نسبه ﷺ وولادته ورضاعته
أما نسبه ﷺ، فهو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، ويدعى شيبة الحمد، ابن هاشم بن عبد مناف واسمه المغيرة، ابن قصيّ ويسمى زيدا، ابن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معدّ بن عدنان.
فهذا القدر المتفق عليه من نسبه الشريف ﷺ، أما ما فوق ذلك فمختلف فيه، لا يعتمد عليه في شيء. غير أن مما لا خلاف فيه أن عدنان من ولد إسماعيل نبي الله ابن إبراهيم خليل الله عليهما الصلاة والسلام، وأن الله ﷿ قد اختاره من أزكى القبائل وأفضل البطون وأطهر الأصلاب، فما تسلل شيء من أدران الجاهلية إلى شيء من نسبه.
روى مسلم بسنده عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل واصطفى قريشا من كنانة واصطفى هاشما من قريش واصطفاني من بني هاشم» .
وأما ولادته ﷺ فقد كانت في عام الفيل، أي العام الذي حاول فيه أبرهة الأشرم غزو مكة وهدم الكعبة فرده الله عن ذلك بالآية الباهرة التي وصفها القرآن. وكانت على الأرجح يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول.
وقد ولد يتيما، فقد مات أبوه عبد الله وأمه حامل به لشهرين فحسب فعني به جده عبد المطلب واسترضع له- على عادة العرب إذ ذاك- امرأة من بني سعد بن بكر يقال لها حليمة بنت أبي ذؤيب.
وقد أجمع رواة السيرة أن بادية بني سعد كانت تعاني إذ ذاك سنة مجدبة قد جفّ فيها الضرع ويبس الزرع، فما هو إلا أن صار محمد ﷺ في منزل حليمة واستكان إلى حجرها وثديها حتى عادت منازل حليمة من حول خبائها ممرعة مخضرّة فكانت أغنامها تروح منها عائدة إلى الدار شباعا ممتلئة الضرع.
[ ٤٤ ]
وقد حصلت أثناء وجوده ﷺ في بادية بني سعد (حادثة شق الصدر) التي رواها مسلم «١»، ثم أعيد بعدها إلى أمه وقد تمّ له من العمر خمس سنوات.
ولما أصبح له من العمر ست سنوات ماتت أمّه آمنة، وما أن تحول الرسول إلى كفالة جده عبد المطلب حتى وافته هو الآخر منيته فمات وقد تمّ للنبي ﷺ ثماني سنوات، فكفله عمه أبو طالب.
العبر والعظات:
يؤخذ من هذا المقطع من سيرته ﷺ مبادئ وعظات هامة نجملها فيما يلي:
١- فيما أوضحناه من نسبه الشريف ﷺ، دلالة واضحة على أن الله ﷾ ميز العرب على سائر الناس، وفضل قريشا على سائر القبائل الأخرى. تجد هذه الدلالة واضحة في الحديث الذي رويناه عن مسلم، وقد وردت بمعناه أحاديث كثيرة أخرى. فمن ذلك ما رواه الترمذي أنه ﷺ قام على المنبر فقال: «من أنا؟ فقالوا: أنت رسول الله عليك السلام، فقال:
أنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، إن الله خلق الخلق، ثم جعلهم فرقتين فجعلني في خيرهم فرقة، ثم جعلهم قبائل فجعلني في خيرهم قبيلة، ثم جعلهم بيوتا فجعلني في خيرهم بيتا وخيرهم نفسا» «٢» .
واعلم أن مقتضى محبة رسول الله ﷺ، محبة القوم الذين ظهر فيهم والقبيلة التي ولد فيها، لا من حيث الأفراد والجنس بل من حيث الحقيقة المجردة. ذلك لأن الحقيقة العربية القرشية، قد شرف كل منها- ولا ريب- بانتساب رسول الله ﷺ إليها.
ولا ينافي ذلك ما قد يلحق من سوء بكل من قد انحرف من العرب أو القرشيين، عن صراط الله ﷿، وانحط عن مستوى الكرامة الإسلامية التي اختارها الله لعباده، لأن هذا الانحراف أو الانحطاط من شأنه أن يودي بما كان من نسبة بينه وبين الرسول ﷺ ويلغيها من الاعتبار.
٢- ليس من قبيل المصادفة أن يولد رسول الله ﷺ يتيما، ثم لا يلبث أن يفقد جده أيضا، فينشأ النشأة الأولى من حياته بعيدا عن تربية الأب ورعايته محروما من عاطفة الأم وحنوها.
لقد اختار الله ﷿ لنبيه هذه النشأة لحكم باهرة، لعلّ من أهمها أن لا يكون للمبطلين سبيل إلى إدخال الريبة في القلوب أو إيهام الناس بأن محمدا ﷺ إنما رضع لبان دعوته ورسالته التي
_________________
(١) راجع قصة استرضاعه في بادية بني سعد وخبر شق صدره في سيرة ابن هشام: ١/ ٦٤ وانظر صحيح مسلم: ١/ ١٠١ و١٠٢
(٢) الترمذي: ٩/ ٢٣٦ كتاب المناقب.
[ ٤٥ ]
نادى بها منذ صباه، بإرشاد وتوجيه من أبيه وجده، ولم لا؟ وإن جده عبد المطلب كان صدرا في قومه، فلقد كانت إليه الرفادة والسقاية «٣» .
ومن الطبيعي أن يربي الجد حفيده أو الأب ابنه على ما يحفظ لديه هذا الميراث.
لقد اقتضت حكمة الله ﷿ أن لا يكون للمبطلين من سبيل إلى مثل هذه الريبة، فنشّأ رسوله بعيدا عن تربية أبيه وأمه وجدّه، وحتى فترة طفولته الأولى، فقد شاء الله ﷿ أن يقضيها في بادية بني سعد بعيدا عن أسرته كلها، ولما توفي جدّه وانتقل إلى كفالة عمه أبي طالب الذي امتدت حياته إلى ما قبل الهجرة بثلاث سنوات، كان من تتمة هذه الدلالة أن لا يسلم عمه، حتى لا يتوهم أن لعمه مدخلا في دعوته، وأن المسألة مسألة قبيلة وأسرة وزعامة ومنصب.
وهكذا أرادت حكمة الله أن ينشأ رسوله يتيما، تتولاه عناية الله وحدها بعيدا عن الذراع التي تمعن في تدليله والمال الذي يزيد في تنعيمه، حتى لا تميل به نفسه إلى مجد المال والجاه، وحتى لا يتأثر بما حوله من معنى الصدارة والزعامة، فتلتبس على الناس قداسة النبوة بجاه الدنيا، وحتى لا يحسبوه يصطنع الأول ابتغاء الوصول إلى الثاني.
٣- يدل ما اتفق عليه رواة السيرة النبوية من أن منازل حليمة السعدية عادت ممرعة مخضرّة بعد أن كانت مجدبة قاحلة، وعاد الدرّ حافلا في ضرع ناقتها الكبيرة المسنة بعد أن كان يابسا لا يتندى بقطرة لبن، يدل ذلك على علوّ شأن رسول الله ﷺ ورفعة مرتبته عند ربّه حتى عندما كان طفلا صغيرا كغيره من الأطفال. فقد كان من أبرز مظاهر إكرام الله له أن أكرم بسببه بيت حليمة السعدية التي تشرفت بإرضاعه. وليس في ذلك من غرابة ولا عجب، فقد علمتنا شريعتنا الإسلامية أن نستسقي عند انحباس المطر ببركة الصالحين من الناس ومن أهل بيت محمد ﷺ رجاء استجابة الله لدعائنا «٤»، فكيف إذا تشرف المكان برسول الله ﷺ، وهو طفل رضيع قد استكان إلى حجر حليمة والتقم ثديها؟ إن من الجدير أن تكون سببيته لا خضرار الأرض المجدبة من حوله أبلغ من سببية قطر السماء وينابيع الأرض. وما دام الكل بيد الله وهو وحده مسبب الأسباب جميعها فأجدر برسول الله ﷺ أن يكون في مقدمة أسباب البركة والإكرام الإلهي ذلك أنه رحمة الله إلى الناس بصريح تبيانه ﷾ وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ [الأنبياء ٢١/ ١٠٧] .
_________________
(١) الرفادة شيء كانت قريش تترافد به في الجاهلية، أي تتعاون به فيخرج كل إنسان بقدر طاقته فيجمعون مالا عظيما فيشترون به طعاما وزبيبا ونبيذا ويطعمون الناس ويسقونهم أيام موسم الحج حتى ينقضي.
(٢) يستحب الاستشفاع بأهل الصلاح والتقوى وأهل بيت النبوة سواء في الاستسقاء وغيره: أجمع على ذلك جمهور الأئمة والفقهاء. انظر فتح الباري: ٢/ ٣٣٩ ونيل الأوطار: ٢/ ٧ وسبل السلام: ٢/ ١٣٤ والمغني لابن قدامة الحنبلي: ٢/ ٢٦٥
[ ٤٦ ]
٤- تعد حادثة شق الصدر التي حصلت له ﵊ أثناء وجوده في مضارب بني سعد من إرهاصات النبوة ودلائل اختيار الله إياه لأمر جليل، وقد رويت هذه الحادثة بطرق صحيحة وعن كثير من الصحابة منهم أنس بن مالك فيما يرويه مسلم في صحيحه: «أن رسول الله ﷺ أتاه جبريل وهو يلعب مع الغلمان فأخذه فصرعه، فشق عن قلبه، فاستخرجه، فاستخرج منه علقة فقال: هذا حظ الشيطان منك، ثم غسله في طست من ذهب بماء زمزم، ثم أعاده إلى مكانه. وجاء الغلمان يسعون إلى أمه- مرضعته- ينادون: إن محمدا قد قتل، فاستقبلوه وهو ممتقع اللون» «٥» .
