[ ٢١٥ ]
[مرحلة الإعداد للجهاد]
دخل الإسلام المدينة وأحزاب الكفر تطارده من كل ناحية، فأوى المسلمون إلى مهجرهم كما يأوي الجنديّ إلى قلعته الشامخة، وأخذوا يستعدّون حتى لا تقتحم عليهم من أقطارها، وهم تعلّموا من السنين الغبر التي مرت عليهم في مكة أنّ الضعف مدرجة إلى الهوان، مزلقة إلى الفتنة، والمرء لا يقدّر العافية حق قدرها إلا بعد الإبلال من المرض، ولا يعرف قيمة الغنى إلا عند التخلص من ذلّ الحاجة.
ومن أولى من المهاجرين والأنصار بالإفادة من عبر الماضي؟.
ذلك نبيّهم تعقّبه القتلة ألف ميل ليغتالوه، وذلك سواد المهاجرين نهب مالهم، وسلبت دورهم، وشرّدوا من البلد الحرام. إنّ «حالة الحرب» قائمة يقينا بين طغاة مكة وبين المسلمين في وطنهم الجديد، ومن السفه تحميل المسلمين أوزار هذا الخصام.
على أنّ العداوة للنبي ﷺ وصحبه تجاوزت قريشا إلى غيرهم من مشركي الجزيرة الضالة، ولن تذهب الفروض بنا بعيدا، فإنّ عبدة الأصنام من أهل المدينة نفسها شرعوا يجاهرون بخصومتهم للإسلام، وانضمّ إلى هؤلاء وأولئك اليهود الذين أوجسوا خيفة من انتشار هذا الدين واندحار الوثنية العربية أمامه.
فما بدّ- إذا- من التأهّب لكلّ طارئ، والتربّص بكلّ هاجم، وتجهيز القوة التي تؤدّب المجرمين يوم يتطاولون.
والقتال الذي شرعه الإسلام وخاض معاركه الرسول ﵊ وصحابته هو أشرف أنواع الجهاد، وقد بيّنا في كتبنا الاخرى «١» بالاستدلال العلمي والاستقراء التاريخي؛ أنّ الحروب التي اشتبك فيها الإسلام- على عهد الرسول ﷺ وخلفائه- كانت فريضة لحماية الحق، وردّ المظالم، وقمع العدوان، وكسر الجبابرة.
_________________
(١) انظر: الإسلام والاستبداد السياسي؛ التعصب والتسامح بين المسيحية والإسلام.
[ ٢١٧ ]
أما تخرّص المستشرقين والحقدة على الإسلام من أهل الأديان الاخرى، والادّعاء بأن المسلمين جنحوا إلى القوة حيث لا مبرر لها، فذلك كلّه لغو طائش، وهو جزء من الحملة المدبّرة لمحو الإسلام من الأرض، واستبقاء أهله عبيدا للصليبية والصهيونية وما إليهما.
وما من أيام القتال فيهنّ أوجب على المسلمين من أيام يهدّد فيها الإسلام واله بالفناء، وتتألّب عليه شتّى القوى، بل يصطلح ضدّه الخصوم الألداء، محاولين سحقه إلى الأبد.
وقد وقع ذلك في صدر الإسلام قبل الهجرة وبعدها، ووقع في هذه الأيام، فسقطت أوطان الإسلام في أيدي لصوص الأرض، ثم رسمت أخبث السياسات للذهاب به رويدا رويدا.
فكيف تستغرب الدعوة إلى التسلّح، والإهابة بأهل النجدة أن يوطّنوا أنفسهم على التضحية في سبيل الله.
كيف تستنكر صناعة الموت في أمة يتواثب حولها الجزّارون من كلّ فجّ؟
كلّا، كلّا.
وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لا يُعْجِزُونَ (٥٩) وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ (٦٠) وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦١) وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ [الأنفال] .
[تمارين ومناورات ومعارك]:
وتمشيا مع توجيه الوحي، وسياسة الواقع، وحفاظا على حق الله وحق الحياة؛ درّب النبيّ ﷺ رجاله على فنون الحرب، واشترك معهم في التمارين والمناورات والمعارك، وعدّ السعي في هذه الميادين خطوات إلى أجلّ القرب وأقدس العبادات، لعلّه بذلك يفل شوكة الكفر، ويكسر عن المسلمين أذاه:
فَقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا (٨٤) [النساء] .
عن عقبة بن عامر، قال: سمعت رسول الله ﷺ وهو على المنبر يقول:
[ ٢١٨ ]
«وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ [الأنفال: ٦٠]، ألا إنّ القوة الرّمي، ألا إنّ القوة الرّمي، ألا إنّ القوة الرّمي» «١» .
والحديث ينوّه بما لإصابة الأهداف من أثر حاسم في كسب المعارك.
والرمي أعمّ من أن يكون بالسهم أو بالرصاص أو بالقنابل.
وعن فقيم اللخمي، قال: قلت لعقبة بن عامر: تختلف بين هذين الغرضين تتردّد بينهما- وأنت شيخ كبير يشقّ عليك؟ قال عقبة: لولا كلام سمعته من رسول الله ﷺ لم أعانه، قال: وما ذاك؟ قال: سمعته يقول: «من تعلّم الرّمي ثمّ تركه، فليس منّا!» «٢» .
فانظر كيف يبقى الشيوخ المسنّون على دربتهم في إصابة الهدف، ومهارة اليد، ونشاط الحركة، إنّ الإسلام يفترض المقدرة على القتال، فيوجبها على الشباب والشيوخ جميعا.
وعن أبي نجيح السّلميّ، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من بلغ بسهم، فهو له درجة في الجنّة»، فبلغت يومئذ عشرة أسهم، وسمعته يقول: «من رمى بسهم في سبيل الله، فهو عدل رقبة محرّرة» «٣» .
وعن عقبة بن عامر: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنّ الله ﷿ ليدخل بالسّهم الواحد ثلاثة نفر الجنّة: ١- صانعه يحتسب في عمله الخير، ٢- والرّامي به، ٣- ومنبله، الممدّ به، فارموا واركبوا. وأن ترموا أحبّ إليّ من أن تركبوا، كلّ لهو باطل، ليس من اللهو محمودا إلا ثلاثة: ١- تأديب الرّجل فرسه، تركبوا، كلّ لهو باطل، ليس من اللهو محمودا إلا ثلاثة: ١- تأديب الرّجل فرسه،
_________________
(١) حديث صحيح، أخرجه مسلم: ٦/ ٥٢؛ وأبو داود: ١/ ٣٩٤؛ والترمذي: ٣/ ١١٢؛ وابن ماجه: ٢/ ١٨٨؛ وأحمد: ٤/ ١٥٧، من حديث عقبة بن عامر؛ وصححه الحاكم: ٢/ ١٣٨، على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي.
(٢) حديث صحيح، أخرجه مسلم: ٦/ ٥٢؛ وروى الجملة الأخيرة منه أصحاب السنن من طريق أخرى يأتي الكلام عليها.
(٣) حديث صحيح، أخرجه أبو داود: ٢/ ١٦٥؛ والنسائي: ٢/ ٥٩؛ وأحمد: ٤/ ٣٨٤؛ والحاكم: ٢/ ٩٥، وقال: «صحيح على شرط الشيخين» ووافقه الذهبي، وإنما هو على شرط مسلم واحده، فإنّ تابعيه معدان بن أبي طلحة لم يخرّج له البخاري، وروى عنه الترمذي: ٣/ ٧، الجملة الأخيرة، وقال: «حديث حسن صحيح»، وكذلك رواه ابن ماجه: ٢/ ١٨٨، نحوه، لكن من طريق أخرى، وهو رواية للحاكم: ٢/ ٩٦؛ وكذا النسائي: ٢/ ٦٠.
[ ٢١٩ ]
٢- وملاعبته أهله، ٣- ورميه بقوسه، فإنهنّ من الحقّ، ومن ترك الرّمي بعد ما علمه رغبة عنه، فإنّها نعمة تركها أو كفرها» «١» .
وعن ابن عمر: «الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة، الأجر والغنيمة» «٢» .
وهذا ترغيب من رسول الله ﵊ في تعليم الفروسية، وإبراز لون معيّن من ألوان القتال، لا يحطّ من قيمة الألوان الاخرى، أو يؤخّر منزلتها.
ألا ترى كيف حضّ النبيّ ﷺ على تعلّم القتال في البحر فقال: «غزوة في البحر خير من عشر غزوات في البرّ، ومن أجاز البحر فكأنما أجاز الأودية كلّها، والمائد فيه- الذي يصيبه الدّوار والقيء- كالمتشحّط في دمه» «٣» .
والدول تحتاج إلى الكتائب في البر، والأساطيل في البحر والجو، وكلّ سلاح عون لأخيه في إدراك النصر، وأسبق الجند إلى رضوان الله أعظمهم نيلا من العدو، وأرعاهم لذمام أمته وشرف عقيدته، سواء مشى، أم رمى، أم أبحر، أم طار.
_________________
(١) في سنده اضطراب كما قال الحافظ العراقي في (تخريج الإحياء: ٢/ ٢٥٢)، وبيانه: أنّه رواه عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن أبي سلام، عن خالد بن زيد، عن عقبة به، أخرجه أبو داود: ١/ ٣٩٣- ٣٩٤؛ والنسائي: ٢/ ١٢٠؛ والحاكم: ٢/ ٩٥؛ وأحمد: ٤/ ١٤٦، ١٤٨. وخالفه يحيى بن أبي كثير فقال: حدثنا أبو سلام عبد الله الأزرق، عن عقبة بن عامر، أخرجه الترمذي: ٣/ ٦؛ وابن ماجه: ٢/ ١٨٨؛ وأحمد: ٤/ ١٤٤، ١٤٨، وقال الترمذي: «حديث حسن»، وقال الحاكم: «صحيح الإسناد»، ووافقه الذهبي، وكأنّهم لم يقفوا على هذا الاضطراب الذي نبّه عليه الحافظ العراقي ﵀؛ وأيضا فإنّ فيه علة أخرى. هي جهالة خالد بن زيد وعبد الله بن الأزرق، وهو ابن زيد بن الأزرق، فسواء كانت الرواية عن هذا أو ذاك فهي معلولة للجهالة، نعم ذكر الحاكم للحديث شاهدا من حديث أبي هريرة، وقال: إنه صحيح على شرط مسلم، فتعقبه الذهبي بأنّ فيه سويد بن عبد العزيز وهو متروك.
(٢) حديث صحيح مرفوع، أخرجه البخاري: ٦/ ٤١، ٤٣؛ ومسلم: ٦/ ٣١، ٣٢، من حديث ابن عمر، وعروة البارقي، وليس في حديث ابن عمر: «الأجر والغنيمة»، فلو عزي الحديث لعروة كان أولى.
(٣) حديث صحيح، أخرجه الحاكم: ٢/ ١٤٣، من حديث عبد الله بن عمرو، وقال: «صحيح على شرط البخاري» ووافقه الذهبي، وهو كما قالا. وإعلال المناوي له تبعا لابن الجوزي بأنّ فيه خالد بن يزيد؛ يروي الموضوعات عن الأثبات خطأ فاحش، لأن خالدا هذا، لا ذكر له في سند الحديث عند الحاكم، فالظاهر أنه عند غيره ممن خرّج الحديث، وبعد وروده من طريق اخر صحيح، لا يضرّه رواية أحد المتهمين له.
[ ٢٢٠ ]
سرايا
فلمّا استقرّ أمر المسلمين، أخذوا يرسلون سراياهم المسلّحة تجوس خلال الصحراء المجاورة، وتخترق طريق القوافل المارة بين مكة والشام، وتستطلع أحوال القبائل الضاربة هنا وهناك:
١- ففي رمضان من السنة الأولى التقى (حمزة بن عبد المطلب) في ثلاثين من المسلمين، بأبي جهل يقود قافلة لقريش، ومعه ثلاثمئة راكب، وقد حجز بينهما مجديّ بن عمرو الجهني فلم يقع قتال.
٢- وفي شوال من السنة نفسها، سار (عبيدة بن الحارث) في ستين راكبا إلى وادي رابغ، فالتقى بمئتي مشرك، على رأسهم أبو سفيان، وقد ترامى الفريقان بالنبل، ولم يقع قتال.
٣- وفي ذي القعدة خرج (سعد بن أبي وقاص) في نحو عشرين رجلا يعترض عيرا لقريش ففاتته.
٤- وفي صفر من السنة الثانية خرج الرسول ﷺ بنفسه بعد أن استخلف سعد بن عبادة على المدينة، وسار حتى بلغ ودّان يريد قريشا وبني ضمرة، فلم يلق قريشا، وعقد حلفا مع بني ضمرة.
٥- وفي ربيع الأول من السنة نفسها خرج الرسول ﷺ على رأس مئتين من المهاجرين والأنصار إلى (بواط) معترضا عيرا لقريش يقودها أمية بن خلف، ومعه مئة من المشركين ففاتته.
٦- وفي جمادى خرج إلى العشيرة من بطن (ينبع)، وأقام شهرا صالح فيه بني مدلج.
٧- ثم أغار كرز بن جابر الفهري على المدينة واستاق سرحها، فخرج النبيّ ﷺ في طلبه حتى بلغ وادي سفوان قريبا من (بدر)، فلم يدركه، ويسمّي المؤرّخون هذه (غزوة بدر الأولى) .
[ ٢٢١ ]
[حكمة بعث السرايا]:
والحكمة في توجيه هذه السرايا على ذلك النحو المتتابع تتلخّص في أمرين:
أولهما: إشعار مشركي يثرب ويهودها وأعراب البادية الضاربين حولها بأن المسلمين أقوياء، وأنهم تخلّصوا من ضعفهم القديم؛ ذلك الضعف الذي مكّن قريشا في مكة من مصادرة عقائدهم وحرياتهم، واغتصاب دورهم وأموالهم، ومن حق المسلمين أن يعنوا بهذه المظاهرات العسكرية على ضالة شأنها، فإن المتربّصين بالإسلام في المدينة كثر، ولن يصدّهم عن النيل منه إلّا الخوف واحده؛ وهذا تفسير قوله تعالى:
تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ [الأنفال: ٦٠] .
والصنف الأخير هم المنافقون الذين يبطنون البغضاء للإسلام وأهله، ولا يمنعهم من إعلان السخط عليه إلا الجبن وسوء المغبة، أمّا الأوّلون فهم المشركون ولصوص الصحراء وأشباههم ممن لا يبالون- لولا هذه السرايا- الهجوم على المدينة واستباحة حماها.
وقد كان من الجائز أن تتكرّر حادثة (كرز بن جابر) السابقة، ويتجرّأ البدو على تهديد المدينة حينا بعد حين؛ غير أنّ هذه السرايا الزاحفة قتلت نيات الطمع وحفظت هيبة المسلمين.
