الفصل الأول: سرية عمرو بن العاص ﵁ إلى ذات السلاسل
المبحث الأول: مسمى السرية ومكانها
المطلب الأول: مسمى السرية
المطلب الأوّل: مُسَمَّى السّرية:
اختلف أهل المغازي، واللغويّون، البلدانيون، في سبب تسمية السّرية، وضبط الاسم. قال ابن إسحاق في روايته:
[١]: "حتى إذا كان على ماء بأرض جذام، يقال له: السلسل، وبذلك سُمِّيَت تلك الغزوة، غزوة ذات السلاسل"١.
وتابعه في ذلك ابن سيد الناس٢، والسهيلي٣.
وقيل: السلاسل بسينين مهملتين، الأولى مفتوحة، وجزم به أبو عبيد
_________________
(١) ١الحديث أخرجه (البيهقي: دلائل ٤/٣٩٩-٤٠٠)، عن ابن إسحاق بسندٍ صرَّح فيه بالتحديث عن محمّدٍ بن عبد الرحمن التميمي، وثّقه ابن حبان. (الثقات ٧/٤١٣)، وقال عنه البخاري: "كان صوّامًا قوّامًا". (التاريخ ١/١٠٥)، وقال أبو حاتم: "روى عن عائشة، وعوف بن الحارث، وعروة بن الزبير. وروى عنه ابن إسحاق: سمعت أبي يقول ذلك". (الجرح والتعديل ٧/٣١٧) . قلت: ولكنه مرسل حيث لم يُصرح محمّد التميمي عمَّن حدّثه. وذكره ابن هشام (سيرة ٤/٦٢٣)، عن ابن إسحاق بلا سند، كما أخرجه الطبري (تاريخ ٣/٣٢)، عن ابن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر، وسنده ضعيف، لضعف ابن حميد شيخ الطبري، كما في (التقريب ٤٧٥)، كما أنّ فيه عنعنة ابن إسحاق، ولإرساله، عبد الله بن أبي بكر لم يدرك الوقعة. ٢ قال ابن سيد الناس:"سُمِّيَت بماء بأرض جذام، يقال لها السلسل". (عيون٢/٢٠٤) . ٣ نقلًا عن ابن سيد الناس (عيون ٢/٢٠٤)، ولم أجد قول السيهلي في كتابه الروض.
[ ٣٨٧ ]
البكري١، وياقوت٢، وصاحب القاموس٣، والثانية مكسورة، اللام مخففة، وقال ابن الأثير: "بضم السين الأولى٤، وقال في زاد المعاد: بضم السين وفتحها لغتان"٥.
قال الشامي: "وصاحب القاموس مع اطلاعه لم يحك في الغزوة إلاّ الفتح٦، وعبارته: السلسل، كجعفر وخلخال، الماء العذب أو البارد كالسلاسل بالضمّ. ثُمَّ قال: وتسلسل الماء جرى في حدور، والسلسلة اتّصال الشيء بالشيء، والقطعة الطويلة من السنام، ويُكسر، وبالكسر دائر من حديد ونحوه، والسلاسل رمل يتعقّد بعضه على بعض وينقاد، وثوب مسلسل فيه وشيء مخطّط، وعزوة ذات السلاسل"٧.
_________________
(١) ١ لفظ أبي عبيد: ذات السلاسل - بفتح أوّله - على لفظ جمع سلسلة، رمل بالبادية. (معجم ما استعجم ٣/٧٤٤) . ٢ معجم البلدان ٣/٢٣٣) . ٣ القاموس المحيط، باب اللام، فصل السين. ٤ قال ابن الأثير: بضم السين الأولى، وكسر الثانية. (النهاية ٢/٣٨٩) . ٥ ابن القيم: زاد المعاد ٣/٣٨٦. ٦ قال الزرقاني مُعَلِّقًا على قول الشامي هكذا: "وقوله: وصاحب القاموس مع سعة اطلاعه لم يحك إلاّ الفتح. غير قادح، فمن حفظ حجّة. كيف وقد صرّح البرهان بأنّ غير واحد ذكر اللغتين الضم والفتح، وهو المشهور. والمجد وإن اتّسع اطلاعه فلم يُحِط باللغة ولم يستوعبها". (شرح المواهب ٢/٢٧٨) . ٧ الشامي: سبل ٦/٢٩٦.
[ ٣٨٨ ]
وقال ابن حجر: "قيل: سُمِّيَ المكان بذلك لأنّه كان به رمل بعضه على بعض كالسلسلة١، وضبطها ابن الأثير بالضمّ، وقال: هو بمعنى السلسال أي: السهل٢، وقيل: لأنّ بها ماء يقال له السلسل٣، وقيل: سُمِّيَت ذات السلاسل لأنّ المشركين ارتبط بعضهم إلى بعض مخافة أن يفرّوا"٤.
قال الحلبي:
[٢] "ولخالد بن الوليد ﵁ في زمن الصّديق غزاة مع أهل فارس، يُقال لها: ذات السلاسل، لكثرة من تسلسل فيها من الشجعان خوف الفرار، فقتلوا عن آخرهم، لأنّ السلاسل منعتهم الهزيمة، وبعث خالد بن الوليد بالسلاسل إلى الصِّدّيق ﵁ والله أعلم"٥.
_________________
(١) ١ قال بذلك البكري. (معجم ما استعجم ٣/٧٤٤) . ٢ قال الشامي: "قال النووي في التهذيب: أظن أنّ ابن الأثير استنبطه من صحاح الجوهري من غير نقلٍ عنه فيه، ولا دلالة في كلامه. قلت: وعبارة الجوهري: وماء سلسل وسلسال سهل الدخول في الحلق لعذوبته وصفائه، والسُّلاسل بالضمّ مثله، ويقال معنى يتسلسل أنّه إذا جرى أو ضربته الريح يصير كالسلسلة". (سبل الهدى والرشاد٦/٢٦٩) .وانظر: صحاح الجوهري٢/١٩٩،والنووي على مسلم١٥/١٥٣) . ٣ قال ذلك ابن إسحاق، كما مرّ سابقًا. ٤ ابن حجر: فتح ٧/٢٦، ٨/٧٤. ٥ الحلبي: سيرة ٣/١٩٩، ونقل ياقوت (معجم ٣/٣٣٣)، عن أبي حاتم بن حبان في كتابه الأنواع، قال: "غزوة السلاسل كانت في أيام معاوية، وغزوة ذات السلاسل كانت في أيام النبي ﷺ. قلت: ولا أعلم ما هذه السلاسل".
[ ٣٨٩ ]
قلت: ولعلّ سبب تسميتها بذلك أظهر، فإنّ تسلسل الروم والفرس في معاركهم ضدّ المسلمين تكرّر في أكثر من معركة، لعلّ أشهرها في التاريخ معركتان فاصلتان في كلّ جانب، ففي الجانب الرومي تذكر الروايات التاريخية أنّه تسلسل عددٌ كبيرٌ منهم في معركة اليرموك الشهيرة الفاصلة، سقطوا جميعًا في لهب الياقوصة١، كما تسلسل عددٌ ضخمٌ من الفرس في معركة نهاوند الفاصلة والمسمّاة بفتح الفتوح - قُتِلُوا جميعًا في ميدان المعركة - وإن كانت الأرقام التي أوردتها الروايات عن عددهم قد يكون فيها نوعٌ من المبالغة٢، ولكن ذلك يعطينا دلالة واضحة على أنّ تلك كانت عادة متبعة في الجيوش البيزنطية، والفارسية٣، كما توضح بجلاء أنّ أعداء المسلمين في ذلك الوقت كانوا يبحثون جادّين عن وسيلة قويّة تربط جأشهم، وتقوي عزيمتهم في مواجهة المسلمين الشجعان
_________________
(١) ١ هو حافة وادي الرقاد المحيط بالهضبة التي دار عليها القتال، حيث سقط فيه المقترنون بالسلاسل من الروم، فسُميَ بالياقوصة لأنّهم وُقِصُوا فيه، أي: سقطوا فيه، وهم لا يشعرون لشدّة ضغط المسلمين عليهم. ٢ ذكرت الروايات أنّهم كانوا حوالي ثلاثون ألف في جانب الفرس، وثمانون ألف في جانب الروم. انظر: (الطبري: تاريخ ٣/٤٠٠) . ٣ والجيش الذي قابله المسلمون في ذات السلاسل لم يكن من الروم، ولكنه كان من حلفائهم العرب المنتصرة، ولعلّهم أخذوا عادة التسلسل من حلفائهم، أو ربما شاركهم بعض الروم وتسلسلوا، والله تعالى أعلم.
[ ٣٩٠ ]
في ميادين المعارك الذين كانوا أبطالًا لا يهابون الموت وبسبب تأييد الله ﷿ لهم، ونصره إيّاهم، بالرعب الذي يلقيه في قلوب أعدائهم، ثُمَّ بتحرُّقهم جميعًا في ميادين القتال للشهادة في سبيل الله، وتسابقهم عليها، ولِمَا يعرفون من فضلها العظيم١.
_________________
(١) ١ أخرج البخاري ومسلم عن أنس ﵁ أن النبيّ ﷺ قال: "ما أحد يدخل الجنّة يُحب أن يرجع إلى الدنيا وله ما على الأرض من شيء إلاّ الشهيد، يتمنى أن يرجع إلى الدنيا فيُقْتَل عشر مرات لِمَا يرى من الكرامة". وفي رواية: "لِمَا يرى من فضل الشهادة". (الصحيح ٦/٢٥)، و(مسلم ١٨٧٧) .
[ ٣٩١ ]
المطلب الثّاني: مكانها، أو الجهة التي توجَّهت إليها السّرية:
اختلفوا كذلك في مكانها، قال ابن سعد:
[٣] هي وراء وادي القرى، وبينها وبين المدينة عشرة أيّام١.
[٤] وهي أرض بني عذرة، كما ذكر ابن إسحاق٢، وفي روايته عند البيهقي:
[٥] ذات السلاسل من أرض بليّ٣، وعذرة٤.
وذكر البخاري عن ابن إسحاق، عن يزيد عن عروة قال:
[٦] هي بلاد بليّ، وعذرة، وبني القين٥٦.
وكذلك ذكره الواقدي نحوه٧، ونقل البخاري، والبكري عن ابن
_________________
(١) ١ من رواية محمّد بن سعد عن شيوخه (الطبقات ٢/١٣١) ٢ من رواية ابن إسحاق بلا سند. (ابن هشام: سيرة ٤/٦٢٣) . ٣ بلىّ - بفتح الموحدة وكسر اللام الخفيفة بعدها ياء النسب - قبيلة كبيرة من قضاعة، يُنسبون إلى بلى بن عمرو بن قضاعة، ومن بلى جماعة من الصحابة. (قلائد الجمان ٤٥، وفتح الباري ٨/٧٤) . ٤ سبق تخريجها برقم: [١] . ٥ بني القين: قبيلة كبيرة أيضًا من قضاعة، يُنسبون إلى القين بن جسر، ووهم ابن التين فقال: بنو القين قبيلة من تميم. (ابن حجر: فتح ٨/٧٤) . ٦ أخرجه البخاري تعليقًا عن ابن إسحاق. (الصحيح ٥/١١٣) . وفي رواية عروة عند البيهقي من طريق ابن لهيعة قال: بعثه رسول الله ﷺ في بلي وهم أخوال العاص بن وائل، وبعثه فيمن يليهم من قضاعة. (دلائل النبوة٤/٣٩٨) . ٧ الواقدي: مغازي ٢/٧٧٠.
[ ٣٩٢ ]
أبي١ خالد في كتابه: (صحيح التاريخ) قال:
[٧]: "هي غزوة لخم وجذام"٢.
أمّا موسى بن عقبة فيذكر أنّ:
[٨] "ذات السلاسل من مشارف الشام في بليّ، وسعد الله٣، ومن يليهم من قضاعة"٤.
وشذّ الزهري فذكرهما:
[٩] "بعثين إلى كلب٥، وغسَّان٦، وكُفَّار العرب الذين كانوا
_________________
(١) ١ إسماعيل بن أبي خالد الأحمسي، مولاهم البجلي. (ثقة، ثبت) من الرابعة، مات سنة ستٍّ وأربعين. (تقريب ١٠٧) . ٢ الصحيح ٥/١١٣، ومعجم ما استعجم ٣/٧٤٤، ونقل الدياربكري (الخميس ٢/٧٥)، عن بعضهم أنّها موضع معروف في الشام في أرض بني عُذرة. ٣ سعد الله بطن من بطون قبيلة بليّ. (السويدي: سبائك الذهب ٧٨) . ٤ من مراسيل عروة، وموسى بن عقبة، عند البيهقي. (دلائل: ٤/٣٩٨) . ٥ هم بنو كلب بن وبرة بن تغلب، من قضاعة، وكانوا ينْزلون في الجاهلية دومة الجندل وتبوك، وجاء الإسلام وَالمُلْك عليهم لأكيدر، وبقيت كلب في خلقٍ عظيم على الخليج القسطنطيني، ومنهم مسلمون ونصارى. (القلقشندي: قلائد الجمان ٤٦-٤٧) . قلت: ولكلب مشاركة قوية في أحداث التاريخ الإسلامي، حيث كانوا من المناصرين الأقوياء للدولة الأموية. ٦ غسَّان: "قبيلة كبيرة من الأزد، وهم بنو جفنة، والحارث، وحارثة، ومالك، وكعب، وخارجة، وعوف، ونبو عمرو مزيقياء، وإنما سُمُّوا غسَّانًا لماء اسمه غسَّان بين زبيد ورمع، نزلوا عليه عند خروجهم من اليمن فعُرِفُوا به، وكان لهم ملك بالشام، وذلك قبل الإسلام بما يزيد على أربعمائة سنة، وبقي بأيديهم إلى أن كان آخرهم جبلة بن الأيهم في زمن النبيّ ﷺ، فأسلم ثُمَّ ارتدّ بعد ذلك زمن عمر بن الخطاب ﵁، وبالبلقاء طائفة من غسَّان، وباليروموك منهم الجمّ الغفير. وكانوا حلفاء أقوياء للدولة البيزنطية. بتصرّف" من (قلائد الجمان ٩٤، ٩٥، ٩٧) .
[ ٣٩٣ ]
بمشارف الشام"١.
وذكر الشعبي أن المسلمين أُمروا:
[١٠] "أن يغيروا على بكر٢، فانطلق عمرو، فأغاروا على قضاعة، لأنّ بكرًا أخواله"٣ ٤.
_________________
(١) ١ من مراسيل الزهري، عند (عبد الرزاق: المصنف ٥/٤٥٢) . كما أخرجه ابن عساكر: تاريخ دمشق (السيرة النبوية، القسم الأوّل ص ٤٠٥)، من طريق ابن لهيعة، ومراسيل الزهري ضعيفة، كما ذكر أهل العلم. انظر: (الذهبي: الموقظة ٢٨) . ٢ بكر بن وائل: بطن كبير من ربيعة، يُنسبون إلى بكر بن وائل بن قاسط. وكانت مساكنهم من اليمامة إلى البصرة. وذكر الحمداني أنّ بلادهم الجزيرة من بلاد حلب. وكان لهم دولة بعراق العجم، وبحمص، وبلادها من أرض الشام قوم منهم. (قلائد الجمان ١٣٠-١٣١) . ٣ ذلك وهم. فالمحفوظ من أقوال أهل المغازي أنّ أخواله هم بليّ من قضاعة. والله أعلم. ٤ أخرجه أحمد (المسند ١/١٩٦)، وقال البنا (الفتح الرباني ٢١/١٤٠)،: "لم أقف عليه لغير الإمام إحمد". وأورده الهيثمي وقال: "رواه أحمد، وهو مرسل، ورجاله رجال الصحيح". قلت: "لأنّ عامر بن شراحيل لم يدرك أبا عبيدة وحكى القصة فأرسلها إرسالًا. وكذا قال محقِّق زاد المعاد. وأنّ عامرًا لم يدرك عمرًا، ففيه انقطاع". كما ذكره ابن سيد الناس (عيون٢/٢٠٥-٢٠٦)، من حديث عبد الله بن أحمد، عن أبيه به نحوه.
[ ٣٩٤ ]
كذلك شذّ الطبراني في روايته عن رافع بن عمرو الطائي١، فذكر:
[١١] "أنّ أهل السّرية نزلوا جبل طيء"٢.
وذكر البلادي أنّه لم يستطع أحد تحديد مكان هذه السّرية، ورجّح أن تكون في بلاد بني عذرة، لقربها من بلان جران العود التي ذكرها في شعره، كما أنّه حدّد ديار بين عُذرة بين وادي القرى "وادي العُلا اليوم" إلى تبوك، إلى تيماء، وتقرب من خيبر"٣.
_________________
(١) ١ رافع بن عمرو بن جابر بن حارثة بن عمرو بن محصن، أبو الحسن الطائي السنبسي، ويقال: ابن عميرة. وقيل: هو رافع بن أبي رافع. قال مسلم والحاكم: له صحبة، وقال ابن سعد: كان يُقال له: رافع الخير. توفي في آخر خلافة عمر. (ابن حجر: إصابة ١/٤٩٧) . ٢ أخرجه الطبراني من حديث طارق بن شهاب، عن رافع (المعجم ٥/٢١)، وقال عنه الهيثمي: "رجاله ثقات". (مجمع ٥/٢٠٢) . قلت: غير إبراهيم بن المهاجر، فإنّه صدوق، وفي حفظه لين. (التقريب ٩٤) . ٣ البلادي: معجم معالم السيرة ١٥٩.
[ ٣٩٥ ]
قلت: وهذه القبائل التي ذكرها أهل المغازي، هي قبائل متجاورة، كونها من بطون من قبيلة واحدة هي قبيلة قضاعة، وربّما تحالفت هذه القبائل فيمابينها، واجتمعت لمحاربة المسلمين في تلك المنطقة. والله تعالى أعلم.
[ ٣٩٦ ]
المبحث الثّاني: سبب السّرية:
اختلف الواقدي، وابن اسحاق - وهما مَن تحدَّثا عن سبب سرية ذات السلاسل - فيها، فبينما يذكر ابن إسحاق:
[١٢] أنها كانت لاستنفار العرب إلى الشام، وأنّ رسول الله ﷺ بعث عمرو بن العاص ﵁ إلى بليّ باعتبار "أنّ أُمّ العاص بن وائل كانت امرأة من بليّ، فبعثه رسول الله ﷺ إليهم يستألفهم بذلك"١.
يذكر الواقدي، وتابعه ابن سعد:
[١٣] أنّ السّرية كانت بسبب المعلومات الهامّة التي وصلت إلى النبي ﷺ عن التحرّكات العدوانية النشطة لقبائل بليّ وقضاعة، واستعداداتهم للهجوم على أطراف الدولة الإسلامية٢.
بينما يذكر بعض الباحثين المعاصرين لها أسبابًا أُخَر، فهي كانت لتأديب الأعراب في تلك الناحية٣، والأخذ بثأر المسلمين من القبائل التي اشتركت في غزوة مؤتة ضدّهم٤.
_________________
(١) ١ من رواية ابن إسحاق عند الطبري وقد سبق تخريجها برقم: [١] . ٢ مغازي ٢/٧٧٠، الطبقات ٢/١٣١. ٣ انظر: الغزالي: فقه السيرة ٣٧٠، والدكتور سيد طنطاوي: السرايا الحربية ١٣٦. ٤ انظر: اللواء خطاب: الرسول القائد ﷺ ٣٠٩.
[ ٣٩٧ ]
كما ذكر بعضهم أنّه بناءً على نتيجة غزوة مؤتة، كان لزامًا على رسول الله ﷺ أن يستردّ هيبة المسلمين، ويُعِيد إليهم كرامتهم في تلك البلاد١.
وسواء قَصَدَ رسول الله ﷺ تأديب الأعراب، وصدّ عدوانهم على أطراف الدولة الإسلامية عندما بلغته أخبار حشودهم وتحرُّكاتهم، فتحرّك بسرعة لضربهم قبل استكمال استعداداتهم القتالية، كما هي عادته ﷺ دائمًا مع أعدائه، أم أراد الثأر من القبائل العربية المنتصرة الحليفة للرومان، والتي شاركت إلى جانبهم في مؤتة، أو غير ذلك من الأسباب التي ذُكِرَت قديمًا وحديثًا، فإنّ السبب الحقيقي وراء ذلك كُلِّه هو إعلاء كلمة الله ﷿ في تلك البقاع، ونشر الدعوة الإسلامية، بعد إزاحة القوى السياسية والعسكرية التي كانت تقف حجر عثرة في وجه نشر الإسلام في المنطقة.
والقبائل العربية المنتصرة والحليفة للدولة البيزنطية كانت من تلك القوى، وكانت تقوم بتحرّكات مشبوهة ونشاطات معادية للمسلمين في المنطقة الشمالية من الجزيرة على أطراف الدولة الإسلامية، وبخاصّة بعد مؤتة، فكان لا بُدَّ من ردعها وإخضاعها لسيطرة المسلمين، لأنّ المسلمين - أيضًا - كانوا في وضع استعدادي متناسق ومتدرِّج لمنازلة الدولة البيزنطية، إحدى القوَّتين العظميين في ذلك الوقت، لوضع حدٍّ لسلطانهم، والقضاء على قوّتهم العسكرية والسياسية المناهضة لنشر الإسلام في المنطقة. والله تعالى أعلم.
_________________
(١) ١ انظر: الشريف: مكّة والمدينة ٥٣٧، وهيكل: حياة محمّد ﷺ ٤١٥.
[ ٣٩٨ ]
المبحث الثّالث: تاريخ السّرية:
قال الشامي: "ذكر الجمهور١، ومنهم: ابن سعد أنّها كانت في جمادى الآخرة سنة ثمان"٢.
وقال ابن حجر: "وقيل: سنة سبع"٣. وبه جزم ابن أبي خالد في كتاب: (صحيح التاريخ)، ونقل ابن عساكر الاتفاق على أنّها كانت بعد غزوة مؤتة٤، إلاّ ابن إسحاق فقال: "قبلها". قلت: وهو قضية ما ذُكِر عن ابن سعد وابن أبي خالد"٥.
قال الشامي: "أمّا قضية ما ذُكِرَ عن ابن سعد فغير واضح، فإنّ ابن سعد قال: كانت في جمادى الآخرة سنة ثمان، وذَكَر في غزوة مؤتة أنّها كانت في جمادى الأولى سنة ثمان، وأمّا ما نقل ابن إسحاق فالذي في رواية زياد البكائي، تهذيب ابن هشام، عن ابن إسحاق، تأخُّر غزوة ذات
_________________
(١) ١ الجمهور الذي قصدهم الشامي معظمهم ناقل عن ابن سعد، وهم: "الطبري: تاريخ ٣/٣١، وابن سيد الناس: عيون ٢/٢٠٤، وابن القيم: زاد ٢/١٥٧، والقسطلاني: المواهب ١/٥٥٤"، وغيرهم. ٢ سبل ٦/٢٧٠. ٣ ذكرها ابن خياط ضمن السرايا التي كانت سنة سبع (تاريخ ٨٥)، وذكر الزرقاني أنّ ابن سعد حكى ذلك (شرح المواهب ٢/٢٧٨)، ولم أجد هذا القول في الطبقات فلعلّه من الجزء الساقط من ترجمة عمرو بن العاص عنده. ٤ تاريخ دمشق (السيرة النبوية، القسم الأوّل ص ٤٠٢) . ٥ فتح الباري ٨/٧٤.
[ ٣٩٩ ]
السلاسل عن مؤتة بِعِدَّة غزوات وسرايا، ولم يذكر أنّها كانت قبل مؤتة فيحتمل أنّه نصَّ على ما ذكره ابن عساكر في رواية غير زياد"١.
قلت: ما ورد في رواية زياد البكائي عن ابن إسحاق، عند ابن هشام، لا يُعَدُّ في التقديم والتأخير، لأنّه ذكر السّرية في جملة المغازي والسرايا آخر كتاب المغازي٢. ولم يُسلسلها تاريخًا، كما فعل في بقية المغازي والسرايا الأخر.
أمّا رواية غير زياد التي أشار إليها الشامي فهي رواية يونس بن بكير التي أخرجها كُلٌّ من ابن عساكر والبيهقي بسنديهما عنه، فإنّه لم يذكر فيها تاريخًا لها٣. والله تعالى أعلم.
ولم يؤرِّخ لها الواقدي أيضًا، وذلك خلاف عادته، بل ذكرها مباشرة بعد مؤتة٤.
وقال ابن كثير: "ذكرها الحافظ البيهقي قبل غزوة الفتح"٥.