وليست الحكمة من هذه الحادثة- والله أعلم- استئضال غدة الشر في جسم رسول الله ﷺ، إذ لو كان الشر منبعه غدة في الجسم أو علقة في بعض أنحائه، لأمكن أن يصبح الشرير خيرا بعملية جراحية. ولكن يبدو أنّ الحكمة هي إعلان أمر الرسول ﷺ وتهييؤه للعصمة والوحي منذ صغره بوسائل مادية، ليكون ذلك أقرب إلى إيمان الناس به وتصديقهم برسالته. إنها إذن عملية تطهير معنوي، ولكنها اتخذت هذا الشكل المادي الحسي، ليكون فيه ذلك الإعلان الإلهي بين أسماع الناس وأبصارهم.
وأيا كانت الحكمة، فلا ينبغي- وقد ثبت الخبر ثبوتا صحيحا- محاولة البحث عن مخارج لنخرج منها بهذا الحديث عن ظاهره وحقيقته إلى التآويل الممجوجة البعيدة المتكلفة. ولن تجد من مسوغ لمن يحاول هذا- على الرغم من ثبوت الخبر وصحته- إلا ضعف الإيمان بالله ﷿.
ينبغي أن نعلم بأن ميزان قبولنا للخبر إنما هو صدق الرواية وصحتها فإذا ثبتت الرواية ثبوتا بيّنا فلا مناص من قبوله موضوعا على الرأس، وميزاننا لفهمه حينئذ دلالات اللغة العربية وأحكامها. والأصل في الكلام الحقيقة، ولو أنه جاز لكل باحث وقارئ أن يصرف الكلام عن حقيقته إلى مختلف الدلالات المجازية ليتخير من بينها ما يروق له، لا نشلّت قيمة اللغة وفقدت دلالتها وتاه الناس في مفاهيمها.
ثم فيم البحث عن التأويل ومحاولة استنكار الحقيقة؟
أما إن ذلك لا يأتي إلا من ضعف في الإيمان بالله، ثم من ضعف في اليقين بنبوة محمد ﷺ وصدق رسالته، وإلا فما أسهل اليقين بكل ما صح نقله سواء عرفت الحكمة والعلة أم لم تعرف.
_________________
(١) مسلم ١/ ١٠١ و١٠٢ وثبت في الصحيح تكرار حادثة شق صدره ﷺ أكثر من مرة.
[ ٤٧ ]
رحلته الأولى إلى الشام ثم كدحه في سبيل الرزق
ولما تمّ له ﷺ من العمر اثنتا عشرة سنة، سافر عمه أبو طالب إلى الشام في ركب للتجارة، فأخذه معه. ولما نزل الركب (بصرى) مروا على راهب هناك يقال له (بحيرا) وكان عليما بالإنجيل خبيرا بشؤون النصرانية وهناك أبصر بحيرا النبيّ ﷺ، فجعل يتأمله ويكلمه، ثم التفت إلى أبي طالب فقال له:
ما هذا الغلام منك؟
فقال: ابني (وكان أبو طالب يدعوه بابنه لشدة محبته له وشفقته عليه) فقال له بحيرا:
ما هو بابنك وما ينبغي أن يكون أبو هذا الغلام حيا. فقال: هو ابن أخي. قال: فما فعل أبوه؟ قال: مات وأمه حبلى به. قال بحيرا: صدقت. فارجع به إلى بلده واحذر عليه يهود فو الله لئن رأوه هنا ليبلغنّه شرا، فإنه كائن لابن أخيك هذا شأن عظيم. فأسرع به أبو طالب عائدا إلى مكة «٦»
ثم أخذ رسول الله يستقبل فترة الشباب من عمره فبدأ بالسعي للرزق وراح يشتغل برعي الغنم، ولقد قال ﵊ عن نفسه فيما بعد: «كنت أرعى الغنم على قراريط لأهل مكة» «٧» . وحفظه الله من كل ما قد ينحرف إليه الشبان من مظاهر اللهو والعبث. قال ﵊ فيما يرويه عن نفسه:
«ما هممت بشيء مما كانوا في الجاهلية يعملونه غير مرتين، كل ذلك يحول الله بيني وبينه، ثم ما هممت به حتى أكرمني الله بالرسالة. قلت ليلة للغلام الذي يرعى معي بأعلى مكة: لو أبصرت لي غنمي حتى أدخل مكة وأسمر بها كما يسمر الشباب، فقال: أفعل، فخرجت حتى إذا كنت عند
_________________
(١) باختصار عن سيرة ابن هشام: ١/ ١٨٠ ورواه الطبري في تاريخه: ٢/ ٢٨٧ ورواه البيهقي في سننه وأبو نعيم في الحلية. ويوجد بين هذه الروايات بعض الخلاف في التفصيل، وانفرد الترمذي بروايته مطولا على نحو آخر، ولعل في سنده بعض اللين، فقد قال هو نفسه بعد أن رواه: (هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه) . وفي سنده عبد الرحمن بن غزوان قال عنه في الميزان: له مناكير، ثم قال: أنكر ماله حديثه عن يونس بن أبي إسحاق، في سفر النبي ﷺ وهو مراهق مع أبي طالب إلى الشام. وقال عنه ابن سيد الناس: في متنه نكارة (راجع عيون الأثر: ١/ ٤٣) . والغريب أن الشيخ ناصر الدين الألباني قال عنه- رغم هذا- في تخريجه لأحاديث (فقه السيرة) للغزالي: إسناده صحيح.. ولم ينقل من تعليق الترمذي عليه إلا قوله: هذا حديث حسن.. ومن عادته أن يضعف ما هو أصح من هذا الحديث بكثير.. هذا وأما القدر المشترك من القصة فثابت بطرق كثيرة لا يلحقها وهن.
(٢) رواه البخاري.
[ ٤٨ ]
أول دار بمكة سمعت عزفا فقلت: ما هذا؟ فقالوا: عرس، فجلست أسمع، فضرب الله على أذني، فنمت فما أيقظني إلا حر الشمس، فعدت إلى صاحبي، فسألني فأخبرته، ثم قلت له ليلة أخرى مثل ذلك ودخلت مكة فأصابني مثل أول ليلة، ثم ما هممت بعده بسوء» «٨» .
العبر والعظات:
يدل حديث بحيرا عن رسول الله ﷺ- وهو حديث رواه عامة علماء السيرة ورواتها وأخرجه الترمذي مطوّلا من حديث أبي موسى الأشعري- على أن أهل الكتاب من يهود ونصارى، كان عندهم علم ببعثة النبي ﵊ ومعرفة بعلاماته، وذلك بواسطة ما جاء في التوراة والإنجيل من خبر بعثته وبيان دلائله وأوصافه. والدلائل على ذلك كثيرة مستفيضة.
فمنها ما رواه علماء السيرة من أن اليهود كانوا يستفتحون على الأوس والخزرج برسول الله ﷺ قبل مبعثه ويقولون: إن نبيا سيبعث قريبا سنتبعه فنقتلكم معه قتل عاد وإرم، ولما نكثوا عهدهم أنزل الله في ذلك قوله: وَلَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ، وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ [البقرة ٢/ ٨٩] .
وروى القرطبي وغيره أنه لما نزل قول الله تعالى: الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ، وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [البقرة ٢/ ١٤٦] سأل عمر بن الخطاب عبد الله بن سلام وقد كان كتابيا فأسلم: أتعرف محمدا ﷺ كما تعرف ابنك؟ فقال: نعم وأكثر، بعث الله أمينه في سمائه إلى أمينه في أرضه بنعته فعرفته، أما ابني فلا أدري ما الذي قد كان من أمّه. ولقد كان سبب إسلام سلمان الفارسي تتبع خبر النبي ﷺ وصفاته من الإنجيل والرهبان وعلماء الكتاب.
ولا ينافي هذا أن كثيرا من أهل الكتاب ينكرون هذا العلم، وأنّ الأناجيل المتداولة خالية عن الإشارة إلى ذكر النبي ﷺ. فمن المعلوم بالبداهة ما تقلّب على هذه الكتب من أيدي التبديل والتغيير المتلاحقة. وصدق الله إذ يقول في محكم تبيانه:
وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ إِلَّا أَمانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ، فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هذا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ [البقرة ٢/ ٧٨، ٧٩] .
أما إقباله على رعي الأغنام لقصد اكتساب القوت والرزق ففيه ثلاث دلالات هامة:
_________________
(١) رواه ابن الأثير ورواه الحاكم عن علي بن أبي طالب وقال عنه: صحيح على شرط مسلم. ورواه الطبراني من حديث عمار بن ياسر.
