صلح الحديبية
كان في شهر ذي القعدة، آخر سنة ست للهجرة.
وسببها أنّ النّبي ﷺ أعلن في المسلمين أنه متوجّه إلى مكة معتمرا، فتبعه جمع كبير من المهاجرين والأنصار بلغ عددهم ألفا وأربع مئة تقريبا. وأحرم ﷺ بالعمرة في الطريق، وساق معه الهدي ليأمن الناس من حربه وليعلموا أنه إنما خرج زائرا البيت ومعظما له.
وأرسل ﷺ وهو عند ذي الحليفة عينا له من قبيلة خزاعة اسمه بشر بن سفيان ليأتيه بخبر أهل مكة، وسار النبي ﷺ حتى وصل إلى غدير الأشطاط، فأتاه العين الذي كان قد أرسله، فقال له: «إن قريشا جمعت لك جموعا، وقد جمعوا لك الأحابيش، وهم مقاتلوك وصادّوك عن البيت ومانعوك، فقال: أشيروا أيها الناس.. فقال له أبو بكر: يا رسول الله، خرجت عامدا لهذا البيت لا تريد قتل أحد ولا حرب أحد، فتوجه له، فمن صدّنا عنه قاتلناه. قال: امضوا على اسم الله.
ثم قال: من رجل يخرج بنا على طريق غير طريقهم التي هم بها؟ فقال له رجل من بني أسلم: أنا يا رسول الله. فسلك بهم طريقا وعرا بين الشعاب، وسار النّبي ﷺ وأصحابه حتى إذا كانوا في ثنية المرار (وهي طريق في الجبل تشرف على الحديبية) بركت به راحلته، فقال الناس:
حل، حل (اسم صوت كانوا يزجرون به الجمال) فلم تتحرك، فقالوا: خلأت القصواء، فقال ﷺ: ما خلأت، وما ذاك لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل، ثم قال: والذي نفسي بيده، لا يسألونني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها، ثم زجرها فوثبت، فعدل حتى نزل بأقصى الحديبية على حفيرة قليلة الماء، فلم يلبث الناس حتى نزحوه، وشكوا إلى رسول الله ﷺ العطش، فانتزع سهما من كنانته ثم أمرهم أن يجعلوه فيه، فو الله ما زال يجيش لهم
[ ٢٣٠ ]
بالريّ حتى صدروا عنه «١»، فبيما هم كذلك إذ جاء بديل بن ورقاء الخزاعي في نفر معه، فقال:
إني تركت كعب بن لؤي وعامر بن لؤي نزلوا مياه الحديبية، ومعهم العوذ المطافيل «٢»، وهم مقاتلوك وصادّوك عن البيت، فقال رسول الله ﷺ: إنا لم نجئ لقتال أحد، ولكن جئنا معتمرين، وإن قريشا قد نهكتهم الحرب وأضرّت بهم، فإن شاؤوا ماددتهم مدة ويخلّوا بيني وبين الناس، فإن أظهر فإن شاؤوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا وإلا فقد جمّوا (أي استراحوا)، وإن هم أبوا فو الذي نفسي بيده لأقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي، ولينفذن الله أمره. فقال بديل: سأبلغهم ما تقول. فانطلق بديل فحدّث قريشا بما سمعه من رسول الله ﷺ. فقام عروة بن مسعود يعرض على المشركين أن يأتي النّبي ﷺ فيكلمه في تفصيل ما جاءهم به بديل بن ورقاء. فقالوا له دونك فاذهب.
فذهب، فكلّمه النّبي ﷺ بمثل ما كلّم به بديلا، فقال له عروة: أرأيت إن استأصلت أمر قومك هل سمعت بأحد من العرب اجتاح أهله قبلك، وإن تكن الأخرى، فإني والله لا أرى وجوها، وإني لأرى أشوابا من الناس (أي أخلاطا منهم) خليقا أن يفرّوا ويدعوك. فقال له أبو بكر ﵁: امصص بظر اللات أنحن نفرّ عنه وندعه! ..
فالتفت قائلا: من ذا؟ قالوا: أبو بكر. فقال: أما إنه لولا يد كانت لك عندي لم أجزك بها، لأجبتك «٣» . ثم جعل يكلّم النّبي ﷺ فكلما تكلّم أخذ بلحيته، والمغيرة بن شعبة قائم على رأس النّبي ﷺ ومعه السيف وعليه المغفر، فكلما أهوى عروة بيده إلى لحية النّبي ﷺ، ضرب يده بنعل السيف، وقال له أخّر يدك عن لحية رسول الله ﷺ. فرفع عروة رأسه فقال: من هذا؟ قال: المغيرة بن شعبة، فقال: أي غدر وهل غسلت سوأتك إلا بالأمس «٤»؟
ثم إن عروة جعل يرمق أصحاب النّبي ﷺ بعينيه، قال: فو الله ما تنخّم رسول الله ﷺ نخامة إلا وقعت في كفّ رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلموا خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدّون إليه النظر تعظيما له.
فرجع عروة إلى أصحابه فقال: أي قوم والله لقد وفدت على الملوك ووفدت على قيصر
_________________
(١) هذه من رواية البخاري في كتاب الشرط وابن إسحاق وغيرهما. وقد ذكر البخاري في كتاب المغازي هذا الحديث. وقال: إنه جلس على البئر ثم دعا بإناء فمضمض ودعا الله ثم صبّه فيها. ثم قال دعوها ساعة، ثم إنهم ارتووا بعد ذلك. قال الحافظ ابن حجر في الفتح: ويمكن الجمع بينهما بأن يكون الأمران واقعين معا. وأما حديث أنه ﷺ وضع يده في ركوة ماء فجعل الماء يفور من بين أصابعه فتلك واقعة أخرى غير هذه. وكل ذلك ثابت صحيح.
(٢) العوذ جمع عائذ، وهي الناقة ذات اللبن والمطافيل الأمهات من النوق إذا كان معها أطفالها. يريد أنهم خرجوا بكل ما يحتاجون حتى لا يرجعوا إلا بعد أن يمنعوا المسلمين من دخول مكة.
(٣) اليد النعمة، واليد التي يقصدها عروة، أن عروة كانت تحمل دية فأعانه أبو بكر فيها بعون حسن.
(٤) أراد عروة بذلك أن المغيرة بن شعبة قتل قبل إسلامه ثلاثة عشر رجلا فودى له عروة المقتولين.
[ ٢٣١ ]
وكسرى والنجاشي، والله إن رأيت ملكا قط يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد ﷺ محمدا! ..
وإنه قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها.
ثم إنهم أرسلوا إليه سهيل بن عمرو ممثلا عنهم ليكتب بينهم وبين المسلمين كتابا بالصلح، فلما جلس إلى رسول الله ﷺ قال: هات أكتب بيننا وبينكم كتابا. فدعا النّبي ﷺ الكاتب (وكان الكاتب عليا ﵁- فيما رواه مسلم) فقال النّبي ﷺ: أكتب «بسم الله الرحمن الرحيم» فقال سهيل: أما «الرحمن» فو الله ما أدري ما هي، ولكن أكتب باسمك اللهم، فقال المسلمون:
والله لا نكتب إلا بسم الله الرحمن الرحيم، فقال النّبي ﷺ: أكتب باسمك اللهم. ثم قال: هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله. فقال سهيل: والله لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك، ولكن اكتب «محمد بن عبد الله»، فقال رسول الله ﷺ: والله إني لرسول الله وإن كذبتموني! .. اكتب محمد بن عبد الله. (وفي رواية مسلم: فأمر عليا أن يمحوها، فقال عليّ لا والله لا أمحوها، فقال رسول الله ﷺ: أرني مكانها، فأراه مكانها فمحاها)، فقال له النّبي ﷺ: على أن تخلّوا بيننا وبين البيت فنطوف به. فقال سهيل: والله، لا تتحدث العرب أنا أخذنا ضغطة، ولكن ذلك من العام القادم وليس مع المسلمين إلا السيوف في قرابها. فكتب.
فقال سهيل: وعلى أن لا يأتيك منا رجل وإن كان على دينك إلا رددته إلينا، ومن جاء منكم لم نرده عليكم، فقال المسلمون: سبحان الله، كيف يردّ إلى المشركين وقد جاء مسلما؟! (والتفتوا إلى رسول الله ﷺ يسألونه: أنكتب هذا يا رسول الله؟! قال: نعم، إنه من ذهب منا إليهم فأبعده الله، ومن جاءنا منهم فسيجعل الله له فرجا ومخرجا) «٥» .
وكانت مدة الصلح بناء على هذه الشروط- على ما رواه ابن إسحاق وابن سعد والحاكم- عشر سنين لا إسلال فيها ولا إغلال (أي لا سرقة ولا خيانة) وأنه من أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه. فتواثبت خزاعة فقالوا: «نحن في عقد محمد وعهده» . وتواثبت بنو بكر فقالوا: «نحن في عقد قريش وعهدهم» .
ولما فرغ من الصلح والكتابة، أشهد على الكتاب رجالا من المسلمين ورجالا من المشركين.
وفي الصحيحين أن عمر بن الخطاب قال: «فأتيت نبي الله ﷺ، فقلت ألست نبي الله حقا؟ قال: بلى، قلت: ألست على حق وعدونا على باطل؟ قال: بلى، قلت: أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار؟ قال: بلى، قلت: فلماذا نعطي الدنيّة في ديننا إذن؟ قال: إني رسول الله ولست أعصيه وهو ناصري. قلت: أولست كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوف به؟
قال: بلى، أفأخبرتك أنك تأتيه عامك هذا؟ قلت: لا، قال: فإنك آتيه ومطوف به. فلم
_________________
(١) ما بين القوسين تفصيل لرواية مسلم. والحديث بطوله من لفظ البخاري مع زيادات لمسلم.
[ ٢٣٢ ]
يصبر عمر حتى أتى أبا بكر ﵁ فسأله مثل ما سأل النّبي ﷺ، فقال له يا ابن الخطاب، إنه رسول الله ولن يعصي ربّه ولن يضيّعه الله أبدا. فما هو إلا أن نزلت سورة الفتح على رسول الله ﷺ، فأرسل إلى عمر فأقرأه إياها. فقال: يا رسول الله، أو فتح هو؟! .. قال: نعم، فطابت نفسه» «٦» .
ثم إن النّبي ﷺ أقبل على أصحابه فقال لهم: «قوموا فانحروا ثم احلقوا- وكرر ذلك ثلاثا- فوجم جميعهم وما قام منهم أحد، فدخل على زوجته أم سلمة، وذكر لها ما لقي من الناس، فقالت له: يا رسول الله أتحب ذلك؟ اخرج لا تكلم أحدا منهم كلمة حتى تنحر بدنك وتدعو حالقك فيحلقك. فخرج فلم يكلم أحدا منهم حتى فعل ذلك: نحر بدنه، ودعا حالقه فحلقه، فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا وجعل بعضهم يحلق بعضا، حتى كاد بعضهم يقتل الآخر لفرط الغم.
ثم جاء نسوة مؤمنات (بعد انصرافه إلى المدينة) مهاجرات بدينهن، بينهن أم كلثوم بنت عقبة، فأنزل الله تعالى قوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ، فَامْتَحِنُوهُنَّ، اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ، وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ [الممتحنة ٦٠/ ١٢] . فأبى رسول الله ﷺ أن يردهنّ بدينهن إلى الكفار» «٧» .
بيعة الرضوان
وكان قد أرسل النّبي ﷺ عثمان بن عفان ﵁ إلى قريش قبل كتابة الصلح ليكلمهم في الأمر، فاحتبسته قريش عندها مدة، وبلغ رسول الله ﷺ إذ ذاك أن عثمان بن عفان قد قتل، فقال لا نبرح حتى نناجز القوم، فدعا رسول الله ﷺ إلى البيعة، فكانت بيعة الرضوان تحت شجرة هنا لك.
فكان ﷺ يأخذ بيد أصحابه الواحد منهم تلو الآخر يبايعونه على أن لا يفرّوا. وأخذ رسول الله ﷺ بيد نفسه، وقال: «هذه عن عثمان» .
ولما تّمت البيعة، انتهى إلى رسول الله ﷺ أن الذي بلغه من مقتل عثمان باطل.
العبر والعظات:
كلمة وجيزة عن حكمة هذا الصلح:
قبل أن نخوض في تفصيل ما ينبغي أن نقف عليه من دروس صلح الحديبية وعظاتها وأحكامها، نقول في كلمة وجيزة: إن أمر هذا الصلح كان مظهرا لتدبير إلهي محض تجلى فيه عمل النبوة وأثرها كما لم يتجلّ في أي عمل أو تدبير آخر. فقد كان نجاحه سرّا مرتبطا بمكنون الغيب
_________________
(١) متفق عليه.
(٢) صحيح البخاري.
[ ٢٣٣ ]
المطوي في علم الله وحده، ولذلك انتزع- كما قد رأيت- دهشة المسلمين أكثر مما اعتمد على فكرهم وتدبيرهم. ومن هنا، فإنّا نعتبر أمر هذا الصلح، بمقدماته ومضمونه ونتائجه، من الأسس الهامة في تقويم العقيدة الإسلامية وتثبيتها.
ولنتحدث أولا عن طرف من الحكم الإلهية العظيمة التي تضمنها هذا الصلح، والتي تجلت للعيان فيما بعد، حتى أضحت آية من آيات الله الباهرة، ثم نتحدث بعد ذلك عن الأحكام الشرعية التي تضمنتها وقائع هذا الصلح.
فمن الحكم الباهرة، أن صلح الحديبية كان مقدمة بين يدي فتح مكة. فقد كانت هذه الهدنة- كما يقول ابن القيّم- بابا له ومفتاحا. وتلك هي عادة الله ﷾، يوطّئ بين يدي الأمور التي تعلقت إرادته بإنجازها، مقدمات تؤذن بها وتدل عليها.
ولئن، لم يكن المسلمون قد تنبهوا لهذا في حينه، فذلك لأن المستقبل غائب عنهم، فأنّى لهم أن يفهموا علاقة الواقع الذي رأوه بالغيب الذي لم يتصوروه بعد؟
ولكن ما إن مضت فترة من الزمن، حتى أخذ المسلمون يستشفّون أهمية هذه الهدنة وعظيم ما قد انطوت عليه من خير. فإن الناس أمن بعضهم بعضا، واختلط المسلمون بالكفار ونادوهم بالدعوة، وأسمعوهم القرآن، وناظروهم على الإسلام جهرة آمنين، وظهر من كان متخفيا بالإسلام.
روى ابن هشام عن ابن إسحاق عن الزهري قال: «ما فتح في الإسلام فتح قبله كان أعظم منه (أي من صلح الحديبية) إنما كان القتال حيث التقى الناس، فلما كانت الهدنة ووضعت الحرب، وأمن الناس بعضهم بعضا، والتقوا فتفاوضوا في الحديث والمنازعة، فلم يكلّم أحد بالإسلام يعقل شيئا إلا دخل فيه، ولقد دخل في تينك السنتين مثل من كان في الإسلام قبل ذلك أو أكثر» .
ولذلك أطلق القرآن اسم الفتح على هذا الصلح، وذلك في قوله تعالى: لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ، لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخافُونَ، فَعَلِمَ ما لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا [الفتح ٤٨/ ٢٧] .
ومن الحكم الجليلة أيضا، أن الله ﷻ أراد بذلك أن يبرز الفرق واضحا بين وحي النّبوة وتدبير الفكر البشري، بين توفيق النّبي المرسل وتصرّف العبقري المفكّر، بين الإلهام الإلهي الذي يأتي من فوق دنيا الأسباب ومظاهرها، والانسياق وراء إشارة هذه الأسباب وحكمها. أراد الله ﷿ أن ينصر نبوة نبيّه محمد ﷺ أمام بصيرة كل متأمل عاقل، ولعل هذا من بعض تفسير قوله تعالى: وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا، أي نصرا فريدا في بابه، من شأنه أن ينبّه الأفكار السادرة والعقول الغافلة.
[ ٢٣٤ ]
فمن هنا أعطى المشركين كل ما سألوه من الشروط، وتساهل معهم في أمور لم يجد أحد من الصحابة ما يسوّغ التساهل فيها، ولقد رأيت كيف استبدّ الضيق والقلق بعمر بن الخطاب ﵁، حتى إنه قال عن نفسه فيما بعد- فيما رواه أحمد وغيره-: ما زلت أصوم وأصلي وأتصدق وأعتق من الذي صنعت مخافة كلامي الذي تكلمت به يومئذ، ولقد رأيت كيف ساد الوجوم القوم حينما أمرهم الرسول ﷺ بالحلق والنحر، ليعودوا إلى المدينة، رغم أنه كرر عليهم الأمر ثلاث مرات، لقد كان السّر في ذلك أن الصحابة ﵃ إنما كانوا يتأملون في تصرفات النّبي ﷺ، وهم يقفون على أرض من البشرية العادية، فلا يتبصرونها إلا بمقدار ولا يفهمون منها إلا ما تفهمه عقولهم البشرية القائمة على الخبرات المحسوسة، على حين كان النّبي ﷺ واقفا من تصرفاته هذه فوق مستوى البشرية وخبراتها وأسبابها، كانت النّبوة المطلقة هي التي توجهه وتلهمه وتوحي إليه، وكان تنفيذ الأمر الإلهي هو وحده الماثل أمام عينيه.
يتضح لك هذا من جوابه لعمر بن الخطاب حينما أقبل إليه سائلا ومتعجبا، بل وربما مستنكرا. فقد قال له: إني رسول الله ولست أعصيه وهو ناصري. ويتضح لك هذا أيضا من وصية النّبي ﷺ، لعثمان حينما أرسله إلى مكة ليكلم قريشا فيما جاء له النّبي ﷺ، فقد أمره أيضا أن يأتي رجالا بمكة مؤمنين ونساء مؤمنات، فيدخل عليهم ويبشرهم بالفتح ويخبرهم أن الله ﷿ مظهر دينه بمكة، حتى لا يستخفى فيها بالإيمان.
فلا غرو أن يدهش المسلمون لموقف رسول الله ﷺ الذي تمحض عن المفاهيم البشرية ومقاييسها في تلك الآونة. ولكن سرعان ما انتهت الدهشة وزال الغم واتضح المبهم، حينما تلا رسول الله ﷺ عليهم سورة الفتح التي تنزلت عليه عقب الفراغ من أمر الصلح. وتجلى للصحابة ﵃ أن احتمالهم لتلك الشروط كان عين النصر لهم، وأن المشركين ذلّوا من حيث تأملوا العزّ، وقهروا من حيث أظهروا القدرة والغلبة. وظهر من وراء ذلك كله النصر العظيم لرسوله والمؤمنين دون أن يكون في ذلك أي اقتراح للعقول والأفكار.
فهل في أدلة العقيدة دليل على نبوة محمد ﷺ أبلغ من هذا الدليل وأظهر؟ ..
ولقد تضايق المسلمون بادئ الأمر من موافقة النّبي ﷺ على الشرط الذي أملاه سهيل بن عمرو: «من أتى محمدا من قريش بغير إذن وليّه ردّه عليهم، ومن جاء قريشا ممن مع محمد لم يردّ عليه» . وازداد ضيقهم لما أقبل أبو جندل (ابن سهيل بن عمرو) فارّا من المشركين يرسف في الحديد، فقام إليه أبوه آخذا بتلابيبه وهو يقول: «يا محمد، قد لجت القضية بيني وبينك قبل أن يأتيك هذا، قال صدقت، فجعل ينتره ويجرّه ليردّه إلى قريش، وأبو جندل يصرخ بأعلى صوته يا معشر المسلمين أأردّ إلى المشركين يفتنوني في ديني؟ فقال رسول الله ﷺ: يا أبا جندل، اصبر
[ ٢٣٥ ]
واحتسب فإن الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجا ومخرجا، إنا أعطينا القوم عهودا، وإنا لا نغدر بهم» .
ولقد أخذ الصحابة ينظرون إلى هذا الأمر، وقد داخلهم من ذلك همّ عظيم.
ولكن، فما الذي تمّ بعد ذلك؟ .. «لقد جاء إلى النّبي ﷺ بعد ذهابه إلى المدينة رجل آخر قد أسلم من قريش اسمه: أبو بصير، فأرسلوا في طلبه رجلين من المشركين ليستردّوه، فسلّمه الرسول ﷺ إليهما، فخرجا به حتى بلغا ذا الحليفة، فغافل أبو بصير أحد حارسيه وأخذ منه سيفه فقتله، ففرّ الآخر. ثم عاد أبو بصير إلى رسول الله ﷺ فقال له: يا نبي الله، قد والله أوفى الله ذمّتك، قد رددتني إليهم فأنجاني الله منهم، ثم إنه خرج حتى أتى سيف البحر، وتفلت أبو جندل، فلحق به هناك، وأصبح ذلك المكان مثابة للمسلمين من أهل مكة، فلا يخرج من قريش رجل قد أسلم إلا لحق بأبي بصير وإخوانه، فما كانوا يسمعون بعير لقريش خرجت إلى الشام إلا اعترضوا لها فقتلوا المشركين وأخذوا أموالهم. فأرسلت قريش إلى رسول الله ﷺ تناشده الله والرحم أن يقبلهم عنده ويضمهم إليه، فجاؤوا إلى المدينة» «٨» .
ولما كان فتح مكة، كان أبو جندل هذا، هو الذي استأمن لأبيه وعاش ﵁ حتى استشهد في وقعة اليمامة «٩» .
وهكذا صحا أصحاب النّبي ﷺ من همهم ذاك، على مزيد من الإيمان بالحكمة الإلهية ونبوة محمد ﷺ، روي في الصحيح أن سهيل بن سعيد ﵁ قال يوم صفين: «أيها الناس، اتهموا رأيكم، لقد رأيتني يوم أبي جندل، ولو أستطيع أن أرد أمر رسول الله ﷺ لرددته!» .
ومرة أخرى نكرر ونقول: هل في أدلة العقيدة دليل على نبوة محمد ﷺ أبلغ من هذا الدليل وأظهر؟
ومن الحكم الجليلة أيضا، أن الله جلّت قدرته إنما أراد أن يجعل فتح مكة لنبيّه فتح مرحمة وسلم، لا فتح ملحمة وقتال، فتحا يتسارع الناس فيه إلى دين الله أفواجا، ويقبل فيه أولئك الذين آذوه وأخرجوه، يلقون إليه السلم ويخضعون له الجانب مؤمنين آيبين موحدين. فجعل من دون ذلك هذا التمهيد، تؤوب فيه قريش إلى صحوها وتحاسب فيها نفسها وضميرها، وتشترك هي الأخرى مع أصحاب رسول الله ﷺ في أخذ العبرة من أمر هذا الصلح ومقدماته ونتائجه، فتنضج الآراء في الرؤوس وتتهيأ لقبول الحق الذي لا ثاني له.
وهكذا كان الأمر، كما ستعلم تفصيله في مكانه إن شاء الله تعالى.
_________________
(١) من تتمة حديث البخاري السابق ذكره.
(٢) راجع الإصابة: ٤/ ٢٤
[ ٢٣٦ ]
الأحكام المتعلقة بذلك:
هذا عن بعض الحكم الإلهية المتعلقة بأمر صلح الحديبية، أما ما يتعلق بذلك من الدلالات والأحكام فإنه لكثير، وسنقتصر من ذلك على ما يلي:
أولا: (الاستعانة بغير المسلمين فيما دون القتال)، قلنا إن النّبي ﷺ أرسل بشر بن سفيان عينا إلى قريش ليأتيه بأخبارهم. وبشر بن سفيان كان مشركا من قبيلة خزاعة. وفي هذا تأكيد لما كنا قد ذكرناه سابقا من أن أمر الاستعانة بغير المسلم يتبع الظرف وحالة الشخص الذي يستعان به. فإن كان ممن يطمأنّ إليه ولا تخشى منه بادرة غدر أو خديعة، جازت وإلا فلا. وعلى كل فإن النّبي ﷺ، في كل الحالات، إنما استعان بغير المسلمين بما دون القتال، كإرساله عينا على الأعداء أو استعارة أسلحة منهم وما شابه ذلك. والذي يبدو أن الاستعانة بغير المسلمين في القضايا السلمية أشبه بالجواز منها في أعمال القتال والحرب.
ثانيا: (طبيعة الشورى في الإسلام)، لقد رأينا في عامة تصرفات الرسول ﷺ ما يدل على مشروعية الشورى وضرورة تمسك الحاكم بها، وعمل النّبي ﷺ هنا، يدل على طبيعة هذه الشورى والمعنى الذي شرعت من أجله، فالشورى في الشريعة الإسلامية مشروعة ولكنها ليست ملزمة، وإنما الحكمة منها استخراج وجوه الرأي عند المسلمين، والبحث عن مصلحة قد يختص بعلمها بعضهم دون بعض، أو استطابة نفوسهم. فإذا وجد الحاكم في آرائهم ما سكنت نفسه إليه على ضوء دلائل الشريعة الإسلامية وأحكامها، أخذ به، وإلا كان له أن يأخذ بما شاء بشرط أن لا يخالف نصّا في كتاب ولا سنّة ولا إجماعا للمسلمين.
ولقد وجدنا أن النّبي ﷺ استشار أصحابه في الحديبية، وأشار عليه أبو بكر بما قد علمت، قال له: «إنك يا رسول الله خرجت عامدا لهذا البيت، فتوجه له، فمن صدّنا عنه قاتلناه» .
ولقد وافقه النّبي ﷺ في بادئ الأمر، ومضى مع أصحابه متجها إلى مكة حتى إذا بركت الناقة، وعلم أنها ممنوعة.. ترك الرأي الذي كان قد أشير به عليه، وأعلن قائلا: «والذي نفسي بيده لا يسألونني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها» . وحينئذ تحول العمل عن ذلك الرأي الذي أبداه أبو بكر، إلى أمر الصلح والموافقة على شروط المشركين، دون أن يستشير في ذلك أحدا، بل ودون أن يصيخ إلى استعظام واستنكار المستنكرين كما قد رأيت.
فهذا يعني أن أمر الشورى يأتي من وراء حكم الوحي الذي هو اليوم: الكتاب والسّنة وإجماع الأئمة، رضوان الله عليهم، كما يدلّ أيضا على أن الشورى إنما شرعت للتبصر بها، لا للإلزام أو التصويت على أساسها.
ثالثا: (التوسل والتبرك بآثار النّبي ﷺ)، قلنا، إن عروة بن مسعود، جعل يرمق
[ ٢٣٧ ]
أصحاب النّبي ﷺ بعينيه، قال: «فو الله ما تنخّم رسول الله ﷺ نخامة إلا وقعت في كفّ رجل منهم فذلك بها وجهه وجلده. وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلموا خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدّون النظر إليه تعظيما له» .
إنها صورة بارزة حيّة، أوضحها عروة بن مسعود لمدى محبة أصحاب رسول الله ﷺ له.
وإن فيها لدلالات هامة يجب أن يقف عليها كل مسلم.
إنها تدل أولا، على أنه لا إيمان برسول الله ﷺ بدون محبة له، وليست المحبة له معنى عقلانيا مجردا، وإنما هي الأثر الذي يستحوذ على القلب فيطبع صاحبه بمثل الطابع الذي وصف به عروة بن مسعود أصحاب رسول الله ﷺ.
وهي تدل ثانيا، على أن التّبرك بآثار رسول الله ﷺ أمر مندوب إليه ومشروع. ولقد وردت أحاديث صحيحة ثابتة عن تبرّك الصحابة ﵃ بشعر النّبي ﷺ، وعرقه، ووضوئه، وبصاقه، والقدح الذي كان يشرب فيه، وقد ذكرنا تفصيل بعض هذه الأحاديث فيما مضى «١٠» .
_________________
(١) انظر ص ١٤٠، ١٤١ من هذا الكتاب. حدثني صديق أجلّه أن رجلا عمد إلى الصفحة التي فيها كلام عروة هذا، من كتابي هذا: (فقه السيرة) فاستنسخ منها ما شاء من الصور بال (فوتوكوبي) وجعل يدور بها على الناس، متخذا منها وثيقة اتهام، بل انتقاص لرسول الله ﷺ! .. وأقول: أمّا ما عمد إليه هذا الرجل من استكثاره لهذه الصفحة التي تضمنت هذا البيان، ونشرها في الناس، ولفت أنظارهم إلى ما قد دلّت عليه، فلا ريب أنه مشكور على ذلك ومأجور، لو خلصت النية وصفا القصد.. فإنّ عمله هذا ليس إلّا تأكيدا لحقيقة ثابتة قد يجهلها كثير من الناس اليوم، ألا وهي شدة تعظيم الصحابة لرسول الله ﷺ، والمبلغ الذي بلغه حبهم العجيب له! .. وما أكثر الألغاز الجاثمة التي تتحدى العقل، في معالم الفتح الإسلامي وأحداثه، لو لم يفسرها هذا الحب العظيم الذي هيمن على مجامع القلوب، وامتد إلى أغوار النفوس، والذي جاء ثمرة اليقين العقلي الجازم بأن محمدا ﷺ هو رسول الله ورحمته المهداة إلى الناس أجمعين. وأمّا ما قصد إليه هذا الإنسان، من وراء ذلك، من تشويه مكانة محمد ﵊ في القلوب، وإظهاره في أعين الناس في مظهر المدلّ على أصحابه، المتلذذ برؤية هذا الذي يتسابقون إليه، وإبرازه في صورة الثقيل السمج، دأبه أن يري الناس من نفسه ما كان خليقا به أن يستره عنهم، يروّضهم بذلك على حبّه والاستئناس بكل ما قد يتصل به أو ينفصل عنه أقول: أمّا ما قد قصد إليه هذا الرجل من ذلك، فقد أبعد النّجعة، وأخطأ الطريق، وخانه الهدف! كثيرون هم الذين سعوا هذا السعي؛ واعتصروا الفكر، واستنجدوا بالحيلة، وناشدوا التاريخ، كي يتاح لهم أن ينسجوا صورة من هذا القبيل لمحمد رسول الله ﷺ، فما عادوا من سعيهم أو محاولتهم بأي طائل. وظلّ كل من العقل والتاريخ والفكر الحرّ أمينا على الكلمة الجامعة التي وصف الله بها محمدا ﵊: وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ. اقرأ ما تشاء من صفحات أي كتاب في شمائل هذا الرسول العظيم، تجد نفسك أمام المثل الأعلى، والنموذج الأتم
[ ٢٣٨ ]
وإذا علمت أن التّبرك بالشيء إنما هو طلب الخير بواسطته ووسيلته علمت أن التوسل بآثار النّبي ﷺ أمر مندوب إليه ومشروع، فضلا عن التّوسل بذاته الشريفة.
_________________
(١) للإنسانية السامية الصافية عن الشوائب، وللذوق الرفيع في مقاييس المعاملة والسلوك، وللإحساس المرهف في رعاية الآخرين والاهتمام بهم، وللنظافة والرتابة وأناقة الشكل والمظهر، وللتواضع المتناهي أمام كل فئات أصحابه. لم يكن يستقبل الوافدين إليه إلا بأنظف الثياب وأبهى الحلل. كان أشدّ ما يكون حرصا على أن لا يرى الناس منه إلا ما تسرّ به العين، وأن لا تقع أنوفهم منه إلا على أطيب رائحة. وقد ثبت أنه كان ينفق جلّ ماله في الطيب. لم يكن يأكل ثوما أو بصلا، أو أي طعام يتأذى الناس منه برائحة كريهة. ولما كان ضيفا في دار أبي أيوب الأنصاري، في أيامه الأولى من هجرته إلى المدينة، وعادت قصعة الطعام من عنده مرّة دون أن يطعم منها شيئا، فزع أبو أيوب وهرع إلى رسول الله يسأله عن سبب ذلك، فقال: «لقد شممت فيه رائحة تلكم الشجرة (أي الثوم) وأنا أناجى (أي يزورني الناس وأحادثهم) أما أنتم فكلوا» . وكان إذا مضى لقضاء حاجة، أبعد، ثم أبعد، حتى لا يقع الناس منه على أثر. وكان يرجّل شعره، ويتعهد فمه وأسنانه؛ وربما أبصر صفرة في أسنان بعض جلسائه، فتوجه إلى الجميع بنصيحة عامة ونقد رفيق، وقال: «مالكم تأتونني قلحا لا تتسوكون؟» . هذا هو محمد ﵊، في بعض ما تتحدث عنه شمائله المعبرة عن سموّ أخلاقه، ورقة شعوره، وشفافية ذوقه، ونبل إحساسه. فهل ترى في هذه اللوحة الإنسانية النموذجية، مساحة ما، لقبول أي عبث أو تزوير وتشويه؟ إذن فليس في شيء من حديث عروة بن مسعود عن حبّ الصحابة لرسولهم، ما يلحق بالرسول أي منقصة في طبعه، أو يصمه بأي غلظة في تعامله وسلوكه، أو يبرزه في مظهر المدلّ زهوا على أصحابه، أو الدافع لهم إلى ما فعلوا. *** فإن أراد هذا الرجل أن يتحول، بعدئذ، بالنقد والاشمئزاز إلى أولئك الناس الذين ساقهم الحب إلى ما صنعوا، فإنّ عليه أن يتبيّن قبل كل شيء خصمه الحقيقي الذي أثار في نفسه بواعث النقد والاشمئزاز حتى لا يتهم البرآء ظلما وعدوانا. وإنما خصمه في هذه الدعوى هو الحب! الحب هو الذي حمل أولئك الناس على فعل ما وصفه عروة بن مسعود، وفعل ما هو أبلغ من ذلك! .. والحب، هو الذي ليّن تحت سلطانهم الحديد، وقرب إليهم البعيد، وجعل المستحيل بين أيديهم ممكنا، وجعل القبح جميلا، والملح الزّعاق حلوا طيب المذاق! .. هذا هو شأن الحب، وذلك هو جبروته وسلطانه. فإن علم هذا الرجل، أن في نواميس هذه الحياة سلطانا أقوى نفوذا إلى النفوس، وهيمنة على القلوب من سلطانه، فليشكه إليه، وليستعده عليه، وليصف له اشمئزاز نفسه، من هذا الذي يفعله الحب، بنفوس الناس، ومن العمل الذي يحملهم عليه! ولكن يا عجبا! .. يرى ويعلم هذا الرجل وأمثاله ما يفعله الحب الأرعن بأصحابه، أعني ذلك الحب الذي يتسلل إلى القلب في غفلة من العقل، أو مع تحدّ للعقل وأحكامه، إذ يسوقه إلى شذوذات عجيبة في السلوك ويزجّه في أوحال من المهانة والقذارة التي يشمئز من بيانها البيان، فلا يستعظم من ذلك شيئا، ولا تشعره نفسه الحساسة بأي قرف أو
[ ٢٣٩ ]
وليس ثمة فرق بين أن يكون ذلك في حياته ﷺ أو بعد وفاته، فآثار النّبي ﷺ وفضلاته، لا تتصف بالحياة مطلقا، سواء تعلق التّبرك والتّوسل بها في حياته أو بعد وفاته، كما ثبت في صحيح البخاري في باب شيب رسول الله ﷺ.
ومع ذلك، فقد ضلّ أقوام لم تشعر أفئدتهم بمحبة رسول الله ﷺ وراحوا يستنكرون التّوسل بذاته ﷺ بعد وفاته، بحجة أن تأثير النّبي ﷺ قد انقطع بوفاته، فالتّوسل به، إنما هو توسل بشيء لا تأثير له ألبتة!
وهذه حجة تدل- كما ترى- على جهل عجيب جدا! ..
فهل ثبت لرسول الله ﷺ تأثير ذاتي في الأشياء في حال حياته، حتى نبحث عن مصير هذا التأثير من بعد وفاته؟!. إن أحدا من المسلمين لا يستطيع أن ينسب أي تأثير ذاتي في الأشياء لغير الواحد الأحد ﷻ، ومن اعتقد خلاف هذا يكفر بإجماع المسلمين كلهم.
فمناط التّبرك والتّوسل به أو بآثاره ﷺ، ليس هو إسناد أي تأثير إليه، والعياذ بالله وإنما المناط، كونه ﷺ أفضل الخلائق عند الله على الإطلاق، وكونه رحمة من الله للعباد فهو التّوسل
_________________
(١) اشمئزاز، بل ما أكثر ما يبارك كتاب، وأدباء، وشعراء، هذا الشذوذ (الوردي)، وما أسهل أن يتصوروه أو يصوروه تجسيدا رائعا للهيجان الخمري المعتّق! .. حتى إذا رأى صورة ذلك الحب العلوي الذي ينسكب في المشاعر من القلب والعقل معا، وأبصر شيئا من آثاره في حياة صاحبه وسلوكه، تعجب واستغرب، واصطنع التأفف والاشمئزاز، وأخذ يندب اللباقة والذوق الرفيع! ألا، فليعلم هذا الرجل وأمثاله أن كل شيء في الدنيا يخضع لقانون مستقل عنه، إلا الحب، فلن تراه خاضعا إلا لقانونه ذاته! .. والويل كل الويل لمن كان حب قلبه تمردا على عقله. وليهنأ ذاك الذي كان حبه القلبي تجاوبا مع قراره العقلي. وحسب أصحاب رسول الله ﷺ شرفا وفخرا أن الحب الذي استبد بقلوبهم لرسول الله، كان شعاع إيمانهم العقلي بصدق نبوته، وسمّو مكانته عند رب العالمين ﷻ. فليفعل بهم هذا الحب ما يشاء، وليحملهم على التبرك والتمسّح بعرقه وبصاقه وما يتساقط من شعره وما يتقاطر من ماء وضوئه.. فإنما هي لغة الحب.. ولا تصاغ لغة الحب إلا في داخل بوتقته ولا يتحكم بها غيره. وإني لأعلم أن في الناس اليوم من لو رأت أعينهم محمدا ﷺ، يمشي على الأرض، لهاج بهم هائج الحب، ولخرّوا إلى الأرض، يلعقون الثرى الذي سما وازدهى تحت قدمي رسول الله! .. ولا يخاصم منطق الحب هذا إلا من يقارعه بمنطق الكراهية والبغض. وخصومة كهذه، لا يقرها منطق ولا يدعمها عقل، إذ من البدهي أن الجدل حول أمر ما، لا يتحرك ويتفاعل إلا فوق أرض من اليقين بحقيقة مشتركة بين الطرفين. وقد التقطت حكمة الدهر كلمة قيل إن مجنون بني عامر قالها يوم سمع أن في الناس من يعيب عليه وينتقده لتعلقه بليلى، وهي فيما زعموا سمراء دميمة. فقال: لو نظروا إليها بعيني لعلموا أنهم مخطئون.
[ ٢٤٠ ]
بقربه ﷺ إلى ربّه، وبرحمته الكبرى للخلق. وبهذا المعنى توسل الأعمى به ﷺ في أن يردّ عليه بصره، فردّه الله عليه «١١»، وبهذا المعنى كان الصحابة يتوسلون بآثاره وفضلاته دون أن يجدوا منه أي إنكار، وقد مرّ في هذا الكتاب بيان استحباب الاستشفاع بأهل الصلاح والتقوى وأهل بيت النّبوة في الاستسقاء وغيره، وأن ذلك مما أجمع عليه جمهور الأئمة والفقهاء بما فيهم الشوكاني وابن قدامة الحنبلي والصنعاني وغيرهم «١٢» .
والفرق، بعد هذا، بين حياته وموته ﷺ، خلط عجيب وغريب في البحث لا مسوّغ له.
رابعا: (حكم الوقوف على الإنسان وهو قاعد)، لقد علمت مما سبق أن المغيرة بن شعبة ﵁، كان واقفا على رأس النّبي ﷺ ومعه السيف، وكلما أهوى عروة بن مسعود بيده إلى لحية النّبي ﷺ، ضرب يده بنعل السيف، قائلا: «أخّر يدك عن وجه رسول الله» .
وقد كنّا ذكرنا فيما مضى عند الحديث عن غزوة بني قريظة- أنه لا يشرع القيام على رأس أحد وهو قاعد، وأن ذلك من مظاهر التعظيم الذي تعارفه الأعاجم فيما بينهم وأنكره الإسلام، وإنه التمثّل الذي نهى عنه الرسول ﷺ في قوله: «من أحب أن يتمثل له الناس قياما فليتبوأ مقعده من النار» . فكيف كان الأمر على خلاف ذلك هنا؟
والجواب، أنه يستثنى من عموم المنع، مثل هذه الحالة بخصوصها، أي في حالة قدوم رسل للعدو إلى الإمام أو الخليفة، فلا بأس حينئذ من قيام حرس أو جند على رأسه، إظهارا للعزة الإسلامية، وتعظيما للإمام ووقاية له مما قد يفاجأ به من سوء «١٣» . أما في أعم الأحوال فلا يجوز ذلك لمخالفته مقتضى التوحيد والعقيدة الإسلامية، دون أي ضرورة إليه.
ويشبه هذا، ما مرّ بيانه، عند الحديث عن أبي دجانة في غزوة أحد، فقد قلنا: إن كل ما يدل على التكبر أو التجبر في المشي ممنوع شرعا ولكنه جائز في حالة الحرب بخصوصها بدليل قوله ﷺ عن مشية أبي دجانة: إنها مشية يكرهها الله إلا في هذا الموضع.
خامسا: (مشروعية الهدنة بين المسلمين وأعدائهم)، استدل العلماء والأئمة بصلح الحديبية
_________________
(١) حديث توسل الأعمى برسول الله ﷺ، ورجوع بصره إليه، حديث صحيح رواه الترمذي والنسائي والبيهقي وغيرهم عن عثمان بن حنيف ﵁ أن رجلا أعمى جاء إلى النّبي ﷺ وهم جلوس معه، فشكا إليه ذهاب بصره فأمره بالصبر. فقال ليس لي قائد وقد شقّ عليّ فقد بصري. فقال: «ائت الميضأة فتوضأ ثم صلّ ركعتين ثم قل: اللهم إني أتوجه إليك بنبيّك محمد نبيّ الرحمة يا محمد إني توجهت بك إلى ربي في حاجتي لتقضى لي اللهم فشفّعه فيّ» . وفي بعض الروايات بزيادة: فإن كان لك حاجة فمثل ذلك. قال عثمان بن حنيف: فو الله ما تفرق بنا المجلس حتى دخل علينا فكان بصيرا.
(٢) انظر ص ٤٦ من هذا الكتاب.
(٣) انظر زاد المعاد لابن القيم: ٢/ ١١٤
[ ٢٤١ ]
على جواز عقد هدنة بين المسلمين وأهل الحرب من أعدائهم إلى مدة معلومة، سواء أكان ذلك بعوض يأخذونه منهم أم بغير عوض، أما بدون عوض فلأن هدنة الحديبية كانت كذلك، وأما بعوض فبقياس الأولى لأنها إذا جازت بدون عوض، فلأن تجوز بعوض أقرب وأوجه.
وأما إذا كانت المصالحة على مال يبذله المسلمون، فهو غير جائز عند جمهور المسلمين، لما فيه من الصغار لهم، ولأنه لم يثبت دليل من الكتاب أو السّنة على جواز ذلك، قالوا: إلا إن دعت إليه ضرورة لا محيص عنها وهو أن يخاف المسلمون الهلاك أو الأسر فيجوز، كما يجوز للأسير فداء نفسه بالمال.
سادسا: ذهب الشافعي وأحمد ﵄ وكثير من الأئمة إلى أن الصلح لا ينبغي أن يكون إلا إلى مدة معلومة، وأنه لا يجوز أن تزيد المدة على عشر سنوات مهما طالت، لأنها هي المدة التي صالح النّبي ﷺ قريشا عليها عام الحديبية.
سابعا: الشروط في عقد الهدنة تنقسم إلى صحيحة وباطلة، فالصحيح كل شرط لا يخالف نصّا في كتاب الله أو سنّة نبيّه، مثل أن يشترط عليهم مالا أو معونة للمسلمين عند الحاجة، أو أن يشترط لهم أن يرد من جاءه من الرجال مسلما أو بأمان، ولقد أطلق الأئمة صحة هذا الشرط الأخير، ما عدا الشافعي ﵁، فقد شرط لذلك أن تكون له عشيرة تحميه بين الكافرين، وحمل على ذلك موافقة النّبي ﷺ على هذا الشرط لقريش «١٤» .
والباطل، كل شرط فيه معارضة لحكم شرعي ثابت، ومنه أن يشترط ردّ النساء المسلمات أو مهورهن إليهم، أو إعطائهم شيئا من سلاح المسلمين أو أموالهم. وأساس الاستدلال على هذا عدم ردّ النّبي ﷺ النساء اللاتي جئن هاربات بدينهن، ونهي القرآن صراحة عن ذلك، كما مرّ بيانه في حينه.
ولعلك تقول: أفلم يخالف رسول الله ﷺ بذلك عهدا قطعه على نفسه، وذلك إذ وافق على ردّ كل من أتاه مسلما من مكة؟ .. والجواب أن ذلك ليس نصّا في خصوص النساء، بل يحتمل أنه لا ينحطّ إلا على الرجال وحدهم. ومهما يكن فقد علمت فيما سبق أن تصرفات النّبي ﷺ لا تكتسب قوة الحكم الشرعي إلا إذا أقرها الكتاب بالسكوت عليها أو التأكيد لها. ولقد أقرّ الكتاب كل بنود المصالحة، إلا ما يتعلق بردّ النساء إلى بلد الكفر، فلم يقرّه، وذلك على فرض دخوله في بنود الاتفاقية وشروطها.
ثامنا: (حكم الإحصار في العمرة والحج)، ودلّ عمل الرسول ﷺ بعد الفراغ من أمر
_________________
(١) راجع للتوسع في موضوع الهدنة، مغني المحتاج: ٤/ ٢٦٠، والمغني لابن قدامة: ٩/ ٢٩٠، والهداية: ٢/ ١٠٣، وبداية المجتهد: ١/ ٣٧٤
[ ٢٤٢ ]
الصلح، من التحلل والنحر والحلق، على أن المحصر يجوز له أن يتحلل، وذلك بأن يذبح شاة حيث أحصر أو ما يقوم مقامها ويحلق ثم ينوي التحلّل مما كان قد أهلّ به، سواء كان حجّا أو عمرة.
كما دلّ ذلك على أن المتحلّل لا يلزم بقضاء الحج أو العمرة إذا كان متطوعا، وخالف الحنفية فرأوا أن القضاء بعد المباشرة واجب. بدليل أن جميع الذين خرجوا معه ﷺ في صلح الحديبية خرجوا معه في عمرة القضاء التي سيأتي ذكرها، إلا من توفي أو استشهد منهم في غزوة خيبر.
