.
[ ٢٦٥ ]
٢ - حفر الخندق:
٤٢٥ - من حديث أنس ﵁ قال: "خرج رسول الله - ﷺ - إلى الخندق فإذا المهاجرين والأنصار يحفرون في غداة باردة، فلم يكن لهم عبيد يعملون ذلك لهم، فلما رأى ما بهم من النصب والجوع قال: (اللهم إن العيش عيش الآخرة فأغفر للأنصار والمهاجرة) فقالوا مجيبين له:
نحن الذين بايعوا محمدًا على الجهاد ما بقينا أبدًا
وفي لفظ آخر قال: "جعل المهاجرون والأنصار يحفرون الخندق حول المدينة، وينقلون التراب على متونهم وهم يقولون:
نحن الذين بايعوا محمدًا على الإِسلام ما بقينا أبدًا
قال يقول النبي - ﷺ - وهو يجيبهم (اللهم إنه لا خير إلا خير الآخرة، فبارك في الأنصار والمهاجرة) قال: يؤتون بملء كفي من الشعير، فيصنع لهم بإهالة (١) سنخ توضع بين يدي القوم، والقوم جياع، وهي بشعة في الحلق ولها ريح منتن" (٢).
٤٢٦ - من حديث البراء بن عازب قال: "لما كان يوم الأحزاب، وخندق رسول الله - ﷺ -، رأيته ينقل من تراب الخندق، حتى وارى عني التراب جلدة بطنه -وكان كثير الشعر- فسمعنه يرتجز بكلمات ابن رواحة، وهو ينقل من التراب يقول:
اللهم لولا أنت ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا
فأنزل سكينة علينا وثبت الأقدام إن لاقينا
إن الألى قد بغوا علينا وإن أرادوا فتنة أبينا
قال: ثم يمد صوته بآخرها" (٣).
_________________
(١) الإهالة: الدهن الذي يؤتدم به سواء كان زيتًا أو سمنًا أو شحمًا.
(٢) أخرجه البخاري في المغازي باب غزوة الخندق حديث رقم: ٤٠٩٩ - ٤١٠٠، مسلم في صحيحه الجهاد والسير باب غزوة الأحزاب وهي الخندق حديث رقم: ١٨٠٥، الفتح الرباني: ٢١/ ٧٧.
(٣) أخرجه البخاري في المغازي باب غزوة الخندق حديث رقم: ٤١٠٦، ٤١٠٤، مسلم في صحيحه الجهاد والسير باب غزوة الأحزاب رقم: ١٨٠٣، الفتح الرباني: ٢١/ ٧٧، وكذلك جاء شبيهًا بالحديثين من حديث سهل بن سعد الساعدي عند البخاري في المغازي باب غزوة الخندق رقم: ٤٠٩٨، ومسلم رقم:١٨٠٤.
[ ٢٦٦ ]
٣ - معجزات الرسول ﷺ في غزوة الأحزاب:
أ - إبصاره قصور الملوك وإعطاؤهُ مفاتيح ملكهم:
٤٢٧ - من حديث البراء بن عازب ﵁ قال: "لما كان حين أمرنا رسول الله - ﷺ - بحفر الخندق عرضت لنا في بعض الخندق صخرة لا تأخذ فيها المعاول، فاشتكينا إلى رسول الله - ﷺ - فجاءنا فأخذ المعول فقال: (بسم الله، فضرب ضربة فكسر ثلثها، وقال: الله أكبر أعطيت مفاتيح الشام، والله إني لأبصر قصورها الحمر الساعة، ثم ضرب الثانية، فقطع الثلث الآخر فقال: الله أكبر أعطيت مفاتيح فارس، والله إني لأبصر قصر المدائن أبيض، ثم ضرب الثالثة، وقال: بسم الله فقطع بقية الحجر فقال: الله أكبر أعطيت مفاتيح اليمن، والله إني لأبصر أبواب صنعاء من مكاني هذا الساعة) " (١).
ب - تكثيره الطعام:
٤٢٨ - من حديث ابن عباس ﵄ قال: "احتفر رسول الله - ﷺ - الخندق، وأصحابه قد شدوا الحجارة على بطونهم من الجوع، فلما رأى ذلك رسول الله - ﷺ - قال: (هل دللتم على أحد يطعمنا أكلة) قال رجل: نعم، قال: (أما لا فتقدم فدلنا عليه). فانطلقوا إلى رجل فإذا هو في الخندق يعالج نصيبه فيه، فأرسلت إليه امرأته أن جيء فإن رسول الله - ﷺ - قد أتانا فجاء الرجل يسعى.
فقال: بأبي وأمي، وله معزة وجديها فوثب إليها، فقال النبي - ﷺ -: (الجدي من ورائنا) فذبح الجدي، وعمدت امرأته إلى طحينة لها فعجنتها وخبزت،
_________________
(١) أخرجه أحمد في المسند: ٤/ ٣٠٣ والنسائي في الجهاد باب غزوة الترك: ٦/ ٤٣ - ٤٤، والبيهقي في الدلائل: ٣/ ٤١٧ - ٤١٨،وحسن إسناده الحافظ في الفتح ٧/ ٣٩٧، حيث قال ووقع عند أحمد والنسائي في هذه القصة زيادة بإسناد حسن عن البراء فذكر الحديث وقال الهيثمي في المجمع: ٦/ ١٣٠ - ١٣١ رواه أحمد وفيه ميمون أبو عبد الله وثقه ابن حبان وضعفه جماعة وبقية رجاله ثقات. وللحديث شواهد من حديث ابن عباس عند الطبراني كما قال الهيثمي في المجمع: ٦/ ١٣١ - ١٣٢، سنورد تخريجه في الحديث التالي برقم: ٤٢٨، ومن حديث عبد الله بن عمرو بن العاص قال الهيثمي في المجمع: ٦/ ١٣١، رواه الطبراني بإسنادين في أحدهما حيي بن عبد الله وثقه ابن معين وضعفه جماعة وبقية رجاله رجال الصحيح، وله شاهد من حديث جابر في الصحيحين سيأتي ذكره وبهذا يكون الحديث كما قال الحافظ أو أكثر. * السمت: الدعاء.
[ ٢٦٧ ]
وأدركت وتردت، فقربتها إلى رسول الله - ﷺ - وأصحابه فوضع النبي - ﷺ - أصبعه فيها فقال: (بسم الله، اللهم بارك فيها، اللهم بارك فيها اطعموا) فأكلوا منه حتى صدروا، ولم يأكلوا إلا ثلثها وبقى ثلثاها، فسرح أولئك العشرة الذين كانوا معه أن اذهبوا، وسرحوا إلينا نغديكم، فذهبوا وجاء أولئك العشرة مكانه، فأكلوا منها حتى شبعوا، ثم قام ودعا لربة البيت وسمَّت عليها وعلى أهلها، ثم مشوا إلى الخندق فقالوا: اذهبوا بنا إلى سلمان، وإذا صخرة بين يديه قد ضعف عنها، فقال النبي لأصحابه: (دعونى فأكون أول من ضربها فقال: بسم الله) فضربها فوقعت فلقة ثلثها فقال: (الله أكبر قصور الروم ورب الكعبة)، ثم ضرب أخرى فوقعت فلقة فقال: (الله أكبر قصور فارس ورب الكعبة)، فقال عندها المنافقون: نحن نخندق وهو يعدنا قصور فارس والروم (١).
٤٢٩ - من حديث جابر ﵁ قال: "لما حفر الخندق رأيت برسول الله - ﷺ - خمصًا (٢) فانكفأت (٣) إلى امرأتي، فقلت لها: هل عندك شيء؛ فإني رأيت برسول الله - ﷺ - خمصًا شديدًا، فأخرجت لي جرابًا (٤) فيه صاع من شعير، ولنا بهيمة (٥) داجن (٦)، قال: فذبحتها وطحنت، ففزعت إلى فراغي، فقطعتها في برمتها، ثم وليت إلى رسول الله - ﷺ -. فقالت: لا تفضحني برسول الله - ﷺ - ومن معه، قال: فجئته فساررته، فقلت: يا رسول الله! إنا قد ذبحنا بهيمة لنا، وطحنت صاعًا من شعير كان عندنا، فتعال أنت في نفر معك، فصاح رسول الله - ﷺ - وقال: (يا أهل الخندق! إن جابرًا قد صنع لكم سورًا (٧) فحيهلا بكم).
وقال رسول الله - ﷺ -: (لا تنزلن برمتكم ولا تخبزن عجينتكم، حتى أجيء) فجئت وجاء رسول الله - ﷺ - يقدم الناس، حتى جئت امرأتي. فقالت: بك
_________________
(١) قال الهيثمي في المجمع: ٦/ ١٣١ - ١٣٢ رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح غير عبد الله بن أحمد ابن حنبل ونعيم العنبري وهما ثقتان.
(٢) خمصًا: خلاء البطن من الطعام.
(٣) انكفأت: فرجعت وانقلبت.
(٤) الجراب: الوعاء من الجلد.
(٥) البهيمة: السخلة الصغيرة من ولاد المعز.
(٦) داجن: ما ألف البيوت.
(٧) السور: الطعام الذي يدعى إليه.
[ ٢٦٨ ]
وبك (١)، فقلت: قد فعلت الذي قلت لي. فأخرجت له عجينتنا فبصق فيها وبارك، ثم عمد إلى برمتنا فبصق فيه وبارك، ثم قال: (ادعي خابزة فلتخبز معك، واقدحي في برمتكم (٢) ولا تنزلوها) وهم ألف. فأقسم بالله إلا أكلوا حتى تركوه وانحرفوا (٣)، وإن برمتنا لتغط (٤) كما هي، وإن عجينتنا -أو كما قال الضحاك- لتخبز كما هو" (٥).
٤ - منزل المشركين في الخندق:
٤٣٠ - من حديث عائشة ﵂ قالت: ﴿إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر﴾ قالت: كان ذاك يوم الخندق" (٦).
وقد جاء عن ابن عباس ﵁ كما قال الحافظ في الفتح تفسير آخر قال: "وعند ابن مردويه من حديث ابن عباس ﵄ ﴿إذ جاءوكم من فوقكم﴾ قال: عيينة بن حصن ﴿ومن أسفل منكم﴾ أبو سفيان بن حرب" (٧).
وقد بين ابن إسحاق بسنده الذي ذكره في بداية غزوة الخندق ورجاله ثقات، وقد صرح هو بالتحديث، لكن الحديث مرسل ولذا فإنه يستأنس به تحديد الموقع الذي نزل فيه المشركون قال: (نزلت قريش بمجمع السيول في عشرة آلاف من أحابيشهم ومن تبعهم من بني كنانة وتهامة، ونزل عيينة في غطفان ومن معهم من أهل نجد إلى جانب أحد بباب نعمان، وخرج رسول الله - ﷺ - والمسلمون حتى جعلوا ظهورهم إلى سلع في ثلاثة آلاف، والخندق بينهم وبين القوم، وجعل
_________________
(١) بك وبك: ذمته ودعت عليه.
(٢) اقدحي في برمتكم: أي اغرفي.
(٣) تركوا، وانحرفوا: شبعوا وانصرفوا.
(٤) لتغط: تغلي ويسمع غلبانها.
(٥) أخرجه البخاري في المغازي باب غزوة الخندق رقم: ٤١٠٢ ورقم: ٤١٠١، مسلم في صحيحه كتاب الأشربة باب جواز استتباعه غيره إلى دار من يثق برضاه حديث رقم: ٢٠٣٩، الفتح الرباني: ٢٢/ ٦٠، والحاكم في المستدرك: ٣/ ٣٠ - ٣١، وأحمد في المسند: ٣/ ٣٠ مختصرًا والدارمي في المقدمة باب ما أكرم به النبي في بركة طعامه: ١/ ١٩ - ١٢ والطبراني في الأحاديث الطوال برقم: ٥١، ٢٥/ ٣٠٢.
(٦) أخرجه البخاري في المغازي باب غزوة الخندق حديث رقم: ٤١٠٣.
(٧) فتح الباري على صحيح البخاري في التعليق على الحديث السابق: ٧/ ٤٤٠.
[ ٢٦٩ ]
النساء والذراري في الأطام" (١).
وقد جاء تحديد موضع الخندق من حديث عمرو بن عوف المزني: "أن رسول الله - ﷺ - خط الخندق من أحمر السبختين طرف بني حارثة عام حرب الأحزاب، حتى بلغ المداحج فقطع لكل عشرة أربعين ذراعًا" (٢).
والحديث يستأنس به في هذا الموطن لأنه ليس فيه إثبات حكم شرعي أو غير ذلك، وإنما هو تحديد مكان تاريخي ألا وهو مكان الخندق.
٥ - شعار المسلمين يوم الخندق:
٤٣١ - عن المهلب بن أبي صفرة قال: سمعت من يحدث عن النبي - ﷺ - قال: "وهو يخاف أن يبيته أبو سفيان فقال: (إن بيتم فادعو حم لا ينصرون) (٣).
_________________
(١) انظر تخريج السند أولًا في حديث رقم: ٤٢٤ والحديث في السيرة لابن هشام: ٢/ ٣١٥ - ٣١٦. وانظر فتح الباري: ٧/ ٤٠٠.
(٢) قال الهيثمي في المجمع: ٦/ ١٣٠، رواه الطبراني وفيه كثير بن عبد الله المزني وقد ضعفه الجمهور وحسن الترمذي حديثه وبقية رجال ثقات.
(٣) أخرجه أحمد في المسند: ٤/ ٦٥، ٢٨٩، ٥/ ٣٧٧، الترمذي في كتاب فضائل الجهاد باب ما جاء في الشعار حديث رقم: ١٦٨٢ أبو داود في الجهاد باب في الرجل ينادي بالثمار وصححه الحاكم: ٢/ ١٠٧، وقد وصله من حديث البراء حيث قال في هذه الرواية: صحيح الإسناد على شرط الشيخين إلا أنه فيه إرسال فهذا الرجل الذي لم يسمه المهلب بن أبي صفرة البراء بن عازب" وقد أخرجه الحاكم أيضًا في نفس الصفحة عن البراء بن عازب بإسناد المهلب وصرح فيه باسم البراء.
[ ٢٧٠ ]
المبحث الثاني: من مشاهد المعركة
١ - رجل المهمات الصعبة:
٤٣٢ - من حديث عبد الله بن الزبير ﵄ قال: "لما كان يوم الخندق كنت أنا وعمر بن أبي سلمة في الأطم (١) الذي فيه نساء رسول الله - ﷺ -، أطم حسان، فكان يرفعني وأرفعه، فهذا رفعني عرفت أبي حين يمر إلى بني قريظة، وكان يقاتل مع رسول الله - ﷺ - يوم الخندق فقال: (من يأتي بني قريظة فيقاتلهم؟) فقلت له حين رجع: يا أبت تالله إن كنت لأعرفك حين تمر ذاهبًا إلى بني قريظة فقال: "يا بني أما والله إن كان رسول الله - ﷺ - ليجمع لي أبويه جميعًا يفديني بهما، يقول: (فداك أبي وأمى) (٢).
٤٣٣ - من حديث جابر بن عبد الله ﵄: قال: "اشتد الأمر يوم الخندق فقال رسول الله - ﷺ - ألا رجل يأتينا بخبر بني قريظة؟ فانطلق الزبير فجاء بخبرهم، ثم اشتد الأمر أيضًا فذكر ثلاث مرات فقال رسول الله - ﷺ -: (إن لكل نبي حواري والزبير حواري) (٣).
٢ - إشغال المشركين المسلمين عن الصلاة:
لقد ضيق أهل الكفر حصارهم على رسول الله وأصحابه في المدينة المنورة يوم الخندق حتى شغلوهم عن الصلاة، واستبسل الصحابة وأبدوا من ضروب الشجاعة الشيء الكثير أيضًا، وقد جاءت قصة إشغال المشركين النبي وأصحابه عن الصلاة من رواية عدة من الصحابة، وأجمع الروايات ما ثبت من:
٤٣٤ - حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: "حبسنا يوم الخندق عن الصلاة حتى كان بعد المغرب، وذلك قبل أن ينزل في القتال ما نزل "وفي رواية -قبل أن ينزل صلاة الخوف فرجالًا أو ركبانًا" فلما كفينا القتال وذلك قوله:
_________________
(١) الأطم: بناء مرتفع كالحصن.
(٢) أخرجه البخاري في مناقب الصحابة باب مناقب الزبير رقم: ٣٧٢٠، مسلم في فضائل الصحابة باب فضائل طلحة والزبير رقم: ٢٤١٦، أحمد فى المسند: ١/ ١٦٤، ١٦٦.
(٣) أخرجه البخاري في فضائل الصحابة باب مناقب الزبير رقم: ٣٧١٩، مسلم في الفضائل باب فضائل طلحة والزبير حديث رقم: ٢٤١٥، الترمذي في المناقب باب مناقب الزبير: ٣٧٤٥، ابن ماجه في المقدمة باب فضائل الزبير: ١٢٢، الحميدي رقم: ١٢٣١، أحمد في المسند: ٣/ ٣٠٧،٣١٤،٣٣٨،٣٦٥.
[ ٢٧١ ]
﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ أمر النبي - ﷺ - بلالًا فأقام الظهر فصلاها كما يصليها في وقتها" (١).
٤٣٥ - من حديث علي كرم الله وجهه: "عن النبي - ﷺ - أنه قال يوم الخندق: (ملأ الله عليهم بيوتهم وقبورهم نارًا كما شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس) (٢).
٤٣٦ - من حديث جابر بن عبد الله ﵄ قال: "إن عمر بن الخطاب جاء يوم الخندق بعد ما غربت الشمس جعل يسب كفار قريش وقال: يا رسول الله، ما كدت أن أصلي حتى كادت الشمس أن تغرب قال النبي - ﷺ -: (والله ما صليتها)، فنزلنا مع النبي - ﷺ - بطحان، فتوضأنا لها فصلى العصر بعد ما غربت الشمس، ثم صلى بعدها المغرب" (٣).
٣ - مفاوضة الرسول زعيم بني غطفان لتخفيف الحصار:
٤٣٧ - من حديث أبي هريرة ﵁ قال: "جاء الحارث الغطفاني إلى رسول الله - ﷺ - فقال: يا محمَّد شاطرنا تمر المدينة فقال - ﷺ -: (حتى أستأمر السعود) فبعث إلى سعد بن معاذ، وسعد بن عبادة، وسعد بن مسعود، وسعد بن خيثمة، فقال: (إني قد علمت أن العرب قد رمتكم عن قوس واحدة وأن الحارث سألكم أن تشاطروه تمر المدينة، فإن أردتم أن تدفعوه عامكم هذا في
_________________
(١) أخرجه النسائي في كتاب الأذان باب الأذان للفائت من الصلوات: ٢/ ١٧، أحمد في المسند: ٣/ ٢٥، ٤٩، ٦٧، البيهقي في السنن: ١/ ٤٠٢، والشافعي في الأم: ١/ ٧٥، الدرامي في السنن: ١/ ٣٥٨ وصححه ابن حبان: ٢٨٥، وغير ابن حبان وإسناده صحيح، وقال ابن سيد الناس (هذا إسناد صحيح جليل)، ورواه الطيالسي برقم: ٢٢٣١، وصححه ابن السكن كما قال ابن حجر في التلخيص ص: ٧٣.
(٢) أخرجه البخاري في المغازي باب غزوة الخندق رقم: ٤١١١، مسلم في المساجد باب التغليظ في تفويت صلاة العصر رقم: ٦٢٧، أبو داود في الصلاة باب في وقت الصلاة حديث رقم: ٤٠٩، النسائي كتاب الصلاة باب المحافظة على صلاة العصر: ١/ ٢٣٦، ابن ماجه في الصلاة باب المحافظة على صلاة العصر حديث رقم: ٦٨٤، أحمد: ١/ ٧٩، ٨١، ١١٣، ١٢٢، ١٢٦، ١٣٥، ١٣٧، ١٤٦،١٥٠، ١٥٢.
(٣) أخرجه البخاري في المغازي باب غزوة الخندق رقم: ٤١١٢، مسلم في المساجد باب الدليل لمن قال أن الصلاة الوسطى صلاة العصر حديث رقم: ٦٣١، الترمذي الصلاة باب في الرجل إذا فاته الصلوات بأيهن يبدأ رقم: ١٨٠، وقد جاء شبيها بما سبق من حديث ابن مسعود عند مسلم برقم: ٦٢٨ المساجد باب التغليظ في تفويت صلاة العصر، الترمذي الصلاة باب ما جاء في الرجل تفوته الصلوات بأيهن يبدأ رقم: ١٧٩، ابن ماجه الصلاة باب المحافظة على صلاة العصر رقم: ٦٨٦، أحمد في المسند: ١/ ٤٠٤، ٤٥٦.
[ ٢٧٢ ]
أمركم بعد) فقالوا: يا رسول الله أوحي من السماء، فالتسليم لأمر الله أو عن رأيك وهواك فرأينا نتبع هواك ورأيك، فإن كنت إنما تريد الإبقاء علينا فوالله لقد رأيتنا وإياهم على سواء، ما ينالون منا ثمرة إلا شراء أو قرى، فقال رسول الله - ﷺ -: (هوذا تسمعون ما يقولون)، قالوا: غدرت يا محمَّد، فقال حسان بن ثابت ﵁:
يا جار من يغدر بذمة جاره منكم فإن محمدًا لا يغدر
وأمانة المري حين لقيتها كسر الزجاجة صدعها لا يجبر
إن تغدروا فالغدر من عاداتكم واللؤم ينبت في أصول السخبر (١)
٤ - قتل علي بن أبي طالب عمرو بن عبدود العامري:
٤٣٨ - من حديث ابن عباس ﵄ قال: "قتل رجل من المشركين يوم الخندق فطلبوا أن يواروه فأبى رسول الله - ﷺ - حتى أعطوه الدية، وقتل من بني عامر بن لؤي عمرو بن عبدود، قتله علي بن أبي طالب مبارزة" (٢).
وقد جاءت قصة مبارزة علي بن أبي طالب ﵁ لعمرو بن عبدود العامري مفصلة عند ابن إسحاق في السيرة مستقصاة ومستوفاة، إلا أنها مرسلة، ولم يصل بها ابن إسحاق إلى صحابي روى هذا الحديث، ولذلك لم أورد التفاصيل هنا، واقتصرت على ما ثبت عن ابن عباس ﵁، من أن قاتل عمرو بن عبدود العامري هو علي بن أبي طالب كما مر في الحديث السابق، الذي أوردناه.
هذا ما وصلت إليه بعد بذل الجهد فقد بحثت عن إسناد لهذا الحديث مفصلًا فلم أصل إلى ذلك، فاقتصرت على ما مضى، والله تعالى أعلم، فليس كل ما أورده أهل السير وأخذ مأخذ المسلمات ثبت عند أهل الحديث والمحدثين، فاعلم هذا أخي القارئ بارك الله فيك.
_________________
(١) كشف الأستار عن زوائد البزار رقم: ١٨٠٣ وقال الهيثمي في المجمع: ٦/ ١٣٢ رواه البزار والطبراني ورجال البزار والطبراني فيهما محمَّد بن عمرو وحدثه حن وبقية رجاله ثقات، والسخبر: شجر تألفه الحيات فتسكن في أصوله.
(٢) أخرجه الحاكم في المستدرك: ٣/ ٣٢ وقال صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي وقد جاء أيضًا من حديث ابن شهاب الزهري وهو مرسل عند الحاكم: ٣/ ٣٢ وقال إسناد هذا المغازي صحيح على شرط الشيخين، قد أورد الآثار عن ابن إسحاق الحاكم: ٣/ ٢٣ - ٣٤، فانظر هناك إن أحببت الاستزادة.
[ ٢٧٣ ]
٥ - سعد بن أبي وقاص يرمي رجلًا فيضحك النبي ﷺ:
٤٣٩ - من حديث سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: "لما كان يوم الخندق ورجل يتترس جعل يقول بالترس هكذا، فوضعه فوق أنفه، ثم يقول هكذا يسفله، بعد قال: فأهويت إلى كنانتي، فأخرجت منها سهمًا مدمى، فوضعته في كبد القوس، فلما قال هكذا تسفل الترس رميت، فما نسيت وقع القدح على كذا وكذا من الترس، مال وسقط فقال برجله هكذا، فضحك نبي الله - ﷺ - أحسبه قال حتى بدت نواجذه، قال قالت: لم فعل، قال كفعل الرجل" (١).
٦ - إصابة سعد بن معاذ ﵁:
٤٤٠ - من حديث عائشة ﵂ قالت: "خرجت يوم الخندق أقفوا آثار الناس قالت: فسمعت وئيد (٢) الأرض ورائي يعني حس الأرض، قالت: فالتفت فإذا أنا بسعد بن معاذ، ومعه ابن أخيه الحارث بن أوس يحمل مجنة (٣) قالت: فجلست إلى الأرض، فمر سعد وعليه درع من حديد قد خرجت منها أطرافه، فأنا أتخوف على أطراف سعد، قالت: وكان سعد من أعظم الناس وأطولهم، قالت: فمر وهو يرتجز ويقول:
لبث قليلًا يدرك الهيجا جمل ما أحسن الموت إذا حان الأجل
قالت: فقمت فاقتحمت حديقة فإذا فيها نفر من المسلمين، وإذا فيهم عمر بن الخطاب وفيهم رجل عليه سبغة يعني له مغفرًا (٤).
فقال عمر: ما جاء بك، لعمري والله إنك لجريئة، وما يؤمنك أن يكون بلاء
_________________
(١) قال الهيثمي في المجمع: ٦/ ١٣٥ - ١٣٦، رواه أحمد والبزار إلا أنه قال كان رجل معه ترسان وكان سعد راميًا فكان يقول كذا وكذا بالترسين يغطي جبهته فنزع له سعد بسهم فلما رفع رأسه رماه فلم يخط هذه منه يعني جبهته والباقي بنحوه ورجالهما رجال الصحيح غير محمَّد بن محمَّد بن الأسود وهو ثقة، وانظر كشف الأستار: ١٨٠٨.
(٢) وئيد: صوت شدة الوطء على الأرض سمع كالدوي من بعد.
(٣) المجنة: الترس.
(٤) مغفر: هو ما يلبسه الدارع على رأسه من الزرد.
[ ٢٧٤ ]
أو يكون تحوز (١)، قالت: فما زال يلومني حتى تمنيت أن الأرض انشقت ساعتئذ فدخلت فيها، قالت: فرفع الرجل السبغة عن وجهه، فإذا طلحة بن عبيد الله، فقال: يا عمر ويحك إنك قد أكثرت منذ اليوم: وأين التحور أو الفرار إلا إلى الله ﷿، قالت: ويرمي سعدًا رجل من المشركين من قريش يقال له ابن العرقة بسهم له فقال له: "خذها وأنا ابن العرقة" فأصاب أكحله (٢) فقطعه فدعا الله -﷿- سعد فقال: "اللهم لا تمتني حتى تقر عيني من قريظة" قالت: وكانوا حلفاءه ومواليه في الجاهلية، قالت: فرقى كلمه (٣) وبعث الله -﷿- الريح على المشركين فكفى الله -﷿- المؤمنين القتال، وكان الله قويًّا عزيزًا، فلحق أبو سفيان ومن معه بتهامة، ولحق عيينة بن حصن ومن معه بنجد (٤).
٧ - محاولة فاشلة عند حصون النساء:
٤٤١ - من حديث رافع بن خديج ﵁ قال: "لم يكن حصن أحصن من حصن بني حارثة، فجعل النبي في النساء والصبيان والذراري فيه، وقال: (إن ألم بكن أحد فألمعن بالسيف) فجاءهن رجل من بني ثعلبة بن سعد يقال له نجدان أحد بني حشاش على فرس، حتى كان في أصل الحصين ثم جعل يقول للنساء: انزلن إلى خير لكن، فحركن السيف فأبصره أصحاب رسول الله - ﷺ -، فابتدر الحصين قوم فيهم رجل من بني الحارثة يقال له: ظهير بن رافع، فقال: يا نجدان ابرز، فبرز إليه، فحمل على فرسه، فقتله وأخذ رأسه فذهب به إلى الني - ﷺ -" (٥).
٤٤٢ - من حديث ابن أبي أوفى ﵁ قال: (دعا رسول الله - ﷺ - على الأحزاب فقال: (اللهم منزل الكتاب سريع الحساب، اهزم الأحزاب، اللهم اهزمهم
_________________
(١) تحوز: حرب أو أسر.
(٢) الأكحل: عرق في وسط الذراع في كل عضو منه شعبة إذا قطع لم يرقأ الدم.
(٣) الكلم: الجرح والكليم: الجريح.
(٤) قال الهيثمي في المجمع: ٦/ ١٣٦ - ١٣٨رواه أحمد وفيه محمَّد بن عمرو بن علقمة وهو حسن الحديث وبقية رجاله ثقات، وقال الساعاتي في الفتح الرباني: ٢١/ ٨١ - ٨٣ أورده الحافظ ابن كثير في تاريخه ثم قال هذا الحديث إسناده جيد، وله شواهد من وجوه كثير سيرة ابن كثير: ٣/ ٢٣٨.
(٥) قال الهيثمي في المجمع: ٦/ ١٣٣، رواه الطبراني ورجاله ثقات.
[ ٢٧٥ ]
وزلزلهم) (١).
٤٤٣ - من حديث أبي هريرة ﵁ قال: "إن رسول الله - ﷺ - كان يقول: (لا إله إلا الله وحده، أعز جنده، ونصر عبده، وغلب الأحزاب وحده، فلا شيء بعده) (٢).
٨ - عدم صحة ما يروى من جبن حسان:
من حديث ابن إسحاق قال: حدثنا يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه قال: "كانت صفية بنت عبد المطلب في فارع، حصن حسان بن ثابت، وكان حسان بن ثابت معنا فيه مع النساء والصبيان حين خندق النبي - ﷺ -، قالت صفية: فمر بنا رجل من يهود، فجعل يطيف بالحصن، وقد حاربت بنو قريظة أو قطعت ما بينها وبين رسول الله - ﷺ - وليس بيننا وبينهم أحد يدفع عنا، ورسول الله - ﷺ -، والمسلمون في نحور عدوهم، لا يستطيعون أن ينصرفوا إلينا عنهم، إذ أتانا آت، فقلت لحسان بن ثابت إن هذا اليهودي يطيف بالحصن كما ترى، ولا آمنه أن يدل على عورتنا من ورائنا من يهود، وقد شغل عنا رسول الله - ﷺ - وأصحابه، فانزل إليه فاقتله.
فقال: يغفر الله لك يا بنت عبد المطلب، والله لقد عرفت ما أنا بصاحب هذا، قالت صفية: فلما قال ذلك، احتجزت عمودًا ثم نزلت من الحصين إليه، فضربته بالعمود حتى قتلته، ثم رجعت إلى الحصين، فقلت يا حسان أنزل فاستلبه، فإنه لم يمنعني أن أستلبه إلا أنه رجل، فقال: ما لي بسلبه من حاجة يا بنت عبد المطلب" (٣).
_________________
(١) أخرجه البخاري في المغازي باب غزوة الخندق حديث رقم: ٤١١٥ مسلم في الجهاد والسير استحباب الدعاء بالنصر عند لقاء العدو حديث رقم: ١٧٤٢/ ٢١، الترمذي كتاب فضائل الجهاد باب ما جاء في الدعاء عند القتال: ١٦٧٨، أبو داود الجهاد باب فى كراهية تمني لقاء العدو رقم: ٢٦٣١.
(٢) أخرجه البخاري في المغازي باب غزوة الخندق رقم: ٤١١٤ مسلم في الذكر والدعاء باب التحوذ من شر ما عمل ومن شر ما لم يعمل حديث رقم: ٢٧٢٤.
(٣) ابن هشام في السيرة: ٢/ ٢٢٨، وقد جاء من طريق الزبير بن العوام وقال الهيثمي في المجمع: ٦/ ١٣٣ - ١٣٤، وقال: رواه البزار وأبو يعلى باختصار وإسنادهما ضعيف، ومن حديث عروة وقال: ٦/ ١٣٤، رواه الطبراى ورجاله إلى عروة رجال الصحيح، ولكنه مرسل فالحديث ضعيف.
[ ٢٧٦ ]
وهذا الخبر لا يصح لأمرين:
الأول: من حيث الإسناد، فالخبر ليس مسندًا، وقد علمنا علماؤنا أنه لا يؤخذ من الأخبار إلا إذا كان له إسناد، ولا يؤخذ الخبر المسند إلا إذا كان إسناده صحيحًا.
وهذا الخبر ساقط لا يصح ولا يجوز أن يروى، فيساء إلى صحابي من صحابة رسول الله - ﷺ -، كان ينافح عن الدعوة الإِسلامية، وعن رسول الله - ﷺ - عمره كله.
الثاني: لو كان حسان بن ثابت ﵁ معروفًا بالجبن الذي ذكر عنه لهجاه أعداؤه ومبغضوه بهذه الخصلة الذميمة لا سيما الذين كان يهاجيهم، فلم يسلم من هجاته أحد من زعماء الجاهلية".
والرسول - ﷺ - كان يؤيده ويدعو له، ويشجعه على هجاء زعماء المشركين (١).
٩ - تحسس الأخبار عن المشركين:
٤٤٤ - من حديث حذيفة بن اليمان ﵁: فعن محمَّد بن كعب القرظي قال: "قال فتى منا من أهل الكوفة لحذيفة بن اليمان: يا أبا عبد الله لقد رأيتم رسول الله - ﷺ - وصحبتموه؟ قال: نعم يا ابن أخي، قال: فكيف كنتم تصنعون؟ قال: والله لقد كنا نجهد (٢).
قال: والله لو أدركنا ما تركناه يمشي على الأرض، ولجعلناه على أعناقنا، قال: فقال حذيفة: يا ابن أخي والله لقد رأيتنا مع رسول الله - ﷺ - بالخندق، وصلى رسول الله - ﷺ - من الليل هويًا (٣)، ثم التفت إلينا فقال: (من رجل يقوم فينظر لنا ما فعل القوم، يشترط له رسول الله - ﷺ - أنه يرجع، أدخله الله الجنة)، فما قام رجل، ثم صلى رسول الله - ﷺ - هويًا، ثم التفت إلينا فقال: (من رجل يقوم فينظر لنا ما فعل القوم ثم يرجع، يشرط له رسول الله - ﷺ - الرجعة،
_________________
(١) غزوة الأحزاب الدكتور أبو فارس ص: ١٩٧ - ١٩٨.
(٢) نجهد: في مشقة شديدة.
(٣) هويًا: الحين الطويل من الزمان.
[ ٢٧٧ ]
أسأل الله أن يكون رفيقي في الجنة)، فما قام رجل من القوم من شدة الخوف، وشدة الجوع، وشدة البرد.
فلما لم يقم أحد دعاني رسول الله - ﷺ - فلم يكن لي بد في القيام حين دعاني فقال: (يا حذيفة فاذهب فادخل في القوم فانظر ما يفعلون ولا تحدثن شيئًا حتى تأتينا)، قال: فذهبت فدخلت في القوم، والريح وجنود الله تفعل ما تفعل، لا تقر لهم قدر، ولا نار، ولا بناء، فقام أبو سفيان بن حرب فقال: يا معشر قريش لينظر امرؤ إلى جليسه، فقال حذيفة: فأخذت بيد الرجل الذي جنبي، فقلت: من أنت؟ قال: أنا فلان بن فلان، ثم قال أبو سفيان: يا معشر قريش إنكم والله ما أصبحتم بدار مقام، لقد هلك الكراع (١) وأخلفتنا بنو قريظة، بلغنا منهم الذي نكره، ولقينا من هذه الريح ما ترون، والله ما تطمئن لنا قدر، ولا تقوم لنا نار، ولا يستمسك لنا بناء، فارتحلوا فإني مرتحل، ثم قام إلى جمله وهو معقول، فجلس عليه ثم ضربه فوثب على ثلاث، فما أطلق عقله، إلا وهو قائم، ولولا عهد رسول الله لا تحدث شيئًا حتى تأتيني ثم شئت لقتلته بسهم.
قال حذيفة، ثم رجعت إلى رسول الله - ﷺ - وهو قائم يصلي في مرط (٢) لبعض نسائه مرجل (٣)، فلما رآني أدخلني إلى رحله، وطرح عليه طرف المرط، ثم ركع وسجد وإنه لفيه، فلمّا سلم أخبرته الخبر، وسمعت غطفان بما فعلت قريش وانشمروا إلى بلادهم).
هذا اللفظ لأحمد وفي لفظ مسلم بعض الزيادة أذكرها هنا لاكتمال المعنى والفائدة فبعد أن ذكر حذيفة استنفار الرسول - ﵇ - للصحابة ثلاثًا ثم قوله قم يا حذيفة قال: ( فمضيت كأنما أمشي في حمام (٤) حتى أتيتهم، فهذا أبو سفيان يصلي ظهره بالنار فوضعت سهمي في كبد قوسي (٥) وأردت أن أرميه، ثم ذكرت قول رسول الله - ﷺ -: (لا تذعرهم علي) ولو رميته لأصبته، قال:
_________________
(١) الكهل: اسم لجميع الخيل.
(٢) مرط: كساء من صوف أو خز يؤتزر به وتتلفع به المرأة.
(٣) مرجل: فيه خطوط وأرقام.
(٤) كأنما أمشي في حمام: أي أنه لم يجد من البرد ما يجد الناس.
(٥) كبد القوس: مقبضه.
[ ٢٧٨ ]
فرجعت كأنما أمشي في مثل الحمام، فأتيت رسول الله - ﷺ - ثم أصابني البرد حين فرغت وقررت (١). فأخبرت رسول الله - ﷺ - فألبسني رسول الله - ﷺ - من فضل عباءة كانت عليه يصلي فيها، فلم أزل نائمًا حتى الصبح، فلما أن أصبحت، قال رسول الله - ﷺ -: قم يا نومان) " (٢).
١٠ - نصر الله رسوله بريح الصبا:
٤٤٥ - من حديث ابن عباس ﵄ قال: "أتت الصبا الشمال ليلة الأحزاب، فقالت: مري حتى ننصر رسول الله - ﷺ -، فقالت الشمال: إن الحرة لا تسري بالليل، فكانت الريح التي نصر بها رسول الله - ﷺ - الصبا" (٣).
٤٤٦ - من حديث ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله - ﷺ - (نصرت بالصبا، وأهلكت عاد بالدبور) (٤).
١١ - تحول ميزان القوة بعد معركة الأحزاب:
٤٤٧ - من حديث سليمان بن صرد ﵁ قال: سمعت النبي - ﷺ - يقول حين جلى الأحزاب عنه: (الآن نغزوهم ولا يغزوننا، نحن نسير إليهم) (٥).
٤٤٨ - من حديث جابر بن عبد الله ﵄ قال: إن رسول الله - ﷺ - قال يوم الأحزاب وقد جمعوا له جموعًا كثيرة فقال: رسول الله - ﷺ -: (لا
_________________
(١) قررت: بردت.
(٢) أخرجه أحمد في المسند: ٥/ ٣٩٢ - ٣٩٣، مسلم في كتاب الجهاد والسير باب غزوة الأحزاب رقم: ١٧٨٨، الحاكم في المستدرك: ٣/ ٣١، وقال صحيح الإسناد ووافقه الذهبي، والبيهقي في السنن: ٩/ ١٥٩ والدلائل: ٣/ ٤٤٩ - ٤٥٤، وأبو نعيم في الدلائل: ٢/ ٥٠٠ - ٥٠١، وقد جاء في المطالب العالية برقم: ٤٣٢٩، ونسبه إلى أبي بكر بن أبي شيية وحسن إسناده، وقال الهيثمي: ٦/ ١٣٦ ورواه البزار ورجاله ثقات، وقال البوصيري: رواه ابن أبي شيبة والبزار وأصله في الصحيح وفي هذا زيادة ظاهرة، قلت: وفي لفظه اختلاف عما في الصحيح فالمقدم ما في الصحيح والله أعلم.
(٣) قال الهيثمي في المجمع: ٦/ ١٣٤٩ - ١٤٠: رواه البزار ورجاله رجال الصحيح، كشف الأستار: ١٨١١ وقال البزار: رواه جماعة عن داود عن عكرمة مرسلًا، ولا نعلم أحدًا وصله إلا حفص ورجل من أهل البصرة وكان ثقة يقال له: خلف بن عمرو.
(٤) أخرجه البخاري في كتاب الاستسقاء باب قول النبي - ﷺ - نصرت بالصبا حديث رقم: ١٠٣٥، مسلم في كتاب صلاة الاستسقاء باب في ريح الصبا والدبور حديث رقم: ٩٠٠، وقد جاء من حديث أنس عند الطبراني في الصغير والأوسط ورجاله ثقات كما قال الهيثمي: ٦/ ٦٥.
(٥) أخرجه البخاري في المغازي باب غزوة الخندق رقم: ٤١٠٩، ٤١١٠، وأحمد: ٤/ ٢٦٢.
[ ٢٧٩ ]
يغزوكم بعدها أبدًا ولكن نغزوهم) (١).
١٢ - وضع النبي ﷺ السلاح بعد رحيل المشركين:
٤٤٩ - من حديث كعب بن مالك ﵁ قال: "لما رجع النبي - ﷺ - من طلب الأحزاب، فنزل المدينة وضع لامته، واغتسل، واستجمر (٢) ".
١٣ - من استشهد من المسلمين يوم الخندق:
٤٥٠ - من حديث ابن شهاب الزهريّ قال: "استشهد يوم الخندق من الأنصار أنس بن معاذ بن أوس بن عبد عمرو، ومن الأنصار ثم من بني سلمة: ثعلبة بن عثمة" (٣).
_________________
(١) كشف الأستار: ١٨١٠، وقال الهيثمي: ٦/ ١٣٩: رواه البزار ورجاله ثقات، وقال الحافظ ابن حجر في الفتح: ٧/ ٤٠٥ إسناده حسن.
(٢) المطالب العالية رقم: ٤٣٢٨، ونسبه لإسحاق بن راهويه، وقال ابن حجر: هذا إسناد حسن، وقال الهيثمي في المجمع: ٦/ ١٤٠: رواه الطبراني في الأوسط ورجاله ثقات".
(٣) قال الهيثمي في المجمع: ٦/ ١٤٢، رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح قلت: وهو من مرسلات ابن شهاب الزهريّ رحمه الله تعالى.
[ ٢٨٠ ]
الفصل السابع غزوة بني قريظة وما بعدها من أحداث حتى الحديبية
المبحث الأول: غزوة بني قريظة
١ - أمر جبريل النبي ﵉ بالخروج إلى بني قريظة:
٤٥١ - من حديث عائشة ﵂ قالت: "لما رجع النبي - ﷺ - من الخندق، ووضع السلاح، واغتسل أتاه جبريل - ﵇ -، فقال: قد وضعت السلاح، والله ما وضعناه، فاخرج إليهم، قال: (فإلي أين؟) قال: ها هنا، وأشار إلى قريظة، فخرج النبي - ﷺ - إليهم" (١).
٤٥٢ - من حديث كعب بن مالك ﵁ قال: (إن رسول الله - ﷺ - لما رجع من طلب الأحزاب رجع، فوضع لامته، واستجمر "زاد دحيم في حديثه" قال رسول الله - ﷺ -: (فنزل جبريل - ﵇ - فقال: عذيرك من محارب، ألا أراك قد وضعت اللأمة، وما وضعناها بعد)، فوثب رسول الله - ﷺ - فزعًا، فعزم على الناس ألا يصلوا العصر إلا في بني قريظة، فلبسوا السلاح، وخرجوا فلم يأتوا بني قريظة حتى غربت الشمس، واختصم الناس في صلاة العصر فقال بعضهم: صلوا، فإن رسول الله - ﷺ - لم يرد أن تتركوا الصلاة، وقال بعضهم: عزم علينا أن لا نصلي حتى نأتي بني قريظة، وإنما نحن في عزيمة رسول الله - ﷺ -، فليس علينا إثم، فصلت طائفة العصر إيمانًا واحنسابًا، وطائفة لم يصلوا حتى نزلوا بني قريظة بعد ما غربت الشمس فصلوها إيمانًا واحتسابًا، فلم يعنف رسول الله - ﷺ - واحدة من الطائفتين" (٢).
_________________
(١) أخرجه البخاري في المغازي، باب مرجع النبي من الأحزاب، ومخرجه إلى بني قريظة رقم: ٤١١٧، مسلم في الجهاد والسير باب جواز قتال من نقض العهد حديث رقم: ١٧٦٩، أحمد في المسند: ٦/ ٥٦، ١٣١، ١٤١، ٢٨٠ البيهقي في الدلائل: ٤/ ٥ وابن سعد في الطبقات: ٢/ ٧٦.
(٢) قال الهيثمي في المجمع: ٦/ ١٤٠: رواه الطبراني: ١٩/ ٧٩ - ٨٠ رقم: ١٦٠، ورجاله رجال الصحيح غير ابن أبي الهذيل، وهو ثقة.
[ ٢٨١ ]
٢ - مشاركة جبريل - ﵇ - في محاربة بني قريظة:
٤٥٣ - من حديث أنس بن مالك ﵁ قال: "كأني أنظر إلى الغبار ساطعًا في زقاق بني غنم، موكب جبريل حين سار رسول الله - ﷺ - إلى بني قريظة" (١).
٣ - حث النبي الصحابة على المسير إلى بني قريظة:
٤٥٤ - من حديث ابن عمر ﵄ قال: (قال النبي - ﷺ - يوم الأحزاب (لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة)، فأدرك بعضهم العصر في الطريق، فقال بعضهم: لا نصلي حتى نأتينهم، وقال بعضهم: بل نصلي، فلم يرد منا ذلك، فذكر ذلك للنبي - ﷺ -، فلم يعنف أحدًا منهم" (٢).
٤ - سبب الغزوة:
٤٥٥ - من حديث سعيد بن المسيب ﵁ "في سياق قصة الأحزاب": فبينما هم كذلك إذ جاءهم نعيم بن مسعود الأشجعي، وكان يأمنه الفريقان، كان موادعًا لهما، فقال: إني كنت عند عيينة (بن حصن) وأبي سفيان إذ جاءهم رسول بني قريظة: أن اثبتوا فإنا سنخالف المسلمين إلى بيضتهم ، إلى أن قال: فناداهم: (يا إخوة القردة والخنازير!) فقالوا: يا أبا القاسم! ما كنت فاحشًا " وذكر الحديث (٣).
_________________
(١) أخرجه البخارى في المغازي باب مرجع النبي - ﷺ - من الأحزاب حديث رقم: ٤١١٨.
(٢) أخرجه البخاري في المغازي باب مرجع النبي - ﷺ - من الأحزاب حديث رقم: ٤١١٩، مسلم في الجهاد والسير باب المبادرة بالغزو حديث رقم: ١٧٧٠، وعبد الرزاق في المصنف: ٥/ ٣٦٩ - ٣٧٠، وابن سعد في الطبقات: ٢/ ٧٤، والبيهقي في الدلائل: ٤/ ٦ - ٧. وقد جاء من حديث عائشة ﵂ عند الحاكم في المستدرك: ٣/ ٣٤ - ٣٥، وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، فإنهما قد احتجا بعبد الله بن عمر العمري في الشواهد، ولم يخرجاه، وأقره الذهبي.
(٣) انظر مصنف عبد الرزاق رقم: ٩٧٣٧، ٥/ ٣٦٨، من مرسل سعيد بن المسيب، مراسيله أصح المراسيل، والرواية صالحة للاحتجاج بها مع المتابعة، وأبو نعيم من مراسيل سعيد دلائل النبوة: ٢/ ٥٠٤ - ٥٠٥، وقد ذكر ابن إسحاق وموسى بن عقبة سبب نقضهم بدون إسناد فانظره في سيرة ابن هشام: ٣/ ٣٢٥، وقد جاء من حديث عائشة، وأخرجه البيهقي في الدلائل: ٤/ ١٠٠٨، والحاكم في المستدرك: ٣/ ٣٤ - ٣٥، وقال صحيح على شرط الشيخين فإنهما قد احتجا بعبد الله بن عمر العمرى في الشواهد ولم يخرجاه، وأقره الذهبي وقال ابن كثير في البداية: ٤/ ٨ - ١٠، ولهذا الحديث طرق جيدة عن عائشة وغيرها، وبهذا يكون الحديث حسنًا.
[ ٢٨٢ ]
فسبب غزوهم إذن هو نقضهم للعهد الذي كان بينهم وبين النبي - ﷺ -، في أحلك الظروف وأصعبها على المسلمين، في أثناء حصار الأحزاب للمدينة، وهذا السبب قد ثبت بطرق قابلة بمجموعها للاحتجاج بها، وقد ثبت أن الرسول - ﷺ - قد أرسل الزبير بن العوام لاستطلاع خبرهم كما جاء ذلك في الصحيح (١).
٥ - حامل راية المسلمين يوم بني قريظة:
٤٥٦ - من حديث عروة قال: "وبعث عليًّا على المقدمة، ودفع إليه اللواء، وخرج رسول الله - ﷺ - على إثره" (٢).
٦ - مدة الحصار وكم استمرت:
٤٥٧ - من حديث عائشة ﵂ قالت: في حديث طويل سبق ذكر جزء منه في إصابة سعد بن معاذ " قالت: فلبس رسول الله - ﷺ - لأمته (٣)، وأذن في الناس بالرحيل أي يخرجوا، فخرج رسول الله - ﷺ -، فمر على بني غنم، وهي جيران المسجد حوله فقال: من مر بكم؟ فقالوا: مر بنا دحية الكلبي، وكان دحية الكلبي تشبه لحيته وسنه ووجهه جبريل - ﵇ -، فقالت: فأتاهم رسول الله - ﷺ - فحاصرهم خمسًا وعشرين ليلة " (٤).
٧ - قصة أبي لبابة:
٤٥٨ - من حديث عائشة السابق قولها: " فحاصرهم خمسًا وعشرين ليلة، فلما اشتد حصرهم، واشتد البلاء، قيل لهم: انزلوا على حكم رسول الله - ﷺ -، فاستشاروا أبا لبابة بن عبد المنذر، فأشار إليهم أنه الذبح" (٥).
_________________
(١) انظر حديث رقم: ٤٣٤، وتخريجه هناك من حديث عبد الله بن الزبير.
(٢) البيهقي في الدلائل: ٣/ ١٤ ونسبه الحافظ في الفتح: ٧/ ٤١٣ إلى الحاكم والبيهقي، وقال الدكتور أكرم العمري في المجتمع المدني ص: ١٥٤: وقد وردت آثار مرسلة تتقوى ببعضها إلى رتبة الحسن لغيره تفيد أنه بعث علي على المقدمة برايته.
(٣) لامته: آلة الحرب من السلاح.
(٤) سبق تخريجه حديث رقم: ٤٤٠.
(٥) انظر تخريج الحديث السابق.
[ ٢٨٣ ]
٨ - حكم سعد بن معاذ في بني قريظة:
٤٥٩ - من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: "نزل أهل قريظة على حكم سعد بن معاذ، فأرسل النبي - ﷺ - إلى سعد، فأتى على حمار، فلما دنا من المسجد قال للأنصار: (قوموا إلى سيدكم -أو خيركم- فقال: هؤلاء نزلوا على حكمك)، فقال: تقتل مقاتلتهم، وتسبي ذراريهم قال: (قضيت بحكم الله، وربما قال: بحكم الملك" (١).
٤٦٠ - من حديث عائشة ﵂ قالت: "أصيب سعد يوم الخندق رماه رجل من قريش يقال له حبان بن العرقة، رماه في الأكحل، فضرب النبي - ﷺ - خيمة في المسجد ليعوده من قريب، فلما رجع رسول الله - ﷺ - من الخندق، وضع السلاح، واغتسل، فأتاه جبريل - ﵇ -، وهو ينفض رأسه من الغبار فقال: قد وضعت السلاح والله ما وضعته، اخرج إليهم، قال النبي: (فأين؟) فأشار إلى بني قريظة، فأتاهم رسول الله - ﷺ -، فنزلوا على حكمه، فرد الحكم إلى سعد.
قال: فإني أحكم فيهم أن تقتل المقاتلة وأن تسبى النساء والذرية، وأن تقسم أموالهم، قال هشام: فأخبرني أبي عن عائشة أن سعدًا قال: اللهم إنك تعلم أنه ليس أحد أحب إلي أن أجاهدهم فيك من قوم كذبوا رسولك وأخرجوه، اللهم فإني أظن أنك قد وضعت الحرب بيننا وبينهم، فإن كان بقي من حرب قريش شيء فأبقني له حتى أجاهدهم فيك، وإن كنت وضعت الحرب، فافجرها، واجعل موتتي فيها، فانفجرت من لبته، فلم يرعهم، وفي المسجد خيمة من بني غفار -إلا الدم يسيل إليهم، فقالوا: يا أهل الخيمة، ما هذا الذي يأتينا من قبلكم؟ فإذا سعد يغذو جرحه دمًا، فمات منها ﵁" (٢).
_________________
(١) أخرجه البخاري في المغازي باب مرجع النبي - ﷺ - من الأحزاب، ومخرجه إلى بني قريظة حديث رقم: ٤١٢١، وقد جاء بأرقام عدة عنده: ٣٠٤٣، ٣٨٠٤، ٦٢٦٢، ومسلم في الجهاد والسير باب الحكم فيمن حارب ونقض العهد رقم: ١٧٦٨، أبو داود في الأدب باب ما جاء في القيام: ٥٢١٥، ٥٢١٦، وأبو يعلى: ١١٨٨، أحمد في المسند: ٣/ ٢٢، ٧١ والبيهقي في الدلائل: ٤/ ١٨، وابن سعد في الطبقات: ٢/ ٧٥، وأبو نعيم في الحلية: ٣/ ١٧١، الطبراني في الكبير رقم: ٥٣٢٣.
(٢) أخرجه البخاري في المغازي باب مرجع النبي - ﷺ - من غزوة الأحزاب رقم: ٤١٢٢، وقد جاء بأرقام عدة: ٤٦٣، ٣٩٠١، ٤١١٧، مسلم في الجهاد باب جواز قتال من نقض العهد رقم: ١٧٦٩، الترمذي في السير باب ما جاء في النزول على الحكم رقم: ١٥٨٢ وجاء مختصرًا عند أحمد: ٦/ ٥٦، أبو داود في الجنائز باب في العياده مرارًا رقم: ٣١٠١، النسائي: ٢/ ٤٥، في المساجد، باب ضرب الخباء في المساجد.
[ ٢٨٤ ]
٤٦١ - من حديث عائشة قالت: في الحديث الطويل الذي اجتزأنا منه أجزاء سابقة " قالوا ننزل على حكم سعد بن معاذ فقال رسول الله - ﷺ -: (أنزلوا على حكم سعد بن معاذ)، فنزلوا، وبعث رسول الله - ﷺ - إلى سعد بن معاذ، فأتى به على حمار عليه إكاف من ليف قد حمل عليه وحف به قومه، فقالوا: يا أبا عمرو حلفاؤك ومواليك وأهل النكاية، ومن قد علمت قالت: وأني (١) لا يرجع إليهم شيئًا، ولا يلتفت إليهم حتى إذا دنا من دورهم التفت إلى قومه فقال: قد أنى (٢) لي أن لا أبالي في الله لومة لائم.
قال: قال أبو سعيد: فلما طلع على رسول الله - ﷺ - قال: (قوموا إلى سيدكم فأنزلوه) فقال عمر: سيدنا الله ﷿، قال: (أنزلوه)، فأنزلوه، قال رسول الله - ﷺ -: (احكم فيهم) فقال سعد: فإني أحكم فيهم أن تقتل مقاتلتهم، وتسبى ذراريهم، وتقسم أموالهم، فقال رسول الله - ﷺ -: (لقد حكمت فيهم بحكم الله ﷿ وحكم رسوله ) (٣).
وقد جاءت قصة نزول بني قريظة على حكم سعد بن معاذ ﵁ من حديث جابر بن عبد الله، وسيأتي بلفظه في بيان عدد المقتولين من بني قريظة فانظر تخريجه هناك.
٩ - كيف ميز النبي بين الصغار والبالغين من بني قريظة:
٤٦٢ - من حديث عطية القرظي، قال: (كنت من سبي بني قريظة، فكانوا ينظرون، فمن أنبت الشعر قتل، ومن لم ينبت لم يقتل، فكنت فيمن لم ينبت" وفي رواية أخرى زاد (فكشفوا عانتي، فوجدوها لم تنبت، فجعلوني في السبي" (٤).
_________________
(١) وأنى: أبطأ في الجواب وسكت عنهم، فلم يرد عليهم.
(٢) أنى: آن لي أن لا أبالي فيهم.
(٣) انظر تخريج الحديث رقم: ٤٤٠، فإن هذا الحديث جزء منه.
(٤) أخرجه أبو داود في الحدود باب في الغلام يصيب الحد رقم: ٤٤٠٤، ٤٤٠٥، الترمذي في الجهاد والسير باب ما جاء في النزول على الحكم رقم: ١٥٨٤ وقال: حسن صحيح، النسائي في الطلاق باب متى يقع الطلاق: ٦/ ١٥٥، وابن ماجه في الحدود باب من لا يجب عليه الحد رقم: ٢٥٤١، وأحمد في المسند: ٤/ ٣١٠، ٣٨٣، ٥/ ٣١١، ٣١٢ والحديث سنده حسن.
[ ٢٨٥ ]
١٠ - عدد بني قريظة الذين قتلهم رسول الله ﷺ:
٤٦٣ - من حديث جابر بن عبد الله ﵄ قال: "رمي يوم الأحزاب سعد بن معاذ، فقطعوا أكحله، فحسمه رسول الله - ﷺ - بالنار، فانتفخت يده، فحسمه أخرى، فانتفخت يده، فنزفه، فلما رأى ذلك، قال: اللهم لا تخرج نفسي حتى تقر عيني من بني قريظة، فاستمسك عرقه، فنما قطرة قطرة، حتى نزلوا على حكم سعد، فأرسل إليه، فحكم أن تقتل رجالهم، ويستحيى نساؤهم وذراريهم، يستعين بهم المسلمون، قال رسول الله - ﷺ -: (أصبت حكم الله فيهم)، وكانوا أربعمائة، فلما فرع من قتلهم، انفتق عرقه فمات" (١).
وقال الحافظ في الفتح " واختلف في عدتهم، فعند ابن إسحاق أنهم كانوا ستمائة، وبه جزم أبو عمرو في ترجمة سعد بن معاذ، وعند ابن عائذ من مرسل قتادة وكانوا سبعمائة، وقال السهيلي: المكثر يقول إنهم ما بين الثمانمائة إلى التسعمائة، وفي حديث جابر عند الترمذي والنسائي وابن حبان بإسناد صحيح أنهم كانوا أربعمائة مقاتل، فيحتمل في طريق الجمع أن يقال إن الباقين كانوا أتباعًا، وقد حكى ابن إسحاق أنه قيل: إنهم كانوا تسعمائة" (٢).
١١ - قصة المرأة التي قتلت من بني قريظة:
٤٦٤ - من حديث عائشة أم المؤمنين ﵂: قالت: "لم يقتل من نسائهم إلا امرأة واحدة قالت: والله إنها لعندي تتحدث معي تضحك ظهرًا وبطنًا (٣) ورسول الله - ﷺ - يقتل رجالهم بالسوق إذ هتف هاتف باسمها: أين فلانة؟ قالت: أنا والله، قالت: قلت: ويلك وما لك؟ قالت: أقتل، قالت: قلت: ولم؟ قالت: حدثًا أحدثته (٤)، قالت: فانطلق بها، فضربت عنقها، وكانت عائشة رضي الله ﵎ عنها تقول: والله ما أنسى عجبي من طيب نفسها، وكثرة ضحكها، وقد عرفت أنها تقتل" (٥).
_________________
(١) أخرجه أحمد في المسند: ٣/ ٣٥٠، الدارمي كتاب السير باب نزول أهل قريظة على حكم سعد بن معاذ: ٢/ ٢٣٨، الترمذي في السير باب ما جاء في النزول على الحكم رقم: ١٥٨٢، وقال: حديث حسن صحيح، وصحح إسناده الحافظ ابن حجر في الفتح: ٧/ ٤١٤.
(٢) فتح الباري: ٧/ ٤١٤.
(٣) ظهرًا وبطنًا: لا يبدو على ملامحها أثر الحزن.
(٤) الحدث الذي أحدثته، طرحت الرحا على خلاد بن سويد فقتلته، فقتلها رسول الله به.
(٥) أخرجه أحمد في المسند: ٦/ ٢٧٧، أبو داود في السنن رقم: ٢٦٧١، والبيهقي في السنن: ٩/ ٨٢، وابن هشام في السيرة: ٢/ ٢٤٢، والحاكم في المستدرك: ٣/ ٣٥ - ٣٦، وقال: صحيح على شرط مسلم: ولم يخرجاه، والطبري في التاريخ: ٢/ ٥٨٩، جميعًا من طريق ابن إسحاق، وقد صرح =
[ ٢٨٦ ]
١٢ - إسلام بعض يهود بني قريظة وتقسيم أموال بني قريظة بين المسلمين:
٤٦٥ - من حديث ابن عمر ﵄ قال: "حاربت قريظة والنضير، فأجلى بني النضير، وأقر قريظة، ومن عليهم حتى حاربت قريظة، فقتل رجالهم، وقسم نساءهم وأولادهم وأموالهم بين المسلمين، إلا بعضهم لحقوا بالنبي فأمنهم، وأسلموا، وأجلى يهود المدينة كلهم: بني قينقاع وهم رهط عبد الله بن سلام، ويهود بني حارثة، وكل يهود المدينة" (١).
١٣ - موت سعد بن معاذ ﵁:
٤٦٦ - من حديث عائشة الطويل الذي سبق ذكر أجزاء متفرقة منه قالت: " ثم دعا سعد قال: "اللهم إن كنت أبقيت على نبيك - ﷺ - من حرب قريش شيئًا فأبقني لها، وإن كنت قطعت الحرب بينه وبينهم فاقبضني إليك، قالت: فانفجر كلمه (٢) وكان قد برئ حتى ما يرى منه إلا مثل الخرص (٣) ورجع إلى قبتة التي ضرب عليه رسول الله - ﷺ -. قالت عائشة: فحضره رسول الله - ﷺ - وأبو بكر وعمر، قالت: فوالذي نفس محمَّد بيده إني لأعرف بكاء عمر من بكاء أبي بكر وأنا في حجرتي، وكانوا كما قال الله ﷿: ﴿رحماء بينهم﴾ قال علقمة: قلت: أي أمه، فكيف كان رسول الله - ﷺ - يصنع؟ قالت: كانت عينه لا تدمع على أحد، ولكنه كان إذا وجد (٤) فإنما هو آخذ بلحيته" (٥).
_________________
(١) = بالسماع فسنده صحيح، وقال الساعاتي في الفتح الرباني: ٢١/ ٨٥، سنده صحيح ورجاله ثقات.
(٢) أخرجه البخاري في المغازي باب حديث بني النضير رقم: ٤٠٢٨، مسلم في الجهاد باب إجلاء اليهود من الحجاز رقم: ١٧٦٦، أبو داود في سننه كتاب الخراج والإمارة .. باب في خبر النفير حديث رقم:٣٠٠٥.
(٣) كلمه: جرحه.
(٤) الخرص: الحلقة الصغيرة من الحلية، وهو حلي الأذن والمعنى أنه لم يبق من جرح سعد إلا مثل حلقة الخرص في قلة ما بقي منه.
(٥) وجد: حزن.
(٦) انظر تخريجه حديث: ٤٤٠.
[ ٢٨٧ ]
١٤ - مشاركة الملائكة في حمله:
٤٦٧ - من حديث محمود بن لبيد ﵁ قال: "لما أصيب أكحل سعد، فثقل، حولوه عند امرأة يقال لها رفيدة تداوي الجرحى، فكان النبي - ﷺ -، إذا مر به يقول: (كيف أمسيت، وكيف أصبحت؟) فيخبره حتى كانت الليلة التي نقله قومه فيها وثقل، فاحتملوه إلى بني عبد الأشهل إلى منازلهم، وجاء رسول الله فقيل: انطلقوا به، فخرج وخرجنا معه، وأسرع حتى تقطعت شسوع نعالنا، وسقطت أرديتنا، فشكا ذلك إليه أصحابه، فقال: (إني أخاف أن تسبقنا إليه الملائكة، فتغسله كما غسلت حنظلة) فانتهى إلى البيت وهو يغسل، وأمه تبكيه وتقول:
ويل أم سعد سعدًا حزامة وجدًا
فقال: (كل باكية تكذب إلا أم سعد) "ثم خرج به، قال: يقول له القوم: ما حملنا يا رسول الله ميتًا أخف علينا منه، قال: (ما يمنعه أن يخف، وقد هبط من الملائكة كذا وكذا لم يهبطوا قط قبل يومهم، قد حملوه معكم) (١).
١٥ - شهادة الرسول - ﵇ - لسعد بالخير:
٤٦٨ - من حديث عبد الله بن شداد ﵁ قال: "دخل رسول الله - ﷺ - على سعد وهو يكيد نفسه فقال: (جزاك الله خيرًا من سيد قوم، فقد أنجزت ما وعدته، ولينجزنك الله ما وعدك) (٢).
_________________
(١) أخرجه ابن سعد: ٣/ ٢ / ٧ - ٨ من طريق الفضل بن دكين قال: حدثنا عبد الرحمن بن سليمان الغسيل عن عاصم بن عمر بن قتادة عن محمود بن لبيد، وإسناده حسن، وقد جاء حمل الملائكة لجنازته من حديث أنس، وأخرجه عبد الرزاق في المصنف رقم: ٢٠٤١٤، والترمذي في المناقب باب مناقب سعد بن معاذ رقم: ٣٩٣٨، وقال صحيح غريب، والحاكم في المستدرك: ٧/ ٢٠٣، وقال صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه وسكت عنه الذهبي، والطبراني في الكبير: ٦/ ١٢ - ١٣، رقم: ٥٣٤٥، وهو صحيح.
(٢) أخرجه ابن سعد في الطبقات: ٣/ ٢ / ٩ ورجاله ثقات.
[ ٢٨٨ ]
١٦ - القبر ضم سعد بن معاذ:
٤٦٩ - من حديث عائشة ﵂ قالت: قال النبي - ﷺ -: (لو نجا أحد من ضمة القبر لنجا منها سعد) (١).
١٧ - اهتزاز العرش لموت سعد:
٤٧٠ - من حديث جابر ﵁ أن النبي - ﷺ - قال: (اهتز عرش الرحمن لموت سعد) (٢).
١٨ - مناديل سعد في الجنة:
٤٧١ - من حديث أنس بن مالك ﵁ قال: (أهدي للنبي - ﷺ - جبة سندس، وكان ينهى عن الحرير، فعجب الناس منها فقال: (والذي نفس محمَّد بيده، لمناديل سعد بن معاذ في الجنة أحسن من هذا) (٣).
_________________
(١) أخرجه أحمد في المسند: (٦/ ٥٥، ٩٨) والبيهقي في إثبات عذاب القبر: من ٨٢، والطحاوي في مشكل الآثار: ١/ ١٠٧. وللحديث شواهد من حديث ابن عمر عند ابن سعد في الطبقات: ٣/ ٤٣٠، والحاكم: ٣/ ٢٠٦، وصححه ووافقه الذهبي، والنسائي: ٤/ ١٠٠ - ١٠١، وسنده صحيح، ومن حديث ابن عباس؛ أخرجه الطبراني في الكبير رقم: ١٠٨٢٧، ١٢٩٧٥، وقال الهيثمي في المجمع: ٣/ ٤٦ - ٤٧، رواه الطبراني في الكبير والأوسط ورجاله موثقون". قلت: فيكون إسناده صحيح لغيره.
(٢) أخرجه البخاري في مناقب الأنصار باب مناقب سعد رقم: ٣٨٠٣، ومسلم في فضائل الصحابة باب فضائل سعد بن معاذ رقم: ٢٤٦٦، والترمذي في المناقب باب مناقب سعد رقم: ٣٧٤٨ وابن ماجه في المقدمة باب مناقب سعد رقم: ١٥٨، وأحمد: ٣/ ٣٢٧، وابن سعد في الطبقات: ٣/ ٤٣٠، والنسائي في فضائل الصحابة: ص: ٣٦، والبيهقي في الدلائل: ٤/ ٢٩. والحديث متواتر جاء عن عشرة من الصحابة. انظر نظم المتناثر في الحديث المتواتر ص: ١٢٦.
(٣) أخرجه البخاري في كتاب بدء الخلق باب ما جاء في صفة الجنة رقم: ٣٢٤٨، ومسلم في فضائل الصحابة باب فضائل سعد بن معاذ رقم: ٢٤٦٩، والترمذي رقم: ١٧٧٧، والنسائي: ٨/ ١٩٩، أحمد فى المسند: ٣/ ١١١، ١٢١، ٢٠٦، ٢٠٩، ٢٢٩، ٢٣٤، ٢٣٨، ٢٥١، ٢٧٧.
[ ٢٨٩ ]
المبحث الثاني: زواجه ﵊ بزينب بنت جحش
١ - إرسال زيد بن حارثة لخطبتها للرسول ﵊:
٤٧٢ - من حديث أنس ﵁ قال: "لما انقضت عدة زينب قال رسول الله - ﷺ - لزيد (فاذكرها علي) قال: فانطلق زيد حتى أتاها وهي تخمر عجينها (١) قال: فلما رأيتها عظمت في صدري (٢) حتى ما أستطيع أن أنظر إليها أن رسول اللهﷺ - ذكرها، فوليتها ظهري ونكصت على عقبي، فقلت: يا زينب! أرسل رسول الله - ﷺ - يذكرك، قالت: ما أنا بصانعة شيئًا حتى أؤامر ربي، فقامت إلى مسجدها، ونزل القرآن، وجاء رسول الله - ﷺ -، فدخل عليها بغير إذن.
قال: فقال: ولقد رأيتنا أن رسول الله - ﷺ - أطعمنا الخبز واللحم حين امتد النهار، فخرج الناس، وبقي رجال يتحدثون في البيت بعد الطعام، فخرج رسول الله - ﷺ - واتبعته، فجعل يتتبع حجر نسائه يسلم عليهن، ويقلن: يا رسول الله! كيف وجدت أهلك، قال: فما أدري أنا أخبرته أن القوم قد خرجوا أو أخبرني. قال: فانطلق حتى دخل البيت فذهبت أدخل معه، فألقي الستر بيني وبينه، ونزل الحجاب. قال: ووعظ القوم بما وعظوا به" لفظ مسلم (٣).
وفي لفظ آخر عند مسلم من حديث أنس ﵁: "أن أم سليم أهدت إلى رسول الله طعامًا يوم زواج زينب فيقول: تزوج رسول الله - ﷺ - فدخل بأهله، قال: فصنعت أمي أم سليم حيسًا، فجعلته في تور (٤) فقالت: يا أنس، اذهب بهذا إلى رسول الله - ﷺ -، فقل: بعثت بهذا إليك أمي، وهي تقرئك السلام. وتقول: إن هذا لك منا قليل، يا رسول الله! قال؛ فذهبت بها إلى رسول الله - ﷺ -. فقلت: إن أمي تقرئك السلام وتقول: إن هذا لك منا قليل يا رسول الله!
_________________
(١) تخمر عجينها: تجعل منها الخمر.
(٢) عظمت في صدري: هبتها من أجل إرادة رسول الله الزواج منها.
(٣) أخرجه مسلم في النكاح باب زوج زينب بنت جحش رقم: ١٤٢٨ - ٨٩ والنسائي في النكاح باب صلاة المرأة إذا خطبت واستخارتها ربها: ٦/ ٧٩ - ٨٠، الفتح الرباني للساعاتي: ٢١/ ٨٧ - ٨٨. وأما اللفظ الثاني فقد أخرجه البخاري في النكاح باب الهدية للعروس رقم: ٥١٦٣، ومسلم في النكاح باب زواج زينب بنت جحش رقم: ١٤٢٨/ ٩٤.
(٤) التور: الإناء.
[ ٢٩٠ ]
فقال: (ضعه)، ثم قال: (اذهب، فادع لي فلانًا وفلانًا وفلانًا، ومن لقيت) وسمى رجالًا قال: فدعوت من سمى، ومن لقيت".
قال: قلت لأنس: عدد كم كانوا؟ قال: زهاء ثلاثمائة.
وقال لي رسول الله - ﷺ -: (يا أنس! هات التور) قال: فدخلوا حتى امتلأت الصفة والحجرة. فقال رسول الله - ﷺ -: (ليتحلق عشرة عشرة وليأكل كل إنسان مما يليه) قال: فأكلوا حتى شبعوا. قال: فخرجت طائفة، ودخلت طائفة حتى أكلوا كلهم، فقال لي: (يا أنس! ارفع). قال: فرفعت، فما أدري حين وضعت كان أكثر أم حين رفعت.
قال: وجلس طوائف منهم يتحدثون في بيت رسول الله - ﷺ -، ورسول الله - ﷺ - جالس، وزوجته مولية وجهها إلى الحائط، فثقلوا على رسول الله ﷺ -، فخرج رسول الله - ﷺ -، فسلم على نسائه، ثم رجع، فلما رأوا رسول الله - ﷺ - قد رجع ظنوا أنهم قد ثقلوا عليه، قال: فابتدروا الباب، فخرجوا كلهم، وجاء رسول الله - ﷺ - حتى أرخى الستر، ودخل، وأنا جالس في الحجرة، فلم يلبث إلا يسيرًا حتى خرج عليَّ، وأنزلت هذه الآية.
فخرج رسول الله - ﷺ - وقرأهن على الناس: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إلا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ﴾ إلى آخر الآية.
قال الجعد: قال أنس بن مالك: أنا أحدث الناس عهدًا بهذه الآيات وحجبن نساء النبي - ﷺ -".
٢ - نزول الحجاب:
٤٧٣ - من حديث أنس ﵁ قال: "أنا أعلم الناس بالحجاب، لقد كان أبي بن كعب يسألني عنه قال أنس: أصبح رسول الله - ﷺ - عروسًا بزينب بنت جحش. قال: وكان تزوجها بالمدينة، فدعا الناس للطعام بعد ارتفاع النهار، فجلس رسول الله - ﷺ -، وجلس معه رجال بعد ما قام القوم، حتى قام رسول الله - ﷺ -، فمشى، فمشيت معه حتى بلغ باب حجرة عائشة ثم ظن أنهم قد خرجوا، فرجع ورجعت معه، فإذا هم جلوس مكانهم، فرجع فرجعت الثانية،
[ ٢٩١ ]
حتى بلغ حجرة عائشة، فرجع فرجعت، فإذا هم قد قاموا فضرب بيني وبينه بالستر، وأنزل الله آية الحجاب" (١).
٣ - مفاخرة السيدة زينب:
٤٧٤ - من حديث أنس ﵁ قال: "نزلت آية الحجاب في زينب بنت جحش، وأطعم عليها يومئذ خبزًا ولحمًا، وكانت تفخر على نساء النبي - ﷺ -، وكانت تقول: إن الله أنكحني في السماء" (٢).
٤ - شكوى زيد بن حارثة ومقالة رسول الله له قبل طلاقها منه:
٤٧٥ - من حديث أنس ﵁ قال: "جاء زيد بن حارثة يشكو، فجعل النبي - ﷺ - يقول: (اتق الله، وأمسك عليك زوجك) قال أنس: لو كان رسول الله - ﷺ - كاتمًا شيئًا لكتم هذه، قال: فكانت زينب تفخر على أزواج النبي - ﷺ - تقول: زوجكن أهاليكن، وزوجني الله تعالى من فوق سبع سموات" (٣).
_________________
(١) أخرجه البخاري في الأطعمة باب قوله تعالى ﴿فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا﴾ حديث رقم: ٥٤٦٦، مسلم في النكاح باب زواج زينب بنت جحش رقم: ١٤٢٨/ ٩٣.
(٢) أخرجه البخاري في التوحيد باب وكان عرشه على الماء رقم: ٧٤٢١، النسائي في النكاح باب صلاة المرأة واستخارتها ربها إذا خطبت: ٦/ ٧٩ - ٨٠.
(٣) أخرجه البخاري في التوحيد باب وكان عرشه على الماء رقم: ٧٤٢٠.
[ ٢٩٢ ]
المبحث الثالث: مقتل أبي رافع سلام بن أبي الحقيق
٤٧٦ - من حديث البراء بن عازب ﵄ قال: "بعث رسول الله - ﷺ - رهطًا إلى أبي رافع، فدخل عليه عبد الله بن عتيك بيته ليلًا، وهو نائم فقتله" (١).
٤٧٧ - من حديث البراء بن عازب ﵄ قال: "بعث رسول الله - ﷺ - إلى أبي رافع اليهودي رجالًا من الأنصار، فأمر عليهم عبد الله بن عتيك، وكان أبو رافع يؤذي رسول الله - ﷺ -، ويعين عليه، وكان في حصن له بأرض الحجاز، فلما دنوا منه، وقد غربت الشمس، وراح الناس بسرحهم، فقال عبد الله لأصحابه: اجلسوا مكانكم، فإني منطلق ومتلطف للبواب لعلي أن أدخل، فأقبل حتى دنا من البواب، ثم تقنع بثوبه كأنه يقضي حاجة، وقد دخل الناس، فهتف به البواب: يا عبد الله إن كنت تريد أن تدخل فادخل، فإني أريد أن أغلق الباب، فدخلت، فكمنت، فلما دخل الناس أغلق الباب ثم علق الأغاليق (٢) على عود.
قال: فقمت إلى الأقاليد (٣) فأخذتها، ففتحت الباب، وكان أبو رافع يُسْمَرُ عنده، وكان في علالي له، فلما ذهب عنه أهل سمره، صعدت إليه فجعلت كلما فتحت بابًا أغلقت علي من داخل، قلت: إن القوم نذروا لي لم يخلصوا إلى حتى أقتله، فانتهيت إليه، فهذا هو في بيت مظلم وسط عياله، لا أدري أين هو من البيت، فقلت: أبا رافع؟ قال: من هذا؟ فأهويت نحو الصوت، فأضربه ضربة بالسيف، وأنا دهش فما أغنيت شيئًا، وصاح، فخرجت من البيت، فأمكث غير بعيد، ثم دخلت إليه فقلت: ما هذا الصوت يا أبا رافع؟
فقال: لأمك الويل، إن رجلًا في البيت ضربني قبل بالسيف، قال: فأضربه ضربة أثخنته، ولم أقتله، ثم وضعت خبيب السيف في بطنه حتى أخذ في ظهره، فعرفت أني قتلته، فجعلت أفتح الأبواب بابًا بابًا حتى انتهيت إلى درجة له فوضعت رجلي، وأنا أرى أني قد انتهيت إلى الأرض فوقعت في ليلة مقمرة، فانكسرت ساقي فعصبتها بعمامة، ثم انطلقت حتى جلست على الباب فقلت: لا أخرج الليلة حتى أعلم أقتلته أم لا، فلما صاح الديك قام الناعي على السور،
_________________
(١) أخرجه البخاري في المغازي باب قتل أبي رافع عبد الله بن أبي الحقيق، ويقال سلام بن أبي الحقيق كان بخيبر ويقال في حصن له بأرض الحجاز حديث رقم: ٤٠٣٨.
(٢) الأغاليق: جمع غلق ما يغلق به الباب وهو المفتاح.
(٣) الأقاليد: جمع إقليد وهو المفتاح.
[ ٢٩٣ ]
فقال: أنعى أبا رافع تاجر أهل الحجاز، فانطلقت إلى أصحابي فقلت: النجاء، فقد قتل الله أبا رافع، فانتهيت إلى النبي - ﷺ - فحدثته، فقال لي: (ابسط رجلك)، فبسطت رجلي فمسحها، فكأنها لم أشتكها قط" (١).
الفوائد المأخوذة من هذا الحديث:
١ - جواز اغتيال المشرك الذي بلغته الدعوة وأصر على الكفر.
٢ - قتل من أعان على رسول الله - ﷺ - بيده أو ماله أو لسانه.
٣ - جواز التجسس على أهل الحرب وتطلب غرتهم.
٤ - الأخذ بالشدة في محاربة المشركين.
٥ - جواز إبهام القول للمصلحة.
٦ - جواز تعرض القليل من المسلمين للكثير من المشركين.
٧ - الحكم بالدليل والعلامة لاستدلال ابن أبي عتيك على أبي رافع بصوته، واعتماده على صوت الناس بموته (٢).
المبحث الرابع: قصة ثمامة بن أثال الحنفي
٤٧٨ - من حديث أبي هريرة ﵁ قال: "بعث رسول الله - ﷺ - خيلًا قبل نجد، فجاءت برجل من بني حنيفة يقال له ثمامة بن أثال سيد أهل اليمامة، فربطوه بسارية من سواري المسجد، فخرج إليه رسول الله - ﷺ - فقال: (ماذا عندك يا ثمامة؟) فقال: عندي يا محمَّد خير، إن تقتل تقتل ذا دم، وإن تنعم، تنعم على شاكر، وإن كنت تريد المال فسل تعط منه ما شئت.
فتركه رسول الله - ﷺ - حتى كان من الغد، فقال: (ما عندك يا ثمامة؟) قال: ما قلت لك. إن تنعم تنعم على شاكر، وإن تقتل تقتل ذا دم، وإن كنت تريد المال فسل تعط منه ما شئت".
فتركه رسول الله - ﷺ - حتى كان بعد الغد فقال: (ماذا عندك! يا ثمامة؟) فقال: عندي ما قلت لك، إن تنعم، تنعم على شاكر، وإن تقتل تقتل ذا دم وإن كنت تريد المال، فسل تعط منه ما شئت.
_________________
(١) أخرجه البخاري في المغازي باب قتل أبي رافع عبد الله بن أبي الحقيق حديث رقم: ٤٠٣٩.
(٢) فتح الباري: ٧/ ٣٤٥.
[ ٢٩٤ ]
فقال: رسول الله - ﷺ -: (أطلقوا ثمامة) فانطلق إلى نخيل قريب من المسجد، فاغتسل، ثم دخل المسجد فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، يا محمَّد! والله! ما كان على الأرض وجه أبغض إلي من وجهك، فقد أصبح وجهك أحب الوجوه كلها إلي، والله! ما كان من بلد أبغض إلي من بلدك، فأصبح بلدك أحب البلاد كلها إلي، وإن خيلك أخذتني وأنا أريد العمرة، فماذا ترى؟ فبشره رسول الله - ﷺ - وأمره أن يعتمر، فلما قدم مكة قال له قائل: أصبوت؟ فقال: لا ولكني أسلمت مع رسول الله - ﷺ - ولا، والله! لا يأتيكم من اليمامة حبَّة حنطة حتى يأذن فيها رسول الله - ﷺ -" (١). واللفظ لمسلم.
فوائد من قصة ثمامة:
١ - جواز ربط الكافر في المسجد.
٢ - جواز المن على الأسير الكافر، وتعظيم أمر العفو عن المسيء، لأن ثمامة أقسم أن بغضه انقلب حبًّا في ساعة واحدة لما أسداه النبي - ﷺ - إليه من العفو والمن بغير مقابل.
٣ - الاغتسال عند الإِسلام كما فعل ثمامة حين أسلم.
٤ - الإحسان يزيل البغض وينبت الحب.
٥ - يشرع للكافر إذا أراد عمل خير ثم أسلم أن يستمر في عمل ذلك الخير.
٦ - الملاطفة لمن يرجى إسلامه من الأسارى إذا كان في ذلك مصلحة للإسلام، ولا سيما من يتبعه على إسلامه العدد الكثير من قومه" (٢).
٧ - الإِسلام يغير سلوك المؤمن حي يضع المسلم قدراته تحت تصرف الإِسلام والمسلمين كما فعل ثمامة بعدم إرساله القمح لأهل مكة إلا بإذن من الرسول - ﵇ -.
٨ - ينبغي أن يخلع المؤمن على عتبة الإيمان وعند تركه للكفر كل علاقاته السابقة، والتزامه بأوامر رب العالمين بعد إيمانه.
_________________
(١) أخرجه البخاري في المغازي باب وفد بني حنيفة، حديث ثمامة بن أثال: رقم: ٤٣٧٢، مسلم في الجهاد والسير باب ربط الأسير وحبسه، وجواز المن عليه رقم: ١٧٦٤، أبو داود في السنن الجهاد باب في الأسير يوثقه رقم: ٢٦٧٩، النسائي في الطهارة باب تقديم غسل الكافر إذا أراد أن يسلم: ١/ ١٠٩ - ١١٠ باختصار، وأحمد في المسند كما في الفتح الرباني: ٢١/ ٨٨ - ٨٩.
(٢) فتح الباري: ٨/ ٨٨ - ٨٩.
[ ٢٩٥ ]
المبحث الخامس: غزوة بني لحيان
كانت في أوائل السنة السادسة للهجرة على الصحيح كما قاله ابن كثير (١).
وقد صلى النبي - ﷺ - بأصحابه صلاة الخوف لأول مرة بعسفان كما جاء في:
٤٧٩ - حديث أبي عياش الزرقي ﵁ قال: "كنا مع رسول الله - ﷺ - بعسفان، فاستقبلنا المشركون عليهم خالد بن الوليد، وهم بيننا وبين القبلة، فصلى رسول الله - ﷺ - الظهر فقالوا: قد كانوا على حال لو أصبنا غرتهم، ثم قالوا: تأتي عليهم الآن صلاة هي أحب إليهم من أبنائهم وأنفسهم.
قال: فنزل جبريل - ﵇ - بهذه الآيات بين الظهر والعصر ﴿وإذا كنت فيه فأقمت لهم الصلاة﴾ قال: فحضرت، فأمرهم رسول الله - ﷺ -، فأخذوا السلاح، قال: فصففنا صفين، قال: ثم ركع، فركعنا جميعًا، ثم رفع، فرفعنا جميعًا، ثم سجد النبي - ﷺ - بالصف الذي يليه، والآخرون قيام يحرسونهم فلما سجدوا وقاموا جلس الآخرون، فسجدوا في مكانهم، ثم تقدم هؤلاء إلى مصاف هؤلاء، وجاء هؤلاء إلى مصاف هؤلاء قال: ثم ركع فركعوا جميعًا، ثم رفع فرفعوا جميعًا، ثم سجد النبي - ﷺ - والصف الذي يليه، والآخرون قيام يحرسونهم، فلما جلس، جلس الآخرون فسجدوا فسلم عليهم ثم انصرف، قال: فصلاها رسول الله - ﷺ - مرتين، مرة بعسفان ومرة بأرض بني سليم" (٢).
٤٨٠ - من حديث أبي هريرة ﵁ قال: (إن رسول الله - ﷺ - نزل بين ضجنان وعسفان، فقال المشركون: إن لهم صلاة هي أحب إليهم من آبائهم وأبنائهم، وهي العصر، فأجمعوا أمركم، فميلوا عليهم ميلة واحدة، وإن جبريل - ﵇ - أتى النبي - ﷺ - فأمره أن يقسم أصحابه شطرين، فيصلي ببعضهم، وتقوم الطائفة الأخرى وراءهم ليأخذوا حذرهم وأسلحتهم، ثم تأتي الأخرى فيصلون معه، ويأخذ هؤلاء حذرههم وأسلحتهم، لتكون لهم ركعة ركعة مع رسول الله - ﷺ -، ولرسول الله - ﷺ - ركعتان) (٣).
_________________
(١) السيرة النبوية ابن كثير: ٣/ ٢٨٥.
(٢) أخرجه أحمد في المسند: ٤/ ٥٩ - ٦٠، أبو داود في الصلاة باب صلاة الخوف رقم: ١٢٣٦، النسائي في الصلاة صلاة الخوف: ٣/ ١٧٦ - ١٧٨، والحاكم في المستدرك: ١/ ٣٣٧ - ٣٣٨ وقال: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وهو كما قالا.
(٣) أخرجه أحمد في المسند: ٢/ ٥٢٢، الترمذي في التفسير سورة النساء حديث رقم: ٣٠٣٨، وقال الترمذي حسن صحيح، النسائي: ٣/ ١٧٤ كتاب صلاة الخوف.
[ ٢٩٦ ]
المبحث السادس: قصة العرنيين
٤٨١ - من حديث أنس ﵁ قال: "إن ناسًا من عكل وعرينة قدموا المدينة على النبي - ﷺ -، وتكلموا بالإِسلام فقالوا: يا نبي الله إنا كنا أهل ضرع ولم نكن أهل ريف، واستوخموا المدينة، فأمر لهم رسول الله - ﷺ - بذود وراع، وأمرهم أن يخرجوا فيه، فيشربوا من ألبانها وأبوالها، فانطلقوا، حتى إذا كانوا ناحية الحرة كفروا بعد إسلامهم، وقتلوا راعي النبي - ﷺ -، واستاقوا الذود، فبلغ النبي - ﷺ -، فبعث الطلب في آثارهم، فأمر بهم، فسمروا أعينهم، وقطعوا أيديهم، وتركوا في ناحية الحرة حتى ماتوا على حالهم). واللفظ للبخاري.
وأما رواية مسلم "أن نفرًا من عكل، ثمانية، قدموا على رسول الله - ﷺ -، فبايعوه على الإِسلام، فاستوخموا الأرض، وسقمت أجسامهم، فشكوا ذلك إلى رسول الله - ﷺ -، فقال: ألا تخرجون مع راعينا في إبله، فتصيبون من أبوالها وألبانها؛ فقالوا: بلى، فخرجوا فشربوا من أبوالها وألبانها، فصحوا، فقتلوا الراعي وطردوا الإبل، فبلغ ذلك رسول الله - ﷺ -، فبعث في آثارهم، فأدركوا فجيء بهم، فأمر فقطعت أيديهم وأرجلهم، وسمر أعينهم، ثم نبذوا في الشمس حتى ماتوا) (١).
_________________
(١) أخرجه البخاري في المغازي باب قصة عكل وعرينة حديث رقم: ٤١٩٢، وقد أورده في مواطن أخرى كثيرة تبلغ أربعة عشر موضعًا، مسلم في صحيحه في القسامة باب حكم المحاربين والمرتدين حديث رقم: ١٦٧١، أبو داود في الحدود باب ما جاء في المحاربة حديث رقم: ٤٣٦٤، والترمذي في الطهارة باب ما جاء في بول ما يؤكل لحمه حديث رقم: ٧٢، والنسائي في كتاب التحريم: ٧/ ٩٤، ٩٥، ٩٧، ٩٨، وابن ماجه في الحدود حديث رقم: ٢٥٧٨، وأحمد في المسند: ٣/ ١٠٧، ١٦٣، ١٧٠، ١٧٧، ١٩٨، ٢٠٥، ٢٣٣.
[ ٢٩٧ ]
الفصل الثامن الأحداث من غزوة الحديبية إلى فتح مكة
المبحث الأول: غزوة الحديبية
١ - وقتها:
كانت غزوة الحديبية سنة ست للهجرة في ذي القعدة، وهذا هو الصحيح، وهو قول الزهريّ، ونافع مولى ابن عمر، وقتادة، وموسى بن عقبة، ومحمد ابن إسحاق وغيرهم وهذا هو رأي الجمهور في ذلك (١).
وقد جاء هذا التصريح من حديث أنس، وعائشة، والبراء بن عازب أن رسول الله - ﷺ - ما اعتمر إلا في ذي القعدة.
وأورد هنا حديث أنس ﵁ لأنه أكثرها وضوحًا وتصريحًا بذلك:
٤٨٣ - من حديث أنس بن مالك ﵁ قال: "اعتمر رسول الله - ﷺ - أربع عُمر كلهن في ذي القعدة إلا التي كانت مع حجته، عمرة من الحديبية في ذي القعدة، وعمرة من العام المقبل في ذي القعدة، وعمرة من الجعرانة حيث قسم غنائم حنين في ذي القعدة وعمرة مع حجته" (٢).
وقد شذ عن الجمهور في رواية عنه عروة بن الزبير فيما روى عنه ابنه هشام ابن عروة: "أن النبي - ﷺ - خرج إلى الحديبية في رمضان وكانت الحديبية في شوال".
وقد قال الحافظ ابن كثير فيما ذهب إليه عروة: وهذا غريب جدًّا عن عروة، وقال ابن القيم: هذا وهم، وقد جاء عن عروة من طريق أبي الأسود عنه: أنها كانت في ذي القعدة، وهذا هو الصواب. والله أعلم (٣).
_________________
(١) زاد المعاد: (٣/ ٢٨٦) دلائل النبوة للبيهقي: ٤/ ٩٠، السيرة النبوية ابن كثير: ٣/ ٣١٢.
(٢) أخرجه البخاري في الحج باب كم اعتمر النبي - ﷺ - رقم: ١٧٨٠، وفي المغازي باب غزوة الحديبية رقم: ٤١٤٨، ومسلم في الحج باب بيان عدد عُمر النبي - ﷺ - رقم: ١٢٥٣ وأبو داود في الحج باب العُمر: ١٩٩٤، والترمذي في الحج، باب ما جاء في كم حج النبي - ﷺ - رقم: ٨١٥ وأحمد في المسند: ٣/ ١٣٤، ٢٥٦.
(٣) السيرة النبوية ابن كثير: ٣/ ٣١٢ زاد المعاد: ٣/ ٢٨٧.
[ ٢٩٨ ]
٢ - عدد المسلمين مع النبي ﷺ:
جاءت الروايات في عددهم على ثلاثة أوجه:
فمن قائل إنهم كانوا ألفًا وثلاثمائة، ومن قائل أنهم كانوا ألفًا وأربعمائة، ومن قائل أنهم كانوا ألفًا وخمسمائة، وكلها في الصحيح نذكر بعض هذه الروايات، ثم نحرر الخلاف بينها ووجه الجمع بين هذه الأقوال:
أ - أنهم كانوا ألفًا وثلاثمائة:
٤٨٤ - من حديث عبد الله بن أبي أوفى ﵄ قال: كان أصحاب الشجرة ألفًا وثلاثمائة وكانت أسلم ثمن المهاجرين" (١).