[ ٤٩ ]
الأولى: الذوق الرفيع والإحساس الدقيق اللذان جمّل الله تعالى بهما نبيه محمدا ﷺ. لقد كان عمه يحوطه بالعناية التامة، وكان له في الحنوّ والشفقة كالأب الشفوق، ولكنه ﷺ ما إن آنس في نفسه القدرة على الكسب حتى أقبل يكتسب، ويجهد جهده لرفع بعض ما يمكن رفعه من مؤونة الإنفاق عن عمه. وربما كانت الفائدة التي يجنيها من وراء عمله الذي اختاره الله له، فائدة قليلة غير ذات أهمية بالنسبة لعمه أبي طالب، ولكنه على كلّ تعبير أخلاقي رفيع عن الشكر، وبذل للوسع، وشهامة في الطبع، وبرّ في المعاملة.
الثانية: وتتعلق ببيان نوع الحياة التي يرتضيها الله تعالى لعباده الصالحين في دار الدنيا.
لقد كان سهلا على القدرة الإلهية أن تهيئ للنبي ﷺ، وهو في صدر حياته، من أسباب الرفاهية ووسائل العيش ما يغنيه عن الكدح ورعاية الأغنام سعيا وراء القوت.
ولكن الحكمة الإلهية تقتضي منا أن نعلم أن خير مال الإنسان ما اكتسبه بكدّ يمينه ولقاء ما يقدمه من الخدمة لمجتمعه وبني جنسه، وشر المال ما أصابه الإنسان وهو مستلق على ظهره دون أن يرى أي تعب في سبيله، ودون أن يبذل أي فائدة للمجتمع في مقابله.
الثالثة: إن صاحب أي دعوة، لن تقوم لدعوته أي قيمة في الناس إذا ما كان كسبه ورزقه من وراء دعوته أو على أساس من عطايا الناس وصدقاتهم. ولذا فقد كان صاحب الدعوة الإسلامية أحرى الناس كلهم بأن يعتمد في معيشته على جهده الشخصي أو مورد شريف لا استجداء فيه حتى لا تكون عليه لأحد من الناس منة أو فضل في دنياه فيعوقه ذلك عن أن يصدع بكلمة الحق في وجهه غير مبال بالموقع الذي قد تقع من نفسه.
وهذا المعنى وإن لم يكن قد خطر في بال الرسول ﷺ في هذه الفترة، إذ إنه لم يكن يعلم بما سيوكل إليه من شأن الدعوة والرسالة الإلهية، غير أن هذا المنهج الذي هيأه الله له ينطوي على هذه الحكمة ويوضح أن الله تعالى قد أراد أن لا يكون في شيء من حياة الرسول قبل البعثة ما يعرقل سبيل دعوته أو يؤثر عليها أي تأثير سلبي، فيما بعد البعثة.
وفيما قصه النبي ﷺ عن نفسه من خبر حفظ الله إياه من كل سوء منذ صغره وصدر شبابه، ما يوضح لنا حقيقتين كل منهما على جانب كبير من الأهمية:
الأولى: أن النبي ﷺ كان متمتعا بخصائص البشرية كلها، وكان يجد في نفسه ما يجده كل شاب من مختلف الميولات الفطرية التي اقتضت حكمة الله أن يجبل الناس عليها. فكان يحس بمعنى السمر واللهو ويشعر بما في ذلك من متعة، وتحدثه نفسه لو تمتع بشيء من ذلك كما يتمتع الآخرون.
الثانية: أن الله ﷿ قد عصمه مع ذلك عن جميع مظاهر الانحراف وعن كل ما لا يتفق
[ ٥٠ ]
مع مقتضيات الدعوة التي هيأه الله لها، فهو حتى عندما لا يجد لديه الوحي أو الشريعة التي تعصمه من الاستجابة لكثير من رغائب النفس، يجد عاصما آخر خفيا يحول بينه وبين ما قد تتطلع إليه نفسه مما لا يليق بمن هيأته الأقدار لتتميم مكارم الأخلاق وإرساء شريعة الإسلام.
وفي اجتماع هاتين الحقيقتين لديه ﷺ دليل واضح على أن ثمة عناية إلهية خاصة تسيّره وتأخذ بيده بدون وساطة الأسباب المعروفة كوسائل التربية والتوجيه، ومن ذا الذي يوجهه في طريق هذه العصمة وكل الذين حوله من أهله وبني قومه وجيرانه، غرباء عن هذا الطريق، ضالون عن هذه الوجهة؟
لا جرم إذن أن هذه العناية الإلهية الخاصة التي جعلت لشباب النبي ﷺ طريقا دقيقا من النور يمخر عباب ظلام الجاهلية، من أعظم الآيات الدالة على معنى النبوة التي خلقه الله لها وهيأه لحمل أعبائها، وعلى أن معنى النبوة هو الأساس في تكوين شخصيته واتجاهاته النفسية والفكرية والسلوكية في الحياة.
وكان من اليسير أن يولد الحبيب الأعظم ﷺ، وقد انتزعت من نفسه كل هذه الدوافع الغريزية إلى التمتع بالشهوات والأهواء، فلا يجد في نفسه ما يدفعه أصلا إلى ترك أغنامه أمانة عند زميله ليهبط إلى بيوت مكة فيبحث بينها عن قوم يسمرون أو يلهون ويمرحون. غير أن ذلك لا يدل حينذاك على أكثر من شذوذ في تركيبه النفساني، وهي ظاهرة يوجد لها نماذج في كل قوم وعصر، وإذن فليس ثمة ما يدل على العناية الخفية التي تصرفه عما لا يليق رغم وجود الدوافع الغريزية نحوه. وإنما اقتضت حكمة الله ﷿ أن يتبدى للناس من هذه العناية الإلهية بالرسول الكريم ما يسهل عليهم أسباب الإيمان برسالته ويبعد عن أفكارهم عوامل الريب في صدقه.
[ ٥١ ]
تجارته بمال خديجة وزواجه منها
كانت خديجة- كما يروي ابن الأثير وابن هشام- امرأة تاجرة ذات شرف ومال، تستأجر الرجال في مالها وتضاربهم إياه بشيء تجعله لهم منه، فلما بلغها عن رسول الله صدق الحديث وعظم الأمانة وكرم الأخلاق، أرسلت إليه ليخرج في مالها إلى الشام تاجرا وتعطيه أفضل ما كانت تعطي غيره، ومعه غلامها ميسرة. وقد قبل محمد ﵊ هذا العرض فرحل إلى الشام عاملا في مالها ومعه ميسرة. فحالفه التوفيق في هذه الرحلة أكثر من غيرها، وعاد إلى خديجة بأرباح مضاعفة، فأدى لها ما عليه في أمانة تامة ونبل عظيم. ووجد ميسرة من خصائص النبي ﷺ وعظيم أخلاقه ما ملأ قلبه، دهشة له، وإعجابا به فروى ذلك لخديجة.
فأعجبت خديجة بعظيم أمانته، ولعلها دهشت لما نالها من البركة بسببه، فعرضت نفسها عليه زوجة بواسطة صديقتها (نفيسة بنت منيّة)، فوافق النبي ﵊، وكلم في ذلك أعمامه فخطبوها له من عمها عمرو بن أسد. وتزوجها ﵊ وقد تمّ له من العمر خمسة وعشرون عاما ولها من العمر أربعون.
وقد كانت تزوجت خديجة قبل زواجها من رسول الله ﷺ برجلين الأول منهما عتيق بن عائذ التميمي، ثم خلفه عليها أبو هالة التميمي واسمه هند بن زرارة «٩» .
العبر والعظات:
أما عمله ﷺ في مال خديجة، فهو استمرار لحياة الكدح التي بدأها برعي الأغنام، ولقد شرحنا طرفا مما يتعلق بذلك من الحكمة والعبرة.
وأما فضلها ومنزلتها في حياة النبي ﷺ فلقد ظلت لخديجة مكانة سامية عند رسول الله ﷺ طوال حياته، وقد ثبت في الصحيحين أنها خير نساء زمانها على الإطلاق.
روى البخاري ومسلم أن عليا ﵁ سمع رسول الله ﷺ يقول: «خير نسائها مريم بنت عمران وخير نسائها خديجة بنت خويلد» «١٠» .
_________________
(١) رواه ابن سيد الناس في (عيون الأثر) وابن حجر في الإصابة، وغيرهما. وقد جرى خلاف في الأول منهما. والذي رجحه ابن سيد الناس ورواه قتادة وابن إسحاق أن الأول منهما هو عتيق بن عائذ والثاني هند بن زرارة.
(٢) الضمير في نسائها عائد- كما تدل رواية مسلم- إلى السماء بالنسبة لمريم وإلى الأرض بالنسبة لخديجة. وقال الطيبي: الضمير الأول راجع إلى الأمة التي كانت فيها مريم، والثاني إلى هذه الأمة. وانظر فتح الباري: ٧/ ٩١
[ ٥٢ ]
وروى البخاري ومسلم أيضا عن عائشة ﵂ أنها قالت: «ما غرت على نساء النبي ﷺ إلا على خديجة، وإني لم أدركها، قالت: وكان رسول الله ﷺ إذا ذبح الشاة فيقول:
أرسلوا بها إلى أصدقاء خديجة قالت: فأغضبته يوما فقلت: خديجة! فقال رسول الله ﷺ: إني قد رزقت حبّها» «١١» .