والأمر الاخر: - في حكمة بعث السرايا- إنذار قريش عقبى طيشها؛ فقد حاربت الإسلام، ولا تزال تحاربه، ونكّلت بالمسلمين في مكة، ثم ظلت ماضية في غيّها، لا تسمح لأحد من أهل مكة أن يدخل في دين الله، ولا تسمح لهذا الدين أن يجد قرارا في بقعة أخرى من الأرض، فأحبّ الرسول ﷺ أن يشعر حكام مكة بأن هذه الخطة الجائرة ستلحق بهم الأضرار الفادحة، وأنه قد مضى إلى غير عودة- ذلك العصر الذي كانوا يعتدون فيه على المؤمنين وهم بمأمن من القصاص.
والمستشرقون الأوروبيون ينظرون إلى هذه السرايا كأنها ضرب من قطع الطريق، وهذه النظرة صورة للحقد الذي يعمي عن الحقائق، ويتيح للهوى أن يتكلّم ويحكم كيف يشاء.
[ ٢٢٢ ]
وقد ذكّرني هذا الاستشراق المغرض بما حكوه عند قمع الإنكليز لثورة الأهلين في إفريقية الوسطى- مستعمرة كينية- وهم يطلبون الحرية لوطنهم ويحاولون إجلاء الأجانب عنه.
قال جندي إنكليزي لاخر- يصف هؤلاء الإفريقيين-:
إنهم وحوش، تصوّر أنّ أحدهم عضّني وأنا أقتله!!!.
إن هذه الأضحوكة صورة من تفكير المستشرقين في إنصاف أهل مكة والنعي على الإسلام وأهله.
سرية عبد الله بن جحش:
وفي رجب من السنة الثانية بعث رسول الله ﷺ (عبد الله بن جحش) في رهط من المهاجرين، وكتب له كتابا، وأمره ألا ينظر فيه إلا بعد يومين من مسيره.
فإذا نظر فيه، ووعى ما كلّفه الرسول ﷺ به مضى في تنفيذه غير مستكره أحدا من أصحابه، فسار عبد الله، ثم قرأ الكتاب بعد يومين، فإذا فيه: امض حتى تنزل (نخلة) بين مكة والطائف، فترصّد بها قريشا، وتعلّم لنا من أخبارهم.
فقال عبد الله: سمعا وطاعة، وأطلع أصحابه على كتاب الرسول ﷺ، قائلا: إنه نهاني أن أستكره أحدا منكم، فمن كان يريد الشهادة، ويرغب فيها، فلينطلق معي، ومن كره ذلك فليرجع.. فلم يتخلّف منهم أحد، غير أنّ البعير الذي كان يعتقبه (سعد بن أبي وقاص) و(عتبة بن غزوان)، ندّ منهما، فشغلا بطلبه، ومضى عبد الله برفاقه حتى نزل أرض (نخلة)، فمرّت عير قريش، فهاجمها عبد الله ومن معه، فقتل في هذه المعركة (عمرو بن الحضرمي)، وأسر اثنان من المشركين، وعاد عبد الله بن جحش بالقافلة والأسيرين إلى المدينة.
ويظهر أن هذا القتال وقع في اخر رجب، أي في الشهر الحرام.
فلمّا قدمت السرية على رسول الله ﷺ قال: «ما أمرتكم بقتال في الشّهر الحرام»، ووقف التصرف في العير والأسيرين.
ووجد المشركون فيما حدث فرصة لاتهام المسلمين بأنهم قد أحلوا ما حرم الله، وكثر في ذلك القيل والقال، حتى نزل الوحي حاسما هذه الأقاويل ومؤيدا مسلك عبد الله تجاه المشركين:
[ ٢٢٣ ]
يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَإِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ [البقرة: ٢١٧] «١» .
إنّ الضجة التي افتعلها المشركون لإثارة الريبة في سيرة المقاتلين المسلمين لا مساغ لها، فإنّ الحرمات المقدسة قد انتهكت كلّها في محاربة الإسلام، واضطهاد أهله! فما الذي أعاد لهذه الحرمات قداستها فجأة، فأصبح انتهاكها معرّة وشناعة؟.
ألم يكن المسلمون مقيمين بالبلد الحرام حين تقرّر قتل نبيّهم، وسلب أموالهم؟.
لكنّ بعض الناس يرفع القوانين إلى السماء عند ما تكون في مصلحته.
فإذا رأى هذه المصلحة مهددة بما ينتقضها هدم القوانين والدساتير جميعا.
فالقانون المرعي- عنده في الحقيقة- هو مقتضيات هذه المصلحة الخاصة فحسب.
وقد أوضح الله ﷿ أنّ المشركين لن يحجزهم شهر حرام أو بلد حرام عن المضي في خطتهم الأصيلة، وهي سحق المسلمين؛ حتى لا تقوم لدينهم قائمة فقال:
وَلا يَزالُونَ يُقاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطاعُوا [البقرة: ٢١٧] .
ثم حذّر المسلمين من الهزيمة أمام هذه القوى الباغية والتفريط في الإيمان الذي شرّفهم الله به، وناط سعادتهم في الدنيا والاخرة بالبقاء عليه فقال:
_________________
(١) أورده ابن هشام: ٢/ ٥٩- ٦٠، عن ابن إسحاق. قال ابن إسحاق في اخره: «والحديث في هذا عن الزهري ويزيد بن رومان، عن عروة بن الزبير»، وقد رواه البيهقي في (سننه الكبرى): ٩/ ١٢، بسند صحيح عن الزهري، عن عروة مرسلا به، ولكنّه لم يسق الحديث بتمامه، بل طرفا من أوله، ثم أحال على باقيه، وقد وصله هو وابن أبي حاتم من طريق سليمان التميمي، عن الحضرمي، عن أبي السوار، عن جندب بن عبد الله به مختصرا، وليس فيه قوله ﷺ: «ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام»، وسنده صحيح إن كان الحضرميّ هذا هو ابن لاحق، فقد قيل: إنه غيره، وإنه مجهول ورجّحه الحافظ في التهذيب، والله أعلم، ثم رأيت البيهقيّ قد ساق في موضع اخر من السنن: ٩/ ٥٨- ٥٩، حديث عروة بتمامه وفيه: «ما أمرتكم..» .
[ ٢٢٤ ]
وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كافِرٌ فَأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ [البقرة: ٢١٧] .
وزكّى القران عمل (عبد الله) وصحبه، فقد نفّذوا أوامر الرسول ﷺ بأمانة وشجاعة، وتوغّلوا في أرض العدو مسافات شاسعة، متعرضين للقتل في سبيل الله، متطوعين لذلك من غير مكره أو محرج.
فكيف يجزون على هذا بالتقريع والتخويف؟ قال الله فيهم:
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢١٨) [البقرة] .
والقران الذي نزل في فعال هذه السرية لم يدع مجالا للهوادة مع المشركين المعتدين؛ مما كان له أثره البعيد لدى المسلمين وخصومهم.
فبعد أن كان أغلب المكتتبين في السرايا السابقة من المهاجرين، أخذت البعوث الخارجة تتألّف من المهاجرين والأنصار معا.
وزاد الشعور بأنّ الكفاح المرتقب قد يطول مداه، وتكثر تبعاته، ولكنّه كفاح مستحبّ، مقرون بالخير العاجل والاجل.
وأدركت مكة أنها مؤاخذة بما جدّ أو يجدّ من سيئاتها، وأنّ تجارتها مع الشام أمست تحت رحمة المسلمين.
وهكذا اتسعت الهوة، وزادت بين الفريقين الجفوة.
وكأن هذه الأحداث الشداد هي المقدمة لما أعدّه القدر بعد شهر واحد من وقوعها، عند ما جمع رجالات مكة وخيرة أهل المدينة على موعد غير منظور في (بدر) .
[ ٢٢٥ ]
معركة بدر
ترامت الأنباء إلى (يثرب) أنّ قافلة ضخمة لقريش تهبط من مشارف الشام عائدة إلى مكة، تحمل لأهلها الثروة الطائلة؛ ألف بعير موقرة بالأموال يقودها أبو سفيان بن حرب مع رجال لا يزيدون عن الثلاثين أو الأربعين!.
إن الضربة التي تنزل بأهل مكة- لو فقدوا هذه الثروة- موجعة حقا، وفيها عوض كامل لما لحق المسلمين من خسائر في أثناء هجرتهم الأخيرة، لذلك قال الرسول ﵊ لأصحابه: «هذه عير قريش فيها أموالهم، فاخرجوا إليها، لعلّ الله ينفلكموها» «١» .
لم يعزم الرسول ﷺ على أحد بالخروج، ولم يستحثّ متخلّفا، بل ترك الأمر للرغبة المطلقة ثم سار- بعد- بمن أمكنه الخروج.
وكان الذين صحبوا الرسول ﷺ هذه المرة يحسبون أن مضيّهم في هذا الوجه لن يعدوا ما ألفوا في السرايا الماضية، ولم يدر بخلد واحد منهم أنه مقبل على يوم من أخطر أيّام الإسلام! ولو علموا لاتخذوا أهبتهم كاملة، ولما سمح لمسلم أن يبقى في المدينة لحظة؛ لذلك فترت الهمم عند ما وردت أخبار أخرى بأنّ القافلة المطلوبة غيّرت طريقها، واستطاع قائدها (أبو سفيان) أن ينجو من الخطر المحدق به، بعد أن أرسل إلى أهل مكة يستنفرهم لحماية أموالهم، ويستثير حميتهم للخروج في تعبئة ترد كل هجوم.
وغالب النبيّ ﷺ هذا الفتور العارض، وحذّر صحابته من عقبى العود السريع إلى المدينة إن فاتهم مال مكة وخرج إليهم رجالها!.
وأصرّ على ضرورة تعقّب المشركين كيف كانوا.
وذلك قوله تعالى: كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
_________________
(١) حديث صحيح، رواه ابن هشام: ٢/ ٦١، عن ابن إسحاق بسنده الصحيح عن ابن عباس.
[ ٢٢٦ ]
لَكارِهُونَ (٥) يُجادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ ما تَبَيَّنَ كَأَنَّما يُساقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ (٦) [الأنفال] .
والذين كرهوا لقاء قريش ما كانوا ليهابوا الموت، ولكنّهم لم يعرفوا الحكمة في خوض معركة مباغتة دون إتقان ما ينبغي لها من عدة وعدد، بيد أنّ رسول الله ﷺ وزن الظروف الملابسة للأمر كله، فوجد الإقدام خيرا من الإحجام، ومن ثمّ قرر أن يمضي، فإنّ الحكمة من توجيه هذه البعوث المسلحة تضيع سدى لو عاد على هذا النحو.
وقد اختفت- على عجل- مشاعر التردّد، وانطلق الجميع خفافا إلى غايتهم.
والمسير بإزاء طريق القوافل إلى (بدر) ليس سفرا قاصدا، أو نزهة لطيفة، فالمسافة بين (المدينة) و(بدر) تربو على (١٦٠) كيلو مترا، ولم يكن مع الرسول ﷺ وصحبه غير سبعين بعيرا يعتقبونها.
روى أحمد «١» عن عبد الله بن مسعود، قال: «كنّا يوم بدر، كلّ ثلاثة على بعير- أيّ يتعاقبون-. وكان أبو لبابة وعلي بن أبي طالب زميلي رسول الله ﷺ، قال: فكانت عقبة رسول الله ﷺ، فقالا له: نحن نمشي عنك- ليظلّ راكبا- فقال: «ما أنتما بأقوى منّي على المشي، ولا أنا بأغنى عن الأجر منكما» !!.
وبثّ المسلمون عيونهم يتعرّفون أخبار قريش: أين القافلة، وأين الرجال الذين قدموا لحمايتها؟.
[فرار أبي سفيان بالقافلة، واستصراخه أهل مكة]:
حين أحسّ أبو سفيان الخطر على قافلته، بعث (ضمضم بن عمرو الغفاري) إلى مكة يستصرخ أهلها، حتى يسارعوا إلى استنقاذ أموالهم.
واستطاع (ضمضم) هذا إزعاج البلدة قاطبة؛ فقد وقف على بعيره بعد أن جدع أنفه، وحوّل رحله، وشقّ قميصه، يصيح: يا معشر قريش! اللطيمة اللطيمة! أموالكم مع أبي سفيان عرض لها محمّد وأصحابه، لا أرى أن تدركوها، الغوث الغوث!.
_________________
(١) في المسند، رقم (٣٩٠١، ٣٩٦٥)، وسنده حسن؛ وأخرجه الحاكم: ٣/ ٢٠، وقال: «حديث صحيح على شرط مسلم» .
[ ٢٢٧ ]
فتجهّز الناس جميعا، فهم إما خارج وإما باعث مكانه رجلا، وانطلق سواد مكة وهو يغلي، يمتطي الصعب والذلول، فكانوا تسعمئة وخمسين مقاتلا، معهم مئتا فرس يقودونها، ومعهم القيان يضربن بالدفوف، ويغنين بهجاء المسلمين.
وولوا وجوههم إلى الشمال، ليدركوا القافلة المارّة تجاه يثرب هابطة إليهم.
لكنّ أبا سفيان لم يستنم في انتظار النجدة المقبلة، بل بذل أقصى ما لديه من حذر ودهاء لمخاتلة المسلمين، والإفلات من قبضتهم، وقد كاد يسقط بالعير جمعاء في أيديهم وهم يشتدون في مسيرهم نحو بدر، غير أنّ الحظّ أسعفه!.
روي أنه لقي مجديّ بن عمرو فسأله: هل أحسست أحدا؟ فقال: ما رأيت أحدا أنكره؛ إلا أنّي رأيت راكبين أناخا إلى هذا التل، ثم استقيا في شنّ لهما، ثم انطلقا، فأتى أبو سفيان مناخهما، وتناول بعرات من فضلات الراحلتين، ثم فتّها فإذا النوى، فقال: هذه- والله- علائف يثرب! وأدرك أنّ الرجلين من أصحاب محمّد، وأنّ جيشه هنا قريب.
فرجع إلى العير يضرب وجهها عن الطريق شاردا نحو الساحل، تاركا بدرا إلى يساره فنجا.
ورأى أبو سفيان أنه أحرز القافلة، فأرسل إلى قريش يقول: إنّما خرجتم لتمنعوا عيركم ورجالكم وأموالكم، وقد نجّاها الله، فارجعوا. فقال أبو جهل:
والله لا نرجع حتى نرد بدرا، فنقيم ثلاثا، ننحر الجزور، ونطعم الطعام، ونسقى الخمر، وتعزف علينا القيان، وتسمع بنا العرب وبسيرنا وجمعنا، فلا يزالون يهابوننا أبدا.