غزوة خيبر
ثم سار النّبي ﷺ إلى خيبر، في أواخر المحرم للسنة السابعة من الهجرة، وخيبر مدينة كبيرة ذات حصون ومزارع تقع على بعد مئة ميل شمال المدينة جهة الشام.
وكان مع النّبي ﷺ في هذه الغزوة ألف وأربع مئة مقاتل ما بين فارس وراجل. قال ابن هشام: «فلما أشرف النّبي ﷺ على خيبر قال لأصحابه قفوا، ثم قال:
«اللهم ربّ السماوات وما أظللن، وربّ الأرضين وما أقللن، وربّ الشياطين وما أضللن، وربّ الرياح وما أذرين، فإنّا نسألك خير هذه القرية وخير أهلها وخير ما فيها، ونعوذ بك من شرّها وشرّ أهلها وشرّ ما فيها. اقدموا باسم الله» .
وكان رسول الله ﷺ إذا غزا قوما، لم يغر عليهم حتى يصبح، فإن سمع أذانا أمسك وإن لم يسمع أذانا أغار، فبات رسول الله ﷺ وأقبل، فرآه عمال خيبر وقد خرجوا بمساحيهم وفؤوسهم ومكاتلهم، يقصدون مزارعهم، فلما رأوه ﷺ، صاحوا: محمد والخميس، ثم ولّوا هاربين، فقال رسول الله ﷺ: الله أكبر، خربت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين» «١٥» .
قال ابن سعد: «فوعظ رسول الله ﷺ الناس، وفرق بينهم الرايات، وابتدأت المعارك بين رسول الله ﷺ، وأهل خيبر- وقد تحصّنوا بحصونهم- وأخذ المسلمون يفتحونها حصنا حصنا:
إلا الحصنين الأخيرين: الوطيح، والسّلالم، فقد حاصرهما رسول الله ﷺ بضع عشرة ليلة» .
روى أحمد والنسائي وابن حبان والحاكم من حديث بريدة بن الخطيب، قال: «لما كان يوم خيبر أخذ أبو بكر اللواء، فرجع ولم يفتح له، فلما كان الغداة أخذه عمر، فرجع ولم يفتح له، فقال النّبي ﷺ لأدفعنّ لوائي غدا إلى رجل يفتح الله على يديه، يحب الله ورسوله. قال:
فبات الناس يدوكون ليلتهم (أي يتساءلون ويختلفون): أيهم يعطاها، فلما أصبح الناس، غدوا على رسول الله ﷺ، كلهم يرجو أن يعطاها. فقال أين علي بن أبي طالب؟ فقيل هو
_________________
(١) متفق عليه.
[ ٢٤٣ ]
يا رسول الله يشتكي عينيه، قال فأرسلوا إليه، فأتي به، فبصق رسول الله ﷺ في عينيه ودعا، فبرأ، حتى كأن لم يكن به وجع. فأعطاه الراية، فقال عليّ يا رسول الله، أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا (أي مسلمين)؟ فقال ﵊: انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله فيه، فو الله لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم. ثم خرج فقاتل، فكان الفتح على يديه «١٦»، وغنم المسلمون كل ما في تلك الحصون من الأموال.
أما ذانك الحصنان، فقد ظل المسلمون يحاصرونهما، حتى إذا أيقن من فيه بالهلاك، سألوه ﷺ أن يخرجهم ويجليهم ويحقن دماءهم ويتركوا له الأموال، فوافقهم رسول الله ﷺ على ذلك.
ثم إنهم سألوا رسول الله ﷺ أن تبقى خيبر تحت أيديهم يعملون فيها ويزرعونها لأنهم أعرف بأراضيهم وأعمر لها. ولهم شطر ما يخرج منها، فصالحهم رسول الله ﷺ على ذلك وقال لهم: على أنّا إن شئنا أن نخرجكم أخرجناكم» «١٧» .
قال ابن إسحاق: «فلما اطمأن رسول الله ﷺ، أهدت له زينب بنت الحارث امرأة سلام بن مشكم، شاة مصليّة (مشوية) وكانت قد سألت أي عضو من الشاة أحب إلى رسول الله ﷺ؟ فقيل لها: الذراع، فأكثرت فيها من السّم، ثم سمّت سائر الشاة، ثم جاءت بها، فلما وضعتها بين يدي رسول الله ﷺ، تناول الذراع فلاك منها مضغة فلم يسغها، ومعه بشر بن البراء بن معرور، قد أخذ منها كما أخذ رسول الله ﷺ فأما بشر فأساغها، وأما رسول الله فلفظها. ثم قال: إن هذا العظم ليخبرني أنه مسموم، ثم دعا بها فاعترفت، فقال ما حملك على ذلك؟ قالت: بلغت من قومي ما لم يخف عليك، فقلت إن كان ملكا استرحت منه، وإن كان نبيّا فسيخبر فتجاوز عنها رسول الله ﷺ، ومات بشر من أكلته» «١٨» .
والذي جزم به الزهري وسليمان التيمي في مغازيه أنها أسلمت. واختلفوا بعد ذلك، هل قتلها النّبي ﷺ قصاصا عن بشر أم لا، فأخرج ابن سعد بأسانيد متعددة أنه ﷺ دفعها إلى أولياء بشر فقتلوها، غير أن الصحيح ما رواه مسلم أن النّبي ﷺ قال لها: «ما كان الله ليسلّطك على ذاك (أي على قتلي)، قالوا: ألا نقتلها يا رسول الله؟ قال: لا» .
وقسم رسول الله ﷺ غنائم خيبر بين المسلمين، للراجل سهم وللفرس سهمان، وفسّر ذلك
_________________
(١) الحديث متفق عليه ابتداء من قوله: لأدفعن لوائي غدا إلخ.
(٢) متفق عليه.
(٣) سياق القصة بهذه الصيغة لابن إسحاق، والقصة متفق عليها عند البخاري ومسلم.
[ ٢٤٤ ]
نافع ﵁، فيما رواه البخاري، بأنه إذا كان مع الرجل فرس فله ثلاثة أسهم، فإن لم يكن، فله سهم واحد. وكانت صفية بنت حيي بن أخطب- زعيم اليهود- بين من أسر من نساء خيبر، فأعتقها رسول الله ﷺ- بعد أن أسلمت- وتزوجها، وجعل مهرها عتقها «١٩» .
قدوم جعفر بن أبي طالب من الحبشة
وقدم على رسول الله ﷺ من الحبشة وهو في خيبر جعفر بن أبي طالب ومن معه وهم ستة عشر رجلا وامرأة وجمع آخر كانوا في اليمن. فأسهم لهم رسول الله ﷺ من الغنائم، بعد أن استأذن في ذلك المسلمين.
قال ابن هشام: «فلما قدم جعفر بن أبي طالب على رسول الله ﷺ قبّل رسول الله ﷺ بين عينيه والتزمه، وقال: ما أدري بأيهما أسرّ، بفتح خيبر أم بقدوم جعفر» «٢٠» .
ولما قفل رسول الله ﷺ عائدا إلى المدينة استعمل على خيبر رجلا من الأنصار قيل إنه سواد بن غزيّة، من بني عدي. فجاءه منها بتمر جنيب «٢١»، فقال رسول الله ﷺ: «أكلّ تمر خيبر هكذا؟ فقال: لا والله يا رسول الله إنا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين، بالثلاثة، فقال:
لا تفعل، بع الجمع بالدراهم ثم ابتع بالدراهم جنيبا» «٢٢» .
العبر والعظات:
أول ما ينبغي أن يسترعي انتباهنا من أمر هذه الغزوة، ملاحظة الفرق بين طبيعتها، وطبيعة الغزوات السابقة التي تحدثنا عنها.
لقد كانت الغزوات السابقة كلها قائمة على أسباب دفاعية، اقتضت المسلمين أن يدافعوا بها عن وجودهم وأن يردوا بها هجمات أعدائهم، كما قد رأيت، لدى بيان سبب كل غزوة منها.
أما هذه الغزوة، وهي أول غزوة تأتي بعد وقعة بني قريظة وصلح الحديبية، فإن لها وضعا آخر، وإنها لتختلف اختلافا جوهريا عن تلك التي كانت من قبلها، وهي تدل بذلك على أن الدعوة الإسلامية قد دخلت في مرحلة جديدة من بعد صلح الحديبية.
_________________
(١) متفق عليه.
(٢) خبر قدوم جعفر بن أبي طالب واشتراكه في الغنائم من رواية البخاري وغيره، وليس في البخاري تفصيل كيفية استقباله ﷺ له.
(٣) التمر الجنيب هو التمر الجيد.
(٤) رواه البخاري وانظر فتح الباري: ٧/ ٣٤٧ والجنيب الجيد من التمر.
[ ٢٤٥ ]
فغزوة خيبر أول غزوة بدأها رسول الله ﷺ وأغار بها فجأة على اليهود الذين استوطنوا بقاع خيبر، دون أن يبدأوا المسلمين بأي محاربة أو قتال.
لقد كان السبب الوحيد لها هو دعوة اليهود إلى الإسلام، ومحاربتهم على كفرهم وعنادهم عن قبول الحق وأحقادهم المعتلجة في صدورهم على الرغم من الدعوة السلمية التي قامت مدة طويلة على الأدلة والبراهين. ولذلك بات رسول الله ﷺ الليلة الأولى من وصوله إلى خيبر دون أن يشعر أحدا بوجوده أو أن يقاتل أحدا، وانتظر حتى إذا أصبح ولم يسمع أذانا إلى الصلاة- وهي الشعيرة الإسلامية الكبرى- أغار عليهم وقاتلهم على ذلك. وقد قلنا إنه كان إذا غزا قوما لم يغر عليهم حتى يصبح، فإن سمع أذانا أمسك، وإن لم يسمع أذانا أغار.
ويزداد هذا السبب وضوحا إذا تأملت في سؤال علي ﵁ لرسول الله ﷺ بعد أن أعطاه اللواء: «أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا؟ وفي جوابه ﷺ إذ قال: أنفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم ثم ادعهم إلى الإسلام وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله فيه» .
ولقد استنبط العلماء من غزوة خيبر هذه الدلالات وأحكاما كثيرة مختلفة، نذكر فيما يلي جملة منها:
أولها: (جواز الإغارة على من بلغتهم الدعوة الإسلامية وحقيقتها، بدون إنذار سابق أو دعوة مجددة)، وهو مذهب الشافعية وجمهور الفقهاء، فذلك ما فعله رسول الله ﷺ في إغارته على خيبر. وأما بلوغ الدعوة وتفهّم الإسلام فهما صحيحا على وجهه فهو شرط بالاتفاق.
ثانيهما: (تقسيم الغنائم على الأساس الذي ورد ذكره)، وهو تقسيم أربعة أخماسها بين الغانمين يعطى للراجل سهم، وللفارس ثلاثة أسهم؛ سهم له واثنان لفرسه «٢٣» . والخمس الباقي يوزع أخماسا على من نصت عليهم الآية القرآنية: وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ [الأنفال ٨/ ٤١]، وسهم رسول الله ﷺ من هذا الخمس يوزع من بعده على مصالح المسلمين كما ذهب إلى ذلك الشافعية والحنفية، وقيل يختص به الخليفة فيصرفه فيما يراه، والقولان متقاربان.
ثالثها: (جواز إشراك غير المقاتلين في الغنيمة ممن حضر مكان القتال)، وذلك بعد استئذان أصحاب الحق فيها. فقد أشرك النبي ﷺ جعفر بن أبي طالب ومن معه في الغنائم، بإذن من الصحابة، حينما عادوا من الحبشة واليمن.
واعلم أن رواية البخاري في هذا خالية عن التقييد باستئذان المسلمين، ولكن زاد البيهقي في
_________________
(١) ذهب أبو حنيفة إلى أن للفارس سهمين، سهم له وآخر لفرسه. وهو محجوج بما ذكرنا من تقسيم النبي ﷺ لغنائم خيبر.
[ ٢٤٦ ]
روايته أن النبي ﷺ قبل أن يقسم لهم كلّم المسلمين فأشركوهم، وزيادة العدل مقبولة. والذي زاد من قيمة القيد الذي رواه البيهقي أن النبي ﷺ لم يسهم لأبان بن سعيد، وقد كان أرسله على سرية قبل نجد فعاد منها إلى خيبر بعد انتهاء القتال، وقال له: «اقسم لنا يا رسول الله، فلم يقسم له، وإنما يجمع بين الخبرين بحمل الأول منهما على إذن الجماعة في القسمة، والثاني على عدمه» «٢٤» .
ولعلك تسأل: فما مصير حكم الغنائم هذا، مع ما تطورت إليه اليوم حالة الحروب والجند وسياسة عطاءاتهم ومرتباتهم؟
والجواب: أنك قد علمت مما سبق أن الأموال غير المنقولة من الغنائم لا توزع بين المحاربين عند مالك وأبي حنيفة على نحو ما مرّ بيانه إلا إذا دعت المصلحة أو الضرورة. أما الأموال المنقولة منها فيجب أن توزع على الغانمين بالطريقة ذاتها التي كان يسلكها رسول الله ﷺ مع ملاحظة ما تطورت إليه وسائل القتال وطرائقه في تفاوت درجات المقاتلين.
ولا مانع من أن توزع عليهم حصصهم على شكل علاوات أو مرتبات متلاحقة إنما المهم أن الدولة لا يجوز لها أن تستملك شيئا من هذه الأموال لنفسها.
رابعها: (مشروعية عقد المساقاة)، وهي أن يعامل مالك الأرض غيره على ما فيها من شجر ليتعهده بالسقي والتربية على أن الثمار تكون بينهما، وقد ذهب مالك والشافعي وأحمد ﵃ إلى صحة هذا العقد مستدلين على ذلك بمعاملته ﷺ أهالي خيبر، وانفرد أبو حنيفة ﵁، فلم يجز ذلك، قال: ولا دليل في الحديث، لأن خيبر فتحت عنوة فكان أهلها عبيدا له ﷺ، فما أخذه فهو له وما تركه فهو له، وخالفه الصاحبان فاتفقا مع الجمهور على صحته. ثم اختلف العلماء: «هل ينبغي أن يقال بصحة هذا العقد على كل أنواع الشجر أم هو خاص بالنخيل والعنب؟ وقوفا عند مورد الدليل، إذ كانت عامة أشجار خيبر نخيلا وعنبا، والذي ذهب إليه كثير من الفقهاء هو التعميم في كل أنواع الشجر» .
أما المزارعة فقد منعها قسم كبير ممن صحح عقد المساقاة، منهم الشافعية، وهي أن يعامل مالك الأرض شخصا آخر على أن يعمل فيها بالزراعة والاستنبات بجزء مما ستخرجه الأرض، قال جمهور الشافعية هو غير صحيح، لما ثبت في صحيح مسلم أن النبي ﷺ نهى عن المزارعة وأمر بالمؤاجرة قالوا: إلا أن يكون عقد المزارعة تبعا للمساقاة أي بأن يكون بين الشجر بياض اتفق الطرفان على زراعته ضمن اتفاقهما على عقد المساقاة.
_________________
(١) راجع فتح الباري: ٧/ ٣٤٠ و٣٤٩
[ ٢٤٧ ]
والراجح لدى التأمل في مجموع الأدلة، صحة كل من عقد المساقاة والمزارعة فقد قالوا في بيانه: إن النهي كان في أول الأمر لحاجة الناس وكون المهاجرين ليست لهم أرض، فأمر النبي ﷺ الأنصار بالتكرم بالمواساة، ويدل له ما أخرجه مسلم من حديث جابر قال: «كان لرجال من الأنصار فضول أرض، وكانوا يكرونها بالثلث والربع فقال النبي ﷺ: من كانت له أرض فليزرعها أو ليمنحها أخاه، فإن أبى فليمسكها»، ثم بعد توسّع حال المسلمين زال الاحتياج فأبيحت لهم المزارعة وأن يتصرف المالك في ملكه كما يشاء. ويدل على ذلك ما وقع من المزارعة والمؤاجرة في عهده ﷺ وعهد الخلفاء من بعده.
خامسها: (مشروعية تقبيل القادم والتزامه)، وهو مما لا نعلم فيه خلافا معتدا به إذا كان قادما من سفر أو طال العهد به، واستدل العلماء في ذلك بتقبيل رسول الله ﷺ جعفر بن أبي طالب بين عينيه والتزامه إياه عند قدومه من الحبشة، والحديث رواه أبو داود بسند صحيح، وروى الترمذي عن عائشة ﵂ قالت: «قدم زيد بن حارثة المدينة ورسول الله ﷺ في بيتي فأتاه فقرع الباب، فقام إليه النبي ﷺ يجرّ ثوبه، فاعتنقه وقبله» .
ويشكل عليه في الظاهر ما رواه الترمذي أيضا عن أنس ﵁ قال: «قال رجل:
يا رسول الله، الرجل منا يلقى أخاه أو صديقه أينحني له؟ قال: لا، قال: أفيلتزمه ويقبله؟؟ قال: لا. قال: فيأخذ بيده ويصافحه؟ قال: نعم» .
وجواب الإشكال أن سؤال الرجل في هذا الحديث عن اللقاءات العادية المتكررة بين الرجل وصاحبه، والتقبيل أو الالتزام أمر غير مرغوب فيه في مثل هذه الحال، أما ما فعله رسول الله ﷺ من ذلك بالنسبة لجعفر وزيد فإنما كان ذلك- كما قد علمت- على أثر قدوم من سفر فالحالتان مختلفتان.
سادسها: (حرمة ربا الفضل في المطعومات)، وهو أن يتبادل اثنان مطعومين من جنس واحد مع تفاضل بينهما. وقد نهى عنه رسول الله ﷺ بأحاديث كثيرة صحيحة منها ما رواه مسلم عن عبادة بن الصامت قال: «سمعت رسول الله ﷺ ينهى عن بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة والتمر بالتمر والبر بالبر والشعير بالشعير والملح بالملح إلا سواء بسواء عينا بعين فمن زاد أو استزاد فقد أربى» . ومنها ما رويناه عن البخاري من نهي النبي ﷺ عن مبادلة التمر الجيد بالتمر الرديء مفاضلة.
وليس هذا مجال البحث في الحكمة من تحريم هذا التبادل واعتباره ربا محرما، فمجال ذلك المطولات من كتب الفقه.
ولكن الذي ينبغي التنبيه إليه هنا، هو أن النبي ﷺ أرشد من يريد أن يستبدل تمرا جيدا
[ ٢٤٨ ]
برديء أو غيره من المطعومات بمثله، إلى وسيلة أخرى سائغة لا ربا فيها، وهي أن يبيع الرديء بالدراهم ثم يشتري بها الجيد الذي يبتغيه. ولا يضيره في شيء، إنه إنما يريد أن يتوسل بالبيع، إلى شيء آخر كان محرما في الأصل وأنه لا يقصد البيع لذاته، لأن الرسول ﷺ سوغ ذلك. وإنما المحرم ما قد نهى عنه الكتاب أو نهت عنه السنة نهيا جازما.
والحكم الذي يستنتج من هذا، أنه يجوز التوصل إلى استباحة حكم محرّم بواسطة مشروعة لذلك، ولا يعتبر ذلك حيلة محرمة، فيجوز أن ينكح الرجل امرأة مطلقة بقصد تحليلها لزوجها السابق إذا لم يشترط ذلك في العقد، ويجوز أن يعطي صاحب الدين زكاة ماله للمدين الذي عجز عن إبراء ذمته نحوه، ثم يسترده منه عن دينه.
ولا عبرة لمخالفة ابن القيم في هذا، محتجا بأن الأعمال بمقاصدها، وأن الذي باع، قاصدا شيئا آخر غير ما شرع له البيع، والذي نكح قاصدا غير الذي شرع له النكاح، متلبسان بفعل باطل لأنهما حوّلا الحكم عن غايته إلى غاية أخرى لم يشرع لها ذلك الحكم، نقول لا عبرة لكلامه هذا، لأنه يناقض حديث البخاري الذي ذكرناه مناقضة صريحة والقواعد الفقهية إنما تأتي من وراء النصوص لا من فوقها، ولأن ابن القيم ناقض نفسه مناقضة في منتهى الغرابة والعجب بصدد هذا البحث في كتابه أعلام الموقعين. فقد أطال في ذم تحريم بعض الصور التي سماها حيلا محرمة وأطنب في تفنيد آراء الأئمة القائلين بصحتها، وتوعد بأن لهم مواقف عصيبة بين يدي الله يوم القيامة. ثم ما لبث بعد بضع صفحات أن راح يسوّغها ويضرب المثل بها للحيل الشرعية الصحيحة، وكأنه ليس هو الذي أطنب قبل قليل في تفنيدها والتحذير منها «٢٥» .
*** ثم إن في هذه الغزوة حادثتين، كل منهما ثابت بالحديث الصحيح، تعدان من الخوارق العظيمة التي أيد الله بها محمدا ﷺ.
الأولى: أنه ﷺ تفل في عين علي ﵁ وقد كان يشتكي منها، فبرأت في الوقت نفسه حتى كأن لم يكن به وجع.
الثانية: ما أوحى الله إليه من أمر الشاة المسمومة عندما أراد الأكل منها. ولأمر ما سبق قضاء الله تعالى فابتلع بشر بن البراء لقمته قبل أن ينطق رسول الله ﷺ بأنها مسمومة، فكان
_________________
(١) انظر أعلام الموقعين: ٣/ ٢٩٢ ط التجارية عندما يتحدث عن حيلة التوسل بالخلع لدرء الطلاق قائلا: هذه الحيلة باطلة شرعا.. إلخ ثم انظر ٤/ ١١٠ منه، لتجد كيف يسوغ هذه الحيلة ويوجهها بعشرة أوجه من الأدلة المعتبرة عنده. وانظر ما قبل ذلك وبعده لتجد صورا من التناقض العجيب! وإذا أردت التوسع في بحث ما يسمى بالحيل الشرعية وأثر المقاصد في العقود والأحكام، فارجع إلى تفصيل ذلك في كتابي: ضوابط المصلحة في الشريعة الإسلامية من ص ٢٩٣ إلى ٣٢٤
[ ٢٤٩ ]
قضاؤه في ذلك، ولعل في ذلك مزيدا من بيان ما اختص الله تعالى به نبيه ﵊ من الحفظ والعصمة من أيدي الناس وكيدهم، تنفيذا لوعده ﷻ: وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ [المائدة ٥/ ٦٧] .
ولقد ذكرنا أن الرواة اختلفوا: هل أسلمت المرأة اليهودية أم لا؟، والذي يغلب- على ما جزم به الزهري وغيره- أنها قد أسلمت، ولذلك لم يقتلها ﷺ على ما ذكره مسلم.
لا يقال، إن القصاص كان يقتضي قتلها، لأن القاعدة المتفق عليها: أن الإسلام يجبّ ما قبله، فالقتل الذي استوجب القصاص، هو ما كان واقعا بعد إسلام القاتل أما ما قبله فالأمر في ذلك راجع إلى الحرابة، ومعلوم أن الحرابة تنتهي بالدخول في الإسلام.
ثم إن يهود خيبر مكثوا يزرعون الأرض على النصف من نتاجها، إلى أن كانت خلافة عمر ﵁، فقتلوا أحد الأنصار وعدوا على عبد الله بن عمر ففدعت يداه، فقال ﵁ للناس: «إن رسول الله ﷺ كان قد عامل يهود خيبر على أن نخرجهم إذا شئنا، وقد عدوا على عبد الله بن عمر ففدعوا يديه كما قد بلغكم، مع عدوهم على الأنصاري قبله، لا نشك أنهم أصحابه، ليس لنا عدو غيرهم فمن كان له مال بخيبر فليلحق به، فإني مخرج يهود» .
وهكذا تمّ إخراج اليهود من الجزيرة العربية، ولولا بغيهم وعدوانهم واستكبارهم على الحق لما طوردوا ولما أخرجوا. ولكن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده، والعاقبة للمتقين.
سرايا إلى القبائل.. وكتب إلى الملوك
ثم أخذ رسول الله ﷺ يبعث السرايا من أصحابه إلى مختلف قبائل الأعراب المنتشرة في الجزيرة العربية لتقوم بوظيفة الدعوة إلى الإسلام فإن لم يستجيبوا قاتلوهم على ذلك.
ولقد كانت هذه السرايا خلال العام السابع للهجرة، وتبلغ عدتها عشرة سرايا أرسلها النبي ﷺ بإمرة مختلف الصحابة.
وفي هذه الفترة نفسها، بدأ النبي ﵊ يبعث كتبا إلى مختلف ملوك ورؤساء العالم يدعوهم فيها إلى الإسلام ونبذ ما هم عليه من الأديان الباطلة.
روى ابن سعد في طبقاته: «أنه ﷺ لما رجع من الحديبية في ذي الحجة سنة ست، أرسل الرسل إلى الملوك يدعوهم إلى الإسلام، وكتب إليهم كتبا، فقيل: يا رسول الله، إن الملوك لا يقرؤون كتابا إلا مختوما. فاتخذ رسول الله ﷺ يومئذ خاتما من فضة نقشة ثلاثة أسطر: محمد رسول الله، وختم به الكتب. فخرج ستة نفر في يوم واحد، وذلك في المحرم سنة سبع، وكان كل رجل منهم يتكلم بلسان القوم الذين بعثه إليهم.
[ ٢٥٠ ]
فكان أول رسول بعثه رسول الله ﷺ عمرو بن أمية الضمري إلى النجاشي فأخذ كتاب رسول الله ﷺ فوضعه على عينيه ونزل من سريره، فجلس على الأرض تواضعا ثم أسلم وشهد شهادة الحق، وقال: لو كنت أستطيع أن آتيه لأتيته» «٢٦» .
وبعث رسول الله ﷺ دحية بن خليفة الكلبي إلى هرقل ملك الروم، فدفع دحية بكتاب رسول الله ﷺ إلى عظيم بصرى، فدفعه عظيم بصرى إلى هرقل، فقرأه وكان فيه: «بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم، سلام على من اتبع الهدى أما بعد، فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم، وأسلم يؤتك الله أجرك مرتين، وإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين «٢٧»، ويا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم أن لا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله، فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون» «٢٨» .
قال ابن سعد في طبقاته: «فقال هرقل بعد أن قرأ الكتاب لجمع من عظمائه وحاشيته:
يا معشر الروم هل لكم في الفلاح والرشد وأن يثبت لكم ملككم وتتبعون ما قال عيسى بن مريم، قالت الروم: وما ذاك أيها الملك؟ قال: تتبعون هذا النبي العربي. قالوا فحاصوا حيصة حمر الوحش، وتناجزوا ورفعوا الصليب. فلما رأى هرقل ذلك منهم يئس من إسلامهم وخاف على نفسه وملكه، فسكّتهم ثم قال: إنما قلت لكم ما قلت لأختبركم لأنظر كيف صلابتكم في دينكم، فقد رأيت منكم الذي أحب. فسجدوا له.
وبعث رسول الله ﷺ عبد الله بن حذافة السهمي إلى كسرى يدعوه إلى الإسلام، وأرسل معه إليه كتابا، قال: فدفعت إليه الكتاب، فقرئ عليه، ثم أخذه فمزقه، فلما بلغ ذلك رسول الله ﷺ قال: مزق الله ملكه. وكتب كسرى إلى باذان عامله على اليمن أن ابعث من عندك برجلين جلدين إلى هذا الرجل فليأتياني به، فبعث إليه برجلين جلدين، وكتب إليه معهما كتابا، فقدما المدينة ودفعا كتاب باذان إلى النبي ﷺ، فتبسم رسول الله ﷺ وقال: ارجعا عني يومكما هذا حتى تأتياني الغد فأخبركما بما أريد. فجاءاه من الغد فقال لهما: «أبلغا صاحبكما أن ربي قد قتل ربه كسرى في هذه الليلة لسبع ساعات مضت منها» - قال ابن سعد- وهي ليلة الثلاثاء لعشر ليال مضين من جمادى الأولى سنة سبع «وأن الله ﵎ سلط عليه ابنه شيرويه
_________________
(١) طبقات ابن سعد: ٢/ ٢٣ باختصار.
(٢) الأريسيين، قال ابن حجر: جمع أريسي وهو منسوب إلى أريس، وهو الفلاح، والمقصود بالكلمة الأتباع وعامة الشعب.
(٣) متفق عليه عند البخاري ومسلم.
[ ٢٥١ ]
فقتله»، فرجعا إلى باذان بذلك، فأسلم هو والأبناء الذين باليمن» «٢٩» .
وبعث رسول الله ﷺ الحارث بن عمير الأزدي إلى عظيم بصرى من قبل الروم شرحبيل بن عمرو الغساني، فأوثقه رباطا وقتله، قالوا ولم يقتل لرسول الله ﷺ رسول غيره «٣٠» .
وبعث ﷺ برسل وكتب أخرى كثيرة إلى كثير من الأمراء العرب المتفرقين في مختلف المناطق، فأسلم منهم الكثير، وعاند البعض منهم.
وفي هذه الفترة أيضا تلاحقت الوفود تفد على رسول الله ﷺ من مختلف الجهات تعلن إسلامها وتدخل في دين الله تعالى. وممن أسلم في هذه الفترة من كبار العرب وقادتهم: خالد بن الوليد وعمرو بن العاص» .
روى ابن إسحاق، عن عمرو بن العاص، قال: «خرجت عامدا إلى رسول الله ﷺ، فلقيت خالد بن الوليد، وذلك قبل الفتح، وهو مقبل من مكة. فقلت: أين تريد يا أبا سليمان؟ قال: أذهب والله لأسلم، فحتى متى؟! قلت له: وما جئت إلا لأسلم، فقدمنا جميعا، فتقدم خالد فأسلم وبايع، ثم دنوت فبايعته» .
العبر والعظات:
معالم المرحلة الجديدة: حديث هذه السرايا التي بعثها رسول الله ﷺ منتشرة في القبائل، والكتب التي أرسلها إلى مختلف ملوك ورؤساء العالم، جزء من المظاهر التي تميز هذه المرحلة من الدعوة في حياته ﵊، عن المرحلة التي قبلها.
لقد كانت المرحلة التي تسير فيها الدعوة من بدء الهجرة إلى صلح الحديبية، مرحلة دفاعية كما قلنا، إلى جانب القيام بمهام الدعوة السلمية. فلم يحدث خلال تلك المرحلة أن بدأ النبي ﷺ هجوما أو شن غزوة على فئة ما من الناس، ولم يحدث أن أرسل سرية إلى قبيلة ما ليدعوهم إلى الإسلام، فإن أبوا قاتلوهم عليه.
فلما أبرم صلح الحديبية بين المشركين من قريش والمسلمين في المدينة، واطمأنت أفئدة المسلمين واستراحوا من متاعب قريش ومناوشاتهم، تفرغ النبي ﷺ للدخول في مرحلة جديدة
_________________
(١) خبر كتاب رسول الله ﷺ إلى كسرى بهذا التفصيل من رواية ابن سعد في طبقاته وقد ذكر ذلك البخاري أيضا مختصرا، وفيه: أن رسول الله ﷺ دعا عليهم- لما بلغه أنه مزق كتابه- أن يمزقوا كل ممزق، وقد أسند الشيخ ناصر، في تعليقاته على كتاب فقه السيرة للغزالي، إلى ابن سعد، زيادة على ما ذكرته، لم أجدها في طبقاته، وهي: أن النبي ﷺ رأى شواربهما (أي الرجلين اللذين أرسلهما إليه باذان) مفتولة وخدودهما محلوقة فأشاح عنهما وقال: ويحكما، من أمر كما بهذا؟ قالا: أمرنا ربنا: يعنيان كسرى. فهذه الزيادة، لم أجدها في رواية سعد، وإنما هي من رواية ابن جرير.
(٢) رواه الواقدي، عن عمر بن الحكم، قال ابن حجر: وذكره أيضا ابن شاهين من طريق محمد بن يزيد.
[ ٢٥٢ ]
لابدّ منها في حكم الشريعة الإسلامية التي بعث لتبليغها وتطبيقها، ألا وهي مرحلة قتال أولئك الذين بلغتهم الدعوة فوعوها وفهموها، ولكنهم استكبروا عن الإيمان بها والإذعان لها حقدا وعدوانا.
إنها المرحلة التي بها أنجز رسول الله ﷺ دعوة ربه، وهي المرحلة التي أصبحت- بعمله وقوله- حكما شرعيا باتفاق المسلمين في كل عصر إلى يوم القيامة، وهي المرحلة التي يحاول محترفو الغزو الفكري أن يطمسوا عليها ويغيبوها عن أعين المسلمين، بزعم أن كل ما يتعلق بالجهاد في الشريعة الإسلامية إنما هو قائم على أساس الحرب الدفاعية وردّ العدوان، وها هي ذي هيأة الأمم قامت لتتولى الدفاع وردّ العدوان عن المستضعفين، فلا حاجة إلى استبقاء مبدأ الحرب الدفاعية أيضا.
وليس سرا خافيا أن الأمر الذي يدعوهم إلى هذا الكيد والتضليل في البحث، إنما هو الخوف الشديد لدى الدول الأجنبية- غربيها وشرقيها على السواء- من أن يعود فيستيقظ في نفوس المسلمين معنى الجهاد في سبيل الله، ثم يتصل هذا المعنى بجذوة الإيمان في قلوبهم! .. فلئن تمّ هذا، فسيتم عندئذ لا محالة انهيار الحضارة الغربية مهما تطاول بنيانها.
ولقد نضجت عقلية الرجل الأوروبي لمعانقة الإسلام بمجرد أن يسمع دعوة خالصة إليه، فكيف بالدعوة الخالصة تتلوها تضحية وجهاد؟! ..
حكمة مشروعية هذه المرحلة:
ولعلك تسأل الآن، فما هي الحكمة من أن يساق المشرك أو الملحد إلى الإسلام سوقا؟
وكيف يمكن أن تفهم عقلية القرن العشرين مثل هذه الشرعة؟! ..
والجواب أنا نتساءل: فما الحكمة من أن يحمل الفرد الواحد من الدولة حملا على الخضوع لنظامها وفلسفتها، رغم ما يملكه من الحرية الحقيقية وما يتمتع به من حقيقة المساواة مع غيره من عامة أفراد الدولة حكاما ورعايا؟! ..
إن الإنسان إنما خلق فوق هذه الأرض ليقيم عليها دولة الله تعالى وحكمه فتلك هي حكمة وجوده وهي المعنى المقصود بالخلافة في قوله تعالى: وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً
[البقرة ٢/ ٣٠] . وفلسفة هذه الدولة قائمة على حقيقة العبودية لله تعالى وحده، ونظامها قائم على الإذعان بأن الحاكمية هي لله وحده، لأنه وحده مالك الإنسان ومالك كل شيء لأنه هو وحده قيوم السموات والأرض.
فكيف يعقل أن يكون لدولة يقوم عليها عبيد مملوكون لله، حق إلزام رعاياهم بالخضوع لما يرونه لهم من النظم والمبادئ والأحكام، ثم لا يكون لخالق هؤلاء كلهم الحق في أن يلزمهم بالخضوع
[ ٢٥٣ ]
لسلطانه والتحول عن كل عقيدة ودين إلى دينه؟! .. وإذا كان الإنسان هو خليفة الله تعالى في تطبيق أوامره وأحكامه في الأرض، فهل يكون الإلزام بالخضوع لسلطانه وحكمه إلا بواسطة الإنسان إذ يدخل في دينه ويبايع الله تعالى على بذل النفس والمال في سبيل إقامة الحكم والمجتمع الإسلامي اللذين إنما خلق الإنسان لإقامتهما.
وليس من المهم بعد أن تفهم هذا، أن يكون في القرن العشرين عقول لا تريد أن تستسيغ هذا أو تفهمه، لأن من الطبيعي أن تكون ثمة عقول من هذا النوع، ما دام أن هناك أمشاجا وأخلاطا من الناس يحترفون مهمة الغزو الفكري بغية حقن الشعور الإسلامي في العالم بالحقن المتوالية المخدرة والمنومة. وهم ليسوا مشفقين على الحرية الإنسانية بمقدار ما يتربصون بها.
وليت شعري أي قيمة توجد للحرية عند أولئك الذين يظلون يكذبون على أنفسهم وعلى شعوبهم، إذ يصورون لهم الإسلام بالصور الكاذبة المنفرة، ويصورون لهم المسلمين همجا من الناس لا يزالون يعيشون في البوادي مع الإبل والأنعام، كي يصدوا بذلك تطلعاتهم الفكرية إلى فهم الإسلام ويحبسوا دوافع البحث عندهم ضمن خيوط عنكبوتية حقيرة. حتى لا يطلعوا على حقيقة الإسلام فيؤمنوا به، فتدول بذلك دولة البغي على الإنسان في أتعس أشكاله القذرة.
على أنه ينبغي أن لا يفوتك أن الدعوة السلمية بالحكمة والمناقشة والموعظة الحسنة في كل مجال ومكان، أمر لا بد منه إلى أمد طويل قبل ذلك وحينما ينفذ المسلمون أمر هذه الدعوة على حقيقتها ستزداد يقينا بأن الإسلام دين الفطرة وأن الناس- من أي قوم كانوا- سيجدون في هذا الدين ضالتهم المنشودة. ولن يستمر على التخلف عنه إلا الحاقدون، وذلك أكبر دليل على عدوان مبيت في نفوسهم على الإسلام ودعاته.
كما ينبغي أن لا يفوتك أن أمر هذا الإلزام الذي ذكرناه، إنما هو خاص بالملحدين والمشركين والوثنيين ومن لف لفهم. أما أهل الكتاب فلا يلزمون- كما تعلم- إلا بالخضوع لنظام المجتمع الإسلامي، اعتمادا على أن إيمانهم بالله تعالى مع احتكاكهم بالمسلمين ومعايشتهم له سينبههم إلى جادة الصواب ويحملهم على تقويم العقيدة.
ثم إن في قصة الكتب التي أرسلها ﷺ إلى الملوك والرؤساء دلالات وأحكاما كثيرة نجملها فيما يلي:
أولا: أن الدعوة التي بعث بها رسول الله ﷺ، إنما بعث بها إلى الناس كافة، لا إلى قوم بأعيانهم، وأن رسالته إنما هي إنسانية شاملة ليس لها طابع عنصرية أو قومية أو جماعة معينة، ولذلك اتجه ﷺ بدعوته يبلغها إلى كل حكام الأرض وملوكها، روي عن أنس ﵁:
[ ٢٥٤ ]
«أن النبي ﷺ كتب إلى كسرى وإلى قيصر وإلى النجاشي وإلى كل جبار، يدعوهم إلى الله تعالى» .
ثانيا: يدلك موقف هرقل مع أتباعه الذين كانوا يزعمون أنهم كانوا على دين عيسى ﵊، على مدى التكبر على الحق والتعنت في الباطل عند كثير من أهل الكتاب، وهم الذين تحول الدين في تصورهم إلى تقاليد وعصبية، فلا ينظرون إليه من حيث إنه حق أو باطل بمقدار ما يتمسكون به من حيث إنه جزء من تقاليدهم ومظهر لعصبيتهم وشخصيتهم وليكن بعد ذلك إذا شاء حقا أو باطلا. ولقد بدى موقف هرقل بادئ الأمر في مظهر المتدبر المقدر لحقائق الأمور، ولكن يبدو أنه كان يسوس بذلك رعيته وحاشيته ويجس نبضهم، ليطمئن إلى ما ينبغي أن يفعله حفظا على ملكه وسلطانه حيال هذا الأمر.
ثالثا: دلّ عمل رسول الله ﷺ هذا على مشروعية اتخاذ الخاتم، وكان خاتمه ﷺ من فضة، كما دلّ على مشروعية نقش اسم صاحبه عليه وقد استدل كثير من العلماء بذلك على استحباب وضع خاتم من فضة في الأصبع التي كان ﷺ يضع خاتمه فيها، وهي أصبع الخنصر.
رابعا: ويدل أيضا عمله ﷺ على أنه ينبغي على المسلمين أن يهيئوا للدعوة الإسلامية في كل أرجاء الأرض وسائلها وأسبابها. ومن أهم أسباب ذلك، المعرفة بلغة الأمم والأقوام الذين يقومون بدعوتهم إلى الإسلام، وتعريفهم بمبادئه وأحكامه. فقد رأينا أنه ﷺ بعث ستة رجال من أصحابه في يوم واحد ليتفرقوا إلى الملوك الذين أرسلهم النبي ﷺ إليهم وكان كل واحد منهم يتقن لغة القوم الذين بعثه إليهم.
خامسا: يدل عمله ﷺ هذا، مع ملاحظة التوقيت الذي جاء فيه على أن على المسلمين أن يقوموا أولا بمسؤولية الدعوة فيما بينهم، وأن يصلحوا من أنفسهم، حتى إذا قطعوا من ذلك شوطا كبيرا وفرغوا من تطبيق نظام الإسلام على حياتهم وسلوكهم، آن لهم حينئذ أن يقوموا بهذا الواجب الثاني. وقد كان النبي ﷺ قادرا أن يرسل عددا من أصحابه إلى هؤلاء الرؤساء والملوك قبل هذا التاريخ بكثير، غير أن ذلك ينطوي على الإخلال بهذا الواجب الذي ذكرناه. وينبغي أن نعلم أن إصلاح المسلمين أنفسهم هو نفسه جزء عظيم من دعوة غيرهم إلى الإسلام، فالناس كانوا ولا يزالون يبحثون عن المثل الصالح في السلوك والخلق، ليقتفوا أثره ويتبعوه. ولو أن المسلمين اليوم كانوا معتزين بإسلامهم مطبقين مبادئه وأحكامه لرأيت ذلك الشعاع الهادي متوغلا بضيائه في مجاهل إفريقيا وأقاصي أوروبا.
هذا وقد كان زمن إرسال هذه الرسائل والكتب، خلال العام السابع للهجرة، كما ذكرنا، أي قبل الفتح، وذلك هو الحين الذي أجمع عليه عامة علماء السيرة. ولا يخلّ بذلك ما دلّ عليه
[ ٢٥٥ ]
صنيع الإمام البخاري في صحيحه، فقد أورد خبر كتبه ﷺ بعد غزوة تبوك، وذلك يدل على أنه إنما كان في العام التاسع.
قال ابن حجر: «إن الجمع بين القولين أنه ﷺ، كاتب قيصر مرتين وهذه الثانية قد وقع التصريح بها في مسند الإمام أحمد، وكاتب النجاشي الذي أسلم، وصلى عليه لما مات، ثم كاتب النجاشي الذي ولّي بعده، وكان كافرا» .
عمرة القضاء
ثم إن الرسول ﷺ خرج في ذي القعدة من السنة السابعة قاصدا مكة، وهو الشهر الذي صدّه فيه المشركون عن دخولها، فاعتمر عمرة القضاء. وذكر ابن سعد في طبقاته: «أن المعتمرين بها معه ﵊ كانوا ألفين، وهم أهل الحديبية ومن انضاف إليهم، ولم يتخلف عنها من أهل الحديبية إلا من مات أو استشهد بخيبر» «٣١» .
قال ابن إسحاق: «وتحدثت قريش بينها بأن محمدا وأصحابه في عسرة وجهد وشدة. قال:
فصفّ له المشركون عند دار الندوة، لينظروا إليه وإلى أصحابه، فلما دخل رسول الله ﷺ المسجد اضطبع بردائه، وأخرج عضده اليمنى ثم قال: رحم الله امرأ أراهم اليوم من نفسه قوة. ثم استلم الركن وخرج يهرول ويهرول أصحابه معه، حتى هرول كذلك ثلاثة أطواف. ومشى سائرها.
قال: فكان ابن عباس يقول: كان الناس يظنون أنها ليست عليهم (أي ليست سنة عامة) وذلك أن الرسول إنما صنعها لهذا الحي من قريش للذي بلغه عنهم، حتى إذا حج حجة الوداع فلزمها، فمضت السنة بها» «٣٢» .
وتزوج ﷺ إذ ذاك بميمونة بنت الحارث. فقيل أنه تزوجها وهو محرم (عقد نكاحه عليها فقط) وقيل بل عقد عليها بعد التحلل وكان الذي زوّجه إياها العباس بن عبد المطلب زوج أختها أم الفضل «٣٣» .
ولما مضى من دخوله ﵊ مكة ثلاثة أيام (وهي المدة التي قاضى قريشا على الإقامة بها) أتوا عليّا ﵁ فقالوا: «قل لصاحبك اخرج عنا فقد مضى الأجل، فخرج النبي ﷺ» «٣٤» .
_________________
(١) طبقات ابن سعد: ٣/ ١٦٧
(٢) سيرة ابن هشام: ٢/ ٣٧٠ ومضمون ذلك متفق عليه بروايات متقاربة عند الشيخين.
(٣) انظر عيون الأثر: ٢/ ١٤٨
(٤) رواه البخاري: ٥/ ٨٥
[ ٢٥٦ ]
وبنى ﵊ بميمونة في طريقه إلى المدينة في مكان اسمه (سرف) قرب التنعيم.
ثم انصرف إلى المدينة في ذي الحجة.
العبر والعظات:
هذه العمرة تعتبر تصديقا إلهيا لما وعد به ﵊ أصحابه من دخولهم مكة وطوافهم بالبيت. وقد رأيت كيف سأل عمر رسول الله ﷺ أثناء صلح الحديبية: «أولست كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوف به؟ فأجابه: بلى أفأخبرتك أنك تأتيه عامك هذا؟ قال:
لا. قال: فإنك آتيه ومطوّف به» .
فهذا هو مصداق وعد رسول الله ﷺ. وقد نبه الله ﷿ عباده إلى هذا التصديق في قوله: لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخافُونَ، فَعَلِمَ ما لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا [الفتح ٤٨/ ٢٧] .
ثم إن هذه العمرة انطوت على معنى تمهيدي للفتح الكبير الذي جاء من بعده. فقد كان لمرأى ذلك العدد الوفير من الأنصار والمهاجرين وهم محدقون برسول الله ﷺ في طوافهم وسعيهم وسائر مناسكهم، في حماس ونشاط غير مأمولين منهم فيما كان يتصوره المشركون، كان لذلك أثر بعيد في نفوسهم، فقد داخلتها الرهبة منهم إذ فوجئوا بعكس ما كانوا يتصورون فيهم من الضعف والخمول بسبب ما قد يحتمل أن يكونوا قد أصيبوا به من حّمى يثرب وسوء مناخها. روى الإمام مسلم عن ابن عباس أن المشركين لما رأوا رمل المسلمين حول الكعبة وفي المسعى قالوا بعضهم لبعضهم:
«هؤلاء الذين زعمتم أن الحّمى قد وهنتهم؟! .. هؤلاء أجلد من كذا وكذا» «٣٥» .
لا جرم أن كان لهذه العمرة إذن- بالشكل الذي تمت به- أثر بالغ في نفوس المشركين مهّد لفتح مكة فتحا سلميا كما سترى فيما بعد.