_________________
(١) ١ سبل ٦/٢٧٠. ٢ ابن هشام (سيرة: بشرح أبي ذرّ ٤/٣٥٩) . ٣ انظر: (البيهقي: دلائل ٤/٣٩٩، وابن عساكر: تاريخ، السيرة النبوية، القسم الأول ص ٤٠٤) . ٤ مغازي ٢/٧٦٩، وذكر ابن عبد البر في الاستيعاب (هامش الإصابة ٢/٥١٠)، في ترجمة عمرو بن العاص أنّ الواقدي أرَّخ لها بشهر جمادى الآخرة سنة ثمان، فلعلّه اطلّع على نسخة أُخرى من المغازي. والله تعالى أعلم. ٥ بداية ٤/٢٧٢، وانظر: الدلائل ٤/٣٩٧.
[ ٤٠٠ ]
[١٤] وذكر الزهري في روايته: أنّ البعثين كانا بعد رجوع أهل الحبشة١. هذا بالنسبة لأهل المغازي.
أمَّا ما يفهم من الأحاديث التي وردت عن السرية، ففي حديث عليّ بن رباح٢، عن عمرو بن العاص ﵁ قال فيه:
[١٥] "قلت: يا رسول الله! ما أسلمت من أجل المال، ولكني أسلمت رغبة في الإسلام، وأن أكون مع رسول الله ﷺ ". الحديث٣.
_________________
(١) ١ سبق تخريجها برقم: [٩] . ٢ عليّ بن رباح بن قصير - ضدّ الطويل، اللخمي، أبو عبد الله المصري (ثقة) . من كبار الثالثة. مات سنة بضع عشرة ومائة. (تقريب ٤٠١) . ٣ أخرجه أحمد (المسند، حديث: ١٧٧٣٠)، والبخاري، (الأدب المفرد ص ٩٧)، والحاكم، (المستدرك ٢/٣)، جميعهم من حديث موسى بن عليّ بن رباح عن أبيه، عن عمرو بن العاص ﵁. قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم. ووافقه الذهبي. وقال ابن حجر (فتح الباري ٨/٥٧): رواه أحمد والبخاري في الأدب، وصححه أبو عوانة، وابن حبان، والحاكم، وقال الهيثمي (المجمع ٩/٣٥٣): رجال أحمد رجال الصحيح، وحسَّن ابن حجر في (الإصابة) سند أحمد. قلت: لعلَّ ذلك من أجل أنَّ فيه موسى بن عليّ، قال عنه في (التقريب ص ٥٥٣): صدوق ربما أخطأ. ولكنه وقع مع ذلك من رجال مسلم. فسنده صحيح. كما صحّحه النقاد من أهل الحديث. والله تعالى أعلم.
[ ٤٠١ ]
يُفْهَم منه أنّه ﷺ بعثه بعد إسلامه مباشرة، قال ابن حجر: "وهذا فيه إشعار بأنّ بعثه عقب إسلامه، وكان إسلامه في أثناء سنة سبع من الهجرة"١.
أمّا حديث الحارث٢ بن حسَّان الذي فيه:
[١٦] "خرجت أشكو العلاء٣ بن الحضرمي إلى رسول الله ﷺ " الحديث. إلى أن قال: "فأتيت المدينة، فإذا المسجد غاصٌّ بأهله٤، وإذا راية سوداء تخفق، وبلال متقلِّد السيف بين يدي رسول الله ﷺ، فقلت: ما شأن الناس؟ قالوا: يريد أن يبعث عمرو بن العاص وجهًا ". الحديث٥.
_________________
(١) ١ فتح الباري ٨/٧٥. ٢ الحارث بن حسَّان البكري، ويُقال اسمه: حُريث. (صحابي) له وفادة، ونزل البادية، وكان يقدم الكوفة. (تقريب ١٤٥) . ٣ العلاء بن الحضرمي، واسم أبيه عبد الله بن عماد، وكان حليف بني أُمية. (صحابي جليل) عمل على البحرين للنبيّ ﷺ، وأبي بكر، وعمر، ومات سنة أربع عشرة. وقيل: بعذ ذلك. (تقريب ٤٣٤) . ٤ أي: ممتلئ بالناس. ٥ أخرجه أحمد بهذا السياق مطوَّلًا في قصة عاد من قصص الأنبياء (المسند ٣/٤٨٢) . وأخرجه النسائي (السنن الكبرى ٥/١٨١) مختصرًا. كلاهما من طريق أبي المنذر سلام بن سليمان النحوي، عن عاصم بن أبي النجود، عن أبي وائل، عن الحارث بن يزيد البكري ﵁. قلت: وسنده حسن. لأنَّ فيه عاصم بن بهدلة. صدوق له أوهام. (التقريب ص ٢٨٥) . كما أخرجه أحمد (المسند ٣/٤٨١)، وابن ماجه (السنن ٢/٢٠٧)، وابن أبي شيبة (المصنَّف ١٢/٥١٢)، جميعهم من طريق أبي بكر بن عياش عن عاصم عن الحارث ﵁. قلت: وهذا السند صورته منقطع، عاصم بن أبي النجود لم يدرك الحارث فيروي عنه والصحيح: عنه عن أبي وائل عن الحارث، كما ذكر ابن حجر (التهذيب ١/٤٠٧) . وكما هو واضح في السند السابق. والله تعالى أعلم.
[ ٤٠٢ ]
فهذا الحديث يُفْهَم منه أنّ بعث عمرو بن العاص ﵁ كان في أثناء فترة ولاية العلاء بن الحضرمي على البحرين، وكان رسول الله ﷺ قد بعث العلاء بن الحضرمي قبل فتح مكّة، كما يذكر ابن إسحاق١.
ويُفهم من قول أبي رافع الطائي - في آخر حديثه الذي أخرجه الطبراني:
[١٧] "فمكثت سنة، ثُمَّ إنّ أبا بكر استخلف " الحديث٢. أنّ تاريخ بعث السرية كان متأخرًا جدًا. والله تعالى أعلم.
قال الزرقاني في شرحه على المواهب اللدنية، مُعَلِّقًا على الأقوال التي ذُكرت حول إسلام عمرو بن العاص ﵁، ثُمَّ تأميره على ذات السلاسل: "فيكون تأمير عمرو عقب إسلامه بنحو أربعة أشهر على ما صدّر به
_________________
(١) ١ ابن هشام: سيرة، بشرح أبي ذرّ ٤/٢٩٤. ٢ سبق تخريجه برقم: [١] .
[ ٤٠٣ ]
المصنّف١ فيما مرَّ أنّه كان في صفر سنة ثمان، وفي الشامية أنّ بعثه كان بعد سنة من إسلامه٢ وهم إنّما يأتي على قول الحاكم: أسلم سنة سبع"٣.
قلت: اختلف أهل العلم في وقت إسلام عمرو بن العاص ﵁، فقيل: إنّه أسلم قبل الفتح في صفر سنة ثمان٤، وقيل: بين الحديبية وخيبر٥. وقيل: بل أسلم قبل ذلك في الحبشة على يدي النجاشي، ولكنه كتم إسلامه حتى وفد على النّبيّ ﷺ قبيل الفتح مع خالد بن الوليد رضي الله عنه٦. ورجّح ابن عبد البرّ، وابن حجر القول الأوّل٧.
_________________
(١) ١ يقصد القسطلاني مُصَنِّف المواهب الدنية. ٢ انظر: (الشامي: سبل ٦/٢٦٢، ٢٧٠) . ٣ شرح المواهب ٢/٢٧٨. ٤ انظر: "الواقدي: مغازي ٢/٧٤٥، ٧٤٩، ابن عبد البر: الاستيعاب، هامش الإصابة ٢/٥١٠-٥١١، ابن الأثير: أسد الغابة ٤/٢٤٥، الحاكم: المستدرك ٣/٥١٣-٥١٤، ترجمة عمرو بن العاص". ٥ انظر: (ابن حجر: فتح الباري ٨/٧٥)، ولم أجد قول الحاكم الذي نقله عنه الواقدي، وأنّ عمرو أسلم سنة سبع، بل الذي وجدته في ترجمة عمرو عنده أنّه أسلم سنة ثمان من الهجرة. ٦ ذكر ذلك الواقدي: مغازي ٢/٧٤٣-٧٤٤، وعزاه ابن حجر (إصابة ٣/٢)، للزبير ابن بكار. وذكر أنّ البغوي أخرجه بسندٍ جيدٍ عن عمرو بن إسحاق أحد التابعين، وأخرجه أحمد (المسند ٤/١٩٨-١٩٩)، والحاكم (المستدرك ٣/٣٣٧، ٥١٤)، والأوّل سكت عنه الذهبي، والثاني حذفه من التلخيص. ٧ الاستيعاب بهامش الإصابة ٢/٥١٠، فتح الباري ٧/١٠١.
[ ٤٠٤ ]
قلت: وبذلك يترجّح ما ذكره ابن سعد، وغيره من أنّ تاريخ السرية كان في جمادى الآخرة سنة ثمان. والله تعالى أعلم.
ويفهم من الأحاديث التي ذكرت أنّ أصحاب السرية أصابهم برد شديد، وأنّهم أرادوا إشعال نارٍ لتدفئتهم، ولكنّ عمرو بن العاص ﵁ منعهم من ذلك خوفًا أن يرى العدوّ قِلَّتهم.
وكذلك الأحاديث التي ذكرت أنّ القائد عمر بن العاص ﵁ أصابته جنابة في إحدى الليالي، ثُمَّ صلّى بأصحاب السرية دون أن يغتسل خوفًا على نفسه من شِدَّة البرد١.
كلّ ذلك يعطينا دلالة واضحة على أنّ بعث السرية كان في فصل الشتاء، وشهر جمادى الآخرة الذي ذكره أصحاب المغازي تاريخًا لخروج السرية هو من أشهر فصل الشتاء في الأغلب. والله تعالى أعلم.
_________________
(١) ١ الاستيعاب بهامش الإصابة ٢/٥١٠، فتح الباري ٧/١٠١.
[ ٤٠٥ ]
المبحث الرّابع: عدد الجيش، وقائده:
لَم يُحَدِّد عدد الجيش غير الواقدي، وكاتبه ابن سعد في روايته: حيث قالوا:
[١٨] وبعثه في ثلثمائة من سراة المهاجرين والأنصار، ومعه ثلاثون فرسًا وأمره أن يستعين بمن يمرّ به من بليّ وعذرة وبلقين، فسار الليل وكمن النهار، فلمّا قرب من القوم بلغه أنّ لهم جمعًا كثيرًا، فبعث رافع١ بن مكيث الجهني إلى رسول الله ﷺ يستمده، فبعث إليه أبا عبيدة بن الجرَّاح في مائتين، وعقد له لواءً وبعث معه سراة المهاجرين والأنصار وفيهم أبو بكر وعمر"٢.
[١٩] وذكر الواقدي مثله، إلاّ أنه سمَّى بعض أفراد الجيش، فمن المهاجرين: عامر٣ بن ربيعة، وصهيب٤ بن سنان، وسعيد٥ بن
_________________
(١) ١ رافع بن مكيث - بفتح الميم وكسر الكاف - (صحابي) شهد الحديبية والفتح ومعه لواء جهينة. (تقريب ٢٠٥) . ٢ سبق تخريجها برقم: [٣] . ٣ عامر بن ربيعة بن كعب بن مالك العنْزي - بسكون النون - حليف آل الخطاب (صحابي مشهور) أسلم قديمًاوهاجروشهدبدرًا. مات ليالي قتل عثمان. (تقريب٢٨٧) . ٤ صُهيب بن سنان أبو يحيى الرومي، أصله من النمر، يُقال كان اسمه عبد الملك، وصهيب لقب (صحابي شهير) مات بالمدينة سنة ثمانٍ وثلاثين في خلافة عليّ. وقيل: قبل ذلك. (تقريب ٢٧٨) . ٥ سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل العدوي (أحد العشرة) مات سنة خمسين أو بعدها بسنة أو سنتين. (تقريب ٢٣٦) .
[ ٤٠٦ ]
زيد بن عمرو بن نفيل، وسعد١ بن أبي وقاص، ومن الأنصار: أُسيد٢ بن حضير، وعبَّادة٣ بن بشر، وسلمة٤ بن سلامة، وسعد٥ بن عبادة.
وورد عنده اسم رافع الطائي، وعوف بن مالك الأشجعي، ورافع ابن مَكِيث الجهني، من خلال سياق الأحداث، بينما لم تحدِّد بقية الروايات عدد الجيش، وإنّما تردَّد فيها أسماء بعض المشاركين في السّرية، مثل أبي
_________________
(١) ١ سعد بن أبي وقاص، مالك بن وهيب الزهري، أبو إسحاق. (أحد العشرة) . وأوّل مَن رمي بسهمٍ في سبيل الله. ومناقبه كثيرة، مات بالعقيق سنة خمسٍ وخمسين على المشهور. وهو آخر العشرة وفاة. (تقريب ٢٣٢) . ٢ أُسيد بن حُضَير - بضم المهملة وفتح الضاد المعجمة - ابن سماك الأنصاري الأشهلي، أبو يحيى (صحابي جليل) مات سنة عشرين، أو إحدى وعشرين. (تقريب ١١٢) . ٣ عبّادة بن بشر بن وَقَش - بفتح الواو والقاف - الأنصاري (من قدماء الصحابة)، أسلم قبل الهجرة، وشهد بدرًا وأبلى يوم اليمامة فاستشهد بها. (تقريب ٢٨٩) . ٤ سلمة بن سلامة بن وَقَش بن زغبة الأنصاري الأشهلي، ذكره ابن إسحاق وابن عقبة وغيرهما في (أهل العقبة وبدر) مات سنة أربع وثلاثين. وقيل: بل تأخر إلى سنة خمسٍ وأربعين، ومات بالمدينة. (إصابة ٢/٦٥) . ٥ سعد بن عبادة بن دُلَيم الأنصاري الخزرجي، (أحد النقباء، وسيد الخزرج، وأحد الأجواد)، وقع في صحيح مسلم أنّه شهد بدرًا، والمعروف عند أهل المغازي أنّه تهيّأ للخروج فنُهِشَ فأقام، مات بأرض الشام سنة خمس عشرة. وقيل: غير ذلك. (تقريب ٢٣١) .
[ ٤٠٧ ]
بكر الصّديق، وعمر بن الخطاب، وأبي عبيدة بن الجرّاح، والمغيرة١ بن شعبة، ورافع الطائي، وعوف بن مالك، - ﵃ أجمعين.
أمّا قائد الجيش، فقد ورد في رواية الزهري السابقة:
[٢٠] أنّ رسول الله ﷺ بعث بعثين إلى كلب، وغسَّان، "وأمّر على أحد البعثين أبا عبيدة بن الجرّاح، وأمّر على البعث الآخر عمرًا ابن العاص، فانتدب في بعث أبي عبيدة أبا بكر وعمر، فلمّا كان عند خروج البعث دعا رسول الله ﷺ أبا عبيدة وعمرًا، فقال: لا تعاصيا، فلمّا فصلا من المدينة خلا أبو عبيدة بعمرو، فقال له: إنّ رسول الله ﷺ عهد إليَّ وإليك أن لا تعاصيا، فإمّا أن تطيعني، وإمّا أن أطيعك. فقال: لا بل أطعني، فأطاع أبو عبيدة، وكان عمرو أميرًا على البعثين كليهما"٢.
وذكر الشعبي في روايته:
[٢١] أنّه بعثٌُ واحدٌ مقسومٌ قسمين: مهاجرين، وأعراب، وأنّ رسول الله ﷺ استعمل "أبا عبيدة على المهاجرين، واستعمل عمر بن العاص على الأعراب"٣.
_________________
(١) ١ المغيرة بن شعبة بن مسعود الثقفي (صحابي مشهور) أسلم قبل الحديبية، وولي إمرة البصرة والكوفة، مات سنة خمسين على الصحيح. (تقريب ٥٤٣) . ٢ سبق تخريجها برقم: [٩] . ٣ سبق تخريجها برقم: [١٠] .
[ ٤٠٨ ]
وذلك وهمٌ غير محفوظ، فالمعروف من روايات أهل المغازي الآخرين، كعروة بن الزبير، وموسى بن عقبة، وابن إسحاق، وابن سعد، والواقدي، وغيرهم، أنّ قائد السرية ابتداءً كان عمرو بن العاص ﵁، وأنّ أبا عبيدة بن الجرّاح ﵁ أُرْسِلَ مددًا له فيم بعد على رأس المهاجرين، وفيهم أبو بكر الصّدّيق ﵁ وعمر بن الخطاب ﵁، وأنّ أبا عبيدة سلّم القيادة بعد ذلك لعمرو خشية الفرقة بين المسلمين، تنفيذًا لأمر القائد الأعلى للمسلمين رسول الله ﷺ.
وربّما دخل الوهم على أحد رواة الحديثين السابقين١، لأنّه لم يتصوّر أن يتأمّر عمرو بن العاص وهو أقلّ سابقة على المهاجرين الأوّلين، أمثال أبي بكر الصّدّيق، وعمر بن الخطاب، وأبي عبيدة بن الجرّاح، - رضي الله تعالى عنهم أجمعين، فاختلط عليه الأمر فجعلهما جيشين بقائدين أُرْسِلا معًا في وقتٍ واحدٍ.
وما عُرِفَ عن رسول الله ﷺ من الدِّقّة في التنظيم والحرص الشديد دائمًا على عملية الضبط العسكري والانضباط بين جنوده في جيوشه وبعوثه وسراياه، وعدم تركه المجال للاختلافات المؤدية للفوضى والفشل واحتمالات الخطأ والصواب، كلّ ذلك يجعلنا نستبعد فرضية حدوث مثل ذلك الأمر. والله تعالى أعلم.
_________________
(١) ١ ربّما كان الوهم في رواية الزهري من ابن لهيعة، الذي اختلط بعد احتراق كتبه، أو من يونس بن يزيد حيث إنّ في روايته عن الزهري وهم قليل، وربّما دخل الوهم في رواية الشعبي من داود بن أبي هند القشيري مولاهم (ثقة متقن) كان يهم بآخره. (تقريب ٢٠٠) . والله تعالى أعلم بالصواب.
[ ٤٠٩ ]
وكونه ﷺ يولي قيادة الجيش مَن هو أقلّ سابقة وفضلًا من الصحابة، فذلك لا يدلّ على أنّه أفضل منهم، ولكنّه ربّما رأى ﵇ بثاقب بصر العسكري المُحَنَّك أنّه أعلم منهم في الحرب ومكائدها.
أخرج الحاكم بسنده عن بريدة الأسلمي١ ﵁ قال:
[٢٢] "بعث رسول الله ﷺ عمر بن العاص في غزوة ذات السلاسل، وفيهم أبو بكر، وعمر - ﵄، فلمّا انتهوا إلى مكان الحرب أمرهم عمرو أن لا ينوروا نارًا، فغضب عمر، وهمّ أن ينال منه، فنهاه أبو بكر ﵁ وأخبره أنّه لم يستعمله رسولُ الله ﷺ عليك إلاّ لعلمه بالحرب " الحديث٢.
_________________
(١) ١ بريدة بن الحُصَيْب - بمهملتين مصغّرًا - أبو سهل الأسلمي (صحابي) أسلم قبل بدر ومات سنة ثلاثٍ وستّين. (تقريب ١٢١) . ٢ أخرجه الحاكم (المستدرك ٣/٤٥)، وقال: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي في التلخيص". قلت: سنده فيه محمّد بن عبد الجبار العطاردي، ضعيف. وسماعه للسيرة صحيح. (تقريب ٨١)، ويونس بن بكير، صدوق يخطئ (تقريب ٦١٣) . كذلك فيه عنعنة ابن إسحاق وهو مدلّس، فكيف يُحْكَم عليه بالصّحّة؟ !. كما أخرجه البيهقي (سنن ٩/٤١)، من حديث يونس بن بكير، عن المنذر بن ثعلبة، عن عبد الله بن يزيد ﵁ به نحوه. قلت: الناظر في سنده هكذا يظن أنّ الحديث موصول، لكن المنذر بن ثعلبة من الطبقة السادسة (تقريب ٥٤٦)، فكيف يدرك الصحابي عبد الله بن يزيد ﵁، حيث يذكر ابن حجر أنّ أهل الطبقة السادسة لم يثبت لهم لقاء أحد من الصحابة. (تقريب ٤٢) . وأعتقد أنّه قد تصحّف اسم (عبد الله بن بريدة) إلى (عبد الله بن يزيد) على أحد نُسَّاخ السنن فوهم فيه فجعله عن الصحابي، بينما هو عن التابعي، خاصّة وأنّ البيهقي أخرجه في (الدلائل ٤/٤٠٠)، من طريق المنذر، عن عبد الله بن بريدة موقوفًا عليه. وطبعة السنن المتداولة تفتقر إلى الضبط والإتقان، وفيها تصحيفات كثيرة. والله تعالى أعلم. والحديث عزاه الزرقاني (شرح٢/٢٧٩) إلى إسحاق بن راهوية.
[ ٤١٠ ]
كما أخرج البيهقي من حديث يونس، عن أبي معشر١، عن بعض مشيختهم:
[٢٣] "أنّ رسول الله ﷺ قال: "إنّي لأُؤَمِّر الرجل على القوم فيهم مَن هو خير منه، لأنّه أيقظ عينًا، وأبصر بالحرب"٢.
وأخرج البيهقي - أيضًا - عن أبي عثمان النهدي٣ قال: سمعت عمر بن العاص يقول:
[٢٤]: "بعثني رسول الله ﷺ على جيش ذات السلاسل، وفي القوم أبو بكر وعمر، فحدّثت نفسي أنّه لم يبعثني على أبي بكر وعمر إلاّ لمنْزلةٍ لي عند. فأتيته حتى قعدت بين يديه، فقلت: يا رسول الله!
١ نجيح بن عبد الرحمن السندي المدني، أبو معشر، مولى بني هاشم، مشهور بكنيته (ضعيف) من السادسة، أسنَّ واختلط، مات سنة سبعين ومائة. (تقريب ٥٥٩) .
٢ أخرجه البيهقي (دلائل٤/٤٠٠)،وسنده فيه ضعف، وجهالة، وانقطاع. والله تعالى أعلم.
٣ عبد الرحمن بن مُلّ - بلام ثقيلة والميم مثلثة - أبو عثمان النّهدي - بفتح النون وسكون الهاء - مشهور بكنيته (مخضرم) من كبار الثانية (ثقة، ثبت، عابد) مات سنة خمس وتسعين، وقيل: بعدها، وعاش مائةوثلاثين سنة. وقيل: أكثر. (تقريب٣٥١) .
[ ٤١١ ]
مَن أحب الناس إليك؟ قال: عائشة. قلت: إنّي لست أسألك عن أهلك. قال: فأبوها. قلت: ثُمَّ مَنْ؟ قال: عمر. قلت: ثُمَّ مَنْ؟ حتى عدّد رهطًا. قال: قلت في نفسي: لا أعود أسأل عن هذا"١.
_________________
(١) ١ أخرجه البيهقي (دلائل ٤/٤٠٠-٤٠١)، وقال: أخرجاه في الصحيح. قلت: أخرجه البخاري (الصحيح ٤/١٩٢، ٥/١١٣)، ومسلم (الصحيح ٥/٩) .
[ ٤١٢ ]
المبحث الخامس: سير الأحداث:
في شتاءٍ باردٍ عام ثمانٍ من الهجرة النبوية المباركة، وفي شهر جمادى الآخرة منه - كما حدّده أكثر أهل المغازي١ - بَعَثَ رسولُ الله ﷺ إلى عمرو بن العاص ﵁.
[٢٥] "فقال: خُذ عليك ثيابك وسلاحك ثُمَّ ائتني"٢.
قال عمرو ﵁:
[٢٦] "فأتيته وهو يتوضّأ، فصعّد فيَ النظر، ثُمَّ طَأطأ، فقال: إنّي أُريد أن أبعثك في جيشٍ فيُسَلِّمك الله ويُغَنِّمك، وأرغب لك من المال رغبةً صالحة، قال: قلت: يا رسول الله! ما أسلمت من أجل المال. ولكني أسلمت رغبة في الإسلام، وأن أكون مع رسول الله ﷺ. فقال: يا عمرو! نِعْمَ المال الصّالح للمرء الصالح"٣.
وفي المسجد النبوي الشريف، كما هو المعتاد في مثل هذه الحالة، تَتِمُّ مراسم تولية عمرو بن العاص ﵁ رسميًّا قائدًا على الجيش.
يُحدَّثُنا الحارث بن حسَّان ﵁ قال: قدمت المدينة:
_________________
(١) ١ انظر: الأقوال في تاريخ السرية، في المبحث الثالث من هذا الفصل. ٢ سبق تخريجها برقم: [١٥] . ٣ سبق تخريجها برقم: [١٥] .