ب - أنهم كانوا ألفًا وأربعمائة:
٤٨٥ - من حديث جابر بن عبد الله ﵄ قال: "قال لنا رسول الله - ﷺ - يوم الحديبية أنتم خير أهل الأرض وكنا ألفًا وأربعمائة، ولو كنت أبصر اليوم لأريتكم مكان الشجرة" (٢).
جـ - أنهم كانوا ألفًا وخمسمائة:
٤٨٦ - من حديث جابر ﵁ قال: "لو كنا مائة ألف لكفانا (٣): كنا خمس عشرة مائة" (٤).
قال الحافظ رحمه الله تعالى: "والجمع بين هذا الاختلاف أنهم كانوا أكثر من ألف وأربعمائة، فمن قال ألفًا وخمسمائة جبر الكسر، ومن قال ألفًا وأربعمائة
_________________
(١) أخرجه البخاري في المغازي باب غزوة الحديبية حديث رقم: ٤١٥٥، ومسلم في الإمارة باب استحباب مبايعة الإِمام رقم: ١٨٥٧.
(٢) أخرجه البخاري في المغازي باب غزوة الحديبية حديث رقم: ٤١٥٥، ومسلم في الإمارة باب استحباب مبايعة الإِمام رقم: ١٨٥٦، ٧١ وأحمد في المسند: ٣/ ٣٩٦.
(٣) معناه أن الصحابة لما وصلوا الحديبية وجدوا بئرًا تنز مثل الشراك فبصق - ﷺ - فيها ودعا بالبركة فجاشت بالماء، فقال جابر: لو كنا مائة ألف لكفانا.
(٤) أخرجه البخاري في المغازي باب غزوة الحديبية حديث رقم: ٤١٥٢، ومسلم في الإمارة باب استحباب بيعة الإِمام رقم: ١٨٥٦، ٧٣.
[ ٢٩٩ ]
ألغاه، ويؤيده قوله في الرواية الثالثة من حديث البراء وألفًا وأربعمائة أو أكثر" واعتمد هذا الجمع النووي.
وأما البيهقي فمال إلى الترجيح، وقال إن رواية من قال ألف وأربعمائة أصح، ثم ساقه من طريق أبي الزبير ومن طريق أبي سفيان كلاهما عن جابر كذلك، ومن رواية معقل بن يسار وسلمة بن الأكوع، والبراء بن عازب. ومن طريق قتادة عن سعيد بن المسيب عن أبيه.
قلت: ومعظم هذه الطرق عند مسلم، ووقع عند ابن سعد في حديث معقل ابن يسار زهاء ألف وأربعمائة وهو ظاهر في عدم التحديد، وأما قول عبد الله بن أبي أوفى ألفًا وثلاثمائة فيمكن حمله على ما اطلع هو عليه واطلع غيره على زيادة ناس لم يطلع هو عليهم، والزيادة من الثقة مقبولة، ويمكن أن يقال: العدد الذي ذكره جملة من ابتدأ الخروج من المدينة والزائد تلاحقوا بهم بعد ذلك، أو العدد الذي ذكره هو عدد المقاتلة والزيادة عليها من الأتباع من الخدم والنساء والصبيان الذين لم يبلغوا الحلم.
وأما قول ابن إسحاق أنهم كانوا سبعمائة فلم يوافق عليه، لأنه قاله استنباطًا من قول جابر "نحرنا البدنة عن عشرة" وكانوا نحروا سبعين بدنة، وهذا لا يدل على أنهم لم ينحروا غير البدن، مع أن بعضهم لم يكن أحرم أصلًا، وفي حديث المسور ومروان أنهم خرجوا مع النبي - ﷺ - بضع عشرة مائة، فيجمع أيضًا بأن الذين بايعوا كانوا كما تقدم، وما زاد على ذلك كانوا غائبين عنها كمن توجه مع عثمان إلى مكة، على أن لفظ البضع يصدق على الخمس والأربع فلا تخالف.
وجزم موسى بن عقبة بأنهم كانوا ألفًا وستمائة، وفي حديث سلمة بن الأكوع عند ابن أبي شيبة ألفًا وسبعمائة، وحكى ابن سعد أنهم كانوا ألفًا وخمسمائة وخمسة وعشرين، وهذا إن ثبت تحرير بالغ، ثم وجدته موصولًا عن ابن عباس عند ابن مردويه، وفيه رد على ابن دحية حيث زعم أن سبب الاختلاف في عددهم أن الذي ذكر عددهم لم يقصد التحرير وإنما ذكره بالحدس والتخمين" (١).
_________________
(١) فتح الباري: ٧/ ٤٤٠ - ٤٤١.
[ ٣٠٠ ]
٣ - إحرام الرسول - ﵇ - من ذي الحليفة:
٤٨٧ - من حديث المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم يصدق حديث كل منهما حديث صاحبه قالا: "خرج رسول الله - ﷺ - زمان الحديبية في بضع عشرة مائة من أصحابه، حتى إذا كانوا بذي الحليفة (١) قلد رسول الله - ﷺ - الهدي وأشعره (٢)، وأحرم بالعمرة، وبعث بين يديه عينًا (٣) له من خزاعة يخبره عن قريش" (٤).
٤ - استعداد قريش لمحاربته - ﵇ -:
" وسار النبي - ﷺ - حتى إذا كان بغدير الأشطاط قريب من عسفان أتاه عينه الخزاعي فقال: إني قد تركت كعبَ بن لؤي وعامر بن لؤي -لفظ البخاري (إن قريشًا جمعوا لك جموعًا) قد جمعوا لك الأحابيش (٥)، وجمعوا لك جموعًا وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت، فقال النبي - ﷺ -: (أشيروا علي، أترون أن نميل إلى ذراري هؤلاء الذين أعانوهم فنصيبهم، فإن قعدوا، قعدوا موتورين محروبين، وإن نجوا - (قال: قال يحيى بن سعيد عن ابن المبارك) نجوا محزونين، وإن يجيئوا تكن عنقًا قطعها الله، أوترون أن نؤم البيت فمن صدنا عنه قاتلناه؟) فقال أبو بكر: الله ورسوله أعلم يا نبي الله إنما جئنا معتمرين، ولم نجىء نقاتل أحدًا، ولكن من حال بيننا وبين البيت قاتلناه، فقال النبي - ﷺ -: (فروحوا إذًا) " واللفظ لأحمد.
_________________
(١) ذي الحليفة: ماء لبني جشم على سنة أميال عن المدينة وهو ميقات أهل المدينة للحج وهو ما يمسى آبار علي.
(٢) أشعار الهدي: شق أحد جنبي سنام البدنة حتى يسيل دفها ويجعل ذلك علامة لها لتعرف بأنها هدي.
(٣) العين: الجاسوس.
(٤) أخرجه البخاري في المغازي باب غزوة الحديبة حديث رقم: ٤١٧٨، ٤١٧٩، ٤١٨٠، ٤١٨١، وأبو داود في الجهاد باب صلح العدو: ٢٧٦٥، وفي السنة باب في الخلفاء: ٤٦٥٥، والنسائي في الكبرى كما في تحفة الأشراف: ٨/ ٣٧٢، والبيهقي في السنن: ٥/ ٢١٥، ٧/ ١٧٠، ٩/ ١٤٤ و٢١٨، ٢٢١، ١٠/ ١٠٩، والطبري: ٢٨/ ٧١، ٩٧، ١٠١، وعبد الرزاق في المصنف: ٩٧٢٠، والطبراني في الكبير: ٢٠/ ١٣، ١٤، ١٥، ٨٤٢، والبيهقي في الدلائل: ٤/ ٩٩، ١٠٨. وأحمد في المسند: ٤/ ٣٢٨ - ٣٣١، ٣٣١، ٣٣٤.
(٥) الأحابيش: جماعات من قبائل شتى حلفاء لقريش، تألفوا عند جبل يمسى حبيش فسموا بذلك.
[ ٣٠١ ]
٥ - اعتراض خالد بن الوليد المسلمين، وخروج النبي - ﷺ - عن طريقه:
٤٨٨ - من حديث مروان والمسور السابق: " فراحوا حتى إذا كانوا ببعض الطريق قال النبي - ﷺ -: (إن خالد بن الوليد بالغميم (١)، في خيل لقريش طليعة (٢)، فخذوا ذات اليمين)، فوالله ما شعر بهم خالد حتى إذا هم بقترة (٣) الجيش، فانطلق يركض نذيرًا لقريش، وسار النبي - ﷺ - حتى إذا كان بالثنية (٤) التي يهبط عليهم منها، بركت راحلته، فقال الناس: "حل حل (٥) " فألحت، فقالوا: خلأت القصواء، فقال - ﷺ -: (ما خلاف القصواء وما ذاك لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل) " (٦) (٧).
٤٨٩ - من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: "خرجنا مع رسول الله - ﷺ -، حتى إذا كنا بعسفان قال لنا رسول الله - ﷺ -: إن عيون المشركين الآن على ضجنان فأيكم يعرف طريق الحنظل؟ فقال رسول الله - ﷺ - حين أمسى: (هل من رجل فينزل فيسعى بين يدي الركاب؟) فقال رجل: أنا يا رسول الله فنزل: فجعلت الحجارة تنكبه (٨)، والشجر يتعلق بثيابه، فقال رسول الله - ﷺ -: (اركب)، ثم نزل آخر، فجعلت الحجارة تنكبه، والشجر يعلق بثيابه، فقال رسول الله - ﷺ -: (اركب)، ثم وقعنا على الطريق حتى سرنا في ثنية يقال لها الحنظل، فقال رسول الله - ﷺ -: (ما مثل هذا الثنية إلا كمثل الباب الذي دخل فيه بنو إسرائيل، قيل لهم: ادخلوا الباب سجدًا، وقولوا حطة نغفر لكم خطاياكم، لا يجوز أحد الليلة هذه الثنية إلا غفر له)، فجعل الناس يسرعون ويجوزون، وكان آخر من جاز قتادة بن النعمان في آخر القوم، قال: فجعل
_________________
(١) الغميم: موضع قريب من مكة بين رابغ والجحفة.
(٢) طليعة: مقدمة الجيش لاستكشاف العدو.
(٣) قترة الجيش: غبار الجيش.
(٤) الثنية: هي ثنية المرار موضع بين مكة والمدينة من طريق الحدبيبة.
(٥) حل حل: لفظ يزجر به الدابة إذا حملت على السير.
(٦) حبسها: حابس الفيل: حبسها الله عن دخول مكة كما حبس الفيل عن دخولها.
(٧) أخرجه البخاري في كتاب الشروط باب الشروط في الجهاد، والمصالحة مع أهل الحرب، وكتابة الشروط رقم: ٢٧٣١، ٢٧٣٢، بلفظ أطول من لفظه في المغازي، وأحمد في المسند: ٤/ ٣٢٨ - ٣٣١.
(٨) تنكبه: تناله وتصيبه.
[ ٣٠٢ ]
الناس يركب بعضهم بعضًا حتى تلاحقنا، قال: فنزل رسول الله - ﷺ - ونزلنا" (١).
٦ - استعداد النبي ﷺ للمفاوضة:
٤٩٠ - من حديث مروان والمسور السابق: " فقال النبي - ﷺ -: (ما خلأت القصواء، وما ذاك لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل)، ثم قال: (والذي نفسي بيده، لا يسألونني خطبة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها). ثم زجرها فوثبت. قال: فعدل عنهم حتى نزل بأقصى الحديبية على ثمد قليل الماء" (٢).
٧ - تفجير الماء من البئر الذي نضب في الحديبية ببركته ﷺ:
٤٩١ - من الحديث السابق قال: "فعدل عنهم حتى نزل بأقصى الحديبية على ثمد قليل الماء يتبرضه الناس تبرضًا، فلم يُلبثه الناس حتى نزحوه، وشكى إلى رسول الله - ﷺ - العطش، فانتزع سهمًا من كنانته، ثم أمرهم أن يجعلوه فيه، فوالله ما زال يجيش لهم بالري حتى صدروا عنه" (٣).
وقد جاء أيضًا تفجر الماء من البئر من حديث البراء بن عازب، ومن حديث سلمة بن الأكوع ﵄ نوردهما لزيادة الفائدة:
٤٩٢ - من حديث البراء بن عازب ﵄ قال: "تعدون أنتم الفتح فتح مكة، وقد كان فتح مكة فتحًا، ونحن نعد الفتح: بيعة الرضوان يوم الحديبية، كنا مع النبي - ﷺ - أربع عشرة مائة، والحديبية بشر فنزحناها، فلم نترك فيها قطرة، فبلغ ذلك النبي - ﷺ - فأتى فجلس على شفيرها، ثم دعا بإناء من ماء منها، فتوضأ، ثم مضمض، ودعا، ثم صبه فيها، فتركها غير بعيد، ثم إنها أصدرتنا نحن وركائبنا".
وفي رواية أخرى قال بدل (إناء من ماء منها)، (ائتوني بدلو من مائها)
_________________
(١) أخرجه البزار كما في كشف الأستار: ١٨١٢، ٢/ ٣٧٧ - ٣٣٨، وقال الهيمثي في المجمع: ٦/ ١٤٤، رواه البزار ورجاله ثقات.
(٢) سبق تخريجهما حديث رقم: ٤٨٧، ٤٨٨، فإنهما قطعتين منه.
(٣) سبق تخريجهما حديث رقم: ٤٨٧، ٤٨٨، فإنهما قطعتين منه.
[ ٣٠٣ ]
وقال بدل (فتركها غير بعيد) (دعوها ساعة) (١).
٤٩٣ - ومن حديث سلمة بن الأكوع ﵁ قال: "قدمنا مع رسول الله - ﷺ - الحديبية ونحن أربع عشرة مائة، وعليها خمسون شاة لا ترويها. قال: فقعد رسول الله - ﷺ - على جبا الركية (٢)، فإما دعا وإما بزق فيها، فجاشت (٣) فسقينا، واستقينا" (٤).
٨ - تكثيره ﷺ الطعام:
٤٩٤ - من حديث سلمة بن الأكوع ﵁ قال: "خرجنا مع رسول الله - ﷺ - في غزوة، فأصابنا جهد (٥) حتى هممنا أن ننحر بعض ظهرنا، فأمر نبي الله - ﷺ - فجمعنا مزاودنا (٦) فبسطنا له نطعًا (٧)، فاجتمع زاد القوم على النطع، قال: فتطاولت لأحزره (٨) كم هو؟ فحزرته كربضة العنز (٩) ونحن أربع عشرة مائة، قال: فأكلنا حتى شبعنا جميعًا، ثم حشونا جربنا (١٠) " (١١).
_________________
(١) أخرجه البخاري في المغازي باب غزوة الحديبية حديث: ٤١٥٠، ٤١٥١.
(٢) جبا الركية: ما حول البئر، والركي: البئر.
(٣) جاشت: ارتفعت وفاضت.
(٤) أخرجه مسلم في صحيحه الجهاد باب غزوة ذي قرد حديث رقم: ١٨٠٧ وأبو داود في الجهاد باب في السرية ترد على أهل العسكر: ٢٧٥٢، وابن سعد: ٢/ ٨١ - ٨٤، وأحمد في المسند: ٤/ ٥٢ - ٥٤، والطبري في التاريخ: ٢/ ٥٩٦ - ٦٠٠، والبيهقي في الدلائل: ٤/ ١٨٢، وابن أبي شيبة في المصنف: ١٤/ ٥٣٣ - ٥٣٨.
(٥) الجهد: المشقة.
(٦) مزاودنا: جمع مزود وهو الوعاء الذي يحمل في الزاد.
(٧) بسطنا له نطعًا: وضعنا له بساطًا أي لما معنا من الزاد.
(٨) تطاولت لأحزره: أي لأقدره وأخمته.
(٩) ربضة العنز: مبركها أو كقدرها وهي رابضة.
(١٠) جربنا: جمع جراب: الوعاء من الجلد يجعل في الزاد.
(١١) أخرجه البخاري في الشركة باب الشركة في الطعام والنهد والعروض رقم: ٢٤٨٤، ٢٤٨٢، مسلم في اللقطة باب استحباب خلط الأزواد إذا قلت والمؤاساة فيها حديث رقم: ١٧٢٩، ٣/ ١٣٥٤، والطبراني في الكبير رقم: ٦٢٤٤.
[ ٣٠٤ ]
٩ - نصيحة بديل بن ورقاء الخزاعي لرسول الله ﷺ:
٤٩٥ - من حديث مروان والمسور الذي سبق بعضه " فبينما هم كذلك، إذ جاء بديل بن ورقاء الخزاعي في نفر من قومه من خزاعة -وكانوا عيبة نصح (١) رسول الله - ﷺ - من أهل تهامة، فقال: إني تركت كعب بن لؤي وعامر بن لؤي نزلوا أعداد مياه الحديبية (٢)، ومعهم العوذ المطافيل (٣)، وهم مقاتلوك، وصادوك عن البيت، فقال رسول الله - ﷺ -: (إنا لم نجيء لقتال أحد، ولكنا جئنا معتمرين، وإن قريشًا قد نهكتهم الحرب، وأضرت بهم، فإن شاءوا ماددتهم مدة، ويخلوا بيني وبين الناس، فإن أظهر، فإن شاءوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا، وإلا فقد جموا (٤)، وإن هم أبوا فوالذي نفسي بيده لأقاتلنهم على أمري حتى تنفرد سالفتي. ولينفذن الله أمره)، فقال بديل: سأبلغهم ما تقول.
قال: فانطلق حتى أتى قريشًا قال: إنا جئناكم من هذا الرجل، وسمعناه يقول قولًا: فإن شئتم أن نعرضه عليكم فعلنا، فقال سفهاؤهم: لا حاجة لنا أن تخبرونا عنه بشيء، وقال ذوو الرأي منهم: هات ما سمعته يقول: قال: سمعته يقول: كذا وكذا، فحدثهم بما قال النبي - ﷺ - " (٥).
١٠ - وفود عروة بن مسعود الثقفي ومفاوضته لرسول الله ﷺ:
من حديث مروان والمسور السابق: " فحدثهم بما قال النبي - ﷺ -، فقام عروة بن مسعود فقال: أي قوم، ألستم بالوالد (٦)؟ قالوا: بلى، قال: أولست
_________________
(١) عيبة نصح: موضع الأمانة والسر والنصيحة.
(٢) نزلوا أعداد مياه الحديبية: الماء الذي لا انقطاع له، وهذا يدل على أنه كان بالحديبية ماء كثير، ولكن سبقت إليه قريش ولذلك عطش المسلمون حين نزلوا على الثمد.
(٣) العوذ المطافيل: العوذ جمع عائذ وهي الناقة ذات اللبن، والمطافيل: الأمهات اللائي معهن أولادها: كناية أنهم خرجوا معهم بذوات الألبان يتزودوا بألبانها ولا ويرجعوا حتى يمنعوه.
(٤) جموا: استراحوا من القتال.
(٥) انظر التعليق على الحديث رقم: ٤٨٧، ٤٨٨، فقد سبق تخريجه هناك.
(٦) ألستم بالوالد: مثل الأب في الشفقة لولده.
[ ٣٠٥ ]
بالولد؟ (١) قالوا: بلى، قال: فهل تتهموني، قالوا: لا، قال: ألستم تعلمون أني استنفرت أهل عكاظ، فلما بلحوا علي (٢) جئتكم بأهلي وولدي ومن أطاعني؟ قالوا: بلى قال: فإن هذا قد عرض عليكم خطة رشد اقبلوها، ودعوني آته، قالوا: ائته، فأتاه، فجعل يكلم النبي - ﷺ - فقال النبي - ﷺ - نحوا من قوله لبديل، فقال عروة عند ذلك: أي محمَّد، أرأيت إن استأصلت أمر قومك، هل سمعت بأحد من العرب اجتاح أهله قبلك؟ وإن تكن الأخرى، فإني والله لا أرى وجوهًا (٣) وإني لأرى أشوابًا (٤) من الناس خليقًا أن يفروا ويدعوك، فقال له أبو بكر ﵁: امصص بظر اللات (٥)، أنحن نفر عنه وندعه؟
فقال: من ذا؟ قالوا: أبو بكر، قال: أما والذي نفسي بيده، لولا يد (٦) كانت لك عندي لم أجزك بها لأجبتك، قال: وجعل يكلم النبي - ﷺ -، فكلما تكلم كلمة أخذ بلحيته، والمغيرة بن شعبة قائم على رأس النبي - ﷺ -، ومعه السيف، وعليه المغفر، فكلما أهوى عروة بيده إلى لحية النبي - ﷺ -، ضرب يده بنعل السيف، وقال له: أخر يدك عن لحية رسول الله - ﷺ -، فرفع عروة رأسه فقال: من هذا؟ قال: المغيرة بن شعبة، فقال: أي غدر (٧) ألست أسعى في غدرتك؟
وكان المغيرة صحب قومًا في الجاهلية فقتلهم، وأخذ أموالهم، ثم جاء فأسلم، فقال النبي - ﷺ -: (أما الإِسلام فأقبل، وأما المال فلست منه في شيء)، ثم إن عروة جعل يرمق أصحاب النبي - ﷺ - بعينه، قال: فوالله ما تنخم رسول الله - ﷺ - نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم، فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلموا خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدون إليه النظر تعظيمًا له.
_________________
(١) أولست بالولد: مثل الابن في النصح لأبيه.
(٢) بلحوا علي: امتنعوا وعجزوا.
(٣) وجوهًا: الوجوه: يعني الأعيان والأشراف.
(٤) الأشواب: الأخلاط.
(٥) امصص بظر اللات: البظر ما تقطعه الخافضة من بظر المرأة عند الختان وكان هذا يستعمل عند العرب للشتم، لكن بلفظ الأم فاستعار الصديق ذلك مبالغة في سب عروة وإهانة لمعبوده، الذي حمله على ذلك نسبة رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه إلى الفرار.
(٦) اليد: النعمة.
(٧) غدر: يا غادر.
[ ٣٠٦ ]
فرجع عروة إلى أصحابه، فقال: أي قوم، والله لقد وفدت على الملوك، ووفدت على قيصر وكسرى والنجاشي، والله إن رأيت مليكًا قط يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمَّد - ﷺ -، والله إن يتنخم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم، فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلموا أخفضوا أصواتهم عنده، وما يحدون إليه النظر تعظيمًا له؛ وإنه قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها" (١).
٤٩٦ - من حديث المغيرة بن شعبة ﵁: "إنه كان قائمًا على رأس رسول الله - ﷺ - وعروة بن مسعود يكلمه، فقال له المغيرة: لتكفن يدك أو لا ترجع إليك يدك، والمغيرة متقلد سيفًا، فقال عروة: من هذا؟ قال: ابن أخيك المغيرة، فقال: يا غدر ما غسلت رأسي من غدرتك" (٢).
١١ - إرسال عثمان بن عفان إلى قريش:
من حديث مروان بن الحكم والمسور بن مخرمة قالا: " وقد كان رسول الله - ﷺ - قبل ذلك بعث خراش بن أمية الخزاعي إلى مكة، وحمله على جمل له يقال له الثعلب، فلما دخل مكة عقرت به قريش، وأرادوا قتل خراش، فمنعهم الأحابيش حتى أتى رسول الله - ﷺ -، فدعا عمر ليبعثه إلى مكة، فقال: يا رسول الله إني أخاف قريشًا على نفسي، وليس بها من بني عدي أحد يمنعني، وقد عرفت قريش عداوتي إياها، وغلظتي عليها، ولكن أدلك على رجل هو أعز مني، عثمان بن عفان.
قال: فدعاه رسول الله - ﷺ -، فبعثه إلى قريش يخبرهم أنه لم يأت لحرب، وأنه جاء زائرًا لهذا البيت معظمًا لحرمته، فخرج عثمان حتى أتى مكة، ولقيه أبان ابن سعيد بن العاص فنزل عن دابته، وحمله بين يديه، وردف خلفه، وأجاره حتى بلغ رسالة رسول الله - ﷺ -. فانطلق عثمان حتى أتى أبا سفيان وعظماء قريش، فبلغهم عن رسول الله - ﷺ - ما أرسله به، فقالوا لعثمان: إن شئت أن تطوف بالبيت فطف به، فقال: ما كنت لأفعل حتى يطوف به رسول الله - ﷺ -،
_________________
(١) انظر التعليق على الحديث رقم: ٤٨٨.
(٢) المطالب العالية: ٢٠٦٤، ٤٣٤٧، ونسبه لأبي بكر بن أبي شيبة وقال: إسناده في نهاية الصحة، ورواه ابن حبان في صحيحه: ١٦٩٦.
[ ٣٠٧ ]
فاحتبسته قريش عندها، فبلغ رسول الله - ﷺ - والمسلمين أن عثمان قد قتل" (١).
وهذه رواية للحديث من طريق أخرى عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم من طريق محمَّد بن إسحاق قال حدثني الزهريّ محمَّد بن مسلم بن شهاب عن عروة بن الزبير عنهما.
١٢ - بيعة الرضوان:
لما بلغ النبي - ﷺ - أن عثمان ﵁ قتل، دعا رسول الله - ﷺ - أصحابه إلى مبايعته على قتال المشركين، ومناجزتهم، وها نحن نثبت هنا وصفًا لتلك البيعة وأحداثها كما يرويها من حضرها من أصحاب رسول الله - ﷺ -:
أ - قيام معقل بن يسار برفع أغصان الشجرة لئلا تصطدم بالرسول - ﵇ -:
٤٩٧ - من حديث معقل بن يسار ﵁ قال: "لقد رأيتني يوم الشجرة، والنبي - ﷺ - يبايع الناس، وأنا رافع غصنًا من أغصانها عن رأسه، ونحن أربع عشرة مائة، قال: لم نبايعه على الموت، ولكن بايعناه أن لا نفر" (٢).
ب - أول من بايع الرسول - ﵇ -:
٤٩٨ - قال الحافظ في الإصابة: أخرج الحاكم أبو أحمد من طريق عاصم الأحول عن الشعبي قال: "أتاني عامري وأسدي يعني كانا متفاخرين، فقلت: كان لبني أسد ست خصال ما كانت لحي من العرب أول من بايع بيعة الرضوان أبو سنان عبد الله بن وهب الأسدي قال: يا رسول الله ابسط يدك أبايعك قال: (على ماذا؟) قال: على ما في نفسي قال: (فتح وشهادة) قال: نعم، فبايعه قال: فخرج الناس يبايعون على بيعة أبي سنان" (٣).
_________________
(١) أخرجه أحمد في المسند: ٤/ ٣٢٣ - ٣٢٦، وابن هشام: ٣/ ٣٠٨ المجلد الثاني وابن سعد في الطبقات: ٢/ ٩٦ - ٩٧، والطبرى في تاريخه: ٢/ ٦٣١، جميعًا من طريق ابن إسحاق بسند صحيح قد صرح فيه ابن إسحاق بالتحديث، وهو قطعة من حديث طويل في صلح الحديبية؛ وهو جزء من حديث رقم: ٤٩٥.
(٢) أخرجه مسلم في الإمارة باب استحباب مبايعة الإِمام الجيش عند إرادة القتال رقم: ١٨٥٨/ ٧٦ - وأحمد في المسند انظر الفتح الرباني: ٢١/ ١٠٦.
(٣) الإصابة: ٤/ ٩٦ ترجمة رقم: ٥٧١، وقال أخرجه الحسن بن علي الحلواني، ومحمد بن إسحاق والسراج من طرفه عن إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي، وأخرجه ابن مندة من طرق عن عاصم عن زر بن حبش ممم حبيش ممم قال: أول من بايع تحت الشجرة أبو سنان بن وهب" انتهى. قلت: وقد جاء أيضًا في دلائل البيهقي: ٤/ ١٣٧، من طريق ابن أبي خالد عن الشعبي.
[ ٣٠٨ ]
جـ - من تخلف عن البيعة:
٤٩٩ - من حديث جابر بن عبد الله ﵁: "قال أبو الزبير أنه سمع جابرًا يسأل: كم كانوا يوم الحديبية قال: كنا أربع عشر مائة، فبايعناه، وعمر آخذ بيده تحت الشجرة، وهي سمرة (١)، فبايعناه غير جد بن قيس الأنصاري، اختبأ تحت بطن بعيره" (٢).
د - مبايعة سلمة بن الأكوع لرسول الله ﷺ ثلاث مرات:
٥٠٠ - من حديث سلمة بن الأكوع ﵁ " قال: ثم إن رسول الله - ﷺ - دعانا إلى البيعة في أصل الشجرة فبايعه أول الناس، ثم بايع وبايع، حتى إذا كان في وسط الناس قال: (بايعني يا سلمة) قال: قلت: يا رسول الله قد بايعتك أول الناس، قال: (وأيضًا)، قال: ورآني رسول الله - ﷺ - عزلًا (٣)، فأعطاني جحفة أو درقة (٤)، ثم بايع حتى إذا كان في آخر الناس قال: (ألا تبايع يا سلمة؟) قال: قلت: يا رسول الله قد بايعتك في أول الناس وأوسطهم، قال: (وأيضًا) فبايعته الثالثة فقال: (يا سلمة أين جحفتك أو درقتك التي أعطيتك؟) قال: قلت: يا رسول الله لقيني عامر عزلًا فأعطيتها إياه، فضحك رسول الله - ﷺ -، ثم قال: (إنك كالذي قال الأول (٥)، اللهم ابغني (٦) حبيبًا هو أحب إليَّ من نفسي) (٧).
هـ - مبايعة النبي - ﵇ - نفسه عن عثمان ﵁:
٥٠١ - من حديث ابن عمر ﵄ كما رواه عنه عثمان بن وهب قال: "جاء رجل حج للبيت، فرأى قومًا جلوسًا فقال: من هؤلاء القعود؟ قالوا: هؤلاء قريش. قال: من الشيخ؟ قالوا: ابن عمر. فأتاه فقال: إني
_________________
(١) سمرة: شجر الطلع.
(٢) أخرجه مسلم في الإمارة باب استحباب بابعة الإِمام الجيش عند إرادة القتال رقم: ١٨٥٦/ ٧٦.
(٣) عزلًا: الذي لا سلاح معه.
(٤) الحجفة أو الدرقة: الترس.
(٥) إنك كالذي قال الأول: إن شأنك مع عمك يشبه فحوى القول الذي قال الرجل المتقدم زمانه.
(٦) ابغني: أعطني.
(٧) قد تقدم جزء من هذا الحديث رقم: ٤٩٣، فانظر تخريجه هناك.
[ ٣٠٩ ]
سائلك عن شيء أتحدثني؟ قال: أنشدك بحرمة هذا البيت، أتعلم أن عثمان بن عفان فر يوم أحد؟ قال: نعم، قال: فتعلمه تغيب عن بدر فلم يشهدها؟ قال: نعم، قال: فتعلم أنه تخلف عن بيعة الرضوان فلم يشهدها؟ قال: نعم. قال: فكبر.
قال ابن عمر: تعال لأخبرك ولأبين لك عما سألتني عنه: أما فراره يوم أحد فأشهد أن الله عفا عنه، وأما تغيبه يوم بدر فإنه كان تحته بنت رسول الله - ﷺ -، وكانت مريضة، فقال له النبي - ﷺ -: (إن لك أجر رجل ممن شهد بدرًا وسهمه)، وأما تغيبه عن بيعة الرضوان، فإنه لو كان أحد أعز ببطن مكة من عثمان بن عفان لبعثه مكانه، فبعث عثمان، وكانت بيعة الرضوان بعدما ذهب عثمان إلى مكة، فقال النبي - ﷺ - بيده اليمن: (هذه يد عثمان) فضرب بها على يده فقال: (هذه لعثمان)، اذهب بها الآن معك) (١).
و- بيعة عمر بن الخطاب ﵁:
٥٠٢ - قال نافع: "إن الناس يتحدثون أن ابن عمر أسلم قبل عمر، وليس كذلك، ولكن عمر يوم الحديبية أرسل عبد الله إلى فرس له عند رجل من الأنصار يأتي به ليقاتل عليه، ورسول الله - ﷺ - يبايع عند الشجرة، وعمر لا يدري بذلك، فبايعه عبد الله، ثم ذهب إلى الفرس، فجاء به إلى عمر، وعمر يستلئم للقتال، فأخبره أن رسول الله - ﷺ - يبايع تحت الشجرة قال: فانطلق، فذهب معه".
وفي رواية أخرى من طريق نافع عن ابن عمر ﵄: "أن الناس كانوا مع النبي - ﷺ - يوم الحديبية تفرقوا في ظلال الشجر، فإذا الناس محدقون بالنبي - ﷺ -، فقال: يا عبد الله انظر ما شأن الناس قد أحدقوا برسول الله - ﷺ -، فوجدهم يبايعون، فبايع، ثم رجع إلى عمر، فخرج، فبايع" (٢).
قال الحافظ ابن حجر: "ويمكن الجمع بينهما بأنه بعثه يحضر له الفرس، ورأى
_________________
(١) أخرجه البخاري في المغازي باب قول الله: ﴿إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان ﴾ حديث رقم: ٤٠٦٦، الترمذي في المناقب باب مناقب عثمان بن عفان حديث رقم: ٣٧٠٦، وقال: حسن صحيح، وأحمد في المسند: ١/ ٥٩، والحاكم في المستدرك: ٣/ ٩٨، وقال صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي من طريق حبيب بن أبي مليكة" قلت: وقد أخرجه البخاري كما سبق من طريق عثمان بن موهب.
(٢) أخرجه البخاري في المغازي باب غزوة الحديبية رقم: ٤١٨٦، ومعلقا رقم: ٤١٨٧.
[ ٣١٠ ]
الناس مجتمعين فقال له: انظر ما شأنهم؟ فبدأ بكشف حالهم، فوجدهم يبايعون، فبايع، وتوجه إلى الفرس، فأحضرها، وأعاد حينئذ الجواب على أبيه" (١).
ز- علام بايع الصحابة رسول الله يوم الحديبية:
اخنلف الصحابة في ذلك على ثلاثة أقوال:
الأول: قالوا بايعنا على الموت، وهو قول سلمة بن الأ كوع، وعبد الله بن زيد بن عاصم.
٥٠٣ - حديث سلمة بن الأكوع ﵁ أن يزيد بن أبي عبيد -﵀- قال: "قلت لسلمة بن الأكوع: على أي شيء بايعتم رسول الله - ﷺ - يوم الحديبية؟ قال: على الموت" (٢).
٥٠٤ - وحديث عبد الله بن زيد ﵁ قال: "أتاه آت فقال: هذاك ابن حنظلة يبايع الناس، فقال: على ماذا؟ قال: على الموت. قال: لا أبايع على هذا أحدًا بعد رسول الله - ﷺ -، وكان شهد معه الحديبية" (٣).
الثاني: قالوا أنه بايعوه على عدم الفرار وهو قول جابر بن عبد الله ومعقل بن يسار.
٥٠٥ - من حديث جابر بن عبد الله ﵁ قال: "كنا يوم الحديبية الفًا وأربع مائة، فبايعناه، وعمر ﵁ آخذ بيده تحت الشجرة، وهي سمرة قال: بايعناه على أن لا نفر ولم نبايعه على الموت" (٤) وحديث معقل بن يسار تقدم رقم: ٤٩٧.
_________________
(١) فتح الباري: ٧/ ٤٥٦.
(٢) أخرجه البخاري في المغازي باب غزوة الحديبية رقم: ٤١٦٩، ومسلم في الإمارة باب استحباب مبايعة الإمام الجيش عند إرادة القتال رقم: ١٨٦٠.
(٣) أخرجه البخاري في المغازي باب غزوة الحديبية رقم: ٤١٦٧، ومسلم في الإمارة باب استحباب مبايعة الإمام الجيش عند إرادة القتال رقم: ١٨٦١.
(٤) أخرجه مسلم في الإمارة باب استحباب مبايعة الجيش عند إرادة القتال حديث: ١٨٥٦/ ٦٧، والترمذي في السير باب ما جاء في بيعة النبي - ﷺ - حديث رقم: ١٥٩٤، وقال حسن صحيح وانظر حديث رقم: ٤٩٩.
[ ٣١١ ]
الثالث: أنهم بايعوه على الصبر، وقد جاء هذا من حديث ابن عمر.
٥٠٦ - من حديث ابن عمر ﵄ قال: "رجعنا من العام المقبل، فما اجتمع منا اثنان على الشجرة التي بايعنا تحتها" كانت رحمة من الله فسألنا نافعًا: على أي شيء بايعهم؟ على الموت؟ قال: لا، بل بايعهم على الصبر" (١).
وفي التوفيق بين هذه الأقوال الثلاثة أسوق قولين للإمام النووي وابن حجر العسقلاني رحمهما الله تعالى وبين يدي قوليهما أقول: "إن رسول الله - ﷺ - تكررت منه البيعة للصحابة رضوان الله عليهم في مواطن عديدة كان هذا الموطن من بينها، فتارة كان يبايع الصحابة على الجهاد كما حصل يوم الخندق، وتارة على الإِسلام والجهاد كما حصل مع مجاشع بن مسعود يوم فتح مكة، وتارة على النصح لكل مسلم كما حصل مع جرير بن عبد الله البجلي، وتارة على عدم الفرار، وعلى الموت، وعلى الصبر كما حصل يوم الحديبية فقد بايع قسمًا من الصحابة على عدم الفرار، والآخرون على الموت، وقسم على الصبر".
يقول الإِمام النووي رحمه الله تعالى: "قوله في رواية جابر ومعقل بن يسار بايعناه يوم الحديبية على أن لا نفر، ولم نبايعه على الموت.
وفي رواية سلمة: أنهم بايعوه يومئذ على الموت، وهو معنى رواية عبد الله بن زيد بن عاصم، وفي رواية مجاشع بن مسعود: البيعة على الهجرة والبيعة على الإِسلام والجهاد، وفي حديث ابن عمر وعبادة بايعنا على السمع والطاعة، وأن لا ننازع الأمر أهله، وفي رواية ابن عمر في غير صحيح مسلم: البيعة على الصبر.
قال العلماء: هذه الرواية تجمع المعاني كلها، وتبين مقصود كل الروايات، فالبيعة على أن لا تفر معناه الصبر حتى نظفر بعدونا أو نقتل، وهو معنى البيعة على الموت، أي نصبر وإن آل بنا ذلك إلى الموت، لا إن الموت مقصود في نفسه، وكذا البيعة على الجهاد أي والصبر فيه والله أعلم" (٢).
_________________
(١) أخرجه البخاري في الجهاد باب البيعة في الحرب أن لا يفروا، وقال بعضهم على الموت حديث رقم: ٢٩٥٨.
(٢) شرح صحيح مسلم للنووي: ١٣/ ٢ - ٣.
[ ٣١٢ ]
قال الحافظ ابن حجر في الفتح: "إن المبايعة فيها مطلقة، وقد أخبر سلمة بن الأكوع، وهو ممن بايع تحت الشجرة أنه بايع على الموت، فدل ذلك على أنه لا تنافي بين قولهم بايعوه على الموت، وعلى عدم الفرار، لأن المراد بالمبايعة على الموت أن لا يفروا ولو ماتوا، وليس المراد أن يقع الموت ولا بد، وهو الذي أنكره نافع وعدل إلى قوله (بل بايعهم على الصبر) أي على الثبات وعدم الفرار سواء أفضى بهم ذلك إلى الموت أم لا، والله أعلم" (١).
ويقول في موطن آخر: "وحاصل الجمع أن من أطلق أن البيعة كانت على الموت أراد لازمها؛ لأنه إذا بايع على أن لا يفر لزم من ذلك أن يثبت، والذي يثبت إما أن يغلب وإما أن يؤسر، والذي يؤسر إما أن ينجو وإما أن يموت، ولما كان الموت لا يؤمن في مثل ذلك أطلقه الراوي، وحاصله أن أحدهما حكى صورة البيعة، والآخر حكى ما تؤول إليه" (٢).
وقال الإِمام الترمذي في سننه في تعليقه على الحديث رقم: ١٥٩٣: ومعنى كلا الحديثين صحيح قد بايعه قوم من أصحابه على الموت وإنما قالوا: لا نزال بين يديك حتى نقتل وبايعه آخرون فقالوا: لا نفر) (٣).
١٣ - إرسال سيد الأحابيش للتفاوض مع النبي:
٥٠٧ - من حديث المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم الآنف الذكر " فقال رجل من بني كنانة دعوني آتيه؟ فقالوا: ائته، فلما أشرف على النبي - ﷺ - وأصحابه قال رسول الله - ﷺ -: (هذا فلان: وهو من قوم يعظمون البدن، فابعثوها له)، فبعثت له، واستقبله الناس يلبون، فلما رأى ذلك قال: سبحان الله، ما ينبغي لهؤلاء أن يصدوا عن البيت، فلما رجع إلى أصحابه قال: رأيت البدن قد قلدت وأشعرت: فما أرى أن يصدوا عن البيت" (٤).
وقد صرح ابن إسحاق - ﵀ - في روايته لهذا الحديث باسم ذلك الرجل، وإسناد ذلك الحديث صحيح، وها أنذا أسوق لفظه ذلك قال ابن إسحاق
_________________
(١) فتح الباري: ٦/ ١١٨، في كتاب الجهاد باب البيعة في الحرب على أن لا يفروا.
(٢) فتح الباري: ٧/ ٤٥٠، المغازي باب غزوة الحديبية، في التعليق على حديث سلمة رقم: ٤١٦٩.
(٣) سنن الترمذي السير باب بيعة النبي - ﷺ - حديث رقم: ١٥٩٣.
(٤) انظر التعليق على الحديث ٤٨٨ فإنه جزء منه.
[ ٣١٣ ]
" ثم بعثوا إليه الحليس بن علقمة أو ابن زبان، وكان يومئذ سيد الأحابيش، وهو أحد بني الحارث بن عبد مناة بن كنانة، فلما رآه رسول الله - ﷺ - قال: (إن هذا من قوم يتألهون (١)، فابعثوا الهدي في وجهه حتى يراه)، فلما رأى الهدي يسيل عليه من عرض الوادي (٢) في قلائده (٣) وقد أكل أوباره من طول الجس عن محله (٤)، رجع إلى قريش، ولم يصل إلى رسول الله - ﷺ - إعظامًا لما رأى فقال لهم ذلك. قال: فقالوا له: اجلس فإنما أنت أعرابي لا علم لك".
قال ابن إسحاق: فحدثني عبد الله بن أبي بكر: "أن الحليس غضب عند ذلك وقال: يا معشر قريش، والله ما على هذا حالفناكم، ولا على هذا عاقدناكم، أيصد عن بيت الله من جاء معظمًا له! والذي نفس الحليس بيده، لتخلن بين محمَّد وبين ما جاء له، أو لأنفرن بالأحابيش نفرة رجل واحد، قال: فقالوا له: صه، كف عنا يا حيس حتى نأخذ لأنفسنا ما نرضى" (٥).
١٤ - تحذير النبي الصحابة من إيقاد النار في الليل:
٥٠٨ - من حديث أبي سعيد الخدري أن النبي - ﷺ - لما كان يوم الحديبية قال: (لا توقدوا نارًا بليل، فلما كان بعد ذلك قال: أوقدوا واصطنعوا، فإنه لا يدرك قوم بعدكم صاعكم ولا مدكم) (٦).
١٥ - أسر رجال من المشركين حاولوا الاعتداء على المسلمين:
٥٠٩ - من حديث سلمة بن الأكوع ﵁ ضمن حديث طويل سبق ذكر أجزاء منه قال: " أتيت شجرة فكسحت شوكها (٧)، واضطجعت في
_________________
(١) يتألهون: يتجدون ويعظمون أمر الإله.
(٢) عرض الوادي: جانبه.
(٣) القلائد: ما يعلق في أعناق الهدي ليعلم أنه هدي.
(٤) محله: موضعه الذي ينحر فيه من الحرم.
(٥) سيرة ابن هشام: ٣/ ٣١٢، المجلد الثاني من طريق ابن إسحاق بسند صحيح صرح فيه بالتحديث وهو قطعة من حديث طويل في صلح الحديبية.
(٦) أخرجه أحمد في المسند: ٣/ ٢٦، قال الهيمثي في المجمع: ٦/ ١٤٥، رواه أحمد، ورجاله ثقات: وأخرجه الحاكم في المستدرك: ٣/ ٣٦، وقال: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.
(٧) كسحت شوكها: كنست ما تحتها من الشوك.
[ ٣١٤ ]
أصلها، فأتاني أربعة من أهل مكة من المشركين، فجعلوا يقعون في رسول الله - ﷺ -، فأبغضتهم، فتحولت إلى شجرة أخرى، وعلقوا سلاحهم واضطجعوا. فبينما هم كذلك، إذ نادى مناد من أسفل الوادي: يا للمهاجرين، قتل ابن زنيم قال: فاخترطت سيفي (١) ثم شددت (٢) على هؤلاء الأربعة، وهم رقود، فأخذت سلاحهم فجعلته ضغثًا (٣) في يدي. قال: ثم قلت: والذي كرم وجه محمَّد! لا يرفع أحد منكم رأسه إلا ضربت الذي فيه عيناه (٤) قال: ثم جئت بهم أسوقهم إلى رسول الله - ﷺ -.
قال: وجاء عمي عامر برجل من العبلات (٥) يقال له مكرز يقوده إلى رسول الله - ﷺ -، على فرس مجفف (٦) في سبعين من المشركين، فنظر إليهم رسول الله - ﷺ - فقال: (دعوهم. يكن لهم بدء الفجور وثناه (٧» فعفا عنهم رسول الله - ﷺ -، وأنزل الله: (وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم) (٨) (٩).
٥١٠ - من حديث أنس بن مالك ﵁: "أن ثمانين رجلًا من أهل مكة هبطوا على رسول الله - ﷺ - من جبل التنعيم متسلحين، يريدون غرة النبي - ﷺ - وأصحابه، فأخذهم سلمًا، فاستحياهم، فأنزل الله ﷿: ﴿وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم﴾ (١٠).
_________________
(١) اخترطت سيفي: سللته.
(٢) شددت: حملت وكررت.
(٣) ضغثًا: الضغث: الحزمة.
(٤) الذي فيه عينيه: رأسه.
(٥) العبلات: قال الجوهري في الصحاح: العبلات من قريش وهم أمية الصغرى، والنسبة إليهم عبلى: ترك إلى الواحد.
(٦) مجفف: عليه نجفاف: وهو ثوب كالجل يلبسه الفرس ليقيه السلاح.
(٧) يكن لهم بدء الفجور وثناه: البدء هو الابتداء، وأما ثناه فمعناه عودة تائبة.
(٨) سورة الفتح: ٢٤ الآية كلها.
(٩) سبق تخريجه في الحديث رقم: ٤٩٣.
(١٠) أخرجه مسلم في الجهاد والسير باب قوله تعالى: ﴿وهو الذي كف أيديهم عنكم﴾ الآية رقم: ١٨٠٨، أبو داود في الجهاد باب في المن على الأسير بغير فداء: ٢٦٨٨، الترمذي في التفسير باب ومن سورة الفتح رقم: ٣٢٦٤، وقال حسن صحيح، وأحمد في المسند: ٣/ ١٢٢، ١٢٥، وابن جرير في التفسير: ٢٦/ ٩٤، البيهقي في الدلائل: ٤/ ١٤١.
[ ٣١٥ ]
وقد جاء من حديث عبد الله بن مغفل ما يدل على أن هذا الأمر حصل أثناء كتابة الصلح بين رسول الله - ﷺ - وبين سهيل بن عمرو، وأن رسول الله دعا على الذين حاولوا مهاجمة المسلمين، فأخذ الله أبصارهم، فقبض عليهم المسلمون، وكان عدد هؤلاء ثلاثين شابًا من قريش، ثم أطلق رسول الله - ﷺ - سراحهم، فلعل ذلك حصل مرة أخرى والله أعلم.
٥١١ - حديث عبد الله بن مغفل المزني ﵁ قال: "كنا مع النبي - ﷺ - بالحديبية في أصل الشجرة التي قال الله ﷿ في القرآن، وكان يقع في أغصان الشجرة على ظهر النبي - ﷺ -، وعلي بن أبي طالب وسهيل بن عمرو بين يديه، فقال رسول الله - ﷺ -: (اكتب هذا ما صالح عليه محمَّد بن عبد الله بن عبد المطلب، وأنا رسول الله، فكتب فبينما نحن كذلك فخرج علينا ثلاثون شابًا عليهم السلاح، فثاروا في وجوهنا، فدعا عليهم رسول الله - ﷺ -، فأخذ الله أبصارهم، فقمنا إليهم، فقال رسول الله - ﷺ -: (هل جئتم في عهد أحد وهل جعل لكم أمانًا؟) قالوا: لا، فخلى سبيلهم، فأنزل الله ﷿: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ (١).
١٦ - نزول المطر على المسلمين يوم الحديبية:
٥١٢ - من حديث زيد بن خالد الأنصاري ﵁ قال: "خرجنا مع رسول الله - ﷺ - عام الحديبية، فأصابنا مطر ذات ليلة، فصلى لنا رسول الله - ﷺ - الصبح، ثم أقبل علينا فقال: (أتدرون ماذا قال ربكم؟) قلنا: الله ورسوله أعلم، فقال: (قال الله: أصبح من عبادي مؤمن وكافر بي، فأما من قال مطرنا برحمة الله وبرزق الله وبفضل الله، فهو مؤمن بي كافر بالكوكب، وأما من قال مطرنا بنجم كذا، فهو مؤمن بالكوكب كافر بي) (٢).
_________________
(١) أخرجه أحمد في المسند: ٤/ ٨٧، وقال الهيثمي في: مجمع الزوائد: ٦/ ١٤٥، رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح، والحاكم: ٢/ ٤٦١، وقال: صحيح على شرط الشيخين، وأقره الذهبي، والبيهقي في السنن: ٦/ ٣١٩، وابن جرير في التفسير: ٢٦/ ٩٤.
(٢) أخرجه البخاري في المغازي باب غزوة الحديبية رقم: ٤١٤٧، مسلم في الإيمان باب بيان كفر من قال مطرنا بالنوء حديث رقم: ٧١، مالك في الموطأ: ١/ ١٩٢، أبو داود في السنن رقم: ٣٩٠٦، والنسائي: ٣/ ١٥٦، وأحمد في المسند: ٤/ ١١٧.
[ ٣١٦ ]
١٧ - إرسال مكرز بن حفص لمفاوضة الرسول - ﵇ -:
٥١٣ - من حديث المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم الطويل الذي سبق أجزاء منه" .. فقام رجل منهم يقال له مكرز بن حفص فقال: دعوني آته، فقالوا: ائته، فلما أشرف عليهم قال النبي - ﷺ -: هذا مكرز، وهو رجل فاجر) فجعل يكلم النبي - ﷺ -" (١).
١٨ - إرسال النبي - ﵇ - خراش بن أمية الخزاعي لمفاوضة قريش:
٥١٤ - من حديث المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم من رواية الإِمام أحمد وابن إسحاق بسند صحيح وسبق أجزاء منه " وقد كان رسول الله - ﷺ - قبل ذلك بعث خراش بن أمية الخزاعي إلى مكة، وحمله على جمل يقال له الثعلب، فلما دخل مكة عقرت به قريش، وأرادوا قتل خراش، فمنعهم الأحابيش، حتى أتى رسول الله - ﷺ -" (٢).
١٩ - إرسال سهيل بن عمرو لمفاوضة الرسول - ﵇ -:
٥١٥ - من حديث المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم السابق: " أن قريشًا بعثوا سهيل بن عمرو أحد بني عامر بن لؤي فقالوا: أثبت محمدًا فصالحه، ولا يكون في صلحه إلا أن يرجع عنا عامه هذا، فوالله لا تتحدث العرب أنه دخلها علينا عنوة أبدًا" (٣).
٥١٦ - من حديث المسور بن مخرمة ومروان عند البخاري: " فبينما هو يكلمه (٤) إذ جاء سهيل بن عمرو قال معمر: فأخبرني أيوب عن عكرمة: أنه لما جاء سهيل بن عمرو قال النبي - ﷺ -: (قد سهل الله أمركم) قال معمر قال الزهريّ في حديثه: "فجاء سهيل بن عمرو فقال: هات اكتب بيننا وبينك كتابًا، فدعا النبي - ﷺ - الكاتب" (٥).
_________________
(١) انظر التعليق على الحديث رقم: ٤٨٨.
(٢) انظر التعليق على الحديث رقم: ٤٩٦، فإن هذا الحديث قطعة من ذلك الحديث الطويل.
(٣) انظر التعليق على الحديث رقم: ٤٩٦.
(٤) مكرز بن حفص وهو يكلم النبي - ﵇ -.
(٥) انظر التعليق على الحديث رقم: ٤٨٨.
[ ٣١٧ ]
٢٠ - كاتب صلح الحديبية:
٥١٧ - من حديث البراء بن عازب ﵁ قال: "كتب علي بن أبي طالب الصلح بين النبي - ﷺ - وبين المشركين يوم الحديبية" (١).
وقد جاء عن عدد من الصحابة أن علي بن أبي طالب ﵁ كان هو كاتب الصلح: من حديث أنس ﵁ عند مسلم (٢)، ومن حديث المسور ابن مخرمة ومروان بن الحكم عند أحمد وأبي داود (٣)، ومن حديث ابن عباس عند إسحاق بن راهويه (٤).
٢١ - اعتراض عمر بن الخطاب على كتابة الصلح:
٥١٨ - من حديث سهل بن حنيف ﵁ من طريق أبي وائل عنه قال: "قام سهل بن حنيف يوم صفين فقال: أيها الناس! اتهموا أنفسكم، لقد كنا مع رسول الله - ﷺ - يوم الحديبية، ولو نرى قتالًا لقاتلنا، وذلك في الصلح الذي كان بين رسول الله - ﷺ - وبين المشركين، فجاء عمر بن الخطاب فأتى رسول الله - ﷺ - فقال: يا رسول الله! ألسنا على حق وهم على باطل؟ قال: (بلى)، قال: أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار؟ قال: (بلى)، قال: ففيم نعطي الدنية (٥) في ديننا، ونرجع، ولما يحكم الله بيننا وبينهم؟ فقال: (يا ابن الخطاب إني رسول الله، ولن يضيعني الله أبدا) قال: فانطلق عمر فلم يصبر متغيظًا، فأتى أبا بكر فقال: يا أبا بكر! ألسنا على حق، وهم على باطل؟ قال: بلى. قال: أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار؟ قال: بلى. قال: فعلام نعطي الدنية في ديننا ونرجع، ولما يحكم الله بيننا وبينهم؟.
فقال: يا ابن الخطاب إنه رسول الله، ولن يضيعه الله أبدًا. قال: فنزل
_________________
(١) أخرجه البخاري في الصلح باب كيف يكتب، وهذا ما صالح عليه فلان بن فلان .. حديث رقم: ٢٦٩٨، مسلم في الجهاد والسير باب صلح الحديبية حديث رقم: ١٧٨٣/ ٩٠، أبو داود في الحج باب المحرم يحمل السلاح حديث رقم: ١٨٣٢.
(٢) أخرجه مسلم في السير باب صلح الحديبية حديث رقم: ١٧٨٤.
(٣) أحمد في المسند: ٤/ ٣٢٥، أبو داود في السنن: ٢٧٦٦، ورجاله ثقات.
(٤) المطالب العالية رقم: ٤٣٤٥، وقال ابن حجر: هذا إسناد صحيح له شاهد في الصحيحين من حديث المسور وغيره.
(٥) الدنية: النقيصة والحالة الناقصة.
[ ٣١٨ ]
القرآن على رسول الله - ﷺ - بالفتح. فأرسل إلى عمر فأقرأه إياه. فقال: يا رسول الله!! أو فتح هو؟ قال: (نعم)، فطابت نفسه ورجع) (١).
وقد جاءت قصة عمر هذه أيضًا من حديث المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم الوارد في الصحيحين كما سبق التعليق عليه (٢).
وقد كان موقف بعض الصحابة شبيهًا بموقف عمر بن الخطاب، ولكنهم لم يستطيعوا التعبير عن أنفسهم كما عبر عمر بن الخطاب ﵁ كما يتضح لنا من موقف سهل بن حنيف ﵁ في الحديث الذي سأسوقه لاحقًا:
٥١٩ - من حديث سهل بن حنيف ﵁ قال: بصفين: "أيها الناس! اتهموا رأيكم والله لقد رأيتني يوم أبي جندل، ولو أني أستطيع أن أرد أمر رسول الله - ﷺ - لرددته، والله! ما وضعنا سيوفنا على عواتقنا إلى أمر قط، إلا أسهلن بنا إلى أمر نعرفه إلا أمركم هذا" (٣).
٢٢ - محاورة بين النبي - ﷺ - وبين سهيل بن عمرو حول كتابة الكتاب:
٥٢٠ - من حديث المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم الذي في الصحيح والذي سبق أجزاء منه " فجاء سهيل بن عمرو فقال: هات اكتب بيننا وبينك كتابًا، فدعا النبي - ﷺ - الكاتب، فقال النبي - ﷺ -: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) فقال سهيل: أما الرحمن فوالله ما أدري ما هي، ولكن اكتب باسمك اللهم" كما كنت تكتب، فقال المسلمون: والله لا نكتبها إلا بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ".
فقال النبي - ﷺ -: اكتب (باسمك اللهم)، ثم قال: (هذا ما قاض عليه محمَّد رسول الله) فقال سهيل: والله لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الجزية باب ١٨، حدثنا عبدان حديث رقم: ٣١٨٢، ومسلم في الجهاد والسير باب صلح الحديبية حديث رقم: ١٧٨٥/ ٩٤، وأحمد في المسند: ٣/ ٤٨٦، وابن جرير في التفسير: ٢٦/ ٧٠.
(٢) انظر التعليق على الحديث رقم: ٤٨٨.
(٣) أخرجه البخاري في كتاب الجزية باب: ١٨، حدثنا عبدان حديث رقم: ٣١٨١، وفي المغازي باب غزوة الحديبية رقم: ٤١٨٩، مسلم في الجهاد والسير باب صلح الحديبية حديث رقم: ١٨٧٥/ ٩٥، وانظر حديث رقم: ٥١٨.
[ ٣١٩ ]
البيت، ولا قاتلناك، ولكن اكتب محمَّد بن عبد الله".
فقال النبي - ﷺ -: (والله إني لرسول الله وإن كذبتموني، اكتب محمَّد بن عبد الله) قال الزهريّ: وذلك لقوله: (لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها) فقال له النبي - ﷺ -: (على أن تخلوا بيننا وبين البيت فنطوف به)، فقال سهيل: "والله لا تتحدث العرب أنا أخذنا ضغطة، ولكن ذلك من العام المقبل، فكتب، فقال سهيل: وعلى أنه لا يأتيك منا رجل، وإن كان على دينك -إلا رددته إلينا، قال المسلمون: سبحان الله كيف يرد إلى المشركين وقد جاء مسلمًا" (١).
٢٣ - اعتذار علي عن محو الشهادة للنبي بالرسالة وقيام النبي بذلك:
٥٢١ - من حديث البراء بن عازب ﵁ قال: "كتب علي بن أبي طالب الصلح بين النبي - ﷺ - وبين المشركين يوم الحديبية، فكتب "هذا ما كاتب عليه محمَّد رسول الله، فقالوا: لا تكتب رسول الله فلو نعلم أنك رسول الله لم نقاتلك، فقال النبي - ﷺ - لعلي: (امحُهُ) فقال: ما أنا بالذي أمحاه، فمحاه النبي - ﷺ - بيده" (٢).
٢٤ - شروط الصلح وبنوده:
وقد جاءت شروط الصلح وبنوده مستوفاة تقريبًا في حديث المسور به مخرمة ومروان بن الحكم في مسند أحمد، ومن طريق ابن إسحاق كما في السيرة النبوية لابن هشام، وهذا لا يعني أنها ليست موجودة في كتب الحديث الأخرى، بل وجدت هذه الشروط مفرقة في أحاديث متعددة، وعن طرق عن صحابة متعددين، ولكن وجودها في حديث المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم بصورة جامعة يجعلني أقدم هذه الرواية، وقد أخرجت بعض ذلك الحديث مفرقًا في عدة مواطن من حديثنا عن غزوة الحديبية كما أشرت إلى ذلك في التعليقات عليه، وها أنذا أسوق هذه البنود كما جاءت في ذلك الحديث مع حذف بعض الجمل المعترضة خلالها.
_________________
(١) انظر تخريجه في الحديث رقم: ٤٨٨، فإنه جزء منه.
(٢) سبق تخريجه حديث: ٥١٧.
[ ٣٢٠ ]
٥٢٢ - من حديث المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم " .. باسمك اللهم هذا ما صالح عليه محمَّد بن عبد الله وسهيل بن عمرو على وضع الحرب عشر سنين يأمن فيها الناس، ويكف بعضهم عن بعض على أنه من أتى رسول الله - ﷺ - من أصحابه بغير إذن وليّه رده عليهم، ومن أتى قريشًا ممن مع رسول الله - ﷺ - لم يردوه عليه، وإن بيننا عيبة (١) مكفوفة (٢)، وأنه لا إسلال (٣)، ولا إغلال (٤)، وأنه من أحب أن يدخل في عقد محمَّد - ﷺ - وعهده دخل فيه، ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه، وإنك ترجع عنا عامنا هذا، فلا تدخل علينا مكة، وأنه إذا كان عام قابل خرجنا عنك، فتدخلها بأصحابك، وأقمت فيها ثلاثًا معك سلاح الراكب، لا تدخلها بغير السيوف في القرب (٥) " (٦).
وقد جاءت بعض هذه الشروط من حديث البراء بن عازب عند البخاري ومسلم (٧) ومن حديث أنس عند مسلم (٨)، ومن حديث ابن عمر عند البخاري (٩).
٢٥ - دخول خزاعة في عهد النبي وبنو بكر في عهد قريش:
٥٢٣ - من حديث المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم: "أنه من أحب أن يدخل في عقد محمَّد - ﷺ - وعهده دخل فيه ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه، فتواثبت خزاعة فقالوا: نحن مع عقد رسول الله - ﷺ - وعهده،
وتواثبت بنو بكر فقالوا: نحن في عقد قريش وعهدهم" (١٠).
_________________
(١) عيبة: مستودع الثياب، والعرب تكني عن القلوب والصدور بالعياب لأنها مستودع السرائر، ويريد بذلك أن بينهم صدرًا نقيًّا من الغل والخداع مطويًّا على الوفاء بالصلح.
(٢) مكفوفة: المشدودة، وقيل أراد أن بينهم موادعة ومكافة عن الحرب تجريان مجرى المودة التي تكون بين المتخاصمين.
(٣) إسلال: السرقة الخفية.
(٤) إغلال: الحقد والشحناء.
(٥) القرب: ما يوضع فيه السيف وهو الغمد.
(٦) انظر التعليق على الحديث: ٤٩٦.
(٧) أخرجه البخاري في الصلح باب الصلح مع المشركين حديث رقم: ٢٧٠٠، مسلم حديث رقم: ١٧٨٣.
(٨) أخرجه مسلم حديث رقم: ١٧٨٤.
(٩) أخرجه البخاري في الصلح باب: الصلح مع المشركين حديث رقم: ٢٧٠١.
(١٠) انظر تخريجه حديث رقم: ٤٩٦.
[ ٣٢١ ]
٢٦ - قصة أبي جندل بن سهيل بن عمرو:
٥٢٤ - من حديث مروان بن الحكم والمسور بن مخرمة الذي في الصحيح، وسبقت منه أجزاء متعددة في أماكن شتى من هذه الغزوة وأشير إليها في أمكنتها، ومما جاء فيها أنهم في أثناء كتابتهم لبنود الاتفاقية جاء أبو جندل بن سهيل بن عمرو، فطالب والده برده التزامًا بالشروط " فبينما هم كذلك إذ دخل أبو جندل بن سهيل بن عمرو يرصف في قيوده (١)، وقد خرج من أسفل الكعبة حتى رمى بنفسه بين أظهر المسلمين، فقال سهيل: هذا يا محمَّد أول ما أقاضيك عليه أن ترده إلي.
فقال النبي - ﷺ -: (إنا لم نقض الكتاب بعد) (٢)، قال: فوالله إذا لم أصالحك على شيء أبدًا قال النبي - ﷺ -: (فأجزه لي)، قال: ما أنا بمجيزه لك، قال: (بلى فافعل)، قال: ما أنا بفاعل، قال مكرز: بل قد أجزناه لك. قال أبو جندل: أي معشر المسلمين أرد إلى المشركين قد جئت مسلمًا؟ ألا ترون ما لقيت؟ وكان قد عذب عذابًا شديدًا في الله" (٣).
وفي الطريق الآخر عند الإِمام أحمد وابن إسحاق زيادة لطيفة أوردها هنا، وهي أيضًا من طريق مروان بن الحكم والمسور بن مخرمة " فبينما رسول الله - ﷺ - يكتب الكتاب إذا جاءه أبو جندل بن سهيل بن عمرو في الحديد قد انفلت إلى رسول الله - ﷺ - وقال: وقد كان أصحاب رسول الله خرجوا وهم لا يشكون في الفتح لرؤيا رآها رسول الله - ﷺ -، فلما رأوها رأوا من الصلح والرجوع، وما تحمل رسول الله - ﷺ - على نفسه دخل الناس من ذلك أمر عظيم حتى كادوا أن يهلكوا، فلما رأى سهيل أبا جندل قام إليه فضرب وجهه ثم قال: "يا محمَّد قد لجت القضية (٤) بيني وبينك قبل أن يأتيك هذا"، قال: (صدقت)، فقام إليه، فأخذ بتلبيبه (٥).
قال: وصرخ أبو جندل بأعلى صوته يا معاشر المسلمين أتردونني إلى أهل
_________________
(١) يرصف في قيوده: يمشي بطيئًا بسبب قيوده.
(٢) إنا لم نقض الكتاب بعد: أي لم نفرغ من كتابته.
(٣) انظر تخريجه حديث رقم: ٤٨٨.
(٤) لجت القضية: وجبت.
(٥) تلبيبة: يقال أخذت بتلبيب فلان: إذا جمعت عليه ثوبه الذي هو لابسه وقبضت عليه
[ ٣٢٢ ]
الشرك فيفتنوني في ديني، قال: فزاد الناس شرًّا إلى ما بهم، فقال رسول الله - ﷺ -: (يا أبا جندل اصبر واحتسب، فإن الله ﷿ جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجًا ومخرجًا، إنا قد عقدنا بيننا وبين القوم صلحًا، فأعطيناهم على ذلك، وأعطونا عليه عهدًا، وإنا لن نغدر بهم).
قال: فوثب إليه عمر بن الخطاب مع أبي جندل، فجعل يمشي إلى جنبه، وهو يقول: اصبر أبا جندل، فإنما هم المشركون، وإنما دم أحدهم دم كلب، قال: ويدني قائم السيف منه، قال: يقول: رجوت أن يأخذ السيف، فيضرب به أباه قال: فضن الرجل بأبيه ونفذت القضية) (١).
٢٧ - مشورة أم سلمة على رسول الله - ﷺ - في الحلق والنحر:
٥٢٥ - من حديث المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم الذي في الصحيح جاء ما يلي: " قال: فلما فرغ من قضية الكتاب قال رسول الله - ﷺ - لأصحابه: (قوموا، فانحروا، ثم احلقوا)، قال: فوالله ما قام منهم رجل، حتى قال ذلك ثلاث مرات، فلما لم يقم منهم أحد، دخل على أم سلمة، فذكر لها ما لقي من الناس، فقالت أم سلمة: يا نبي الله أتحب ذلك؟ اخرج، ثم لا يكلم أحدًا منهم كلمة حتى تنحر بدنك، وتدعو حالقك فيحلقك، فخرج فلم يكلم أحدًا منهم حتى فعل ذلك: نحو بدنه ودعا حالقه، فلما رأوا ذلك قاموا، فنحروا، وجعل بعضهم يحلق بعضًا، حتى كاد بعضهم يقتل بعضًا غمًّا" (٢).
٢٨ - الشجرة التي بويع النبي تحتها وشأنها:
٥٢٦ - من حديث طارق بن عبد الرحمن قال: "انطلقت حاجًّا فمررت بقوم يصلون، قلت: ما هذا المسجد؟ قالوا: هذه الشجرة حيث بايع رسول الله - ﷺ - بيعة الرضوان، فأتيت سعيد بن المسيب، فأخبرته: فقال سعيد: حدثني أبي "أنه كان فيمن بايع رسول الله - ﷺ - تحت الشجرة، قال: فلما خرجنا من العام المقبل نسيناها فلم نقدر عليها، فقال سعيد: إن أصحاب محمَّد - ﷺ - لم يعلموها، وعلمتموها أنتم؟ فأنتم أعلم" (٣).
_________________
(١) انظر الحديث رقم: ٤٩٦.
(٢) انظر تخريجه حديث رقم: ٤٨٨.
(٣) أخرجه البخاري في المغازي باب غزوة الحديبية حديث رقم: ٤١٦٣، مسلم في الإمارة باب استحباب بايعة الإمام الجيش عند إرادة القتال حديث رقم: ١٨٥٩/ ٧٧.
[ ٣٢٣ ]
٢٩ - قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ ﴾:
٥٢٧ - من حديث كعب بن عجرة ﵁ قال: "كنا مع رسول الله - ﷺ - بالحديبية، ونحن محرمون، وقد حصرنا المشركون، قال: وكانت لي وفرة، فجعلت الهوام تساقط من رأسي، فمر بي النبي - ﷺ - فقال: (أيؤذيك هوام رأسك؟) قلت: نعم: وأنزلت هذه الآية ﴿فمن كان منكم مريضًا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك﴾ (١) (٢).
٣٠ - منزلة أهل الحديبية:
٥٢٨ - من حديث جابر بن عبد الله ﵄ قال: "كنا يوم الحديبية ألفًا وأربعمائة فقال لنا النبي - ﷺ -: (وأنتم اليوم خير أهل الأرض) وقال جابر: لو كنت أبصر لأريتكم موضع الشجرة" (٣).
٥٢٩ - ومن حديث جابر أيضًا قال: "أن عبدًا لحاطب جاء إلى رسول الله - ﷺ - يشكو حاطبًا فقال: يا رسول الله! ليدخلن حاطب النار، فقال رسول الله - ﷺ -: (كذبت لا يدخلها، فإنه شهد بدرًا والحديبية) (٤).
٥٣٠ - ومن حديث جابر بن عبد الله أيضًا قال: أخبرتني أم مبشر، أنها سمعت النبي - ﷺ - يقول عند حفصة (لا يدخل النار إن شاء الله من أصحاب الشجرة أحد الذين بايعوا تحتها) قالت: بلى يا رسول الله! فانتهرها. فقالت: حفصة: ﴿وإن منكم إلا واردها﴾ (٥) فقال النبي - ﷺ -: (قد قال الله ﷿: ﴿ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيًّا﴾) (٦).
_________________
(١) سورة البقرة: ١٩٦.
(٢) أخرجه البخاري في المغازي باب غزوة الحديبية أحاديث رقم: ٤١٥٩، ٤١٩٠، ٤١٩١، ومسلم رقم: ١٢٠١، وأبو داود رقم: ١٨٥٦، ١٨٥٧، ١٨٥٩، ١٨٦٠، والترمذي رقم: ٩٥٣، ٢٩٧٣، ٢٩٧٤، والنسائي رقم: ٢٨٥١، وأحمد في المسند: ٤/ ٢٤١، ٢٤٢، ٢٤٣، ٢٤٤، ومالك في الموطأ: ١/ ٤١٧.
(٣) أخرجه البخاري في المغازي باب غزوة الحديبية حديث رقم: ٤١٥٤، مسلم في الصحيح كتاب الإمارة باب استجاب مبايعة الإِمام للجيش محمد إرادة القتال حديث رقم: ١٨٥٦/ ٧١.
(٤) أخرجه مسلم في كتاب فضائل الصحابة باب من فضائل أهل بدر حديث رقم: ٢٤٩٥، والترمذي في المناقب باب ٥٩، حديث رقم: ٣٨٦٤، وأحمد في المسند: ٢/ ٣٢٥، ٣٤٩، والحاكم: ٣/ ٣٠١، والبيهقي في الدلائل: ٣/ ١٥٣، ٤/ ١٤٤.
(٥) مريم: ٧١.
(٦) أخرجه مسلم في الصحيح كتاب فضائل الصحابة باب عن فضائل أصحاب الشجرة حديث رقم: ٢٤٩٦، =
[ ٣٢٤ ]
٣١ - فتيان الصحابة يستقون الماء:
٥٣١ - من حديث جابر ﵄ قال: "أقبلنا مع رسول الله - ﷺ - عام الحديبية حتى إذا كنا بالسقيا (١)، قال معاذ: من يسقينا في أسقيتنا؟ قال: فخرجت في فتيان معي حتى أتينا الأثاية (٢)، فأسقينا، واستقينا، قال: فلما كان بعد عتمة الليل، إذا رجل ينازعه بعيره الماء، فإذا رسول الله - ﷺ -، فأخذت راحلته فأنختها، قال: فتقدم فصلى العشاء، وأنا عن يمينه، ثم صلى ثلاث عشرة ركعة" (٣).
٣٢ - الفتح هو صلح الحديبية:
٥٣٢ - من حديث البراء بن عازب ﵁ قال: "تعدون أنتم الفتح فتح مكة، وقد كان فتح مكة فتحًا، ونحن نعد الفتح بيعة الرضوان يوم الحديبية" (٤).
٥٣٣ - من حديث مجمع بن جارية ﵁ قال: "شهدنا الحديبية فلما انصرفنا وجدنا رسول الله - ﷺ - واقفًا عند كراع الغميم، وقد جمع الناس قرأ عليهم: ﴿إنا فتحنا لك فتحًا مبينًا﴾ الآية، فقال رجل: يا رسول الله أوفتح هو؟ قال: أي والذي نفسي بيده إنه لفتح) (٥).
وفي هذا يقول الحافظ ابن حجر في الفتح: "وهذا موضع وقع فيه اختلاف قديم، والتحقيق أنه يختلف ذلك باختلاف المراد من الآيات، فقوله تعالى: ﴿إنا فتحنا لك فتحًا مبينًا﴾ المراد بالفتح هنا الحديبية؛ لأنها كانت مبدأ الفتح المبين على المسلمين، لما ترتب على الصلح الذي وقع منه الأمن، ورفع الحرب، وتمكن من
_________________
(١) = وابن ماجه رقم: ٤٢٨١، وابن أبي عاصم رقم: ٨٦٠، ٨٦١ وابن سعد في الطبقات: ٨/ ٣٣٦، وأحمد في المسند: ٦/ ٢٨٥، ٣٦٢، ٤٢٠ والطبري في التفسير: ١٦/ ٨٥، والبيهقي في الدلائل: ٤/ ١٤٣، والطبراني في الكبير: ٢٥ / رقم: ٢٦٥، ٢٦٦، ٢٦٩.
(٢) السقيا: قرية على بعد مائة ميل إلا أربعة أميال عن المدينة نحو مكة.
(٣) الأثاية: موضع بطريق الجحفة بينه وبين المدينة ٧٥ ميلًا، وفيه بئر وعليها مسجد.
(٤) المطالب العالية رقم: ٤٣٤٦، وقال الحافظ ابن حجر: إسناده حسن، وقد أخرجه أبو بكر بن أبي شيبة، ووافقه البوصيري على ذلك.
(٥) سبق تخريجه حديث رقم: ٤٩٢.
(٦) أخرجه أبو داود في الجهاد باب فيمن أسهم له سهمًا حديث: ٢٧٣٦، والحاكم: ٢/ ٤٥٩، وقال: صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه وقال الذهبي: ولم يخرج مسلم لمجمع ولا لأبيه شيئًا، هما ثقتان، وابن جرير: في التفسير: ٢٦/ ٧١.
[ ٣٢٥ ]
يخشى الدخول في الإسلام، والوصول إلى المدينة من ذلك كما وقع لخالد بن الوليد وعمرو بن العاص وغيرهما، ثم تبعت الأسباب بعضها بعضًا إلى أن كمل الفتح.
وقد ذكر ابن إسحاق في المغازي عن الزهريّ قال: لم يكن في الإِسلام فتح قبل فتح الحديبية أعظم منه، إنما كان الكفر حيث القتال، فلما أمن الناس كلهم، كلم بعضهم بعضًا، وتفاوضوا في الحديث والمنازعة، ولم يكن أحد في الإِسلام يعقل شيئًا إلا بادر إلى الدخول فيه، فلقد دخل في تلك السنتين مثل من كان دخل في الإِسلام قبل ذلك أو أكثر.
قال ابن هشام: ويدل عليه أنه - ﷺ - خرج في الحديبية في ألف وأربعمائة، ثم خرج بعد سنتين إلى فتح مكة في عشرة آلاف" انتهى.
وهذه الآية نزلت منصرفه ﵇ من الحديبية، وأما قوله تعالى في هذه السورة: ﴿وأثابهم فتحًا قربيًا﴾، فالمراد بها فتح خيبر على الصحيح؛ لأنها هي التي وقعت فيها المغانم الكثيرة للمسلمين.
وقد روى أحمد وأبو داود والحاكم من حديث مجمع بن حارثة قال: شهدنا الحديبية، فلما انصرفنا وجدنا رسول الله - ﷺ - واقفًا عند كراع الغميم، وقد جمع الناس قرأ عليهم: ﴿إنا فتحنا لك فتحًا مبينًا﴾ الآية فقال رجل: يا رسول الله أوفتح هو؟ قال: (أي والذي نفسي بيده إنه لفتح). ثم قسمت خيبر على أهل الحديبية.
وروى سعيد بن منصور بإسناد صحيح عن الشعبي في قوله: ﴿إنا فتحنا لك فتحًا مبينًا﴾ قال: صلح الحديبية، وغفر له ما تقدم وما تأخر، وتبايعوا بيعة الرضوان، وأطعموا نخيل خيبر، وظهرت الروم على فارس، وفرح المسلمون بنصر الله.
أما قوله تعالى: ﴿فجعل من دون ذلك فتحًا قريبًا﴾ فالمراد الحديبية، وأما قوله: ﴿إذا جاء نصر الله والفتح﴾ وقوله: (لا هجرة بعد الفتح)، فالمراد بها فتح مكة باتفاق، فبهذا يرتفع الإشكال وتجتمع الأقوال. بعون الله تعالى" (١).
_________________
(١) فتح الباري: ٧/ ٤٤٢، في التعليق على حديث البراء رقم: ٤١٥٠.
[ ٣٢٦ ]
٣٣ - نزول سورة الفتح أثناء الرجوع من صلح الحديبية:
٥٣٤ - من حديث أنس بن مالك ﵁: ﴿إنا فتحنا لك فتحًا مبينًا﴾ قال: الحديبية. قال أصحابه: هنيئًا مريئًا، فما لنا؟ فأنزل الله ﴿ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار﴾ قال شعبة فقدمت الكوفة، فحدثت بهذا كله عن قتادة، ثم رجعت فذكرت له، فقال: أما ﴿إنا فتحنا﴾ فعن أنس بن مالك وأما "هنيئًا مريئًا" فعن عكرمة"، واللفظ للبخاري.
وفي رواية مسلم بعض الزيادة اللطيفة أوردُها لتمام الفائدة فعن قتادة أن أنس ابن مالك حدثهم قال: "لما نزلت: ﴿إنا فتحنا لك فتحًا مبينًا ليغفر لك الله﴾ -إلى قوله: ﴿فوزًا عظيمًا﴾ (١) مرجعه من الحديبية، وهم يخالطهم الحزن والكآبة، وقد نحر الهدي بالحديبية، فقال: (لقد أنزلت علي آية هي أحب إليَّ من الدنيا جميعًا) (٢).
٥٣٥ - من حديث عمر بن الخطاب ﵁ قال زيد بن أسلم عن أبيه: (أن رسول الله - ﷺ - كان يسير في بعض أسفاره -وعمر بن الخطاب يسير معه ليلًا، فسأله عمر بن الخطاب عن شيء، فلم يجبه رسول الله - ﷺ -، ثم سأله، فلم يجبه. وقال عمر بن الخطاب: ثكلتك أمك يا عمر، نزرت رسول الله - ﷺ - ثلاث مرات كل ذلك لا يجيبك، قال عمر: فحركت بعيري ثم تقدمت أمام المسلمين، وخشيت أن ينزل فيَّ قرآن، فما نشبت أن سمعت صارخًا يصرخ بي، قال: فقلت: لقد خشيت أن يكون نزل فيَّ قرآن، وجئت رسول الله - ﷺ - فسلمت عليه، فقال: (لقد أنزلت علي الليلة سورة أحب إليَّ مما طلعت عليه الشمس)، ثم قرأ: ﴿إنا فتحنا لك فتحًا مبينًا﴾ (٣).
_________________
(١) سورة الفتح: ١ - ٥.
(٢) أخرجه البخاري في المغازي باب غزوة الحديبية رقم: ٤١٧٢، مسلم في الصحيح الجهاد والسير باب صلح الحديبية في الحديبية رقم: ١٧٨٦، الترمذي في السنن تفسير سورة الفتح: ٣٢٦٣، وأحمد في المسند: ٣/ ١٢٢، ١٣٤، ١٥٣، ١٩٣، ٢١٥، ٢٥٢، وابن حبان في مرارد الظمآن: ٤٣٦ والحاكم: ٢/ ٤٥٩ وقال صحيح على شرط الشيخين، وأقره الذهبي.
(٣) أخرجه البخاري في المغازي باب غزوة الحديبية رقم: ٤١٧٧، وقد جاء أيضًا بأرقام: ٤٨٣٣، ٥٠١٢، الترمذي في التفسير باب ومن سورة الفتح حديث رقم: ٣٢٦٢، وقال: حسن صحيح غريب، وأحمد في المسند: ١/ ٣١.
[ ٣٢٧ ]
المبحث الثاني: إسلام أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط وهجرتها
٥٣٦ - من حديث مروان والمسور بن مخرمة ﵄ يخبران عن أصحاب رسول الله - ﷺ - قال: "لما كاتب سهيل بن عمرو يومئذ كان فيما اشترط سهيل بن عمرو على النبي - ﷺ - أن لا يأتيك منا أحد -وإن كان على دينك، إلا رددته إلينا، وخليت بيننا وبينه، فكره المؤمنون ذلك، وامتعضوا منه، وأبي سهيل إلا ذلك، فكاتبه النبي - ﷺ - على ذلك، فرد يومئذ أبا جندل إلى أبيه سهيل بن عمرو، ولم يأته أحد من الرجال إلا رده في تلك المدة، وإن كان مسلمًا.
وجاءت المؤمنات مهاجرات وكانت أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط ممن خرج
إلى رسول الله - ﷺ - يومئذ، وهي عاتق، فجاء أهلها يسألون النبي - ﷺ - أن يرجعها إليهم، فلم يرجعها إليهم لما أنزل الله فيهن ﴿إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ -إلى قوله: وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ (١) (٢).
المبحث الثالث: مبايعته ﷺ للنساء
٥٣٧ - من حديث عائشة ﵂ قالت: "كانت المؤمنات إذا هاجرن إلى رسول الله - ﷺ - يمتحن يقول الله ﷿. ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ﴾ (٣)، إلى آخر الآية.
قالت عائشة: فمن أقر بهذا من المؤمنات فقد أقر بالمحنة.
وكان رسول الله - ﷺ - إذا أقررن بذلك من قولهن، قال لهن رسول الله - ﷺ -: (انطلقن فقد بايعتكن)، ولا والله: ما مست يد رسول الله - ﷺ - يد امرأة قط. غير أنه يبايعن بالكلام.
قالت عائشة: والله ما أخذ رسول الله - ﷺ - على النساء قط، إلا بما أمره الله تعالى، وما مست كف رسول الله - ﷺ - كف امرأة قط، وكان يقول لهن إذا أخذ عليهن: (قد بايعتكن) كلامًا" اللفظ لمسلم (٤).
_________________
(١) الممتحنة: آية رقم: ١٢.
(٢) أخرجه البخاري في الشروط باب ما يجوز من الشروط في الإِسلام والأحكام والمبايعة رقم: ٢٧١١، ٢٧١٢.
(٣) سورة الممتحنة: ١٢.
(٤) أخرجه البخاري في الطلاق باب إذا أسلمت المشركة أو النصرانية تحت الذمي أو الحربي رقم: ٥٢٨٨، =
[ ٣٢٨ ]
المبحث الرابع: قصة أبي بصير رضوان الله عليه
٥٣٨ - من حديث مروان بن الحكم والمسور بن مخرمة الوارد في الصحيح في قصة صلح الحديبية والذي أخرجه البخاري في كتاب الشروط " ثم رجع النبي - ﷺ - إلى المدينة، فجاءه أبو بصير رجل من قريش وهو مسلم (وقال يحيى عن ابن المبارك) فقدم عليه أبو بصير بن أسيد الثقفي مسلمًا مهاجرًا.
فاستأجر الأخنس بن شريق رجلًا كافرًا من بني عامر بن لؤي ومولى معه، وكتب معهما إلى رسول الله - ﷺ - يسأله الوفاء، فأرسلوا في طلبه رجلين فقالوا: العهد الذي جعلت لنا فيه، فدفعه إلى الرجلين.
فخرجا به حتى بلغا به ذا الحليفة، فنزلوا يكون من تمر لهم، فقال أبو بصير لأحد الرجلين: والله إني لأرى سيفك يا فلان هذا جيدًا، فاستله الآخر فقال: أجل والله إنه لجيد لقد جربت به، ثم جربت، فقال أبو بصير: أرني أنظر إليه، فأمكنه منه، فضربه به حتى برد (١)، وفر الآخر حتى أتى المدينة، فدخل المسجد يعدو فقال رسول الله - ﷺ -: (لقد رأى هذا ذعرًا) (٢).
فلما انتهى إلى النبي - ﷺ - قال: قتل والله صاحبي وإني لمقتول، فجاء أبو بصير فقال: يا نبي الله قد والله أوفى الله ذمتك قد رددتني إليهم، ثم أنجاني الله منهم، فقال النبي - ﷺ -: (ويل أمه (٣) مسعر حرب لو كان له أحد) (٤) فلما عرف ذلك عرف أنه سيرده إليهم، فخرج حتى أتى سيف البحر (٥) قال: وينفلت أبو جندل بن سهيل فلحق بأبي بصير، فجعل لا يخرج من قريش رجل قد أسلم إلا لحق بأبي بصير حتى اجتمعت فيهم عصابة (٦).
_________________
(١) = مسلم في الإمارة باب كيفية بيعة النساء رقم: ١٨٦٦، الترمذي في تفسير القرآن باب ومن سورة الممتحنة: ٣٣٠٦، وقال: حسن صحيح وابن ماجه في الجهاد باب بيعة النساء رقم: ٢٨٧٥، والنسائي في الكبرى كما في تحفة الأشراف رقم: ١٦٦٤٧.
(٢) برد: مات.
(٣) ذعرًا: خوفًا.
(٤) ويل أمه: كلمة ذم تقولها العرب ولا يقصدون معنى لها من الذم لأن الويل الهلاك كقولهم لأمه الويل. والمراد هنا التعجب من إقدامه إلى الحرب والنهوض لها وإسعار نارها.
(٥) لو كان له أحد ينصره ويؤازره على إيقاد نار الحرب لأثار الفتنة وأفسد الصلح.
(٦) سيف البحر: ساحل البحر وهو طريق قريش إلى الشام.
(٧) عصابة: الجماعة وهي ما بين العشر إلى الأربعين.
[ ٣٢٩ ]
قال: فوالله لا يسمعون بعير (١) خرجت لقريش إلى الشام إلا اعترضوا لها، فقتلوهم، وأخذوا أموالهم، فأرسلت قريش إلى النبي - ﷺ - تناشده الله والرحم لما أرسل إليهم فمن أتاه فهو آمن، فأرسل النبي - ﷺ - إليهم، فأنزل الله ﷿: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ حتى بلغ الحمية حمية الجاهلية) (٢).
وكانت حميتهم أنهم لم يقروا أنه نبي الله - ﷺ -، ولم يقروا بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وحالوا بينهم وبين البيت" (٣).
المبحث الخامس: غزوة ذي قرد أو غزوة الغابة (٤)
١ - وقتها:
اختلف في وقتها على قولين:
١ - قول للإمام البخاري بأنها قبل خيبر بثلاث -يعني ليال- أي بعد الحديبية، وجزم بذلك، ورجح ذلك الإمام ابن حجر العسقلاني في الفتح، وأيده في ذلك البيهقي في "الدلائل" وابن القيم في زاد المعاد (٥).
٢ - أما أصحاب المغازي والسير فيذكرون أنها قبل الحديبية، وعلى ذلك ابن إسحاق، وابن سعد، ومحمد بن عمر الواقدي.
وما في الصحيح أصح من قول أصحاب المغازي والسير؛ لأن له مستند من حديث سلمة بن الأكوع الذي أخرجه مسلم من طريقه فقال: "فرجعنا أي من الغزوة إلى المدينة، فوالله ما لبثنا بالمدينة إلا ثلاث ليال حتى خرجنا إلى خيبر".
قال الحافظ ابن حجر في الفتح "ومستنده في ذلك حديث إياس بن سلمة بن الأكوع عن أبيه، فإنه قال في آخر الحديث الطويل الذي أخرجه مسلم من طريقه: "قال فرجعنا -أي من الغزوة- إلى المدينة فوالله ما لبثنا بالمدينة إلا ثلاث ليال
_________________
(١) العير: الغافلة.
(٢) الفتح: آية: ٢٤.
(٣) انظر تخريجه حديث رقم: ٤٨٨.
(٤) ذي قرد: ماء على نحو يوم من المدينة مما يلي بلاد غطفان.
(٥) فتح الباري: ٧/ ٤٦٠، البيهقي في الدلائل: ٤/ ١٧٨، زاد المعاد: ٣/ ٢٧٩.
[ ٣٣٠ ]
حتى خرجنا إلى خيبر" أما ابن سعد فقال كانت غزوة ذي قرد في ربيع الأول سنة ست قبل الحديبية، وقيل في جمادى الأولى" وعن ابن إسحاق في شعبان منهما فإنه قال: "كانت بنو لحيان في شعبان سنة ست، فلما رجع النبي - ﷺ - إلى المدينة فلم يقم بها إلا ليالي حتى أغار عيينة بن حصن على لقاحه".
قال القرطبي شارح مسلم في الكلام على حديث سلمة بن الأكوع: لا يختلف أهل السير أن غزوة ذي قرد كانت قبل الحديبية، فيكون ما وقع في حديث سلمة ابن الأكوع من وهم بعض الرواة، قال: ويحتمل أن يجمع بأن يقال: يحتمل أن يكون النبي - ﷺ - كان أغزى سرية فيهم سلمة بن الأكوع إلى خيبر قبل فتحها، فأخبر سلمة عن نفسه، وعمن خرج معه يعني حيث قال: خرجنا إلى خيبر، قال ويؤيده أن ابن إسحاق ذكر أن النبي - ﷺ - أغزى إليها عبد الله بن رواحة قبل فتحها مرتين. انتهى.
قال الحافظ "وسياق الحديث يأبى هذا الجمع، فإن فيه بعد قوله وحين خرجنا إلى خيبر مع رسول الله - ﷺ -، فجعل عامر يرتجز بالقول، وفيه قول النبي - ﷺ - مَنْ السائق؟)، وفيه مبارزة علي لمرحب، وقتل عامر، وغير ذلك مما وقع في غزوة خيبر حين خرج إليها النبي - ﷺ -، فعلى هذا ما في الصحيح من التاريخ لغزوة ذي قرد أصح مما ذكره أهل السير، ويحتمل في طريق الجمع أن تكون إغارة عيينة بن حصن على اللقاح وقعت مرتين الأولى التي ذكرها ابن إسحاق، وهي قبل الحديبية، والثانية بعد الحديبية قبل الخروج إلى خيبر، وكان رأس الذين أغاروا عبد الرحمن بن عيينة كما في سياق سلمة عند مسلم.
ويؤيده أن الحاكم ذكر في (الإكليل) أن الخروج إلى ذي قرد تكرر، ففي الأولى خرج إليها زيد بن حارثة قبل أحد، وفي الثانية خرج إليها النبي - ﷺ - في ربيع الآخر سنة خمس، والثالثة هذه المختلف فيها. انتهى. فإذا ثبت هذا قوي هذا الجمع الذي ذكرته، والله أعلم" (١).
_________________
(١) فتح الباري: ٧/ ٤٦١ - ٤٦١.
[ ٣٣١ ]
٢ - أحداثها:
٥٣٩ - من حديث سلمة بن الأكوع ﵁ من طريق يزيد بن أبي عبيد: قال: "سمعت سلمة بن الأكوع يقول خرجت قبل أن يؤذن بالأولى (١). وكانت لقاح (٢) رسول الله - ﷺ - ترعى بذي قرد قال: فلقيني غلام لعبد الرحمن بن عوف فقال: أخذت لقاح رسول الله - ﷺ - فقلت: من أخذها؟ قال: غطفان، قال: فصرخت ثلاث صرخات: يا صباحاه! قال: فأسمعت ما بين لابتي المدينة (٣)، ثم اندفعت على وجهي حتى أدركتهم بذي قرد، وقد أخذوا يسقون من الماء فجعلت أرميهم بنبلي، وكنت راميًا وأقول:
أنا ابن الأكوع واليوم يوم الرضع (٤)
فارتجز، حتى استنقذت (٥) اللقاح منهم، واستلبت منهم ثلاثين بردة، قال: وجاء النبي - ﷺ - والناس، فقلت: يا نبي الله! إني قد حميت (٦) القوم الماء، وهم عطاش، فابعث إليهم الساعة. فقال: (يا ابن الأكوع! ملكت فاسجح) (٧)، قال: ثم رجعنا، ويردفني رسول الله - ﷺ - على ناقته حتى دخلنا المدينة" (٨).