ثم إننا نأخذ من عمرة القضاء ما يلي:
أولا: استحباب الاضطباع والهرولة في طواف الأشواط الثلاثة الأولى، اتباعا لرسول الله ﷺ في ذلك. وإنما يستحب ذلك في طواف يعقبه سعي لأن الطواف الذي رمل فيه النبي ﵊ كان كذلك. والاضطباع هو جعل الرجل وسط ردائه تحت منكبه الأيمن وطرفيه على منكبه الأيسر. ويسن أن يفعل ذلك أيضا بين الميلين عند السعي بين الصفا والمروة للاتباع.
غير أن شيئا من ذلك لا يستحب للمرأة.
_________________
(١) مسلم: ٥/ ٦٥
[ ٢٥٧ ]
ثانيا: ذهب بعض الفقهاء إلى جواز عقد النكاح حالة الإحرام بحج أو عمرة، اعتمادا على الرواية التي نقلت أنه ﷺ، عقد على ميمونة أثناء إحرامه.
والذي عليه جماهير الفقهاء أنه لا يجوز للمحرم أن يعقد نكاحا لا لنفسه ولا وكالة عن غيره مطلقا «٣٦» . وذهبت الحنفية إلى أنه لا يحرم للمحرم أن يتولى عقد النكاح مطلقا ذلك لأنهم يفسرون (النكاح) في قوله ﷺ: «إن المحرم لا ينكح ولا ينكح» «٣٧» بالجماع.
هذا وقد اعتمر رسول الله ﷺ أربع عمرات وحجّ حجة واحدة روى مسلم بسنده عن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ اعتمر أربع عمر كلهن في ذي القعدة إلا التي مع حجته: عمرة من الحديبية في ذي القعدة، وعمرة من العام المقبل في ذي القعدة، وعمرة من الجعرانة حيث قسم غنائم حنين في ذي القعدة وعمرة في حجته «٣٨» .
غزوة مؤتة
وقد كانت في شهر جمادى الأولى سنة ثمان من الهجرة. ومؤتة قرية على مشارف الشام، وهي التي تسمى اليوم: الكرك.
وسببها ما ذكرناه من مقتل الحارث بن عمير الأزدي، رسول رسول الله ﷺ إلى ملك بصرى، ولم يقتل لرسول الله ﷺ رسول غيره. فندب الناس للخروج إلى الشام، وسرعان ما اجتمع من المسلمين ثلاثة آلاف مقاتل قد تهيؤوا للخروج إلى مؤتة.
ولم يخرج النبي ﷺ معهم، وبذلك تعلم أنها في الحقيقة ليست بغزوة وإنما هي سرية، ولكنّ عامة علماء السيرة أطلقوا عليها اسم الغزوة لكثرة عدد المسلمين فيها ولما كان لها من أهمية بالغة.
وقال لهم رسول الله ﷺ: «أمير الناس زيد بن حارثة، فإن قتل فجعفر بن أبي طالب، فإن قتل فعبد الله بن رواحة، فإن قتل فليرتض المسلمون منهم رجلا فليجعلوه عليهم «٣٩» .
وأوصاهم ﷺ أن يدعوا من هناك إلى الإسلام، فإن أجابوا، وإلا استعانوا عليهم بالله وقاتلوهم» .
قال ابن إسحاق: «ودّع رسول الله ﷺ وأصحابه المسلمين وأمراءهم عند خروجهم من المدينة، وفي تلك الأثناء بكى عبد الله بن رواحة، فقالوا له: ما يبكيك؟ قال: أما والله ما بي حبّ الدنيا ولا صبابة بكم ولكني سمعت رسول الله ﷺ يقرأ آية من كتاب الله تعالى يذكر فيها
_________________
(١) انظر مغني المحتاج: ٢/ ٢١٨
(٢) رواه مسلم.
(٣) مسلم: ٥/ ٦٠ وروى البخاري نحوه.
(٤) رواه البخاري، وأحمد وابن سعد في طبقاته، ولكن ليس في البخاري: فإن قتل فليرتض المسلمون منهم رجلا.
[ ٢٥٨ ]
النار: وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا فلست أدري كيف لي بالصدر بعد الورود.
وناداهم المسلمون وهم يسيرون: صحبكم الله ودفع عنكم وردكم إلينا صالحين. فقال عبد الله بن رواحة:
لكنني أسأل الرحمن مغفرة وضربة ذات قرع تقذف الزبدا
أو طعنة بيدي حرّان مجهزة بحربة تنفذ الأحشاء والكبدا
حتى يقال إذا مرّوا على جدثي أرشده الله من غاز، وقد رشدا
ولما فصلوا من المدينة سمع العدو بمسيرهم، فجمعوا لهم: جمع هرقل لهم أكثر من مئة ألف مقاتل من الروم، وجمع شرحبيل بن عمرو مئة ألف مقاتل آخر من قبائل لخم وجذام والقين وبهراء.
وسمع المسلمون بذلك فأقاموا في معان ليلتين يفكرون في أمرهم، وقالوا: نكتب إلى رسول الله ﷺ فنخبره بعدد عدونا. فشجعهم عبد الله بن رواحة وقال لهم: يا قوم، والله إن التي تكرهون للتي خرجتم تطلبون: الشهادة. وما نقاتل الناس بعدد ولا قوة، ولا كثرة، وما نقاتلهم إلا بهذا الدين الذي أكرمنا الله به، فانطلقوا فإنما هي إحدى الحسنيين: إما ظهور أو شهادة.
والتقى المسلمون بأعدائهم قبيل الكرك، وقد اجتمع منهم ما لا قبل لأحد به من العدد والسلاح والعتاد، فأخذ اللواء زيد بن حارثة فقاتل وقاتل المسلمون معه حتى قتل ﵁ طعنا بالرماح. ثم أخذ اللواء جعفر بن أبي طالب فأبلى بلاء عظيما، حتى إذا ألحمه القتال نزل عن فرسه فعقرها ثم انطلق يشتد في قتال القوم وهو يرتجز:
يا حبذا الجنة واقترابها طيبة وباردا شرابها
والروم روم قد دنا عذابها كافرة بعيدة أنسابها
عليّ إذ لاقيتها ضرابها
وظل يقاتل حتى قتل ﵁، ضربه رجل من الروم فقدّه نصفين، فوجد في جسمه خمسون طعنة، ليس منها شيء في ظهره «٤٠» ! .. ثم أخذ اللواء عبد الله بن رواحة وانطلق يرتجز قائلا:
أقسمت يا نفس لتنزلنّه لتنزلن أو لتكرهنّه
إن أجلب الناس وشدوا الرنة ما لي أراك تكرهين الجنّة
_________________
(١) رواه البخاري.
[ ٢٥٩ ]
قد طال ما قد كنت مطمئنة هل أنت إلا نطفة في شنّة
ولم يزل يقاتل حتى قتل ﵁. ثم اتفق الناس على إمرة خالد بن الوليد فأخذ اللواء، وقاتل المشركين حتى انهزموا، فانحاز بجيشه حينئذ عائدا إلى المدينة» .
روى البخاري عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ نعى زيدا وجعفر وابن رواحة للناس قبل أن يأتيهم خبرهم، فقال: «أخذ الراية زيد فأصيب، ثم أخذ الراية جعفر فأصيب، ثم أخذ الراية ابن رواحة فأصيب- وعيناه تذرفان- حتى أخذ الراية سيف من سيوف الله، حتى فتح الله عليهم» .
وهذا الحديث يدل كما ترى، على أن الله أيد المسلمين بالنصر أخيرا، وليس كما قال بعض رواة السيرة أن المسلمين انهزموا وتفرقوا، وعادوا بعد ذلك إلى المدينة. ولعل مقصود الذين قالوا هذا، أن المسلمين لم يتبعوا الروم ومن معهم في هزيمتهم، واكتفوا بانكشافهم عن مواقعهم، خوفا على المسلمين، وانقلبوا عائدين إلى المدينة، ولا شك أنه تدبير حكيم من خالد بن الوليد ﵁.
قال ابن حجر: وقع في المغازي لموسى بن عقبة- وهي أصح المغازي- قوله: «ثم أخذه (يعني اللواء) عبد الله بن رواحة فقتل، ثم اصطلح المسلمون على خالد بن الوليد، فهزم الله العدو وأظهر المسلمين» . قال العماد بن كثير: «ويمكن الجمع بأن خالدا حاز المسلمين وبات، ثم أصبح وقد غير هيأة العسكر فجعل الميمنة ميسرة والميسرة ميمنة، ليتوهم العدو أن مددا قد جاء المسلمين. فحمل عليهم خالد فولّوا فلم يتبعهم ورأى الرجوع بالمسلمين هي الغنيمة الكبرى «٤١» .
ولما دنوا من المدينة، تلقاهم رسول الله ﷺ، ولقيهم الصبيان يسرعون، فقال: خذوا الصبيان فاحملوهم، وأعطوني ابن جعفر!. فأتي بعبد الله فأخذه فحمله بين يديه.. وجعل الناس يصيحون بالجيش: يا فرار، فررتم في سبيل الله.. فيقول رسول الله ﷺ: ليسوا بالفرار ولكنهم الكرار إن شاء الله» .
العبر والعظات:
أهم ما يثير الدهشة، في هذه الغزوة، تلك النسبة الكبيرة من الفرق بين عدد المسلمين فيها وعدد مقاتليهم من الروم والمشركين العرب! .. لقد رأيت أن عدد المشركين ومن معهم من الروم قد بلغ ما يقرب مئتي ألف مقاتل! .. وذلك على ما رواه ابن إسحاق وابن سعد وعامة كتاب السيرة «٤٢» على حين أن عدد المسلمين لم يتجاوز ثلاثة آلاف. ومعنى ذلك أن عدد المشركين والروم
_________________
(١) انظر فتح الباري: ٧/ ٣٦١ و٣٦٢
(٢) انظر طبقات ابن سعد: ٣/ ١٧٥ وسيرة ابن هشام: ٢/ ٣٧٥
[ ٢٦٠ ]
قد بلغوا ما لا يقل عن خمسين ضعفا لعدد المسلمين! ..
وهي نسبة إذا ما تصورتها، تجعل رقعة الجيش الإسلامي، أمام حشود الروم والمشركين، أشبه ما تكون بساقية ماء صغيرة بالنسبة إلى بحر خضم مائج، هذا إلى ما كان قد جهز به جيش الأعداء من العدة والذخيرة والسلاح ومظاهر الأبهة والبذخ، على حين أن المسلمين كانوا يعانون من ذلك القلة والفقر! ..
ومكان الدهشة في الأمر، أن تجد المسلمين بعد هذا كله- وهم سرية ليس فيها رسول الله ﷺ- مقبلين غير مدبرين، لا يقيمون لكل هذه الحشود الهائلة أمامهم وزنا، مع أنها- فيما يبدو ويظهر- لو التفّت من حولهم وطوقتهم من جهاتهم، لانقلبوا إلى ما يشبه نواة صغيرة في جوف قطعة أرض سوداء! ..
ثم إن مكان الدهشة بعد ذلك، أن يصمد المسلمون لقتال هذا اليمّ المتلاطم. يقتل أميرهم الأول، ثم الثاني، فالثالث، وهم يقتحمون أبواب الشهادة في نشوة بالغة وإقبال عجيب، حتى يدخل الرعب الإلهي في أفئدة كثير من المشركين، دون أن يكون له سبب ظاهر، فينكشفون عن مواقعهم ويدبر منهم الكثير، وتقتل منهم خلائق لا تكاد تحصى! ..
ولكن الدهشة كلها تزول، والعجب ينتهي، إذا تذكرنا ما يفعله الإيمان بالله، والاعتماد عليه، واليقين بوعده.
بل إن المدهش بالنسبة للمسلمين- إذا كانوا مسلمين- أن لا يكونوا كذلك والعجيب فيهم حقا، أن يكونوا مسلمين ثم يكون لأرقام العدد والعدّة حساب مع ذلك في أفكارهم، إلى جانب ما وعد الله به من نصر وتأييد، أو جنة ونعيم خالدين! .. فالمسلمون- كما قال عبد الله بن رواحة ﵁- لا يقاتلون بعدد ولا قوة، ولا كثرة، وإنما يقاتلون بهذا الدين الذي أكرمهم الله به.
ثم إن هذه الغزوة، تنطوي، على عظات ودلالات باهرة كثيرة، نذكر منها ما يلي:
أولا: دلت توصية النبي ﷺ، على أنه يجوز للخليفة أو رئيس المسلمين أن يعلق إمارة أحد الناس بشرط وأن يولّي المسلمين عدة أمراء بالترتيب، كما فعل النبي ﷺ في تولية زيد ثم جعفر ثم عبد الله بن رواحة، قال العلماء: «والصحيح أنه إذا أمر الخليفة بذلك فإن ولاية الكل تنعقد، بوقت واحد، في الحال، ولكنها لا تنفذ إلا مرتبة» «٤٣» .
ثانيا: دلت توصية الرسول ﷺ أيضا، على مشروعية اجتهاد المسلمين في اختيار أميرهم، إذا غاب أميرهم، أو وكل إليهم الخليفة اختيار من يرون. وقال الطحاوي: «هذا أصل يؤخذ منه
_________________
(١) انظر فتح الباري: ٧/ ٣٦١
[ ٢٦١ ]
أن على المسلمين أن يقدموا رجلا إذا غاب الإمام يقوم مقامه إلى أن يحضر» . كما دلت هذه التوصية على مشروعية اجتهاد المسلمين في حياة النبي ﷺ.
ثالثا: لقد رأيت أن النبي ﷺ نعى لأصحابه زيدا وجعفر وابن رواحة وعيناه تذرفان وبين رسول الله ﷺ وبينهم مسافات شاسعة بعيدة! ..
وهذا يدل على أن الله تعالى قد زوى لرسوله الأرض، فأصبح يرى من شأن المسلمين الذين يقاتلون على مشارف الشام، ما حدث أصحابه به، وهي من جملة الخوارق الكثيرة التي أكرم الله بها حبيبه ﷺ.
كما يدل هذا الحديث نفسه على مدى شفقته على أصحابه، فلم يكن شيئا قليلا أن يبكي رسول الله ﷺ وهو واقف في أصحابه يحدثهم عن خبر هؤلاء الشهداء. وأنت خبير أن بكاءه ﷺ عليهم، لا يتنافى مع الرضى بقضاء الله تعالى وقدره فإن العين لتدمع والقلب ليحزن- كما قال ﵊- وتلك رقة طبيعية ورحمة فطر الله الإنسان عليهما.
رابعا: وحديث نعيه ﷺ لهؤلاء الشهداء الثلاثة، يسجل فضلا خاصا لخالد بن الوليد ﵁، فقد قال لهم في آخر حديثه: «حتى أخذ الراية سيف من سيوف الله حتى فتح عليهم» . وتلك أول وقعة يحضرها خالد ﵁ في صف المسلمين، إذ لم يكن قد مضى على إسلامه إلا مدة يسيرة. ومن هنا تعلم أن الرسول ﷺ، هو الذي سجل لقب سيف الله، لخالد ﵁.
ولقد أبلى ﵁، في هذه الغزوة بلاء رائعا، روى البخاري عنه ﵁ قال:
«لقد انقطعت في يدي يوم مؤتة تسعة أسياف، فما بقي في يدي إلا صفيحة يمانية» . قال ابن حجر: وهذا الحديث يدل على أن المسلمين قد قتلوا من المشركين كثيرا.
هذا، وأما سبب قول الناس للمسلمين بعد رجوعهم إلى المدينة: «يا فرّار، فررتم في سبيل الله»، فهو أنهم لم يتبعوا الروم ومن معهم في هزيمتهم، وتركوا الأرض التي قاتلوا فيها كما هي ولم يكن ذلك شأنهم في الغزوات الأخرى، واكتفى خالد بذلك فكرّ عائدا إلى المدينة. ولكنه كما رأيت كان تدبيرا حكيما من خالد بن الوليد ﵁ حفظا للمسلمين وهيبتهم التي انطبعت في أفئدة الروم، ولذلك ردّ النبي ﷺ عليهم قائلا: «ليسوا بالفرار ولكنهم الكرار، إن شاء الله» .
فتح مكة
وكان ذلك في شهر رمضان سنة ثمان من هجرة النبي ﷺ إلى المدينة.
وسببها أن أناسا من بني بكر، كلموا أشراف قريش في أن يعينوهم على خزاعة بالرجال والسلاح. (وخزاعة كانت قد دخلت في عهد المسلمين)، فأجابوهم إلى ذلك، وخرج حشد من
[ ٢٦٢ ]
قريش متنكرين متنقبين، فيهم صفوان بن أمية، وحويطب بن عبد العزى ومكرز بن حفص، فالتقوا مع بني بكر في مكان اسمه الوتير، وبيتوا خزاعة ليلا وهم مطمئنون آمنون، فقتلوا منهم عشرين رجلا. وعندئذ خرج عمرو بن سالم الخزاعي في أربعين راكبا من خزاعة، فقدموا على رسول الله ﷺ يخبرونه بما أصابهم، فقام وهو يجر رداءه قائلا:
«لا نصرت إن لم أنصر بني كعب، مما أنصر منه نفسي» وقال: «إن هذا السحاب ليستهلّ بنصر بني كعب» «٤٤» .
وندمت قريش على ما بدر منها، فأرسلت أبا سفيان بن حرب إلى رسول الله ﷺ ليجدد الهدنة ويماددها. وقدم أبو سفيان على رسول الله ﷺ فكلمه فلم يردّ عليه شيئا، فذهب إلى أبي بكر فكلمه أن يكلم له رسول الله ﷺ، فقال: «ما أنا بفاعل» .
ثم أتى عمر بن الخطاب فكلمه فقال: «أأنا أشفع لكم إلى رسول الله ﷺ؟ فو الله لو لم أجد إلا الذر لجاهدتكم به (والذر صغار النمل)» .
وانطلق أبو سفيان عائدا إلى مكة خائبا، لم يأت بشيء!.
وتجهز رسول الله ﷺ، وقد أخفى أمره، وقال: «اللهم خذ على أبصار فريش فلا يروني إلا بغتة» «٤٥» .
ولما أجمع النبي ﷺ المسير، كتب حاطب بن أبي بلتعة إلى قريش يحذرهم من غارة عليهم من المسلمين. قال علي ﵁: «فبعثني رسول الله ﷺ أنا والزبير، والمقداد. فقال:
انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ، فإن بها ظعينة (امرأة) معها كتاب فخذوه منها. قال: فانطلقنا تعادى بنا خيلنا، حتى أتينا الروضة، فإذا نحن بالظعينة. قلنا لها: أخرجي الكتاب، قالت:
ما معي كتاب. فقلنا: لتخرجنّ الكتاب أو لنلقين الثياب. قال: فأخرجته من عقاصها. فأتينا به رسول الله ﷺ، فإذا فيه: من حاطب بن أبي بلتعة إلى ناس بمكة من المشركين يخبرهم ببعض أمر رسول الله ﷺ. فقال رسول الله ﷺ: يا حاطب ما هذا؟ قال: يا رسول الله، لا تعجل عليّ، إني كنت امرءا ملصقا في قريش- أي كنت حليفا لهم ولست منهم- وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون أهليهم وأموالهم، فأحببت إذ فاتني ذلك من النسب فيهم، أن أتخذ عندهم يدا يحمون قرابتي، ولم أفعله ارتدادا عن ديني ولا رضى بالكفر بعد الإسلام، فقال رسول الله ﷺ: إنه قد صدقكم، فقال عمر: يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق، فقال:
_________________
(١) روى ذلك ابن سعد وابن إسحاق. وهذا النص من رواية ابن سعد. قال ابن حجر: ورواه البزار والطبراني وموسى بن عقبة، وغيرهم..
(٢) رواه ابن إسحاق وابن سعد بألفاظ متقاربة.
[ ٢٦٣ ]
إنه قد شهد بدرا وما يدريك لعل الله اطلع على من شهد بدرا فقال: اعملوا ما شئتم قد غفرت لكم.
فأنزل الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ، وَقَدْ كَفَرُوا بِما جاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ الآيات إلى قوله تعالى: فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ «٤٦» .
واستخلف رسول الله ﷺ على المدينة كلثوم بن حسين، وخرج يوم الأربعاء لعشر ليال خلون من شهر رمضان بعد العصر، وأرسل ﷺ إلى من حوله من العرب: أسلم وغفار ومزينة، وجهينة وغيرهم، فالتقى كلهم في الظهران- مكان بين مكة والمدينة- وقد بلغ عدد المسلمين عشرة آلاف.
ولم تكن الأنباء قد وصلت قريشا بعد، ولكنهم كانوا يتوقعون أمرا بسبب فشل أبي سفيان فيما جاء به إلى المدينة، فأرسلوا أبا سفيان، وحكيم بن حزام، وبديل بن ورقاء ليلتمسوا الخبر عن رسول الله ﷺ فأقبلوا يسيرون، حتى دنوا إلى مر الظهران فإذا هم بنيران عظيمة، فبينما هم يتساءلون فيما بينهم عن هذه النيران، إذ رآهم أناس من حرس رسول الله ﷺ فأتوا بهم رسول الله ﷺ فأسلم أبو سفيان» «٤٧» .
قال ابن إسحاق يروي عن العباس تفصيل إيمان أبي سفيان: «فلما أصبح، غدوت به إلى رسول الله ﷺ، فلما رآه رسول الله ﷺ قال: ويحك يا أبا سفيان، ألم يأن لك أن تعلم أنه لا إله إلا الله؟ قال: بأبي أنت وأمي ما أحلمك وأكرمك وأوصلك! .. والله لقد ظننت أن لو كان مع الله إله غيره لقد أغنى عني شيئا بعد. وقال: ويحك يا أبا سفيان، ألم يأن لك أن تعلم أني رسول الله؟ قال: بأبي أنت وأمي ما أحلمك وأكرمك وأوصلك، أما هذه والله، فإن في النفس منها حتى الآن شيئا. فقال له العباس: ويحك! .. أسلم واشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله قبل أن تضرب عنقك. قال: فشهد شهادة الحق فأسلم.
قال العباس: فقلت يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل يحب الفخر فاجعل له شيئا، قال:
نعم، من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق عليه بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن.
فلما أراد رسول الله ﷺ المسير مقبلا إلى مكة، قال للعباس: احبس أبا سفيان بمضيق الوادي حتى تمر به جنود الله فيراها قال: فخرجت فحبسته عند مضيق الوادي حيث أمرني رسول الله ﷺ أن أحبسه، ومرت القبائل عليها راياتها، كلما مرت قبيلة، قال: يا عباس من
_________________
(١) متفق عليه واللفظ للبخاري.
(٢) إلى هنا من رواية البخاري، وليس فيها كما ترى إشارة إلى إسلام صاحبيه أيضا. والذي ذكره علماء السيرة، وفي مقدمتهم موسى بن عقبة، أن بديلا وحكيما أسلما بمجرد دخولهما على رسول الله ﷺ، وتأخر أبو سفيان بإسلامه حتى أصبح. فلذلك عنيت رواية البخاري بذكر أبي سفيان وأهملت ذكر صاحبيه.
[ ٢٦٤ ]
هذه؟ فأقول: سليم، فيقول: ما لي ولسليم؟ .. وهكذا، حتى مرّ به رسول الله ﷺ في كتيبة فيها المهاجرون والأنصار، لا يرى منهم إلا الحدق من الحديد، فقال: سبحان الله يا عباس، من هؤلاء؟ قلت: هذا رسول الله في المهاجرين والأنصار! .. قال: ما لأحد بهؤلاء قبل ولا طاقة، والله يا أبا الفضل لقد أصبح ملك ابن أخيك الغداة عظيما! .. فقال: يا أبا سفيان إنها النبوة، قال: فنعم إذن» «٤٨» .
ثم قال له العباس: «النجاة إلى قومك! .. فأسرع أبو سفيان حتى دخل مكة قبل أن يصلها رسول الله، وصرخ بأعلى صوته: يا معشر قريش، هذا محمد قد جاءكم فيما لا قبل لكم به، فمن دخل دار أبي سفيان فهو آمن.
فأقبلت إليه امرأته هند بنت عتبة، فأخذت بشاربه وهي تقول: اقتلوا الحميت الدسم الأحمس، قبّح من طليعة قوم! .. فقال: ويلكم لا تغرنكم هذه من نفوسكم، فإنه قد جاءكم ما لا قبل لكم به، فمن دخل دار أبي سفيان فهو آمن. قالوا: قاتلك الله، وما تغني عنا دارك؟
قال: ومن أغلق عليه بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن. فتفرق الناس إلى دورهم وإلى المسجد» «٤٩» .
وبلغ رسول الله ﷺ أن سعد بن عبادة قال لأبي سفيان عندما رآه في مضيق الوادي:
«اليوم يوم الملحمة، اليوم تستحل الكعبة، فلم يرض ﵊ بقوله هذا، وقال:
بل اليوم يوم الرحمة، اليوم يعظم الله الكعبة. وأمر قادة جيوشه أن لا يقاتلوا إلا من قاتلهم» «٥٠» إلا ستة رجال وأربعة نسوة، أمر بقتلهم حيثما وجدوا، وهم: عكرمة بن أبي جهل، وهبّار بن الأسود، وعبد الله بن سعد بن أبي سرح، ومقيس بن صبابة الليثي، والحويرث بن نقيد، وعبد الله بن هلال، وهند بنت عتبة، وسارة مولاة عمرو بن هشام، وفرتنى وقرينة (وكانتا جاريتين تتغنيان دائما بهجاء النبي ﷺ) «٥١» .
ودخل النبي ﷺ مكة من أعلاها (كداء) وأمر خالد بن الوليد أن يدخل بمن معه من أسفلها: (كدى) . فدخل المسلمون مكة من حيث أمرهم، ولم يجد أحد منهم مقاومة، إلا خالد بن الوليد، فقد لقيه جمع من المشركين فيهم عكرمة بن أبي جهل، وصفوان بن أمية،
_________________
(١) رواه ابن سعد، وابن إسحاق، وابن جرير، وروى نحوه البخاري، والألفاظ متقاربة.
(٢) ابن إسحاق.
(٣) رواه البخاري وابن إسحاق وغيرهما.
(٤) رواه ابن سعد وابن إسحاق، قال ابن حجر: وقد جمعت أسماء هؤلاء الرجال الستة والنسوة الأربع من متفرقات الأخبار.
[ ٢٦٥ ]
فقاتلهم خالد فقتل منهم أربعة وعشرين من قريش، وأربعة نفر من هذيل. ورأى رسول الله ﷺ بارقة السيوف من بعيد، فأنكر ذلك، فقيل له: إنه خالد قوتل فقاتل، فقال:
«قضاء الله خير» «٥٢» .
روى ابن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر والحاكم عن أنس، أن رسول الله ﷺ لما انتهى إلى ذي طوى وقف على راحلته معتجرا (متعمما) بشقة برد حبرة، وإن رسول الله ﷺ ليضع رأسه تواضعا لله، حين رأى ما أكرمه الله به من الفتح، حتى إن عثنونه ليكاد يمس واسطة الرحل.
وروى البخاري عن معاوية بن قرة قال: سمعت عبد الله بن مغفل يقول: «رأيت رسول الله ﷺ يوم فتح مكة على ناقته وهو يقرأ سورة الفتح، يرجّع، وقال: لولا أن يجتمع الناس حولي لرجّعت كما رجع.
ودخل ﷺ مكة متجها إلى البيت، وحوله ثلاث مئة وستون صنما، فجعل يطعنها الواحدة تلو الأخرى بعود في يده، وهو يقول: «جاء الحق وزهق الباطل. جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد» «٥٣» . وكان في جوف البيت أيضا آلهة، فأبى أن يدخل وفيه الآلهة، وأمر بها فأخرجت وأخرجت صور لإبراهيم وإسماعيل في أيديهما الأزلام. فقال النبي ﷺ: «قاتلهم الله لقد علموا ما استقسما بها قط. ثم دخل البيت فكبّر في نواحي البيت وخرج ولم يصل فيه» «٥٤» .
وكان قد أمر ﷺ عثمان بن طلحة (وهو من حجبة البيت) أن يأتيه بالمفتاح، فجاءه به، ففتح البيت، ثم دخل النبي ﷺ البيت، ثم خرج فدعا عثمان بن طلحة فدفع إليه المفتاح، وقال له: خذوها خالدة مخلدة، إني لم أدفعها إليكم (أي حجابة البيت) ولكن الله دفعها إليكم، ولا ينزعها منكم إلا ظالم. يشير بقوله هذا إلى قول الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها «٥٥» [النساء ٤/ ٥٨] .
وأمر رسول الله بلالا فصعد فوق ظهر الكعبة فأذن للصلاة. وأقبل الناس كلهم يدخلون في دين الله أفواجا. قال ابن إسحاق: وأمسك النبي ﷺ بعضادتي باب الكعبة وقد اجتمع الناس من حوله ما يعلمون ماذا يفعل بهم، فخطب فيهم قائلا:
«لا إله إلا الله وحده لا شريك له، صدق وعده ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، ألا
_________________
(١) رواه ابن سعد في الطبقات، وروى ابن حجر عن موسى بن عقبة نحوه، وفي سيرة ابن هشام أن الذين قتلوا من المشركين ثلاثة عشر أو أربعة عشر. والحديث رواه البخاري باختصار، راجع فتح الباري: ٨/ ٨ و٩.
(٢) متفق عليه.
(٣) رواه البخاري. وروى مسلم أنه ﷺ دخل البيت فصلى فيه، وسنذكر تحقيق ذلك في التعليق إن شاء الله.
(٤) رواه الطبراني من مرسل الزهري، وابن أبي شيبة، وابن إسحاق. وانظر فتح الباري: ٨/ ١٤
[ ٢٦٦ ]
كل مأثرة أو دم أو مال يدّعى فهو تحت قدمي هاتين، إلا سدانة البيت وسقاية الحاج.. يا معشر قريش إن الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتعظمها بالآباء. الناس من آدم، وآدم من تراب، وتلا قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوبًا وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ. ثم قال: يا معشر قريش، ما ترون أني فاعل بكم؟ قالوا: خيرا، أخ كريم وابن أخ كريم. فقال: اذهبوا فأنتم الطلقاء» «٥٦» .
وروى الشيخان عن أبي شريح العدوي أنه ﷺ قال فيما خاطب به الناس يوم الفتح: «إن مكة حرمها الله، ولم يحرمها أناس، لا يحلّ لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دما أو يعضد بها شجرا، فإن أحد ترخص لقتال رسول الله ﷺ فيها، فقولوا له: إن الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم، وإنما أذن له فيه ساعة من نهار، وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس، وليبلغ الشاهد الغائب» .
ثم إن الناس اجتمعوا بمكة لمبايعة رسول الله ﷺ على السمع والطاعة لله ورسوله، فلما فرغ ﷺ من بيعة الرجال بايع النساء، واجتمع إليه نساء من نساء قريش، فيهن هند بنت عتبة متنقبة متنكرة لما كان من صنيعها بحمزة ﵂، فلما دنون منه ليبايعنه قال رسول الله ﷺ: تبايعنني على أن لا تشركن بالله شيئا، فقالت هند: والله إنك لتأخذ علينا أمرا ما أخذته على الرجال، وسنؤتيكه، قال: ولا تسرقن. قالت: والله إن كنت لأصيب من مال أبي سفيان الهنة والهنة، وما أدري أكان ذلك حلّا لي أم لا؟ فقال أبو سفيان، وكان شاهدا لما تقول: أمّا ما أصبت فيما مضى فأنت منه في حل. فقال ﵊: وإنك لهند بنت عتبة؟ فقالت: أنا هند بنت عتبة، فاعف عما سلف عفا الله عنك. قال: ولا تزنين، قالت:
وهل تزني الحرة!. قال: ولا تقتلن أولادكن، قالت: قد ربيناهم صغارا وقتلتهم يوم بدر كبارا، فأنت وهم أعلم. فضحك عمر من قولها حتى استغرب. قال: ولا تأتين ببهتان تفترينه بين أيديكن وأرجلكن، فقالت: والله إن إتيان البهتان لقبيح، ولبعض التجاوز أمثل.
قال: ولا تعصينني في معروف. فقال رسول الله ﷺ لعمر: بايعهن واستغفر لهن رسول الله، فبايعهن عمر. وكان رسول الله ﷺ لا يصافح النساء ولا يمس امرأة ولا تمسه، إلا امرأة أحلّها الله له» «٥٧» .
وروى البخاري عن عائشة ﵂، قالت: «كان النبي ﷺ يبايع النساء بالكلام، بهذه الآية: لا يشركن بالله شيئا، قالت: وما مست يد رسول الله ﷺ يد امرأة إلا امرأة
_________________
(١) وروى نحوه ابن سعد أيضا في طبقاته.
(٢) رواه ابن إسحاق وابن جرير.
[ ٢٦٧ ]
يملكها» . وروى مسلم عن عائشة بنحوه «٥٨» .
«وأجارت أم هانئ بنت أبي طالب ﵂، يوم الفتح، رجلا من المشركين، وكان علي ﵁ يريد قتله، قالت: فجئت إلى النبي ﷺ فوجدته يغتسل، وفاطمة بنته تستره بثوب، قالت: فسلّمت عليه، فقال: من هذه؟ فقلت: أم هانئ بنت أبي طالب. فقال:
مرحبا بأم هانئ. فلما فرغ من غسله قام فصلى ثماني ركعات ملتحفا في ثوب واحد، ثم انصرف.
فقلت: يا رسول الله، زعم ابن أمي عليّ أنه قاتل رجلا أجرته، فلان: ابن هبيرة، فقال رسول الله ﷺ: قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ» «٥٩» .
وأما أولئك النفر الذين كان رسول الله قد هدر دمهم، فقد قتل بعضهم وأسلم الآخرون:
قتل الحويرث وعبد الله بن خطل ومقيس بن حبابة، وقتلت إحدى الجاريتين المغنيتين وأسلمت الأخرى. وشفع في عبد الله بن سعد بن أبي سرح وحسن إسلامه، وأسلم عكرمة، وهبار، وهند بنت عتبة.
روى ابن هشام أن فضالة بن عمير الليثي «٦٠» أراد قتل النبي ﷺ وهو يطوف بالبيت عام الفتح، فلما دنا منه قال رسول الله ﷺ: «أفضالة؟ قال: نعم، فضالة يا رسول الله، قال:
واذا كنت تحدث به نفسك؟ قال: لا شيء، كنت أذكر الله. فضحك النبي ﷺ ثم قال: استغفر الله. ثم وضع يده على صدره فسكن قلبه. فكان فضالة يقول: والله ما رفع يده عن صدري حتى ما من خلق الله شيء أحب إليّ منه» .
ومرّ فضالة عائدا إلى بيته بامرأة كان يميل إليها ويتحدث معها، فقالت له: هلمّ إلى الحديث، فانبعث يقول:
قالت هلم إلى الحديث فقلت: لا يأبى عليّ الله والإسلام
لو ما رأيت محمدا وقبيله بالفتح يوم تكسر الأصنام
لرأيت دين الله أضحى بينا والشرك يغشى وجهه الإظلام
وأقام النبي ﷺ، فيما رواه البخاري عن ابن عباس، تسعة عشر يوما يقصر فيها الصلاة:
يصلي ركعتين.
العبر والعظات:
الآن، وقد رأيت أحداث الفتح العظيم الذي أكرم الله به نبيه محمدا ﷺ وأصحابه،
_________________
(١) انظر البخاري: ٨/ ١٣٥ ومسلم: ٦/ ٢٩
(٢) متفق عليه.
(٣) ذكر هذه القصة ابن هشام في سيرته، وأوردها ابن القيم في زاد المعاد.
[ ٢٦٨ ]
تستطيع أن تبصر قيمة الدعوة السابقة وأحداثها وأن تبصر أسرارها وحكمها الإلهية مجسدة أمام عينيك.
الآن، وقد اطلعت على قصة فتح مكة، تستطيع أن تدرك قيمة الهجرة منها قبل ذلك.
تستطيع أن تدرك قيمة التضحية بالأرض والوطن والمال والأهل والعشيرة في سبيل الإسلام. فلن يضيع شيء من ذلك كله إن بقي الإسلام.. ولكن ذلك كله لن يغني عن صاحبه شيئا إن لم يكن قد بقي له الإسلام.
الآن، وقد تأملت أحداث هذا الفتح الأكبر، تستطيع أن تدرك تماما قيمة الجهاد والاستشهاد والمحن التي تمت من قبله، إن شيئا من ذلك لم يذهب بددا، ولم ترق نقطة دم لمسلم هدرا، ولم يتحمل المسلمون كل ما لا قوه، مما قد رأيت في غزواتهم وأسفارهم، لأن رياح المصادمات فاجأتهم بها. ولكن كل ذلك كان جاريا وفق حساب.. وكل ذلك كان يؤدي أقساطا من ثمن الفتح والنصر.. وتلك هي سنة الله في عباده؛ لا نصر بدون إسلام صحيح، ولا إسلام بدون عبودية له، ولا عبودية بدون بذل وتضحية وضراعة على بابه وجهاد في سبيله.
والآن، وقد رأيت خبر هذا الفتح، تستطيع أن تدرك القيمة الكبرى لصلح الحديبية، وأن تستشف من وراء ظاهرها الذي أدهش عمر وكثيرا من الصحابة، السر الإلهي الرائع، وأن تقف باطمئنان تام على المعنى الذي من أجله أطلق الله على ذلك الصلح اسم الفتح: فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا وإذا أدركت هذا، أدركت مزيدا من حقائق النبوة التي كانت تقود حياة النبي ﷺ.
أتذكر يوم خرج النبي ﷺ من وطنه، مكة، مستخفيا في بطون الشعاب والأودية، مهاجرا إلى يثرب، وقد سبقه من قبله ولحقه من بعده أصحابه القلة المستضعفون يتسللون مهاجرين، وقد تركوا المال والأهل والأرض من أجل أن يبقى لهم الدين؟ ..
هاهم أولاء وقد رجعوا إلى الوطن والأهل والمال، وقد كثروا بعد قلة، وتقووا بعد ضعف، واستقبلهم أولئك الذين أخرجوهم بالأمس خاشعين أذلاء خاضعين..
ودخل أهل مكة في دين الله أفواجا، وأقبل بلال الحبشي وهو الذي طالما عذب في رمضاء مكة على أيدي المشركين، فصعد على الكعبة المشرفة ينادي بأعلى صوته:
الله أكبر.. الله أكبر.
ذلك الصوت الذي كان يهمس يوما ما تحت أسواط العذاب: أحد، أحد، أحد، ها هو اليوم يجلجل فوق كعبة الله تعالى قائلا: لا إله إلا الله محمد رسول الله والكل خاشع منصت خاضع! ..
[ ٢٦٩ ]
ألا إنها لحقيقة واحدة لا ثانية لها: هي الإسلام، فما أحمق الإنسان وما أجهله، حينما يكافح أو يناضل أو يجاهد في غير سبيل الإسلام، إنما يكافح حينئذ عن وهم لا حقيقة له ولا طائل.
*** وبعد، فإن أحداث هذا الفتح العظيم تنطوي على دلالات وأحكام كثيرة مختلفة، يجب تبصرها والوقوف عليها. وسنذكر ما تيسر ذكره من ذلك حسب ترتيب الأحداث نفسها.
أولا- ما يتعلق بالهدنة ونقضها:
١- يدلنا سبب فتح مكة، على أن أهل العهد والهدنة مع المسلمين، إذا حاربوا من هم في ذمة المسلمين وجواره، صاروا حربا لهم بذلك. ولم يبق بينهم وبين المسلمين من عهد. وهذا ما اتفق عليه علماء المسلمين.
٢- تدلنا الطريقة التي قصد بها رسول الله ﷺ مكة، على أنه يجوز لإمام المسلمين ورئيسهم أن يفاجئ العدو بالإغارة والحرب لدى خيانته العهد ونبذه له، ولا يجب عليه أن يعلمهم بذلك.
فقد رأيت أن النبي ﷺ لما أجمع الخروج إلى مكة دعا قائلا: «اللهم خذ على أبصار قريش فلا يروني إلا بغتة»، وهذا ما اتفق عليه عامة العلماء.
أما إذا لم تقع الخيانة، وإنما خيف منهم ذلك، بسبب علائم ودلائل قوية، فلا يجوز حينئذ للإمام أن ينبذ عهدهم ويفاجئهم بالحرب والقتال، بل لابد من إعلامهم جميعا بذلك أولا، بدليل قوله تعالى: وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ، إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخائِنِينَ [الأنفال ٨/ ٥٨] أي أعلمهم كلهم عن نبذك لعهدهم.
٣- وفي عمله ﷺ أيضا دليل على أن مباشرة البعض لنقض العهد، بمثابة مباشرة الجميع لذلك، ما لم يبد الآخرون استنكارا حقيقيا له. فالنبي ﷺ اكتفى بسكوت عامة قريش وإقرارهم لما بدر من بعضهم من الإغارة على حلفاء المسلمين، دليلا على أنهم قد دخلوا بذلك معهم في خيانة العهد. وهذا لأنه لما دخلت عامة قريش في أمر الهدنة تبعا لكبارهم وممثليهم، اقتضى الأمر أن يخرج أيضا هؤلاء العامة عن الهدنة، تبعا لما قام به كبارهم وزعماؤهم وممثلوهم.
وقد قتل رسول الله ﷺ جميع مقاتلة بني قريظة دون أن يسأل كلّا منهم هل نقض العهد أم لا؟، وكذلك فعل ببني النضير فقد أجلاهم كلهم بسبب خيانتهم للعهد الذي بينهم وبين المسلمين، وإنما كان الذين باشروا الخيانة بضعة أشخاص منهم فقط.
ثانيا- حاطب بن أبي بلتعة وما يتعلق بعمله:
١- إننا نجد أنفسنا أمام مظهر جديد آخر لنبوته ﷺ، وما كان يؤيّد به من الوحي من قبل ربه ﷻ. لقد قال لبعض أصحابه: «اذهبوا حتى تأتوا روضة خاخ فإن بها ظعينة
[ ٢٧٠ ]
معها كتاب فخذوه منها»، فمن الذي أخبره بأمر هذا الكتاب وأطلعه على ما دار بين الظعينة وحاطب بن أبي بلتعة في شأنه؟ إنه الوحي.. وإذن فهي النبوة، وهي التأييد من الله تعالى لنبيه حتى يتم المخطط الإلهي للفتح العظيم الذي أكرم الله به نبيه والمسلمين.
٢- هل يجوز تعذيب المتهم بمختلف الوسائل، حملا له على الاعتراف؟ لقد استدل بعضهم بما قاله علي ﵁ لتلك المرأة: لتخرجن الكتاب أو لنلقين الثياب، استدلوا بذلك على أنه يجوز للإمام أو نائبه أن يسلك من الوسائل ما يراه كفيلا بكشف الجريمة وإظهارها. كما استدلوا على ذلك بما روي من أن اليهود غيبوا أموالا في غزوة خيبر لحييّ بن أخطب فقال رسول الله ﷺ لعمه: «ما فعل مسك حيي الذي جاء به من النضير؟ (المسك وعاء من جلد) فقال: أذهبته النفقات والحروب. فقال: العهد قريب والمال أكثر من ذلك، فدفعه رسول الله ﷺ إلى الزبير فمسه بعذاب، فقال لهم: قد رأيت حيي يطوف بخربة هنا، فذهبوا فطافوا فوجدوا المسك في الخربة» .
وبعض الباحثين اليوم، يسندون مثل هذا الرأي إلى الإمام مالك ﵁.
والحق الذي عليه كل الأئمة الأربعة وجمهور الباحثين والعلماء، أنه لا يجوز تعذيب المتهم الذي لم تثبت عليه الجريمة ببينة شرعية كافية، حملا له على الإقرار، فالمتهم بريء ما لم تثبت جريمته.
وخبر الظعينة التي أرسلها حاطب إلى مكة، وتهديد علي ﵁ لها، ليس من هذا في شيء، وذلك للسببين التاليين:
أولا: ليست تلك المرأة مجرد متهمة بما ووجهت به، بل هي حقيقة ثابتة، دلّ عليها خبر أصدق الناس محمد ﵊، وهو أقوى في دلالته من بينة الاعتراف والإقرار، فكيف يقاس عليها من حامت حوله التهم لمجرد ظنون وشكوك من أناس غير معصومين؟ وما يقال عن هذه المرأة، يقال أيضا عن عم حيي بن أخطب.
ثانيا: ليس إلقاء الثياب للتفتيش عن الكتاب، كأمر التعذيب أو الحبس، فالفرق بينهما كبير واضح، وإذا ثبت أن الكتاب معها لا محالة، ولم يكن من سبيل إلى الوصول إليه إلا بالتنقيب في ثيابها، فذلك أمر مشروع ولا ريب، بل هو واجب استلزمه أمر رسول الله ﷺ.
وأما تعذيب الزبير لعم حيي بن أخطب، فهو أولا: قائم كما قلنا على الحقيقة لا التهمة، ثم هو ثانيا متعلق بأمر الجهاد والحرابة بين المسلمين وغيرهم، فكيف يقاس عليه تعامل المسلمين بعضهم مع بعض؟!.
وأما زعم أن هذا مذهب ذهب إليه مالك ﵁ في فقهه، فهو زعم باطل مخالف لما هو معروف واضح من مذهبه.
[ ٢٧١ ]
جاء في المدوّنة وهو من رواية سحنون عن مالك ﵁ قوله:
«قلت أرأيت إذا أقر بشيء من الحدود بعد التهديد أو القيد أو الوعيد أو الضرب أو السجن، أيقام عليه الحد أم لا؟ قال: قال مالك: من أقر بعد التهديد أقيل، فالوعيد والقيد والتهديد والسجن والضرب تهديد عندي كله وأرى أن يقال» ثم قال: «قلت فإن ضرب وهدد فأقرّ فأخرج القتيل أو أخرج المتاع الذي سرق، أيقيم عليه الحدّ فيما أقر به أم لا وقد أخرج ذلك؟ قال: لا أقيم عليه الحد إلا أن يقرّ بذلك آمنا لا يخاف شيئا» «٦١» .
٣- دلنا حديث رسول الله ﷺ لحاطب وجوابه له، ثم القرآن الذي نزل بسببه، على أنه لا يجوز للمسلمين- في أي ظروف كانوا- أن يتخذوا من أعداء الله تعالى أولياء لهم يلقون إليهم بالمودة، أو أن يمدوا نحوهم يد الإخاء والتعاون، وذلك رغم ما كان قد اعتذر به حاطب من أنه لصيق بقريش ليس له فيها شيعة تدافع عنه أو يحتمي بها، فهو يريد أن يتخذ عندهم يدا يحتمي بها، عندما يحتمي غيره بما له بينهم من قرابة وأهل.