وهذا الذي عالن به أبو جهل هو ما كان يحاذره الرسول ﵊، فإن تدعيم مكانة قريش، وامتداد سطوتها في هذه البقاع- بعد أن فعلت بالمسلمين ما فعلت- يعتبر كارثة للإسلام ووقفا لنفوذه، وهل كانت السرايا تخرج من المدينة إلا لإعلاء كلمة الله، وتوهين كلمة الشرك، وإظهار عبدة الأصنام بمظهر الذي لا يملك نفعا ولا ضرا؟.
لذلك لم يلتفت الرسول ﷺ لفرار القافلة التفاته لضرورة التجول المسلح في هذه الأنحاء، إبرازا لهذه المعاني القوية، وتمكينا لصداها في القلوب.
[ ٢٢٨ ]
[استشارة النبي ﷺ لأصحابه]:
ومضت قريش في مسيرها مستجيبة لرأي (أبي جهل)، حتى نزلت بالعدوة القصوى من وادي بدر، وكان المسلمون قد انتهوا من رحيلهم المضني إلى العدوة الدنيا.
وهكذا اقترب كلا الفريقين من الاخر، وهو لا يدري ما وراء هذا اللقاء الرهيب.
وهبط الليل، فأرسل النبيّ ﷺ عليا والزبير وسعدا يتحسّسون الأحوال، ويلتمسون الأخبار، فأصابوا غلامين لقريش كانا يمدّانهم بالماء، فأتوا بهما، وسألوهما- ورسول الله ﷺ قائم يصلي- فقالا: نحن سقاة قريش بعثونا نسقيهم من الماء.
فكره القوم هذا الخبر، ورجوا أن يكونا لأبي سفيان- لا تزال في نفوسهم بقايا أمل في الاستيلاء على القافلة! - فضربوهما ضربا موجعا، حتى اضطر الغلامان أن يقولا: نحن لأبي سفيان! فتركوهما؛ وركع رسول الله ﷺ وسجد سجدتيه وسلم وقال: «إذا صدقاكم ضربتموهما، وإذا كذباكم تركتموهما!! صدقا والله إنّهما لقريش» .
ثم قال للغلامين: «أخبراني عن قريش»، قالا: هم وراء هذا الكثيب الذي ترى بالعدوة القصوى، فقال لهما: «كم القوم؟» قالا: كثير، قال: «ما عدتهم؟» قالا: لا ندري، قال: «كم ينحرون كلّ يوم؟» قالا: يوما تسعا، ويوما عشرا، فقال رسول الله ﷺ: «القوم ما بين التسعمئة إلى الألف»، ثم قال لهما: «فمن فيهم من أشراف قريش؟» قالا: عتبة وشيبة ابنا ربيعة، وأبو البختريّ بن هشام، وحكيم بن حزام، ونوفل بن خويلد، والحارث بن عامر، وطعيمة بن عدي، والنضر بن الحارث، وزمعة بن الأسود، وعمرو بن هشام، وأمية بن خلف إلخ.
فأقبل رسول الله ﷺ على الناس فقال: «هذه مكّة قد ألقت إليكم أفلاذ كبدها» «١» .
_________________
(١) أخرجه ابن هشام: ٢/ ٦٥، عن ابن إسحاق، حدثني يزيد بن رومان، عن عروة بن الزبير بهذه القصة. وهذا إسناد صحيح، لكنّه مرسل. وقد رواه أحمد، رقم (٩٤٨) من حديث علي بن أبي طالب، دون قوله: «ثم قال لهما..» وسنده صحيح، ورواه مسلم: ٥/ ١٧٠، مختصرا من حديث أنس.
[ ٢٢٩ ]
وانكشف وجه الجد في الأمر؛ إنّ اللقاء المرتقب سوف يكون مرّ المذاق، لقد أقبلت قريش تخبّ في خيلائها، تريد أن تعمل العمل الذي يرويه القصيد، وتذرع المطايا به البطاح، وتحسم به صراع خمسة عشر عاما مع الإسلام؛ لتنفرد بعدها- الوثنية بالحكم النافذ.
ونظر الرسول ﷺ حوله، فوجد أولئك المؤمنين بين مهاجر باع في سبيل الله نفسه وماله، وأنصاري ربط مصيره وحاضره بهذا الدين، الذي افتداه، واوى أصحابه؛ فأحبّ أن يشعر القوم بحقيقة الموقف، حتى يبصروا- على ضوئه- ما يفعلون.
إنّ المرء قد تفجؤه أحداث عابرة- وهو ماض في طريقه- يحتاج في مواجهتها لأن يستجمع مواهبه، وأن يستحضر تجاربه، وأن يقف أمامها حادّ الانتباه، مرهف الأعصاب، وهذه الامتحانات المباغتة أدقّ في الحكم على الناس، وأدلّ على قيمهم من الامتحانات التي يعرفون ميعادها، ويتقدّمون إليها واثقين مستعدين، والمسلمون الذين خرجوا لأمر يسير، ما لبثوا أن ألفوا أنفسهم أمام امتحان شاقّ، تيقظت له مشاعرهم، فشرعوا يقلّبون- على عجل- تكاليفه ونتائجه، وثار منطق اليقين القديم، فأهاج القوم إلى الخطة الفذة التي لا محيص عنها لمؤمن.
استشار رسول الله ﷺ الناس، فقام أبو بكر الصديق، فقال وأحسن، ثم قام عمر بن الخطاب فقال وأحسن، ثم قام المقداد بن عمرو فقال: يا رسول الله! امض لما أراك الله فنحن معك، والله لا نقول لك ما قال بنو إسرائيل لموسى:
اذهب أنت وربّك فقاتلا، إنا ههنا قاعدون، ولكن اذهب أنت وربّك فقاتلا إنّا معكما مقاتلون، فو الذي بعثك بالحقّ؛ لو سرت بنا إلى برك الغماد لجالدنا معك من دونه حتّى تبلغه!!.
فقال له الرسول ﷺ خيرا ودعا له.
ثم قال: «أشيروا عليّ أيها الناس»، وإنّما يريد الأنصار، وذلك أنّهم كانوا عدد الناس، وأنّهم حين بايعوه بالعقبة، قالوا: يا رسول الله! إنا براء من ذمامك حتى تصل إلى ديارنا، فإذا وصلت إلينا، فأنت في ذمتنا، نمنعك مما نمنع منه أبناءنا ونساءنا.
فكان رسول الله ﷺ يتخوّف ألّا تكون الأنصار ترى عليها نصره إلا ممّن
[ ٢٣٠ ]
دهمه بالمدينة، فلما قال ذلك قال له سعد بن معاذ: والله لكأنّك تريدنا يا رسول الله! قال: «أجل»، فقال: قد امنا بك وصدقناك، وشهدنا أنّ ما جئت به هو الحقّ، وأعطيناك على ذلك مواثيقنا على السّمع والطاعة لك، فامض يا رسول الله لما أردت، فنحن معك، فو الذي بعثك بالحقّ لو استعرضت بنا البحر فخضته لخضناه معك، ما تخلّف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدا؛ إنّا لصبر في الحرب، صدق عند اللقاء، لعلّ الله يريك منّا ما تقرّ به عينك، فسر على بركة الله.
وفي رواية: لعلّك أن تكون خرجت لأمر، وأحدث الله إليك غيره، فانظر الذي أحدث الله إليك فامض، فصل حبال من شئت، واقطع حبال من شئت، وعاد من شئت، وسالم من شئت، وخذ من أموالنا ما شئت، وأعطنا ما شئت، وما أخذت منّا كان أحبّ إلينا مما تركت.
فسرّ رسول الله ﷺ بقول (سعد)، ونشّطه، ثم قال: «سيروا وأبشروا، فإنّ الله قد وعدني إحدى الطائفتين، والله لكأنّي أنظر إلى مصارع القوم» «١» .
[دعاء النبي ﷺ بالنصر]:
تأهّب المسلمون لخوض المعركة، وعسكروا في أدنى ماء من بدر.
فجاء الحباب بن المنذر إلى رسول الله ﷺ فقال: أرأيت هذا المنزل،
_________________
(١) رواه ابن هشام: ٢/ ٦٣- ٦٤، عن ابن إسحاق بدون إسناد. والرواية الاخرى أخرجها ابن مردويه من طريق محمد بن عمر، وابن علقمة بن وقاص الليثي، عن أبيه، عن جده، قال: خرج رسول الله ﷺ إلى بدر، حتى إذا كان بالرّوحاء، خطب الناس، فقال: «كيف ترون؟» فقال أبو بكر الحديث نحوه، ذكره ابن كثير: ٣/ ٢٦٤، وهذا مرسل؛ وكذا رواه ابن أبي شيبة كما في (الفتح: ٧/ ٢٣٠) . وعن عبد الله بن مسعود قال: شهدت من المقداد بن الأسود- هو ابن عمرو- مشهدا لأن أكون صاحبه أحب إليّ مما عدل به؛ أتى النبي ﷺ وهو يدعو على المشركين فقال: لا نقول كما قال قوم موسى: اذهب أنت وربك فقاتلا، ولكنّا نقاتل عن يمينك وعن شمالك وبين يديك وخلفك، فرأيت النبيّ ﷺ أشرق وجهه، وسرّه قوله؛ ورواه البخاري: ٧/ ٢٣٠؛ والحاكم: ٣/ ٣٤٩. وصحّحه، ووافقه الذهبي. وأحمد، رقم (٣٦٩٨، ٤٠٧٠، ٤٣٧٦)؛ ورواه الطبراني من حديث أبي أيوب الأنصاري. قال الهيثمي ٦/ ٧٤: «وإسناده حسن»، وفي حديث أنس المشار إليه انفا عند مسلم: قال: فقال رسول الله ﷺ: «هذا مصرع فلان»؛ قال: ويضع يده على الأرض ههنا وههنا، قال: فما ماط أحدهم عن موضع يد رسول الله ﷺ.
[ ٢٣١ ]
أمنزلا أنزلكه الله، ليس لنا أن نتقدّمه ولا نتأخّر عنه، أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ قال: «بل هو الرأي والحرب والمكيدة»، قال: يا رسول الله! فإنّ هذا ليس بمنزل، امض بالناس حتى نأتي أدنى ماء من القوم فنعسكر فيه، ثم نغوّر ما وراءه من الابار، ثم نبني عليه حوضا، فنملأه ماء، ثم نقاتل القوم، فنشرب ولا يشربون، فقال رسول الله ﷺ: «لقد أشرت بالرأي»، ثم أمر بإنفاذه، فلم يجئ نصف الليل حتّى تحوّلوا كما رأى الحباب، وامتلكوا مواقع الماء «١» .
وقضى المسلمون ليلا هادئ الأنفاس منير الافاق، غمرت الثقة قلوبهم وأخذوا من الراحة قسطهم، وتساقط عليهم مطر خفيف رطّب حولهم الجو وجعل نسائم الصباح تهب عليهم فتنعش صدورهم وتجدد أملهم، وكان الرمل تحت أقدامهم دهسا فتلبد وتماسك، وجعل حركتهم عليه ميسّرة.
إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطانِ وَلِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدامَ (١١) [الأنفال] .
وكان رسول الله ﷺ يتفقّد الرجال، وينظّم الصفوف، ويسدي النصائح، ويذكّر بالله والدار الاخرة. ثم يعود إلى عريش هيّئ له، فيستغرق في الدعاء الخاشع، ويستغيث بأمداد الرحمن.
ووقف أبو بكر إلى جوار الرسول ﵊، وهو يكثر الابتهال والتضرّع، ويقول فيما يدعو به: «اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد بعدها في الأرض»، وجعل يهتف بربه ﷿ ويقول: «اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم نصرك!» ويرفع يديه إلى السماء حتى سقط رداؤه عن منكبيه.
وجعل أبو بكر يلتزمه من وراءه، ويسوّي عليه رداءه ويقول- مشفقا عليه من كثرة الابتهال-: يا رسول الله! بعض مناشدتك ربّك، فإنّه سينجز لك ما وعدك «٢» .
_________________
(١) رواه ابن هشام: ٢/ ٦٦، عن ابن إسحاق، قال: فحدثت عن رجال من بني سلمة؛ أنّهم ذكروا أنّ الحباب وهذا سند ضعيف، لجهالة الواسطة بين ابن إسحاق والرجال من بني سلمة. وقد وصله الحاكم: ٣/ ٤٢٦، ٤٢٧، من حديث الحباب، وفي سنده من لم أعرفه، وقال الذهبي في (التلخيص): «قلت: حديث منكر وسنده» كذا الأصل، ولعلّه سقط منه «واه» أو نحوه؛ ورواه الأموي من حديث ابن عباس كما في البداية: ٣/ ٢٦٧، وفيه الكلبي وهو كذّاب.
(٢) حديث صحيح، أخرجه مسلم: ٥/ ١٥٦- ١٥٧؛ وأحمد، رقم (٢٠٨، ٢٢١) من حديث-
[ ٢٣٢ ]
[بداية المعركة]:
وتزاحف الجمعان، وبدأ الهجوم من قبل المشركين، إذ هجم الأسود بن عبد الأسد على الحوض الذي بناه المسلمون قائلا: أعاهد الله لأشربنّ من حوضهم أو لأهدمنّه، أو لأموتنّ دونه، فتصدّى له حمزة بن عبد المطلب، فضربه ضربة أطارت نصف ساقه، ومع ذلك حبا إلى الحوض يبغي اقتحامه، وتبعه حمزة يقاتله حتى قتله فيه!.
وبرز من المشركين عتبة وشيبة ابنا ربيعة، والوليد بن عتبة، فخرج للقائهم فتية من الأنصار، فنادوا: يا محمد! أخرج إلينا أكفاءنا من قومنا، - وقيل: إنّ الرسول ﵊ نفسه هو الذي استرجع أولئك الأنصار رغبة منه أن تكون عشيرته أول من يواجه العدوّ في مثل هذا الموقف- فقال: «قم يا عبيدة بن الحارث، قم يا حمزة، قم يا عليّ»، فبارز عبيدة عتبة، وبارز حمزة شيبة، وبارز عليّ الوليد. فأما حمزة فلم يمهل شيبة أن قتله، وكذلك فعل علي مع خصمه، وأما عبيدة وعتبة فقد جرح كلاهما الاخر، فكرّ حمزة وعلي بأسيافهما على عتبة فأجهزا عليه، واحتملا صاحبهما «١»، فجاؤوا به إلى رسول الله ﷺ، فأفرشه الرسول قدمه، فوضع خدّه على قدمه الشريف، وقال: يا رسول الله! لو راني أبو طالب لعلم أنّي أحقّ بقوله:
ونسلمه حتى نصرّع دونه ونذهل عن أبنائنا والحلائل
ثم أسلم الروح «٢» ..