٥٤٠ - ومن حديث إياس بن سلمة بن الأكوع عن أبيه: في حديث طويل سبق ذكر أجزاء منه في صلح الحديبية سأشير إلى رقمها في التعليق على الحديث " قال: ثم خرجنا راجعين إلى المدينة، فنزلنا منزلًا، بيننا وبين بني لحيان جبل،
_________________
(١) قبل أن يؤذن بالأولى: أي الصلاة الأولى يريد بها صلاة الصبح.
(٢) لقاح: وأحدها لقحة وهي ذات اللبن قريبة العهد بالولادة.
(٣) ما بين لابتي المدينة: اللابة: أكرة الأرض ذات الحجاره السوداء، والمدينة واقعة بين حرتين عظيمتين يريد أنه أسمع بصرخاته جميع أهل المدينة.
(٤) يوم الرضع: معناه اليوم يوم هلاك اللئام.
(٥) استنفذت: أنقذت.
(٦) حميت القوم: منعتهم الماء.
(٧) اسجح: احسن وارفق، والسجاحة السهولة.
(٨) أخرجه البخاري في المغازي باب غزوة ذات القرد رقم: ٤١٩٤، ومسلم في الجهاد والسير باب غزوة ذي قرد وغيرها حديث رقم: ١٨٠٦، وأبو داود في السنن رقم: ٢٧٥٢، وأحمد في المسند: ٤/ ٤٨، والنسائي في عمل اليوم والليلة رقم: ٩٧٨، والبيهقي في دلائل النبوة: ٤/ ١٨٠ - ١٨١، وفي السنن: ١٠/ ٢٣٦، والطبراني في الكبير: ٦٢٨٤.
[ ٣٣٢ ]
وهم المشركون (١). فاستغفر رسول الله - ﷺ - لمن رقي هذا الجبل الليلة، كأنه طليعة للنبي - ﷺ - وأصحابه. قال سلمة: فرقيت تلك الليلة مرتين أو ثلاثًا. ثم قدمنا المدينة، فبعث رسول الله - ﷺ - بظهره (٢) مع رباح غلام رسول الله - ﷺ - وأنا معه، وخرجت معه بفرس طلحة، أنديه (٣) مع الظهر، فلما أصبحنا إذا عبد الرحمن الفزاري قد أغار على ظهر رسول الله - ﷺ -، فاستاقه أجمع، وقتل راعيه، قال: فقلت: يا رباح خذ هذا الفرس، فأبلغه طلحة بن عبيد الله، وأخبر رسول الله - ﷺ - أن المشركين قد أغاروا على سرحه. قال: ثم قمت على أكمة فاستقبلت المدينة، فناديت ثلاثًا: يا صباحاه، ثم خرجت في آثار القوم أرميهم بالنبل. وأرتجز. أقول:
أنا ابن الأكوع واليوم يوم الرضع
فألحق رجلًا منهم. فأصك سهمًا في رحله، حتى خلص نصل السهم إلى كتفه، قال: قلت:
خذها وأنا ابن الأكوع واليوم يوم الرضع
قال: فوالله! ما زلت أرميهم وأعقر بهم" (٤) فهذا رجع إلى فارس أتيت شجرة، فجلست في أصلها ثم رميته، فعقرت به. حتى إذا تضايق الجبل، فدخلوا في تضايقه (٥)، علوت الجبل، فجعلت أرديهم بالحجارة (٦). قال: فما زلت كذلك أتبعهم حتى ما خلق الله من بعير من ظهر رسول الله - ﷺ - إلا خلفته وراء ظهري، وخلوا بيني وبينه، ثم أتبعتهم أرميهم، حتى ألقوا أكثر من ثلاثين بردة، وثلاثين رمحًا، يستخفون (٧) ولا يطرحون شيئًا إلا جعلت عليه آرامًا من
_________________
(١) وهم المشركون: همّ أمر المشركين النبي - ﷺ - خوف أن يبيتوهم ويغيروا عليهم لقربهم منهم.
(٢) ظهره: الظهر الإبل تعد للركوب وحمل الأثقال.
(٣) أنديه: معناه أن يورد الماشية الماء فتسقي قليلًا ثم ترسل إلى المرعى، ثم ترد الماء فترد قليلًا ثم ترد إلى المرعى.
(٤) أعقر بهم: أقتل رواحلهم.
(٥) دخلوا في تضايقه: التضايق ضد الاتساع أي دخلوا في تضايقه أي المحل المتضايق منه بحيث استتروا به عنه فصار لا بيلغهم ما يرميهم به من السهام.
(٦) أرديهم بالحجارة: أسقطهم عن رواحلهم بضربهم بالحجارة من أعلى الجبل.
(٧) يستخفون: يطلبون الخفة.
[ ٣٣٣ ]
الحجارة، يعرفها رسول الله - ﷺ - وأصحابه، حتى أتوا متضايقًا من ثنية (١)، فإذا هم قد أتاهم فلان بن بدر الفزاري فجلسوا يتضحون (يعني يتغذون) وجلست على رأس قرن (٢) فقال الفزاري: ما هذا الذي أرى؟ قالوا: لقينا من هذا البرح (٣). والله ما فارقنا منذ غليس. يرمينا حتى انتزع كل شيء في أيدينا. قال: فليقم إليه نفر منكم. أربعة. قال: فصعد إلى منهم أربعة في الجبل. قال: فلما أمكنوني من الكلام. قال: قلت: هل تعرفوني؟ قالوا: لا. ومن أنت؟ قال: قلت: أنا سلمة بن الأكوع والذي كرم وجه محمَّد - ﷺ - لا أطلب رجلًا منكم إلا أدركته، ولا يطلبني رجل منكم فيدركني. قال أحدهم: أنا أظن. قال: فرجعوا. فما برحت مكاني حتى رأيت فوارس رسول الله - ﷺ - يتخللون الشجر (٤).
قال: فهذا أولهم الأخرم الأسدي، على إثره أبو قتادة الأنصاري وعلى إثره المقداد بن الأسود الكندي. قال: فأخذت بعنان الأخرم. قال: فولوا مدبرين. قلت: يا أخرم! احذرهم. لا يقتطعوك حتى يلحق رسول الله - ﷺ - وأصحابه. قال: يا سلمة! إن كنت تؤمن بالله واليوم الآخر، وتعلم أن الجنة حق والنار حق، فلا تحل بيني وبين الشهادة. قال: فخليته. فالتقى هو وعبد الرحمن، قال فعقر بعبد الرحمن فرسه، وطعنه عبد الرحمن فقتله وتحول على فرسه. ولحق أبو قتادة، فارس رسول الله - ﷺ - بعبد الرحمن فطعنه فقتله، فوالذي كرم وجه محمَّد - ﷺ - لتبعتهم أعدو على رجلي، حتى ما أرى ورائي من أصحاب محمَّد - ﷺ - ولا غبارهم، شيئًا، حتى يعدلوا قبل غروب الشمس إلى شعب فيه ماء، يقال له ذو قرد، ليشربوا منه وهم عطاش، قال: فنظروا إلى أعدو وراءهم، فحليتهم عنه (٥) (يعني أجليتهم عنه) فما ذاقوا منه قطرة.
قال: ويخرجون فيشتدون في ثنية. قال: فأعدو فألحق رجلًا منهم، فأصكه
_________________
(١) الثنية: العقبة والطريق في الجبل.
(٢) القرن: جبل صغير منقطع عن الجبل الكبير.
(٣) البرح: الشدة.
(٤) يتخللون الشجر: يدخلون من خلالها.
(٥) حليتهم عنه: طردتهم عنه.
[ ٣٣٤ ]
بسهم في نغض كتفه (١). قال: قلت: خذها وأنا ابن الأكوع، واليوم يوم الرضع، قال: يا ثكلته أمه! أكوعه بكرة (٢). قال: قلت: نعم يا عدو نفسه! أكوعك بكرة. قال: وأرْدَوْا فرسين على ثنية. قال: فجئت بهما أسوقهما إلى رسول الله - ﷺ -. وقال: ولحقني عامر بسطيحة فيها مذقة من لبن (٣)، وسطيحة فيها ماء، فتوضأت وشربت.
ثم أتيت رسول الله - ﷺ - وهو على الماء الذي حلأتهم عنه (٤)، فإذا رسول الله - ﷺ - قد أخذ تلك الإبل، وكل شيء استنقذت من المشركين، وكل رمح وبردة، وإذا بلال نحو ناقة من الإبل الذي استنقذت من القوم، وإذا هو يشوي لرسول الله - ﷺ - من كبدها وسنامها قال: قلت: يا رسول الله! خلني فأنتخب من القوم مائة رجل. فاتبع القوم، فلا يبقى منهم مخبر إلا قتلته.
قال: فضحك رسول الله - ﷺ - حتى بدت نواجده (٥) في ضوء النار. فقال: (يا سلمة أتراك كنت فاعلًا؟) قلت: نعم. والذي أكرمك! فقال: (إنهم الآن ليقرون (٦) في أرض غطفان)، قال: فجاء رجل من غطفان فقال: نحو لهم فلان جزورًا، فلما كشفوا جلدها رأوا غبارًا. فقالوا: أتاكم القوم. فخرجوا هاربين، فلما أصبحنا قال رسول الله - ﷺ - (كان خير فرساننا اليوم أبو قتادة، وخير رجالتنا سلمة) قال: ثم أعطاني رسول الله - ﷺ -: سهمين: سهم الفارس وسهم الراجل. فجمعها لي جميعًا) ثم أردفني رسول الله - ﷺ - وراءه على العضباء. راجعين إلى المدينة".
_________________
(١) فغض: العظم الرقيق على طرف الكتف.
(٢) يا ثكلته أمه، أكوعه بكرة: ثكلته أمه، فقدته، وقوله أكوعه بكرة: أي أنت الأكوع الذي كنت بكرة هذا النهار، ولهذا قال: نعم.
(٣) سطيحة فيها مذقة من لبن: إناء من جلود سطح بعضها على بعض والمذقة قليل من لبن ممزوج بماء.
(٤) حلأتهم: أبعدتهم.
(٥) نواجده: أنيابه.
(٦) يقرون: يضافون. القرى: الضيافة.
[ ٣٣٥ ]
٣ - سباق بين سلمة ورجل من الأنصار:
" قال: فبينما نحن نسير. قال: وكان رجل من الأنصار لا يسبق شدًّا (١)، قال: فجعل يقول: ألا مسابق إلى المدينة؟ هل من مسابق؟ فجعل يعيد ذلك قال: فلما سمعت كلامه قلت: أما تكرم كريمًا ولا تهاب شريفًا؟ قال: لا. إلا أن يكون رسول الله - ﷺ -. قال: قلت: يا رسول الله بأبي وأمي ذرني فلأسابق الرجل. قال: (إن شئت). قال: قلت: أذهب إليك. وثنيت رجلي فطفرت (٢) فعدوت. قال: فربطت عليه شرفًا أو شرفين أستبقي نفسي (٣)، ثم عدوت في إثره، فربطت عليه شرفًا أو شرفين، ثم إني رفعت حتى ألحقه (٤). قال: فأصكه بين كتفيه. قال: قلت: قد سبقت والله! قال: أنا أظن. قال: فسبقته إلى المدينة" (٥).
٤ - قصة المرأة المسلمة التي أسرت مع ناقة رسول الله العضباء:
٥٤١ - من حديث عمران بن حصين ﵁ قال: "كانت ثقيف حلفاء لبني عقيل، فأسرت ثقيف رجلين من أصحاب رسول الله - ﷺ -، وأسر أصحاب رسول الله - ﷺ - رجلًا من بني عقيل، وأصابوا معه العضباء (٦). فأتى عليه رسول الله - ﷺ - وهو في الوثاق. قال: يا محمَّد! فأتاه فقال: (ما شأنك؟) قال: بم أخذتني، وبم أخذت سابقة الحاج (٧)؟ فقال: (إعظامًا لذلك): (أخذتك بجريرة حلفائك ثقيف) ثم انصرف عنه فناداه، فقال: يا محمَّد! يا محمَّد!
_________________
(١) شدًّا: عدوا على الرجلين.
(٢) طفرت: وثبت وقفزت.
(٣) ربطت شرفًا أو شرفين أستبقي نفسي: ربطت حبست نفسي عن الجري الشديد والشرف ما ارتفع من الأرض، أستبقي نفسي: أي لئلا يقطعني البهر.
(٤) رفعت حتى ألحقه: أسرعت.
(٥) أخرجه مسلم في الجهاد باب غزوة ذي قرد وغيرها رقم: ١٨٠٧، وأبو داود في الجهاد باب في السرية ترد على أهل العسكر رقم: ٢٧٥٢، وابن أبي شيبة في المصنف: ١٤/ ٥٣٣، ٣٥٨، والبيهقي في الدلائل: ٤/ ١٨٢، ١٨٦، وابن سعد في الطبقات: ٢/ ٨١، ٨٤، والطبري في التاريخ: ٢/ ٥٩٦، ٦٠٠، وأحمد في المسند: ٤/ ٥٢، ٥٤، وقد سبق أجزاء من الحديث تحت رقم: ٤٩٣، ٥٠٠، ٥٠٩، فانظرها.
(٦) العضباء: ناقة نجية كانت لرجل من بن عقيل ثم انتقلت إلى رسول الله - ﷺ -.
(٧) سابقة الحاج: أراد بها العضباء فإنها كانت لا تسبق، ولا تكاد تسبق. معروفة بذلك.
[ ٣٣٦ ]
وكان رسول الله - ﷺ - رحيمًا رقيقًا، فرجع إليه فقال: (ما شأنك؟). قال: إني مسلم. قال: (لو قلتها وأنت تملك أمرك أفلحت كل الفلاح) ثم انصرف فناداه فقال: يا محمد! يا محمَّد! فأتاه فقال: (ما شأنك؟) قال: إني جائع فأطعمني، وظمآن فاسقني قال: (هذه حاجتك)، ففدى الرجلين.
قال: وأسرت امرأة من الأنصار، وأصيبت العضباء، فكانت المرأة في الوثاق. وكان القوم يريحون نعمهم بين يدي بيوتهم. فانفلتت ذات ليلة من الوثاق فأتت الإبل. فجعلت إذا دنت من البعير رغا فتتركه. حتى تنتهي إلى العضباء. فلم ترغ. قال: وناقة منوقة (١) فقعدت في عجزها، ثم زجرتها، فانطلقت ونذروا بها (٢)، فطلبوها، فأعجزتهم، وقال: ونذرت لله! إن نجاها الله عليها لتنحرنها، فلما قدمت المدينة رآها الناس. فقالوا: العضباء ناقة رسول اللهﷺ -. فقالت: إنها نذرت إن نجاها الله عليها لتنحرنها. فأتوا رسول الله - ﷺ -، فذكروا ذلك له فقال: (سبحان الله! بئسما جزتها، نذرت لله إن نجاها عليها لتنحرنها. لا وفاء لنذر في معصية، ولا فيما لا يملك العبد) (٣).
_________________
(١) وناقة منونة: مذللة.
(٢) نذروا بها: علموا وأحسوا بهربها.
(٣) أخرجه مسلم في كتاب النذور باب لا وفاء لنذر في معصية الله رقم: ١٦٤١، أحمد في المسند: ٤/ ٤٣٣ - ٤٣٤، الدارمي في السنن كتاب الشر باب إذا أحرز العدو من مال المسلمين: ٢/ ٢٣٦.
[ ٣٣٧ ]
المبحث السادس: غزوة خيبر
١ - وقتها:
اختلف أهل السير في وقتها على قولين:
الأول: قول ابن إسحاق في المغازي وموسى بن عقبة بأنها كانت في آخر شهر المحرم من السنة السابعة للهجرة، وقال ابن القيم: والجمهور على أنها في السابعة، وأيده أيضًا الحافظ ابن حجر في الفتح.
ويؤيد هذا القول ما أورده ابن إسحاق في المغازي قال: حدثني الزهريّ، عن عروة، عن مروان بن الحكم، والمسور بن مخرمة أنهما قالا: "انصرف رسول الله - ﷺ - من الحديبية، فنزلت عليه سورة الفتح فيما بين مكة والمدينة، فأعطاه الله فيها خيبر بقوله: ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ﴾ (١) يعني خيبر فقدم المدينة في ذي الحجة، فأقام بها حتى سار إلى خيبر في المحرم"، ورجاله ثقات، وسنده حسن (٢).
ويؤيده أيضًا ما جاء في حديث سلمة بن الأكوع أنها كانت بعد غزوة ذي قرد بثلاث ليال كما جاء في نص الحديث بقوله "قال فسبقته إلى المدينة. قال: فوالله ما لبثنا إلا ثلاث ليال حتى خرجنا إلى خيبر مع رسول الله - ﷺ -".
الثاني: قول مالك بأنها كانت في السنة السادسة وأيده ابن حزم في ذلك.
قال الحافظ ابن حجر في الفتح: "وهذه الأقوال متقاربة، والراجح منها ما ذكره ابن إسحاق، ويمكن الجمع بينها بأن من أطلق سنة ست بناء على أن ابتداء السنة من شهر الهجرة الحقيقي وهو ربيع الأول" (٣).
_________________
(١) سورة الفتح: ٢٠.
(٢) فتح الباري: ٧/ ٤٦٤، دلائل النبوة للبيهقي: ٤/ ١٩٧، زاد المعاد: ٣/ ٣١٧، السيرة النبوية لابن كثير: ٣/ ٢٤٤.
(٣) فتح الباري: ٧/ ٤٦٤.
[ ٣٣٨ ]
٢ - استخلاف النبي سباع بن عرفطة الغفاري أثناء غيابه:
٥٤٢ - من حديث أبي هريرة ﵁ قال الهيثم بن عراك عن أبيه: "أن أبا هريرة قدم المدينة في رهط من قومه، والنبي - ﷺ - بخيبر، وقد استخلف سباع ابن عرفطه على المدينة (١) قال: فانتهيت إليه، وهو يقرأ في صلاة الصبح في الركعة الأولى بكهيعص، وفي الثانية ويل للمطففين قال: فقلت لنفسي: ويل لفلان إذا اكتال! اكتال بالوافي، وإذا قال قال بالناقص، قال: فلما صلى زودنا شيئًا حتى أتينا خيبر، قال فكلم رسول الله - ﷺ - المسلمين فأشركونا في سهامهم" (٢).
٣ - حداء عامر بن الأكوع بجيش المسلمين:
٥٤٣ - من حديث سلمة بن الأكوع ﵁ قال: "خرجنا مع النبي - ﷺ - إلى خيبر، فسرنا ليلًا، فقال رجل من القوم لعامر: يا عامر ألا تسمعنا من هنيهاتك؟ وكان عامر رجلًا شاعرًا فنزل يحدو بالقوم يقول:
اللهم لولا أنت ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا
فأغفر فداءَ لك ما اتقينا وثبت الأقدام إن لاقينا
وألقين سكينة علينا إنا إذا صيح بنا أبينا
وبالصياح عولوا علينا
فقال رسول الله - ﷺ -: (من هذا السائق؟) قالوا: عامر بن الأكوع، قال: (يرحمه الله). قال رجل من القوم: وجبت يا نبي الله، لولا أمتعتنا به " (٣).
وفي رواية أخرى لسلمة بن الأكوع ﵁ انفرد بها الإِمام مسلم في
_________________
(١) في السيرة النبوية لابن هشام: ٢/ ٣٢٨، أنه استعمل نميلة بن عبد الله الليثي، فالمقدم عندنا ما في رواية أبي هريرة، لأن الخبر عند ابن هشام روي بغير إسناد بل هو مقطوع.
(٢) أخرجه أحمد في المسند: ٢/ ٣٤٥ - ٣٤٦، وقال الشيخ الساعاتي: إسناده جيد، وأخرجه البيهقي في الدلائل: ٤/ ١٩٨، الطيالسي: ٢/ ١٠٥، رقم: ٢٣٦٣، والحاكم في المستدرك: ٣/ ٣٦ - ٣٧، وقال: صحيح، ووافقه الذهبي، والبخاري في التاريخ الصغير: ١/ ١٨، وأشار الحافظ ابن حجر في الإصابة: ٢/ ١٣، أن حديث أبي هريرة هذا رواه ابن خزيمة والبخاري في التاريخ الصغير والطحاوي.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه المغازي باب غزوة خيبر حديث رقم: ٤١٩٦، مسلم في الصحيح الجهاد باب غزوة خيبر رقم: ١٨٠٢.
[ ٣٣٩ ]
صحيحه من ضمن حديث طويل، ذكر فيه سلمة قصة غزوة الحديبية، وغزوة ذي قرد، وغزوة خيبر، وقد سبق أجزاء منه في مواطن متعددة أشرنا إليها في أمكنتها قال سلمة بعد مسابقته للأنصاري وسبقه له " قال: فسبقته إلى المدينة. قال: فوالله! ما لبثنا إلا ثلاث ليال حتى خرجنا إلى خيبر مع رسول الله - ﷺ -، قال: فجعل عمي عامر يرتجز بالقوم:
تالله لولا الله ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا
ونحن عن فضلك ما استغنينا فثبت الأقدام إن لاقينا
وأنزلن سكينة علينا
فقال رسول الله - ﷺ -: (من هذا؟) قال: أنا عامر، قال: (غفر لك ربك) قال: وما استغفر رسول الله - ﷺ - لإنسان يخصه إلا استشهد، قال: فنادى عمر بن الخطاب، وهو على جمله: يا نبي الله؟ لولا ما متعتنا بعامر " (١).
٥٤٤ - وقد جاء من حديث دهر الأسلمي ﵁ "أنه سمع رسول الله - ﷺ - يقول في مسيره إلى خيبر لعامر بن الأكوع، وهو عم سلمة بن عمرو بن الأكوع، وكان اسم الأكوع سنان: (أنزل يا ابن الأكوع، فخذ لنا من هناتك)، قال: فنزل يرتجز برسول الله - ﷺ - فقال:
والله لولا الله ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا
إنا إذا قوم بغوا علينا وإن أرادوا فتنة أبينا
فأنزلن سكينة علينا وثبت الأقدام إن لاقينا
زاد الطبري في روايته "فقال رسول الله - ﷺ -: (يرحمك الله) فقال عمر: وجبت والله يا رسول الله، لو أمتعتنا به، فقتل يوم خيبر شهيدًا" (٢).
_________________
(١) انظر التعليق على حديث رقم: ٥٤٠.
(٢) أخرجه أحمد في المسند: ٣/ ٤٣١، وابن هشام في السيرة: ٣/ ٤٥٥. قال الهيثمي في المجمع: ٦/ ١٤٨ - ١٤٩، رواه أحمد والطبراني، ورجالهما ثقات.
[ ٣٤٠ ]
٤ - طعام جيش المسلمين في طريقهم إلى خيبر:
٥٤٥ - من حديث سويد بن النعمان ﵁: "أنه خرج مع النبي - ﷺ - عام خيبر حتى إذا كنا بالصهباء -وهي من أدنى خيبر- صلى العصر ثم دعا بالأزواد، فلم يؤت إلا بالسويق، فأمر به فثري، فأكل وأكلنا، ثم قام إلى المغرب فمضمض ومضمضنا، ثم صلى ولم يتوضأ" (١).
٥ - مفاجاة المسلمين لأهل خيبر وقوله - ﵇ - (الله أكبر خربت خيبر):
٥٤٦ - من حديث أنس بن مالك ﵁: "أن رسول الله - ﷺ - غزا خيبر قال: فصلينا عندها صلاة الغداة بغلس، فركب نبي الله - ﷺ -، وركب أبو طلحة وأنا رديف أبي طلحة، فأجرى نبي الله - ﷺ - في زقاق خيبر، وإن ركبتي لتمس فخذ نبي الله - ﷺ -، فلما دخل القرية قال: (الله أكبر! خربت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين) قالها ثلاث مرار.
قال: وقد خرج القوم إلى أعمالهم فقالوا: محمَّد -قال عبد العزيز، وقال بعض أصحابنا: والخميس، قال: وأصبناها عنوة" لفظ مسلم.
وأما لفظ البخاري فيقول: "إن رسول الله - ﷺ - أتى خيبر ليلًا -وكان إذا أتى قومًا بليل لم يقربهم حتى يصبح- فلما أصبح خرجت اليهود بمساحيبهم ومكاتلهم، فلما رأوه قالوا: محمَّد والله، محمَّد والخميس. فقال النبي - ﷺ -: خربت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين) (٢).
٥٤٧ - ومن حديث أبي طلحة ﵁ قال: "كنت رديف رسول الله - ﷺ -، فسكت عنهم حتى إذا كان عند السحر، وذهب ذو الضرع إلى ضرعه،
_________________
(١) أخرجه البخاري في الوضوء باب من مضمض من السويق ولم يتوضأ حديث رقم: ٢٠٩، وقد جاء بأرقام عدة عند البخاري: ٢١٥، ٢٩٨١، ٤١٧٥، ٤١٩٥، ٥٣٨٤، ٥٣٩٠، ٥٤٥٤، ٥٤٥٥، وعبد الرزاق: ٦٩١، الحميدي: ٤٣٧، وابن أبي شيبة: ١/ ٤٨، وأحمد في المسند: ٣/ ٤٦٢، والطبراني رقم: ٦٤٥٥، ٦٤٦٣، وأخرجه ابن ماجه في السنن الطهارة باب الرخصة في ذلك يعني عدم الوضوء مما مست النار، حديث رقم: ٤٩٢، والسويق: دقيق يتخذ من الشعير أو القمح.
(٢) أخرجه البخاري في المغازي باب غزوة خيبر رقم: ٤١٩٧، ٤١٩٨، مسلم في الجهاد باب غزوة خيبر رقم: ١٣٦٥، صفحة: ١٤٢٦/ ٣، مالك ٢/ ٤٦٨، الترمذي في التفسير باب البيات والغارات رقم: ١٥٥٠، وقال حسن صحيح، النسائي: ١/ ٢٧٢، وأحمد: ٣/ ١٠٢، ١٦١، ١٦٤، ١٦٨، ٢٠٦، ٢٤٦،٢٦٣".
[ ٣٤١ ]
وذو الزرع إلى زرعه أغار عليهم، وقال: (إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين) (١).
٦ - حملة راية النبي ﷺ يوم خيبر:
أ - أبو بكر ﵁:
٥٤٨ - من حديث بريدة ﵁ قال: "كان رسول الله - ﷺ - ربما أخذته الشقيقة (٢) فيلبث اليوم واليومين لا يخرج، فلما نزل بخيبر أخذته الشقيقة، فلم يخرج إلى الناس، وإن أبا بكر ﵁ أخذ راية رسول الله - ﷺ -، ثم نهض فقاتل قتالًا شديدًا ثم رجع" (٣).
ب - عمر بن الخطاب ﵁:
٥٤٩ - من حديث علي ﵁ قال: (سار النبي - ﷺ - إلى خيبر، فلما أتاها بعث عمر رضي الله تعالى عنه، وبعث معه الناس إلى مدينتهم أو قصرهم، فقاتلوهم، فلم يلبثوا أن هزموا عمر وأصحابه، فجاءوا يجبنونه ويجبنهم، فسار النبي - ﷺ - إليهم الحديث" (٤).
جـ - علي بن أبي طالب ﵁:
٥٥٠ - من حديث سهل بن سعد ﵁: (أن رسول الله - ﷺ - قال يوم خيبر: (لأعطين هذه الراية غدًا رجلًا يفتح الله على يديه، يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله). قال: فبات الناس يدوكون ليلتهم: أيهم يعطاها فلما أصبح الناس غدوا على رسول الله - ﷺ - كلهم يرجو أن يعطاها؟، فقال: (أين علي ابن أبي طالب؟) فقيل: هو يا رسول الله يشتكي عينيه.
_________________
(١) أخرجه أحمد في المسند: ٤/ ٢٨، ٢٩، والطبراني برقم: ٤٧٠٣، ٤٧٠٤، ٤٧٠٥، قال الهيثمي في المجمع: ٦/ ١٤٨: رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح" وقال أيضًا: ٦/ ١٤٩، رواه أحمد والطبراني بأسانيد ورجال أحمد رجال الصحيح.
(٢) الشقيقة: الصداع.
(٣) أخرجه الحاكم في المستدرك: ٣/ ٣٧، وقال: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، والبيهقي في الدلائل: ٤/ ٢٤٠، وقد جاء أيضًا من حديث علي وسلمة بن الأكوع محمد الحاكم: ٣/ ٣٧، وصححها، ووافقه الذهبي.
(٤) أخرجه الحاكم في المستدرك: ٣/ ٣٧، وقال: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.
[ ٣٤٢ ]
قال: (فأرسلوا إليه)، فأتى به، فبصق رسول الله - ﷺ - في عينيه، ودعا له خيرًا حتى كأن لم يكن به وجع، فأعطاه الراية، فقال علي: يا رسول الله: أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا، فقال: (انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإِسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله فيه) فوالله لأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خير لك من أن يكون لك حمر النعم) (١).
٧ - قتل عليّ مرحب اليهودي:
٥٥١ - من حديث سلمة بن الأكوع ﵁: ( قال: فلما قدمنا خيبر قال: خرج ملكهم مرحب يخطر بسيفه ويقول:
قد علمت خيبر أني مرحب شاكي السلاح بطل مجرب
إذا الحروب أقبلت تلهب
قال: وبرز له عمي عامر فقال:
قد علمت خيبر أني عامر شاكي السلاح بطل مغامر
قال: فاختلفا ضربتين، فوقع سيف مرحب في ترس عامر، وذهب عامر يسفل له فرجع سيفه على نفسه، فقطع أكحله، فكانت فيها نفسه.
قال سلمة: فخرجت فإذا نفر من أصحاب النبي - ﷺ - يقولون: بطل عمل عامر، قتل نفسه. قال: فأتيت النبي - ﷺ - وأنا أبكي، فقلت: يا رسول الله! بطل عمل عامر؟ قال رسول الله - ﷺ -: (من قال ذلك؟) قلت: ناس من أصحابك قال: (كذب من قال ذلك. بل له أجره مرتين). ثم أرسلني إلى علي وهو أرمد، فقال: (لأعطين الراية رجلًا يحب الله ورسوله، أو يحبه الله ورسوله).
_________________
(١) أخرجه البخاري في المغازي باب غزوة خيبر رقم: ٤٢١٠، مسلم في فضائل الصحابة باب فضائل علي رقم: ٢٤٠٦، وأحمد في المسند: ٥/ ٣٣٣، من حديث سهل، وأخرجه سلم ٢٤٠٤، والترمذي: ٢٧٢٦، وأحمد: ١/ ١٨٥، من حديث سعد بن أبي وقاص، وأخرجه البخاري في المغازي باب غزوة خيبر حديث رقم: ٤٢٠٩، ومسلم رقم: ١٨٠٧، ٢٤٠٧، وأحمد: ٤/ ٥٢، من حديث سلمة بن الأكوع، ومحمد مسلم رقم: ٢٤٠٥، من حديث أبي هريرة، ومحمد البخاري رقم: ٣٧٠٢، من حديث علي بن أبي طالب، وأخرجه أحمد في مسنده، ورجاله ثقات من حديث أبي سعيد الخدري مجمع الزوائد: ٦/ ١٥١، ومن حديث بريدة عند أحمد، ورجاله رجال الصحيح مجمع الزوائد: ٦/ ١٥٠ - ١٥١.
[ ٣٤٣ ]
قال: فأتيت عليًّا، فجئت به أقوده وهو أرمد، حتى أتيت به رسول الله - ﷺ -، فبصق في عينيه فبرأ، وأعطاه الراية وخرج مرحب فقال:
قد علمت خيبر أني مرحب شاكي السلاح بطل مجرب
إذا الحروب أقبلت تلهب
فقال علي:
أنا الذي سمتني أمي حيدرة (١) كليث غابات كريه المنظرة
أوفيهم بالصاع كيل السندرة (٢).
قال: فضرب رأس مرحب فقتله، ثم كان الفتح على يديه" (٣).
قال الحاكم في المستدرك: "الأخبار متواترة بأسانيد كثيرة أن قاتل مرحب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁، ووافقه الذهبي على ما قال" (٤).
قلت: هذا هو الراجح، لا أن الذي قتله محمَّد بن مسلمة الأنصاري جاء من حديث جابر في عبد الله ﵁، وأخرجه أحمد والحاكم وابن إسحاق كما جاء في السيرة وإسناده صحيح (٥).
قال الإمام النووي في تهذيب الأسماء واللغات ما نصه: "اختلفوا في قاتل مرحب، فقيل علي بن أبي طالب، وقال ابن عبد البر في كتابه الدرر في مختصر السير، قال محمَّد بن إسحاق: أن محمَّد بن مسلمة هو الذي قتل مرحبًا اليهودي بخيبر، قال وخالفه غيره، فقال: بل قتله علي بن أبي طالب، قال ابن عبد البر: هذا هو الصحيح عندنا، ثم روى ذلك بإسناده عن بريدة وسلمة بن الأكوع.
وقال الشافعي في المختصر نفل النبي - ﷺ - يوم خيبر محمَّد بن مسلمة سلب
_________________
(١) حيدرة: اسم للأسد.
(٢) السندرة: مكيال واسع.
(٣) أخرجه مسلم في الجهاد والسير باب غزوة ذي قرد حديث رقم: ١٨٠٧، وقد تقدم في مواطن متعددة انظر رقم: ٥٤٠.
(٤) ٣/ ٤٣٧.
(٥) أخرجه أحمد: ٣/ ٣٨٥، والحاكم: ٣/ ٤٣٦، وابن هشام: ٢/ ٣٣٣ - ٣٣٤، وإسناده صحيح وقال الهيثمي في المجمع: ٦/ ١٥٠، رواه أحمد، وأبو يعلى، ورجال أحمد ثقات.
[ ٣٤٤ ]
مرحب، ذكره في أول باب جامع السير، وهذا تصريح منه بأن قاتله محمَّد بن مسلمة، وقال ابن الأثير: الصحيح الذي عليه أكثر أهل السير والحديث أن عليًّا هو قاتله، قال المصنف ﵀: قلت: وفي صحيح مسلم بإسناده عن سلمة ابن الأكوع التصريح بأن عليًّا هو قاتله" أ. هـ.
قلت: وقد يحتمل الجمع بين حديث جابر وحديث سلمة بما ذكره الواقدي من أن محمدًا بن مسلمة قطع رجليه وأن عليًّا أجهز عليه" (١).
قلت: ما في صحيح مسلم مقدم على حديث جابر من وجهين:
الأول: أنه أصح إسنادًا، وأوثق رجالًا.
الثاني: أن جابرًا لم يشهد خيبر كما ذكره ابن إسحاق، ومحمد بن عمر، وغيرهما، وقد شهدها سلمة وبريدة وأبو رافع ﵃، وهم أعلم ممن لم يشهدها، وما قيل من أن محمَّد بن سلمة ضرب ساقي مرحب فقطعهما، ولم يجهز عليه، ومر به علي فأجهز عليه يأباه حديث سلمة وأبي رافع، والله أعلم.
سيف علي في أسنان مرحب:
٥٥٢ - من حديث أم سلمة ﵂، وكانت في غزوة خيبر قالت: (سمعت وقع السيف في أسنان مرحب) (٢).
٨ - قصة الأعرابي الشهيد:
٥٥٣ - من حديث شداد بن الهاد ﵁: "أن رجلًا من الأعراب جاء إلى النبي - ﷺ -، فآمن به، واتبعه، ثم قال: أهاجر معك، فأوصى به النبي - ﷺ - بعض أصحابه، فلما كانت غزوة (خيبر أو حنين) (٣)، غنم النبي - ﷺ - سبيًا، فقسم، وقسم له، فأعطى أصحابه ما قسم له، وكان يرعى ظهرهم فلما جاء دفعوه إليه، فقال: ما هذا؟ قالوا: قسم قسمه لك النبي - ﷺ -، فأخذه، فجاء به إلى
_________________
(١) الفتح الرباني: ٢١/ ١٢١.
(٢) قال الهيثمي في المجمع: ٦/ ١٥٢، رواه الطبراني، ورجاله ثقات.
(٣) ما بين الخاصرتين من رواية الحديث: ٣/ ٥٩٥.
[ ٣٤٥ ]
النبي - ﷺ - فقال: ما هذا؟ قال: (قسمته لك)، قال: ما على هذا اتبعتك، ولكني اتبعتك على أن أرمى إلى هاهنا، وأشار إلى حلقه بسهم، فأموت، فأدخل الجنّة.
فقال: (إن تصدق الله يصدقك)، فلبثوا قليلًا، ثم نهضوا في قتال العدو، فأتى به النبي - ﷺ - يحمل قد أصابه سهم حيث أشار، فقال النبي - ﷺ -: (أهو هو؟) قالوا: نعم. قال: (صدق الله، فصدقه)، ثم كفنه النبي - ﷺ - في جبة النبي - ﷺ -، ثم قدمه فصلى عليه، فكان فيما ظهر من صلاته: (اللهم هذا عبدك خرج مهاجرًا في سبيلك، فقتل شهيدًا أنا شهيد على ذلك). (١) لفظ النسائي.
٩ - بطل إلى النار:
٥٥٤ - من حديث سهل بن سعد الساعدي ﵁ قال: "إن رسول الله - ﷺ - التقى هو والمشركون، فاقتتلوا. فلما مال رسول الله - ﷺ - إلى عسكره، مال الآخرون إلى عسكرهم، وفي أصحاب رسول الله - ﷺ - رجل لا يدع لهم شاذة إلا اتبعها يضربها بسيفه، فقالوا: ما أجزأ منا اليوم أحد كما أجزأ فلان، فقال: رسول الله - ﷺ -: (أما إنه من أهل النار)، فقال رجل من القوم: أنا صاحبه أبدًا.
قال: فخرج معه، كما وقف وقف معه، وإذا أسرع أسرع معه، قال فجرح الرجل جرحًا شديدًا، فاستعجل الموت فوضع نصل السيف بالأرض، وذبابه بين ثدييه، ثم تحامل على سيفه، فقتل نفسه، فخرج الرجل إلى رسول الله - ﷺ - فقال: أشهد أنك رسول الله، قال: (وما ذاك؟) قال: الرجل الذي ذكرت آنفًا أنه من أهل النار، فأعظم الناس ذلك، فقلت: أنا لكم به، فخرجت في طلبه حتى جرح جرحًا شديدا، فاستعجل الموت، فوضع نصل سيفه بالأرض، وذبابه بين ثدييه، ثم تحامل عليه فقتل نفسه.
فقال رسول الله - ﷺ - عند ذلك: (إن الرجل ليعمل عمل أهل الجنة فيما يبدو
_________________
(١) أخرجه النسائي في كتاب الجنائز باب الصلاة على الشهداء: ٤/ ٦٠، والطحاوي في شرح معاني الآثار: ١/ ٢٩١، والبيهقي في السنن: ٤/ ١٥ - ١٦ والحاكم في المستدرك: ٣/ ٥٩٥ - ٥٩٦، وسكت عليه ووافقه الذهبي، قلت: وإسناده صحيح.
[ ٣٤٦ ]
للناس وهو من أهل النار، وإن الرجل ليعمل عمل أهل النار فيما يبدو للناس وهو من أهل الجنة) (١).
وقد جاء من حديث أبي هريرة ﵁ بنفس المعنى وجاء التصريح فيه بأن الغزوة كانت غزوة خيبر (٢) وكانت غزوة خيبر أول الغزوات التي حضرها، مع رسول الله - ﷺ -.
١٠ - إصابة سلمة بن الأكوع وعلاج النبي ﷺ له:
٥٥٥ - من حديث يزيد بن أبي عبيد قال: "رأيت أثر ضربة في ساق (ابن الأكوع) فقلت: يا أبا مسلم ما هذه الضربة؟ فقال: هذه ضربة أصابتها يوم خيبر، فقال الناس: أصيب سلمة، فأتيت النبي - ﷺ -، فنفث فيه ثلاث نفثات، فما اشتكيت حتى الساعة" (٣).
١١ - قصة الرجل الذي غل في سبيل الله:
٥٥٦ - من حديث زيد بن خالد الجهني ﵁: "أن رجلًا من أصحاب النبي - ﷺ - توفي يوم خيبر، فذكروا لرسول الله - ﷺ -، فقال: (صلوا على صاحبكم)، فتغيرت وجوه الناس لذلك، فقال: (إن صاحبكم غل في سبيل الله) ففتشنا متاعه فوجدنا خرزًا من خرز يهود لا يساوي درهمين" (٤) اللفظ لأبي داود.
_________________
(١) أخرجه البخاري في المغازي باب غزوة خيبر حديث رقم: ٤٢٠٢، ٤٢٠٧، مسلم في صحيحه كتاب الإيمان باب غلظ تحريم قتل الإنسان نفسه حديث رقم: ١١٢.
(٢) أخرجه البخاري في المغازي باب غزوة خيبر رقم: ٤٢٠٣، مسلم في الإيمان باب غلظ تحريم قتل الإنسان نفسه حديث رقم: ١١١.
(٣) أخرجه البخاري في المغازي باب غزوة خيبر حديث رقم ت ٤٢٠٦، أبو داود في الطب، باب كيف الرقى حديث رقم: ٣٨٩٤.
(٤) أخرجه أبو داود في كتاب الجهاد باب في تعطيم الغلول حديث رقم: ٢٧١٠، النسائي في كتاب الجائز باب الصلاة على من غل: ٤/ ٦٤، وابن ماجه في الجهاد باب الغلول حديث رقم: ٢٨٤٨، مالك في الموطأ الجهاد باب ما جاء في الغلول حديث رقم: ٢٣، ٢/ ٤٥٨، أحمد في المسند: ٤/ ١١٤، ٥/ ١٩٢، البيهقي في السنن: ٩/ ١٠١، الحاكم في المستدرك: ٢/ ١٢٧، وصححه، ووافقه الذهبي، وهو كما قالا، إسناده صحيح.
[ ٣٤٧ ]
١٢ - تحريم الحمر الأهلية:
٥٥٧ - من حديث علي بن أبي طالب ﵁: "أن رسول الله - ﷺ - نهى عن متعة النساء يوم خيبر، وعن كل لحوم الإنسية" (١).
قلت: وقد جاء الحديث في النهي عن أكل لحوم الأهلية من طريق أكثر من صحابي، فقد جاء من حديث أنس بن مالك، وابن عمر، وجابر بن عبد الله، وابن أبي أوفى والبراء بن عازب، وابن عباس وكل ذلك في الصحيح من حديث رسول الله - ﷺ - انظر صحيح البخاري، كتاب المغازي باب غزوة خيبر الأحاديث من رقم: ٤٢١٥، ٤٢٢٧، فتح الباري.
١٣ - قصة إصابة عبد الله بن مغفل جراب الشحم:
٥٥٨ - من حديث عبد الله بن مغفل ﵁ في الصحيحين قال: "أصبت جرابًا من شحم يوم خيبر، قال: فالتزمته، فقلت: لا أعطي اليوم أحدا من هذا شيئًا، قال: فالتفت فهذا رسول الله - ﷺ - مبتسمًا) واللفظ لمسلم، وفي اللفظ المتفق عليه، "رمي إلينا جراب فيه طعام، شحم يوم خيبر، فوثبت لآخذه، قال: فالتفت فإذا رسول الله - ﷺ - فاستحييت منه" (٢).
١٤ - عاقبة يهود خيبر:
٥٥٩ - من حديث ابن عمر ﵄: "أن رسول الله - ﷺ - قاتل أهل خيبر حتى ألجأهم إلى مقرهم، فغلب على الأرض والنخل والزرع، فصالحوه على أن يجلوا منها، ولهم ما حملت ركابهم، ولرسول الله - ﷺ - الصفراء والبيضاء (والحلقة)، ويخرجون منها.
فاشترط عليهم أن لا يكتموا شيئًا، ولا يغيبوا شيئًا، فإن فعلوا فلا ذمة لهم ولا عصمة، فغيبوا مسكًا فيه مال وحليًّا لحيي بن أخطب كان احتمله معه إلى
_________________
(١) أخرجه البخاري في المغازي باب غزوة خيبر رقم: ٤٢١٦، ومسلم في النكاح باب ندب من رأى امرأة فوقعت في نفسه حديث رقم: ١٤٠٥، الترمذي حديث رقم: ١١٢١، الموطأ: ٢/ ٥٤٢، النسائي: ٦/ ١٢٥ - ١٢٦، ابن ماجه: ١٩٦١، الدارمي: ٢/ ١٤٠، أحمد: ١/ ٧٩.
(٢) أخرجه البخاري في المغازي باب غزوة خيبر حديث رقم: ٤٢١٤، مسلم في الجهاد والسير باب جواز الأكل من طعام الغنيمة في دار الحرب حديث رقم: ١٧٧٢، أبو داود في الجهاد باب إباحة الطعام في أرض العدو: ٢٧٠٢.
[ ٣٤٨ ]
خيبر حين أجليت النضير، فقال رسول الله - ﷺ - لعم حيي (سعية): (ما فعل مسك حيي الذي جاء به من النضير؟) فقال: أذهبته النفقات والحروب، فقال رسول الله - ﷺ -: (العهد قريب، والمال أكثر من ذلك).
فدفعه رسول الله - ﷺ - إلى الزبير فمسه بعذاب، وكان حيي قبل ذلك قد دخل خربة، فقال: قد رأيت حييًا يطوف في خربة ها هنا، فذهبوا، فطافوا، فوجدوا المسك في الخربة، فقتل رسول الله - ﷺ - ابني أبي الحقيق، وأحدهما زوج صفية بنت حيي بن أخطب، وسبى رسول الله - ﷺ - نساءهم وذراريهم، وقسم أموالهم للنكث الذي نكثوا، وأراد أن يجليهم منها، فقالوا: يا محمَّد دعنا نكون في هذه الأرض نصلحها، ونقوم عليها، ولم يكن لرسول الله - ﷺ - ولا لأصحابه غلمان يقومون عليها، وكانوا لا يتفرغون أن يقوموا عليها.
فأعطاهم خيبر على أن لهم الشطر من كل نخل وزرع وشيء ما بدا لرسول الله - ﷺ -.
وكان عبد الله بن رواحة يأتيهم كل عام يخرصها عليهم، ويضمنهم الشطر، قالوا: فشكوا إلى رسول الله - ﷺ - شدة خرصه، وأرادوا أن يرشوه، فقال: يا أعداء الله أتطعموني السحت؟ والله لقد جئتكم من عند أحب الناس إليّ، ولأنتم أبغض الناس إلي من عدتكم من القردة والخنازير ولا يحملني بغضي إياكم، وحبي إياه على أن لا أعدل عليكم، فقالوا: بهذا قامت السموات والأرض".
قال: ورأى رسول الله - ﷺ - بعين صفية خضرة فقال: (يا صفية ما هذه الخضرة؟) فقالت: كان رأسي في حجر ابن أبي الحقيق وأنا نائمة، فرأيت كأن قمرًا وقع في حجري، فأخبرته بذلك فلطمني، وقال: تمنين ملك يثرب؟ قالت: وكان رسول الله - ﷺ - من أبغض الناس إلى قتل زوجي وأبي، فما زال يعتذر إلى ويقول: إن أباك ألب علي العرب وفعل، وفعل حتى ذهب ذلك من نفسي.
وكان رسول الله - ﷺ - يعطي كل امرأة من نسائه ثمانين وسقًا من تمر كل عام، وعشرين وسقًا من شعير، فلما كان زمان عمر بن الخطاب غشوا المسلمين، وألقوا ابن عمر من فوق بيت، ففدغوا يديه، فقال عمر بن الخطاب: من كان له سهم من خيبر، فليحضر حتى نقسمها بينهم، فقسمها بينهم وقال رئيسهم: لا تخرجنا دعنا نكون فيها كما أقرنا رسول الله - ﷺ - وأبو بكر، فقال عمر: لرئيسهم: أتراه سقط عني قول رسول الله - ﷺ -: (كيف بك إذا رقصت بك
[ ٣٤٩ ]
راحلتك تخوم الشام يومًا ثم يومًا ثم يومًا)، وقسمها عمر بين من كان شهد خيبر من أهل الحديبية" (١). اللفظ لابن حبان.
١٥ - تثبيت اليهود في أرضهم لزراعتها مقابل شطر الإنتاج:
٥٦٠ - من حديث ابن عمر ﵄ قال: (أعطى رسول الله - ﷺ - خيبر اليهود أن يعملوها، ويزرعوها، ولهم شطر ما يخرج منها" (٢).
وقد سبق شيء من التفصيل في ذلك من حديث ابن عمر السابق لهذا الحديث، والذي أخرج أبو داود في سننه مقطعًا منه، وأورده كاملًا البيهقي وابن حبان كما بينته.
وقد جاء في صحيح الإمام مسلم مقاطع كاملة من ذلك الحديث الطويل، فانظرها في أول كتاب المساقاة، باب المساقاة والمعاملة بجزء من التمر والزرع: ٣/ ١١٨٦ - ١١٨٨، الحديث رقم: ١٥٥١.
١٦ - سبي صفية بنت حيي وزواج النبي منها:
أ - الرؤيا التي رأتها قبل مجيء النبي إلى خيبر:
٥٦١ - من حديث ابن عمر ﵄ قال: "كان بعيني صفية خضرة فقال لها النبي - ﷺ -: (ما هذه الخضرة بعينيك)، قالت: قلت لزوجي إني رأيت فيما يرى النائم كان قمرًا وقع في حجري، فلطمني، وقال: أتريدين ملك يثرب، قالت: وما كان أبغض إلي من رسول الله - ﷺ - قتل أبي وزوجي، فما زال يعتذر إلي، وقال: يا صفية أن أباك ألب علي العرب، وفعل، وفعل، وفعل حتى ذهب ذلك من نفسي" (٣).
_________________
(١) الحديث أخرجه أبو داود منه الشطر الأول في كتاب الخراج باب ما جاء في حكم أرض خيبر حديث رقم: ٣٠٠٦، موارد الظمآن حديث رقم: ١٦٩٧، المغازي باب ما جاء في خيبر وفي سنن البيهقي: ٦/ ١١٤، وفي دلائل البيهقي: ٤/ ٢٢٩ - ٢٣١، والحديث إسناده صحيح وقد أخرجه مختصرًا أحمد: ٢/ ١٧، ٢٢، ٣٧، البخاري: ٣٢٨، ومسلم برقم: ١٥٥١، وأبو داود برقم: ٣٤٠٨، الترمذي برقم: ١٣٨٣، وابن ماجه برقم: ٢٤٦٧.
(٢) أخرجه البخاري في كتاب الإجارة باب إذا استأجر أرضًا فمات أحدهما رقم: ٢٢٨٥، وقد جاء بأرقام أخرى: ٢٣٢٨، ٢٣٢٩، ٢٣٣١، ٢٣٣٨، ٢٤٩٩، ٢٧٢٠، ٣١٥٢، ٤٢٤٨، ومسلم في الصحيح أول كتاب المساقاة حديث رقم: ١٥٥١، وأبو داود برقم: ٣٠٠٧.
(٣) قال الهيثمي في مجمع الزوائد: ٩/ ٢٥١، رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح، وقد سبق هذا الحديث كمقطع من حديث ابن عمر رقم: ٥٥٩.
[ ٣٥٠ ]
ب - زواجه منها:
٥٦٢ - من حديث أنس بن مالك ﵁ قال: "قدمنا خيبر، فلما فتح الله عليه الحصن ذكر له جمال صفية بنت حيي بن أخطب وقد قُتل زوجها، وكانت عروسًا، فاصطفاها رسول الله - ﷺ - لنفسه، فخرج بها، حتى بلغنا سد الصهباء، حلت، فبنى بها رسول الله - ﷺ -، ثم صنع حيسًا في نطع صغير، ثم قال لي: (آذن من حولك)، فكانت تلك وليمته على صفية، ثم خرجنا إلى المدينة، فرأيت النبي - ﷺ - يحوي لها وراءه بعباءة، ثم يجلس عند بعيره فيضع ركبته، وتضع صفية رجلها على ركبته حتى تركب" (١).
٥٦٣ - وقد جاء هذا الحديث بلفظ آخر من حديث أنس أكثر تفصيلًا، "صارت صفية لدحية في مقسمه، وجعلوا يمدحونها عند رسول الله - ﷺ -. قال: ويقولون: ما رأينا في السبي مثلها، قال: فبعث إلى دحية، فأعطاه بها ما أراد، ثم دفعها إلى أمي فقال: (أصلحيها).
قال: ثم خرج رسول الله - ﷺ - من خيبر، حتى إذا جعلها في ظهره نزل، ثم ضرب عليها القبة. فلما أصبح قال رسول الله - ﷺ - (من كان عنده فضل زاد فليأتنا به) قال: فجعل الرجل يجيء بفضل التمر، وفضل السويق، حتى جعلوا من ذلك سوادًا حيسًا (٢)، فجعلوا يأكلون من ذلك الحيس ويشربون من حياض إلى جنبهم من ماء السماء، قال: فقال أنس: فكانت تلك وليمة رسول الله - ﷺ - عليها.
قال: فانطلقنا، حتى إذا رأينا جدر المدينة هششنا (٣) إليها، فرفعنا مطينا (٤) ورفع رسول الله - ﷺ - مطيته، قال: وصفية خلفه قد أردفها رسول الله - ﷺ - قال: فعثرت مطية رسول الله - ﷺ -، فصرع وصرعت: قال: فليس أحد من الناس ينظر إليه ولا إليها، حتى قام رسول الله - ﷺ - فسترها، قال: فأتيناه فقال: لم تضر،
_________________
(١) أخرجه البخاري في المغازي باب غزوة خيبر حديث رقم: ٤٢١١، وتفرد به دون مسلم.
(٢) سوادًا حيسًا: كومًا مرتفعًا فخلطوه وجعلوه حيسًا.
(٣) هششنا: نشطنا وخففنا.
(٤) رفعنا مطينا: أسرعنا بها.
[ ٣٥١ ]
قال: فدخلنا المدينة، فخرج جواري نسائه يترأينها، ويشمتن بصرعتها (١) " (٢).
٥٦٤ - ومن حديث أنس أيضًا قال: "أقام النبي - ﷺ - بين خيبر والمدينة ثلاث ليال يُبني عليه بصفية، فدعوت المسلمين إلى وليمته، وما كان فيها من خبز ولا لحم، وما كان فيها إلا أن أمر بلالًا بالأنطاع، فبسطت، فألقى عليها التمر والأقط والسمن، فقال المسلمون: إحدى إمهات المؤمنين أو ما ملكت يمينه؟ قالوا: إن حجبها فهي إحدى أمهات المؤمنين، وإن لم يحجبها فهي مما ملكت يمينه، فلما ارتحل واطأ خلفه، ومد الحجاب" (٣).
جـ - مهرها:
٥٦٦ - من حديث أنس ﵁ قال: "سبى النبي - ﷺ - صفية، فأعتقها، وتزوجها، فقال ثابت لأنس: ما أصدقها؟ قال: أصدقها نفسها فأعتقها" (٤).
١٧ - وضع السم للنبي في الشاة التي قدمت له هدية:
٥٦٧ - من حديث أنس بن مالك ﵁ قال: "إن امرأة يهودية أتت رسول الله - ﷺ - بشاة مسمومة، فأكل منها، فجيء بها إلى رسول الله - ﷺ -، فسألها عن ذلك، قالت: أردت لأقتلك، فقال: (ما كان ليسلطك على ذلك، أو عليَّ)، قال: قالوا: ألا تقتلها، قال: لا، فما زالت أعرفها في لهوات (٥) رسول الله - ﷺ -" (٦).
٥٦٨ - من حديث أبي هريرة ﵁ قال: "لما فتحت خيبر، أهديت
_________________
(١) يشمتن بصرعتها: يظهرن السرور بوقعتها.
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه كتاب النكاح، باب فضيلة إعتاقه أمة ثم يتزوجها، حديث رقم: ١٣٦٥، ٢/ ١٠٤٧ - ١٠٤٨، وقد جاء بزيادات يسيرة انظرها في هذا الرقم عند مسلم.
(٣) أخرجه البخاري في المغازي باب غزوة خيبر حديث رقم: ٤٢١٣، وقد تفرد به دون مسلم.
(٤) أخرجه البخاري في المغازي باب غزوة خيبر حديث رقم: ٤٢٠١، وقد انفرد به البخاري من هذا الوجه.
(٥) لهوات: جمع لهاة، اللحمة الحمراء المعلقة في أصل الحنك، كأنه بقى للسم علامة، سوادًا وغيره.
(٦) أخرجه البخاري في الهبة باب قبول الهدية من المشركين حديث رقم: ٢٦١٧، مسلم في السلام باب اسم حديث رقم: ٢١٩٠، أبو داود في الديات رقم: ٤٥٠٨.
[ ٣٥٢ ]
لرسول الله - ﷺ - شاة فيها سم، فقال رسول الله - ﷺ -: اجمعوا لي من ها هنا من اليهود). فجمعوا له، فقال لهم رسول الله - ﷺ -: (إني سائلكم عن شيء فهل أنتم صادقوني عنه؟) فقالوا: نعم يا أبا القاسم، فقال لهم رسول الله - ﷺ -: (من أبوكم؟) قالوا: أبونا فلان، فقال رسول الله - ﷺ -: (كذبتم بل أبوكم فلان) فقالوا: صدقت وبررت.
فقال: (هل أنتم صادقوني عن شيء إن أنا سألتكم عنه؟) فقالوا: نعم يا أبا القاسم، وإن كذبناك عرفت كما عرفته في أبينا، فقال لهم رسول اللهﷺ -: (من أهل النار؟) فقالوا: نكون فيها يسيرًا، ثم تخلفونا فيها، فقال لهم رسول الله - ﷺ -: (اخسؤوا فيها، والله لا نخلفكم فيها أبدًا).
ثم قال لهم: (هل أنتم صادقوني عن شيء إن سألتكم عنه؟) فقالوا: نعم، فقال: (هل جعلتم في هذه الشاة سمًّا؟) فقالوا: نعم، فقال: (ما حملكم على ذلك؟) فقالوا: أردنا إن كنت كذابًا أن نستريح منك، وإن كنت نبيًّا لم يضرك" (١).
وهذا يثبت أن المرأة ما فعلت فعلتها إلا بأمر من رؤساء اليهود وزعمائهم وبإقرار منهم كما جاء في هذا الحديث الصحيح.
شدة تأثره ﵇ بالسم:
٥٦٩ - من حديث عائشة ﵂ قالت: "كان رسول الله - ﷺ - يقول في مرضه الذي مات فيه: (يا عائشة ما أزال أجد ألم الطعام الذي أكلت بخيبر، فهذا آوان وجدت انقطاع أبهري من ذلك السم" (٢).
_________________
(١) أخرجه البخاري في الطب باب ما يذكر في سم النبي - ﷺ - رقم: ٥٧٧٧، وأبو داود في سننه الديات باب فيمن سقى رجلًا سمًّا حديث رقم: ٤٥٠٩، وأحمد في المسند: ٢/ ٤٥١.
(٢) أخرجه البخاري في المغازي باب مرض النبي - ﷺ - ووفاته برقم: ٤٤٢٨، معلقًا، أحمد في المسند: ٦/ ١٨، والدارمي: ١/ ٣٢، ٣٣ والحاكم: ٣/ ١٩، قال يونس عن الزهري قال عروة قالت عائشة. وقال الحافظ في الفتح: "وقد وصله البزار والحاكم والإسماعيلي من طريق عتبة بن خالد عن يونس بهذا الإسناد، وقال البزار: تفرد به عنبسة عن يونس أي بوصله، وإلا فقد رواه موسى بن عقبة في المغازي عن الزهري لكنه أرسله، وله شاهدان مرسلان أيضًا أخرجهما إبراهيم الحربي في غرائب الحديث" وقد أخرجه الحاكم في المستدرك: ٣/ ٢٠٩، عن أم بشر بن البراء بن معرور قريبًا من هذا الحديث، وقال. صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، ومن حديث أبي هريرة عند ابن سعد.
[ ٣٥٣ ]
هل قتل رسول الله ﷺ المرأة التي وضعت السم:
قال القاضي عياض: واختلفت الآثار والعلماء هل قتلها النبي - ﷺ - أم لا، فوقع في مسلم أنهم قالوا ألا نقتلها؟ قال: (لا) ومثله عن أبي هريرة وجابر، وعن جابر من رواية أبي سلمة أنه قتلها، وفي رواية ابن عباس أنه دفعها إلى أولياء بشر بن البراء بن معرور، وكان أكل منها، فمات بها، فقتلوها، وفي لفظ قتلها وصلبها، وفي جامع معمر عن الزهري لما أسلمت تركها، قال معمر كذا قال الزهري أسلمت، والناس يقولون قتلها ولم تسلم.
وقال السهيلي قيل: إنه صفح عنها، قال القاضي وجه الجمع بين هذه الروايات والأقاويل أنه لم يقتلها حين اطلع على سمها، وقيل له: اقتلها فقال: لا، فلما مات بشر بن البراء بن معرور من ذلك سلمها لأوليائه، فقتلوها قصاصًا، فصح قولهم لم يقتلها أي في الحال، ويصح قولهم قتلها أي بعد ذلك والله أعلم" (١).
١٨ - تقسيم الغنائم يوم خيبر:
أ - كيفية القسمة:
٥٧٠ - من حديث ابن عمر ﵄ قال: "قسم رسول الله - ﷺ - يوم خيبر للفرس سهمين وللراجل سهمًا، قال: فسره نافع فقال: إذا كان مع الرجل فرس فله ثلاثة أسهم، فإن لم يكن له فرس فله سهم" (٢).
٥٧١ - من حديث بشير بن أبي حثمة قال: "قسم رسول الله - ﷺ - خيبر نصفين نصفًا لنوائبه وحاجته، ونصفًا بين المسلمين قسمها بينهم على ثمانية عشر سهمًا" (٣).
_________________
(١) شرح صحيح مسلم: ١٤/ ١٧٩.
(٢) أخرجه البخاري في المغازي باب غزوة خيبر حديث رقم: ٤٢٢٨، مسلم في الجهاد والسير باب كيفية القسمة الغنيمة بين الحاضرين حديث رقم: ١٧٦٢، مالك في الموطأ: ٢/ ٤٥٦، الجهاد باب القسم للخيل في الغزو، أبو داود في الجهاد باب في سهمان الخيل حديث رقم: ٢٧٣٣، الترمذي في السير باب في سهم الخيل رقم: ١٥٥٤، وأحمد في المسند: ٢/ ٢، ٦٢، ٧٢، ٨٠.
(٣) أخرجه أبو داود في سننه كتاب الخراج والفيء .. باب ما جاء في حكم خيبر حديث رقم: ٣٠١٠، سنده حسن.
[ ٣٥٤ ]
ب - سهم ذوي القربى:
٥٧٢ - من حديث جبير بن مطعم ﵁: "أنه جاء هو وعثمان بن عفان يكلمان رسول الله - ﷺ - فيما قسم الخمس بين بني هاشم وبني المطلب، فقلت: يا رسول الله قسمت لإخواننا بني المطلب ولم تعطنا شيئًا، وقرابتنا وقرابتهم منك واحدة، فقال النبي - ﷺ -: (إنما بنو هاشم وبنو المطلب واحد) قال جبير: ولم يقسم لبني عبد شمس، ولا لبني نوفل من ذلك الخمس، كما قسم لبني هاشم وبني المطلب، قال: وكان أبو بكر يقسم الخمس نحو قسم رسول الله - ﷺ - غير أنه لم يكن يعطي قربى رسول الله - ﷺ - ما كان النبي - ﷺ - يعطيهم، قال: وكان عمر بن الخطاب يعطيهم منه، وعثمان بعده" (١) اللفظ لأبي داود.
جـ - إعطاء العبيد من الغنائم وعدم الإسهام لهم:
٥٧٣ - من حديث عمير مولى أبي اللحم قال: "شهدت خيبر مع سادتي، فكلموا في رسول الله - ﷺ -، فأمرني فقلدت سيفًا، فإذا أنا أجُرُّهُ، فأخبر أني مملوك، فأمر لي بشيء من خرثي المتاع (٢) " (٣).
د - إعطاء النبي ﵇ للنساء من الغنائم والإسهام لهن من الثمار:
٥٧٤ - من حديث ثابت بن الحارث الأنصاري قال: "قسم رسول الله - ﷺ - يوم خيبر لسهلة بنت عاصم بن عدي، ولابنة لها ولدت" (٤).
_________________
(١) أخرجه البخاري في المغازي باب غزوة خيبر رقم: ٤٢٢٩، أبو داود في الخراج والإمارة والفيء باب في بيان مواضع قسم الخمس وسهم ذوي القربي حديث: ٢٩٧٨ - ٢٩٨٠، النسائي في كتاب قسم الفيء: ٧/ ١٣٠، وابن ماجة حديث رقم: ٢٨٨١، وأحمد في المسند:٤/ ٨١،٨٣، ٨٥، البيهقي: ٦/ ٣٤١، أبو عبيد في الأموال: ٨٤٢.
(٢) خرثي المتاع: أثاث البيت كالقدر ونحوه.
(٣) أخرجه أبو داود في الجهاد باب في المرأة والعبد يحذيان من الغنيمة حديث رقم: ٢٧٣٠، الترمذي في السير باب هل يسهم للعبد: ١٥٥٧، وقال حسن صحيح، ابن ماجة حديث رقم: ٢٨٥٥، ابن حبان: ١٦٦١، الدارمي: ٢/ ٢٢٦، البيهقي: ٦/ ٣٣٢، والحاكم: ٢/ ١٣١، وقال صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي.
(٤) أخرجه الطبراني برقم: ١٣٦٩، الهيمثي في المجمع: ٦/ ٧: رواه الطبراني، وفيه ابن لهيعة، وفيه ضعف، وحديثه حسن، وقد أخرجه الطبراني في الكبير: برقم: ١٣٦٩، قال: حدثنا علي بن عبد العزيز الحسن بن الربيع الكوفي عن ابن المبارك عن ابن لهيعة عن الحارث بن يزيد الحضرمي عن ثابت ورواية العبادلة عن ابن لهيعة صحيحة فسند الحديث صحيح رجاله ثقات.
[ ٣٥٥ ]
٥٧٥ - من حديث زينب بنت أبي معاوية الثقفية "أن النبي - ﷺ - أعطاها بخيبر خمسين وسقًا تمرًا، وعشرين وسقًا شعيرًا بالمدينة" (١).
هـ - قصة أبي هريرة مع أبان بن سعيد بن العاص في قسمة الغنائم:
٥٧٦ - من حديث أبي هريرة ﵁ قال: "بعث رسول الله - ﷺ - أبان على سرية من المدينة قبل نجد، قال أبو هريرة: فقدم أبان وأصحابه على النبي - ﷺ - بخيبر بعدما افتتحها، وإن حزم خيلهم لليف، قال أبو هريرة: قلت يا رسول الله، لا تقسم لهم، قال أبان: وأنت بهذا يا وبر تحدر من رأس ضأن، فقال النبي - ﷺ -: (يا أبان اجلس فلم يقسم له) " (٢).
قلت: وإن كان ورد أن القائل: "لا تعطه من الغنائم أبان بن سعيد"، وأن السائل هو أبو هريرة ﵁، وهذا أيضًا في الصحيح، والراجح عندي، والله أعلم- أن الذي سأل أن يعطى من الغنائم هو أبان بن سعيد، وأن القائل: لا تعطه من الغنائم هو أبو هريرة.
ويؤيد ما ذهبت إليه أن أبا هريرة صرح بأن الرسول ﵊ قد أعطاه، ومن جاء معه من الغنائم يوم خيبر، وذلك في حديثه الذي بين فيه أن رسول الله - ﷺ - أمر على المدينة سباع بن عرفطة الغفاري، وقد سبق الإشارة إلى هذا الحديث الذي أخرجه أحمد بسند جيد في بداية الحديث عن غزوة خيبر برقم: ٥٤٢، فانظره هناك.
١٩ - حديث الحجاج بن علاط مع أهل مكة:
٥٧٧ - من حديث أنس بن مالك ﵁: قال: "لما افتتح رسول الله - ﷺ - خيبر قال الحجاج بن علاط: يا رسول الله! إن لي بمكة مالًا، وإن لي بها أهلًا، وإني أريد أن آتيهم، فأنا في حل إن أنا نلت منك؟ وقلت شيئًا؟ فأذن له رسول الله - ﷺ - أن يقول ما شاء، فأتى امرأته حين قدم، فقال: اجمعي لي
_________________
(١) أخرجه الطبراني في الكبير: ٢٤/ ٢٨٧ - ٢٨٨، رقم: ٧٣٢، قال الهيثمي في المجمع: ٦/ ٧: رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح.
(٢) أخرجه البخاري في المغازي باب غزوة خيبر تعليقًا رقم: ٤٢٣٨، ووصله أبو داود من طريق إسماعيل بن عياش في الجهاد باب فيمن جاء بعد الغنيمة لا سهم له حديث رقم: ٢٧٢٣، ووصلها أبو نعيم في المستخرج من طريق إسماعيل بن عياش أيضًا، ومن طريق عبد الله بن سالم، كلاهما عن الحميدي كما أشار إلى ذلك الحافظ في الفتح: ٧/ ٤٩١.
[ ٣٥٦ ]
ما كان عندك، فإني أريد أن أشتري من غنائم محمَّد وأصحابه، فإنَّهم قد استبيحوا، أو أصيبت أموالهم، قال: ففشا ذلك في مكة فانقمع المسلمون، وأظهر المشركون فرحًا وسرورًا، قال: وبلغ الخبر العباس (﵁) فعقر، وجعل لا يستطيع أن يقوم.
قال معمر: فأخبرني عثمان الجزري عن مقسم قال: فأخذ ابنًا له يشبه رسول الله - ﷺ - يقال له قثم، فاستلقى فوضعه على صدره وهو يقول:
حبِّي قثم، حبِّي قثم شبيه ذي الأنف الأشم
نبي رب ذي النعم برغم أنف من رغم
قال ثابت عن أنس: ثم أرسل غلامًا له إلى الحجاج: ويلك ما جئت به؟ وماذا تقول؟ فما وعد الله خير مما جئت به، قال: فقال الحجاج بن علاط لغلامه: أقرأ على أبي الفضل السلام، وقيل له: فليخل لي في بعض بيوته لآتيه، فإن الخبر على ما يسره، فجاءه غلامه، فلما بلغ باب الدار قال: أبشر يا أبا الفضل، قال: فوثب العباس فرحًا، حتى قبل بين عينيه، فأخبره بما قال الحجاج، فأعتقه. قال: ثم جاء الحجاج فأخبره أن رسول الله - ﷺ - قد افتتح خيبر، وغنم أموالهم، وجرت سهام الله في أموالهم، واصطفى رسول الله - ﷺ - صفية بن حيي، فأخذها لنفسه وخيرها أن يعتقها، وتكون زوجته، أو تلحق بأهلها، فاختارت أن يعتقها، وتكون زوجته، ولكني جئت لما كان لي ها هنا أردت أن أجمعه، فاذهب به، فاستأذنت رسول الله - ﷺ -، فأذن لي أن أقول ما شئت، فأخف عني ثلاثًا ثم اذكر ما بدا لك، قال: فجمعت امرأته ما كان عندها من حلي ومتاع فجمعه، فدفعته إليه ثم انشمر به.
فلما كان بعد ثلاث أتى العباس امرأة الحجاج، فقال: ما فعل زوجك؟ فأخبرته أنه ذهب يوم كذا وكذا، وقالت: لا يخزيك الله يا أبا الفضل، لقد شق علينا الذي بلغك، قال: أجل، لا يخزيني الله، ولم يكن بحمد الله إلا ما أحببنا، فتح الله خيبر على رسول الله - ﷺ -، وجرت فيها سهام الله، واصطفى رسول الله - ﷺ - صفية بنت حيي لنفسه، فإن كانت لك حاجة في زوجك فالحقي به، قالت: أظنك والله صادقًا، قال: فإني صادق، الأمر على ما أخبرتك.
فقال: ثم ذهب حتى أتى مجالس قريش، وهم يقولون إذا مر بهم: لا
[ ٣٥٧ ]
يصيبك إلا خير يا أبا الفضل، قال لهم: لم يصبني إلا خير بحمد الله، قد أخبرني الحجاج بن علاط أن خيبر قد فتحها الله على رسوله - ﷺ -، وجرت فيها سهام الله، واصطفى صفية لنفسه، وقد سألني أن أخفي عليه ثلاثًا، وإنما جاء ليأخذ ماله، وما كان له من شيء ها هنا، ثم يذهب. قال: فرد الله الكآبة التي كانت بالمسلمين على المشركين، وخرج المسلمون ومن كان دخل بينه مكتئبًا حتى أتوا العباس، فأخبرهم الخبر وسر المسلمون، ورد الله -﵎- ما كان من كآبة أو غيظ أو حزن على المشركين" (١).
٢٠ - مسير النبي إلى وادي القرى وقصة الذي غل من الغنيمة:
٥٧٨ - من حديث أبي هريرة ﵁ قال: "خرجنا مع رسول الله - ﷺ - يوم خيبر، فلم نغنم ذهبًا ولا فضة إلا الأموال والثياب والمتاع، فأهدى رجل من بني الضبيب، يقال له رفاعة بن زيد لرسول الله - ﷺ - غلامًا يقال له مدعم.
فوجه رسول الله - ﷺ - إلى وادي القرى حتى إذا كان بوادي القرى، بينما مدعم يحط رحلًا لرسول الله - ﷺ - إذا سهم عائر فقتله، فقال الناس: هنيئًا له الجنة، فقال رسول الله - ﷺ -: (كلا والذي نفسي بيده، أن الشملة التي أخذها يوم خيبر من الغنائم لم تصبها المقاسم لتشتعل عليه نارًا).
فلما سمع ذلك الناس جاء رجل بشراك أو شراكين إلى النبي - ﷺ - فقال: (شراك من نار أو شراكان من نار) (٢) اللفظ للبخاري.
_________________
(١) أخرجه أحمد في المسند: ٣/ ١٣٨ - ١٣٩ بسند صحيح، وعبد الرزاق في المصنف رقم: ٩٧٧١، وأبو يعلى برقم: ٣٤٧٩، والبيهقي في السنن: ٩/ ١٥١، والدلائل: ٤/ ٢٦٦ - ٢٦٧، والطبراني في الكبير برقم: ٣١٩٦، والفسوي في المعرفة والتاريخ: ١/ ٥٠٧ - ٥٠٨، والنسائي في السنن الكبرى في السير كما في تحفة الأشراف: ١/ ١٥٣، رقم الحديث ٤٨٦، وانظر كشف الأستار عن زوائد البزار: ١٨١٦، وابن حبان: ١٦٩٨ - موارد-، وقال الهيثمي في المجمع: ٦/ ١٥٤ - ١٥٥، رواه أحمد، وأبو يعلى، والبزار، والطبراني، ورجاله رجال الصحيح وقال ابن كثير في البداية: ٤/ ٢٣، عن سند أحمد: وهذا الإسناد على شرط الشيخين.
(٢) أخرجه البخاري في الأيمان والنذور باب هل يدخل في الأيمان والنذور الأرض والغنم والزرع والأمتعة حديث رقم: ٦٧٠٧، وفي المغازي باب غزوة خيبر حديث رقم: ٤٢٣٤، مسلم في الإيمان باب غلظ تحريم الغلول حديث رقم: ١١٥، مالك في الموطأ في الجهاد باب ما جاء في الغلول: ٢/ ٤٥٩، حديث رقم: ٢٥، أبو داود في الجهاد باب في تعظيم الغلول حديث رقم: ٢٧١١، والنسائي: ٧/ ٢٤، الأيمان والنذور باب هل تدخل الأرضون في المال والنذر.
[ ٣٥٨ ]
٢١ - نومهم عن صلاة الفجر وعدم استيقاظهم حتى طلعت الشمس:
٥٧٩ - من حديث أبي هريرة ﵁: "أن رسول الله - ﷺ -، حين قفل من غزوة خيبر، سار ليلة، حتى إذا أدركه الكبرى عرَّس، وقال لبلال: (اكلأ لنا الليل) فصلى بلال ما قدر له. ونام رسول الله - ﷺ - وأصحابه. فلما تقارب الفجر استند بلال إلى راحلته مواجه الفجر، فغلبته عيناه، وهو مستند إلى راحلته، فلم يستيقظ رسول الله - ﷺ -، ولا بلال، ولا أحد من أصحابه حتى ضربتهم الشمس.
فكان رسول الله - ﷺ - أولهم استيقاظًا، ففزع رسول الله - ﷺ -، فقال: (أي بلال؟) فقال بلال: أخذ بنفسي الذي -بأبي أنت وأمي يا رسول الله! - أخذ بنفسك. قال: (اقتادوا) فاقتادوا رواحلهم شيئًا، ثم توضأ رسول الله - ﷺ -، وأسر بلالًا فأقام الصلاة، فصلى بهم الصبح، فلما قضى الصلاة قال: (من نسي الصلاة فليصليها إذا ذكرها، فإن الله قال: ﴿أقم الصلاة لذكري﴾ (١)، قال يونس: وكان ابن شهاب يقرؤها: للذكرى) (٢).
٢٢ - معجزة زيادة الماء القليل حتى سقى الجيش الكثير:
٥٨٠ - من حديث أبي قتادة ﵁ قال: "خطبنا رسول الله - ﷺ - فقال: (إنكم تسيرون عشيتكم وليلتكم، وتأتون الماء، إن شاء الله غدًا) فانطلق الناس لا يلوي أحد على أحد، قال أبو قتادة: فبينما رسول الله - ﷺ - يسير حتى ابهار الليل (٣)، وأنا إلى جنبه، قال: فنعس رسول الله - ﷺ -، فمال عن راحلته. فأتيته فدعمته (٤) من غير أن أوقظه. حتى اعتدل على راحلته. قال ثم سار حتى إذا كان من آخر السحر مال ميلة. هي أشد من الميلتين الأولين، حتى كاد
_________________
(١) سورة طه: ١٤.
(٢) أخرجه مسلم في كتاب المساجد مواضع الصلاة حديث رقم: ٦٨٠، مالك في الموطأ كتاب وقوت الصلاة باب النوم عن الصلاة: ١/ ١٣ - ١٤، أبو داود في الصلاة باب في من نام عن الصلاة أو فيها حديث رقم: ٤٣٥ - ٤٣٦، والترمذي في تفسير القرآن باب ومن سورة طه حديث رقم: ٣١٦٣، النسائي: ١/ ٢٩٥ - ٢٩٨، كتاب الصلاة باب إعادة من نام عن الصلاة أو نسيها، باب كيف يقضي الفائت عن الصلاة، وابن ماجة الصلاة باب من نام عن الصلاة أو نسيها حديث رقم: ٦٩٧.
(٣) ابهار الليل: انتصف.
(٤) فدعمته: أقمت عليه من النوم وصرت تحته كالدعامة للبناء فوقها.
[ ٣٥٩ ]
ينجفل (١)، فأتيته فدعمته، فرفع رأسه.
فقال: (من هذا؟) قلت: أبو قتادة، قال: (متى كان هذا مسيرك مني؟) قلت: ما زال هذا مسيري منذ الليلة. قال: (حفظك الله بما حفظت به نبيه) ثم قال: (هل ترانا نخفى على الناس؟) ثم قال: (هل ترى من أحد؟) قلت: هذا راكب ثم قلت: هذا راكب آخر. حتى اجتمعنا فكنا سبعة ركب.
قال: فمال رسول الله - ﷺ - عن الطريق. فوضع رأسه. ثم قال: (احفظوا علينا صلاتنا)، فكان أول من استيقظ رسول الله - ﷺ -، والشمس في ظهره، قال: فقمنا فزعين. ثم قال: (اركبوا) فركبنا. فسرنا حتى إذا ارتفعت الشمس نزل. ثم دعا بميضأة (٢) كانت معي فيها شيء من ماء. قال فتوضأ منها وضوءًا دون وضوء (٣). قال وبقي فيها شيء من ماء. ثم قال لأبي قتادة: (احفظ علينا ميضأتك. فسيكون لها نبأ) ثم أذن بلال بالصلاة. فصلى رسول اللهﷺ - ركعتين. ثم صلى الغداة فصنع كما كان يصنع كل يوم. قال وركب رسول الله - ﷺ - وركبنا معه.
قال فجعل بعضنا يهمس إلى بعض (٤): ما كفارة ما صنعنا بتفريطنا في صلاتنا؟ ثم قال: (ما لكم فيَّ أسوة (٥)؟) ثم قال: (أما أنه ليس في النوم تفريط (٦)، إنما التفريط على من لم يصل حتى يجيء وقت الصلاة الأخرى، فمن فعل ذلك فليصلها حين ينتبه لها، فإذا كان من الغد فليصلها عند وقتها) ثم قال: (ما ترون الناس صنعوا؟) قال: ثم قال: (أصبح الناس فقدوا نبيهم، فقال أبو بكر وعمر: رسول الله - ﷺ - بعدكم، لم يكن ليخلفكم، وقال الناس: إن رسول الله - ﷺ - بين أيديكم، فإن يطيعوا أبا بكر وعمر يرشدوا).
قال: فانتهينا إلى الناس حين امتد النهار، وحمي كل شيء، وهم يقولون:
_________________
(١) ينجفل: يسقط.
(٢) الميضأة: الإناء الذي يتوضأ به كالركوة.
(٣) وضوء دون وضوء: وضوءًا خفيفًا.
(٤) يهمس إلى بعض: يكلمه بصوت خفي.
(٥) أسوة: قدوة.
(٦) ليس في النوم تفريط: أي تقصير لانعدام الاختيار من النائم.
[ ٣٦٠ ]
يا رسول الله! هلكنا، عطشنا. فقال: (لا هلك عليكم) (١)، ثم قال: (اطلقوا لي غُمري) (٢) قال: "ودعا بالميضأة، فجعل رسول الله - ﷺ - يصب وأبو قتادة يسقيهم، فلم يعد أن رأى الناس ماءً في الميضأة تكابوا عليها (٣)، فقال: رسول الله - ﷺ -: (أحسنوا الملأ (٤) كلكم سيروى) قال ففعلوا. فجعل رسول الله - ﷺ - يصب وأسقيهم، حتى ما بقي غيري وغير رسول الله - ﷺ -. قال: ثم صب رسول الله - ﷺ - فقال لي: (اشرب): فقلت: لا أشرب حتى تشرب يا رسول الله! قال: (إن ساقي القوم آخرهم شربًا) قال: فشربت. وشرب رسول الله - ﷺ -. قال فأتى الناس الماء جامين رواءً.
قال: فقال عبد الله بن رباح: إني لأحدث هذا الحديث في مسجد الجامع. إذ قال عمران بن حصين: انظر أيها الفتى كيف تحدث. فإني أحد الركب تلك الليلة. قال: قلت: فأنت أعلم بالحديث. فقال: فمن أنت؟ قلت: من الأنصار. قال: حدث فأنتم أعلم بحديثكم. قال: فحدثت القوم. فقال عمران: لقد شهدت تلك الليلة وما شعرت أن أحدًا حفظه كما حفظته) (٥) واللفظ لمسلم.
٢٣ - عودة مهاجري الحبشة وقسمة الرسول لهم من الغنائم:
٥٨١ - من حديث أبي موسى الأشعري ﵁ قال: "بلغنا مخرج رسول الله - ﷺ - ونحن باليمن. فخرجنا مهاجرين إليه. أنا وأخوان لي. أنا أصغرهما. أحدهما أبو بردة والآخر أبو رهم. إما قال بضعًا وإما قال: ثلاثة وخمسين أو اثنين وخمسين رجلًا من قومي قال: فركبنا سفينة، فألقتنا سفينتنا إلى النجاشي بالحبشة، فوافقنا جعفر بن أبي طالب وأصحابه عنده. فقال جعفر: إن رسول الله - ﷺ - بعثنا ها هنا، وأمرنا بالإقامة، فأقيموا معنا. فأقمنا معه حتى قدمنا جميعًا. قال: فوافقنا رسول الله - ﷺ - حين افتتح خيبر فأسهم لنا، أو أعطانا
_________________
(١) لا هلك عليكم: أي لا هلاك.
(٢) اطلقوا لي غمري: ايتوني به والغمر القدح الصغير.
(٣) فلم يعد أن رأى الناس ماء في الميضأة تكابوا عليها: أي لم يتجاوز رؤيتهم الماء في الميضأة تكابهم: أي تزاحمهم عليها مكبًّا بعضهم على بعض.
(٤) أحسنوا الملأ: الخلق والعشرة.
(٥) أخرجه البخاري في المواقيت باب الأذان بعد ذهاب الوقت حديث رقم: ٥٩٥، ومسلم في المساجد باب قضاء الصلاة الفائتة رقم: ٦٨١، وأبو داود في الصلاة باب فيمن نام عن الصلاة أو نسيها رقم:٤٣٧، ٤٣٨.
[ ٣٦١ ]
منها. وما قسم لأحد غاب عن فتح خيبر منها شيئًا إلا لمن شهد معه إلا لأصحاب سفينتنا مع جعفر وأصحابه، فقسم لهم معهم. قال: فكان ناس من الناس يقولون لنا -يعني لأهل السفينة- نحن سبقناكم بالهجرة".
فضل أهل هجرة الحبشة:
قال: "فدخلت أسماء بنت عميس، هي ممن قدم معنا على حفصة زوج النبي - ﷺ - زائرة. وقد كانت هاجرت إلى النجاشي فيمن هاجر إليه. فدخل عمر على حفصة، وأسماء عندها. فقال عمر حين رأى أسماء: من هذه؟ قالت: أسماء بنت عميس. قال عمر: الحبشية هذه؟ البحرية هذه؟ فقالت أسماء: نعم. فقال عمر: سبقناكم بالهجرة. فنحن أحق برسول الله - ﷺ - منكم فغضبت وقالت كلمة: كذبت يا عمر! كلا والله! كنتم مع رسول الله - ﷺ - يطعم جائعكم ويعظ جاهلكم، وكنا في دار. أو في أرض البعداء البغضاء (١) في الحبشة. وذلك في الله وفي رسوله، وأيم الله! لا أطعم طعامًا ولا أشرب شرابًا حتى أذكر ما قلت لرسول الله - ﷺ -، ونحن كنا نؤذى ونخاف، وسأذكر ذلك لرسول الله - ﷺ - وأسأله، والله لا أكذب، ولا أزيغ، ولا أزيد على ذلك، قال: فلما جاء النبي - ﷺ - قالت: يا نبي الله! إن عمر قال كذا وكذا، فقال رسول الله - ﷺ -: (ليس بأحق بي منكم، وله ولأصحابه هجرة واحدة، ولكم أنتم أهل السفينة هجرتان).
قالت: فلقد رأيت أبا موسى وأصحاب السفينة يأتوني أرسالًا. يسألوني عن هذا الحديث، ما من الدنيا شيء هم أفرح، ولا أعظم في أنفسهم مما قال لهم رسول الله - ﷺ -.
قال أبو بردة: فقالت أسماء: لقد رأيت أبا موسى، لأنه يستعيد هذا الحديث مني" (٢) اللفظ لمسلم.
_________________
(١) البعداء البغضاء: قال العلماء: البعداء في النسب، البغضاء في الدين لأنهم كفار إلا النجاشي وكان يستخفي بإسلامه عن قومه ويورى لهم.
(٢) أخرجه البخاري في المغازي باب غزوة خيبر حديث رقم: ٤٢٣٠، ٤٢٣١، مسلم في فضائل الصحابة باب من فضائل جعفر بن أبي طالب وأسماء بنت عميس وأهل سفينتهم أحاديث رقم: ٢٥٠٢، ٢٥٠٣، أبو داود في الجهاد باب فيمن جاء بعد الغنيمة لا سهم له حديث رقم: ٢٧٤٥، بعض الحديث، والترمذي في السير باب أهل الذمة ينفروا مع المسلمين هل يسهم لهم حديث رقم: ١٥٥٩، وقال: حسن صحيح غريب.
[ ٣٦٢ ]
٢٤ - النهي عن رفع الصوت بالتكبير:
٥٨٢ - من حديث أبي موسى الأشعري ﵁: "قال: لما غزا رسول الله - ﷺ - خيبر. أو قال لما توجه رسول الله - ﷺ - أشرف الناس على واد، فرفعوا أصواتهم بالتكبير: الله أكبر، الله أكبر، فقال رسول الله - ﷺ -: (أربعوا على أنفسكم، إنكم لا تدعون أصم ولا غائبًا، إنكم تدعون سميعًا قريبًا، وهو معكم). وأنا خلف دابة رسول الله - ﷺ -، فسمعني وأنا أقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، فقال لي: (يا عبد الله بن قيس)، قلت: لبيك رسول الله. قال: (ألا أدلك على كلمة من كنز من كنوز الجنة؟) قلت: بلى يا رسول الله، فداك أبي وأمي. قال: (لا حول ولا قوة إلا بالله) (١).
٢٥ - رد المهاجرين المنائح التي أعطاهم إياها الأنصار:
٥٨٣ - من حديث أنس بن مالك ﵁ قال: "لما قدم المهاجرون من مكة المدينة، قدموا وليس بأيديهم شيء، وكان الأنصار أهل الأرض والعقار، فقاسمهم الأنصار على أن أعطوهم أنصاف ثمار أموالهم، كل عام، ويكفونهم العمل والمؤونة، وكانت أم أنس بن مالك وهي تدعى أم سليم، وكانت أم عبد الله ابن أبي طلحة، كان أخًا لأنس لأمه، وكانت أعطت أم أنس رسول الله - ﷺ - عذاقًا (٢) لها.
فأعطاها رسول الله - ﷺ - أم أيمن مولاته، أم أسامة بن زيد.
قال ابن شهاب: فأخبرني أنس بن مالك أن رسول الله - ﷺ - لما فرع من قتال أهل خيبر وانصرف إلى المدينة، رد المهاجرون إلى الأنصار منائحهم (٣) التي كانوا منحوهم من ثمارهم. قال: فرد رسول الله - ﷺ - إلى أمي عذاقها. وأعطى رسول الله - ﷺ - أم أيمن مكانهن من حائطه.
_________________
(١) أخرجه البخاري في المغازي باب غزوة خيبر حديث رقم: ٤٢٠٥، وفي الدعوات باب الدعاء إذا علا هضيبة رقم: ٦٣٨٤، ومسلم في الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار باب استحباب خفض الصوت بالذكر رقم: ٧٠٤، وأبو داود في الصلاة باب في الاستغفار حديث رقم: ١٥٢٦، ١٥٢٧، ١٥٢٨، الترمذي في الدعوات باب ما جاء في فضل التسبيح والتكبير والتهليل والتحميد حديث رقم: ٣٤٦١، وقال: حسن صحيح، وابن ماجة في الدعوات كتاب الأدب باب ما جاء في لا حول ولا قوة إلا بالله حديث رقم: ٣٨٢٤، والنسائي في عمل اليوم والليلة، باب ما يقول إذا أشرف على وادي حديث رقم: ٥٣٨.
(٢) العذاق: جمع عذق وهي النخلة.
(٣) منائحهم: جمع منيحة والمنيحة هي المنحة.
[ ٣٦٣ ]
قال ابن شهاب: وكان من شأن أم أيمن، أم أسامة بن زيد، أنها كانت وصيفة لعبد الله بن عبد المطلب وكانت من الحبشة، فلما ولدت آمنة رسول الله - ﷺ -، بعدما توفي أبوه فكانت أم أيمن تحضنه، حتى كبر رسول الله - ﷺ -، فأعتقها، ثم أنكحها زيد بن حارثة. ثم توفيت بعدما توفي رسول الله - ﷺ - بخمسة أشهر" (١).
٢٦ - شبع المسلمين من التمر بعد فتح خيبر:
٥٨٤ - من حديث عائشة ﵂ قالت: (فلما فتحت خيبر قلنا: الآن نشبع من التمر) (٢).
٥٨٥ - من حديث عائشة ﵂ قالت: (لما فتحت خيبر قلنا: الآن نشبع من التمر) (٣).
٢٧ - تأمير أحد الأنصار على خيبر:
٥٨٦ - من حديث أبي سعيد وأبي هريرة ﵄ قالا: (إن النبي - ﷺ - بعث أخا بني عدي من الأنصار إلى خيبر، فأمره عليها" (٤).
وقال الحافظ ابن حجر في فتح الباري: ٤٩٦٨: وفي رواية ابن عوانة والدارقطني (سواد بن غزية) وهو من بني عدي بن النجار.
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه كتاب الجهاد والسير باب رد المهاجرين إلى الأنصار منائحهم من الشجر والتمر حديث رقم: ١٧٧١، البخاري في كتاب الهبة باب فضل المنية حديث رقم: ٢٦٣٠، وانظر أرقام: ٣١٢٨، ٤٠٣٠، ٤١٢٠.
(٢) أخرجه البخاري في المغازي باب غزوة خيبر حديث رقم: ٤٢٤٢.
(٣) أخرجه البخاري في المغازي باب غزوة خيبر حديث رقم: ٤٢٤٣.
(٤) أخرجه البخاري في المغازي باب استعمال النبي - ﷺ - على أهل خيبر حديث رقم: ٤٢٤٦ - ٤٢٤٧.