وروى أحمد والطبراني من طريق مسروق عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ لا يكاد يخرج من البيت حتى يذكر خديجة فيحسن الثناء عليها، فذكرها يوما من الأيام، فأخذتني الغيرة فقلت: هل كانت إلا عجوزا قد أبدلك الله خيرا منها؟ فغضب ثم قال: «لا والله ما أبدلني الله خيرا منها: آمنت إذ كفر الناس، وصدقتني إذ كذبني الناس، وواستني بمالها إذ حرمني الناس، ورزقني الله منها الولد دون غيرها من النساء» .
وأما قصة زواجه ﷺ منها، فإن أول ما يدركه الإنسان من هذا الزواج هو عدم اهتمام الرسول ﷺ بأسباب المتعة الجسدية ومكملاتها، فلو كان مهتما بذلك كبقية أقرانه من الشبان لطمع بمن هي أقل منه سنا أو بمن ليست أكبر منه على أقل تقدير. ويتجلى لنا أنه ﷺ إنما رغب فيها لشرفها ونبلها بين جماعتها وقومها حتى إنها كانت تلقب في الجاهلية بالعفيفة الطاهرة.
ولقد ظل هذا الزواج قائما حتى توفيت خديجة عن خمسة وستين عاما، وقد ناهز النبي ﵊ الخمسين من العمر، دون أن يفكر خلالها بالزواج بأي امرأة أو فتاة أخرى، وما بين العشرين والخمسين من عمر الإنسان هو الزمن الذي تتحرك فيه رغبة الاستزادة من النساء والميل إلى تعدد الزوجات للدوافع الشهوانية.
ولكن محمدا ﷺ تجاوز هذه الفترة من العمر دون أن يفكر كما قلنا بأن يضم إلى خديجة مثلها من الإناث: زوجة أو أمة، ولو شاء لوجد الزوجة والكثير من الإماء، دون أن يخرق بذلك عرفا أو يخرج على مألوف أو عرف بين الناس، هذا على الرغم من أنه تزوج خديجة وهي أيم، وكانت تكبره بما يقارب مثل عمره.
وفي هذا ما يلجم أفواه أولئك الذين يأكل الحقد أفئدتهم على الإسلام وقوة سلطانه، من المبشرين والمستشرقين وعبيدهم الذين يسيرون من ورائهم، ينعقون بما لا يسمعون إلا دعاء ونداء، كما قال الله ﷿.
فقد ظنوا أنهم واجدون في موضوع زواج النبي ﷺ مقتلا يصاب منه الإسلام ويمكن أن يشوّه من سمعة محمد ﷺ، وتخيلوا أن بمقدورهم أن يجعلوه عند الناس في صورة الرجل الشهوان الغارق في لذة الجسد العازف في معيشته المنزلية ورسالته العامة عن عفاف القلب والروح.
_________________
(١) متفق عليه واللفظ لمسلم.
[ ٥٣ ]
ومعلوم أن المبشرين ومعظم المستشرقين، هم الخصوم المحترفون للإسلام، يتخذون القدح في هذا الدين صناعة يتفرغون لها ويتكسبون منها كما هو معلوم. أما الأغرار الذين يسيرون من ورائهم، فأكثرهم يخاصمون الإسلام على السماع والتقليد، ولا يعنيهم أن يفتحوا أذهانهم لبحث ولا فهم، إنما هو هواية التقليد والاتباع، فخصامهم للإسلام ليس إلا من نوع الشارة التي قد يعلقها الرجل على صدره لمجرد أن يعرف بها بين الناس انتماؤه لجهة معينة، ومعلوم أن الشارة ليست أكثر من رمز، فخصومة هؤلاء للإسلام ليست سوى الرمز الذي يعلنون به عن هويتهم بين الناس: أنهم ليسوا من هذا التاريخ الإسلامي في شيء، وأن ولاءهم إنما هو لهذا الفكر الاستعماري الذي يتمثل فيما يدعو إليه دعاة الاستعمار الفكري من مبشرين ومستشرقين. فهذا هو اختيارهم، من قبل أي بحث ودون محاولة أي فهم! .. أجل، فإن مخاصمتهم للإسلام ليست إلا مجرد شارة يسمون بها أنفسهم بين قومهم وبني جلدتهم، وليس عملا فكريا لقصد البحث أو الحجاج.
وإلّا، فموضوع زواج النبي ﷺ من أهون ما يمكن أن يستدل منه المسلم المتبصر، العارف بدينه والمطلع على سيرة نبيه، على عكس ما يروجه خصوم هذا الدين تماما.
يريدون أن يلصقوا به ﷺ صورة الرجل الشهواني الغارق في لذات الجسد! .. وموضوع زواجه ﵊ هو وحده الدليل الكافي على عكس ذلك تماما. فالرجل الشهوان، لا يعيش إلى الخامسة والعشرين من العمر في بيئة مثل بيئة العرب في جاهليتها، عفيف النفس، دون أن ينساق في شيء من التيارات الفاسدة التي تموج من حوله. والرجل الشهوان، لا يقبل بعد ذلك أن يتزوج من أيم لها ما يقارب ضعف عمره، ثم يعيش معها دون أن تمتد عينه إلى شيء مما حوله وإن من حوله الكثير وله إلى ذلك أكثر من سبيل، إلى أن يتجاوز مرحلة الشباب، ثم الكهولة، ويدخل في مدارج الشيخوخة.
أما زواجه بعد ذلك من عائشة ثم من غيرها، فإن لكل منهن قصة، ولكل زواج حكمة وسبب يزيدان من إيمان المسلم بعظمة محمد ﷺ ورفعة شأنه وكمال أخلاقه. وأيا كانت الحكمة والسبب فإنه لا يمكن أن يكون مجرد قضاء الوطر واستجابة للرغبة الجنسية، إذ لو كان كذلك لكان أحرى به أن يستجيب للوطر والرغبة النفسية في الوقت الطبيعي لهذه الرغبة وندائها.. خصوصا وقد كان إذ ذاك خالي الفكر ليس له من هموم الدعوة ومشاغلها ما يصرفه عن حاجاته الفطرية والطبيعية.
ولسنا نرى الإطناب في الدفاع عن زواجه ﵊، على نحو ما يفعل كثير من الباحثين، إذ لا نعتقد أن ثمة مشكلة تحتاج إلى النظر أو البحث، وإن أوهم خصوم الإسلام ذلك.
ورب حق من حقائق الإسلام، لا يطمع خصومه لإبطاله، بأكثر من استجرار المسلمين إلى مناقشة دفاعية في شأنه.
[ ٥٤ ]
اشتراكه ﷺ في بناء الكعبة
الكعبة أول بيت بني على اسم الله ولعبادة الله وتوحيده فيه، بناه أبو الأنبياء إبراهيم ﵊ بعد أن عانى من حرب الأصنام وهدم المعابد التي نصبت فيها.. بناها بوحي من الله تعالى وأمر له بذلك وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْماعِيلُ، رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [البقرة ٢/ ١٢٧] .
وقد تعرضت الكعبة بعد ذلك للعوادي التي أوهت بنيانها وصدعت جدرانها، وكان من بين هذه العوادي سيل عرم جرف مكة قبل البعثة بسنوات قليلة، حيث زاد ذلك من تصدع جدرانها وضعف بنيانها، فلم تجد قريش بدا من إعادة تشييد الكعبة حرصا على ما لهذا البناء من حرمة وقداسة خالدة. ولقد كان احترام الكعبة وتعظيمها بقية مما ظل محفوظا من شرعة إبراهيم ﵇ بين العرب.
ولقد شارك الرسول ﷺ قبل البعثة في بناء الكعبة وإعادة تشييدها مشاركة فعالة، فلقد كان ينقل الحجارة على كتفه، ما بينها وبينه إلا إزاره، وكان له من العمر إذ ذاك خمس وثلاثون سنة في الأصح.
وروى البخاري في صحيحه من حديث جابر بن عبد الله ﵁ قال: «لما بنيت الكعبة، ذهب النّبي ﷺ والعباس ينقلان الحجارة، فقال العباس للنّبي ﷺ: اجعل إزارك على رقبتك، فخرّ إلى الأرض وطمحت عيناه إلى السماء فقال: أرني إزاري فشدّه عليه» .
ولقد كان له ﷺ أثر كبير في حلّ المشكلة التي تسببت عن اختلاف القبائل حول من يستحق أن ينال شرف وضع الحجر الأسود في مكانه، فقد خضع جميعهم لاقتراحه الذي أبداه حلّا للمشكلة، علما منهم بأنه الأمين والمحبوب من الجميع.
العبر والعظات:
نورد في تعليقنا على هذا المقطع من سيرته ﷺ أربعة أمور:
أولها: أهمية الكعبة، وما جعل الله لها من شرف وقداسة في الأرض، وحسبك من الأدلة على ذلك أن الذي باشر تأسيسها وبناءها هو إبراهيم خليل الله، بأمر من الله تعالى لتكون أول بيت لعبادة الله وحده ومثابة للناس وأمنا.