واستشاط الكفّار غضبا للبداية السيئة التي صادفتهم، فأمطروا المسلمين وابلا من سهامهم، ثم حمي الوطيس، وتهاوت السيوف، وتصايح المسلمون:
_________________
(١) - عمر بن الخطاب، وبعضه في البخاري: ٧/ ٢٣١، من حديث ابن عباس.
(٢) روى القصة إلى هنا ابن هشام: ٢/ ٦٧، عن ابن إسحاق بدون إسناد؛ ورواها أبو داود: ١/ ٤١٦، من حديث علي بدون قصة الأسود، وإسناده صحيح؛ وكذلك رواه أحمد، رقم (٩٤٨) .
(٣) وهذا القدر أورده ابن كثير: ٣/ ٢٧٤، وقال: رواه الشافعي، ولم يذكر عمّن؛ ورواه بنحوه الحاكم: ٣/ ١٨٨، من حديث ابن شهاب مرسلا، وليس فيه: «ثم أسلم الروح»، ويدلّ على ضعف هذه الزيادة أنّ الحاكم روى من حديث ابن عباس أن عبيدة بن الحارث مات بالصّفراء منصرفه من بدر، فدفنه رسول الله ﷺ هناك، وسنده حسن، وصحّحه الحاكم ووافقه الذهبي.
[ ٢٣٣ ]
أحد أحد، وأمرهم الرسول ﷺ أن يكسروا هجمات المشركين؛ وهم مرابطون في مواقعهم وقال: «إن اكتنفكم القوم فانضحوهم عنكم بالنّبل، ولا تحملوا عليهم حتى تؤذنوا» «١» .
فلما اتسع نطاق المعركة، واقتربت من قمتها، كان المسلمون قد استنفدوا جهد أعدائهم، وألحقوا بهم خسائر جسيمة. والنبي ﷺ في عريشه يدعو الله، ويرقب بطولة رجاله وجلدهم.
قال ابن إسحاق «٢»: خفق النبي ﵊ خفقة في العريش ثم انتبه فقال: «أبشر يا أبا بكر! أتاك نصر الله؛ فهذا جبريل اخذ بعنان فرسه يقوده على ثناياه النّقع!!» .
لقد انعقد الغبار فوق رؤوس المقاتلين، وهم بين كرّ وفرّ، جند الحق يستبسلون لنصرة الرحمن، وجند الباطل قد ملكهم الغرور، فأغراهم أن يغالبوا القدر.
فلا عجب إذا نزلت ملائكة الخير، تنفث في قلوب المسلمين روح اليقين، وتحضّهم على الثبات والإقدام.
وخرج رسول الله ﷺ من مكانه إلى الناس، فحرّضهم قائلا: «والذي نفس محمّد بيده، لا يقاتلهم اليوم رجل فيقتل صابرا محتسبا، مقبلا غير مدبر؛ إلا أدخله الله الجنّة» .
إنّ التأميل في الاخرة هو بضاعة الأنبياء، وهل لأصحاب العقائد وفداة الحق من راحة إلا هناك؟.
وعمل هذا التحريض عمله في القلوب المؤمنة.
روى أحمد «٣»: أنّ المشركين لما دنوا، قال رسول الله ﷺ لأصحابه:
_________________
(١) رواه ابن إسحاق: ٢/ ٦٨، بدون سند؛ وفي البخاري: ٧/ ٢٤٥، عن أبي أسيد: قال لنا رسول الله ﷺ يوم بدر: «إذ أكثبوكم فارموهم واستبقوا نبلكم» . قلت: «أكثبوكم»: دنوا منكم. (ن) .
(٢) في (المغازي)، وعند ابن هشام: ٢/ ٦٨- ٦٩، بدون سند؛ لكن وصله الأموي من طريق ابن إسحاق، حدثني الزهري، عن عبد الله بن ثعلبة بن صعير؛ وهذا سند حسن، وسكت عنه ابن كثير: ٣/ ٢٨٤.
(٣) في المسند: ٣/ ١٣٦- ١٣٧، بدون الأبيات. وكذلك أخرجه مسلم: ٦/ ٤٤- ٤٥؛-
[ ٢٣٤ ]
«قوموا إلى جنة عرضها السموات والأرض» ! فقال عمير بن الحمام الأنصاري:
يا رسول الله! جنة عرضها السموات والأرض؟ قال: «نعم» . قال: بخ بخ، فقال رسول الله ﷺ: «وما يحملك على قول: بخ بخ؟» قال: لا والله يا رسول الله! إلّا رجاء أن أكون من أهلها! قال: «فإنّك من أهلها» ..
فأخرج تمرات من قرنه فجعل يأكل منهنّ، ثم قال: لئن أنا حييت حتى اكل تمراتي هذه إنّها حياة طويلة، فرمى ما كان معه من التمر، ثم قاتلهم وهو يقول:
ركضا إلى الله بغير زاد إلّا التّقى وعمل المعاد
والصّبر في الله على الجهاد وكلّ زاد عرضة النّفاد
غير التّقى والبرّ والرشاد
فما زال حتى قتل!.
ووهت صفوف المشركين تحت مطارق هذا الإيمان الزاهد في متاع الحياة الدنيا، وراعهم محمّد ﵊ وقد نزل بنفسه إلى الميدان يقاتل أشدّ القتال، ومعه أصحابه، يشتدون نحو عدوهم لا يبالون شيئا، فانكسرت قريش، وأخذها الفزع.
وصاح النبيّ ﵊- وهو يرى كبرياء الكفر تمرّغ في التراب-: «شاهت الوجوه » «١» .
فانهزمت قريش..
وذلك قول الله في كتابه: إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ (١٢) ذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (١٣) ذلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكافِرِينَ عَذابَ النَّارِ (١٤) [الأنفال] .
[مقتل أبي جهل]:
وحاول (أبو جهل) أن يوقف سيل الهزيمة النازل بقومه، فأقبل يصرخ بهم
_________________
(١) - والحاكم: ٣/ ٤٢٦، مستدركا على مسلم فوهم. أخرجوه كلهم من حديث أنس، مسلم أيضا من حديث البراء مختصرا. أما الأبيات فعزاها الحافظ ابن كثير: ٣/ ٢٧٧، لابن جرير.
(٢) حديث حسن، وهو من رواية عبد الله بن ثعلب المتقدمة، وله شاهد من حديث حكيم بن حزام، قال الهيثمي ٦/ ٨٤: «رواه الطبراني، وإسناده حسن» .
[ ٢٣٥ ]
وغشاوة الغرور ضاربة على عينيه: واللات والعزّى، لا نرجع حتى نفرّقهم في الجبال، خذوهم أخذا.
وماذا تفعل صيحات الطيش بإزاء الحقائق المكتسحة؟! لكنّ أبا جهل والحق يقال-: كان تمثالا للعناد إلى اخر رمق، والطمس المنسوج على بصيرته جزء من كيانه، لا ينفك عنه أبدا؛ لذلك أقبل يقاتل في شراسة وغضب وهو يقول:
ما تنقم الحرب الشّموس منّي؟ بازل عامين حديث سنّي
لمثل هذا ولدتني أمّي
وأحاطت به فلول المشركين يقولون: أبو الحكم لا يخلص إليه، فكان بينهم وسط غابة ملتفّة. بيد أنّ هذه الغابة لم تلبث أن تهاوت جذعا جذعا أمام حماس المؤمنين، الذين اشتدّ بأسهم، وأغرتهم بشائر الفوز، وساد هتافهم الموقعة، وهم يقولون: أحد أحد!.
قال عبد الرحمن بن عوف: إنّي لفي الصفّ يوم بدر، إذ التفتّ، فإذا عن يميني وعن يساري فتيان حديثا السن، فكأنّي لم امن بمكانهما، إذ قال لي أحدهما سرا من صاحبه: يا عمّ، أرني أبا جهل، فقلت: يا بن أخي! ما تصنع به؟ قال: عاهدت الله إن رأيته أن أقتله، أو أموت دونه! وقال لي الاخر سرّا من صاحبه مثله.
قال: فما سرّني أنّني بين رجلين مكانهما.
فأشرت لهما إليه، فشدّا عليه مثل الصّقرين، فضرباه حتى قتلاه، وهما ابنا عفراء «١» . ويظهر أنهما تركاه بين الحياة والموت، وقد استشهد البطلان في هذه الواقعة، ووقف رسول الله ﷺ على مصرعهما يدعو لهما ويذكر صنيعهما «٢» .
_________________
(١) حديث صحيح، أخرجه البخاري: ٧/ ٢٤٦؛ ومسلم: ٥/ ١٤٨- ١٤٩؛ وأحمد، رقم (١٦٧٣)؛ واستدركه الحاكم: ٣/ ٤٢٥، فوهم، قوله: «وهما ابنا عفراء» هكذا في رواية البخاري، وعند الاخرين: «والرجلين معاذ بن عمرو بن الجموح ومعاذ بن عفراء» وهي رواية البخاري: ٦/ ١٨٩- ١٩٠، فلعل الرواية الأولى على طريقة التغليب. وانظر: الفتح: ٧/ ٢٣٦.
(٢) الجزم بهذا خطأ بيّن، لأنه من رواية الواقدي بدون سند. كما في ابن كثير: ٣/ ٢٨٩، وحتى لو ساق سنده وكان رجاله ثقات لم يصح؛ لأنّ الواقدي متهم بالكذب. ويدل على-
[ ٢٣٦ ]
أما أبو جهل فقد سقط مكانه يلفظ أنفاسه، وتفرّق المشركون بعده بددا، وتركوا سيقانهم للريح تبعثرهم في فجاج الصحراء، كما تبعثر كثيبا من الرمل المنهار.
ومرّ عبد الله بن مسعود بالقتلى، فوجد أبا جهل فيهم لا يزال به رمق، فجثم على صدره يبغي الإجهاز عليه، وتحرّك أبو جهل يسأل: لمن الدائرة اليوم؟
فقال عبد الله: لله ورسوله، ثم استتلى عبد الله: هل أخزاك الله يا عدو الله؟! قال له: وبماذا أخزاني؟! هل أعمد من رجل قتله قومه؟! وتفرّس في عبد الله، ثم قال له: ألست رويعينا بمكة؟!.
فجعل عبد الله يهوي عليه بسيفه حتى خمد «١» .
ولقي مثل هذا المصير الفاجع سبعون صنديدا من رؤوس الكفر بمكة، دارت عليهم كؤوس الردى فتجرّعوها صاغرين، وسقط في الأسر سبعون كذلك، وفرّ بقية التسعمئة والخمسين يروون لمن خلفهم أنّ الظلم مرتعه وخيم، وأن البطر يجر في أعقابه الخزي والعار.
[بشاشة الفوز تضحك للمؤمنين]:
وفتح المسلمون عيونهم على بشاشة الفوز تضحك لهم خلال الأرض والسماء. إنّ هذا الظفر المتاح رد عليهم الحياة والأمل والكرامة، وخلّصهم من أغلال ثقال:
وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢٣) [ال عمران] .
وكانت عدة من استشهد منهم أربعة عشر رجلا، استأثرت بهم رحمة الله، فذهبوا إلى عليّين.
ثبت عن أنس بن مالك: أن حارثة بن سراقة قتل يوم بدر، وكان في
_________________
(١) - ضعف هذه الرواية أنّ معاذ بن عمرو مات في زمن عثمان، كما جزم به البخاري وغيره. (راجع: ابن هشام: ٢/ ٧٢) .
(٢) رواه بنحوه ابن هشام: ٢/ ٧٢، عن ابن إسحاق بدون إسناد، وبعضه في المسند، رقم (٤٢٤٦)، والبيهقي: ٩/ ٦٢، عن ابن مسعود بسند منقطع، وقصة قتل ابن مسعود لأبي جهل صحيحة رواها البخاري: ٧/ ٢٣٥؛ ومسلم: ٥/ ١٨٣- ١٨٤؛ وأحمد: ٣/ ١١٥، ١٢٩، ٢٣٦، من حديث أنس.
[ ٢٣٧ ]
النظّارة، أصابه سهم طائش فقتله، فجاءت أمه فقالت: يا رسول الله! أخبرني عن حارثة؟ فإن كان في الجنة صبرت، وإلا فليرينّ الله ما أصنع- تعني من النياحة- وكانت لم تحرّم بعد!! فقال لها الرسول ﷺ: «ويحك أهبلت؟ إنّها جنان ثمان، وإنّ ابنك أصاب الفردوس الأعلى » «١» .
فإذا كان هذا جزاء النظّارة الذين اختطفتهم سهام طائشة، فكيف بمن خاض إلى المنايا الغمرات الصعاب؟!.
في هذه المعركة التقى الاباء بالأبناء، والإخوة بالإخوة، خالفت بينهم المبادئ، ففصلت بينهم السيوف، وفي عصرنا هذا قاتل الشيوعيون مواطنيهم، ومزّقوا أغلى الأواصر الإنسانية في سبيل ما يعتقدون؛ فلا عجب إذا رأيت الابن المؤمن يغاضب أباه الملحد، ويخاصمه في ذات الله!! والقتال الذي دار ب (بدر) سجّل صورا من هذا النوع الحاد: كان أبو بكر مع رسول الله ﷺ، وكان ابنه عبد الرحمن يقاتله مع أبي جهل، وكان عتبة بن ربيعة أول من بارز المسلمين، وكان ولده أبو حذيفة من خيار أصحاب النبي ﷺ، فلما سحبت جثّة عتبة لترمى في القليب نظر الرسول ﷺ إلى أبي حذيفة فإذا هو كثيب، قد تغيّر لونه، فقال له: «يا أبا حذيفة! لعلّك قد دخلك من شأن أبيك شيء؟» فقال: لا والله يا رسول الله! ما شككت في أبي ولا في مصرعه، ولكنّي كنت أعرف من أبي رأيا وحلما وفضلا، فكنت أرجو أن يهديه ذلك إلى الإسلام، فلمّا رأيت ما أصابه، وذكرت ما مات عليه من الكفر بعد الذي كنت أرجو له أحزنني ذلك!.
فدعا له رسول الله ﷺ بخير، وقال له خيرا.. «٢» .
وأمر رسول الله ﷺ بقتلى المشركين فطرحوا في القليب، وروي أنه قال عند مراهم: «بئس عشيرة النبيّ كنتم لنبيّكم؛ كذّبتموني وصدّقني النّاس، وأخرجتموني واواني النّاس، وقاتلتموني ونصرني النّاس» «٣» .
_________________
(١) حديث صحيح، أخرجه البخاري: ٦/ ٢٠- ٢١، ٧/ ٢٤٣.