إن الآيات القرآنية نزلت صريحة تأمر المسلمين أن يجعلوا ولاءهم لله وحده، وأن يقيموا علاقاتهم مع الناس، أيّا كانوا، على أساس ما يقتضيه ولاؤهم لهذا الدين الحنيف والإخلاص له وإلا كيف يتصور أن يضحي المسلمون بأموالهم وأنفسهم وشهواتهم وأهوائهم في سبيل الله تعالى؟!.
وتلك هي مشكلة كثير ممن يعدون أنفسهم مسلمين في هذا العصر.
يقبلون إلى المساجد للصلاة، ويتمتمون بالكثير من الأذكار والأوراد، وتظل مسابحهم تطقطق حباتها في أيديهم، ولكنهم يقيمون علاقاتهم مع الناس على أساس الولاء للأهل والعشيرة، أو مصلحة المال والدنيا، أو وحي الشهوات والأغراض. ولا يهمّهم أن يبيعوا بذلك الحق بالباطل أو أن يجعلوا من دين الله غلافا للأماني الدنيوية الحقيرة! ..
أولئك هم المنافقون الذين بسببهم يعاني المسلمون من صنوف التأخر والتفرق والضعف، وتلك هي الواجهة التي تقام في كل مرة في وجه المؤامرات المختلفة التي تحاك ضدّ إسلام المسلمين ودينهم! ..
ثالثا- أمر أبي سفيان وموقف رسول الله ﷺ منه:
والعجيب في أمر أبي سفيان يوم الفتح، أن يكون هو أول وطليعة المحذرين لقومه من قتال رسول الله ﷺ، وأن يكون في مقدمة الداخلين في دين الله أفواجا يومئذ، وهو الذي لم تخرج غزوة من مكة لحرب رسول الله ﷺ، إلا بإشرافه وتوجيهه وتهييجه! ..
ولعل الحكمة الإلهية شاءت أن تفتح مكة بدون قتال يذكر، وأن يدين أهلها
_________________
(١) المدونة: ١٦/ ٩٣
[ ٢٧٢ ]
لرسول الله ﷺ- وهم الذين أخرجوه وآذوه وقاتلوه- بدون أيّ جهد أو مغامرة من المسلمين، فتهيأت أسباب إسلام أبي سفيان قبل غيره، وذلك في اللقاء الذي تمّ بينه وبين رسول الله ﷺ، عند (مرّ الظهران)، كي يعود إلى قومه في مكة، فينتزع من رؤوسهم فكرة الحرب والقتال، ويهيئ جو مكة لسلم يكون مآله دفن حياة الجاهلية والشرك وبزوغ شمس التوحيد والإسلام.
ولقد كان من مظاهر التمهيد لهذا الأمر ما أمر به الرسول ﷺ من إعلان: أن من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، وذلك بعد أن أعلن إسلامه، إلى جانب ما في ذلك من تألف قلبه على الإسلام وتثبيته عليه. وأنت خبير أن الإسلام إنما هو الاستسلام لأركانه العملية والاعتقادية، ولا بد للمسلم بعد ذلك من رسوخ الإيمان في قلبه، وإنما يكون ذلك بمداومته على التمسك بمبادئ الإسلام وأركانه، ومن أهم ما يحفزه على المداومة والاستمرار، تألّف المسلمين لقلبه بمختلف الوسائل والأسباب المشروعة، ريثما تستقر جذور الإيمان في قلبه ويغدو إسلامه قويا صلدا لا تهزه أو تزعزعه الأعاصير.
لقد غابت هذه الحكمة من أذهان بعض الصحابة من الأنصار، حينما سمعوا رسول الله ﷺ يقول: من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، فظنوا أنه ﷺ شعر بالميل والعاطفة نحو بلدته وجماعته، فهو من أجل ذلك قال هذا الكلام، وأظهر وجه المسالمة والصفح! ..
روى مسلم عن أبي هريرة ﵁ أنه ﷺ لما قال هذه الكلمة، قال الأنصار بعضهم لبعض:
«أما الرجل فقد أدركته رغبة في قريته ورأفة بعشيرته، قال أبو هريرة: وجاء الوحي، وكان إذا جاء الوحي لا يخفى علينا، فإذا جاء فليس أحد يرفع طرفه إلى رسول الله ﷺ حتى ينقضي الوحي، قال رسول الله ﷺ: يا معشر الأنصار، قالوا: لبيك يا رسول الله، قال: قلتم أما الرجل فأدركته رغبة في قريته، قالوا: قد كان ذلك، قال: كلا، إني عبد الله ورسوله، هاجرت إلى الله وإليكم، والمحيا محياكم والممات مماتكم! .. فأقبلوا إليه يبكون ويقولون: والله ما قلنا إلا ضنا بالله ورسوله» .
وهذا الذي قلناه من الفرق بين الإسلام والإيمان، هو الذي يكشف لك ما قد تستشعره من الإشكال في الشكل الذي تمّ عليه إسلام أبي سفيان ﵁. فقد رأيت أنه أجاب رسول الله ﷺ، حينما قال له: «ألم يأن لك أن تعلم أنني رسول الله؟ بقوله: أمّا هذه والله، فلا يزال في النفس منها شيء! .. فقال له العباس: ويحك أسلم واشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله قبل أن تضرب عنقك!. وحينئذ شهد شهادة الحق» .
والإشكال في هذا أنه قد يقال: فما هي قيمة إسلام لم يأت إلا بالتهديد، إذ قد كان من قبل
[ ٢٧٣ ]
بلحظة واحدة يقول، إن في نفسه من نبوة رسول الله شيئا؟! ..
ولكن الإشكال يزول بما قد علمت، من أن المطلوب في الدنيا من المشرك أو الكافر ليس هو استقرار الإيمان كاملا في فؤاده، في اللحظة التي يراد منه فيها الدخول في الإسلام، وإنما المطلوب منه أن يستسلم كيانه ولسانه لدين الله تعالى فيخضع لتوحيد الله تعالى ويذعن لنبوة رسوله وكل ما جاء به من عند الله ﵎. أما الإيمان فيربو بعد ذلك في قلبه مع استمرار تمسكه بالإسلام وخضوعه له.
ولذلك يقول الله تعالى في كتابه الكريم: قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا، قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا، وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ [الحجرات ٤٩/ ١٤] .
ولذلك أيضا لا يجوز للمسلم أثناء القتال أن يحمل إسلام أحد من الكفار في أثناء المعركة على الخوف من السلاح أو الرغبة في الغنيمة، أو التظاهر بما لا يوقن به، مهما كانت القرائن دالة على ذلك، لأن المطلوب ليس الاستيلاء على ما في الضمائر والقلوب ولكن المطلوب إصلاح ما هو مكشوف وظاهر. وفي ذلك يقول الله تعالى تعليقا على ما بدر من بعض الصحابة في إحدى السرايا التي أرسلها رسول الله ﷺ إذ قتل شخصا أعلن إسلامه ظنا منه أنه إنما أعلن ذلك مخافة السلاح:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا، وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا، تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا؟ فَعِنْدَ اللَّهِ مَغانِمُ كَثِيرَةٌ، كَذلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ، فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا [النساء ٤/ ٩٤] .
وانظر كيف ذكرهم بحالهم يوم أن دخلوا الإسلام جديدا، فقد كان كثير منهم إذ ذاك مثل هذا الذي لا يثقون بإسلامه اليوم، ثم منّ الله عليهم فحسن إسلامهم وتصفّى مع الاستمرار في ممارسة أحكامه، من الدّخل والشوائب.
ولقد كان من حكمة رسول الله ﷺ بعد أن أعلن أبو سفيان إسلامه، أن أمر العباس أن يقف به عند مضيق الوادي، الذي ستمر فيه جنود الله تعالى، حتى يبصر بعينه كيف أصبحت قوة الإسلام، وإلام انقلبت حال أولئك الذين هاجروا من مكة قلة مشتتين مستضعفين! .. وحتى تكون هذه العبرة البالغة أول مثبت لدينه ومؤكد لعقيدته.
وأخذ أبو سفيان يتأمل الكتائب التي تمر، واحدة إثر أخرى، وهو في دهشة وذهول مما يرى! .. والتفت يقول للعباس، وهو لا يزال تحت تأثير بقايا من الفكر الجاهلي وأوهامه:
«لقد أصبح ملك ابن أخيك الغداة عظيما!» .
فأيقظه العباس من بقايا غفلته السابقة قائلا: «يا أبا سفيان إنها النبوة» .
أيّ ملك هذا الذي تقول؟ .. لقد ألقى الملك والمال والجاة تحت قدميه يوم أن عرضتم كل
[ ٢٧٤ ]
ذلك عليه في مكة، وهو يعاني من تعذيبكم وإيذائكم له، وهل ألجأتموه إلى الهجرة من بلده إلا لأنه رفض أن يستبدل الملك الذي عرضتموه عليه بالنبوة التي كان يدعوكم إلى الإيمان بها؟
إنها النبوة! ..
تلك هي الكلمة التي أدارتها الحكمة الإلهية على لسان العباس، حتى تصبح الردّ الباقي إلى يوم القيامة على كل من يتوهم أو يوهم أن دعوة النبي ﷺ إنما كانت ابتغاء ملك أو زعامة، أو إحياء قومية أو عصبية وهي كلمة جاءت عنوانا لحياة رسول الله ﷺ من أولها إلى آخرها، فقد كانت ساعات عمره ومراحله كلها دليلا ناطقا على أنه إنما بعث لتبليغ رسالة الله إلى الناس، لا لإشادة ملك لنفسه في الأرض.
رابعا- تأملات في كيفية دخوله ﷺ إلى مكة:
١- لقد رأينا فيما يرويه البخاري عن عبد الله بن المغفل أنه ﷺ كان وهو على مشارف مكة يقرأ سورة الفتح، يرجّع في تلاوته لها، والترجيع كيفية معينة في القراءة يترنم بها القارئ.
وهذا يدل- كما نرى- أنه ﷺ كان مستغرقا في حالة شهود مع الله تعالى أثناء دخوله مكة، فما كانت لنشوة الظفر والنصر العظيم إلى نفسه من سبيل ولم يكن شيء من التعاظم أو التجبر ليستولي على شيء من مشاعره، إنما هو الانسجام التام مع شهود الله تعالى والشكر على نصره وتأييده.
ويزيد في تصوير هذا المعنى ما رواه ابن إسحاق من أنه ﷺ لما وصل إلى ذي طوى كان يضع رأسه تواضعا لله، حين رأى ما أكرمه الله به من الفتح، حتى أن عثنونه ليكاد يمس واسطة الرحل.
وهذا يعني أنه ﷺ كان مندمجا في حالة من العبودية التامة لله تعالى إذ رأى ثمرة القيام بأمر ربه، ونظر إلى نتيجة كل ما قد كان لقيه من العذاب من قومه، وكيف أن الله أعاده إلى البلدة التي أخرجته عزيزا منصورا مكرما! .. إنها الساعة التي ينبغي أن تمتلئ بشكر الله تعالى وحده، وينبغي أن يفيض الزمن كله فيها بمعنى العبودية التامة لله تعالى.
وهكذا يجب أن تكون حال المسلمين دائما، عبودية مطلقة لله في السراء والضراء، في الرخاء والشدة، عند الضعف والقوة. وليس من شأن المسلمين إطلاقا، أن يتظاهروا بالذل لله تعالى كلما حاقت بهم مصيبة أو كرب، حتى إذا انكشف الكرب وزال الضر، أسكرتهم الفرحة بل أسكرهم الطغيان عن كل شيء، ومرّوا من جنب أوامر الله تعالى وأحكامه ساهين لاهين، كأن لم يدعوه ويتذللوا له في كشف ضر مسّهم! ..
٢- يدلنا أيضا هذا الذي رواه البخاري، على مشروعية الترنم والتغني بقراءة القرآن، وهو المعنى الذي عبر عنه عبد الله بن المغفل بالترجيع. وهو الحق الذي عليه عامة العلماء من الشافعية
[ ٢٧٥ ]
والحنفية وكثير من المالكية وغيرهم.
ولقد حمل هؤلاء الأئمة ما روي عن كثير من الصحابة أو التابعين مما يدل على النهي عن التطريب والتغني في تلاوة القرآن، على التطريب الذي يطغى على سلامة الأداء ويذهب بالحروف والكلمات عن مخارجها العربية الصحيحة، إذ إن مثل هذه التلاوة غير جائزة باتفاق.
٣- لقد كان من التدبير الحكيم لرسول الله ﷺ، ما أمر به أصحابه من أن يتفرقوا في مداخل مكة، فلا يدخلوها من طريق ومدخل واحد، وذلك بغية تفويت فرصة القتال على أهل مكة إن أرادوا ذلك إذ يضطرون إلى تشتيت جماعاتهم وتبديد قواهم في جهات مكة وأطرافها فتضعف لديهم أسباب المقاومة ومغرياتها.
وإنما فعل رسول الله ﷺ ذلك، حقنا للدماء ما أمكن، وحفظا لمعنى السلامة والأمن في البلد الحرام، ومن أجل هذا أمر المسلمين أن لا يقاتلوا إلا من قاتلهم، وأعلن أن من دخل داره وأغلق بابه فهو آمن.
خامسا- ما اختص به الحرم المكي من الأحكام:
١- حرمة القتال فيه:
لقد رأينا أن النبي ﷺ نهى أصحابه عن قتال أحد، إلا أن يبدأ أناس المسلمين بالقتال، وإلا ستة أنفار أمر رسول الله ﷺ بقتلهم أينما وجدوا.
ولقد رأينا أنه ﷺ أنكر على خالد بن الوليد قتاله لبعض أهل مكة حينما رأى بارقة السيوف على بعد، فقيل له أنه قوتل فقاتل فقال: قضاء الله خير، ولم يقع فيما عدا ذلك قتال ما في مكة.
كما رأينا أنه ﷺ قال فيما خطب به الناس يوم الفتح: «إن مكة حرّمها الله، ولم يحرمها الناس، لا يحل لا مرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دما ولا يعضد بها شجرا، فإن أحد ترخص في قتال فيها فقولوا: إن الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم، وإنما أذن له ساعة من نهار وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس» .
وقد أخذ عامة العلماء من هذا أنه لا يجوز القتال في مكة وما يتبعها من الحرم، وهو صريح أمر النبي ﷺ في خطبة يوم الفتح.
ولكنهم بحثوا بعد هذا، في كيفية تطبيق هذا الأمر، وسبيل التوفيق بينه وبين النصوص التي تأمر بقتال المشركين والبغاة وقتل من ثبت عليهم القصاص.
فقالوا: «أما المشركون والملحدون فلا يتصور أن تقع المشكلة بالنسبة لقتالهم، فقد ثبت شرعا أنه لا يجوز تمكين أحد يدين بغير الإسلام من الاستيطان بمكة» وذلك باتفاق الأئمة، بل ومن
[ ٢٧٦ ]
مجرد الدخول إليها عند الشافعية وكثير من المجتهدين، وذلك لقوله تعالى: إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا [التوبة ٩/ ٢٨] . وعلى من فيها أن يقاتلوا هؤلاء قبل وصولهم إليها والدخول فيها، هذا إلى أن الله ﷾ قد تكفل بحفظ حرمه من أن يدنس بإقامة أي كافر أو مشرك فيه، وذلك مظهر من مظاهر إعجاز هذا الدين يتجلى في صدق الوعد الذي جاء في كتابه وعلى لسان نبيه.
وأما البغاة- وهم الذين يعلنون البغي على الإمام الصالح- فقد ذهب جمهور الفقهاء إلى أنهم يقاتلون على بغيهم إذا لم يمكن ردّهم عن بغيهم إلا بالقتال، لأن قتال البغاة من حقوق الله تعالى التي لا يجوز إضاعتها، فحفظها أولى في الحرم من إضاعتها. قال النووي: «وهذا الذي نقل عن الجمهور هو الصواب وقد نصّ عليه الشافعي في كتاب اختلاف الحديث» .
قال الشافعي: «ويجاب عما يقتضيه ظاهر الأحاديث من منع القتال مطلقا (أي حتى للبغاة) بأن القتال المقصود بالتحريم إنما هو نصب القتال عليهم وقتالهم بما يعمم كالمنجنيق وغيره، إذا أمكن إصلاح الحال بدون ذلك. وأما إذا تحصن الكفار في بلد آخر فإنه يجوز قتالهم حينئذ على كل وجه وبكل شكل» .
وذهب بعض الفقهاء إلى أنه يحرم قتال البغاة بل يضيّق عليهم في كل الوجوه حتى يضطروا إلى الخروج من الحرم أو الرجوع إلى الطاعة «٦٢» .
وأما إقامة الحدود، فقد ذهب مالك والشافعي إلى أن الحدود تقام في الحرم المكي لما رواه البخاري من أن النبي ﷺ قال: «إن الحرم لا يعيذ عاصيا ولا فارا بدم ولا فارا بخربة» «٦٣» .
وذهب أبو حنيفة- وهو رواية عن أحمد- إلى أنه آمن مادام في الحرم، ولكن يضيّق عليه ويضطر إلى الخروج منه، حتى إذا خرج استوفي منه الحد أو القصاص، ودليل هؤلاء عموم ما قاله رسول الله ﷺ في يوم الفتح.
قال الزركشي: «فوجه الخصوصية إذن للحرم المكي، أن الكفار أو البغاة لو تحصنوا بغير مكة من البلدان الأخرى جاز نصب حرب عامة شاملة عليهم على أي وجه وبأي شكل تقتضيه المصلحة، ولكنهم لو تحصنوا بها لم يجز قتالهم على ذلك الوجه «٦٤» . قلت: هذا إلى جانب أن الله تعالى قد تعهد بأن يكون هذا الحرم موئلا ومثابة للمسلمين وحدهم، وإذا كان الواقع كذلك ففيم يقوم سبب القتال فيه إذن اللهم إلا لإقامة الحدود وردّ البغي وقد عرفت حكم كل منهما.
_________________
(١) انظر شرح مسلم للنووي: ٩/ ١٢٤ و١٢٥، والأحكام السلطانية للماوردي: ١٦٦
(٢) قال في النهاية: الخربة أصلها العيب، والمراد به هنا الذي يفرّ بشيء يريد أن ينفرد به ويتغلب عليه مما لا تجيزه الشريعة.
(٣) انظر إعلام الساجد في أحكام المساجد للزركشي: ١٦٢ وطرح التثريب: ٥/ ٨٦
[ ٢٧٧ ]
٢- تحريم صيده:
وهذا ثابت بالإجماع لقوله ﷺ في الحديث المتفق عليه: «لا يعضد شوكه ولا ينفر صيده» . فإذا حرم التنفير فالإتلاف أولى. فإن أصاب صيدا فيه وجب عليه إرساله، وإن تلف في يده ضمنه بالجزاء كالمحرم. ويستثنى من عموم حيوانات الحرم خمسة أصناف استثناها ﷺ من عموم المنع وسماها الفواسق وهي: الغراب، الحدأة، العقرب، الفأرة، الكلب العقور، وقد قاس العلماء عليها ما يشاركها في صفة الإيذاء من الحيوانات الأخرى كالحية والسباع الضارية.
٣- تحريم قطع شيء من نباته:
ودليله قول رسول الله ﷺ في الحديث السابق: «لا يعضد شوكه» وضابط ذلك قطع كل نبات أنبته الله تعالى دون أن يغرسه أحد من الناس مادام رطبا. فلا يحرم ما غرسه الآدميون، كما لا يحرم فيه ذبح الأنعام، واسترعاء خلاه ونباته وقطع ما يبس من أشجاره وأعشابه، وروى الزركشي عن أبي حنيفة وأحمد منع رعي البهائم في الحرم «٦٥» !
واستثنى الجمهور من عموم النباتات ما كان مؤذيا منها قياسا على الفواسق الخمسة التي استثناها ﷺ، فهو من قبل تخصيص النص بالقياس «٦٦» .
٤- وجوب دخوله محرما:
فمن قصد مكة- أو قصد شيئا من حرمه كما قال النووي- وكان ممن لا يتكرر دخوله كالتجار والحطابين ومن تجبرهم مهنتهم على استمرار الدخول إلى الحرم والخروج منه، فإن عليه أن لا يدخل إلا محرما بحج أو عمرة.
وقد اختلف العلماء هل يتعلق الطلب بذلك وجوبا أم ندبا؟ المشهور عن الأئمة الثلاثة وهو المفتى به عند الحنفية والمروي عن ابن عباس أن الطلب على سبيل الوجوب. وذهب جمهور الشافعية إلى أنه على سبيل الندب.
وسبب الخلاف أن النبي ﷺ حينما دخل مكة يوم الفتح لم يكن محرما بدليل ما رواه مسلم وغيره أنه ﷺ دخل مكة يوم الفتح وعليه عمامة سوداء بغير إحرام.
فالذين قالوا إن الإحرام مندوب استدلوا بهذا الحديث، والذين صححوا الوجوب، قالوا:
إن النبي ﷺ دخل خائفا من غدر الكفار فكان متهيأ لقتال من سيقاتله منهم، وهي من الحالات التي تستثنى من عموم حالات الوجوب.
_________________
(١) راجع إعلام الساجد للزركشي: ١٥٧
(٢) راجع ضوابط المصلحة في الشريعة الإسلامية للمؤلف: ٢٠٠
[ ٢٧٨ ]
٥- حرمة تمكين غير المسلمين من الإقامة فيه:
وقد أوضحنا هذا الحكم مع بيان دليله عند ذكر الحكم الأول، وهو حرمة القتال فيه.
سادسا- تأملات فيما قام به ﷺ من أعمال عند الكعبة المشرفة:
١- الصلاة داخل الكعبة: ذكرنا ما رواه البخاري عن ابن عباس من أنه ﷺ لم يدخل البيت حتى أخرج ما كان فيه من أصنام وأخرجت صورة لإبراهيم وإسماعيل وفي أيديهما الأزلام.. ثم دخل البيت فكبّر في نواحيه ولم يصل.
وقد روى مسلم عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ دخل الكعبة هو وأسامة وبلال وعثمان بن طلحة الحجبي، فأغلقها عليه ثم مكث فيها. قال ابن عمر: فسألت بلالا حين خرج ما صنع رسول الله ﷺ؟ قال: «جعل عمودين عن يساره وعمودا عن يمينه وثلاثة أعمدة وراءه»، وكان البيت يومئذ على ستة أعمدة، ثم صلى. وقد روى البخاري عن ابن عمر قريبا من هذا.
وقد قال العلماء إنه لا تعارض بين الحديثين، وذلك لأن ابن عباس- وهو راوي حديث عدم الصلاة- لم يكن مع رسول الله ﷺ داخل الكعبة، وإنما أسند نفي الصلاة- كما يقول ابن حجر- تارة إلى أسامة وتارة إلى أخيه الفضل، على أن الفضل أيضا لم يكن معهم في الكعبة.
أما بلال، وهو الذي نقل إثبات الصلاة، فقد كان معه ﷺ، وبناء على هذا ينبغي أن يقدم حديث ابن عمر عن بلال، لسببين:
الأول: أنه مثبت فمعه زيادة علم، والمثبت مقدم على النافي.
الثاني: أن رواية بلال عن تثبت ومشاهدة لأنه كان معه ﷺ في داخل الكعبة، أما رواية ابن عباس فهي كما علمت إنما تستند إلى نقل لا مشاهدة، وهو مرة ينقل عن أسامة، ومرة ينقل عن أخيه الفضل، والفضل لم يكن موجودا معه.
قال النووي: «أجمع أهل الحديث على الأخذ برواية بلال، لأنه مثبت فمعه زيادة علم، فواجب ترجيحه» «٦٧» .
وقد ذهب الشافعي وأبو حنيفة وأحمد وجمهور العلماء إلى أن الصلاة تصح في داخل الكعبة إذا اتجه المصلي إلى أحد جدرانها، سواء في ذلك النافلة والفريضة. وفرق مالك: «فصحح النفل المطلق دون الفرض والرواتب» «٦٨» .
٢- حكم التصوير واتخاذ الصور: وقد رأيت فيما نقلناه من حديث البخاري نفسه أنه ﷺ لم يدخل الكعبة حتى أخرج كل ما فيها من صور وأصنام، وقد روى أبو داود عن جابر رضي الله
_________________
(١) راجع فتح الباري: ٣/ ٣٠٤، وشرح مسلم للنووي: ٩/ ٨٢
(٢) انظر النووي على مسلم. وطرح التثريب للحافظ العراقي: ٥/ ١٧٥
[ ٢٧٩ ]
عنه أن النبي ﷺ أمر عمر بن الخطاب، وهو بالبطحاء، أن يأتي الكعبة فيمحو كل صورة فيها، فلم يدخلها حتى محيت الصور، وقد روى البخاري في كتاب الحج عن أسامة أنه ﷺ دخل الكعبة فرأى صورة إبراهيم، فدعا بماء فجعل يمحوها.
وهذه الأحاديث، في مجموعها، تدل على أنه ﷺ، أمر بالرسوم المخطوطة على الجدران فمحيت، كما أمر بالصورة المجسمة القائمة في جوفها فأخرجت، ويبدو أنه حينما دخل بعد ذلك وجد آثارا لتلك الرسوم على بعض جدرانها فدعا بماء وجعل يبالغ في حتها ومحوها.
وهذا يدل بوضوح على حكم الإسلام في حق التصوير والصور المجسمة وغير المجسمة. ولننقل لك في ذلك نص الإمام النووي رحمه الله تعالى في شرحه على صحيح مسلم، قال:
«قال أصحابنا وغيرهم من العلماء: تصوير صورة الحيوان حرام شديد الحرمة، وهو من الكبائر لأنه متوعد عليه بهذا الوعيد الشديد المذكور في الأحاديث، وسواء صنعه بما يمتهن أو بغيره، فصنعته حرام على كل حال، لأن فيه مضاهاة بخلق الله تعالى، وسواء ما كان في ثوب أو بساط أو درهم أو دينار أو فلس أو إناء أو حائط أو غيرها.
أما تصوير الشجر ورحال الإبل وغير ذلك مما ليس فيه صورة حيوان، فليس بحرام.
هذا حكم نفس التصوير. وأما حكم اتخاذ المصوّر فيه صورة حيوان، فإن كان معلقا على الحائط أو ثوبا ملبوسا أو عمامة ونحو ذلك، مما لا يعد ممتهنا، فحرام. وإن كان في بساط يداس ومخدة ووسادة ونحوها، مما يمتهن، فليس بحرام. ولكن هل يمنع دخول ملائكة الرحمة ذلك البيت؟ فيه كلام نذكره فيما بعد إن شاء الله.
ولا فرق في هذا كله بين ما له ظلّ وما لا ظلّ له. هذا تلخيص مذهبنا في هذه المسألة.
وبمعناه قال جماهير العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم. وهو مذهب الثوري ومالك وأبي حنيفة وغيرهم. وقال بعضهم: «إنما ينهى عما كان له ظل ولا بأس بالصورة التي ليس لها»، وهذا مذهب باطل، فإن الستر الذي أنكر النبي ﷺ الصور فيه «٦٩»، لا يشك أحد أنه مذموم، وليس لصورته ظل، مع باقي الأحاديث المطلقة في كل صورة» .
ثم قال رحمه الله تعالى: «وأجمعوا على منع ما كان له ظل، ووجوب تغييره. قال القاضي إلا ما ورد في اللعب بالبنات (اللّعب) لصغار البنات، ففي ذلك رخصة» «٧٠» .
_________________
(١) يقصد بذلك ما رواه مسلم عن عائشة قالت: دخل علي رسول الله ﷺ وأنا متسترة بقرام فيه صور (أي متخذة ستائر رقيقة عليها صور) فتلون وجهه ثم تناول الستر فهتكه، ثم قال: إن من أشد الناس عذابا يوم القيامة الذين يشبهون بخلق الله.
(٢) النووي على صحيح مسلم: ١٤/ ٨١
[ ٢٨٠ ]
قلت: ويستشكل الناس حكم الصور الفوتوغرافية اليوم: هل هي في حكم الرسوم والصور التي ترسم وتخطط بمهارة اليد، أم لها حكم آخر.
وقد فهم بعضهم من علة التصوير التي ذكرها النووي فيما نقلناه من كلامه أن التصوير الفوتوغرافي ليس في حكم الرسم باليد، إذ العمل الفوتوغرافي لا يقوم على أي مهارة في الصنعة أو اليد، بحيث تتجلى فيها محاولة المضاهاة بخلق الله تعالى، إذ هو يقوم على تحريك بسيط لناحية معينة في جهاز التصوير، يتسبب عنه انحباس الظل في داخله بواسطة أحماض معينة؛ وهي حركة بسيطة يستطيع أن يقوم بها أي طفل صغير والحق أنه لا ينبغي تكلف أي فرق بين أنواع التصوير المختلفة حيطة في الأمر، ونظرا لإطلاق لفظ الحديث. نقول هذا على سبيل التورع والحيطة، أما الخوض في حقيقة حكمه الشرعي فيحتاج إلى بحث ودراسة مفصلة.
هذا فيما يتعلق بالتصوير. أما الاتخاذ فلا فرق بين الفوتوغرافي وغيره، فيما يبدو. والله أعلم.
ولكن مهما يكن، فإن لنوع الصور أثرا في الحكم على التصوير واتخاذه. فإن كان الشيء المصور من قبيل المحرمات كصور النساء وما شابه ذلك فهو محرم ولا شك، وإن كان مما تدعو المصلحة والحاجة إلى تصويره فربما كانت في ذلك رخصة؛ والله أعلم.
ثم إنه ربما يعجب بعض الناس اليوم من أن يكون التصوير أو النحت محرما في الإسلام، مع أنهما يعدّان من المقومات الفنية الكبرى لدى سائر الأمم المتحضرة في هذا العصر! ..
وسرّ العجب عند هؤلاء الناس، أنهم يتوهمون الإسلام متفقا مع هذه الحضارة الغربية اليوم، وإنما هو يخالف منها هذه المظاهر الجزئية فيعجبون للتناقض. مع أن الإسلام حينما لا يقر هذه المظاهر من الفن ويحرمها فإنما ذلك لأن للإسلام منطلقا حضاريا آخر مستقلا بذاته لا يتفق ومنطلقات هذه الحضارة التي فرضت نفسها علينا من نافذة التقليد الأعمى، ولم تتقدم إلينا عن طريق المحاكمة العقلية الصافية، فهم يحتجون على الإسلام باسم الفن، مع أن للفن في الحكم الإسلامي مضمونا آخر غير هذا المضمون الذي تلقيناه من فلسفة أخرى لا شأن لها بعقيدتنا.
٣- حجابة البيت: وبناء على ما ذكرناه من أنه ﷺ أعاد مفتاح البيت إلى عثمان بن طلحة وقال له: «خذوها خالدة مخلدة- يقصد بني عبد الدار وبني شيبة- لا ينزعها منكم إلا ظالم»، فقد ذهب عامة العلماء إلى أنه لا يجوز لأحد أن ينتزع حجابة البيت وسدانته منهم إلى يوم القيامة.
قال النووي نقلا عن القاضي عياض: «هي ولاية لهم عليها من رسول الله ﷺ فتبقى دائمة لهم ولذرياتهم أبدا، ولا ينازعون فيها ولا يشاركون ما داموا موجودين صالحين لذلك. أقول: وهي لا تزال اليوم في أيديهم طبق وصية النبي ﷺ وأمره.
[ ٢٨١ ]
٤- تكسير الأصنام: وإنه لمظهر رائع لنصر الله وعظيم تأييده لرسوله، إذ كان يطعن تلك الآلهة الزائفة المنثورة حول الكعبة بعصا معه، وهو يقول: «جاء الحق وزهق الباطل، جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد» . وقد روى ابن إسحاق وغيره أن كل صنم منها كان مرصصا من أسفله حتى يثبت قائما على الأرض، فما يكاد يطعن الواحد منها بعصاه حتى ينكفئ على وجهه أو ينقلب على ظهره جذاذا!. ولماذا لا تنقلب لإشارته ﷺ ولا تتكسر، وقد قلب الله له جبروت قريش خضوعا وذلا، وجعل مكة كلها وبمن فيها تدين للدين الذي جاء به وتذعن للحق الذي نادى به!! ..
سابعا- تأملات في خطابه ﷺ يوم الفتح:
والآن.. ها هي ذي مكة: البلدة التي هاجر منها قبل ثمان سنوات، خاضعة له مؤمنة برسالته وهديه، وهاهم أولاء، الذين طالما ناصبوه العداء وساموه أصناف الأذية والعذاب، مجتمعون حوله في خشوع وترقب وإطراق، فما الذي سيقوله ﷺ لهم اليوم؟!.
إن عليه قبل كل شيء أن يبدأ بالثناء على ربه الذي نصره وأيده وصدق وعده، وهكذا استفتح خطابه بقوله:
«لا إله إلا الله وحده لا شريك له صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده» . ثم عليه بعد ذلك أن يعلن أمام قريش وغيرهم من سائر الناس، عن المجتمع الجديد وشعاره وهو الشعار الذي يتجلى في قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوبًا وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ [الحجرات ٤٩/ ١٣] وإذن فلتدفن تحت أقدام المسلمين بقايا تلك المآثر الجاهلية العتيقة العفنة، من التفاخر بالآباء والأجداد، والتباهي بالقومية والقبلية والعصبيات، والاعتداد بفوارق الشكل واللغة والأنساب، فالناس كلهم لآدم، وآدم من تراب.
لقد طويت منذ اللحظة جاهلية قريش، فلتطو معها سائر عاداتها وتقاليدها، ولتدفن في غياهب الماضي الذي أدبر، ولتغتسل قريش من بقية أدرانها لتنضم إلى القافلة وتسير مع الركب فإن الموعد عما قليل هناك.. عند إيوان كسرى، وداخل بلاد الروم، وإن مكة ستصبح بعد اليوم مشرق حضارة ومدنية جديدتين تلبس منهما الدنيا كلها حلة من السعادة الإنسانية الشاملة.
وهكذا دفنت فعلا في تلك الساعة بقايا المآثر الجاهلية تحت الأقدام، وبايعت قريش رسول الله ﷺ على الإسلام، على أنه لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى، وعلى أنه لا تعاظم إلا بحلّة الإسلام ولا مباهاة إلا بالتمسك بنظامه. وبناء على ذلك ملّكهم الله زمام العالم وأخضع لهم الدنيا.
[ ٢٨٢ ]
فاعجب بعد ذلك لجيفة منتنة تبعث اليوم من رمسها بعد مضي أربعة عشر قرنا على موتها ودفنها! ..
ثامنا: بيعة النساء وما يتعلق بها من أحكام:
نأخذ منها ما يلي:
أولا: اشتراك المرأة مع الرجل- على أساس من المساواة التامة- في جميع المسؤوليات التي ينبغي أن ينهض بها المسلم. ولذلك كان على الخليفة أو الحاكم المسلم أن يأخذ عليهن العهد بالعمل على إقامة المجتمع الإسلامي بكل الوسائل المشروعة الممكنة، كما يأخذ العهد في ذلك على الرجال.
ليس بينهما فيه فرق ولا تفاوت.
ومن هنا كان على المرأة المسلمة أن تتعلم شؤون دينها، كما يتعلّم الرجل، وأن تسلك كل السّبل المشروعة الممكنة إلى التسلح بسلاح العلوم والوعي والتنبه إلى مكامن الكيد وأساليبه لدى أعداء الإسلام الذين يتربصون به، حتى تستطيع أن تنهض بالعهد الذي قطعته على نفسها وتنفذ عقد البيعة الذي في عنقها.
وواضح أن المرأة لا تستطيع أن تنهض بشيء من هذا إذا كانت جاهلة بحقائق دينها غير منتبهة إلى أساليب الكيد الأجنبي من حولها.
ثانيا: علمت مما ذكرناه من كيفية بيعة النّبي ﷺ للنساء، أن مبايعتهن إنما كانت بالكلام فقط من غير أخذ الكف، وذلك على خلاف بيعة الرجال، فدلّ ذلك على أنه لا يجوز ملامسة الرجل بشرة امرأة أجنبية عنه، ولا أعلم خلافا في ذلك عند علماء المسلمين، اللهم إلا أن تدعو إلى ذلك ضرورة كتطبيب وفصد وقلع ضرس ونحو ذلك.
وليس من الضرورة شيوع العرف بمصافحة النساء، كما قد يتوهم بعض الناس، فليس للعرف سلطان في تغيير الأحكام الثابتة بالكتاب أو السّنة إلّا حكم كان قيامه من أصله بناء على عرف شائع. فإن تبدل ذلك العرف من شأنه أن يؤثر في تغيير ذلك الحكم، إذ هو في أصله حكم شرطي مرهون بحالة معينة. وليس موضوع البحث من هذا في شيء.
ثالثا: دلّت أحاديث البيعة التي ذكرناها على أن كلام الأجنبية يباح سماعه لدى الحاجة، وأن صوتها ليس بعورة، وهو مذهب جمهور الفقهاء ومنهم الشافعية. وذهب بعض الحنفية إلى أن صوتها عورة للأجنبي. وهم محجوجون في ذلك بما صحّ من أحاديث بيعته ﷺ للنساء، وأحاديث كثيرة أخرى.
تاسعا: هل فتحت مكة عنوة أم صلحا؟
اختلف العلماء في ذلك، فذهب الشافعي وأحمد ﵄ وآخرون إلى أنه دخلها
[ ٢٨٣ ]
صلحا، وكان الممثل لقريش في هذا الصلح هو أبو سفيان، وكان الاتفاق والشرط فيه على أنه:
من أغلق بابه فهو آمن، ومن أسلم فهو آمن، ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن، إلا ستة أنفس هدر دمهم.
وذهب أبو حنيفة ومالك إلى أنه دخلها عنوة، واستدلوا على ذلك بالطريقة التي دخل بها المسلمون مكة، وبما كانوا يحملونه من السلاح وعدة الحرب.
واتفق الكل على أنه ﷺ لم يغنم منها مالا ولم يسب فيها ذرية، فأما من ذهب إلى أنها فتحت صلحا فسبب ذلك واضح، وأما من ذهب إلى أنها فتحت عنوة فقد قالوا إن الذي منع الرسول ﷺ من قسمتها شيء آخر تمتاز به مكة عن بقية البلاد، فإنها دار النسك ومتعبّد الحق وحرم الرّب تعالى، فكأنه وقف من الله تعالى على العالمين، ولهذا ذهب بعض العلماء ومنهم أبو حنيفة إلى منع بيع أراضي ودور مكة المكرمة «٧١» .
هذه خلاصة عن بعض الأحكام والعبر التي تؤخذ من أحداث الفتح الكبير لمكة المكرمة، وحسبنا هذا القدر من ذلك والله أعلم.
غزوة حنين
وقد كانت في شوال سنة ثمان من هجرة النّبي ﷺ.
وسببها أن الله ﷻ، حينما فتح على رسوله مكة، ودانت له قريش بعد بغيها وعدوانها، مشت أشراف هوازن وثقيف بعضها إلى بعض، وقد توغر صدورهم للنصر الذي آتاه الله رسوله والمؤمنين. فحشدوا حشودا كبيرة، وجمع أمرهم مالك بن عوف سيّد هوازن، وأمرهم فجاؤوا معهم بأموالهم ونسائهم وأبنائهم، حتى نزلوا بأوطاس (مكان بين مكة والطائف)، وإنما أمرهم بذلك حتى يجد كل منهم ما يحبسه عن الفرار، وهو الدفاع عن الأهل والمال والولد! ..
وأجمعوا المسير إلى رسول الله ﷺ. فخرج إليهم ﷺ لست ليال خلون من شوال «٧٢» في اثني عشر ألفا من المسلمين، عشرة آلاف من أهل المدينة، وألفين من أهل مكة «٧٣» .
وبعث رسول الله ﷺ عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي ليذهب فيدخل بين المشركين ويقيم فيهم ويعلم أخبارهم ثم يعود بذلك إليه ﷺ. فانطلق حتى دخل بينهم وطاف بمعسكرهم ثم جاءه بخبرهم.
_________________
(١) راجع الأحكام السلطانية: ١٦٤، وزاد المعاد لابن القيم: ٢/ ١٧٤
(٢) طبقات ابن سعد: ٤/ ٢٠٠
(٣) طبقات ابن سعد: ٤/ ٣٠٠، وسيرة ابن هشام.
[ ٢٨٤ ]
وكان قد ذكر لرسول الله ﷺ أن عند صفوان بن أمية أدراعا وأسلحة، فأرسل إليه- وهو يومئذ مشرك- فطلب منه تلك الدروع والأسلحة. فقال صفوان: «أغصبا يا محمد؟! .. قال: بل عارية، وهي مضمونة حتى نؤديها إليك. فأعطاه مئة درع بما يكفيها من السلاح» «٧٤» .
وعلم مالك بن عوف بمقدم الرسول ﷺ، فعبأ أصحابه في وادي حنين وانتشروا يكمنون في أنحائه، وأوعز إليهم أن يحملوا على محمد ﷺ وأصحابه، حملة واحدة.
ووصل المسلمون إلى وادي حنين، فانحدروا فيه في غبش الصبح، فما راعهم إلا الكتائب خرجت إليهم من مضايق الوادي وشعبه وقد حملوا حملة واحدة على المسلمين، فانكشفت الخيول وانشمر الناس راجعين لا يلوي أحد منهم على آخر.
وانحاز رسول الله ﷺ ذات اليمين، ثم نادى في الناس: «إليّ يا عباد الله، أنا النّبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب» . روى مسلم عن العباس ﵁ قال: «شهدت مع رسول الله ﷺ يوم حنين، فلزمته أنا وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب ولم نفارقه، وهو على بغلة له بيضاء، فلما التقى المسلمون والكفار ولّى المسلمون مدبرين، فطفق رسول الله ﷺ يركض بغلته قبل الكفار. قال العباس: وأنا آخذ بلجام بغلة رسول الله ﷺ أكفّها، إرادة أن لا تسرع، وأبو سفيان آخذ بركاب رسول الله ﷺ، فقال ﵊: ناد أصحاب السمرة «٧٥» (وكان رجلا صيّتا) فقلت بأعلى صوتي يا أصحاب السمرة، قال: فو الله لكأنّ عطفتهم حين سمعوا صوتي عطفة البقر على أولادها فقالوا: يا لبيك، يا لبيك.. وأقبلوا يقتتلون مع الكفار، وكان النداء: يا للأنصار، وأشرف رسول الله ﷺ ينظر إلى قتالهم قائلا: الآن حمي الوطيس. ثم أخذ حصيّات من الأرض فرمى بهن وجوه الكفار، ثم قال: انهزموا وربّ محمد» «٧٦» .
وقذف الله في قلوب المشركين الرعب، فانهزموا لا يلوي واحد منهم على أحد، واتبع المسلمون أقفاءهم يقتلون ويأسرون، فما رجع الناس إلا والأسرى مجندلة بين يدي رسول الله ﷺ.
وفي هذه الغزوة أعلن رسول الله ﷺ قائلا: «من قتل قتيلا له عليه بيّنة فله سلبه» «٧٧» .
فروى ابن إسحاق وغيره عن أنس بن مالك ﵁ قال: لقد استلب أبو طلحة يوم حنين عشرين رجلا وحده، هو قتلهم.
_________________
(١) رواه ابن إسحاق بسند صحيح، ورواه عن طريقه ابن جرير وابن سيّد الناس.
(٢) هي الشجرة التي كانت عندها بيعة الرضوان عام الحديبية.
(٣) رواه مسلم، وروى نحوه باختصار البخاري أيضا، وترويه بتفصيل كل كتب السيرة.
(٤) متفق عليه.
[ ٢٨٥ ]
وروى ابن إسحاق وابن سعد بسند صحيح أن رسول الله ﷺ التفت فرأى أم سليم بنت ملحان، وكانت مع زوجها أبي طلحة، فقال لها رسول الله ﷺ: «أم سليم! .. قالت: نعم بأبي أنت وأمي يا رسول الله، أقتل هؤلاء الذين ينهزمون عنك كما تقتل الذين يقاتلونك؟ - وكان معها خنجر- فقال لها أبو طلحة: ما هذا الخنجر معك يا أم سليم؟ قالت: خنجر أخذته إن دنا مني أحد من المشركين بعجته به» .
«ومرّ رسول الله ﷺ بامرأة وقد قتلها خالد بن الوليد، والناس مجتمعون عليها، فقال ما هذا؟ قالوا امرأة قتلها خالد بن الوليد. فقال رسول الله ﷺ لبعض من معه: أدرك خالدا فقل له إن رسول الله ينهاك أن تقتل وليدا أو امرأة أو عسيفا» «٧٨» .
وفرّ مالك بن عوف ومن معه من رجالات قومه حتى وصلوا إلى الطائف فامتنعوا بحصنها وقد تركوا وراءهم مغانم كثيرة.
«وأمر رسول الله ﷺ بالغنائم كلها فحبست في الجعرانة، وجعل عليها مسعود بن عمرو الغفاري، واتجه ﷺ بمن معه إلى الطائف فحاصروها، وأخذت ثقيف تقذف المسلمين من حصونها بالنبال، فقتل بذلك ناس منهم، وظل رسول الله ﷺ في حصاره للطائف بضعة عشر يوما، وقيل بضعة وعشرين يوما. ثم بدا له أن يرتحل. روى عبد الله بن عمرو أنه ﷺ أعلن في أصحابه: إنا قافلون إن شاء الله، فقال بعض أصحابه: نرجع ولم نفتتحه؟ فقال لهم: اغدوا على القتال- أي فقاتلوا إن شئتم- فغدوا عليه، فأصابهم جراح، فقال لهم رسول الله ﷺ: إنا قافلون غدا، فأعجبهم ذلك، فضحك رسول الله ﷺ» «٧٩» .
ولما قفل رسول الله ﷺ عائدا، قال لأصحابه: قولوا «آيبون، تائبون، عابدون، لربّنا حامدون»، وقال له بعض الصحابة: يا رسول الله ادع الله على ثقيف، فقال: «اللهم اهد ثقيفا وأت بهم» «٨٠» .
قلت: وقد هدى الله ثقيفا بعد ذلك بقليل، فقد جاء وفدهم إلى رسول الله ﷺ بالمدينة لإعلان إسلامهم.
_________________
(١) أخرجه أبو داود وابن ماجه، وروى الشيخان بمعناه، والعسيف: الأجير والعبد.
(٢) متفق عليه.
(٣) رواه ابن سعد في الطبقات، وأخرجه الترمذي في سننه. وقد رواه ابن سعد عن عاصم الكلابي عن الأشهب، عن الحسن.