[ ٤١٣ ]
[٢٧] "فإذا المسجد غاصّ بأهله، وإذا راية سوداء تخفق، وبلال متقلِّد السيف بين يدي رسولِ الله ﷺ، فقلت: ما شأن النّاس؟ "١.
[٢٨] "قالوا: هذا رسول الله ﷺ يريد أن يبعث عمر بن العاص وجهًا"٢.
وينفرد الواقدي، وابن سعد في تحديد عدد الجيش، فيذكران أنّهم كانوا: "ثلثمائة من سراة المهاجرين والأنصار، ومعهم ثلاثون فرسًا"٣.
ويسرد الواقدي أسماء بعض المشاركين من المهاجرين والأنصار، وبينما وردت أسماء أخر من خلال سياق الأحداث في جميع الروايات٤.
ويذكر ابن سعد أنّ رسول الله ﷺ عقد لعمرٍ لواءً أبيض، وجعل معه راية سوداء:
[٢٩] "وأمره أن يستعين بمن يَمُرُّ به من بليّ، وعذرة، وبلقين"٥.
[٣٠] "وذلك أنّ أمّ العاص بن وائل كانت امرأة من بليّ، فبعثه رسول الله ﷺ إليهم يستألفهم لذلك"٦.
[٣١] "فسار الليل وكمن النهار. فلمّا قرب من القوم بلغه أنّ لهم جمعًا كثيرًا، فبعث رافع بن مكيث الجهني إلى رسول الله ﷺ يستمدّه"٧.
_________________
(١) ١ سبق تخريجها برقم: [١٦] . ٢ سبق تخريجها برقم: [١٦] . ٣ هذا لفظ ابن سعد. وقد سبق تخريجها برقم: [٣] . (انظر: المبحث الرابع) . ٤ انظر ص: ٥ من رواية ابن سعد. وقد سبق تخريجها برقم: [٣] . ٦ من رواية ابن إسحاق عند الطبري. وقد سبق تخريجها برقم: [١] . ٧ أي: يطلب المدد والعون. وقد سبق تخريجها برقم: [٣] .
[ ٤١٤ ]
[٣٢] "فندب رسول الله ﷺ المهاجرين الأوّلين، فانتدب فيهم أبو بكر، وعمر بن الخطاب في سراة المهاجرين، وأمّر عليهم أبا عبيدة بن الجرّاح، فأمدّ بهم عمرو بن العاص"١. وقال لأبي عبيدة حين وجّهه: "لا تختلفا"٢.
ويذكر الواقدي، وابن سعد: أنّهم كانوا مائتين من سراة المهاجرين والأنصار٣.
[٣٣] "فلمّا قدموا على عمرو قال: أنا أميركم، وأنا أرسلت إلى رسول الله أستمده بكم. قال المهاجرون: بل أنت أمير أصحابك، وأبو عبيدة أمير المهاجرين، فقال عمرو: إنما أنتم مدد أُمْدِدتُ به، فلمّا رأى ذلك أبو عبيدة، وكان رجلًا حسن الخُلق، لَيِّن الشكيمة٤، سعى لأمر رسول الله ﷺ عليه، وعهده. قال: يا عمرو إنّ آخر ما عهد إليَّ رسول الله ﷺ أن قال: إذا قدمت على صاحبك فتطاوعا، وإنّك إن عصيتني لأطيعنّك. فسلّم أبو عبيدة الإمارة لعمرو بن العاص" ٥.
_________________
(١) ١ من رواية موسى بن عقبة. وقد سبق تخريجها برقم: [٨] . ٢ من رواية ابن إسحاق عند الطبري. وقد سبق تخريجها برقم: [١] . ٣ انظر: ص: ٣٤٧. ٤ أي: ليّن الخُلُق، سمحه. ٥ من رواية موسى. وقد سبق تخريجها برقم: [٨] .
[ ٤١٥ ]
[٣٤] وتذكر بعض الروايات١ أنّ ذلك الأمر لم يرق لبعض المهاجرين باعتبار أسبقيتهم للإسلام، ورأوا أن عمرو ﵁ استبدّ بالإمارة دون أبي عبيدة بن الجراّح ﵁، وأنّه دارت مناقشات حول هذا الموضوع، ولكنّ أبا عبيدة ﵁ وبِمّا عُرِفَ عنه من الحكمة والكياسة، استطاع إقناعهم بالحُسنى بأنّه آثر الطاعة والامتثال لأمر النّبيّ ﷺ خشية الفرقة والفتنة بين المسلمين٢.
فأطاع الجيش كله لعمرو بن العاص ﵁، فكان عمرو يُصَلِّي بالناس، وكان الجوّ شاتيًا شديد البرودة في تلك المناطق، ويومًا مّا:
[٣٥] "أصابهم بردٌ شديدٌ، لَمْ يُرَ مثله، فخرج لصلاة الصّبْح فقال: والله لقد احتلمت البارحة، ولكنّي والله ما رأيت بردًا مثل هذا، أهل مرَّ على وجوهكم مثله؟ قالوا: لا. فغسل مغابنه٣ وتوضّأ وضوءه للصلاة، ثُمَّ صلَّى بهم". وفي رواية: "فتيمَّم"٤
_________________
(١) ١ انظر رواية الشعبي عند أحمد (المسند ١/١٩٦، ورواية الزهري عند عبد الرّزّاق (المصنَّف ٥/٤٥٢-٤٥٤) . ٢ كان مِمَّا قال أبو عبيدة ﵁: "إن رسول الله ﷺ عهد إليّ وإليه أن لا تتعاصيا، فخشيت إن لم أُطعه أن أعصى رسول الله ﷺ ويدخل بيني وبينه الناس. وإني والله لأطيعنه حتى أقفل". (ابن عساكر: تاريخ: المجلدة الأولى (١/٤٠٥-٤٠٦) . ٣ المغابن: الأرفاغ. وهي بواطن الأفخاذ عند الحوالب. (الجوهري: الصحاح، وابن الأثير: النهاية، مادة: غبن) . ٤ أخرجه أبو داود (انظر: عون المعبود ١/٥٣٢)، والحاكم (المستدرك ١/٢٨٥) وهذا لفظه.
[ ٤١٦ ]
_________________
(١) كلاهما من حديث عبد الله بن وهب عن ابن لهيعة وعمرو بن الحارث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عمران بن أنس، عن عبد الرحمن بن جبير، عن أبي قيس، مولى عمرو بن العاص، عن عمرو بن العاص ﵁. وقال أبو داود: وروى هذه القصة عن الأوزاعي عن حسان بن عطية. قال: فيه فتيمم. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. والذي عنده أنهما عللاه بحديث جرير بن خازم عن يحيى بن أيوب عن يزيد عن عمران عن عبد الرحمن بن جبير، عن عمرو بن العاص قال: "احتلمتُ في ليلة باردة في غزوة ذات السلاسل، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك فتيممت ثم صليت بأصحابي الصبح، فذكر للنبي ﷺ. فقال: يا عمرو! صليت بأصحابك وأنت جنب؟ فأخبرته بالذي منعني من الاغتسال. وقلت: إني سمعت الله يقول: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ . فضحك رسول الله ﷺ ولم يقل شيئًا". ووافقه الذهبي في التلخيص. قلت: أصل الحديث أخرجه البخاري (الصحيح ١/٩٠)، مُعَلَّقًا، وقال ابن حجر (فتح الباري ١/٤٥٤): هذا التعليق وصله أبو داود. (انظر: عون المعبود ١/٥٣٠-٥٣١)، والحاكم (المستدر ١/٢٨٥)، من طريق يحيى بن أيوب عن يزيد ابن أبي حبيب عن عمران بن أبي أنس عن عبد الرحمن بن جبير عن عمرو بن العاص، ثُمَّ ذكره مثله. وذكر أنَّ سنده قوّي وأنَّ البخاري علَّقه بصيغة التمريض لكونه اختصره ثُمَّ ذكر عن البيهقي (السنن ١/٢٢٦) أنه يمكن الجمع بين الروايات بأنه توضأ، ثُمَّ تيمم عن الباقي.
[ ٤١٧ ]
[٣٦] وكان قبل ذلك قد أصدر أوامره بمنع إشعال النيران في المعسكر لمدّة ثلاثة أيام رغم حاجتهم للتدفئة١، فغضب عمر بن الخطاب ﵁ وقال لأبي بكر:
[٣٧] "لِمَ لَمْ يدَع عمرو الناس أن يوقدوا نارًا ألا ترى إلى هذا الذي منع الناس منافعهم؟.فقال أبو بكر: دعه قائمًا، ولاّه رسول الله ﷺ علينا لعلمه بالحرب"٢. "فهدأ عمر ﵁ "٣.
وتشير بعض الروايات بأنّ المسلمين:
[٣٨] "لقوا العدوّ فهزموهم"٤.
_________________
(١) ١ ذكره الهيثمي (مجمع ٥/٣١٩) وعزاه الطبراني، وقال: رواه بإسنادين، ورجال الأوّل رجال الصحيح. قلت: لم أجده في المطبوع من المعجم فلعلّه من الجزء المفقود منه. والله تعالى أعلم. ٢ أخرجه ابن أبي شيبه (المصنف ١٢/٥٣١) عن عبد الله بن بريدة الأسلمي، وهو ثقة. (تقريب٢٩٧)، وسند الحديث إليه صحيح. لكنّه مرسل. فعبد الله لم يدرك الواقعة. ٣ من رواية بريدة عند الحاكم. وقد سبق تخريجها برقم: [٢٢] . ٤ أخرجه ابن حبان (انظر: الإحسان، حديث ٤٥٢٣)، من طريق يحيى بن سعيد الأموي عن إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم عن عمرو بن العاص ﵁. وسنده حسن. لأنَّ فيه الحسن بن حماد الخضرمي صدوق. (التقريب ص ١٦٠) . وبقية رجاله ثقات. وذكر ابن حجر (فتح الباري ٧/٢٦) أنه أخرجه ابن خزيمة، ولم أجده في المطبوع من صحيح ابن خزيمة. فلعلّه من الجزء المفقود منه. والله تعالى أعلم.
[ ٤١٨ ]
بينما يُفصِّل الواقدي، وابن سعد الحديث عن ذلك، فيذكر أنّ عمرو بن العاص ﵁:
[٣٩] "سار حتّى وطئ بلاد بليّ ودوخها حتى أتى إلى أقصى بلادهم، وبلاد عذرة وبلقين"١.
ويمكن تأويل روايةالطبراني عن رافع الطائيرضي الله عنهأنّ المسلمين انطلقوا:
[٤٠] "حتّى نزلوا جبل طئ، فقال عمرو: انظروا إلى رجلٍ دليلٍ بالطريق، فقالوا: ما نعلمه إلاّ رافع بن عمرو، فإنّه كان ربيلًا في الجاهلية"٢٣. - بإمعان المسلمين في طلب القوم حتّى وصلوا إلى تلك المنطقة البعيدة نسبيًا عن المنطقة المحدَّدة سلفًا لعمليات السّرية، ويُشير إليه طلب القائد البحث عن دليل بالطريق - ثُمَّ إنّهم لقوا:
[٤١] "في آخر ذلك جمعًا فحمل عليهم المسلمون فهربوا في البلاد وتفرّقوا"٤.
فنهاهم عمرو ﵁.
[٤٢] "أن يتبعوا العدوّ مخافة أن يكون لهم كمين من وراء الجبل"٥.
_________________
(١) ١ لفظ ابن سعد، وقد سبق تخريجها برقم: [٣] . وانظر: مغازي الواقدي ٢/٧٧١. ٢ أي: كان لِصًّا في الجاهلية. ٣ سبق تخريجها برقم: [١١] . ٤ من رواية ابن سعد. وقد سبق تخريجها برقم: [٣] . ٥ أخرجه ابن أبي شيبه (المصنف ١٢/٥٣١)، عن قيس بن أبي حازم، ثقة. مخضرم. (تقريب ٤٥٦) . والسند إليه صحيح لكنّه مرسل. ومراسيل قيس من أقوى المراسيل. (الموقوظة ٢٦) . وهو يروي عن عمرو بن العاص. (تهذيب ٤/٥٦١) .
[ ٤١٩ ]
وتشير رواية الزهري أنّهم:
[٤٣] "أسروا ناسًا كثيرين من العرب"١.
ويبدو أنّ نتيجة ذلك الإمعان في طلب العدوّ وتقصّيهم حتّى آخر بلادهم، نفذ تموين الجيش، يقول عوف بن مالك الأشجعي ﵁:
[٤٤] "فأصابتنا مخمصة٢ شديدة فانْطَلقتُ ألتمس المعيشة فالتَقَيتُ قومًا يريدون أن ينحروا جزورًا لهم، فقلت: إن شئتم كفيتكم نحرها وعملها وأعطوني منها، ففعلتُ فأعطوني منها شيئًا فصنعته، ثُمّ أتيت عمرو بن العاص فسألني مِن أين هو؟ فأخبرته. فقال: أسمعك قد تعجّلت أجرك، وأبى أن يأكله، ثُمّ أتيت أبا عبيدة بن الجرّاح فأخبرته، فقال لي مثلها، وأبى أن يأكله، فلمّا رأيت ذلك تركتها"٣.
_________________
(١) ١ سبق تخريجها برقم: [٩] . ويذكر البلاذري (أنساب ٣٨١) ن أنّ عمرو بن العاص ﵁ لقي من العدوّ من قضاعة، وعاملة، ولخم، وجذام، وكانوا مجتمعين، ففضهم، وقتل منهم مقتلة عظيمة. ٢ أي: جوع شديد. ٣ أخرجه البيهقي (الدلائل ٤/٤٠٥) . وهذا لفظه من حديث سعيد بن أبي أيوب وابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن ربيعة بن لقيط عن مالك بن هدم عن عوف بن مالك ﵁. وسنده فيه ربيعة بن لقيط وثَّقه العجلي وابن حبان. وذكره ابن أبي حاتم ولم يقل شيئًا. (ابن أبي حاتم: الجرح والتعديل ٣/٤٧٥، وابن حبان: الثقات ٤/٢٣٠، وابن حجر: تعجيل المنفعة ص ٨٨-٨٩) . ومالك بن هدم وثَّقه ابن حبان فقط. وذكره البخاري، وابن أبي حاتم، ولم يقولا عنه شيئًا. (البخاري: التاريخ ٧/٣٠٧، وابن أبي حاتم: الجرح والتعديل ٨/٢١٧، وابن حبان: الثقات ٥/٣٨٥) . وابن لهيعة، وحديثه مقرون. وبقية رجاله ثقات. وله متابعة ذكره ابن هشام (السيرة ٤/٦٢٥-٦٢٦)،والبيهقي (الدلائل٤/٤٠٤)، وابن كثير (البداية والنهاية ٤/٢٧٤)، جميعهم من طريق ابن إسحاق. أخبرني يزيد بن أبي حبيب أنّه حُدّث عن عوف بن مالك ﵁، فذكره نحوه. قال ابن كثير: هكذا رواه ابن إسحاق عن يزيد بن حبيب عن عوف بن مالك، وهو منقطع، بل معضل. وقال البيهقي: قصد بإسناده محمَّد بن إسحاق، رواه سعيد بن أبي أيوب وابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن ربيعة بن لقيط. أخبره عن مالك بن هدم، أظنه عن عوف بن مالك، ثُمّ ذكر الحديث.
[ ٤٢٠ ]
وبعد أن أدّت السرية مهمّتها على أكمل وجهٍ، رجع عمرو بن العاص ﵁ بالجيش قافلًا إلى المدينة، وكان قد:
[٤٥] "بعث عوف بن مالك الأشجعي بريدًا إلى رسول الله ﷺ يبشّره بما فتح الله عليهم"١.
قال عوف:
[٤٦] "فلمّا قفل الناس من ذلك السفر كنت أوّل قادم على رسول الله ﷺ فجئته وهو يصلّي في بيته. فقلت: السلام عليك يا رسول الله
_________________
(١) ١ من رواية ابن سعد. وقد سبق تخريجها برقم: [٣] .
[ ٤٢١ ]
ورحمة الله وبركاته"١.
[٤٧] "قال: صاحب الجزور، ولم يزد عليَّ شيئًا"٢. وتلك معجزة من رسول الله ﷺ، فقد ذكر له خبر الجزور، قبل أن يتكلم ويخبره عن خبرهم في تلك السّرية.
وأثناء عودة الجيش إلى المدينة، وفي الطريق أراد رافع الطائي ﵁ - دليل المسلمين في السرية - أن يصحب رجلًا صالحًا من أفرادها ينفعه الله به، فتوسّم في أبي بكر الصّدّيق ﵁ خيرًا، فصحبه، يقول رافع:
[٤٨] "فوفّق لي أبو بكر فكان يُنَيِّمني على فراشه، ويلبسني كساء له من أكسية فدك"٣.
_________________
(١) ١ رواه ابن إسحاق (ابن هشام: سيرة ٤/٦٢٥-٦٢٦) . وأخرجه ابن كثير عن ابن إسحاق (البداية ٤/٢٧٤) . وقال: هكذا رواه محمّد بن إسحاق عن يزيد بن أبي حبيب، عن عوف بن مالك، وهو منقطع، بل معضل. كما أخرجه البيهقي (دلائل ٤/٤٠٤)، عند أيضًا. وقال: قصّر بإسناده محمّد بن إسحاق. ورواه سعيد بن أبي أيوب، وابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن ربيعة بن لقيط، أخبره عن مالك بن هرم، أظنه عن عوف بن مالك، ثُمّ ذكر الحديث. قلت: ورجاله ثقات ما عدا مالك بن هرم، وثّقه ابن حبان فقط. (الثقات٥/٣٨٥) . ٢ سبق تخريجها برقم: [٤٤] . ٣ أخرجه ابن خزيمة، كما ذكر ابن حجر (إصابة ١/٤٩٧) . من طريق طلحة بن مصرّف عن سليمان، عن طارق بن شهاب، عن رافع الطائي. قلت: وسنده رجاله ثقات. سليمان؛ هو: ابن ميسرة الأحمسي، وثّقه العجلي ويحيى ابن معين والنسائي وابن حبان.
[ ٤٢٢ ]
[٤٩] "فلمّا دنونا من المدينة قافلين قال: قلت: يا أبا بكر! إنّما صحبتك لينفعني الله بك، فانصحني وعلّمني. قال: لو لم تسألنِ ذلك لفعلت"١.
[٥٠] "قال: أتحفظ أصابعك الخمس؟ قلت: نعم. قال: تشهد ألاّ إله إلاّ الله، وأن محمّدًا عبده ورسوله، وتقيم الصلوات الخمس، وتؤتي الزكاة إن كان لك مال، وتحجّ البيت، وتصوم رمضان. حفِظت؟ قلت: نعم. قال: وأخرى لا تُؤَمَّرَنَّ على اثنين. قلت: هل تكون الإمرة إلاّ فيكم أهل بدر؟ قال: يوشك أن تفشو حتّى تبلغك ومَن هُو دونك، إنّ الله لَمَّا بعثَ نبيَّه ﷺ دخل الناس في الإسلام، فمنهم من دخل فهداه الله، ومنهم مَن أكرهه السيف، فهم عوّاذ الله٢، وجيران الله في خفارة الله٣، إن الرجل إذا كان أميرًا فتظالم الناس بينهم فلم يأخُذ لبعضهم من بعض، انتقمَ الله منه. إنّ الرجل لتُؤخذ شاة جاره فيظل ناتئ عضلته٤ غضبًا والله من وراء جاره"٥.
_________________
(١) ١ ذكره ابن هشام (سيرة ٤/٦٢٤-٦٢٥)، عن ابن إسحاق الذي رواه بلاغًا. وهو منقطع، ولكن يشهد له حديث ابن خزيمة السابق، وحديث الطبراني الذي سبق تخريجها برقم: [١١] . ٢ أي: في عصمة الله ومنعه. ٣ أي: في حراسة الله ﵎. ٤ أي: بارزًا عصب وجهه وحلقه، كنّى بذلك عن شدّة الغضب فإنه يبلغ من الشخص هذا المبلغ. والعضلة: هي كلّ لحمة مكتنزة غليظة. ٥ من رواية رافع عند الطبراني. وقد سبق تخريجها برقم: [١١] .
[ ٤٢٣ ]
[٥١] "قال: ففارقته على ذلك"١. فلمّا قدموا على النّبيّ ﷺ:
[٥٢] "سأل رسول الله ﷺ كيف وجدتم عمرًا وصحابته لكم، فأثنوا عليه خيرًا، وقالوا: يا رسول الله! صلّى بنا وهو جنب، فأرسل رسول الله ﷺ إلى عمرو فسأله، فأخبره بذلك وبالذي لقي مِنَ البرد، فقال: يا رسول الله! إنّ الله قال: ﴿وَلاَ تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُم﴾ . [سورة النساء، الآية: ٢٩] . ولو اغتسلت مُت. فضحك رسول الله ﷺ إلى عمرو"٢.
[٥٣] كما ذكروا للنّبيّ ﷺ ما صنعه عمرو بن العاص ﵁ من منعه إيّاهم إشعال النيران في معسكرهم رغم البرد الشديد، وحاجتهم للنار في التدفئة، ومنافعهم الأخرى، وشكوا إليه - أيضًا - منعه إيّاهم إتباع العدوّ رغم هزيمته وفراره٣.
[٥٤] "فقال: يا رسول الله إنّي كرهت أن آذن لهم أن يوقدوا نارًا فيرى عدوّهم قِلتّهم، وكرهت أن يتبعوهم فيكون لهم مدد فيعطفوا عليهم، فحمد رسول الله ﷺ أمره. فقال: يا رسول الله!
_________________
(١) ١ من رواية ابن إسحاق بلاغًا. وقد سبق تخريجها برقم: [٤٩] . ٢ من رواية أبي قيس مولى عمرو بن العاص عند الحاكم. وقدسبق تخريجهابرقم: [٣٥] . ٣ انظر: رواية الطبراني عند الهيثمي (مجمع ٥/٣١٩)، ورواية ابن أبي شيبه (المصنف ١٢/٥٣١)، ورواية ابن حبان (كتاب السير، حديث ٤٥٢٣)، والحاكم (المستدرك ٣/٤٥)، وقد سبق تخريجها جميعًا.
[ ٤٢٤ ]
من أحبّ الناس إليك؟ قال: لِمَ؟ قال: لأُحبَّ مَنْ تُحبّ. قال: عائشة. قال: من الرجال؟ قال: أبو بكر"١.
قال عمرو ﵁:
[٥٥] "قلت: ثُمَّ مَنْ؟ قال: عمر. فعدّ رجالًا فسكتُّ مخافة أن يجعلني في آخرهم"٢.
_________________
(١) ١ من رواية عمرو بن العاص ﵁ عند ابن حبان. وقد سبق تخريجها برقم: [٣٨] . ٢ أخرجه البخاري (الصحيح ٤/١٩٢، ٥/١١٣)، بسنده عن أبي عثمان الهندي. قال ابن حجر: هذا صورته مرسل. بل جزم الإسماعيلي بأنه مرسل. لكن الحديث موصول لقوله بعد ذلك: "قال: فأتيته"، فإنّ المراد: قال عمرو بن العاص، وأبو عثمان سمع من عمرو بن العاص. وقد أخرجه مسلم عن يحيى بن يحيى، والإسماعيلي من رواية وهب بن بقية، ومعلي ابن منصور، كلهم عن خالد بن عبد الله بالإسناد الذي أخرجه البخاري (فتح الباري ٨/٧٥) . قلت: وقد أخرجه مسلم (الصحيح ٥/٩) وأحمد (المسند، حديث: ١٧٧٧)، موصولًا عن أبي عثمان، عن عمرو بن العاص. وذكره بنحوه.
[ ٤٢٥ ]
المبحث السّادس: الأحكام المستنبطة، والدّروس المستفادة:
قال ابن حجر: وفي الحديث جواز تأمير المفضول على الفاضل، إذا امتاز المفضول بصفة تتعلق بتلك الولاية، ومنقبة لعمرو بن العاص لتأميره على جيش فيهم أبو بكر وعمر، وإن كان ذلك لا يقتضي أفضليته عليهم، لكن يقتضي أنّ له فضلًا في الجملة١.
ونقل ابن حجر، والزرقاني عن رافع الطائي قال: وهذه الغزوة هي الغزوة التي يفتخر بها أهل الشام٢.
وقال ابن حجر - أيضًا: وفي الحديث مزية أبي بكر على الرجال، وبنته عائشة على النساء٣.
وقال النووي: وفيه دلالة تنبيه لأهل السُّنّة في تفضيل أبي بكر، ثُمَّ عمر على جميع الصحابة٤.