غير أن هذا لا يعني أو يستلزم أن يكون للكعبة تأثير على الطائفين حولها أو العاكفين
[ ٥٥ ]
فيها، فهي- على مالها من قداسة ووجاهة عظيمة عند الله- حجارة لا تضر ولا تنفع. ولكن الله ﷿ لما بعث إبراهيم ﵊ بتكسير الأصنام والطواغيت وهدم بيوتها والقضاء على معالمها ونسخ عبادتها، اقتضت حكمته ﷻ أن يشيّد فوق الأرض بناء يكون شعارا لتوحيد الله وعبادته وحده، ويظل- مع الدهر- تعبيرا للعالم عن المعنى الصحيح للدين والعبادة وعن بطلان كل من الشرك وعبادة الأصنام. لقد قضت البشرية ردحا من الزمن، تدين بالعبادة للحجارة والأصنام والطواغيت وتنشئ لها المعابد، ولقد آن لها أن تدرك بطلان كل ذلك وزيفه، وآن لها أن تستعيض عن تلك المعابد هذا الرمز الجديد.. هذا المعبد الذي أقيم لعبادة الله وحده، يدخله الإنسان ليقف عزيزا لا يخضع ولا يذل إلا لخالق الكون كله، وإذا كان لا بدّ للمؤمنين بوحدانية الله والداخلين في دينه من رابطة يتعارفون بها، ومثابة يؤوبون إليها، مهما تفرقت بلدانهم وتباعدت ديارهم واختلفت أجناسهم ولغاتهم، إذا كان لا بدّ من ذلك فليس أجدر من هذا البيت الذي أقيم رمزا لتوحيد الله، وردّا على باطل الشرك والأصنام، أن يكون هو الرابطة وهو المثابة لهم جميعا، يتعارفون في حماه، ويلتقون على الحق الذي شيّد ليكون تعبيرا عنه. فهو الشعار الذي يجسد وحدة المسلمين في أقطار الأرض، ويعبر عن توحيد الله والعبادة له وحده مهما أقيم من آلهة زائفة وانتصب من متألهين باطلين على مرّ الأزمنة والعصور.
وهذا معنى قوله تعالى: وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا، وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى [البقرة ٢/ ١٢٥]، وهذا هو المعنى الذي يلحظه الطائف بالبيت الحرام، بعد أن يملأ قلبه من معنى العبودية لله تعالى والقصد إلى تحقيق أوامره من حيث إنها أوامر ومن حيث إنه عبد مكلّف بتلبية الأمر وتحقيق المأمور به. ومن هنا جاءت قداسة البيت وعظم مكانته عند الله تعالى وكانت ضرورة الحج إليه والطواف من حوله.
ثانيها: بيان أهم ما تعاقب على الكعبة من الهدم والبناء.
بنيت الكعبة خلال الدهر كله، أربع مرات بيقين، ووقع الخلاف والشك فيما قبل هذه المرات الأربع وبعدها.
فأما المرة الأولى منها: فهي التي قام بأمر البناء فيها إبراهيم ﵊ يعينه ابنه إسماعيل ﵊، وذلك استجابة منه لأمر ربّه ﷻ، ثبت ذلك بصريح الكتاب والسّنة الصحيحة. أما الكتاب فقوله:
وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْماعِيلُ، رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [البقرة ٢/ ١٢٧] .
وأما السّنة: فأحاديث كثيرة، منها ما رواه البخاري بسنده عن ابن عباس، وجاء فيه:
[ ٥٦ ]
«.. ثم قال- أي إبراهيم- يا إسماعيل، إن الله أمرني بأمر، قال فاصنع ما أمرك ربك، قال وتعينني؟ قال: وأعينك. قال: فإن الله أمرني أن أبني ها هنا بيتا، وأشار إلى أكمة مرتفعة على ما حولها، قال فعند ذلك رفعا القواعد من البيت، فجعل إسماعيل يأتي بالحجارة وإبراهيم يبني..» «١٢» .
ونقل الزركشي عن تاريخ مكة للأزرقي أن إبراهيم ﵊ جعل طول بناء الكعبة في السماء سبعة أذرع وطولها في الأرض ثلاثين ذراعا وعرضها في الأرض اثنين وعشرين ذراعا وكانت بغير سقف «١٣»، وحكى السهيلي أن طولها في السماء كان تسعة أذرع «١٤» . أقول ولعل هذه أقرب من رواية الأزرقي.
وأما المرة الثانية: فهي تلك التي بنتها قريش قبل الإسلام، واشترك في بنائها النّبي ﷺ كما ذكرنا. فجعلوا طولها في السماء ثمانية عشر ذراعا، ونقصوا من طولها في الأرض ستة أذرع وجزءا من الذراع تركوها في الحجر «١٥» .
وفي ذلك يقول رسول الله ﷺ فيما روته عائشة: «يا عائشة لولا أن قومك حديثو عهد بجاهلية لأمرت بالبيت فهدّم فأدخلت فيه ما أخرج منه وألزقته بالأرض وجعلت له بابا شرقيا وبابا غربيا فبلغت به أساس إبراهيم» «١٦» .
وأما المرة الثالثة: فقد كانت عندما احترق البيت زمن يزيد بن معاوية حين غزتها جيوشه من أهل الشام، وخلاصة ذلك أنهم حاصروا عبد الله بن الزبير بمكة بقيادة الحصين بن نمير السكوني في آخر سنة ست وثلاثين هجرية، بأمر من يزيد، ورموا البيت بالمنجنيق، فتهدم واحترق، فانتظر ابن الزبير حتى قدم الناس الموسم، فاستشارهم قائلا: أيها الناس أشيروا عليّ في الكعبة، أنقضها ثم أبني بناءها أو أصلح ما وهى منها، فقال له ابن عباس: أرى أن تصلح ما وهى منها وتدع بيتا أسلم الناس عليه وأحجارا أسلم الناس عليها. فقال ابن الزبير: لو كان أحدكم احترق بيته ما رضي حتى يجدّه فكيف بيت ربّكم؟! إني مستخير ربّي ثلاثا ثم عازم على أمري. ثم باشر نقضه بعد ثلاثة أيام حتى بلغوا به الأرض فأقام ابن الزبير أعمدة من حوله وأرخى عليها الستور ثم باشروا في رفع بنائه وزاد فيه الأذرع الستة التي قد أخرجت منه، وزاد في طوله إلى السماء عشرة أذرع،
_________________
(١) صحيح البخاري: كتاب أحاديث الأنبياء باب قوله تعالى: وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلًا.
(٢) انظر إعلام الساجد للزركشي: ٤٦
(٣) عيون الأثر: ١/ ٥٢
(٤) روى ذلك البخاري في كتاب الحج باب فضل مكة وانظر إعلام الساجد للزركشي: ٤٦
(٥) متفق عليه واللفظ للبخاري.
[ ٥٧ ]
وجعل له بابين أحدهما يدخل منه والآخر يخرج منه. وإنما جرّأه على إدخال هذه الزيادة حديث عائشة السابق عن رسول الله ﷺ «١٧» .
وأما المرة الرابعة: فقد كانت بعد مقتل ابن الزبير. روى الإمام مسلم بسنده عن عطاء أنه لما قتل ابن الزبير كتب الحجاج إلى عبد الملك بن مروان يخبره بذلك ويخبره أن ابن الزبير قد وضع البناء على أسّ نظر إليه العدول من أهل مكة، فكتب إليه عبد الملك إنا لسنا من تلطيخ ابن الزبير في شيء، أمّا ما زاد في طوله فأقرّه، وأمّا ما زاد فيه من الحجر فردّه إلى بنائه، وسدّ الباب الذي فتحه، فنقضه وأعاده إلى بنائه «١٨» .
قالوا: وقد عزم الرشيد بعد ذلك على أن ينقضها ويعيدها كما بناها ابن الزبير، فقال له مالك بن أنس ﵀: «أنشدك الله يا أمير المؤمنين أن لا تجعل هذا البيت ملعبة للملوك بعدك، لا يشاء أحد منهم أن يغيّره إلا غيّره، فتذهب هيبته من قلوب الناس، فصرفه عن رأيه فيه» «١٩» .
فهذه هي المرات الأربع التي بنيت فيها الكعبة بيقين.
أما الخامسة: التي وقع فيها الشك والخلاف: فهي تتعلق بما قبل بناء إبراهيم ﵊، هل كانت الكعبة مبنية قبل ذلك أم لا؟
جاء في بعض الآثار والروايات أن أول من بناها إنما هو آدم ﵊، ومن أبرز ما ورد في ذلك ما رواه البيهقي في دلائل النّبوة من حديث عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ: «بعث الله ﷿ جبريل ﷺ إلى آدم وحواء فقال لهما: ابنيا لي بيتا، فخطّ لهما جبريل ﵊، فجعل آدم يحفر وحواء تنقل حتى أصابه الماء فنودي من تحته حسبك يا آدم فلما بنياه أوحى الله إليه أن يطوف به، وقيل له أنت أول الناس وهذا أول بيت، ثم تناسخت القرون حتى حجه نوح ﷺ. ثم تناسخت القرون حتى رفع إبراهيم القواعد منه» .
ثم قال البيهقي: تفرد به ابن لهيعة هكذا مرفوعا، ومعلوم أن ابن لهيعة ضعيف لا يحتج به.