[ ٢٨٦ ]
أمر الغنائم وكيفية تقسيم رسول الله ﷺ لها
وعاد رسول الله ﷺ إلى الجعرانة، وفيها السبي والغنائم التي أخذت من هوازن في غزوة حنين، فقسم السبي هناك. ثم قدم عليه وفد من هوازن مسلمين، وسألوه أن يرد إليهم أموالهم وسبيهم، فقال لهم رسول الله ﷺ: «معي من ترون، وأحب الحديث إلي أصدقه، فاختاروا إحدى الطائفتين: إما السبي وإما المال، وقد كنت استأنيت بكم (أي أخّرت قسم السبي والغنائم آملا إسلامكم) . وكان النّبي ﷺ قد أنظرهم بضع عشرة ليلة حين رجع من الطائف.
فقالوا: يا رسول الله خيّرتنا بين أحسابنا وأموالنا فالحسب أحب إلينا، فقام رسول الله ﷺ في المسلمين، فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال: أما بعد، فإن إخوانكم قد جاؤوا تائبين، وإني رأيت أن أردّ إليهم سبيهم، فمن أحب منكم أن يطيّب ذلك فليفعل، ومن أحب منكم أن يكون على حظه حتى نعطيه إياه من أول ما يفيء علينا فليفعل «٨١» .
فنادى الناس جميعا: قد طيّبنا ذلك يا رسول الله. فقال ﵊: إنا لا ندري من أذن منكم في ذلك ممن لم يأذن فارجعوا حتى يرفع إلينا عرفاؤكم أمركم، فرجع الناس فكلمهم عرفاؤهم، ثم رجعوا إلى رسول الله ﷺ فأخبروه أنهم قد طيّبوا، وأذنوا» «٨٢»، فأعيد إلى هوازن سبيها.
وسأل رسول الله ﷺ وفد هوازن- فيما رواه ابن إسحاق- عن مالك بن عوف ما فعل؟
فقالوا بالطائف مع ثقيف، فقال لهم: «أخبروه أنه إن أتى مسلما رددت عليه أهله وماله وأعطيته مئة من الإبل، فأخبر مالك بذلك، فجاء يلحق برسول الله ﷺ حتى أدركه فيما بين الجعرانة ومكة، فردّ عليه أهله وماله وأعطاه مئة من الإبل، وأسلم فحسن إسلامه» .
وخصّ النّبي ﷺ المؤلّفة قلوبهم- وهم أهل مكة- بمزيد من الغنائم والآعطيات يتألف قلوبهم على الإسلام، فوجد بعض الأنصار في نفوسهم من ذلك وقالوا: «يغفر الله لرسول الله، يعطي قريشا ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم!» «٨٣» .
فبلغ ذلك رسول الله ﷺ، فأرسل إلى الأنصار فاجتمعوا في مكان أعد لهم، ولم يدع معهم أحدا غيرهم، ثم قام فيهم، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال:
_________________
(١) أي بأن يردّ السبي بشرط أن يعطى عوضه فيما بعد.
(٢) رواه البخاري، ورواه الطبري والبيهقي وابن سيّد الناس كلهم عن طريق ابن إسحاق بمزيد من التفصيل.
(٣) متفق عليه.
[ ٢٨٧ ]
«يا معشر الأنصار، ما قالة بلغتني عنكم؟ ألم آتكم ضلالا فهداكم الله بي، وكنتم متفرقين فألّفكم الله بي، وكنتم عالة فأغناكم الله بي»، (كلما قال لهم من ذلك شيئا قالوا بلى، الله ورسوله أمن وأفضل)، ثم قال: «ألا تجيبوني يا معشر الأنصار؟» قالوا: بماذا نجيبك يا رسول الله؟ لله ولرسوله المنّ والفضل. فقال ﷺ:
«أما والله لو شئتم لقلتم، فلصدقتم ولصدّقتم: أتيتنا مكذّبا فصدقناك، ومخذولا فنصرناك، وطريدا فآويناك، وعائلا فآسيناك»، فصاحوا: بل المنّ علينا لله ورسوله.
ثم تابع رسول الله ﷺ قائلا: «أوجدتم يا معشر الأنصار في أنفسكم من أجل لعاعة «٨٤» من الدنيا تألّفت بها قوما ليسلموا ووكلتكم إلى إسلامكم! ألا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس بالشاة والبعير وترجعوا برسول الله إلى رحالكم؟ فو الله لما تنقلبون به خير مما ينقلبون به، والذي نفس محمد بيده لولا الهجرة لكنت امرءا من الأنصار، ولو سلك الناس شعبا وسلكت الأنصار شعبا، لسلكت شعب الأنصار. وإنكم ستلقون أثرة من بعدي فاصبروا حتى تلقوني على الحوض، اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار» .
فبكى القوم حتى اخضلّت لحاهم، وقالوا رضينا بالله ورسوله قسما ونصيبا «٨٥» .
وتبعه ﷺ ناس من الأعراب يسألونه مزيدا من العطاء، حتى اضطروه إلى سمرة تعلق بها رداؤه، فالتفت إليهم قائلا: «أعطوني ردائي أيها الناس، فو الله أن لو كان لكم بعدد شجر تهامة نعما لقسمته عليكم، ثم لا تجدونني بخيلا ولا كذوبا ولا جبانا «٨٦»، أيها الناس والله ما لي من فيئكم إلا الخمس، والخمس مردود عليكم» «٨٧» .
وأدركه أعرابي فجذبه ﷺ جذبة شديدة من برده، وكان عليه برد نجراني غليظ، حتى أثّرت حاشية الرداء في صفحة عنقه، وقال له، مر لي من مال الله الذي عندك، فالتفت إليه فضحك، ثم أمر له بعطاء «٨٨» .
قال ابن إسحاق: ثم خرج رسول الله ﷺ من الجعرانة معتمرا، فلما فرغ، انصرف راجعا إلى المدينة، واستخلف على مكة عتاب بن أسيد.
_________________
(١) اللعاعة: بقلة خضراء تستهوي العين، شبّه بها الدنيا..
(٢) رواه البخاري ومسلم، وابن إسحاق، وابن سعد، بنصوص متقاربة في الزيادة والنقصان.
(٣) رواه البخاري.
(٤) هذه الزيادة أخرجها أبو داود والنسائي عن عبد الله بن عمرو.
(٥) متفق عليه.
[ ٢٨٨ ]
العبر والعظات:
تعتبر غزوة حنين هذه درسا في العقيدة الإسلامية وقانون الأسباب والمسببات من نوح ذلك الدرس الذي أوحت به غزوة بدر، بل متمما له.
فإذا كانت وقعة بدر قررت للمسلمين أن القلة لا تضرهم شيئا في جنب كثرة أعدائهم، إذا كانوا صابرين ومتقين، فإن غزوة حنين قد قررت للمسلمين أن الكثرة أيضا لا تفيدهم إذا لم يكونوا صابرين ومتقين. وكما نزلت آيات من كتاب الله تعالى في تقرير عبرة (بدر)، فقد نزلت آيات منه أيضا في تقرير العبرة التي ينبغي أن تؤخذ من (حنين) .
كان المسلمون في بدر أقل عددا منهم في أي موقعة أخرى ومع ذلك فلم تضرهم القلة شيئا بسبب صدق إسلامهم ونضج إيمانهم وشدة ولائهم لله ولرسوله.
وكان المسلمون في حنين أكثر عددا منهم في أي موقعة أخرى خاضوها من قبل. ومع ذلك فلم تنفعهم الكثرة شيئا، بسبب تلك الجماهير التي لم يتمكن الإيمان بعد في نفوسها، ولم يتغلغل معنى الإسلام بعد في أعماق أفئدتها.
لقد انضمت تلك الجماهير إلى الجيش بجسومهم وأشكالهم، بينما لا تزال الدنيا وأهواؤها تتخطف أفئدتهم ومستولي على نفوسهم. وهيهات أن يكون لتعداد الجسوم والأشكال أي أثر في النصر والتوفيق.
فمن أجل ذلك أدبرت هذه الجماهير وارتدت على أعقابها متفرقة في متاهات وادي حنين، حينما فوجئوا بكمائن العدو تخرج في وجوههم، وربما امتدت ظلال هذا الهلع إلى أفئدة كثيرة من المؤمنين الصادقين أيضا بادئ الأمر.
ولكن ما هو إلا أن سمع الأنصار والمهاجرون صيحات رسول الله ﷺ ونداءه لهم حتى كرّوا عائدين، يلتفون حول رسول الله ﷺ، ويخوضون معه معركة حامية الوطيس، ولم يكن هؤلاء يزيدون على المئتين! ..
ولكن بهؤلاء المئتين عاد النصر إلى المسلمين، ونزلت السكينة على قلوبهم، وهزم الله عدوهم شرّ هزيمة، بعد أن كانوا اثني عشر ألفا فيهم كثير من الأمشاج الذين لم يغنوا عن أنفسهم شيئا! ..
وأنزل الله تعالى هذه العظة البليغة في كتابه الكريم:
وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا، وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ. ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ، وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْها، وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ، ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [التوبة ٩/ ٢٥- ٢٧] .
[ ٢٨٩ ]
وإليك الآن ما يؤخذ من هذه الغزوة من العظات والأحكام.
أولا- بثّ العيون بين الأعداء لمعرفة شأنهم وأخبارهم:
سبق أن ذكرنا أن هذا عمل جائز، بل هو واجب إن دعت إليه الحاجة، وهذا ما قام به رسول الله ﷺ في هذه الغزوة، فقد بعث عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي ليتحسس أخبار العدو ويأتي المسلمين بالخبر عن عددهم وعدّتهم، وهو ما لم يقع فيه خلاف بين الأئمة.
ثانيا- للإمام أن يستعير أسلحة من المشركين لقتال أعداء المسلمين:
ومثل الأسلحة في ذلك ما يحتاجه الجيش من عدّة الحرب والقتال، ومثل الاستعارة تملكها منهم مجانا أو بثمن، وهذا ما فعله رسول الله في هذه الغزوة، حينما استعار أسلحة من صفوان بن أمية وكان لا يزال مشركا إذ ذاك.
وهذا داخل في عموم حكم الاستعانة بالكفار عند الحرب، وكنا قد ذكرنا هذه المسألة عند تعليقنا على غزوة أحد. ويتبين لك الآن أن الاستعانة بالكفار تنقسم إلى نوعين:
النوع الأول: الاستعانة بأشخاص منهم للقتال مع المسلمين، وهذا ما مضى الحديث عنه في غزوة أحد، وقد قلنا إذ ذاك إنه جائز إذا دعت الحاجة إليه، واطمأن المسلمون إلى صدق وأمانة أولئك الذين سيقاتلون معهم.
النوع الثاني: الاستعانة ببعض ممتلكاتهم كالسلاح وأنواع العدّة، ولا خلاف في أن ذلك جائز بشرط أن لا يكون فيه خدش لكرامة المسلمين، وأن لا يتسبب عن ذلك دخول المسلمين تحت سلطان غيرهم أو تركهم لبعض واجباتهم وفروضهم الدينية. وأنت تجد أن صفوان بن أمية حينما أعار الأسلحة لرسول الله ﷺ كان في وضع المغلوب الضعيف وكان رسول الله ﷺ في المركز الأقوى «٨٩» .
ثالثا- جرأته ﷺ في الحرب:
وإنك لتبصر صورة نادرة حقا لهذه الجرأة، عندما تفرقت جموع المسلمين في الوادي وقد ولوا الأدبار، ولم يبق إلا رسول الله ﷺ وسط حومة الوغى حيث تحف به كمائن العدو التي فوجئوا بها. فثبت ثباتا عجيبا امتد أثره إلى نفوس أولئك الفارّين من أصحابه، فعادت إليهم من ذلك المشهد رباطة الجأش وقوة العزيمة.
روى ابن كثير في تفسيره خبر غزوة حنين ثم قال:
«قلت: وهذا في غاية ما يكون من الشجاعة التامة. إنه في مثل هذا اليوم، في حومة الوغى، وقد انكشف عن جيشه، وهو مع هذا على بغلة، وليست سريعة الجري ولا تصلح لفرّ
_________________
(١) انظر زاد المعاد: ٢/ ١٩٠، ومغني المحتاج: ٤/ ٢٢١
[ ٢٩٠ ]
ولا لكرّ ولا لهرب، وهو مع هذا أيضا يركضها إلى وجوههم وينوّه باسمه ليعرفه من لم يعرفه صلوات الله وسلامه عليه دائما إلى يوم الدين، وما هذا كله إلا ثقة بالله وتوكلا عليه وعلما بأنه سينصره ويتمّ ما أرسله به، ويظهر دينه على سائر الأديان» «٩٠» .
رابعا- خروج المرأة للجهاد مع الرجال:
فأما خروجها لمداواة الجرحى وسقي العطاش، فقد ثبت ذلك في الصحيح، في عدة غزوات: وأما خروجها للقتال، فلم يثبت في السّنة وإن كان الإمام البخاري قد ذكر في كتاب الجهاد بابا جعل عنوانه: باب غزو النساء وقتالهن مع الرجال. إذ إن الأحاديث التي ساقها في هذا الباب ليس فيها ما يدل على اشتراك النساء مع الرجال في القتال، قال ابن حجر: «ولم أر في شيء من ذلك (أي الأحاديث الواردة في هذا الموضوع) التصريح بأنهن قاتلن» «٩١» .
أما ما ذكره الفقهاء في حكم خروج المرأة للقتال، فهو أن العدو إن داهم بلدة من بلاد المسلمين وجب على جميع أهلها الخروج لقتاله بما فيهم النساء، إن تأملنا منهن دفاعا وبلاء، وإلا فلا يشرع ذلك «٩٢»، أما الخنجر الذي كان مع أم سليم فقد كان لمجرد الدفاع عن نفسها كما قالت.
وعلى هذا ينزّل ما رواه البخاري وغيره عن عائشة ﵂ أنها استأذنت رسول الله ﷺ في الجهاد، فقال: «جهادكن الحج»، فالمقصود الذي استأذنت به عائشة ﵂، إنما هو المشاركة في القتال لا الحضور للمداواة والخدمة وما أشبه ذلك، فهو مشروع، إذا توفرت شروطه، باتفاق.
وعلى كل فإن خروج المرأة مع الرجال إلى الجهاد مشروط بأن تكون في حالة تامة من الستر والصيانة، وأن يكون خروجها لحاجة حقيقية إلى ذلك، فأما إذا لم تكن ثم حاجة حقيقية أو كان ذلك يعرضها للوقوع في المحرمات فخروجها محرم لا يجوز إقراره.
والمهم أن تعلم أن الأحكام الإسلامية منوطة بعضها ببعض، فلا ينبغي تخيّر ما توحي به الأهواء منها لأسباب معينة مع الإعراض عما يتعلق به من الأحكام والواجبات الأخرى. إن مثل هذا يعتبر بلا ريب مصداقا واضحا لقول الله تعالى: أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَما جَزاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يُرَدُّونَ إِلى أَشَدِّ الْعَذابِ، وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ [البقرة ٢/ ٨٥] .
ومن المكر القبيح لدين الله تعالى ما يعمد إليه بعض الناس لأغراض دنيوية حقيرة، من
_________________
(١) تفسير ابن كثير: ٢/ ٤٥
(٢) راجع فتح الباري: ٦/ ٥١
(٣) راجع مغني المحتاج: ٤/ ٢١٩
[ ٢٩١ ]
التقاط ما قد يطلب منهم من الفتاوى الشرعية بعد أن يشذبوا منها كل القيود والشروط ويقطعوا عنها ما قد يتعلق بها من التتمات، حتى تخرج موافقة للمطلوب خاضعة لأهواء السادة الموحهين.
ثم يقدمون هذه الفتاوى إليهم على طبق من المداهنة والنفاق! ..
خامسا- تحريم قتل النساء والأطفال والأجراء والعبيد في الجهاد:
فقد دلّ على ذلك حديث رسول الله ﷺ لما رأى المرأة التي قتلها خالد بن الوليد، وقد اتفق العلماء والأئمة كلهم على ذلك.
ويستثنى منه ما إذا اشتركوا في القتال وباشروا في مقاتلة المسلمين، فإنهم يقتلون مقبلين، ويجب الإعراض عنهم مدبرين.
كما أنه يستثنى ما إذا تترس الكفار بصبيانهم ونسائهم، ولم يمكن ردّ غائلتهم إلا بقتلهم، فإن ذلك جائز، وعلى الإمام أن يتبع ما تقتضيه المصلحة «٩٣» .
سادسا- حكم سلب القتيل:
قلنا إن النبي ﷺ أعلن في هذه الغزوة أن من قتل قتيلا فله سلبه، قال ابن سيد الناس:
«فصار ذلك حكما مستمرا» .
قلت: وهذا متفق عليه، ولكن وقع الخلاف بين الأئمة في نوع هذا الحكم الثابت المستمر، أهو من أحكام الإمامة أم الفتوى؟
أي هل أعلن الرسول ﵊ ذلك مبلغا عن الله ﷿ حكما لا خيرة له ولا لأحد فيه كتبليغه أحكام الصلاة والصيام أم أعلنه حكما مصلحيا قضى به بوصف كونه إمام المسلمين يقضي فيهم بما يرى أنه الخير والمصلحة لهم؟
فذهب الشافعي ﵀ إلى أنه حكم قائم على أساس التبليغ والفتوى وعليه فإن المجاهد له في كل عصر أن يأخذ سلب من قتل على يده من أهل الحرب ولا حاجة في ذلك إلى إذن الإمام أو القائد.
وذهب أبو حنيفة ومالك رحمهما الله إلى أنه حكم قضائي قائم على أساس الإمامة فقط، فيتوقف جواز أخذ السلب في كل عصر على إذن إمامه. فإن لم يأذن، أضيفت الأسلاب إلى الغنائم وسرى عليها حكمها «٩٤» .
_________________
(١) الأحكام السلطانية: ٤، مغني المحتاج: ٤/ ٢٢٣
(٢) انظر الأحكام السلطانية: ١٣٩ والأحكام للقرافي: ٣٨
[ ٢٩٢ ]
سابعا- الجهاد لا يعني الحقد على الكافرين:
وقد دلّ على ذلك ما ذكرناه من أن بعض الصحابة قالوا لرسول الله ﷺ عند منصرفهم من حصار الطائف: «ادع الله على ثقيف، فقال: اللهم اهد ثقيفا وأت بهم» . وهذا يعني أن الجهاد ليس إلا ممارسة لوظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإنما هي مسؤولية الناس كلهم بعضهم تجاه بعض، لمحاولة إعتاق أنفسهم من العذاب الأبدي يوم القيامة.
ومن ثم فإن الدعاء من المسلمين لا ينبغي أن يتجه إلى غيرهم إلا بالهداية والإصلاح، لأن هذه الغاية هي الحكمة من مشروعية الجهاد.
ثامنا- متى يتملك الجند الغنائم؟
ذكرنا أن رسول الله ﷺ قال لوفد هوزان حينما جاؤوه مسلمين: لقد استأنيت بكم، أي أخرت قسم الغنائم آملا في إسلامكم.
وهذا يدلّ على أن الجند إنما يملكون الغنائم بعد تقسيم الحاكم أو الإمام لها، فمهما دامت قبل القسمة فهي لا تعتبر ملكا للمقاتلين. وتلك هي فائدة تأخير النبي ﷺ لتقسيمها بين المسلمين.
كما أن هذا يدل أيضا على أن للإمام أن يعيد الغنائم إلى أصحابها إذا جاؤوه مسلمين إذا لم يكن قد قسمها بين الجند، وقد كان هذا ما يفضله رسول الله ﷺ.
ويدل موقفه ﷺ من وفد هوازن وأموالهم التي غنمها المسلمون، على أن ما قسم من هذه الأموال بينهم، لا يجوز للإمام أن يسترد شيئا منه إلا بطيب نفس من صاحبه دون أن يتأثر بأي جبر أو إكراه.
وتأمل في مدى دقته ﷺ في أمر هذا الاستئذان من أصحاب الأموال فإنه ﵊ لم يشأ أن يكتفي بصيحاتهم الجماعية المرتفعة: قد طيبنا ذلك يا رسول الله (أي طابت بإرجاعه نفوسنا)؛ بل أصرّ على أن يعلم أمر هذا الرضى ويستوثق منه بواسطة السماع من كل شخص على حدة أو السماع من وكلائهم وعرفائهم.
وهذا يعني أنه ليس للحاكم أن يستعمل شيئا من صلاحياته وسلطانه في حمل الناس على أن يتنازلوا عن شيء من حقوقهم وممتلكاتهم المشروعة، بل إن الشارع لم يعطه شيئا من هذه الصلاحيات والامتيازات، حتى ولو كان رسولا.
وتلك هي العدالة والمساواة الحقيقية الرائعة! .. فلتدفن نفسها في الرغام كل دعوى باطلة تريد أن تخب- بالألفاظ والشعارات- وراء هذه المثل والقيم الإلهية العظيمة.
تاسعا- سياسة الإسلام نحو المؤلفة قلوبهم:
لقد رأيت أن النبي ﷺ اختص أهل مكة الذين أسلموا عام الفتح بمزيد من الغنائم عن
[ ٢٩٣ ]
غيرهم، ولم يراع في تلك القسمة قاعدة المساواة الأصلية بين المقاتلين. وهذا العمل منه ﷺ من أهم الأدلة التي استدل بها عامة الأئمة والفقهاء على أنه يجوز للإمام أن يزيد في عطاء من يتألف قلوبهم على الإسلام بالقدر الذي تدعو إليه مصلحة تألف قلوبهم، بل يجب عليه ذلك عندما تدعو إليه المصلحة، ولا مانع من أن يكون هذا العطاء من أصل الغنائم.
ومن هنا كان لهؤلاء الناس سهم خاص باسمهم في الزكاة، يجتمع تحت يد الحاكم ليعطي منه (كلما دعت الحاجة) لمن يرى أن المصلحة الإسلامية تدعو إلى تألف قلوبهم.
عاشرا- فضل الأنصار ومدى محبة الرسول ﷺ لهم:
صدق رسول الله ﷺ إذ قال: «إن الشيطان ليجري من ابن آدم مجرى الدم»، فقد أراد الشيطان أن يبث في نفوس جماعة من الأنصار معنى النقد على السياسة التي اتبعها ﵊ في توزيع الغنائم، وربما أراد لهم الشيطان أن يتصوروا أن النبي ﷺ قد أدركته محبة قومه وبني وطنه فنسي في جنبهم الأنصار! ..
فماذا قال لهم النبي ﵊ لما أخبر بذلك؟
إن الخطاب الذي ألقاه عليهم جوابا على هذه الوساوس، ليفيض بمعاني الرقة والذوق الرفيع، ومشاعر المحبة الشديدة للأنصار، وهو يفيض في الوقت ذاته بدلائل التألم من أن يتهم من قبل أحب الناس إليه بنسيانهم والإعراض عنهم.
عد إلى خطابه هذا فتأمله.. فسترى أنه قد ضمنه أدق خفقات قلبه وألطف إحساساته!.
ولقد لا مست هذه الرقة والخفقات مشاعر الأنصار فهزتها هزا، ونفضت منها ما كان قد علق بها من الوساوس والهواجس، فارتفعت أصواتهم بالبكاء فرحا بنبيهم وابتهاجا بقسمتهم ونصيبهم.
فما المال وما الشياه والغنائم، في جنب حبيبهم رسول الله ﷺ إذ يعودون به ويعود بهم إلى ديارهم ليكون المحيا والممات فيما بينهم؟ وأي برهان منه ﵊ ينطق بالوفاء وخالص المحبة والود أكثر من هذا.. أي أكثر من أن يدع وطنه ومسقط رأسه ليقضي بقية أيامه فيما بينهم؟!
ثم متى كان المال في ميزان رسول الله ﷺ دليلا على التقدير والحب؟!
إنه أعطى قريشا كثيرا من الأموال والغنائم.. فهل خصّ نفسه بشيء من ذلك أم جعل نصيبه منه كنصيب الأنصار؟ لقد عمد إلى (الخمس) الذي جعله الله خاصا برسوله يضعه حيث شاء، فوزعه بين أولئك الأعراب الذين كانوا من حوله.
وتأمل فيما قاله لهم، وهم يحدقون به ويستزيدون في العطاء: «أيها الناس، والله ما لي من فيئكم إلا الخمس، والخمس مردود عليكم» .
[ ٢٩٤ ]
صلى الله عليك يا سيدي يا رسول الله وعلى أصحابك البررة من الأنصار والمهاجرين. وجمعنا تحت لوائك المحمود، وجعلنا مع أولئك الذي سيلقونك على الحوض يوم القيامة.
غزوة تبوك
وسببها على ما رواه ابن سعد وغيره، أنه بلغ المسلمين من الأنباط الذين كانوا يتنقلون بين الشام والمدينة للتجارة، أن الروم قد جمعت جموعا وأجلبت إلى جانبها لخم وجذام وغيرهم من نصارى العرب الذين كانوا تحت إمرة الروم، ووصلت طلائعهم إلى أرض البلقاء. فندب النبي ﷺ الناس إلى الخروج، وروى الطبراني من حديث ابن حصين أن جيش الروم كان قوامه أربعين ألف مقاتل «٩٥» .
وكان ذلك في شهر رجب سنة تسع من الهجرة، وكان الفصل صيفا، وقد بلغ الحر أقصاه، والناس في عسرة من العيش، وكانت ثمار المدينة- في الوقت نفسه- قد أينعت وطابت، فمن أجل ذلك أعلن رسول الله ﷺ عن الجهة التي سيتجهون إليها، وذلك على خلاف عادته في الغزوات الأخرى.
قال كعب بن مالك: «لم يكن رسول الله ﷺ يريد غزوة إلا ورّى بغيرها حتى كانت تلك الغزوة، غزاها رسول الله ﷺ في حرّ شديد واستقبل سفرا ومفازا وعدوا كثيرا، فجلّى للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة غزوهم» «٩٦» .
وهكذا، فقد كانت الرحلة في هذه الغزوة ثقيلة على النفس، فيها أقسى مظاهر الابتلاء والامتحان، فأخذ نفاق المنافقين يعلن عن نفسه هنا وهناك، على حين أخذ الإيمان الصادق يعلن عن نفسه في صدور أصحابه.
أخذ أقوام من المنافقين يقولون لبعضهم: لا تنفروا في الحر.. وجاء آخر «٩٧» يقول لرسول الله ﷺ: ائذن لي ولا تفتني، فو الله لقد عرف قومي أنه ما من رجل بأشد عجبا بالنساء مني، وإني أخشى إن رأيت نساء بني الأصفر أن لا أصبر. فأعرض عنه رسول الله ﷺ وأذن له فيما أراد «٩٨» وعسكر عبد الله بن أبي بن سلول في ضاحية بالمدينة مع فئات من أصحابه وحلفائه، فلما سار النبي ﷺ، تخلف بكل من معه!.
_________________
(١) انظر طبقات ابن سعد: ٣/ ٢١٨، وفتح الباري: ٨/ ٨٧
(٢) متفق عليه.
(٣) هو الجد بن قيس.
(٤) رواه ابن إسحاق وابن مردويه من طريق الضحاك عن ابن عباس، ورواه عبد الرزاق عن معمر عن قتادة، وانظر الإصابة: ١/ ٢٣٠
[ ٢٩٥ ]
ومما نزل في ذلك قوله تعالى: فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ [التوبة ٩/ ٨١] وقوله تعالى: وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي، أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ [التوبة ٩/ ٤٩] .
أما المؤمنون فأقبلوا إلى رسول الله ﷺ من كل صوب، وكان قد حض أهل الغنى على النفقة وتقديم ما يتوفر لديهم من الدواب للركوب فجاء الكثيرون منهم بكل ما أمكنهم من المال والعدة، وجاء عثمان ﵁ بثلاثمائة بعير بأحلاسها وأقتابها «٩٩» وبألف دينار نثرها في حجره، فقال رسول الله ﷺ: «لا يضر عثمان ما فعل بعدها» «١٠٠» .
وجاء أبو بكر ﵁ بكل ماله، وجاء عمر بنصف ماله، روى الترمذي عن زيد بن أسلم عن أبيه قال: «سمعت عمر بن الخطاب يقول: أمرنا رسول الله ﷺ أن نتصدق ووافق ذلك عندي مالا، فقلت اليوم أسبق أبا بكر، إن سبقته يوما. قال: فجئت بنصف مالي فقال رسول الله ﷺ: ما أبقيت لأهلك؟ قلت: مثله. وأتى أبو بكر بكل ما عنده، فقال: يا أبا بكر ما أبقيت لأهلك؟ فقال: أبقيت لهم الله ورسوله، قلت: لا أسبقه إلى شيء أبدا» «١٠١» .
وإذا صح هذا الحديث فلا بد أن يكون هذا الندب بمناسبة غزوة تبوك كما قال ذلك فريق من العلماء.
وأقبل رجال من المسلمين أطلق عليهم (البكاؤون) يطلبون من رسول الله ﷺ ظهورا يركبونها للخروج إلى الجهاد معه، فقال لهم: «لا أجد ما أحملكم عليه» . فتولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا أن لا يجدوا لديهم ما ينفقونه في أسباب خروجهم للغزو.
وخرج رسول الله ﷺ فيما يقارب ثلاثين ألفا من المسلمين «١٠٢»، وتخلف عنه نفر من المسلمين عن غير شك ولا ارتياب، منهم كعب بن مالك، ومرارة بن الربيع، وهلال بن أمية، وأبو خيثمة. وكانوا- كما قال ابن إسحاق- نفر صدق لا يتهم في إسلامهم. غير أن أبا خيثمة لحق برسول الله ﷺ في تبوك.
_________________
(١) رواه الطبراني وأخرجه الترمذي والحاكم والإمام أحمد من حديث عبد الرحمن بن خباب، والأحلاس جمع حلس وهو الكساء الذي يوضع على ظهر البعير.
(٢) رواه الترمذي في سننه والإمام أحمد في مسنده من حديث عبد الرحمن بن سمرة.
(٣) رواه الترمذي والحاكم وأبو داود. وفي سنده هشام بن سعد عن زيد بن أسلم وقد ضعفه الإمام أحمد والكسائي. واعتبره الحافظ ابن حجر من المرتبة الخامسة، فقال عنه: صدوق له أوهام، إلا أن الذهبي نقل عن أبي داود أنه أثبت الناس إذا روى عن زيد بن أسلم كما في هذا الحديث ونقل عن الحاكم أن مسلما أخرج له في الشواهد.
(٤) روى ذلك ابن سعد وابن إسحاق وغيرهما.
[ ٢٩٦ ]
روى الطبراني وابن إسحاق والواقدي أن أبا خيثمة زجع، بعد أن سار رسول الله ﷺ بعدة أيام، إلى أهله في يوم حار، فوجد امرأتين له في عريشين (أي خيمتين) لهما في بستان له، قد رشّت كل واحدة منهما عريشها وبردت له ماء فيه وهيأت له فيه طعاما، فلما دخل قام على باب العريش فنظر إلى امرأتيه وما صنعتا له، فقال: «رسول الله ﷺ في الشمس والريح والحر، وأبو خيثمة في ظل بارد وطعام مهيأ وامرأة حسناء في ماله مقيم؟! ما هذا والله بالنصف. ثم قال:
والله لا أدخل عريش واحدة منكما حتى ألحق برسول الله ﷺ فهيأتا له زادا، ثم قدّم ناضحة فارتحله وخرج في طلب رسول الله ﷺ حتى أدركه حين نزل تبوك، ولما دنا أبو خيثمة من المسلمين قالوا: هذا راكب على الطريق مقبل، فقال رسول الله ﷺ: «كن أبا خيثمة» ! فقالوا: يا رسول الله، هو والله أبو خيثمة، فلما أناخ أقبل إلى رسول الله ﷺ، فقال له ﵊: أولى لك يا أبا خيثمة! .. ثم أخبر رسول الله ﷺ الخبر فدعا له ﷺ بخير» .
وعانى المسلمون في هذه الرحلة جهودا شاقة وأتعابا جسيمة.
روى الإمام أحمد وغيره أن الرجلين والثلاثة كانوا يتعاقبون على بعير واحد، وأصابهم عطش شديد حتى جعلوا ينحرون إبلهم لينفضوا أكراشها ويشربوا ماءها «١٠٣» .
وروى الإمام أحمد في مسنده، عن أبي هريرة قال: «لما كانت غزوة تبوك أصاب الناس مجاعة، فقالوا: يا رسول الله، لو أذنت لنا فنحرنا نواضحنا فأكلنا وادّهنا، فقال لهم رسول الله ﷺ: افعلوا، فجاء عمر فقال: يا رسول الله إنهم إن فعلوا قل الظهر، ولكن ادعهم بفضل أزوادهم ثم ادع لهم بالبركة لعلّ الله أن يجعل فيه ذلك، فدعا ﵊ بنطع فبسطه، ثم دعاهم بفضل أزوادهم، فجعل الرجل يجيء بكف الذرة، والآخر بكف التمر والآخر بالكسرة حتى اجتمع على النطع من ذلك شيء يسير، ثم دعا عليه بالبركة، ثم قال لهم: خذوا في أوعيتكم قال: فأخذوا في أوعيتهم حتى ما تركوا من المعسكر وعاء إلا ملؤوه وأكلوا حتى شبعوا، وفضلت منه فضلة، فقال رسول الله ﷺ: أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، لا يلقى الله بهما عبد غير شاكّ فتحجب عنه الجنة» «١٠٤» .
ولما انتهوا إلى تبوك، لم يجدوا هناك كيدا ولا قتالا، فقد اختفى وتفرق أولئك الذين كانوا قد تجمعوا للقتال. ثم أتاه يوحنه حاكم (أيلة) فصالح رسول الله ﷺ على الجزية، وأتاه أهل جرباء وأذرح فأعطوه أيضا الجزية، وكتب رسول الله ﷺ بذلك لهم كتابا.
_________________
(١) ورواه ابن سعد في طبقاته ٣/ ٢٢٠
(٢) رواه أحمد في مسنده، وأورده الحافظ ابن كثير في تاريخه، ثم قال: ورواه مسلم عن أبي كريب عن أبي معاوية عن الأعمش.
[ ٢٩٧ ]
ومرّ الجيش مع رسول الله ﷺ بالحجر (وهي منازل ثمود) فقال لأصحابه: لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم، أن يصيبكم ما أصابهم، إلا أن تكونوا باكين، ثم قنع رأسه وأسرع السير حتى أجاز الوادي «١٠٥» .
ثم إن النبي ﷺ قفل راجعا إلى المدينة، فلما أشرفوا على المدينة قال ﵊ لأصحابه: «هذه طابة، وهذا أحد جبل يحبنا ونحبه «١٠٦» وقال لأصحابه: إن بالمدينة أقواما ما سرتم مسيرا ولا قطعتم واديا إلا كانوا معكم. قالوا: يا رسول الله، وهم بالمدينة؟ قال: وهم بالمدينة، حبسهم العذر» «١٠٧» .
وقدم المدينة ﵊ في رمضان من السنة نفسها، فيكون قد غاب قرابة شهرين..
أمر المخلفين
ولما دخل رسول الله ﷺ المدينة بدأ بالمسجد، فصلّى فيه ركعتين، ثم جلس للناس فجاءه المخلفون وطفقوا يعتذرون إليه ويحلفون له وكانوا بضعة وثمانين رجلا. فقبل منهم علانيتهم واستغفر لهم، وأرجأ أمر كعب بن مالك وصاحبيه إلى أن نزلت آيات بقبول توبتهم.
وقد روى كعب ﵁ خبره في ذلك- في حديث طويل رواه البخاري ومسلم- وجاء فيه قوله: «كان من خبري أني لم أكن قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنه في تلك الغزاة.. وطفقت أغدو لكي أتجهز مع المسلمين، فأرجع ولم أقض شيئا، فأقول في نفسي: أنا قادر عليه (أي لن يعوقني شيء عن سرعة التجهز) فلم يزل يتمادى بي حتى اشتد بالناس الجدّ ولم أقض من جهازي شيئا. ولم يزل بي حتى أسرعوا وتفارط الغزو (أي خرجوا وفاتوا) وهممت أن أرتحل فأدركهم- وليتني فعلت- فلم يقدّر لي ذلك. فكنت إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول الله ﷺ فطفت فيهم، أحزنني أني لا أرى إلا رجلا مغموسا بنفاق أو رجلا ممن عذر الله من الضعفاء.. ولما بلغني أنه توجه قافلا حضرني همّي، فطفقت أتذكر الكذب، وأقول بماذا سأخرج من سخطه غدا؟! .. واستعنت على ذلك بكل ذي رأي من أهلي، ولما قيل إن رسول الله ﷺ قد أقبل، زاح عني الباطل وأجمعت أن أصدقه، فجئته، فلما سلمت عليه تبسّم تبسّم المغضب، ثم قال: تعال، فجئت أمشي حتى جلست بين يديه، فقال لي: ما خلّفك؟ ألم تكن قد ابتعت
_________________
(١) متفق عليه.
(٢) متفق عليه.
(٣) متفق عليه، البخاري: ٥/ ١٣٦، ومسلم: ز/ ٤٩
[ ٢٩٨ ]
ظهرك؟ فقلت: بلى، إني والله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أن سأخرج من سخطه بعذر، ولقد أعطيت جدلا، ولكني والله لقد علمت لئن حدثتك اليوم حديث كذب ترضى به عني ليوشكن الله أن يسخطك عليّ، ولئن حدثتك حديث صدق تجد علي فيه، إني لأرجو فيه عفو الله. والله ما كان لي من عذر، والله ما كنت أقوى ولا أيسر مني حين تخلّفت عنك!. فقال رسول الله ﷺ: أما هذا فقد صدق، فقم حتى يقضي الله فيك. فقمت، وثار رجال من بني سلمة فاتبعوني يؤنبونني (أي يعتبون عليه أنه لم يعتذر كالآخرين) فقلت لهم: هل لقي هذا معي أحد؟ قالوا: نعم، رجلان قالا مثل ما قلت فقيل لهما مثل ما قيل لك، فقلت: من هما؟
فقالوا: مرارة بن الربيع وهلال بن أمية. فذكروا لي رجلين صالحين شهدا بدرا لي فيهما أسوة..
ونهى رسول الله ﷺ المسلمين عن كلامنا أي الثلاثة من بين من تخلف عنه، فاجتنبنا الناس وتغيروا لنا حتى تنكّرت لي الأرض فما هي بالتي أعرفها فلبثنا على ذلك خمسين ليلة، فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان، وأما أنا فكنت أشبّ القوم وأجلدهم، فكنت أخرج فأشهد الصلاة مع المسلمين وأطوف في الأسواق ولا يكلمني أحد، وآتي رسول الله ﷺ فأسلم عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة فأقول في نفسي: هل حرّك شفتيه بردّ السلام عليّ أم لا؟ ثم أصلي قريبا منه أسارقه النظر، فإذا أقبلت على صلاتي أقبل إليّ، وإذا التفتّ نحوه أعرض عني. وبينما أنا أمشي بسوق المدينة إذا نبطيّ من أنباط أهل الشام ممن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة، يقول: من يدلني على كعب بن مالك؟ فطفق الناس يشيرون له حتى إذا جاءني دفع إليّ كتابا من ملك غسان، فإذا فيه: «أما بعد فإنه قد بلغني أن صاحبك قد جفاك، ولم يجعلك الله في دار هوان ولا مضيعة، فالحق بنا نواسك»، فقلت لما قرأتها: وهذا أيضا من البلاء، فتيممت بها التنور فسجرته بها. حتى إذا مضت أربعون ليلة من الخمسين إذا رسول رسول الله ﷺ يأتيني فقال: إن رسول الله ﷺ يأمرك أن تعتزل امرأتك، فقلت: أطلقها أم ماذا أفعل؟ قال: لا بل اعتزلها ولا تقربها، وأرسل إلى صاحبيّ بمثل ذلك. فقلت لامرأتي: الحقي بأهلك فكوني عندهم حتى يقضي الله في هذا الأمر.. فلبثت بعد ذلك عشر ليال حتى كملت لنا خمسون ليلة من حين نهى رسول الله ﷺ عن كلامنا. فلما صليت صلاة الفجر صبح خمسين ليلة وأنا على ظهر بيت من بيوتنا. فبينا أنا جالس على الحال الذي ذكر الله (قد ضاقت علي نفسي وضاقت علي الأرض بما رحبت) سمعت صوت صارخ أوفى على جبل سلع بأعلى صوته: يا كعب بن مالك أبشر. فخررت ساجدا، وعرفت أنه قد جاء فرج، وآذن رسول الله ﷺ بتوبة الله علينا حين صلى صلاة الفجر، فذهب الناس يبشروننا، وذهب قبل صاحبي مبشرون.. ولما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني، نزعت ثوبيّ فكسوته إياهما ببشراه، والله ما أملك غيرهما يومئذ واستعرت ثوبين فلبستهما، وانطلقت إلى رسول الله ﷺ، فتلقاني الناس فوجا فوجا يهنئونني بالتوبة. ودخلت المسجد، فإذا
[ ٢٩٩ ]
رسول الله ﷺ جالس حوله الناس فقام إليّ طلحة بن عبيد الله يهرول حتى صافحني وهنأني، والله ما قام إليّ رجل من المهاجرين غيره ولا أنساها لطلحة، قال كعب: فلما سلمت على رسول الله ﷺ قال وهو يبرق وجهه من السرور: أبشر بخير يوم مرّ عليك منذ ولدتك أمك.
قال: قلت: أمن عندك يا رسول الله أم من عند الله؟ قال: لا بل من عند الله. فقلت: يا رسول الله! إنّ من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله ورسوله. قال رسول الله ﷺ: أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك. فقلت: يا رسول الله إنما نجاني الصدق، وإن من توبتي أن لا أحدث إلا صدقا ما بقيت. وأنزل الله تعالى على رسوله: لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ إلى قوله: وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ «١٠٨» [التوبة ٩/ ١١٧- ١١٩]» .
العبر والعظات:
أولا- كلمة على هامش هذه الغزوة:
لقد أخذ الإسلام يستقر في الجزيرة العربية، واستولى سلطانه على الأفئدة والنفوس وهذا ما كانت نصارى الروم تراقبه من بعيد في خوف وقلق.
فالرومان، لم يعانقوا النصرانية إيمانا منهم بها، وإنما كانوا قد اتخذوها ذريعة إلى استعمار شعوب تلك المنطقة، ولأجل ذلك تلاعبوا بها كما أرادوا، وغيروا منها وبدلوا، فخلطوا هديها بوثنيتهم وأضافوا إلى ما فيها من الحق الكثير من باطلهم.
والإسلام- وهو الدين الذي تكررت الدعوة إليه على لسان جميع الرسل والأنبياء- إنما جاء ليخرج به الناس عن كل سلطان غير سلطان الله تعالى، فلا يكون لأحد عليهم من سيادة ولا سلطان ولا حكم إلا سلطان الله وحكمه.
وهم- وقد علموا من النصرانية كل حقائقها- أدرى الناس بخطورة هذه الرسالة الأخيرة وما تحمل في طيها من تهديد لحكم الطغاة وسلطان المتسلطين وبغي الباغين.
فلا غرو أن يكون هذا الدين- وقد استقر أمره في الجزيرة العربية- مصدر قلق وتخوف لدى طغاة الروم وأتباعهم الذين ما دخلوا النصرانية إلا ظاهرا، وما أرادوا من ذلك إلا ضمان بسط سلطانهم على المستضعفين.
فمن أجل ذلك تلقوا خبر فتح مكة ونبأ انتصار الإسلام في الجزيرة العربية بالذعر، ثم أخذوا يجمعون جموعهم بين الشام والحجاز، علّهم يقفون في وجه هذا الدين الذي سيكون في انتشاره القضاء عليهم وعلى سلطانهم.
_________________
(١) البخاري ومسلم، باختصار.
[ ٣٠٠ ]
ولقد كان من مقتضى هذا الاهتمام لدى الروم، أن يكون الاشتباك بينهم وبين المسلمين عظيما وخطيرا. ولكن حكمة الله ﷿ تشاء أن يكتفى من جهاد المسلمين في هذه الغزوة بالجهد العظيم الذي بذلوه والمشقات الجسيمة التي تحملوها، إذ قطعوا تلك المسافات المضنية بين المدينة وتبوك ذهابا وإيابا، ولقد كانت- كما رأيت- رحلة عجيبة في عذابها وأتعابها ومشاهد العسر التي فيها.. وما الجهاد الذي أمر الله به؟ هل هو إلا بذل النفس والجهد في سبيل شرعة الله ودينه؟ .. إن هذا هو كل ما يريد الله من عباده، ومعاذ الله أن يكون بحاجة من وراء ذلك إلى معونتهم لردّ كيد الكافرين أو إدخال معنى الهداية والإيمان في قلوب الجاحدين.
وقد بذل (جيش العسرة) في هذه الغزوة العسيرة المضنية، المال والجهد وضحّوا بالراحة في أجمل فرصها، واستبدلوا به العذاب في أقسى صوره وأشكاله. ولقد برهنوا بذلك على صدق إيمانهم بالله ومحبتهم له، فحقّ لهم النصر والتأييد، وأن يكفيهم الله القتال، برعب من لدنه يقذفه في قلوب أعدائهم، فيتفرقون عنهم ويخضعون لحكم الله فيهم.
وهكذا فقد كان يسر خضوع الروم لحكم الجزية وقيودها، في مقابل العسر الذي تحمله المسلمون مع رسولهم ﷺ في مرضاة ربهم ﷻ.
ثانيا- العبر والأحكام:
وإنك لتجد في هذه الغزوة دروسا وأحكاما كثيرة، نجمل منها ما يلي:
١- (أهمية الجهاد بالمال)، فالجهاد ضد أعداء الإسلام ليس محصورا بالخروج للغزو، بل ولا يكفي منه ذلك وحده. فحيثما توقف أمر الجهاد بالقتال والسلاح على نفقات ومال، وجب على المسلمين كلهم أن يقدموا من ذلك ما يقع موقعا من الكفاية، بشرط أن يكون ذلك بنسبة ما يتفاوتون به من كفاية وغنى.
ولقد قرر الفقهاء أن الدولة إذا ما اضطرت إلى النفقات للجهاد، كان لها أن تفرض على الناس حاجتها من ذلك بالشكل الذي ذكرناه، غير أنهم اتفقوا على أن ذلك مشروط بأن لا يكون في أموال الدولة ما يوضع في نفقات كمالية أو غير مشروعة. إذ أن أموال الناس ليست أولى من أموال الدولة بأن تصرف إلى حاجات الجند والقتال.