قلت: كان الصحابة - رضوان الله تعالى عليهم - يعرفون هذا الأمر جيِّدًا، ومتداوَلٌ بينهم، حتّى إنّ الشّباب من صغار الصحابة كانوا يُفَاضلون بين الصحابة بين يدي رسول الله ﷺ، فيقدّمون أبا بكر، ثم عمر، ثم عثمان، فلا يُنكر عليهم رسول الله ﷺ، فقد أخرج البخاري
_________________
(١) ١ فتح الباري ٨/٧٥. ٢ انظر: المصدر السّابق. والزرقاني: شرح ٢/٢٨٠. ٣ فتح الباري ٨/٧٥. ٤ صحيح مسلم بشرح النووي ١٥/١٥٣.
[ ٤٢٦ ]
في الصحيح عن عبد الله بن عمر ﵁ قال: "كُنَّا نخيّر بين الناس في زمن النّبيّ ﷺ، فنخيّر أبا بكر، ثُمّ عمر بن الخطاب، ثم عثمان بن عفان - ﵃ "١.
ونقل البيهقي عن الشافعي أنّه قال: "أجمع الصحابة وأتباعهم على أفضلية أبي بكر، ثُمّ عمر، ثُمّ عثمان، ثُم عليّ"٢.
وفي قصّة رافع الطائي ﵁ يظهر جليًّا تميُّز الصّدّيق ﵁ في هيئته، ومظهره، وتعامله مع الناس، ذلك التميّز الواضح القويّ لاحظه رافع، فاختاره صاحبًا له من بين جميع أفراد السرية، وهذا إن دلّ على شيء فإنّما يدلّ على المواهب العظيمة التي حباها الله ﷿ لذلك الرجل العظيم. حيث عرف الناس فضله وتميُّزه، سواء القريبون منه في مجتمع المدينة الذين كانوا يرون بأعينهم، ويسمعون بآذانهم، ويلاحظون بحواسهم، تقديم المصطفى ﷺ له وتفضيله إيّاه، وحديثه الدائم عنه عن أعماله الخَيِّرة في خدمة الإسلام منذ اللحظة التي صدّق فيها رسولَ الله ﷺ.
أخرج البخاري في الصحيح حديث أبي الدرداء ﵁ الذي فيه: فقال النّبيّ ﷺ: "إنّ الله بعثني إليكم، فقلتم: كذبت، وقال أبو بكر: صدق، وواساني بنفسه وماله " الحديث٣.
_________________
(١) ١ انظر: فتح الباري ٧/١٦، ٥٣. ٢ ذكر ذلك ابن حجر: (فتح الباري ٧/١٧)، نقلًا عنه. ٣
[ ٤٢٧ ]
أو الذين يرافقونه في البعوث والسرايا من الإعراب، فيلاحظون ذلك التميُّز المُلْفِت للنظر لشخصية الصِّدِّيق ﵁ من خلال ما يرونه ويتوسّمونه فيه من خلال الخير، وأعمال البِرِّ، وحُسن الخُلُق، وكرامة المظهر، وحُسن التعامل، كما حدث هذا في هذه السرية، والله تعالى أعلم.
وفي حديث عمرو بن العاص ﵁ وأنّه صلّى بأصحابه وهو جُنُب لخوفه من شدّة البر.
قال ابن حجر: "وفي هذا الحديث جواز التيمّم لمن يتوقع من استعمال الماء الهلاك سواء كان لأجل البرد أم غيره١.
وقال الخطابي: "وفيه من الفقه أنّه جعل عدم إمكان استعمال الماء كعدم عين الماء، وجعله بمنْزلة مَن خاف العطش ومعه ماء، فأبقاه لشقته وتيمّم خوف التلف، وقد اختلف العلماء في هذه المسألة: فشدّد فيه عطاء ابن أبي رباح وقال: يغتسل وإن مات، واحتجّ بقوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُم جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ . [سورة المائدة، الآية: ٥] . وقال الحسن نحوًا من قول عطاء. وقال مالك وسفيان: يتيمّم، وهو بمنْزلة المريض وأجازه أبو حنيفة في الحضر وقال صاحباه: لا يجزيه في الحضر، وقال الشافعي: إذا خاف على نفسه مِن شدّة البرد تيمّم وصلّى وأعاد كلّ صلاةٍ صلاّها كذلك، ورأى أنّه من العُذْر النّادر، وإنما جاءت الرّخص التامّة في الأعذار العامّة"٢.
_________________
(١) ١ فتح الباري ١/٤٥٤. ٢ حاشية سنن أبي داود ١/٢٣٨-٢٣٩.
[ ٤٢٨ ]
وقال ابن حجر أيضًا: "وفي الحديث جواز صلاة المتيمِّم بالمتوضّئين، وجواز الاجتهاد في زمن النّبيّ ﷺ"١.
قال ابن القيم: "وقد احتجّ بهذه القصّة مَن قال: إنّ التيمّم لا يرفع الحدث، لأن النّبيّ ﷺ سمّاه جُنُبًا بعد تيمُّمه، وأجاب مَن نازعهم في ذلك بثلاثة أجوبة:
أحدها: أنّ الصحابة لمّا شكوه قالوا: صلّى الصُّبحَ وهو جُنُب، فسأله النّبيّ ﷺ عن ذلك. وقال: "صلّيت بأصحابك وأنت جُنُب؟ " استفهامًا واستعلامًا، فلمّا أخبره بعذره وأنّه تيمّم للحاجة، أقرّه على ذلك.
الثّاني: أنّ الرواية اختلفت عنه فُرِويَ عنه فيها أنّه غَسَل مغابنه وتوضّأ وضوءه للصلاة، ثُمّ صلّى بهم، ولم يذكر التيمّم، وكأنّ هذه الرواية أقوى من رواية التيمّم، قال عبد الحقّ: "وقد ذكرها وذكر رواية التيمّم قبلها، ثُمّ قال: وهذا أوصل من الأوّل لأنّه عن عبد الرحمن ابن جبير المصري، عن أبي القيس مولى، عن عمرو، والأولى التي فيها التيمّم من رواية عبد الرحمن بن جبير، عن عمرو بن العاص لم يذكر بينهما أبا القيس".
الثالث: أنّ النّبيّ ﷺ أراد أن يستعلم فقه عمرو في تركه الاغتسال، فقال له: "صلّيت بأصحابك وأنت جنب؟ ". فلمّا أخبره أنّه تيمّم للحاجة، عَلِمَ فقهه فلم يُنكر عليه، ويدلّ عليه أنّ ما فعله عمرو من
_________________
(١) ١ فتح الباري ١/٤٥٤.
[ ٤٢٩ ]
التيمّم - والله أعلم - خشية الهلاك بالبرد، كما أخبر به، والصلاة بالتيمّم في هذه الحال جائزة، غير منكرة على فاعلها، فعلم أنّه أراد استعلام فقهه وعلمه. والله تعالى أعلم١.
وفي حديث رافع الطائي-رحمه الله تعالى-،وقصته مع أبي بكر ﵁ تنفيرٌ من التّعرُّض للرياسة، والوعيد لأهلها، وأمرهم بالاستقامة٢. وقد وردت في معناه أحاديث كثيرة عن النّبيّ ﷺ، من ذلك قوله ﷺ لأبي ذرّ ﵁: "يا أبا ذرّ! أراك ضعيفًا، وإني أُحِبّ لك ما أُحِبّ لنفسي، فلا تأمرنّ على اثنين، ولا تولينّ مال اليتيم". وعنه قال: "قلت: يا رسول الله! ألا استعملني؟ فضرب على منكبي فقال: يا أبا ذرّ! إنّك ضعيف، وإنّها أمانة، وإنّها يوم القيامة حسرة وندامة إلاّ مَن أخذها بحقّها، وأدّى الذي عليه فيها". رواهما مسلم٣.
قال النووي: "هذا الحديث وما أشبهه أصلٌ عظيمٌ في اجتناب الولايات"٤.
وعن أبي هريرة ﵁ إنّ رسول الله ﷺ قال: "إنّكم ستحرصون على الإمارة، وستكون ندامة يوم القيامة". رواه البخاري٥.
_________________
(١) ١ ابن القيم: زاد المعاد ٢/١٥٨. ٢ العامري: بهجة المحافل ١/٣٦٥. (بتصرف بسيط) . ٣ مسلم (الصحيح ٤/١٠٥) . ٤ شرح صحيح مسلم. ٥ البخاري (الصحيح ٨/١٠٦) .
[ ٤٣٠ ]
الفصل الثاني: سرية خالد بن الوليد ﵁ إلى الأكيدر
المبحث الأول: تاريخ السرية
المبحث الأوّل: تاريخ السّرية:
ذكرها عروة بن الزبير بعد غزوة تبوك قائلًا:
[١] "ولمّا توجَّه رسول الله ﷺ قافلًا إلى المدينة بعَثَ خالد بن الوليد " الخ١.
وذكر عروة في نهاية روايته أنّه لمّا سمع عظيم أيلة٢ يحنة بن رؤبة بقضية أكيدر دومة، أقبل قادمًا إلى رسول الله ﷺ يصالحه، فاجتمعا عند رسول الله ﷺ بتبوك٣.
[٢] بينما خالفه ابن إسحاق فذكر أنّ النّبيّ ﷺ بعَثَ إلى أكيدر، حينما انتهى إلى تبوك، وبعد مجيء صاحب إيلة، وأهل جربا، وأذرح٤
_________________
(١) ١ أخرجه البيهقي (دلائل ٥/٢٥٢)، مطوّلًا من حديث ابن لهيعة عن الأسود عن عروة، وهو مرسل. ٢ بالفتح، مدينة على ساحل بحر القلزم (البحر الأحمر) مِمّا يلي الشام، وقد ذكر أبو زيد أنّها هي مدينة اليهود الذين حرّم الله عليهم صيد السمك يوم السبت فخالفوا فمُسِخُوا قردة وخنازير. وتقع إيلة على خليج العقبة، وهي مقسومة اليوم بين الأردن، ويُسَمّى الجزء فيه بمدينة العقبة. أمّا الجزء الآخر فيقع في إسرائيل ويُسَمَّى بمدينة إيلات. (ياقوت: معجم١/٢٩٢) . ٣ سبق تخريجها برقم: [١] . ٤ أذرح - بالفتح ثُمّ السكون وضم الراء، وهو جمع ذريح، وهو اسم بلد في أطراف الشام من أعمال الشراة، ثُمّ من نواحي البلقاء وعمّان، مجاورة للحجاز، وجربا، كأنّه الأجرب موضع من أعمال عمان بالبلقاء من أرض الشام قُرب جبال السراة من ناحية الحجاز، وهي قريبة من أذرح وبينهما كان أمر الحكمين بين عمرو ابن العاص، وأبي موسى الأشعري، وهما اليوم قريتان في المملكة الأردنية، تقعان شمال غربي مدينة معان على قرابة ٢٢ كيلا. انظر: (ياقوت: معجم ١/١٢٨، ٢/١١٨، البلادي: معجم المعالم الجغرافية ٨١) .
[ ٤٣٣ ]
ودفعهم الجزية١.
[٣] أمّا الواقدي، وابن سعد، فقد أرّخا لها في رجب سنة تسع، وذكراها في سياق خبر غزوة تبوك٢.
[٤] وذكرها خليفة بعد غزوة تبوك في حوادث السنة التاسعة٣.
قلت: ولا تعارض بين ما ذكره عروة، وابن إسحاق، فإنّ المدّة التي تفصل بين القولين ليست بالطويلة، لأنّ النّبيّ ﷺ لم يلق حربًا في تبوك، فرُبمّا أرسل إلى الأكيدر بعد وصوله إليها، وتأكُّده أن ليس ثَمَّ عدوًّا فيها يحاربه. والله تعالى أعلم.
_________________
(١) ١ ذكره ابن هشام (سيرة ٤/٥٢٥-٥٢٦)، عن ابن إسحاق الذي رواه معضلًا بلا سند. ٢ الواقدي: (مغازي ٣/١٠٢٥، وابن سعد (الطبقات ٢/١٦٦) . ٣ خليفة بن خياط (التاريخ ٩٢) .
[ ٤٣٤ ]
المبحث الثّاني: قُوَّة السّريّة، وقَائدُها:
اتّفق عروة بن الزبير، والواقدي، وابن سعد - وهم الذين ذكروا قوة السريّة - على أنّها كانت بقوّة أربعمائة وعشرين فارسًا١.
بينما لم يذكر ابن إسحاق في روايته شيئًا عن قوّة السرية. وقد اتّفق الجميع أنّ القيادة المطلقة لهذه السرية كانت بيد خالد بن الوليد ﵁ ٢.
ولكن البيهقي ذكر في رواية من طريق يونس بن بكير، عن سعد بن أوس القيسي، عن بلال بن يحيى العبسي قال:
[٥] "بعث رسول الله ﷺ أبا بكر ﵁ على المهاجرين إلى دومة الجندل، وبعث خالد بن الوليد ﵁ على الأعراب معه"٣.
_________________
(١) ١ انظر: (البيهقي: دلائل ٥/٢٥٢، الواقدي: مغازي ٣/١٠٢٥، ابن سعد: الطبقات ٢/١٦٦) . ٢ المصدر السّابق، و(ابن هشام: سيرة ٤/٩٦) . ٣ أخرجه البيهقي (دلائل ٥/٢٥٣)، ورواه ابن حجر في زيادات المغازي، كما ذكر في الإصابة (١/١٢٥)، وسنده حسن لكنه منقطع. وقد ذكر السيوطي في الخصائص (٢/١١٤)، أنّ ابن منده أخرجه في الصحابة من طريق بلال بن يحيى، عن حذيفة موصولًا. قلت: وقد ثبت سماع بلال من حذيفة ﵁ كما في التهذيب (١/٣١٧)، فيكون الحديث بذلك حسنًا إن شاء الله تعالى. ولكن ذكر أبي بكر فيها غريب جدًا. لا يعرف إلاّ من هذا الوجه، كما قال الشامي. والله تعالى أعلم.
[ ٤٣٥ ]
وهذه الرواية شاذّة عمّا ذكر أهل المغازي من قيادة خالد بن الوليد ﵁ المطلقة للسريّة.
قال الشامي: "وَذِكْرُ أبي بكر في هذه السريّة غريبٌ جدًا، لم يتعرّض له أحد من أئمة المغازي التي وقفت عليها. فالله أعلم"١.
هذا وقد تردّدت أسماء بعض المشاركين في أحداث السريّة من الصّحابة - ﵃ - في ثنايا الرّوايات التي نقلت أخبار السّرية، وهم: أبو سعيد الخدري ﵁، وعمرو بن أميّة الضمري ﵁، وكعب بن عجرة ﵁، وواثلة بن الأسقع الليثي ﵁، وبلال بن الحارث المزني ﵁، وبجير بن بجرة الطّائي ﵁، وعبد الله بن عمرو المزني ﵁ ٢.
_________________
(١) ١ سبل الهدى ٦/٣٤٢. ٢ وردت معظم هذه الأسماء في رواية الواقدي.
[ ٤٣٦ ]
المبحث الثالث: سير الأحداث:
وعندما انتهى رسول الله ﷺ إلى تبوك على رأس جيش العسرة، فلم يلق كيدًا، وكعادته - ﵇ - في حربه مع أعدائه، أراد أن يستثمر حملته تلك التي نجحت في بث الرعب في نفوس الروم وحلفائهم من العرب المتنصرة، وذلك لإخضاع المنطقة ومن فيها من القبائل العربيّة، والدويلات الموالية للروم التي باتت تشكل حربًا وتهديدًا للمسلمين بتحالفها السياسي والعسكري مع البيزنطيين، الذي أثمر بوقوفهم جنبًا إلى جنب ضد المسلمين في مؤتة.
لذلك جهّز النّبيّ ﷺ جيشًا من الفرسان، أسند قيادته لفارسٍ مغوارٍ حقّق لتوه نجاحًا منقطع النظير في معركة مؤتة التي دارت أحداثها في محيط المنطقة، ومع نفس العدوّ.
ذلكم هو سيف الله المسلول، خالد بن الوليد ﵁، وصدرت الأوامر النّبويّة العليا لقائد الجيش بأن يتوجّه تلقاء دومة الجندل١.تلك الدويلة الصّغيرة التي كانت تتمتّع باستقلال ذاتي بوسط بلاد كلب، ويملكها الأكيدر بن عبد الملك الكندي الذي كان نصرانيًا يدين بالولاء للدولة البيزنطية.
_________________
(١) ١ سبق التعريف بها.
[ ٤٣٧ ]
[٦] "قال خالد: يا رسول الله! كيف بدومة الجندل وفيها أكيدر، وإنما نأتيها في عصابة١ من المسلمين"٢.
[٧] "فقال رسول الله ﷺ لخالد: إنك ستجده يصيد البقر، فخرج خالد حتى إذاكان من حصنه منظر العين في ليلةٍ مقمرةٍ صافيةٍ"٣.
_________________
(١) ١ عصابة: جماعة ليست بالكثيرة العدد. ٢ من مرسل عروة، وقد سبق تخريجه برقم [١] . ٣ أخرخه البيهقي (دلائل٥/٢٥٠) من طريق يونس بن بكير عن ابن إسحاق، حدّثنا يزيد بن رومان، وعبد الله بن أبي بكر. قال السندي: (مرويات غزوة تبوك ٢٤٢): "هذا الإسناد حسن، مع إرساله. وقد صرّح فيه محمّد بن إسحاق بالسماع من شيخيه". قلت: وقد أخرجه ابن منده من طريق ابن إسحاق به نحوه، وقال: هذا مرسل، وقد وقع لنا مسندًا. ثم أخرج من طريق أبي المعارك الشماخ بن معارك بن مرة بن صخر ابن بجير بن بجرة الطائي، حدّثني أبي، عن جدّي، عن أبيه بجير بن بجرة، قال: "كنت في جيش خالد بن الوليد حين بعثه نبيّ الله ﷺ إلى أكيدر ملك دومة الجندل ". ثُمّ ذكره نحوه. ذكر ذلك ابن حجر (إصابة١/١٣٨)، وقال: "وأخرجه ابن السكن، وأبو نعيم، من هذا الوجه، وأبو المعارك وآباؤه لا ذكر لهم في كتب الرجال. قلت: وذكره أيضًا السيوطي في الخصائص (٢/١١٣)، وعزاه إلى أبي نعيم، وابن منده، وابن السكن. والحديث رواه ابن إسحاق في مكان آخر موصولًا لكن مختصرًا. قال الحافظ في الإصابة (١/٤١٣) في ترجمة خالد بن الوليد ومن طريق ابن إسحاق، عن عاصم،
[ ٤٣٨ ]
_________________
(١) عن أنس. وعن عمرو بن أبي سلمة: "أنّ النّبيّ ﷺ بعث خالدًا إلى أكيدر دومة، فأخذوه فأتوا به، فحقن له دمه وصالحه على الجزية". قال عبد القادر حبيب الله السندي في (مرويات غزوة تبوك ٢٤١-٢٤٢): "وهذا الطريق من أجود الطرق في المغازي، وقد ثبت سماع عاصم المذكور عن أنس بن مالك، كما قال الحافظ في التقريب، وبقي شيء واحد وهو أنّ ابن إسحاق لم يصرّح عن شيخه عاصم المذكور، ولو صرّح لكان هذا الإسناد حسنًا. وأمّا طريق عمرو بن أبي سلمة فلا علم لي بها. لأنّ الطريق لم يذكره الحافظ كاملًا. وأمّا عمرو ابن أبي سلمة، فهو عمرو بن أبي سلمة التنيسي، أبو حفص الدمشقي، مولى بني هاشم، صدوق له أوهام، من كبار العاشرة، مات سنة ٢١٣هـ أو بعدها. قلت: أمّا قوله: "إنّ ابن إسحاق لم يُصرّح بالسماع عن شيخه عاصم، فقد صرّح بالسماع منه في المغازي، وذلك في تكملة الحديث حيث قال: "فحدّثني عاصم بن عمر بن قتادة، عن أنس بن مالك قال: "رأيت قباء أكيدر حيث قدم به على رسول الله ﷺ، فجعل المسلمون يلمسونه بأيديهم ويتعجّبون منه ". وذكر الحديث. (ابن هشام: سيرة ٤/٢٣٢) . وهذا السند متصل، صرّح فيه ابن إسحاق بالسماع وهو حسن إن شاء الله تعالى. وأمّا قوله: "وأمّا طريق عمرو بن أبي سلمة فلا علم لي بها " الخ. فقد وقع تصحيف في اسم الراوي الذي روى عنه عاصم، كما وقع في الإصابة، فهو ليس (عمرو بن أبي سلمة) بل (عثمان بن أبي سليمان) كما وقع صحيحًا عن أبي داود (كتاب الخراج، باب في أخذ الجزية، حديث ٣٠٢١) الذي روى بسنده من طريق ابن إسحاق، عن عاصم بن عمر، عن أنس بن مالك، وعنه عثمان بن أبي سليمان به نحوه، وقد سكت عنه أبو داود، والمنذري، وقال عنه الألباني: (صحيح سنن أبي داود٢/٥٨٩): "حسن". وقال المزي: "الحديث أخرجه أبو داود متصلًا من طريق عاصم بن عمر، عن أنس، ومرسلًا من طريق عاصم، عن عثمان. (انظر: عون المعبود ٨/٢٨٦) . قلت: وهذا هو الأصوب، فعاصم بن عمر من الرابعة، فكيف يروي عن عمرو بن أبي سلمة التنيسي، وهو من كبار العاشرة؟! وتلك قرينة على وقوع التصحيف في اسم مَن روى عنه عاصم، وكتاب الإصابة المطبوع تكثر فيه التصحيفات والتحريفات من فعل النُّسَّاخ. والله تعالى أعلم.
[ ٤٣٩ ]
يرسل الله - ﵎ - البقر إلى حصن الأكيدر لتخرجه من بين أهله وقومه، وعزه ومنعته، إلى خالد وأصحابه، لتتحقّق المعجزة النّبويّة، ويتحقق صدق الصادق المصدوق ﷺ.
[٨] "فبينما خالد وأصحابه في منْزلهم ليلًا، إذ أقبلت البقر حتّى جعلت تحتك١ بباب الحصن، وأكيدر يشرب ويتغنى في حصنه بين امرأتيه، فاطّلعت إحدى امرأتيه٢ فرأت البقر تحتك بالباب والحائط، فقالت امرأته: لم أر كالليلة في اللحم. قال: وما ذاك؟ فقالت: هذه البقر تحتك بالباب والحائط"٣.
[٩] "هل رأيت مثل هذا قط؟ قال: لا والله. قالت: فمن يترك مثل هذا؟ قال: لا أحد. فنَزل فأمرَ بفرسه فأُسْرِجَ له وركب معه نفرٌ
_________________
(١) ١ احتك به، وحكّ نفسه عليه. ٢ ذكر الواقدي (مغازي ٣/١٠٢٥) أنّ اسمها الرباب بنت أنيف بن عامر بن كندة. ٣ من مرسل عروة. وقد سبق تخريجها برقم: [١] .
[ ٤٤٠ ]
من أهل بيته فيهم أخٌ له، يُقال له: حسَّان، فخرجوا بمطاردهم"١٢.
ليصيد البقر الذي جاء بنفسه إليهم هذه الليلة خلاف العادة، ولم يَدُر بخَلَد الأكيدر وامرأته، ومَن ركب معه من أهله أنّ ذلك قدرًا إلهيًا، وأمرًا عُلويًّا، ومُعجزة نبويّة أكرم الله بها نبيّه ﷺ، وأمدّه بها تأييدًا له وتمكينًا على أعدائه.
[١٠] "فلمّا فصلوا من الحصن، وخيل خالد تنظرهم لا يصهل منها فرس ولا يتحرّك"٣. فلمّا التقوا:
[١١] "شدّت عليهم خيل خالد بن الوليد، فاستأسر أكيدر وامتنع أخوه حسان، وقاتل حتّى قُتِلَ وهرب مَن كان معهما، فدخل الحصن"٤.
[١٢] "وقال خالد لأكيدر: أرأيتك إن أجرتك تفتح لي دومة؟ قال: نعم. فانطلق حتّى دنا منها"٥. "ونادى أكيدر أهله: افتحوا
_________________
(١) ١ جمع مطرد، وهو رمح قصير يُطعَن به. وقيل: يطرد به الوحش. (اللسان ٤/٢٥٧) . ٢ من رواية ابن إسحاق عن شيخيه، يزيد بن رومان، وعبد الله بن أبي بكر. وقد سبق تخريجها. ٣ من رواية الواقدي (مغازي ٣/١٠٢٦) . ٤ من رواية ابن سعد (طبقات ٢/١٦٦)، عن شيوخه. ٥ من رواية عروة، وقد سبق تخريجها برقم: [١] .