(٢) حديث ضعيف، رواه ابن هشام: ٢/ ٧٥، عن ابن إسحاق بلاغا.
(٣) حديث ضعيف، رواه ابن هشام: ٢/ ٧٤، عن ابن إسحاق، قال: حدثني بعض أهل العلم. وهذا إسناد معضل. وقد رواه أحمد: ٦/ ١٧٠، من طريق إبراهيم عن عائشة مرفوعا بلفظ: «جزاكم الله شرا من قوم نبيّ، ما كان أسوأ الطرد وأشدّ التكذيب»، ورجاله ثقات، لكنّه منقطع بين إبراهيم وهو النخعي، وبين عائشة.
[ ٢٣٨ ]
فلما ووريت جثثهم، وأهيل التراب على رفاتهم، انصرف الناس وهم يشعرون أنّ أئمة الكفر قد استراح الدين والدنيا من شرورهم؛ إلا أنّ النبي ﷺ استعاد ماضيه الطويل في جهاد أولئك القوم، كم عالج مغاليقهم، وحاول هدايتهم؟! وكم ناشدهم الله، وخوّفهم عصيانه، وتلا عليهم قرانه؟! وهم- على طول التذكير- يتبجّحون، وبالله وآياته ورسوله يستهزئون، فخرج «١» النبي ﷺ في جوف الليل حتى بلغ القليب المطويّ على أهله، وسمعه الصحابة يقول: «يا أهل القليب! يا عتبة بن ربيعة! يا شيبة بن ربيعة! يا أمية بن خلف! يا أبا جهل بن هشام! هل وجدتم ما وعد ربّكم حقّا؟ فإنّي وجدت ما وعدني ربّي حقا» !.
فقال المسلمون: يا رسول الله! أتنادي قوما جيّفوا؟! قال: «ما أنتم بأسمع لما أقول منهم! ولكنّهم لا يستطيعون أن يجيبوني «٢»» .
كانت واقعة بدر في السابع عشر من رمضان لسنتين من الهجرة، وقد أقام رسول الله ﷺ ببدر ثلاثا، ثم قفل عائدا إلى المدينة يسوق أمامه الأسرى
_________________
(١) حديث صحيح، أخرجه ابن إسحاق: ٢/ ٧٤، حدثني حميد الطويل عن أنس به، وهذا سند صحيح، وحميد وإن كان مدلّسا، فإنّ ما يرويه معنعنا عن أنس بينهما ثابت البناني، كما ذكروا في ترجمته، وهو ثقة من رجال الشيخين؛ وقد أخرجه أحمد: ٣/ ١٠٤، ١٨٢، من طرق عن حميد به. وقال الحافظ ابن كثير ٣/ ٢٩٢: إنّه على شرط الشيخين. قلت: وقد وصله مسلم: ٨/ ١٦٣؛ وأحمد: ٢/ ٢١٩، ٢٨٧، من طريق حمّاد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس؛ ورواه أحمد: ٣/ ١٤٥، من طريق قتادة عن أنس، لكن رواه البخاري: ٧/ ٢٤٠- ٢٤١، من طريقه قال: ذكر لنا أنس عن أبي طلحة، فجعله من سند أبي طلحة، وهو الأصحّ كما قال الحافظ ابن كثير وابن حجر؛ ثم أخرجه مسلم والطيالسي: ٢/ ٩٧- ٩٨، ترتيب الشيخ أحمد البنا؛ وأحمد، رقم (١٨٢) من طريق سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن أنس، عن عمر. فالظاهر أن أنس لم يسمعه منه ﷺ، إنما رواه عنه بواسطة الصحابة؛ فكان تارة يرسله، وتارة يوصله، والحديث رواه غير من ذكر من الصحابة عبد الله بن عمر؛ أخرجه البخاري: ٧/ ٢٤٢، وغيره. وفي الباب عن ابن مسعود وابن عباس وغيرهما. وأما إنكار عائشة الذي ذكره المؤلف في التعليق فقد أنكره العلماء، وبيّنوا أنّ الصواب بجانب الذين رووا هذا الحديث. راجع: البداية، لابن كثير؛ والفتح، لابن حجر. وعندي أنّه لا تعارض بين روايتهم وروايتها، بل يمكن الجمع بينهما، وهو الصواب كما بيّنته في (أحكام الجنائز وبدعها) .
(٢) تنكر عائشة هذا الحديث محتجّة بقول الله تعالى: وَما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٢٢) إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ (٢٣) [فاطر] وتقول: إنّ اللفظ الذي قاله الرسول ﷺ: «ما أنتم بأعلم لما أقول منهم» .
[ ٢٣٩ ]
والغنائم، ورأى قبل دخولها أن يعجّل البشرى إلى المسلمين المقيمين فيها؛ لأنهم لا يدرون مما حدث شيئا.
فأرسل عبد الله بن رواحة وزيد بن حارثة مبشّرين، يؤذنان الناس بالنصر العظيم.
قال أسامة بن زيد: فأتانا الخبر حين سوينا التراب على رقية بنت رسول الله ﷺ، وكان زوجها عثمان بن عفان قد احتبس عندها يمرّضها بأمره ﷺ، وضرب رسول الله ﷺ له بسهمه وأجره في بدر «١» .
محاسبة وعتاب (في الغنائم):
برغم ما سجّله التاريخ من تجمّل ومواساة بين الأنصار والمهاجرين، فإنّ متاعب العيلة ومشكلات الفقر تمشّت خلال المجتمع الجديد؛ إن سترها التعفف حينا أبرزتها الحاجة حينا اخر، والأزمات التي تصاحب تكوين دولة من العدم وسط أمم تكيد لها، وتتربّص بها الدوائر، يجب أن تتوقع، وأن توطّن النفوس على احتمالها، وألا تكون حدّة الشعور بها سببا في ضعف السيرة وعجز الهمة..
وقد اخذ الله المسلمين- قبل معركة بدر وبعدها- بأمور بدرت منهم يحبّ لهم أن يتنزّهوا عنها، مهما بلغ من شدة الدوافع والمبررات لارتكابها.
فهم يوم خرجوا من يثرب لملاقاة مشركي مكة تعلّقت أمانيهم بإحراز العير وما تحمل من ذخائر ونفائس.
حقا إنهم أخرجوا من ديارهم وأموالهم، وضحّوا في سبيل الله بأنفسهم وأولادهم فليمضوا في طريق الفداء إلى المرحلة الأخيرة، ومهما عضّهم الفقر بنابه، فليكن التنكيل بالكافرين أرجح في ميزانهم من الاستيلاء على الغنيمة:
وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّها لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ وَيَقْطَعَ دابِرَ الْكافِرِينَ (٧) [الأنفال] .
ومن هذا القبيل تسابقهم بعد النصر إلى حيازة الغنائم، ومحاولة كل فريق الاستئثار بها.
_________________
(١) حديث صحيح، أخرجه البيهقي: ٩/ ١٧٤، بسند صحيح من حديث أسامة؛ ورواه بنحوه الحاكم: ٣/ ٤٨، عن الزهري مرسلا، وفي الباب أحاديث أخرى تراجع في (المجمع): ٩/ ٨٣- ٨٤.
[ ٢٤٠ ]
عن عبادة بن الصامت، قال: خرجنا مع النبي ﷺ فشهدت معه بدرا، فالتقى الناس، فهزم الله العدوّ، فانطلقت طائفة في اثارهم يطاردون ويقتلون، وأكبت طائفة على المغنم، يحوزونه، ويجمعونه، وأحدقت طائفة برسول الله ﷺ لا يصيب العدو منه غرّة، حتى إذا كان الليل، وفاء النّاس بعضهم إلى بعض، قال الذين جمعوا الغنائم: نحن حويناها، وليس لأحد فيها نصيب، وقال الذين خرجوا في طلب العدوّ: لستم أحقّ بها منّا، نحن نحينا منها العدو وهزمناه، وقال الذين أحدقوا برسول الله: خفنا أن يصيب العدو منه غرة، فاشتغلنا به، فأنزل الله تعالى:
يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ قُلِ الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١) [الأنفال] .
فقسمها رسول الله ﷺ بين المسلمين «١» .
هذا التنازع المؤسف إثر البأساء الشاملة التي لحقت بالمهاجرين والأنصار على السواء، وقد نظر رسول الله ﷺ إلى مظاهر البؤس على أصحابه وهم خارجون إلى بدر؛ فرثى لحالهم، وتألّم لما بهم، وسأل الله أن يكشف كرباتهم.
فعن عبد الله بن عمرو «٢»، قال: خرج رسول الله يوم (بدر) في ثلاثمئة وخمسة عشر رجلا من أصحابه، فلما انتهى إليها، قال: «اللهم إنّهم جياع فأشبعهم، اللهم إنّهم حفاة فاحملهم، اللهم إنّهم عراة فاكسهم» . ففتح الله له يوم بدر، فانقلبوا حين انقلبوا، وما منهم رجل إلا قد رجع بحمل أو حملين، واكتسوا وشبعوا.
إنّ الجوع والعري عند ما يطول أمدهما يتركان في النفوس ندوبا سيئة،
_________________
(١) حديث صحيح، أخرجه أحمد: ٥/ ٣٢٣- ٣٢٤؛ والحاكم: ٢/ ٣٢٦، من طريق مكحول، عن أبي أمامة، عن عبادة بن الصامت. وقال الحاكم: «صحيح على شرط مسلم» ووافقه الذهبي، وأبو أمامة لم يره مكحول- كما قال أبو حاتم- فهو منقطع، ومن هذا الوجه، أخرجه ابن هشام: ٢/ ٧٦، عن ابن إسحاق. ومن طريقه أحمد: ٥/ ٣٢٢، لكن له شاهد من حديث ابن عباس، أخرجه أبو داود: ١/ ٤٣٠؛ والحاكم، وقال: «صحيح الإسناد»، ووافقه الذهبي وهو كما قالا. وبه صحّ الحديث.
(٢) حديث حسن، أخرجه أبو داود: ١/ ٤٣١- ٤٣٢؛ والحاكم: ٢/ ١٤٥؛ والبيهقي: ٩/ ٥٧، وقال الحاكم: «صحيح على شرط مسلم»، وإنما هو حسن فقط. وحسنه الحافظ في (الفتح): ٧/ ٢٣٣.
[ ٢٤١ ]
ويدفعان الأفكار في مجرى ضيق كالح، على أنّ هذه الأزمات إن أخرجت العامة، وأهاجتهم إلى طلب الغذاء والكساء لأنفسهم وذراريهم بحرص ومجاهرة، فإن المؤمنين الكبار ينبغي أن يتماسكوا، وأن يكتموا أحاسيس الفاقة الملحّة فلا يتنازعوا على شيء. وذلك الأدب هو ما أخذ الله به المسلمين، وافتتح به السورة التي تحدثت عن القتال في بدر.
ذلك أنّ الخاصة من الرجال هم قدوة غيرهم، فإذا ساءت أخلاقهم للضوائق العارضة، واضطرب مسلكهم فسيكون سواد الشعب إلى مزالق الفوضى أسرع.
وقد رأينا (الألمان) في الحرب العالمية الأولى و(الإنكليز) في الحرب العالمية الثانية شدّد عليهم الحصار، حتى هزلت الأجسام، واصفرّت الوجوه، وما صابرت الجماهير هذه المجاعات إلا وراء قادتها المصابرين المتجمّلين.
[في الأسرى]:
ومما حاسب الله عليه المسلمين حسابا شديدا موقفهم بإزاء الأسرى، فإنّ الرغبة في استبقائهم للانتفاع من ثرواتهم غلبت الاراء الاخرى بضرورة الاقتصاص من ماثمهم السابقة، حتى يكونوا نكالا لما بين أيديهم وما خلفهم وموعظة للمتقين.
استشار رسول الله ﷺ أبا بكر وعمر وعليا، فقال أبو بكر: يا رسول الله! هؤلاء بنو العمّ والعشيرة والإخوان، وإنّي أرى أن تأخذ منهم الفدية، فيكون ما أخذناه قوة لنا على الكفار، وعسى أن يهداهم الله فيكونوا لنا عضدا.
فقال رسول الله ﷺ: «ما ترى يا بن الخطاب؟» قال: قلت: والله! ما أرى ما رأى أبو بكر، ولكن أرى أن تمكّنني من فلان- قريب لعمر- فأضرب عنقه، وتمكّن عليا من عقيل بن أبي طالب فيضرب عنقه، وتمكّن حمزة من فلان- أخيه- فيضرب عنقه، حتى يعلم الله أنّه ليست في قلوبنا هوادة للمشركين، وهؤلاء صناديدهم وأئمتهم وقادتهم.
فهوي رسول الله ﷺ ما قال أبو بكر، ولم يهو ما قلت، وأخذ منهم الفداء، فلمّا كان من الغد قال عمر: فغدوت إلى النبي ﵊ وأبي بكر وهما يبكيان! فقلت: يا رسول الله! أخبرني ماذا يبكيك أنت وصاحبك؟ فإن وجدت بكاء بكيت، وإن لم أجد بكاء تباكيت لبكائكما! فقال رسول الله ﷺ:
[ ٢٤٢ ]
«للذي عرض عليّ أصحابك من أخذهم الفداء، قد عرض عليّ عذابكم أدنى من هذه الشجرة» - لشجرة قريبة-.
وأنزل الله تعالى: ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٧) لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (٦٨) [الأنفال] «١» .
إن الوقوع في الأسر لا يعني صدور عفو عام عن الجرائم التي اقترفها الأسرى أيّام حريتهم، وهؤلاء الطغمة من كبراء مكة لهم ماض شنيع في إيذاء الله ورسوله، وقد أبطرتهم منازلهم، فساقوا عامة أهل مكة إلى حرب ما كان لها من داع، فكيف يتركون بعد أن استمكنت الأيدي من خناقهم؟.
أذلك لأنّ لهم ثروة يفتدون بها؟ ما كان يليق أن ينظر المؤمنون إلى هذه الأعراض التافهة متناسين ما فرط من أولئك الكفّار في جنب الله.
إنهم مجرمو حرب- بالاصطلاح الحديث- لا أسرى حرب، وقد ندّد القران بخيانتهم لقومهم بعد كفرهم بنعمة الله عليهم فقال:
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ (٢٨) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها وَبِئْسَ الْقَرارُ (٢٩) [إبراهيم] .
وهناك نصوص توصي برعاية الأسرى وإطعامهم، وتشرع القوانين الرحيمة في معاملتهم، وهذا ينطبق على جماهير الأسرى من الأتباع والعامة.
أمّا الذين تاجروا بالحروب لإشباع مطامعهم الخاصة، فيجب استئصال شأفتهم، وذلك هو الإثخان في الأرض.