هذا، ولقد رأيت كيف أن عثمان بن عفان ﵁ قد جاء إلى النبي ﵊ بثلاثمائة بعير بكل ما تحتاجه من الأقتاب والأجلاس وبمئتي أوقية من الفضة حتى قال رسول الله ﷺ: «ما ضرّ عثمان ما فعل بعد اليوم» . وفي هذا بيان لفضل عثمان ﵁. بل وإن في هذه الكلمة التي قالها عنه ﵊: «ما ضرّ عثمان ما فعل بعد اليوم» زجرا وتأديبا لكل من أراد أن يطيل لسانه على عثمان من أمثال أولئك الذين يتشدقون بالنقد على
[ ٣٠١ ]
سياسته أيام خلافته، يكتبون الصفحات الطوال عما يسمونه بمظهر الضعف أو التحيز في سياسته، مقتفين في ذلك ما يطيب للمستشرقين القيام به من إمطار التاريخ الإسلامي بوابل النقد والكذب والتضليل تحقيقا لغاية مرسومة معروفة يتطلعون إليها ويغذون السير للوصول إليها.
إن هؤلاء الذين يضعون أنفسهم في أبراج عالية من النزاهة النادرة، لينطقوا من هناك بأحكامهم على عثمان وسياسته، هم أحوج ما يكونون إلى أن يتحسسوا أمراضهم المختلفة ثم يداووها بدراسة شيء من مناقب هذا الخليفة العظيم والاهتداء بسيرته وسلوكه.
ومهما يكن من شأن عثمان في خلافته، فأي بقية من الأدب توجد عند من يسمع كلام رسول الله ﷺ: «ما ضرّ عثمان ما فعل بعد اليوم»، ثم يمضي بعد ذلك منتشيا بنقده وتسفيه سياسته؟!.
٢- (كلمة عن حديث أبي بكر وما اختلقه البعض من زيادة فيه، ليسوغوا بها بدعة من أهم البدع المحرمة) .
ذكرنا الحديث الذي رواه الترمذي وأبو داود، عن تقديم أبي بكر ماله كله للرسول ﷺ، وأنه أجابه ﵊ حينما سأله، ما أبقيت لأهلك: «أبقيت لهم الله ورسوله» .
وقد اختلق بعضهم زيادة على الحديث: أن النبي ﵊ قال له: «يا أبا بكر إن الله راض عنك فهل أنت راض عنه؟. فاستفزّه السرور والوجد، وقام يرقص أمام رسول الله ﷺ قائلا: كيف لا أرضى عن الله؟!» .. ثم ذهبوا يجعلون من هذه الزيادة المختلقة دليلا على مشروعية الرقص والدوران في حلق الذكر على نحو ما يفعل (المولوية) وطوائف أخرى من المتصوفة.
فأما الدليل الذي يستندون إليه، فهو دليل مختلق كما ذكرت، ولم يثبت في حديث صحيح ولا ضعيف أن أبا بكر قام بفعل ذلك بين يدي رسول الله ﷺ، كل ما ورد في الأمر هو ما ذكرته من نص حديث الترمذي والحاكم وأبي داود، على ما فيه من احتمالات الضعف التي بينتها في تخريج الحديث.
وأما المدلول، فلا نقول: إنه لم يثبت دليل عليه، بل الحق الذي ينبغي أن يقال: إن الدليل قد ثبت على حرمته. وإليك بيان ذلك.
ذهب الجمهور إلى أن الرقص محرم، إن كان مع التثني، واتفقوا على أنه مكروه إن كان بدون ذلك، فإدخال الرقص- مهما كانت كيفيته- في ذكر الله تعالى، إقحام لما هو مكروه أو محرم في عبادة مشروعة، وتحويل له بذلك إلى عبادة يتقرب بها إلى الله دون دليل عليها، أو على أنها قد خرجت عن الكراهة أو التحريم.
[ ٣٠٢ ]
أضف إلى ذلك ما يتلبس به حال هؤلاء (الذاكرين) من التفوه بأصوات ليست من ألفاظ الذكر في شيء، وإنما هي حمحمات وهمهمات تصّاعد من حلوقهم، ليتكون منها دويّ متناسق معين ينسجم مع تواقيع المنشدين والمطربين، فتحدث بذلك مزيدا من النشوة والطرب في النفوس.
فكيف يكون هذا ذكرا لله تعالى كالذي أمر الله به والذي كان يفعله الرسول ﷺ وأصحابه؟! .. وكيف يكون هذا العمل عبادة، والعبادة- كما تعلم- هي ما شرعه الله تعالى في كتابه أو سنة رسوله لا يزاد عليها ولا ينقص منها؟! ..
واعلم أن هذا الذي نقوله، هو ما أجمع عليه علماء الشريعة الإسلامية في مختلف العصور، لم يشذّ عنه إلا قلة مبتدعة شرعوا من الدين ما لم يأذن به الله فكم من محرمات استحلوها ومن موبقات ارتكبوها، باسم الوجد أو التواجد آنا، وباسم الانعتاق من ربقة التكاليف آنا آخر.
وإليك ما يقوله في هذا إمام من أجل أئمة المسلمين دينا وعلما وورعا وتصوفا وهو العز بن عبد السلام:
(وأما الرقص والتصفيق فخفة ورعونة مشبهة لرعونة الإناث، لا يفعلها إلا راعن أو متصنع كذاب، كيف يتأتى الرقص المتزن بأوزان الغناء ممن طاش لبّه وذهب قلبه، وقد قال ﵊: «خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم» ولم يكن واحد من هؤلاء الذين يقتدون بهم يفعل شيئا من ذلك) «١٠٩» .
ويقول مثل هذا الكلام ابن حجر أيضا في كتابه: كف الرعاع، وابن عابدين في حاشيته المشهورة المعتمدة عند السادة الأحناف، مفرقا بين الوجد القاهر والتواجد المصطنع.
أما الإمام القرطبي فيتوسع في التحذير من هذه البدعة وبيان حرمتها توسعا كبيرا. وإذا أردت أن تقف على كلامه في ذلك فارجع إلى تفسيره، عند قوله تعالى: الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيامًا وَقُعُودًا وَعَلى جُنُوبِهِمْ، وقوله تعالى: وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبالَ طُولًا [الإسراء ١٧/ ٣٧] .
ولولا الإطالة فيما ينبغي الاختصار فيه لسردت لك نصوص كثير من الأئمة في هذا الشأن، لتعلم أن هذا هو الحق الذي اتفق عليه عامة الأئمة من سلف وخلف لا خلاف فيه ولا نزاع «١١٠» .
_________________
(١) قواعد الأحكام في مصالح الأنام: ٢/ ١٨٦
(٢) قد يعجب البعض من أني أنكر على الوهابية الكثير من آرائهم، مع ما أفعله هنا من الانحياز إليهم، لاستنكار ما يراه الآخرون. ولا ريب أن هذا العجب إنما هو نتيجة تصور خاطئ لما ينبغي أن يكون عليه حال المسلم. فليس من الإسلام في شيء أن يتحول لدينا البحث العلمي في العقل إلى عصبية مستحكمة في النفس. وهيهات أن يكون من الإسلام في شيء ما يفعله بعضهم من الانتصار لما عرف به من مذهب ورأي، مصطنعا بذلك الانتصار للإسلام، وهو يعلم في قرارة
[ ٣٠٣ ]
ومن الواضح أنه يستثنى من عموم ما ذكرناه، ما إذا خرج الذاكر عن طوره بأن سيطرت عليه حال لم يملك معها شعوره وزمام نفسه، إذ لا يتعلق به حكم تكليفي في ذلك الطور، وعليه يحمل ما قد قيل من أن العز بن عبد السلام نفسه قد هاج مرة فقام يقفز، إذ كيف يفعل ذلك باختيار وقصد وهو صاحب النص الذي نقلناه عن كتابه؟ «١١١» .
٣- (المنافقون: طبيعتهم ومدى خطورتهم على الإسلام)، نال أمر هذه الغزوة من حديث كتاب الله عنها وتعليقه عليها ما لم تنله أي غزوة أخرى، وإنك لتقرأ عنها في سورة التوبة آيات بل صفحات كثيرة. وتركز معظم هذه الآيات على بيان أهمية الجهاد بالنفس والمال في سبيل الله وأنه الدليل الوحيد على صدق إسلام المسلم، وأنه أهم فارق بين المؤمنين والمنافقين، وأن على المسلمين- إذا كانوا مسلمين- أن لا يركنوا إلى الدعة والراحة وأن يستهينوا بما قد يتعرضون له من عذاب وشدة في سبيل الله تعالى. كما أطالت في الحديث عن المنافقين وفضح نواياهم والخفيّ من مقاصدهم.
والدرس الذي في ذلك هو بيان خطورة أمر النفاق والمنافقين على المسلمين في كل عصر، وإيضاح أن الإسلام دعوى لابدّ أن يصدقها الجهاد والتعرض للمحن، حتى يتميز الصادق عن الكاذب، ويمحّص إيمان المؤمنين عن دجل المنافقين. ولقد كانت تبوك أعظم مادة لهذا الدرس
_________________
(١) نفسه أنه إنما ينتصر للرأي الذي أصبح جزءا من شخصيته وكيانه بين الناس. لا ينبغي للمسلم (لدى البحث العلمي)، أن يضع أي شيء نصب عينيه إلا كتاب الله وسنة رسوله، ولا يجوز له أن يدع أي سلطان من دون سلطانهما يتسلل بالتأثير على نفسه وفكره. ولا ينبغي، إذا التزم هذا المسلم الحق، أن يضيق أحد من المسلمين بكلامه، أو أن يغضب لأحكامه. وإذا كنت قد بحثت في هذا الكتاب مسائل انتهيت فيها إلى مخالفة بعض الناس، فليس ذلك- يشهد الله- حبا بمخالفتهم ولكن حبا بالتزام كتاب الله وسنة رسوله، وربما أخطئ في الحكم والاستنتاج ولكن هذا هو الدافع. وإذا كنت أبحث الآن في مسألة انتهيت فيها إلى موافقة أولئك البعض ومخالفة كثير من عوام المسلمين أو المتصوفة فيهم، فليس ذلك أيضا حبا بمخالفتهم أو شهوة لنقدهم، ولكن رغبة خالصة في أن لا أحيد عن كتاب الله وسنة رسوله، مع تقديري لكثير من هؤلاء السادة، ويقيني بصلاحهم وصفاء نياتهم. وعذري أن هذا التقدير لا يسوغ تجاوز النصوص أو القواعد أو التأويل لها. ولو بحث المسلمون عن الحق الذي يجب اتباعه، عن طريق هذا الميزان، لما قامت فئات تتخاصم وتتجافى عن بعضها رغم ما قد يقع بينها من خلاف في الرأي والاجتهاد، ولكن العصبية والغلو هما اللذان أوديا بالمسلمين إلى هذا الذي نراه. يحاسب المتصوفة خصومهم على ما يرونه عندهم من تطرف وغلو، ولا يحاسبون أنفسهم على ما يتلبسون به هم من الغلو والبدع التي لا وجه في الإسلام يسوغها!. أفهذا هو الحق الذي ينبغي أن يكون؟ .. إن الغلو في الأمر لا يأتي إلا من غلو آخر يقابله فمن أراد الانتصار لدين الله وهدي رسوله فليقطع دابر كل غلو واختراع وبدعة، فإن ذلك خير علاج لما قد يوجد من غلو معاكس لدى الآخرين.
(٢) انظر كتاب كف الرعاع: ٤٨ على هامش الزواجر لابن حجر.
[ ٣٠٤ ]
القرآني، إذ كان اختبار المسلمين بها أعظم اختبار إلهي كشف اللثام عن النفاق في المدينة وميّز المنافقين عن المسلمين الصادقين أعظم تمييز، ثم نزلت الآيات المتوالية في كتاب الله تعالى تضبطهم بجرائمهم وتعلن للمسلمين سرائرهم وتحذرهم منهم في كل زمان ومكان.
فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ، وَكَرِهُوا أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَقالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ، فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ، فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلى طائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ، فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخالِفِينَ [التوبة ٩/ ٨١- ٨٣] .
وأنت إذا رجعت إلى ما قبل هذه الآيات وما بعدها، رأيت فيها اهتماما غريبا بشأن المنافقين والحديث عنهم والتحذير منهم. وما ذلك إلا أن المسلمين لا يؤتون، في معظم ما يصيبهم من نكبات، إلا من قبل المنافقين، فلا يتسنى لعدوهم أن يتسلل إليهم إلا من خلال ثغرات النفاق والمنافقين، ولا ينخدع المسلمون بعدوّ لهم كما ينخدعون للمنافقين منهم، ولا يصابون بعدوى الضعف والخبال والتفرق كما يصابون به من قبل المنافقين، وصدق الله تعالى إذ يقول:
لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ ما زادُوكُمْ إِلَّا خَبالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ [التوبة ٩/ ٤٧] .
ومكمن الخطورة فيهم، أنهم إنما يحاربون الإسلام باسمه، ويكيدون له بسلاحه، يتلاعبون بما فيه من أحكام باسم الإصلاح والمرونة والتمسك بروح التشريع ويستخرجون منه الفتاوى الملفقة المصطنعة تحقيقا لأمانيهم أو تقربا إلى سادتهم وأولياء نعمتهم.
والعظة التي ينبغي أن يأخذها المسلمون من هذا الدرس، هو أن يحذروا عدوّهم الخارجي مرة على أن يحذروا المنافقين فيهم ألف مرة، وأن يحاربوا أول ما يحاربون.. ما قد يشيع بينهم من النفاق.
٤- (الجزية وأهل الكتاب)، في هذه الغزوة دليل على مشروعية أخذ الجزية من أهل الكتاب، وأنهم يحرزون بذلك دماءهم وأموالهم، فقد رأيت أن الروم اختفوا وتفرقوا عن رسول الله ﷺ حينما وصل إلى تبوك، وجاءه متنصرة العرب فصالحوه ﷺ على الجزية، وكتب لهم ﵊ بذلك كتابا.
والجزية ضريبة مالية تقوم بالنسبة لأهل الكتاب مقام الزكاة بالنسبة للمسلمين والفرق الذي بينها وبين الزكاة أن الجزية تقوم على أساس قضائي مجرد على حين تقوم مشروعية الزكاة على أساس من الديانة والقضاء معا.
[ ٣٠٥ ]
ويعتبر الخاضعون لحكم الجزية داخلين في حكم الإسلام القضائي في المجتمع الإسلامي وإن لم يدينوا به عقيدة في نفوسهم. ولذلك فإن عليهم أن لا يجاهروا في مخالفة شيء من قوانينه وأحكامه العامة إلا ما يتدينون من ذلك بخلافه في زعمهم كشرب الخمر ونحوه.
هذا، والفرق بين الكتابيين وغيرهم من الملاحدة والوثنيين، في أمر الجزية، هو أن الكتابيين يمكنهم أن ينسجموا مع المجتمع الإسلامي ونظامه العام مع احتفاظهم بما يدينون. أما الملاحدة والوثنيون وأشباههم فلن تجد بينهم وبين المجتمع الإسلامي قدرا مشتركا يضمن الانسجام، إذ لا يمكن لفكرة الإلحاد والوثنية أن تلتقي مع الحكم والنظام الإسلامي في أي فرع من الفروع، لقيام التناكر والتخالف بينهم في أعمق الأسس والجذور.
٥- يدلنا ما ذكره رسول الله ﷺ عندما مرّ بمنازل ثمود أنه يكره للمسلم أن يدخل ديار الأمم الخالية ممن أهلكهم الله بكفرهم أو أن يمر على شيء من آثارهم، إلا وهو معتبر بحالهم يتأمل في مآلهم يسأل الله تعالى العافية والرحمة له وللمسلمين. إذ هي منازل شهدت مظهرا من غضب الله تعالى، وسجّلت على أطلالها آثار من ذلك الغضب، فهي باقية عليها مع الدهر، ولا ريب أن الله ﷿ إنما ترك هذه الآثار في الأرض لتكون عبرة لأولي البصيرة والألباب، كما أوضح ذلك في كثير من آياته. فمن الخطأ الكبير أن يمرّ الإنسان عليها ساهيا لاهيا، لا يعبأ منها بغير مظهر الشكل أو البناء والنقوش.
وكم في الأرض من عبر وعظات من هذا القبيل، تظل تدوي بلسان حالها على أسماع الناس أن اعتبروا يا أولي الأبصار، ولكن الناس لا يستمعون منها إلا إلى ما يوسوس إليهم شياطينهم على ألسنتها، ولا يقبلون منها إلا على مظاهر الفن والقيمة الأثرية والتاريخية! ..
٦- وعلينا الآن أن نتأمل في الفرق بين سياسته ﷺ مع المنافقين وسياسته مع أصحابه المؤمنين الصادقين.
لقد تخلف- كما رأيت- كثير من المنافقين عن هذه الغزوة، وجاؤوا يعتذرون له ﷺ بشتى الأعذار المختلفة، ومع ذلك فقد صفح عنهم وقبل علانيتهم ووكل سرائرهم إلى الله ﷿.
وتخلف عدد يسير من المؤمنين من غير ريبة ولا نفاق، ثم جاؤوا إليه ﷺ لا يصطنعون عذرا ولا كذبا يسألونه العفو والصفح، ومع ذلك فقد عاقبهم ولم يصفح عنهم. وقد رأيت مدى قسوة العقوبة التي أنزلها رسول الله ﷺ بهم! ..
فلماذا؟! .. لماذا اختار مع المنافقين اللين والصفح، واختار للمسلمين الصادقين الشدة والعقوبة؟! ..
والجواب: أن الشدة والقسوة في هذا المقام مظهر للإكرام والتشريف، وهو مالا يستأهله
[ ٣٠٦ ]
المنافقون، وكيف يستأهل المنافقون أن تنزل آيات في توبتهم وعفو الله عنهم؟!.
ثم إن المنافقين محكوم عليهم- على أي حال- أنهم كفرة، ولن ينشلهم شيء مما يتظاهرون به في الدنيا، من الدرك الأسفل في النار يوم القيامة، وقد أمر الشارع ﷻ أن ندعهم لما تظاهروا به ونجري الأحكام الدنيوية حسب ظواهرهم، ففيم التحقيق عن بواطن أعذارهم وحقيقة أقوالهم، وفيم معاقبتهم في الدنيا على ما قد يصدر عنهم من كذب ونحن إنما نعطيهم الظاهر فقط من المعاملة والأحكام، كما يبدون لنا هم أيضا، الظاهر فقط من أحوالهم، وعقائدهم.
قال ابن القيم: «وهكذا يفعل الرب سبحانه بعباده في عقوبات حرائمهم، فيؤدب عبده المؤمن الذي يحبه وهو كريم عنده، بأدنى زلة وهفوة، فلا يزال مستيقظا حذرا. وأما من سقط من عين الله وهان عليه فإنه يخلي بينه وبين معاصيه، وكلما أحدث ذنبا أحدث له نعمة» «١١٢» .
واعلم أن في حديث كعب الطويل الذي ذكرناه عبرا ودلالات هامة نذكر منها ما يلي:
أولا: مشروعية الهجر لسبب ديني، فقد نهى النبي ﷺ المسلمين عن مكالمة كعب وصاحبيه طوال تلك المدة، قال ابن القيم: «وفيه دليل أيضا على أن ردّ السلام على من يستحق الهجر ليس بواجب» «١١٣»، إذ كان مما قاله كعب: «فكنت أخرج فأشهد الصلاة مع المسلمين.. وآتي رسول الله ﷺ فأسلم عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة فأقول هل حرك شفتيه بردّ السلام عليّ أم لا؟» فلو كان ردّ السلام عليه واجبا لكان لابدّ من إسماعه.
ثانيا: وابتلاء آخر امتحن الله به كعبا ﵁، ومن الجدير التأمل فيه لتعلم كيف ينبغي أن يكون إيمان المسلم بربه ﷻ. فقد رأيت أن ملك غسان أرسل إليه معظما ومبجلا يدعوه إلى ترك هؤلاء الذين آذوه وأعرضوا عنه، واللحاق ببلاده، ليجد عنده الإكرام والسعادة، وكان قد بلغ الكرب إذ ذاك بكعب أشده، ولكن هذا الابتلاء لم يكشف إلا عن المزيد من إيمانه بربه وشدة إخلاصه ومحبته له.
وكم من أقدام زلت، وتزل اليوم، في هذا المنزلق الذي وضع أمام كعب ﵁ لابتلائه به واختباره، فمرّ من فوقه عزيزا قويا بإسلامه، لم يتأثر به ولا انزلق فيه.
ثالثا: سجود الشكر لله تعالى عبادة مشروعة، دلّ عليها سجود كعب ﵁ حينما سمع صوت المبشر بتوبة الله عليه. قال ابن القيم: «وقد سجد أبو بكر الصديق لما جاءه قتل مسيلمة الكذاب، وسجد عليّ بن أبي طالب لما وجد ذا الثدية مقتولا في الخوارج، وسجد رسول الله ﷺ حينما بشره جبريل أنه من صلى عليه مرة صلى الله عليه بها عشرا» «١١٤» .
_________________
(١) زاد المعاد: ٣/ ٢٠
(٢) المرجع السابق: ٣/ ٢٠
(٣) المرجع السابق: ٣/ ٢٢
[ ٣٠٧ ]
رابعا: ذهب الحنفية، ما عدا زفر، إلى أن الرجل إذا نذر ماله كله صدقة على المساكين، لم يلزمه التصدق إلا بالأموال الزكوية فقط، ولهم أدلة على ذلك، لعلّ من جملتها ما أجاب به رسول الله ﷺ كعبا حينما قال له: «إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة لله ورسوله، فقد قال له: أمسك عليك بعض مالك» .
والذين ذهبوا إلى أن كلّ ماله يصبح صدقة إذا نذره كله، قالوا: إن قول كعب لرسول الله ﷺ ليس في حقيقته إنشاء لصيغة نذر، ولكنه استشارة له ﵊، فأخبره ﷺ أن بعض ذلك يجزيه «١١٥» . ولعل هذا هو الأقرب في فهم سياق كلام كعب ﵁ وجواب الرسول ﷺ له.
حج أبي بكر ﵁ بالناس سنة تسع
لما قفل رسول الله ﷺ عائدا من تبوك، أراد الحج، ثم قال: «إنما يحضر المشركون فيطوفون عراة فلا أحب أن أحج حتى لا يكون ذلك» . فأرسل أبا بكر ﵁ وأردفه بعليّ ﵁، ينهيان المشركين عن الحج بعد ذلك العام، ويعطيانهم مهلة للدخول في الإسلام أربعة أشهر، ثم ليس بينهم وبين المسلمين إلا القتال.
روى البخاري في كتاب المغازي عن أبي هريرة أن أبا بكر الصديق ﵁ بعث في الحجة التي أمّره عليها النبي ﷺ، قبل حجة الوداع يوم النحر في رهط يؤذن في الناس: «لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان» .
وروى محمد بن كعب القرظي وغيره أن النبي ﷺ بعث أبا بكر أميرا على الموسم سنة تسع من الهجرة، وبعث علي بن أبي طالب بثلاثين أو أربعين آية من براءة، فقرأها على الناس، يؤجل المشركين- أي يمهلهم- أربعة أشهر يسيحون في الأرض، فقرأها عليهم يوم عرفة، أجّلهم عشرين من ذي الحجة، والمحرم، وصفر، وشهر ربيع الأول، وعشرا من ربيع الآخر، وقرأها عليهم في منازلهم وقال: «لا يحجّنّ بعد عامنا مشرك ولا يطوفن بالبيت عريان» .
وروى الإمام أحمد عن محرز بن أبي هريرة عن أبيه قال: «كنت مع علي بن أبي طالب حين بعثه رسول الله ﷺ إلى أهل مكة ببراءة، فقال: ما كنتم تنادون؟ قال: كنا ننادي أنه لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة، ولا يطوف بالبيت عريان، ومن كان بينه وبين رسول الله ﷺ عهد فإن أجله أو مدته أربعة أشهر، فإذا مضت الأربعة الأشهر فإن الله بريء من المشركين ورسوله، ولا يحج هذا البيت بعد عامنا هذا مشرك، قال: فكنت أنادي حتى صحل صوتي» .
_________________
(١) راجع المبسوط للسرخسي: ١٢/ ٩٣، وزاد المعاد لابن القيم: ٣/ ٢٣، وضوابط المصلحة للمؤلف: ٢٤٤ و٨٤ م
[ ٣٠٨ ]
فذلك هو المقصود بقوله تعالى: وَأَذانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ، وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذابٍ أَلِيمٍ [التوبة ٩/ ٣] .
وروى ابن سعد أن النّبي ﷺ عندما استعمل أبا بكر على الحج، خرج في ثلاثمائة رجل من أهل المدينة، وبعث معه رسول الله ﷺ بعشرين بدنة قلدها وأشعرها.
العبر والعظات:
١- المشركون وتقاليدهم في الحج: لقد عرفت فيما مضى أن الحج إلى بيت الله الحرام كان مما ورثه العرب عن إبراهيم ﵊، فكان من بقايا الحنيفية التي ما زالوا محافظين عليها. إلا أن كثيرا من أدران الجاهلية وأباطيل الشرك قد تسلل إليه، حتى غدا مظهرا من مظاهر الشرك أكثر من أن يكون عبادة قائمة على عقيدة التوحيد.
ذكر ابن عائذ أن المشركين كانوا يحجون مع المسلمين، ويعارضهم المشركون بإعلاء أصواتهم ليغلطوهم بذلك، فيقولون: «لا شريك لك إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك» . وكان رجال منهم يطوفون عراة ليس على رجل منهم ثوب، يرون ذلك تعظيما للبيت! .. وكان يقول أحدهم:
«أطوف بالبيت كما ولدتني أمي، ليس عليّ شيء من الدنيا خالطه الظلم» «١١٦» .
وظلت هذه الأرجاس إلى نهاية العام التاسع من الهجرة، حيث كان حج أبي بكر ﵁ والإنذار الذي أبلغه كل من أبي بكر وعلي ﵄ لسائر المشركين، إيذانا بطهارة المسجد الحرام عن تلك الأرجاس، وزوالها إلى غير رجعة.
٢- انتساخ العهد بإعلان الحرابة: ثم اعلم أن المشركين كانوا إذ ذاك صنفين، كما قال محمد بن إسحاق وغيره: أحدهما كان بينه وبين رسول الله ﷺ عهد إلى ما دون أربعة أشهر من الزمن، فأمهل هذا الصنف إلى تمام المدة، وثانيهما كان بينه وبين رسول الله ﷺ عهد مفتوح، أي بغير أجل، فاقتصر به القرآن في سورة براءة على أربعة أشهر، ثم هو بعد ذلك الحرب بينهم وبين المسلمين، يقتل أحدهم حيث أدرك، إلا أن يسلم ويتوب، وابتداء هذا الأجل من يوم عرفة من العام التاسع، وانقضاؤه إلى عشر من شهر ربيع الآخر.
وقيل- وهو رأي الكلبي-: إنما كانت الأشهر الأربعة مدة لمن كان بينه وبين رسول الله ﷺ عهد دون أربعة أشهر. فأما من كان عهده أكثر من ذلك، فقد أمر الله أن يتم عهده إلى مدته، فذلك هو معنى قوله ﷿: إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ [التوبة ٩/ ٤] .
_________________
(١) انظر عيون الأثر لابن سيّد الناس: ٢/ ٢٣١
[ ٣٠٩ ]
والقول الأول أصح وأوجه، إذ ليس في سورة براءة شيء جديد على رأي الكلبي، وإنما هي تأكيد للعهود القائمة بين الرسول ﷺ والمشركين، لم تغير منها شيئا ولم تأت بجديد، فأي معنى عندئذ في قراءة عليّ ﵁ للسورة على مسامع المشركين ينذرهم بها، وأي جديد في أن يبعث النّبي ﷺ عليّا بذلك؟
٣- تأكيد آخر لحقيقة معنى الجهاد: وإنك لتلحظ في هذا تأكيدا جديدا على أن الجهاد في الشريعة الإسلامية ليس حربا دفاعية كما يصوّر المستشرقون! ..
تأمل في قوله ﷿ وهو ينذر فلول المشركين وبقاياهم حول مكة، من أهل نجد وغيره.
بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكافِرِينَ، وَأَذانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ، وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذابٍ أَلِيمٍ. إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ. فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ، فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [التوبة ٩/ ١- ٥] .
إن هذه الآيات الواضحة القاطعة، لم تبق في الذهن أي مجال لتصور ما يسمى بالحرب الدفاعية، أساسا لمعنى الجهاد في الإسلام.
وأنت تعلم أن سورة براءة من أواخر ما نزل من القرآن، فأحكامها- وأكثر أحكامها تتعلق بالجهاد- مستقرة باقية.
ولست أرى ما يدعو إلى القول بأن هذه الآيات نسخت ما قبلها من الآيات التي تقرر الجهاد الدفاعي، كقوله تعالى: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا، وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ [الحج ٢٢/ ٣٩] .
ذلك لأن الجهاد في أصل مشروعيته غير ناظر إلى هجوم ولا إلى دفاع، إنما هو يهدف إلى إعلاء كلمة الله تعالى وإشادة صرح المجتمع الإسلامي السليم وإقامة دولة الله في الأرض، فأيّا كانت الوسيلة المتعينة إلى ذلك وجب اتباعها.
قد تكون الوسيلة، لظرف ما، المسالمة وبثّ النصيحة والتعليم والإرشاد، وعندئذ لا يفسر الجهاد إلا بذلك.
وقد تكون الوسيلة، لظرف آخر، الحرب الدفاعية مع النصح والإرشاد والتوجيه، فهذا هو الجهاد المشروع حينئذ.
[ ٣١٠ ]
وقد تكون الوسيلة المتعينة، لظروف أخرى، الحرب الهجومية، فهي عندئذ ذروة الجهاد وأشرفه.
وإنما يقدر الظرف ويعين الوسيلة ويحددها، الحاكم المسلم المتبصر الواعي المخلص لله ولرسوله ولعامة المسلمين.
وهذا يعني أن جميع هذه الوسائل الثلاث مشروعة في تحقيق الجهاد، على أن لا يطبق منها إلا ما تقتضيه المصلحة الآنية التي يقدرها الحاكم المخلص، وتبادل التطبيق ليس من النسخ في شيء.
ثم إن حج أبي بكر هذا كان تعليما للمسلمين أصول المناسك وكيفية أدائها، ثم كان تمهيدا لحجة الإسلام وحجة الوداع التي كان قائدها محمدا ﵊.
مسجد الضرار
روى ابن كثير عن سعيد بن جبير وقتادة وعروة وغيرهم أنه كان في المدينة رجل من الخزرج اسمه أبو عامر الراهب، وكان قد تنصّر في الجاهلية وله مكانة كبيرة في الخزرج. فلما قدم رسول الله ﷺ المدينة واجتمع المسلمون عليه وصارت للإسلام كلمة عالية، شرق أبو عامر بريقه وأظهر العداوة لرسول الله ﷺ، ثم خرج فارّا إلى كفار مكة من مشركي قريش يمالئهم على حرب رسول الله ﷺ. ثم إنه لما رأى أمر رسول الله ﷺ في تقدم وارتفاع، ذهب إلى هرقل ملك الروم يستنصره على النّبي ﷺ، فوعده ومنّاه، فأقام عنده وكتب إلى جماعة من قومه من منافقي المدينة يعدهم بما وعده به هرقل، وأمرهم أن يتّخذوا له معقلا يقدم عليهم فيه من يقدم من عنده لأداء كتبه، ويكون مرصدا له إذا قدم عليهم بعد ذلك.
فشرعوا في بناء مسجد قريب من مسجد قباء، فبنوه وأحكموه وفرغوا منه قبل خروج رسول الله ﷺ إلى تبوك، وجاؤوا فسألوا رسول الله ﷺ أن يأتي إليهم فيصلي في مسجدهم ليحتجوا بصلاته فيه على تقريره وإثباته. وذكروا أنهم إنما بنوه للضعفاء منهم وأهل العلّة في الليلة الشاتية. فعصمه الله من الصلاة فيه وقال: «إنا على سفر ولكن إذا رجعنا إن شاء الله»، فلما قفل ﵊ راجعا إلى المدينة من تبوك ولم يبق بينه وبينها إلا يوم أو بعض يوم، نزل عليه جبريل بخبر مسجد الضرار وما اعتمده بانوه من الكفر والتفريق بين جماعة المؤمنين، فبعث رسول الله ﷺ إلى ذلك المسجد من هدمه قبل مقدمه إلى المدينة «١١٧» . ونزل قوله تعالى:
وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصادًا لِمَنْ حارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ، وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنا إِلَّا الْحُسْنى، وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ، لا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا،
_________________
(١) تفسير ابن كثير: ٢/ ٣٨٧ و٣٨٨، ورواه ابن هشام في سيرته على نحو قريب في: ٢/ ٣٢٢
[ ٣١١ ]
لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ، فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ [التوبة ٩/ ١٠٧- ١٠٨] .
ومعنى قوله تعالى ضِرارًا أنهم إنما بنوه ضرارا لمسجد قباء. وقوله تعالى: لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ إشارة إلى مسجد قباء.
العبر والعظات:
تعتبر قصة هذا المسجد، قمة الكيد الذي وصل إليه المنافقون بالنسبة لرسول الله ﷺ وأصحابه المسلمين. وليس هو هذه المرة نفاقا فحسب، بل هو مؤامرة وكيد يدبّر ضدّ المسلمين..
ولذلك، لم يكن موقف النّبي ﷺ من هذا الأمر، استمرارا لموقف التجاهل والإهمال، وإنما كان له موقف آخر، استلهمه بوحي من ربّه ﷻ.
وكان هذا الموقف هو الكشف عن حقيقة المنافقين وتعرية أهدافهم عن تلك الأقنعة التي ستروها بها، ثم هدم وتحريق ذلك البناء الذي زعموه مسجدا، وهم إنما بنوه مرصدا لنفاق المنافقين وموئلا لتنظيم المكائد ضد المسلمين، وذريعة للتفريق.
وإن قصة هذا الكيد الأخير من المنافقين، مع القصص السابقة لنفاقهم وكيدهم- تعطينا صورة كاملة عن مجموع حكم الشريعة الإسلامية في حقهم.
فهم في كل ما يصدر عنه من كذب وإظهار لغير ما يظنون، يتركون لظواهرهم في الدنيا، وتوكل ضمائرهم إلى الله ﷿ وحكمه فيهم يوم القيامة. ولكنهم فيما قد يصدرون عنه من مؤامرات ومساع ضدّ المسلمين، يؤخذون من النواصي متلبسين بجريمتهم، كما ينبغي أن يدكّ ويهدم كل ما قد بنوه من مكائد ومؤامرات.
وقد دلّ على ذلك مجموع سياسته ﷺ ومعاملته مع هؤلاء المنافقين، وهو ما اتفق عليه عامة الأئمة الباحثين استنادا إلى هديه ﷺ في ذلك.
هذا وإنك إذا تأملت في خطوات هذا الكيد المتلصص من المنافقين، وكيفيته ووسائله، علمت أن طبيعة النفاق واحدة في كل عصر وزمان، وأن وسيلة المنافقين لا تتبدل ولا تختلف، وأنهم هم دائما في جبنهم الذليل وكيدهم الحقير وفي ابتعادهم عن النور وتعلقهم بالظلام.
فهم الذين دائما يسجدون بجباههم على أقدام المستعمر الأجنبي ليعينهم في وسيلة حرب ضدّ إسلام المسلمين في بلدهم، حتى إذا انفتلوا إلى بني قومهم من المسلمين المؤمنين، تظاهروا بالإسلام واصطنعوا مظهر الإعجاب به والدعوة إليه. فإذا أمكنتهم الفرصة من خنق حقيقة من حقائق هذا الدين والقضاء على بعض دعاته أعلنوا أنهم يقومون برسالة تطويره وأنهم إنما يقضون على مستغليه من أعداء الأمة!
[ ٣١٢ ]
وبعد، فقد دلّ عمل رسول الله ﷺ هذا، على ضرورة تعطيل أو هدم أو تحريق أماكن المعصية التي يعصى الله ورسوله فيها وإن اختبأت حقيقة هذه الأماكن عن أنظار الناس وراء مظاهر الخير والبر.
وإذا كان هذا هو ما فعله رسول الله ﷺ، بمسجد الضرار، فما بالك بأماكن المعاصي والفواحش التي يعصى الله فيها جهارا وعلنا؟! وقد أحرق عمر بن الخطاب ﵁ قرية بكاملها كان يباع فيها الخمر، وحرق حانوت رويشد الثقفي وسمّاه فويسقا «١١٨»، وهذا ما لم يقع فيه أي خلاف بين علماء المسلمين.
وفد ثقيف ودخولهم في الإسلام
وروى ابن إسحاق أنه ﷺ قدم المدينة من تبوك في شهر رمضان، وفي ذلك الشهر قدم عليه وفد ثقيف.
وكانوا قد تشاوروا بينهم، ورأوا أنه لا طاقة لهم بحرب من حولهم من العرب، وقد بايع كلهم وأسلموا. فأرسلوا وفدا منهم يرأسهم كنانة بن عبد ياليل، فلما دنوا من المدينة لقيهم المغيرة بن شعبة- وهو منهم- فاستقبلهم وعلّمهم كيف يحيّون رسول الله ﷺ عند دخولهم عليه، ولكنهم لم يفعلوا إلا بتحيّة الجاهلية.
وأنزل رسول الله ﷺ وفد ثقيف في المسجد وبنى لهم خياما لكي يسمعوا القرآن ويروا الناس إذا صلّوا، ومكث الوفد أياما عديدة يختلفون إلى رسول الله ﷺ ويختلف إليهم وهو يدعوهم إلى الإسلام «١١٩» . روى ابن سعد: «أنه ﷺ كان يأتيهم كل ليلة بعد العشاء، فيقف عليهم يحدثهم حتى يراوح بين قدميه» (أي يقوم على كل قدم مرة من التعب) «١٢٠» .
روى موسى بن عقبة في مغازيه: «أن عثمان بن أبي العاص كان في ذلك الوفد، وكان أصغرهم، فكانوا إذا ذهبوا إلى مجلس رسول الله ﷺ خلفوه على رحالهم، فكان عثمان كلما رجع الوفد، وقالوا في الهاجرة، عمد فذهب إلى رسول الله ﷺ فسأله عن الدين واستقرأه القرآن، واختلف إليه عثمان على ذلك مرارا حتى فقه في الدّين، وكان إذا وجد رسول الله ﷺ نائما عمد فذهب إلى أبي بكر، وكان يكتم ذلك من أصحابه، فأعجب ذلك منه رسول الله ﷺ وأحبّه.
وأخيرا دخل الإسلام أفئدتهم، ولكن كنانة بن عبد ياليل قال لرسول الله ﷺ: أفرأيت
_________________
(١) راجع زاد المعاد لابن القيم: ٣/ ١٧
(٢) ابن هشام: ٢/ ٣٢٤
(٣) طبقات ابن سعد: ٢/ ٧٨
[ ٣١٣ ]
الزنى، فإنا قوم نغترب ولا بدّلنا منه، قال: هو عليكم حرام، فإن الله يقول: وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَساءَ سَبِيلًا [الإسراء ١٧/ ٣٢] . قالوا: أفرأيت الرّبا، فإنه أموالنا كلها، قال: لكم رؤوس أموالكم إن الله تعالى يقول: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [البقرة ٢/ ٢٧٨] . قالوا: أفرأيت الخمر، فإنه عصير أرضنا لا بدّ لنا منها، قال: إن الله حرمها، وقرأ آية تحريم الخمر «١٢١» . قال ابن إسحاق: وسألوه أيضا أن يضع عنهم الصلاة فقال ﷺ لهم: لا خير في دين بلا صلاة. فخلا بعضهم إلى بعض يتشاورون في الأمر ثم عادوا إلى رسول الله ﷺ وقد خضعوا لذلك كله، ولكنهم سألوه أن يدع لهم وثنهم الذي كانوا يعبدونه (اللات) ثلاث سنين لا يهدمها، فأبى رسول الله ﷺ ذلك، فما برحوا يسألونه سنة سنة ويأبى عليهم، حتى سألوه شهرا واحدا بعد مقدمهم، فأبى عليهم أن يدعها إلى أي أجل، قال ابن إسحاق: وإنما أرادوا بذلك أن يتخلصوا من أذى سفهائهم ونسائهم وذراريهم، وكراهية منهم أن يردعوا قومهم بهدمها حتى يدخل الإسلام قلوبهم.
فقالوا لرسول الله ﷺ: فتولّ أنت إذن هدمها، فأما نحن فإنا لا نهدمها أبدا. فقال لهم:
فسأبعث لكم من يكفيكم ذلك. ثم استأذنوا رسول الله ﷺ فأذن لهم، وأكرمهم وحيّاهم، وأمّر عليهم عثمان بن أبي العاص لما رأى من حرصه على الإسلام، وكان قد تعلم سورا من القرآن قبل أن يخرج.
وبعث رسول الله ﷺ إليهم وفدا على أثرهم أمّر عليهم خالد بن الوليد وفيهم المغيرة بن شعبة وأبو سفيان بن حرب، فعمدوا إلى اللات فهدموها، وخرجت نساء ثقيف حسّرا يبكين عليها ويرثينها، وكلما ضربها المغيرة بفأسه قال أبو سفيان: واها لك، آها لك «١٢٢» ! .. يسخر منه ويصانع حزن تلك النسوة اللاتي يندبن ويبكين عليه» .
قال ابن سعد في طبقاته- يروي عن المغيرة ﵁- فدخلت ثقيف في الإسلام، فلا أعلم قوما من العرب، بني أب ولا قبيلة، كانوا أصحّ إسلاما، ولا أبعد أن يوجد فيهم غش لله ولكتابه، منهم «١٢٣» .
تتابع وفود العرب ودخولهم في دين الله
قال ابن إسحاق: «لما افتتح رسول الله ﷺ مكة وفرغ من تبوك وأسلمت ثقيف وبايعت، ضربت إليه وفود العرب من كل وجه، وإنما كانت العرب تتربص بالإسلام أمر هذا
_________________
(١) انظر زاد المعاد: ٣/ ٢٦، ٢٨
(٢) ابن هشام: ٢/ ٣٢٧
(٣) طبقات ابن سعد: ٢/ ٧٨
[ ٣١٤ ]
الحيّ من قريش، إذ كانوا إمام الناس وأهل البيت والحرم، وصريح ولد إسماعيل ﵇ وقادة العرب. فلما افتتحت مكة ودانت له قريش ودوّخها الإسلام، عرفت العرب أنه لا طاقة لهم بحرب رسول الله ﷺ ولا عدوانه، فدخلوا في دين الله تعالى أفواجا، كما قال تعالى: إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ. وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْواجًا. فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوَّابًا [النصر ١١٠] .
ونحن لا نرى حاجة- في هذا المجال- إلى سرد تفاصيل هذه الوفود وأخبارها، إذ لا يوجد كبير غرض لنا في هذا التفصيل.
العبر والعظات:
أتذكر خبر أولئك الذين استقبلوا رسول الله ﷺ يوم أن هاجر إلى الطائف، شرّ استقبال، وأخرجوه من ديارهم شرّ إخراج، وألحقوا به سفهاءهم وصبيانهم يضربونه ويؤذونه ويسخرون منه؟ .. تلك هي ثقيف التي سعت اليوم إليه ودخلت في دين الله تعالى صادقة طائعة.
وهل تذكر إذ قال زيد بن حارثة لرسول الله ﷺ، وقد عاد أدراجه من الطائف إلى مكة: «كيف تدخل عليهم يا رسول الله وهم أخرجوك؟ فأجابه ﵊:
يا زيد إن الله جاعل لما ترى فرجا ومخرجا، وإن الله ناصر دينه ومظهر نبيّه» !.
إن ما حدث اليوم هو مصداق ما قاله رسول الله ﷺ لزيد، فتلك هي الطائف، وهذه مكة وشتى قبائل وبطون العرب قد سعت جمعيها تدخل في دين الله أفواجا.
ثم تعال فتأمل! .. تأمل في كل ذلك الإيذاء الذي رآه من ثقيف والخيبة التي فوجئ بها بعد أن هاجر ساعيا على قدميه يعبر إليهم جبالا وأودية قاصية مؤملا عندهم استقبالا كريما أو استجابة حسنة. إن أدنى ما يترك ذلك في نفس الإنسان- أيّا كان- من الناس من الأثر، أن يفكر في الانتقام أو أن يقابل إساءة بمثلها.
ولكن أين تجد هذا- أو حتى شيئا من هذا- في نفس رسول الله ﷺ تجاه ثقيف، لقد حاصر الطائف أياما ثم أمر أصحابه بالرجوع، فقيل له: ادع على ثقيف، فأبى ذلك ورفع يديه يقول: «اللهم اهد ثقيفا وأت بهم مؤمنين» ! ..
ولما استجاب الله دعاء رسوله فجاء وفد ثقيف إلى المدينة، تسابق أبو بكر الصديق والمغيرة بن شعبة إلى رسول الله ﷺ يبشّرانه بذلك، لما يعلم كل منهما من شدة سرور النّبي ﷺ بنبأ إسلام ثقيف وهدايتهم، فخرج يستقبلهم في بشر وإكرام، وراح يحبس عليهم وقته كله يعلّمهم ويرشدهم وينصح لهم.
[ ٣١٥ ]
طالما أرادوا به الكيد وشفوا بإيذائه غليل أحقادهم عليه، وهو لا يريد بهم إلّا الخير والسعادة والرشد في الدنيا والآخرة، طالما فرحوا بمنظر النكبة والضّر يرى متلبسا بهما، ولكنه لم يفرح لهم إلا بنعمة الخير والإسلام إذ أكرمهم بهما الله! ..
ترى، أهذا كله طبيعة بشرية في إنسان، يدعو إلى مبدأ يراه أو عقيدة قد تخيّرها؟!
أما إنها ليست إلا طبيعة النبوّة.. وليست إلا من أثر تطلّعه ﵊ إلى هدف واحد فقط، هو أن تؤتي هذه الدعوة ثمارها فيلقى ربه وهو عنه راض. وما أهون الآلام والنكبات كلها في هذا السبيل، وما أعظم الفرحة إذ يجتاز العبد تلك المفاوز كلها ويستقر عند هذا الهدف الجليل! ..
وذلك هو الإسلام: لا يعرف حقدا ولا ضغينة ولا يريد شرا بإنسان.
يأمر بالجهاد، ولكن في غير ضغينة وحقد. يعلّم القوة، ولكن في غير أنانية وكبر. يدعو إلى الرحمة، ولكن في غير مهانة أو ضعف. ويعلّم الحب، ولكن في سبيل الله وحده.