[ ٤٤١ ]
باب الحصن. فرأوا ذلك، فأبى عليهم مضاد أخو أكيدر"١.
[١٣] "فلمّا رأى ذلك قال خالد: "أيها الرجل! خلّني فلك الله لأفتحنّها لك، إنّ أخي لا يفتحها لي ما علم أنّي في وثاقك. فأرسله خالد، ففتحها له، فلمّا دخل أوثق أخاه وفتحها لخالد. ثُمَّ قال: اصنع ما شئت. فدخل خالد وأصحابه، فذكر خالد ﵁ قول رسول الله ﷺ، والذي أمره، فقال له أكيدر: والله ما رأيتها قط جاءتنا إلاّ البارحة - يريد البقر - ولقد كنت أضمّر لها٢، إذا أردت أخذها فأركب لها اليوم واليومين، ولكن هذا القَدَر. ثُمَّ قال: يا خالد! إن شئت حكَّمتك، وإن شئت حكّمتني. فقال خالد: بل نقبل منك ما أعطيت! فأعطاهم ثمانمائة من السبي، وألف بعير، وأربعمائة درع، وأربعمائة رمح"٣. "ثُمَّ إنّ خالدًا قدم بالأكيدر على رسول الله ﷺ فحقن له دمه، وصالحه على الجزية، وخلّى سبيله، فرجع إلى قريته" ٤. ثُمّ
[١٤] "إنّ أكيدر دومة الجندل أهدى لرسول الله ﷺ حلّة حرير"٥.
_________________
(١) ١ من رواية الواقدي، وقد سبق تخريجها برقم: [٣] . ٢ ضمّر الخيل تضميرًا، علّفها القوت بعد السّمَن. (القاموس: الضمر) . ٣ من رواية عروة. وقد سبق تخريجها برقم: [١] . ٤ من رواية ابن إسحاق عن شيخيه. وقد سبق تخريجها برقم: [٧] . ٥ أخرجه مسلم (الصحيح٥/٦٩)، من رواية قتادة عن أنس ﵁.
[ ٤٤٢ ]
[١٥] "فجعل أصحابه يلمسونها ويعجبون من لينها. فقال: أتعجبون من لين هذه؟ لمناديل سعد بن معاذ في الجنّة، خير منها وألين"١.
_________________
(١) ١ أخرجه مسلم (الصحيح ٥/٦٨)، من رواية أبي إسحاق عن البراء بن عازب ﵁. هذا وقد ذكر أهل المغازي أنّ ذلك كان قُباء حسَّان أخو الأكيدر أرسل به خالد بن الوليد ﵁ إلى رسول الله ﷺ بعد مقتل حسَّان. ولقد اخترت رواية الصحيح على رايات أهل المغازي لأنّ ما في الصحيح أصحّ. والله تعالى أعلم.
[ ٤٤٣ ]
المبحث الرّابع: الخِلاف في إسلام الأكيدر:
اختلف أهل العلم في إسلام الأكيدر، فذكره أبو نعيم، وابن منده في الصحابة:
[١٦] "وذكر أنّه أسلم وأهدى إلى النّبيّ ﷺ حُلّة سيراء١، فوهبها لعمر"٢.
قال ابن حجر: "وعمدة ابن منده في أنّه أسلم، ما أخرجه من طريق بلال بن يحيى عن حذيفة، أنّ النّبيّ ﷺ بَعَثَ إلى دومة الجندل، فقال: إنّكم ستجدون أكيدر دومة خارجًا، ثُمَّ ذكر حديث إسلامه، كذا وقع فيه. وقد رويناه في زيادات المغازي من طريق يونس بن بكير، عن سعد بن أوس، عن بلال بن يحيى قال:
[١٧] "بَعَثَ رسول الله ﷺ أبا بكر على المهاجرين إلى دومة الجندل، وبَعَثَ خالد بن الوليد على الأعراب معه. وقال: انطلقوا فإنّكم ستجدون أكيدر دومة يقتنص الوحش، فخذوه أخذًا فابعثوا به إليَّ ولا تقتلوه، فمضوا، وحاصروا أهلها، فأخذوه فبعثوابه إليه"٣.
_________________
(١) ١ الحُلّة السيراء: نوعٌ من البُرُد فيه خطوطٌ صُفر، أو يخالطه حرير. (القاموس: السير) . ٢ ذكر ذلك عنهما (ابن الأثير: أسد الغابة ١/١٣٥، وابن حجر: إصابة ١/١٢٦) . ٣ سبق تخريجه برقم: [٥] .
[ ٤٤٤ ]
ولم يذكر في هذه القصة أنّه أسلم. وروى أبو يعلى، وابن شاهين، من طريق عبيد الله بن إياد بن لقيط، سمعت أبا إياد يحدّث عن قيس بن النعمان السكوني، قال:
[١٨] "خَرَجَت خيلُ رسول الله ﷺ، فسمع بها أكيدر دومة الجندل، فانطلق إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله! بلغني أنّ خيلكَ انطلقت، وإنّي خفت على أرضي ومالي، فاكتبوا لي كتابًا لا يعرضون في شيءٍ هو لي، فإنّي أقرّ بالذي هو عليَّ مِنَ الحقّ، فكتب له رسول الله ﷺ. ثُمَّ إنّ أكيدر أخرج قباء من ديباج منسوج بالذهب، مِمَّا كان كسرى يكسوهم. فقال: يا رسول الله! اقبل هذا مني هذا فإنّي أهديته لك. فقال: ارجع بقبائك فإنّه ليس أحد يلبس هذا في الدنيا إلاّ حُرِمَه في الآخرة، فرجع به إلى رحله حتّى منْزله، ثُمَّ إنّه وجد في نفسه أن يرُدَّ عليه هديته. فرجع، فقال: يا رسول الله! إنّا أهل بيت يشقّ علينا أن تُرَدَّ هديتنا، فاقبل مني هديتي. فقال: ادفعه إلى عمر. فذكر القصة"١.
_________________
(١) ١ الحديث قوَّى إسناده ابن حجر (فتح الباري ٥/٢٣١) . قلت: الجزء المذكور من سنده رجاله رجال مسلم والبخاري في الأدب، ولم أتمكّن من معرفة بقية سنده، لأنّي لم أجده في مسند أبي يعلى المطبوع، وهو الصغير، فلعلّه من الكبير المفقود. والله تعالى أعلم.
[ ٤٤٥ ]
فلعلّ مستند من قال إنّه أسلم، قوله في هذاالحديث:"يارسول الله"١.
ثُمَّ قال ابن حجر: "فتمسَّك ابن منده لكونه أسلم بروايته، وفيها نظر، وقد ذكر ابن إسحاق قصّته في المغازي، قال:
[١٩] "حدّثنا يزيد بن رومان، وعبد الله بن أبي بكر، أنّ رسول الله ﷺ بَعَثَ خالد بن الوليد إلى أكيدر بن عبد الملك - رجل من كندة - وكان على دومة، وكان نصرانيًا، فقال: إنّك ستجده يصيد البقر. فذكر القصّة مطوّلة وفيها: فقتل خالد حسّانًا أخا أكيدر، وقدم بأكيدر على رسول الله ﷺ، فحقن دمه وصالحه على الجزية، وخلّى سبيله، فرجع إلى مدينته "٢.
وكذلك ذكر القصّة نحو هذا عروة في المغازي في رواية ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة، فعلى هذا فقدومه المدينة في رواية قيس بن النعمان كان بعد ذلك٣.
قلت: قال ابن حجرفي سياق ترجمة قيس بن النعمان: وقد أخرج البخاري، والحاكم في المستدرك من طريق عبيد الله بن إياد عن لقيط، عن أبيه قال: حدّثناقيس بن النعمان، وكان قدقرأ القرآن على عهدعمر، قال:
_________________
(١) ١ ابن حجر: إصابة ١/١٢٦. ٢ وقد رواها ابن إسحاق من طريق أخرى موصولة. وقد سبق تخريجها برقم: [٧] . ٣ ابن حجر: إصابة ١/١٢٦.
[ ٤٤٦ ]
[٢٠] "أتيت النّبيّ ﷺ فأهديت له، فأبى ذلك، فقلت: إنّا قوم يشقّ علينا أن نردّ الهدية"١.
وهذه الرواية وإن كانت مختصرة، ففيها إشارات وقرائن على كونها قد تكون اختصارًا للحديث السابق، من ذلك مثلًا: السند المتطابق تمامًا، وتطابق قول الأكيدر، وقول قيس حول الهدية، وقد ذكر محمّد حميد الله نصّ الحديث مصحّصًا اسم الذي انطلق إلى رسول الله ﷺ، وأنّه قيس بن النعمان٢، وهو المصدر الذي أخذ عنه محمّد حميد الله، فلا أدري مِن أين جاء بهذا التصحيح، وهل له علاقة برواية قيس السابقة أم لا؟ فبذلك يتّضح أنّ ذكر الأكيدر في الرواية وَهَمٌ. والله تعالى أعلم.
والعجب أنّ ابن حجر لم يُعَلِّق على هذا التشابه في الروايتين رغم ذكره لهما في كتابٍ واحدٍ، وهو الإصابة.
ومِمَّن وقع في كلامه ما يدل على أنّ الأكيدر أسلم: الواقدي، وأبو عبيد القاسم بن سلام، فقد انفردا بذكر تفاصيل كتاب ذكرا أنّ النّبيّ ﷺ كتبه للأكيدر، قال الواقدي: حدّثني شيخ من أهل دومة الجندل أنّ رسول الله ﷺ كتب هذا الكتاب:
_________________
(١) ١ ابن حجر: إصابة ٣/٢١٦، وقد وجدت الرواية في كتاب البخاري (التاريخ ٧/١٤٤-١٤٥)، ولم أجدها في المستدرك. ٢ ابن حجر: المطالب العالية، حديث ٤٣٧٩.
[ ٤٤٧ ]
[٢١] "بسم الله الرحمن الرحيم. هذا كتاب من مُحَمَّد رسول الله ﷺ لأكيدر حين أجاب إلى الإسلام، وخلع الأنداد والأصنام، مع خالد بن الوليد سيف الله، في دومة الجندل وأكنافها، وأنّ لنا الضاحية١ من الضّحل٢،
_________________
(١) ١ الضاحية: أطراف الأرض. ٢ الضّحل: الذي فيه الماء القليل.
[ ٤٤٨ ]
والبور١، والمعامي٢، وأغفال الأرض٣، والحلقة، والسلاح، والحافر٤، والحصن، ولكم الضامن من النخل٥، والمعين٦ من المعمور بعد الخمس، لا تعدل سارحتكم، ولا تعد فاردتكم٧، ولا يحظر عليكم النبات، ولا يؤخذ منكم عشر البتات٨. تقيمون الصلاة لوقتها، وتؤتون الزكاة لحقّها، عليكم بذلك العهد والميثاق، ولكم بذلك الصّدق والوفاء، شهد الله ومَن حضر من المسلمين"٩.
ورواه أبو عبيد بنصّه في كتابه: (الأموال) وقال:
[٢٢] "أمّا هذا الكتاب فأنا قرأت نسخته وأتاني به شيخ هناك مكتوبًا في قضيم١٠، صحيفة بيضاء، فنسخته حرفًا بحرف"١١.
_________________
(١) ١ البور: ما ليس فيه زرع. ٢ المعامي: ما ليست له حدود معلومة. ٣ أغفال الأرض: التي لا آثار فيها. ٤ الحلقة: الدروع. والحافر: الخيل. ٥ الضامنة من النخل: النبات من النخل التي نبتت عروقها في الأرض. ٦ المعين: الماء الطاهر. والمعمور: بلادهم التي يسكنونها. ٧ أي: لا يعد ما يبلغ أربعين شاة. ٨ لا يحظر عليكم النبات: ولا تمنعوا أن تزروعوه. والبتات: المتاع ليس عليه زكاة. ٩ الواقدي: مغازي ٣/١٠٢٦-١٢٠٢٧، كما رواه ابن سعد (طبقات ١/٢٨٨-٢٨٩)، عن الواقدي مثله. ١٠ القضيم: الجلد الأبيض. ١١ أبو عبيد القاسم بن سلام: الأموال ١٨٨.
[ ٤٤٩ ]
قال الحلبي تعليقًا على هذا الكتاب: "وهذا كما لا يخفى يدل على أنّ أكيدر أسلم، أي: وهو الموافق لقول أبي نعيم، وابن منده، بإسلامه وأنّه معدودٌ من الصحابة١.
قلت: أبو عبيد ثقة، وهو والواقدي متعاصران٢، ويلاحظ التشابه الكبير بين نصّي الكتاب عندهما، فربّما يكون مصدرهما واحدًا، وهو ذلك الشيخ الجندلي، وهو شيخٌ مجهولٌ لم يصرح كلّ منهما باسمه أو تعديله، فلا يمكن القطع بصحّة الكتاب الذي أراهما إيّاه وأنّه هو كتاب النّبيّ ﷺ للأكيدر. والله تعالى أعلم.
قال ابن حجر: "وقال أبو السعادات بن الأثير أخو مصنّف أُسد الغابة: مِنَ الناس مَنْ يقول: إنّ أكيدر أسلم، وليس بصحيح"٣.
قلت: وقال أخوه أبو الحسن - مُصنِّف أُسد الغابة: "أما سرية خالد فصحيح، وإنما أهدى لرسول الله ﷺ وهذا لا اختلاف بين أهل السير فيه، ومَن قال إنّه أسلم، فقد أخطأ ظاهرًا وكان أكيدر نصرانيًا، ولمّا صالحه النّبيّ ﷺ عاد إلى حصنه وبقي فيه، ثُمَّ إنّ خالدًا أسره لمّا حصر دومة أيّام أبي بكر ﵁، فقتله مشركًا نصرانيًا، وقد ذكر البلاذري أنّ أكيدر لمّا قدم على النّبيّ ﷺ مع خالد أسلم ودعا إلىدومة، فلمّا مات النّبيّ ﷺ ارتدّ مَعَ مَن ارتدّ ومنع ما قبله، فلمّا
_________________
(١) ١ الحلبي: سيرة ٣/٢٢٦. ٢ توفي الواقدي سنة ٢٠٧هـ على الرارجح، وتوفي أبو عبيد سنة ٢٢٤هـ. ٣ الإصابة ١/١٢٧.
[ ٤٥٠ ]
سار خالد من العراق إلى الشام قتله، وعلى هذا القول - أيضًا، فلا ينبغي أن يُذكر في الصحابة، وإلاّ فيُذكَر كلّ مَن أسلم في حياة رسول الله ﷺ ثُمّ ارتدّ١.
قلت: حديث البلاذري - الذي أشار إليه ابن الأثير - رواه عن ابن الكلبي قال: وحدّثني العباس بن هشام الكلبي، عن أبيه، عن جدّه قال:
[٢٣] "وجّه رسول الله ﷺ خالد بن الوليد إلى أكيدر، فقدم به عليه فأسلم، فكتب له كتابًا، فلمّا قُبِضَ النّبيّ ﷺ منع الصدقة، ونقض العهد، وخرج من دومة الجندل فلحق بالحيرة، وابتنى بها بناءً سمّاه دومة، بدومة الجندل، وأسلم حريث بن عبد الملك أخوه على ما في يده، فسلّم ذلك له، فقال سويد بن شبيب:
لا يأمَنَنَّ قومٌ عِثَارٌ جُدُودُهم كَمَا مِنْ خُبْثٍ ظَعَائِنُ أكدرا
قال: وتزوّج يزيد بن معاوية ابنة حريث أخي أكيدر.
[٢٤] "قال العبّاس: وأخبرني أبي، عن عوانة بن الحكم، أنّ أبا بكر كتب إلى خالد بن الوليد وهو بعين التمر، يأمره أن يسير إلى أكيدر فسار إليه فقتله، وفتح دومة، وكان قد خرج منها بعد
_________________
(١) ١ أسد الغابة ١/١٣٥.
[ ٤٥١ ]
وفاة رسول الله ﷺ ثُمَّ عاد إليها، فلمّا قتله خالد مضى إلى الشام"١.
قال ابن حجر جامعًا بين الروايات: "فالذي يظهر أنّ أكيدر صالح على الجزية، كما قال ابن إسحاق، ويحتمل أن يكون أسلم بعد ذلك، كما قال الواقدي، ثُمّ ارتدّ بعد النّبيّ ﷺ مَعَ مَن ارتدّ كما قال البلاذري، ومات على ذلك. والله أعلم"٢.
قلت: الأدلة التي ساقها مَن قال بإسلام الأكيدر، ومَن قال بإسلامه ثُمّ ارتداده بعد ذلك جميعها لا تخلو من مقال، ولا تنهض في مخالفة الروايات التي ذكرت أنه لم يُسلم، وإنّما صالحه النّبيّ ﷺ على الجزية. والله تعالى أعلم.
_________________
(١) ١ البلاذري: فتوح البلدان ٨٣-٨٤. وانظر: خبر مقتل الأكيدر في الطبري (تاريخ ٣/٣٧٨) . ٢ الإصابة ١/١٢٧.
[ ٤٥٢ ]
المبحث الخامس: الدروس المستفادة
المبحث الخامس: الدّورس المستفادة:
يتبيّن من إسناد النّبي ﷺ قيادة هذه السرية لسيف الله خالد بن الوليد ﵁، مدى ما كان يتمتع به ﵇ من حنكة عسكرية فذّة، وذكاءٍ منقطع النظير، فخالد بن الوليد ﵁ هو القائد المظَفَّر، وبطل مؤتة المُتَوَّج، ولا بُدّ أنّه أصبح معروفًا معرفةً تامّةً لدى القبائل العربية المنتصرة التي واجهته في مؤتة، وعرفت مدى ما كان يتمتّع به مِن ذكاءٍِ قياديّ، وحنكةٍ عسكريةٍ، فأراد النّبيّ ﷺ أن يستثمر هذا النجاح لخالد ضدَّهم، ويرميهم به ليتحصَّل على أفضل النتائج المرجوة بأقل قدرٍ ممكنٍ من الخسائر، وتلك استراتيجية الرسول القائد ﷺ دائمًا مع أعدائه.
قال الأكيدر لخالد: "والله ما رأيتها قط جاءتنا إلاّ البارحة - يريد البقر - ولقد كنت أضمّر لها إذا أردت أخذها، فأركب لها اليوم واليومين".
ويحقُّ للأكيدر وأهله أن يتعجّبوا من فِعل البَقَر تلك الليلة، لأنّه أمر خلاف العادة، وهكذا المعجزات النّبويّة دائمًا تكون خارقة للعادات، ولقد كانت تلك قدرة إلهية، ومعجزة نبويّة، هيأها الله - ﵎ - لنبيّه ﷺ تأييدًا له وتمكينًا على أعدائه، فما كانت البقر لتأتي لحتفها بنفسها لولا أنّ خالقها أمرها بذلك، وساقها بلا سائق إلى ذلك المصير، فالبقر وإن كانت حيوانًا لا يعقل، ولكنها بفطرتها التي فطرها الله عليها تُدرك مكامن
[ ٤٥٣ ]
الخطر ومدارك الهلكة، فتبتعد عنها كثيرًا، وهو الأمر الذي تعوَّده الأكيدر عنها حيث كان يضمّر لها الخيل، ويستعد لها ثُمّ يركب في طبلها اليوم واليومين حتّى يجدها في مكامنها البعيدة عن الخطر، ولكن قدر الله ﷿، وقدرته العلية، وأمره الذي لا يُردّ، سخّر ذلك البقر لنبيّه ﷺ وجعله في خدمة أهدافه وطوّعه جنديًا مجنّدًا من جنوده، يستدرج به أعداءه بعيدًا عن دار عِزه وسلطانه ليقع فريسة سهلة المنال في يد الجندي الآخر خالد بن الوليد ﵁، الذي خرج في طاعة قائده وإمامه ﷺ، ومنطلقًا دونما جدال ولا مناقشة، مِمَّا يدل على ما كان يتمتع به سلفنا الصالح - رضي الله تعالى عنهم - مِنَ الإيمان المُطلق بنبيّهم ﷺ، وتصديقه فيما يقول، وطاعتهم لولي الأمر، وتأدّبهم الجم مع مقامه الشريف ﵇، ومعرفتهم حقّ الإمام من الطاعة فيما يأمر بمعروف.
قال النّبيّ ﷺ لأصحابه حينما رآهم يتعجّبون من الجُبَّة التي أهداها له الأكيدر: "أتعجبون من هذا؟ فوالذي نفسي بيده لمناديل سعد بن معاذ في الجنّة أحسن من هذا". هذه الحادثة على بساطتها توضح لنا أمرين على درجةٍ كبيرةٍ من الأهمية:
الأمر الأوّل: معرفة مدى ما كان عليه الصحابة - رضي الله تعالى عنهم - من البساطة، والتواضع، والزهد، وترك بهرج الدنيا، ربّاهم على ذلك المربِّي الأوّل، رسول الله ﷺ، الذي مات وهو لم يشبع من خُبز الشعير بأبي هو وأُمي، وهو الذي لو أراد لَحِيزَت له الدُّنيا بأسرها.
[ ٤٥٤ ]
الأمر الثّاني: معرفة مدى تفاهة متاع الدنيا وملذاتها، مقارنةً بنعيم الآخرة، وما أعدّه الله - ﵎ - للمتّقين في جنّات النعيم، فحُلَّة الديباج المنسوجة بالذهب لا تساوي شيئًا إذا قيست بمناديل الجنّة التي هي ليست من اللباس، بل دونه، فما بالك بلباسها؟!.
وهكذا كان المصطفى ﷺ يُرَبِّي أصحابه مُوَضحًا لهم أنّ الدُّنيا بملذّاتها ونعيمها، وبما فيها من ذهبٍ وفضّةٍ وحريرٍ وديباجٍ، لا تساوي شيئًا يُذكر بِمَا أعدّه الله ﵎ لعباده في جنّاتٍ فيها ما لا عين رأت، ولا أُذن سمعت، ولا خَطَر على قلب بشر.
وحينما يعرف الإنسان المؤمن التقيّ هذه الحقيقة الناصعة، فإنّه يكون أدعى لترك ما في الدنيا من ملذّات وشهوات، وأقرب للزهد فيها، والتّطلّع لِما ادّخره الله ﷿ لعباده المتّقين بالعمل الصالح، والجدّ في الطاعة، والتّقى والعفاف ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ المُتَنَافِسُون﴾ . [سورة المطفِّفين، الآية:٢٦] .
وقد آتت هذه التربية العظيمة أكلها وأينعت ثمارها مع سلفنا الصالح - رضي الله تعالى عنهم - وهكذا رأيناهم حينما فتحت لهم الدّنيا، وانساقت إليهم بحذافيرها، لم يغرّهم بهرجها، ولم ينخدعوا بنعيمها، ولم ينساقوا وراءها، بل كانوا أزهد الناس فيها، فملكوها ولم تملكهم، وساقوها بزمام التقى، والعفاف، وغنى النفس، والورع، والزهد، ولم تسقهم بزمام الشهوات، والملذّات، والنعيم الزائل، والمعاصي الموبقة، روَّضوها لطاعة الله وجعلوها دار عبور وممرّ، وطريقًا إلى الجنّة، ولم تروّضهم لشهواتها وملذاتها، فتجعلها طريقًا لهم إلى النار، ولم يتّخذوها دار بقاء وقرار.
[ ٤٥٥ ]
إنّه عندما عرف السلف حقيقة هذه الدّنيا الفانية، دانت لهم فدانت لهم أممها من أقطارها، وعندما ضيَّع الخلف هذه المفاهيم الصحيحة، ولم يعرفوا الدّنيا على حقيقتها، دانوا لها، فتداعت عليهم أُممها من أقطارها: ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَومٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفِسِهِم﴾ . [سورة الرعد، الآية: ١١] .
[ ٤٥٦ ]
الفصل الثالث: سرية أسامة بن زيد ﵁ إلى أبنى
المبحث الأول: التعريف بأبنى
المبحث الأوّل: التّعريف بأُبنى:
أُبْنَى مضمومة الأولى، ساكنة الثاني، بعده نون، على وزن فُعْلى، موضع بناحية البلقاء من الشام١. قال القاري والحلبي: اسم موضع من فلسطين بين عسقلان والرملة٢. وقيل: لأبي مسهر٣: أُبنى. قال: نحن أعلم، هي: يُبنا فلسطين٤.