إنّ الحياة كما تتقدّم بالرجال الأخيار، فإنّها تتأخر بالعناصر الخبيثة؛ وإذا كان من حقّ الشجرة لكي تنمو أن تقلّم؛ فمن حقّ الحياة لكي تصلح أن تنقّى من السفهاء والعتاة والاثمين. ولن يقوم عوض أبدا عن هذا الحق، ولو كان القناطير المقنطرة من الذهب، وقد أسمع الله نبيه ﷺ وصحابته هذا الدرس، حتى إذا وعوه وتدبّروه عفا عنهم، ثم أباح لهم- من رحمته بهم- الانتفاع بما أخذوا من فداء فقال:
_________________
(١) حديث صحيح، أخرجه مسلم: ٥/ ١٥٦- ١٥٧؛ وأحمد، رقم (٢٠٨، ٢٢١)؛ والبيهقي: ٩/ ٦٧- ٦٨، من حديث عمر ﵁.
[ ٢٤٣ ]
فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٦٩) [الأنفال] .
في أعقاب بدر:
شده العرب قاطبة للنصر الحاسم الذي ناله المسلمون في بدر، بل إنّ أهل مكة استنكروا الخبر أوّل ما جاءهم، وحسبوه هذيان مجنون، فلمّا استبان صدقه صعق نفر منهم، فهلك لتوّه، وماج بعضهم في بعض من هول المصاب، لا يدري ما يفعل.
وكما استبعد أهل مكة الهزيمة على أنفسهم حتى جوبهوا بعارها، استبعد مشركو المدينة ويهودها ما قرع اذانهم من بشريات الفوز، وذهب بعضهم إلى حد اتهام المسلمين بأن ما يذاع من نصرهم محض اختلاق، وظلّوا يكابرون حتى رأوا الأسرى مقرّنين في الأصفاد، فسقط في أيديهم.
وقد اختلفت مسالك الأحزاب الكافرة بإزاء المسلمين بعد هذا الغلب الذي مكن للإسلام وأهله، وجعل سلطانهم مهيبا في المدينة وما حولها، ومدّ نفوذهم على طريق القوافل في شمال الجزيرة، فأصبح لا يمرّ بها أحد إلا بإذنهم.
فأما أهل مكة فقد انطووا على أنفسهم يداوون جراحهم، ويستعيدون قواهم، ويستعدّون لنيل ثأرهم، ويعلنون أنّ يوم الانتقام قريب، ولم تزدهم الهزيمة إلا كرها للإسلام، ونقمة على محمّد ﷺ وصحبه، واضطهادا لمن يدخل في دينه، فكان من ينشرح صدره للإسلام يختفي به أو يعيش ذليلا مستضعفا.
ذلك في مكة حيث كانت الدولة للكفر.
أما في المدينة حيث المسلمون كثرة مكينة ظاهرة، فقد اتخذت العداوة للإسلام طريقة الدس والنفاق والمخاتلة، فأسلم فريق من المشركين واليهود ظاهرا، وقلوبهم تغلي حقدا وكفرا، وعلى رأس هؤلاء عبد الله بن أبيّ.
روى أسامة بن زيد قال: كان رسول الله ﷺ وأصحابه يعفون عن المشركين وأهل الكتاب- كما أمرهم الله تعالى- ويصبرون على الأذى:
وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ [البقرة: ١٠٩] .
فكان النبي ﷺ يتأوّل من العفو ما أمره الله به، حتى أذن فيهم بالقتل «١» .
_________________
(١) حديث صحيح، رواه ابن أبي حاتم في تفسيره، وإسناده صحيح كما قال الحافظ ابن كثير في (التفسير): ١/ ١٥٣.
[ ٢٤٤ ]
فلما غزا بدرا، وقتل الله من قتل من صناديد قريش، وقفل رسول الله ﵊ وأصحابه منصورين غانمين معهم أساراهم، قال عبد الله بن أبيّ ومن معه من المشركين عبدة الأوثان: هذا أمر قد توجّه (أي: استمر، فلا مطمع في إزالته) فبايعوا رسول الله ﷺ على الإسلام فأسلموا..
على أنّ هذا الخداع لاذ به فريق من الكفار في الوقت الذي عالن فيه فريق اخر من اليهود بسخطهم على محمد ﷺ، وألمهم للهزيمة التي أصابت قريشا في (بدر)؛ بل إن كعب بن الأشرف- من رجالات اليهود- أرسل القصائد في رثاء قتلاهم والمطالبة بثأرهم!.
ولقد اتسعت شقة العداوة بين المسلمين واليهود إثر هذا الموقف النابي.
ثم حاول اليهود أن يحقّروا من شأن النصر الذي حظي به الإسلام، مما مهّد للأحداث العنيفة التي وقعت بعد، ودفع اليهود ثمنها من دمهم أفرادا وجماعات.
أما البدو الضاربون حول المدينة، وعلى طرق القوافل فهم قوم همل، لا يهمّهم شيء من قضايا الكفر والإيمان، إنّما يهمّهم اكتساب القوت من أي وجه، والحصول عليه ولو عن طريق السلب والنهب، وتاريخهم الحديث مع قوافل الحجاج شاهد صدق على أنهم لا يرعون حرمة، ولا يخشون إلا القوة، ولولا بطش السعوديين بهم ما أمن طريق الحجّ قط! وقد سبق لهم استياق نعم المدينة، وما ورثوه من جاهلية طامسة، جعل قلوبهم مع مشركي الجزيرة، وقد ذعروا لانتصار المسلمين في بدر، وأخذت جموعهم تحتشد تبغي انتهاز فرصة للإغارة على المدينة، ولكنّ الرسول ﷺ نهض إلى جموعهم، فشتتها، ولم يلق في إرهابهم متاعب ذات بال.
[ ٢٤٥ ]
بدء الصراع بين اليهود والمسلمين
لم تحدّث المسلمين أنفسهم بنقض عهود اليهود، ولا فكّروا في طردهم من أرض الجزيرة، بل على العكس توقّع المسلمون منهم أن يكونوا عونا لهم في حرب الوثنية المخرّفة، وتدعيم عقيدة التوحيد، ورجا المسلمون أن يصدّق اليهود محمدا ﷺ فيما يثبته لله من تنزيه ومجد، وأن تكون صلتهم بالكتب القديمة، وألفتهم لأحاديث المرسلين سببا في إقناع العرب الأميين بأن الرسالات السماوية حقّ، والإيمان بها واجب.
وهذه المشاعر الحسنة تتمشّى مع القران النازل يومئذ يؤسسها ويؤكدها:
وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ (٤٣) [الرعد] .
وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَفْرَحُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمِنَ الْأَحْزابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ قُلْ إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُوا وَإِلَيْهِ مَآبِ (٣٦) [الرعد] .
بيد أن اليهود كانوا عند أسوأ الظن، فلم تمض أيام على اختلاطهم بالمسلمين في المدينة حتى شرعوا يحرجون صدورهم، ويعينون عليهم، ولو أنّهم كذّبوا بمحمد ﷺ كما كذبوا بعيسى ﵇ من قبل، واعتقدوا أن ما وراء توراتهم باطل، واكتفوا بأداء عبادتهم في بيعهم، وحبسوا في أفواههم المطاعن على أنبياء الله
لتركهم المسلمون وشأنهم يكفرون إلى قيام الساعة، دون حرب أو ضرب.
أمّا أن يجتهد المسلمون في بناء دولتهم، فيجتهد هؤلاء في نقضها، أمّا أن يصطدم الإسلام بالشرك، فينضمّ بنو إسرائيل بعواطفهم وألسنتهم ودعاياتهم ضد محمد ﷺ وصحبه.. فهذا ما لا يستساغ.
وفي فرحة المسلمين بانتصارهم في بدر، لم يستحي أولئك اليهود أن يقولوا لرسول الله ﵊: «لا يغرنّك أنّك لقيت قوما لا علم لهم بالحرب، فأصبت منهم فرصة، أما والله لئن حاربناك لتعلمنّ أنّا نحن النّاس!!» .
[ ٢٤٦ ]
وقد نزل الوحي ينذر هؤلاء بسوء المنقلب:
قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهادُ (١٢) قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتا فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرى كافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشاءُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ (١٣) [ال عمران] .
والاية الأخيرة تذكير بما وقع في بدر.
طرد يهود بني قينقاع:
وأول من كشف عن ضغنه، وهزأ بالإسلام وأهله يهود بني قينقاع، المقيمين داخل المدينة نفسها، وكظم المسلمون غيظهم، وانتظروا ما تتمخّض عنه الليالي من مكر اليهود.
وسعى هؤلاء إلى حتفهم بظلفهم، فقد حدث أنّ امرأة عربية قدمت بجلب لها «١»، فباعته بسوق بني قينقاع، وجلست إلى صائغ هناك، فاجتمع حولها نفر من اليهود، يريدونها على كشف وجهها فأبت، فعمد الصائغ إلى طرف ثوبها وهي غافلة، فعقده إلى ظهرها.
فلما قامت انكشفت سوءتها، وضحك اليهود منها، وصاحت المرأة، فوثب رجل من المسلمين على الصائغ فقتله، فشدّت اليهود على المسلم فقتلوه، وهكذا طارت الشرارة، ووقعت الحرب بين المسلمين وبني قينقاع.
وكان ذلك في منتصف شوال في السنة الثانية من الهجرة.
لجأ اليهود إلى حصونهم يقاتلون فيها، ففرض الرسول ﷺ عليهم الحصار، وأحكمه خمس عشرة ليلة، حتى اضطروا إلى التسليم، ورضوا بما يصنعه رسول الله ﷺ في رقابهم ونسائهم وذريتهم، فلمّا أمكن الله منهم، جاء عبد الله بن أبي فقال: يا محمد! أحسن في مواليّ- وكانوا حلفاء الخزرج- فأبطأ عليه رسول الله ﷺ، فكرّر ابن أبيّ مقالته: أحسن في مواليّ، فأعرض عنه الرسول ﷺ. فأدخل يده في جيب درعه، فتغيّر لون النبي ﷺ وقال له:
«أرسلني»، وغضب حتى رأوا لوجهه ظللا، ثم أعاد أمره وهو مغضب: «أرسلني ويحك» ! قال ابن أبي: لا والله لا أرسلك حتى تحسن في مواليّ، أربعمئة حاسر
_________________
(١) الجلب: كل ما يجلب إلى الأسواق ليباع بها.
[ ٢٤٧ ]
وثلاثمئة دارع قد منعوني من الأحمر والأسود تحصدهم في غداة واحدة؟ إنّي والله امرؤ أخشى الدوائر، فقال رسول الله ﷺ: «هم لك «١» على أن يخرجوا من المدينة، ولا يجاورونا بها» .
فرحلوا إلى (أذرعات) «٢» بالشام ولم يبقوا هناك طويلا حتى هلك أكثرهم.
أما كان خيرا لهم أن يؤدوا حقوق الجوار، ويعرفوا قيم العهود، ويبقوا في المدينة امنين موفورين؟ لقد تعجّلوا الشرّ فباؤوا به وفي حوار عبد الله بن أبيّ مع الرسول ﵊ نزل قوله تعالى:
فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشى أَنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلى ما أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نادِمِينَ (٥٢) [المائدة] «٣» .
[سر نقمة اليهود على الإسلام والمسلمين]:
ويحسن أن نتأمل في سيرة هؤلاء اليهود، وسرّ نقمتهم الشديدة على الإسلام ونبيّه ﷺ وتحيزهم المعيب إلى الوثنية في نضال الإسلام معها.
أصحيح أنّ نزاع اليهودية والإسلام كان سياسيا لا دينيا؟ وأنّ الانفراد بالسلطان في الجزيرة العربية هو مبعث هذا الخصام الحادّ؟.
إنّ التغلغل في فهم العواطف والمشاعر الإنسانية يفسّر كثيرا من المواقف الغامضة، لقد رأينا المسلمين في مكة يتحمسون للنصرانية في صراعها مع المجوسية، ويحزنون لانكسار الروم أمام الفرس، مع أنّ الإسلام لم يكن قد اتصل بعد بالنصارى اتصالا يبرر هذا الحماس، لكنه الشعور الطبيعي الوحيد الذي ينتظر من الرجل المخلص لدينه، فالمسلمون أصحاب كتاب يدعو إلى التوحيد، والنصارى- وإن اضطرب فهمهم لمعنى التوحيد وشابوا الحقّ بالخرافة- فهم- على كل حال- أهل كتاب، ويعتبرون أعلى مرتبة من عبدة النار؛ فالرغبة
_________________
(١) إلى هنا رواه ابن هشام: ٢/ ١٢١، عن ابن إسحاق: حدثني عاصم بن عمر بن قتادة مرسلا، أما باقيه فلم أقف عليه الان.
(٢) درعا. (ن) .
(٣) رواه ابن إسحاق: ٢/ ٢١، عن عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت، وابن جرير، عن عطية العوفي، وعن الزهري وكلها مرسلات. وقد أشار ابن كثير في تفسيره: ٢/ ٦٨، إلى تضعيف نزول الاية في ابن أبي، والله أعلم.
[ ٢٤٨ ]
في انتصارهم على الوثنية الصريحة الشرك ضرب من الوفاء للإسلام نفسه! ومن الاحترام للحقيقة التي معك أن تقترب مما يقرب منها، وأن تبتعد عن كل ما يبعد عنها.
وقد كان المشركون من أهل مكة منطقيين مع أنفسهم حين رحبوا بانتصار الفرس، وعدّوه رمزا لغلبة الوثنية في كلّ صورها على أديان السماء جملة
فما معنى أن يغضب اليهود المواحدون- كما يزعمون- من انتصار الإسلام على الشرك؟ وبم يفسّر حنوهم على القتلى من عبدة الأصنام، وسعيهم الحثيث لتغليب كفة الوثنية العربية على هذا الدين الجديد؟!.
إنّ التفسير الوحيد لهذا الموقف أنّ اليهود انقطعت صلاتهم بمعنى الدين، وأنّ سلوكهم العام لا يرتبط بما لديهم من تراث سماوي، وأنّهم لا يكترثون بما يقترب من عقيدة التوحيد أو أحكام التوراة، لأنّ هذه وتلك مؤخّرة أمام شهواتهم الغالبة وأثرتهم اللازبة، ومن ثمّ شكك القران الكريم في قيمة الإيمان الذي يدّعيه القوم:
وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ قالُوا نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا وَيَكْفُرُونَ بِما وَراءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِما مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٩١) وَلَقَدْ جاءَكُمْ مُوسى بِالْبَيِّناتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ (٩٢) [البقرة] .