إذن، لقد كان وفد ثقيف، والوفود الأخرى التي تلاحقت متجهة إلى المدينة داخلة في الإسلام، كان كل ذلك وفاء بوعد (النصر العزيز) الذي وعد الله به رسوله.
*** تلك هي العبرة التي ينبغي أخذها من قصة هذه الوفود. أما الدروس والأحكام فإليك منها ما يلي:
أولا- جواز إنزال المشرك في المسجد إذا كان يرجى إسلامه وهدايته: فقد رأيت أن النبي ﷺ كان يستقبل وفد ثقيف في مسجده لمحادثتهم وتعليمهم، وإذا كان هذا جائزا للمشرك، فجوازه للكتابيّ أولى. وقد استقبل النبي ﷺ وفد نصارى نجران، حينما جاؤوه لسماع الحق ومعرفة الإسلام.
قال الزركشي: واعلم أن الرافعي والنووي رحمهما الله أطلقا أنه يجوز للكافر أن يدخل المساجد غير الحرم بإذن المسلم، بقيود:
أولها: أن لا يكون قد شرط عليه في عقد الذمة عدم الدخول، فإن كان قد شرط عليه ذلك، لم يؤذن له.
ثانيها: أن يكون المسلم الذي أذن له مكلفا، كامل الأهلية.
ثالثها: أن يكون دخوله لسماع قرآن أو علم ورجي إسلامه، أو دخل لإصلاح بنيان ونحوه، وقضية كلام القاضي أبي علي الفارقي أنه لو دخل لسماع القرآن أو العلم وهو ممن لا يرجى
[ ٣١٦ ]
إسلامه أنه يمنع وليس لنا أن نأذن له في الدخول، أي كما إذا كانت الحالة تشعر بالاستهزاء أو بالمجاملة السياسية ابتغاء غرض معين كما هو شأن كثير من الأجانب اليوم.
فأما إذا استأذن لنوم أو أكل ونحوه، قال في الروضة: ينبغي أن لا يؤذن له في دخوله لذلك، وظاهره الجواز: وقال غيره- أي غير النووي- لا يجوز لنا أن نأذن له في ذلك. قال الفارقي: «وفي معنى ذلك، الدخول لتعلم الحساب واللغة وما كان في معناه. ولا خفاء أن موضع التجويز إذا لم يخش على المسجد ضرر ولا تنجيس ولا تشويش على المصلين» «١٢٤» .
قلت: وأهم من ضرر التشويش ضرر الفتنة التي قد يتعرض لها المصلون بدخول نساء كافرات وهن بأزيائهن الفاضحة. ومثل الدخول للنوم والأكل في المنع، الدخول للنظر في معالم البناء ونقوشه.
ثانيا- حسن معاملة الوفود والمستأمنين: والفرق بين الوفد والمستأمن، أن الأول قادم رسولا عن قومه وهو يكون دائما مكونا من عدة أفراد، أما الثاني فقادم لنفسه يطلب الأمان في بلاد المسلمين ريثما يأخذ علما عنهم وعن الإسلام.
فأما المستأمن فقد أمر الله بحسن استقباله والمحافظة عليه ثم إبلاغه مأمنه عندما يريد ذلك، وذلك بصريح قوله: وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ.. [التوبة ٩/ ٦] .
وأما الوفود، فقد دلّ على هذا الحكم أيضا في حقهم، القياس على المستأمن، وعمل رسول الله ﷺ في حسن سياسته ومعاملته معهم، فقد رأيت كيف أكرم الرسول ﷺ وفد ثقيف في القدوم والإقامة.
ثالثا- أحق الناس بالولاية والإمامة أعلمهم بكتاب الله تعالى: ولذلك أمر النبي ﷺ عثمان بن أبي العاص على ثقيف، فقد أعجبه ما رأى فيه من الحرص على فهم كتاب الله تعالى ولقد أصبح خلال الفترة التي أقامها في المدينة مع أصحابه، أعلمهم بكتاب الله وأفقههم في الإسلام. والإمارة والولاية ليس كل منهما إلا مسؤولية دينية يراد منها إقامة الحكم والمجتمع الإسلامي فلا بدّ من توفر هذا الشرط فيهما.
رابعا- وجوب هدم الأوثان والتماثيل: وليس من شرط وجوب ذلك أن يكون هناك من يعبدها أو يقدسها، بل الحكم في ذلك عام وشامل لكل حالة، لعموم الدليل هنا، ولدليل أمره ﷺ بتحطيم تلك التماثيل التي استخرجت من جوف الكعبة، مع أنها لم تكن تعبد كتلك
_________________
(١) إعلام الساجد للزركشي: ٣١٩- ٣٢١ باختصار.
[ ٣١٧ ]
الأصنام الأخرى، وهذا يدل على ما كنا قد ذكرناه من حرمة صنع التماثيل على اختلاف أنواعها وأشكالها، وعلى حرمة اقتنائها مهما كانت أسباب ذلك «١٢٥» .
*** هذا ولنكتف بهذا الذي ذكرناه من خبر وفد ثقيف، عن تفصيل ذكر أخبار الوفود الكثيرة الأخرى، التي قدمت خلال هذا العام إلى رسول الله ﷺ، لعدم تعلق غرض كبير في هذا المقام بذلك.
غير أن مما ينبغي أن تعلمه، أن هذه الوفود كانت في مجموعها تمثل فئتين: إحداهما فئة المشركين، والثانية فئة أهل الكتاب.
فأما المشركون، فقد دخل عامتهم في الإسلام، وما رجعت وفودهم إلا وهي تحمل مشعل الإيمان والتوحيد إلى قومها. وأما أهل الكتاب فقد بقي أكثرهم على ما هم عليه، من اليهودية أو النصرانية.
ولقد كان الوفد الذي جاء يمثل نصارى نجران مؤلفا من ستين رجلا، ولقد لبثوا عنده ﷺ أياما يجادلهم ويجادلونه في أمر عيسى ﵊ ووحدانية الله تعالى.
وكان آخر ما عنده ﷺ لهم أن تلا عليهم قوله تعالى: إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ: كُنْ فَيَكُونُ. الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ. فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ: تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ، ثُمَّ نَبْتَهِلْ، فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ [آل عمران ٣/ ٥٩، ٦٠، ٦١] .
فلما أبوا أن يقروا، دعاهم إلى المباهلة «١٢٦» كما أمره الله بذلك، وذهب ﵊ فأقبل مشتملا على الحسن والحسين ﵄ في خميل له، وفاطمة ﵂ تمشي خلفه، للمباهلة.
فأبى رئيس وفدهم، وهو شرحبيل بن وداعة، المباهلة أيضا وحذر أصحابه من عاقبة ذلك عليهم. فأقبلوا إليه ﷺ يحكّمونه فيما دون كلّ من الإسلام والمباهلة، وينزلون عند حكمه في ذلك. فصالحهم رسول الله ﷺ على الجزية وكتب لهم بذلك كتابا، والتزم فيه رسول الله ﷺ لهم- إن دفعوا الجزية المتفق عليها- أن لا تهدم لهم بيعة، ولا يفتنوا عن دينهم ما لم يحدثوا حدثا- أي غدرا أو خيانة- أو يأكلوا الربا «١٢٧»
***
_________________
(١) انظر ص ٢٧٩ فما بعد من هذا الكتاب.
(٢) المباهلة: أي الدعوة إلى أن يبتهل كل طرف إلى الله أن يجعل لعنته على الطرف الكاذب.
(٣) رواه الحاكم والبيهقي في دلائل النبوة بتفصيل مطول، وروى خبر المصالحة على الجزية، أبو داود أيضا في كتاب الخراج، باب أخذ الجزية، وانظر قصة وفد نصارى نجران في تفسير ابن كثير: ١/ ٣٦٨، ٣٦٩
[ ٣١٨ ]
خبر إسلام عدي بن حاتم
كان عدي بن حاتم نصرانيا، وهو ابن حاتم الجواد المشهور، وكان امرءا شريفا في قومه، وكان يأخذ من قومه المرباع، (وهو ربع ما يصلهم من غنائم الحروب. كان العرب يجعلون ذلك للرئيس منهم) فلما سمع برسول الله ﷺ ودعوته، كره دعوته، وترك قومه ولحق بنصارى الشام.
قال عديّ: «فكرهت مكاني هناك أشد من كراهتي له (أي لرسول الله ﷺ) فقلت: لو أتيته فإن كان ملكا أو كاذبا لم يخف عليّ، وإن كان صادقا اتبعته.
فخرجت حتى أقدم على رسول الله ﷺ المدينة، فدخلت عليه وهو في مسجده، فسلّمت عليه، فقال: من الرجل؟ فقلت: عديّ بن حاتم!
فقام رسول الله ﷺ فانطلق بي إلى بيته، فو الله إنه لعامد بي إليه (أي قاصد بي إلى الدار) إذ لقيته امرأة ضعيفة كبيرة فاستوقفته، فوقف لها طويلا، تكلمه في حاجتها، فقلت في نفسي:
والله ما هذا بملك!
ثم مضى بي رسول الله ﷺ حتى إذا دخل بي بيته، تناول وسادة من أدم محشوّة ليفا فقذفها إليّ فقال: اجلس على هذه، قلت: بل أنت فاجلس عليها. فقال: بل أنت. فجلست عليها، وجلس رسول الله ﷺ على الأرض.
فقلت في نفسي: والله ما هذا بأمر ملك. ثم قال: إيه يا عديّ بن حاتم، هل تعلم من إله سوى الله؟ قلت: لا. ثم قال: هل تعلم شيئا أكبر من الله؟ قلت: لا. قال: ألم تكن ركوسيا؟ (قوم لهم دين بين النصارى والصابئة) قلت: بلى. قال: أو لم تكن تسير في قومك بالمرباع؟ قلت: بلى. قال: فإن ذلك لم يكن يحلّ في دينك. قلت: أجل والله.
ثم قال: لعلك يا عديّ إنما يمنعك من دخول في هذا الدين ما ترى من حاجة أهله، فو الله ليوشكن المال أن يفيض فيهم حتى لا يوجد من يأخذه، ولعلك إنما يمنعك من دخول فيه ما ترى من كثرة عدوّهم وقلة عددهم، فو الله ليوشكن أن تسمع بالمرأة تخرج من القادسية على بعيرها حتى تزور هذا البيت لا تخاف، ولعلك إنما يمنعك من دخول فيه أنك ترى أن الملك والسلطان في غيرهم، وايم الله ليوشكن أن تسمع بالقصور البيض من أرض بابل قد فتحت عليهم! .. قال:
فأسلمت.
[ ٣١٩ ]
قال عديّ: فرأيت اثنتين: الظعينة، وكنت في أول خيل أغارت على كنوز كسرى، وأحلف بالله لتجيئن الثالثة» «١٢٨» .
العبر والعظات:
كان قدوم عديّ بن حاتم إلى رسول الله ﷺ، وخبر إسلامه، في الفترة التي قدم عليه فيها الوفود من كل جهة وصوب ونستطيع أن نعده في مجيئه هذا واحدا من تلك الوفود الكثيرة التي سعت إلى رسول الله ﷺ تعلن إسلامها.
غير أنّا آثرنا إفراد خبر عديّ بالتفصيل والتأمل، لما فيه من العبر الهامة المتعلقة بأسس العقيدة الإسلامية، ولما فيه من تحليل دقيق، بل وتجسيد واضح لشخصية سيدنا رسول الله ﷺ، تلك الشخصية التي ظهرت جلية واضحة لعديّ بن حاتم، مصفّاة عن شوائب الزعامة والملك وحب الإمارة أو الكبرياء والجاه، لا يتراءى فيها سوى الإعلام بأنه رسول رب العالمين إلى الناس أجمعين، فكانت أساس إيمانه وسرّ هدايته.
فلنتأمل فيما تأمل فيه عدي.. ولنعتبر بما اعتبر به عديّ، لنزداد إيمانا ويقينا بنبوة سيدنا محمد ﵊، ولنزداد يقينا بمعنى المكيدة التي تكمن خلف دراسات محترفي الغزو الفكري في العالم الإسلامي.. ولنقف قليلا أمام السمة التي صوّر بها عديّ شخصية النبي ﵊ كما رآها فتأثر بها، فكانت سرّ إيمانه.
يقول عديّ: «فو الله إنه لعامد بي إلى داره، إذ لقيته امرأة ضعيفة كبيرة فاستوقفته، فوقف لها طويلا تكلمه في حاجتها، فقلت في نفسي: والله ما هذا بملك» .
أجل فما أبعد الطامع بالملك أو المؤمل في الزعامة والمجد الدنيوي، عن الصبر على مثل هذه الوقفة. ولئن صابر نفسه فتصنع لذلك وقسرها على ما تكره، فما أسرع ما تظهر دلائل المصانعة من ضجر وتأفف. أما رسول الله ﷺ، فقد كانت هذه سجيته وطبيعته، في كل حال. فما كان يتميز على أصحابه في مجلس، وما كان يعلو في معيشته وحياته من مستوى الفقراء والمساكين، وما أثر أنه ﷺ أكل على خوان قط، وما رؤي أصحابه ﷺ يكدّون في عمل شاق إلا كان النبي ﷺ منهمكا فيه معهم. كانت هذه صفته ﷺ حتى فارق الدنيا والتحق بالرفيق الأعلى، فأي سرّ يمسكه على هذه الحال (مع ما فيه من الخصال التي لو أحب أن يتعلق بها لرفعته إلى مكانة عالية لا ينتهي إليها أحد غيره) غير سرّ النبوة التي أكرمه الله بها؟!
ويقول عديّ: «فلما دخل بي بيته، تناول وسادة من أدم محشوة ليفا. فقذفها إليّ فقال:
_________________
(١) رواه ابن إسحاق، والإمام أحمد، والبغوي في معجمه بألفاظ متقاربة، وانظر الإصابة للحافظ ابن حجر: ٢/ ٤٦١، وترتيب مسند الإمام أحمد: ٢١/ ١٠٨
[ ٣٢٠ ]
اجلس على هذه فجلست عليها، وجلس هو على الأرض! .. فقلت في نفسي: والله ما هذا بأمر ملك» .
ولعل عديا- وهو الذي كان ذا مكانة مرموقة في قومه- كان يحسب أن يجد بيت رسول الله ﷺ، ينطق بشيء من المعنى الذي كان هو يتمتع به، ولكنه فوجئ بعكس ذلك، وفوجئ برسول الله ﷺ يتربع جالسا أمامه على أرض يابسة! .. ونظر، فإذا بالدار تنطق بأن رسول الله ﷺ ليس من تلك المظاهر التي كان يتوقع رؤيتها، في شيء! .. أفيكون مع ذلك ينشد من وراء دعوته هذه ملكا ويسعى وراء ثروة أو مجد؟! ..
ويصف عدي ﵁ بعد ذلك، حديث رسول الله ﷺ، وكيف استشف فيه الغيب المتعلق بمستقبل الإسلام والمسلمين.
قال له: «ليوشكن المال أن يفيض في المسلمين حتى لا يوجد من يأخذه» . وصدق رسول الله ﷺ، فقد بعث عمر بن عبد العزيز عامله بأموال الزكاة لتوزيعها على المستحقين في جهات من إفريقية ولكنه عاد بها ثانية لأنه لم يجد من يأخذها، فاشترى بها أرقاء وأعتقهم.
وقال له: «ليوشكن أن تسمع بالمرأة تخرج من القادسية على بعيرها حتى تزور هذا البيت لا تخاف» . وصدق رسول الله ﷺ، فقد امتد فوق هذه الرقعة أمن الإسلام وسلامه، فما من عابر سبيل فيها يخاف شيئا غير الله ﷿ والذئب على غنمه، كما قال ﵊ في حديث آخر.
وقال له: «وايم الله ليوشكن أن تسمع بالقصور البيض من أرض بابل قد فتحت على المسلمين»، وصدق رسول الله ﷺ، فقد سمعنا بذلك ورأينا، والحمد لله الذي أنجز ما وعد به رسوله ﵊.
لقد وجد عدي سمات النبوة الصادقة في مظهر معيشته وحياته، ووجد هذه السمات أيضا في لون حديثه وكلامه، ووجد مصداق ذلك فيما بعد، في وقائع الزمن والتاريخ، فكان ذلك سبب إسلامه، وانخلاعه عن مظاهر الأبهة والترف التي كان قد أسبغها عليه قومه.
وإذا توفر عقل مفكر، وتوفرت معه حرية في التأمل، فلا مفر إذن من قبول الحق والإيمان به مهما شقّ السبيل إلى ذلك. أما إذا فقدت حريّة الفكر وضاعت قدسية العقل، ونبتت في مكانها قدسية الحقد الهوي، فلا مناص من العكوف على الباطل، ولا مفر من معانقة الجهل أو التجاهل، ولا نعمة تفوق نعمة العمى أو التعامي.
وصدق رب العالمين إذ يبين لنا صفات هؤلاء: وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنا عامِلُونَ [فصلت ٤١/ ٥] .
[ ٣٢١ ]
بعوث رسول الله ﷺ إلى الناس لتعليمهم مبادئ الإسلام
وكما أقبلت الوفود تسعى إلى رسول الله ﷺ لإعلان إسلامها: فقد أخذ هو أيضا يبعث رسله يتفرقون في شتى الجهات، وخاصة في جنوب الجزيرة، لتعليم الناس مبادئ الإسلام وأحكامه.
فقد انتشر أمر الإسلام في الجزيرة ومختلف أطرافها، وأصبحت الحاجة داعية إلى معلمين ودعاة ومرشدين يشرحون للناس حقائق الإسلام حتى يستقر في قلوبهم بعد أن انتشر في ربوعهم.
فأرسل ﷺ خالد بن الوليد إلى نجران ليدعو من هناك إلى الإسلام ويعلمهم مبادئه وأحكامه، كما أرسل عليا ﵁ إلى اليمن «١٢٩» .
وأرسل ﷺ أبا موسى الأشعري ومعاذ بن جبل إلى اليمن أيضا بثّ كلّا منهما إلى طرف من أطرافها، ووصّاهما قائلا: «يسرا ولا تعسّرا، وبشرا ولا تنفّرا، وتطاوعا» «١٣٠»
وقال لمعاذ:
«إنك ستأتي قوما من أهل الكتاب، فإذا جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم فإن هم أطاعوا لك بذلك فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب» «١٣١» .
وفي مسند الإمام أحمد أنه ﷺ خرج مع معاذ إلى ظاهر المدينة يوصيه ومعاذ راكب، ورسول الله ﷺ يمشي تحت راحلته. ثم قال: «يا معاذ إنك عسى أن لا تلقاني بعد عامي هذا! ولعلك أن تمرّ بمسجدي هذا وقبري» فبكى معاذ لفراق رسول الله ﷺ «١٣٢» .
ولبث معاذ في اليمن إلى ما بعد وفاة رسول الله ﷺ، فكان الأمر كما أخبر به ﵊.
العبر والعظات:
أهم ما ينبغي على المسلم أن يفهمه من أمر هؤلاء الرسل وأمثالهم الذين بعثهم رسول الله ﷺ
_________________
(١) طبقات ابن سعد، وسيرة ابن هشام، وفي البخاري: أرسل خالد بن الوليد وعلي بن أبي طالب إلى اليمن، وانظر صحيح البخاري: ٥/ ١١٠
(٢) متفق عليه.
(٣) متفق عليه.
(٤) مسند الإمام أحمد: ٢١/ ٢١٤
[ ٣٢٢ ]
لأمر الدعوة إلى الإسلام وتعليم مبادئه وأحكامه أن مسؤولية الإسلام في أعناق المسلمين في كل عصر وزمن ليست من السهولة واليسر كما يتصور معظمهم اليوم.
فلا يكفي أن ندّعي الإسلام بألسنتنا المجردة، كما لا يكفي أن يكون نصيبه من حياتنا بعض أعمال يسيرة، كانت في أصلها جليلة، ثم تحولت في حياتنا إلى عادات وتقاليد، بل ولا يكفي أن يتمسك الواحد منا بالإسلام لنفسه فقط، ثم يغلق بابه دونه لا يسأل عن شيء.
لا ترتفع مسؤولية الإسلام عن أعناق المسلمين حتى يضيفوا إلى هذا، القيام بواجب الدعوة إليه والتبشير به، والسفر في سبيل ذلك إلى شتى الجهات والقرى والبلدان.
تلك هي الأمانة التي ألقاها رسول الله ﷺ في أعناقنا، وذلك هو الواجب الذي لا محيص عنه في كل عصر ومكان. وقد أجمع العلماء والأئمة الأربعة أن القيام بحق هذه الدعوة في داخل البلدة التي يقيم بها المسلمون وخارجها، فرض كفاية على كل المسلمين، ولا يتحللون من مسؤوليته وجريرة التقصير فيه إلا بقيام جمهرة منهم تنتشر فيما تستطيع أن تنتشر فيه من الجهات والبلدان داعية إلى الله تعرض حجج الإيمان وبراهين الإسلام وتزيل ما قد يعترض أذهان الناس إلى ذلك من الشبه والوساوس المختلفة، بحيث تقع أعمال هذه الجمهرة موقعا من الكفاية في القيام بهذا الواجب. وما لم تتوفر هذه الفئة في كل بلدة من بلاد الإسلام فجميع أهل تلك البلدان آثمون.
والصحيح الذي ذهب إليه جمهور الأئمة والفقهاء، أن هذا الواجب الخطير لا يتعلق بأعناق الذكور من المسلمين فقط، بل هو عام يشمل الرجال والنساء والأحرار والعبيد، ما داموا داخلين في ربقة التكليف قادرين على القيام بأعباء الدعوة والتوجيه، كل حسب حدود إمكاناته ووسائل استطاعته ١٣» .
*** ثم إن التوصية التي زود بها رسول الله ﷺ معاذا وأبا موسى الأشعري، تدل على بعض الآداب التي يجب أن يتحلى بها الداعي إلى الله تعالى أثناء ما يقوم به من توجيه وتعليم.
فمن ذلك أن يغلّب جانب التيسير على التشديد والتضييق، وأن يعتمد على التبشير أكثر من الإنذار أو التهديد، وهو ما سماه رسول الله ﷺ بالتنفير.
وقد أوضح ذلك رسول الله ﷺ بمثال تطبيقي، فأمر معاذا أن يدعو الناس أولا إلى الإقرار بالشهادتين، فإن هم استجابوا لذلك، فليدعهم إلى إقام الصلاة، فإن هم استجابوا لذلك، فليدعهم إلى دفع الزكاة.. وهكذا.
_________________
(١) انظر مغني المحتاج: ٤/ ٢١١، والأحكام السلطانية للماوردي.
[ ٣٢٣ ]
غير أن مظاهر التيسير والتبشير، ينبغي أن لا تتجاوز حدود المشروع والمباح، فليس من التيسير المطلوب أو المشروع تبديل بعض الأحكام أو التلاعب بمفاهيم الإسلام بغية التيسير على الناس، وليس منه الإقرار على المعصية مهما كان شأنها، وإن كان للتيسير المشروع دخل في اختيار الوسيلة التي ينبغي أن تستعمل لإنكارها.
ومن آداب الدعوة إلى الله، (وهي من آداب الإمارة والولاية أيضا) الاحتراز عن التلبس بظلم أي إنسان، وخاصة ما يكون منه بأخذ شيء من أموال الناس بغير حق، وهو نوع خطير من الظلم قد يتعرض له الدعاة إلى الله تعالى إذا ما غفلوا عن حقيقة مسؤولياتهم ومراقبة الله ﷿ لهم، كما يتعرض له أرباب الولاية والسلطان.
ولما كان معاذ ﵁ متسما بكلا الصفتين لدى إرسال الرسول ﷺ له إلى اليمن: أي صفة الدعوة، وصفة الإمارة والولاية، فقد شدّد النبي عليه في التحذير من الوقوع في أي نوع من أنواع الظلم، قائلا:
«واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب» .
حجة الوداع وخطبتها
روى الإمام مسلم بسنده عن جابر ﵁ قال:
«مكث رسول الله ﷺ بالمدينة المنورة تسع سنين لم يحجّ، ثم أذّن في الناس في العاشرة أن رسول الله ﷺ حاج، فقدم المدينة بشر كثير كلهم يلتمس أن يأتم برسول الله ﷺ ويعمل مثل عمله.
وخرج ﷺ من المدينة لخمس ليال بقين من ذي القعدة «١٣٤»، قال جابر: فلما استوت به ناقته في البيداء، نظرت إلى مدّ بصري بين يدي رسول الله ﷺ من راكب وماش، وعن يمينه مثل ذلك، وعن يساره مثل ذلك، ومن خلفه مثل ذلك، ورسول الله ﷺ بين أظهرنا، وعليه ينزل القرآن» .
_________________
(١) اختلف الرواة في اسم اليوم الذي خرج فيه ﷺ، فقد ذكر ابن حزم أنه كان يوم الخميس، ونقل آخرون أنه كان يوم الجمعة، والصحيح ما رواه ابن سعد في طبقاته أن ذلك كان يوم السبت، وهو ما جزم به ابن حجر في الفتح. وقد كان يوم الخميس هو أول ذي الحجة، فيكون شهر ذي القعدة على ذلك تسعة وعشرين. ويحمل قول من روى أن خروجه ﷺ كان لخمس ليال بقين من ذي القعدة على ظن أن الشهر سيكون ثلاثين.
[ ٣٢٤ ]
واختلف الرواة، فأهل المدينة يروون أنه ﷺ أهلّ بالحج مفردا، ويروي غيرهم أنه قرن مع حجته عمرة، وروى بعضهم أنه دخل مكة متمتعا بعمرة ثم أضاف إليه حجة.
ودخل مكة من أعلاها من طريق كداء حتى انتهى إلى باب بني شيبة، فلما رأى البيت قال: «اللهم زد هذا البيت تشريفا وتعظيما وتكريما ومهابة وزد من عظّمه ممن حجّه واعتمره تشريفا وتكريما ومهابة وتعظيما وبرا» «١٣٥» .
ثم مضى رسول الله ﷺ في حجه، فعلّم الناس مناسكهم وبيّن لهم سنن حجهم «١٣٦» .
وألقى رسول الله ﷺ في يوم عرفة خطبة جامعة في جموع المسلمين الذين احتشدوا حوله في الموقف، هذا نصها:
«أيها الناس: اسمعوا قولي، فإني لا أدري لعلّي لا ألقاكم بعد عامي هذا بهذا الموقف أبدا.
أيها الناس، إنّ دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا. ألا وإن كلّ شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع ودماء الجاهلية موضوعة وإنّ أول دم أضع من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث وربا الجاهلية موضوع، وأوّل ربا أضع ربا العباس بن عبد المطلب، فإنه موضوع كلّه.
أيها الناس، إنّ الشيطان قد يئس من أن يعبد بأرضكم هذه أبدا، ولكنه إن يطع فيما سوى ذلك فقد رضي به مما تحقرون من أعمالكم، فاحذروه على دينكم. أيها الناس، إنّ النسيء زيادة في الكفر يضلّ به الذين كفروا يحلونه عاما ويحرّمونه عاما ليواطئوا عدّة ما حرم الله فيحلوا ما حرّم الله ويحرموا ما أحل الله، وإنّ الزمان قد استدار كهيأته يوم خلق الله السموات والأرض. السنة اثنا عشر شهرا، منها أربعة حرم، ثلاثة متواليات: ذو القعدة وذو الحجة والمحرّم ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان.
اتقوا الله في النساء، فإنكم إنما أخذتموهن بأمان الله واستحللتم فروجهنّ بكلمة الله. إنّ لكم عليهنّ حقا ولهنّ عليكم حقا: لكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه «١٣٧» فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربا غير مبرّح، ولهن عليكم رزقهنّ وكسوتهنّ بالمعروف.
فاعقلوا أيها الناس قولي فإني قد بلغت، وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به:
كتاب الله وسنة رسوله.
يا أيها الناس، اسمعوا وأطيعوا وإن أمّر عليكم عبد حبشي مجدّع ما أقام فيكم كتاب الله تعالى.
_________________
(١) رواه الطبراني، وابن سعد.
(٢) انظر حديث حجة رسول الله ﷺ من رواية جابر في صحيح مسلم: ٤/ ٣٧
(٣) المقصود بذلك أن لا يأذن لأحد ممن يكرهون دخوله عليهن، وليس وطء الفراش كناية عن الزنا كما قد يتوهم.
[ ٣٢٥ ]
أرقاءكم أرقاءكم.. أطعموهم مما تأكلون واكسوهم مما تلبسون، وإن جاؤوا بذنب لا تريدون أن تغفروه، فبيعوا عباد الله ولا تعذبوهم «١٣٨» .
أيها الناس، اسمعوا قولي واعقلوه، تعلمنّ أن كلّ مسلم أخ للمسلم، وأن المسلمين إخوة، فلا يحلّ لامرئ من أخيه إلا ما أعطاه عن طيب نفس منه، فلا تظلمنّ أنفسكم، اللهم هل بلغت؟
وستلقون ربكم فلا ترجعوا بعدي ضلالا يضرب بعضكم رقاب بعض، ألا ليبلّغ الشاهد الغائب، فلعلّ بعض من يبلغه أن يكون أوعى له من بعض من سمعه، وأنتم تسألون عني فما أنتم قائلون؟
قالوا: نشهد أنك قد بلّغت وأدّيت ونصحت. فقال بأصبعه السبابة، يرفعها إلى السماء، وينكتها إلى الناس: اللهم اشهد (ثلاث مرات)» «١٣٩» .
ثم لم يزل النبي ﷺ في عرفات حتى غربت الشمس، وحينئذ دفع بمن معه إلى المزدلفة، وهو يشير بيده اليمنى قائلا: «أيها الناس، السكينة، السكينة»، فصلى في المزدلفة المغرب والعشاء جمع تأخير، وبات تلك الليلة في المزدلفة ثم دفع قبل أن تطلع الشمس إلى منى فرمى جمرة العقبة بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة منها ثم انصرف إلى المنحر، فنحر ثلاثا وستين بدنة ثم أعطى عليا فنحر ما غبر (أي تتمة المئة) . ثم ركب رسول الله ﷺ فأفاض إلى البيت، فصلى بمكة الظهر، وأتى بني عبد المطلب وهم يسقون على زمزم فقال: «انزعوا بني عبد المطلب، فلولا أن يغلبكم الناس على سقايتكم لنزعت معكم»، فناولوه دلوا فشرب منه «١٤٠» . ثم قفل رسول الله ﷺ عائدا إلى المدينة.
العبر والعظات:
أولا- عدد حجات الرسول ﷺ وزمن مشروعية الحج:
اختلف العلماء: هل حجّ رسول الله ﷺ غير هذه الحجة في الإسلام؟
فقد روى الترمذي وابن ماجه أنه ﷺ حج ثلاث حجج قبل هجرته إلى المدينة. قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري: وهو مبنيّ على عدد وفود الأنصار إلى العقبة بمنى بعد الحج.
فإنهم قدموا أولا فتواعدوا، ثم قدموا ثانيا فبايعوا البيعة الأولى، ثم قدموا ثالثا فبايعوا البيعة الثانية «١٤١» . ومنهم من روى أنه ﵊ كان يحج كل سنة قبل أن يهاجر. وأيّا ما كان
_________________
(١) هاتان الفقرتان جاءتا في رواية ابن سعد في الطبقات.
(٢) نقلنا نص هذه الخطبة من صحيح مسلم، وأضفنا إليها زيادة جاءت في البخاري هي: «وستلقون ربكم..» إلى «من سمعه» كما أضفنا إليها زيادات بسيطة أخرى وردت في ابن إسحاق وطبقات ابن سعد وغيرهما.
(٣) من حديث جابر في صفة حجته ﷺ، رواه مسلم وغيره.
(٤) انظر فتح الباري: ٨/ ٧٤
[ ٣٢٦ ]
الأمر، فإن مما لا شك فيه أن وجوب الحج إنما شرع في العام العاشر من الهجرة، فلم يكن واجبا قبل ذلك ولم يحج النبي ﷺ بعدها غير هذه الحجة. ولذلك كان يطلق كثير من الصحابة على حجة الوداع هذه اسم حجة الإسلام، أو حجة رسول الله ﷺ، وبها عنون الإمام مسلم حديث هذه الحجة.
ومن الأدلة على ذلك، ما رواه الشيخان من خبر وفد عبد القيس الذين قدموا على النبي ﷺ، فقد جاء فيه أنهم قالوا له ﷺ: سرنا بأمر فصل نأخذ به ونأمر به من وراءنا وندخل به الجنة، قال: «آمركم بأربع وأنهاكم عن أربع»، وعدّد لهم الأوامر الأربعة فقال:
«آمركم بالإيمان بالله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وأن تعطوا الخمس من الغنم» . ويبدو أنه إنما ذكر الأمر بالإيمان زيادة على الأربعة، إذ هو معروف لهم، غير أنه أعاد الأمر به للتأكيد ولبيان أنه أساس الأوامر الأربعة التي ذكرها بعد. وقد كان مجيء هذا الوفد في السنة التاسعة للهجرة.
فلو كان الحج مفروضا إذ ذاك، لعدّه في جملة الأوامر التي وجهها إليهم.
ثانيا- المعنى الكبير لحجة رسول الله ﷺ:
إن لحجة رسول الله ﷺ هذه معنى جليلا يتعلق بالدعوة الإسلامية ويتعلق بحياته ﷺ ويتعلق بالمنهج العام للنظام الإسلامي.
لقد تعلم المسلمون من رسول الله ﷺ صلاتهم وصيامهم وأمر زكاتهم وعامة ما يتعلق بهم من عبادات وواجبات، وبقي أن يعلمهم مناسكهم وكيفية أدائهم شعائر الحج بعد أن طويت تلك التقاليد الجاهلية المتوارثة أيام موسم الحج من تصدية وصفير وعري أثناء الطواف، وقضي عليها مع القضاء على الأوثان وتطهير بيت الله الحرام منها.
وإن الدعوة إلى الحج لبيت الله الحرام ستظل قائمة إلى يوم القيامة، فهي دعوة أبي الأنبياء إبراهيم ﵊ بأمر من ربه ﷾. ولكنّ انحرافات الجاهلية وضلالات الوثنية قد زادت فيه تقاليد باطلة وصبغته بكثير من مظاهر الكفر والشرك، وقد جاء الإسلام ليغسل هذه الشعيرة مما قد علق بها من أدران، ويعيدها نقية صافية تشع بنور التوحيد وتقوم على أساس العبودية المطلقة لله تعالى.
من أجل ذلك أذّن رسول الله ﷺ في الناس أنه حاجّ إلى بيت الله الحرام، ومن أجل ذلك أقبل الناس من كل حدب وصوب يريدون أن يأتموا به ليتعلموا الأعمال الصحيحة للحج فلا يقعوا في رواسب التقاليد الجاهلية البائدة.
ويبدو أنه قد ألقي في روعه ﷺ، أن مهمته في الأرض توشك ان تنتهي، فقد أدى
[ ٣٢٧ ]
الأمانة، وأينعت أرض الجزيرة بغرس التوحيد وانتشر الإسلام يغزو الأفئدة والقلوب في كل مكان.
وإن بالناس- وهم اليوم كثرة متفرقون- لشوقا إلى مزيد من اللقاء مع رسولهم والاستفادة من هديه ونصائحه، وبه هو أيضا ﷺ شوقا إلى مزيد من اللقاء معهم، لا سيما تلك الحشود التي دخلت في الإسلام حديثا من مختلف جهات الجزيرة العربية، ممن لم تتح لهم فرص اللقاء الكافي معه ﷺ. وإن أكبر وأجمل فرصة لذلك إنما هي فرصة اللقاء في الحج إلى بيت الله الحرام، وفي سفوح عرفات، لقاء بين أمة ورسولها في ظل شعيرة من أكبر شعائر الإسلام، لقاء اتضح أنه كان في علم الله تعالى وإلهام رسوله، لقاء توصية ووداع.
ويريد رسول الله ﷺ أيضا أن يلتقي بهؤلاء الحشود المسلمة، الذين جاؤوا ثمرة جهاد استمر ثلاثة وعشرين عاما، ليلخص لهم تعاليم الإسلام ونظامه في كلمات جامعة وموعظة مختصرة يضمّنها كوامن وجدانه ونبرات محبته لأمته، وليستطلع من وجوههم صورة نسلهم وأعقابهم الذين سيأتون من بعد فينهي إليهم نصائحه وتوصياته من خلف حواجز الزمن ووراء أسوار القرون.
تلك هي بعض معاني حجة رسول الله ﷺ: حجة الوداع، وإنك لتراها متجسدة في خطبته التي ألقاها في وادي عرنة في يوم عرفة.
ثالثا- تأملات في خطبة الوداع:
ولله ما أروعها من كلمات، تلك التي ألقاها في سفوح عرفات، وراح يخاطب فيها الأجيال والتاريخ بعد أن أدى الأمانة ونصح للأمة وجاهد في سبيل الدعوة إلى ربه ثلاثة وعشرين عاما لا يكلّ ولا يملّ.. ولله ما أروعها من ساعة، تلك التي اجتمع حول رسول الله ﷺ فيها الآلاف المؤلفة، اجتمعوا حوله خاشعين متضرعين، وطالما تربّصوا به قبل ذلك متآمرين ومحاربين. آلاف مؤلفة يملؤون ما يمتد به النظر من كل الجهات، تردد بلسان حالها قول الله ﷿: إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ [غافر ٤٠/ ٥١] .
وأخذ رسول الله ﷺ ينظر من خلال وجوههم إلى الأجيال المقبلة، إلى العالم الإسلامي الكبير الذي سيملأ شرق الأرض وغربها. وراح يلقي على مسامع هذا العالم خطابه المودع:
«أيها الناس اسمعوا قولي فإني لا أدري، لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا بهذا الموقف أبدا » .
وأنصتت الدنيا لتسمع قوله، وأنصت الحجر والقفر والمدر إلى الكلمة المودعة ينطق بها فم رسول الله ﷺ بعد أن أنست وسعدت به الدنيا كلها ثلاثة وستين عاما، ها هو اليوم يلمّح بالرحيل، بعد أن قام بأمر ربه وغرس الأرض بغراس الإيمان. وها هو الآن يلخص المبادئ التي جاء بها وجاهد في سبيلها في كلمات جامعة، وبنود معدودة، يلقي بها إلى سمع العالم.
[ ٣٢٨ ]
فماذا كان أول بند منها؟
يا سبحان الله ما أجلّ وأروع!. لكأنه ﷺ إنما كان يستلهم توصياته تلك من واقع المنزلقات التي سيتنكب فيها أقوام من أمته خلال الزمن تائهين وراء غيرهم ضائعين عن القبس الذي سيتركه بين أيديهم فلقد كان أول بند منها هو قوله: «أيها الناس، إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام إلى أن تلقوا ربّكم، كحرمة يومكم هذا وكحرمة شهركم هذا» .
ولقد كرر هذه التوصية نفسها مرة أخرى في خاتمة خطابه، وأكد ضرورة الاهتمام بها وذلك عندما قال: «تعلمنّ أن كل مسلم أخ للمسلم وأن المسلمين إخوة، فلا يحلّ لا مرئ من أخيه إلّا ما أعطاه عن طيب نفس منه، فلا تظلمنّ أنفسكم. ألا هل بلغت؟» .
ونحن نقول:
أجل والله، لقد بلغت يا سيدي.. ولعلنا اليوم أولى من ينبغي أن يجيبك: اللهم لقد بلّغت! .. وإن كنا في ذلك إنما نسجل مسؤولية على أعناقنا قصرنا كل التقصير في القيام بحقها.
أما البند الثاني: فلم يكن مجرد توصية، ولكنه قبل ذلك قرار أعلن عنه للملأ كله..
لأولئك الذين كانوا من حوله، والأمم التي ستأتي من بعده.
وهذه هي صيغة القرار:
«ألا إن كل شيء من أمر الجاهلية، تحت قدميّ موضوع! .. دماء الجاهلية موضوعة..
وربا الجاهلية موضوع..» .
فما المعنى الذي تتضمنه صيغة هذا القرار؟ .. إنه يقول: إن كل ما كانت الجاهلية تفخر وتتمسّك به من تقاليد العصبية والقبلية، وفوارق اللغة والأنساب والعرق، واستعباد الإنسان أخاه بأغلال الظلم والمراباة، قد بطل أمره ومات اعتباره، فهو اليوم جيفة منتنة غيبتها شريعة الله في باطن الأرض، وأصبح مكانها من حياة المسلم اليوم تحت موطئ الأقدام. إنه رجس ولّى، وعماهة أدبرت، وغاشية بادت.
فمنذا الذي يرجع بعد ذلك لينبش التراب عن الجيفة المنتنة فيعانقها؟ .. وأي عاقل يتقمم الأدران التي تخلص منها ليتمسح ثانية بها؟ .. وأيّ أبيّ يعمد إلى القيد الذي كسره البارحة وألقاه، ليصلحه ويعود فيتقيّد به اليوم؟! ..
أرجاس من تقاليد الجاهلية، أبعدها الرسول ﷺ عن منطلق الإنسانية وتقدمها الفكري والحضاري، وأعلن أنها قد عادت حثالة مدفونة تحت قدميه، كي يثبت للدنيا كلها ويسجل على مسمع القرون والأجيال، أنه ما من تائه يزعم التقدم الفكري إذ يعمد فينبش شيئا من هذا الدفين
[ ٣٢٩ ]
القديم، إلّا وهو يرجع القهقرى يسبح فى أغوار قصية من التاريخ المظلم القديم، وإن خيّل إليه وهمه أنه إنما يتقدم صعدا ويخطو مترقيا.
وأما البند الثالث: فقد أعلن فيه رسول الله ﷺ عن تطابق الزمن إذ ذاك مع أسماء الأشهر المقسّم عليها، وذلك بعد طول تلاعب بها من العرب في الجاهلية وصدر الإسلام. فقد كانوا- كما قال مجاهد وغيره- يجعلون حجهم كل عامين في شهر معين من السنة، فيحجون في ذي الحجة عامين، ثم يحجون في المحرم عامين وهكذا. فلما حجّ رسول الله ﷺ هذا العام، وافق حجه شهر ذي الحجة وأعلن رسول الله ﷺ إذ ذاك أن الزمان قد استدار كهيأته يوم خلق الله السموات والأرض. أي فلا تتلاعبوا بالأشهر تقديما وتأخيرا، ولا حجّ بعد اليوم إلا في هذا الزمن الذي استقر اسمه: ذو الحجة.
وذكر بعضهم أن المشركين كانوا يحسبون السنة اثنى عشر شهرا وخمسة عشر يوما. فكان الحج في رمضان وفي شوال وذي القعدة.. وفي كل شهر من السنة، وذلك بحكم استدارة الشهر بسبب زيادة الخمسة عشر يوما. ولقد كان حجّ أبي بكر في السنة التاسعة من الهجرة واقعا في شهر ذي القعدة بسبب ذلك، فلما كان العام المقبل، (وفيه قام رسول الله ﷺ بحج الوداع) وافق حجّه ذا الحجة في العشر منه وطابق الأهلة. وأعلن حينئذ ﵊ نسخ الحساب القديم للزمن وأن السنة إنما تعتبر بعد اليوم اثنى عشر شهرا فقط، فلا تداخل بعد اليوم. قال القرطبي: وهذا القول أشبه بقول النبي ﷺ: «إن الزمان استدار..» أي إن زمان الحج عاد إلى وقته الأصلي الذي عينه الله يوم خلق السموات والأرض، بأصل المشروعية التي سبق بها علمه «١٤٢»
وفي البند الرابع: أوصى رسول الله ﷺ خيرا بالنساء، وأكد في كلمة مختصرة جامعة القضاء على الظلم البائد للمرأة في الجاهلية، وتثبيت ضمانات حقوقها وكرامتها الإنسانية التي تضمنتها أحكام الشريعة الإسلامية.
ولقد كانت هذه الحقيقة جديرة بتأكيد التوصية بها، بسبب أولئك المسلمين الذين كانوا قريبي عهد بتقاليدهم الجاهلية التي تقضي بإهمال شأن المرأة وعدم الاعتراف بأي حق لها، ولعل هنالك حكمة أخرى لهذه التوصية والاهتمام بها. وهي أن يكون المسلمون في كل عهد وطور من الزمن، على بيّنة من الفرق الكبير بين كرامة المرأة وحقوقها الطبيعية التي ضمنتها شرعة الإسلام، وما يهدف إليه بعضهم من استباحة الوسائل المختلفة إلى التمتع والتلهي بها، وهو ما حاربه الإسلام.
وفي البند الخامس: وضع النبي ﷺ الناس من جميع المشكلات التي قد تعترض حياتهم،
_________________
(١) انظر الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: ٨/ ١٣٧ و١٣٨
[ ٣٣٠ ]
أمام مصدرين لا ثالث لهما، ضمن لهم بعد الاعتصام بهما، الأمان من كل شقاء وضلال، هما:
كتاب الله وسنة رسوله.
وإنك لتجده يتقدم بهذا التعهد والضمان إلى جميع الأجيال المتعاقبة من بعده، ليبيّن للناس أن صلاحية التمسك بهذين الدليلين ليس وقفا على عصر دون آخر، وأنه لا ينبغي أن يكون لأيّ تطور حضاري أو عرف زمني أي سلطان أو تغلب عليهما.
وأما البند السادس: فقد أوضح فيه ﷺ ما ينبغي أن يكون عليه علاقة الحاكم أو الخليفة أو الرئيس مع الرعية أو الشعب. إنها علاقة السمع والطاعة من الشعب للحاكم مهما كان نسبه وشأنه ومظهره ما دام يحكم بكتاب الله وسنة رسوله، فإذا حاد عنهما فلا سمع ولا طاعة، فلا مناط لولاء الحاكم وضرورة اتباعه إلا سيره على نهج الكتاب والسنة، وليكن بعد ذلك إن شاء عبدا حبشيا مجدّعا، فلا يخفضه ذلك قيد شعرة عن غيره عند الله تعالى.
ولقد أوضح لنا رسول الله ﷺ بهذا، أنه لا امتياز للحاكم من وراء حدود كتاب الله تعالى وسنة نبيه، ولا يمكن لحاكميته أن ترفعه قيد شعرة فوق مستوى المنهج والحكم الإسلامي، إذ هو في الحقيقة ليس بحاكم ولا يتمتع بأي حاكمية حقيقية، ولكنه أمين من قبل المسلمين على تنفيذ حكم الله تعالى. ومن هنا لم تتعرف الشريعة الإسلامية على شيء مما يسمى بالحصانة أو الامتيازات لطبقة ما بين المسلمين في شؤون الحكم أو القانون والقضاء.