[ ٣٦٤ ]
الأحكام والفوائد المستقاة من غزوة خيبر:
لخص الحافظ ابن حجر قسمًا من هذه الفوائد في فتح الباري: ٧/ ٤٩٨، في تعليقه على الحديث رقم: ٤٢٤٩، في كتاب المغازي، باب الشاة التي سمت للنبي - ﷺ - بخيبر فقال: وقد اشتملت قصة خيبر على أحكام كثيرة منها:
١ - جواز قتال الكفار في أشهر الحرم.
٢ - والإغارة على من بلغته الدعوة بغير إنذار.
٣ - وقسمة الغنائم على السهام.
٤ - وأكل الطعام الذي يصاب من المشركين قبل القسمة لمن يحتاج إليه بشرط أن لا يدخره ولا يحوله.
٥ - وإن مدد الجيش إذا حضر بعد انقضاء الحرب يسهم لهم إن رضي الجماعة كما وقع لجعفر والأشعريين.
٦ - ولا يسهم لهم إذا لم يرضوا كما وقع لإبان بن سعيد وأصحابه.
٧ - ومنها تحريم لحوم الحمر الأهلية، وأن ما لا يؤكل لحمه لا يطهر بالزكاة.
٨ - وتحريم متعة النساء.
٩ - وجواز المساقاة والمزارعة.
١٠ - ويثبت عقد الصلح والتواثق من أرباب التهم.
١١ - وإن من خالف من أهل الذمة ما شرط عليه انتقض عهده وهدر دمه.
١٢ - وإن من أخذ شيئًا من الغنيمة قبل القسمة لم يملكه ولو كان دون حقه.
١٣ - وأن الإِمام مخير في أرض العنوة بين قسمتها وتركها.
١٤ - وجواز إجلاء أهل الذمة إذا استغنى عنهم.
١٥ - وجواز البناء بالأهل بالسفر.
١٦ - والأكل من طعام أهل الكتاب وقبول هديتهم" انتهى.
وقد أورد الحافظ ابن القيم ﵀ كثيرًا من هذه الفوائد وزاد عليها في كتابه العظيم زاد المعاد في هدي خير العباد فانظرها هناك (٣/ ٣٣٩ - ٣٥٨).
[ ٣٦٥ ]
المبحث السابع: سرية أبي بكر الصديق إلى بني فزارة
٥٨٧ - من حديث سلمة بن الأكوع ﵁ قال: (غزونا فزارة، وعلينا أبو بكر، أمره رسول الله - ﷺ - علينا. فلما كان بيننا وبين الماء ساعة، أمرنا أبو بكر فعرسنا (١) ثم شن الغارة، فورد الماء، فقتل من قتل عليه، وسبى، وأنظر إلى عنق من الناس (٢)، فيهم الذراري (٣) فخشيت أن يسبقوني إلى الجبل، فرميت بسهم بينهم وبين الجبل. فلما رأوا السهم وقفوا، فجئت بهم أسوقهم. وفيهم امرأة من بني فزارة عليها قشع من أدم (٤). معها ابنة من أحسن العرب. فسقتهم حتى أتيت بهم أبا بكر. فنفلني أبو بكر ابنتها، فقدمنا المدينة، وما كشف لها ثوبًا. فلقيني رسول الله - ﷺ - في السوق. فقال: (يا سلمة! هب لي المرأة) فقلت: (يا رسول الله! والله لقد أعجبتني، وما كشفت لها ثوبًا" (٥)، ثم لقيني رسول الله - ﷺ - من الغد في السوق، فقال لي: (يا سلمة! هب لي المرأة. لله أبوك!) فقلت: هي لك يا رسول الله فوالله ما كشفت لها ثوبًا. فبعث بها رسول الله - ﷺ -. إلى أهل مكة، ففدى بها ناسًا من المسلمين كانوا أسروا بمكة" (٦).
المبحث الثامن: سرية غالب بن عبد الله الليثي إلى الحرقات من جهينة
٥٨٨ - من حديث أسامة بن زيد بن حارثة ﵄ قال: "بعثنا رسول الله - ﷺ - في سرية. فصبحنا الحرقات (٧) من جهينة، فأدركت رجلًا، فقال: لا إله إلا الله، فطعنته فوقع في نفسي من ذلك، فذكرته للنبي - ﷺ - فقال رسول الله - ﷺ -: (أقال لا إله إلا الله وقتلته؟) قال: قلت: يا رسول الله! إنما
_________________
(١) التعريس: نزول آخر الليل.
(٢) عنق من الناس: جماعة.
(٣) الذراري: النساء والصبيان.
(٤) قشع من أدم: نطع.
(٥) وما كشفت لها ثوبًا: كناية عن الجماع.
(٦) أخرجه مسلم في الجهاد والسير باب القتل حديث رقم: ١٧٥٥، وأبو داود في السنن في الجهاد باب الرخصة في المدركين يفرق بينهم حديث رقم: ٢٦٩٧، أحمد في المسند: ٤/ ٤٦، البيهقي في الدلائل:٤/ ٢٩٠.
(٧) فصبحنا الحرقات: أتيناهم صباحًا، الحرقات موضع ببلاد جهينة.
[ ٣٦٦ ]
قالها خوفًا من السلاح. قال: (أفلا كشفت عن قلبه حتى تعلم أقالها أم لا) فما زال يكررها علي حتى تمنيت أني أسلمت يومئذ.
قال: فقال سعد -يعني سعد ابن أبي وقاص-: "وأنا والله لا أقتل مسلمًا حتى يقتله ذو البطن يعني أسامة قال: قال رجل: ألم يقل الله: ﴿وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله﴾ الأنفال آية (٣٩) فقال سعد: قد قاتلنا حتى لا تكون فتنة، وأنت وأصحابك تريدون أن تقاتلوا حتى تكون فتنة" (١) اللفظ لمسلم.
المبحث التاسع: سرية غالب بن عبد الله الليثي لبني الملوح بالكديد
٥٨٩ - من حديث جندب بن مكيث الجهني: قال: "بعث رسول الله - ﷺ - غالب بن عبد الله الكلبي كلب ليث، إلى بني ملوح بالكديد (٢)، وأمره أن يغير عليهم، فخرج فكنت في سريته، فمضينا حتى إذا كنا بقديد (٣) لقينا بها الحارث ابن مالك، وهو ابن البرصاء الليثي، فأخذناه فقال: إنما جئت لأسلم، فقال غالب ابن عبد الله: إن كنت إنما جئت مسلمًا، فلن يضرك رباط يوم وليلة، وإن كنت غير ذلك استوثقنا منك. قال فأوثقه رباطًا، ثم خلف عليه رجلًا أسود كان معنا، فقال امكث معه حتى نمر عليك، فإن نازعك، فاحتز رأسه، قال: ثم مضينا حتى أتينا بطن الكديد، فنزلنا عشيشية بعد العصر، فبعثني أصحابي في ربيئة (٤)، فعمدت إلى تل يطلعني على الحاضر، فانبطحت عليه وذلك المغرب، فخرج رجل منهم، فنظر فرآني منبطحًا على التل، فقال لامرأته: والله إني لأرى على التل سوادًا ما رأيته أول النهار، فانظري لا تكون الكلاب اجترت بعض أوعيتك.
قال: فنظرت، فقالت: لا والله ما أفقد شيئًا، قال: فناوليني قوسي وسهمين من كنانتي، قال: فناولته فرماني بسهم فوضعه في جنبي، قال: فنزعته فوضعته، ولم أتحرك، ثم رماني بآخر فوضعه في رأس منكبي، فنزعته، ووضعته، ولم
_________________
(١) أخرجه البخاري في المغازي باب بعث النبي - ﷺ - أسامة بن زيد إلى الحرقات: ٤٢٦٩، وانظر: ٦٨٧٢، ومسلم في الإيمان باب تحريم قتل الكافر إذا قال لا إله إلا الله رقم: ٩٦، وأبو داود في الجهاد باب على ما يقاتل المشركون: ٢٦٤٣، وأحمد في المسند: ٥/ ٢٠٧.
(٢) بن ملوح بالكديد: ماء بين الحرمين الشريفين.
(٣) قديد: موضع بين مكة والمدينة.
(٤) ربيئة: العين والطليعة.
[ ٣٦٧ ]
أتحرك، فقال لامرأته: والله لقد خالطه سهامي، ولو كان دابة لتحرك، فإذا أصبحت، فابتغى سهمي فخذيهما لا تمضغهما علي الكلاب.
قال: وأمهلناهم حتى راحت رائحتهم حتى إذا احتلبوا (١)، وعطنوا، أو سكنوا (٢)، وذهبت عتمة من الليل (٣) شننا عليهم الغارة (٤)، فقتلنا من قتلنا منهم، واستقنا النعم فوجهنا قافلين (٥) وخرج صريخ القوم إلى قومهم مغوثًا (٦)، وخرجنا سراعًا حتى نمر بالحارث بن البرصاء وصاحبه فانطلقنا به معنا، وأتانا صربخ الناس، فجاءنا ما لا قبل لنا به، حتى إذا لم يكن بيننا وبينهم إلا بطن الوادي أقبل سيل حال بيننا وبينهم بعثة الله تعالى من حيث شاء، ما رأينا قبل ذلك مطرًا ولا حالًا، فجاء بما لا يقدر أحد أن يقوم عليه، فلقد رأيناهم وقوفًا ينظرون إلينا ما يقدر أحد منهم أن يتقدم، ونحن نحوزها (٧) سراعًا، حتى أسندناها في المشلل (٨) ثم حددناها عنا فأعجزنا القوم بما في أيدينا" (٩).
المبحث العاشر: قصة محلم بن جثامة وقتله الرجل الذي جاء مسلمًا
٥٩٠ - من حديث عبد الله بن أبي حدرد ﵁ قال: "بعثنا رسول الله - ﷺ - إلى أضم، فخرجت في نفر من المسلمين فيهم أبو قتادة الحرث بن ربعي، ومحلم بن جثامة بن قيس، فخرجنا حتى إذا كنا ببطن إضم مر بنا عامر بن الأضبط الأشجعي على قعود له (١٠) مع متيع (١١) له ووطب (١٢) من لبن، فسلم علينا بتحية الإِسلام فأمسكنا عنه، وحمل عليه، مجلم بن جثامة، فقتله لشيء
_________________
(١) احتلبوا: حلبوا ماشيتهم.
(٢) سكنوا: قاموا.
(٣) عتمة من الليل: ذهبت مدة من ظلمة الليل.
(٤) شننا عليهم الغارة: فرقنا عليهم الجيوش في كل الجهات.
(٥) قافلين: راجعين.
(٦) مغوثًا: طالبًا الإغاثة والإعانة.
(٧) نحوزها: نسوق ما غنمناه، وملكناه من النعم.
(٨) المشلل: جبل يهبط منه إلى قديد.
(٩) أخرجه أحمد: ٣/ ٤٦٧ - ٤٦٨، ورواه أبو داود برقم: ٢٦٧٨، مختصرًا إلى قوله فوثقناه رباطًا ورجاله ثقات خلا مسلم بن عبد الله الجهني فإنه لم يوثقه غير ابن حبان. وقال الهيثمي في المجمع: ٦/ ٢٠٢ - ٢٠٣. رواه الطبراني، وأحمد، ورجاله ثقات، ففد صرح ابن إسحاق بالسماع من رواية الطبراني.
(١٠) مقود: البعير المتخذ للركوب.
(١١) متيع: تصغير متاع.
(١٢) ووطب: وعاء اللبن.
[ ٣٦٨ ]
كان بينه وبينه، وأخذ بعيره ومتاعه، فلما قدمنا على رسول الله - ﷺ - أخبرناه الخبر، فنزل فينا القرآن: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ (١) (٢).
المبحث الحادي عشر: سرية عبد الله بن حذافة السهمي ﵁
٥٩١ - من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: "إن رسول الله - ﷺ - بعث علقمة بن مجزز على بعث، وأنا فيهم. فلما انتهى إلى رأس غزاته، أو كان ببعض الطريق استأذن منه طائفة من الجيش، فأذن لهم، وأمر عليهم عبد الله ابن حذافة بن قيس السهمي، فكنت فيمن غزا معه، فلما كان بعض الطريق، أوقد نارًا ليصطلوا، أو ليصنعوا عليها صنيعًا، فقال عبد الله "وكانت فيه دعابة" أليس لي عليكم السمع والطاعة؟ قالوا؟ بلى. قال: فما أنا بآمركم بشيء إلا صنعتموه؟
قالوا: نعم. قال: فإني أعزم عليكم إلا تواثبتم في هذه النار. فقام ناس فتحجزوا. فلما ظن أنهم واثبون، قال: أمسكوا على أنفسكم، وإنما كنت أمزح معكم. فلما قدمنا ذكروا ذلك للنبي - ﷺ -. فقال رسول الله - ﷺ -: (من أمركم منهم بمعصية الله، فلا تطيعوه) (٣).
٥٢٩ - ومن حديث عبد الله بن عباس ﵄ قال: ﴿أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم﴾ قال: نزلت في عبد الله بن حذافة بن قيس بن عدي إذ بعثه النبي - ﷺ - في سرية" (٤).
_________________
(١) النساء: ٣٩.
(٢) أخرجه أحمد في المسند: ٦/ ١١، ورجاله ثقات، وابن هشام في السيرة: ٢/ ٦٢٧، وأورده السيوطي في الدر المنثور: ٢/ ١٩٩ - ٢٠٠، وزاد نسبته إلى ابن سعد، وابن أبي شيبة، وابن جرير، والطبراني، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو نعيم، والبيهقي في الدلائل: ٤/ ٣٠٥، وقال الهيثمي في المجمع: ٧/ ٨، رواه أحمد، والطبراني ورجاله ثقات.
(٣) أخرجه ابن ماجة في الجهاد باب لا طاعة في معصية الله حديث رقم: ٢٨٦٣، وابن حبان، برقم: ١٥٥٢ موارد، وأحمد في المسند: ٣/ ٦٧، والحاكم في المستدرك: ٣/ ٦٣٠ - ٦٣١ وأبو يعلى برقم: ١٣٤٩، وقال البوصيري في الزوائد: ٢/ ٤٢٣، إسناده صحيح ونقل الحافظ في الفتح: ٨/ ٥٨ تصحيحه عن ابن خزيمة وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.
(٤) أخرجه البخاري في التفسير تفسير سورة النساء باب أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم حديث رقم: ٤٥٨٤، مسلم في الإمارة باب وجوب طاعة الأمراء حديث رقم: ١٨٣٤، وأبو داود في الجهاد باب في الطاعة: ٢٦٢٤، الترمذي: في الجهاد: ١٦٧٣، النسائي في البيعة: ٧/ ١٥٤، ١٥٥، أحمد في المسند: ٣١٢٤.
[ ٣٦٩ ]
المبحث الثاني عشر: غزوة ذات الرقاع
وهي غزوة محارب خصفة من بني ثعلبة من غطفان. وهي التي صلى النبي فيها صلاة الخوف وكانت تسمى أيضًا (غزوة نجد).
١ - سبب تسميتها بهذا الاسم:
٥٩٣ - من حديث أبي موسى الأشعري ﵁ قال: "خرجنا مع النبي - ﷺ - في غزاة، ونحن في تسعة نفر بيننا بعير نعتقبه، فنقبت أقدامنا، ونقبت قدماي، وسقطت أظفاري، فكنا نلف على أرجلنا الخرق، فسميت غزوة ذات الرقاع لما كنا نعصب من الخرق على أرجلنا وحدث أبو موسى بهذا الحديث ثم كره ذاك قال: ما كنت أصنع بأن أذكره، كأنه كره أن يكون شيء من عمله أفشاه" (١).
٢ - وقتها:
قال الإِمام البخاري: إن غزوة ذات الرقاع كانت بعد غزوة خيبر (٢)، وأيده في ذلك ابن كثير في سيرته (٣)، وابن حجر في الفتح (٤)، وابن القيم في زاد المعاد (٥).
إلا أن محمَّد بن إسحاق وجماعة من أهل السير والمغازي قالوا: إنها كانت في جمادى الأولى بعد غزوة بني النضير بشهرين، وذلك في السنة الرابعة للهجرة (٦).
قلت: وما في الصحيح أصح، وأولى بالتقديم، وله من أحاديث الصحابة رضوان الله عليهم ما يسنده ويقويه، من قول أبي هريرة: "صليت مع النبي - ﷺ - في غزوة نجد صلاة الخوف"، وإنما جاء أبو هريرة إلى النبي - ﷺ - أيام خيبر (٧).
_________________
(١) أخرجه البخاري في المغازي باب غزوة ذات الرقاع حديث رقم: ٤١٢٥، ومسلم في صحيحه كتاب الهجرة والمغازي باب غزوة الرقاع حديث رقم: ١٨١٦.
(٢) أخرجه البخاري في المغازي باب غزوة ذات الرقاع، وهي غزوة محارب حفصة من بني ثعلبة من غطفان، ونزل نخلا وهي بعد خيبر؛ لأن أبا موسى جاء بعد فتح خيبر: ٧/ ٤١٦.
(٣) السيرة النبوية ابن كثير: ٣/ ١٦١.
(٤) ابن حجر في الفتح: ٧/ ٤١٨.
(٥) زاد المعاد: ٣/ ٢٥٣.
(٦) ابن هشام في السيرة: ٣/ ١٥٧.
(٧) أخرجه أحمد: ٢/ ٣٢٠، والنسائي: ٣/ ١٧٣، وإسناده صحيح، وابن حبان في صحيحه: ٥٨٥ موارد الظمآن، وأبو داود في الصلاة باب من قال يكبرون جميعًا وإن وكانوا مستدبري القبلة حديث رقم: ١٢٤٠.
[ ٣٧٠ ]
ويؤيده أيضًا ما جاء من حديث أبي موسى الأشعري السابق في سبب تسمية هذه الغزوة بهذا الاسم، وإخباره بأنه حضرها، وإنما جاء أبو موسى الأشعري مع جعفر بعد غزوة خيبر".
ويؤيده أيضًا ما جاء عن ابن عمر ﵄ أنه قال: "غزوت مع رسول الله - ﷺ - قبل نجد، فذكر صلاة الخوف" (١)، وإنما كانت إجازة النبي - ﷺ - لابن عمر بالقتال عام الخندق".
٣ - محاولة اغتيال النبي - ﵇ -، وصلاته بالمسلمين صلاة الخوف:
٥٩٤ - من حديث جابر ﵁ قال: "أقبلنا مع رسول الله - ﷺ -، حتى إذا كنا بذات الرقاع قال: كنا إذا أتينا على شجرة ظليلة، تركناها لرسول الله - ﷺ -، قال: فجاء رجل من المشركين، وسيف رسول الله - ﷺ - معلق بشجرة، فأخذ سيف نبي الله - ﷺ - فاخترطه، فقال لرسول الله - ﷺ -: أتخافني؟ قال: (لا) قال: فمن يمنعك مني؟ قال: (الله يمنعني منك) قال: فتهدده أصحاب رسول الله - ﷺ -، فأغمد السيف، وعلقه، قال: فنودي بالصلاة، فصلى بطائفة ركعتين، ثم تأخروا، وصلى بالطائفة الأخرى ركعتين، قال فكانت لرسول الله - ﷺ - أربع ركعات، وللقوم ركعتان".
وقد جاء التصريح باسم هذا الرجل في رواية أحمد كما يلي: "قاتل رسول الله - ﷺ - في محارب خصفة، فرأوا من المسلمين غرة، فجاء رجل منهم يقال له: غورث بن الحارث حتى قام على رأس رسول الله - ﷺ - بالسيف فقال: من يمنعك مني؟ قال: (الله ﷿) فسقط السيف من يده، فأخذه رسول الله - ﷺ - فقال: من يمنعك مني؟ قال: كن كخير آخذ، قال: (أتشهد أن لا إله إلا الله؟) قال: لا، ولكني أعاهدك أن لا أقاتلك، ولا أكون مع قوم يقاتلونك، فخلى سبيله، قال: فذهب إلى أصحابه، قال: قد جئتكم من عند خير الناس" (٢).
_________________
(١) أخرجه البخاري في المغازي باب غزوة ذات الرقاع حديث رقم: ٤١٣٢.
(٢) أخرجه البخاري في المغازي باب غزوة ذات الرقاع حديث رقم: ٤١٣٦، مسلم في صلاة المسافرين باب صلاة الخوف حديث رقم: ٨٤٣، وأحمد في المسند: ٣/ ١١١، ٣٦٤، ٣٦٥. أما عن تفصيلات صلاة الخوف فيستطاع الرجوع إلى ذلك إلى كتاب الصلاة باب صلاة الخوف في كل من صحيحي البخاري ومسلم، وسائر كتب السنة المشرفة، وكتب الفقه.
[ ٣٧١ ]
٤ - عباد بن بشر وما حصل معه أثناء الحراسة:
٥٩٥ - من حديث جابر بن عبد الله ﵄ قال: "خرجنا مع رسول الله - ﷺ - في غزوة ذات الرقاع فأصيبت امرأة من المشركين، فلما انصرف رسول الله - ﷺ - قافلًا، وجاء زوجها، وكان غائبًا، فحلف أن لا ينتهي حتى يهريق دمًا في أصحاب محمد - ﷺ -، فخرج يتبع أثر النبي - ﷺ -، فنزل النبي - ﷺ - منزلًا، فقال: (عن رجل يكلؤنا) (١) فانتدب رجل من المهاجرين، ورجل من الأنصار، فقالا: نحن يا رسول الله، قال: (فكونا بفم الشعب) (٢).
قال: وكانوا نزلوا إلى شعب الوادي، فلما خرج الرجلان إلى فم الشعب قال الأنصاري للمهاجري: أي الليل أحب إليك أن أكفيكه أوله أو آخره؟ قال: اكفني أوله، فاضطجع المهاجري، فنام، وقام الأنصاري يصلي، وأتى الرجل، فلما رأى شخص الرجل عرف أنه ربيئة (٣) القوم، فرماه بسهم، فوضعه فيه، فنزعه فوضعه وثبت قائمًا، ثم رماه بسهم آخر، فوضعه فيه، فنزعه فوضعه وثبت قائمًا ثم عاد له بثالث فوضعه فيه، فنزعه فوضعه، ثم ركع وسجد، ثم أهب صاحبه (٤) فقال: اجلس فقد أوتيت، فوثب فلما رآهما الرجل عرف أن قد نذروا به (٥) فلما رأى المهاجري ما بالأنصاري من الدماء قال: سبحان الله ألا أهببتني قال: كنت في سورة أقرؤها فلم أحب أن أقطعها حتى أنفذها (٦)، فلما تابع الرمي ركعت فأريتك، وأيم الله لولا أن أضيع ثغرًا أمرني رسول الله - ﷺ - بحفظه لقطع نفسي قبل أن أقطعها وأنفذها" (٧).
_________________
(١) يكلؤنا: يحرسنا.
(٢) الشعب: الوادي، وزاد ابن إسحاق: وهما عمار بن ياسر وعباد بن بشر الأنصاري.
(٣) ربيئة: العين أو الطليعة التي تقوم على حراسة القوم من عدوهم.
(٤) أهب صاحبه: أيقظه.
(٥) نذروا به: عرفوا بخطره.
(٦) أنفذها: أفرغ منها.
(٧) أخرجه أحمد في المسند: ٣/ ٣٤٤، ٣٥٩، أبو داود في الطهارة باب الوضوء من الدم حديث: ١٩٨، وابن هشام في السيرة: ٢/ ٢٠٨ - ٢٠٩، والبيهقي في السنن: ٩/ ١٥٠، كتاب السير باب صلاة الحرص، وفي الدلائل: ٣/ ٣٧٩، وفي سند هذا الحديث عقيل بن جابر بن عبد الله، وثقه ابن حبان، وباقي رجاله ثقات، وصححه ابن خزيمة: ٣٦، وذكره البخاري معلقًا، كذا قال في التلخيص الحبير: ١/ ١١٤ - ١١٥، قلت: وإسناده حسن.
[ ٣٧٢ ]
٥ - قصة جمل جابر بن عبد الله ﵁:
٥٩٦ - من حديث جابر بن عبد الله ﵄ قال: "خرجت مع رسول الله - ﷺ - في عزاة، فأبطأ بي جملي، فأتى عليَّ رسول الله - ﷺ -، فقال لي: (يا جابر) قلت: نعم. قال: (ما شأنك)، قلت: أبطأ بي جملي وأعيا (١) فتخلفت، فنزل فحجنه بمحجنة (٢) ثم قال: (اركب) فركبت فلقد رأيتني أكفه عن رسول الله - ﷺ - فقال: (أتزوجت؟) فقلت: نعم، فقال: (أبكرًا أم ثيبًا؟) فقلت: بل ثيب. قال: (فهلا جارية تلاعبها وتلاعبك؟) فقلت: إن لي أخوات، فأحببت أن أتزوج امرأة تجمعهن، وتمشطهن، وتقوم عليهن. قال: (أما إنك قادم، فإذا قدمت فالكيس الكيس!) ثم. قال: (أتبيع جملك؟) قلت: نعم، فاشتراه مني بأوقية.
ثم قدم رسول الله - ﷺ -، وقدمت بالغداة، فجئت المسجد فوجدته على باب المسجد، فقال: (الآن حين قدمت؟) قلت: نعم، قال: (فدع جملك، وادخل فصل ركعتين) قال: فدخلت فصليت، ثم رجعت. فأمر بلالًا أن يزن لي أوقية. فوزن لي بلال، فأرجح في الميزان. قال فانطلقت. فلما وليت قال: (ادع لي جابرًا) فدعيت. فقلت: الآن يرد علي الجمل ولم يكن شيء أبغض إلي منه. فقال: (خذ جملك ولك ثمنه) (٣).
ولم يأت في لفظ الصحيحين التصريح باسم الغزوة التي حصلت فيها قصة جابر، ولكن جاء من نفس الطريق طريق وهب بن كيسان عن جابر التصريح بأن الغزوة هي غزوة ذات الرقاع، وذلك عند ابن هشام في السيرة: ٢/ ٢٠٦ - ٢٠٧، عن ابن إسحاق حدثني وهب بن كيسان عن جابر ، وهذا سند صحيح،
_________________
(١) أعيا: عجز عن السير.
(٢) حجنه بمحجنه: المحجن: العصا فيها تعقيف يلتقط بها الركب ما سقط منه.
(٣) أخرجه البخاري في كتاب البيوع باب شراء الدواب والحمير حديث رقم: ٢٠٩٧ وفي مواطن أخرى متعددة، ومسلم في كتاب الرضاع باب استحباب نكاح البكر حديث: ٧١٥/ ٥٧، ص: ١٠٨٩، ومسلم في المساقاة باب بيع البعير واستثناء ركوبه: ٧١٥/ ١١٤، والطيالسي: ١/ ٣٠٥ برقم: ١٥٥٠، وأحمد في المسند: ٣/ ٢٩٩، ٣٠٣، والحميدي رقم: ١٢٨٧، والترمذي في البيوع باب ما جاء في اشتراط ظهر الدابة عند البيع رقم: ١٢٥٣، وأبو داود في الإمارة باب في شرط في بيع: ٣٥٠٥، والنسائي في البيع باب البيع يكون فيه اشتراط فيصح البيع والشرط: ٧/ ٢٩٧، وابن ماجه في التجارات باب في السوم: ٢٢٠٥، وأبو يعلى في المسند: ١٧٩٣، وكل هؤلاء أخرجوه عنه بطرق تعددة وكلها صحيحه والحمد لله.
[ ٣٧٣ ]
لأن ابن إسحاق صرح بالتحديث، فزالت عنه شبهة التدليس.
فوائد حديث جابر:
١ - في الحديث جواز المساومة لمن يعرض سلعته للبيع.
٢ - وفيه أن القبض ليس شرطًا في صحة البيع.
٣ - وجواز التحدث بالعمل الصالح للإتيان بالقصة على وجهها لا على وجه تزكية النفس، وإرادة الفخر.
٤ - وفيه تفقد الإمام والكبير لأصحابه وسؤاله عما ينزل بهم، وإعانتهم بما تيسر من حال أو مال أو دعاء.
٥ - وفيه جواز الضرب للدابة للمسير، وإن كانت غير مكلفة، إذا لم تكن قادرة.
٦ - وفيه توقير التابع لرئيسه.
٧ - وفيه الوكالة في وفاء الدين، والشراء بالنسيئة.
٨ - وفيه جواز الزيادة في الثمن عند الأداء، والرجحان في الوزن لكن برضا المالك.
٩ - وفيه فضيلة لجابر حيث ترك حظ نفسه وامتثل أمر النبي - ﷺ - له ببيع جمله مع احتياجه إليه.
١٠ - وفيه معجزة ظاهرة للنبي - ﷺ -.
[ ٣٧٤ ]
المبحث الثالث عشر: عمرة القضاء أو عمرة القضية، أو عمرة القصاص أو عمرة الصلح (١).
١ - وقتها:
قال الحافظ في الفتح: "روى يعقوب بن سفيان في تاريخه بسند حسن عن ابن عمر قال: "كانت عمرة القضية في ذي القعدة سنة سبع"، وفي مغازي سليمان التيمي قال: "لما رجع النبي - ﷺ - من خيبر بث سراياه، وأقام بالمدينة حتى استهل ذو القعدة، فنادى في الناس أن تجهزوا إلى العمرة" (٢).
وكذلك قال نافع: كانت في ذي القعدة سنة سبع، وقال ذلك أيضًا موسى بن عقبة: "ثم خرج رسول الله - ﷺ - من العام المقبل من عام الحديبية معتمرًا في ذي القعدة سنة سبع". وقال ذلك ابن إسحاق وأبو الأسود عن عروة وسليمان التيمي جميعًا في مغازيهم: "إنه - ﷺ - خرج إلى عمرة القضاء في ذي القعدة" (٣).
٢ - مقالة قريش أن الحمى في يثرب قد أوهنت قوى المسلمين:
٥٥٧ - من حديث ابن عباس ﵄ قال: "قدم رسول الله - ﷺ - وأصحابه، فقال المشركون: إنه يقدم عليكم وقد وهنتهم حمى يثرب، فأمرهم رسول الله - ﷺ - أن يرملوا الأشواط الثلاثة، وأن يمشوا ما يبن الركنين ولم يمنعه أن يأمرهم أن يرملوا الأشواط كلها إلا الإبقاء عليهم، وزاد ابن سلمة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: "لما قدم النبي - ﷺ - لعامه الذي استأمن قال: (ارملوا ليرى المشركون قوتكم) والمشركون من قبل قعيقعان" (٤).
وفي لفظ مسلم بعد قوله وأن يمشوا بين الركنين قوله (ليرى المشركون جلدهم، فقال المشركون: هؤلاء الذين زعمتم أن الحمى قد وهنتهم. هؤلاء أجلد من كذا وكذا).
_________________
(١) فتح الباري: ٧/ ٥٠٠ سيرة ابن كثير: ٣/ ٤٢٨.
(٢) فتح الباري: ٧/ ٥٠٠، باب عمرة القضاء كتاب المغازي.
(٣) فتح الباري: ٧/ ٥٠٠، زاد المعاد: ٣/ ٣٧٠، دلائل النبوة البيهقي: ٤/ ٣١٣.
(٤) أخرجه البخاري في المغازي باب عمرة القضاء حديث رقم: ٤٢٥٦، مسلم في صحيحه الحج باب استحباب الرجل في الطواف والعمرة حديث رقم: ١٢٦٦، وأحمد في المسند: ١/ ٣٠٦ أبو داود في المناسك باب في الرمل: ١٨٨٦، والنسائي في باب العلة التي من أجلها سعى النبي: ٥/ ٢٣٠ - ٢٣١.
[ ٣٧٥ ]
٣ - إنشاد عبد الله بن رواحة بين يدي رسول الله في أثناء الطواف:
٥٩٨ - من حديث أنس بن مالك ﵁: "أن النبي - ﷺ - دخل مكة في عمرة القضاء، وعبد الله بن رواحة ينشد يبن يديه:
خلوا بني الكفار عن سبيله قد أنزل الرحمن في تنزيله
بأن خير القتل في سبيله نحن قتلناكم على تأويله
كما قتلناكم على تنزيله
وقد جاء من وجه آخر بلفظ "أن النبي - ﷺ - دخل مكة في عمرة القضاء وعبد الله بن رواحة يمشي بين يديه وهو يقول:
خلوا بني الكفار عن سبيله اليوم نضربكم على تنزيله
ضربًا يزيل الهام عن مقيله ويذهل الخليل عن خليله
فقال له عمر: با ابن رواحة بين يدي رسول الله - ﷺ -، وفي حرم الله ﷿ تقول الشعر، قال النبي - ﷺ -: (خل عنه، فهو أسرع فيهم من نضح النبل) (١) هذا لفظ النسائي.
٤ - ستر النبي ﷺ خوفًا عليه من المشركين:
٥٩٩ - من حديث ابن أبي أوفى ﵁ قال: "لما اعتمر رسول الله - ﷺ - سترناه من غلمان المشركين، ومنهم أن يؤذوا رسول الله - ﷺ -" (٢).
_________________
(١) أخرجه عبد الرزاق عنه من وجهين صحيحين، ومن طريق عبد الرزاق أخرجه أبو يعلى والطبراني، والبيهقي في الدلائل: ٤/ ٣٢٢ - ٣٢٣، كذا قال الحافظ في الفتح: ٧/ ٥٠١، ومن أحد هذين الوجهين عن عبد الرزاق عن جعفر بن سليمان عن ثابت عن أنس أخرجه الترمذي في الأدب باب ما جاء في إنشاد الشعر حديث رقم: ٢٨٤٧، وقال: حسن صحيح غريب، والنسائي في الحج باب إنشاد الشعر في الحرم والمشي بين يدي الإمام: ٥/ ٢٠٢، وابن حبان في صحيحه: ٢٠٢٠ - ٢٠٢١ باب باب هجاء أهل الشرك، مورد، وأبو يعلى برقم: ٣٤٤٠، والبيهقي: ١٠/ ٢٨٨، وأبو نعيم في الحلية: ٦/ ٢٩٢، والحدبث صحيح على شرط مسلم كما قاله الحافظ في الفتح: ٧/ ٥٠٢، وقد جاء مرسلًا من حديث عبد الله بن أبي بكر بن حزم عند ابن هشام في السيرة: ٢/ ٣٧١، ومن مرسلات ابن شهاب أخرجه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح كما قال الهيثمي في المجمع: ٦/ ١٤٦ - ١٤٧.
(٢) أخرجه البخاري في المغازي باب عمرة القضاء حديث رقم: ٤٢٥٥، أبو داود في الحج باب أمر الصفا والمروة حديث رقم: ١٩٠٣، ابن ماجه في السنن المناسك باب العمرة حديث رقم: ٢٩٩٠.
[ ٣٧٦ ]
٥ - زواجه بميمونة في رحلة عمرة القضاء:
٦٠٠ - من حديث ابن عباس ﵁ قال: "تزوج النبي - ﷺ - ميمونة، وهو محرم وبنى بها وهو حلال، وماتت بسرف" (١).
٦٠١ - وقد جاء من طريق آخر بزيادة لطيفة أوضحت بعض أحداث قصة الزواج، وذلك من حديث ابن إسحاق قال حدثني أبان بن صالح وعبد الله بن أبي نجيح عن عطاء ومجاهد عن ابن عباس: "أن رسول الله - ﷺ - تزوج ميمونة بنت الحارث في سفره ذلك، وهو حرام، وكان الذي زوجه إياها العباس بن عبد المطلب" (٢).
٦٠٢ - وقد جاء من حديث ميمونة بنت الحارث ﵂ قولها: "تزوجني رسول الله - ﷺ - ونحن حلالان بسرف" (٣).
انظر التوفيق بين هذين الحديثين في زاد المعاد: ٣/ ٣٧٢ - ٣٧٤، وفي نصب الراية: ٣/ ١٧٣، وفتح الباري كتاب الحج باب تزويج المحرم، وفي النكاح باب نكاح المحرم، وشرح صحيح مسلم في كتاب النكاح باب تحريم نكاح المحرم.
٦ - طلب المشركين من الرسول ﵊ الخروج من مكة:
٦٠٣ - من حديث البراء بن عازب ﵁ قال: "اعتمر رسول الله - ﷺ - في ذي القعدة، فأبى أهل مكة أن يدعوه يدخل مكة حتى قاضاهم على أن يقيم بها ثلاثة أيام، فلما كتبوا الكتاب كتبوا: "هذا ما قاضى عليه محمَّد رسول الله - ﷺ -، قالوا: لا نقر بهذا لو نعلم أنك رسول الله ما منعناك شيئًا، ولكن أنت محمَّد بن عبد الله، فقال: أنا رسول الله وأنا محمَّد بن عبد الله، ثم قال لعلي: امح رسول الله، قال علي: لا والله لا أمحوك أبدًا.
فأخذ رسول الله - ﷺ - الكتاب -وليس يحسن يكتب -، فكتب: "هذا ما قاضي محمَّد بن عبد الله، لا يدخل مكة السلاح إلا السيف في القراب، وأن لا
_________________
(١) أخرجه البخاري في المغازي باب عمرة القضاء حديث رقم: ٤٢٥٨، مسلم في النكاح باب تحريم نكاح المحرم حديث رقم: ١٤١٠، وأبو داود حديث رقم: ١٨٤٤، والترمذي: ٨٤٢، والنسائي: ٥/ ١٩١، ابن ماجه: ١٩٦٥، الدارمي: ٢/ ٣٧، ابن سعد: ٨/ ١٣٦.
(٢) أخرجه البخاري في المغازي باب عمرة القضاه حديث رقم: ٤٢٥٩، معلقًا، وابن هشام في السيرة: ٣/ ٣٧٢.
(٣) أخرجه مسلم في كتاب النكاح باب تحريم نكاح المحرم حديث رقم: ١٤١١، أبو داود في الحج باب المحرم تزوج حديث رقم: ١٨٤٣؛ وابن ماجه: ١٩٦٤، وأحمد في المسند: ٦/ ٣٣٣، ٦/ ٣٣٥؛ والبيهقي: ٥/ ٦٦، والترمذي: ٨٤٥.
[ ٣٧٧ ]
يخرج من أهلها بأحد إن أراد أن يتبعه، وأن لا يمنع من أصحابه أحدًا أن أراد أن يقيم بها" فلما دخلها ومضى الأجل أتوا عليًّا فقالوا: تل لصاحبك اخرج عنا، فقد مضى الأجل، فخرج النبي - ﷺ - " (١).
٦٠٤ - ومن حديث ابن عباس ﵁: " فأقام رسول الله - ﷺ - بمكة ثلاثًا، فأتاه حويطب بن عبد العزى بن أبي قيس بن عبد ود بن نصر بن مالك بن حسل، في نفر من قريش في اليوم الثالث، وكانت قريش قد وكلته بإخراج رسول الله - ﷺ - من مكة، فقالوا له: إنه قد انقضى أجلك، فاخرج عنا، فقال النبي - ﷺ -: (وما عليكم لو تركتموني فأعرست بين أظهركم، وصنعنا لكم طعامًا فحضرتموه).
قالوا: لا حاجة لنا في طعامك، فاخرج عنا، فخرج رسول الله - ﷺ -، وخلف أبا رافع مولاه على ميمونة، حتى أتاه بها بسرف، فبنى بها رسول الله - ﷺ -. هنالك، ثم انصرف رسول - ﷺ - إلى المدينة في ذي الحجة" (٢).
٧ - خروج ابنة حمزة بن عبد المطلب خلف النبي ﵊:
٦٠٥ - من حديث البراء بن عازب قال: " فقالوا: قل لصاحبك اخرج عنا فقد مضى الأجل، فخرج النبي - ﷺ - فتبعته ابنة حمزة تنادي، يا عم، يا عم، فتناولها علي فأخذها بيدها، وقال لفاطمة ﵍، دونك ابنة عمك احمليها، فاختصم فيها علي وزيد وجعفر قال علي: أنا أخذتها، هي بنت عمي، وقال جعفر: ابنة عمي، وخالتها تحتي، وقال زيد: ابنة أخي فقضى بها النبي - ﷺ - لخالتها وقال: (الخالة بمنزلة الأم).
وقال لعلي: (أنت مني وأنا منك).
وقال لجعفر: (أشبهت خلقي وخُلقي).
وقال لزيد: (أنت أخبرنا ومولانا).
وقال علي: ألا تتزوج بنت حمزة؟ قال: (إنها ابنة أخي من الرضاعة) (٣).
_________________
(١) أخرجه البخاري في الصلح باب كيف يكتب حديث رقم: ٢٦٩٩، وفي المغازي باب عمرة القضاء الحديث: ٤٢٥١، أبو داود في السنن: ٢٢٧٨،١٢٧٩، والدارمي في سننه: ٢/ ٢٣٧ - ٢٣٨، والبيهقي في السنن: ٨/ ٥ - ٦، والترمذي مختصرًا: ٣٧٦٩، وأحمد: ١/ ٩٩، ١١٥، ٢٣٠.
(٢) ابن هشام في السيرة: ٣/ ٣٧٢، وقد سبق مقطع منه برقم: ٦٠١، وقد خرج البخاري بعضه معلقًا فانظره هناك.
(٣) قد سبق جزء من هذا الحديث برقم: ٦٠٣.
[ ٣٧٨ ]
المبحث الرابع عشر: كتب الرسول إلى الملوك والزعماء
كان من هدي نبينا - ﷺ - أنه لا يبدأ أحدًا بقتال إلا إذا بلغه الدعوة، ودعاه إلى الله تعالى، وقد اتبع رسول الله - ﷺ - هذا المنهج التزامًا بأوامر الله تعالى له، اتبع هذا المنهج مع جميع من حاربهم من القبائل العربية، واتبع هذا المنهح مع ملوك الأرض وأباطرتها في عصره، فدعاهم إلى الله تعالى، فأرسل إليهم رسله، وبعث إليهم كتبه يدعوهم إلى الله تعالى، ولم يستثن أحدًا منهم.
٦٠٦ - من حديث أنس بن مالك ﵁: "أن نبي الله - ﷺ - كتب إلى كسرى وإلى قيصر، وإلى النجاشي وإلى كل جبار، يدعوهم إلى الله تعالى، وليس النجاشي الذي صلى عليه النبي - ﷺ -" (١).
١ - رسالته إلى هرقل ملك الروم:
٦٠٧ - من حديث ابن عباس ﵄: "أن أبا سفيان أخبره من فيه إلى فيه قال: "انطلقت في المدة التي كانت بيني وبين رسول الله - ﷺ -. قال: فبينما أنا بالشام، إذ جيء بكتاب من رسول الله - ﷺ - إلى هرقل: يعني عظيم الروم. قال: وكان دحية الكلبي جاء به، فدفعه إلى عظيم بصرى (٢)، فدفعه عظيم بصرى إلى هرقل.
فقال هرقل: هل ها هنا أحد من قوم هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي؟ قالوا: نعم. قال: فدعيت في نفر من قريش، فدخلنا على هرقل. فأجلسنا بين يديه. فقال: أيكم أقرب نسبًا من هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي؟ فقال أبو سفيان: فقلت: أنا. فأجلسوني بين يديه. وأجلسوا أصحابي خلفي. ثم دعا بترجمانه فقال له: قل لهم: إني سائل هذا عن الرجل الذي يزعم أنه نبي، فإن كذبني فكذبوه، قال: فقال أبو سفيان: وأيم الله! لولا مخافة أن يؤثر علي الكذب لكذبت.
_________________
(١) أخرجه مسلم في الجهاد والسير باب كتب النبي - ﷺ - إلى ملوك الكفار يدعوهم إلى الله ﷿ حديث رقم: ١٧٧٤، الترمذي في الاستئذان باب في مكانة المشركين رقم: ٢٧١٦، وقال: حديث حسن صحيح غريب، والنسائي في السنن الكبرى كتاب السير كما أشار إليه في تحفة الأشراف. الحافظ المزي حديث ١١٧٩، والبيهقي في الدلائل: ٤/ ٣٧٦.
(٢) بصرى: منطقة حوران وهي منطقة ذات قلاع وأعمال قريبة من طرف البرية التي بين الشام والحجاز، والمراد بعظيم بصرى: أميرها، وحوران الآن هي منطقة جنوب سورية وجزء من شمال الأردن وشمال فلسطين.
[ ٣٧٩ ]
ثم قال لترجمانه: سله كيف حسبه فيكم؟ قال: قلت: هو فينا ذو حسب، قال: فهل كان من آبائه ملك؟ قلت: لا، قال: فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قلت: لا. قال: ومن يتبعه: أشراف الناس (١) أم ضعفاؤهم؟ قال: قلت: بل ضعفاؤهم. قال: أيزيدون أم ينقصون؟ قال: قلت: لا. بل يزيدون.
قال: هل يرتد أحد منهم عن دينه بعد أن يدخل فيه سخطة له؟ قال: قلت: لا. قال: فهل قاتلتموه؟ قلت: نعم. قال: فكيف كان قتالكم إياه؟ قال: قلت: تكون الحرب بيننا وبينه سجالًا، يصيب منا، ونصيب منه. قال: فهل يغدر؟ قلت: لا. ونحن منه في مدة لا ندري ما هو صانع فيها. قال: فوالله ما أمكنني من كلمة أدخل فيها شيئًا غير هذه. قال: فهل قال هذا القول أحد قبله؟ قال: قلت: لا.
قال لترجمانه: قل له: إني سألتك عن حسبه، فزعمت أنه فيكم ذو حسب، وكذلك الرسل تبعث في أحساب قومها.
وسألتك: هل كان في آبائه ملك؟ فزعمت أن لا. فقلت: لو كان من آبائه ملك قلت: رجل يطلب ملك آبائه.
وسألتك عن أتباعه، أضعفاؤهم أم أشرافهم؟ فقلت: بل ضعفاؤهم، وهم أتباع الرسل.
وسألتك: هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال: فزعمت أن لا؟ فقد عرفت أنه لم يكن ليدع الكذب على الناس، ثم يذهب فيكذب على الله.
وسألتك: هل يرتد أحد منهم عن دينه بعد أن يدخله سخطة له؟ فزعمت أن لا. وكذلك الإيمان إذا خالط بشاشته القلوب.
وسألتك: هل يزيدون أو ينقصون؟ فزعمت أنهم يزيدون. وكذلك الإيمان حتى يتم.
وسألتك: هل قاتلتموه؟ فزعمت أنكم قد قاتلتموه. فتكون الحرب بينكم وبينه سجالًا. ينال منكم وتنالون منه. وكذلك الرسل تبتلى ثم تكون لهم العاقبة.
_________________
(١) أشراف الناس: كبارهم وأهل الأحساب فيهم.
[ ٣٨٠ ]
وسألتك: هل يغدر؟ فزعمت أنه لا يغدر. وكذلك الرسل لا تغدر.
وسألتك: هل قال هذا القول أحد قبله؟ فزعمت أن لا. فقلت: لو قال هذا القول أحد قبله. قلت رجل ائتم بقول قيل قبله.
قال: لم قال: بم يأمركم؟ قلت: يأمرنا بالصلاة والزكاة والصلة والعفاف.
قال: إن يكن ما تقول فيه حقًّا، فإنه نبي وقد كنت أعلم أنه خارج، ولم أكن أظنه منكم. ولو أني أعلم أني أخلص إليه لأحببت لقاءه ولو كنت عده لغسلت عن قدميه وليبلغن ملكه ما تحت قدمي.
قال: ثم دعا بكتاب رسول الله - ﷺ - فقرأه، فهذا فيه:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
من محمَّد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم. سلام على من اتبع الهدى، أما بعد: فإني أدعوك بدعاية الإِسلام (١)، أسلم تسلم، وأسلم يؤتك الله أجرك مرتين. وإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين (٢) ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ (٣).
قال أبو سفيان: فلما قال ما قال، وفرغ من قراءة الكتاب، أكثر عنده الصخب، وارتفعت الأصوات وأخرجنا، فقلت لأصحابي حين أخرجنا: لقد أمِرَ أمرُ ابن أبي كبشه، إنه يخافه ملك بني الأصفر. فما زلت موقنا أنه سيظهر حتى أدخل الله علي الإسلام.
وكان ابن الناطور -صاحب إيلياء وهرقل- أسُقفًا على نصارى الشام، يحدث أن هرقل حين قدم إيلياء أصبح يومًا خبيث النفس، فقال بعض بطارقته: قد استنكرنا هيئتك. قال ابن الناطور: وكان هرقل حزاءً ينظر في النجوم.
_________________
(١) دعاية الإِسلام: دعوة الإِسلام وهي كلمة التوحيد.
(٢) الأريسيين: الأكارون، أي الفلاحون والزراعون، ومعناه أن عليك إثم رعاياك الذين يتبعونك وينقادون بانقيادك، ويقال إنهم الهود والنصارى أتباع عبد الله أريس الذي تنسب إليه الأروسية من النصارى، ويقال: إنهم الملوك الذين يقودون الناس إلى المذاهب الفاسدة ويأمرونهم بها، والقول الأول: هو الأصح والأشهر.
(٣) ٣ / آل عمران آية ٦٤.
[ ٣٨١ ]
فقال لهم حين سألوه، إني رأيت الليلة حين نظرت في النجوم ملك الختان قد ظهر، فمن يختن من هذه الأمة؟ قالوا: ليس يختتن إلا اليهود، فلا يهمنك شأنهم، واكتب إلى مدائن ملكك، فيقتلوا من فيهم من اليهود. فبينما هم على أمرهم أتي هرقل برجل أرسل به ملك غسان خيبر عن خبر رسول الله - ﷺ -.
فلما استخبره هرقل قال: اذهبوا فانظروا أمختن هو أم لا؟ فنظروا إليه فحدثوه أنه مختتن، وسأله عن العرب فقال: هم يختتنون. فقال هرقل: هذا ملك هذه الأمة قد ظهر. ثم كتب هرقل إلى صاحب له برومية، وكان نظيره في العلم. وسار هرقل إلى حمص، فلم يرم حمص حتى أتاه كتاب من صاحبه يوافق رأي هرقل على خروج النبي - ﷺ - وأنه نبي.
فأذن هرقل لعظماء الروم في دسكرة له بحمص، ثم أمر بأبوابها فغلقت، ثم اطلع فقال: "يا معشر الروم، هل لكم في الفلاح والرشد، وأن يثبت ملككم فتبايعوا هذا النبي؟ فحاصوا حيصة حمر الوحش إلى الأبواب، فوجدوها قد غلقت، فلما رأى هرقل نفرتهم، وأيس من الإيمان قال: ردوهم عليَّ. وقال: إني قلت مقالتي آنفًا أختبر بها شدتكم على دينكم، فقد رأيت. فسجدوا له ورضوا عنه، فكان ذلك آخر شأن هرقل" (١).
٢ - رسالة النبي إلى كسرى ملك الفرس:
٦٠٨ - من حديث ابن عباس ﵄ "أن رسول الله - ﷺ - بعث بكتابه إلى كسرى مع عبد الله بن حذافة السهمي، فأمره أن يدفعه إلى عظيم البحرين، فدفعه عظيم البحرين إلى كسرى، فلما قرأه مزقه، فحسبت ابن المسيب قال: فدعا عليهم رسول الله - ﷺ - أن يمزقوا كل ممزق" (٢).
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب بدء الوحي باب حديث أبي سفيان عند هرقل حديث رقم: ٧، وله أطراف في صحيح البخاري بأرقام: ٥١، ٢٦٨١، ٢٨٠٤، ٢٩٤١، ٢٩٧٨، ٣١٧٤، ٤٥٥٣، ٥٩٨٠، ٦٢٦٠ و٧١٩٦، ٧٥٤١، وفي صحيح مسلم الجهاد والسير باب كتاب النبي إلى هرقل يدعوه إلى الإِسلام: ١٧٧٣. الترمذي في سنة رقم: ٢٧١٨، الاستئذان، باب ما جاء كيف يكتب لأهل الشرك، وأبو داود في الأدب: ٥١٣٦، باب كيف يكتب إلى الذمي، أحمد: ١/ ٢٦٣، والبيهقي في السير: ٩/ ١٧٧، باب إظهار دين النبي - ﷺ - على الأديان، وأبو نعيم في دلائل النبوة برقم: ٢٣٩، وعبد الرزاق في المصنف رقم: ٩٧٢٤، وابن مندة في الإيمان رقم: ١٤٣.
(٢) أخرجه البخاري في المغازي باب كتاب النبي - ﷺ - إلى كسرى وقيصر حديث رقم: ٤٤٢٤، فتح: ٨/ ١٢٦، أحمد في المسند: ١/ ٢٤٣، ٣٠٥.
[ ٣٨٢ ]
٦٠٩ - من مرسلات سعيد بن المسيب ﵁ قال: "كتب رسول الله - ﷺ - إلى كسرى وقيصر، والنجاشي كتابًا واحدًا.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
من محمَّد رسول الله - ﷺ - إلى كسرى وقيصر والنجاشي أما بعد:
﴿تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾.
فأما كسرى، فمزق كتابه، ولم ينظر فيه فقال رسول الله - ﷺ -: (مزق ومزقت أمته) (١).
٦١٠ - من مرسل يزيد بن حبيب ﵁ قال: "وبعث رسول الله - ﷺ - عبد الله بن حذافة بن قيس بن عدي بن سعد بن سهم إلى كسرى بن هرمز ملك فارس وكتب معه:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
(من محمَّد رسول الله إلى كسرى عظيم فارس، سلام على من اتبع الهدى، وآمن بالله ورسوله، وشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأدعوك بدعاء الله، فإني أنا رسول الله إلى الناس كافة لأنذر من كان حيًّا، ويحق القول على الكافرين، فإن تسلم، وإن أبيت فإن إثم المجوس عليك).
قال: فلما قرأه شقه وقال: يكتب إلي بهذا وهو عبدي".
قال: ثم كتب كسرى إلى باذان، وهو على اليمن، أن أبعث إلى هذا الرجل الذي بالحجاز رجلين من عندك جلدين، فليأتياني به، فبعث باذان قهرمانه، وهو بابويه وكان كاتبًا حاسبًا بكتاب فارس، وبعث معه رجلًا من الفرس يقال له خرخسرة، وكتب معهما إلى رسول الله - ﷺ - يأمره أن ينصرف
_________________
(١) أخرجه أبو عبيد في الأموال رقم: ٥٩، صفحة ٣٢، وقد اتفقت كلمة العلماء على سعيد بن المسيب وأن جميع مراسيله صحيحه وأنه كان لا يرسل إلا عن ثقة من كبار التابعين أو صحابي معروف انظر أقوال العلماء في ذلك (جامع التحصيل في أحكام المراسيل ص: ٤٥ - ٤٦ - ٩٩، وقد جاء ما يؤيده من مرسل يزيد بن أبي حبيب عند ابن جرير الطبري في تاريخه: ٢/ ٣ / ٩٠، قبل غزوة خيبر فالحديث بذلك حديث حسن.
[ ٣٨٣ ]
معهما إلى كسرى، وقال لبابويه: ائت بلد هذا الرجل، وكلمه، وائتني بخبره، فخرجا حتى قدما الطائف فوجدا رجالًا من قريش بجنب من أرض الطائف، فسألاهم عنه، فقالوا: هو بالمدينة، واستبشروا بهما، وفرحوا، وقال بعضهم لبعض: ابشروا فقد نصب له كسرى ملك الملوك كفيتم الرجل!
فخرجا حتى قدما على رسول الله - ﷺ -، فكلمه بابويه فقال: إن شاهنشاه ملك الملوك كسرى قد كتب إلى الملك باذان يأمره أن يبعث إليك من يأتيه بك، وقد بعثني إليك لتنطلق معي، فإن فعلت كتب فيك إلى ملك الملوك ينفعك، ويكفه عنك، وإن أبيت فهو من قد علمت، فهو مهلكك، ومهلك قومك، ومخرب بلادك.
ودخلا على رسول الله - ﷺ -، وقد حلقا لحاهما، وأعفيا شواربهما، فكره النظر إليهما، ثم أقبل عليهما، فقال: (ويلكما من أمركما بهذا؟) قالا: أمرنا بهذا ربنا؛ يعنيان كسرى، فقال رسول الله - ﷺ -: (ولكن ربي أمرني بإعفاء لحيتي، وقص شاربي)، ثم قال: (ارجعا حتى تأتياني غدًا).
قال: وأتى رسول الله - ﷺ - الخبر من السماء بأن الله قد سلط على كسرى ابنه شيرويه فقتله، في شهر كذا وكذا في ليلة كذا وكذا من الليل سلط عليه ابنه شيروه فقتله، قال: فدعاهما فأخبرهما فقالا: هل تدري ما تقول؟ إنا قد نقمنا عليك ما هو أيسر من هذا، فنكتب عنك بهذا، ونخبر الملك؟ قال: (نعم أخبراه ذلك عني وقولا له: إن ديني وسلطاني سيبلغ ما بلغ ملك كسرى، وينتهي إلى منتهى الخف والحافر، وقولا له: إن أسلمت أعطيتك ما تحت يديك، وملكتك على قومك من الأبناء".
ثم أعطى خرخسرة منطقة فيها ذهب وفضة كان أهداها له بعض الملوك. فخرجا من عنده حتى قدما على باذان، فأخبراه الخبر، فقال: والله ما هذا بكلام ملك، وإني لأرى الرجل نبيًّا كما يقول، وليكونن ما قد قال، فلئن كان هذا حقًّا فهو نبي مرسل، وإن لم يكن فسنرى فيه رأينا، فلم ينشب باذان أن قدم عليه كتاب شيرويه: "أما بعد فإني قد قتلت كسرى، ولم أقتله إلا غضبًا لفارس لما كان استحل من قتل أشرافهم وتجميرهم في ثغورهم، فإذا جاءك كتابي هذا فخد لي الطاعة من قبلك، وانطلق إلى الرجل الذي كان كسرى قد كتب فيه فلا تهجه حتى يأتيك أمري فيه".
[ ٣٨٤ ]
فلما انتهى كتاب شيرويه إلى باذان قال: "إن هذا الرجل لرسول. فأسلم، وأسلمت الأبناء من فارس من كان منهم باليمن، وقال: وقد قال بابويه لباذان: ما كلمت رجلًا قط أهيب عندي منه، فقال له باذان: هل معه شرط؟ قال: لا) (١).
٣ - رسالته إلى النجاشي:
٦١١ - من حديث أنس ﵁ "أن النبي - ﷺ - كتب إلى كسرى وإلى قيصر وإلى النجاشي، وإلى كل جبار يدعوهم إلى الله تعالى، وليس بالنجاشي الدي صلى عليه النبي - ﷺ -" (٢).
وقد أوضح ابن القيم أن النجاشي الذي صلى عليه رسول الله - ﷺ -، وهو الذي آمن وأكرم أصحابه، هو غير النجاشي الذي كتب إليه يدعوه إلى الإِسلام فهما اثنان (٣).
٤ - رسالته إلى المقوقس حاكم مصر:
٦١٢ - من مرسل عبد الرحمن بن عبد القارئ: "أن رسول الله - ﷺ - بعث حاطب بن أبي بلتعة إلى المقوقس صاحب الإسكندرية، فمضى بكتاب رسول الله - ﷺ - إلى المقوقس، فقبَّل الكتاب، وأكرم حاطبًا، وأحسن نزله، وسرَّحه إلى النبي - ﷺ -، وأهدى له مع حاطب كسوة، وبغلة بسرجها، وخادمتين إحداهما أم إبراهيم، وأما الأخرى، فوهبها رسول الله - ﷺ - لجهم بن قيس العبدي، فهي أم زكريا بن جهم الذي كان خليفة عمرو بن العاص على مصر" (٤).
_________________
(١) أخرجه ابن جرير الطبري في تاريخه المجلد الثاني الجزء الثالث ص: ٩٠ - ٩١، وابن كثير في سيرته: ٣/ ٥٠٨ - ٥١٠، نقلًا عن ابن جرير، وابن سعد في الطبقات: ١/ ٢ / ١٤٧، من حديث عبيد الله بن عبد الله بن مسعود مرسلًا أيضًا بإسناد صحيح، ووصله ابن بشران في الأمالي من حديث أبي هريرة بسند واه، وحسنه الألباني بهذين الشاهدين" بدون ذكر ابن كثير كما في تعليقه على فقه السيرة: ص: ٣٨٩.
(٢) سبق تخريجه حديث رقم: ٦٠٦.
(٣) زاد المعاد: ٣/ ٦٩٠.
(٤) سيرة ابن هشام: ٤/ ٢١٦ وعنه ابن كثير في سيرته: ٣/ ٥١٤، والبيهقي في الدلائل: ٤/ ٣٩٥، وإسناده ثقات، قد صرح ابن إسحاق بالحديث، وله شاهد من حديث حاطب أخرجه البيهقي في الدلائل: ٤/ ٣٩٥ - ٣٩٦، وابن كثير: ٣/ ٥١٤ - ٥١٥، وقال الحافظ في الإصابة: ١/ ٣٠٠، في ترجمة حاطب رقم: ١٥٣٨، أخرجه ابن شاهين من طريق يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب عن أبيه عن جده قلت: وفي سنده عبد الرحمن بن زيد بن أسلم ضعيف كما في التقريب، فيرتقي الحديث إلى درجة الحسن، وابن سعد في الطبقات: ١/ ٢٦٠ - ٢٦١.
[ ٣٨٥ ]
المبحث الخامس عشر: إسلام عمرو بن العاص وخالد بن الوليد وعثمان بن أبي طلحة
٦١٣ - من حديث عمرو بن العاص ﵁ قال: "لما انصرفنا مع الأحزاب عن الخندق جمعت رجالًا من قريش، كانوا يرون رأي ويسمعون مني، فقلت لهم: تعلمون والله أني أرى أمر محمَّد يعلو الأمور علوًّا منكرًا، وإني قد رأيت أمرًا، فما ترون فيه؟ قالوا: وماذا رأيت؟ قال: رأيت أن نلحق بالنجاشي، فنكون عنده، فإن ظهر محمَّد على قومنا كنا عند النجاشي، فإنا أن نكون تحت يديه أحب إلينا من أن نكون تحت يدي محمَّد، وإن ظهر قومنا، فنحن من قد عرفوا، فلن يأتينا منهم إلا خير، قالوا: إن هذا الرأي، قلت: فاجمعوا لنا ما نهديه له، وكان أحب ما يهدى إليه من أرضنا الأدم (١) فجمعنا له أدمًا كثيرًا، ثم خرجنا حتى قدمنا عليه.
فوالله إنا لعنده إذ جاءه عمرو بن أمية الضمري، وكان رسول الله - ﷺ - قد بعثه إليه في شأن جعفر وأصحابه، قال: فدخل عليه، ثم خرج من عنده، قال: فقلت لأصحابي: هذا عمرو بن أمية الضمري، لو قد دخلت على النجاشي، وسألته إياه فأعطانيه، فضربت عنقه، فإذا فعلت ذلك رأت قريش أني أجزأت عنها (٢)، حين قتلت رسول محمَّد، قال: فدخلت عليه، فسجدت له كما كنت أصنع، فقال: مرحبًا صديقي، أهديت إلي من بلادك شيئًا؟ قال: قلت: نعم، أيها الملك، قد أهديت إليك أدمًا كثيرًا، قال: ثم قربته إليه، فأعجبه واشتهاه. ثم قلت له: أيها الملك، إني قد رأيت رجلًا خرج من عندك، وهو رسول رجل عدو لنا، فأعطنيه لأقتله، فإنه قد أصاب من أشرافنا وخيارنا، قال: فغضب، ثم مد يده، فضرب بها أنفه ضربة ظننت أنه قد كسره، فلو انشقت لي الأرض لدخلت فيها فرقًا منه، ثم قلت له: أيها الملك، والله لو ظننت أنك تكره هذا ما سألتكه، قال: أتسألني أن أعطيك رسول رجل يأتيه الناموس الأكبر الذي كان يأتي موسى لتقتله!
قال: قلت: أيها الملك، أكذاك هو؟ قال: ويحك يا عمرو أطعني واتبعه، فإنه والله لعلى الحق، وليظهرن على من خالفه كما ظهر موسى على فرعون
_________________
(١) الأدم: الجلد.
(٢) أجزأت عنها: كفيتها.
[ ٣٨٦ ]
وجنوده، قال: قلت: أفتبايعني على الإِسلام؟ قال: نعم، فبسط يده، فبايعته على الإِسلام، ثم خرجت إلى أصحابي، وقد حال رأيي عما كان عليه، وكتمت أصحابي إسلامي".
اجتماع عمرو وخالد على الإِسلام:
" ثم خرجت عامدًا إلى رسول - ﷺ - لأسلم، فلقيت خالد بن الوليد، وذلك قبيل الفتح، وهو مقبل من مكة، فقلت: أين يا أبا سليمان؟
قال: والله لقد استقام المنسم (١)، وإن الرجل لنبي، أذهب والله فأسلم، فحتى متى، قال: قلت: والله ما جئت إلا لأسلم. قال: فقدمنا المدينة على رسول الله - ﷺ -، فتقدم خالد بن الوليد، فأسلم، وبايع، ثم دنوت، فقلت: يا رسول الله، إني أبايعك على أن يغفر لي ما تقدم من ذنبي، ولا أذكر ما تأخر.
قال: فقال رسول الله - ﷺ -: (يا عمرو، بايع، فإن الإِسلام يجب ما كان قبله، وإن الهجرة تجب ما كان قبلها، قال: فبايعته ثم انصرفت).
قال ابن إسحاق: وقد حدثني من لا أتهم أن عثمان بن طلحة بن أبي طلحة كان معهما أسلم حين أسلما) (٢).
٦١٤ - ومن طريق عمرو بن العاص ﵁ قال: " فلما جعل الله الإِسلام في قلبي أتيت النبي - ﷺ - فقلت: ابسط يمينك فلأبايعك. فبسط يمينه، قال: فقبضت يدي، قال: (ما لك يا عمرو؟) قال: قلت: أردت أن أشترط. قال: (تشترط بماذا؟) قلت: أن يغفر لي. قال: (أما علمت أن الإِسلام يهدم ما كان قبله، وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها، وأن الحج يهدم ما كان قبله؟ ) (٣).
_________________
(١) استقام المنسم: تبين الطريق ووضح.
(٢) أخرجه أحمد في المسند: ٤/ ١٩٨ - ١٩٩، ٢٠٤، ٢٠٥، الحاكم في المستدرك: ٣/ ٤٥٤، وإحدى طرقه عند أحمد: ٤/ ٢٠٥ يحيى بن إسحاق أنا ليث بن سعد عن يزيد إسنادها صحيح على شرط مسلم رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين غير ابن شماسه، وهو عبد الرحمن فهو على شرط مسلم فقط، بل وأخرجه مسلم في صحيحه بلفظ (الإِسلام يهدم ما قبله) برقم: ١٢١، الإيمان باب كون الإِسلام يهدم ما قبله وقال الشيخ الساعاتي في الفتح الرجل: ٢١/ ١٣٤ - ١٣٦، رواه ابن إسحاق، وسنده جيد، وقال الهيثمي في المجمع: ٩/ ٣٥٠، ٣٥١: مناقب عمرو بن العاص: رواه أحمد والطبراني، ورجالهما ثقات، فالحديث بذلك صحيح.
(٣) أخرجه سلم في الإيمان باب كون الإِسلام يهدم ما قبله حديث رقم: ١٢١، أبو عوانة في صحيحه: ١/ ٧٠.
[ ٣٨٧ ]
المبحث الساس عشر: غزوة مؤتة
١ - وقت الغزوة:
قال ابن إسحاق ﵀: "حدثني محمَّد بن جعفر بن الزبير عن عروة بن الزبير قال: بعث رسول الله - ﷺ - بعثه إلى مؤتة في جمادى الأولى سنة ثمان" (١).
وقال الحافظ في الفتح: "وفي مغازي أبي الأسود عن عروة بعث رسول الله - ﷺ - الجيش إلى مؤتة في جمادى من سنة ثمان، وكذا قال ابن إسحاق وموسى ابن عقبة وغيرهما من أهل المغازي لا يختلفون في ذلك، إلا ما ذكر خليفة في تاريخه أنها كانت سنة سبع" (٢).
٢ - تعيين القادة على جيش مؤتة:
٦١٥ - من حديث ابن عمر ﵄ قال: "أمَّر رسول الله - ﷺ - في غزوة مؤتة زيد بن حارثة فقال رسول الله - ﷺ -: إن قتل زيد فجعفر، وإن قتل جعفر فعبد الله بن رواحة، قال عبد الله: كنت فيهم في تلك الغزوة، فالتمسنا جعفر بن أبي طالب فوجدناه في القتلى، ووجدنا ما في جسده بضعًا وتسعين من طعنة ورمية" (٣).
٣ - وداع أهل المدينة الجيش الخارج إلى مؤتة:
٦١٦ - من حديث عروة بن الزبير "مرسلًا" قال: "بعث رسول الله - ﷺ - بعثة إلى مؤتة في جمادى الأولى سنة ثمان، واستعمل عليهم زيد بن حارثة، وقال: إن أصيب زيد فجعفر بن أبي طالب على الناس، فإن أصيب جعفر، فعبد الله بن رواحة على الناس.
_________________
(١) ابن هشام في السيرة: ٢/ ٣٧٣، ونقله عنه ابن كثير في سيرته: ٣/ ٤٥٥، زاد المعاد: ٣/ ٣٨١، دلائل النبوة البيهقي: ٤/ ٣٥٩.
(٢) فتح الباري: ٧/ ٥١١.
(٣) أخرجه البخاري في المغازي باب غزوة مؤتة حديث رقم: ٤٢٦١، وقد جاء تعيين القادة من رواية عدة من الصحابة منهم ابن عباس في المسند: ١/ ٢٥٦، ٣٠٤، وقال الشيخ الساعاتي في الفتح الرباني: ١٤/ ١٦، سنده لا بأس به، ومن حديث أنس كما قال الهيثمي في المجمع: ٦/ ١٥٦، رواه أبو يعلى ورجاله رجال الصحيح، أبو نعيم في الحلية: ١/ ١١٧ - ١١٨، والحاكم: ٣/ ٢١٢ وابن سعد: ٤/ ١ / ٢٦. وسيأتي أيضًا ذكر تعيين القادة في أحاديث عدّة في أثناء الحديث عن الغزوة.
[ ٣٨٨ ]
فتجهز الناس، لم تهيئوا للخروج، هم ثلاثة آلاف، فلما حضر خروجهم ودع الناس أمراء رسول الله - ﷺ -، وسلموا عليهم، فلما ودع عبد الله بن رواحة؟ مع من ودع من أمراء رسول الله - ﷺ - بكى، فقالوا: ما يبكيك يا ابن رواحة؟ فقال: أما والله ما بي حب الدنيا ولا صبابة بكم، ولكني سمعت رسول الله - ﷺ - ﷺ - يقرأه آية من كتاب الله ﷿، يذكر فيها النار ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ (١) فلست أدري كيف لي بالصدر بعد الورود. فقال المسلمون: صحبكم الله ودفع عنكم، وردكم إلينا صالحين، فقال عبد الله بن رواحة:
لكني أسأل الرحمن مغفرة وضربة ذات فرغ (٢) تقذف الزبدا (٣)
أو طعنة بيدي حران مجهزة (٤) بحربة تنفذ الأحشاء والكبدا (٥)
حتى يقال إذا مروا على جدثي (٦) أرشده الله من غاز وقد رشدا (٧)
٤ - تخلف عبد الله بن رواحة لحضور صلاة الجمعة:
٦١٧ - من حديث ابن عباس ﵄ قال: "بعث رسول الله - ﷺ - ابن رواحة في سرية فوافق ذلك يوم الجمعة، قال فقدم أصحابه وقال: أتخلف، فأصلي مع النبي - ﷺ - الجمعة، ثم ألحقهم، قال: فلما رآه رسول الله - ﷺ - قال: (ما منعك أن تغدو مع أصحابك؟) قال: أردت أن أصلي معك الجمعة قال: فقال رسول الله - ﷺ -: (لو أنفقت ما في الأرض ما أدركت غدوتهم) (٨).
_________________
(١) مريم: ٧١.
(٢) ذات فرغ: يريد طعنة واسعة.
(٣) الزبد: أصله ما يعلو الماء إذا غلا، وأراد هنا ما يعلو الدم الذي ينفجر من الطعنة.
(٤) مجهزة: سريعة القتل.
(٥) تنفذ الأحشاء: تخرقها وتصل إليها.
(٦) الجدث: القبر.
(٧) ابن هشام في السيرة: والبيهقي في الدلائل: ٤/ ٣٥٨ - ٣٦٠، والطبري في التاريخ: ٣/ ١٠٧، ٢/ ٣٧٣ - ٣٧٤، عن عروة مرسلًا، ورجاله ثقات، وقال الهيثمي في المجمع: ٦/ ١٥٧ - ١٥٨، رواه الطبراني، ورجاله ثقات إلى عروة وله شاهد من الحديث الذي بعده.
(٨) أخرجه أحمد في المسند: ١/ ٢٥٦، وفي الطبعة المرقمة تحقيق أحمد شاكر برقم: ٢٣١٧، وقال الشيخ الساعاتي: ١٤/ ١٦: لم أقف عليه لغير الإمام أحمد، وسنده لا بأس به: قلت: بل أخرجه الترمذي في سنته كتاب الصلاة باب ما جاء في السفر يوم الجمعة رقم؛ ٥٢٧، وقال: حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه وابن أبي شيبة في المصنف: ١٤/ ٥١٢، وقد أعل بأن هذا الحديث ليس مما رواه الحكم =
[ ٣٨٩ ]
٥ - قتال جعفر بن أبي طالب:
٦١٨ - من حديث يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه عباد، قال: (حدثني أبي الذي أرضعني، وكان أحد بني مرة بن عوف، وكان في تلك الغزوة غزوة مؤتة قال: والله لكأني أنظر إلى جعفر حين اقتحم عن فرس له شقراء، ثم عقرها، ثم قاتل حتى قتل وهو يقول:
يا حبذا الجنة واقترابها طيبة وباردًا شرابها
والروم روم قد دنا عذابها كافرة بعيدة أنسابها
علي إذ لاقيتها ضرابها (١)
٦ - قتال عبد الله بن رواحة ﵁:
٦١٨ - بنفس إسناد الحديث السابق قال أحد بني مرة بن عوف: " فلما قتل جعفر أخذ عبد الله بن رواحة الراية، ثم تقدم بها، وهو على فرسه، فجعل يستنزل نفسه، ويتردد بعض التردد ثم قال:
أقسمت يا نفس لتنزلنه لتنزلن أو لتكرهنه
إن أجلب الناس وشدوا الرنة ما لي أراك تكرهين الجنة
قد طال ما قد كنت مطمئنة هل أنت إلا نطفة في شنة (٢)
_________________
(١) = عن مقسم عن ابن عباس قال الشيخ أحمد شاكر ورواه البيهقي في السنن: ٣/ ١٨٧، من طريق الحسن بن عياش عن الحجاج ثم قال البيهقي ورواه أيضًا حماد بن سلمة وأبو معاوية عن حجاج بن أرطاة والحجاج ينفرد به" وللحديث شاهد بإسناد جيد يدل على صحة رواية الحجاج والحكم عن مقسم، فقد روى ابن عبد الحكم في فتوح مصر ص: ٢٩٨ من طريق ابن لهيعة عن زبان ابن فائد عن سهل بن معاذ بن أنس عن أبيه عن رسول الله - ﷺ -: أنه أمر أصحابه بالعزو وأن رجلًا تخلف وقال لأهله: أتخلف حتى أصلي مع رسول الله فذكر نحو الحديث السابق، ويشهد له الحديث السابق.
(٢) سيرة ابن هشام المجلد الثاني صفحة: ٣٧٨، من طريق ابن إسحاق، وسنده ثقات، فقد صرح ابن إسحاق بالتحديث، وأخرجه أبو داود بدون الشعر في كتاب الجهاد باب في الدابة تعرقب في الحرب رقم: ٢٥٧٣، وقال: هذا الحديث ليس بالقوي والطبري في التاريخ: ٣/ ١٠٨ - ١٠٩، والبيهقي في الدلائل: ٤/ ٣٦٣، قلت: وقد حسن هذا الحديث الحافظ ابن حجر في الفتح: ٧/ ٥١١، وقال: إسناده حسن وقال الهيمثي في المجمع: ٦/ ١٥٩ - ١٦٠: رواه الطبراني، ورجاله ثقات" وصححه أحمد شاكر في تعليقه على مختصر سنن أبي داود: ٣/ ٣٩٧، بقوله: والإسناد صحيح لا علة فيه. فالحديث بذلك حسن: ولا يضر جهالة الصحابي الذي روى الحديث.
(٣) شنة: السقاء البالي.
[ ٣٩٠ ]
وقال أيضًا:
يا نفس إلا تقتلي تموتي هذا حمام الموت قد صليت
وما تمنيت فقد أعطيت .. إن تفعلي فعلهما هديت
يريد صاحبيه: زيدًا وجعفرًا، ثم نزل، فلما نزل أتاه ابن عم له بعرق (١) من لحم فقال: شد بهذا صلبك، فإنك قد لقيت في أيامك هذه ما لقيت، فأخذه من يده ثم انتهس (٢) منه نهسة، ثم سمع الحطمة (٣) في ناحية الناس فقال: وأنت في الدنيا! ثم ألقاه من يده، ثم أخذ سيفه فتقدم، فقاتل حتى قتل" (٤).
٧ - تولي خالد بن الوليد الإمارة وشدة بأسه:
٦١٩ - بنفس الإسناد السابق: " ثم أخذ الراية ثابت بن أقرم أخو بني العجلان، فقال: يا معشر المسلمين اصطلحوا على رجل منكم قالوا: أنت، قال: ما أنا بفاعل فاصطلح الناس على خالد بن الوليد، فلما أخذ الراية دافع القوم، وحاشى بهم، ثم انحاز وانحيز عنه، حتى انصرف بالناس" (٥).
٦٢٠ - من حديث خالد بن الوليد ﵁ قال: "لقد انقطعت في يدي يوم مؤتة تسعة أسياف، فما بقي في يدي إلا صفيحة يمانية" (٦).
٦٢١ - ومن حديث أبي قتادة ﵁: "بعث رسول الله - ﷺ - جيش الأمراء وقال: عليكم زيد بن حارثة، فإن أصيب زيد فجعفر، فإن أصيب جعفر فعبد الله بن رواحة الأنصاري، فوثب جعفر فقال: بأبي أنت يا نبي الله ما كنت
_________________
(١) العرق: العظم الذي عليه بعض لحم.
(٢) انتهى: أخذ منه بفمه يسيرًا.
(٣) الحطمة: زحام الناس وحطم بعضهم بعضًا.
(٤) سبق تخريجه في الحديث السابق: ٦١٧.
(٥) سبق تخريجه في الحديث السابق رقم: ٦١٧، وقد جاء من مرسل ابن شهاب الزهري مثل ذلك رواه الطبراني، ورجاله ثقات إلى ابن شهاب كذا قال الهيثمي في المجمع: ٦/ ١٦٠.
(٦) أخرجه البخاري في المغازي باب غزوة مؤتة رقم: ٤٢٦٥، ٤٢٦٦ وأحمد في الفضائل: ١٤٧٥، والبيهقي في الدلائل: ٤/ ٣٧٣، والطبراني في الكبير: ٣٨٠٢، وابن سعد: ٤/ ٢٥٣، ٧/ ٣٩٥، والحاكم في المستدرك: ٣/ ٤٢.
[ ٣٩١ ]
أرهب أن تستعمل عليَّ زيدًا، قال: امضوا فإن لا تدري أي ذلك خير، قال: فانطلق الجيش فلبثوا ما شاء الله ثم إن رسول الله - ﷺ - صعد المنبر، وأمر أن ينادي الصلاة جامعة، فقال رسول الله - ﷺ -: (ناب خبر، أو ثاب خبر (١) "شك عبد الرحمن".
ألا أخبركم عن جيشكم هذا الغازي، إنهم انطلقوا حتى لقوا العدو، فأصيب زيد شهيدًا، فاستغفروا له)، فاستغفر له الناس، (ثم أخذ اللواء جعفر بن أبي طالب، فشد على القوم حتى قتل شهيدًا، اشهدوا له بالشهادة، فاستغفروا له، ثم أخذ اللواء عبد الله بن رواحة، فأثبت قدميه حتى أصيب شهيدًا، فاستغفروا له، ثم أخذ اللواء خالد بن الوليد ولم يكن من الأمراء، هو أمر نفسه)، فرفع رسول الله - ﷺ - أصبعيه، وقال: (اللهم هو سيف من سيوفك فانصره)، "وقال عبد الرحمن" مرة (فانتصر به).
فيومئذ سمي خالد سيف الله، ثم قال النبي - ﷺ -: (انفروا فأمدوا إخوانكم، ولا يتخلفن أحد)، فنفر الناس في حر شديد مشاة وركبانًا) (٢).
٨ - لمن كان النصر في هذه المعركة:
إن سياق أصحاب المغازي والسير فيه اختلاف في وصف معركة مؤتة والحال التي كان عليها الجيش الإِسلامي بين نصر أو هزيمة، فانقسموا إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: قالوا: إن المسلمين قد انتصروا، وممن قال بذلك موسى بن عقبة، والواقدي، والزهري، ورجح هذا الرأي البيهقي، وابن كثير في سيرته.
القسم الثاني: قالوا إن المسلمين هزموا شر هزيمة عرفوها في تاريخهم عقب
_________________
(١) عبد الرحمن هو ابن مهدي شيخ الإِمام أحمد، يشك هل قال رسول الله - ﷺ - ناب خبر بالنون أو ثاب خبر بالثاء، وسواء كان ناب أو ثاب فمعناه الرجوع أي رجع إلى خبر، أي بلغني إما بطريق الوحي أو بطريق الكشف.
(٢) أخرجه أحمد في المسند: ٥/ ٢٩١ - ٣٠٠ - ٣٠١، والنسائي في السنن الكبرى كما أشار إلى ذلك في تحفة الأشراف حديث رقم: ١٢٠٩٥، ٩/ ٢٤٧، وعند البيهقي كما أشار إلى ذلك الحافظ ابن كثير في تاريخه قلت: والحديث صحيح رجاله ثقات. قلت: وقد جاء تولي خالد إمرة الجيش أيضًا من حديث أنس بن مالك ﵁ كما أخرجه البخاري في المغازي باب غزوة مؤتة حديث رقم: ٤٢٦٢، والنسائي في السنن: ٤/ ٢٦ كتاب الجنائز باب النعي دون ذكر خالد بن الوليد وتوليه إمرة الجيش. ومن حديث عبد الله بن جعفر وسيأتي تخريجه عند عنوان رعاية الرسول - ﵇ -، لأسرة جعفر ﵁.
[ ٣٩٢ ]
استشهاد القادة الثلاثة، وممن قال بهذا القول ابن سعد في الطبقات: ٢/ ١٣٠.
القسم الثالث: قال بأن كل فئة انحازت عن الأخرى، وممن ذهب إلى هذه المقالة ابن إسحاق في السيرة، وأيده على مقالته ابن القيم في زاد المعاد.
والرأي الذي أميل إليه وأرجحه هو رأي القسم الأول القائل بأن المسلمين قد انتصروا في غزوة مؤتة لوجود مرجحات لهذا القول من حديثي أنس بن مالك ﵁، وعوف بن مالك الأشجعي سأوردهما فيما يلي:
٦٢٢ - أما حديث أنس ﵁ "أن النبي - ﷺ - نعى زيدًا وجعفرًا وابن رواحة للناس قبل أن يأتيهم خبرهم فقال: (أخذ الراية زيدًا فأصيب، ثم أخذ جعفر فأصيب، ثم أخذ ابن رواحة فأصيب -وعيناه تذرفان- حتى أخذ الراية سيف من سيوف الله حتى فتح الله عليهم) (١).
وموطن الشاهد قوله - ﵇ -: (حتى فتح الله عليهم)، في هذا دلالة على أن النصر والفتح كان بجانب المسلمين حين تولى خالد بن الوليد القيادة وتسلم الراية، وقد جاءت هذه اللفظة من حديث عبد الله بن جعفر الذي سيأتي برقم:٦٢٩.
٦٢٣ - وأما حديث عوف بن مالك الأشجعي ﵁ قال: "خرجت مع من خرج مع زيد بن حارثة من المسلمين في غزوة مؤتة، ووافقني مددي من اليمن ليس معه غير سيفه، فنحر رجل من المسلمين جزورًا، فسأله المددي طابقة من جلده، فأعطاه إياه فاتخذه كهيئة الدرقة، ومضينا، فلقينا جموع الروم، وفيهم رجل على فرس له أشقر عليه سرج مذهب وسلاح مذهب، فجعل الرومي يُغري بالمسلمن، وقعد له المددي خلف صخرة، فمر به الرومي، فعرقب فرسه فخر وعلاه فقتله، وحاز فرسه وسلاحه، فلما فتح الله للمسلمين بعث إليه خالد ابن الوليد فأخذ من السلب، قال عوف: فأتيته فقلت: يا خالد أما علمت أن رسول الله - ﷺ - قضى بالسلب للقاتل؟ قال: بلى ولكني استكثرته. فقلت: لتردَّنه
_________________
(١) أخرجه البخاري في المغازي باب غزوة مؤتة حديث رقم: ٤٢٦٢، وانظر أرقام البخاري التالية: ١٢٤٦، ٢٧٩٨، ٣٠٦٣، ٣٦٣٠، ٣٧٥٧، والبيهقي في الجنائز: ٤/ ٧٠، وأبو نعيم في الدلائل رقم: ٤٥٨، وأحمد في المسند: ٣/ ١١٣، ١١٧ - ١١٨، والبغوي في شرح السنة: ١١/ ٣، رقم: ٢٦٦٧، والنسائي في السنن: ٤/ ٢٦، كتاب الجنائز باب النعي وجاء لفظ النسائي دون ذكر تولي سيف من سيوف الله حتى فتح الله عليهم.
[ ٣٩٣ ]
إليه، ولأعرَّفنكها عند رسول الله - ﷺ - فأبى أن يرد عليه.
قال عوف: فاجتمعنا عند رسول الله - ﷺ -، فقصصت عليه قصة المددي، وما فعل خالد، فقال رسول الله - ﷺ -: (يا خالد رُدَّ عليه ما أخذت منه) قال عوف: فقلت: دونك يا خالد ألم أفِ لك؟ فقال رسول الله - ﷺ -: (وما ذاك؟) فأخبرته، فغضب رسول الله - ﷺ - وقال: (يا خالد لا ترد عليه، هل أنتم تاركوا أمرائي؟ لكم صفوة أمرهم، وعليهم كدره) (١) واللفظ لأحمد.
وموطن الشاهد في هذا الحديث أن جيش المسلمين قد غنم من الروم غنائم عدة كان هذا السلب من بينها، ولا يغنم جيش من آخر إلا إذا كان منتصرًا، والله أعلم.
وقد تقدم فيما رواه البخاري أيضًا عن خالد أنه قال: اندقت في يدي يوم مؤتة تسعة أسياف، وما ثبت في يدي إلا صفيحة يمانية).
وهذا يقتضي أنهم أثخنوا فيه قتلًا، ولو لم يكن كذلك لما قدروا على التخلص منهم، وهذا وحده دليل مستقل على أنهم كانوا منتصرين، والله أعلم.
حزن النبي لموت جعفر:
- من حديث عائشة قالت: "لما جاءت وفاة جعفر عرفنا في وجه النبي - ﷺ - الحزن" (٢)
_________________
(١) أخرجه مسلم في الجهاد والسير باب استحقاق القاتل سلب القتيل حديث رقم: ١٧٥٣، أبو داود في الجهاد باب في الإِمام يمنع القاتل السلب إن رأى وباب الفرس والسلاح من السلب حديث رقم: ٢٧١٩، ٢٧٢٠، وأحمد في المسند: ٦/ ٢٦، ٢٧، ٢٨.
(٢) أخرجه البخاري في الجنائز باب من جلس عند المصيبة يعرف فيه الحزن رقم: ١٢٩٩، وانظر أرقام: ١٣٠٥، ٤٢٦٣، ومسلم في الجنائز باب التشديد في النياحة: ٢/ ٦٤٤ - ٦٤٥، رقم: ٩٣٥، والنسائي في الجنائز باب النهي عن البكاء على الميت: ٤/ ١٤ - ١٥، وأحمد في المسند انظر الفتح الرباني: ٨/ ١١٠ - ١١١، وأخرجه الحاكم في المستدرك:٣/ ٤٠ - ٤١، ٣/ ٢٠٩، وصححه ووافقه الذهبي، وانظر أسد الغابة: ١/ ٢٩٣.
[ ٣٩٤ ]
٩ - منزلة القادة الشهداء:
أ - إبدال جعفر بيديه جناحين في الجنة:
٦٢٤ - عن عامر الشعبي قال: "كان ابن عمر إذا حيا ابن جعفر قال: السلام عليك يا ابن ذي الجناحين" (١).
٦٢٥ - ومن حديث ابن عباس قال: قال رسول الله - ﷺ -: (رأيت جعفر بن أبي طالب ملكًا في الجنة مضرجة قوادمه بالدماء يطير في الجنة) (٢).
والرواية الثانية عن ابن عباس، إسنادها جيد (إن جعفرًا يطير مع جبريل وميكائيل له جناحان عوضه الله من يديه).
ب - زيد بن حارثة ﵁:
٦٢٦ - من حديث بريدة ﵁ قال: "قال رسول الله - ﷺ -: (دخلت الجنة، فاستقبلتني جارية شابة، فقلت: لمن أنت؟ قالت: أنا لزيد بن حارثة) (٣).
فضيلة الأمراء الثلاثة مجتمعين:
٦٢٧ - في حديث أبي أمامة الباهلي ﵁ قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: (بينما أنا نائم إذا أتاني رجلان، فأخذا بضبعي، فأتيا بي جبلًا وعرًا، فقالا: اصعد، فقلت: (لا أطيقه). فقالا: أنا سنسهله لك. قال: فصعدت حتى إذا كنت في سواء الجبل إذا أنا بأصوات شديدة، فقلت: (ما هؤلاء الأصوات؟) فقالا: عواء أهل النار ثم انطلقا بي، فإذا بقوم معلقين بعراقيبهم
_________________
(١) أخرجه البخاري في فضائل الصحابة باب مناقب جعفر حديث رقم: ٣٧٠٩، وفي المغازي باب غزوة مؤتة حديث رقم: ٤٢٦٤، والطبراني في الكبير برقم: ١٤٧٤، وأحمد في الفضائل برقم: ١٦٨٤.
(٢) أخرجه الحاكم في المستدرك: ٣/ ٢٠٩، وله طريق أخرى عند الطبراني في الكبير برقم: ١٤٦٦، والحاكم، وإسناده جيد، وقال الهيثمي في الزوائد: ٩/ ٢٧٢، رواه الطبراني بإسنادين، أحدهما حسن وقال الحافظ في الفتح: ٧/ ٧٦، إسناده جيد، وله شاهد من حديث أبي هريرة عند الترمذي: ٣٧٦٧، المناقب باب مناقب جعفر وعند الحاكم: ٣/ ٢٠٩، وفي سنده ضعيف هو عبد الله بن جعفر المدني، وقال الحافظ في الفتح، ولحديث أبي هريرة؛ طريق ثانية أيضًا عند الترمذي والحاكم إسنادها قوي على شرط مسلم، فتح الباري: ٧/ ٧٦، قلت: وللحديث شواهد أخرى أوردها ابن سعد في الطبقات: ٤/ ٢٥/ ٢٧، يصح بها الحديث والله أعلم.
(٣) ذكره صاحب كنز العمال بأرقام: ٣٣٢٩٩، ٣٣٣٠٢، ونسبه إلى الروياني، والضياء في المختارة، وابن عساكر، وقال الذهبي: إسناده حسن، وصححه الشيخ الألباني في الصحيحة برقم: ١٨٥٩.
[ ٣٩٥ ]
مشققة أشداقهم، تسيل أشداقهم دمًا، فقلت: ما هؤلاء؟ فقالا: هؤلاء الذين يفطرون قبل تحلة صومهم. فقال: خابت اليهود والنصارى" قال سليم "يعني بن عامر الخبائري الراوي عن ابن أمامة": سمعت من رسول الله - ﷺ - أم رأيه".
(ثم انطلقا بي، فإذا قوم أشد شيء انتفاخًا، وأنتن شيء ريحًا كأن ريحهم المراحيض، قلت: (من هؤلاء؟) قالا: هؤلاء قتلى الكفار، ثم انطلقا بي، فإذا بقوم أشد انتفاخًا وأنتن شيء ريحًا كأن ريحهم المراحيض، قلت: (من هؤلاء؟) قالا: هؤلاء الزانون والزواني. ثم انطلقا بي، فإذا بنساء ينهشن ثُديهن الحيات، فقال: (ما بال هؤلاء؟) قالا: هؤلاء اللاتي يمنعن أولادهن ألبانهن، ثم انطلقا بي، فإذا بغِلمان يلعبون بين بحرين قلت: من هؤلاء؟ قالا: هؤلاء ذراري المؤمنين.
ثم أشرفا بي شرفًا، فإذا بنفر ثلاثة يشربون من خمر لهم فقلت: من هؤلاء؟ قالا: هذا جعفر بن أبي طالب وزيد بن حارثة وعبد الله بن رواحة، ثم أشرفا شرفًا آخر فإذا أنا بنفر ثلاثة، فقلت: من هؤلاء؟ قالا: هذا إبراهيم وموسى وعيسى ﵈ وهم ينتظرونك) (١).
١٠ - رعاية الرسول ﵊ لآل جعفر وأمر النبي بأن يصنع لأهل الميت طعام:
٦٢٨ - من حديث عبد الله بن جعفر ﵄ قال: "لما جاء نعي جعفر قال النبي - ﷺ -: (اصنعوا لأهل جعفر طعامًا، فإنه قد جاءهم ما يشغلهم) (٢).