_________________
(١) انظر عيون الأثر لابن سيّد الناس: ١/ ٥٣، وإعلام الساجد للزركشي: ٤٦. والحديث رواه مسلم ٢: ٦٩، باب نقض الكعبة وبنائها، وفي رواية للطبري وغيره أنها إنما احترقت بشرارة انطلقت إليها من نار كانت توقد حولها وانظر تاريخ الطبري: ٥/ ٤٩٨
(٢) مسلم: ٤/ ٩٩
(٣) هذا وفي شرح النووي على مسلم والفتح على البخاري، أن الذي همّ بنقض الكعبة هو الرشيد، وذكر في عيون الأثر وإعلام الساجد أنه أبو جعفر المنصور، ومعلوم أن مالكا ﵀ عاصر كلّا من المنصور وهارون الرشيد، فالاحتمال قائم.
[ ٥٨ ]
وهنالك روايات وآثار أخرى قريبة في المعنى من هذا الذي رواه البيهقي إلا أن جميعها لا يخلو من ضعف أو نكارة. وقيل أيضا أن أول من بناه شيث ﵊.
فتكون الكعبة- إذا اعتمدنا هذه الآثار والروايات الضعيفة- قد بنيت خمس مرات خلال الدهر كله.
غير أن الأولى هو اعتماد ما ثبت يقينا من ذلك، وهو أنها بنيت أربع مرات كما أوضحنا، وأما ما وراء ذلك وما بين هذه المرات فنكل علمه إلى الله ﷿، عدا عما لحقها من ترميمات وإصلاحات بعد ذلك.
ثالثها: مدى حكمة النّبي ﷺ في تدبير الأمور، وسياسة القضايا، وقطع دابر الخصومات، وبين من؟ بين أقوام قلما قامت بينهم خصومة ثم نامت قبل أن تراق فيما بينهم بسببها الدماء. وقد وصل بهم الخلاف كما تعلم إلى درجة كاد أن ينشب فيما بينهم القتال، فقد قربت بنو عبد الدار جفنة مملوءة دما ثم تعاقدوا هم وبنو عدي على الموت، وأدخلوا أيديهم في ذلك الدم، ومكثت قريش على ذلك أربع ليال أو خمسا، دون أن يردها إلى الوفاق أي رأي أو تدبير، حتى كان خمود نار الفتنة على يد رسول الله ﷺ. ونحن ينبغي أن نحيل هذه المزية فيه ﵊، إلى ما اختاره الله له من القيام بعبء الرسالة والنّبوة، قبل أن نحيلها إلى العبقرية التي جبل عليها والذكاء الذي فطر عليه.
فالأساس الأول في تكوينه ﵊، أنه رسول ونبي. ثم تأتي المزايا الأخرى كلها من عبقرية ودهاء وذكاء مبنية على هذا الأساس ولا حقة به.
رابعها: مدى سمو منزلته بين رجال قريش على اختلاف درجاتهم وطبقاتهم، فقد كان ملقبا عندهم بالأمين، وكان محبوبا منهم كلهم، وكانوا لا يرتابون في صدقه إذا حدث، وفي كريم أخلاقه إذا عومل، وفي عظيم إخلاصه إذا ما استعين به واعتمد عليه.
وهذه ظاهرة تكشف لك عن مدى الحقد والعناد اللذين امتلأت بهما أفئدة هؤلاء أنفسهم، بعد أن جاءته الرسالة من عند الله، وأخذ يبلغها إلى هؤلاء الأقوام الذين قابلوه بالتكذيب والعناد والإيذاء.
[ ٥٩ ]
اختلاؤه في غار حراء
ولما أخذت سنّه تدنو نحو الأربعين، نشأ لديه حب للعزلة بين الفترة والأخرى، وحبب الله إليه الاختلاء في غار حراء- وحراء جبل يقع في جانب الشمال الغربي من مكة- فكان يخلو فيه، ويتعبد فيه الليالي ذوات العدد، فتارة عشرة وتارة أكثر من ذلك إلى شهر، ثم يعود إلى بيته فلا يكاد يمكث فيه قليلا حتى يتزود من جديد لخلوة أخرى ويعود الكرة إلى غار حراء، وهكذا إلى أن جاءه الوحي وهو في إحدى خلواته تلك.
العبر والعظات:
إن لهذه الخلوة التي حببت إلى قلب رسول الله ﷺ قبيل البعثة، دلالة عظيمة جدا، لها أهمية كبرى في حياة المسلمين عامة والداعين إلى الله بصورة خاصة.
فهي توضح أن المسلم لا يكمل إسلامه مهما كان متحليا بالفضائل قائما بألوان العبادات، حتى يجمع إلى ذلك ساعات من العزلة والخلوة يحاسب فيها النفس، ويراقب الله تعالى، ويفكر في مظاهر الكون، ودلائل ذلك على عظمة الله.
هذا في حق أي مسلم يريد لنفسه الإسلام الصحيح، فكيف بمن يريد أن يضع نفسه موضع الداعي إلى الله والمرشد إلى الطريق الحق.
وحكمة ذلك أن للنفس آفات لا يقطع شرتها إلا دواء العزلة عن الناس، ومحاسبتها في نجوة من ضجيج الدنيا ومظاهرها. فالكبر، والعجب والحسد، والرياء، وحبّ الدنيا، كل ذلك آفات من شأنها أن تتحكم في النفس وتتغلغل إلى أعماق القلب، وتعمل عملها التهديمي في باطن الإنسان على الرغم مما قد يتحلى به ظاهره من الأعمال الصالحة والعبادات المبرورة، ورغم ما قد ينشغل به، من القيام بشؤون الدعوة والإرشاد وموعظة الناس. وليس لهذه الآفات من دواء إلا أن يختلي صاحبها بين كل فترة وأخرى مع نفسه ليتأمل في حقيقتها ومنشئها ومدى حاجتها إلى عناية الله تعالى وتوفيقه في كل لحظة من لحظات الحياة، ثم ليتأمل في الناس ومدى ضعفهم أمام الخالق ﷿ وفي عدم أي فائدة لمدحهم أو قدحهم، ثم ليتفكر في مظاهر عظمة الله وفي اليوم الآخر وفي الحساب وطوله، وفي عظيم رحمة الله وعظيم عقابه. فعند التفكير الطويل المتكرر في هذه الأمور تتساقط تلك الآفات اللاحقة بالنفس ويحيا القلب بنور العرفان والصفاء، فلا يبقى لعكر الدنيا من سبيل إلى تكدير مرآته.
[ ٦٠ ]
وشيء آخر له بالغ الأهمية في حياة المسلمين عامة وأرباب الدعوة خاصة: هو تربية محبة الله ﷿ في القلب. فهو منبع التضحية والجهاد وأساس كل دعوة متأججة صحيحة، ومحبة الله تعالى لا تأتي من مجرد الإيمان العقلي به، فالأمور العقلانية وحدها ما كانت يوما ما لتؤثر في العواطف والقلوب. ولو كان كذلك، لكان المستشرقون في مقدمة المؤمنين بالله ورسوله، ولكانت أفئدتهم من أشد الأفئدة حبّا لله ورسوله. أو سمعت بأحد من العلماء ضحى بروحه إيمانا منه بقاعدة رياضية أو مسألة من مسائل الجبر؟!.
وإنما الوسيلة إلى محبة الله تعالى- بعد الإيمان به- كثرة التفكير في آلائه ونعمه والتأمل في مدى جلاله وعظمته، ثم الإكثار من ذكره ﷾ بالقلب واللسان. وإنما يتم كل ذلك بالعزلة والخلوة والابتعاد عن شواغل الدنيا وضوضائها في فترات متقطعة متكررة من الزمن.
فإذا قام المسلم بذلك وتهيأ له أداء هذه الوظيفة، نبتت له من ذلك في قلبه محبة إلهية عارمة، تجعله يستصغر كل عظيم، ويحتقر كل مغرية من المغريات، ويستهين بكل إيذاء وعذاب، ويستعلي فوق كل إذلال أو استهزاء. فتلك هي العدة الكبرى التي ينبغي أن يتسلح بها الدعاة إلى الله، وتلك هي العدة التي جهز الله بها حبيبه محمدا ﷺ ليقوم بأعباء الدعوة الإسلامية.
ذلك لأن الدوافع الوجدانية في القلب من خوف ومحبة ورجاء تفعل ما لا يفعله الفهم العقلي المجرد. ولقد أجاد الشاطبي ﵀ حينما فرق في هذه الدوافع بين عامة المسلمين الذين دخلوا في ربقة التكاليف بدافع من عموم إسلامهم، وخواصهم الذين دخلوا في ربقة هذه التكاليف يسوقهم ما هو أشد من مجرد التعقل والفهم. يقول:
«فالضرب الأول حاله حال من يعمل بحكم عهد الإسلام وعقد الإيمان من غير زائد، والثاني حاله حال من يعمل بحكم غلبة الخوف والرجاء أو المحبة، فالخوف سوط سائق، والرجاء حاد قائد، والمحبة تيار حامل، فالخائف يعمل مع وجود المشقة، غير أن الخوف مما هو أشق يحمل على الصبر على ما هو أهون وإن كان شاقا. والراجي يعمل مع وجود المشقة أيضا، غير أن الرجاء في تمام الراحة يحمل على الصبر على تمام التعب. والمحب يعمل ببذل المجهود شوقا إلى المحبوب، فيسهل عليه الصعب ويقرب عليه البعيد، وتفنى القوى ولا يرى أنه أوفى بعهد المحبة ولا قام بشكر النعمة» «٢٠» .