والظاهر أن طوائف اليهود التي عاشت بين العرب كانت عصابات من المرتزقة، اتخذت الدين عنوانا لمطامع اقتصادية بعيدة المدى، فلمّا توهّمت أنّ هذه المطامع مهدّدة بالزوال ظهر الكفر المخبوء، فإذا هو كفر بالله وسائر المرسلين.
ولم يعرف أولئك شرفا في حرب الإسلام، ولم يقفهم حد أو عهد في الكيد له، فلم يكن بدّ من إجلائهم وتنظيف الأرض منهم.
مقتل كعب بن الأشرف:
وقد تعقّب المسلمون كلّ غادر بعهده، مجاهر بحرب الله ورسوله، مؤيّد لقريش ورأيها، مظهر للعطف والأسف على ما أصابها.. تعقّب المسلمون هؤلاء الطّغام من زعماء اليهود وسراتهم بالقتل والإرهاب.
[ ٢٤٩ ]
ومن أولئك الذين نفّذ فيهم العقاب (كعب بن الأشرف)؛ فإنّ كعبا هذا سافر إلى مكة- من المدينة- يواسي مشركيها المهزومين في بدر، ويحرّضهم على إدراك ثأرهم من محمد ﷺ وصحابته، وهو الذي سأله أبو سفيان: أناشدك الله، أديننا أحبّ إلى الله أم دين محمد وأصحابه؟ وأيّنا أهدى إلى ربك وأقرب إلى الحق؟
إننا نطعم الجزور الكوماء، ونسقي اللبن على الماء، ونطعم ما هبّت الشمال!.
قال له كعب: أنتم أهدى منه سبيلا!!.
فأنزل الله على رسوله:
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هؤُلاءِ أَهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا (٥١) [النساء] .
وعاد كعب إلى المدينة سافر العداوة، بعيد الجراءة، حتى إنّه صاغ قصائد الغزل في بعض النّساء المسلمات.. وليس بعد ذلك صبر، فأهدر المسلمون دمه.
وبعث إليه النبي ﷺ من استنزله من حصنه ليلقى جزاءه الحق.
ذهب إليه (محمد بن مسلمة) و(أبو نائلة) بعد ما استأذنا الرسول ﵊ أن يقولا فيه ما يطمئن اليهودي إلى تبرّمهما بالإسلام، أتاه محمد بن مسلمة، فقال له: إنّ هذا الرجل قد سألنا صدقة، وإنه قد عنّانا، وإنّي قد أتيتك أستسلفك!!. قال كعب: والله لتملّنه! قال: إنا قد اتبعناه فلا نحب أن ندعه حتى ننظر إلى أي شيء يصير شأنه، وقد أردنا أن تسلفنا. قال: نعم، ارهنوني، قال:
أيّ شيء تريد؟ قال: ارهنوني نساءكم! قال: كيف نرهنك نساءنا وأنت أجمل العرب؟. قال: فترهنوني أبناءكم، قال: يسب ابن أحدنا فيقال: رهن في وسق أو وسقين من تمر!! ولكن نرهنك السلاح.
وصنع أبو نائلة ما صنع محمد بن مسلمة؛ قال لليهودي: كان قدوم هذا الرجل علينا بلاء! عادتنا العرب، ورمتنا عن قوس واحدة، وقطعت علينا السبيل، حتى ضاع العيال، وجهدت الأنفس، وأصبحنا قد جهدنا وجهد عيالنا، ودار الحوار على نحو ما دار مع ابن مسلمة، ورضي كعب- أخيرا- أن يسلفهم نظير ارتهان أسلحتهم.
وإلى هذا قصدوا، فإنّ كعبا لن ينكر السّلاح معهم وهو الذي طلبه منهم.
وفي ليلة مقمرة انطلقوا إلى حصنه ليتمّوا ما تواعدوا عليه، فقالت امرأته
[ ٢٥٠ ]
وقد سمعت النداء: أسمع صوتا كأنه يقطر منه الدم، قال كعب: لو دعي الفتى لطعنة لأجاب، فنزل متوشّحا تنفح منه رائحة الطيب، واستدرجه القوم في الحديث والسير، ثم زعم أبو نائلة أنّه يريد أن يشمّ الطيب من شعره، فسرّح فيه يده وهو يقول: ما رأيت كالليلة طيبا أعطر، وزهي كعب بما سمع! وعاد أبو نائلة فوضع يديه في شعر اليهودي حتى إذا استمكن من فوديه قال لصحبه: دونكم عدو الله، فاختلفت عليه أسيافهم «١»، دخلت في بدنه الأسلحة التي طلبها رهانا بدل النساء والأبناء..
وصاح كعب صيحة لم يبق معها حصن إلا وقد وقدت عليه النار استجلاء للخبر، فلما طلع الصباح علمت يهود بمصرع جبّارها، فدبّ الرّعب في القلوب العنيدة، وأسرعت الأفاعي إلى جحورها تختبئ فيها.
لقد أجدت العصا حين أعيت الصيحة وبطل المقال، ولزم اليهود حدودهم فلم يتجرؤوا على المسلمين بسبّ، وظهر كأنّهم لن يمالئوا على الله ورسوله مشركا بعد اليوم.
وهكذا تفرّغ الرسول ﵊- إلى حين- لمواجهة الأعراب المشركين.
_________________
(١) حديث صحيح، رواه ابن هشام: ٢/ ١٢٣- ١٢٤، عن ابن إسحاق حدثني عبد الله بن المغيث بن أبي بردة به نحوه، وهذا سند ضعيف مرسل أو معضل، وعبد الله هذا ترجمه ابن أبي حاتم: ٢/ ١٧٤، ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا. ورواه البخاري: ٥/ ١٠٦- ١٠٧، ٦/ ١١٩- ١٢٠، ٧/ ٢٦٩- ٢٧٢؛ ومسلم: ٥/ ١٨٤، ١٨٥؛ وأبو داود: ١/ ٤٣٦، من حديث جابر بن عبد الله ﵄ نحوه، والظاهر أنّ سياق الكتابة مركب من الروايتين؛ والحديث رواه البيهقي: ٩/ ٨١، من حديث جابر، ثم رواه من حديث موسى بن عقبة معضلا.
[ ٢٥١ ]
مناوشات مع قريش
لم يغترّ المسلمون بالنصر الذي نالوه في (بدر)، ولم يفتروا عن مراقبة خصومهم والإعداد لهم، وقد علموا علم اليقين أنّ مكة لن تني عن الانتقام لنفسها، ولن تستكين للكارثة التي حلّت بها.
ورأى أبو سفيان- حفظا لمكانة قومه، وإبرازا لما لديهم من قوة- أن يتعجّل عملا قليل المغارم ظاهر الأثر، فقرّر أن يفاجئ المدينة بغارة خاطفة يعود عقيبها وقد رد لقريش بعض سمعتها، وألحق بالمسلمين ما يستطيع من خسائر.
ثم إنّ أبا سفيان كان نذر ألا يمسّ رأسه ماء من جنابة حتى يغزو محمدا ﷺ، وينبغي أن يبر في قسمه.
فخرج في مئتي راكب حتى وصل إلى مساكن بني النضير في جنح الليل بأطراف المدينة-، ونزل على (سلّام بن مشكم) من سادة اليهود، فتعرّف منه أخبار المسلمين، وتدارسا أجدى الطرق لإيذائهم والإفلات من قواهم.
واهتدى أبو سفيان إلى العمل الذي وفّى به يمينه، وحقق به غايته، فهجم برجاله على ناحية يقال لها: العريض، وحرقوا أسوارا من نخيل بها، ووجدوا رجلا من الأنصار وحليفا له في حرث لهما فقتلوهما، ثم لاذوا بالفرار عائدين إلى مكة.
وشعر المسلمون بما حدث، فانطلقوا وراء أبي سفيان ورجاله يطاردونهم ويبتغون الإيقاع بهم، وأحس المشركون بالطلب، فجدّوا في الهرب، والمسلمون يقطعون الصحراء خلفهم راغبين في اللحاق بهم، فلمّا أحسّ أبو سفيان بالخطر أخذ يتخفّف من الأزواد التي يحملها حتى تمكّن من النجاة، وعثر المسلمون في طريق المطاردة على هذه المؤن وأكثرها من السويق، فسمّوا هذه المناوشة الطريفة غزوة السويق!.
[ ٢٥٢ ]
ولم تنل قريش من هذه الغارة الفاشلة شيئا يرفع رأسها، ففكّرت أن تتجنّب الصدام بالمسلمين حتى تحين الفرصة المواتية، ولكن أنى لها ذلك وتجارتهم تمرّ في الغدو والرواح بالمدينة؟.
قال صفوان بن أمية لقريش: «إنّ محمدا وصحبه عوّروا علينا متجرنا، فما ندري كيف نصنع بأصحابه، هم لا يبرحون الساحل، وأهل الساحل قد وادعوهم، ودخل عامتهم معه، فما ندري أين نسلك؟! وإن أقمنا في دارنا هذه أكلنا رؤوس أموالنا، فلم يكن لها من بقاء، وإنما حياتنا بمكة على التجارة إلى الشام في الصيف وإلى الحبشة في الشتاء»، فقال له الأسود بن المطلب: تنكّب الطريق على الساحل، وخذ طريق العراق، ودلّه على فرات بن حيّان من بني بكر بن وائل، ليكون رائدهم في هذه الرحلة.
وخرجت عير قريش يقودها صفوان بن أمية اخذة الطريق الجديدة، إلا أن نعيم بن مسعود قدم المدينة يحمل أنباء هذه القافلة وخطّة سيرها، واجتمع في مجلس شرب- قبل تحريم الخمر- بسليط بن النعمان، فباح له بسرها، فأسرع سليط إلى النبي ﷺ يروي له القصة، فبعث النبي لوقته (زيد بن حارثة) في مئة راكب يعترضون القافلة، فلقيها زيد عند ماء يقال له: (القردة)، فاستولى عليها، وكانت تحمل مقادير كبيرة من الفضة، وفرّ المشركون مذعورين، فلم يقع في الأسر غير فرات بن حيان، فلمّا جيء به إلى المدينة دخل في الإسلام.
ولقد حزنت مكة لهذه النكبة الجديدة، وزادها ذلك إصرارا على المطالبة بثأرها، والتهيؤ للقاء المسلمين في تعبئة كاملة، فكان ذلك وما سبقه من أحداث التمهيد القوي لمعركة (أحد) في السنة الثالثة للهجرة.
[بين بدر وأحد]:
ولا يفوتنا إذ نتابع النشاط العسكري للإسلام في سنتيه الأوليين بالمدينة، أن نذكر بعض الشؤون الهامة الاخرى، فقد توفي خنيس بن حذافة السهمي زوج حفصة بنت عمر بن الخطاب، وهو رجل صالح ممن شهدوا بدرا، فلما تأيّمت منه، أراد أبوها أن يتخير لها زوجا، قال عمر: فلقيت عثمان بن عفان فعرضت عليه حفصة، فقلت: إن شئت أنكحتك حفصة بنت عمر!! فقال: سأنظر في أمري! فلبث ليالي ثم لقيته فعرضت عليه، فقال: قد بدا لي ألا أتزوّج.
[ ٢٥٣ ]
قال عمر: فلقيت أبا بكر فقلت له: إن شئت أنكحتك حفصة بنت عمر، فصمت ولم يرجع إليّ شيئا! فكنت عليه أوجد منّي على عثمان.
فلبثت ليالي، فخطبها منّي رسول الله ﷺ فأنكحتها إياه، فلقيني أبو بكر فقال: لعلّك وجدت عليّ حين عرضت عليّ حفصة، فلم أرجع إليك شيئا؟ فقلت:
نعم، فقال: فإنه لم يمنعني أن أرجع إليك فيما عرضت عليّ إلا أني كنت علمت أنّ رسول الله ﷺ قد ذكرها، فلم أكن لأفشي سرّ رسول الله ﷺ، ولو تركها لقبلتها «١» .
واتجاه الرسول ﷺ إلى مصاهرة عمر بعد مصاهرة أبي بكر، ثم تزويجه ابنته فاطمة لعلي بن أبي طالب، وتزويجه ابنته أم كلثوم لعثمان- بعد وفاة رقيّة- يشير إلى أن النبي ﵊ يبغي من وراء ذلك توثيق الصلات بالرجال الأربعة الذين عرف بلاؤهم وفداؤهم للإسلام، في الأزمات التي مرت به، وشاء الله أن يجتازها بسلام.
وفي السنة الثانية للهجرة فرض صيام رمضان، وزكاة الفطر، وبيّنات أنصبة الزكاة الاخرى، ومن أجلّ ما وقع في هذه السنة تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة المطهرة، وقد كان هذا الانتقال مثار تغيّظ اليهود واستنكارهم الشديد.
كانوا- قبله- يؤمّلون في متابعة الرّسول ﵊ لهم! ولعلّ أساس موادعتهم له ظنهم الإفادة منه، واستغلال أنصاره! فلمّا تميّز الإسلام بقبلته الجديدة امتلأت نفوسهم باليأس، ودفعتهم خيبة الرجاء إلى تشديد الحملة على الإسلام وتبييت السوء له.
وقد أحبط القران حرب الجدل التي شنها اليهود إثر تغيير القبلة:
سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ ما وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٤٢) [البقرة] .
وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ [البقرة: ١١٥] .
لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ [البقرة: ١٧٧] .
إنّ الله ربّ الأزمنة والأمكنة جميعا، وتوجيه أمة إلى قبلة معينة لا يعني
_________________
(١) حديث صحيح، أخرجه البخاري: ٩/ ١٤٤- ١٤٥، ١٥٢؛ والنسائي: ٢/ ٧٥- ٧٦- ٧٧؛ وأحمد رقم (٧٤)، من حديث عمر بن الخطاب ﵁.
[ ٢٥٤ ]
انحصارا في إحاطته، أو قصورا في ربوبيته. لقد كانت عودة المسلمين إلى الكعبة رجوعا إلى الأصل الذي بناه أبو الأنبياء إبراهيم ﵇، وفي العودة إلى الأصل تنزه عن الانحرافات التي حدثت بعد من الذراري الضالّين، وخصوصا بني إسرائيل.
[ ٢٥٥ ]
معركة أحد
لم يهدأ بال قريش مذ غشيها في «بدر» ما غشيها، وكان ما جدّ من الحوادث بعد لا يزيد أحقادها إلا ضراما، فلما استدارت السنة، كانت مكة قد استكملت عدتها، واجتمع إليها أحلافها من المشركين، وانضمّ إليهم كلّ ناقم على الإسلام وأهله.
فخرج الجيش الثائر في عدد يربو على ثلاثة الاف.