_________________
(١) أخرجه الطبراني برقم: ٧٦٦٦، ٧٦٦٧، وابن خزيمة برقم: ١٩٨٦، والحاكم مختصرًا: ١/ ٤٣٠، والبيهقي: ٤/ ٢١٦، والنسائي في الكبرى كما في التحفة: ٤/ ١٦٦، وابن حبان رقم: ١٨٠٠ موارد، وصححه الحاكم على شرط مسلم، وواففه الذهبي، وقال الهيثمي في المجمع: ١/ ٧٦ - ٧٧ رواه الطبراني في الكبير ورجاله رجال الصحيح، وأخرجه أبو زرعة الرازي في كتاب دلائل النبوة بإسنادين عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر قال سمعت سليم بن عامر الخبائري يقول: أخبرني أبو أمامة الباهلي، سمعت رسول الله - ﷺ - يقوله. قلت: وأحد الإسنادين رجاله ثقات، بل وإسناده صحيح" انظر سيرة ابن كثير: ٣/ ٤٩٠، ٤٩١.
(٢) أخرجه أحمد في المسند: ١/ ٢٠٥، الترمذي في الجنائز باب في الطعام يصنع لأهل الميت حديث رقم: ٩٨٨، وقال: حديث حسن صحيح، وأبو داود في الجنائز باب صنع الطعام لأهل الميت حديث رقم: ٣١٣٢، وابن ماجه في الجنائز باب ما جاء في الطعام يبعث لأهل الميت حديث رقم: ١٦١٠، البيهقي: ٤/ ٦١، الشافعي في مسنده: ١/ ٢٠٨، وفي الأم: ١/ ٢٧٤، والحاكم في المستدرك: ١/ ٣٧٢، وصححه ووافقه الذهبي، وهو كما قالا.
[ ٣٩٦ ]
٦٢٩ - ومن حديث عبد الله بن جعفر أيضًا قال: بعث رسول الله - ﷺ - جيشًا استعمل عليه زيد بن حارثة وقال: (فإن قتل زيد، فأميركم جعفر، فإن قتل، واستشهد، فأميركم عبد الله بن رواحة)، فلقوا العدو فأخذ الراية زيد، فقاتل حتى قتل، ثم أخذ الراية جعفر، فقاتل حتى قتل، ثم أخذ الراية عبد الله بن رواحة، فقاتل حتى قتل، ثم أخذ الراية خالد بن الوليد، ففتح الله عليه.
وأتى خبرهم النبي - ﷺ -، فخرج إلى الناس، فحمد الله، وأثنى عليه، وقال: (إن إخوانكم لقوا العدو، وإن زيدًا أخذ الراية، فقاتل حتى قتل، أو استشهد، ثم أخذ الراية بعده جعفر بن أبي طالب، فقاتل حتى قتل، أو استشهد، ثم أخذ الراية عبد الله بن رواحة، فقاتل حتى قتل، واستشهد ثم أخذ الراية سيف من سيوف الله خالد بن الوليد، ففتح الله عليه).
فأمهل ثم أمهل آل جعفر ثلاثًا أن يأتيهم، ثم أتاهم فقال: (لا تبكوا على أخي بعد اليوم، ادعوا إلى بني أخي)، قال: فجيء بنا كأنا أفرخ، فقال: (ادعوا إليَّ الحلاق فجيء بالحلاق، فحلق رؤوسنا ثم قال: (أما محمَّد فشبيه عمنا أبي طالب، وأما عبد الله فشبيه خلقي وخُلقي)، ثم أخذ بيدي فأشالها (١)، فقال: (اللهم اخلف جعفرًا في أهله، وبارك لعبد الله في صفقة يمينه). قالها ثلاث مرات، قال: فجاءت أمنا تفرح له (٢).
فقال: (العيلة تخافين عليهم، وأنا وليهم في الدنيا والآخرة) ﵌ (٣).
_________________
(١) أشالها: رفعها.
(٢) تفرح له: أي كأنها أردات أن أباهم توفي ولا عشيرة لهم.
(٣) أخرجه أحمد في المسند: ١/ ٤٠٢، وإسناد صحيح على شرط مسلم، وروى أبو داود في كتاب الترجل باب في حلق الرأس حديث رقم: ٤١٩٢، هو والنسائي في السنن الكبرى بعض من قوله وأمهل آل جعفر ثلاثًا وقال الهيمثي في المجمع: ٦/ ١٥٦، ١٥٧: رواه أحمد، والطبراني، ورجالهما رجال الصحيح، وانظر تحفة الأشراف، حديث رقم: ٥٢١٦، ٤/ ٣٠٠.
[ ٣٩٧ ]
المبحث السابع عشر: سرية ذات السلاسل
١ - وقتها:
كانت هذه السرية في جمادى الثانية سنة ثمان للهجرة كما قال ابن سعد والجمهور، ونقل ابن عساكر الاتفاق على أنها كانت بعد غزوة مؤتة، إلا أن ابن إسحاق قال: إنها قبلها" (١).
وقال ابن إسحاق عن يزيد عن عروة: هي بلاد بكى وعُذرة، وبنى القين. وهذه القبائل التي ذكرها هي بطون من قضاعة كما قال الحافظ في الفتح.
٢ - إمرة عمرو بن العاص على هذه السرية وفيها أبو بكر وعمر:
٦٣٠ - من حديث عمرو بن العاص ﵁ قال: "بعث إليَّ رسول الله - ﷺ -، فقال: (خذ عليك ثيابك، وسلاحك، ثم ائتني)، فأتيته، وهو يتوضأ، فصعَّد فيَّ النظر، ثم طأطأ، فقال: (إني أريد أن أبعثك على جيش (٢) فيسلمك الله ويغنمك، وأرغب لك من المال رغبة صالحة)، قال: قلت: يا رسول الله ما أسلمت من أجل المال، ولكني سلمت رغبة في الإِسلام، وأن أكون مع رسول الله - ﷺ - فقال: (يا عمرو نعم المال الصالح للمرء الصالح) (٣).
٦٣١ - من حديث عمرو بن العاص ﵁ قال: "إن رسول الله - ﷺ - بعثه في ذات السلاسل، فسأله أصحابه أن يوقدوا نارًا فمنعهم، فكلموا أبا بكر، فكلمه في ذلك، فقال: لا يوقد أحد منهم نارًا إلا قذفته فيها، قال: فلقوا العدو فهزمهم، فأرادوا أن يتبعوهم فمنعهم.
_________________
(١) انظر فتح الباري: ٨/ ٧٤، المغازي باب غزوة ذات السلاسل، الفتح الرباني: ٢١/ ١٣٩، زاد المعاد: ٣/ ٣٨٦، وقيل: إنها سميت ذات السلاسل لأن المشركين ارتبط بعضهم إلى بعض مخافة أن يفروا، وقيل لأنها بها ماءً يقال له السلسل، وقال ابن سعد: إنها وراء وادي ذي القرى وبينها وبين المدينة عشرة أيام. كذا قال.
(٢) جيش: جيش سرية ذات السلاسل.
(٣) أخرجه ابن حبان كما في الموارد: ٢٢٧٧، وأحمد في المسند: ٤/ ١٩٧، ٢٠٢، والبخاري في الأدب المفرد رقم: ٢٩٩، والحاكم في المستدرك: ٢/ ٢، ٢٣٦، والقضاعي في مسند الشهاب رقم: ١٣١٥، وصححه الحاكم وواففه الذهبي، وقال الحافظ في الفتح: ٨/ ٧٥ تعليقًا على حديث رقم: ٤٣٥٨، رواه أحمد والبخاري في الأدب وصححه أبو عوانة وابن حبان والحاكم، وقال الهيثمي في المجمع: ٨/ ٣٥٢، ٣٥٣: رواه أحمد والطبراني في الكبير والأوسط وأبو يعلى، ورجال أحمد وأبو يعلى رجال الصحيح.
[ ٣٩٨ ]
فلما انصرفوا ذكروا ذلك للنبي - ﷺ -، فسأله فقال: كرهت أن آذن لهم أن يوقدوا نارًا فيرى عدوهم قلتهم، وكرهت أن يتبعوهم فيكون لهم مدد، فحمد أمره فقال: يا رسول الله من أحب الناس إليك؟ قال: (عائشة). قلت: من الرجال: قال: (أبوها): قلت: ثم من؟ قال: (عمر) فعد رجالًا. فسكت مخافة أن يجعلني في آخرهم" (١).
٣ - صلاته بأصحابه وهو على جنابة بعد أن تيمم:
٦٣٢ - من حديث عمرو بن العاص ﵁ قال: "احتلمت في ليلة باردة في غزوة ذات السلاسل، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، فتيممت، ثم صليت بأصحابي الصبح، فذكروا ذلك للنبي - ﷺ - فقال: (يا عمرو صليت بأصحابك وأنت جنب؟) فأخبرته بالذي منعني من الاغتسال، وقلت: إني سمعت الله يقول ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ فضحك رسول الله - ﷺ - ولم يقل شيئًا) (٢).
وفي لفظ آخر"عن أبي قيس مولى عمرو بن العاص: "أن عَمرًا كان على سرية، فأصابهم برد شديد لم يروا مثله، فخرج لصلاة الصبح، فقال: احتلمت البارحة، ولكني والله ما رأيت بردًا مثل هذا، فغسل مغابنه (٣)، وتوضأ للصلاة، ثم صلى بهم، فلما قدم على رسول الله - ﷺ -، سأل رسول الله - ﷺ - أصحابه: (كيف وجدتم عمرًا وصحابته؟) فأثنوا عليه خيرًا، وقالوا: يا رسول الله صلى بنا وهو جنب، فأرسل إلى عمرو فسأله: فأخبره بذلك وبالذي لقي من
_________________
(١) أخرجه الترمذي في المناقب باب فضل عائشة رقم: ٣٨٨٦، وابن حبان كما في الإحسان: ٧/ ٣٦، رقم: ٤٥٢٣، وأخرجه مختصرًا البخاري في فضائل الصحابة باب قول النبي لو كنت متخذًا خليلًا رقم: ٣٦٦٢، والمغازي رقم: ٤٣٥٨، ومسلم في فضائل الصحابة باب فضل أبي بكر الصديق رقم: ٢٣٨٤، والترمذي رقم: ٣٨٨٥، والبيهقي: ١٠/ ٢٣٣، وأحمد في فضائل الصحابة رقم: ١٦٣٧، والحاكم: ٤/ ١٢، وأحمد في المسند: ٤/ ٢٠٣. أخرجه ابن راهويه والحاكم في المتسدرك: ٣/ ٤٢ - ٤٣، وصححه، ووافقه الذهبي من حديث بريدة كما قال الحافظ في الفتح: ٨/ ٧٥.
(٢) أخرجه أبو داود في الطهارة باب إذا خاف الجنب من البرد أيتيمم حديث رقم: ٣٣٤، ٣٣٥، البيهقي: ١/ ٢٢٥، ٢٢٦، وعلقه البخاري: ١/ ٣٨٥، وقواه الحافظ وصححه الحاكم: ١/ ١٧٧، ووافقه الذهبي، وصححه ابن حبان: ٢٠٢ موارد وحسنه المنذري، وأخرجه الدارقطني: ١/ ١٧٩، وأحمد في المسند: ٤/ ٢٠٣ - ٢٠٤، قلت: والحديث إسناده صحيح.
(٣) المغابن: الأرفاع وهي بواطن الأفخاذ عند الحوالب.
[ ٣٩٩ ]
البرد، وقال: إن الله قال: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ (١) ولو اغتسلت مت، فضحك رسول الله - ﷺ -".
سؤاله للنبي من أحب الناس إليك:
٦٣٣ - من حديث عمرو بن العاص ﵁: "أن النبي - ﷺ - بعثه على جيش ذات السلاسل، فأتيته فقلت: أي الناس أحب إليك؟ قال: (عائشة)، فقلت: من الرجال؟ قال: (أبوها). قلت: ثم من؟ قال: (ثم عمر بن الخطاب) فعد رجالًا" (٢).
_________________
(١) النساء: ٢٨.
(٢) أخرجه البخاري في فضائل الصحابة في فضائل أبي بكر لو كنت متخذًا خليلًا حديث رقم: ٣٦٦٢، وفي المغازي باب غزوة ذات السلاسل حديث رقم: ٤٣٥٨، مسلم في صحيحه حديث رقم: ٢٣٨٤، أحمد في المسند ٤/ ٢٠٣، الترمذي حديث رقم: ٣٨٨٥.
[ ٤٠٠ ]
الفصل التاسع الأحداث من فتح مكة إلى غزوة تبوك
المبحث الأول: غزوة الفتح الأعظم فتح مكة
١ - سببها:
٦٣٤ - قال محمَّد بن إسحاق في المغازي: حدثني الزهري عن عروة بن الزبير، عن المسور بن محزمة ومروان بن الحكم أنهما حدثاه جميعًا قالا: "كان في صلح رسول الله يوم الحديبية بينه وبين قريش أنه من شاء يدخل في عقد محمَّد وعهده دخل، ومن شاء أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل" فتواثبت خزاعة، فقالوا: نحن ندخل في عقد محمَّد - ﷺ - وعهده، وتواثبت بنو بكر، فقالوا: نحن ندخل في عقد قريش وعهدهم، فمكثوا في تلك الهدنة نحو السبعة والثمانية عشر شهرًا.
ثم إن بني بكر الذين كانوا دخلوا في عقد قريش وعهدهم، وثبوا على خزاعة الذين دخلوا في عقد رسول الله وعهده ليلًا بماء لهم يقال له: الوتير قريب من مكة، فقالت قريش: ما يعلم بنا محمَّد، وهذا الليل وما يرانا أحد، فأعانوهم بالكراع والسلاح، فقاتلوهم معه للطعن على رسول الله - ﷺ -، وأن عمرو بن سالم ركب إلى رسول الله - ﷺ - عندما كان من أمر خزاعة وبني بكر بالوتير حتى قدم المدينة على رسول الله ﷺ يخبره الخبر وقد قال أبيات شعر، فلما قدم على رسول الله - ﷺ - أنشده إياها:
يا رب إني ناشد محمدًا حلف أبينا وأبيه ألا تلدا (١)
قد كنتم ولدًا وكنا والدًا .. . ثمت أسلمنا فلم ننزع يدًا (٢)
فانصر رسول الله نصرًا أعتدا (٣) وادع عباد الله يأتوا مددًا (٤)
_________________
(١) الأتلد: القديم.
(٢) وننزع يدًا: لم ننقض عهدنا فنرجع عن الإِسلام.
(٣) نصرًا أعتدا: أي حاضرًا.
(٤) المدد: العون.
[ ٤٠١ ]
فيهم رسول الله قد تجردا أن سيم خسفًا وجهه تربدًا (١)
في فيلق (٢) كالبحر يجري مزبدًا أن قريشًا أخلفوك الموعدا
ونقضوا ميثاقك المؤكدا وزعموا أن لست أدعو أحدًا
فهم أذل وأقل عددًا قد جعلوا لي بكداء مرصدًا (٣)
هم بيتونا بالوتير هجدًا وقتلونا ركعًا وسجدًا (٤)
فقال رسول الله - ﷺ -: (نصرت يا عمرو بن سالم)، فما برح رسول الله - ﷺ - مرت عنانة في السماء، فقال رسول الله - ﷺ: (إن هذه السحابة لتستهل بنصر بني كعب) (٥).
٦٣٥ - من حديث أبي هريرة ﵁ قال: "إن قائد خزاعة قال:
اللهم إني ناشد محمدًا حلف أبينا وأبيه الأتلدا
انصر هداك الله نصرًا أعتدًا وادع عباد الله يأتوا مددًا (٦)
_________________
(١) سيم خسف: طلب منه وكلفه، الخسف: الذل، تربد: تغير.
(٢) الفيلق: الجيش.
(٣) كداء: موضع بمكة، الرصد: الذي يترصد للأمر ويطلبه، أو الكمين.
(٤) الوتير: اسم ماء، هجد: جمع هاجد ويطلق على النائم أو المستيقظ.
(٥) أخرجه ابن إسحاق في المغازي، وسنده صحيح، ورجاله ثقال صرح فيه ابن إسحاق بالتحديث، انظر الإصابة في تمييز الصحابة: ٢/ ٥٢٩، ترجمه عمرو بن سالم رقم: ٥٨٣٧، ابن كثير في السيرة: ٣/ ٥٢٦، ٥٢٧، البيهقي في دلائل النبوة: ٥/ ٥ - ٧، وانظر الحديث بطوله هناك فإن فيه قدوم أبي سفيان بن حرب لتجديد العقد، وموقف الصحابة رضوان الله عليهم منه، ودعاء النبي - ﷺ - بتعمية الأخبار عن قريش، ولهذا الحديث شاهد من حديث ميمونة بنت الحارث أخرجه الطبراني في المعجم الصغير حديث رقم:٩٦٨، الروض الداني إلي معجم الطبراني وإسناد ضعيف، وفي الكبير: ٢٣/ ٤٣٣. وله شاهد من حديث عائشة قال الهيثمي في المجمع: ٦/ ١٦١، ١٦٢، رواه أبو يعلى عن حزام بن هشام عن أبيه عن عائشة وقد وثقهما ابن حبان وبقية رجاله رجال الصحيح وقد ضعف هذه الحادثة غير واحد لأنهم لم يطلعوا على إسنادها، فهذا الإسناد كما أوردناه في بداية الحادثة وبذلك يزول سبب التضعيف والحمد لله.
(٦) كشف الأستار عن زوائد البزار حديث رقم: ١٨١٧، وقال الهيثمي في المجمع: ٦/ ١٦٢، رواه البزار، ورجاله رجال الصحيح غير محمَّد بن عمرو، وحديثه حسن، البيهقي دلائل النبوة: ٥/ ١٣، وحسنه الحافظ في الفتح: ٧/ ٥٢٠، ورواه ابن أبي شيبة عن يزيد بن هارون عن محمَّد بن عمرو عن أبي سلمة مرسلًا، ومن طريق عكرمة مرسلًا.
[ ٤٠٢ ]
٢ - وقتها:
كانت غزوة الفتح سنة ثمان للهجرة والذي اتفق عليه أهل السير أنه خرج - ﷺ - في عاشر رمضان ودخل مكة لتسع عشرة ليلة خلت منه (١).
٦٣٦ - من حديث ابن عباس ﵄ قال: "إن النبي - ﷺ - خرج في رمضان من المدينة، ومعه عشرة آلاف، وذلك على رأس ثمان سنين ونصف من مقدمه المدينة، فسار هو ومن معه من المسلمين إلى مكة، يصوم، ويصومون، حتى بلغ الكديد -وهو ماء بين عسفان وقديد- أفطر وأفطروا" (٢).
٣ - رسالة حاطب بن أبي بلتعة إلى أهل مكة:
٦٣٧ - من حديث علي ﵁ قال: "بعثني رسول الله - ﷺ - أنا والزبير والمقداد فقال: انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ، فإن بها ظعينة معها كتاب، فخذوا منها، قال: فانطلقنا تعادي بنا خيلنا حتى أتينا الروضة، فإذا نحن بالظعينة، قلنا لها: أخرجي الكتاب، قالت: ما معي كتاب، فقلنا: لتخرجن الكتاب، أو لنلقين الثياب، قال: فأخرجته من عقاصها.
فأتينا به رسول الله - ﷺ -، فإذا فيه من حاطب بن أبي بلتعة -إلى ناس بمكة من المشركين- يخبرهم ببعض أمر رسول الله - ﷺ -: فقال رسول الله - ﷺ -: (يا حاطب ما هذا؟) قال: يا رسول الله، لا تعجل علي، إني كنت امرءًا ملصقًا في قريش -يقول: كنت حليفًا- ولم أكن من أنفسها، وكان من معك من المهاجرين من لهم بها قرابات يحمون أهليهم وأموالهم، فأحببت إذ فاتني ذلك من
_________________
(١) فتح الباري: ٤/ ١٨١، قلت: ومما يؤيد أن خروج النبي - ﷺ - كان لعشر خلون من رمضان سنة ثمان للهجرة قوة، ما جاء عن ابن عباس أيضًا قال: "ثم مضى رسول الله - ﷺ - لسفره واستخلف على المدينة أبا رهم كلثوم بن الحصين بن عتبة بن خلف الغفاري وخرج لعشر مضين من رمضان " فذكر الحديث، أورده ابن إسحاق في المغازي، وقال الهيثمي في المجمع: ٦/ ١٦٤، رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح غير ابن إسحاق وقد صرح بالسماع فالحديث صحيح.
(٢) أخرجه البخاري في المغازي: باب غزوة الفتح من رمضان حديث رقم: ٤٢٧٦، وانظر أرقام: ١٩٤٨، ١٩٤٤، ٤٢٧٩، مسلم في الصيام باب جواز الصوم والفطر في رمضان للمسافر في غير رخصة حديث رقم: ١١١٣، الموطأ: ١/ ٢٩٤، النسائي في الصيام باب الرخصة للمسافر أن يصوم بعضًا ويفطر بعضًا: ٤/ ١٨٩، وأحمد في المسند: ١/ ٢٥٩، ٢٩١، ٣٢٥، أبو داود في الصوم: ٢٤٠٤، باب الصوم في السفر، والبيهقي في الصيام: ٤/ ٢٤٣، باب الرخصة في الصوم، والطحاوي في الصيام: ٢/ ٦٤، ٦٥، باب الصيام في السفر، وصححه ابن خزيمة: ٢٠٣٦ وابن حبان برقم: ٣٥٦٠، الدرامي: ٢/ ٩؛ الصيام باب الصوم في السفر، عبد الرزاق في الصيام: ٧٧٦٢، باب السفر في شهر رمضان، الحميدي رقم: ٥١٤، الطيالسي في الصوم: ١/ ١٩٠ برقم: ٩١٥.
[ ٤٠٣ ]
النسب فيهم أن أتخذ عندهم يدًا يحمون قرابتي، رقم أفعله ارتدادًا عن ديني ولا رضًا بالكفر بعد الإِسلام.
فقال رسول الله - ﷺ -: (أما إنه قد صدقك). فقال عمر: يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق. فقال: (إنه قد شهد بدرًا، وما يدريك لعل الله اطلع على من شهد بدرًا قال: اعملوا ما شئتم، فقد غفرت لكم)، فأنزل الله السورة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ﴾ إلى قوله: ﴿فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ (١) (٢).
٤ - كتمان الرسول وجهته عن أصحابه:
٦٣٨ - قال محمَّد بن إسحاق: حدثني محمَّد بن جعفر عن عروة عن عائشة: "أن أبا بكر دخل على عائشة وهي تغربل حنطة، فقال: ما هذا؟ أمركم رسول الله - ﷺ - بالجهاز؟ قالت: نعم فتجهز، قال: وإلى أين؟ قالت: ما سمى لنا شيئًا غير أنه قد أمرنا بالجهاز" (٣).
٥ - تأمير أبو رهم الغفاري على المدينة:
٦٣٩ - عن ابن عباس ﵄ قال: "ثم مضى رسول الله - ﷺ - لسفره، واستخلف على المدينة أبارهم كلثوم بن الحصين بن عتبة بن خلف الغفاري، وخرج لعشر مضين من رمضان فصام رسول الله وصام الناس معه حتى إذا كانوا بالكديد بين عسفان وأمج أفطر ثم مضى حتى نزل مر الظهران في عشرة آلاف من المسلمين" (٤).
_________________
(١) سورة الممتحنة: ١.
(٢) أخرجه البخاري في المغازي باب فضل من شهد بدرًا رقم:٣٩٨٣، وفي باب غزوة الفتح رقم: ٤٢٧٤، والبخاري في الجهاد رقم: ٣٠٠٧، ومسلم فضائل الصحابة باب من فضائل أهل بدر حديث رقم: ٢٤٩٤، أبو داود في الجهاد باب في حكم الجاسوس إذا كان مسلمًا: ٢٦٥٠، ٢٦٥١، الترمذي في التفسير باب ومن سورة الممتحنة حديث: ٣٣٠٥، والنسائي في الكبري كما في تحفة الأشراف حديث رقم: ١٠٢٢٧، والطبري في تفسيره: ٢٨/ ٥٨، أحمد في المسند: ١/ ٨٠، والحميدي رقم: ٤٩ من طرق عن سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار، وقد جاء من حديث جابر عند أحمد بإسناد على شرط مسلم مخنصرًا انظر الفتح الرباني: ٢١/ ١٤٨.
(٣) أخرجه ابن إسحاق في المغازي بسند صحيح رجاله ثقات، وقد صرح بالتحديث، فزالت شبهة تدليسه، ابن كثير في السيرة النبوية: ٣/ ٥٣٥، وقد جاء من طريق أخرى عن عائشة وقال الهيثمي: ٦/ ١٦١ - ١٦٢، رواه أبو يعلى عن حزام بن هشام بن حبيش عنها، وقد وثقهما ابن حبان، وبقية رجاله رجال الصحيح، وله شاهد من حديث ميمونة عند الطبراني في الصغير: ٩٦٨، بإسناد ضعيف.
(٤) قال الهيثمي في المجمع: ٦/ ١٦٤: في الصحيح طرف منه في الصيام، رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح غير ابن إسحاق وصرح بالسماع، سيرة ابن هشام: ٢/ ٣٩٩ - ٤٠٠.
[ ٤٠٤ ]
٦ - قصة إسلام أبي سفيان بن الحارث وعبد الله بن أبي أمية:
٦٤٠ - من حديث ابن عباس ﵄ قال: "مضى رسول الله - ﷺ - وأصحابه عام الفتح حتى نزل مر الظهران، في عشرة آلاف من المسلمين، فسبعت سليم وألَّفت مزينة، وفي كل القبائل عدد وإسلام، وأوعب مع رسول الله ﵌ المهاجرون والأنصار فلم يتخلف عنه منهم أحد.
وقد عميت الأخبار على قريش فلا يأتيهم خبر رسول الله ﵌، ولا يدرون ما هو صانع، وكان أبو سفيان بن الحارث وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة قد لقيا رسول الله - ﷺ - ثنية العقاب فيما بين مكة والمدينة، فالتمسا الدخول عليه، فكلمته أم سلمة فقالت: يا رسول الله ابن عمك، وابن عمتك، وصهرك، فقال: (لا حاجة لي فيهما أما ابن عمي، فهتك عرضي، وأما ابن عمتي وصهري، فهو الذي قال لي بمكة ما قال).
فلما خرج الخبر إليهما بذلك ومع أبي سفيان بن الحارث ابن له فقال: والله ليأذنن رسول الله - ﷺ -، أو لآخذن بيد ابني هذا، ثم لنذهبن في الأرض حتى نموت عطشًا أو جوعًا، فلما بلغ ذلك رسول الله - ﷺ - رق لهما، فدخلا عليه، فأنشده أبو سفيان قوله في إسلامه واعتذاره مما كان مضى فيه فقال:
لعمرك إني يوم أحمل راية لتغلب خيل اللات خيل محمَّد
لكالمدلج الحيران أظلم ليله فهذا أوان الحق أهدي وأهتدي
فقل لثقيف لا أريد قتالكم وقل لثقيف تلك عندي فأوعدي
هداني هاد غير نفسي ودلني إلى الله من طردت كل مطرد
أفر سريعًا جاهدًا عن محمد وأدعى وإن لم أنتسب لمحمد
هم عصبة من لم يقل بهواهم وإن كان ذا رأي يلم ويفند
أريد لأرضيهم ولست بلاقط مع لقوم ما لم أهد في كل مقعد
فما كنت في الجيش الذي نال عامرًا ولا كلَّ عن خير لساني ولا يدي
قبائل جاءت من بلاد بعيدة توابع جاءت من سهام وسردد
وإن الذي أخرجتم وشتمتم سيسعى لكم سعي امرء غير مقدد
[ ٤٠٥ ]
فلما أنشد رسول الله - ﷺ - إلى الله من طردت كل مطرد، ضرب رسول الله - ﷺ - في صدره، فقال: (أنت طردتني كل مطرد) (١).
٧ - نزول النبي ﷺ بمر الظهران وإيقاد النيران الكثيرة:
٦٤١ - من حديث ابن عباس ﵄ قال: بعدما ذكر قصة إسلام أبي سفيان بن الحارث وعبد الله بن أمية بن المغيرة " فلما نزل رسول الله بمر الظهران قال العباس: واصباح قريش، والله لئن دخل رسول الله - ﷺ - مكة عنوة قبل أن يستأمنوه إنه لهلاك قريش آخر الدهر.
قال: فجلست على بغلة رسول الله - ﷺ - البيضاء، فخرجت عليها حتى جئت الأراك، فقلت: لعلي ألقى بعض الحطابة أو صاحب لبن، أو ذا حاجة يأتي مكة فيخبرهم بمكان رسول الله - ﷺ -. فيستأمنوه قبل أن يدخلها عنوة، قال: فوالله إني لأسير عليها، وألتمس ما خرجت له إذ سمعت كلام أبي سفيان وبديل به ورقاء، وهما يتراجعان، وأبو سفيان يقول: ما رأيت كاليوم قط نيرانًا ولا عسكرًا، قال: يقول بديل: هذه والله نيران خزاعة قد حمشها الحرب فقال أبو سفيان: خزاعة والله أقل وأذل من أن تكون هذه نيرانها وعسكرها" (٢).
_________________
(١) أخرجه الحاكم في المستدرك: ٣/ ٤٣ - ٤٤، هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وقد جدت قصة إسلام أبي سفيان بن الحارث وعبد الله بن أمية بن أبي المغيرة من رواية أخرى عن ابن عباس دون ذكر الشعر رواها الطبراني، ورجالها رجال الصحيح كما قال الهيثمي في المجمع: ٦/ ١٦٤ - ١٦٧، في حديث طويل ذكر في سياقه قصة أسر أبي سفيان بن حرب وإسلامه وإعطائه الأمان من الرسول - ﵇ -، وأخرجه البيهقي في الدلائل: ٥/ ٢٧ - ٢٨، والإسناد صحيح صرح ابن إسحاق بالتحديث، وسيأتي لفظ ذلك كله في مكانه.
(٢) رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح كما قال الهيثمي في مجمع الزوائد: ٦/ ١٦٤ - ١٦٧، وانظر المطالب العالية حديث رقم: ٤٣٦٢ حيث قال: أخرجه إسحاق بن راهويه، وقال ابن حجر: هذا حديث صحيح. وأخرج البخاري من مرسل عروة في المغازي باب ابن ركز النبي الراية يوم الفتح حديث رقم: ٤٢٨٠، وابن سعد في الطبقات: ٢/ ١٣٤ - ١٣٥، والبيهقي في الدلائل: ٥/ ٣٣ - ٣٥، وفيه مراجعه أبو سفيان لبديل بن ورقاء في كثرة النيران والقبض على أبي سفيان وورود الكتائب عليه سيرة ابن هشام: ٢/ ٣٩٩ - ٤٠٥.
[ ٤٠٦ ]
٨ - إسلام أبي سفيان، وإعطاؤه الأمان:
٦٤٢ - من حديث ابن عباس ﵄ وهو جزء من الحديث السابق وتكملة له قال: " فقال أبو سفيان: خزاعة والله أقل وأذل من أن تكون هذه نيرانها وعسكرها فقلت: يا أبا حنظلة، تعرف صوتي؟ فقال: أبو الفضل؟ قلت: نعم، قال: ما لك فداك أبي وأمي؟ فقلت: هذا والله رسول الله في الناس، واصباح قريش! قال: فما الحيلة، فداك أبي وأمي؟ قال: قلت: والله لئن ظفر بك ليضربن عنقك، فاركب عجز هذه البغلة، فركب، ورجع صاحباه، فخرجت به فكلما مررت بنار من نيران المسلمين، فقالوا: ما هذا؟ فإذا رأوا بغلة رسول الله - ﷺ - عليها عمه قالوا: هذه بغلة رسول الله - ﷺ - عليها عمه، حتى مررنا بنار عمر بن الخطاب فقال: من هذا؟ وقام إلي فلما رآه على عجز البغلة عرفه، فقال: والله عدو الله، الحمد لله الذي أمكن منك، فخرج يشتد نحو رسول الله - ﷺ - ودخل، ورفعت البغلة فسبقته بقدر ما تسبق الدابة البطيئة الرجل البطيء، فاقتحمت عن البغلة، فدخلت على رسول الله - ﷺ - ودخل عمر.
فقال: هذا عدو الله أبو سفيان قد أمكن الله منه، في غير عهد ولا عقد، فدعني أضرب عنقه، فقلت: قد أجرته يا رسول الله، ثم جلست إلى رسول الله - ﷺ - فأخذت برأسه، فقلت: والله لا يناجيه الليلة رجل دوني، فلما أكثر عمر، قلت: مهلًا يا عمر، فوالله لو كان رجلًا من بني عدي ما قلت هذا، ولكنه من بني عبد مناف، فقال: مهلًا يا عباس، لا تقل هذا، فوالله لإسلامك حين أسلمت كان أحب إلي من إسلام الخطاب أبي لو أسلم، وذلك أني عرفت أن إسلامك أحب إلى رسول الله من إسلام الخطاب، فقال رسول الله - ﷺ -: (يا عباس اذهب به إلى رحلك، فهذا أصبحت فائتنا به).
فذهبت به إلى الرحل، فلما أصبحت غدوت به، فلما رآه رسول الله - ﷺ - قال: (ويحك يا أبا سفيان، ألم يأن لك أن تعلم أن لا إله إلا الله؟) فقال: بأبي وأمي ما أحلمك، وأكرمك، وأوصلك، وأعظم عفوك، لقد كاد أن يقع في نفسي أن لو كان إله غيره لقد أغنى شيئًا بعد، فقال: (ويحك يا أبا سفيان: ألم يأن لك أن تعلم أني رسول الله؟) فقال: بأبي وأمي ما أحلمك، وأكرمك وأوصلك، وأعظم عفوك، أما هذا فكان في النفس منها حتى الآن شيء.
[ ٤٠٧ ]
قال العباس: فقلت: ويلك أسلم، واشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله قبل أن يضرب عنقك، فشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، قال العباس: فقلت: يا رسول الله! إن أبا سفيان يحب الفخر، فاجعل له شيئًا، فقال: نعم من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن).
فلما انصرف إلى مكة ليخبرهم قال رسول الله - ﷺ -: (احبسه بمضيق من الوادي عند حطم الخيل (١)، حتى تمر به جنود الله).
فحبسه العباس حيث أمره رسول الله - ﷺ -، فمرت القبائل على ركابها، فكلما مرت قبيلة، قال: من هذه؟ فأقول: بنو سليم، فيقول: ما لي ولبني سليم، ثم تمر أخرى فيقول: ما هؤلاء؟ فأقول: مزينة، فيقول: ما لي ولمزينة، فلم يزل يقول ذلك حتى مرت كتيبة رسول الله - ﷺ - الخضراء (٢)، فيها المهاجرون والأنصار، لا يرى منهم إلا الحدق (٣)، قال: من هؤلاء؟ فقلت: هذا رسول الله في المهاجرين والأنصار، فقال: ما لأحد بهؤلاء قبل (٤)، والله لقد أصبح ملك ابن أخيك اليوم لعظيم، فقلت: ويحك يا أبا سفيان، إنها النبوة، قال: فنعم إذا، فقلت: النجاء إلى قومك.
فخرج حتى أتاهم بمكة، فجعل يصيح بأعلى صوته: يا معشر قريش، هذا محمَّد، قد أتاكم بما لا قبل لكم به، فقامت امرأته هند بنت عتبة، وأخذت بشاربه فقالت: اقتلوه الحميث (٥) الدسم (٦) فبئس طليعة قوم، فقال أبو سفيان: لا يغرنكم هذه من أنفسكم من دخل دار أبي سفيان فهو آمن. فقالوا: ويحك ما تغني عنا دارك. قال: ومن أغلق بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن فتفرق الناس إلى دورهم وإلى المسجد" (٧).
_________________
(١) حطم الخيل: أي، ازدحامها وفي رواية خطم الجبل: أي أنفه.
(٢) الكتيبة الخضراء: ما غلب عليها لبس الحديد، شبه سواده بالخضره، والعرب تطلق الخضرة على السواد.
(٣) الحدق: العيون.
(٤) قبل: طاقة ومقدرة.
(٥) الحميت: الزق.
(٦) الدسم الحمش: الأسود الدني.
(٧) انظر تخريجه في الحديث السابق فإنه جزء منه.
[ ٤٠٨ ]
٩ - لباس النبي ﵇ أثناء دخوله مكة:
٦٤٣ - من حديث جابر بن عبد الله ﵄: "أن رسول الله - ﷺ - دخل يوم فتح مكة وعليه عمامة سوداء بغير إحرام" (١).
٦٤٤ - من حديث أنس بن مالك ﵁: "أن النبي - ﷺ - دخل مكة يوم الفتح، وعلى رأسه المغفر، فلما نزعه جاء رجل فقال: ابن خطل متعلق بأستار الكعبة فقال: (اقتله)، قال مالك: ولم يكن النبي - ﷺ - فيما نرى والله أعلم يومئذ محرمًا" (٢).
٦٤٤ - أ - وقد جاء أيضًا من حديث عمرو بن حريث "أن النبي - ﷺ - كان يوم فتح مكة يلبس عمامة حرقانية سوداء" (٣).
١٠ - مقولة سعد بن عبادة وأخذ الراية منه:
٦٤٥ - من مرسل عروة بن الزبير قال: " فلما سار قال للعباس: احبس أبا سفيان عند خطم الجبل حتى ينظر إلى المسلمين، فحبسه العباس، فجعلت القبائل تمر مع النبي - ﷺ -: تمر كتيبة كتيبة على أبي سفيان، فمرت كتيبة فقال: يا عباس من هذه؟ فقال: هذه غفار، قال: ما لي ولغفار، ثم مرت جهينة، قال مثل ذلك، ثم مرت سعد بن هذيم، فقال مثل ذلك، ومرت سليم، فقال مثل ذلك، حتى أقبلت كتيبة لم ير مثلها، قال: من هذه؟ قال: هؤلاء الأنصار
_________________
(١) أخرجه مسلم في الحج باب جواز دخول مكة بغير إحرام حديث: ١٣٥٨، الترمذي في الجهاد باب ما جاء في الألوية حديث: ١٦٧٩، ورقم: ١٧٣٥، اللباس باب ما جاء في العمامة السوداء، أبو داود: ٤٠٧٦، اللباس باب في العمائم، والنسائي: ٥/ ٢٠١، الحج باب دخول مكة بغير إحرام: ٨/ ٢١١، اللباس والزينة باب لبس العمائم السود، ابن ماجه: ٢٨٢٢، الجهاد باب لبس العمائم في الحرب، أحمد في المسند: ٣/ ٣٦٣، ٣٨٧.
(٢) أخرجه البخاري في المغازي باب أين ركز الراية حديث رقم: ٤٢٨٦، مسلم في الحج باب جواز دخول مكة بغير إحرام: ١٣٥٧، أبو داود في الجهاد باب الأسير يقتل ولا يعرض عليه الإِسلام: ٢٦٨٥، الترمذي الجهاد باب ما جاء في المغفر: ١٦٩٣، النسائي في الحج باب دخول مكة بغير إحرام: ٥/ ٢٠١، ابن ماجه في الجهاد باب السلاح حديث رقم: ٢٨٠٥، الدارمي: ٢/ ٢٢١.
(٣) أخرجه مسلم: ١٣٥٩ الحج باب دخول مكة بغير إحرام، أبو داود: ٤٠٧٧، اللباس باب العمائم، النسائي: ٨/ ٢١١ الزينة، ابن ماجه حديث رقم: ١١٠٤، ٢٨٢١، أحمد: ٤/ ٣٠٧.
[ ٤٠٩ ]
عليهم سعد بن عبادة معه الراية، فقال سعد بن عبادة: يا أبا سفيان اليوم يوم الملحمة، اليوم تستحل الكعبة. فقال أبو سفيان: با عباس، حبذا يوم الذمار.
ثم جاءت كتيبة وهي أقل الكتائب، فيهم رسول الله - ﷺ - وأصحابه، وراية النبي - ﷺ - مع الزبير بن العوام، فلما مر رسول - ﷺ - بأبي سفيان قال: ألم تعلم ما قال سعد بن عبادة؟ قال: (ما قال:) قال: قال كذا وكذا، فقال: (كذب سعد، ولكن هذا يوم يعظم الله فيه الكعبة، ويوم تكسى فيه الكعبة) (١).
٦٤٦ - من حديث أنس ﵁ قال: "كان قيس "يعني ابن سعد بن عبادة" في مقدمة النبي - ﷺ - لما قدم مكة، فكلم سعد النبي - ﷺ - أن يصرفه عن الموضع الذي فيه مخافة أن يقدم على شيء فصرفه عن ذلك" (٢).
"والمذكور أن الرسول - ﵇ - أخذ الراية من سعد بن عبادة وأمر عليًّا بنزعها منه، ثم ردها من علي بن أبي طالب إلى قيس بن سعد بن عبادة خشية تغير خاطر سعد، فأمر بدفعها لابنه، ثم إن سعد بن عبادة خشي أن يقع من ابنه شيء ينكره النبي - ﷺ -، أن يأخذها منه، فحينئذ أخذها الزبير" كذا قال الحافظ في الفتح في الجمع بين أقوال اختلفت فيمن كان يحمل الراية بعد سعد بن عبادة" (٣).
١١ - قراءة الرسول ﷺ سورة الفتح يوم فتح مكة:
٦٤٧ - من حديث عبد الله بن مغفل ﵁ قال: "رأيت رسول الله - ﷺ - يوم فتح مكة على ناقته، وهو يقرأ سورة الفتح، وقال: لولا أن يجتمع الناس حولي لرجعت كما رجع" (٤).
_________________
(١) أخرجه البخاري في المغازي باب أين ركز النبي - ﷺ - الراية يوم الفتح حديث رقم: ٤٢٨٠، وله شاهد من حديث ابن عباس الذي أوردناه سابقًا وفيه ذكر مرور الكتائب إلا قول سعد رقم: ٦٤١، وجاء كذلك من مرسل ابن شهاب الزهريّ شبيهًا بقول عروة.
(٢) أخرجه البزار في كشف الأستار حديث رقم: ١٨١٩، وقال الهيثمي في المجمع: ٦/ ١٧٥، رواه البزار، ورجاله رجال الصحيح، وقال الحافظ في الفتح: ٨/ ٩: إسناده على شرط البخاري.
(٣) الحافظ في فتح الباري: ٨/ ٩.
(٤) أخرجه البخاري في المغازي باب أين ركز النبي - ﷺ الراية يوم الفتح حديث رقم: ٤٢٨١، مسلم في صلاة المسافرين باب قراءة النبي سورة الفتح يوم فتح مكة حديث رقم: ٧٩٤، أبو داود في الصلاة حديث رقم: ١٤٧٦، الترمذي في الشمائل حديث رقم: ٣١٢، النسائي في الكبرى كما أشار إلى ذلك صاحب تحفة الأشراف حديث رقم: ٩٦٦٦.
[ ٤١٠ ]
١٢ - محاولات يائسة للتصدي لجيش المسلمين:
٦٤٨ - من حديث عبد الله بن رباح عن أبي هريرة ﵁ قال: "وفدت وفود إلى معاوية: وذلك في رمضان، فكان يصنع بعضنا لبعض الطعام، فكان أبو هريرة مما يكثر أن يدعونا إلى رحله، فقلت: ألا أصنع طعامًا فأدعوهم إلى رحلي؟ فأمرت بطعام يصنع، ثم لقيت أبا هريرة من العشي، فقلت: الدعوة عندي الليلة. فقال: سبقتني. قلت: نعم. فدعوتهم.
فقال أبو هريرة: ألا أعلمكم بحديث من حديثكم؟ يا معشر الأنصار! ثم ذكر فتح مكة فقال: أقبل رسول الله - ﷺ - حتى قدم مكة، فبعث الزبير على إحدى المجنبتين (١)، وبعث خالد على المجنبة الأخرى، وبعث أبا عبيدة على الحسَّر (٢)، فأخذوا بطن الوادي (٣). ورسول الله في كتيبة. قال: فنظر فرآني فقال: (أبو هريرة)، قلت: لبيك يا رسول الله، قال: فقال: (اهتف لي بالأنصار) (٤) ولا يأتيني إلا أنصاري)، قال: فأطافوا به (٥)، ووبشت قريش أوباشًا لها (٦) وأتباعًا، فقالوا: نقدم هؤلاء. فإن كان لهم شيء كنا معهم، وإن أصيبوا أعطينا الذي سئلنا، فقال رسول الله - ﷺ -: (ترون إلى أوباش قريش وأتباعهم) ثم قال بيديه إحداهما على الأخرى (٧): (حصدًا حتى توافوني بالصفا) قال: فانطلقنا. فما شاء أحد منا أن يقتل أحدًا إلا قتله، وما أحد منهم يوجه إلينا بشيء قال: فجاء أبو سفيان فقال يا رسول الله: أبيحت خضراء قريش، لا قريش بعد اليوم. قال: فقال رسول الله - ﷺ - (من أغلق بابه فهو آمن، ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن) قال: فغلق الناس أبوابهم" (٨).
_________________
(١) المجنبتين: الميمنة والميسرة، والقلب يكون بينهما.
(٢) الحسر: الذين لا دروع لهم.
(٣) أخذوا بطن الوادي: جعلوا طريقهم في بطن الوادي.
(٤) اهتف لي بالأنصار: صح بهم وادعهم لي.
(٥) أطافوا به: أحاطوا به.
(٦) وبشت قريش أوباشًا لها: جمعت جموعًا من قبائل شتى.
(٧) قال بيديه: أشار إلى هيئتهم المجتمعة.
(٨) أخرجه مسلم في الجهاد باب فتح مكة حديث رقم: ١٧٨٠، أبو داود في الخراج والإمارة والفيء باب خبر مكة حديث رقم: ٣٠٢٤ مختصرًا، النسائي في الكبرى كما أشار إلى ذلك صاحب تحفة الأشراف حديث رقم: ١٣٥٦١، وأحمد في المسند: ٢/ ٥٣٨، وما بين القوسين فالزيادات من رواية أحمد في المسند: ٢/ ٥٣٨، وابن أبي شيبة رقم: ١٨٧٤٥ وأبو عوانة؛ ٤/ ٢١٧، ٢٢٩، أحمد في فضائل الصحابة رقم: ١٤٢٥.
[ ٤١١ ]
١٣ - مدخل الرسول ﵊ مكة يوم الفتح:
٦٤٩ - من حديث عائشة ﵂: (أن النبي - ﷺ - دخل عام الفتح من كداء التي بأعلى مكة) (١).
وفعل رسول الله - ﷺ - هذا، ودخوله من هذا المكان إنما كان تحقيقًا لقول صاحبه الشاعر المبدع حسان بن ثابت حين هجا قريش، وأخبرهم بأن خيل الله تعالى ستدخل من كداء، أذكر بعض الأبيات التي قالها والتي ذكرها الإِمام مسلم في صحيحه من حديث عائشة ﵂: "قال حسان:
هَجَوتَ مُحَمدًا فأجبتُ عنه وعند الله في ذاك الجزاء
هَجَوَت مُحمدًا برًّا تقيًّا رسول الله شيمته الوفاء
فإن أبي ووالده وعرضي (٢) لعرض محمَّد منكم وقاء (٣)
ثكلت بنيتي (٤) إن لم تروها تثير النقع (٥) من كتفي كداء (٦)
يبارين الأعنة (٧) مصعدات (٨) على أكتافها الأسل الظماء (٩)
تظل جيادنا متمطرات (١٠) تلطمهن بالخمر النساء (١١)
فإن أعرضتموا عنا اعتمرنا (١٢) وكان الفتح وانكشف الغطاء" (١٣)
_________________
(١) أخرجه البخاري في المغازي باب دخول النبي - ﷺ - من أعلى مكة حديث رقم: ٤٢٩٠، وأخرجه مسلم في الحج باب استحباب دخول مكة من الثنية العليا حديث رقم: ١٢٥٨، وأحمد في المسند، الفتح الرباني: ٢١/ ١٥٠.
(٢) عرض الرجل: أموره كلها التي يحمد بها ويذم.
(٣) وقاء: ما وقيت به الشيء حميته.
(٤) ثكلت بنيتي: الثكل، فقد الولد.
(٥) تثير النقع: ترفع الغبار وتهيجه.
(٦) كتفي كداء: جانبي كداء، وكداء ثنية على باب مكة.
(٧) يبارين الأعنة: يجذبن الأعنة كناية عن قوة نفوسها.
(٨) مصعدات: مقبلات إليكم ومتوجهات.
(٩) الأسل الظماء: الأسل: الرماح، الظماء: الرقاق.
(١٠) تظل جيادنا متمطرات: تظل خيولنا مسرعات بسبق بعضها بعضًا.
(١١) تلطمهن بالخمر النساء: يضربن الخيل بخمرهن.
(١٢) اعتمرنا: أدينا العمرة.
(١٣) أخرجه مسلم في فضائل الصحابة باب فضائل حسان بن ثابت حديث رقم: ٢٤٩٠.
[ ٤١٢ ]
ومما يؤيد ما ذكرت ما جاء في حديث ابن عمر ﵄ قال: "لما دخل رسول الله - ﷺ - عام الفتح رأى النساء يلطمن وجوه الخيل بالخمر، فتبسم إلى أبي بكر فقال: (يا أبا بكر كيف قال حسان)، فأنشده قوله:
عدمت بنيتي إن لم تروها تثير النقع موعدها كداء
ينازعن الأسنة مسرجات يلطمهن بالخمر النساء
فقال: أدخلوها من حيث قال حسان" (١).
١٤ - أين ركزت راية رسول الله ﷺ يوم الفتح:
ركزت راية النبي - ﷺ - يوم الفتح بالحجون كما جاء في مرسل عروة بن الزبير الذي رواه الإِمام البخاري في صحيحه (٢).
١٥ - إهدار دم بعض المشركين يوم الفتح:
٦٥٠ - من حديث أنس ﵁: "أن رسول الله - ﷺ - دخل مكة وعلى رأسه المغفر، فلما وضعه عن رأسه قيل: هذا ابن خطل متعلق بأستار الكعبة قال: (اقتلوه) (٣).
٦٥١ - من حديث أبي برزة الأسلمي ﵁ قال: (قال رسول الله - ﷺ - وسلم يوم فتح مكة: (الناس آمنون غير عبد العزى بن خطل) (٤).
٦٥٢ - من حديث مصعب بن سعد عن ابن سعد بن أبي وقاص قال: "لما كان يوم فتح مكة أمن رسول الله - ﷺ - الناس ألا أربعة نفر وامرأتين، وقال: (اقتلوهم، وإن وجدتموهم متعلقين بأستار الكعبة، عكرمة بن أبي جهل، وعبد الله بن خطل، ومقيس بن صبابة، وعبد الله بن سعد بن أبي السرح).
فأما عبد الله بن خطل فأدرك وهو متعلق بأستار الكعبة، فاستبق إليه سعيد بن حريث، وعمار بن ياسر، فسبق سعيد عمارًا، وكان أشب الرجلين، فقتله،
_________________
(١) أخرجه البيهقي بإسناد حسن كما قال الحافظ في فتح الباري: ٨/ ١٠، انظر دلائل البيهقي: ٥/ ٦٦.
(٢) سبق تخريجه: ٦٤١، ٦٤٥.
(٣) سبق تخريجه حديث رقم: ٦٤٤.
(٤) أخرجه أحمد في المسند: ٤/ ٤٢٣، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد: ٦/ ١٧٥، رواه أحمد، والطبراني، ورجال أحمد ثقات.
[ ٤١٣ ]
وأما مقيس بن صبابة، فأدركه الناس في السوق فقتلوه. وأما عكرمة، فركب البحر، فأصابتهم عاصف، فقال أصحاب السفينة أخلصوا فإن آلهتكم لا تغني عنكم شيئًا ها هنا. فقال عكرمة: والله لئن لم ينجني من البحر إلا الإخلاص لا ينجيني في البر غيره، اللهم إن لك علي عهدًا إن أنت عافيتني مما أنا فيه أن آتي محمدًا - ﷺ - حتى أضع يدي في يده، فلأجدنه عفوًا كريمًا فجاء فأسلم. وأما عبد الله بن سعد بن أبي السرح فإنه اختبأ عند عثمان بن عفان فلما دعا رسول الله - ﷺ - إلى البيعة جاء به حتى أوقفه على النبي - ﷺ - قال: يا رسول الله بايع عبد الله قال: فرفع رأسه فنظر إليه ثلاثًا كل ذلك يأبي، فبايعه بعد ثلاث، ثم أقبل على أصحابه فقال: (أما كان فيكم رجل رشيد يقوم إلى هذا حيث رآني كففت يدي عن بيعته، فيقتله)، فقالوا: وما يدرينا يا رسول الله ما في نفسك هلا أومأت إلينا بعينك، قال: (إنه لا ينبغي لنبي أن يكون له خائنة أعين) (١).
٦٥٣ - من حديث أم هانئ ﵂ قال: "ذهبت إلى رسول الله - ﷺ - عام الفتح فوجدته يغتسل، وفاطمة ابنته تستره، قالت: فسلمت عليه فقال: (من هذه؟) فقلت: أنا أم هانئ، بنت أبي طالب، فقال: (مرحبًا بأم هانئ). فلما فرغ من غسله قام فصلى ثماني ركعات ملتحفًا في ثوب واحد، فلما انصرف قلت: يا رسول الله زعم ابن أمي علي أنه قاتل رجلًا قد أجرته فلان بن هبيرة. فقال رسول الله - ﷺ -: (قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ) قالت: أم هانئ وذاك ضحى) (٢).
_________________
(١) أخرجه النسائي في تحريم الدم باب حكم المرتد: ٧/ ١٠٥ - ١٠٦، أبو داود في الجهاد باب قتل الأسير، ولا يعرض عليه الإِسلام حديث رقم:٢٦٨٣، وفي الحدود باب حكم من ارتد: ٤٣٥٩، البيهقي في السنن: ٧/ ٤٠،البزار: ١٨٢١، والحاكم في المستدرك ٣/ ٤٥، وصححه ووافقه الذهبي، وأبو يعلى في المسند: ٧٥٧، والطحاوي في شرح معاني الآثار: ٣/ ٣٣٠، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد: ٦/ ١٦٨، ١٦٩، رواه أبو داود وغيره باختصار، ورواه أبو يعلى والبزار، ورجالهما ثقات، قلت: ورجاله رجال الصحيح وقد جاء من حديث سعيد بن يربوع المخزومي شبيهًا بهذا اللفظ أخرجه أبو داود في الجهاد باب قتل الأسير ولا يعرض عليه الإِسلام، رقم: ٢٦٨٤، وقال الهيثمي في المجمع: ٦/ ١٧٣، رواه الطبراني ورجاله ثقات.
(٢) أخرجه البخاري في الصلاة باب الصلاة في الثوب الواحد حديث رقم: ٣٥٧، في الجزية والموادعة باب أمان النساء: ٣١٧١، مسلم في صلاة المسافرين وقصرها باب صلاة الضحى حديث: ٣٣٦، أبو داود في الجهاد باب أمان المرأة: ٢٧٦٣، الترمذي السير باب ما جاء في أمان المرأة والعبد: ١٥٧٩، وقال حسن صحيح، ابن ماجه في الطهارة باب المنديل بعد الوضوء: ٤٦٥، مالك في الموطأ: ١/ ١٥٢، قصر الصلاة باب صلاة الضحى، الدارمي: ٢/ ٢٣٤ - ٢٣٥، النسائي في الكبرى كما أشار إلى ذلك في تحفة الأشراف حديث رقم: ١٨٠١٨، قلت: وعند ابن إسحاق أنهما رجلان من أحمائها أجارتهم فأجارهم ﵇ (سيرة ابن هشام: ٢/ ٤١١).
[ ٤١٤ ]
١٦ - أذن الله لرسوله بالقتال في مكة ساعة من نهار:
٦٥٤ - عن أبي شريح العدوي أنه قال لعمرو بن سعيد وهو يبعث البعوث إلى مكة: "ائذن لي أيها الأمير أحدثك قولًا، قام به رسول الله - ﷺ - الغد من يوم الفتح، سمعته أذناي، ووعاه قلبي، وأبصرته عيناي حين تكلم به: إنه حمد الله وأثنى عليه ثم قال: (إن مكة حرمها الله، ولم يحرمها الناس، لا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دمًا، ولا يعضد بها شجرًا، فإن أحد ترخص لقتال رسول الله - ﷺ - فيها فقولوا له: إن الله أذن لرسول الله ولم يأذن لكم، وإنما أذن له فيه ساعة من نهار، وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس، وليبلغ الشاهد الغائب). فقيل لأبي شريح، ماذا قال لك عمرو؟ قال: قال: أنا أعلم بذلك منك يا أبا شريح، أن الحرم لا يعيذ عاصيًا (١)، ولا فارًّا بدم (٢)، ولا فارًّا بِخَرْبَةٍ (٣) " (٤).
١٧ - إزالة الأصنام من حول الكعبة:
٦٥٥ - من حديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال: "دخل النبي - ﷺ - مكة يوم الفتح، وحول البيت ستون وثلاثمائة نصب، فجعل يطعنها بعود في يده، ويقول: (جاء الحق، وزهق الباطل، جاء الحق، وما يبدى الباطل وما يعيد) (٥).
٦٥٦ - من حديث أبي هريرة الذي سبق جزء منه " قال: فغلق الناس
_________________
(١) لا يعند عاصيًا: لا يجيره. ولا يعلمه.
(٢) ولا فارًّا بدم: من التجأ إليه هاربًا من سبب من الأسباب الموجبة للقتل.
(٣) ولا فارًّا بخربة: اللص المفسد في الأرض.
(٤) أخرجه البخاري في المغازي باب حدثني محمَّد بن بشار حديث رقم: ٤٢٩٥، مسلم في الحج باب تحريم مكة وصيدها الحديث ١٣٥٤، والترمذي: ٨٠٩، الحج باب ما جاء في حرمة مكة، والنسائي: ٥/ ٢٠٤ - ٢٠٥ - ٢٠٦، الحج باب تحريم القتال فيه، أحمد في المسند: ٤/ ٣١، ٣٢، وقد جاء شبيهًا بحديث أبي شريح حديث ابن عباس عند مسلم: ١٣٥٣، النسائي: ٥/ ٢٠٣، وعن حديث أبي هريرة عند مسلم: ١٣٥٥.
(٥) أخرجه البخاري في المغازي باب أين ركز النبي - ﷺ - الراية يوم الفتح: ٤٢٨٧، مسلم في الجهاد باب إزالة الأصنام من حول الكعبة: ١٧٨١، الترمذي كتاب التفسير ومن سورة بني إسرائيل: ٣١٣٨، وابن حبان: ١٧٠٢، مسند الحميدي: ١/ ٤٦، الحديث: ٨٦، وابن أبي شيبة في المصنف: ١٨٧٥٢، وقد جاء مثله من حديث ابن عباس عند البزار رقم: ١٨٢٥ وقال الهيثمي: ٦/ ١٧٦، رواه الطبراني ورجاله ثقات ورواه البزار باختصار.
[ ٤١٥ ]
أبوابهم قال: فأقبل رسول الله - ﷺ - إلى الحجر، فاستلمه، ثم طاف بالبيت قال: وفي يده قوس أخذ بسية (١) القوس قال: فأتى في طوافة على صنم إلى جنب البيت كانوا يعبدونه قال: فجعل يطعن بها في عينه ويقول: (جاء الحق، وزهق الباطل)، قال: ثم أتى الصفا فعلاه حيث ينظر إلى البيت فرفع يديه فجعل يذكر الله بما شاء أن يذكره ويدعوه" (٢).
٦٥٧ - من حديث جابر ﵁ قال: "دخلنا مع النبي - ﷺ - مكة في البيت، وحول البيت ثلاثمائة وستون صنمًا تعبد من دون الله، قال: فأمر بها رسول الله - ﷺ - فكبت كلها لوجوهها، ثم قال: ﴿جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ (٣) ثم دخل رسول الله - ﷺ - البيت فصلى ركعتين، فرأى فيه تمثال إبراهيم وإسماعيل وإسحق وقد جعلوا في يد إبراهيم الأزلام يستقسم بها، فقال رسول الله - ﷺ -: (قاتلهم الله، ما كان إبراهيم يستقسم بالأزلام)، ثم دعا رسول الله - ﷺ - بزعفران فلطخه بتلك التماثيل" (٤).
١٨ - مقولة الأنصار أن النبي ﷺ أدركته رأفة بقومه:
٦٥٨ - من حديث أبي هريرة الذي سبقت أجزاء منه " قال ثم أتى الصفا، فعلاه حيث ينظر إلى البيت، فرفع يديه، فجعل يذكر الله بما شاء أن يذكره، ويدعوه، قال: والأنصار تحته، قال يقول بعضهم لبعض أما الرجل فأدركته رغبة في قريته، ورأفة بعشيرته.
قال أبو هريرة: وجاء الوحي، وكان إذا جاء لم يخف علينا فليس أحد من الناس يرفع طرفه إلى رسول الله - ﷺ - حتى يقضي قال: فلما قضي الوحي رفع رأسه ثم قال: (يا معشر الأنصار قلتم أما الرجل فأدركته رغبة في قريته، ورأفة بعشيرته؟) قالوا: قلنا ذلك يا رسول الله، قال: (فما اسمي إذًا؟ كلا، إني عبد الله ورسوله هاجرت إلى الله وإليكم، فالمحيا محياكم، والممات مماتكم)،
_________________
(١) بسية القوس: طرفها المنحني.
(٢) سبق تخريجه حديث: ٦٤٨.
(٣) آية: ٨١ سورة الإسراء.
(٤) أخرجه أبو بكر بن أبي شيبة في المصنف حديث رقم: ١٨٧٥١، وحسنه الحافظ ابن حجر في المطالب العالية حديث رقم: ٤٣٦٤، وحسنه البوصيري أيضًا، وقد جاء قريبًا من هذا اللفظ من حديث ابن عباس عند البخاري حديث رقم: ٣٣٥٢، وأبو داود: ٢٠٢٧.
[ ٤١٦ ]
قال: فأقبلوا إليه يبكون، ويقولون: والله ما قلنا الذي قلنا إلا الضن بالله ورسوله، قال: فقال رسول الله - ﷺ -: (فإن الله ورسوله ليصدقانكم ويعذرانكم) (١).
١٩ - صلاة النبي داخل الكعبة:
٦٥٩ - من حديث ابن عمر ﵄: "أن رسول الله - ﷺ - أقبل يوم الفتح من أعلى مكة على راحلته مردفًا أسامة بن زيد، ومعه بلال، ومعه عثمان ابن طلحة من الحجبة حتى أناخ في المسجد، فأمره أن يأتي بمفتاح البيت، فدخل رسول الله - ﷺ -، ومعه أسامة ابن زيد وبلال وعثمان بن طلحة، فمكث فيه نهارًا طويلًا، ثم خرج فاستبق الناس، فكان عبد الله بن عمر أول من دخل، فوجد بلالًا وراء الباب قائمًا فسأله، أين صلى رسول الله - ﷺ -؟؛ فأشار له إلى المكان الذي صلى فيه، قال عبد الله: فنسيت أن أسأله: كم صلى سجدة" (٢).
وقد جاء من حديث ابن عباس المروي في صحيح البخاري ومسلم وعند أحمد "أن النبي - ﷺ - لم يصل في داخل الكعبة"، والصحيح والله أعلم أن المثبت مقدم على النافي والذين دخلوا مع النبي - ﷺ - هم الذين رووا أنه صلى داخلها، وهم أعلم بذلك ممن لم يدخل معه وهو ابن عباس، وقال الإِمام النووي ﵀: "أجمع أهل الحديث على الأخذ برواية بلال؛ لأنه مثبت فمعه زيادة علم فواجب ترجيحه" (٣).
وأما القول أن ابن عباس روى عدم الصلاة في الكعبة عن أخيه الفضل وهو ممن دخل مع النبي - ﷺ - فلعل الفضل قد اشتغل بالدعاء، ولذلك لم ير النبي - ﷺ - والله أعلم.
_________________
(١) سبق تخريجه في حديث: ٦٤٨.
(٢) أخرجه البخاري في الجهاد باب الردف على الحمار حديث رقم: ٢٩٨٨، مسلم في الحج باب استحباب دخول الكعبة للحاج وغيره حديث رقم: ١٣٢٩، أبو داود في المناسك باب دخول الكعبة حديث رقم: ٢٠٢٣، النسائي في الحج باب دخول الببت: ٥/ ٢١٦ - ٢١٧، ابن ماجه مناسك باب دخول الكعبة حديث رقم: ٣٠٦٣، أحمد في المسند انظر الفتح الرباني: ٢١/ ١٥٤.
(٣) الفتح الرباني: ٢١/ ١٥٦.
[ ٤١٧ ]
٢٠ - إسلام والد أبي بكر الصديق ﵁:
٦٦٠ - من حديث أسماء بنت أبي بكر ﵄ قالت: "لما وقف رسول الله - ﷺ - بذي طوى (١) قال أبو قحافة لابنة له من أصغر ولده: أي بنية اظهري بي على أبي قبيس (٢) قالت: وقد كف بصره، قالت: فأشرفت به عليه، قال: يا بنية، ماذا ترين؟ قالت: أرى سوادًا مجتمعًا، قال: تلك الخيل، قالت: وأرى رجلًا يسعى بين ذلك السواد مقبلًا ومدبرًا، قال: يا بنية ذلك الوازع يعني الذي يأمر الخيل، ويتقدم إليها، ثم قالت: قد والله انتشر السواد، فقال: قد والله إذا دفعت الخيل، فأسرعي بي إلى بيتي، فأغطت به، وتلقاه الخيل قبل أن يصل إلى بيته، وفي عنق الجارية طوق لها من ورق، فتلقاها رجل، فاقتطعه من عنقها.
قالت: فلما دخل رسول الله - ﷺ - مكة، ودخل المسجد أتاه أبو بكر ﵁ بأبيه يقوده (٣)، فلما رآه رسول الله - ﷺ - قال: (هلا تركت الشيخ في بيته حتى أكون أنا آتيه فيه)، قال أبو بكر: يا رسول الله هو أحق أن يمشي إليك من أن تمشي أنت إليه، قال: فأجلسه بين يديه، ثم مسح صدره، ثم قال له: (أسلم)، فأسلم، ودخل به أبو بكر ﵁ على رسول الله - ﷺ -، ورأسه كأنه ثغامة (٤)، فقال رسول الله - ﷺ -: (غيروا هذا من شعره)، ثم قام أبو بكر فأخذ بيد أخته، فقال: أنشد بالله وبالإِسلام طوق أختي فلم يجبه أحد فقال: يا أخية احتسبي طوقك" (٥).
_________________
(١) ذي طوى: موضع معروف قرب مكة.
(٢) اظهري بي على أبي قبيس: اصعدي بي على جبل أبي قبيس وهو جبل لأنه كان كفيف البصر.
(٣) يقوده: لأنه كان كفيف البصر.
(٤) ثغامة: نبت أبيض الزهر والثمر يشبه الشيب.
(٥) أخرجه ابن حبان في الموارد: ١٧٠٠، وابن إسحاق في المغازي بسند صحيح رجاله ثقات سيرة ابن هشام: ٢/ ٤٠٥، وقال الهيثمي في المجمع: ٦/ ١٧٣، ١٧٤، رواه أحمد، والطبراني، ورجالهما ثقات، والبيهقي في الدلائل: ٥/ ٩٥ - ٩٦، والحاكم في المستدرك: ٣/ ٤٦ - ٤٧، وقال: صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه، وسكت عنه الذهبي.
[ ٤١٨ ]
٢١ - قصة الرجل الذي قتلته خزاعة:
٦٦١ - من حديث أبي شريح الخزاعي ﵁ قال: "أذن لنا رسول الله - ﷺ - يوم الفتح في قتال بني بكر حتى أصبنا منهم ثأرنا وهو بمكة، ثم أمر رسول الله - ﷺ - برفع السيف فلقي رهط منا الغد رجلًا من هذيل في الحرم يؤم (١) رسول الله - ﷺ - ليسلم، وكان قد وترهم (٢) في الجاهلية، وكانوا يطلبونه، فقتلوه، وبادروا أن يخلص إلى رسول الله، فيأمر (٣).
فلما بلغ ذلك رسول الله - ﷺ - غضب غضبًا شديدًا، والله ما رأيته غضب غضبًا أشد منه، فسعينا إلى أبي بكر وعلي ﵄ نستشفعهما، وخشينا أن نكون قد هلكنا، فلما صلى رسول الله - ﷺ - الصلاة قام، فأثنى على الله ﷿ بما هو أهله، ثم قال: (أما بعد، فإن الله ﷿ هو حرَّم مكة، ولم يحرمها الناس، وإنما أحلها لي ساعة من النهار أمس: وهي اليوم حرام كما حرمها الله ﷿ أول مرة.
وإن أعتى الناس على الله ﷿ ثلاثة: رجل قتل فيها، ورجل قتل غير قاتله، ورجل طلب بذحل في الجاهلية، وإني والله لأدينَّ (٤) هذا الرجل الذي قتلتم) فوداه رسول الله - ﷺ -" (٥).
٢٢ - مبايعته ﷺ للناس يوم الفتح:
٦٦٢ - من حديث مجاشع بن مسعود ﵁ قال: "أتيت النبي - ﷺ - بأخي بعد الفتح، فقلت: يا رسول الله جئتك بأخي لتبايعه على الهجرة، قال: (ذهب أهل الهجرة بما فيها)، فقلت: على أي شيء تبايعه؟ قال: (أبايعه على
_________________
(١) يؤم: يقصد رسول الله - ﷺ - ليسلم عليه يديه.
(٢) وترهم: أصاب منهم جناية.
(٣) فيأمر: بادروا بقتله قبل أن يصل إلى رسول الله فيأمر بعدم قتله.
(٤) لأدين: أي سأدفع دينه لأولياء دمه.
(٥) سبق تخريجه حديث رقم: ٦٥٤، قلت: وقد جاء من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده شبيها بهذا اللفظ قال الهيثمي: ٦/ ١٧٧ رواه الطبراني، ورجاله ثقات، ومن حديث أبي هريرة ﵁ عند مسلم حديث رقم: ١٣٥٥.
[ ٤١٩ ]
الإِسلام والإيمان والجهاد). قال أبو عثمان، فلقيت معبدًا بعد، وكان أكبرهما، فسألته: فقال: صدق مجاشع" (١).
٦٦٣ - من حديث الأسود بن خلف ﵁: "أنه رأى النبي - ﷺ - يبايع الناس يوم الفتح قال: فجلس عند قرب دار سمرة، قال الأسود: فرأيت النبي - ﷺ - جلس، فجاءه الناس الصغار والكبار والنساء، فبايعوه على الإِسلام والشهادة فقلت: فما الإِسلام قال: الإيمان بالله، فقلت: وما الشهادة؟ قال: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله" (٢).
٦٦٤ - من حديث عائشة بنت قدامة ﵂ قالت: "أنا مع أمي رائطة بنت سفيان الخزاعية، والنبي - ﷺ - يبايع النسوة، ويقول: (أبايعكن على أن لا تشركن بالله شيئًا، ولا تسرقن ولا تزنين، ولا تقتلن أولادكن، ولا تأتين ببهتان تفترينه بين أيديكن وأرجلكن، ولا تعصين في معروف)، قالت: فأطرقن: فقال لهن النبي - ﷺ -: (قلن نعم فيما استطعتن)، فكن يقلن وأقول معهن، وأمي تلقنني قولي أي بنية فيما استطعت) (٣).
٦٦٥ - من حديث ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله - ﷺ - يوم فتح مكة: (لا هجرة، ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا) (٤).
٦٦٦ - من حديث عائشة ﵂ قالت: "إن هند بنت عتبة بن ربيعة قالت: يا رسول الله ما كان مما على ظهر الأرض أخباء، وأهل خباء -الشك من
_________________
(١) أخرجه البخاري في المغازي باب وقال الليث حديث رقم: ٤٣٠٥، ٤٣٠٦، ٤٣٠٧، ٤٣٠٨، مسلم في صحيحه الإمارة باب المبايعة عند فتح مكة حديث رقم: ١٨٦٣، أحمد في المسند: ٣/ ٤٦٩،٤٦٨.
(٢) أخرجه أحمد في المسند: ٣/ ٤١٥، ٤/ ١٦٨، وسنده حسن، والحافظ في المستدرك: ٣/ ٢٩٦، ولم يتكلم عنه بشيء، وسكت عنه الذهبي، ورجاله ثقات.
(٣) أخرجه أحمد: ٦/ ٣٦٥، وسنده حسن، وانظر الإصابة في تمييز الصحابة: ٤/ ٣٥١، ترجمة رقم: ٨١١، وقال الحافظ بعد أن عزاه لأحمد: "ورويناه بعلو في المعرفة لابن منده من وجه آخر".
(٤) أخرجه البخاري في كتاب الجهاد باب لا هجرة بعد الفتح حديث رقم: ٣٠٧٧، ومسلم في الجهاد والإمارة باب المبايعة بعد فتح مكة حديث رقم: ١٣٥٣/ ٨٥، ص: ٣/ ١٤٨٧، أبو داود في الجهاد باب الهجرة هل انقطعت حديث رقم: ٢٤٨٠، والترمذي في السير باب ما جاء في الهجرة حديث رقم: ١٥٩٠، وقال حديث حسن صحيح، والنسائي في السنن الكبرى كما أشار إلى ذلك في تحفة الأشراف حديث رقم: ٥٧٤٨، قلت: وقد جاء بنفس المعنى واللفظ من حديث عائشة أخرجه البخاري حديث رقم: ٣٠٨٠، ٣٩٠٠، ٤٣١٢، ومسلم في صحيحه رقم: ١٨٦٤.
[ ٤٢٠ ]
ابن بكير- أحب إلى أن يذلوا من أهل خبائك، أو أخبائك، ثم ما أصبح اليوم على ظهر الأرض أهل خباء، أو أخباء أحب إلى أن يعزوا من أهل خبائك، أو أخباءك، قال رسول الله: (وأيضًا والذي نفسي محمَّد بيده)، قالت: يا رسول الله أن أبا سفيان رجل ممسك، فهل علي من حرج أن أطعم من الذي له؟ قال: (لا إلا بالمعروف) (١).
٦٦٧ - عن أيوب قال: قال لي أبو قلابة ألا تلقاه فتسأله؟ قال: فلقيته فسألته، فقال: "كنا بممر الناس، وكان يمر بنا الركبان، فنسألهم: ما للناس، ما للناس؟ ما هذا الرجل؟ فيقولون: يزعم أن الله أرسله، أوحى إليه، أو أوحى الله بكذا، فكنت أحفظ ذاك الكلام فكأنما يقر في صدري، وكانت العرب تلوم بإسلامهم الفتح، فيقولون اتركوه وقومه، فإنه إن ظهر عليهم فهو نبي صادق.
فلما كانت وقعة أهل الفتح بادر كل قوم بإسلامهم، وبدر أبي قومي بإسلامهم، فلما قدم قال: جئتكم والله من عند النبي - ﷺ - حقًّا، فقال: صلوا صلاة كذا في حين كذا، وصلوا صلاة كذا في حين كذا، فإذا حضرت الصلاة، فليؤذن أحدكم، وليؤمكم أكثركم فرآنًا.
فنظروا، فلم يكن أحد أكثر قرآنًا مني، لما كنت أتلقى من الركبان، فقدموني بين أيديهم، وأنا ابن ست أو سبع سنين، وكانت علي بردة كنت إذا سجدت تقلصت عني، فقالت امرأة من الحي: ألا تغطون عنا است قارئكم، فاشتروا، فقطعوا لي قميصًا، فما فرحت بشيء فرحي بذلك القميص" (٢).
_________________
(١) أخرجه البخاري في الأيمان والنذور باب كيف كانت يمين رسول الله الحديث رقم: ٦٦٤١، فتح الباري: ١١/ ٥٣٥، مسلم في الأقضية باب قضية هند حديث رقم: ١٧١٤، ص: ٣/ ١٣٣٩، أبو داود في البيوع والإجارة باب في الرجل يأخذ حقه من تحت يده حديث رقم: ٣٥٣٢، ٣٥٣٣، النسائي في الكبرى كما أشار إلى ذلك في تحفة الأشراف حديث رقم: ١٦٦٣٣.
(٢) أخرجه البخاري في المغازي باب ٥٣، حدثنا الليث الحديث رقم: ٤٣٠٢، ٨/ ٢٢، أبو داود الصلاة باب من أحق بالأمة حديث رقم: ٥٨٧، النسائي في الصلاة باب اجتزاء المرء بأذان غيره في الحضر: ٢/ ٩ - ١٠، باب والصلاة في الإزار: ٢/ ٧٠ - ٧١، وباب إمامة الغلام قبل أن يحتلم: ٢/ ٨٠ - ٨١.
[ ٤٢١ ]
٢٣ - لا تغزى الكعبة بعد الفتح ولا يقتل قرشي صبرًا بعده:
٦٦٨ - من حديث الحارث بن مالك بن برصاء الليثي ﵁ أنه قال: "سمعت النبي - ﷺ - يوم فتح مكة يقول: (لا تغزى هذه بعد اليوم إلى يوم القيامة) (١).
٦٦٩ - من حديث عبد الله بن مطيع عن أبيه (٢) أنه قال: (سمعت النبي - ﷺ - يوم فتح مكة يقول: (لا يقتل قرشي صبرًا بعد هذا اليوم إلى يوم القيامة (٣» (٤).
٢٤ - قصة مفتاح الكعبة:
٦٧٠ - من حديث صفية بنت شيبة: "أن رسول الله - ﷺ - لما نزل مكة، واطمأن الناس، خرج حتى جاء البيت، فطاف به سبعًا على راحلته، يستلم الركن بمحجن في يده، فلما قضى طوافه، دعا عثمان بن طلحة، فأخذ منه مفتاح الكعبة، ففتحت له، فدخلها، فوجد فيها حمامة من عيدان، فكسرها بيده، ثم طرحها، ثم وقف على باب الكعبة، وقد استكف له الناس في المسجد" (٥).
ومن حديثها أيضًا: (أخبرتني امرأة من بني سليم أن رسول الله - ﷺ - لما خرج من الكعبة أمر عثمان بن طلحة أن يغيب قرني الكبش، يعني كبش الذبيح وقال: (لا ينبغي للمصلي أن يصلي، وبين يديه شيء يشغله) (٦).
_________________
(١) أخرجه الترمذي في السير باب ما جاء قال النبي - ﷺ - يوم فتح مكة أن هذه لا تغزى بعد اليوم حديث رقم: ١٦١١، وقال: حسن صحيح، وأحمد في المسند: ٣/ ٤١٢، ٤/ ٣٤٣، والبيهقي في الدلائل: ٥/ ٧٥، وإسناد هذا الحديث صحيح رجاله ثقات. قلت: انظر تخربج الحديث التالي.
(٢) مطيع هو: مطيع بن الأسود بن حارثة بن نضلة بن عوف القرشي أخو مسعود بن الأسود المعروف بابن العجماء، والد عبد الله بن مطيع وكان اسمه العاص فسماه رسول الله - ﷺ - مطيعًا" انظر صحيح مسلم: ٣/ ١٤٠٩، حديث رقم: ٨٩.
(٣) لا يقتل قرشي صبرًا بعد هذا اليوم إلى يوم القيامة: قال العلماء: معناه الإعلام بأن قريشًا يسلمون كلهم ولا يرتد أحد منهم كما ارتد غيرهم بعده - ﷺ -، فمن ارتد حورب وقتل صبرًا، وليس المراد أنهم لا يقتلون ظلمًا صبرًا، فقد جرى على قريش بعد ذلك ما هو معلوم.
(٤) أخرجه مسلم في الجهاد والسير باب لا يقتل قرشي صبرًا بعد الفتح حديث رقم: ١٧٨٢، أحمد في المسند: ٣/ ٤١٢ - ٤/ ٢١٣، وقد جاء محمد أحمد زيادة في اللفظ (أنه لا تغزى الكعبة بعد اليوم ) شبيهًا بالحدبث السابق المروي من حديث الحارث بن برصاء.
(٥) أخرجه ابن هشام في السيرة: ٢/ ٤١١ - ٤١٢، وسنده قوي، وقد صرح ابن إسحاق بالتحديث، فزالت شبهة التدليس، وحسنه الحافظ في الفتح: ٨/ ١٥، وأخرجه أبو داود: ١٨٧٨ وحسنه المزي أيضًا.
(٦) أخرجه أحمد: ٤/ ٦٨، ٥/ ٣٨٠، وأبو داود: ٢٠٣٠، والحميدي: ٥٦٥، والطبراني: ٨٣٩٦، وعبد الرزاق في المصنف رقم: ٩٠٨٣، من طريق سفيان عن منصور عن خاله مسافع عن صفية بنت شيبة".
[ ٤٢٢ ]
٢٥ - قصة المرأة المخزومية التي سرقت:
٦٧١ - من حديث عائشة ﵂: "أن قريشًا أهمهم شأن المرأة المخزومية التي سرقت، فقالوا: من يكلم فيها رسول الله - ﷺ -؟ فقالوا: ومن يجترئ عليه إلا أسامة حب رسول الله - ﷺ -، فكلمه أسامة، فقال رسول الله - ﷺ -: (أتشفع في حد من حدود الله؟) ثم قام فاختطب، فقال: (أيها الناس إنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وأيم الله، لو أن فاطمة بنت محمَّد سرقت لقطعت يدها) (١).
٢٦ - خطبته ﵊ يوم الفتح:
٦٧٢ - من حديث أبي شريح الخزاعي الذي سبق تخريجه وسأذكر الجزء الذي فيه الخطبة فقط: قال رسول الله - ﷺ -: (إن مكة حرمها الله ولم يحرمها الناس، فلا تحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دمًا ولا يعضد بها شجرة، فإن أحد ترخص بقتال رسول الله فيها، فقولوا له: إن الله قد أذن لرسوله، ولم يأذن لكم، وإنما أذن لي فيها ساعة من نهار. وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس، وليبلغ الشاهد الغائب) (٢) وانظر لفظًا آخر للحديث برقم: ٦٦١، بشيء من الزيادة.
٦٧٣ - ومن حديث أبي هريرة ﵁ قال: "لما فتح الله ﷿ على رسول الله - ﷺ - مكة، قام في الناس، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: (إن الله حبس عن مكة الفيل وسلط عليها رسوله والمؤمنين، وإنها لن تحل لأحد كان قبلي، وإنها لن تحل لأحد بعدي. فلا ينفر صيدها، ولا يختلى شوكها ولا تحل ساقطتها (٣)، إلا لمنشد (٤). ومن قتل له قتيل فهو بخير النظرين، إما أن يفدى
_________________
(١) أخرجه البخاري في فضائل الصحابة باب ذكر أسامة بن زيد رقم: ٣٧٣٣، والمغازي باب مقام النبي بمكة زمن الفتح حديث رقم: ٤٣٠٤، مسلم في الحدود حديث رقم: ١٦٨٨، والترمذي حديث رقم: ١٤٣٠، الدارمي: ٢/ ١٧٣، وابن ماجه حديث: ٢٥٤٧، والنسائي: ٨/ ٧٣، وابن سعد في الطبقات: ٤/ ٦٩ - ٧٠، وأبو داود: ٤٣٧٣.
(٢) سبق تخريجه في الحديث رقم: ٦٥٤، فانظره هناك.
(٣) ساقطتها: ما سقط فيها بغفلة مالكه.
(٤) المنشد: المعرف.
[ ٤٢٣ ]
وإما أن يقتل).
فقال العباس: إلا الاذخر يا رسول الله! فإنا نجعله في قبورنا وبيوتنا، فقال رسول الله - ﷺ - (إلا الإذخر) فقام أبو شاه -رجل من أهل اليمن- فقال: اكتبوا لي يا رسول الله! فقال رسول الله - ﷺ -: (اكتبوا لأبي شاة).
قال: فقلت للأوزاعي: ما قوله: اكتبوا لي يا رسول الله؟ قال: هذه الخطبة التي سمعها من رسول الله). لفظ مسلم (١).
٦٧٤ - ومن حديث ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله - ﷺ - يوم الفتح فتح مكة: (لا هجرة؛ ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم، فانفروا) (٢).
وقال يوم الفتح، فتح مكة (إن هذا البلد حرمه الله منذ خلق السموات والأرض. فهو حرام بحرمة الله تعالى إلى يوم القيامة، وإنه لم يحل القتال فيه لأحد قبلي.
ولم يحل لي إلا ساعة من نهار، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، لا يعضد شوكه (٣)، ولا ينفر صيده، ولا يلتقط إلا من عرفها، ولا يختلى خلاها (٤).
فقال العباس: يا رسول الله إلا الإذخر (٥). فإنه لقينهم (٦) ولبيوتهم. فقال:
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب اللقطة باب كيف تعرف لقطة مكة حديث رقم: ٢٤٣٤، ومسلم في كتاب الحج باب تحريم مكة وصيدها حديث رقم: ١٣٥٥، أبو داود في الديات باب ولي العمد يرضى بالدية حديث رقم: ١٤٠٥، والنسائي في القسامة والقود والديات باب هل يؤخذ من قاتل العمد الدية إذا عفا ولي المقتول عن القود: ٨/ ٣٨، وابن ماجه في الديات، باب من قتل له قتيل فهو بالخيار بين إحدى ثلاث حديث رقم: ٢٦٢٤، قلت: وقد أخرجه الأربعة باختصار، وأخرجه البخاري ومسلم بهذا اللفظ المطول.
(٢) إذا استنفرتم فانفروا: إذا دعاكم السلطان إلى غزو فاذهبوا.
(٣) لا يعضد شوكة: لا يقطع.
(٤) ولا يختلى خلاها: الخلا هو الرطب من الكلأ. ومعناه لا يقطع ولا يؤخذ.
(٥) الأذخر: قال العلايلي في معجمه: الأذخر نبات عشبي من فصيلة النجيليات، له رائحة ليمونية عطرة، أزهاره تستعمل منقوعًا كالشاي، ويقال له: طيب العرب. ويقال له: حلفاء مكة.
(٦) لقينهم وبيوتهم: القين هو الحداد والصائغ، ومعناه يحتاج إليه القين في وقود النار، ويحتاج إليه في القبور لتسد به فرج اللحد المتخللة بين اللبنات ويحتاج إليه في سقوف البيوت يجعل فوق الجثث.
[ ٤٢٤ ]
(إلا الإذخر) (١) لفظ مسلم.
٦٧٥ - ومن حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄: إن رسول الله - ﷺ - خطب يوم الفتح بمكة، فكبر ثلاثًا، ثم قال: (لا إله إلا الله وحده، صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، ألا إن كل مأثرة كانت في الجاهلية تذكر وتدعى من دم أو مال تحت قدمي إلا ما كان من سقاية الحاج، وسدانة البيت، ثم قال: ألا إن دية الخطأ شبه العمد ما كان بالسوط والعصا مائة من الإبل، منها أربعون في بطنها أولادها) (٢).
٦٧٦ - ومن حديثه أيضًا قال: لما فتحت مكة على رسول الله - ﷺ - قال: (كفوا السلاح إلا خزاعة عن بني بكر)، فأذن لهم حتى صلى العصر، ثم قال: (كفوا السلاح). فلقي رجل من خزاعة رجلًا من بني بكر من غد بالمزدلفة فقتله. فبلغ ذلك رسول الله - ﷺ -، فقام خطيبًا، فقال: ورأيته مسند ظهره إلى الكعبة: قال: (إن أعدى الناس على الله من قتل في الحرم أو قتل غير قاتله، أو قتل بذحول (٣» فقام إليه رجل فقال: إن فلانًا ابني وفي رواية عاهرت (٤) بأمه في الجاهلية" فقال رسول الله - ﷺ -: (لا دعوة في الإِسلام، ذهب أمر الجاهلية، الولد للفراش، وللعاهر الأثلب، قالوا: وما الأثلب؟ قال: (الحجر)، قال: (وفي الأصابع عشر عشر، وفي المواضع خمس خمس)، قال: وقال: (لا صلاة بعد الغداة حتى تطلع الشمس)، ولا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، قال: (ولا تنكح المرأة على عمتها، ولا على خالتها، ولا يجوز لامرأة عطية إلا بإذن زوجها) (٥).
_________________
(١) أخرجه البخاري في اللقطة باب كيف تعرف لقطة أهل مكة حديث رقم: ٢٤٣٢، ومسلم في الحج باب تحريم مكة وصيدها وخلاها حديث رقم: ١٣٥٣، والنسائي في الحج باب تحريم القتال في الحرم: ٥/ ٢٠٤، وباب حرمة مكة: ٥/ ٢٠٣ - ٢٠٤.
(٢) أخرجه أبو داود في كتاب الديات باب في الخطأ شبه العمد حديث رقم: ٤٥٤٧، وابن ماجه في الديات باب دية شبه العمد فغلظه حديث رقم: ٢٦٢٧، وابن حبان: ١٥٢٦، وابن الجارود: ٧٧٣، والبيهقي: ٨/ ٦٨، وأحمد ٢/ ١٦٤، ١٦٦، وإسناد هذا الحديث صحيح رجاله كلهم ثقات، وصححه ابن حبان، وابن القطان في التلخيص: ٤/ ١٥، وقال: هو صحيح لا يضره الاختلاف.
(٣) ذحول الجاهلية: العداوة وطلب ثأر من قتل في الجاهلية بعد الإِسلام.
(٤) عاهرت: زنيت.
(٥) قال الهيثمي في المجمع: ٦/ ١٧٧، رواه الطبراني، ورجاله ثقات: قلت: وغفل عن عزوه للإمام أحمد، انظر الفتح الرباني: ٢١/ ١٦٠، وقد رواه أصحاب الكتب الستة عن غير واحد من الصحابة مقطعًا في أبواب متفرقة قلت: والحديث حسن للخلاف المعروف في عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده.
[ ٤٢٥ ]
٦٧٧ - ومن حديث جابر بن عبد الله ﵁ قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول عام الفتح وهو بمكة: (إن الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة، والخنزير والأصنام).
فقيل: يا رسول الله أرأيت شحوم الميتة، فإنه يطلى به السفن، ويدهن بها الجلود، ويستصبح بها الناس، فقال: (لا، هو حرام) ثم قال رسول الله - ﷺ - عند ذلك: (قاتل الله اليهود، إن الله لما حرم عليها شحومها أجملوه (١) ثم باعوه، فأكلوا ثمنه) (٢).
٢٧ - صلاته ﵇ يوم الفتح:
٦٧٨ - من حديث أم هانئ: قال ابن أبي ليلى: "ما حدثنا أحد أنه رأى النبي - ﷺ - يصلي الضحى غير أم هانئ، فإنها قالت: إن النبي - ﷺ - دخل بيتها يوم فتح مكة، فاغتسل، وصلى ثماني ركعات، فلم أر صلاة قط أخف منها، غير أنه يتم الركوع والسجود" (٣).
وفي لفظ آخر عنها: "أن رسول الله - ﷺ - صلى يوم الفتح ثمان ركعات، وذلك ضحى".
في رواية هذا الحديث أن النبي - ﷺ - دخل بيت أم هانئ، واغتسل عندها وصلى الضحى، وفي رواية الحديث الذي أخرجه مالك في الموطأ، ومسلم في الصحيح، وقد سبق ذكره في إجارة أم هانئ لرجل أهدر دمه أنها ذهبت إلى النبي - ﷺ -، فوجدته يغتسل، وفاطمة تستره، وقد جمع بين هاتين الروايتين بأن الحادثة تكررت منه - ﷺ -، والمحتمل أنه نزل ببيتها في أعلى مكة، وكانت هي
_________________
(١) أجملوه: أذابوه.
(٢) أخرجه البخاري في كتاب البيوع باب بيع الميتة والأصنام، الحديث: ٢٢٣٦، مسلم في المساقاة باب تحريم بيع الخمر حديث: ١٥٨١، الترمذي في البيوع باب ما جاء في بيع جلود الميتة رقم: ١٢٩٧، وأبو داود في البيوع باب في ثمن الخمر والميتة برقم: ٣٤٨٦، والنسائي في البيوع باب بيع الخنزير: ٩/ ٣٠٧ - ٣١٠، وابن ماجه في التجارات باب ما لا يحل بيعه حديث: ٢١٦٧، وابن الجارود: ٥٧٨، والبيهقي: ٦/ ١٢، وأحمد: ٣/ ٣٢٤، ٤٢٦.
(٣) أخرجه البخاري في التطوع باب صلاة الضحى في السفر: ١١٧٦، وفي المغازي، باب منزل النبي يوم الفتح: ٤٢٩٢، مسلم: ٣٣٦، صلاة المسافرين باب استحباب صلاة الضحى، والترمذي: ٤٧٤، الصلاة باب ما جاء في صلاة الضحى، وأبو داود: ١٢٩١، الصلاة باب صلاة الضحى" وللحديث زيادة تخريج كما مر في الحديث رقم: ٦٥٣.
[ ٤٢٦ ]
في بيت آخر بمكة، فجاءت إليه فوجدته يغتسل، فيصح القولان (١).
وقد حكى القاضي عياض عن قوم أنه ليس في حديث أم هانئ دلالة على أنه صلى الضحى، قالوا: وإنما هي سنة الفتح، وقد صلاها خالد بن الوليد في بعض فتوحه كذلك.