واتّخاذ الوسائل المختلفة لتحقيق هذه الدوافع الوجدانية في القلب مما أجمع المسلمون على
_________________
(١) الموافقات للشاطبي: ٢/ ١٤١، وراجع كتاب (ضوابط المصلحة في الشريعة الإسلامية) لمؤلف هذا الكتاب: ص ١١١- ١١٢
[ ٦١ ]
ضرورته، وهو ما يسمى بالتصوف عند جمهور العلماء والباحثين، أو بالإحسان عند بعضهم، أو بعلم السلوك عند بعض آخر كالإمام ابن تيمية رحمه الله تعالى «٢١» .
والاختلاء الذي كان يمارسه ﷺ قبيل بعثته كان واحدة من هذه الوسائل لتحقيق هذه الدوافع نفسها.
بيد أنه لا ينبغي أن يفهم معنى الخلوة كما شذّ البعض ففهموها حسب شذوذهم، وهو الانصراف الكلي عن الناس واتّخاذ الكهوف والجبال موطنا واعتبار ذلك فضيلة بحدّ ذاتها.
فذلك مخالف لهديه ﷺ ولما كان عليه عامة أصحابه. إنما المراد هو استحباب اتخاذ الخلوة دواء لإصلاح الحال كما ذكرنا، والدواء لا ينبغي أن يؤخذ إلا بقدر، وعند اللزوم، وإلّا انقلب إلى داء ينبغي التوقي منه. وإذا رأيت في تراجم الصالحين من استمر على الخلوة والابتعاد عن الناس، فمردّ ذلك إلى حالة خاصة به، وليس عمله حجة على الناس.
بدء الوحي
روى الإمام البخاري عن السيدة عائشة تصف كيفية بدء الوحي وتقول:
«أول ما بدئ به رسول الله ﷺ الرؤيا الصالحة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلّا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء وكان يخلو بغار حراء فيتحنث فيه الليالي ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله ويتزود لذلك ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها، حتى جاءه الحق وهو في غار حراء، فجاءه الملك فقال له اقرأ، فقال ما أنا بقارئ، قال فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثالثة ثم أرسلني فقال: اقرأ باسم ربّك الذي خلق، خلق الإنسان من علق، اقرأ وربّك الأكرم الذي علّم بالقلم، علّم الإنسان ما لم يعلم، فرجع بها رسول الله ﷺ يرجف فؤاده. فدخل على خديجة بنت خويلد ﵂ فقال:
زملوني، زملوني، فزملوه حتى ذهب عنه الروع، فقال لخديجة وأخبرها الخبر: لقد خشيت على نفسي، فقالت خديجة: كلا والله لا يخزيك الله أبدا، إنك لتصل الرحم وتحمل الكل وتكسب المعدوم وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق، فانطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى، وكان ابن عم خديجة، وكان امرأ قد تنصر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العبراني فيكتب من الإنجيل في العبرانية ما شاء الله أن يكتب، وكان شيخا كبيرا قد عمي. فقالت له خديجة: يا ابن عم، اسمع من ابن أخيك، فقال له ورقة: يا ابن أخي ماذا
_________________
(١) انظر الجزء العاشر من فتاوى الشيخ ابن تيمية ﵀، لتجد قيمة التصوف الحقيقي عند هذا الإمام الجليل، ولتعلم كم يفتري عليه أولئك الذين يحاولون ترويج باطلهم عن طريق إلصاقه باسمه.
[ ٦٢ ]
ترى؟ فأخبره رسول الله ﷺ خبر ما رأى، فقال له ورقة: هذا الناموس (أي جبريل أو الوحي) الذي نزل على موسى يا ليتني فيها جذعا (شابا قويا) ليتني أكون حيّا إذ يخرجك قومك. فقال رسول الله ﷺ: أو مخرجيّ هم؟ قال: نعم، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا. ثم لم يلبث ورقة أن توفي وفتر الوحي.
واختلف في الزمن الذي فتر فيه الوحي فقيل ثلاث سنوات، وقيل أقل من ذلك، والراجح ما رواه البيهقي من أن المدة كانت ستة أشهر «٢٢» .
ثم روى البخاري عن جابر بن عبد الله قال وهو يحدث عن فترة الوحي فقال في حديثه:
«بينما أنا أمشي إذ سمعت صوتا من السماء، فرفعت بصري، فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض فرعبت منه، فرجعت فقلت: زملوني، زملوني، فأنزل الله ﷿: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ، قُمْ فَأَنْذِرْ إلى قوله: وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ فحمي الوحي وتواتر» .
العبر والعظات:
حديث بدء الوحي هذا، هو الأساس الذي يترتب عليه جميع حقائق الدين بعقائده وتشريعاته. وفهمه واليقين به هما المدخل الذي لا بدّ منه إلى اليقين بسائر ما جاء به النّبي ﷺ من إخبارات غيبية وأوامر تشريعية ذلك أن حقيقة (الوحي) هي الفيصل الوحيد بين الإنسان الذي يفكر من عنده ويشرع بواسطة رأيه وعقله، والإنسان الذي يبلغ عن ربّه دون أن يغيّر أو ينقص أو يزيد.
من أجل هذا يهتم محترفو التشكيك بالإسلام، بمعالجة موضوع الوحي في حياته ﷺ، ويبذلون جهدا فكريا شاقّا، في تكلّف وتمحل، من أجل التلبيس في حقيقته والخلط بينه وبين الإلهام، وحديث النفس، بل وحتى الصرع أيضا. وذلك لعلمهم بأن موضوع (الوحي) هو منبع يقين المسلمين وإيمانهم بما جاء به محمد ﷺ من عند الله. فلئن أتيح تشكيكهم بحقيقته، أمكن تكفيرهم بكل ما قد يتفرع عنه من عقائد وأحكام، وأمكنهم أن يمهدوا لفكرة أن كل ما دعا إليه محمد ﷺ من المبادئ والأحكام التشريعية ليس إلا من تفكيره الذاتي.
من أجل هذه الغاية، أخذ محترفو الغزو الفكري، يحاولون تأويل ظاهرة الوحي وتحريفها عما يرويه لنا المؤرخون وتحدث به صحاح السّنة الشريفة، وإبعادها عن حقيقتها الظاهرة وراح كل منهم يسلك إلى ذلك ما يروق لخياله من فنون التصورات المتكلفة الغريبة.
فمن متصور بأن محمدا ﵊ لم يزل يفكر.. إلى أن تكونت في نفسه بطريقة
_________________
(١) راجع فتح الباري: ١/ ٢١
[ ٦٣ ]
الكشف التدريجي المستمر عقيدة كان يراها الكفيلة بالقضاء على الوثنية، ومن مفضل على ذلك إشاعة القول بأنه ﷺ إنما تعلم القرآن ومبادئ الإسلام من بحيرا الراهب، ومن قائل بأن الأمر ليس هذا ولا ذاك ولكن محمدا ﷺ كان رجلا عصبيا أو مصابا بداء الصرع «٢٣» .
ونحن حينما ننظر إلى مثل هذه التمحلات العجيبة التي لا يرى العاقل مسوغا لها إلا التهرب من الإقرار بنبوته ﵊، ندرك في جلاء ووضوح الحكمة الإلهية الباهرة من بدء نزول الوحي عليه ﷺ بهذه الطريقة التي استعرضناها الآن، في حديث الإمام البخاري.
لماذا رأى رسول الله جبريل بعيني رأسه لأول مرة، وقد كان بالإمكان أن يكون الوحي من وراء حجاب؟
لماذا قذف الله في قلبه ﵊ الرعب منه والحيرة في فهم حقيقته، وقد كان ظاهر محبة الله لرسوله وحفظه له يقتضي أن يلقي السكينة في قلبه ويربط على فؤاده فلا يخاف ولا يرتعد؟ لماذا خشي على نفسه أن يكون هذا الذي تمثل له في الغار أتيا من الجن، ولم يرجح على ذلك أن يكون ملكا أمينا من عند الله؟
لماذا انفصل الوحي عنه بعد ذلك مدة طويلة، وجزع النّبي ﷺ بسبب ذلك جزعا عظيما حتى إنه كان يحاول- كما يروي الإمام البخاري- أن يتردى من شواهق الجبال؟
هذه أسئلة طبيعية بالنسبة للشكل الذي ابتدأ به الوحي، ولدى التفكير في أجوبتها نجدها تنطوي على حكمة باهرة، ألا وهي أن يجد المفكر الحر فيها الحقيقة الناصعة الواقية عن الوقوع في شرك محترفي الغزو الفكري والتأثر بأخيلتهم المتكلفة الباطلة.
لقد فوجئ محمد ﵊ وهو في غار حراء بجبريل أمامه يراه بعينه، وهو يقول له اقرأ، حتى يتبين أن ظاهرة الوحي ليست أمرا ذاتيا داخليا مردّه إلى حديث النفس المجرد، وإنما هي استقبال وتلقّ لحقيقة خارجية لا علاقة لها بالنفس وداخل الذات. وضمّ الملك إياه ثم إرساله ثلاث مرات قائلا في كل مرة: اقرأ، يعتبر تأكيدا لهذا التلقّي الخارجي ومبالغة في نفي ما قد يتصوّر، من أن الأمر لا يعدو كونه خيالا داخليا فقط.