وفي الختام يشعر رسول الله ﷺ أنه أخرج مسؤولية الدعوة وتبليغها من عنقه، فها هو الإسلام قد انتشر، وها هي ضلالات الجاهلية والشرك قد تبدّدت، وها هي أحكام الشريعة الإلهية قد بلّغت، وها هو الوحي ينزل عليه ﷺ، يقول الله تعالى مخاطبا البشر كلهم: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِينًا [المائدة ٥/ ٣] .
ولكنه ﷺ يريد أن يطمئن إلى شهادة أمته بذلك أمام الله تعالى يوم القيامة عندما يسألون.. فأعقب توصياته هذه لهم بأن نادى فيهم قائلا: إنكم ستسألون عني، فما أنتم قائلون؟
وارتفعت الأصوات من حوله تصرخ: نشهد أنك قد بلّغت، وأديت، ونصحت. وحينئد اطمأن الرسول العظيم ﷺ!
لقد كان يريد أن يستوثق من هذه الشهادة التي سيلقى بها وجه ربه ﷿.. ولقد اطمأن الحبيب الأعظم ﷺ إذ ذاك، وشعشع الرضى في عينيه، ونظر بهما إلى الأعلى مشيرا بسبابته إلى السماء ثم إلى الناس يقول:
«اللهم اشهد اللهم اشهد اللهم اشهد» .
ويا ما أعظمها من سعادة!؟ .. سعادة رسول الله ﵊ بشبابه الذي أبلاه
[ ٣٣١ ]
وعمره الذي أمضاه في سبيل نشر شريعة ربه ﷻ، وذلك حينما ينظر فيرى حصيلة الجهد الذي قدّم والعمر الذي بذل، أصواتا ترتفع وتعج بتوحيد الله، وجباها تعنو ساجدة لدين الله وقلوبا خفاقة تجيش بحب الله. ألا ما أسعد حبيب الله إذ ذاك بذكرى ما لقيه من ظمأ الهواجر، وشتات السفر في القفار، وعذاب السخرية والإيذاء، في سبيل هذا الإيمان الذي شاده فوق أرض الله! .. فلتكتحل به عيناك يا سيدي سعادة وسرورا، وليبارك لك ربك في وجيب قلبك اليوم حمدا ونشوة وحبورا.
ولا والله، ما كان ذلك شهادة تلك الآلاف المحتشدة من حولك فحسب، يا سيدي رسول الله. ولكنها شهادة المسلمين في كل جيل وعصر إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها تعلن بلسان حالها ومقالها: نشهد يا رسول الله أنك قد بلغت وأديت ونصحت، فجزاك الله عنا خير ما جوزي نبي عن أمته.
ولكن مسؤولية الدعوة قد انتقلت من بعدك إلى أعناقنا، وما أبعدنا اليوم عن القيام بحقها، وما أشد خيبتنا بلقائك يا سيدي غدا، وإن علينا أوزارا من التقاعس والتكاسل والركون إلى زهرة الحياة الدنيا، بينما يلتفّ من حولك أصحابك البررة الكرام وإن في أيديهم وعلى أبدانهم شهادة الدم الذي سفكوه والجهد الذي بذلوه والدنيا التي حطموها تحت أقدامهم نصرة لشريعتك ودفاعا عن دعوتك وتأسيا بجهادك.
أصلح الله حالنا وحال المسلمين جميعا، وأيقظنا من سكرة الدنيا ونشوة الشهوات والأهواء، وتغمدنا بلطفه وكرمه وجوده.
وأتم ﷺ حجه، وتضلع من شرب ماء زمزم، وعلّم الناس مناسكهم، ثم عاد أدراجه إلى المدينة، ليواصل السعي والجهاد في سبيل دين الله ﷿.
[ ٣٣٢ ]
شكوى الرّسول ﷺ ولحاقه بالرّفيق الأعلى
بعث أسامة بن زيد إلى البلقاء
ما إن عاد رسول الله ﷺ إلى المدينة المنورة حتى أمر المسلمين بالتهيؤ لغزو الروم، واختار رسول الله ﷺ لإمرة هذا الغزو أسامة بن زيد ﵁، وكان ﵁ شابا حدثا، فأمره ﷺ أن يسير إلى موضع مقتل أبيه زيد بن حارثة، وأن يوطئ الخيل تخوم البلقاء والداروم من أرض فلسطين، وذلك مع بدء شكواه ﷺ من مرضه الذي توفي فيه.
ولكن المنافقين راحوا يقولون مستنكرين: أمّر غلاما حدثا على جلّة المهاجرين والأنصار «١» ! فخرج رسول الله ﷺ إلى الناس وقد عصب رأسه وخطب فيهم قائلا:
«إن تطعنوا في إمارة أسامة بن زيد فقد طعنتم في إمارة أبيه من قبله. وايم الله إن كان لخليقا بها، وايم الله إن كان لأحب الناس إليّ، وايم الله إنّ هذا لها لخليق- يريد أسامة بن زيد-، وايم الله إن كان لأحبّهم إليّ من بعده فأوصيكم به فإنه من صالحيكم» «٢» .
فتجهز الناس، وأوعب مع أسامة المهاجرين والأنصار، وخرج أسامة بجيشه إلى ظاهر المدينة، فعسكر بالجرف (مكان على فرسخ من المدينة) .
(شكوى رسول الله ﷺ) وفي هذه الأثناء، اشتدت برسول الله ﷺ شكواه التي قبضه الله فيها، فأقام الجيش هناك، ينظرون ما الله قاض في هذا الأمر.
وكان ابتداء شكواه ما رواه ابن إسحاق وابن سعد عن أبي مويهبة مولى رسول الله ﷺ، قال: «بعثني رسول الله ﷺ من جوف الليل، فقال: يا أبا مويهبة، قد أمرت أن أستغفر لأهل هذا البقيع، فانطلق معي. فانطلقت معه، فلما وقفنا عليهم قال: السلام عليكم يا أهل المقابر، ليهن لكم ما أصبحتم فيما أصبح الناس فيه، أقبلت الفتن مثل قطع الليل المظلم يتبع آخرها أولاها، الآخرة شرّ من الأولى. ثم أقبل عليّ فقال: إني قد أعطيت مفاتيح خزائن الدنيا والخلد فيها،
_________________
(١) كان أسامة إذ ذاك ابن ثماني عشرة سنة أو عشرين، على اختلاف في ذلك.
(٢) متفق عليه، واللفظ لمسلم ٧/ ١٣١
[ ٣٣٣ ]
فخيرت بين ذلك وبين لقاء ربي والجنة. فقلت: بأبي أنت وأمي، فخذ مفاتيح خزائن الدنيا وتخلّد فيها، ثم الجنة. قال: لا والله أبا مويهبة، قد اخترت لقاء ربي والجنة. ثم استغفر لأهل البقيع ثم انصرف فابتدأ رسول الله ﷺ وجعه الذي قبض فيه» «٣» .
وكان أول وجعه ﷺ صداعا شديدا يجده في رأسه، فقد روي عن عائشة ﵂ أنه ﷺ لما رجع من البقيع استقبلته وهي تقول: وارأساه، فقال لها ﷺ: «بل أنا والله يا عائشة وارأساه» «٤» . ثم ثقل عليه الوجع فكان حمّى شديدة تنتابه، وكان بدء ذلك في أواخر صفر من السنة الحادية عشرة للهجرة وكانت عائشة ترقيه ﷺ خلال ذلك بمعوذات من القرآن.
روى البخاري ومسلم عن عروة أن عائشة ﵂ أخبرته أن رسول الله ﷺ كان إذا اشتكى نفث على نفسه بالمعوذات ومسح عنه بيده، فلما اشتكى وجعه الذي توفي فيه، طفقت أنفث على نفسه بالمعوذات التي كان ينفث وأمسح بيد النبي ﷺ عنه.
وشعرت نساؤه ﷺ برغبته في أن يمرّض في بيت عائشة ﵂، لما يعلمن من محبته لها وارتياحه إليها، فأذنّ له في ذلك، فخرج إلى بيتها من عند ميمونة يتوكأ على الفضل بن العباس وعلي بن أبي طالب ﵄.
وفي بيت عائشة ﵂ اشتد به وجعه، وكان قد شعر بقلق أصحابه وحزنهم عليه، فقال: «أهريقوا عليّ من سبع قرب لم تحلل أو كيتهن لعلّي أعهد إلى الناس (أي أخرج إليهم لأكلمهم)» قالت عائشة ﵂: فأجلسناه في مخضب (ما يشبه الإجّانة يغسل فيها الثياب) ثم طفقنا نصب عليه من تلك القرب حتى طفق يشير إلينا بيده أن قد فعلتنّ. ثم خرج إلى الناس فصلى بهم وخطبهم «٥»، خرج ﷺ عاصبا رأسه، فجلس على المنبر، ثم كان أول ما تكلم به أن صلى على أصحاب أحد واستغفر لهم ثم قال:
«عبد خيره الله بين أن يؤتيه زهرة الدنيا وبين ما عنده، فاختار ما عنده» فبكى أبو بكر ﵁ (إذ علم ما يقصده النبي ﷺ) وناداه قائلا: فديناك بآبائنا وأمهاتنا. فقال ﷺ:
«على رسلك يا أبا بكر، أيها الناس إن أمن الناس عليّ في ماله وصحبته أبو بكر، ولو كنت
_________________
(١) رواه ابن إسحاق وابن سعد، وأحمد في مسنده وروى نحوه أبو داود والنسائي وابن ماجه من حديث عائشة وأبي هريرة. وذلك كله غير الحديث الذي رواه مسلم ومالك في الموطأ في باب الطهارة عن أبي هريرة ﵁ أنه ﷺ خرج إلى المقبرة فقال: السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لا حقون، وددت أني قد رأيت إخواننا، فقالوا: يا رسول الله ألسنا بإخوانك؟ قال: بل أنتم أصحابي.. الحديث وربما توهم البعض أن هذا الذي رواه مسلم ومالك، هو ما رواه الآخرون عند قرب وفاته ﷺ، روياه على نحو آخر. وقد ثبت أنه ﷺ كان من عادته أن يذهب كل ليلة إلى البقيع يدعو ويستغفر لأهله.
(٢) رواه ابن إسحاق وابن سعد، وروى بنحوه الإمام أحمد في حديث طويل.
(٣) رواه البخاري.
[ ٣٣٤ ]
متخذا خليلا لا تخذت أبا بكر خليلا، ولكن أخوة الإسلام. لا تبقينّ في المسجد خوخة إلا خوخه أبي بكر «٦»، وإني فرط لكم، وأنا شهيد عليكم وإني والله ما أخاف أن تشركوا من بعدي، ولكني أخشى عليكم الدنيا أن تنافسوا فيها» «٧» .
وعاد رسول الله ﷺ إلى بيته، وما هو إلا أن اشتد به وجعه، وثقل عليه مرضه.
روت عائشة ﵂ قالت: «قال لي رسول الله ﷺ في مرضه: ادعي لي أبا بكر أباك وأخاك، حتى أكتب كتابا، فإني أخاف أن يتمنّى متمنّ ويقول قائل: أنا أولى، ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر» «٨» . وروى ابن عباس ﵁ قال: «لما اشتد برسول الله ﷺ المرض، قال لرجال كانوا في البيت: هلموا أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده، فقال بعضهم: إن رسول الله ﷺ قد غلبه الوجع وعندكم القرآن، حسبنا كتاب الله. فاختلف أهل البيت واختصموا، فمنهم من يقول قرّبوا يكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده، ومنهم من يقول غير ذلك، فلما أكثروا اللغو والاختلاف قال رسول الله ﷺ: قوموا» «٩» .
ولم يعد رسول الله ﷺ يطيق الخروج إلى الصلاة مع الناس، فقال: «مروا أبا بكر فليصل بالناس»، فقالت عائشة ﵂: يا رسول الله، إن أبا بكر رجل أسيف (رقيق) وإنه إذا قام مقامك لم يكد يسمع الناس، فقال: «إنكن صواحب يوسف، مروا أبا بكر فليصل بالناس» «١٠» .
فكان أبو بكر هو الذي يصلي بالناس بعد ذلك، وخرج النبي ﷺ خلال ذلك مرة- وقد شعر بخفة- فأتى فوجد أبا بكر وهو قائم يصلي بالناس، فاستأخر أبو بكر، فأشار إليه رسول الله ﷺ أن كما أنت، فجلس رسول الله ﷺ إلى جنب أبي بكر، فكان أبو بكر يصلي بصلاة رسول الله ﷺ وهو جالس، وكان الناس يصلون بصلاة أبي بكر «١١» .
_________________
(١) هو الباب الصغير بين البيتين. والحديث إلى هنا متفق عليه واللفظ لمسلم.
(٢) متفق عليه.
(٣) رواه مسلم في باب فضل أبي بكر: ٧/ ١١٠ وروى البخاري نحوه.
(٤) رواه البخاري في باب مرض النبي ووفاته: ٥/ ١٣٨
(٥) متفق عليه.
(٦) رواه البخاري في كتاب الصلاة باب من أقام إلى جنب الإمام لعلة، ومسلم في كتاب الصلاة باب استخلاف الإمام. ومالك في الموطأ كتاب صلاة الجماعة باب صلاة الإمام وهو جالس، وغيرهم. ومن العجب أن الشيخ ناصرا أخرج هذا الحديث في تخريجه لأحاديث كتاب فقه السيرة للغزالي، فعزاه إلى الإمام أحمد وابن ماجه فقط. وزاد على هذا أن أخذ يحقق في نسبة ضعف إليه بسبب أن فيه أبا إسحاق السبيعي. مع أن الحديث متفق عليه وله طرق غير هذا الذي اهتم بتحقيقه!. اللهم إلا أن رواية أحمد وابن ماجه فيها «واستفتح من الآية التي بلغها أبو بكر» وليس في رواية الشيخين هذه الجملة.
[ ٣٣٥ ]
واستبشر الناس خيرا بخروجه ﷺ إذ ذاك، ولكن البرحاء اشتدت عليه، وكان ذلك آخر مرة خرج يصلي فيها مع الناس. روى ابن مسعود ﵁ قال: «دخلت على رسول الله ﷺ وهو يوعك، فمسسته بيدي، فقلت: يا رسول الله، إنك لتوعك وعكا شديدا فقال ﷺ: أجل إني أوعك كما يوعك رجلان منكم، قال: فقلت: ذلك أن لك أجرين؟ ..
فقال رسول الله ﷺ: أجل، ما من مسلم يصيبه أذى من مرض فما سواه إلا حطّ الله به سيئاته كما تحطّ الشجرة ورقها» «١٢» .
كان ﷺ أثناء ذلك يطرح خميصة (غطاء) له على وجهه، فإذا اغتم وضايقه الألم كشفها عن وجهه فقال: «لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» ١٣، كأنه ﷺ يحذّر المسلمين من أن يصنعوا صنيعهم به.
رسول الله ﷺ وسكرة الموت
وذلك هو حكم الله في عباده كلهم: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ [الزمر ٣٩/ ٣٠] . فقد دخل فجر يوم الاثنين ثاني عشر ربيع الأول من العام الحادي عشر للهجرة، وبينما الناس في المسجد يصلون حلف أبي بكر ﵁، إذا بالستر المضروب على حجرة عائشة قد كشف، وبرز رسول الله ﷺ من ورائه، فنظر إليهم وهم في صفوف الصلاة، ثم تبسم يضحك، فنكص أبو بكر على عقبه ليصل الصف، فقد ظن أن رسول الله ﷺ يريد أن يخرج إلى الصلاة، وهمّ المسلمون أن يفتنوا في صلاتهم فرحا برسول الله ﷺ، فأشار إليهم بيده ﷺ أن أتموا صلاتكم، ثم دخل الحجرة وأرخى الستر «١٤» .
وانصرف الناس من صلاتهم، وهم يحسبون أن النبي ﷺ قد نشط من مرضه. ولكن تبين أنها كانت نظرة وداع منه ﷺ إلى أصحابه، فقد عاد ﵊ فاضطجع إلى حجر عائشة ﵂، وأسندت ﵂ رأسه إلى صدرها، وجعلت تتغشاه سكرة الموت، قالت: «وكان بين يديه ركوة فيها ماء فجعل يدخل يديه في الماء فيمسح بها وجهه ويقول: لا إله إلا الله، إن للموت سكرات» «١٥» . وكانت فاطمة ﵂ إذا رأت منه ذلك قالت:
_________________
(١) وعلى كل فالحادثة واحدة والحديث واحد ولا ينبغي عند التخريج الاقتصار على ذكر الطريق الضعيف والسكوت عن الطريق الصحيح أو المتفق عليه، لما في ذلك من الإبهام الواضح الذي يتحاشاه علماء الحديث.
(٢) و(١٣) متفق عليه.
(٣) رواه الشيخان.
(٤) رواه البخاري في باب مرض الرسول ﷺ ووفاته، وفي باب سكرة الموت من كتاب الرقاق: ٧/ ١٩٢، ورواه الترمذي والنسائي وأحمد بطريق آخر بلفظ: «اللهم أعني على سكرات الموت» .
[ ٣٣٦ ]
«واكرب أباه؟ .. فيقول لها ﵊: ليس على أبيك كرب بعد هذا اليوم» «١٦» .
قالت عائشة ﵂: «إن الله جمع بين ريقي وريقه عند موته، دخل عليّ عبد الرحمن وبيده السواك وأنا مسندة رسول الله ﷺ، فرأيته ينظر إليه، وعرفت أنه يحب السواك، فقلت: آخذه لك، فأشار برأسه أن نعم، فتناولته فاشتد عليه، فقلت: أليّنه لك؟
فأشار برأسه أن نعم، فلينته فأمرّه، وبين يديه ركوة فجعل يدخل يديه في الماء فيمسح وجهه ويقول: لا إله إلا الله إن للموت سكرات. ثم نصب يده فجعل يقول: في الرفيق الأعلى، حتى قبض، ومالت يده» «١٧» .
وانتشر خبر وفاته ﷺ في الناس، وأقبل أبو بكر ﵁ على فرس من مسكنه في السّنح (وكان قد ذهب إلى منزله هناك آملا أنه ﷺ قد عوفي من وجعه)، حتى نزل فدخل المسجد، فلم يكلم الناس حتى دخل على عائشة، فتيمم رسول الله ﷺ وهو مغشى بثوب حبرة، فكشف عن وجهه، ثم أكبّ عليه فقبله. وبكى، ثم قال: «بأبي أنت وأمي لا يجمع الله عليك موتتين، أما الموتة التي كتبت عليك فقد متها» «١٨» . ثم خرج ﵁، وعمر يكلم الناس أن رسول الله ﷺ لم يمت، ولكنه ذهب إلى ربه كما ذهب موسى بن عمران وأنه ﷺ لا يموت حتى يفني الله المنافقين؛ فأقبل أبو بكر يقول له: على رسلك يا عمر، أنصت ولكنه استمر في كلامه مهتاجا، فلما رآه أبو بكر لا ينصت أقبل على الناس فأقبلوا إليه وتركوا عمر، فقال أبو بكر: أما بعد أيها الناس، من كان منكم يعبد محمدا ﷺ فإن محمدا قد مات، ومن كان منكم يعبد الله فإن الله حيّ لا يموت، قال الله تعالى: وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ [آل عمران ٣/ ١٤٤] . فكأن الناس لم يعلموا أن الله نزل هذه الآية حتى تلاها أبو بكر، فتلقاها منه الناس كلهم، فما سمعها بشر من الناس إلا وأخذ يتلوها. قال عمر ﵁: «والله ما هو إلا أن سمعت أبا بكر تلاها، فعقرت ما تقلّني رجلاي وحتى أهويت إلى الأرض حين سمعته تلاها وعلمت أن النبي ﷺ قد مات» «١٩» .
_________________
(١) وقد خرجه الشيخ ناصر فقال: ضعيف أخرجه الترمذي وغيره عن طريق موسى بن سرجس بن محمد عن عائشة إلخ. وإنما هو ضعيف بهذا اللفظ فقط، أما أصل الحديث فقد رواه البخاري بطريق صحيح وإذا كان للحديث الواحد طريقان فلا ينبغي الاقتصار في تخريجه على ذكر الضعيف منهما لما فيه من الإيهام. كما سبق بيانه في صفحة (٤٩٤) ولا يضير اختلاف يسير في اللفظ ما دامت الحادثة واحدة.
(٢) رواه البخاري.
(٣) رواه البخاري ومسلم، واللفظ للبخاري.
(٤) رواه البخاري.
(٥) رواه ابن إسحاق وغيره، كما رواه البخاري أيضا مع فرق بسيط في بعض الألفاظ.
[ ٣٣٧ ]
وقد أجمع الرواة وأهل العلم أنه ﷺ توفي عن ثلاثة وستين عاما من العمر، قضى أربعين منها قبل البعثة، وثلاثة عشر عاما يدعو إلى الله في مكة وعشر سنين قضاها في المدينة بعد الهجرة.
وكانت وفاته في أول العام الحادي عشر.
وروى البخاري عن عمرو بن الحرث، قال: «ما ترك رسول الله ﷺ دينارا ولا درهما ولا عبدا ولا أمة، إلا بغلته البيضاء التي كان يركبها وسلاحه، وأرضا جعلها لابن السبيل صدقة» .
العبر والعظات:
في أحداث هذا القسم الأخير من سيرة المصطفى ﷺ، تلوح قصة الحقيقة الكبرى في هذا الوجود!. الحقيقة التي يسقط عندها جبروت المتجبرين وعناد الملحدين، وطغيان البغاة والمتألهين. إنها الحقيقة التي تمدّ صفحة هذا الوجود المائج كله، بغاشية الانتهاء والفناء. وتصبغ الحياة البشرية بصبغة العبودية والذل لقهار السموات والأرض. حقيقة تسربل بها (طوعا أو كرها) العصاة والطائعون، والرؤساء والمتألهون، والرسل والأنبياء، والمقربون والأصفياء، والأغنياء والفقراء، ودعاة العلم والاختراع!.
إنها الحقيقة التي تعلن على مدى الزمان والمكان، وفي أذن كل سامع وعقل كل مفكر: «أن لا ألوهية إلا لله وحده، وأن لا حاكمية إلا لذاك الذي تفرد بالبقاء، فهو الذي لا مردّ لقضائه، ولا حدود لسلطانه، ولا مخرج عن حكمه، ولا غالب على أمره» .
أيّ حقيقة تنطق بهذه الدلالة نطقا لا لبس فيه ولا غموض أعظم من حقيقة الموت وسكرة الموت إذ قهر الله بهما سكان الدنيا كلها منذ فجر الوجود إلى أن تغيب شمسه؟! ..
لقد مرّ في معبر هذه الدنيا كثير من أولئك المفتريّن الذين غرقوا في شبر من القوة التي أوتوها، أو العلوم التي فهموها، أو المخترعات التي اكتشفوها، ولكن هذه الحقيقة الكبرى سرعان ما انتشلتهم وألقت بهم في بيداء العبودية وأيقظتهم إلى صحو التذلل لقيوم السماوات والأرض مالك الملك كله، فقدموا إلى الله عبيدا أذلاء خاضعين.
كل نفس ذائقة الموت! ..
إطلاق لا قيد فيه، وعموم لا مخصص له، وشمول ليس للدنيا كلها أن تجعل له حدّا. فليأت دعاة العلم الجديد، والرقي الحديث، ومتوثبو الغزو الفضائي فليجمعوا أمرهم وليضفروا جميع إمكاناتهم المختلفة وليحشدوا كل أقمارهم المصنوعة ومراكبهم المشروعة، فليستعينوا بذلك كله على أن يزيحوا عن أنفسهم شيئا من سلطان هذا الموت الذي قهرهم واستذلهم، وليبطلوا بذلك ولو جزءا من هذا التحدي الإلهي: كل نفس ذائقة الموت. فإن فعلوا ذلك فإن لهم حينئذ أن يشيدوا لأنفسهم صروحا عالية من الجبروت والطغيان والتأله والكفران، وإلا فأحرى بهم أن يتفرغوا
[ ٣٣٨ ]
للتأمل في تلك القبور التي سيغيبون في أحشائها والتربة التي سيمتدون من تحتها، وفي القبضة التي سوف لن ينجوا من حكمها.
ولقد كان من اليسير على الله ﷿ أن يجعل مرتبة رسوله ﷺ فوق مستوى الموت وآلامه، ولكن الحكمة الإلهية شاءت أن يكون قضاء الله تعالى في تجرع هذا الكأس بشدتها وآلامها عاما لكل أحد مهما كانت درجة قربه من الله ﷻ، حتى يعيش الناس في معنى التوحيد وحقيقته، وحتى يدركوا جيدا أن كل من في السموات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا، فليس لأحد أن يتمطى ليعلو بنفسه عن مستوى العبودية بعد أن عاش رسول الله ﷺ خاضعا لحكمها ونزل به قضاؤها. وليس لأحد أن لا يكثر من ذكر الموت وسكرته، بعد أن عانى حبيب الله تعالى من برحائها وغشيته آلامها.
وهذا المعنى هو ما أوضحه كلام الله ﷻ:
إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ [الزمر ٣٩/ ٣٠] .
وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ، أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنا تُرْجَعُونَ [الأنبياء ٢١/ ١٣٤، ١٣٥] .
وإذن فنحن في هذا القسم الأخير من سيرته ﵊ أمام مشهد لحقيقتين هما دعامتا الإيمان بالله ﷿، بل هما دعامتا الحقيقة الكونية كلها:
حقيقة توحيد الله ﷿، وحقيقة العبودية الشاملة التي فطر الله الناس كلهم عليها، ولا تبديل لحكم الله وأمره.
*** والآن.. فلنستعرض ما يوجد في ثنايا هذا البحث من الدروس الأحكام.
أولا- لا مفاضلة في حكم الإسلام إلا بالعمل الصالح:
فقد كان زيد بن حارثة رقيقا وهو والد أسامة هذا، وهو في أصله مولى، وكان أسامة كما قلنا فتى صغيرا بين الثامنة عشر والعشرين من العمر. ومع ذلك فلا الصغر ولا الرق القديم منع رسول الله ﷺ من أن يجعله أميرا على عامة الصحابة في غزوة مهمة كبرى! .. ولئن وجد المنافقون في هذا مثارا للتعجب أو الاستنكار، فإن شريعة الإسلام لا تستغرب ذلك ولا تستنكره، فما جاء الإسلام إلا ليحطم مقاييس الجاهلية التي كانوا بها يتفاضلون ويتفاوتون. ولعلّ النبي ﷺ وجد في أسامة ميزة جعلته أولى من غيره بقيادة الجيش في هذه الغزوة. وليس على المسلمين في هذا الحال إلا السمع والطاعة وإن أمّر عليهم عبد حبشي، ولذلك كان أول عمل قام به أبو بكر ﵁ في خلافته هو إنفاذ جيش أسامة. وخرج ﵁ فشيّع جيشه بنفسه ماشيا وأسامة راكب، فقال له أسامة: يا خليفة رسول الله، لتركبن أو لأنزلن. فقال أبو بكر: والله
[ ٣٣٩ ]
لا نزلت ولا ركبت، وما عليّ أن أغبر قدمي ساعة في سبيل الله؟ ولقد رجع أسامة ﵁ من هذه الغزوة منصورا ظافرا وكان في تسيير ذلك الجيش نفع عظيم للمسلمين «٢٠» .
ثانيا- مشروعية الرّقية وفضلها:
وهي التعويذة. ودليل ذلك ما رويناه من حديث البخاري ومسلم أنه ﷺ كان إذا اشتكى نفث على نفسه بالمعوّذات ومسح عنه بيده.. إلخ.
وقد كان ﷺ يرقي أصحابه بالقرآن آنا، وبالأذكار والأدعية أخرى. روى مسلم عن عائشة ﵂ قالت: «كان رسول الله ﷺ إذا اشتكى منا إنسان مسحه بيمينه ثم قال: أذهب البأس ربّ الناس، واشف وأنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك شفاء لا يغادر سقما»، وروى البخاري ومسلم عن عائشة ﵂ أن النّبي ﷺ كان إذا اشتكى يقرأ على نفسه بالمعوذات وينفث، فلما اشتد وجعه كنت أقرأ عليه وأمسح عنه بيده رجاء بركتها. ومن أوضح الأدلة على مشروعية الرقية بالقرآن الكريم قوله تعالى: وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسارًا [الإسراء ١٧/ ٨٢] .
والفرق بين الدعاء والرقية أن الرقية تزيد عليه المسح باليد والنفث بالفم، وهو النفخ بدون ريق، في الأصح
ثم إنه ذهب مالك والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور إلى جواز أخذ الأجر على الرقية، وفصّل أبو حنيفة فمنعها على تعليم القرآن وأجازها على الرقية «٢١»، ودليل ذلك حديث البخاري ومسلم أن ناسا من أصحاب رسول الله ﷺ كانوا في سفر، فمروا بحي من أحياء العرب فاستضافوهم فلم يضيفوهم، فقالوا لهم: «هل فيكم راق، فإن سيّد الحي لديغ أو مصاب، فقال رجل منهم نعم، فأتاه فرقاه بفاتحة الكتاب، فشفي الرجل، فأعطي قطيعا من غنم فأبى أن يقبلها، وقال:
حتى أذكر ذلك للنّبي ﷺ، فأتى النّبي ﷺ فذكر ذلك له، فقال: يا رسول الله، والله ما رقيت إلا بفاتحة الكتاب، فتبسّم وقال: وما أدراك أنها رقية؟ ثم قال: خذوا منهم واضربوا لي بسهم معكم» .
وقد نقل النووي والحافظ ابن حجر وغيرهما الإجماع على مشروعية الرّقى عند اجتماع ثلاثة شروط:
أن يكون بكلام الله تعالى أو بأسمائه وصفاته، وأن يكون باللسان العربي أو بما يعرف معناه من غيره، وأن يعتقد أن الرقية لا تؤثّر بذاتها، بل بذات الله تعالى «٢٢» .
_________________
(١) تاريخ الطبري: ٣/ ٢٢
(٢) انظر شرح النووي على مسلم: ١٤/ ١١٨
(٣) راجع النووي على مسلم: ١٤/ ١٦٩، وفتح الباري لابن حجر: ١٠/ ١٥٢
[ ٣٤٠ ]
وقد دلّت على هذه الشروط أحاديث صحيحة مثل ما رواه مسلم عن عوف بن مالك الأشجعي قال: كنّا نرقي في الجاهلية، فقلنا: «يا رسول الله كيف ترى في ذلك؟ فقال: اعرضوا عليّ رقاكم، لا بأس بالرّقى ما لم يكن فيه شرك» .
السحر والرّقية منه:
ولقد كان من أهم ما رقى رسول الله ﷺ نفسه بالمعوّذات منه، السحر الذي سحره به لبيد بن الأعصم في الحديث الذي رواه الشيخان.
ولقد ذكر العلماء أن جمهور المسلمين على إثبات السحر وأن له حقيقة كحقيقة غيره من الأشياء الثابتة، ودليله هذا الحديث، وذكر الله تعالى له في كتابه، وأنه مما يتعلم، وذلك لا يكون إلا فيما له حقيقة ما. وقوله ﷾ عنه فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ [البقرة ٢/ ١٠٢]، والتفريق بين المرء وزوجه شيء حقيقي كما هو معروف.
وقد يستشكل بعضهم هذا الذي نقول لسببين:
الأول: كون السحر بحد ذاته حقيقة ثابتة، إذ هو فيما يتوهمه البعض أمر مناف لقضية التوحيد وانحصار التأثير لله وحده.
الثاني: أن يقال إن رسول الله ﷺ قد سحر، فذلك مما يحط (في وهمهم) من منصب النّبوة ويشكّك الناس فيها.
والحقيقة أنه لا إشكال في الأمر ألبتة. أما الجواب عن الوهم الأول، فهو أن اعتبار السحر حقيقة ثابتة لا يعني كونه مؤثرا بذاته بل هو كقولنا السّمّ له مفعول حقيقي ثابت، والدواء له مفعول حقيقي ثابت، فهذا كلام صحيح لا ينكر. غير أن التأثير في هذه الأمور الثابتة إنما هو لله تعالى. وقد قال الله تعالى عن السحر وَما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ [البقرة ٢/ ١٠٢]، فقد نفى الله ﷿ عن السحر التأثير الذاتي، ولكنه أثبت له في الوقت نفسه مفعولا ونتيجة منوطة بإذن الله تعالى.
وأما الجواب عن الوهم الثاني، فهو أن السحر الذي أصيب به ﷺ إنما كان متسلطا على جسده وظواهر جوارحه كما هو معروف. لا على عقله وقلبه واعتقاده. فمعاناته من آثاره كمعاناته من آثار أي مرض من الأمراض التي يتعرض لها الجسم البشري لأي كان، ومعلوم أن عصمة الرسول ﷺ لا تستلزم سلامته من الأمراض والأعراض البشرية المختلفة.
قال القاضي عياض: «وأما ما جاء في الحديث من أنه ﷺ كان يخيّل إليه أنه يفعل الشيء وهو لا يفعله، فليس في هذا ما يدخل عليه ﷺ داخلة نقص أو عيب في شيء من تبليغه أو شريعته، لقيام الدليل والإجماع على عصمته من هذا (أي مما يدخل أي داخلة نقص في تبليغ الشريعة)، وإنما هذا فيما يجوز طروّه من أمور الدنيا التي لم يبعث بسببها ولا فضّل من أجلها،
[ ٣٤١ ]
وهو فيها عرضة للآفات كسائر البشر. فغير بعيد أن يخيل إليه من أمورها مالا حقيقة له ثم ينجلي عنه كما حصل» «٢٣» .
قلت: وهو كما يحصل للمريض عند شدّة الحّمى، فمن الأعراض الطبيعية لذلك أن تطوف بالذهن أخيلة وأوهام غير حقيقية لشدة وطأة الحرارة، والأمر في ذلك وأشباهه من الأعراض البشرية التي يستوي فيها الأنبياء والرسل مع غيرهم من الناس.
على أن خبر سحره ﷺ، إنما يدخل في جملة الخوارق التي أكرم الله بها رسوله ﷺ، فهو ليس مثار نقيصة له، وإنما هو دليل جديد من أدلة إكرام الله له، وحفظه إياه. فقد دعا رسول الله ﷺ وظل يكثر من الدعاء حين شعر بهذه الأعراض في جسمه إلى أن أطلعه الله على المكيدة التي صنعها له لبيد بن الأعصم في السّر، فذهب إلى حيث قد طوى الرجل أمشاطه وأسباب سحره فأبطل رسول الله ﷺ كل ذلك وإليك نص الحديث:
روى البخاري ومسلم عن عائشة ﵂ قالت: «سحر رسول الله ﷺ رجل من بني زريق يقال له لبيد بن الأعصم حتى كان رسول الله ﷺ يخيل إليه أنه كان يفعل الشيء وما فعله. حتى إذا كان ذات يوم أو ذات ليلة وهو عندي، لكنه دعا ودعا. ثم قال يا عائشة أشعرت أن الله أفتاني فيما استفتيته فيه. أتاني رجلان فقعد أحدهما عند رأسي والآخر عند رجلي، فقال أحدهما لصاحبه: ما وجع الرجل؟ فقال: مطبوب (أي مسحور)، قال: من طبّبه؟
قال: لبيد بن الأعصم، قال: في أي شيء؟ قال: في مشط ومشاطة «٢٤» وجف طلع نخل ذكر، قال: وأين هو؟ قال: في بئر ذروان. فأتاها النّبي ﷺ في ناس من أصحابه.. فجاء فقال:
يا عائشة كأن ماءها نقاعة الحناء، وكأن رؤوس نخلها رؤوس الشياطين! .. قلت يا رسول الله:
أفلا استخرجته، قال: لقد عافاني الله فكرهت أن أثير على الناس فيه شرّا، فأمر بها (أي البئر) فدفنت» .
فأنت ترى أن هذا الحديث دليل إكرام وعصمة من الله لرسوله أكثر من كونه دليل أذى قد أصابه في جسمه أو أي جانب يتعلق ببشنريته.
بقي أن أحدا قد يستشكل قائلا: فكيف تتميز المعجزة الإلهية إذن عن السحر ومظاهره مادام أن له حقيقة؟
والجواب، أن المعجزة التي تحصل على يد النّبي ﷺ إنما تكون مقترنة بدعوى النّبوة والتحدي بها كدليل على صدق دعواه. وليس السحر كذلك فلا يمكن أن يتم على يد الساحر مع
_________________
(١) شرح الشفاء للقاضي عياض: ٤/ ٢٧٨، ٢٧٩، وانظر أيضا شرح النووي على مسلم: ١٤/ ١٧٤
(٢) المشط معروف، والمشاطة: ما يخرج من الشعر إذا مشط، وجف الطلع: هو الغشاء الذي يكون على الطلع.
[ ٣٤٢ ]
دعوى أنه نبي «٢٥» . هذا إلى أن سلطان السحر محدود، فهو وإن كان له حقيقة كما قلنا، غير أن حقيقته لا تتجاوز حدودا معينة، ولا يمكن أن يتوصل به إلى قلب الحقائق وتبديل جواهر الأشياء، ولذلك عبر الله ﷾ عن السحر الذي صنعه سحرة فرعون بقوله: قالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذا حِبالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى [طه ٢٠/ ٦٦]، فعبر عما رآه موسى، من صنيعهم بالخيال، أي فالحبال لم تنقلب في الحقيقة إلى ثعابين بسحرهم الذي فعلوه، وإنما الذي اتجه إليه سحرهم هو أبصار المشاهدين فقط فهي التي سحرت لا الحبال والعصيّ. وهذا ما أوضحته الآية الأخرى وهي قوله تعالى: سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجاؤُ بِسِحْرٍ عَظِيمٍ [الأعراف ٧/ ٦٦] . وإذا تأملت في هذا الذي نقول، علمت أنه لا تنافي بين ما ذكرناه من أن السحر حقيقة ثابتة، وقوله تعالى: يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى [طه ٢٠/ ٦٦]، إذ إن انقلاب ٨ الحبال ثعابين تسعى، خيال. أما تأثّر العين بهذا الخيال وضعفها عن رؤية الحقيقة فذلك هو مفعول السحر وحقيقته لما أصاب العين هذا الذي أصابها، وهذا التحقيق يؤكد لك أيضا أن مناط السحر دائما هو جسم الإنسان أو حواسه وجوارحه، تظهر بسببه بعض المرئيات أو المحسوسات على غير حقيقتها.
ثالثا- مظاهر من فضل أبي بكر ﵁:
وفيما أسلفنا من قصة مرضه ﷺ أربع دلائل على ما لأبي بكر ﵁ من المزية والفضل عند رسول الله.
الأولى: حينما بدأ رسول الله ﷺ خطابه بقوله: «عبد خيّره الله بين أن يؤتيه زهرة الدنيا وبين ما عنده فاختار ما عنده» . فقد أدرك أبو بكر ما يعنيه ﵊ ولذلك أخذه البكاء وصرخ قائلا: فديناك بآبائنا وأمهاتنا، ولم ينتبه أحد غيره إلى هذا الذي استشعره ﵁ من كلام الرسول ﵊. فقد جاء في بعض طرق هذا الحديث عن أبي سعيد الخدري أنه لما بكى أبو بكر لقول رسول الله ﷺ، قلت في نفسي: «ما يبكي هذا الشيخ أن يكون رسول الله ﷺ يخبرنا عن عبد خيّر فاختار؟ قال: فكان رسول الله هو المخيّر، وكان أبو بكر أعلمنا به» .
الثانية: قوله ﵊: إن أمن الناس عليّ في ماله وصحبته أبو بكر.. الحديث، وإنها لكلمات خوالد ما سجّل مثلها لغير أبي بكر ﵁.
الثالثة: ما ذكرناه من رواية مسلم عن عائشة ﵂ أنه ﷺ قال لها: «ادعي لي أبا بكر أباك وأخاك حتى أكتب كتابا فإني أخاف أن يتمنى متمنّ ويقول قائل: أنا أولى، ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر» . وإن هذا الحديث ليعدّ بمثابة النص على استخلاف رسول الله ﷺ له من
_________________
(١) راجع النووي على صحيح مسلم: ١٤/ ١٧٥
[ ٣٤٣ ]
بعده، ولئن كانت الحكمة الإلهية اقتضت أن لا يأخذ رسول الله ﷺ على أصحابه عهدا بذلك وأن لا يسجل لهم كتابا به، فكل ذلك كي لا يصبح توارث الحكم والخلافة سنّة متبعة من بعده، وفي ذلك من مفسدة القضاء على اتباع شروط الصلاح في الحاكم ما هو غير خاف على أحد.
الرابعة: استخلافه ﵁ للصلاة بالناس في مكانه، ولقد رأيت مدى شدته في تعيين أبي بكر لذلك وردّه الشديد على عائشة ﵂ فيما راجعته به.
ولئن كنا نقول إن هذه المزايا الثابتة في صحاح الأحاديث لأبي بكر ﵁، هي التي رجحت مبايعة المسلمين له بالخلافة بعد رسول الله ﷺ، فهذا لا يغض من خصائص وميز الصحابة والخلفاء الآخرين خصوصا علي بن أبي طالب ﵁، فقد رأيت أنه ﷺ قال في غزوة خيبر: «لأعطينّ هذه الراية غدا لرجل يحبه الله ورسوله»، فذهب الناس يتساءلون في تلك الليلة من سيكون صاحب الراية. فكان صاحبها هو علي بن أبي طالب ﵁.
ولقد انتهى أمر الخلافة وأبرم المسلمون الحكم فيها عقب وفاته ﷺ، دون أن يستلزم ذلك أي تفرق أو شقاق بينهم من وراء حدود المذاكرة والمناقشة التي لا بدّ منها. وظل كل من أبي بكر وعلى ﵄ مظهرا ولسانا ناطقا بفضل الآخر. ولا ريب أن من تافه القول والعمل أن نعمد بعد مرور ما يقارب أربعة عشر قرنا على ذلك التاريخ فنضيع الوقت ونستثير الشحناء والبغضاء، في سبيل القول بأن هذا كان أولى بالخلافة أم ذاك، مع أن أصحاب العلاقة أنفسهم لم يقم بينهم أي شقاق من هذا القبيل، وما مضوا للقاء ربّهم إلا وهم ينبضون بقلب واحد حبّا وتضامنا.
رابعا- النهي عن اتخاذ القبور مساجد:
ولقد رأيت من صيغة الحديث الدّال على ذلك شدة النهي والمبالغة في التحذير من الإقدام على هذا العمل. قال العلماء: «وإنما نهى النّبي ﷺ عن اتّخاذ قبره وقبر غيره مسجدا خوفا من المبالغة في تعظيمه والافتتان به، فربما أدى ذلك إلى الكفر كما جرى لكثير من الأمم الخالية» .
وتتحقق صورة النهي عنه بأن يشاد فوق القبر مسجد فيصبح ما حول القبر مصلى بذلك للناس، أو بأن يصلّى عند القبر وأن يتخذ مسجدا. والعلماء في حكمهم على الصلاة عند القبور، بين محرم ومكره، والذين قالوا بالكراهة شددوا بها عندما تكون الصلاة إلى القبر، أي بأن يكون القبر بين المصلي والقبلة، ولكنها صحيحة على كلّ، لأن الحرمة لا تستلزم البطلان. فيكون حكمها كحكم الصلاة في الأرض المغصوبة.
قال الإمام النووي: «ولما احتاج الصحابة رضوان الله عليهم والتابعون إلى الزيادة في مسجد رسول الله ﷺ حين كثر المسلمون، وامتدت الزيادة إلى أن دخلت بيوت أمهات المؤمنين فيها،
[ ٣٤٤ ]
ومنها حجرة عائشة ﵂ مدفن رسول الله ﷺ وصاحبيه أبي بكر وعمر ﵄، بنوا على القبر حيطانا مرتفعة مستديرة حوله لئلا يظهر في المسجد فيصلي إليه العوام ويؤدي إلى المحذور، ثم بنوا جدارين على ركني القبر الشماليين وحرفوهما حتى التقيا، حتى لا يتمكن أحد من استقبال القبر» «٢٦» .
خامسا- شعوره ﷺ وهو يعاني سكرة الموت:
وإنا لنستطيع أن ندرك شعوره وما كان قد انصرف إليه تفكيره وهمّه في تلك الساعة مما ذكرنا. فقد رأينا أنه بينما كان الناس مصطفين لصلاة فجر يوم الإثنين إذا بالستر المضروب على حجرة عائشة ﵂ قد كشف، وبرز رسول الله ﷺ من ورائه، فنظر إليهم وهم في صفوف الصلاة، ثم تبسّم يضحك، حتى نكص أبو بكر على عقبه ليصل الصف وكاد الناس أن يفتنوا في صلاتهم فرحا به ﷺ، ولكنه أشار إليهم بيده أن أتّموا صلاتكم، ثم دخل الحجرة وأرخى الستر.
لقد كان تفكيره إذن منصرفا تلك الساعة إلى أمته، وإلى ما سيكون عليه حالهم من بعده..
وإنك لتشعر من نظرته الباسمة إلى أصحابه وهم يقفون خاشعين بين يدي الله تعالى، بمعنى الحب العظيم يفيض به فؤاد رسول الله ﷺ لهم، بل وإنك لتجد في ابتسامته مظهرا لما كان يخفق به قلبه من حبّهم والدعاء لهم والتوجه إليهم.
لقد أراد رسول الله ﷺ (بأبي هو وأمي) وهو يمرّ بآخر دقائق عمره أن يتزود من أصحابه رضوان الله عليهم بآخر نظره، وأن يطمئن إلى الحق الذي تركهم عليه والهداية التي أرشدهم إليها.. فأراه الله منهم ما طابت به نفسه وقرّت له عينه، حتى غلب ذلك المشهد آلام الموت السارية في جسده فغلبها، وإذا بالبشر والسرور والرضا يطفح كل ذلك على وجهه، حتى خيّل للصحابة أنه ﷺ قد نشط من أوجاعه، وعوفي من آلامه.
ولكنهم ما عرفوا إلا أخيرا أنه إنما وقف ينظر إليهم تلك النظرة لينقلب بها إلى سكرة الموت، وهي آخر لوحة تسجل في ذهنه لمشهد أصحابه، بل وأمته كلها، كي تكون هي العهد الباقي بينهم وبين الله ﷿، ولتكون هي الهمزة الواصلة بين لحظة الوداع لأمته في الدنيا ولحظة الاستقبال لها في الآخرة على حوضه الموعود.
ولقد شاءت حكمة الله أن يكون هذا المشهد هو الصلاة! ..
وشاءت إرادة الله تعالى أن تكون هي العهد الأخير..
فيا أخي المسلم: العهد العهد الذي فارقت عليه رسول الله ﷺ، وهو راض يتبسّم.
_________________
(١) النووي على مسلم: ٥/ ١٣، ١٤
[ ٣٤٥ ]