وقال عياض أيضًا: ليس حديث أم هانئ بظاهر في أنه قصد - ﷺ - بها سنة الضحى، وإنما فيه أنها أخبرت عن وقت صلاته فقط، وقد قيل: إنها كانت قضاء عما شغل عنه تلك الليلة من حزبه فيه، وتعقبه النووي بأن الصواب صحة الاستدلال به لما رواه أبو داود وغيره من طريق كريب، عن أم هانئ أن النبي - ﷺ - صلى يسبحة الضحى، ولمسلم في كتاب الطهارة من طريق أبي مرة عن أم هانئ في قصة اغتساله يوم الفتح "ثم صلى ثمان ركعات سبحة الضحى" فتح الباري: ٣/ ٥٤.
قلت: وسواء كانت هذه الصلاة التي صلاها ﵇ هي صلاة الفتح أو سنة الضحى، فالمهم أنه - ﷺ - صلاها، فإن صلاها المرء كسنة للضحى فهو على خير، وإن صلاها عند الفتح فهو على خير، والصحيح الذي أرجحه أن سنة الضحى ثابتة لكثرة الأحاديث الواردة في الحث عليها، وإن كان البعض من السلف يرى أنها غير ثابتة كما جاء عن ابن عمر ﵄ عند البخاري "قال مورق لابن عمر ﵄: أتصلي الضحى؟ قال: لا. قلت: فعمر؟ قال: لا، قلت: فأبو بكر؟ قال: لا. قلت: فالنبي - ﷺ -؟ قال: لا أخاله" (٢).
وكان سبب توقف ابن عمر في ذلك أنه بلغه عن غيره أنه صلاها، ولم يثق بذلك عمن ذكره، وقد جاء عنه الجزم بأنها محدثة لما روى سعيد بن منصور بإسناد صحيح عن مجاهد عن ابن عمر أنه قال: إنها محدثة لأنها لمن أحسن ما أحدثوا، ولما روى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن الحكم بن الأعرج عن الأعرج قال: سألت ابن عمر عن صلاة الضحى فقال: بدعة، ونعمت البدعة. ولما روى عبد الرزاق بإسناد صحيح عن سالم عن أبيه قال: لقد قتل عثمان وما أحد يسبحه، وما أحدث الناس شيئًا أحب إلي منها، ولما روى ابن أبي شيبة بإسناد
_________________
(١) فتح الباري: ٣/ ٥٣.
(٢) البخاري في التطوع والتهجد باب صلاة الضحى في السفر حديث رقم: ١١٧٥.
[ ٤٢٧ ]
صحيح عن الشعبي عن ابن عمر قال: ما صليت الضحى منذ أسلمت، إلا أن أطوف بالبيت، أي فأصلي في ذلك الوقت لا على نية صلاة الضحى بل على نية الطواف. وفي الجملة ليس في أحاديث ابن عمر هذه ما يدفع مشروعية صلاة الضحى، لأن نفيه محمول على عدم رؤيته، لا على عدم الوقوع في نفس الأمر، قال عياض وغيره: إنما أنكر ابن عمر ملازمتها، وإظهارها في المساجد، وصلاتها جماعة، لا أنها مخالفة للسنة، ويؤيده ما رواه ابن أبي شيبة عن ابن مسعود أنه رأى قومًا يصلونها، فأنكر عليهم وقال: إن كان ولا بد ففي بيوتكم (١).
وقد جمع الحاكم الأحاديث الواردة في صلاة الضحى في جزء مفرد، وذكر لغالب هذه الأقوال مستندًا، وبلغ عدة رواة الحديث في إثباتها نحو العشرين نفسًا من الصحابة" (٢).
٢٨ - سرية خالد إلى بني جذيمة:
٦٧٩ - من حديث عبد الله بن عمر ﵄ قال: "بعث النبي - ﷺ - خالد بن الوليد إلى بني جذيمة، فدعاهم إلى الإِسلام، فلم يحسنوا أن يقولوا: أسلمنا، فجعلوا يقولون صبأنا صبأنا، فجعل خالد يقتل منهم، ويأسر، ودفع إلى كل رجل منا أسيره، حتى إذا كان يوم أمر خالد أن يقتل كل رجل منا أسيره، فقلت: والله لا أقتل أسيري، ولا يقتل رجل من أصحابي أسيره، حتى قدمنا على النبي - ﷺ -، فذكرناه، فرفع النبي - ﷺ - يديه فقال: (اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد)، مرتين" (٣).
٦٨٠ - ومن حديث ابن عباس ﵄: (أن النبي - ﷺ - بعث سرية قال: فغنموا، وفيهم رجل فقال لهم: إني لست منهم إني عشقت فلحقتها فدعوني أنظر إليها نظرة، ثم اصنعوا لي ما بدا لكم، فهذا امرأة آدماء طويلة، فقال لها: اسلمي حبيش قبل نفاذ العيش ثم قال:
_________________
(١) فتح الباري: ٣/ ٥٢ - ٥٣.
(٢) فتح الباري: ٣/ ٥٥.
(٣) أخرجه البخاري في المغازي باب بعث النبي - ﷺ - خالد إلى بني جذيمة حديث رقم: ٤٣٣٩، ٧١٨٩، النسائي في القضاء باب إذا قضى الحاكم بغير حق: ٨/ ٢٣٦، وأحمد في المسند: ٢/ ١٥١، ابن سعد في الطبقات: ٢/ ١٤٧، ١٤٨، والبيهقي في الدلائل: ٥/ ١١٣، ١١٤.
[ ٤٢٨ ]
أرَيتَك إذا طالبتُكُم فوَجدَتُكُم بحَليَة أو ألفيُتكُم بالخوائق (١)
ألم يك أهلًا أن يُنول عاشقٌ تكلف إدلاج السُّرى والودائق (٢)
فلا ذَنب لي قدْ قلت إذا أهْلنا معًا أثيبي بوُدّ قبلَ إحدَى الصفائق (٣)
أثيبي بوُدّ قبل أن تشْحط النَّوى ويَنْأى الأمير بالحبيب المفارق (٤)
ثم قال: قالت: نعم فديتك، قال: فقدموه، فضربوا عنقه، فجاءت المرأة، فوقعت عليه، فشهقت شهقة، أو شهقتين، ثم ماتت، فلما قدموا على رسول الله - ﷺ - أخبروه الخبر، فقال رسول الله - ﷺ -: (أما كان فيكم رجل رحيم) (٥).
٢٩ - مدة إقامته ﷺ في مكة عام الفتح:
٦٨١ - من حديث ابن عباس ﵁ قال: "أقام النبي - ﷺ - بمكة تسعة عشر يومًا يصلي ركعتين" (٦).
وقد جاء من روايات عدة أنه مكث ثمانية عشر يومًا، وهي عند أبي داود من حديث عمران بن حصين، وأخرى سبعة عشر يومًا وبعضها خمسة عشر يومًا، وقد جمع البيهقي بين هذا الاختلاف بأن من قال تسع عشرة يومًا عد يومي الدخول والخروج، ومن قال سبع عشرة يومًا حذفهما، ومن قال ثماني عشرة
_________________
(١) حلية والخوانق: اسم موضعين.
(٢) الإدلاج: سار أول الليل، الودائق: جمع وديقة وهو شدة الحر، ومعنى ذلك تكلف السير في الليل وفي شدة الحر.
(٣) الصفائق: أراد بها النوائب.
(٤) ينأى: يبعد، تشحط: تبعد.
(٥) أخرجه النسائي في الكبرى كما أشار إلى ذلك صاحب تحفة الأشراف حديث رقم: ٦٢٧٣، ابن سعد في الطبقات: ٢/ ١٤٩، والطبري في التاريخ: ٣/ ١٢٥، والبيهقي في الدلائل: ٥/ ١١٨، وصحح إسنادها الحافظ ابن حجر في الفتح: ٨/ ٥٨، وقد أخرج ابن إسحاق من طريقه عن ابن أبي حدرد شبيهًا بهذا اللفظ البيهقي في الدلائل: ٥/ ١١٥، والبيهقي بإسناد إلى ابن عاصم المزني شبيهًا بهذه القصة أيضًا في الدلائل: ٥/ ١١٧، وكما أشار إلى ذلك الحافظ في الفتح: ٨/ ٥٨، سيرة ابن هشام: ٢/ ٤٣٣ - ٤٣٤.
(٦) أخرجه البخاري في المغازي باب مقام النبي بمكة عام الفتح: ٤٢٩٨ - ٤٢٩٩، أبو داود في الصلاة باب متى يتم المسافر حديث رقم: ١٢٣٠، وابن ماجه في إقامة الصلاة باب كم يقصر الصلاة المسافر إذا أقام ببلدة حديث رقم: ١٠٧٥، الترمذي في أبواب الصلاة باب ما جاء في كم تقصر الصلاة حديث رقم: ٥٤٩، وأحمد في المسند: ١/ ٢٢٣، والبيهقي: ٣/ ١٥٠، والطحاوي في مشكل الآثار: ١/ ٢٤٢.
[ ٤٢٩ ]
عد أحدهما وأما رواية "خمسة عشر" فضعفها النووي في الخلاصة، وليس بجيد لأن رواتها ثقات رقم ينفرد بها ابن إسحاق فقد أخرجها النسائي.
وإذا ثبت أنها صحيحة فليحمل على أن الراوي ظن أن الأصل رواية سبعة عشر، فحذف منها يومي الدخول والخروج، فذكر أنها خمسة عشر، واقتضى ذلك أن رواية تسعة عشر أرجح الروايات، وبهذا أخذ إسحاق بن راهويه، ويرجحها أيضًا أنها أكثر ما وردت به الروايات الصحيحة" (١).
_________________
(١) فتح الباري: ٢/ ٥٦٢، في التعليق على حديث رقم: ١٠٨٠، كتاب تقصير الصحة باب ما جاء في التقصير وكم يقيم حتى يقصر.
[ ٤٣٠ ]
المبحث الثاني: غزوة حنين شوال سنة ثمان للهجرة
قال تعالى ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (٢٥) ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (٢٦) ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (١).
وحنين: واد إلى جنب ذي المجاز قريب من الطائف، وبينه وبين مكة بضعة عشر ميلًا من جهة عرفات، قال أبو عبيد البكري: سمي باسم حنين بن قابثة بن مهلائيل (٢).
١ - وقتها:
قال أهل المغازي: خرج رسول الله - ﷺ - إلى حنين لخمس خلت من شوال، وبه قال ابن إسحاق في المغازي، وهكذا روي عن ابن مسعود، وبه قال عروة ابن الزبير، واختاره أحمد، وابن جرير في تاريخه.
وقيل لليلتين بقيتا من رمضان، وجمع بعضهم بأنه بدأ الخروج في أواخر رمضان، وسار سادس شوال، وكان وصوله إليها في عاشره، وبه قال الواقدي (٣).
٢ - سببها:
٦٨٢ - قال ابن إسحاق: حدثنا عاصم بن عمر بن قتادة، عن عبد الرحمن بن جابر عن أبيه جابر بن عبد الله وعمرو بن شعيب، والزهري وعبد الله بن أبي بكر ابن حزم وعبد الله بن المكرم بن عبد الرحمن الثقفي عن حديث حنين حين سار إليهم رسول الله - ﷺ - وساروا إليه فبعضهم يحدث ما لا يحدث به بعض، وقد اجتمع حديثهم: "أن رسول الله - ﷺ - لما فرغ من فتح مكة، جمع مالك بن عوف
_________________
(١) سورة التوبة: آية: ٢٥.
(٢) فتح الباري: ٨/ ٢٧.
(٣) فتح الباري: ٨/ ٢٧، سيرة ابن كثير: ٣/ ٦١٠.
[ ٤٣١ ]
النصري: بني نصر، وبني جشم، وبني سعد بن بكر، وأوزاعًا من بني هلال، وهم قليل، وناسًا من بني عمرو بن عامر، وعوف بن عامر، وأوعبت معه ثقيف الأحلاف، وبنو مالك، ثم سار بهم إلى رسول الله - ﷺ -، وساق معه الأموال والنساء والأبناء.
فلما سمع بهم رسول الله - ﷺ -، بعث عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي، فقال: اذهب، فادخل في القوم حتى تعلم لنا من علمهم، فدخل فيهم، فمكث فيهم يومًا أو اثنين، ثم أتى رسول الله - ﷺ - فأخبره خبرهم.
فقال رسول الله - ﷺ - لعمر بن الخطاب: (ألا تسمع ما يقول ابن أبي حدرد)، فقال عمر ﵁: كذب، فقال: ابن أبي حدرد، والله لئن كذبتني يا عمر لربما كذبت بالحق، فقال عمر: ألا تسمع يا رسول الله ما يقول ابن أبي حدرد فقال: (قد كنت يا عمر ضالًّا فهداك الله).
ثم بعث رسول الله إلى صفوان بن أمية، فسأله أدراعًا عنده مائة درع، وما يصلحها من عدتها، فقال: أغصبًا يا محمَّد، فقال: (بل عارية مضمونة حتى نؤديها عليك) ثم خرج رسول الله - ﷺ - سائرًا".
وزاد ابن إسحاق بالإسناد الأول: أن مالك بن عوف أقبل فيمن معه ممن جمع من قبائل قيس وثقيف، ومعه دريد بن الصمة شيخ كبير في شجار (١) له يعاد به حتى نزل الناس بأوطاس (٢) فقال دريد -حين نزلوا بأوطاس فسمع رغاء البعير (٣)، ونهيق الحمير (٤) ويعار النساء (٥)، وبكاء الصغير-: بأي واد أنتم؟ فقالوا: بأوطاس، قال: نعم مجال الخيل، لا حزن (٦) ضرس (٧)، ولا سهل (٨)
_________________
(١) شجار: شبه الهودج إلا أنه مفتوح الأعلى.
(٢) أوطاس: واد في ديار هوازن، كانت فيه وقعة حنين، وتسمى أيضًا غزوة أوطاس.
(٣) رغاء البعير: صوتها.
(٤) نهاق الحمير: صوتها.
(٥) يعار الشاء: صوتها.
(٦) حزن: ما غلظ من الأرض.
(٧) ضرس: الأكمة الخشنة وفي الإملاء هو الموضع فيه حجارة محددة.
(٨) سهل: ضد الحزن.
[ ٤٣٢ ]
دهش (١)، ما لي أسمع رغاء البعير، ونهيق الحمار، ويعار الشاء؟ فقالوا: ساق مالك مع الناس أموالهم وذراريهم ونساءهم.
قال: فأين مالك؟ فدعي مالك، فقال: يا مالك! إنك قد أصبحت رئيس قومك، وإن هذا يوم كائن له ما بعده من الأيام، فما دعاك إلى أن تسوق مع الناس أموالهم وأبناءهم ونساءهم؟ قال: أردت أن أجعل خلف كل رجل أهله وأمواله ليقاتل عنهم، قال: فانقض (٢) به دريد، وقال: يا راعي ضأن والله، وهل يرد وجه المنهزم شيء؟ إنها إن كانت لك لم ينفعك إلا رجل بسيفه ورمحه، وإن كانت عليك فضحت في أهلك ومالك، فارفع الأموال والنساء، والذراري إلى علياء قومهم، وممتنع بلادهم.
ثم قال دريد: وما فعلت كعب وكلاب، فقالوا: لم يحضرها منهم أحد، فقال: غاب الحد (٣) والجد لو كان يوم علاء ورفعة لم تغلب عنه كعب وكلاب، ولوددت لو فعلتم ما فعلت كعب وكلاب فمن حضرها؟ فقالوا: عمرو بن عامر، وعوف بن عامر، فقالوا: ذانك الجذعان (٤) لا يضران ولا ينفعان، فكره مالك أن يكون لدريد فيها رأي، فقال: إنك قد كبرت، وكبر علمك والله لتطيعن يا معشر هوازن، أو لأتكئن على هذا السيف حتى يخرج من ظهري، فقالوا: أطعناك.
ثم قال مالك للناس: إذا رأيتموهم، فاكسروا جفان سيوفكم، ثم شدوا شدة رجل واحد" (٥).
_________________
(١) دهس: المكان السهل اللين الذي لا يبلغ أن يكون رملًا وهو تراب.
(٢) فانقض: زجره كما تزجر الدابة.
(٣) الحد: الشجاعة والحدة.
(٤) الجذعان: يريد أنهما ضعيفان بمنزلة الجذع في سنه.
(٥) أخرجه البيهقي في الدلائل: ٥/ ١٢٠ - ١٢٣، سيرة ابن هشام: ٢/ ٤٤٢ - ٤٤٤ وابن حبان كما في الموارد ص: ٤١٧، رقم: ١٧٠٤، وأخرجه أحمد في المسند: ٣/ ٣٧٦، وأبو يعلى رقم: ١٨٦٢، ١٨٦٣، والبزار: ١٨٣٤، وفيه ابن إسحاق، وقد صرح بالتحديث وبقية رجاله أحمد رجال الصحيح: قلت: وهو حديث طريل ذكرت جزءًا منه هنا، وسيأتي أجزاء أخرى سأشير إليها في مواطنها، وفيها قصة الهزيمة والرجل صاحب الراية، وقد أخرج أيضًا ابن حبان: ١٧٠٤، أجزاء منه بنفس الإسناد الذي ذكرت في بداية الحديث من طريق عبد الرحمن بن جابر عن أبيه، والسند رجاله ثقات، فالحديث بذلك حسن، وقد أخرجه الحاكم في المستدرك: ٣/ ٤٨ - ٤٩، وقال: صحيح الإسناد، رقم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وقال الهيثمي المجمع: ٦/ ١٧٩ "رواه أحمد، وأبو يعلى ورواه البزار، باختصار، وفيه ابن إسحاق وقد صرح بالسماع في رواية أبي يعلى ورجال أحمد رجال الصحيح.
[ ٤٣٣ ]
٣ - استعارة الدروع من صفوان بن أمية:
٦٨٣ - من حديث صفوان بن أمية ﵁: (أن رسول الله - ﷺ - استعار منه أدراعًا يوم حنين فقال: أغصب يا محمَّد؟ فقال: (لا بل عارية مضمونة) (١).
٤ - قصة الجاسوس الذي جاء يتجسس على المسلمين:
٦٨٤ - من حديث سلمة بن الأكوع ﵁ قال: "غزونا مع رسول الله - ﷺ - هوازن. فبينما نحن نتضحى مع رسول الله - ﷺ - إذ جاء رجل على جمل أحمر، فأناخه. ثم انتزع طلقًا من حقبه، فقيد به الجمل. ثم تقدم يتغدى مع القوم. وجعل ينظر، وفينا ضعفة ورقة في الظهر، وبعضنا مشاة، إذ خرج يشتد، فأتى جمله فأطلق قيده، ثم أناخه وقعد عليه، فأثاره، فاشتد به الجمل، فأتبعه رجل على ناقة ورقاء.
قال سلمة: وخرجت أشتد. فكنت عند ورك الناقة. ثم تقدمت. حتى كنت عند ورك الجمل. ثم تقدمت حتى أخذت بخطام الجمل، فأنخته. فلما وضع ركبته في الأرض اخترطت سيفي، فضربت رأس الرجل فندر ثم جئت بالجمل أقوده. عليه رحله وسلاحه. فاستقبلني رسول الله - ﷺ -، والناس معه. فقال: من (قتل الرجل؟) قالوا: ابن الأكوع. قال: (له سلبه أجمع) (٢).
٥ - تبشير الرسول ﷺ بغنيمة حنين:
٦٨٥ - من حديث سهيل بن الحنظلية ﵁: "أنهم ساروا مع رسول الله - ﷺ - يوم حنين، فأطنبوا السير، حتى كانت عشية، فحضرت الصلاة عند رسول الله - ﷺ -، فجاء رجل فارس، فقال: يا رسول الله إني انطلقت بين
_________________
(١) أخرجه أبو داود في السنن كتاب البيوع باب في تضمين العارية حديث رقم ٣٥٦٢، وأحمد في المسند: ٣/ ٤٠١، ٦/ ٤٦٥، والبيهقي: ٦/ ٨٩، والحاكم: ٢/ ٤٧، وهو حسن في الشواهد، ويشهد له ما جاء في حديث عبد الرحمن بن جابر عن أبيه، والذي أخرجه الحاكم: ٣/ ٤٨، والبيهقي: ٦/ ٨٩ قال الحاكم: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، وأقره الذهبي، وهو كما قالا، فالحديث صحيح. قلت: ويشهد له أيضًا ما جاء في حديث ابن عباس بنفس اللفظ والذي أخرجه الحاكم: ٢/ ٤٧، وقال: صحيح الإسناد على شرط مسلم ولم يخرجاه ووافقه الذهبي.
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه الجهاد والسير باب استحقاق القاتل سلب القتيل حديث رقم: ١٧٥٤، وأبو داود في الجهاد باب الجاسوس المستأمن حديث رقم: ٢٦٥٤، والطحاوي: ٢/ ١٣٠ - ١٣١، وأحمد: ٤/ ٤٩ - ٥١.
[ ٤٣٤ ]
أيديكم حتى طلعت جبل كذا وكذا، فإذا أنا بهوازن على بكرة آبائهم بظعنهم ونعمهم وشائهم، اجتمعوا إلى حنين، فتبسم رسول الله - ﷺ -، وقال: (تلك غنيمة المسلمين غدًا إن شاء الله).
ثم قال: (من يحرسنا الليلة؟) فقال أنس بن أبي مرثد الغنوي: أنا يا رسول؟ قال: (فاركب) فركب فرسًا له فجاء إلى رسول الله - ﷺ -، فقال له رسول الله - ﷺ -: (استقبل هذا الشعب حتى تكون في أعلاه، ولا نغرن من قبلك الليلة).
فلما أصبحنا خرج رسول الله - ﷺ - إلى مصلاه، فركع ركعتين ثم قال: (هل أحسستم فارسكم؟) قالوا: يا رسول الله، ما أحسسناه فثوب بالصلاة، فجعل رسول الله - ﷺ - يصلي، وهو يلتفت إلى الشِعب حتى إذا قضى صلاته، وسلم، قال: (أبشروا فقد جاءكم فارسكم).
فجعلنا ننظر إلى الشجرة في الشعب فهذا هو قد جاء حتى وقف على رسول الله - ﷺ -، فسلم فقال: إني انطلقت حتى كنت في أعلى هذا الشعب حيث أمرني رسول الله - ﷺ -، فلما أصبحت طلعت الشعبين كليهما، فنظرت فلم أر أحدًا، فقال له رسول الله - ﷺ -: (هل نزلت الليلة؟) قال: لا إلا مصليًا أو قاضي حاجة. فقال له رسول الله - ﷺ -: (فقد أوجبت فلا عليك ألا تعمل بعدها) (١).
٦ - قصة المفاجأة والهزيمة:
أ - الهزيمة:
٦٨٦ - من حديث أنس ﵁ قال: "لما اجتمع يوم حنين أهل مكة وأهل المدينة أعجبتهم كثرتهم، فقال القوم: اليوم والله ما نقاتل حين اجتمعنا، فكره - ﷺ - ما قالوا، ما أعجبهم من كثرتهم" (٢).
٦٨٧ - من حديث جابر بن عبد الله ﵁ قال: "لما استقبلنا وادي
_________________
(١) أخرجه أبو داود في الجهاد باب فضل الحرس في سبيل الله تعالى حديث رقم: ٢٥٠١، والنسائي في الكبرى كما أشار إلى ذلك صاحب تحفة الأشراف حديث رقم: ٤٦٥٠، والحافظ ابن كثير في التاريخ: ٤/ ٢٢٥ - ٢٢٦، وأخرجه البيهقي في الدلائل: ٥/ ١٢٦، وإسناد هذا الحديث صحيح، حسنه الحافظ في الفتح: ٨/ ٢٧.
(٢) أخرجه الحاكم وصححه، وابن المنذر وابن مردويه وأبو الشيخ وغيرهم: الفتح الرباني: ٢١/ ١٦٩.
[ ٤٣٥ ]
حنين قال: انحدرنا في واد من أودية تهامة أجوف حطوط (١) إنما ننحدر فيه انحدارًا قال: وفي عماية الصبح (٢)، وقد كان القوم كمنوا لنا في شعابه، وفي أجنابه، ومضايقه، قد جمعوا وتهيئوا، وأعدوا فوالله ما راعنا ونحن منحطون إلا الكتائب قد شدت علينا شدة رجل واحد، وانهزم الناس راجعين، فاستمروا لا يلوي أحد منهم على أحد، وانحاز رسول الله - ﷺ - ذات اليمين قال: (إلي أيها الناس، هلم إلي، أنا رسول الله، أنا محمَّد بن عبد الله)، قال: فلا شيء (٣).
احتملت الإبل بعضها بعضًا فانطلق الناس إلا أن مع رسول الله - ﷺ - رهطًا من المهاجرين والأنصار وأهل بيته غير كثير، وفيمن ثبت معه - ﷺ - أبو بكر وعمر ومن أهل بيته علي بن أبي طالب، والعباس بن عبد المطلب، وابنه الفضل بن عباس، وأبو سفيان بن الحارث وربيعة بن الحارث وأيمن بن عبيد، وهو ابن أم أيمن، وأسامة بن زيد، قال: ورجل من هوازن على جمل له أحمر في يده راية له سوداء في رأس رمح طويل أمام الناس، وهوازن خلفه، فإذا أدرك طعن برمحه، وإذا فاته الناس رفعه لمن وراءه، فاتبعوه (٤).
قال ابن إسحاق "وحدثني عاصم بن عمرو بن قتادة عن عبد الرحمن بن جابر عن أبيه جابر بن عبد الله قال: (بينما ذلك الرجل من هوازن صاحب الراية على جمله ذلك يصنع ما يصنع، إذ هوى له علي بن أبي طالب، ورجل من الأنصار يريدانه، قال: فيأتيه علي من خلفه فضرب عرقوبي الجمل فوقع على عجزه، ووثب الأنصاري على الرجل، فضربه ضربة أطن قدمه (٥) بنصف ساقه، فانعجف (٦) عن رحله، واجتلد الناس فوالله ما رجعت راجعة الناس من هزيمتهم حتى وجدوا الأسرى مكتفين عند رسول الله - ﷺ -".
_________________
(١) حطوط: واسع منحدر من أعلى إلى أسفل.
(٢) عماية الصبح: أي بقية ظلمة الليل.
(٣) فلا شيء: يعني فلا مجيب.
(٤) سبق تخريجه في حديث رقم: ٦٨٢.
(٥) أطن قدمه: قصعه.
(٦) فانعجف: مال وسقط.
[ ٤٣٦ ]
ب - الثابتون مع رسول الله ﷺ:
٦٨٨ - من حديث البراء بن عازب ﵁ قال: "وقد جاءه رجل فقال: يا أبا عمارة، أتوليت يوم حنين، فقال: أما أنا فأشهد على النبي - ﷺ - أنه لم يول، ولكن عجل سرعان القوم، فرشقتهم هوازن -وأبو سفيان بن الحارث آخذ برأس بغلته البيضاء يقول: (أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب) (١).
وفي لفظ آخر "وقد سأله رجل من قيس: أفررتم عن رسول الله - ﷺ - يوم حنين؟ فقال: لكن رسول الله - ﷺ - لم يفر، كانت هوازن رماة، وأنا لما حملنا عليهم انكشفوا، فأكببنا على الغنائم، فاستقبلنا بالسهام، ولقد رأيت رسول الله - ﷺ - على بغلته البيضاء، وإن أبا سفيان بن الحارث آخذ بزمامها وهو يقول: (أنا النبي لا كذب).
٦٨٩ - من حديث ابن عمر ﵄ قال: "لقد رأيتنا يوم حنين وإن الفئتين لموليتين، وما مع رسول الله - ﷺ - بمائة رجل" (٢).
٦٩٠ - من حديث أنس ﵁ قال: "افتتحنا مكة، ثم إننا غزونا حنينًا، فجلى المشركون بأحسن صفوف رأيت، قال: فصفت الخيل، ثم صفت المقاتلة، ثم صفت النساء من وراء ذلك، ثم صفت الغنم، ثم صفت النعم.
قال: ونحن بشر كثير قد بلغنا ستة آلاف (٣). وعلى مجنبة (٤) خيلنا خالد بن
_________________
(١) أخرجه البخاري في المغازي باب قوله تعالى: ﴿ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم﴾ حديث رقم: ٤٣١٥، ٤٣١٦، ٤٣١٧، ومسلم في الجهاد والسير باب في غزوة حنين حديث رقم: ١٧٧٦، الترمذي في الجهاد باب ما جاء في الثبات عند القتال حديث رقم: ١٦٨٨، والنسائي في الكبرى كما أشار إلى ذلك في تحفة الأشراف حديث رقم:١٨٧٣. قلت: وقد جاء من حديث زيد بن أرقم: هتاف النبي: أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب أخرجه الطبراني، ورجاله ثقات، كما قال الهيثمي في المجمع: ٦/ ١٨٢.
(٢) أخرجه الترمذي في الجهاد باب ما جاء في الثبات عند القتال حديث رقم:١٦٨٩، وقال: حديث حسن غريب، وحسنه الحافظ في الفتح: ٨/ ٢٩ - ٣٠.
(٣) قد بلغنا ستة آلاف: قال القاضي هذا وهم من الراوي عن أنس، والصحيح ما جاء في الرواية الأولى عشرة آلاف، ومعه الطلقاء، لأن المشهور في كتب المغازي أن المسلمين كانوا يومنذ اثني عشر ألفًا، عشرة آلاف شهدوا الفتح. وألفان من أهل مكة ومن انضاف إليهم (انظر الرواية الأولى، والتي فيها ذكر العشرة الآف في صحيح مسلم حديث: ١٠٥٩/ ١٣٥.
(٤) مجنبة: هي الكتيبة من الخيل التي تأخذ جانب الطريق.
[ ٤٣٧ ]
الوليد. فجعلت خيلنا تلوي (١) خلف ظهورنا فلم نلبث أن انكشف خيلنا، وفرت الأعراب. ومن نعلم من الناس.
قال: فنادى رسول الله - ﷺ -: (يا للمهاجرين!) ثم قال: (يا للأنصار) قال: قال أنس. هذا حديث عمية (٢)، قال: قلنا لبيك يا رسول الله، قال: فتقدم رسول - ﷺ -. قال: فأيم الله! ما أتيناهم حتى هزمهم الله. قال: فقبضنا ذلك المال. ثم انطلقنا إلى الطائف، فحاصرناهم أربعين ليلة، ثم رجعنا إلى مكة، فنزلنا، قال: فجعل رسول الله - ﷺ - يعطي الرجل المائة من الإبل" (٣).
٦٩١ - من حديث ابن مسعود ﵁ قال: "كنت مع النبي - ﷺ - يوم حنين قال: فولى الناس، وثبت معه ثمانون رجلًا من المهاجرين والأنصار فنكصنا على أقدامنا نحوًا من ثمانين قدمًا، ولم نولهم الدبر وهم الذين أنزل الله ﷿ عليهم السكينة، قال: ورسول الله - ﷺ - على بغلته يمضي قدمًا، فحارت به بغلته فمال عن السرج فقلت: ارتفع رفعك الله فقال: ناولني كفًّا من تراب فضرب به وجوههم فامتلأت أعينهم ترابًا قال: (أين المهاجرون والأنصار). قلت: هم أولاء قال: (اهتف بهم)، فهتفت بهم، فجاءوا وسيوفهم بأيمانهم كأنها الشهب، وولى المشركون أدبارهم" (٤).
قال الحافظ في الفتح: "وهذا لا يخالف حديث ابن عمر، فإنه نفى أن يكونوا مائة، وابن مسعود أثبت أنهم كانوا ثمانين، وأما ما ذكره النووي في شرح مسلم: أنه ثبت معه اثنا عشر رجلًا، فكأنه أخذه مما ذكره ابن إسحاق في حديثه أنه ثبت معه العباس وابنه الفضل وعلي، وأبو سفيان بن الحارث، وأخوه ربيعة، وأسامة بن زيد، وأخوه من أمه أيمن بن أم أيمن، ومن المهاجرين أبو بكر وعمر، فهؤلاء تسعة، وتقدم ذكر ابن مسعود في مرسل الحاكم، فهؤلاء
_________________
(١) تلوي: تلوذ، فجعلت فرساننا يثنون أفراسهم ويعفونها خلف ظهورنا.
(٢) هذا حديث عمية: هذا حديث فضل أعمامي، أو هذا الحديث الذي حدثني به أعمامي.
(٣) أخرجه مسلم في الزكاة باب إعطاء المؤلفة قلوبهم على الإِسلام وتصبر من قوي إيمانه حديث رقم: ١٠٥٩/ ١٣٦، والنسائي في السنن الكبرى كما أشار إلى ذلك في تحفة الأشراف حديث رقم: ٨٩٧.
(٤) قال الهيثمي في المجمع: ٦/ ١٨٠: رواه أحمد، والبزار، والطبراني، ورجاله أحمد رجال الصحيح غير الحارث بن حصيرة، وهو ثقة، انظر كشف الأستار عن زوائد البزار حديث رقم: ١٨٢٩، وأخرجه الحاكم: ٢/ ١١٧، أخرجه أحمد في المسند: ١/ ٤٥٤، دلائل البيهقي: ٥/ ١٤٢، وقال الحاكم: صحيح الإسناد رقم يخرجاه، ووافقه الذهبي.
[ ٤٣٨ ]
عشرة، ووقع في شعر العباس بن عبد المطلب أن الذين ثبتوا كانوا عشرة ففي وذلك قوله:
نصرنا رسول الله في الحرب تسعة وقد فر من قد فر عنه فأقشعوا
وعاشرنا وافي الحمام بنفسه لما مسه في الله لا يتوجع
ولعل هذا هو الثبت. ومن زاد على ذلك يكون عجل في الرجوع فعد فيمن لم ينهزم" (١).
٧ - هتاف العباس بالأنصار للعودة:
٦٩٢ - من حديث العباس بن عبد المطلب ﵁: "شهدت مع رسول الله - ﷺ - يوم حنين. فلزمت أنا وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب رسول الله - ﷺ -، فلم نفارقه. ورسول الله - ﷺ - على بغلة له، بيضاء. أهداها له فروة بن نفاثة الجذامي. فلما التقى المسلمون والكفار، ولى المسلمون مدبرين، فطفق رسول الله - ﷺ - يركض بغلته قبل الكفار.
قال العباس: وأنا آخذ بلجام بغلة رسول الله - ﷺ -. أكلفها إرادة أن لا تسرع. وأبو سفيان آخذ بركاب رسول الله - ﷺ -. فقال رسول الله - ﷺ -: (أي عباس! ناد أصحاب السمرة) (٢) فقال العباس: "وكان رجلًا صيتًا" (٣) فقلت: بأعلى صوتي: أين أصحاب السمرة؟
قال: فوالله! لكان عطفتهم حين سمعوا صوتي، عطفة البقر على أولادها. فقالوا: يا لبيك؟ يا لبيك! قال: فاقتتلوا والكفار، والدعوة في الأنصار،
_________________
(١) فتح الباري: ٨/ ٣٠. قلت: وقد جرح خالد ﵁ في هذا اليوم، أثناء المفاجأة التي فاجأ بها المشركون المسلمين فسارع رسول الله - ﷺ - للاطمئنان عليه، فقد جاء عن عبد الرحمن بن أزهر أنه قال: رأيت رسول الله - ﷺ - يوم حنين يتخلل الناس، يسأل عن رحل خالد. فدل عيه، فنظر إلى جرحه، وحسبت أنه نفث فيه، أخرجه أحمد: ٤/ ٨٨، ٣٥١، وعبد الرزاق في المصنف: ٩٤٧١، والبيهقي في الدلائل: ٥/ ١٣٩ - ١٤٠، وأخرجه مختصرًا: الحاكم: ٤/ ٣٧٤ - ٣٧٥، وأبو داود: ٤٤٨٧ - ٤٤٨٩، وأحمد في المسند: ٤/ ٨٨، ٣٥٠. وإسناده صحيح.
(٢) أصحاب السمرة: هي الشجرة التي بايعوا تحتها بيعة الرضوان. ومعناه: ناد أهل بيعة الرضوان يوم الحديبية.
(٣) صيتًا: قوي الصوت.
[ ٤٣٩ ]
يقولون: يا معشر الأنصار! يا معشر الأنصار! ثم قصرت الدعوة علي بني الحارث بن الخزرج، فقالوا: يا بني الحارث بن الخزرج!، يا بني الحارث بن الخزرج فنظر رسول الله - ﷺ -، وهو على بغلته، كالمتطاول عليها، إلى قتالهم، فقال رسول الله - ﷺ -: (هذا حين سمي الوطيس) (١).
قال: ثم أخذ رسول الله - ﷺ - حصيات، فرمي بهن وجوه الكفار. ثم قال: (انهزموا، ورب محمد!) قال: فذهبت أنظر، فإذا القتال على هيئته فيما أرى. قال: فوالله ما هو إلا أن رماهم بحصياته. فما زلت أرى حدّهم كليلًا (٢) وأمرهم مدبرًا" (٣).
قال النووي ﵀ "قال العلماء: في هذا الحديث دليل على أن فرارهم لم يكن بعيدًا، وأنه لم يحصل الفرار من جميعهم، وإنما فتحه عليهم من في قلبه مرض من مسلمة أهل مكة المؤلفة ومشركيها الذين لم يكونوا أسلموا، وإنما كانت هزيمتهم فجأة لانصبابهم عليهم دفعة واحدة، ورشقهم بالسهام، ولاختلاط أهل مكة معهم ممن لم يستقر الإيمان في قلبه، وممن يتربص بالمسلمين الدوائر، وفيهم نساء وصبيان خرجوا للغنيمة، فتقدم أخفاؤهم، فلما رشقوهم بالنبل ولوا، فانقلبت أولاهم على أخراهم إلى أن أنزل الله سكينته على المؤمنين، كما ذكر الله تعالى في القرآن" (٤).
٦٩٣ - من حديث أنس ﵁ قال: "التقى يوم حنين أهل مكة وأهل المدينة، واشتد القتال فولوا مدبرين، فندب رسول الله - ﷺ - الأنصار فقال: (يا معشر المسلمين أنا رسول الله) فقالوا: إليك والله جئنا، فنكسوا رؤوسهم، ثم قاتلوا حتى فتح الله عليهم" (٥).
وقد جاء في أحاديث المفاجأة والهزيمة، وثبات النبي - ﷺ - فوائد كثيرة ذكرها
_________________
(١) هذا حين حمي الوطيس: الضرب في الحرب.
(٢) حدهم كليلًا: ما زلت أرى قوتهم ضعيفة.
(٣) أخرجه مسلم في الجهاد باب في غزوة حنين حديث رقم: ١٧٧٥، وأحمد في المسند: ٧/ ٢٠١، وعبد الرزاق في المصنف حديث رقم: ٩٧٤١، وابن هشام في السيرة: ٢/ ٤٤٤، والحاكم في المستدرك: ٣/ ٣٢٧، ٣٢٨، والنسائي في الكبرى كما أشار إلى ذلك في تحفة الأشراف حديث رقم: ٥١٣٤.
(٤) شرح صحيح مسلم النووي: ١٢/ ١١٥.
(٥) أخرجه الحاكم في المستدرك: ٣/ ٤٨، وقال: حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.
[ ٤٤٠ ]
الحافظ في الفتح منها:
وفي الحديث (يعني حديث البراء بن عازب في ثبات النبي) من الفوائد: حسن الأدب في الخطاب، والإرشاد إلى حسن السؤال بحسن الجواب، وذم الإعجاب، وفيه جواز الانتساب إلى الآباء ولو ماتوا في الجاهلية، والنهي عن ذلك محمول على ما هو خارج الحرب، ومثله الرخصة في الخيلاء في الحرب دون غيرها، وجواز التعرض إلى الهلاك في سبيل الله، ولا يقال كان النبي - ﷺ - متيقنًا للنصر لوعد الله تعالى له بذلك، وهو حق؛ لأن أبا سفيان بن الحارث قد ثبت معه آخذًا بلجام بغلته، وليس هو على اليقين مثل النبي - ﷺ -.
وفيه ركوب البغلة إشارة إلى مزيد الثبات، لأن ركوب الفحولة مظنة الاستعداد للفرار والتولي، وإذا كان رأس الجيش قد وطن نفسه على عدم الفرار، وأخذ بأسباب ذلك كان ذلك أدعى لاتباعه على الثبات، وفيه شهرة الرئيس نفسه في الحرب مبالغة في الشجاعة وعدم المبالاة بالعدو" (١).
٨ - اشتداد المعركة وقوله - ﵇ - في ذلك:
٦٩٤ - من حديث جابر بن عبد الله: "أن رسول الله - ﷺ - قال يوم حنين: (الآن حمي الوطيس)، ثم قال: (هزموا ورب الكعبة) (٢).
٩ - رميه ﵇ الحصى في وجوه الأعداء:
أ - قد سبق ذكر رمي الحصى من حديث ابن مسعود رقم: ٦٩١، ومن حديث العباس بن عبد المطلب رقم: ٦٩٢، وقد جاء أيضًا من حديث أبي عبد الرحمن الفهري في قصة حنين (٣).
٦٩٥ - وقد جاء أيضًا من حديث يزيد بن عامر السسوائي أنه قال: "عند انكشافة انكشفها المسلمون يوم حنين، فتبعتهم الكفار، فأخذ رسول الله - ﷺ - قبضة
_________________
(١) فتح الباري: ٨/ ٣٢.
(٢) رواه الطبراني في الأوسط، ورجاله رجال الصحيح كذا قال الهيثمي في المجمع: ٦/ ١٨٢.
(٣) أخرجه أبو داود في الأدب باب في الرجل ينادي فيقول لبيك حديث رقم: ٥٢٣٣، أحمد: ٥/ ٢٨٦، وأبو داود الطيالسي: ٣٢٧٢، ٢/ ١٠٧، وقال الزرقاني في شرح المواهب: رواه الترمذي، وابن سعد وابن أبي شيبة، والطبراني وابن مردويه والبيهقي، ورجاله ثقات.
[ ٤٤١ ]
من الأرض، فرمى بها وجوههم، وقال: (ارجعوا شاهت الوجوه)، فما من أحد يلقى أخاه إلا وهو يشكو القذى، ويمسح عينيه" (١).
٦٩٦ - ومن حديث سلمة بن الأكوع ﵁ قال: "غزونا مع رسول الله - ﷺ - حنينًا، فلما واجهنا العدو تقدمت، فأعلو ثنية، فأستقبل رجلًا من العدو، فأرميه بسهم وتوارى عني، فما دريت ما صنع.
ثم نظرت إلى القوم، فإذا هم قد طلعوا من ثنية أخرى، فالتقوا هم وصحابة للنبي - ﷺ -، فولى صحابة النبي - ﷺ -، فأرجع منهزمًا وعلي بردتان مؤتزرًا بإحداهما، مرتديًا بالأخرى، قال: فاستطلق إزاري (٢)، فجمعتها جمعًا، ومررت على رسول الله - ﷺ - منهزمًا (٣) وهو على بغلته الشهباء، فقال رسول الله - ﷺ -: (لقد رأى ابن الأكوع فزعًا).
فلما غشوا رسول الله - ﷺ - نزل عن البغلة، ثم قبض قبضة من تراب من الأرض، ثم استقبل به وجوههم، فقال: (شاهت الوجوه) (٤) فما خلق الله منهم إنسانًا إلا ملأ عينيه ترابًا بتلك القبضة، فولوا مدبرين فهزمهم الله، وقسم رسول الله - ﷺ - غنائمهم بين المسلمين" (٥).
قلت: جاء في الأحاديث السابقة أنه - ﷺ - قد تناول كفًّا من تراب أو حصى، ورمى بها المشركين، وقد جاء من حديث ابن مسعود، فيما مضى أيضًا أنه طلب منه أن يناوله كفًّا من التراب فرمى به المشركين، ومن حديث ابن عباس أنه طلب من علي أن يناوله التراب، فرمى به المشركين، ويجمع بين هذه الأحاديث أنه - ﷺ - أولًا قال لصاحبه ناولني، فناوله، فرماهم، ثم نزل عن البغلة، فأخذ
_________________
(١) أخرجه الطبراني في الكبير: ٢٢/ ٢٣٧، رقم: ٦٢٢، والبخاري في التاريخ الكبير: ٤/ ٢ / ٣١٦، المطالب العالية: ٤٣٧٢، وعزاه إلى عبد بن حميد، وسكت عنه البوصيري، وقال الهيثمي في المجمع: ٦/ ١٨٢ - ١٨٣: رواه الطبراني، ورجاله ثقات.
(٢) فاستطلق إزاري: انحل لاستعجالي.
(٣) منهزمًا: قال العلماء: قول منهزمًا، حال من ابن الأكوع، كما صرح أولًا بانهزامه، ولم يرد أن النبي - ﷺ - انهزم وقد قالت: الصحابة كلهم ﵃: إنه - ﷺ - ما انهزم، ولم يقل أحد قط أنه انهزم في موطن من المواطن، وقد نقلوا إجماع المسلمين على أنه لا يجوز أن يعتقد انهزامه - ﷺ -، ولا يجوز ذلك عليه.
(٤) شاهت الوجوه: أي قبحت.
(٥) أخرجه مسلم في باب غزوة حنين حديث رقم: ١٧٧٧.
[ ٤٤٢ ]
بيده، فرماهم أيضًا، فيحتمل أن الحصى في إحدى المرتين، وفي الأخرى التراب، والله أعلم، كذا قال الحافظ. (١).
ب - الرعب الذي أوقعه الله في قلوب المشركين يوم حنين:
٦٩٧ - من حديث يزيد بن عامر السسوائي "وكان شهد حنينًا مع المشركين، ثم أسلم قال أبو السائب: سألناه عن الرعب الذي ألقاه الله في قلوبهم يوم حنين، كيف كان، فأخذ حصاة، فرمى بها طستًا فطن قال: كنا نجد في أجوافنا مثل هذا" (٢).
١٠ - دعاء النبي ﷺ يوم حنين:
٦٩٨ - من حديث البراء بن عازب ﵁ قال رجل للبراء: أكنتم وليتم يوم حنين يا أبا عمارة؟ فقال: أشهد على نبي الله - ﷺ - ما ولى. ولكنه انطلق أخفاء الناس، وحُسَّرٌ إلى هذا الحي من هوازن، وهم قوم رماة. فرموهم برشق من نبل، كأنها رجل من جراد (٣) فانكشفوا: فأقبل القوم إلى رسول الله - ﷺ -، وأبو سفيان بن الحارث يقول به بغلته، فنزل، ودعا، واستنصر، وهو يقول:
(أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب)
(اللهم نزل نصرك).
قال البراء: كنا والله إذا احمر البأس نتقي به، وإن الشجاع منا للذي يحاذي به يعني النبي - ﷺ -" (٤).
_________________
(١) الحافظ في الفتح: ٨/ ٣٢.
(٢) أخرجه الطبراني في الكبير: ٢٢/ ٢٣٧ - ٢٣٨، رقم: ٦٢٣، وانظر المطالب العالية: ٤٣٧١، وعزاه إلى عبد بن حميد، وسكت عليه البوصيري، وقال الهيثمي: ٦/ ١٨٣، رواه الطبراني، ورجاله ثقات.
(٣) رجل من جراد: كأنها قطعة من جراد، والرجل: الجراد الكثير.
(٤) أخرجه مسلم في الجهاد والسير باب في غزوة حنين: ١٧٧٦/ ٧٩، وقد سبق تخريجه حديث رقم: ٦٨٨، ولكن مسلم تفرد بلفظ الدعاء للنبي - ﷺ -.
[ ٤٤٣ ]
١١ - ثبات أبي سفيان بن الحارث مع رسول الله ﷺ:
وقد سبق ذكر ثباته من حديث العباس بن عبد المطلب (١)، ومن حديث البراء ابن عازب (٢) ومن حديث جابر بن عبد الله (٣)، وهذا مما يدل على شجاعته، وتضحيته، وصدق إيمانه ﵁.
أوامر الرسول ﷺ الصارمة بحق المشركين يوم حنين:
٦٩٩ - من حديث أنس ﵁: "أن رسول الله - ﷺ - قال يوم حنين: (جزوهم جزًّا)، وأومأ بيده إلى الحلق" (٤).
١٢ - أساليب النبي التشجيعية يوم حنين في القتال:
أ - أبو طلحة ﵁:
٧٠٠ - من حديث أنس ﵁ قال: "قال رسول الله - ﷺ - يومئذ يعني يوم حنين: (من قتل كافرًا، فله سلبه)، فقتل أبو طلحة يومئذ عشرين رجلًا، وأخذ أسلابهم" (٥)
ب - أبو قتادة ﵁:
٧٠١ - من حديث أبي قتادة ﵁ قال: "خرجنا مع رسول الله - ﷺ - عام حنين. فلما التقينا كانت للمسلمين جولة (٦). قال: فرأيت رجلًا من
_________________
(١) انظر رقم: ٦٩٢.
(٢) انظر رقم: ٦٨٨.
(٣) انظر رقم: ٦٨٧.
(٤) أخرجه البزار حديث رقم: ١٨٣٠، كما في كشف الأستار، وقال الهيثمي: ٦/ ١٨١: رواه البزار، ورجاله ثقات.
(٥) أخرجه أبو داود في الجهاد باب في السلب يعطى للقاتل رقم: ٢٧١٨، والدارمي: ٢/ ٢٢٩، وابن سعد: ٣/ ٥٠٥، وصححه الحاكم: ٣/ ٣٥٣، ووافقه الذهبي، وإسناده صحيح كما قالا. وابن حبان في الموارد: ١٦٧١، وأحمد: ٣/ ١١٤، ١٢٣، ١٩٠، ٢٧٩، والطيالسي حديث رقم: ٢٠٧٩، والبيهقي في الدلائل: ٥/ ١٥٠.
(٦) جولة: أي انهزم وخيفه ذهبوا فيها. وهذا إنما كان في بعض الجيش، وأما رسول الله - ﷺ - وطائفة معه فلم يولوا. والأحاديث الصحيحة بذلك مشهورة قد سبق بعضها فيما مضى من الأحاديث.
[ ٤٤٤ ]
المشركين قد علا رجلًا من المسلمين (١)، فاستدرت إليه حتى أتيته من ورائه، فضربته على حبل عاتقه (٢)، وأقبل علي فضمني ضمة وجدت منها ريح الموت (٣). ثم أدركه الموت. فأرسلني، فلحقت عمر بن الخطاب. فقال: ما للناس؟ فقلت: أمر الله.
ثم إن الناس رجعوا، وجلس رسول الله - ﷺ - فقال: (من قتل قتيلًا، له عليه بينة، فله سلبه) (٤) قال: فقمت فقلت: من يشهد لي؟ (٥)، ثم جلست ثم قال مثل ذلك. فقال فقمت فقلت: من يشهد لي؟ ثم جلست. ثم قال ذلك. الثالثة فقمت.
فقال رسول الله - ﷺ - (ما لك؟ يا أبا قتادة!) فقصصت عليه القصة فقال رجل من القوم: صدق. يا رسول الله! سلب ذلك القتيل عندي. فأرضه من حقه، وقال أبو بكر الصديق: لاها الله (٦) إذًا لا يعمد (٧) إلى أسد من أسد الله يقاتل عن الله وعن رسوله، فيعطيك سلبه. فقال رسول الله - ﷺ -: (صدق. فأعطه إياه) فأعطاني قال: فبعت الدرع، فابتعت به مخرفًا (٨) في بني سلمة. فإنه لأول مال تأثلته (٩) في الإِسلام.
وفي حديث الليث: فقال أبو بكر: كلا لا يعطيه أضيبع في قريش ويدع أسدًا من أسد الله" (١٠).
_________________
(١) قد علا رجلًا من المسلمين: يعنى ظهر عليه وأشرف على قتله، أو صرعه وجلس عليه ليقتله.
(٢) على حبل عاتقه: هامه بين العنق والكتف.
(٣) وجدت منها ريح الموت: يحتمل أنه أراد شده كشدة الموت: ويحتمل قاربت الموت.
(٤) له عليه بينة: أي شاهد، فله سلبه: هو ما على القتيل ومعه من ثياب وسلاح ومركب وجنيب يقاد بين يديه.
(٥) من يشهد لي: بأني قتلت رجلًا من المشركين، فيكون سلبه لي.
(٦) لاها الله: هكذا هو في روايات جميع المحدثين وهو قسم ويمين بمعنى (لا والله).
(٧) لا يعمد: الضمير عائد إلى النبي - ﷺ -. أي لا يقصد - ﵇ - إلى إبطال حق أسد من أسود الله يقاتل في سبيله وهو أبو تقادة بإعطاء سلبه إياك.
(٨) مخرفًا: البستان وقيل السكة من النخيل وقيل هي الجنينة الصغيرة.
(٩) تأثلته: اقتنيته وتأصلته.
(١٠) أخرجه البخاري باب غزوة حنين حديث رقم: ٤٣٢١، ومسلم في الجهاد والسير باب غزوة حنين رقم: ١٧٥١، وأبو داود في الجهاد باب في السلب يعطى للقاتل: ٢٧١٧، والترمذي في السير باب ما جاء فيمن قتل قتيلًا له سلبه: ١٥٦٢، وقال: حسن صحيح، مالك في الموطأ: ٢/ ١٠/ ١٢، الجهاد باب ما =
[ ٤٤٥ ]
١٣ - شجاعة ممثلة النساء أم سليم يوم حنين:
٧٠٢ - من حديث أنس ﵁ قال: "إن أم سليم اتخذت يوم حنين خنجرًا (١)، فكان معها فرآها أبو طلحة. فقال: يا رسول الله هذه أم سليم معها خنجر، فقال لها رسول الله - ﷺ -: (ما هذا الخنجر؟) قالت: اتخذته إن دنا مني أحد من المشركين بقرت به بطنه. فجعل رسول الله - ﷺ - يضحك. قالت: يا رسول الله! اقتل من بعدنا (٢) من الطلقاء (٣) انهزموا بك (٤). فقال رسول الله - ﷺ -: (يا أم سليم إن الله قد كفى وأحسن) (٥).
١٤ - اعتصام بعض الفارين بأوطاس، وملاحقة المسلمين لهم:
٧٠٣ - من حديث أبي موسى الأشعري: قال: "لما فرغ النبي - ﷺ - من حنين بعث أبا عامر على جيش إلى أوطاس، فلقي دريد بن الصمة، فقتل دريد، وهزم الله أصحابه قال أبو موسى: وبعثني مع أبي عامر، فرمي أبو عامر في ركبته، رماه جشمي بسهم فأثبته في ركبته، فانتهيت إليه فقلت: يا عم! من رماك؟ فأشار أبو عامر إلى أبي موسى، فقال: إن ذلك قاتلي، تراه ذلك الذي رماني.
قال أبو موسى فقصدت له، فاعتمدته، فلحقته، فلما رآني ولى عني ذاهبًا، فاتبعته وجعلت أقول له: ألا تستحي؟ ألست عربيًّا؟ ألا تثبت؟ فكف فالتقيت أنا وهو فاختلفنا ضربتين أنا وهو فقتلته. ثم رجعت إلى أبي عامر، فقلت: قد قتل الله صاحبك، قال: فانتزع هذا السهم، فنزعته، فنزا منه الماء (٦) فقال: يا ابن أخي، انطلق إلى رسول الله - ﷺ -، فأقرئه عني السلام، ثم قل له إنه يقول
_________________
(١) = جاء في السلب، وابن الجارود: ١٠٧٦، البيهقي: ٩/ ١٥٠، والطحاوي: ١/ ١٣٠، وهو مختصر عند ابن ماجه: ٢٨٣٧ والدارمي: ٢/ ٢٢٩، وسعيد بن منصور رقم: ٢٦٩٦.
(٢) خنجرًا: سكين كبير ذات حدين.
(٣) من بعدنا: من سوانا.
(٤) الطلقاء هم الذين أسلموا يوم فتح مكة سمو بذلك لأن النبي - ﷺ - من عليهم وأطلقهم وكان في إسلامهم ضعف فاعتقدت أم سليم أنهم منافقون يستحقون القتل لانهزامهم.
(٥) انهزموا بك: أي انهزموا عنك. على حد قوله تعالى: ﴿فاسأل به خبيرًا﴾، أي عنه وبما تكون للسببية. أي انهزموا بسببك لنفاقهم.
(٦) أخرجه مسلم في الجهاد والسير باب غزوة النساء مع الرجال حديث رقم: ١٨٠٩، وأحمد: ٣/ ١٩٠، وسنده صحيح على شرط مسلم، وابن سعد في الطبقات: ٨/ ٤٢٥، وإسناده صحيح.
(٧) فنزا منه الماء: ظهر وجرى.
[ ٤٤٦ ]
لك استغفر لي.
قال: واستخلفني أبو عامر على الناس يسيرًا، ثم مات. فلما رجعت إلى النبي - ﷺ -، دخلت عليه، وهو في بيت على سرير مرمل وعليه فراش، وقد أثر رمال السرير بظهر رسول الله - ﷺ -. وجنبيه، فأخبرته بخبرنا، وخبر أبي عامر، وقلت له: قال: قل له يستغفر لي.
فدعا رسول الله - ﷺ - بماء فتوضأ، ثم رفع يديه، فقال: (اللهم اغفر لأبي عامر عبدك)، حتى رأيت بياض إبطيه، ثم قال: (اللهم اجعله يوم القيامة فوق كثير من خلقك، أو من الناس)، فقلت: يا رسول الله! ولي فاستغفر. فقال: (اللهم اغفر لعبد الله بن قيس ذنبه، وأدخله يوم القيامة مدخلًا كريمًا).
قال أبو بردة إحداهما لأبي عامر، والأخرى لأبي موسى" (١).
١٥ - حصار الطائف: في شوال سنة ثمان:
قد سبق من حديث أنس ﵁ رقم: ٦٩٠ أن الرسول ﵊ ومن معه من المسلمين جاهدوا المشركين في الطائف أربعين ليلة.
وقد حدثث بعض الأحداث أثناء الحصار أسوقها فيما يلي:
أ - أسلوب النبي في الحث في رماية السهام على حصن الطائف:
٧٠٤ - من حديث أبي نجيح عمرو بن عبسة السلمي ﵁ قال: حاضرنا مع رسول الله - ﷺ - قصر الطائف، فسمعت رسول الله - ﷺ - يقول: (من بلغ بسهم فله درجة في الجنة).
فبلغت يومئذ بستة عشر سهمًا، وسمعت رسول الله - ﷺ -. يقول: (من رمى بسهم في سبيل الله فهو عدل محرر، ومن شاب شيبة في سبيل الله كانت له نورًا يوم القيامة).
(وأيما رجل أعتق رجلًا مسلمًا فإن الله -﷿- جاعل كل عظم من
_________________
(١) أخرجه البخاري في المغازي باب غزاة أوطاس حديث رقم: ٤٣٢٣، مسلم في فضائل الصحابة باب من فضائل أبي موسى وأبي عامر، حديث رقم: ٢٤٩٨، والنسائي في الكبرى كما جاء في تحفة الأشراف لمعرفة الأطراف حديث رقم: ٩٠٤٦، وابن جرير الطبري: ٢/ ٣٥١.
[ ٤٤٧ ]
عظامه، وفاء كل عظم بعظم، وأيما امرأة مسلمة أعتقت امرأة مسلمة، فإن الله -﷿- جاعل كل عظم من عظامها وفاء كل عظم من عظام محررها من النار) واللفظ لأحمد (١).
ب - نزول بعض العبيد من الطائف وإعتاق النبي لهم:
٧٠٥ - من حديث أبي عثمان النهدي قال: "سمعت سعدًا، وهو أول من رمى بسهم في سبيل الله وأبا بكرة، وكان تسور حصن الطائف في أناس، فجاء إلى النبي - ﷺ -، فقالا: سمعنا النبي - ﷺ - يقول: "من ادعى إلى غير أبيه، وهو يعلم، فالجنة عليه حرام).
وقال هشام، وأخبرنا معمر عن عاصم عن أبي العالية، أو أبي عثمان النهدي -قال: سمعت سعدًا وأبا بكرة عن النبي - ﷺ -، قال: عاصم: قلت: لقد شهد عندك رجلان حسبك بهما. قال: أجل، أما أحدهما فأول من رمى بسهم في سبيل الله، وأما الآخر فنزل إلى النبي - ﷺ - ثالث ثلاثة وعشرين من الطائف" (٢).
جـ - إذن الرسول - ﵇ - بالقفول من الطائف:
٧٠٦ - من حديث ابن عمر ﵄ قال: "حاصر رسول الله - ﷺ - أهل الطائف، فلم ينل منهم شيئًا، قال: (إنا قافلون غدًا -إن شاء الله). فقال المسلمون: أنرجع ولم نفتحه؟ فقال لهم رسول الله - ﷺ -: (اغدوا على القتال غدًا)، فأصابهم جراح فقال لهم رسول الله - ﷺ -: (إنا قافلون غدًا إن شاء الله)،
_________________
(١) أخرجه أبو داود في العتق باب أي الرقاب أفضل حديث رقم: ٣٩٦٥، الترمذي فضائل الجهاد باب ما جاء في فضل الرمي في سبيل الله حديث رقم: ١٦٣٨، باختصار وقال حديث صحيح، والنسائي في الجهاد باب ثواب من رمى سهم في سبيل الله: ٦/ ٢٦، ٢٨، ابن ماجه في الجهاد باب الرمي في سبيل الله حديث رقم: ٢٨١٢، وأحمد: ٤/ ١١٣، والحاكم: ٣/ ٤٩ - ٥٠، وقال صحيح عال، ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، والحديث صحيح كما قالوا أخرجه بعضهم بطوله وبعضهم باختصار.
(٢) أخرجه البخاري في المغازي باب غزوة الطائف حديث رقم: ٤٣٢٦، ٤٣٢٧، ابن سعد: ٢/ ١٥٩، ١٦٠، و٧/ ١٥، وقد ذكر الطبراني بسند لا بأس به عن أبي بكرة أنه تدلى من حصن الطائف ببكرة فكني أبا بكرة" ذكر ذلك الحافظ في الفتح: ٨/ ٤٥. وقد جاء عند أحمد في المسند: ٤/ ١٦٨، ٣١٠، من حديث الشعبي عن رجل من ثقيف أن الرسول - ﵇ - كان يطلق من يأتيه من العبيد، وسنده رجاله ثقات فقال: "سألنا رسول الله - ﷺ -، أن يرد علينا أبو بكرة وكان عبدًا لنا أتى رسول الله - ﷺ -، وهو محاصر ثقيف، فأسلم فأبى أن يرده علينا، فقال: (هو طليق الله ثم طليق رسوله) ورجاله ثقات كما ذكرت.
[ ٤٤٨ ]
فأعجبهم ذلك، فضحك النبي - ﷺ -" (١).
د - دعاء الرسول ﷺ باهتداء ثقيف:
٧٠٧ - من حديث جابر بن عبد الله ﵄ قال: "قالوا: يا رسول الله أحرقتنا نبال ثقيف، فادع الله عليهم، قال: (اللهم اهد ثقيفًا) (٢).
١٦ - قسمة الغنائم:
أ - طريقته في القسمة:
٧٠٨ - من حديث عمرو بن تغلب ﵁ قال: "أعطى رسول الله - ﷺ - قومًا، ومنع آخرين، فكأنهم عتبوا عليه فقال: (إني أعطي أقوامًا أخاف هلعهم وجزعهم، وأكل قومًا إلى ما جعل الله في قلوبهم من الخير والغنى منهم عمرو ابن ثعلب).
قال عمرو: فما أحب أن لي بكلمة رسول الله - ﷺ - حمر النعم".
وفي لفظ آخر: "أن رسول الله - ﷺ - أتي بمال، أو سبي - فقسمه، فأعطى رجالًا، وترك رجالًا. فبلغه أن الذين ترك عتبوا، فحمد الله، ثم أثنى عليه، ثم قال: (أما بعد، فوالله إني لأعطي الرجل والذي أدع أحب إلي من الذي أعطي، ولكني أعطي أقوامًا لما أرى في قلوبهم من الجزع والهلع، وأكل أقوامًا إلى ما جعل الله في قلوبهم من الغنى والخير، فيهم عمرو بن ثغلب)، فوالله ما أحب أن لي بكلمة رسول الله عليه وسلم حمر النعم" (٣).
_________________
(١) أخرجه البخاري في المغازي باب غزوة الطائف الحديث رقم: ١٧٧٨، مسلم في الجهاد والسير باب غزوة الطائف حديث رقم: ١٧٧٨، وجاء في رواية مسلم عن عبد الله بن عمرو بدلًا من عبد الله بن عمر، والصواب هو الثاني والله أعلم كما صوبه الدارقطني وأبو مسعود الدمشقي في الأطراف، والحميدي في الجمع بين الصحيحين في مسند ابن عمر، وأخرجه أحمد في المسند: ٢/ ١١.
(٢) أخرجه الترمذي في المناقب باب مناقب ثقيف وبني حنيفة حديث رقم: ٣٩٤٢، وقال: حديث حسن صحيح غريب، وأحمد: ٣/ ٣٤٣، ورجاله ثقات.
(٣) أخرجه البخاري في الجمعة باب من قال في الخطبة بعد الثناء أما بعد حديث رقم: ٩٢٣، وجاء عنده أيضًا بأرقام: ٣١٤٥، ٧٥٣٥، وأحمد في المسند: ٥/ ٦٩.
[ ٤٤٩ ]
ب - إعطاؤه لصفوان بن أمية:
٧٠٩ - من حديث ابن شهاب قال: "غزا رسول الله - ﷺ - غزوة الفتح، فتح مكة، ثم خرج رسول الله - ﷺ - بمن معه من المسلمين، فاقتتلوا بحنين، فنصر الله دينه والمسلمين، وأعطى رسول الله - ﷺ - يومئذ صفوان بن أمية مائة من النعم، ثم مائة. ثم مائة.
قال ابن شهاب: حدثني سعيد بن المسيب أن صفوان قال: والله! لقد أعطاني رسول الله - ﷺ - ما أعطاني، وإنه لأبغض الناس إلي. فما برح يعطيني حتى إنه لأحب الناس إلي) (١).
جـ - إعطاؤه لأبي سفيان بن حرب:
٧١٠ - من حديث رافع بن خديج ﵁ قال: "أعطى رسول الله - ﷺ - أبا سفيان بن حرب، وصفوان بن أمية، وعيينة بن حصن والأقرع بن حابس كل إنسان منهم، مائة من الإبل. وأعطى عباس بن مرداس دون ذلك. فقال عباس بن مرداس:
أتجعل نهبي ونهب العبيد بين عيينة والأقرع
فما كان بدر ولا حابس يفوقان مرداس في المجمع
وما كنت دون امرئ منهما ومن تخفض اليوم لا يرفع
قال: فأتم له رسول الله - ﷺ - مائة" (٢).
د - الأعرابي الجلف ورفض البشرى:
٧١١ - من حديث أبي موسى الأشعري ﵁ قال: "كنت عند النبي - ﷺ - وهو نازل بالجعرانة بين مكة والمدينة ومعه بلال، فأتى النبي - ﷺ - أعرابي، فقال: ألا تنجز لي ما وعدتني؟ فقال له: (أبشر). فقال: قد أكثرت علي من أبشر. فأقبل على أبي موسى وبلال كهيئة الغضبان، فقال: (رد البشرى،
_________________
(١) أخرجه مسلم في الفضائل باب ما سئل رسول الله - ﷺ - شيئًا في فقال: لا وكثرة عطائه حديث: ٢٣١٣، والترمذي في الزكاة باب ما جاء في إعطاه المؤلفة قلوبهم حديث رقم: ٦٦٦، وأحمد: ٦/ ٤٦٥، وابن سعد: ٥/ ٤٤٩.
(٢) أخرجه مسلم في الزكاة باب إعطاء المؤلفة قلوبهم على الإسلام وتصبر من قوي إيمانه حديث: ١٠٦٠.
[ ٤٥٠ ]
فأقبلا أنتما). قالا: قبلنا، ثم دعا بقدح فيه ماء فغسل يديه ووجه فيه، ومج فيه ثم قال: اشربا منه، وأفرغا على وجوهكما ونحوركما وأبشرا، فأخذا القدح ففعلا. فنادت أم سلمة من وراء الستر أن أفضلا لأمكما، فأفضلا لها منه طائفة" (١).
هـ - مقولة المنافق اعدل فإنك لم تعدل:
٧١٢ - من حديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال: "فلما كان يوم حنين آثر رسول الله - ﷺ - ناسًا في القسمة، فأعطى الأقرع بن حابس مائة من الإبل، وأعطى عيينة مثل ذلك، وأعطى أناسًا من أشراف العرب، وآثرهم يومئذ في القسمة. فقال رجل: والله إن هذه لقسمة ما عدل فيها، وما أريد فيها وجه الله.
قال: فقلت: والله! لأخبرن رسول الله - ﷺ -. قال: فأتيته، فأخبرته بما قال: قال: فتغير وجهه حتى كان كالصرف. ثم قال: (فمن يعدل إن لم يعدل الله ورسوله) قال: ثم قال: (يرحم الله موسى. قد أوذي بأكثر من هذا فصبر) قال: قلت: لا جرم لا أرفع إليه بعدها حديثًا" واللفظ لمسلم (٢).
و- خطبته ﷺ بعد توزيع الغنائم:
٧١٣ - من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: "شهدت رسول الله - ﷺ - يوم حنين، وجاءته وفود هوازن فقالوا: يا محمد إنا أصل (٣) وعشيرة، فمنَّ علينا منَّ الله عليك، فإنه قد نزل بنا من البلاء ما لا يخفى عليك، فقال: (اختاروا بين نسائكم وأموالكم وأبنائكم) فقالوا: خيرتنا بين أحسابنا وأموالنا نختار أبناءنا، فقال: (ما كان لي ولبني عبد المطلب، فهو لكم، فإذا صليت الظهر قولوا: إنا نستشفع برسول الله على المؤمنين، وبالمؤمنين على رسول الله - ﷺ - في نسائنا وأبنائنا).
_________________
(١) أخرجه البخاري في المغازي باب غزوة الطائف حديث: ٤٣٢٨، مسلم فضائل الصحابة باب من فضائل أبي موسى الأشعري وأبي عامر حديث رقم: ٢٤٩٧.
(٢) أخرجه البخاري في المغازي باب غزوة الطائف حديث رقم: ٤٣٣٦، مسلم في الزكاة باب إعطاء المؤلفة قلوبهم على الإِسلام وتصبر من قوي إيمانه حديث: ١٠٦٢، وأحمد كما في الفتح الرباني: ٢١/ ١٨٠ وقد جاء من حديث جابر بن عبد الله عند مسلم: ١٠٦٣، وابن ماجة: ١٧٢، والبيهقي في الدلائل: ٥/ ١٨٥، ومن حديث أبي سعيد الخدري عند البخاري في المناقب باب علامات النبوة في الإِسلام حديث رقم: ٣٦١٠، ومسلم في الزكاة حديث رقم: ١٠٦٤/ ١٤٨، البيهقي في الدلائل: ٥/ ١٨٨.
(٣) أنا أصل: يريدون أن رسول الله استرضع في بني سعد، وأن أمه من الرضاع حليمة السعدية.
[ ٤٥١ ]
قال: ففعلوا فقال رسول الله - ﷺ -: (أما ما كان لي ولبني عبد الطلب فهو لكم)، وقال المهاجرون: ما كان لنا فهو لرسول الله - ﷺ -، وقالت الأنصار مثل ذلك، وقال عيينة بن بدر: أما ما كان لي ولبني فزارة فلا، وقال الأقرع ابن حابس: أما أنا وبنو تميم فلا، وقال عباس بن مرداس: أما أنا وبنو سليم فلا.
فقال الحيان: كذبت بل هو لرسول الله - ﷺ -. فقال رسول الله - ﷺ -: (يا أيها الناس ردوا عليهم نساءهم وأبناءهم، فمن تمسك بشيء من الفيء، فله علينا ستة فرائض من أول شيء يفيئه الله علينا).
وفي رواية "فردوا على الناس أبناءهم ونساءهم ثم ركب راحلته، وتعلق به الناس يقولون: اقسم علينا فيئنا بيننا، حتى ألجأوه إلى سمرة (١) فخطفت رداءه، فقال: (يا أيها الناس ردوا علي ردائي، فوالله لو كان لكم بعدد شجر تهامة نعم لقسمته بينكم ثم لا تلقوني بخيلًا ولا جبانًا ولا كذوبًا).
ثم دنا من بعيره، فأخذ وبرة من سنامه، فجعلها بين أصابعه السبابة والوسطى، ثم رفعها، فقال: (يا أيها الناس ليس لي من هذا الفيء ولا هذه إلا بالخمس، والخمس مردود عليكم، فردوا الخياط والمخيط، فإن الغلول يكون على أهله يوم القيامة عارًا ونارًا وشنارًا).
فقام رجل معه كبة من شعر فقال: إني أخذت هذه أصلح بها بردعة بعير لي دبر، قال: (أما ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لك)، فقال الرجل: يا رسول الله أما إذ بلغت ما أرى فلا أرب لي بها ونبذها" (٢).
١٧ - مجيء وفد هوازن مسلمين وإعادة السبي لهم:
قد سبق طرف من هذا في الحديث الذي سبق من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وقد جاء أيضًا بشيء من الزيادة والتفصيل وأكثر صحة من الحديث
_________________
(١) سمرة: ضرب من شجر الطلح له شوك.
(٢) أخرجه أحمد في المسند: ٢/ ١٨٤، ابن هشام في السيرة: ٢/ ٤٨٨، ٤٩٠ والبيهقي في الدلائل: ٥/ ١٩٤ - ١٩٦، أبو داود: ٢٦٩٤، ابن الجارود: ١٠٨٠، والنسائي: ٢/ ١٧٨ وقال الهيثمي في المجمع: ٦/ ١٨٧ - ١٨٨: رواه أبو داود باختصار كثير، ورواه أحمد، ورجال أحمد أسانيده ثقات، وحسنه الحافظ ابن حجر في الفتح: ٨/ ٣٤، وهو كما قال الحافظ، وقد جاء أيضًا من حديث عبادة بن الصامت عند الحاكم: ٣/ ٤٩، مقطع الخطبة فقط، ومن حديث عمرو بن عبسة عند البيهقي: ٦/ ٣٣٩ ومن حديث جبير بن مطعم عند البخاري برقم: ٢٨٢١، ٣١٤٨.
[ ٤٥٢ ]
الذي ذكرت:
٧١٤ - من حديث مروان بن الحكم والمسور بن مخرمة: "أن رسول الله - ﷺ - قام حين جاءه وفد هوازن مسلمين، فسألوه أن يرد إليهم أموالهم وسبيهم، فقال لهم رسول الله - ﷺ -: (معي من ترون، وأحب الحديث إلي أصدقه، فاختاروا إحدى الطائفتين: إما السبي وإما المال. وقد كنت استأنيت بكم) وكان أنظرهم رسول الله - ﷺ - بضع عشرة ليلة حين قفل من الطائف فلما تبين لهم أن رسول الله - ﷺ - غير راد إليهم إلا إحدى الطائفتين. قالوا: فإنا نختار سبينا.
فقام رسول الله - ﷺ - في المسلمين، فأثنى على الله بما هو أهله ثم قال: (أما بعد فإن إخوانكم قد جاءونا تائبين، وإني قد رأيت أن أرد إليهم سبيهم، فمن أحب منكم أن يطيب ذلك فليفعل، ومن أحب منكم أن يكون على حظه حتى نعطيه إياه من أول ما يفيء الله علينا فليفعل). فقال الناس: قد طبنا بذلك يا رسول الله. فقال رسول الله - ﷺ -: (إنا لا ندري من أذن منكم في ذلك ممن لم يأذن. فارجعوا حتى يرفع إلينا عرفاؤكم أمركم)، فرجع الناس، فكلمهم عرفاؤهم، ثم رجعوا إلى رسول الله - ﷺ -، فأخبروه أنهم قد طيبوا وأذنوا. هذا الذي بلغني عن سبي هوازن" (١).
١٨ - مقولة الأنصار في تقسيم الغنائم وخطاب النبي لهم:
لقد جاءت هذه المقولة من حديث عبد الله بن زيد، وأنس بن مالك، وأبي سعيد الخدري، وأبي هريرة ﵃، ورواياتهم بعضها فيها طول وبعضها فيها اختصار، وسنوردها جميعًا لأن كل حديث من هذه الأحاديث فيه ما ليس في الآخر:
٧١٥ - من حديث عبد الله بن زيد ﵁: "أن رسول الله - ﷺ - لما فتح حنينًا قسم الغنائم، فأعطى المؤلفة قلوبهم، فبلغه أن الأنصار يحبون أن يصيبوا ما أصاب الناس فقام رسول الله - ﷺ -، فخطبهم، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: (يا معشر الأنصار! ألم أجدكم ضلالًا فهداكم الله بي؟ وعالة (٢) فأغناكم
_________________
(١) أخرجه البخاري في المغازي باب قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ﴾ حديث رقم: ٤٣١٨، ٤٣١٩، أحمد في المسند: ٤/ ٣٢٦، ٣٢٧، أبو داود: ٢٦٩٣، البيهقي: ٩/ ٦٤.
(٢) عالة: أي فقراء.
[ ٤٥٣ ]
الله بي؟ ومتفرقين (١) فجمعكم الله بي) ويقولون: الله ورسوله أمنُّ. فقال: (ألا تجيبوني؟) فقالوا: الله ورسوله أمن. فقال: (أما إنكم لو شئتم أن تقولوا كذا وكذا)، وكان من الأمر كذا وكذا" لأشياء عددها. زعم عمرو أن لا يحفظها.
فقال: (ألا ترضون أن يذهب الناس بالشاء (٢) والإبل، وتذهبون برسول الله إلى رحالكم؟ الأنصار شعار والناس دثار (٣)، ولولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار، ولو سلك الناس واديًا وشعبًا، لسلكت وادي الأنصار وشعبهم. إنكم ستلقون بعدي أثرة فاصبروا حتى تلقوني على الحوض) (٤) اللفظ لمسلم.
٧١٦ - من حديث أنس بن مالك ﵁ قال: "إن أناسًا من الأنصار قالوا يوم حنين، حين أفاء الله على رسوله من أموال هوازن ما أفاء (٥)، فطفق رسول الله - ﷺ - يعطي رجالًا من قريش. المائة من الإبل، فقالوا: يغفر الله لرسول الله، يعطي قريشًا، ويتركنا، وسيوفنا تقطر من دمائهم! " (٦).
قال أنس بن مالك: فحدث ذلك رسول الله - ﷺ -، من قولهم. فأرسل إلى الأنصار فجمعهم في قبة من أدم (٧). فلما اجتمعوا جاءهم رسول الله - ﷺ - فقال: (ما حديث بلغني عنكم) فقال له فقهاء الأنصار: أما ذوو رأينا، يا رسول الله! فلم يقولوا شيئًا. وأما أناس منا حديثة أسنانهم قالوا: يغفر الله لرسوله، يعطي قريشًا ويتركنا، وسيوفنا تقطر من دمائهم!
_________________
(١) متفرقين: متدابرين يعادي بعضكم بعضًا.
(٢) الشاء: جمع شاه وهي الغنم.
(٣) الأنصار شعار والناس دثار: قال أهل اللغة: الشعار الثوب الذي يلي الجسد، والدثار فوقه ومعناه الأنصار هم البطانة والخاصة والأصفياء وألصق الناس بي من سائر الناس.
(٤) أخرجه البخاري في المغازي باب غزوة الطائف حديث رقم: ٤٣٣٠، مسلم في الزكاة باب إعطاء المؤلفة قلوبهم حديث رقم: ١٠٦١، وأحمد: ٤/ ٤٢.
(٥) ما أفاء: ما غنم من هوازن بعد هزيمتهم.
(٦) أخرجه البخاري في المغازي باب غزوة الطائف حديث رقم: ٤٣٣١، مسلم في الزكاة باب إعطاء المؤلفة قلوبهم على الإِسلام حديث رقم: ١٠٥٩/ ١٣٢، أحمد: ٣/ ١٦٩، ١٧٢، ١٨٨، ٢٤٦، ٢٤٩.
(٧) قبة من أدم: القبة من الخيام: بيت صغير مستدير والأدم الجلد.
[ ٤٥٤ ]
فقال رسول الله - ﷺ -: (فإني أعطي رجالًا حديثي عهد بكفر أتألفهم (١). أفلا ترضون أن يذهب الناس بالأموال، وترجعون إلى رحالكم (٢) برسول الله - ﷺ -؟ فوالله! لما تنقلبون به خير مما ينقلبون به) فقالوا: بلى يا رسول الله! قد رضينا. قال: (فإنكم ستجدون أثَرةً شديدة (٣)، فاصبروا حتى تلقوا الله ورسوله. فإني على الحوض). قالوا: سنصبر.
قال أنس: فلم نصبر" وفي لفظ آخر له: "قال: جمع رسول الله - ﷺ - الأنصار، فقال: (أفيكم أحد من غيركم؟ فقالوا: لا. إلا ابن أخت لنا، فقال رسول الله - ﷺ -: إن ابن أخت القوم منهم).
فقال: (إن قريشًا حديث عهد بجاهلية (٤) ومصيبة. وإني أردت أن أجبرهم (٥) وأتألفهم. أما ترضون أن يرجع الناس بالدنيا، وترجعون برسول الله إلى بيوتكم. لو سلكت الناس واديًا، وسلك الأنصار شعبًا (٦)، لسلكت شعب الأنصار) (٧).
٧١٦ - من حديث أبي سعيد الخدري ﵁: قال ابن إسحاق: حدثني عاصم بن عمر بن قتادة، عن محمود بن لبيد، عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: "لما أعطى رسول الله - ﷺ - ما أعطى من تلك العطايا، في قريش وفي قبائل العرب، ولم يكن في الأنصار منها شيء وجد هذا الحي من الأنصار في أنفسهم، حتى كثرت منهم المقالة (٨) حتى قال قائلهم: لقد لقي والله رسول الله - ﷺ - قومه، فدخل عليه سعد بن عبادة، فقال: يا رسول الله، إن هذا الحي من الأنصار قد وجدوا عليك في أنفسهم، لما صنعت في هذا الفيء الذي أصبت، قسمت في قومك، وأعطيت عطايا عظامًا في قبائل العرب، ولم يك في هذا
_________________
(١) أتألفهم: أستميل قلوبهم بالإحسان ليثبتوا على الإِسلام رغبة في المال.
(٢) رحالكم: منازلكم.
(٣) أثرة شديدة: الأثرة: الاستتثار: أي يستأثر عليكم ويفضل عليكم غيركم بغير حق.
(٤) حديث عهد بجاهلية: كانوا قريب عهد بجاهلية. أي أن زمانهم قريب من زمان الكفر.
(٥) أجبرهم: أي أفعل معهم ما ينجبر به خاطرهم وينسيهم مصيبتهم.
(٦) وسلك الأنصار شعبًا: قال الخليل: الشعب هو ما انفرج عن بين جبلين.
(٧) أخرجه البخاري في المغازي باب غزوة الطائف حديث رقم: ٤٣٣٤، مسلم في الزكاة باب إعطاء المؤلفة قلوبهم حديث رقم: ١٠٥٩/ ١٣٣، وأحمد في فضائل الصحابة: ١٤٣١، وفي المسند: ٣/ ١٦٥ - ١٦٦.
(٨) المقالة: الكلام الرديء.
[ ٤٥٥ ]
الحي من الأنصار منها شيء. قال: (فأين أنت من ذلك يا سعد؟) قال: يا رسول الله، ما أنا إلا من قومي، قال: (فأجمع لي قومك في هذه الحظيرة) (١).
قال: فخرج سعد، فجمع الأنصار في تلك الحظيرة. قال: فجاء رجال من المهاجرين، فتركهم فدخلوا، وجاء آخرون فرده. فلما اجتمعوا له أتاه سعد، فقال: قد اجتمع لك هذا الحي من الأنصار، فأتاهم رسول - ﷺ -، فحمد لله، وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: (يا معشر الأنصار: ما قالة بلغتني عنكم، وجدة (٢) وجدتموها علي في أنفسكم؟ الم آتكم ضلالًا فهداكم الله، وعالة (٣) فأغناكم الله، وأعداء فألف الله بين قلوبكم!) قالوا: بلى، الله ورسوله أمن وأفضل.
ثم قال: (ألا تجيبوني يا معشر الأنصار؟) قالوا: بماذا نجيبك يا رسول الله؟ لله ولرسوله المن والفضل. قال - ﷺ -: (أما والله لو شئتم لقلتم فلصدقتم، ولصُدقتم: أتيتنا مكذبًا فصدقناك، ومخذولًا (٤) فنصرناك، وطريدًا فآويناك. وعائلًا فآسيناك (٥)؟
وجدتم يا معشر الأنصار في أنفسكم في لعاعة (٦) من الدنيا تألفت بها قومًا ليسلموا، ووكلتكم إلى إسلامكم ألا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس بالشاة والبعير، وترجعوا برسول الله إلى رحالكم؟ فوالذي نفس محمَّد بيده، لولا الهجرة لكنت امرءًا من الأنصار، ولو سلك الناس شعبًا، وسلكت الأنصار شعبًا: لسلكت شعب الأنصار، اللهم ارحم الأنصار، وأبناء الأنصار، وأبناء أبناء الأنصار) (٧).
_________________
(١) الحظيرة: شبيه الزريبة التي تصنع للإبل والماشية لتمنعها، وتكف عنها العوادي.
(٢) الموجدة: العتاب.
(٣) عالة: جمع عائل: الفقير.
(٤) مخذولًا: متروكًا.
(٥) آسيناك: أعطيناك حتى جعلناك كأحدنا.
(٦) لعاعة: بقلة خضراء ناعمة شبه بها زهرة الدنيا ونعيمها.
(٧) أخرجه أحمد: ٣/ ٧٦ - ٧٧ - ٨٩، ابن جرير: ٢/ ٣٦٠، ٣٦١ وعبد الرزاق في المصنف: ١١/ ٦٤، وأبو يعلى كما في مجمع الزوائد: ١٠/ ٣٠، وأسانيدهم صحيحة، ابن كثير في سيرته: ٣/ ٦٧٨، ٦٧٩، ابن هشام في السيرة: ٢/ ٤٩٨ - ٤٩٩، وسنده صحيح.
[ ٤٥٦ ]
فوائد هذه القصة وعبرها:
ذكر الحافظ ابن حجر ﵀ في الفتح فوائد نفيسة استخلصها من هذه الحادثة وما قال الرسول - ﷺ - للأنصار، وما قالوا له، أذكرها لعظيم نفعها، وجزالة معانيها، ولما احتوته في طياتها من الخير العظيم، قال ﵀: وبعد شرحه حديث عبد الله بن زيد وبيانه للكثير من معانيه.
وفي الحديث من الفوائد غير ما تقدم: إقامة الحجة على الخصم، وإفحامه بالحق عند الحاجة إليه، وحسن أدب الأنصار في تركهم المحاورة، والمبالغة في الحياء، وبين أن الذي نقل عنهم إنما كان عن شبانهم لا عن شيوخهم وكهولهم.
وفيه مناقب عظيمة لهم لما اشتمل من ثناء الرسول البالغ عليهم، وأن الكبير ينبه الصغير على ما يغفل عنه، ويوضح له وجه الشبهة ليرجع إلى الحق، وفيه المعاتبة واستعطاف المعاتب وإعتابه عن عتبه بإقامة حجة من عتب عليه، والاعتذار والاعتراف.
وفيه علم من أعلام النبوة لقوله: "ستلقون بعدي أثرة " فكان كما قال. وقد قال الزهري في روايته عن أنس في آخر الحديث قال أنس فلم يصبروا" وفيه أن للإمام تفضيل بعض الناس على بعض في مصارف الفيء، وأن له أن يعطي الغني منه للمصلحة، وأن من طلب حقه من الدنيا لا عتب عليه في ذلك.
وفيه مشروعية الخطبة عند الأمر الذي يحدث سواءً كان خاصًّا أم عامًّا، وفيه تسلية من فاته شيء من الدنيا مما حصل له من ثواب الآخرة، والحض على طلب الهداية والألفة والغنى وأن المنة لله ورسوله على الإطلاق، وتقديم جانب الآخرة على الدنيا، والصبر عما فات منها ليدخر ذلك لصاحبه في الآخرة، والآخرة خير وأبقى" (١).
_________________
(١) فتح الباري: ٨/ ٥٢.
[ ٤٥٧ ]
١٩ - عمرة النبي -﵇- من الجعرانة:
وقد ذكر هذه العمرة أصحاب المغازي والسير مثل عروة بن الزبير، وموسى بن عقبة وابن إسحاق، وابن هشام، وابن حبان، والواقدي، وقد أنكره ابن عمر ﵁، ونقل ذلك عنه مولاه نافع، أخرج البخاري من طريق أيوب عن نافع قال: لم يعتمر رسول الله - ﷺ - من الجعرانة، ولو اعتمر لم يخف على عبد الله.
وأخرج مسلم من هذا الوجه عن نافع قال: ذكر عند ابن عمر ﵄ عمرة رسول الله من الجعرانة، فقال: لم يعتمر منها، وهذا الذي نفاه قد أثبته غيرهما والمثبت مقدم على النافي.
قال النووي: هذا محمول على نفي علمه، أي أنه لم يعلم بذلك، وقد ثبت أن النبي - ﷺ - اعتمر من الجعرانة، والإثبات مقدم على النفي لما فيه من زيادة العلم، وقد ذكر مسلم في كتاب الحج اعتمار النبي - ﷺ - من الجعرانة عام حنين من رواية أنس ﵁.
وحديث أنس أخرجه أحمد والشيخان وأبو داود والترمذي، وقد ورد من حديث ابن عباس، أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجة وحسنه الترمذي، ومن حديث جابر رواه البزار والطبراني في الأوسط ورجاله رجال الصحيح كما قال الهيثمي، ومن حديث محرش الكعبي رواه أحمد والحميدي وأبو داود والترمذي والنسائي، قال الحافظ ابن كثير: قد أطبق النقلة ممن عداهما على رواية ذلك من أصحاب الصحاح والسنن، والمسانيد، وذكر ذلك أصحاب المغازي والسير كلهم.
ووجه الخفاء في القضية ما جاء في حديث محرش الكعبي "أن رسول الله خرج ليلًا معتمرًا، فدخل مكة ليلًا، فقضى عمرته ثم خرج من ليلته، فأصبح بالجعرانة كبائت" إلى آخر الحديث، وفيه: "ومن أجل ذلك خفيت عمرته على الناس".
٧١٧ - من حديث أنس ﵁ قال: "اعتمر رسول الله - ﷺ - أربع عمر كلهن في ذي القعدة إلا التي كانت مع حجته، عمرة من الحديبية في ذي القعدة، وعمرة من العام المقبل في ذي القعدة، وعمرة من الجعرانة حيث قسم غنائم حنين
[ ٤٥٨ ]
في ذي القعدة، وعمرة مع حجته" (١).
٧١٨ - من حديث ابن عباس ﵁ قال: "اعتمر رسول الله - ﷺ - أربع عمر، عمرة الحديبية والثانية حين تواطؤا على عمرة من قابل، والثالثة من الجعرانة، والرابعة التي قرن مع حجته" (٢).
٧١٩ - من حديث يعلى بن منبه ﵁ قال: "جاء رجل إلى النبي - ﷺ -، وهو بالجعرانة وعليه جبة، وعليها خلوق، أو قال: أثر صفرة، فقال: كيف تأمرني أصنع في عمرتي؟ قال: وأنزل على النبي - ﷺ - الوحي، فستر بثوب، وكان يعلى يقول: وددت أني أرى النبي - ﷺ -، وقد أنزل الوحي عليه، قال: فرفع عمر طرف الثوب عنه، فنظرت إليه، فإذا له غطيط "قال" وأحسبه كغطيط البكر، فلما سري عنه قال: (أين السائل عن العمرة؟ اغسل عنك الصفرة، أو قال أثر الخلوق، واخلع عنك جبتك، واصنع في عمرتك ما أنت صانع في حجتك).
قال: وأتى النبي - ﷺ - رجل قد عض رجلًا، فانتزع يده، فسقطت ثنيتا الذي عضه، قال: فأبطلها النبي - ﷺ -، وقال: (أردت أن تقضمه كما يقضم الفحل) (٣).
_________________
(١) سبق تخريجه حديث رقم: ٤٨٣، أول غزوة الحدييبة.
(٢) أخرجه أحمد في المسند: ٢٢١١، والترمذي: ٨١٦، في الحج باب ما جاء كم اعتمر النبي - ﷺ -، وابن ماجة: ٣٠٠٣، في المناسك باب كم اعتمر النبي - ﷺ -، وأبو داود: ١٩٩٣، في الحج باب العمرة، وسنده صحيح.
(٣) أخرجه البخاري في فضائل القرآن باب نزل القرآن بلسان قريش، حديث رقم: ٤٩٨٥ مسلم في الحج باب ما يباح للمحرم بحج أو عمرة، وما لا يباح وبيان تحريم الطيب عليه حديث رقم: ١١٨٠.
[ ٤٥٩ ]
المبحث الثالث: ابن اللتبية الأزدي وجمع الصدقات
لما رجع الرسول - ﷺ - إلى المدينة، ودخلت سنة تسع للهجرة بعث رسول الله - ﷺ - المصدقين ليأخذوا الصدقات من الأعراب، وكان من بينهم ابن اللتبية الأزدي، وله قصة في جمع الصدقة أسوقها هنا لطرافتها:
٧٢٠ - من حديث أبي حميد الساعدي ﵁ قال: "استعمل رسول الله - ﷺ - رجلًا من الأزد يقال له ابن اللتبية على الصدقة، فلما قدم، قال: هذا لكم، وهذا أهدي لي"، فقام رسول الله - ﷺ - على المنبر، فحمد الله، وأثنى عليه، وقال: (ما بال عامل أبعثه فيقول: هذا لكم، وهذا أهدي لي، أفلا قعد في بيت أبيه أو بيت أمه حتى ينظر أيهدى إليه أم لا، والذي نفس محمد بيده، لا ينال أحد منكم منها شيئًا إلا جاء به يوم القيامة يحمله على عنقه إن كان بعيرًا له رغاء، أو بقرة لها خوار، أو شاة تيعر)، ثم رفع يديه حتى رأينا عفرتي إبطيه، ثم قال: (اللهم هل بلغت مرتين) (١).