قال ابن قدامة: "والصحيح أنّها أُبنى، كما جاءت في الرواية، وهي قرية من أرض الكرك، في أطراف الشام، في الناحية التي قُتِلَ فيها أبوه٥، فأمّا يُبْنا فهي من أرض فلسطين، ولم يكن أسامة ليصل إليها، ولا يأمره النّبي ﷺ بالإغارة عليها، لبعدها، والخطر بالمصير إليها لتوسطها في البلاد، وبُعدها من طرف الشام، فما كان النّبيّ ﷺ ليأمره بالتغرير بالمسلمين، فكيف يُحْمَل الخبر عليها، مع مخالفة لفظ الرواية، وفساد المعنى"٦.
قال ياقوت: "وفي كتاب نصر أُبنى قرية بمؤتة"٧.
_________________
(١) ١ البكري: معجم ما استعجم ١/١٠١. ٢ الحلبي: سيرة ٣/٢٢٧، شمس الحقّ، وعون المعبود ٩/٢٧٦. ٣ عبد الأعلى بن مُسْهِر الغساني، أبو مسهر الدمشقي. (ثقة فاضل) من كبار العاشرة، مات سنة ثماني عشرة وله ثمان وسبعون سنة. (تقريب ٣٣٢) . ٤ أبو داود: السنن ٣/٨٨. ٥ زيد بن حارثة ﵁. ٦ ابن قدامة: المغني ١٣/١٤٧-١٤٨. ٧ معجم: ١/٧٩.
[ ٤٥٩ ]
قلت: ما رجّحه ابن قدامة تؤيّده روايات أهل المغازي، فقد ذكر عروة، والزهري، وابن عقبة في روايتهم:
[١] "أنّ رسول الله ﷺ أَمَر أُسامة بن زيد - رضي الله تعالى عنهما، أن يُغير على مؤتة، وعلى جانب فلسطين ". الحديث١.
وعنون الواقدي للسرية بقوله: "غزوة أُسامة بن زيد مؤتة٢، ثُمَّ ذكر في سياق حديثه عن السرية رواية ساقها بسنده عن الزهري، عن عروة، عن أُسامة بن زيد - ﵄:
[٢] "أنّ النّبيّ ﷺ أمره أن يُغير على أُبنى ". الحديث٣.
وقال ابن سعد: "وهي أرض السراة ناحية البلقا"٤. وأخرج في موضعٍ آخر بسنده عن عروة قال:
_________________
(١) ١ أخرجه البيهقي (دلائل ٧/٢٠٠-٢٠١)، من حديث محمّد بن فليح، عن موسى بن عقبة، عن ابن شهاب الزهري، ومن طريق إسماعيل بن إبراهيم، عن عمّه موسى بن عقبة، ومن حديث أبي الأسود، عن عروة. كما أخرجه ابن عساكر (تاريخ دمشق ٢/٦٨٩)، من حديث محمّد بن عائذ بسنده عن عروة. قلت: الحديث من مراسيل عروة، والزهري، وموسى بن عقبة، وهم من أئمة المغازي المشهورين الثقات. ٢ المغازي ٣/١١١٧. ٣ أخرجه الواقدي (مغازي ٣/١١١٧)، من طريق عبد الله بن جعفر بن عبد الرحمن ابن أزهر بن عوف عن الزهري عن عروة عن أسامة بن زيد. ٤ الطبقات ٢/١٩٠.
[ ٤٦٠ ]
[٣] "وأمره أن يُغيّر على أُبنى من ساحل البحر"١.
أمّا ابن إسحاق فذكر أنّ رسول الله ﷺ أَمَرَ أُسامة أن يوطئ الخيل تُخُومَ البلقاء والداروم من أرض فلسطين٢.
[٤] "وذكر مثل ذلك مالك بن أنس رحمه الله تعالى"٣.
قال ياقوت: "الداروم قلعة بعد غزة للقاصد إلى مصر، الواقف فيها يرى البحر ويُقال لها الدارون"٤.
وأخرج ابن سعد، عن هشام بن عروة حديث السّرية في ترجمة أُسامة فقال فيه: "فبعثه أبو بكر إلى آبل ". الحديث٥.
وأخرج مثله الطبري من حديث سيف، عن هشام، عن أبيه، وقال فيه:
[٥] "وقال له: اصنع ما أمرك به نبيّ الله ﷺ، ابدأ ببلاد قضاعة، ثُمّ ايت آبل "٦.
_________________
(١) ١ أخرجه ابن سعد (طبقات ٤/٦٧)، من حديث حماد بن أسامة، عن هشام، عن أبيه. قلت: وسنده رجاله رجال الصحيح، غير أنّه مرسل. ٢ ابن هشام: سيرة ٤/٦٠٦، ٦٤٢. ٣ عزاه القيرواني (الجامع ٢٩٧) إلى الإمام مالك ﵀. ٤ معجم ٢/٥٠٥. ٥ سبق تخريجها برقم: [٣] . ٦ أخرجه الطبري (تاريخ ٣/٢٢٦-٢٢٧) بسنده عن هشام بن عروة، عن أبيه. وعن سيف، عن موسى بن عقبة، عن المغيرة بن الأخنس. وعنه أيضًا عن عمرو بن قيس، عن عطاء الخراساني. قلت: سنده مداره على سيف بن عمر التميمي، وهو ضعيف في الحديث، لكنه عمدة في التاريخ. والخبر هنا تاريخي. والله تعالى أعلم.
[ ٤٦١ ]
وقد ذكر مثل ذلك ابن عساكر، عن الواقدي، فقال:
[٦] "ذكر أبو عبد الله محمّد بن عمر بن واقد الواقدي في كتاب الصوائف الذي صنّفه، أنّ غزوة الجندل، أوّل غزوات الشام، والثّانية مؤتة، والغزوة الثّالثة تبوك، والغزوة الرّابعة غزوة أُسامة ابن زيد يُبنى من أرض فلسطين في سنة عشرة، والغزوة الخامسة غزوة أُسامة بن زيد آبل الزيت في سنة إحدى عشرة، وهي التي أمّره عليها ﷺ وهو مريض، فغزاها بعد وفاته ﷺ، ولم أجد أحدًا من العلماء فرّق بين غزوة يُبنى وبين غزوة آبل الزيت غير الواقدي، وقد ذكر في كتاب المغازي الذي صنّفه حديث الأمر بالإغارة على يُبنى في جملة قصّة إنفاذ أبي بكر لجيش أُسامة وإغارته على آبل الزيت، وعندي أنّهما غزوة واحدة، أغار فيها على الموضعين جميعًا. والله أعلم "١.
قال ياقوت: "آبل - بفتح الهمزة وبعد الألف باء مكسورة ولام - أربعة مواضع، وفي الحديث: أنّ رسول الله ﷺ جهَّز جيشًا بعد حجّة الوداع وقبل وفاته، وأمّر عليهم أُسامة بن زيد، وأمَرَه أن يوطئ خيله آبل الزيت، بلفظ زيت الأدهان بالأردن من مشارف الشام"٢.
_________________
(١) ١ ابن عساكر: تاريخ المجلدة الأولى، ص ٣٨٥-٣٨٦. ٢ معجم البلدان ١/٥٠.
[ ٤٦٢ ]
قلت: هل كانت أُبنى، والداروم، ومؤتة، وآبل الزيت سرية واحدة أغار فيها أُسامة بن زيد عنهما على هذه المواضع جميعًا، كما ألمح لذلك ابن عساكر؟ أم أنّها كانت سرايا متعدّدة لشخصٍ واحدٍ وهو أُسامة ﵁، أم أنّها كانت سريةً واحدةً لمكانٍ واحدٍ له أسماء متعدّدة؟ أم أنّ هذه المواضع المذكورة كانت هي مناطق القبائل العربية التي شاركت في مؤتة ضدّ المسلمين؟ ! وباعتبار أنّها كانت متقاربة، بَعَثَ إليها رسول الله ﷺ بعثًا واحدًا لضربها وتأديب أهلها، وهو ما أُرَجحه. والله تعالى أعلم.
[ ٤٦٣ ]
المبحث الثّاني: تاريخ السّريّة:
أكثر الروايات تحدَّثت عن تجهيز البعث في عهد المصطفى ﷺ، ثُمّ أفاضت في الحديث حول مرض النّبيّ ﷺ، ثُمّ وفاته، وتوقَّفت دون أن تشير إلى بقية أخبار البَعْث. ففي رواية عروة، والزهري، وموسى بن عقبة قالوا:
[٧] "قدم رسول الله ﷺ المدينة، - يعني من حجّة الوادع - فعاش بالمدينة حين قدمها بعد صدرة المحرَّم، واشتكى في صفر، فوعك أشد الوعك ". ثُمّ ذكروا حديثًا طويلًا حول مرضه ﷺ إلى أن قالوا: "وكان أُسامة بن زيد قد تجهَّز للغزو، وخرج في ثقله إلى الجرف، فأقام تلك الأيام بشكوى رسول الله ﷺ، وكان رسول الله ﷺ قد أمَّره على جيش " إلى أن قالوا: "فجلس رسول الله ﷺ إلى ذلك الجذع، واجتمع إليه المسلمون يسلمون عليه، ويدعون له بالعافية، ودعا رسول الله ﷺ أُسامة بن زيد، فقال: اغدُ على بركة الله والنصر والعافية، ثُمَّ أغِر حيث أمرتُك أن تُغير. قال أُسامة: يا رسول الله! قد أصبحت مُفيقًا، وأرجو أن يكون الله ﷿ قد عافاك، فائذن لي، فأمكُثَ حتّى يشفيك الله، فإنّي إن خرجت وأنت على هذه الحال، خرجت وفي نفسي منك قرحة، وأكره أن أسأل عنك الناس. فسكت رسول الله ﷺ، وقام، فدخل بيت عائشة "، إلى قالوا: "ووعك رسول الله ﷺ حين رجع أشد الوعك، واجتمع إليه نساؤه، وأخذ بالموت
[ ٤٦٤ ]
فلم يزل كذلك حتّى زاغت الشمس من يوم الإثنين "، ثُمّ قالوا: "واشتدّ برسول الله ﷺ الوجع، فأرسلت فاطمة إلى علي ابن أبي طالب، وأرسلت حفصة إلى عمر بن الخطّاب، وأرسلت كلّ امرأة إلى حميمها١، فلم يرجعوا حتّى توفي رسول الله ﷺ على صدر عائشة في يومها، يوم الإثنين حين زاغت الشمس لهلال شهر ربيع الأوّل ﷺ "٢.
وفي رواية ابن إسحاق قال:
[٨] "ثُمّ قفل رسول الله ﷺ فأقام بالمدينة بقية ذي الحجّة، والمحرَّم، وصفر، وضرب على الناس بَعْثًا إلى الشام، وأمَّر عليهم أُسامة بن زيد بن حارثة مولاه "٣.
وقال ابن حجر: "كان تجهيز أُسامة يوم السبت قبل موت النبيّ ﷺ بيومين، وكان ابتداء ذلك قبل مرض النّبيّ ﷺ، فندب الناس لغزو الروم في آخر صفر ثُمَّ قال:
[٩] "فبدأ برسول الله ﷺ وجعه في اليوم الثّالث، فعقد لأُسامة لواءً بيده إلى أن قال: ثُمَّ اشتدَّ برسول الله ﷺ وجعه، فقال: أنفذوا جيش أُسامة، فجهَّزه أبو بكر بعد أن استخلف " ٤.
_________________
(١) ١ الحميم: القريب. ٢ سبق تخريجها برقم: [١] . ٣ ذكره ابن هشام (سيرة ٤/) من حديث ابن إسحاق الذي رواه معضلًا بلا سند. ٤ فتح الباري ٨/١٥٢.
[ ٤٦٥ ]
ولم يُفَصل الحديث في السرية منذ لحظة تجهيزها إلى انطلاقها نحو الشام غير الواقدي، وكاتبه ابن سعد، ومَن تبعهما من أصحاب المغازي المتأخرين، قال ابن سعد:
[١٠] "لمّا كان يوم الإثنين، لأربع ليالٍ بقين من صفر سنة إحدى عشرة مِن مهاجر رسول الله ﷺ، أَمَر رسول الله ﷺ الناس بالتهيّؤ لغزو الروم، فلمّا كان من الغد دعا أُسامة بن زيد، فقال: سِر إلى موضع مقتل أبيك " إلى أن قال: "فلمّا كان يوم الأربعاء، بُدِئَ برسول الله ﷺ فَحُمَّ، وصدّع، فلمّا أصبح يوم الخميس عقد لأُسامة لواءً بيده "، إلى أن ذكر خطبة النّبيّ ﷺ بالناس حينما بلغه طعنهم في إمارته "، ثُمَّ قال: "وذلك يوم السبت لعشرٍ خلون من ربيع الأوّل، وجاء المسلمون الذين يخرجون مع أُسامة يُوَدعون رسول الله ﷺ، ويمضون إلى المعسكر بالجرف، وثقل رسول الله ﷺ، فجعل يقول: أنفذوا بَعْثَ أسامة، فلمّا كان يوم الأحد اشتدّ برسول الله ﷺ وجعه، فدخل أُسامة من معسكره والنّبيّ مغمور١، وهو اليوم الذي لدُّوه٢ فيه، فطأطأ أُسامة، وقَبَّلَه ورسول الله ﷺ لا يتكلّم". ثُمَّ قال: "ثُمَّ دخل يوم الاثنين، وأصبح رسول الله ﷺ مُفيقًا صلوات الله عليه وبركاته، فقال له: اغد على بركة الله، فودّعه أُسامة وخرج إلى معسكره،
_________________
(١) ١ مغمور: أي: كان خاملًا، خائر القوى من شِدَّة المرض ﷺ. ٢ اللّدود: ما يُصَبُّ بالمسعط من الدواء في أحد شقي الفم. (القاموس: اللد) .
[ ٤٦٦ ]
فأمرَ الناس بالرحيل، فَبَيْنَا هو يريد الركوب إذا رسول أُمّه أُمّ أيمن قد جاءه يقول: إنّ رسول الله ﷺ يموت! فأقبل وأقبل معه عمر، وأبو عبيدة، فانتهوا إلى رسول الله ﷺ وهو يموت ". إلى إن قال: "فلمّا كان هلال شهر ربيع الآخر سنة إحدى عشرة، خرج أُسامة فسار إلى أهل أُبنى"١.
وذكر مثل ذلك الواقدي٢،وتابعهما ابن سيد الناس٣،والحلبي٤، والزرقاني٥.
أمّا خليفة بن خياط، فذكر بسنده عن الزهري قال:
[١١] "فسار أُسامة في آخر شهر ربيع الأوّل حتّى بلغ أرض الشام"٦.
قلت: لا فرق بين القولين، فربما كان سيره آخر يوم في شهر ربيع الأوّل، وأّوّل يوم في شهر ربيع الآخر. والله تعالى أعلم.
وكانت هذه السرية آخر سرية جهّزها رسول الله ﷺ، وأوّل سرية جهّزها أبو بكر الصّدّيق ﵁ بعد أن استخلف٧.
_________________
(١) ١ أخرجه ابن سعد (طبقات ٢/١٩٠-١٩١)، عن شيوخه. ٢ المغازي ٣/١١١١-١١٢٥. ٣ عيون الأثر ٢/٣٥٥-٣٥٦. ٤ السيرة الحلبية ٣/٢٢٧-٢٢٨. ٥ شرح المواهب ٣/١٠٨-١٠٩. ٦ أخرجه خليفة (تاريخ ١٠١)، من حديث المدائني بسنده عن الزهري. قلت: سنده فيه عثمان بن عبد الرحمن الوقاصي. وهو (متروك) . ٧ ابن حجر: فتح الباري ٨/١٢٥، والزرقاني: إرشاد الساري ٦/٤٧٥.
[ ٤٦٧ ]
المبحث الثّالث: سبب السّرية والمهمّة التي أُنيطت بها:
أشارت الروايات التي نقلت خبر السرية إلى أنّها كانت لتأديب القبائل وأهل القرى في تلك المنطقة الذين شاركوا في غزوة مؤتة ضدّ المسلمين، ففي رواية عروة، والزهري، وموسى بن عقبة:
[١٢] "أمره رسول الله ﷺ أن يغير على مؤتة، وعلى جانب فلسطين، حيث أُصيب زيد بن حارثة، وجعفر بن أبي طالب، وعبد الله بن رواحة"١. وفي رواية ابن سعد قال: "سِر إلى موضع مقتل أبيك، فأوطئهم الخيل"٢.
وفصَّل الواقدي القول في ذلك، فقال:
[١٣] "لم يزل رسول الله ﷺ يذكر مقتل زيد بن حارثة، وجعفر، وأصحابه، وَوجد عليهم وجدًا شديدًا، فلمّا كان يوم الإثنين لأربع ليالٍ بقين من صَفَر سنة إحدى عشرة أمر رسول الله ﷺ الناس بالتّهيّؤ لغزو الروم، وأمرهم بالانكماش٣ في غزوهم، فتفرّق المسلمون من عند رسول الله ﷺ وهم مُجِدّون في الجهاد، فلمّا أصبح رسول الله ﷺ من الغد، يوم الثلاثاء لثلاثٍ بقين من
_________________
(١) ١ سبق تخريجها برقم: [١] . ٢ سبق تخريجها برقم: [١٠] . ٣ الانكماش: الإسراع.
[ ٤٦٨ ]
صفر، دعا أُسامة بن زيد، فقال: يا أُسامة! سِر على اسم الله وبركته حتّى تنتهي إلى مقتل أبيك، فأوطئهم الخيل " ١.
قال العامري، والبنا: "ولذلك أمَّره على حداثة سنة، ليدرك ثأره"٢.
قلت: ربّما يكون ذلك أحد أسباب بعث هذه السرية، ولكن لا يمكن بأي حال من الأحوال حصرها بهذا السبب وحده، فنظر النّبيّ ﷺ أبعد من مجرّد الانتقام وإدراك التأثر، لأنّ استراتيجيته ﷺ كقائد للأمّة الإسلامية، وبشيرًا ونذيرًا للناس كافّة، كانت بعيدة المدى جدًا، وقضايا التّأُثر والانتقام من القضايا التي عفا عليها الزمن في الإسلام، وأصبحت من أدران الجاهلية التي قضى عليها الإسلام، وتركها المسلمون وراءهم، وإنّما كانت تلك السرية تدخل ضمن نطاق التمهيد الذي بدأه رسول الله ﷺ للفتوح في الشام، فكان لا يمكن القفز من على تلك المناطق التي لم تخضع لسلطان المسلمين بعد، والتوغل في مناطق الشام الداخلية قبل تمهيد الطريق إليها. والله تعالى أعلم.
_________________
(١) ١ المغازي ٣/١١١٧. ٢ العامري: بهجة المحافل ١/٩٩، البنا: الفتح الرباني ٢١/٢٢١.
[ ٤٦٩ ]
المبحث الرّابع: مراسم تولية القائد، ووصيّة النّبيّ ﷺ له:
أخرج ابن سعد بسنده عن هشام بن عروة قال:
[١٤] "وكان رسول الله ﷺ إذا أمَّر الرجل أعلمه وندب الناس إليه"١.
وقال ابن سعد:
[١٥] "أَمَرَ رسول الله ﷺ الناس بالتّهيّؤ لغزو الروم، فلمّا كان من الغد دعا أُسامة بن زيد فقال: سِر إلى موضع مقتل أبيك، فأوطئهم الخيل، فقد ولّيتك هذا الجيش، فَأَغِر صباحًا على أهل بُنى، وحرّق عليهم، وأسِرع السّير تسبق الأخبار، فإن ظفرك الله فأقلل اللبث فيهم، وخُذ معك الأدلاّء، وقدم العيون والطلائع أمامك"٢.
وقال الواقدي:
[١٦] "فلمّا أصبح يوم الخميس لليلةٍ بقيت من صفر، عقد له رسول الله ﷺ بيده لواءً ثُمَّ قال: يا أُسامة! اغزُ باسم الله، في سبيل الله، فقاتلوا مَن كفر، اغزوا ولا تغدروا، ولا تقتلوا وليدًا ولا امرأة، ولا تمنّوا لقاء العدوّ، فإنّكم لا تدرون لعلّكم تبتلون بهم، ولكن
_________________
(١) ١ أخرجه ابن سعد (طبقات ٤/٦٧)، من حديث أبي أُسامة، عن هشام بن عروة، وهو منقطع. ٢ سبق تخريجها برقم: [١٠] .
[ ٤٧٠ ]
قولوا: اللهمّ اكفناهم، واكفف بأسهم عنّا، فإن لقوكم قد أجلبوا وصيَّحوا، فعليكم بالسكينة والصّمت، ولا تنازعوا ولا تفشلوا فتذهب ريحكم، وقولوا: اللهمّ نحن عبادك وهم عبادك، نواصينا ونواصيهم بيدك، وإنّما تغلبهم أنت، واعلموا أنّ الجنّة تحت البارقة"١.
_________________
(١) ١ المغازي ٣/١١١٧-١١١٨.
[ ٤٧١ ]
المبحث الخامس: الطعن في قائد الجيش
المبحث الخامس: الطّعن في قائد الجيش، والاختلاف في المشاركين في الجيش من الصحابة - رضي الله تعالى عنهم، وعددهم:
وخرج أُسامة بن زيد رضي الله تعالى عنهما:
[١٧] "بلوائه معقودًا، فدفعه إلى بريدة بن الحصيب الأسلمي، وعسكر بالجرف، فلم يبق أحد من وجوه المهاجرين الأوّلين، والأنصار، إلاّ انتدب في تلك الغزوة، فيهم أبو بكر الصّدّيق، وعمر بن الخطاب، وأبو عبيدة بن الجرّاح، وسعد بن أبي وقاص، وسعيد بن زيد، وقتادة بن النعمان، وسلمة بن أسلم بن حريش، فتكلّم قوم، وقالوا: يستعمل هذا الغلام على المهاجرين الأوّلين - فغضب رسول الله ﷺ غضبًا شديدًا - فخرج وقد عصب على رأسه عصابة وعليه قطيفة، فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ثُمّ قال: "١.
[١٨] "قد بلغني أنّكم قلتم في أسامة"٢. و[١٩] "إن تطعنوا في إمارته، فقد كنتم تطعنون في إمارة أبيه من قبل، وايم الله إن كان لخليقًا للإمارة، وإن كان لمن أحبّ الناس إليّ، وإنّ هذا لمن أحبّ الناس إليّ بعده"٣.
_________________
(١) ١ من رواية ابن سعد، عن شيوخه، وقد سبق تخريجها برقم [١٠] . ٢ أخرجه البخاري (الصّحيح٥/١٤٥) من حديث موسى بن عقبة، عن سالم، عن أبيه. ٣ أخرجه البخاري (الصّحيح٥/١٤٥) من حديث مالك، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر.
[ ٤٧٢ ]
قال التوربشتي: "إنّما طعن من طعن في إمارتهما لأنّهما كانا من الموالي، وكانت العرب لا ترى تأمير الموالي وتستنكف عن اتباعهم كل الاستنكاف، فلمّا جاء الله ﷿ بالإسلام، ورفع قدْر مَن لم يكن عندهم قدر بالمسابقة، والهِجرة، والعلم، والتُّقى، عرف حقَّهم المحفوظون من أهل الدين، فأمّا المرتهنون بالعادة، والممتحنون بحب الرياسة من الأعراب ورؤساء القبائل، فلم يزل يختلج في صدورهم شيء من ذلك، لا سيّما أهل النفاق، فإنّهم كانوا يسارعون إلى الطعن وشدّة النكير عليه"١.
قلت: ربمّا كان ذلك قصد المنافقين في الطّعن على أُسامة بن زيد، وأبيه زيد من قبل - ﵄، أمّا مَن طَعَنَ في تأميرهما من الصحابة - ﵃، فلم يكن كذلك، لأنّ الإسلام قد أذهب عنهم عبية الجاهلية الأولى التي مكث النّبيّ ﷺ دهرًا وهو يربيهم على نفض أدرانها، والانسلاخ عن أوظارها، وإلقاء نفاياتها البغيضة بعيدًا عنهم، وعن مجتمعهم الذي تأسَّس بالإسلام، وبُنِي بتعاليمه، فارتفعوا بها عاليًا وعن تلك الشوائب السفلى، فما كان لهم بعد ذلك كله، وبخاصّة بعد نضوج ثمر الغرس الذي غرسه فيهم المصطفى ﷺ قبل ثلاثةٍ وعشرين عامًا مضت، أن يتعلّقوا بشيءٍ من تلك الشوائب والأدران المنتنة من دعاوى الجاهلية، وفخرها بالأنساب.
_________________
(١) ١ نقله عنه كلّ من: البنا (الفتح الرباني ٢١/٢٢٢)، والزرقاني: (إرشاد الساري ٦/١٢٧، وشرح المواهب ٣/١٠٩) .