ولقد داخله الخوف والرعب مما سمع ورأى، حتى إنه قطع خلوته في الغار وأسرع عائدا إلى البيت يرجف فؤاده، لكي يتضح لكل مفكر عاقل أن رسول الله ﷺ لم يكن متشوفا للرسالة التي سيدعى إلى حملها وبثّها في العالم، وأن ظاهرة الوحي هذه لم تأت منسجمة أو متممة لشيء مما قد يتصوره أو يخطر في باله، وإنما طرأت طروءا مثيرا على حياته، وفوجئ بها دون أي توقع
_________________
(١) راجع حاضر العالم الإسلامي: ١/ ٣٨ و٣٩
[ ٦٤ ]
سابق. ولا شك أن هذا ليس شأن من يتدرج في التأمل والتفكير إلى أن تتكون في نفسه- بطريقة الكشف التدريجي المستمر- عقيدة يؤمن بالدعوة إليها! ..
ثم إن شيئا من حالات الإلهام أو حديث النفس أو الإشراق الروحي أو التأملات العلوية، لا يستدعي الخوف والرعب وامتقاع اللون. وليس ثمة أي انسجام بين التدرج في التفكير والتأمل من ناحية، ومفاجأة الخوف والرعب من ناحية أخرى. وإلا لاقتضى ذلك أن يعيش عامة المفكرين والمتأملين نهبا لدفعات من الرعب والخوف المفاجئة المتلاحقة.
وأنت خبير أن الخوف والرعب ورجفان الجسم وتغير اللون- كل ذلك من الانفعالات القسرية التي لا سبيل إلى اصطناعها والتمثيل بها- حتى لو فرضنا إمكان صدور المخادعة والتمثيل منه ﵊، وفرضنا المستحيل من انقلاب طباعه المعروفة قبل البعثة إلى عكس ذلك.
ويتجلى مزيد من صورة المفاجأة المخيفة لديه ﷺ، في توهمه بأن هذا الذي رآه وغطّه وكلّمه في الغار قد يكون أتيّا من الجن، إذ قال لخديجة بعد أن أخبرها الخبر: «لقد خشيت على نفسي» أي من الجانّ. ولكنها طمأنته بأنه ليس ممن يطولهم أذى الشياطين والجان لما فيه من الأخلاق الفاضلة والصفات الحميدة.
وقد كان الله ﷿ قادرا أن يربط على قلب رسوله ويطمئن نفسه بأن هذا الذي كلّمه ليس إلا جبريل: ملك من ملائكة الله جاء ليخبره أنه رسول الله إلى الناس، ولكن الحكمة الإلهية اقتضت إظهار الانفصال التام بين شخصية محمد ﷺ قبل البعثة وشخصيته بعدها، وبيان أن شيئا من أركان العقيدة الإسلامية أو التشريع الإسلامي لم يطبخ في ذهن الرسول ﵊ سابقا ولم يتصور الدعوة إليه سلفا.
ثم إن فيما ألهم الله خديجة من الذهاب به ﵊ إلى ورقة بن نوفل، وعرض الأمر عليه تأكيدا من جانب آخر بأن هذا الذي فوجئ به ﵊ إنما هو الوحي الإلهي الذي كان قد أنزل على الأنبياء من قبله، وإزالة لغاشية اللبس التي كانت تحوم حول نفسه بالخوف والتصورات المختلفة عن تفسير ما رآه وسمعه.
أما انقطاع الوحي بعد ذلك، وتلبّثه ستة أشهر أو أكثر، على الخلاف المعروف فيه، فينطوي على مثل المعجزة الإلهية الرائعة. إذ في ذلك أبلغ الرّد على ما يفسر به محترفو الغزو الفكري الوحي النّبوي من أنه الإشراق النفسي المنبعث لديه من طول التأمل والتكرار، وأنه أمر داخلي منبعث من ذاته نفسها.
لقد قضت الحكمة الإلهية أن يحتجب عنه الملك الذي رآه لأول مرة في غار حراء، مدة طويلة، وأن يستبدّ به القلق من أجل ذلك، ثم يتحول القلق لديه إلى خوف في نفسه من أن
[ ٦٥ ]
يكون الله ﷿ قد قلاه بعد أن أراد أن يشرّفه بالوحي والرسالة، لسوء قد صدر منه، حتى لقد ضاقت الدنيا عليه وراحت تحدثه نفسه، كلما وصل إلى ذروة جبل، أن يلقي بنفسه منها! ..
إلى أن رأى ذات يوم الملك الذي رآه في حراء، وقد ملأ شكله ما بين السماء والأرض يقول:
«يا محمد أنت رسول الله إلى الناس» . فعاد مرة أخرى وقد استبدّ به الخوف والرعب إلى البيت، حيث نزل عليه قوله تعالى: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ. قُمْ فَأَنْذِرْ.. [المدثر ٧٤/ ١- ٢] .
إن هذه الحالة التي مرّ بها رسول الله ﷺ، تجعل مجرّد التفكير في كون الوحي إلهاما نفسيا، ضربا من الجنون، إذ من البداهة بمكان أن صاحب الإلهامات النفسية والتأملات الفكرية لا يمر إلهامه أو تأمله بمثل هذه الأحوال.
إذن فإن حديث بدء الوحي على النحو الذي ورد في الحديث الثابت الصحيح، ينطوي على تهديم كل ما يحاول المشككون تخييله إلى الناس في أمر الوحي والنبوة التي أكرم الله بها محمدا ﵊. وإذا تبين لك ذلك أدركت مدى الحكمة الإلهية العظيمة في أن تكون بداءة الوحي على النحو الذي أراده ﷿.
وربما عاد بعد ذلك محترفو التشكيك، يسألون: فلماذا كان ينزل عليه ﷺ الوحي بعد ذلك وهو بين الكثير من أصحابه فلا يرى الملك أحد منهم سواه؟
والجواب: أنه ليس من شرط وجود الموجودات أن ترى بالأبصار، إذ إن وسيلة الإبصار فينا محدودة بحدّ معين، وإلّا لاقتضى ذلك أن يصبح الشيء معدوما إذا ابتعد عن البصر بعدا يمنع من رؤيته. على أن من اليسير على الله ﷻ- وهو الخالق لهذه العيون المبصرة- أن يزيد في قوة ما شاء منها فيرى ما لا تراه العيون الأخرى، يقول مالك بن نبي في هذا الصدد:
«إن عمى الألوان مثلا يقدم لنا حالة نموذجية، لا يمكن أن ترى فيها بعض الألوان بالنسبة لكل العيون، وهنا لك أيضا مجموعة من الإشعاعات الضوئية دون الضوء الأحمر وفوق الضوء البنفسجي لا تراها أعيننا، ولا شيء يثبت علميا أنها كذلك بالنسبة لجميع العيون، فقد توجد عيون يمكن أن تكون أقل أو أكثر حساسية» «٢٤» .
ثم إن استمرار الوحي بعد ذلك يحمل الدلالة نفسها على حقيقة الوحي وأنه ليس كما أراد المشككون: ظاهرة نفسية محضة. ونستطيع أن نجمل هذه الدلالة فيما يلي:
١- التمييز الواضح بين القرآن والحديث، إذ كان يأمر بتسجيل الأول فورا، على حين يكتفي بأن يستودع الثاني ذاكرة أصحابه، لا لأن الحديث كلام من عنده لا علاقة للنّبوة به، بل لأن القرآن موحى به إليه بنفس اللفظ والحروف بواسطة جبريل ﵇. أما الحديث فمعناه
_________________
(١) الظاهرة القرآنية: ١٢٧
[ ٦٦ ]
وحي من الله ﷿، ولكن لفظه وتركيبه من عنده ﵊، فكان يحاذر أن يختلط كلام الله ﷿ الذي يتلقاه من جبريل بكلامه هو.
٢- كان النّبي ﷺ يسأل عن بعض الأمور، فلا يجيب عليها، وربّما مرّ على سكوته زمن طويل، حتى إذا نزلت آية من القرآن في شأن ذلك السؤال، طلب السائل وتلا عليه ما نزل من القرآن في شأن سؤاله. وربما تصرف الرسول في بعض الأمور على وجه معين، فتنزل آيات من القرآن تصرفه عن ذلك الوجه، وربما انطوت على عتب أو لوم له.
٣- كان رسول الله ﷺ أميّا.. وليس من الممكن أن يعلم إنسان بواسطة المكاشفة النفسية حقائق تاريخية، كقصة يوسف.. وأم موسى حينما ألقت وليدها في اليمّ.. وقصة فرعون.. ولقد كان هذا من جملة الحكم في كونه ﷺ أميّا: وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتابَ الْمُبْطِلُونَ [العنكبوت ٢٩/ ٤٨] .
٤- إن صدق النّبي ﷺ أربعين سنة مع قومه واشتهاره فيهم بذلك، يستدعي أن يكون ﷺ، من قبل ذلك، صادقا مع نفسه، ولذا فلا بدّ أن يكون قد قضى في دراسته لظاهرة الوحي على أي شك يخايل لعينيه أو فكره.
وكأن هذه الآية جاءت ردّا لدراسته الأولى لشأن نفسه مع الوحي: فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ. لَقَدْ جاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ [يونس ١٠/ ٩٤] .
ولذا روي أن النّبي ﷺ قال بعد نزول هذه الآية: «لا أشك ولا أسأل» «٢٥» .
_________________
(١) رواه ابن كثير عن قتادة.
[ ٦٧ ]