المبحث الرابع: إسلام عدي بن حاتم الطائي
٧٢١ - من حديث أبي عبيدة بن حذيفة عن عدي بن حاتم ﵁: قال أبو عبيدة: كنت أحدَّثُ عن عدي بن حاتم فقلت هذا عدي في ناحية الكوفة، فلو أتيته، فكنت أنا الذي أسمعه منه، فأتيته فقلت: إني كنت أحدث عنك حديثًا، فأردت أن أكون أنا الذي أسمعه منك. قال: لما بعث الله عر وجل النبي - ﷺ - فررت منه حتى كنت في أقصى أرض المسلمين مما يلي الروم.
قال: فكرهت مكاني الذي أنا فيه حتى كنت له أشد كراهية له مني من حيث جئت، قال: قلت: لأتين هذا الرجل فوالله إن كان صادقًا فلأسمعن منه، وإن كان كاذبًا ما هو بضائري.
قال: فأتيته واستشرفني الناس وقالوا: عدي بن حاتم، عدي بن حاتم،
_________________
(١) أخرجه البخاري: في الجمعة باب من قال في الخطبة بعد الثناء: أما بعد رقم: ٩٢٥، وانظر أرقام: ١٥٠٠، ٢٥٩٧، ٦٦٣٦، ٦٩٧٩، ٧١٧٤، ٧١٩٧، ومسلم في الإمارة، باب محاسبة الإِمام عماله رقم: ١٨٣٢، وأبو داود في الخراج والإمارة باب في هدايا العمال رقم: ٢٩٤٦، والبيهقي في السنن ٧/ ١٦، ١٠/ ١٣٨، والحميدي في مسنده رقم: ٨٤٠، وأحمد في المسند: ٥/ ٤٢٣، ٤٣٢٤.
[ ٤٦٠ ]
قال: أظنه قال ثلاث مرار، قال: فقال لي: (يا عدي بن حاتم أسلم تسلم)، قال: قلت: إني من أهل دين. قال: (يا عدي بن حاتم أسلم تسلم). قال: قلت: إلى من أهل دين، قالها ثلاثًا. قال: (أنا أعلم بدينك منك). قال: قلت: أنت أعلم بديني مني؟ قال: (نعم) قال: (أليس ترأس قومك؟) قال: قلت: بلى. قال: فذكر محمد الركوسية قال كلمة التمسها يقيمها فتركها قال: (فإنه لا يحل في دينك المرباع).
قال: فلما قالها، تواضعت لها. قال: (وإني قد أرى أن مما يمنعك خصاصة تراها ممن حولي، وأن الناس علينا إلبًا واحدًا هل تعرف مكان الحيرة؟) قال: قلت: قد سمعت بها ولم آتها. قال: (لتوشكن الظعينة أن تخرج منها بغير جوار حتى تطوف بالكعبة، ولتوشكن كنوز كسرى بن هرمز تفتح)، قال: قلت: كسرى بن هرمز؟، قال: (كسرى بن هرمز ثلاث مرات)، (وليوشكن أن يبتغي من يقبل ماله منه صدقة فلا يجد)، قال: فلقد رأيت اثنتين، قد رأيت الظعينة تخرج من الحيرة بغير جوار حتى تطوف بالكعبة وكنت في الخيل التي أغارت على المدائن، وأيم الله لتكونن الثالثة إنه لحديث رسول الله - ﷺ - حدثنيه) (١).
_________________
(١) أخرجه أحمد في المسند: ٤/ ٣٧٧ - ٣٧٨، وإسناده حسن، الحاكم: ٤/ ٥١٨ - ٥١٩، والبيهقي في الدلائل: ٥/ ٣٤٣، وابن حبان كما في الإحسان: ٨/ ٢٣٧، رقم: ٦٦٤٤، وأورده ابن الأثير في أسد الغابة: ٤/ ٨، وجاء من طريق آخر من حديث سماك بن حرب عن عباد بن حببش عن عدي، وأخرجه أحمد: ٤/ ٣٧٨، ابن هشام في السيرة: ٢/ ٥٧٨ - ٥٨١، وقال الهيثمي في المجمع: رواه أحمد والطبراني، ورجاله رجال الصحيح غير عباد بن حبيش وهو ثقة: ٦/ ٢٠٨، وقد جاء جزء من هذا الحديث السابق من حديث عدي بن حاتم، وهو المتعلق ببشريات الرسول - ﵇ - لعدي عن الحيرة وكنوز كسرى وفيض المال وقد أخرجه البخاري في الصحيح في المناقب باب علامات النبوة حديث رقم: ٣٥٩٥، وأحمد: ٤/ ٢٥٧ - ٣٧٩.
[ ٤٦١ ]
الفصل العاشر غزوة تبوك أو غزوة العسرة
١ - ما تبوك:
تبوك اسم مشهور في القديم والحديث وقد وصفها ياقوت في معجم البلدان فقال: تبوك بالفتح ثم بالضم وواو ساكنة، وكان موضعًا بين وادي القرى والشام، وقيل بركة لأبناء سعد من بني عذرة.
وقال أبو زيد: "تبوك بين الحجر وأول الشام على أربع مراحل من الحجر، نحو نصف طريق الشام، وهو حصن به عين ونخل وحائط ينسب إلى النبي - ﷺ -، وقال ياقوت: وتبوك تقع بين جبل حسمي وجبل شروري، حسمي غربيها وشروري شرقيها، وبين تبوك والمدينة اثنتا عشرة مرحلة".
٢ - وقتها:
قال الحافظ في الفتح: "كانت غزوة تبوك في شهر رجب من سنة تسع قبل حجة الوداع بلا خلاف، وعند ابن عائذ من حديث ابن عباس أنها كانت بعد الطائف بستة أشهر، وليس مخالفًا لقول من قال في رجب إذا حذفنا الكسور لأنه - ﷺ - قد دخل المدينة من رجوعه من الطائف في ذي الحجة" (١).
وقد قال ابن إسحاق: "إن رسول الله - ﷺ - أمر أصحابه بالتهيؤ لغزو الروم، وذلك في زمان من عسرة الناس، وشدة من الحر، وجدب من البلاد، وحين طابت الثمار، والناس يحبون المقام في ثمارهم وظلالهم، ويكرهون الشخوص على الحال من الزمان الذي هم عليه، وكان رسول الله - ﷺ - قلما يخرج في غزوة إلا كنى عنها، وأخبر أنه يريد غير الوجه الذي يصمد (٢) له إلا ما كان من غزوة تبوك، فإنه بينها للناس، لبعد الشقة، وشدة الزمان، وكثرة العدو الذي يصمد له، ليتأهب الناس لذلك أهبته، فأمر الناس بالجهاز، وأخبرهم أنه يريد الروم" (٣).
_________________
(١) فتح الباري: ٨/ ١١١، سيرة ابن كثير: ٤/ ٤، ابن هشام: ٢/ ٥١٦، زاد المعاد: ٣/ ٥٢٦، ابن سعد: ٢/ ١٦٥، ١٦٨.
(٢) يصمد: يقصد.
(٣) سيرة ابن هشام: ٢/ ٥١٦.
[ ٤٦٢ ]
٣ - لم سميت غزوة العسرة:
قال القرطبي في تفسير قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ﴾: "أي وقت العسرة والمراد جميع أوقات تلك الغزوة، ولم يرد ساعة بعينها، وقيل: ساعة العسرة أشد الساعات التي مرت بهم في تلك الغزاة. والعسرة صعوبة الأمر.
قال جابر: اجتمع عليهم عسرة الظهر، وعسرة الزاد، وعسرة الماء. قال الحسن: كانت العشرة من المسلمين يخرجون على بعير يعتقبونه بينهم، وكان زادهم التمر المتسوس والشعير المتغير والإهالة المنتنة، وكان النفر يخرجون ما معهم -إلا التمرات بينهم، فهذا بلغ الجوع من أحدهم أخذ التمر فلاكها حتى جيد طعمها، ثم يعطيها صاحبه حتى يشرب عليها جرعة من ماء كذلك حتى تأتي على آخرهم، فلا يبقى من التمرة إلا النواة. فمضوا مع النبي - ﷺ - على صدقهم ويقينهم ﵃. وقال عمر ﵁ وقد سئل عن ساعة العسرة: خرجنا في قيظ شديد، فنزلنا منزلًا أصابنا فيه عطش شديد حتى ظننا أن رقابنا ستنقطع من العطش، وحتى إن الرجل لينحر بعيره، فيعصر فرثه، فيشربه، ويجعل ما بقي على كبده. فقال أبو بكر: يا رسول الله، إن الله قد عودك في الدعاء خيرًا، فادع لنا. قال: (أتحب ذلك)، قال: نعم، فرفع يديه، فلم يرجعهما حتى أظلت السماء ثم سكبت فملأوا ما معهم، ثم ذهبنا ننظر فلم نجدها جاوزت العسكر.
وروى أبو هريرة وأبو سعيد قالا: كنا مع النبي - ﷺ - في غزوة تبوك، فأصاب الناس مجاعة وقالوا: يا رسول الله، لو أذنت لنا، فنحرنا نواضحنا، فأكلنا وادهنا. فقال رسول الله - ﷺ -: (افعلوا)، فجاء عمر وقال: يا رسول الله إن فعلوا قل الظهر، ولكن ادعهم بفضل أزوادهم، فادع الله عليها بالبركة لعل الله أن يجعل في ذلك البركة. قال: (نعم)، ثم دعا بنطع فبسط، ثم دعا بفضل الأزواد، فجعل الرجل يجيء بكف ذرة، ويجيء الآخر بكف تمر، ويجيء الآخر بكسرة حتى اجتمع النطع من ذلك شيء يسير.
قال أبو هريرة: فحزرته فإذا هو قدر ربضة العنز، فدعا رسول الله - ﷺ - بالبركة، ثم قال: (خذوا في أوعيتكم)، فأخذوا في أوعيتهم حتى والذي لا إله
[ ٤٦٣ ]
إلا هو- ما بقي في العسكر وعاء إلا ملأوه، وأكل القوم حتى شبعوا، وفضلت فضلة فقال النبي - ﷺ -: (أشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله لا يلقى الله بهما عبد غير شاكٍ فيهما فيحجب عن الجنة) أخرجه مسلم في صحيحه بلفظه ومعناه والحمد لله.
قال ابن عرفة: سمي جيش تبوك جيس العسرة لأن رسول الله - ﷺ - ندب الناس إلى الغزو في حمارة القيظ، فغلظ عليهم وعسر، وكان إبان إبتياع الثمرة، قال: وإنما ضرب المثل بجيش العسرة لأن رسول الله - ﷺ - لم يغز قبله في عدد مثله. لأن أصحابه يوم بدر كانوا ثلثمائة وبضعة عشر، ويوم أحد سبعمائة، ويوم خيبر ألفًا وخمسماية، ويوم الفتح عشرة آلاف، ويوم حنين اثني عشر ألفًا، وكان جيشه في غزوة تبوك ثلاثين ألفًا وزيادة، وهي آخر مغازيه - ﷺ -.
وخرج رسول الله - ﷺ - في رجب، وأقام بتبوك شعبان وأيامًا من رمضان، وبث سراياه وصالح أقوامًا على الجزية، وفي هذه الغزاة خلف عليًّا على المدينة فقال المنافقون: خلفه بغضًا له، فخرج خلف النبي - ﷺ - وأخبره فقال - ﵇ - (أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى) وبين أن قعوده بأمر النبي - ﷺ - يوازي في الأجر خروجه معه؛ لأن المدار على أمر الشارع.
وإنما قيل لها: غزوة تبوك لأن النبي - ﷺ - رأى قومًا من أصحابه يبوكون حسي تبوك، أي يدخلون فيه القدح ويحركونه ليخرج الماء، فقال: (ما زلتم تبوكونها بوكًا) فسميت تلك الغزوة غزوة تبوك" الحسين (بالكسر) ما تنشفه الأرض من الرمل فهذا صار إلى صلابة أمسكته، فتحفر عنه الرمل، فتستخرجه وهو الإحشاء قاله الجوهري" (١).
٤ - الإخبار عن وجهة الجيش:
كان من نهجه ﵊ أنه إذا أراد أن يغزو منطقة أو قومًا ورى عن المنطقة، أو عن القوم بأنه يريد آخرين، مثل أنه إذا كان يريد غزوة في الشمال سأل عن منطقة في الجنوب من أجل أن يخفي حركته وحركة الجيش الذي معه، ومن أجل أن لا يفوت على جيش المسلمين عنصر المفاجأة الذي يكون في كثير من الأحيان عنصرًا أساسيًّا من عناصر هزيمة القوم الذين يراد غزوهم، إلا أنه
_________________
(١) القرطبي في تفسيره الجامع لأحكام القرآن: ٨/ ٢٧٨.
[ ٤٦٤ ]
في هذه الغزوة أعلن عن وجهته التي يريد؛ لأن العدو كثير، والمسافة بعيدة، والحر شديد، فلا بد من الاستعداد والتزود.
٧٢٢ - من حديث كعب بن مالك ﵁ قال: "كان رسول الله - ﷺ - قلما يريد غزوة يغزوها إلا ورى (١) بغيرها، حتى كانت غزوة تبوك، فغزاها رسول الله - ﷺ - في حر شديد، استقبل سفرًا بعيدًا ومفازًا (٢) استقبل غزو عدد كثير، فجلا (٣) للمسلمين أمرهم ليتاهبوا أهبة (٤) عدوهم، أخبرهم بوجهه الذي يريد" (٥).
٥ - دعوة الرسول ﷺ المسلمين للتبرع لإعداد الجيش:
حث الرسول ﵊ أغنياء الصحابة على التصدق، وهو ما يسمى بلغة العصر التبرع -لتجهيز الجيش الإِسلامي الضخم الذي احتشد للخروج مع النبي - ﷺ - وإكمال تموينه؛ لأن بيت مال المسلمين بالمدينة ليس فيه ما يكفي لتموين وتجهيز هذا الجيش الكبير.
وما كاد الأغنياء وميسوري الحال من الصحابة يتبلغون نداء الرسول - ﷺ - الحاث على التصدق والتبرع لإكمال تجهيز الجيش المغازي هذا حتى تسابقوا إلى ميدان التبرع والتصدق طمعًا فيما عند الله تعالى من ثواب، وكان التبرع من هؤلاء الكرام على أعلى مستويات السخاء فتم للرسول - ﷺ - جمع أموال عظيمة من المتصدقين في وقت قليل جدًّا، تمكن بهذه الأموال من تموين الجيش وإكمال تجهيزه حيث وفر للجيش وسائل النقل، والأسلحة، والأكل لأفراده الذين لا يقدرون على أن يوفروها لأنفسهم من مالهم الخاص.
وكان من أعظم هؤلاء جميعًا سخاء عثمان بن عفان ﵁، فقد ضرب الرقم القياسي في البذل والسخاء حين جاء بالمال الكثير لتجهيز المقاتلين
_________________
(١) ورى: أوهم بغيرها.
(٢) المفاز: الفلاة التي لا ماء فيها.
(٣) جلا: أوضح لهم أمرهم.
(٤) الأهبة: أخذ ما يحتاجون إليه في سفرهم.
(٥) أخرجه البخاري في الجهاد، باب من أراد غزوة فورى بغيرها رقم: ٢٩٤٨، مسلم في التوبة، باب حديث توبة كعب بن مالك وصاحبية: ٢٧٦٩، وسيأتي مزيد في تخريجه عند ذكر قصة توبة كعب بن مالك وصاحبيه، فانظره هناك.
[ ٤٦٥ ]
وتموينهم جعلت رسول الله - ﷺ - يُسَّر جدًّا به ويرض عنه ويدعو له، فقد جاء:
٧٢٣ - من حديث عبد الرحمن بن سمرة ﵁ قال: "جاء عثمان بن عفان إلى النبي - ﷺ -: بألف دينار في ثوبه حين جهز النبي - ﷺ - جيش العسرة قال: فصبها في حجر النبي - ﷺ -، فجعل النبي - ﷺ - يقلبها بيده ويقول: (ما ضر ابن عفان ما عمل بعد اليوم يرددها مرارًا) (١).
٧٢٤ - وأما علبة بن زيد فخرج من الليل فصلى من ليلته ما شاء الله، ثم بكى، وقال: اللهم أنك قد أمرت بالجهاد، ورغبت فيه، ثم لم تجعل عندي ما أتقوى به مع رسول الله - ﷺ - ولم تجعل في يد رسولك ما يحملني عليه، وإني أتصدق على كل مسلم بكل مظلمة أصابني فيها مال أو جسد أو عرض.
ثم أصبح مع الناس، فقال رسول الله - ﷺ -: (أين المتصدق هذه الليلة؟) فلم يقم أحد، ثم قال: (أين المتصدق فليقم) فقام إليه فأخبره فقال رسول الله - ﷺ -: (أبشر فوالذي نفسي بيده لقد كتبت في الزكاة المتقبلة) (٢).
٦ - لمز المنافقين للمتصدقين:
٧٢٥ - من حديث أبي مسعود الأنصاري ﵁ قال: "لما أمرنا بالصدقة كنا نتحامل، فجاء أبو عقيل بنصف صاع، وجاء إنسان بأكثر منه، فقال المنافقون: إن الله لغني عن صدقة هذا، وما فعل هذا الآخر إلا رئاء فنزلت ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إلا جُهْدَهُمْ﴾ الآية" (٣).
_________________
(١) أخرجه الترمذي في سننه، كتاب المناقب، باب مناقب عثمان بن عفان حديث رقم: ٣٧٠١، وقال: حسن غريب من هذا الوجه، وأخرجه أحمد في المسند: ٥/ ٦٣، وإسناده حسن، والحاكم: ٣/ ١٠٢، وصححه، ووافقه الذهبي، وأبو نعيم في الحلية: ١/ ٥٩، وله شواهد ذكرها الحافظ ابن كثير في السيرة: ٤/ ٧، من حديث عبد الرحمن بن خباب السلمي الذي أخرجه الترمذي: ٣٧٠١، وأحمد: ٤/ ٢٧٥، وفيه فرقد أبو طلحة لا يعرف، وباقي رجاله ثقات. ومن حديث الأحنف بن قيس الذي أخرجه الطيالسي والنسائي: ٦/ ٢٣٤. وقال الحافظ في الإصابة: ٢/ ٤٥٥، وجاء من طرق كثيرة شهيرة صحيحة عن عثمان أنه لما حصروه أنشد الصحابة في أشياء منها تجهيز جيش العسرة. ونقل الحافظ أيضًا في الفتح: ٨/ ١١١، شاهدًا عن عمران بن حصين، وعزاه إلى الطبراني. قلت: وفيه ضعف كما قال الهيثمي في المجمع: ٦/ ١٩١: رواه الطبراني، وفيه العباس بن الفضل الأنصاري وهو ضعيف.
(٢) حديث صحيح وردًا مسندًا وموصولًا كما قال الحافظ ابن حجر في الإصابة: ٢/ ٤٩٣، من حديث مجمع بن جارية أو من حديث عمرو بن عرف وأبي عبس بن جبر، ومن حديث علبة بن زيد نفسه.
(٣) أخرجه البخاري في التفسير، باب سورة التوبة، باب الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في =
[ ٤٦٦ ]
٧ - قصة أصحاب أبي موسى الأشعري:
٧٢٦ - من حديث أبي موسى الأشعري ﵁ قال: "أرسلني أصحابي إلى رسول الله - ﷺ - أسأله الحملان لهم إذا هم معه في جيش العسرة وهي غزوة تبوك، فقلت: يا نبي الله، إن أصحابي أرسلوني إليك لتحملهم، فقال: (والله لا أحملكم على شيء)، ووافقته وهو غضبان ولا أشعر، ورجعت حزينًا من منع النبي - ﷺ - ومن مخافة أن يكون النبي - ﷺ - وجد في نفسه علي، فرجعت إلى أصحابي فأخبرتهم الذي قال النبي - ﷺ -، فلم ألبث إلا سويعة إذ سمعت بلالًا ينادي: أي عبد الله بن قيس، فأجبته فقال: أحب رسول الله - ﷺ - يدعوك.
فلما أتيته قال: (خذ هذين القرنين لستة أبعرة ابتاعهن حينئذ من سعد -فانطلق بهن إلى أصحابك فقل: إن الله -أو قال- إن رسول الله - ﷺ - يحملكم على هؤلاء، فاركبوهن). فانطلقت إليهم بهن فقلت: إن النبي - ﷺ - يحملكم على هؤلاء، ولكني والله لا أدعكم حتى ينطلق معي بعضكم إلى من سمع مقالة رسول الله - ﷺ - لا تظنوا أني حدثتكم شيئًا لم يقله رسول الله - ﷺ -.
فقالوا لي: إنك عندنا لمصدق، ولنفعلن ما أحببت، فانطلق أبو موسى بنفر منهم حتى أتو الذين سمعوا قول رسول الله - ﷺ -، منعه إياهم ثم إعطاءهم بعد، فحدثوهم بمثل ما حدثهم به أبو موسى" (١).
٨ - متى خرج النبي ﷺ من المدينة:
٧٢٧ - من حديث كعب بن مالك ﵁: "أن النبي - ﷺ - خرج يوم الخميس في غزوة تبوك، وكان يحب أن يخرج يوم الخميس" (٢).
_________________
(١) = الصدقات، حديث رقم: ٤٦٦٨، مسلم في الزكاة باب العمل بأجرة يتصدق بها، والنهي الشديد عن تنقيص المتصدق بقليل، حديث رقم: ١٠١٨،، ابن جرير في التفسير: ١٠/ ١٩٦، ابن حبان في الموارد حديث رقم: ١٤٣٣.
(٢) أخرجه البخاري في المغازي، باب غزوة تبوك وهي غزوة العسرة، حديث رقم: ٤٤١٥، مسلم في الإيمان؛ باب ندب من حلف يمينًا فرأى غيرها خيرًا منها أن يأتي الذي هو خير حديث رقم: ١٦٤٩، البيهقي في دلائل النبوة: ٥/ ٢١٦ - ٢١٧.
(٣) أخرجه البخاري في الجهاد، باب من أراد غزوة فورى بغيرها، ومن أحب الخروج يوم الخميس حديث رقم: ٢٩٥٠، والنسائي في الكبرى في السير كما أشار إلى ذلك في تحفة الأشراف حديث رقم: ١١١٤٣.
[ ٤٦٧ ]
٩ - تشييع علي للنبي ﷺ:
٧٢٨ - من حديث سعد بن أبي وقاص ﵁: "أن عليًّا ﵁ خرج مع النبي - ﷺ - حتى جاء ثنية الوداع، وعلي ﵁ يبكي يقول: تخلفني مع الخوالف فقال: (أو ما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا النبوة) (١).
١٠ - تخلف علي بأمر النبي ﷺ:
٧٢٩ - من حديث سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: (خلف رسول الله - ﷺ - علي بن أبي طالب في غزوة تبوك، فقال: يا رسول الله - ﷺ -، أتخلفني في النساء والصبيان، فقال: (أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى، غير أنه لا نبي بعدي) (٢).
١١ - دعاء الرسول ﷺ للمسلمين بالبركة في ظهورهم:
٧٣٠ - من حديث شريح بن عبيد (أن فضالة بن عبيد الأنصاري كان يقول: غزونا مع النبي - ﷺ - غزوة تبوك، فجهد بالظهر جهدًا شديدًا (٣) فشكوا إلى النبي - ﷺ - ما بظهرهم من الجهد، فتحين بهم مضيقًا (٤)، فسار النبي - ﷺ - فيه فقال: (مروا باسم الله)، فمر الناس عليه بظهرهم، فجعل ينفخ بظهرهم (٥): (اللهم
_________________
(١) أخرجه أحمد: ١/ ١٧٠، وإسناده صحيح على شرط البخاري، وقد تفرد أحمد في روايته تشييع علي للنبي - ﷺ - إلى ثنية الوداع.
(٢) أخرجه البخاري في المغازي، باب غزوة تبوك، وهي غزوة العسرة، حديث رقم: ٤٤١٦، وفي فضائل الصحابة، باب مناقب علي، فتح: ٥/ ٢٢، مسلم في فضائل الصحابة، باب فضائل علي بن أبي طالب، حديث رقم: ٢٤٠٤، أحمد في المسند: ١/ ١٨٢، ابن أبي شيبة في المصنف رقم: ١٨٨٥٤، البيهقي في الدلائل: ٥/ ٢٢٠ من طرق عن شعبة عن الحكم عن مصعب بن سعد عن عن بن أبي وقاص، وأخرجه أحمد: ١/ ١٧٥، والبخاري في فضائل الصحابة: ٣٧٠٦، باب مناقب علي، ومسلم: ٢٤٠٤، ما بعده بدون رقم، وابن ماجة في المقدمة: ١١٥ باب فضل علي من طرق عن شعبة عن عن سعد بن إبراهيم قال سمعت إبراهيم بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه، وأخرجه أحمد: ١/ ١٧٠، ١٧٣، ١٧٧، ١٧٩، ١٨٤، ١٨٥، الترمذي في المناقب: ٣٧٢٦ باب أنا دار الحكمة وعلي بابها من طرق عن سعد بن أبي وقاص.
(٣) جهد بالظهر جهدًا شديدًا: أي بلغت المشقة والتعب بالإبل أقصاها، والمراد بالظهر هنا الإبل، ولم يكن المشقة والتعب قاصرًا على الظهر بل تناول رجال الجيش.
(٤) تحين بهم مضيقًا: أي قصد أن يسير بهم في مكان ضيق.
(٥) ينفخ بظهرهم: ينفخ على الإبل، ويدعو بما جاء في الحديث.
[ ٤٦٨ ]
احملهم عليها في سبيلك، إنك تحمل على القوي والضعيف (١)، وعلى الرطب واليابس في البر والبحر).
قال: فما بلغنا المدينة حتى جعلت تنازعنا أزمتها (٢) قال فضالة: هذه دعوة النبي - ﷺ - القوي والضعيف فما بال الرطب واليابس، فلما قدمنا الشام غزونا غزوة قبرس في البحر، فلما رأيت السفن وما يدخل فيها عرفت دعوة النبي ﷺ -" (٣).
١٢ - نهيه ﷺ عن شرب ماء ثمود:
٧٣١ - من حديث ابن عمر ﵄ قال: "إن الناس نزلوا مع رسول الله - ﷺ - في أرض ثمود، الحجر، واستقوا من بئرها، واعتجنوا به، فأمرهم رسول الله - ﷺ - أن يهريقوا ما استقوا من بئارها، وأن يعلفوا الإبل العجين، وأمرهم أن يستقوا من البئر التي كان تردها الناقة" (٤).
٧٣٢ - ومن حديث ابن عمر ﵄ أيضًا قال: "مررنا مع رسول الله - ﷺ - على الحجر، فقال لنا رسول الله - ﷺ -: (لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم، إلا أن تكونوا باكين حذرًا أن يصيبكم مثل ما أصابهم)، ثم زجر (٥) فأسرع حتى خلفها" (٦).
_________________
(١) على القوي والضعيف: معناه أن الدواب فيها القوي والضعيف، والكل يحمل بقدرتك.
(٢) تنازعنا أزمتها: جمع زمام وهو الخيط الذي يشد به أنف البعبر، لم يشد إليه المقود والمعنى أن الإبل قويت حتى كانت تسرع في المسير، فكنا نمنعها من السرعة الشديدة.
(٣) أخرجه أحمد في المسند: ٦/ ٢٠، وسنده جيد ليس فيه علة، وأورده الهيثمي في المجمع: ٦/ ١٩٣ وقال: رواه الطبراني والبزار، وفيه يحيى بن عبد الله البابلي، وهو ضعيف. قلت: وسند الإِمام أحمد ليس فيه يحيى بن عبد الله البابلي، والعجب أن الحافظ الهيثمي لم يعزه للإمام أحمد مع أن رواية الإِمام أحمد أجود سندًا، وأكثر معنى ومتنًا، والظاهر أنه نسى ذلك. والله أعلم.
(٤) أخرجه البخاري في الأنبياء، باب قوله تعالى: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾ حديث رقم: ٣٣٧٩، ومسلم في صحيحه في الزهد والرقائق، باب لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم، حديث رقم: ٢٩٨٠/ ٤٠، ص: ٤/ ٢٢٨٦.
(٥) زجر: أي زجر ناقته ومعناه ساقها سوقًا شديدًا حتى خلفها أي جاوز المساكن.
(٦) أخرجه البخاري في الأنبياء، باب قوله تعالى: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾، حديث رقم: ٣٣٨١، ومسلم في الزهد والرقائق، باب لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم، حديث رقم:٢٩٨٠/ ٣٩، وأحمد في المسند: ٢/ ٩، ٥٨، ٦٦، ٧٢، ٧٤، ٩١، ٩٦، ١١٣، ١٣٧، والبيهقي في الدلائل: ٥/ ٢٣٤.
[ ٤٦٩ ]
خطبته ﵊ في الحجر من ديار ثمود:
٧٣٣ - من حديث جابر بن عبد الله ﵄ قال: "لما مر النبي - ﷺ - بالحجر قال: (لا تسألوا الآيات، فقد سألها قوم صالح، فكانت ترد من هذا الفج (١)، وتصدر من هذا الفج، فعتوا عن أمر ربهم فعقروها، وكانت تشرب ماءهم يومًا، ويشربون لبنها يومًا، فعقروها، فأخذتهم صيحة أهمد الله من تحت أديم السماء منهم إلا رجلًا واحدًا كان في حرم الله).
قيل: من هو يا رسول الله؟ قال: (هو أبو رغال، فلما خرج من الحرم أصابه ما أصاب قومه) (٢).
١٣ - دعاء النبي - ﷺ - بإمطار السماء وامتلاء أوعية الصحابة:
٧٣٤ - من حديث ابن عباس ﵄ قال: "قيل لعمر بن الخطاب: حدثنا من شأن ساعة العسرة، فقال عمر: خرجنا إلى تبوك في قيظ شديد، فنزلنا منزلًا أصابنا فيه عطش، حتى ظننا أن رقابنا ستنقطع، حتى إن كان الرجل ليذهب يلتمس الرجل، فلا يرجع حتى يظن أن رقبته ستنقطع، حتى أن كان الرجل لينحر بعيره فيعصر فرثه فيشربه، ويجعل ما بقي على كبده.
فقال أبو بكر الصديق ﵁: يا رسول الله! إن الله ﷿ قد عودك في الدعاء خيرًا فادع الله لنا، قال: (أتحب ذلك؟) قال: نعم، فرفع يديه فلم يرجعهما حتى قالت السماء، فأظلت ثم سكبت، فملأوا ما معهم ثم ذهبنا ننظر، فلم نجدها جاوزت العسكر" (٣).
_________________
(١) من هذا الفج: من هذا الوجه.
(٢) أخرجه أحمد في المسند: ٤/ ٢٩٦، وقال الحافظ ابن كثير: إسناده صحيح، ولم يخرجوه، وصححه الحاكم: ٢/ ٣٤٠ - ٣٤١، ووافقه الذهبي، وقال الهيثمي في المجمع: ٦/ ١٩٤: رواه البزار والطبراني في الأوسط وأحمد ورجال أحمد رجال الصحيح. قلت: وانظر كشف الأستار عن زوائد البزار حديث رقم: ١٨٤٤، وقد اقتصر الحافظ في الفتح على تحسينه فتح الباري: ٦/ ٣٨٠ - ٣٨١.
(٣) قال الهيثمي في المجمع: ٦/ ١٩٤ - ١٩٥، رواه البزار والطبراني في الأوسط، ورجال البزار ثقات، انظر كشف الأستار عن زوائد البزار حديث رقم: ١٨٤١، وابن حبان موارد الظمآن حديث رقم: ١٧٠٧، والبيهقي في دلائل النبوة: ٥/ ٢٣١، وقال ابن كثير في السيرة: ٤/ ١٦: إسناده جيد، ولم يخرجوه من هذا الوجه، قلت: الحديث حسن والله أعلم.
[ ٤٧٠ ]
مقالة المنافق عند نزول المطر:
٧٣٥ - قال ابن إسحاق حدثني عاصم بن عمرو بن قتادة، عن محمود بن لبيد، عن رجال من بني عبد الأشهل: "قال: قلت لمحمود: هل كان الناس يعرفون النفاق فيهم؟ قال: نعم والله، إن كان الرجل ليعرفه من أخيه ومن أبيه، ومن عمه وفي عشيرته، ثم يلبس بعضهم بعضًا على ذلك. ثم قال محمود: لقد أخبرني رجال من قومي عن رجل من المنافقين معروف نفاقه، كان يسير مع رسول الله حين سار، فلما كان من أمر الناس بالحجر ما كان، ودعا رسول الله - ﷺ - حين دعا، فأرسل الله السحابة فأمطرت حتى ارتوى الناس، قالوا: أقبلنا عليه نقول: ويحك هل بعد هذا شيء! قال: سحابة مارة" (١).
١٤ - ضياع ناقة النبي ﷺ ومقالة المنافق ابن اللصيت:
قال ابن إسحاق: "ثم إن رسول الله - ﷺ - سار حتى إذا كان ببعض الطريق ضلت ناقته، فخرج أصحابه في طلبها، وعند رسول الله - ﷺ - رجل من أصحابه، يقال له عمارة بن حزم وكان عقبيًّا بدريًّا، وهو عم بني عمرو بن حزم، وكان في رحله زيد بن اللصيت القينقاعي، وكان منافقًا.
٧٣٦ - قال ابن إسحاق، فحدثني عاصم بن عمرو بن قتادة، عن محمود بن لبيد، عن رجال من بني عبد الأشهل، قالوا: "فقال زيد بن اللصيت، وهو في رحل عمارة، وعمارة عند رسول الله - ﷺ -: أليس محمد يزعم أنه نبي، ويخبركم عن خبر السماء، وهو لا يدري أين ناقته؟، فقال رسول الله - ﷺ - وعمارة عنده: (إن رجلًا قال: هذا محمد يخبركم أنه نبي، ويزعم أنه يخبركم بأمر السماء، وهو لا يدري أين ناقته، وإني والله ما أعلم إلا ما علمني الله، وقد دلني الله عليها، وهي في هذا الوادي، في شعب هذا وكذا، قد حبستها شجرة بزمامها، فانطلقوا حتى تأتوني بها)، فذهبوا فجاءوا بها.
فرجع عمارة بن حزم إلى رحله، فقال: والله لعجبٌ من شيء حدثناه رسول الله - ﷺ - آنفًا، عن مقالة قائل أخبره الله عنه بكذا وكذا، للذي قال زيد بن اللصيت، فقال رجل ممن كان في رحل عمارة ولم يحضر رسول الله - ﷺ -: زيد
_________________
(١) أخرجه ابن إسحاق كما في سيرة ابن هشام: ٢/ ٢٥٢٢، وإسناده رجال ثقات، ولا يضر جهالة الصحابة وهم من بني عبد الأشهل، ومحمود بن لبيد من صغار الصحابة، دلائل النبوة للبيهقي: ٥/ ٢٣٢.
[ ٤٧١ ]
والله قال هذه المقالة قبل أن تأتي، فأقبل عمارة على زيد يجأ في عنقه (١) ويقول: إليَّ عباد الله، إن في رحلي لداهية، وما أشعر، اخرج أي عدو الله من رحلي فلا تصحبني" (٢).
١٥ - دعاؤه - ﵇ - بزيادة الطعام:
٧٣٧ - من حديث أبي هريرة أو أبي سعيد الخدري شك الأعمش قال: "لما كان يوم غزوة تبوك أصاب الناس مجاعة، فقالوا: يا رسول الله! لو أذنت لنا فنحرنا نواضحنا (٣) فكلنا وادهنا، فقال رسول الله - ﷺ - (افعلوا)، فجاء عمر ﵁ فقال: يا رسول الله! إن فعلت قبل الظهر، ولكن ادعهم بفضل أزوادهم، وادع الله لهم فيها بالبركة لعل الله ﷿ أن يجعل في ذلك، فقال رسول الله - ﷺ -: (نعم).
فدعا بنطع فبسطه، ثم دعا بفضل أزوادهم، فجعل الرجل يأتي بكف ذرة ويجيء الآخر بكف تمر، ويجيء الآخر بكسرة، حتى اجتمعوا على النطع من ذلك شيء يسير، فدعا رسول الله - ﷺ - بالبركة، ثم قال لهم: (خذوا في أوعيتكم)، فأخذوا في أوعيتهم حتى ما تركوا في العسكر وعاءً إلا ملأوه، فكلوا حتى شبعوا وفضلت فضالة، فقال رسول الله - ﷺ -: (أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، لا يلقى الله بهما عبد غير شاك فحجب عن الجنة) (٤).
١٦ - إخباره - ﵇ - بالإعصار وتحذيره الصحابة من القيام:
٧٣٨ - من حديث أبي حميد الساعدي ﵁ قال: "خرجنا مع رسول
_________________
(١) يجأ في عنقه: يطعنه في عنقه.
(٢) أخرجه ابن إسحاق في سيرة ابن هشام: ٢/ ٥٢٣، والطبري في تاريخه: ٣/ ١٤٥، والبيهقي في الدلائل: ٥/ ٢٣٢، من طريق ابن إسحاق به، وقد صرح ابن إسحاق بالتحديث، وإسناده رجاله ثقات، ولا يضر جهالة الصحابة وهم من بني عبد الأشهل، ومحمود بن لبيد من صغار الصحابة فيكون الحديث صحيحًا.
(٣) نواضحنا: الإبل التي تركب ويجلب عليها الماء.
(٤) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان باب الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة قطعًا حديث رقم: ٢٧، وقد ذكر عده أيضًا دون شك في الصحابي الذي روى الحديث، وإنما قال عنه أنه أبو هريرة، ابن مندة في كتاب الإيمان حديث رقم: ٣٦، وقال: حديث صحيح أخرجه مسلم بن الحجاج، وأحمد في المسند: ٢/ ٤٢١، ٣/ ١١، وأحمد في المسند كما في الفتح الرباني: ٢١/ ١٩٦ - ١٩٧، رقم: ٤٢٦، دلائل النبوة للبيهقي: ٥/ ٢٢٩.
[ ٤٧٢ ]
الله - ﷺ - في غزوة تبوك، فأتينا وادي القرى، على حديقة لامرأة فقال رسول الله - ﷺ -: (اخرصوها) (١)، فخرصناها، وخرصها رسول الله عشرة أوسق (٢)، وقال للمرأة: (أحصيها حتى نرجع إليك إن شاء الله ﷿)، فانطلقنا حتى قدمنا تبوك، فقال رسول الله - ﷺ -: (ستهب عليكم الليلة ريحٌ شديدة، فلا يقم فيها أحد منكم، فمن كان له بعير فليشد عقاله).
فهبت ريح شديدة، فقام رجل فحملته الريح حتى ألقته بجبلي طيء، وجاء رسول الله ابن العلماء صاحب إيليا ) (٣).
١٧ - قصة عين تبوك وازدياد الماء فيها:
٧٣٩ - من حديث معاذ بن جبل ﵁ قال أبو الطفيل عامر بن واثلة "إن معاذ بن جبل أخبره أنهم خرجوا مع رسول الله - ﷺ - عام تبوك، فكان رسول الله - ﷺ - يجمع بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء، قال: فأخر الصلاة يومًا، ثم خرج فصلى الظهر والعصر جميعًا، ثم دخل، ثم خرج فصلى المغرب والعشاء جميعًا، ثم قال: (إنكم ستأتون غدًا إن شاء الله عين تبوك، وإنكم لن تأتوها حتى يضحى النهار، فمن جاءها فلا يمس من مائها شيئًا حتى آتي).
قال: فجئنا وقد سبق إليها رجلان والعين مثل الشراك تبض بشيء من ماء فسألهما رسول الله - ﷺ -: (هل مسستما من مائها شيئًا؟) قالا: نعم، فسبهما، وقال لهما ما شاء الله أن يقول، ثم غرفوا من العين قليلًا قليلًا، حتى اجتمع في شيء، ثم غسل رسول الله فيه وجهه، ثم أعاده فيها، فجرت العين بماء كثير، فاستقى الناس ثم قال رسول الله - ﷺ -: (يوشك يا معاذ إن طالت بك حياة أن ترى ما ها هنا قد مليء جنانًا) (٤).
_________________
(١) اخرصوها: الخرص: الحزر تقدير ما على النخل من الرطب ثمرًا.
(٢) الوسق: ٦٠ صاعًا.
(٣) أخرجه مسلم في الفضائل باب في معجزاته - ﷺ - حديث رقم: ١٣٩٢، البخاري في الزكاة، باب خرص التمر حديث رقم: ١٤٨١، وانظر أرقام: ١٨٧٢، ٣١٦١، ٣٧٩١، ٤٤٢٢، أحمد في المسند: ٥/ ٤٢٤، وابن أبي شيبة: ١٨٨٥٢ وأبو داود في الخراج والإمارة، باب في إحياء الموات حديث رقم: ٣٠٧٩، والبيهقي: ٤/ ١٢٢.
(٤) أخرجه مسلم في الفضائل، باب في معجزاته - ﷺ -، حديث رقم: ٧٠٦، ٤/ ١٧٨٤، مالك في =
[ ٤٧٣ ]
٧٤٠ - من حديث حذيفة ﵁ قال: "خرج النبي - ﷺ - يوم غزوة تبوك، فبلغه أن في الماء قلة، فأمر مناديًا، فنادى في الناس أن لا يسبقني في الماء أحد فأتى الماء، وقد سبقه قوم فلعنهم" (١).
١٨ - قصة المتخلفين بعذر ومشاركتهم للغازي في الأجر:
٧٤١ - من حديث أنس بن مالك ﵁: "أن رسول الله - ﷺ - رجع من غزوة تبوك فدنا من المدينة، فقال: (إن بالمدينة أقوامًا ما سرتم مسيرًا، ولا قطعتم واديًا إلا كانوا معكم). قالوا: يا رسول الله، وهم بالمدينة؟ قال: (وهم بالمدينة، حبسمهم العذر) (٢).
١٩ - قصة أبي خيثمة ولحوقه بالجيش في تبوك:
لم يتخلف أحد من المؤمنين الصادقين عن رسول الله - ﷺ - في غزوة تبوك من غير عذر، سوى أربعة نفر، كلهم من الأنصار، لا عن شك وارتياب، وإنما أدركهم الضعف البشري، وأثر عليهم أكثر من غيرهم، وهؤلاء هم: كعب بن مالك، وهلال بن أمية، ومرارة بن الربيع، وأبو خيثمة.
أما أبو خيثمة فقد تغلب على ضعفه البشري أمام مغريات الحياة، فسارع إلى اللحاق برسول الله - ﷺ -، أما الثلاثة الآخرون، فقد تخلفوا في المدينة وقعد بهم الضعف البشري يقولون كل يوم نلحق بالرسول - ﷺ - حتى انتهت مهمة الرسول في تبوك، وعاد إلى المدينة فعاقبهم بالمقاطعة.
وستأتي قصتهم بزيادة تفصيل في مكانها إن شاء الله وكيف قبل الله توبتهم أما
_________________
(١) = الموطأ: ١/ ١٤٣، وأحمد في المسند: الفتح الرباني: ٢١/ ١٩٥.
(٢) قال الهيثمي في المجمع: ٦/ ١٩٥، رواه أحمد والبزار بنحوه، ورجال أحمد رجال الصحبح.
(٣) أخرجه البخاري في المغازي باب ١٠، حدثنا يحيى بن بكير حديث رقم: ٤٤٢٣، الجهاد باب من حبسه العذر عن الغزو حديث رقم: ٢٨٣٩، أبو داود في الجهاد باب الرخصة في القعود من العذر حديث رقم: ٢٥٠٨، وابن ماجة في الجهاد باب من حبسه العذر عن الجهاد حديث رقم: ٢٧٦٤، وأحمد في المسند: ٣/ ١٠٣، ١٠٦، ١٨٢، ٣٠٠، ٣٤١، ابن أبي شيبة: ١٨٨٥٦، ابن سعد: ٢/ ١ / ١٢١، وجاء من حديث جابر عند الإمام مسلم في الإمارة باب ثواب من حبسه عن الغزو مرض أو عذر آخر حديث رقم: ١٩١١، دلائل النبوة البيهقي: ٥/ ٢٦٧.
[ ٤٧٤ ]
أبو خيثمة الذي هزم النفس الأمارة بالسوء، وسحق الضعف البشري في نفسه فقد لحق بالرسول - ﷺ -، وقد جاءت قصته مبسوطة عند ابن إسحاق في السيرة بدون إسناد، وذكرها أيضًا عروة بن الزبير وموسى بن عقبة قريبًا من سياق ابن إسحاق في السيرة (١)، وقد جاءت الإشارة إلى قصة أبي خيثمة في خلال حديث توبة كعب وصاحبيه الذي سيأتي ذكره لاحقًا ولكني ساجتزأ منه ما يتعلق بحال أبي خيثمة في هذا الموطن:
٧٤٢ - من حديث كعب بن مالك ﵁: " فبينما هو على ذلك رأى رجلًا مبيضًا يزول به السراب، فقال رسول الله - ﷺ -: (كن أبا خيثمة)، فهذا هو أبو خيثمة الأنصاري، وهو الذي تصدق بصاع التمر حين لمزه المنافقون" (٢).
٢٠ - قصة قباء أكيدر بن عبد الملك صاحب دومة الجندل:
بعث رسول الله - ﷺ - أثناء إقامته في تبوك خالد بن الوليد ﵁ إلى في أكيدر بن عبد الملك صاحب دومة الجندل، فأخذه خالد بن الوليد، وكان عليه قباء من ديباج مخوص بالذهب، فاستلبه خالد منه، وبعث به إلى رسول اللهﷺ -.
٧٤٣ - من حديث أنس ﵁ قال: "إن أكيدر دومة الجندل أهدى لرسول الله - ﷺ - حلة من سندس، فعجب الناس منها، فقال: (والذي نفس محمد بيده، إن مناديل سعد بن معاذ في الجنة أحسن من هذا) (٣).
_________________
(١) سيرة ابن هشام: ٢/ ٥٢٠ - ٥٢١، ابن كثير في السيرة: ٤/ ١٣ - ١٤.
(٢) أخرجه مسلم في كتاب التوبة، باب حديث توبة كعب بن مالك وصاحبيه حديث رقم: ٢٧٦٩، وسيأتي مزيد من التخريج عند الحديث عن قصة كعب بن مالك.
(٣) أخرجه مسلم في فضائل الصحابة، باب فضائل سعد بن معاذ حديث رقم: ٢٤٦٩، أبو نعيم في الحلية: ٧/ ١١٠، وأحمد في المسند: ٣/ ١١١، ١٢١، ١٢٢، ٢٠٦، ٢٠٧، ٢٠٩، ٢٢٩، ٢٣٤، ٢٣٨، ٢٧٧، والطبراني في الكبير: ٥/ ١٦ من طريق قتادة عن أنس، وقد جاء من طريق آخر عن أنس عند الترمذي في اللباس باب ٣ حديث رقم: ١٧٢٣، والنسائي في السنن: ٨/ ١٩٩، وابن سعد: ٣/ ٢ / ١٣، وأحمد في فضائل الصحابة حديث رقم: ١٤٩٥، من طريق محمد بن عمرو عن واقد عن أنس. وأخرجه أيضًا مسلم حديث رقم: ٢٤٦٨، والترمذي حديث رقم: ٣٨٤٧، المناقب باب مناقب سعد بن معاذ وابن سعد: ٣/ ٤٣٥، عن البراء بن عازب.
[ ٤٧٥ ]
٢١ - الخمس التي أعطيها رسول الله ﷺ:
٧٤٤ - من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: (أن رسول الله - ﷺ - عام غزوة تبوك قام من الليل يصلي، فاجتمع وراءه رجال من أصحابه يحرسونه حتى إذا صلى، وانصرف إليهم، فقال لهم: "لقد أعطيت الليلة خمسًا ما أعطيهن أحد قبلي، أما أنا، فأرسلت إلى الناس كلهم عامة وكان من قبلي إنما برسل إلى قومه، ونصرت على العدو بالرعب، ولو كان بيني وبينهم مسيرة شهر لمليء منه رعبًا، وأحلت لي الغنائم آكلها، وكان من قبلي يعظمون أكلها كانوا يحرقونها، وجعلت لي الأرض مساجد وطهورًا أينما أدركتني الصلاة تمسحت وصليت، وكان من قبلي يعظمون ذلك، إنما كانوا يصلون في كنائسهم وبيعهم، والخامسة هي ما هي؟ قل لي: سل، فإن كل نبي قد سأل، فأخرت مسألتي إلى يوم القيامة فهي لكم، ولمن شهد أن لا إله إلا الله) (١).
٢٢ - قصة وفاة ذي البجادين ونزول الرسول - ﷺ - في قبره:
٧٤٥ - من حديث عبد الله بن مسعود ﵁ أنه كان يحدث قال: (قمت من جوف الليل، وأنا مع رسول الله - ﷺ - في غزوة تبوك، فرأيت شعلة من نار في ناحية العسكر، فاتبعتها أنظر إليها.
قال: فإذا رسول الله - ﷺ - وأبو بكر وعمر، وإذا عبد الله ذو البجادين قد مات، وإذا هم قد حفروا له، ورسول الله - ﷺ - في حفرته، وأبو بكر وعمر يدليانه، وإذا هو يقول: (أدنيا إليَّ أخاكما) فدلياه إليه، فلما هيأه لشقه، قال: (اللهم إني قد أمسيت راضيًا عنه فارض عنه). قال: يقول ابن مسعود: يا ليتني كنت صاحب الحفرة) (٢). قال ابن هشام: وإنما سمي ذو البجادين لأنه كان يريد الإِسلام، فمنعه قومه، وضيقوا عليه، حتى خرج من بينهم، وليس عليه إلا بجاد، وهو الكساء الغليظ، فشقه باثنين فأتزر بواحدة وارتدى بالأخرى، ثم أتى رسول الله - ﷺ - فسمي ذا البجادين (٣).
_________________
(١) أخرجه أحمد في المسند: ٢/ ٢٢٢، وقال الهيثمي في المجمع: رواه أحمد، ورجاله ثقات كما جاء في الفتح الرباني: ٢١/ ٢٠٠.
(٢) أخرجه ابن مندة من طريق سعيد بن الصلت عن الأعمش عن أبي وائل عن ابن مسعود كما قال الحافظ في الإصابة: ٢/ ٣٣٠، ترجمه رقم: ٤٨٠، ونسبه الحافظ أيضًا إلى البغوي وأعله بالانقطاع. قلت: وسند ابن مندة جبد، وقد أخرجه أيضًا ابن إسحاق عن محمد بن إبراهيم التيمي عن ابن مسعود إلا أن محمد بن إبراهيم لم يسمع من ابن مسعود: ٢/ ٥٢٧ - ٥٢٨، سيرة ابن هشام.
(٣) ابن كثير في السيرة: ٤/ ٣٣، سيرة ابن هشام: ٢/ ٥٢٨.
[ ٤٧٦ ]
٢٣ - إرساله ﷺ إلى قيصر الروم:
٧٤٦ - من حديث أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: (من ينطلق بصحيفتي هذه إلى قيصر وله الجنة)، فقال رجل من القوم: وإن لم يقتل؟ قال: وإن لم يقتل، فانطلق الرجل به فوافق قيصر، وهو يأتي بيت المقدس قد جعل له بساط لا يمشي عليه غيره، فرمى بالكتاب على البساط وتنحى.
فلما انتهى قيصر إلى الكتاب أخذه ثم دعا رأس الجاثليق (١) وأقرأه فقال: ما علمي في هذا الكتاب إلا كعلمك - فنادى قيصر: من صاحب الكتاب؟ فهو آمن، فجاء الرجل فقال: إذا قدمت فأتني فلما قدم أتاه فأمر قيصر بأبواب قصره، فغلقت ثم أمر مناديًا فنادى: ألا أن قيصر تبع محمدًا وترك النصرانية.
فأقبل جنده وقد تسلحوا حتى أطافوا بقصره فقال لرسول رسول الله - ﷺ -: قد ترى أني خائف على مملكتي، ثم أمر مناديًا فنادى: ألا أن قيصر قد رضي عنكم، وإنما اختبركم لينظر كيف صبركم على دينكم فارجعوا، فانصرفوا.
وكتب قيصر إلى رسول الله - ﷺ -: إني مسلم، وبعث إليه بدنانير، فقال رسول الله - ﷺ - حي قرأ الكتاب: (كذب عدو الله، ليس بمسلم وهو على النصرانية)، وقسم الدنانير" (٢).
٧٤٧ - قال الإِمام أحمد: حدثنا إسحاق بن عيسى قال حدثني يحيى بن سليمان عن عبد الله بن عثمان بن خثيم عن سعيد بن أبي راشد قال: "لقيت التنوخي رسول هرقل إلى رسول الله - ﷺ - بحمص، وكان جارًا لي شيخًا كبيرًا قد بلغ الفند أو قرب، فقلت: ألا تخبرني عن رسالة هرقل إلى النبي - ﷺ - ورسالة رسول الله - ﷺ - إلى هرقل؟
فقال: بلى، قدم رسول الله - ﷺ - تبوك، فبعث دحية الكلبي إلى هرقل،
_________________
(١) الجاثليق: مقدم الأساقفة عند النصارى.
(٢) أخرجه ابن حبان كما في موارد الظمآن حديث رقم: ١٦٢٨، وسنده صحيح.
[ ٤٧٧ ]
فلما أن جاء كتاب رسول الله - ﷺ - دعا قسيسي الروم وبطارقتها، ثم أغلق عليه وعليهم بابًا فقال: "قد نزل هذا الرجل حيث رأيتم، وقد أرسل إلى يدعوني إلى ثلاث خصال، يدعوني إلى أن أتبعه على دينه، أو على أن أعطيه ما لنا على أرضنا والأرض أرضنا، أو نلقي إليه الحرب، والله لقد عرفتم فيما تقرءون من الكتب ليأخذن ما تحت قدمي فهلم نتبعه على دينه، أو نعطيه ما لنا على أرضنا، فنخروا نخرة (١) رجل واحد حتى خرجوا من برانسهم، وقالوا: تدعونا إلى أن ندع النصرانية أو نكون عبيدًا لأعرابي جاء من الحجاز؟ فلما ظن أنهم إن خرجوا من عنده أفسدوا عليه الروم رفأهم (٢) ولم يكد، وقال: قلت ذلك لكم لأعلم صلابتكم على أمركم.
ثم دعا رجلًا من عرب تجيب كان على نصارى العرب فقال: ادع لي رجلًا حافظًا للحديث عربي اللسان أبعثه إلى هذا الرجل بجواب كتابه، فجاء بي، فدفع إليَّ هرقل كتابًا، فقال: اذهب بكتابي إلى هذا الرجل فما ضيعت من حديثه فأحفظ له منه ثلاث خصال (٣) انظر هل يذكر صحيفته التي كتب إلى بشيء، وانظر إذا قرأ كتابي، فهل يذكر الليل، وانظر في ظهره هل به شيء يريبك.
فانطلقت بكتابه حتى جئت تبوك، فإذا هو جالس بين ظهراني أصحابه محتبيًا على الماء فقلت: أين صاحبكم؟ قيل: ها هو ذا، فأقبلت أمشي حتى جلست بين يديه، فناولته كتابي، فوضعه في حجره ثم قال: (فمن أنت؟) فقلت: أنا أحد تنوخ. قال: (هل لك في الإِسلام الحنيفية ملة أبيك إبراهيم؟) قلت: إني رسول قوم، وعلى دين قوم لا أرجع عنه حتى أرجع إليهم، فضحك وقال: (إنك لا تهدي من أحببت، ولكن الله يهدي من يشاء، وهو أعلم بالمهتدين، يا أخا تنوخ إني كتبت بكتاب إلى كسرى فمزقه والله ممزقه وممزق ملكه، وكتبت إلى النجاشي (٤) بصحيفة فحرقها والله ممزقه (٥) وممزق ملكه، وكتبت إلى صاحبك
_________________
(١) نخروا: أي تكلموا كلام رجل واحد، وكأنه كلام مع غضب ونفور حملهم على أن يخرجوا من برانسهم.
(٢) رفأهم: سكنهم ودعا لهم.
(٣) فما ضيعت من حديثه فأحفظ لي ثلاث خصال: أي مهما نسيت من شيء فأحفظ لي منه ثلاث خصال.
(٤) هذا نجاشي آخر غير النجاشي الذي أسلم ومات وصلى النبي - ﷺ - عليه.
(٥) والله ممزقه: مذهب ملكه عنه.
[ ٤٧٨ ]
بصحيفة فأمسكها فلن يزال الناس يجدون منه بأسًا ما دام في العيش خير).
قلت: هذه إحدى الثلاثة التي أوصاني بها صاحبي وأخذت سهمًا من جعبتي فكتبتها في جلد سيفي، ثم إنه ناول الصحيفة رجلًا عن يساره قلت: من صاحب كتابكم الذي يقرأ لكم؟ قالوا: معاوية. فهذا في كتاب صاحبي تدعوني إلى جنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين فأين النار؟ فقال رسول الله - ﷺ -: (سبحان الله أين الليل إذا جاء النهار؟) قال: فأخذت سهمًا من جعبتي، فكتبته في جلد سيفي، فلما أن فرغ من قراءة كتابي قال: (إن لك حقًّا، وإنك رسول، فلو وجدت عندنا جائزة جوَّزناك بها إنا سفر (١) مرملون).
قال: فناداه رجل من طائفة الناس قال: أنا أجوزه ففتح رحله فإذا هو يأتي بحلة صفورية فوضعها في حجري قلت: من صاحب الجائزة؟ قيل لي: عثمان، ثم قال رسول الله - ﷺ - (أيكم ينزل هذا الرجل؟) فقال فتى من الأنصار: أنا، فقام الأنصاري وقمت معه حتى إذا خرجت من طائفة المجلس ناداني رسول الله - ﷺ - فقال: (تعال يا أخاتنوخ). فأقبلت أهوي إليه حتى كنت قائمًا في مجلسي الذي كنت بين يديه فحل حبوته (٢) عن ظهره وقال: (ها هنا امض لما أمرت به)، فجلت في ظهره فإذا أنا بخاتم في موضع غضون الكتف (٣) مثل المحجمة الضخمة أيلة" (٤) (٥).
٢٤ - وفود ملك أيلة على رسول الله ﷺ:
قد جاء ذكر وفود ملك إيلة على رسول الله من حديث أبي حميد الساعدي ﵁ الذي سبق جزء منه وسأورده هنا كله حتى يستقيم المعنى في ذلك.
٧٤٨ - من حديث أبي حميد الساعدي ﵁ قال: خرجنا مع رسول
_________________
(١) إنا سفر: أي مسافرون نفذ زادنا.
(٢) حل حبوته: ألقى بردة كانت على ظهر.
(٣) عضون الكتف: مكاسر الجلد.
(٤) المحجمة الضخمة: الآلة التي يجتمع بها دم الحجامة عند المص.
(٥) أخرجه أحمد في المسند: ٣/ ٤٤١ - ٤٤٢، وقال ابن كثير في السيرة: ٤/ ٢٧ - ٢٩، هذا حديث غريب، وإسناده لا بأس به تفرد به الإِمام أحمد، وأورده الهيثمي بنصه في المجمع وقال: رواه عبد الله ابن أحمد وأبو يعلى، ورجال أبي يعلى ثقات، ورجال عبد الله بن أحمد كذلك: ٨/ ٢٣٤ - ٢٣٦، انظر عبد الله بن أحمد في زوائده على المسند: ٤/ ٧٥، أبو يعلى حديث رقم: ١٥٩٧.
[ ٤٧٩ ]
الله - ﷺ - عام تبوك حتى جئنا وادي القرى، فإذا امرأة في حديقة لها فقال رسول الله - ﷺ - لأصحابه (اخرصوا) فخرص القوم، وخرص رسول الله - ﷺ - عشرة أوسق، وقال رسول الله - ﷺ - للمرأة: (أحصي ما يخرج منها حتي أرجع إليك إن شاء الله).
قال فخرج حتى قدم تبوك فقال رسول الله - ﷺ -: (إنها ستهب عليكم الليلة ريح شديدة فلا يقومن فيها رجل، فمن كان له بعير فليوثق عقاله).
قال أبو حميد: فعقلناها، فلما كان من الليل هبت علينا ريح شديدة، فقام فيها رجل فألقته في جبل طيء.
ثم جاء رسول الله - ﷺ - ملك أيلة فأهدى لرسول الله بغلة بيضاء، وكساه رسول الله - ﷺ - بردًا، وكتب له يجيرهم.
ثم أقبل وأقبلنا معه، حتى جئنا وادي القرى فقال للمرأة: (كم جاءت حديقتك)، قالت: عشرة أوسق، خرص رسول الله - ﷺ -.
فقال رسول الله - ﷺ -: (إني متعجل، فمن أحب منكم أن يتعجل فليفعل) قال: فخرج رسول الله - ﷺ - وخرجنا معه، حتى إذا أوفى على المدينة قال: (هذه طابة) فلما رأى أحدًا قال: (هذا أحد يحبنا ونحبه، ألا أخبركم بخير دور الأنصار؟) قلنا: بلى يا رسول الله قال: (خير دور الأنصار بنو النجار، ثم دار بني عبد الأشهل، ثم دار بني ساعدة، ثم في كل دور الأنصار خير) (١).
٢٥ - مدة إقامته ﷺ بتبوك:
٧٤٩ - من حديث جابر بن عبد الله ﵄ قال: (أقام رسول الله - ﷺ - بتبوك عشرين يومًا يقصر الصلاة) (٢).
_________________
(١) سبق تخريجه حديث رقم: ٧٣٨.
(٢) أخرجه في المسند: ٣/ ٢٩٥، عبد الرزاق في المصنف: ٤٣٣٥، وأبو داود في الصلاة باب إذا أقام بأرض العدو يقصر رقم: ١٢٣٥، وابن حبان كما في الإحسان: ٤/ ١٨٣ - ١٨٥، رقم: ٢٧٣٨، ٢٧٤١، البيهقي في السنن: ٣/ ١٥٢، ورجاله ثقات وصححه النووي على شرطهما وابن حزم وابن حبان انظر نصب الراية: ٢/ ١٨٦، وتلخيص الحبير: ٢/ ٤٥.
[ ٤٨٠ ]
٢٦ - كبد المنافقين رسول الله والمسلمين:
أ - الاستهزاء بآيات الله وبرسوله وقراء المسلمين:
٧٥٠ - من حديث ابن عمر ﵄ قال: (قال رجل في غزوة تبوك في مجلس يومًا ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء، لا أرغب بطونًا، ولا أكذب ألسنة، ولا أجبن عند اللقاء. فقال رجل في المجلس: كذبت، ولكنك منافق لأخبرن رسول الله - ﷺ -، فبلغ ذلك رسول الله - ﷺ -، ونزل القرآن. قال عبد الله: فأنا رأيته متعلقًا بحقب ناقة رسول الله - ﷺ -، والحجارة تنكيه وهو يقول: يا رسول الله إنما كنا نخوض ونلعب، والنبي - ﷺ - يقول: (أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزؤن) (١).
٧٥١ - من حديث كعب بن مالك ﵁ قال: (قال محشي بن حمير لوددت أني أقاضي على أن يضرب كل رجل منكم مائة على أن ينجو من أن ينزل فينا قرآن، فقال رسول الله - ﷺ - لعمار بن ياسر: (أدرك القوم، فإنهم قد احترقوا، فسلهم عما قالوا: فإن هم أنكروا وكتموا فقل بلى: قد قلتم كذا وكذا).
فأدركهم فقال لهم، فجاءوا يعتذرون، فأنزل الله ﴿لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ﴾ الآية فكان الذي عفا الله عنه محشي بن حمير، فتسمى عبد الرحمن وسأل الله أن يقتل شهيدًا، وألا يعلم بمقتله، فقتل باليمامة لا يعلم مقتله، ولا من قتله، ولا يرى له أثر ولا عين" (٢).
قلت: وقد كان هذا القول من محشي بن حمير بعدما قال أولئك قولتهم في قراء القرآن، واستهزأوا بآيات الله تعالى، فتاب الله عليه، وغفر له، والله أعلم.
ب - محاولة المنافقين اغتيال الرسول ﷺ:
٧٥٢ - من حديث أبي الطفيل ﵁ قال:: لما أقبل رسول الله - ﷺ - من غزوة تبوك أمر مناديًا فنادى: (إن رسول الله آخذ بالعقبة فلا يأخذها أحد)،
_________________
(١) أخرجه ابن أبي حاتم في التفسير: ٤/ ٦٣، ورجاله رجال الصحيح إلا هشام بن سعد فلم يخرج له مسلم إلا في الشواهد، والطبري في التفسير: ١٠/ ١٧٢، وعزاه السيوطي في الدر المنثور: ٣/ ٢٥٤، إلى ابن أبي حاتم وابن جرير وأبي الشيخ وابن مردويه، وله شاهد حسن من حديث كعب سأورده تاليًا له فانظره.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم: ٤/ ٦٤، وسنده حسن، وعزاه السيوطي في الدر المنثور: ٣/ ٢٥٤، إلى ابن إسحاق وابن المنذر وابن أبي حاتم.
[ ٤٨١ ]
فبينما رسول الله - ﷺ - يقوده حذيفة ويسوقه عمار، إذ أقبل وهي متلثمون على الرواحل، فغشوا عمارًا، وهو يسوق برسول الله - ﷺ -، وأقبل عمار يضرب وجوه الرواحل، فقال رسول الله - ﷺ - لحذيفة (قد قد).
حتى هبط رسول الله - ﷺ - من الوادي، فلما هبط ورجع عمار قال: (يا عمار هل عرفت القوم؟) قال: قد عرفت عامة الرواحل، والقوم متلثمون، فقال: (هل تدري ما أرادوا؟). قال: الله ورسوله أعلم. قال: (أرادوا أن ينفروا برسول الله فيطرحوه).
قال: فسأل عمار رجلًا من أصحاب النبي - ﷺ - فقال: نشدتك بالله كم تعلم كان أصحاب العقبة؟ قال: أربعة عشر رجلًا. فقال: إن كنت فيهم فقد كانوا خمسة عشر.
قال: فعذر رسول الله - ﷺ - منهم ثلاثة قالوا: ما سمعنا منادي رسول الله - ﷺ -، وما علمنا ما أراد القوم. فقال عمار: أشهد أن الاثني عشر الباقين حرب لله ولرسوله في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد" (١).
٧٥٣ - من حديث أبي الطفيل قال: "كان بين رجل من أهل العقبة، وبين حذيفة بعض ما يكون بين الناس فقال: أنشدك بالله كم كان أصحاب العقبة؟ قال: فقال له القوم أخبره إذ سألك، فقال كنا نخبر أنهم أربعة عشر، فإن كنت منهم، فقد كان القوم خمسة عشر، وأشهد بالله أن اثنى عشر منهم حرب لله ولرسوله في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد، وعذر ثلاثة، قالوا: ما سمعنا منادي رسول الله - ﷺ -، ولا علمنا بما أراد القوم، وقد كان في حرة فمشى، فقال: (إن الماء قليل، فلا يسبقني إليه أحد)، فوجد قومًا قد سبقوه، فلعنهم يومئذ) (٢).
جـ - إخبار النبي ﷺ حذيفة بأسماء المنافقين:
٧٥٤ - من حديث علقمة قال: (قدمت الشام فصليت ركعتين، ثم قلت: اللهم يسر لي جليسًا صالحًا، فأتيت قومًا فجلست إليهم، فإذا شيخ قد جاء حتى
_________________
(١) أخرجه في المسند: ٥/ ٤٥٣، ورجاله ثقات، قال الهيثمي في المجمع: ٦/ ١٩٥، رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح.
(٢) أخرجه مسلم في كتاب صفات المنافقين وأحكامهم حديث رقم: ٢٧٩/ ١١.
[ ٤٨٢ ]
جلس إلى جنبي، قلت: من هذا؟ قالوا: أبو الدرداء فقلت: إني دعوت الله أن يسر لي جليسًا صالحًا، فيسرك لي.
قال: ممن أنت؟ قلت: من أهل الكوفة. قال: أوليس عندكم ابن أم عبد صاحب النعلين والوساد والمطهرة؟ أوليس فيكم الذي أجاره الله من الشيطان، يعني على لسان نبيه - ﷺ -؟ أوليس فيكم صاحب سر النبي - ﷺ - الذي لا يعلم أحد غيره؛ ثم قال: كيف يقرأ عبد الله ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ فقرأت عليه ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى (٢) وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾ قال: والله لقد أقرأ فيها رسول الله - ﷺ - من فيه إلى في" (١).
٢٧ - مقالة النبي هذه طابة - هذا أحد جبل يحبنا ونحبه:
٧٥٥ - قد سبق من حديث أبي حميد الساعدي ﵁ الإشارة إلى هذا: وأسوق هنا المقطع الخاص بهذه المقالة من حديثه ﵁ قال: " فقال رسول الله - ﷺ - (إني مسرع فمن شاء منكم فليسرع، ومن شاء فليمكث)، فخرجنا حتى أشرفنا على المدينة فقال: (هذه طابة، وهذا أحد، وهو جبل يحبنا ونحبه ) (٢).
٧٥٦ - وقد أورد البخاري ﵀ مختصرًا عن أبي حميد قال: "أقبلنا مع النبي - ﷺ - من غزوة تبوك، حتى إذا أشرفنا على المدينة قال: (هذه طابة، وهذا أحد جبل يحبنا ونحبه) أخرجه في كتاب المغازي باب ٨١، حدثنا يحيى بن بكير حديث رقم:٤٤٢٢.
٢٨ - استقبال النبي ﷺ عند ثنية الوداع:
٧٥٧ - من حديث السائب بن يزيد ﵁: "لما قدم النبي - ﷺ - المدينة من غزوة تبوك تلقاه الناس فلقيته مع الصبيان على ثنية الوداع" (٣).
_________________
(١) أخرجه البخاري في فضائل الصحابة باب مناقب عمار وحذيفة رض الله عنهما حديث رقم: ٣٧٤٢، ٣٧٤٣، والنسائي في السنن الكبرى كما ذكر صاحب تحفة الأشراف حديث رقم: ١٠٩٥٦، وأحمد في المسند: ٦/ ٤٤٩، ٤٥٠.
(٢) سبق بنصه وتخريجه حديث رقم: ٧٣٨، ٧٤٨.
(٣) أخرجه البخاري في الجهاد باب استقبال الغزاة الحديث: ٣٠٨٢، فتح الباري: ٦/ ١٩١، أبو داود في الجهاد في التلقي حديث رقم: ٢٧٥٩، الترمذي في الجهاد باب ما جاء في تلقي الغائب إذا قدم حديث رقم: ١٧١٨، وأحمد في المسند: ٣/ ٤٤٩، والبيهقي: ٩/ ١٧٥، وقال الترمذي: حسن صحيح.
[ ٤٨٣ ]
٢٩ - حديث الثلاثة الذين خلفوا:
٧٥٨ - من حديث كعب بن مالك ﵁ قال: "لم أتخلف عن رسول الله - ﷺ - في غزوة غزاها قط، إلا في غزوة تبوك، غير أني قد تخلفت في غزوة بدر، ولم يعاتب أحدًا تخلف عنه، إنما خرج رسول الله - ﷺ - والمسلمون يريدون عير قريش، حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم، على غير ميعاد. ولقد شهدت مع رسول الله - ﷺ - ليلة العقبة (١) حين تواثقنا على الإِسلام (٢).
وما أحب أن لي بها مشهد بدر. وإن كانت بدر أذكر في الناس منها (٣).
وكان من خبري، حين تخلفت عن رسول الله - ﷺ - في غزوة تبوك، أني لم أكن قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنه في تلك الغزوة، والله ما جمعت قبلها راحلتين قط، حتى جمعتهما في تلك الغزوة، فغزاها رسول الله - ﷺ - في حر شديد، واستقبل سفرًا بعيدًا ومفازًا (٤)، واستقبل عدوا كثيرًا، فجلا للمسلمين أمرهم (٥)، ليتأهبوا أهبة غزوهم (٦)، فأخبرهم بوجههم الذي يريد. والمسلمون مع رسول الله - ﷺ - كثير، ولا يجمعهم كتاب حافظ (يريد، بذلك الديوان).
قال كعب: فقل رجل يريد أن يتغيب يظن أن ذلك سيخفي له، ما لم ينزل فيه وحي من الله ﷿. وغزا رسول الله - ﷺ - تلك الغزوة حين طابت الثمار والظلال. فأنا إليها أصعر (٧)، فتجهز رسول الله - ﷺ - والمسلمون معه، وطفقت أغدو لكي أتجهز معهم، فأرجع ولم أقض شيئًا، وأقول في نفسي: أنا قادر على ذلك إذا أردت.
_________________
(١) ليلة العقبة: الليلة التي بايع رسول الله، الأنصار فيها على الإِسلام. وأن يؤوه وينصروه، والعقبة هي النبي في طرف منى النبي يضاف إليها جمرة العقبة. وكانت مرتين في سنتين.
(٢) تواثقنا على الإِسلام: تبايعنا عيه وتعاهدنا.
(٣) وإن كانت بدرًا أذكر: أي أشهر عند الناس بالفضيلة.
(٤) مفازًا: بريه طويلة قليلة الماء يخاف فيها من الهلاك.
(٥) فجلا للمسلمين أمرهم: كشف وبينه وأوضحه.
(٦) ليتأهبوا: أهبة غزوهم: يسعوا له بما يحتاجون من زاد.
(٧) أصعر: أميل.
[ ٤٨٤ ]
فلم يزل ذلك يتمادى بي حتى استمر الناس بالجد، فأصبح رسول الله - ﷺ - غاديًا والمسلمون معه، ولم أقض من جهازي شيئًا ثم غدوت، فرجعت، ولم أقض شيئًا. فلم يزل ذلك يتمادى لي حتى أسرعوا، وتفارط الغزو (١). فهممت أن أرتحل فأدركهم، فيا ليتني فعلت، ثم لم يُقدَّر ذلك لي.
فطفقت، إذا خرجت في الناس، بعد خروج رسول الله - ﷺ -، يحزنني أني لا أرى لي أسوة، إلا رجلًا مغموصًا عليه في النفاق. أو رجلًا ممن عذر الله من الضعفاء. ولم يذكرني رسول الله - ﷺ - حتى بلغ تبوكًا، فقال، وهو جالس في القوم بتبوك (ما فعل كعب بن مالك؟) قال رجل من بني سلمة: يا رسول الله حبسه برداه، والنظر في عطفيه (٢).
فقال له معاذ بن جبل: بئس ما قلت. والله يا رسول الله! ما علمنا عليه إلا خيرًا، فسكت رسول الله - ﷺ -. فبينما هو على ذلك رأى رجلًا مبيضًا (٣) يزول به السراب (٤) فقال رسول الله - ﷺ -: كن أبا خيثمة، فإذا هو أبو خيثمة الأنصاري، وهو الذي تصدق بصاع التمر حين لمزه (٥) المنافقون.
فقال كعب بن مالك: فلما بلغني أن رسول الله - ﷺ - قد توجه قافلًا (٦) من تبوك، حضرني بثي (٧)، فطفقت أتذكر الكذب وأقول: بم أخرج من سخطه غدًا؟ وأستعين علي ذلك كل ذي رأي من أهلي. فلما قيل لي: أن رسول الله - ﷺ - قد أظل قادمًا (٨) زاح (٩) عني الباطل. حتى عرفت أني لن أنجو منه بشيء أبدًا، فأجمعت صدقه (١٠).
_________________
(١) تفارط الغزو: تقدم الغزاة وسبقوا وفاتوا.
(٢) والنظر في عطفيه: أي جانبيه وهو إشارة إلى إعجابه بنفسه ولباسه.
(٣) مبيضًا: لابس البياض.
(٤) يزول به الشراب: يتحرك وينهض، والشراب هو ما يظهر للإنسان في الهواجر في البراري كأنه ماء.
(٥) لمزه المنافقون: عابوه واحتقروه.
(٦) توجه قافلًا: راجعًا.
(٧) حضرني: حزني.
(٨) أظل قادمًا: أقبل ودنا قدومه كأنه ألقى على ظله.
(٩) زاح: زال.
(١٠) أجمعت صدقه: عزمت على صدقه.
[ ٤٨٥ ]
وصبح رسول الله - ﷺ - قادمًا، وكان إذا قدم من سفر، بدأ بالمسجد فركع فيه ركعتين، ثم جلس للناس، فلما فعل ذلك جاءه المخلفون. فطفقوا يعتذرون إليه، ويحلفون له، وكانوا بضعة وثمانين رجلًا. فقبل منهم رسول الله - ﷺ - علانيتهم، وبايعهم واستغفر لهم، ووكل سرائرهم إلى الله، حتى جئت.
فلما سلمت، تبسم تبسم المغضب ثم قال: (تعال) فجئت أمشي حتى جلست بين يديه. فقال لي: (ما خلفك؟ ألم تكن قد ابتعت ظهرك؟) قال: قلت: يا رسول الله! إني والله! لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا، لرأيت أني سأخرج من سخطه بعذر، ولقد أعطيت جدلًا (١) ولكني، والله! لقد علمت، لئن حدثتك اليوم حديث كذب ترضى به عني، ليوشكن (٢) الله أن يسخطك عليّ، ولئن حدثتك حديث صدق تجد علي فيه (٣) إني لأرجو فيه عقبى الله (٤). والله! ما كان لي عذر، والله! ما كنت قط أقوى، ولا أيسر مني حين تخلفت عنك. قال رسول الله - ﷺ -: (أما هذا فقد صدق، فقم حتى يقضي الله فيك) فقمت، وثار رجال من بني سلمة فاتبعوني. فقالوا لي: والله! ما علمناك أدنبت ذنبًا قبل هذا. لقد عجزت في أن لا تكون اعتذرت إلى رسول الله - ﷺ - بما اعتذر به إليه المخلفون. فقد كان كافيك ذنبك، استغفار رسول الله - ﷺ - لك.
قال فوالله! ما زالوا يؤنبونني (٥) حتى أردت أن أرجع إلى رسول الله - ﷺ - فأكذب نفسي.
قال: ثم قلت لهم: هل لقي هذا معي من أحد؟ قالوا: نعم. لقيه معك رجلان، قالا مثل ما قلت، فقيل لهما مثل ما قيل لك. قال: قلت: من هما؟ قالوا: مرارة بن الربيع العامري، وهلال بن أمية الواقفي قال: فذكروا لي رجلين صالحين قد شهدا بدرًا، فيهما أسوة. قال: فمضيت حين ذكروهما لي.
قال: فاجتنبنا الناس، وقال: تغيروا لنا حتى تنكرت لي في نفسي الأرض.
_________________
(١) أعطيت جدلا: فصاحة وقوة في الكلام وبراعة، بحيث أخرج عن عهده ما ينسب إلي إذا أردت.
(٢) ليوشكن: ليسرعن.
(٣) تجد علي فيه: تغضب.
(٤) إني لأرجو عقبى الله: يعقبني خيرًا ويثيبني عليه.
(٥) يؤنبونني: يلومونني أشد اللوم.
[ ٤٨٦ ]
فما هي بالأرض التي أعرف. فلبثنا على ذلك خمسين ليلة. فأما صاحباي فاستكانا (١) وقعدا في بيوتهما يبكيان. وأما أنا فكنت أشب القوم وأجلدهم (٢). فكنت أخرج، فأشهد الصلاة، وأطوف في الأسواق، ولا يكلمني أحد. وآتي رسول الله - ﷺ -، فأسلم عليه، وهو في مجلسه بعد الصلاة، فأقول في نفسي! هل حرك شفتيه برد السلام، أم لا؟ ثم أصلي قريبًا منه، وأسارقه النظر، فإذا أقبلت على صلاتي نظر إلي، وإذا التفت نحوه أعرض عني.
حتى إذا طال ذلك علي من جفوة المسلمين، مشيت حتى تسورت (٣) جدار حائط أبي قتادة، وهو ابن عمي، وأحب الناس إلي. فسلمت عليه. فوالله! ما رد علي السلام، فقلت له: يا أبا قتادة أنشدك بالله (٤) هل تعلم أني أحب الله ورسوله؟ قال: فسكت. فعدت فناشدته فسكت، فعدت فناشدته. فقال: الله ورسوله أعلم. ففاضت عيناي، وتوليت، حتى تسورت الجدار.
فبينما أنا أمشي في سوق المدينة، إذا نبطي من نبط أهل الشام (٥)، ممن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة يقول: من يدل على كعب بن مالك قال: فطفق الناس يشيرون له إليّ. حتى جاءني فدفع إلي كتابًا من ملك غسان. وكنت كاتبًا، فقرأته فإذا فيه: أما بعد، فإنه قد بلغنا أن صاحبك قد جفاك، ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة (٦)، فالحق بنا نواسك. قال: فقلت: حين قرأتها وهذه أيضًا من البلاء. فتايممت (٧) بها التنور، فسجرتها (٨) بها.
حتى إذا مضت أربعون من الخمسين، واستلبث الوحي (٩)، إذا رسول رسول الله - ﷺ - فقال: (إن رسول الله - ﷺ - يأمرك أن تعتزل امرأتك)، قال:
_________________
(١) استكانا: خضعا.
(٢) أشب القوم وأجلدهم: أي أصغرهم سنًّا وأقواهم.
(٣) حتى تسورت: علوت وصعدت السور وهو أعلاه.
(٤) أنشدك بالله: أسألك بالله.
(٥) نبطي من أهل الشام: فلاحو العجم.
(٦) مضيعة: يعني أنك لست بأرض يضيع فيها حقك.
(٧) فتايممت: تيممت: قصدت.
(٨) فسجرتها: أحرقتها.
(٩) واستلبث الوحي: أبطأ.
[ ٤٨٧ ]
فقلت: أطلقها أم ماذا أفعل؟ قال: (لا، بل اعتزلها فلا تقربنها).
قال: فأرسل إلى صاحبي بمثل هذا. قال: فقلت لامرأتي: الحقي بأهلك فكوني عندهم حتى يقضي الله في هذا الأمر.
قال: فجاءت امرأة هلال بن أمية رسول الله - ﷺ -. فقالت له: يا رسول الله! إن هلال بن أمية شيخ ضائع ليس له خادم، فهل تكره أن أخدمه؟ قال: (لا، ولكن لا يقربنك) فقالت: إنه والله! ما به حركة إلى شيء، والله ما زال يبكي منذ كان من أمره ما كان إلى يومه هذا.
قال: فقال لي بعض أهلي: لو استأذنت رسول الله - ﷺ - في امرأتك؟ فقد أذن
لامرأة هلال بن أمية أن تخدمه. قال فقلت: لا أستأذن فيها رسول الله - ﷺ -. وما يدريني ماذا يقول رسول الله - ﷺ - إذا استأذنته فيها، وأنا رجل شاب. قال فلبثت بذلك عشر ليال. فكمل لنا خمسون ليلة من حين نهي عن كلامنا. قال ثم صليت صلاة الفجر صباح خمسين ليلة على ظهر بيت من بيوتنا، فبينما أنا جالس على الحال التي ذكر الله ﷿ منا، قد ضاقت عليَّ نفسي، وضاقت علي الأرض بما رحبت سمعت صوت صارخ أوفى على سلع (١) يقول بأعلى صوته: يا كعب بن مالك أبشر. قال: فخررت ساجدًا، وعرفت أن قد جاء فرج.
قال: فآذن (٢) رسول الله - ﷺ - بتوبة الله علينا حين صلى صلاة الفجر، فذهب الناس يبشروننا فذهب قبل صاحبي مبشرون، وركض رجل إليَّ فرسًا، وسعى ساع من أسلم قبلي. وأوفى الجبل، فكان الصوت أسرع من الفرس، فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني، فنزعت له ثوبي فكسوتهما إياه ببشارته، والله! ما أملك غيرهما يومئذ، واستعرت ثوبين فلبستهما، فانطلقت أتأمم (٣) رسول الله - ﷺ -، يتلقاني الناس فوجًا فوجًا (٤)، يهنئوني بالتوبة ويقولون: لتهنئك توبة الله عليك.
حتى دخلت المسجد، فإذا رسول الله - ﷺ - جالس في المسجد، وحوله الناس
_________________
(١) أوفى على سلع: صعده وارتفع عليه، وسلع جبل بالمدينة معروف.
(٢) فآذن: الناس: أي أعلمهم.
(٣) أتأمم: أي أقصد.
(٤) فوجًا فوجًا: الفرج الجماعة.
[ ٤٨٨ ]
فقام طلحة بن عبيد الله يهرول حتى صافحني وهنأني. والله! ما قام رجل من المهاجرين غيره.
قال: فكان كعب لا ينساها لطلحة.
قال كعب: فلما سلمت على رسول الله - ﷺ - قال: وهو يبرق وجهه من السرور، ويقول: (أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك) قال: قلت: أمن عندك؟ يا رسول الله! أم من عند الله؟ فقال: (لا بل من عند الله) وكان رسول الله - ﷺ - إذا استنار وجهه، كان وجهه قطعة قمر. قال: وكنا نعرف ذلك.
قال فلما جلست بين يديه قلت: يا رسول الله! إن من توبتي أن أنخلع (١) من مالي صدقة إلى الله وإلى رسوله - ﷺ - فقال رسول الله - ﷺ -: (أمسك بعض مالك، فهو خير لك) قال: فقلت: فإني أمسك سهمي الذي بخيبر. قال، وقلت: يا رسول الله! إن الله إنما أنجاني بالصدق، وإن من توبتي أن لا أحدث إلا صدقًا ما بقيت. قال فوالله! ما علمت أن أحدًا من المسلمين أبلاه (٢) الله في صدق الحديث، منذ ذكرت ذلك لرسول الله - ﷺ - إلى يومي هذا، أحسن مما أبلاني الله به. والله ما تعمدت كذبة منذ قلت لرسول الله - ﷺ - إلى يومي هذا، لأني لأرجو أن يحفظني الله فيما بقي.
قال: فأنزل الله ﷿: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١١٧) وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ (٣) حتى بلغ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ (٤).
قال كعب: والله ما أنعم الله علي من نعمة قط، بعد إذ هداني للإسلام، أعظم في نفسي، من صدقي رسول الله - ﷺ - أن لا أكون كذبته فأهلك كما هلك الذين كذبوا، إن الله قال للذين كذبوا حين أنزل الوحي، شر ما قال لأحد،
_________________
(١) أنخلع من مالي: أتصدق.
(٢) أبلاه الله: أنعم عليه.
(٣) سورة التوبة: ١١٧، ١١٨.
(٤) سورة التوبة: ١١٩.
[ ٤٨٩ ]
وقال الله: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٥) يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ (١).
قال كعب: كنا خلفنا أيها الثلاثة. عن أمر أولئك الذين قبل منهم رسول الله - ﷺ - حين حلفوا له، فبايعهم واستغفر لهم، وأرجأ رسول - ﷺ - أمرنا حتى قضى الله فيه، فبذلك قال الله ﷿: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾، وليس الذي ذكر الله مما خلفنا، تخلفنا عن الغزو، وإنما هو تخليفه إيانا، وإرجاؤه أمرنا (٢)، عمن حلف له واعتذر إليه فقبل منه" (٣).
فوائد قصة الذين خلفوا:
وقد استنبط العلماء من هذا الحديث في توبة كعب بن مالك وصاحبيه، فوائد جمة ذكر كثيرًا منها ابن القيم ﵀ في زاد المعاد، وذكر ابن حجر العسقلاني في الفتح فصلًا مفيدًا كثير الفوائد.
قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري: ٨/ ١٢٣ - ١٢٤، ما نصه: "وفي قصة كعب من الفوائد غير ما تقدم (يعني في أثناء شرح الحديث):
جواز طلب أموال الكفار من ذوي الحرب، وجواز الغزو في الشهر الحرام، والتصريح بجهة الغزو إذا لم تقتض المصلحة ستره، وإن الإِمام إذا استنفر الجيش عمومًا لزمهم النفير ولحق اللوم بكل فرد لو تخلف.
وقال السهيلي: إنما اشتد الغضب على من تخلف وإن كان الجهاد فرض كفاية
_________________
(١) سورة التوبة / ٩٥ - ٩٦.
(٢) إرجاؤه أمرنا: تأخيره أمرنا.
(٣) أخرجه البخاري في المغازي، باب حديث كعب بن مالك حديث رقم: ٤٤١٨، مسلم في التوبة باب حديث توبة كعب بن مالك وصاحبيه حديث رقم: ٢٧٦٩، أبو داود في الأيمان والنذور حديث رقم: ٣٣٢١، باب فيمن نذر أن يتصدق بماله، وأحمد في المسند: ٣/ ٤٥٦ - ٤٥٩، النسائي في الطلاق باب الحقي بأهلك: ٦/ ١٥٢، باختصار اقتصر فيه على قوله الحقي بأهلك وما فيها، عبد الرزاق في المصنف: ٩٧٤٤، ابن أبي شيبة في المصنف رقم: ١٨٨٥٣، ابن هشام في السيرة: ٢/ ٥٣١، ابن جرير في التفسير: ١١/ ٥٨، ابن أبي حاتم: ٤/ ١٠٥، ابن كثير في السيرة: ٤/ ٤٢ - ٤٨. البيهقي دلائل النبوة: ٥/ ٢٧٣ - ٢٧٩، السيوطي في الدر المنثور: ٣/ ٢٨٧، وقد أورده البخاري بعدة أرقام في مواطن متعددة: رقم ٢٧٥٧، ٢٩٤٧، ٢٩٤٨، ٢٩٤٩،٢٩٥٠، ٣٥٥٦، ٣٨٨٩، ٣٩٥١، ٤٦٧٣، ٤٦٧٦، ٤٦٧٧، ٦٢٥٥، ٦٦٩٠، ٧٢٢٥.
[ ٤٩٠ ]
لكنه في حق الأنصار خاصة فرض عين، لأنهم بايعوا على ذلك ومصداق ذلك قولهم وهم يحفرون الخندق:
نحن الذين بايعوا محمدًا على الجهاد ما بقينا أبدًا
فكان تخلفهم عن هذه الغزوة كبيرة، لأنها كالنكث لبيعتهم، كذا قال ابن بطال. قال السهيلي: ولا أعرف له وجهًا غير الذي قال.
قلت: وقد ذكرت وجهًا غير الذي ذكره ولعله أقعد، ويؤيده قوله تعالى ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ﴾ الآية. وعند الشافعية وجه أن الجهاد كان فرض عين في زمن النبي - ﷺ -، فعلى هذا فيتوجه العتاب على من تخلف قطعًا، وفيها أن العاجز عن الخروج بنفسه أو بماله لا لوم عليه، واستخلاف من يقوم مقام الإِمام على أهله والضعفة.
وفيها ترك فتل المنافقين، ويستنبط منه ترك قتل الزنديق إذا أظهر التوبة.
وأجاب من أجازه بأن الترك كان في زمن النبي - ﷺ - لمصلحة التأليف على الإِسلام، وفيها عظم أمر المعصية، وقد نبه الحسن البصري على ذلك فيما أخرجه ابن أبي حاتم عنه قال: يا سبحان الله ما أكل هؤلاء الثلاثة مالًا حراماَ، ولا سفكوا دمًا حرامًا ولا أفسدوا في الأرض، أصابهم ما سمعتم وضاقت عليهم الأرض بما رحبت، فكيف بمن يواقع الفواحش والكبائر).
وفيها أن القوي في الدين يؤاخذ بأشد مما يؤاخذ الضعيف في الدين، وجواز إخبار المرء عن تقصيره، وتفريطه، وعن سبب ذلك وما آل إليه أمره تحذيرًا ويضمه لغيره، وجواز مدح المرء بما فيه من الخير إذا أمن الفتنة، وتسلية نفسه بما لم يحصل له بما وقع لنظيره، وفضل أهل بدر والعقبة، والحلف للتأكيد من غير استحلاف، والتورية عن المقصد، ورد الغيبة. وجواز ترك وطء الزوجة مدة.
وفيه أن المرء إذا لاحت له فرصة في الطاعة فحقه أن يبادر إليها، ولا يسوف بها لئلا يحرمها كما قال تعالى ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ ومثله قوله تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ ونسأل الله تعالى أن يلهمنا المبادرة إلى طاعته، وأن لا يسلبنا ما خولنا من نعمته.
[ ٤٩١ ]
وفيها جواز تمني ما فات من الخير، وأن الإِمام لا يهمل من تخلف عنه في بعض الأمور بل يذكره ليراجع التوبة، وجواز الطعن في الرجل بما يغلب على اجتهاد الطاعن حمية لله ورسوله، وفيها جواز الرد على الطاعن إذا غلب على ظن الراد وهم الطاعن أو غلطه.
وفيها أن المستحب للقادم أن يكون على وضوء، وأن يبدأ بالمسجد قبل بيته فيصلي ثم يجلس لمن يسلم عليه، ومشروعية السلام على القادم وتلقيه، والحكم الظاهر، وقبول المعاذير واستحباب بكاء العاصي أسفًا على ما فاته من الخير، وفيها إجراء الأحكام على الظاهر، ووكول السرائر إلى الله تعالى، وفيها ترك السلام على من أذنب، وجواز هجره أكثر من ثلاث، وأما النهي عن الهجر فوق الثلاث فمحمول على من لم يكن هجرانه شرعيًّا، وأن القسم قد يكون عن غضب كما يكون عن تعجب ولا يختص بالسرور. ومعاتبة الكبير أصحابه ومن يعز عليه دون غيره، وفيها فائدة الصدق وشؤم عاقبة الكذب.