[ ٤٧٣ ]
وإنّما طَعَن مَن طَعَن منهم في تأمير أُسامة لِصِغَر سِنِّه، فقد أخرج ابن سعد، وابن أبي خيثمة، والبغوي:
[٢٠] "أنّ النّبيّ ﷺ استعمله وهو ابن ثماني عشرة سنة"١.
وكذلك لوجود بعض كبار الصحابة وأهل الفضل منهم تحت إمرته، فكأنّهم رأوا أنّه كيف يتأمَّر عليهم وهم أفضل سابقة، وأكبر سنًّا، وأقرب موقعًا من النّبيّ ﷺ، كأبي بكر الصّدّيق ﵁، وأبي عبيدة بن الجرّاح ﵁.
_________________
(١) ١ أخرجه ابن سعد (طبقات ٤/٦٦)، من حديث حنش بن الحارث بن لقيط. قلت: منقطع. وأخرجه ابن أبي خيثمة في تاريخه (السفر الثاني: ق ٤ أ، ب) والبغوي في معجم الصحابة من طريق ابن أبي خيثمة. ونقله ابن عساكر (تاريخ ٢/٦٨٢)، وذلك عن المصعب بن عبد الله الزبيري نحوه. قلت: ولم أجد هذه الرواية في كتاب الزبيري المتداول نسب قريش، فلعلّه في كتابه الآخر المفقود. (النسب الكبير) . قال الحلبي (سيرة ٣/٢٢٧): "وقيل: تسعة عشرة سنة، وقيل: سبعة عشرة سنة". ويؤيّد ذلك أن الخليفة المهدي لمّا دخل البصرة، رأى إياس بن معاوية الذي يضرب به المثل في الذكاء وهو صبيّ، وخلفه أربعمائة من العلماء أصحاب الطيالسة. فقال المهدي: أفٍ لهذه العثانين، أمّا كان فيهم شيخ يتقدّم غير هذا الحدث؟ ثُمّ التفت إليه المهدي، وقال: كَم سنّك يا فتى؟ فقال: سنّي أطال الله بقاء أمير المؤمنين، سن أُسامة ابن زيد بن حارثة رضي الله تعالى عنهما لمّا ولاّه رسول الله ﷺ جيشًا فيه أبو بكر، وعمر بن الخطّاب ﵁. فقال: تقدّم بارك الله فيك. وكان سنه سبع عشر سنة".
[ ٤٧٤ ]
وهنا قد يسأل سائل: إذًا لماذا أمَّره النّبيّ ﷺ على مثل هؤلاء السابقين؟
والجواب عنه ما ذكره السهيلي، والعامري سابقًا حول إدراك ثأره، ومن ذلك بيان فضله ومنقبته العظيمة بمحبة النّبيّ ﷺ له، استمرارًا لحبه أباه من قبل والأهمّ من ذلك كلّه، هو قول التوربشتي نفسه: "وكان ﷺ بَعَثَ زيدًا أميرًا على عِدَّة سرايا وأعظمها على جيش مؤتة، وسار تحت رايته فيها نجباء الصحابة، وكان خليقًا بذلك لسوابقه وفضله وقربه من النّبيّ ﷺ ثُمَّ أَمَّر أُسامة في مرضه على جيشٍ فيه جماعة من مشيخة الصحابة وفضلائهم، وكأنّه رأى فيه ذلك، سوى ما توسَّم فيه من النجابة أن يُمَهد الأرض، وتوطئة لمن يلي الأمر بعده لئلاّ ينْزع أحد يدًا من طاعة، وليعلم كلٌّ منهم أنّ العادّة الجاهلية قد عميت مسالكها، وخفيت معالمها"١.
هذه وقد اختلف أهل العلم في كون أبي بكر الصّدِّيق ﵁ قد انتدب في جيش أُسامة ﵁ أم لا؟
قال الشامي: "ذكر محمّد بن عمر، وابن سعد، أنّ أبا بكر ﵁ كان مِمَّ أمره رسول الله ﷺ بالخروج مع أُسامة إلى أُبنى، وجرى عليه في المورد، وجزم به في العيون، والإشارة، والفتح في مناقب زيد بن حارثة، وأنكر ذلك الحافظ أبو العباس بن تيمية"٢.
_________________
(١) ١ البنا (الفتح الرباني ٢١/٢٢٢)، الزرقاني (إرشاد ٦/١٢٧، شرح المواهب ٣/١٠٩) . ٢ الشامي: سبل الهدى ٦/٣٨٢.
[ ٤٧٥ ]
وقال ابن تيمية: "ولم ينقل أحد من أهل العلم أنّ النّبيّ ﷺ أرسل أبا بكر، أو عثمان في جيش أُسامة، وإنّما روى ذلك في عمر، وكيف يُرسل أبو بكر في جيش أُسامة، وقد استخلفه يُصلِّي بالمسلمين مُدَّة مرضه، فكيف يُتَصَوَّر أن يأمره بالخروج في الغزاة وهو يأمره بالصلاة بالناس؟!. وأيضًا فإنّه جهَّز جيش أُسامة قبل أن يمرض، فإنّه أمَّره على جيش عامّتهم المهاجرون، منهم عمر بن الخطّاب في آخر عهده ﷺ، وتوفي رسول الله ﷺ بعد ذلك بأيام، فلمّا جلس أبو بكر للخلافة أنفذه مع ذلك الجيش، غير أنّه استأذنه في أن يأذن لعمر بن الخطاب في الإقامة، لأنّه ذو رأيٍ ناصحٍ للإسلام، فَأَذَن له، وإنّما أنفذ جيشَ أُسامة أبو بكر الصّدِّيق بعد موت النّبيّ ﷺ "١.
قال الشامي: "وفيما ذكر نظر من وجهين: أوّلهما قوله: "لم ينقل أحد من أهل العلم " الخ. فقد ذكره محمّد بن عمر، وابن سعد، وهما من أئمة المغازي. ثانيهما: قوله: "وكيف يُرْسَلُ أبو بكر في جيش أُسامة؟ " الخ. ليس بلازم، فإنّ إرادة النّبيّ ﷺ بعث جيش أُسامة كان قبل ابتداء مرض رسول الله ﷺ، فلمّا اشتدّ به المرض استثنى أبا بكر وأمره بالصلاة بالناس"٢. وذكر مثل الزرقاني في شرحه على المواهب٣.
_________________
(١) ١ شيخ الإسلام ابن تيميم: منهاج السنة ١/٤١١-٤١٢. ٢ سبل الهدى والرشاد ٦/٣٨٢. ٣ شرح المواهب اللدنية ٣/١٠٨.
[ ٤٧٦ ]
وقال الحلبي: "فلا منافاة بين القول بأنّ أبا بكر ﵁ كان من جملة الجيش وبين القول بأنّه تخلَّف عنه، لأنّه كان من جملة الجيش أوّلًا، وتخلَّف لما أمره ﷺ بالصلاة بالناس، وبهذا يُردّ قول الرافضة طعنًا في أبي بكر ﵁ أنّه تخلّف عن جيش أُسامة ﵁، لما علمت أنّ تَخَلُّفه عنه كان بأمر منه ﷺ لأجل صلاته بالناس، وقول هذا الرافضي مع أنّه ﷺ لعن المتخلِّفَ عن جيش أسامة مردودٌ، لأنّه لم يرد اللعن في حديث أصلًا"١.
قلت: لكن شيخ الإسلام - ﵀ - ردّ بقوّةٍ على هذا البهتان الذي ذكره الرافضي، حول تخلُّف أبي بكر ﵁ عن جيش أُسامة، وفنَّد ذلك الاتهام الباطل، وقد أحسن جدًّا - رحمه الله تعالى - في ذلك، فالصّدِّيق ﵁ فوق أن يُظَنَّ به أن يتخلّف عن جيشٍ أعدَّه النّبيّ ﷺ، ولا يمكن بأي حالٍ من الأحوال أن يلعنه النّبيّ ﷺ أو أن يذكر كلامًا أو حديثًا فيه إشارة إلى ذلك، لأنّ الصّدِّيق ﵁ مِمَّن أنعم الله عليه فجعله من الصّدِّيقين والشهداء والصالحين، وهو صاحب المواقف المشهورة في الثبات على الحقّ، والذّود عن حياض الإسلام، حتّى قال عنه المصطفى ﷺ: "لو كنت متّخذًا خليلًا لاتّخذت أبا بكر خليلًا".
ولكنهم الرافضة الذين امتلأت قلوبهم حقدًا وبُغْضًا على من عدّلهم الله ﷿ واختارهم لصحبة نبيّه ﷺ.
_________________
(١) ١ الحلبي: سيرة ٣/٢٢٨.
[ ٤٧٧ ]
ويُلاحظ في ردّ شيخ الإسلام - رحمه الله تعالى - إنكارٌ للقِصَّة من أساسها، بينما الذي لم يصحّ هو حديث اللّعن الذي ذكره الرافضيّ، أمّا انتداب أبي بكر ﵁ في جيش أُسامة بن زيد - رضي الله تعالى عنهما، فقد ذكره غير واحد من أهل العلم.
فقد أخرج ابن سعد بسنده عن نافع، عن ابن عمر:
[٢١] "أنّ النّبيّ ﷺ بعث سرية فيهم أبوبكر، وعمر، فاستعمل عليهم أُسامة ابن زيد، وكان الناس طعنوا فيه - أي في صغره ".الحديث١.
وأخرج ابن أبي شيبة بسنده عن هشام بن عروة عن أبيه:
[٢٢] "أنّ رسول الله ﷺ كان قطع بعثًا قبل مؤتة، وأمَّر عليهم أُسامة بن زيد، وفي ذلك البعث: أبو بكر، وعمر ". الحديث٢.
وأخرج ابن سعد، وابن خياط من حديث حمّاد بن سلمة، عن هشام بن عروة، عن أبيه نحوه، إلاّ أنّه قال فيه:
[٢٣] "في الجيش الذي استعمله عليهم أبو بكر، وعمر، وأبو عبيدة بن
_________________
(١) ١ أخرجه ابن سعد (طبقات ٤/٦٧)، من حديث العمري، عن نافع، عن ابن عمر. قلت: سنده ضعيف. العمري هو: عبد الله بن عمر بن حفص. قال عنه ابن حجر (تقريب ٣١٤): "ضعيفٌ عابدٌ". ٢ أخرجه ابن أبي شيبة (المصنف ١٢/١٣٩) . من حديث عبد الرحمن بن سليمان، عن هشام بن عروة، عن أبيه. قلت: سنده رجاله رجال الصحيح، غير أنّه مرسل.
[ ٤٧٨ ]
الجرّاح"١.
ولعلّ شيخ الإسلام نظر في رواية عروة، والزهري، وموسى بن عقبة عند البيهقي، وذلك واضح، للتشابه الكبير بينها وبين ما ذكره بصدد الردّ على ابن المطهر، وهذه الرواية لم يرد فيها ذكر أبي بكر ﵁، وكذلك رواية ابن إسحاق، وما رواه الطبري بسنده عن الحسن البصري، أما الواقدي فإنّه لم يرد ذكر أبي بكر في روايته في كتاب المغازي المتداول، فلعلّ الشامي، والزرقاني، اطّلعا على نسخةٍ أخرى. والله تعالى أعلم.
هذا وقد اختلفت الروايات في تحديد عدد الجيش، ففي رواية عروة، والزهري، وابن عقبة ذكروا:
[٢٤] "أنّهم جيش عامّتهم المهاجرون"٢.
وقال ابن إسحاق في روايته:
[٢٥] "وأوعب٣ مع أُسامة المهاجرون الأوّلون"٤.
وقال ابن سعد:
[٢٦] "فخرج معه سروات الناس وخيارهم"٥.
_________________
(١) ١ أخرجه ابن سعد (طبقات ٤/٦٨)، وابن خياط (تاريخ ١٠٠)، من حديث حماد بن سلمة عن هشام بن عروة، عن أبيه، وسنده صحيح لكنه مرسل. ٢ سبق تخريجها برقم: [١] . ٣ أوعب: جمع، ومعناه هنا: ذهب الجمع الكثير منهم معه. ٤ سبق تخريجها برقم: [٨] . ٥ سروات الناس: أشراف الناس وفضلاؤهم.
[ ٤٧٩ ]
وقال في مكانٍ آخر:
[٢٧] "فلم يبق أحدٌ من وجوه المهاجرين الأوّلين، والأنصار، إلاّ انتدب في تلك الغزوة"١.
وأخرج الطبري بسنده عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال:
[٢٨] "وخرج أهل المدينة في جند أُسامة"٢.
ولم يرد تفصيل لعدد الجيش إلاّ في روايتين: الأولى عزاها ابن كثير للبيهقي بسنده عن أبي هريرة ﵁ قال:
[٢٩] "إنّ رسول الله ﷺ وجّه أُسامة بن زيد في سبعمائة إلى الشام "٣.
_________________
(١) ١ سبق تخريجها برقم: [١٠] . ٢ أخرجه الطبري (تاريخ ٣/٢٢٥)، من حديث سيف وشعيب بسنديهما عن ابن عباس. قلت: سنداه أحدهما فيه شعيب لا يُعرف، وسيف ضعيف، وفيه عطية، أبو أيوب لم أعثر على ترجمتهما. والآخر فيه سيف ضعيف في الحديث، عُمدة في التاريخ. والضَّحَّاك بن مزاحم كثير الإرسال، ولم يثبت التقائه بابن عباس. والله تعالى أعلم. ٣ عزاه ابن كثير (بداية ٦/٣٠٩)، للبيهقي من حديث عبّاد بن كثير، عن أبي الأعرج، عن أبي هريرة. وقال ابن كثير: عبّاد هذا أظنّه البرمكي، لرواية الفريابي عنه. وهو متقارب الحديث فأمّا البصري الثقفي فمتروك الحديث. والله أعلم. قلت: تصحّف اسم عبّاد بن كثير من (الرملي) إلى (البرمكي)، وهو ضعيف أيضًا يُحَدِّث بمناكير. (التقريب ص ٢٩٠)، وأبو الأعرج المذكور في السند لعلّه الأعرج، وهو: عبد الرحمن بن هرمز، من تلاميذ أبي هريرة ﵁ كما في التهذيب (٦/٤٨٠) . والله تعالى أعلم.
[ ٤٨٠ ]
والثانية: هي رواية الواقدي التي ذكر فيها:
[٣٠] "أنّهم كانوا ثلاثة آلاف رجل، وفيهم ألف فرس"١. وتابعه في ذلك الشامي، والحلبي٢.
وذكر ابن حجر، والزرقاني، عن الواقدي:
[٣١] "أنّهم كانوا ثلاثة آلاف، فيهم سبعمائة من قريش"٣.
كما نسبا إليه إخراجه لرواية أبي هريرة ﵁ السابقة٤، التي ذكر فيها أنّهم كانوا سبعمائة فقط٥.
وقال الزرقاني مُعَلِّقًا: "ولا تنافي، فلعلّه اقتصر على القرشيين"٦.
قلت: ما وقع في بعض الروايات من محاولة الصحابة رضي الله تعالى عنهم ثَنْيَ أبي بكر الصّدِّيق ﵁ مِن إنفاذ الجيش، وتركه في المدينة
_________________
(١) ١ المغازي ٣/١١١٩. ٢ الشامي: سبل لاهدى ٦/٣٨١، الحلبي: سيرة٣/٢٣٠. ٣ ابن حجر: فتح الباري ٨/١٥٢، الزرقاني: شرح ٣/١١١. ولم أجد هذا القول في كتاب المغازي المتداول. ٤ لم أجد ما قالاه في كتاب المغازي المتداول، فربما اطّلعا على نسخةٍ أخرى فيها هذا القول، ونسخة المغازي المتداولة فيها سقط كثير. والله تعالى أعلم. ٥ فتح الباري ٨/١٥٢، وشرح المواهب ٣/١٠٩. ٦ شرح المواهب ٣/١٠٩.
[ ٤٨١ ]
لمواجهة احتمال هجوم المرتدّين عليها، يؤيّد ما ذكره الواقدي، لأنّهم لو كانوا سبعمائة فقط، كما وقع في رواية أبي هريرة ﵁ لما كان في فعل الصحابة من محاولة إقناع أبي بكر الصّدِّيق ﵁ لإبقاء الجيش في المدينة فائدة، لأنّه سيكون هنالك العدد الوفير من المسلمين مِمَّن بقي في المدينة للدفاع عنها، وهم أكثر بكثير من عدد الجيش المنطلق، والمسلمون في ذلك الوقت كانوا جميعًا جنودًا في سبيل الله وقت الحرب، حيث لم يكن للجيش مؤسسة عسكرية خاصّة به، فيقول قائل: إنّه ربّما يكون السبعمائة هم الجيش النظامي، لذلك رأى الصحابة - رضي الله تعالى عنهم - بقاءه لمواجهة حرب المرتدّين باعتباره المهيأ عسكريًا بذلك. والله تعالى أعلم.
[ ٤٨٢ ]
المبحث السّادس: سير الأحداث:
عسكر أُسامة بن زيد - رضي الله تعالى عنهما - بجيشه في الجرف١، الذي كان بمثابة قاعدة عسكرية للمسلمين وبخاصّة للجيوش المنطلقة إلى شمال المدينة.
وبلغ الاهتمام من رسول الله ﷺ لبعث تلك السرية، أنّه صار يُردد وهو في الرمق الأخير بأبي هو وأُمي صلوات الله عليه وعلى آله وصحبه وسلّم:
[٣٢] "انفذوا جيش أُسامة، انفذوا جيش أُسامة" ٢.
وذلك يدل على الأهمية القصوى، والاستراتيجية التي كان يُمَثِّلها إرسال ذلك الجيش بالنسبة للمسلمين، وهو الأمر الذي حدا بالصّدِّيق ﵁ رغم المخاطر التي كانت تُحيط بالمسلمين داخليًا وخارجيًا، أن يُسارع في بعث السرية، ويُصرّ على ذلك رغم معارضة كبار الصحابة - رضي الله تعالى عنهم - له.
وتوفي الحبيب المصطفى ﷺ، فَقِيدُ الأُمّة الإسلامية، بل فَقِيد العالم بأسره، - صلوات الله عليه وعلى آله وسلم، توفي وأسامة معسكرٌ بجيشه في الجرف، وذُهِل المسلمون في المدينة.
_________________
(١) ١ سبق التعريف بها. ٢ من رواية ابن سعد، عن هشام، وقد سبق تخريجها برقم: [١٤] .
[ ٤٨٣ ]
[٣٣] "ودخل المسلمون الذين عسكروا بالجرف إلى المدينة، ودخل بريدة بن الحصيب بلواء أُسامة معقودًا حتّى أتى باب رسول الله ﷺ فغرزه عنده"١.
[٣٤] "فلمّا بويع لأبي بكر ﵁، أمر بريدة أن يذهب باللواء إلى بيت أُسامة، وألاّ يُحِلَّه أبدًا حتّى يغزوهم أُسامة"٢٣.
ودخل قائد الجيش على الخليفة أبي بكر الصّدِّيق ﵁ فقال:
[٣٥] "إنّ رسول الله ﷺ بعثني وأنا على غير حالكم هذه، وأنا أتخوَّف أن تكفر العرب، فإن كفرت كانوا أوّل من يُقاتَل، وإن لم تكفر مضيت، فإنّ معي سروات النّاس وخيارهم"٤.
وكما توقّع القائد الذّكيّ، فما أن سَمِع الناس بوفاة النّبيّ ﷺ حتّى:
[٣٦] "ارتدّت العرب إمّا عامّة وإمّا خاصّة في كلّ قبيلة، ونجم النفاق، واشرأبت اليهود والنصارى، والمسلمون كالغنم الشاتية لفقد نبيّهم ﷺ، وقلّتهم، وكثرة عدوّهم"٥.
_________________
(١) ١ من رواية ابن سعد عن شيوخه. وقد سبق تخريجها برقم: [١٠] . ٢ يقول بريدة ﵁ في رواية الواقدي: "فخرجت باللواء حتّى انتهيت به إلى بيت أُسامة، ثُمَّ خرجت به إلى الشام معقودًا مع أُسامة، ثُمَّ رجعت به إلى بيت أُسامة، فما زال في بيت أُسامة حتّى توفي أُسامة". ٣ من رواية الواقدي، وقد سبق تخريجها برقم: [٢] . ٤ من رواية ابن سعد عن هشام، وقد سبق تخريجها برقم: [١٤] . ٥ من رواية الطبري، بسنده عن عروة. وقد سبق تخريجها برقم: [٥] .
[ ٤٨٤ ]
واجتمع كبار أصحاب رسول الله ﷺ إلى الخليفة فقالوا:
[٣٧] "يا خليفة رسول الله! إنّ العرب قد انتقضت عليك من كلّ جانب، وإنّك لا تصنع بتفريق هذا الجيش المنتشر شيئًا، اجعلهم عدّة لأهل الردّة، ترمي بهم في نحورهم! وأخرى، لا نأمن على أهل المدينة أن يُغار عليها وفيها الذراري والنساء، فلو استأنيت لغزو الروم حتّى يضرب الإسلام بجرانه١، وتعود الرّدّة إلى ما خرجوا منه أو يفنيهم السيف، ثُمَّ تبعث أُسامة حينئّذٍ فنحن نأمن الروم أن تزحف إلينا، فلمّا استوعب أبو بكر ﵁ كلامهم، قال: هل منكم أحدٌ يريد أن يقول شيئًا؟ قالوا: لا. قد سمعت مقالتنا. فقال: والذي نفسي بيده، لو ظننت أنّ السباع تأكلني بالمدينة لأنفذت هذا البعث، ولا بدأت بأوّل منه، ورسول الله ﷺ ينْزل عليه الوحي من السماء يقول: أنفذوا جيش أُسامة! ولكن خصلة أُكَلِّم أُسامة في عمر يخلفه يقيم عندنا، فإنّه لا غناء بنا عنه. والله ما أدري يفعل أُسامة أم لا، والله إن رأى لا أُكْرِهُهُ! فعرف القوم أنّ أبا بكر قد عزم على إنفاذ بعث أُسامة، ومشى أبو بكر ﵁ إلى أُسامة في بيته وكلّمه أن يترك عمر، ففعل أُسامة، وجعل يقول له: أذنت ونفسك طيبة؟ فقال أُسامة: نعم. وخرج وأمر
_________________
(١) ١ الجران: باطن عنق البعير، أي: حتّى يقرّ قراره ويستقيم، كما أنّ البعير إذا برك واستراح، مدّ عنقه على الأرض. (النهاية ١/١٥٨) .
[ ٤٨٥ ]
مناديه ينادي: عزمة مني ألاّ يتخلّف عن أُسامة من بَعْثِه من كان انتدب معه في حياة رسول الله ﷺ، فإنّي لن أوتى بأحدٍ أبطأ عن الخروج معه إلاّ ألحقته به ماشيًا"١.
[٣٨] "واجتمع من حول المدينة من القبائل التي غابت في عام الحديبية، وخرجوا، وخرج أهل المدينة في جند أُسامة، فحبس أبو بكر مَن بقي من تلك القبائل التي كانت لهم الهجرة في ديارهم، فصاروا مسالح٢ حول قبائلهم وهم قليل"٣.
وتوجَّه الخليفة الصّدِّيق ﵁ نحو معسكر الجيش:
[٣٩] "حتّى أتاهم فأشخصهم٤ وشيَّعهم وهو ماشٍ وأُسامة راكب، وعبد الرحمن بن عوف يقود دابّة أبي بكر، فقال له أُسامة: يا خليفة رسول الله، والله لتركبن أو لأنزلنّ! فقال: والله لا تنْزل، ووالله لا أركب! وما عليَّ أن أُغَبّر قدميَّ في سبيل الله ساعة"٥.
_________________
(١) ١ من رواية الواقدي. وقد سبق تخريجها برقم: [٢] . ٢ المسالح: جمع مسلحة، وهم القوم في عدّة بموضع رصد قد وكلّوا به بإزاء ثغر. واحدهم: مسلحي. والمجمع المسالح. والمسلحة: كالثغروالمرقب. (اللسان، والصحاح: سلح) ٣ من رواية الطبري، عن الضحاك، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وقد سبق تخريجها برقم: [٢٨] . ٤ أي: أمرهم بالشُّخُوص، أي: الانطلاق. ٥ أخرجه الطبري (تاريخ ٣/٢٢٦) من حديث سيف بسنده عن الحسن بن أبي الحسن البصري رحمه الله تعالى. قلت: سنده. منقطع.
[ ٤٨٦ ]
[٤٠] "وسار أبو بكر ﵁ إلى جانب أُسامة ساعة، ثُمَّ قال: أستودع الله دينك وأمانتك وخواتيم عملك، إنّي سمعت رسول الله ﷺ يوصيك"١.
[٤١] "فما الذي عهد إليك؟ قال: عهد إليَّ أن أغير على أُبنى صباحًا ثُمَّ أُحَرق"٢.
_________________
(١) ١ من رواية الواقدي، وقد سبق تخريجها برقم: [١] . ٢ أخرجه أبو داود، (انظر: عون المعبود، حديث رقم: ٢٥٩٩)، وابن ماجه، (السنن، حديث رقم: ٢٨٤٣)، وأحمد، (المسند، حديث رقم: ٢١٧٧٩)، وابن أبي شيبة، (المصنّف، حديث رقم: ١٤٠١٨)، وابن سعد، (الطبقات ٤/٦٦) . جميعهم من حديث صالح بن أبي الأخضر. بسنده عن أُسامة بن زيد رضي الله تعالى عنهما. قال ابن تيمية في (منتقى الأخبار ص ٦٩١): في إسناده صالح بن أبي الأخضر. قال البخاري: هو ليّن. وقال الشوكاني (نيل الأوطار ٧/٢٥١): حديث أُسامنة بن زيد سكت عنه أبو داود، والمنذري. وفي إسناده من ذكر المصنَّف. وقال يحيى بن معين: هو ضعيف. وقال أحمد: يُعتبر به. وقال العجلي: يُكتب حديثه. وليس بالقوّي. وقال في التقريب (٢٧١): ضعيف. وقال البنا (الفتح الرباني ١٤/٦٦): سكت عنه أبو داود والمنذري، فهو صالح للاحتجاج به. قلت: سند الحديث مداره على صالح عند الجميع. وهو ضعيف كما مرَّ. ولكن رواه ابن سعد (الطبقات ٤/٦٧) من طريقٍ آخر. قال: أخبرنا أبو أُسامة حمّاد بن أسامة، قال: حدّثنا هشام بن عروة، قال: أخبرني أبي، قال: "أمَّر رسولُ الله ﷺ أُسامة بن زيد، وأمره أن يغير على أبنى من ساحل البحر". وسنده رجاله رجال الصحيح، غير أنّه مرسل. والله تعالى أعلم.
[ ٤٨٧ ]
فقال له الخليفة:
[٤٢] "فانفذ لأمر رسول الله ﷺ فإنّي لست آمرك، ولا أنهاك عنه، وإنمّا أنا منفِّذٌ لأمر أمَرَ به رسول الله ﷺ "١.
[٤٣] "وأشار عليه أبو بكر ﵁ أن يعظم فيهم الجراح، ويجزر٢ فيهم حتّىيفزع القوم"٣.
[٤٤] "فمضى أُسامة مُغِذًّا٤ على ذي المروة٥، والوادي"٦.
[٤٥] "فوطئ بلادًا هادئه لم يرجعوا عن الإسلام، جهينة، وغيرها من قضاعة، فلمّا نزل وادي القرى، قدّم عينًا له من بني عُذرة، يُقال له حُريث، فخرج على صدر راحلته أمامه مُغِذًّا، حتّى انتهى إلى
_________________
(١) ١ من رواية الواقدي. وقد سبق تخريجها برقم: [٢] . ٢ قال هشام: يقطع الأيدي والأرجل والأوساط في القتال. ٣ من رواية ابن سعد، عن هشام. وقد سبق تخريجها برقم: [١٤] . ٤ مغِذًّا: أي: مسرعًا. ٥ ذي المروة: قرية بوادي القرى. وقيل: بين خشب ووادي القرى. وقال البكري: من أعمال المدينة، قرى واسعة، وهي لجهينة، كان بها سبرة بن معبد الجهني، صاحب رسول الله ﷺ، وولده إلى اليوم فيها. بينها وبين المدينة ثمانية بُرُد. وقال البلادي: ذو المروة له ذكرٌ كثيرٌ في كتب التاريخ والجغرافية، وهو منسوب إلى حصاة بيضاء بارزة من نوع المرو، يقع عند مفيض وادي الجزل إذا دفع في إضم شمال المدينة على قرابة ثلاث مائة كيل، وما زالت معروفة بهذا الاسم. انظر: (البكري: معجم٤/١٢١٨،الحموي: معجم ٥/١١٦،البلادي: معجم ٢٩٠) . ٦ من رواية الطبري من حديث سيف بسنده عن عروة. وقد سبق تخريجها برقم: [٥] .
[ ٤٨٨ ]
أُبنى، فنظر إلى ما هناك وارتاد الطريق، ثُمَّ رجع سريعًا حتّى لقي أُسامة على مسيرة ليلتين من أُبنى، فأخبره أنّ الناس غارّون١ ولا جموع لهم وأمره أن يسرع السير قبل أن تجتمع الجموع، وأن يشنَّها غارة، فلمّا انتهى إلى أُبنى فنظر إليها منظر العين، عبّأ أصحابه، وقال: اجعلوها غارة ولا تُمعنوا في الطلب، ولا تفترقوا، واجتمعوا واخفوا الصوت، واذكروا الله في أنفسكم، وجرّدوا سيوفكم وضعوها فيمن أشرف لكم، ثمّ دفع عليهم الغارة، فما نبح كلب، ولا تحرّك أحد، وما شعروا إلاّ بالقوم قد شنّوا عليهم الغارة ينادون بشعارهم: يا منصور أمت! فقتل من أشرف له، وسبى من قدر عليه، وحرَّق في طوائفهم بالنار، وحرَّق منازلهم وحرثهم ونخلهم، فصارت أعاصير من الدخاخين، وأجال الخيل في عرصاتهم٢، ولم يمعنوا في الطلب، أصابوا ما قرب منهم، وأقاموا يومهم ذلك في تعبئة ما أصابوا من الغنائم، وكان أُسامة خرج على فرس أبيه التي قُتِلَ عليها يوم مؤتة، وكانت تُدعى سبحة، وقُتِل قاتِلُ أبيه في الغارة، خبَّره به بعض من سُبِي٣، وأسهم للفرس سهمين ولصاحبه سهمًا، وأخذ
_________________
(١) ١ غارّون: غافلون. ٢ العرصة: كلّ بقعة بين الدور واسعة ليس فيها بناء. (القاموس: العرص) . ٣ قلت: لكن ذكر ابن دريد في (الاشتقاق ٥٥١) أنّ مالك بن رافلة قائد العرب المنتصرة في معركة مؤتة هو الذي قتل زيد بن حارثة ﵁، وهي معلومة تفرّد بها. وقد ذكر ابن إسحاق أن قطبة بن قتادة العذري قائد ميمنة المسلمين في مؤتة قُتل مالك بن رافلة في المعركة. والله تعالى أعلم.
[ ٤٨٩ ]
لنفسه مثل ذلك، فلمّا أمسوا أمر بالرحيل، ومضى الدليل أمامه، حريث العذري، فأخذ الطريق التي جاء منها، ومضوا ليلتهم حتّى انتهوا بأرضٍ بعيدةٍ، ثُمَّ طوى البلاد حتّى انتهى إلى وادي القرى في تسع ليال"١.
[٤٦] "ثُمَّ بعث بشيرًا إلى المدينة يخبر بسلامتهم، ثُمَّ قَصَد بعد في السير٢ فسار إلى المدينة ستًّا، وما أصيب من المسلمين أحد، وخرج أبو بكر في المهاجرين٣ وأهل المدينة يتلقونهم سرورًا بسلامتهم، ودخل أُسامة على فرس أبيه سبحة واللواء أمامه يحمله بريدة بن الحصيب، حتّى انتهى إلى المسجد، فدخل وصلّى ركعتين، ثُمَّ انصرف إلى بيته، وبلغ هرقل، وهو بحمص ما صنع أُسامة، فبعث رابطة يكونون بالبلقاء، فلم تزل هناك حتّى قدمت البعوث إلى الشام في خلافة أبي بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما"٤.
_________________
(١) ١ من رواية الواقدي. وقد سبق تخريجها برقم: [٢] . ٢ القَصْد في السير: هو الإبطاء فيه. ٣ ربّما أولئك الذين لم ينتدبوا في جيش أُسامة في المدينة، وهم قليل كما أوضحت الروايات السابقة. والله تعالى أعلم. ٤ من رواية ابن سعد عن شيوخه. وقد سبق تخريجها برقم: [١٠] .
[ ٤٩٠ ]
المبحث السّابع: الأحكام المستنبطة، والدّروس المستفادة:
أوّلًا: الأحكام المستنبطة:
قال ابن حجر: "وفيه جواز إمارة المولى، وتولية الصغار على الكبار، والمفضول على الفاضل، لأنّه كان في الجيش - الذي كان عليهم أُسامة - أبو بكر وعمر"١.
وقال البنا: "وفي الحديث منقبة عظيمة لزيد بن حارثة وابنه أُسامة - رضي الله تعالى عنهما "٢.
واستدلّ أبو داود، والبيهقي بحديث أُسامة بن زيد - رضي الله تعالى عنهما، قال: "أمرني النّبيّ ﷺ أن أغير صباحًا على أُبنى، وأُحَرّق". في باب الحرق في بلاد العدوّ.
وقال في عون المعبود: "والحديث يدلّ على جواز إفساد أموال الحرب بالتحريق والقطع لمصلحةٍ في ذلك"٣.
وقال في سبل السلام: "وقد ذهب الجماهير إلى جواز التحريق والتخريب في بلاد العدوّ، وكرهه الأوزاعي، وأبو ثور، واحتجّا بأنّ أبا
_________________
(١) ١ فتح الباري ٧/٨٧. ٢ الفتح الرباني ٢١/٢٢٢. ٣ عَنْوَن أبو داود (سنن ٣/٨٧) للباب بقوله: "باب الحرق في بلاد العدوّ"، وعَنْوَن له البيهقي (سنن ٩/٨٣)، بقول: "باب قطع الشجر، وحرق المنازل".
[ ٤٩١ ]
بكر ﵁ وصَّى جيوشه ألاّ يفعلوا ذلك". وأجيب بأنّه رأى المصلحة في بقائه لأنّه علم أنّها تصير للمسلمين فأراد بقاءها لهم١.
وقال في المغني: "وقال إسحاق: التحريق سُنّة، إذا كان أنكى في العدوّ لقول الله تعالى: ﴿مَا قَطَعْتُم مِّنْ لِيْنَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللهِ وَلِيُخْزِيَ الفَاسِقِينَ﴾ . [سورة الحشر، الآية: ٥] . وروى ابن عمر أنّ رسول الله ﷺ حرَّق نخل بني النّضير، وقطع، وهي البويرة، فأنزل الله تعالى: ﴿مَا قَطَعْتُم مِّنْ لِيْنَةٍ﴾ ٢.
كان في إصرار الصّدِّيق أبي بكر ﵁ على إنفاذ بعث أُسامة فضيلة ظاهرة لسيّدنا أبي بكر ﵁، وكان ذلك من كمال معرفته، وإيمانه، ويقينه، وتدبيره، ورأيه٣.
ثانيًا: الدّروس المستفادة:
يتبيّن من إصرار النّبيّ ﷺ على بعث هذه السّريّة حتّى وهو في أشدّ حالات المرض مدى ما كان يعلمه ﷺ من الأهمية الاستراتيجية تعبويًا وسوقيًا لإرسالها إلى تلك المنطقة، ربّما محاولة منه ﷺ لإحكام تثبيت سلطان المسلمين في تلك المنطقة الحيوية بالنسبة للدولة الإسلامية، والتي أصبحت تمثل تطلّعات المسلمين لنشر
_________________
(١) ١ الصنعاني: سبل السلام. ٢ ابن قدامة: المغني ١٣/١٤٧. ٣ ابن تيمية: منهاج السنة ١/٤١٢.
[ ٤٩٢ ]
الدّعوة الإسلامية، بعد أن ضرب الإسلام بجرانه في أرض الجزيرة العربية، فبدأوا يتطلّعون لنشر الإسلام خارجها من خلال البوابة الشّمالية للجزيرة التي كانت منفذًا حيويًا وهامًّا وكبيرًا لانطلاق الدعوة، ولكن كانت هنالك قوى سياسية وعسكرية جاثمة بقوّةٍ تسد ذلك المنفذ الحيوي، وتقف بصلابة في وجه نشر الدّعوة الإسلامية، فكان من الطبعي أن يتحرّك النّبيّ ﷺ باعتباره القائد للأُمّة الإسلامية، بل باعتباره المعنى بالأمر بكلّ ما تحمله هذه الكلمة من أبعاد، وذلك بموجب التكليف الإلهي المُنَاط به: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّكَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ . [سورة سبأ، الآية: ٢٨] .
فكان لا بُدّ له من التحرّك سريعًا وبقوّةٍ لإفساح الطريق أمام الدّعوة الإسلامية، لكي تنساح في الأرض بسلاسةٍ وانسيابٍ بعد القضاء على العقبات، وإزالة المعوقات التي كانت تقف في طريقها لتبلغ مداها الذي قدّره الله ﷿ لها.
في تولية أُسامة بن زيد - رضي الله تعالى عنهما - على جيشٍ مُطَعَّمٍ بكبار الصحابة وفضلائهم، وهو في تلك المرحلة المبكّرة من عمره، تَبْرُزُ لنا عِدّة أُمور مهمّة:
أوّلًا: الطريقة القويمة والرائعة التي كان المربِّي الأوّل ﷺ يُربّي بها أصحابه، ومن بعدهم أُمَّته على طاعة أولي الأمر منهم مهما كانوا.
ثانيًا: كان في ذلك تأكيد وتوضيح على أنّ الإسلام يمحو ما قبله من أنظمة وعادات وتقاليد جاهلية تختصّ بشروط الرئاسة والقيادة، فالسنّ،
[ ٤٩٣ ]
والشرف، والجاه، والمال، التي كانت تعدّ شروطًا أساسية لا يمكن إغفال شيءٍ منها فيمن يُراد توليته، أصبح بدلًا عنها في الإسلام التقوى، وحُبّ النّبيّ ﷺ، والكفاءة القيادية، والنّجابة، والحِنْكة القتالية.
ثالثًا: الأدب الجمّ العظيم الذي كان يتمتّع به أصحاب النبيّ ﷺ، وحُسن انقيادهم له، وطاعتهم وتوقيرهم لأمره حتّى بعد وفاته. قال الحلبي: "كان عمر بن الخطّاب ﵁ حتّى بعد أن ولي الخلافة إذا رأى أُسامة ﵁ قال: السلام عليك أيُّها الأمير. فيقول أُسامة: غفر الله لك يا أمير المؤمنين. تقول لي هذا؟ فيقول: لا أزال أدعوك ما عشت الأمير. مات رسول الله ﷺ وأنت عليّ أمير"١.
كلّ تلك الأمور السابقة كانت عواملَ إيجابيةً وبنّاءةً في تحقيق ذلك النجاح العظيم، وتلك النتائج الإيجابية الرائعة التي حقّقتها تلك السرية، يقول الحلبي: "وكان في خروج هذا الجيش نعمة عظيمة، فإنّه كان سببًا لعدم ارتداد كثير من طوائف العرب أرادوا ذلك"٢.
قال أبو هريرة ﵁ في سياق حديثه عن البَعْث وذلك تقرير لهذه الحقيقة: "فجعل لا يمرّ بقبيل٣ يريدون الارتداد إلاّ قالوا: لولا أنّ لهؤلاء
_________________
(١) ١ السيرة الحلبية ٣/٢٣١. ٢ المصدر السّابق. ٣ قبيل: تصغير قبيلة.
[ ٤٩٤ ]
قوّة ما خرج مثل هؤلاء من عندهم، ولكن ندعهم حتّى يلقوا الروم، فلقوا الروم فهزموهم وقتلوهم ورجعوا سالمين، فثبتوا على الإسلام"١.
كما كان في خروجه إرعابًا لأعداء الله ﷿، وأعداء رسوله ﷺ وتثبيطًا لمعنوياتهم، ومحقًا لأرجافهم، وغبطتهم وسرورهم بموت النّبيّ ﷺ. قال ابن تيمية: "كان ذلك مِمَّا أيَّد الله به الدين، وشدّ به قلوب المؤمنين، وأذلّ به الكُفّار والمنافقين"٢.
ومِمَّا يدلّ على ذلك ويؤيّده هو اندهاش الروم وتعجُّبهم من فعل المسلمين، وقوّة تماسُكِهم رغم فداحة المصاب. أخرج ابن سعد بسنده عن هشام بن عروة قال: "قدم بنعي رسول الله ﷺ على هرقل، وإغارة أُسامة في ناحية أرضه خبرًا واحدًا، فقالت الروم: ما بالى هؤلاء بموت صاحبهم أن أغاروا على أرضنا"٣.
_________________
(١) ١ سبق تخريجها برقم: [٢٩] . ٢ منهاج السنة ١/٤١٢. ٣ سبق تخريجها برقم: [١٤] .
[ ٤٩٥ ]
الخاتمة
وفي خاتمة البحث هذه أهمّ النتائج، والدراسات التي تمّ التوصل إليها:
١- إن نقد المرويات التاريخية عملية ممتعة وشيقة، ولكنها بقدر ما هي كذلك متعبة وشاقة، وتحتاج إلى وقت طويل وتأن في العمل، لذلك يجب عدم التسرع في الحكم على العملية سلبًا أو إيجابًا، بل يجب إعطاء العمل الفرصة اللازمة والتامّة لكي تكتمل جوانبه وتتضح خطوطة العريضة، فمشروع نقد المرويات التاريخية مشروع جديد، والعمل الذي قامت به الجامعة الإسلاميّة في المدينة النبويّة في هذا المجال تشكر عليه، ولكنه لا زال في بداياته، ويحتاج إلى وقت طويل وجهد ودعم متواصل من الجهات المعنية لتبرز ثماره اليانعة.
وحتى يكتب لهذا العمل النجاح والاستمرارية، فإن الباحث يقترح تشكيل لجنة مكوّنة من قسم التاريخ، وقسم السنة، وقسم أصول الفقه - للإفادة من منهج الأصوليّين في النقد الباطني للنصوص، باعتبار ذلك جزء مكمّل ومهمّ بالنسبة للروايات التاريخية - ويتبنى عمل هذه اللجنة قسم التاريخ ومركز السنة والسيرة النبويّة، أو أي قسم من هذه الأقسام المعنية، وذلك لوضع القواعد والأسس والأطر اللازمة والمنظمة لهذا العمل، والتي تجعل منه عملًا مستمرًا وناجحًا ومتطوّرًا في المستقبل إن شاء الله تعالى. كما تتيح المجال وبشكل أكبر وأقوى لكل متحمس من طلبة العلم
[ ٤٩٩ ]
للخوض والمساهمة في هذا العمل البناء والمهمّ لخدمة تاريخنا الإسلامي العظيم، وفي نفس الوقت فإنه يجب تشجيع وتبني الأعمال المساهمة، سواء كانت رسائل جامعية أو بحوث ترقية أو كتب مؤلّفة مع التركيز على إخراج الرسائل الجامعية المتميزة وطباعتها. لأنه لا معنى لجهد يستمر سنوات ثم لا يرى النور. فإنّ في ذلك دافعًا قويًّا لاستمرار العمل ونجاحه وتطوّره وخروجه بالصيغة التي ترضى جميع الأطراف المؤيدين وحتى المعارضين له.
ثم تعرض أعمال هذه اللجنة في المستقبل، وفي أقرب فرصة في أي مؤتمر من المؤتمرات التي تعالج مثل هذه القضايا، وذلك لتوسيع دائرة المشاركة على مستوى العالم الإسلامي للاستفادة من الخبرات الرائدة في هذا المجال، وكسب المزيد من التأييد، وإتاحة الفرصة لتلاقح الأفكار، وتعدد الخبرات التي تعطي العمل زخمًا من القوة والثبات والاستمرارية، مع التطوير الذي يعتبر أمرًا مهمًا وضروريًا لنجاح العمل.
٢- لم تكن معركة مؤتة والسرايا الشمالية عبارة عن معارك تأديبية تأثرية انتقامية كما يحلو للبعض ترديده، وإنما كانت تدخل ضمن نطاق واستراتيجية النبي ﷺ الجهادية والمبنية على عملية التدرج تطبيقًا لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّن الكُفَّار﴾ . [سورة التوبة، الآية: ١٢٣] . وتمهيدًا للفتوحات الإسلامية في المنطقة بالقضاء على القوى العسكرية والسياسية التي كانت تقف حجر
[ ٥٠٠ ]
عثرة في وجه نشر الدعوة الإسلامية، وإخضاع تلك القوى لسلطان المسلمين، إما بالدخول في الإسلام، أو إعطاء الجزية عن يد وهم صاغرون، تطبيقًا لقوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالله وَلاَ بِاليَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يَحَرِّمُونَ مَا حَرَّم اللهُ وَرَسُولُه وَلاَ يَدِيْنُونَ دِينَ الحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ حَتَى يُعْطُوا الجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُون﴾ . [سورة التوبة، الآية: ١٢٣] .
وفي ذلك أكبر دليل على أن العملية الجهادية والعملية الدعوية كانتا تسيران جنبًا إلى جنب، وأنهما عمليتان مدروستان بدقة ونظام، وليستا أمورًا عشوائية أملتها ظروف وقتية طارئة، كما يدعي بعض المستشرقين، ولم تكن أيضًا دفاعية، كما يذكر بعض الكتاب المسلمين، وإنما غايتها وهدفها الأسمى هو إعلاء كلمة الله ﷿ في تلك البقعة المباركة من العالم.
٣- لقد كانت الوصايا النبوية لقادة السرايا والبعوث من أعظم وصايا الحرب على مرّ التاريخ، بل إنها تمثّل قانون للحرب العادلة، التي لم يشهد التاريخ لها مثيلًا، وذلك إنها توضح بجلاء نوع الحرب في الإسلام والتي هي حرب فروسية بمعنى الكلمة، وردّ بليغ على المغرضين من أعداء الأمة الذين يروجون الأكاذيب ويلقون الشبه حول الحرب، والجهاد في الإسلام، في محاولة منهم لتشويه هذه الحقائق الناصعة لهذه الحرب العظيمة.
[ ٥٠١ ]
٤- وضح من خلال سياق الأحداث حول بعض السرايا والبعوث اهتمام النبي ﷺ بوسائل الحرب الاستخبارتية وتمثل ذلك في بثّ العيون، وتوظيف الأدلاء، وبعث الطلائع إلى أرض العدوّ لجمع المعلومات عنه، وفي ذلك درس بليغ للأمة بالاهتمام بهذه الوسائل وغيرها من الأسباب الشرعية، وتطبيقها في حربها مع أعدائها لما تمثله من أهمية بالغة بالنسبة لعوامل النصر وأسبابه.
٥- تميّزت بعض السرايا والبعوث ببعض الابتكارات النبوية العسكرية، مثل الشعار في المعركة، والهجوم الفجري المباغت، وغير ذلك، وهي دروس استفادها وطبقها قادة تلك السرايا من توصيات النبي ﷺ، وتطبيقاته في غزواته.
٦- وضح من خلال أحداث بعض السرايا والبعوث الدور العظيم الذي كان يتميز به المسجد النبوي الشريف، حيث كان بمثابة جامعة عظيمة تعقد فيه مجالس العلم والذكر، ويلتقي فيه الصحابة ﵃ بمعلمهم العظيم رسول الله ﷺ.
كما أنه كان عبارة عن قاعدة عسكرية تنطلق منه السرايا والبعوث النبوية، وتعقد فيه مراسم تولية قادة تلك السرايا والبعوث، مما يدل على دقة التنظيم في إعداد السرايا وبعثها، وإن ذلك كان يتم وفق خطة مدروسة منظمة بعيدًا عن العشوائية والارتجال كما يزعم البعض.
[ ٥٠٢ ]
٧- ما ورد في ثنايا الحديث عن بعض السرايا والبعوث من التحذير النبوي من أسباب انتشار بعض الأوبئة والأمراض، يعتبر من معجزاته ﷺ، حيث تحققت نبوءته ﷺ في ذلك زماننا الحاضر الذي انتشرت فيه الأوبئة والأمراض التي حذر منها ومن أسبابها المصطفى ﷺ قبل أربعة عشر قرنًا.
٨- كانت المكتسبات التي أفادها المسلمون من غزوة مؤتة وبعض السرايا النبوية الشمالية عظيمة جدًا، حيث كانت النتائج السوقية لها كبيرة، أفادت المسلمين في التعرف على خواص الروم، وحلفائهم مما كان له أبلغ الأثر في المعارك التي خاضها المسلمون معهم فيما بعد.
٩- تميزت الغزوة والسرايا والبعوث النبوية الشمالية بكثير من الأحكام الشرعية المستنبطة، والدروس والعبر المستفادة.
[ ٥٠٣ ]