وفيها العمل بمفهوم اللقب إذا حفته قرينة، لقوله - ﷺ - لما حدثه كعب (أما هذا فقد صدق) فإنه يشعر بأن من سواه كذب، لكن ليس على عمومه في حق كل أحد سواه؛ لأن مرارة وهلال أيضًا قد صدقا فيختص الكذب بمن حلف واعتذر لا بمن اعترف، ولهذا عاقب من صدق بالتأديب الذي ظهرت فائدته عن قرب، وأخر من كذب للعقاب الطويل، وفي الحديث الصحيح (إذا أراد الله بعبد خيرًا عجل له عقوبته في الدنيا، وإذا أراد به شرًّا أمسك عنه عقوبته فيرد القيامة بذنوبه) وقيل إنما غلظ في حق هؤلاء الثلاثة لأنهم تركوا الواجب عليهم من غير عذر، ويدل عليه قوله تعالى ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ﴾ وقول الأنصار:
نحن الذين بايعوا محمدًا على الجهاد ما بقينا أبدًا
وفيها تبريد حر المصيبة بالتأسي بالنظير، وفيها عظم مقدار الصدق في القول والفعل، وتعليق سعادة الدنيا والآخرة والنجاة من شرهما به، وأن من عوقب بالهجز يعذر عن التخلف عن صلاة الجماعة، لأن مرارة وهلالًا لم يخرجا من بيوتهما تلك المدة، وفيها سقوط السلام على المهجور عمن سلم عليه، إذ لو كان واجبًا لم يقل كعب: هل حرك شفتيه برد السلام، وفيها جواز دخول المرء
[ ٤٩٢ ]
دار جاره أو صديقه بغير إذنه ومن غير الباب إذا علم رضاه.
وفيها أن قول المرء الله ورسوله أعلم، ليس بخطاب ولا كلام ولا يحنث به من حلف أن لا يكلم الآخر إذا لم ينو به مكالمته دائمًا، وإنما قال أبو قتادة ذلك لما ألح عليه كعب، وإلا فقد تقدم أن رسول ملك غسان لما سأل عن كعب، جعل الناس يشيرون له إلى كعب، ولا يتكلمون بقولهم مثلًا هذا كعب مبالغة في هجره والإعراض عنه.
وفيها أن مسارقة النظر في الصلاة لا تقدح في صحتها، وإيثار طاعة الرسول على مودة القريب، وخدمة المرأة زوجها، والاحتياط لمجانبة ما يخشى الوقوع فيه، وجواز تحريق ما فيه اسم الله للمصلحة.
وفيها مشروعية سجود الشكر والاستباق إلى البشارة بالخير وإعطاء البشير أنفس ما يحضر الذي يأتيه بالبشارة وتهنئة من تجددت له نعمة، والقيام إليه إذا أقبل، واجتماع الناس عند الإِمام في الأمور المهمة، وسروره بما يسر أتباعه، ومشروعية العارية، ومصافحة القادم والقيام له، والتزام المداومة على الخير الذي ينتفع به، واستحباب الصدقة عند التوبة، وأن من نذر الصدقة بكل ما له لم يلزمه إخراجه جميعه".
[ ٤٩٣ ]
الفصل الحادي عشر الأحداث من غزوة تبوك إلى حجة الوداع
١ - قدوم وفد ثقيف:
أ - تاريخ قدومهم:
قال ابن إسحاق: "قدم رسول الله - ﷺ - المدينة من تبوك في رمضان، وقدم عليه في ذلك الشهر وفد ثقيف" (١).
وقد قال موسى بن عقبة: إن قدوم وفد ثقيف إنما كان بعد حجة أبي بكر الصديق، وتبعه على ذلك البيهقي في الدلائل (٢).
ولكن الحافظ ابن كثير استبعد ذلك فقال: "وهذا بعيد، والصحيح أن ذلك كان قبل حجة أبي بكر كما ذكره ابن إسحاق والله أعلم" (٣).
ب - شرطهم الذي طلبوه من رسول الله - ﷺ -:
٧٥٩ - من حديث وهب قال سألت جابرًا عن شأن ثقيف إذ بايعت، قال: "اشترطت على النبي - ﷺ - أن لا صدقة عليها ولا جهاد، وأنه سمع النبي - ﷺ - بعد ذلك يقول: (سيتصدقون ويجاهدون إذا أسلموا) (٤).
جـ - طلب عثمان بن أبي العاص من الرسول - ﵇ - أن يجعله إمام قومه:
٧٦٠ - من حديث عثمان بن أبي العاص ﵁ قال: "قلت يا رسول الله اجعلني إمام قومي فقال: (أنت إمامهم، واقتد بأضعفهم، واتخذ مؤذنًا لا يأخذ على أذانه أجرًا) (٥).
_________________
(١) سيرة ابن كثير: ٤/ ٥٣.
(٢) دلائل النبوة: ٥/ ٣٠٤.
(٣) سيرة ابن كثير: ٤/ ٥٤، سيرة ابن هشام: ٢/ ٥٣٧.
(٤) أخرجه أبو داود في الخرج والإمارة والفيء، باب ما جاء في خبر الطائف حديث: ٣٠٢٥، وأحمد في المسند: ٤/ ٢١٨، وسنده حسن.
(٥) أخرجه أحمد في المسند: ٤/ ٢١٧، وأبو داود في الصلاة باب أخذ الأجر على التأذين حديث: ٥٣١، والنسائي في الأذان باب اتخاذ المؤذن الذي لا يأخذ على أذانه أجرًا: ٢/ ٢٣، ابن ماجة في إقامة الصلاة والسنة فيها، باب من أم قومًا فليخفف حديث رقم ٩٨٧، وإسناده صحيح.
[ ٤٩٤ ]
د - شكوى عثمان بن أبي العاص من اعتراض الشيطان له في صلاته:
٧٦١ - من حديث عثمان بن أبي العاص ﵁ قال: "قلت: يا رسول الله إن الشيطان قد حال بيني وبين صلاتي وقراءتي، قال: فقال: (ذاك شيطان يقال له: خنزب، فإذا أحسسته فتعوذ بالله منه، واتفل عن يسارك ثلاثًا)، قال: ففعلت فأذهبه الله عني" (١).
٧٦٢ - ومن حديث عثمان بن أبي العاص أيضًا قال: (لما استعملني رسول الله - ﷺ - على الطائف، جعل يعرض لي شيء في صلاتي، حتى ما أدري ما أصلي، فلما رأيت ذلك، ورحلت إلى رسول الله - ﷺ - فقال: (ابن أبي العاص؟) قلت: نعم! يا رسول الله! قال: (ما جاء بك؟) قلت: يا رسول الله! عرض لي شيء في صلواتي، حتى ما أدري ما أصلي.
قال: (ذاك الشيطان. أدنه) فدنوت منه. فجلست على صدور قدمي. قال: فضرب صدري يبده، وتفل في فمي، وقال: (اخرج. عدو الله) ففعل ذلك ثلاث مرات، ثم قال: (الحق بعملك) قال: فقال عثمان: فلعمري! ما أحسبه خالطني بعد) (٢).
٢ - وفاة عبد الله بن أبي رأس المنافقين:
أ - مرضه وذهاب النبي لعيادته:
٧٦٣ - من حديث أسامة بن زيد ﵁ قال: "دخلت مع رسول الله - ﷺ - على عبد الله بن أبي في مرضه نعوده، فقال له النبي - ﷺ -: (قد كنت أنهاك من حب يهود)، فقال: عبد الله: "فقد بغضهم أسعد بن زرارة فمه" (٣).
وقد جاء عند أحمد (فمات) وجاء في لفظ أبي داود زيادة (فلما مات
_________________
(١) أخرجه مسلم في السلام باب التعوذ من شيطان الوسوسة في الصلاة حديث رقم: ٢٢٠٣، أحمد في المسند: ٤/ ٢١٦.
(٢) أخرجه ابن ماجة في الطب باب الفزع والأرق وما يتعوذ منه حديث رقم: ٣٥٤٨، وهو مما انفرد ابن ماجة به، قال البوصيري في الزوائد: إسناده صحيح رجاله ثقات.
(٣) فمه: يعني أنه يريد القول أن أسعد بن زرارة قد أبغض يهود فما دفع عنه بغضهم الموت، وكان يريد أنه لا يضر حبهم، ولا ينفع بغضهم، ولو نفع بغضهم لما مات أسعد بن زرارة، وهذا من قلة فهمه وقصور نظره على أن الضرر والنفع هو الموت أو الخلاص منه.
[ ٤٩٥ ]
أتاه ابنه فقال: يا رسول الله إن عبد الله بن أبي قد مات، فأعطني قميصك أكفنه فيه، فنزع رسول الله - ﷺ - قميصه فأعطاه إياه" (١).
ب - سبب كسونه بقميص النبي ﷺ:
٧٦٤ - من حديث جابر بن عبد الله ﵄ قال: "لما كان العباس بن عبد المطلب بالمدينة، طلبت الأنصار ثوبًا يكسونه، فلم يجدوا قميصًا يصلح عليه، إلا قميص عبد الله بن أبي فكسوه إياه" (٢).
وفي لفظ آخر "لما كان يوم بدر أتى بالعباس ولم يكن عليه ثوب، فنظر النبي - ﷺ - له قميصًا، فوجدوا قميص عبد الله بن أبي يقدر عليه، فكساه النبي - ﷺ - إياه، فلذلك نزع النبي - ﷺ - قميصه الذي ألبسه".
قال ابن عيينة: كانت له عند النبي ﷺ يد، فأحب أن يكافئه.
جـ - مجيء النبي إلى قبر عبد الله بن أبي ونفثه عليه من ريقه:
٧٦٥ - من حديث جابر بن عبد الله ﵄ قال: "أتى النبي - ﷺ - عبد الله بن أبي بعدما دفن، فأخرجه فنفث فيه من ريقه، وألبسه قميصه" (٣).
د - صلاة النبي على عبد الله بن أبي ومحاولة عمر منعه:
٧٦٦ - من حديث ابن عمر ﵄ قال: "لما توفي عبد الله بن أبي، ابن سلول، جاء ابنه عبد الله بن عبد الله إلى رسول الله - ﷺ - فسأله أن يعطيه قميصه يكفن فيه أباه، فأعطاه، ثم سأله أن يصلي عليه، فقام رسول الله - ﷺ - ليصلي عليه.
فقام عمر فأخذ بثوب رسول الله - ﷺ -. فقال: يا رسول الله! تصلي عليه وقد نهاك الله أن تصلي عليه؟ فقال رسول الله - ﷺ -: (إنما خيرني الله فقال:
_________________
(١) أخرجه أبو داود في الجنائز باب في العيادة حديث: ٣٠٩٤، وسكت عنه والمنذري، ورواه ابن إسحاق فقال: حدثني الزهري عن عروة عن أسامة فالحديث صحيح، لأن رجاله كلهم ثقات وقد صرح ابن إسحاق بالتحديث سيرة ابن كثير: ٤/ ٦٤، وقد أخرجه أحمد كما في الفتح الرباني: ٢١/ ٢١١.
(٢) أخرجه البخاري في الجهاد باب الكسوة للأسارى حديث رقم: ٣٠٠٨، فتح الباري: ٦/ ١٤٤.
(٣) أخرجه البخاري في الجنائز باب الكفن في القميص الذي يكف أو لا يكف، ومن كفن بغير قميص حديث رقم: ١٢٧٠، مسلم في كتاب صفات المنافقين حديث رقم: ٢٧٧٣، وأحمد كما في الفتح الرباني: ٢١/ ٢١٠.
[ ٤٩٦ ]
﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً﴾، وسأزيده على سبعين) قال: إنه منافق، فصلى عليه رسول الله - ﷺ -، فأنزل الله ﷿: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ " (١) (٢).
٣ - إمارة أبي بكر ﵁ في العام التاسع على الحج:
قال ابن إسحاق ﵀: "ثم أقام رسول الله - ﷺ - بقية شهر رمضان وشوال وذا القعدة، ثم بعث أبا بكر أميرًا على الحج من سنة تسع ليقيم للمسلمين حجهم، والناس من أهل الشرك على منازلهم من حجهم، فخرج أبو بكر ﵁ ومن معه من المسلمين" (٣).
والمقصود أن رسول الله - ﷺ - بعث عليًّا ﵁ بعد أبي بكر الصديق ليكون معه، ويتولى علي بنفسه إبلاغ البراءة إلى المشركين نيابة عن رسول الله - ﷺ - لكونه ابن عمه من عصبته.
أ - في أي شهر كان بعث أبي بكر:
قال الحافظ في الفتح: "ذكر ابن سعد وغيره بإسناد صحيح، عن مجاهد: أن حجة أبي بكر وقعت في ذي القعدة، ووافقه عكرمة بن خالد فيما أخرجه الحاكم في الإكليل، ومن عدا هذين إما مصرح بأن حجة أبي بكر كانت في ذي الحجة -كالداودي، وبه جزم من المفسرين الرماني والثعلبي والماوردي وتبعهم جماعة- وإما ساكت.
والمعتمد ما قاله مجاهد وبه جزم الأزرقي ويؤيده أن ابن إسحاق صرح أن النبي - ﷺ - أقام بعد أن رجع من تبوك رمضان وشوالًا وذا القعدة ثم بعث أبا بكر أميرًا على الحج، فهو ظاهر في أن بعث أبي بكر كان بعد انسلاخ ذي القعدة، فيكون حجه في ذي الحجة على هذا والله أعلم" (٤).
_________________
(١) ٩ التوبة: ٨٤.
(٢) أخرجه البخاري في الجنائز باب الكفن في القميص حديث رقم: ١٢٦٩، وفي التفسير، تفسير سورة التوبة باب استغفر لهم أو لا تستغفر لهم الحديث: ٤٦٧٠، ومسلم في صفات المنافقين حديث رقم: ٢٧٧٤، وأحمد في المسند كما في الفتح الرباني: ٢١/ ٢١٠.
(٣) ابن هشام في السيرة: ٢/ ٥٤٣.
(٤) فتح الباري: ٨/ ٨٢.
[ ٤٩٧ ]
ب - بم بعث النبي - ﷺ - عليًّا:
٧٦٧ - قال ابن إسحاق: وحدثني حكيم بن حكيم بن عباد بن حنيف، عن أبي جعفر محمد بن علي رضوان الله عليه أنه قال: "لما نزلت براءة على رسول الله - ﷺ -، وقد كان بعث أبا بكر الصديق ليقيم للناس الحج، قيل له: يا رسول الله لو بعثت بها إلى أبي بكر، فقال: (لا يؤدي عني إلا رجل من أهل بيتي).
ثم دعا علي بن أبي طالب رضوان الله عليه، فقال له: (اخرج بهذه القصة من صدر براءة، وأذن في الناس يوم النحر إذا اجتمعوا بمنى، أنه لا يدخل الجنة كافر، ولا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، ومن كان له عند رسول الله - ﷺ - عهد فهو له إلى مدته).
فخرج علي بن أبي طالب رضوان الله عليه على ناقة رسول الله - ﷺ - العضباء، حتى أدرك أبا بكر بالطريق، فلما رآه أبو بكر بالطريق، قال أأمير أم مأمور؟ فقال: بل مأمور، ثم مضيا، فأقام أبو بكر للناس الحج، والعرب إذ ذاك في تلك السنة على منازلهم من الحج التي كانوا عليها في الجاهلية.
حتى إذا كان يوم النحر، قام علي بن أبي طالب ﵁، فأذن في الناس بالذي أمره رسول الله - ﷺ -، فقال: "أيها الناس، إنه لا يدخل الجنة كافر، ولا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، ومن كان له عند رسول الله - ﷺ - عهد فهو له إلى مدته"، وأجلَّ الناس أربعة أشهر من يوم أذن فيهم، ليرجع كل قوم إلى مأمنهم أو بلادهم، ثم لا عهد لمشرك ولا ذمة إلا أحد كان له عند رسول الله - ﷺ - عهد مدة فهو إلى مدته.
فلم يحج بعد ذلك العام مشرك، ولم يطف بالبيت عريان.
ثم قدما على رسول الله - ﷺ -" (١).
_________________
(١) أخرجه ابن هشام في السيرة: ٢/ ٥٤٥ - ٥٤٦، وهو مرسل ولكن له شواهد يتقوى بها ذكرها ابن كثير ﵀ في السيرة: ٤/ ٧٠ - ٧٢، ومن هذه الشواهد ما جاء عن ابن عباس ﵄ عند أحمد: ٢/ ٢٩٩، الترمذي في تفسير القرآن سورة التوبة حديث: ٣٠٩١، وقال حديث حسن غريب، ومنها ما جاء عن أبي هريرة وسيأتي تخريجه لاحقًا، ومنها ما جاء عن علي من حديث زيد بن يثيع وسيأتي تخريجه أيضًا، وقد ذكر أيضًا ابن كثير في التفسير: ٢/ ٣٣٢ - ٣٣٤، كثيرًا من هذه الشواهد فانظرها هناك فالحديث بهذه الشواهد حسن والله أعلم. وله شاهد أيضًا من حديث أنس ﵁ عند الترمذي وأحمد، وقال الترمذي فيه حسن غريب.
[ ٤٩٨ ]
٧٦٨ - ومن حديث زيد بن يثيع قال: "سألت عليًّا بأي شيء بعثت في الحجة؟ قال: (بعثت بأربع: أن لا يطوف بالبيت عريان، ومن كان بينه وبين النبي - ﷺ - عهد فهو إلى مدته، ومن لم يكن له عهد فأجله أربعة أشهر، ولا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة، ولا يجتمع المشركون والمسلمون بعد عامهم هذا) (١).
٧٦٩ - من حديث أبي هريرة ﵁ قال: "بعثني أبو بكر الصديق في الحجة التي أمره عليها رسول الله - ﷺ -، قبل حجة الوداع في رهط يؤذنون في الناس يوم النحر: لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان" (٢).
قال ابن شهاب: "فكان حميد بن عبد الرحمن يقول: يوم النحر يوم الحج الأكبر، من أجل حديث أبي هريرة ".
والمعروف أن المنادي هو علي بن أبي طالب فكيف أمر أبو بكر ﵁ أبا هريرة ومن معه بالتأذين بهذه الأمور، قال الطحاوي في مشكل الآثار "هذا مشكل لأن الأخبار في هذه القصة تدل على أن النبي - ﷺ - كان بعث أبا بكر بذلك، ثم اتبعه عليًّا فأمره أن يؤذن، فكيف يبعث أبو بكر أبا هريرة ومن معه بالتأذين مع صرف الأمر عنه في ذلك إلى علي؟ ثم أجاب بما حاصله: أن أبا بكر ﵁ كان الأمير على الناس في تلك الحجة بلا خلاف، وكان علي هو المأمور بالتأذين بذلك، وكان عليًّا لم يطق التأذين بذلك وحده، واحتاج إلى من يعينه على ذلك، فأرسل معه أبو بكر أبا هريرة وغيره ليساعدوه على ذلك" (٣).
_________________
(١) أخرجه الحميدي في مسنده رقم: ٤٨، وأحمد في المسند: ١/ ٧٩، والترمذي في الحج باب ما جاء في كراهية الطواف عريانًا حديث رقم: ٨٧١ - ٨٧٢، وفي التفسير باب ومن سورة التوبة حديث رقم: ٣٠٩٢، والدارمي في المناسك باب لا يطوف بالبيت عريان: ٢/ ٦٨، وسنده صحيح، وحسنه الترمذي، وأخرجه أبو يعلى: ٤٥٢.
(٢) أخرجه البخاري في الصلاة باب ما يستر العورة حديث رقم: ٣٦٩، الحج باب لا يطوف بالبيت عريان حديث رقم ٣١٧٧، وفي التفسير في تفسير سورة براءة الأحاديث: ٤٦٥٥، ٤٦٥٦، ٤٦٥٧، وفي المغازي في باب حج أبي بكر حديث رقم: ٤٣٦٣، مسلم في الحج باب لا يحج البيت مشرك حديث رقم: ١٣٤٧، أبو داود في الماسك باب يوم الحج الأكبر حديث رقم: ١٩٤٦، النسائي في المناسك باب قوله ﷿ خذوا زينتكم عند كل مسجد: ٥/ ٢٣٤.
(٣) فتح الباري: ٨/ ٣١٨.
[ ٤٩٩ ]
٤ - وفد بني تميم:
بعد غزوة تبوك تمت كلمة الله ﵎ في شبه الجزيرة العربية كلها، وأمن الرسول - ﷺ - والمسلمون معه من كل عادية عليهم، ما استقر المسلمون في المدينة، حتى بدأت القبائل العربية تتوافد على المدينة معلنة الإِسلام، ومتبعة الهدى الذي جاء به سيد الأولين والآخرين، وسأذكر قصص هذه الوفود التي صح إسناد قدومها على سيدنا محمد لنلتمس من أحداثها العبرة والعظة، ومن هذه الوفود كان وفد بني تميم:
٧٧٠ - من حديث عمران بن حصين ﵄ قال: "دخلت على النبي - ﷺ - وعقلت ناقتي بالباب، فأتاه ناس من بني تميم فقال: (اقبلوا البشرى يا بني تميم). قالوا: قد بشرتنا فأعطنا (مرتين). ثم دخل عليه ناس من أهل اليمن فقال: (اقبلوا البشرى يا أهل اليمن إن لم يقبلها بنو تميم). قالوا: قد قبلنا يا رسول الله.
قالوا: جئنا نسألك عن هذا الأمر. قال: (كان الله ولم يكن شيء غيره، وكان عرشه على الماء، وكتب في الذكر كل شيء، وخلق السموات والأرض)، فنادى مناد: ذهبت ناقتك يا ابن الحصين. فانطلقت فإذا هي يقطع دونها السراب، فوالله لوددت أني كنت تركتها" (١).
٧٧١ - من حديث أبي هريرة ﵁ قال: "لا أزال أحب بني تميم بعد ثلاث سمعتهن من رسول الله - ﷺ - يقولها فيهم: (هم أشد أمتي على الدجال). وكانت فيهم سبية عند عائشة فقال: (اعتقيها فإنها من ولد إسماعيل). وجاءت صدقاتهم فقال: (وهذه صدقات قوم أو قومي) (٢).
_________________
(١) أخرجه البخاري في بدء الخلق باب ما جاء في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ حديث رقم: ٣١٩١، ٣١٩٠، وجاء عند البخاري أيضًا في المغازي حديث رقم: ٤٣٦٥، وحديث رقم: ٤٣٨٦ وفي التوحيد حديث رقم: ٧٤١٨، والترمذي في المناقب باب مناقب ثقيف وبني حنيفة رقم: ٣٩٥١، وقال حسن صحيح، والنسائي في الكبرى كما أشار إلى ذلك في تحفة الأشراف حديث رقم: ١٠٨٢٩.
(٢) أخرجه البخاري في المغازي باب قال ابن إسحاق غزوة عيينة بن حصن حديث رقم: ٤٣٦٦، مسلم في فضائل الصحابة باب من فضائل غفار وأسلم وجهينة وأشجع ومزينة وتميم ودوس وطيء حديث رقم: ٢٥٢٥.
[ ٥٠٠ ]
٥ - وفد بني عامر
أ - مقالتهم لرسول الله صلي الله عليه وسلم:
٧٧٢ - من حديث مطرف بن عبد الله بن الشخير ﵄ عن أبيه: (أنه وفد إلى النبي - ﷺ - في رهط من بني عامر قال: فأتيناه فسلمنا عليه، فقلنا: أنت ولينا، وأنت سيدنا، وأنت أطول علينا (قال يونس) وأنت أطول علينا طولًا، وأنت أفضلنا علينا فضلًا، وأنت الجفنة الغراء، فقال: "قولوا: (قولكم ولا يستجرنكم الشيطان) قال وربما قال: (ولا يستهوينكم) " (١).
ب - عامر بن الطفيل ومقولته الفاسدة للرسول ﵊:
قد سبق ذكر عامر بن الطفيل أثناء الحديث عن غزوة بئر معونة وأنه الذي تولى كبر قتل القراء السبعين، والغدر بهم، ثم لم يكفه هذا العمل، فجاء في وقد بني عامر يتهدد الرسول ﵊، فابتلاه الله تعالى بغدة في رقبته، مات على أثرها.
٧٧٣ - من حديث أنس ﵁ قال: "أن النبي - ﷺ - بعث خاله- أخ لأم سليم- في سبعين راكبًا. وكان رئيس المشركين عامر بن الطفيل خير بين ثلاث خصال فقال: يكون لك أهل السهل، ولي أهل المدر، أو أكون خليفتك، أو أغزوك بأهل غطفان بألف وألف، "ألف أشقر وألف شقراء" فطعن عامر في بيت "امرأة من بني فلان" أم فلان، فقال: غدة كغدة (البعير) البكر، في بيت امرأة من آل بني فلان، ائتونى بفرسي. فمات على ظهر فرسه، فانطلق حرام أخو أم سليم، وهو رجل أعرج ورجل من بني فلان، قال: كونا قريبًا حتى آتيهم " فذكر قصة القراء في بئر معونة" (٢).
_________________
(١) أخرجه أبو داود في السنن كتاب الأدب باب في كراهية التمادح حديث رقم: ٤٨٠٦، والنسائي في اليوم والليلة ذكر اختلاف الأخبار في قوله القائل سيدنا وسيدي حديث رقم: ٢٤٦، وأخرجه أحمد في المسند: ٤/ ٢٥، وسنده صحيح.
(٢) أخرجه البخاري في المغازي باب غزوة الرجيع ورعل وذكوان حديث رقم: ٤٠٩١ وأحمد في المسند: ٣/ ٢١٠.
[ ٥٠١ ]
٦ - وفد ضمامة بن ثعلبة عن قومه بني سعد بن بكر:
٧٧٤ - من حديث أنس بن مالك ﵁ قال: "بينما نحن جلوس مع النبي - ﷺ - في المسجد دخل رجل على جمل فأناخه في المسجد ثم عقله ثم قال لهم: أيكم محمَّد -والنبي - ﷺ - متكئ بين ظهرانيهم- فقلنا هذا الرجل الأبيض المتكئ، فقال له الرجل: ابن عبد المطلب. فقال له النبي - ﷺ -: (قد أجبتك).
فقال الرجل للنبي - ﷺ -: إني سائلك فمشدد عليك في المسألة، فلا تجد علي في نفسك.
فقال: (سل عما بدا لك). فقال: أسألك بربك ورب من قبلك، آلله أرسلك إلى الناس كلهم؟ فقال: (اللهم نعم).
قال: أنشدك بالله، آلله أمرك أن نصلي الصلوات الخمس في اليوم والليلة؟ قال: (اللهم نعم).
قال: أنشدك بالله، آلله أمرك أن نصوم هذا الشهر من السنة؟ قال: اللهم نعم.
قال: أنشدك بالله. آلله أمرك أن تأخذ هذه الصدقة من أغنيائنا فتقسمها في فقرائنا؟ فقال النبي - ﷺ -: (اللهم نعم).
فقال الرجل: آمنت بما جئت به، وأنا رسول من ورائي من قومي وأنا ضمام بن ثعلبة أخو بني سعد بن بكر" (١).
٧٧٥ - من حديث ابن عباس ﵄ قال: "بعثت بنو سعد بن بكر، ضمام بن ثعلبة وافدًا إلى رسول الله - ﷺ -، فقدم عليه وأناخ بعيره على باب المسجد، ثم عقله، ثم دخل المسجد، ورسول الله - ﷺ - جالس في أصحابه، وكان ضمام رجلًا جلدًا أشعر ذا غديرتين، فأقبل حتى وقف على رسول الله - ﷺ - في أصحابه فقال: أيكم ابن عبد المطلب؟ فقال رسول الله - ﷺ -: "أنا ابن
_________________
(١) أخرجه البخاري في العلم باب ما جاء في العلم وقوله تعالى ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ حديث: ٦٣، مسلم في الإيمان باب السؤال عن أركان الإِسلام حديث رقم: ١٢، النسائي في الصوم باب وجوب الصوم صفحة: ٤/ ١٢٢ - ١٢٣، أبو داود في الصلاة باب في المشرك يدخل المسجد حديث رقم: ٤٨٦، باختصار، ابن ماجة في الصلاة باب ما جاء في فرض الصلوات الخمس والمحافظة عليها حديث رقم:١٤٠٢.
[ ٥٠٢ ]
عبد المطلب"، قال: محمَّد؟ قال: (نعم)، فقال: ابن عبد المطلب إني سائلك ومغلظ في المسألة فلا تجدن في نفسك، قال: "لا أجد في نفسي فسل ما بدا لك"، قال: أنشدك الله إلاهك وإله من كان قبلك وإله من هو كائن بعدك آلله بعثك الينا رسولًا؟ قال: "نعم".
قال: أنشدك الله إلاهك وإله من كان قبلك، وإله من هو كائن بعدك آلله أمرك أن تأمرنا أن نعبده وحده لا نشرك به شيئًا وأن نخلع هذه الأنداد التي كانت أباؤنا يعبدون معه؟ قال: "اللهم نعم".
قال: فأنشدك الله إلاهك وإله من كان قبلك وإله من هو كائن بعدك آلله أمرك أن نصلي هذه الصلوات الخمس؟ قال: "اللهم نعم".
قال: ثم جعل يذكر فرائض الإِسلام فريضة فريضة: الزكاة، والصيام والحج وشرائع الإِسلام كلها يناشده عند كل فريضة كما يناشده في التي قبلها، حتى إذا فرع قال: فإني أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله - ﷺ - وسأؤدي هذه الفرائض وأجتنب ما نهيتني عنه ثم لا أزيد ولا أنقص.
قال: ثم انصرف راجعًا إلى بعيره، فقال رسول الله - ﷺ - حين ولى: "إن يصدق ذو العقيصتين يدخل الجنة"، قال: فأتى إلى بعيره، فأطلق عقاله، ثم خرج حتى قدم على قومه فاجتمعوا إليه فكان أول ما تكلم به أن قال: بئست اللات والعزى، قالوا: صه يا ضمام اتق البرص والجذام، اتق الجنون.
قال: ويلكم إنهما والله لا يضران ولا ينفعان، إن الله -﷿- قد بعث رسولًا، وأنزل عليه كتابًا استنقذكم به مما كنتم فيه، وإني أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدًا عبده ورسوله، إني قد جئتكم من عنده بما أمركم به ونهاكم عنه، قال فوالله ما أمسي من ذلك اليوم وفي حاضره رجل ولا امرأة إلا مسلمًا، قال: يقول ابن عباس ﵄: فما سمعنا بوافد قوم كان أفضل من ضمام بن ثعلبة" (١) واللفظ لأحمد.
_________________
(١) أخرجه أبو داود في الصلاة باب ما جاء في المشرك يدخل المسجد حديث رقم: ٤٨٧ مختصرًا، وأحمد في المسند: ١/ ٢٦٤، والحاكم في المستدرك: ٣/ ٥٤ - ٥٥، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي، وابن سعد في الطبقات: ١/ ٢٩٩، ابن هشام في السيرة: ٢/ ٥٧٣ - ٥٧٥، وسنده حسن صرح فيه ابن إسحاق بالتحديث.
[ ٥٠٣ ]
٧ - وفد عبد القيس:
أ - إخبار النبي بطلوعهم قبل أن يصلوا:
٧٧٩ - من حديث مزيدة العصري ﵁ قال: "بينما النبي - ﷺ - يحدث أصحابه إذ قال لهم: "سيطلع عليكم من ها هنا ركب هم خير أهل المشرق"، فقام عمر فتوجه نحوهم فلقى ثلاثة عشر راكبًا، فقال: من القوم؟ قالو: من بني عبد القيس، قال: فما أقدمكم هذه البلاد أتجارة؟ قالوا: لا، قال: أما أن النبي قد ذكركم آنفًا فقال خيرًا، ثم مشى معهم حتى أتوا النبي - ﷺ - فقال عمر للقوم: هذا صاحبكم الذي تريدونه، فرمى القوم بأنفسهم من ركائبهم فمنهم من مشى إليه ومنهم من هرول، ومنهم من سعى حتى أتوا النبي - ﷺ -، فأخذوا بيده فقبلوها.
وتخلف الأشج في الركاب حتى أناخها، وجمع متاع القوم، ثم جاء يمشي حتى أخذ بيد الرسول - ﷺ - فقبلها، فقال له النبي - ﷺ -: "إن فيك خلتين يحبهما الله ورسوله"، فقال: جبل جبلت عليه أم تخلقًا مني؟ قال: "بل جبلٌ" قال: الحمد لله الذي جبلني على ما يحب الله ورسوله" (١).
ب - قصة الجارود العبدي في إسلامه وسؤاله عن الضالة كيف حالها:
٧٧٧ - من حديث الجارود العبدي قال: "أتيت النبي - ﷺ - أبايعه فقلت له: على أني إن تركت ديني ودخلت في دينك لا يعذبني الله في الآخرة؟ قال: "نعم" وقد سألت النبي عن ضالة الإبل والماشية" (٢).
٧٧٨ - من حديث الجارود أن رسول الله - ﷺ - قال: "ضالة (٣) المسلم حرق (٤) النار" (٥).
_________________
(١) أخرجه البخاري في الأدب المفرد حديث رقم: ٦٨٥٠، وقال الهيثمي: ٥٨٧، باختصار، وأبو يعلى رقم: ٦٨٥٠، وقال الهيثمي: ٩/ ٣٨٨، رواه الطبراني وأبو يعلى، ورجالهما ثقات، وفي بعضهم اختلاف، قلت: والحديث إسناده جيد والبيهقي في الدلائل: ٥/ ٣٢٧.
(٢) أخرجه أبو يعلى في المسند رقم: ٩١٨، وقال الهيثمي في المجمع: ١/ ٣٢ رواه أبو يعلى ورجاله ثقات، قلت رجال أبو يعلى رجال الصحيح.
(٣) الضالة: الضائعة والمعنى من أخذ ضائعة لمسلم ليتملكها أدت إلى إحراقه بالنار وقال القاضي: أرادوا أنها حرق النار لمن آوها ولم يعرفها: أو قصد الخيانة فيها.
(٤) حرق: اللهب.
(٥) أخرجه أحمد: ٥/ ٨٠، الدارمي في البيوع باب في الضالة: ٢/ ٢٦٥ - ٢٦٦، الترمذي في الأشربة باب في النهي عن الشرب قائمًا: ١٨٨٢، وابن حبان برقم: ١١٧٠ موارد، وأبو يعلى في المسند رقم: ٩١٩، وقال الهيثمي في المجمع: ٤/ ١٦٧ رواه أحمد والطبراني بأسانيد رجال بعضها رجال الصحيح، ويشهد له حديث أبي هريرة عند البزار كما قال الهيثمي في المجمع: ٤/ ١٦٧، ورجاله رجال =
[ ٥٠٤ ]
جـ - ترحيب النبي بوفد عبد القيس وتفقيههم:
٧٧٩ - من حديث ابن عباس ﵄ قال: "إن وفد عبد القيس أتوا رسول الله - ﷺ -، فقال رسول الله - ﷺ - "من الوفد؟ أو من القوم؟ " قالوا: ربيعة قال: "مرحبًا بالقوم (١) أو بالوفد غير خزايا ولا الندامى" (٢).
قال: فقالوا: يا رسول الله! إنا نأتيك من شقة بعيدة (٣)، وإن بيننا وبينك هذا الحي من كفار مضر، وإنا لا نستطيع أن نأتيك إلا في شهر حرام، فمرنا بأمر فصل (٤) نخبر به من وراءنا، ندخل به الجنة. قال: فأمرهم بأربع، ونهاهم عن أربع. قال: "أمرهم بالإيمان بالله وحده"، وقال: "هل تدرون ما الإيمان بالله؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: "شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وأن تؤدوا خمسًا من المغنم" ونهاهم عن الدباء (٥)، والحنتم (٦)، والمزفت (٧)، وربما قال النقير (٨)، أو المقير وقال: احفظوه وأخبروا به مَن وراءكم" (٩).
_________________
(١) = الصحيح. وحديث عبد الله بن الشخير عند ابن ماجة في اللقطة باب ضالة الإبل والبقر والغنم وقال البوصيري في الزوائد: وإسناده صحيح ورجاله ثقات، فالحديث بذلك حسن وقد صححه ابن حبان.
(٢) مرحبًا بالقوم: صادفت رحبًا وسعة.
(٣) غير خزايا ولا الندامى: معناه أنه لم يكن منكم تأخر عن الإِسلام ولا عناد ولا أصابكم أسار ولا سباء ولا ما أشبه ذلك مما تستحيون بسببه أو تذلون أو تهانون أو تندمون.
(٤) شقة بعيدة: السفر البعيد، قيل المسافة البعيدة.
(٥) أمر فصل: البين الواضح الذي ينفصل به المراد.
(٦) الدباء: القرع اليابس أي الوعاء منه.
(٧) الحنتم: أصح الأقوال فيها: الجرار الخضر، وهي جرار كان يحمل فيها الخمر.
(٨) والمزفت: الأوعية التي فيها الزفت.
(٩) النقير: جذع ينقر وسطه ثم ينبذ فيها الرطب والبسر ثم يدعونه حتى يهدر، ثم يموت. المقير: هو الزفت المطلي بالقار. وأما معنى النهي عن هذة الأربع فهو أنه نهي عن الانتباذ فيها، وهو أن يجعل الماء في حبات من تمر أو زبيب أو نحوهما ليحلو ويشرب، وإنما خصت هذه بالنهي لأنه يسرع إليها الإسكار فيها فيصير حرامًا نجسًا.
(١٠) أخرجه البخاري في الإيمان باب أداء الخمس من الإيمان: ٥٣، وفي العلم: ٨٧، وفي مواقيت الصلاة: ٥٢٣، وفي الزكاة: ١٣٩٨، وفي فرض الخمس: ٣٠٩٥، وفي المناقب: ٣٥١٠، وفي المغازي: ٤٣٦٩، وفي الأدب: ٦١٧٦، وفي أخبار الآحاد: ٧٢٦٦، وفي التوحيد: ٧٥٥٦، ومسلم في الإيمان حديث رقم: ١٧، وأبو داود في الأشربة باب في الأوعية حديث: ٣٦٩٢، والترمذي في =
[ ٥٠٥ ]
قلت: وفي رواية أبي سعيد الخدري زيادة طريفة:
٧٨٠ - من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: "إن أناسًا من عبد القيس قدموا على رسول الله - ﷺ - فقالوا: يا نبي الله إنا حي من ربيعة، وبيننا وبينك كفار مضر، ولا نقدر عليك إلا في أشهر الحرم، فمرنا بأمر نأمر به من وراءنا، وندخل به الجنة، إذا نحن أخذنا به. فقال رسول الله - ﷺ -: "عبد القيس آمركم بأربع، وأنهاكم عن أربع؛ اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا، وأقيموا الصلاة، وآتوا الزكاة، وصوموا رمضان، وأعطوا الخمس من الغنائم وأنهاكم عن أربع؛ عن الدباء، والحنتم، والمزفت والنقير"، قالوا: يا نبي الله؟ ما علمك بالنقير؟ قال: "بلى جذع تنقرونه، فتقذفون فيه القطيعاء (١) (أو قال من الثمر) ثم تصبون فيه من الماء، حتى إذا سكن غليانه شربتموه، حتى إن أحدكم أو إن أحدهم ليضرب ابن عمه بالسيف" قال وفي القوم رجل أصابته جراحه كذلك، قال: وكنت أخبئها حياءً من رسول الله - ﷺ -.
فقلت: ففيم نشرب يا رسول الله؟ قال: "في أسقية الأدم، التي يلاث على أفواهها" (٢) قالوا: يا رسول الله! إن أرضنا كثيرة الجرذان، ولا تبقى بها أسقية الأدم، فقال النبي - ﷺ -: "وإن أكلتها الجرذان وإن أكلتها الجرذان، وإن أكلتها الجرذان" قال، وقال نبي الله - ﷺ - لأشج عبد القيس: "إن فيك خصلتين يحبهما الله الحلم والأناة" (٣).
_________________
(١) = الإيمان: ٢٦١٤، والنسائي في الإيمان باب أداء الخمس: ٨/ ١٢٠، والطحاوي في شرح معاني الآثار: ٤/ ٢٢٣، وعبد الرزاق في المصنف: ١٦٩٢٧، وأحمد في المسند: ١/ ٢٢٨، ٢٢٩، ٢٧٤، والطيالسي برقم: ٧١٤، والبيهقي: ٨/ ٣٠٠، ٨/ ٣٠٣ وابن خزيمة: ٢٢٤٦ من طرق عن ابن عباس.
(٢) القطيعاء: نوع من التمر صغار.
(٣) أسقية الأدم التي يلاث على أفواهها: الأدم جمع أديم وهو الجلد الذي تم دباغه، ومعنى يلاث على أفواهها: يلف الخيط على أفواهها ويربط بها.
(٤) أخرجه مسلم في الإيمان باب الأمر بالإيمان بالله تعالى ورسوله وشرائع الدين حديث رقم: ١٨، والبيهقي في السنن: ١٠/ ١٠٤، ١٩٤ وفي الدلائل: ٥/ ٣٢٥، ٣٢٦، من طريقين حدثنا سعيد بن أبي عروبة عن قتادة قال: حدثنا من لقي الوفد الذين قدموا على رسول الله من عبد القيس قال سعيد: وذكر قتادة أبو نضرة عن أبي سعيد. وأخرجه أحمد: ٣/ ٩٥ ومسلم في الأشربة باب النهي عن الانتباذ في المزفت حديث: ١٩٩٦، ٤٥، من طرق عن سليمان التيمي عن أبي نضرة عن أبي سعيد، وأخرجه مسلم: ١٩٩٦، ٤٥، والنسائي في الأشربة باب النهي عن نبيذ الدباء والحنتم والنقير: ٨/ ٣٠٦ من طريقين عن المثنى بن سعيد عن أبي المتوكل عن أبي سعيد.
[ ٥٠٦ ]
د - أشج عبد القيس وخصال الإيمان:
٧٨١ - من حديث أشج عبد القيس قال: قال النبي - ﷺ -: "إن فيك لخلقين يحبهما الله" قلت: وما هما يا رسول الله؟ قال: "الحلم والحياء" قلت: قديمًا كان أو حديثًا؟
قال: "قديمًا" قلت: الحمد لله الذي جبلني على خلقين أحبهما الله" (١).
هـ - تأخير الرسول صلي الله عليه وسلم صلاة السنة البعدية للظهر:
٧٨٢ - من حديث كريب أن ابن عباس والمسور بن مخرمة وعبد الرحمن بن أزهر ﵃ أرسلوه إلى عائشة ﵂ فقالوا: "اقرأ ﵍ منا جميعًا وسلها عن الركعتين بعد صلاة العصر، وقل لها: إنا أخبرنا أنك تصلينهما، وقد بلغنا أن النبي - ﷺ - نهى عنها، وقال ابن عباس: وكنت أضرب الناس مع عمر بن الخطاب عنها.
قال كريب: فدخلت على عائشة ﵂، فبلغتها ما أرسلوني، فقالت: سل أم سلمة، فخرجت إليهم فأخبرتهم بقولها. فردوني إلى أم سلمة بمثل ما أرسلوني إلى عائشة.
فقالت أم سلمة: سمعت النبي - ﷺ - ينهى عنهما، وإنه صلى العصر، ثم دخل علي وعندي نسوة من بني حرام من الأنصار فصلاهما، فأرسلنا إليه الخادم فقلت: قومي إلى جنبه فقولي: تقول أم سلمة يا رسول الله ألم أسمعك تنهى عن هاتين الركعتين، فأراك تصليهما، فإن أشار بيده فاستأخري ففعلت الجارية، فأشار بيده فاستأخرت عنه.
فلما انصرف قال: "يا بنت أبي أمية، سألت عن الركعتين بعد العصر، إنه أتاني أناس من عبد القيس بالإِسلام من قومهم، فشغلوني عن الركعتين اللتين بعد الظهر فهما هاتان" (٢).
_________________
(١) أخرجه أحمد في المسند: ٤/ ٢٠٥، ٢٠٦، والبخاري في الأدب المفرد: ٥٨٤ وابن أبي شيبة: ١٢/ ٢٠٢، وابن سعد: ٥/ ٥٥٨، والنسائي في فضائل الصحابة: ٢٠١، وفي الكبرى كما في التحفة: ٨/ ٥١٣، وقال الهيثمي في المجمع: ٩/ ٣٨٧ - ٣٨٨ ورواه أحمد ورجاله رجال الصحيح، إلا أن ابن أبي بكرة لم يدرك الأشج، وسنده صحيح وقد سبق هذا المعنى في حديث أبي سعيد الخدري، ومن حديث مزيدة العصري، ومن حديث ابن عباس من رواية ثانية في نفس الموضع المذكور آنفًا، وقد جاء أيضًا من حديث الزارع العبدي عن أحمد بسند حسن.
(٢) أخرجه البخاري في السهو باب إذا كلم وهو يصلي فأشار بيده واستمع حديث: ١٢٢٣، وفي المغازي باب وفد عبد القيس حديث رقم: ٤٣٧٠، ومسلم في كتاب صلاة المسافر وقصرها باب معرفة الركعتين اللتين كان يصليهما النبي - ﷺ - بعد العصر حديث رقم: ٨٣٤، وأبو داود في الصلاة باب الصلاة بعد العصر حديث رقم:١٢٧٣.
[ ٥٠٧ ]
و- أول جمعة جمعت بعد جمعة مسجد الرسول ﷺ:
٧٨٣ - من حديث ابن عباس ﵄ أنه قال: "إن أول جمعة جمعت -بعد جمعة في مسجد رسول الله - ﷺ - في مسجد عبد القيس بجواثي من البحرين" (١).
ز - قصة الرجل المصروع وشفاؤه على يد الرسول ﵊:
٧٨٤ - من حديث الزارع بن عامر، ويقال ابن عمرو العبدي، وكان في وفد عبد القيس قال: "أتيت رسول الله - ﷺ - والأشج المنذر بن عامر ومعهم رجل مصاب فانتهوا إلى رسول الله - ﷺ -. فلما رأوا رسول الله - ﷺ - وثبوا من رواحلهم، فأتوا رسول الله - ﷺ - فقبلوا يده، ثم نزل الأشج فعقل راحلته وأخرج عيبته، ففتحها فأخرج ثوبين أبيضين من ثيابه، فلبسهما، ثم أتى رواحلهم فعقلها، فأتي رسول الله - ﷺ -.
فقال: "يا أشج إن فيك خصلتين يحبهما الله ﷿ ورسوله؛ الحلم والأناة" فقال: يا رسول الله أنا تخلقتهما أو جبلني الله عليهما؟ فقال: "بل الله جبلك عليهما" قال: الحمد لله الذي جبلني على خلقين يحبهما الله ﷿ ورسوله.
فقال الزارع: يا رسول الله إن معي خالًا لي مصابًا، فادع الله له، فقال: "أين هو؟ ائتني به" قال: فصنعت مثل ما صنع الأشج، ألبسته ثوبيه، وأتيته، فأخذ من ردائه يرفعهما حتى رأينا بياض أبطه، ثم ضرب بظهره فقال: "اخرج عدو الله"، فولى وجهه وهو ينظر بنظر رجل صحيح" (٢).
_________________
(١) أخرجه البخاري في الجمعة باب الجمعة في القرى والمدن حديث رقم: ٨٩٢، والمغازي باب وفد عبد القيس حديث رقم: ٤٣٧١، أبو داود في الصلاة باب الجمعة في القرى حديث: ١٠٦٨.
(٢) أخرجه أحمد في المسند كما أشار إلى ذلك ابن كثير في السيرة: ٤/ ٨٩ - ٩٠. قلت: وهذا الحديث سقط من نسخة المسند المطبوعة، وذكره ابن حجر في المسند المعتلى: ٧٢٥٥، وأخرجه أبو داود الطيالسي كما أشار إلى ذلك ابن الأثير في أسد الغابة، وأخرجه الطبراني في الكبير رقم: ٥٣١٣، ٥٣١٤ والبخاري في الأدب المفرد رقم: ٩٧٥، وأخرج أبو داود في الأدب باب في قبلة الجسد حديث رقم: ٥٢٢٥، بعضه بنفس الإسناد، وقال المنذري في مختصر سنن أبي داود حديث رقم: ٥٠٦٢: وأخرج هذا الحديث أبو القاسم البغوي في معجم الصحابة وقال: ولا أعلم للزارع غيره، وذكر أبو عمر النمري: أن كنيته أبو الوازع، وأن له ابنًا يسمى الزارع وبه كان يكنى، وأن حديثه عند البصريين. وأن حديثه هذا حسن.
[ ٥٠٨ ]
٨ - وفد بني حنيفة وخبر مسيلمة:
قد سبق حديث ثمامة بن أثال الحنفي قبل فتح مكة:
أ - مقدم الوفد ومقولة النبي ﷺ لمسيلمة:
٧٨٥ - من حديث ابن عباس ﵄ قال: "قدم مسيلمة الكذاب على عهد رسول الله - ﷺ - فجعل يقول: إن جعل لي محمَّد الأمر من بعده تبعته، وقدمها في بشر كثير من قومه، فأقبل إليه رسول الله - ﷺ - ومعه ثابت بن قيس بن شماس، وفي يد رسول الله - ﷺ - قطعة جريد- حتى وقف على مسيلمة في أصحابه فقال: "لو سألتني هذه القطعة ما أعطيتكها، ولن تعدو أمر الله فيك، ولئن أدبرت ليعقرنك الله، وإني لأراك الذي أريت فيه ما رأيت، وهذا ثابت يجيبك عني"، ثم انصرف عنه.
قال ابن عباس: فسألت عن قول رسول الله - ﷺ -: "وإني لأراك الذي أريت فيه ما أريت"، فأخبرني أبو هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: "بينما أنا نائم رأيت في يدي سوارين من ذهب، فأهمني شأنهما، فأوحي إلي في المنام أن أنفخهما، فنفختهما فطارا، فأولتهما كذابين يخرجان من بعدي: أحدهما العنسي، والآخر مسيلمة" (١).
ب - رؤيا النبي ﷺ في مسيلمة والأسود العنسي:
٧٨٦ - من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: "بينما أنا نائم أتيت بخزائن الأرض، فوضع في كفي سواران من ذهب، فكبرا علي، فأوحي إلي أن أنفخهما، فنفختهما، فذهبا، فأولتهما الكذابين اللذين أنا بينهما: صاحب صنعاء وصاحب اليمامة" (٢).
_________________
(١) أخرجه البخاري في المغازي باب وفد بني حنيفة وحديث ثمامة بن أثال حديث رقم: ٤٣٧٣، ٤٣٧٤، ومسلم في الرؤيا باب رؤيا النبي - ﷺ - حديث رقم: ٢٢٧٣، ٢٢٧٤، وما جاء عن أبي هريرة في الحديث فقد أخرجه الشيخان كما سبق ذكره والترمذي، في الرؤيا باب ما جاء في رؤيا النبي - ﷺ - الميزان والدلو حديث: ٢٢٩٢، وقال: حديث حسن صحيح، والنسائي في الكبرى كما أشار إلى ذلك صاحب تحفة الأشراف بمعرفة الأطراف حديث رقم: ١٣٥٧٤.
(٢) أخرجه البخاري في المغازي باب وفد بني حنيفة وحديث ثمامة بن أثال حديث رقم: ٤٣٧٥، ومسلم في الرؤيا باب رؤيا النبي - ﷺ - حديث رقم: ٢٢٧٤، ٢٢، والترمذي في الرؤيا باب ما جاء في رؤيا النبي - ﷺ - الميزان والدلو حديث: ٢٢٩٢، وقال حديث حسن صحيح، والنسائي في الكبرى كما أشار إلى ذلك صاحب تحفة الأشراف حديث رقم: ١٣٥٧٤.
[ ٥٠٩ ]
جـ - ارتداد مسيلمة وادعاؤه النبوة وإرساله الرسل إلى النبي ﷺ:
٧٨٧ - من حديث نعيم بن مسعود الأشجعي ﵁ قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول حين قرأ كتاب مسيلمة الكذاب قال للرسولين: "فما تقولان أنتما"، قالا: نقول كما قال، فقال رسول الله - ﷺ -: "والله لولا أن الرسل لا تقتل لضربت أعناقكما" (١).
٧٨٨ - عن حارثة بن مضرب أنه أتى عبد الله فقال: "ما بيني وبين أحد من العرب، حِنَةٌ وإني مررت بمسجد لبني حنيفة، فإذا هم يؤمنون بمسيلمة، فأرسل إليهم عبد الله، فجيء بهم فاستتابهم غير ابن النواحة قال له: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "لولا أنك رسول لضربت عنقك" فأنت اليوم لست برسول، فأمر قرظة بن كعب فضرب عنقه في السوق، ثم قال: من أراد أن ينظر إلى ابن النواحة قتيلًا بالسوق" (٢).
د - لحوق أبي رجاء العطاردي بمسيلمة:
٧٨٩ - من حديث أبي رجاء العطاردي قال: "كنا نعبد الحجر، فإذا وجدنا حجرًا هو أخير منه ألقيناه، وأخذنا الآخر، فإذا لم نجد حجرًا جمعنا جثوة من تراب، ثم جئنا بالشاة فحلبنا عليه ثم طفنا به، فإذا دخل شهر رجب قلنا: منصل الأسنة، فلا ندع رمحًا فيه حديدة، ولا سهم فيه حديدة إلا نزعناه وألقيناه شهر رجب. وقال أبو رجاء: كنت يوم بعث النبي - ﷺ - غلامًا أرعى الإبل على أهلي، فلما سمعنا بخروجه فررنا إلى النار، إلى مسيلمة الكذاب" (٣).
_________________
(١) أخرجه أحمد في المسند: ٣/ ٤٨٧ - ٤٨٨، وأبو داود في سننه في الجهاد باب في الرسل حديث رقم: ٢٧٦١، والبيهقي في السنن: ٩/ ٢١١، وإسناده صحيح.
(٢) أخرجه أبو داود في سننه في الجهاد باب في الرسل حديث: ٢٧٦٢، والنسائي في السنن الكبرى كما أشار إلى ذلك صاحب تحفة الأشراف حديث رقم: ٩١٩٦، وأحمد في المسند، ١/ ٣٩٠، ٣٩٦، ٤٠٤، ٤٠٦، وابن حبان رقم: ١٦٢٩، موارد، والبيهقي في السنن: ٩/ ٢١١، ٢١٢، والبزار: ٢/ ٢٧١، رقم: ١٦٨١، والدارمي: ٢/ ٢٣٥، والطحاوي في شرح معاني الآثار: ٣/ ٣١٧، بإسناد صحيح عن ابن مسعود، وقد أورده الطيالسي في مسنده: ١/ ٢٣٨، حديث رقم: ١١٦٢وهو عنده بلفظ مختلف وقال الهيثمي في المجمع: ٥/ ٣١٤: رواه أبو داود باختصار وأحمد والبزار، وأبو يعلى مطولًا وإسناده حسن.
(٣) أخرجه البخاري في المغازي باب وفد بني حنيفة رقم: ٤٣٧٦ - ٤٣٧٧.
[ ٥١٠ ]
٩ - قدوم وفد الأشعريين:
أ - ارتجاز القوم عند قدومهم وفرحهم بلقاء الرسول ﵊:
٧٩٠ - من حديث أنس ﵁ قال: "قال رسول الله - ﷺ -: "يقدم عليكم أقوامٌ هم أرق منكم قلوبًا" قال: فقدم الأشعريون فيهم أبو موسى الأشعري فلما دنوا من المدينة كانوا يرتجزون يقولون: غدًا نلقى الأحبة محمدًا وحزبه" (١).
وقد سبق ذكر قدوم أبي موسى الأشعري مع قدوم جعفر من الحبشة في أثناء غزوة خيبر، ويحتمل أنه عاد إلى قومه ثم عاد بهم في وفد الأشعريين إلى رسول الله - ﷺ -.
ب - مدح النبي ﷺ لهم:
٧٩١ - من حديث أبي هريرة ﵁ قال، قال رسول الله - ﷺ -: "أتاكم أهل اليمن هم أرق أفئدة وألين قلوبًا، الإيمان يمان، والحكمة يمانية، والفخر والخيلاء في أصحاب الإبل والسكينة والوقار في أهل الغنم" (٢).
٧٩٢ - ومن حديث جبير بن مطعم ﵁ قال: "بينما نحن مع رسول الله - ﷺ - بطريق مكة إذ قال: "يطلع عليكم أهل اليمن كأنهم السحاب هم خيار من في الأرض، فقال رجل من الأنصار: ولا نحن يا رسول الله، فسكت. قال: ولا نحن يا رسول الله؟ فسكت قال: ولا نحن يا رسول الله؟ فقال في الثالثة: كلمة ضعيفة: "إلا أنتم" (٣).
جـ - قبولهم البشرى ورفض بني تميم لها:
٧٩٣ - من حديث عمران بن حصين ﵁ قال: (جاءت بنو تميم إلى
_________________
(١) أخرجه أحمد في المسند: ٣/ ١٠٥، ١٥٥، ١٨٢، ٢١٢، ٢٢٣، ٢٥١، ٢٦٢، وإسناده صحيح، والبيهقي في الدلائل: ٥/ ٣٥١ وأبو يعلى رقم: ٣٨٤٥.
(٢) أخرجه البخاري في المغازي باب قدوم الأشعريين وأهل اليمن حديث رقم: ٤٣٨٨، ومسلم في الإيمان باب تفاضل أهل الإيمان ورجحان أهل اليمن حديث رقم: ٥٢، الشافعي في المسند: ص: ٢٨٢، والترمذي في المناقب باب في فضل اليمن حديث رقم: ٣٩٣٥، وأحمد في المسند: ٢/ ٢٣٥، ٢٥٢، ٢٥٨،٢٦٧، ٢٧٧، ٣٨٠، ٤٧٤، ٤٨٠، ٤٨٨، ٥٠٢، ٥٤١، وابن منده في الإيمان حديث: ٤٣٨، والدولابي في الكنى: ١/ ٢٧١، والبخاري في التاريخ الكبير: ١/ ١٥٨.
(٣) أخرجه أحمد في المسند: ٤/ ٨٤، ورواه الطبراني رقم: ٤٧٠٢، كما قال الهيثمي في مجمع الزوائد: ١٠/ ٥٥: رواه أحمد والطبراني وإسناده حسن.
[ ٥١١ ]
رسول الله - ﷺ - فقال: "أبشروا يا بني تميم"، قالوا: أما إذا بشرتنا فأعطنا، فتغير وجه رسول الله - ﷺ -، فجاء ناس من أهل اليمن، فقال النبي - ﷺ -: "اقبلوا البشرى إذ لم يقبلها بنو تميم"، قالوا: قد قبلنا يا رسول الله" (١).
د - أهل اليمن مقر الإيمان ونجد مطلع قرن الشيطان:
٧٩٤ - من حديث أبي مسعود الأنصاري ﵁ قال: "أن النبي - ﷺ - قال: "الإيمان ها هنا- وأشار إلى اليمن، والجفاء وغلظ القلب في الفدادين عند أصول أذناب الإبل من حيث يطلع قرنا الشيطان ربيعة ومضر" (٢).
١٠ - وفد مزينة:
٧٩٥ - من حديث النعمان بن مقرن ﵁ قال: "قدمنا على رسول الله - ﷺ - في أربعمائة من مزينة، فأمرنا رسول الله - ﷺ - بأمره، فقال بعض القوم: يا رسول الله ما لنا طعام نتزوده، فقال النبي - ﷺ - لعمر: "زودهم" فقال: ما عندي إلا فاضلة من تمر وما أراها تغني عنهم شيئًا، فقال: انطلق فزودهم، فانطلق بنا إلى علية له، فإذا فيها ثمر مثل البكر الأورق، فقال: خذوا فأخذ القوم حاجتهم، قال: وكنت أنا في آخر القوم، قال: فالتفت وما أفقد موضع تمرة، وقد احتمل منه أربعمائة رجل" (٣).
١١ - وفد دوس:
أ - دعاء النبي بأن يهديهم الله:
٧٩٦ - من حديث أبي هريرة ﵁ قال: "جاء الطفيل بن عمرو إلى
_________________
(١) قد سبق تخريجه حديث رقم:٧٧٠.
(٢) أخرجه البخاري في المغازي باب قدوم الأشعريين وأهل اليمن حديث رقم: ٤٣٨٧، مسلم في الإيمان باب تفاضل أهل الإيمان ورجحان أهل اليمن حديث رقم: ٥١، وأحمد في المسند: ٢/ ٢٣٥، ٢٥٢، ٢٥٨، وابن منده في الإيمان حديث رقم: ٤٢٧.
(٣) أخرجه أحمد في المسند: ٥/ ٤٤٥، ورجاله ثقات وسنده حسن وقد جاء من حديث دكين بن سعيد المزني، أخرجه الطبراني رقم: ٤٧٠٢، وأبو نعيم في الدلائل رقم: ٣٣٣، وفي الحلية: ١/ ٣٦٥، وأحمد في المسند: ٤/ ١٧٤، وقال الهيثمي في المجمع: ٨/ ٣٠٥ رواه أحمد والطبراني ورجاله رجال الصحيح، وروى أبو داود طرفًا منه". ورواه أبو داود مختصرًا برقم: ٥٢٣٨، وابن حبان موارد: ٢١٥١، والحميدي رقم: ٨٩٣، والبخاري في التاريخ الكبير: ٣/ ٢٥٥ - ٢٥٦، قلت: وإسناده صحيح.
[ ٥١٢ ]
النبي - ﷺ - فقال: "إن دوسًا قد هلكت، عصت وأبت، فادع الله عليهم".
فقال: "اللهم اهد دوسًا وائت بهم" (١).
ب - قصة غلام أبي هريرة:
٧٩٧ - من حديث أبي هريرة ﵁ قال: "لما قدمت على النبي - ﷺ - قلت في الطريق:
يا ليلة من طولها وعنائها على أنها من دارة الكفر نجت
وابق غلام لي في الطريق، فلما قدمت على النبي - ﷺ - فبايعته فبينما أنا عنده إذ طلع الغلام فقال لي النبي - ﷺ -: "يا أبا هريرة، هذا غلامك، فقلت: هو لوجه الله فأعتقته" (٢).
١٢ - وفد نجران:
٧٩٨ - من حديث حذيفة بن اليمان ﵁ قال: "جاء العاقب والسيد صاحبا نجران إلى رسول الله - ﷺ - يريدان أن يلاعناه، قال: فقال أحدهما لصاحبه: لا تفعل، فوالله لئن كان نبيًّا فلاعننا لا نفلح نحن ولا عقبنا من بعدنا، قالا: إنا نعطيك ما سألتنا، وابعث معنا رجلًا أمينًا، ولا تبعث معنا إلا أمينًا. فقال: "لأبعثن معكم رجلًا أمينًا حق أمين"، فاستشرف له أصحاب رسول الله - ﷺ -، قال: "قم يا أبا عبيدة بن الجراح"، فلما قام قال رسول الله - ﷺ -: "هذا أمين هذه الأمة" (٣).
_________________
(١) أخرجه البخاري في المغازي باب قصة دوس والطفيل بن عمرو الدوسي، حديث رقم: ٤٣٩٢، ومسلم في فضائل الصحابة باب من فضائل غفار وأسلم وجهينة وأشجع ومزينة وتميم ودوس وطيء حديث رقم: ٢٥٢٤، والشافعي في مسنده ص: ١٨٢، والطبراني في الكبير: ٨/ ٣٩١.
(٢) أخرجه البخاري في المغازي باب قصة دوس والطفيل بن عمرو وحديث رقم: ٤٣٩٣.
(٣) أخرجه البخاري في فضائل الصحابة باب مناقب أبي عبيدة بن الجراح حديث رقم: ٣٧٤٥، وفي المغازي باب قصة أهل نجران: ٤٣٨٠، و٤٣٨١، وفي الآحاد باب ما جاء في إجازة خبر الواحد: ٧٢٥٤، مسلم في الفضائل باب فضل أبي عبيدة حديث: ٢٤٢٠، والترمذي في المناقب: ٣٧٥٩، وابن ماجة في المقدمة حديث: ١٣٥، وأحمد في المسند:٥/ ٣٩٨، ٤٠٠، والطيالسي: ٢/ ١٥٩، وأبو نعيم في الحلية: ٧/ ١٧٦، عن حذيفة، والحاكم: ٣/ ٢٦٧، وأحمد ١/ ٤١١، والفسوي: ١/ ٤٨٨، عن ابن مسعود.
[ ٥١٣ ]
١٣ - وفد كندة مع الأشعث بن قيس:
٧٩٩ - من حديث الأشعث بن قيس ﵁: قال: "أتيت رسول الله - ﷺ - في وفد كندة ولا يروني إلا أفضلهم، فقلت: يا رسول الله! ألستم منا؟ فقال: "نحن بنو النضر بن كنانة لا نقفوا أمنا، ولا ننتفي من أبينا".
قال: فكان الأشعث بن قيس يقول: لا أوتى برجل نفى رجلًا من قريش، من النضر بن كنانة إلا جلدته الحد" (١).
قصة ولد الأشعث بن قيس:
٨٠٠ - من حديث الأشعث بن قيس ﵁ قال: "قدمت على رسول الله - ﷺ - في وفد كندة، فقال لي: هل لك من ولد، قلت: غلامٌ وُلِدَ لي في مخرجي إليك من ابنه جمد، ولوددت أن مكانه شبعَ القوم.
قال: "لا تقولن ذلك فإن فيهم قرة عين وأجرًا إذا قبضوا، ثم ولئن قلت ذاك إنهم لمجبنة محزنة، إنهم لمجبنة محزنة" (٢).
١٤ - وفد همذان:
وسيأتى لهؤلاء القوم ذكر عند حديثنا عن إرسال النبي - ﷺ - إلى أهل اليمن يدعوهم إلى الله ﷿ برقم: ٨٠٨، فلينظر هناك.
١٥ - وفد عمان والبحرين:
٨٠١ - من حديث جابر بن عبد الله ﵄ قال: "قال لي رسول الله - ﷺ -: "لو قد جاء مال البحرين لقد أعطيتك هكذا، وهكذا، ثلاثًا" فلم يقدم مال البحرين حتى قبض رسول الله - ﷺ - فلما قدم على أبي بكر أمر مناديًا فنادى:
_________________
(١) أخرجه أحمد: ٥/ ٢١١، ٢١٢، وابن ماجة في كتاب الحدود باب من نفى رجلًا من قبيلة حديث: ٢٦١٢، وإسناد ابن ماجة قوي، وصححه البوصيري في الزوائد، وقد سبق برقم: ٤.
(٢) أخرجه أحمد في المسند: ٥/ ٢١١، وتفرد به، وأخرجه الطبراني في الكبير رقم: ٦٤٧، والحاكم في المستدرك: ٤/ ٢٣٩، وصححه على شرط الشيخين ووافقه الذهبي، وهو حديث حسن جيد الإسناد كما قال ابن كثير في السيرة: ٤/ ١٤٢.
[ ٥١٤ ]
من كان له عند النبي - ﷺ - دين أو عدة فليأتني. قال جابر: فجئت أبا بكر فأخبرته أن النبي - ﷺ - قال: "لو جاء مال البحرين أعطيتك هكذا وهكذا" (ثلاثًا) قال: فأعطاني.
قال جابر: فلقيت أبا بكر بعد ذلك فسألته فلم يعطني، ثم أتيته فلم يعطني، ثم أتيته الثالثة فلم يعطني. فقلت له: قد أتيتك فلم تعطني، ثم أتيتك فلم تعطني، ثم أتيتك فلم تعطني. فإما أن تعطيني، وإما أن تبخل عني -قال: أقلت تبخل عني؟ وأي داء أدوأ من البخل؟ قالها ثلاثًا. ما منعتك من مرة إلا وأنا أريد أن أعطيك" (١).
وعن عمرو عن محمَّد بن علي سمعت جابر بن عبد الله يقول: "جئته فقال لي أبو بكر: عدها، فعددتها فوجدتها خمسمائة، فقال: خذ مثلها مرتين".
١٦ - قدوم طارق بن عبد الله وأصحابه على النبي ﷺ:
٨٠٢ - من حديث طارق بن عبد الله المحاربي ﵁ قال: "رأيت رسول الله - ﷺ - مر بسوق ذي المجاز، وأنا في بياعة لي، فمرَّ وعليه حلة حمراء فسمعته يقول: "يا أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا"، ورجل يتبعه يرميه بالحجارة قد أدمى كعبه، وهو يقول: "يا أيها الناس لا تطيعوا هذا فإنه كذاب، فقلت من هذا؟ فقيل: هذا غلام من بني عبد المطلب.
فلما أظهر الله الإِسلام خرجنا من الربذة ومعنا ظعينة لنا حتى نزلنا قريبًا من المدينة، فبينما نحن قعودٌ وإذ أتانا رجل عليه ثوبان، فسلم علينا فقال: "من أين القوم"، فقلنا: من الربذة، ومعنا جمل أحمر فقال: "تبيعوني هذا الجمل"، فقلنا: نعم. فقال: "بكم؟ " فقلنا: بكذا وكذا صاعًا من تمر، قال: "أخذته وما أستقصي"، فأخذ بخطام الجمل، فذهب به حتى توارى في حيطان المدينة، فقال بعضنا لبعض: تعرفون الرجل فلم يكن منا أحد يعرفه. فلام القوم بعضهم بعضًا، فقالوا: تعطون جملكم من لا تعرفون.
فقالت الظعينة: فلا تلاوموا فلقد رأينا وجه رجل لا يغدر بكم، ما رأيت
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه في المغازي باب قصة عمان والبحرين حديث رقم: ٤٣٨٣، ومسلم في الفضائل باب ما سئل رسول الله - ﷺ - شيئًا قط فقال: لا. وكثرة عطائه حديث رقم: ٢٣١٤.
[ ٥١٥ ]
شيئًا أشبه بالقمر ليلة البدر من وجهه، فلما كان العشى أتانا رجل فقال: "السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أنتم الذين جئتم من الربذة"، قلنا: نعم قال: أنا رسول رسول الله - ﷺ - إليكم، وهو يأمركم أن تأكلوا من هذا التمر حتى تشبعوا، وتكتالوا حتى تستوفوا، فأكلنا من التمر حتى شبعنا، واكتلنا حتى استوفينا.
ثم قدمنا المدينة من الغد فإذا رسول الله - ﷺ - قائم يخطب الناس على المنبر فسمعته يقول: "يد المعطي العليا، وابدأ بمن تعول، أمك وأباك وأختك وأخاك وأدناك أدناك"، وثم رجل من الأنصار فقال: يا رسول الله هؤلاء بنو ثعلبة بن يربوع الذين قتلوا فلانًا في الجاهلية، فخذ لنا بثأرنا، فرفع رسول الله - ﷺ - يديه حتى رأيت بياض إبطيه، فقال: "لا تجني أم ولد على ولد، لا تجني أم ولد على ولد" وهذا لفظ الحاكم (١).
١٧ - وفد بني أسد:
٨٠٣ - من حديث ابن عباس ﵄ قال: "قدم على النبي - ﷺ - وفد بني أسد فتكلموا فأبانوا، فقالوا: يا رسول الله، قاتلتك مضر كلها ولم نقاتلك، ولسنا بأقلهم عددًا ولا أقلهم شوكة. وصلنا رحمك، فقال رسول الله - ﷺ - لأبي بكر وعمر حيث سمع كلامهم: "أيتكلمون هكذا؟ " قال: يا رسول الله، إن فقههم لقليل، وإن الشيطان لينطق على لسانهم" (٢).
_________________
(١) أخرجه ابن ماجة في الديات باب لا يجني أحد على أحد رقم: ٢٦٧٠، وقال البوصيري في الزوائد: إسناده صحيح رجاله ثقات وهو مختصر عنده وأخرج النسائي في الزكاة باب أيتهما اليد العليا: ٥/ ٦١ وفي القسامة: ٨/ ٥٥، مقطعًا منه. وهو وخطبته على المنبر وقوله اليد العليا ) والبيهقي في الدلائل: ٥/ ٣٨١، والطبراني في الكبير: ٨١٧٥، والدارقطني:٣/ ٤٤ - ٤٥، وابن أبي شيبة: ١٤/ ٣٠٠، والحاكم في المستدرك: ٢/ ٦١١، ٦١٢، وقال صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي، وسنده صحيح كما قالا.
(٢) أخرجه أبو يعلى ورجاله رجال الصحيح: ٢٣٦٣، والبزار كما نقله ابن كثير في تفسيره، وانظر الدر المنثور: ٦/ ١٠٠، وقد عزاه إلى النسائي والبزار وابن مردويه عن ابن عباس، وهو في السنن الكبرى للنسائي كما أشار إلى ذلك صاحب تحفة الأشراف حديث رقم: ٥٥٧٦.
[ ٥١٦ ]
١٨ - قدوم جرير بن عبد الله البجلي:
أ - مقالة النبي فيه حين قدم عليه:
٨٠٤ - من حديث جرير بن عبد الله البجلي ﵁ قال: "لما دنوت من المدينة أنخت راحلتي دم حللت عيبتي ثم لبست حلتي، ثم دخلت فإذا رسول الله - ﷺ - يخطب فرماني الناس بالحدق، فقلت لجليسي: يا عبد الله هل ذكرني رسول الله - ﷺ -؟ قال: نعم ذكرك بأحسن الذكر، بينما هو يخطب إذ عرض له في خطبته وقال: "يدخل عليكم من هذا الباب أو من هذا الفج من خير ذي يمن، ألا أن على وجهه مسحة ملك".
قال جرير: فحمدت الله -﷿- على ما أبلاني" (١).
ب - تبسم الرسول ﷺ له كما رآه:
٨٠٥ - من حديث جرير بن عبد الله البجلي ﵁ قال: "ما حجبني عنه رسول الله - ﷺ -. منذ أسلمت ولا رآني إلا تبسم" (٢).
جـ - سريته لتخريب ذي الخصلة:
٨٠٦ - من حديث جرير بن عبد الله ﵁ قال: "قال لي رسول الله - ﷺ -: "ألا تريحني من ذي الخلصة؟ " فقلت: بلى. فانطلقت في خمسين ومائة فارس من أحمس، وكانوا أصحاب خيل، وكنت لا أثبت على الخيل، فذكرت ذلك للنبي - ﷺ - فضرب يده على صدري وقال: "اللهم ثبته، واجعله هاديًا مهديًا". قال: فما وقعت عن فرس بعد. قال: وكان ذو الخلصة بيتًا باليمن لخثعم وبجيلة فيه نصب تعبد، يقال له الكعبة.
_________________
(١) أخرجه أحمد في المسند: ٤/ ٣٥٦ - ٣٦٠ - ٣٦٤، وإسناده صحيح، والطبراني في الكبير رقم: ٢٢٥٨، ٢٤٨٣، ٢٤٩٨، والحميدي في مسنده رقم: ٨٠٠، وإسنادهما صحح، وقال ابن كثير في السيرة: ٤/ ١٤٩ - ١٥٠، وهذا على شرط الصحيحين، وأشار إلى أن النسائي قد أخرجه في سننه، وقال الهيثمي في المجمع: ٩/ ٣٧٢، رواه أحمد والطبراني في الكبير والأوسط باختصار وأسانيد الكبير رجاله رجال الصحيح وأخرجه البزار رقم: ٣٦٥.
(٢) أخرجه أحمد في المسند: ٤/ ٣٥٨، ٣٥٩، ٣٦٢، ٣٦٥، البخاري في مناقب الأنصار باب ذكر جرير بن عبد الله البجلي حديث رقم: ٣٨٢٢، مسلم في فضائل الصحابة باب من فضائل جرير بن عبد الله حديث رقم: ٢٤٧٥، وابن ماجة في المقدمة فضل جرير بن عبد الله حديث: ١٥٩، والترمذي في المناقب باب مناقب جرير بن عبد الله حديث: ٣٨٢٠، وقال حسن صحيح، والطبراني في الكبير رقم: ٢٢١٩ - ٢٢٢٣، والحميدي: ٢/ ٣٥٠.
[ ٥١٧ ]
قال: فأتاها فحرقها بالنار وكسرها. قال: ولما قدم جرير اليمن كان بها رجل يستقسم بالأزلام، فقيل له: إن رسول رسول الله - ﷺ - ها هنا، فإن قدر عليك ضرب عنقك. قال: فبينما هو يضرب بها إذ وقف عليه جرير فقال: لتكسرنها ولتشهدن أن لا إله إلا الله أو لأضربن عنقك. قال: فكسرها وشهد، ثم بعث جرير رجلًا من أحمس يكنى أبا أرطأة إلى النبي - ﷺ - يبشره بذلك. فلما أتى النبي - ﷺ - قال: يا رسول الله، والذي بعثك بالحق ما جئت حتى تركتها كأنها جمل أجرب، قال فبرَّك النبي - ﷺ - على خيل أحمس ورجالها خمس مرات" (١).
١٩ - قدوم تميم الداري وإخباره عن الدجال والجساسة:
٨٠٧ - من حديث فاطمة بن قيس: قال عامر بن شراحيل الشعبي: إنه سأل فاطمة بنت قيس، أخت الضحاك بن قيس، وكانت من المهاجرات الأول. فقال: حدثيني حديثًا سمعتيه من رسول الله - ﷺ -، لا تسنديه إلى أحد غيره، فقالت: "لئن شئت لأفعلن، فقال لها: أجل. حدثيني.
فقالت: نكحت ابن المغيرة، وهو من خيار شباب قريش يومئذ، فأصيب (٢)
في أول الجهاد مع رسول الله - ﷺ - فلما تأيمت خطبني عبد الرحمن بن عوف في نفر من أصحاب رسول الله - ﷺ -، وخطبني رسول الله - ﷺ - على مولاه أسامة بن زيد، وكنت قد حُدثت، أن رسول الله - ﷺ - قال: "من أحبني فليحب أسامة" فلما كلمني رسول الله - ﷺ -، قلت: أمري بيدك، فأنكحني من شئت.
فقال: "انتقلي إلى أم شريك"، وأم شريك امرأة غنية، من الأنصار عظيمة النفقة في سبيل الله، ينزل عليها الضيفان، فقلت: سأفعل.
فقال: "لا تفعلي، إن أم شريك امرأة كثيرة الضيفان فإني أكره أن يسقط عنك خمارك، أو ينكشف الثوب عن ساقيك، فيرى القوم منك بعض ما تكرهين، ولكن انتقلي إلى ابن عمك، عبد الله بن عمرو بن أم مكتوم" وهو
_________________
(١) أخرجه البخاري في المغازي باب غزوة ذي الخلصة الأحاديث رقم: ٤٣٥٥، ٤٣٥٦، ٤٣٥٧، وانظر أرقام: ٣٠٢٠، ٣٠٣٦، ٣٠٧٦، ٣٨٢٣، ٦٠٨٩، ٦٣٣٣. مسلم في فضائل الصحابة باب فضائل جرير بن عبد الله حديث: ٢٤٧٦، والحميدي في مسنده رقم: ٨٠١، والطبراني في الكبير رقم: ٢٢٥٢ - ٢٢٥٧، وأحمد في المسند: ٤/ ٣٦٢، ٢٦٠، ٣٦٥، وأبو داود برقم: ٢٢٧٢.
(٢) فأصيب في أول الجهاد قال العلماء ليس معناه أنه قتل في الجهاد مع النبي - ﷺ - وتأيمت بذلك، إنما تأيمت بطلاقه البائن.
[ ٥١٨ ]
رجل من بني فهو، فهو قريش، وهو من البطن الذي هي منه، فانتقلت إليه.
فلما انقضت عدتي سمعت نداء المنادي، منادي رسول الله - ﷺ - ينادي: الصلاة جامعة، فخرجت إلى المسجد، فصليت مع رسول الله - ﷺ -. فكنت في صف النساء التي تلي ظهور القوم. فلما قضى رسول الله - ﷺ - صلاته، جلس على المنبر وهو يضحك. فقال: "ليلزم كل إنسان مصلاه" ثم قال: "أتدرون لم جمعتكم؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم.
قال: "إني والله، ما جمعتكم لرغبة ولا لرهبة. ولكن جمعتكم، لأن تميمًا الداري كان رجلًا نصرانيًّا، فجاء فبايع وأسلم، وحدثني حديثًا وافق الذي كنت أحدثكم عن مسيح الدجال، حدثني أنه ركب في سفينة بحرية، مع ثلاثين رجلًا من لخم وجذام، فلعب بهم الموج شهرًا في البحر، ثم أرفئوا إلى جزيرة في البحر حتى مغرب الشمس، فجلسوا في أقرب السفينة (١). فدخلوا الجزيرة، فلقيتهم دابة أهلب (٢) كثير الشعر. لا يدرون ما قبله من دبره، من كثرة الشعر.
فقالوا: ويلك! ما أنت؟ فقالت: أنا الجساسة. قالوا: وما الجساسة. قالت: أيها القوم! انطلقوا إلى هذا الرجل في الدير. فإنه إلى خبركم بالأشواق (٣). قال: لما سمت لنا رجلًا فرقنا منها (٤) أن تكون شيطانة، قال: فانطلقنا سراعًا. حتى دخلنا الدير. فإذا فيه أعظم إنسان (٥) رأيناه قط خلقًا، وأشد وثاقًا. مجموعة يداه إلى عنقه، ما بين ركبتيه إلى كعبيه، بالحديد.
قلنا: ويلك؟ ما أنت؟ قال: قد قدرتم على خبري، فأخبروني ما أنتم؟ قالوا: نحن أناس من العرب، ركبنا في سفينة بحرية، فصادفنا البحر حين اغتلم (٦)، فلعب بنا الموج شهرًا، ثم أرفأنا إلى جزيرتك هذه، فجلسنا في أقربها، فدخلنا الجزيزة، فلقينا دابة أهلب كثير الشعر، لا ندري ما قبله من دبره
_________________
(١) أقرب السفينة: جمع قارب وهي السفن الصغيرة تكون مع الكبيرة يتصرف فيها ركاب السفينة لقضاء حوائجهم.
(٢) أهلب: غليظ الشعر كثيره.
(٣) فإنه إلى خبركم بالأشواق: شديد الأشواق إليه أي إلى خبركم.
(٤) فرقنا منها، خفنا.
(٥) أعظم إنسان: أي أكبره جثة.
(٦) اغتلم: هاج وجاوز حده المعتاد.
[ ٥١٩ ]
من كثرة الشعر. فقلنا. ويلك! ما أنت! فقالت: أنا الجساسة. قلنا: وما الجساسة؟ قالت: اعمدوا إلى هذا الرجل في الدير، فإنه إلى خبركم بالأشواق. فأقبلنا إليك سراعًا، وفزعنا منها ولم نأمن أن تكون شيطانة.
فقال: أخبروني عن نخل بيسان (١). قلنا: عن أبي شأنها تستخبر؟ قال: أسألكم عن نخلها، هل يثمر؟ قلنا له: نعم. قال: أما إنه يوشك أن لا تثمر.
قال: أخبروني عن بحيرة الطبرية. قلنا: عن أبي شأنها تستخبر؟ قال: هل فيها ماء؟ قالوا: هي كثيرة الماء قال: أما إن ماءها يوشك أن يذهب.
قال: أخبروني عن عين زغر (٢) قالوا: عن أبي شأنها تستخبر؟ قال: هل في العين ماء؟ وهل يزرع أهلها بماء العين؟ قلنا له: نعم. هي كثيرة الماء وأهلها يزرعون من مائها.
قال: أخبروني عن نبي الأميين ما فعل؟ قالوا: قد خرج من مكة ونزل يثرب. قال: أقاتله العرب؟ قلنا: نعم. قال: كيف صنع بهم؟ فأخبرناه أنه قد ظهر على من يليه من العرب وأطاعوه. قال لهم: قد كان ذلك؟ قلنا: نعم. قال: أما أن ذاك خير لهم أن يطيعوه. وإني مخبركم عني: إني أنا المسيح. وإني أوشك أن يؤذن لي في الخروج فأخرج فأسير في الأرض فلا أدع قرية إلا هبطها في أربعين ليلة. غير مكة وطيبة (٣). فهما محرمتان عليَّ كلتاهما. كما أردت أن أدخل واحدة، أو واحدًا منها، استقبلني ملك بيده السيف صلتا (٤) يصدني عنها. وإن على كل نقب منها ملائكة يحرسونها) قالت: قال رسول الله - ﷺ - وطعن بمخصرته في المنبر (هذه طيبة، هذه طيبة) يعني المدينة" "ألا هل كنت حدثتكم ذلك؟ ".
قال الناس: نعم "فإنه أعجبني حديث تميم أنه وافق الذي كنت أحدثكم عنه وعن المدينة ومكة. إلا أنه في بحر الشام أو بحر اليمن، لا بل من قبل
_________________
(١) نخل يسان: وهي قربة بالشام شمال فلسطين.
(٢) عين زغر: هي بلدة معروفة في الجانب القبلي من الشام.
(٣) طيبة: المدينة.
(٤) صلتًا: مسلولًا.
[ ٥٢٠ ]
المشرق، ما هو (١)، من قبل المشرق، ما هو، من قبل المشرق، ما هو" وأومأ بيده إلى المشرق. قالت: فحفظت هذا من رسول الله - ﷺ" (٢).
٢٠ - رسل النبي ﷺ إلى أهل اليمن:
أ - إرسال علي وخالد إلى همدان:
٨٠٨ - من حديث البراء بن عازب ﵄ قال: "إن النبي - ﷺ - بعث خالد بن الوليد إلى أهل اليمن يدعوهم إلى الإِسلام، قال البراء: فكنت فيمن خرج مع خالد بن الوليد، فأقمنا ستة أشهر ندعوهم إلى الإِسلام فلم يجيبوه، ثم إن النبي - ﷺ - بعث علي بن أبي طالب - ﵁ - فأمره أن يقفل خالدًا إلى رجل كان ممن يمم مع خالد، ومن أحب أن يعقب مع علي فليعقب معه، قال البراء: فكنت فيمن عقب مع علي. فلما دنونا من القوم خرجوا لنا فصلى بنا علي ثم صفنا صفًّا واحدًا، ثم تقدم بين أيدينا وقرأ عليهم كتاب رسول الله فأسلمت همدان جمعًا، فكتب علي إلى رسول الله - ﷺ - بإسلامهم فلما قرأ رسول الله - ﷺ - الكتاب خر ساجدًا، ثم رفع رأسه فقال: "السلام على همدان السلام على همدان" (٣).
ب - إرسال معاذ وأبي موسى إلى اليمن:
٨٠٩ - من حديث أبي موسى الأشعري قال: "أقبلت إلى النبي - ﷺ - ومعي رجلان من الأشعريين أحدهما عن يميني والآخر عن شمالي، وكلاهما سأل العمل، والنبي - ﷺ - يستاك، فقال: "ما تقول يا أبا موسى، أو يا عبد الله بن قيس؟ " قلت: والذي بعثك بالحق ما أطلعاني على ما في أنفسهما، وما شعرت أنهما يطلبان العمل، وكأني أنظر إلى سواكه تحت شفته قلصت، قال: "لن
_________________
(١) ما هو: قال القاضي: لفظه ما هو زائدة، صلة للكلام، ليست بنافية، والمراد إثبات أنه في جهة الشرق.
(٢) أخرجه مسلم في الفتن وأشراط الساعة باب قصة الجساسة حديث: ٢٩٤٢، والترمذي في الفتن باب: ٦٦، حديث: ٢٢٥٣، وقال: حسن صحيح غريب، وابن ماجة في الفتن باب فتنة الدجال وخروج عيسى بن مريم حديث: ٤٠٧٤، وأبو داود في الملاحم باب في خبر الجساسة الأحاديث رقم: ٤٣٢٥، ٤٣٢٦، ٤٣٢٧، والنسائي في الكبرى كما في تحفة الأشراف رقم: ١٨٠٢٤، وأحمد في المسند: ٦/ ٣٧٣، ٣٧٤، ٤١٣، ٤١٧، ٤١٨.
(٣) أخرجه البخاري في المغازي باب بعث علي بن أبي طالب وخالد بن الوليد إلى اليمن قبل حجة الوداع الحديث ثم: ٤٣٤٩.
[ ٥٢١ ]
نستعمل أولًا نستعمل على عملنا من أراده، ولكن اذهب أنت يا أبا موسى أو يا عبد الله بن قيس" فبعثه على اليمن، ثم أتبعه معاذ بن جبل.
قال: فلما قدم عليه معاذ قال: أنزل وألقى له وسادة، وإذا رجل عنده موثق قال: ما هذا؟ قال: كان يهوديًّا فأسلم، ثم رجع إلى دينه دين السوء، قال: لا أجلس حتى يقتل، قضاء الله ورسوله، قال: نعم اجلس، قال: لا أجلس حتى يقتل قضاء الله ورسوله ثلاث مرات فأمر به فقتل، ثم تذاكرا قيام الليل، فقال معاذ: أما أنا فأنام وأقوم، أو أقوم وأنام، وأرجو في نومتي، ما أرجو في قومتي" (١).
ومن لفظ آخر ما نصه "بعث النبي - ﷺ - أبا موسى ومعاذ إلى اليمن فقال: "يسرا ولا تعسرا وبشرا ولا تنفرا وتطاوعا". فقال أبو موسى: يا نبي الله إن أرضنا فيها شراب من الشعير: المزر، وشراب من العسل: البتع. فقال: "كل مسكر حرام". فانطلقا.
فقال معاذ لأبي موسى: كيف تقرأ القرآن؟ قال: قائمًا وقاعدًا وعلى راحلتي، واتفوقه تفوقًا. قال: أما أنا فأنام وأقوم، فأحتسب نومتي، كما أحتسب قومتي.
وضرب فسطاطًا فجعلا يتزاوران فزار معاذ أبا موسى فإذا رجل موثق فقال: ما هذا؟ فقال أبو موسى: يهودي أسلم ثم ارتد. قال معاذ: لأضربن عنقه".
جـ - وصية الرسول لمعاذ عليه رضوان الله:
٨١٠ - من حديث ابن عباس ﵄ قال: "قال رسول الله - ﷺ - لمعاذ بن جبل حيث بعثه إلى اليمن: "إنك ستأتي قومًا من أهل الكتاب، فإذا جئتهم فادعوهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فان هم أطاعوك بذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم، فإن هم أطاعوا لك بذلك فإياك وكرائم أموالهم،
_________________
(١) أخرجه البخاري في المغازي باب بعث أبي موسى ومعاذ إلى اليمن قبل حجة الوداع أحاديث: ٤٣٤١ - ٤٣٤٢، ٤٣٤٤، ٤٣٤٥، وفي الأدب باب يسروا ولا تعسروا حديث:٦١٢٤ وفي الأحكام: ٧١٧٢، ومسلم في الأشربة: ١٧٣٣ وابن ماجة في الأشربه: ٣٣٩١ والدارمي في الأشربة باب ما قيل في المسكر: ٢/ ١١٣، وأحمد في المسند: ٤/ ٤١٠، ٤١٦، ٤١٧.
[ ٥٢٢ ]
واتق دعوة المظلوم، فإنه ليس بينه وبين الله حجاب" (١).
د - إخبار النبي - ﷺ - لمعاذ بأنه لن يراه:
٨١١ - من حديث عاصم بن حميد السكوني ﵁ "أن معاذ بن جبل لما بعثه النبي - ﷺ - إلى اليمن، فخرج النبي - ﷺ - يوصيه ومعاذ راكب، ورسول الله - ﷺ - يمشي تحت راحلته، فلما فرغ، قال: يا معاذ إنك عسى أن لا تلقاني بعد عامي هذا، ولعلك أن تمر بمسجدي وقبري" فبكى معاذ خاشعًا لفراق النبي - ﷺ - فقال له النبي - ﷺ -: "لا تبك يا معاذ، البكاء، أو إن البكاء من الشيطان" (٢).
_________________
(١) أخرجه في المغازي باب بعث أبي موسى ومعاذ إلى اليمن قبل حجة الوداع حديث رقم: ٤٣٤٧، وفي الزكاة باب في وجوب الزكاة حديث: ٧٤٠، ومسلم في الإيمان باب الدعاء إلى الشهادين وشرائع الإِسلام حديث رقم: ١٩، والترمذي في الزكاة باب ما جاء في كراهية أخذ خيار المال في الصدقة حديث رقم: ٦٢٥، وأبو داود في زكاة السائمة حديث: ١٥٨٤، والنسائي في الزكاة باب وجوب الزكاة: ٥/ ٢ - ٤، وابن ماجة في الزكاة باب فرض الزكاة حديث رقم: ١٧٨٣، وابن أبي شيبة: ٤/ ٥، والبيهقي: ٤/ ٩٦، ١٠١ وأبو عبيد في الأموال: ١٠٨٤، وأحمد في المسند: ١/ ٢٣٣.
(٢) أخرجه أحمد في المسند: ٥/ ٢٣٥ ورجاله ثقات وسنده جيد، والطبراني في الكبير: ٢٠/ ١٢٠، وابن حبان كما في الإحسان: ٢/ ٢٠ رقم: ٦٤٦، وقال الهيثمي في المجمع: ١٠/ ٢٣١ - ٢٣٢، بعد عزوه للطبراني: إسناده جيد، ابن كثير في السيرة: ٤/ ١٩٣، دلائل النبوة البيهقي: ٥/ ٤٠٤ - ٤٠٥.
[ ٥٢٣ ]