ورأى أبو سفيان- قائده- أن يستصحب النساء معه، حتى يكون ذلك أبلغ في استماتة الرجال دون أن تصاب حرماتهم وأعراضهم؟ وكانت الترات القديمة والغيظ الكامن يشعل البغضاء في القلوب، ويشفّ عما سوف يقع من قتال مرير.
وفي أوائل شوال من السنة الثالثة وصل الجيش الزاحف إلى المدينة، فنزل قريبا من جبل «أحد» وأرسل خيله ترعى زروعها الممتدة هناك.
واجتمع المسلمون حول رسول الله ﷺ يتدبّرون أمرهم.
أيخرجون لمقاتلة العدو في العراء أم يستدرجونه إلى أزقة المدينة، حتى إذا دخلها قاتله الرجال في الطرق، وقاتلته النساء من فوق أسطح البيوت؟.
وكان رسول الله ﷺ يميل إلى الرأي الأخير، وأيّده فيه رجال من أولي النظر والروية، وقال عبد الله بن أبي: هذا هو الرأي، لكنّ الرجال الذين لم يشهدوا بدرا تحمّسوا للخروج، وقالوا: كنا نتمنّى هذا اليوم، وندعو الله، فقد ساقه إلينا وقرب المسير! وظاهرهم الشباب الطامح في الاستشهاد، وبدا أنّ كثرة المسلمين تميل إلى البروز لملاقاة العدو، فدخل الرسول ﷺ بيته وخرج منه لابسا عدته متهيئا للقتال.
وشعر القوم أنّهم استكرهوا الرسول ﷺ على رأيهم، وأظهروا الرغبة في النزول على رأيه. بيد أنّ النبيّ ﷺ وجد غضاضة من الاضطراب بين شتى الاراء، فقال: «ما ينبغي لنبيّ لبس لأمته أن يضعها، حتّى يحكم الله بينه
[ ٢٥٦ ]
وبين عدوّه» «١» .
وقال: «قد دعوتكم إلى هذا الحديث فأبيتم إلا الخروج، فعليكم بتقوى الله، والصبر عند البأس، وانظروا ما أمركم الله به فافعلوه» «٢» .
ثم خرج في ألف رجل حتى نزل ب (أحد)؛ إلا أنّ عبد الله بن أبي انسحب في الطريق بثلث الناس قائلا: ما ندري علام نقتل أنفسنا؟ ومحتجا بأنّ الرسول ﷺ ترك رأيه وأطاع غيره.
فتبعهم عبد الله بن عمرو- والد جابر بن عبد الله- ينصحهم بالثبات، ويؤنّبهم على العودة، ويذكّرهم بواجب الدفاع عن المدينة ضد المغيرين إذا لم يكن لهم إيمان بالله واليوم الاخر وثّقه بالإسلام ورسوله.
فأبى (ابن أبيّ) الاستماع إليه، وفيه وفيمن انسحب معه نزلت الاية:
وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا قاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتالًا لَاتَّبَعْناكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمانِ [ال عمران: ١٦٧] .
عسكر المسلمون بالشّعب من (أحد) في عدوة الوادي، جاعلين ظهرهم إلى الجبل، ورسم النبيّ ﷺ الخطة لكسب المعركة، فجاءت محكمة رائعة؛ وزّع الرماة على أماكنهم وأمّر عليهم عبد الله بن جبير- وكانوا خمسين رجلا- وقال:
«انضحوا الخيل عنّا بالنبل، لا يأتونا من خلفنا!! إن كانت الدائرة لنا أو علينا فالزموا أماكنكم، لا نؤتينّ من قبلكم» «٣» !! وفي رواية قال لهم: «احموا ظهورنا، إن رأيتمونا نقتل فلا تنصرونا، وإن رأيتمونا نغنم فلا تشركونا!» .
_________________
(١) رواه ابن هشام: ٢/ ١٢٦- ١٢٨، عن ابن إسحاق عن الزهري وغيره مرسلا؛ وقد وصله أحمد: ٣/ ٣٥١، من طريق ابن الزبير عن جابر نحوه، وسنده على شرط مسلم، غير أن أبا الزبير مدلس وقد عنعنه. ولكن له شاهد من حديث ابن عباس الذي أخرجه البيهقي كما في (البداية): ٤/ ١١ بسند حسن، فالحديث صحيح؛ وقد رواه أحمد أيضا، رقم (٢٦٠٩)؛ والحاكم: ٢/ ١٢٨- ١٢٩- ٢٩٦- ٢٩٧، وصحّحه، ووافقه الذهبي، وهو حديث طويل في غزوة أحد سيأتي بعض فقراته في الكتاب.
(٢) ذكره ابن كثير: ٤/ ١٢- ١٣، من رواية موسى بن عقبة معضلا.
(٣) حديث صحيح، أخرجه ابن هشام: ٢/ ١٢٩، عن ابن إسحاق بدون إسناد، وله شواهد كثيرة، منها عن البراء بن عازب، أخرجه البخاري: ٧/ ٢٨٠؛ وأبو داود: ١/ ٤١٥؛ وأحمد: ٤/ ٢٩٣، ٢٩٤، ومنها عن ابن عباس وهو الرواية الثانية التي في الكتاب. أخرجه أحمد والحاكم وصحّحه كما تقدم قريبا.
[ ٢٥٧ ]
واطمأنّ رسول الله ﷺ إلى أنّ فرقة الرماة قد أمّنت بهذه الأوامر المشددة مؤخرة جيشه، فأقبل يتعهّد مقدمته، وأمر ألا ينشب قتال إلا بإذنه.
وظاهر هو نفسه بين درعين «١»، وأخذ يتخيّر الرجال أولي النجدة والبأس، ليكونوا طليعة المؤمنين حين يلتحم الجمعان. إن عدد المسلمين على الربع من المشركين، ولن يعوّض هذا التفاوت إلا الأشخاص الذين يوزنون بالألوف وهم احاد.
روى ثابت «٢» عن النبي ﷺ أنه أمسك يوم «أحد» بسيف ثم قال: «من يأخذ هذا السّيف بحقّه؟» فأحجم القوم، فقال أبو دجانة: أنا اخذه بحقه، فأخذه ففلق به هام المشركين. قال ابن إسحاق: كان أبو دجانة رجلا شجاعا يختال عند الحرب، وكانت له عصابة حمراء إذا اعتصب بها علم أنّه سيقاتل حتى الموت، فلما أخذ السيف من يد رسول الله ﷺ تعصّب وخرج يقول:
أنا الذي عاهدني خليلي ونحن بالسّفح لدى النّخيل
ألّا أقوم الدّهر في الكيول أضرب بسيف الله والرسول
ويعني بعدم قيامه في الكيول: ألا يقاتل في مؤخرة الصفوف، بل يظلّ أبدا في المقدمة.
ثم تدانت الفئتان، وأذن النبي ﷺ لرجاله أن يجالدوا العدو، وبدأت مراحل القتال الأولى تثير الغرابة. كأن ثلاثة الاف مشرك يواجهون ثلاثين ألف مسلم، لا بضع مئات قلائل! وظهر المسلمون في أعلى صور الشجاعة واليقين.
خرج حنظلة بن أبي عامر من بيته حين سمع هواتف الحرب، وكان حديث عهد بعرس، فانخلع من أحضان زوجته، وهرع إلى ساحة الوغى حتى لا يفوته الجهاد!.
إن حادي التضحية كان أملك لنفسه وأملأ لحسه من داعي اللذة، فاستشهد البطل وهو جنب!!.
_________________
(١) حديث صحيح، أخرجه الحاكم: ٣/ ٢٥؛ وعنه البيهقي: ٩/ ٤٦، من حديث الزبير بن العوام، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي، وهو حسن الإسناد عندي؛ وأخرجه الترمذي: ٣/ ٢٨، واستغربه. وله شواهد كثيرة، منها: عن السائب بن يزيد عن رجل قد سماه؛ أخرجه أبو داود: ١/ ٤٠٤؛ والبيهقي. وبقية الشواهد تراجع في (المجمع): ٦/ ١٠٨- ١٠٩.
(٢) كذا وقع في تاريخ ابن كثير: ٤/ ١٥، معزوّا لأحمد، فنقله المؤلف كذلك، وإنما هو عن ثابت عن أنس؛ كذلك أخرجه أحمد: ٣/ ١٢٣؛ ومسلم أيضا: ٧/ ١٥١.
[ ٢٥٨ ]
وسادت روح الإيمان المحض صفوف المجاهدين، فانطلقوا خلال جنود الشرك انطلاق الفيضان تقطّعت أمامه السدود.
وقف طلحة بن أبي طلحة العبدري حامل لواء قريش يتحدّى، داعيا إلى البراز، فوثب إليه الزبير بن العوام حتى صار معه على جمله، ثم اقتحم به الأرض فألقاه عنه وذبحه بسيفه!!.
أقبل أبو دجانة معلما بعصابته الحمراء، لا يلقى مشركا إلا قتله، وكان أحد المشركين قد شغل نفسه بالإجهاز على جرحى المسلمين في المعركة. قال كعب بن مالك: وإذا رجل من المسلمين ينتظره وعليه لأمته، فمضيت حتى كنت من ورائه، ثم قمت أقدّر المسلم والكافر ببصري، فإذا الكافر أفضلهما عدة وهيئة، فلم أزل أنتظرهما حتى التقيا فضرب المسلم الكافر على حبل عاتقه ضربة بالسيف فبلغت وركه، وتفرّق فرقتين!! ثم كشف المسلم عن وجهه وقال: كيف ترى يا كعب؟ أنا أبو دجانة
وقاتل حمزة بن عبد المطلب قتال الليوث المهتاجة، وصمد لحملة اللواء من بني عبد الدار، فاقتنص أرواحهم فردا فردا!!.
قال (وحشي) غلام جبير بن مطعم: قال لي جبير: إن قتلت حمزة عمّ محمد فأنت عتيق، قال: فخرجت مع الناس، وكنت رجلا حبشيا أقذف بالحربة قذف الحبشة، قلّما أخطئ بها شيئا، فلمّا التقى الناس، فخرجت أنظر حمزة وأتبصّره حتى رأيته كأنّه الجمل الأورق، يهدّ الناس بسيفه هدّا، ما يقوم له شيء!! فو الله إنّي لأتهيّأ له أريده وأستتر منه بشجرة أو بحجر ليدنو مني؛ إذ تقدمني إليه سباع بن عبد العزّى، فلمّا راه حمزة قال: هلمّ إليّ يا ابن مقطّعة البظور؟ قال: فضربه ضربة كأنما اختطفت رأسه. فهززت حربتي، حتى إذا رضيت عنها دفعتها عليه، فوقعت في ثنته- أحشائه- حتى خرجت من بين رجليه، وذهب لينوء نحوي فغلب، وتركته وإياها حتى مات، ثم أتيته فأخذت حربتي، ورجعت إلى المعسكر فقعدت فيه، إذ لم تكن لي بغيره حاجة، وإنما قتلته لأعتق.
ومع الخسارة الفادحة التي نالت المسلمين بقتل حمزة، فإنّ جيشهم القليل ظلّ مسيطرا على الموقف كلّه، وحمل لواء المسلمين في هذا القتال (مصعب بن عمير) الداعية العظيم، فلما استشهد، حمل اللواء عليّ بن أبي طالب، واستبق
[ ٢٥٩ ]
المهاجرون والأنصار في ميدان الشرف، وأخذ اللواء الإسلاميّ يتقدم خطوة خطوة، وشعار المسلمين في هذا الالتحام: «أمت، أمت» .
وكانت نسوة قريش دائبات على استنهاض رجالهم، يضربن بالدّفوف، ويحرّضن على القتال، تقودهنّ هند بنت عتبة زوجة أبي سفيان.
فكانت تقول- حاثّة بني عبد الدار على إبقاء لواء مكة مرفوعا-:
ويها بني عبد الدّار ويها حماة الأدبار
ضربا بكلّ بتّار!!
وتؤزّ قومها على القتال منشدة:
إن تقبلوا نعانق ونفرش النّمارق
أو تدبروا نفارق فراق غير وامق
وقد بذلت قريش أقصى جهدها لتحطّم عنفوان المسلمين، لكنها أحست العجز، وانكسرت همّتها أمام ثبات المسلمين وإقدامهم.
قال ابن إسحاق: ثم أنزل الله نصره، وصدق وعده، فحسّوهم بالسيوف حتى كشفوهم عن المعسكر، وكانت الهزيمة لا شكّ فيها.
روى عبد الله بن الزبير عن أبيه قال: والله لقد رأيتني أنظر إلى خدم سوق هند بنت عتبة وصواحبها مشمّرات هوارب، ما دون أخذهنّ قليل ولا كثير!!.
قد يجد المرء نفسه في حفل يموج بالأنوار، وتنتشر في أجوائه الأشعة المبصرة، ثم يقع خلل مفاجئ يقطع التيار، فإذا المصابيح تعتم، ثم يسود المكان ظلام موحش سقيم!!.
إن هذا مثل للتحول المستنكر الذي قلب سير الحوادث في معركة أحد.
لحظة يسيرة من لحظات الضعف الإنساني عرضت لفريق من الجند، فأوقعت الارتباك في صفوف الجيش كلّه، فضاعت في ساعة نزق كلّ المكاسب التي أحرزتها الشجاعة النادرة والتضحية البالغة!.
لقد علمت كيف شدّد الرسول ﵊ على الرماة أن يلزموا أماكنهم صيانة لمؤخرة المسلمين، وأوصاهم ألا يبرحوها أبدا، ولو رأوا الجيش تتخطفه الطير؟ غير أنّ أثارة من حبّ الدنيا عصفت بهذه الوصاة في ساعة غفلة؟
[ ٢٦٠ ]
فما أن رأى الرماة الهزيمة حلّت بقريش، النساء يهمن في الجبل، والرجال يولّون الأدبار، والغنائم التي خلّفها ثلاثة الاف مشرك تزحم الوادي حتى غادروا مواقعهم هابطين إلى الميدان، يبغون انتهاب أنصبتهم من الأسلاب والأموال!.
وكان فرسان المشركين بقيادة خالد بن الوليد محصورين، لا يجدون ثغرة ينفذون منها إلى قلب المسلمين، إلى أن حلّت الهزيمة، فلما رأى خالد أنّ مؤخرة المسلمين انكشفت، فلم يبق عليها حارس، اهتبل الفرصة على عجل، فاستدار بالخيل، وأحدق بخصومه منحدرا عليهم من حيث لا يحتسبون. ورأى الفارّون من قريش بوادر هذا التغير الطارئ، فتراجعوا، حتى إنّ امرأة تدعى عمرة بنت علقمة الحارثية هي التي رفعت لواء قريش من التراب، بعد أن سقط وصرع حملته، وثاب المشركون إلى رايتهم وخيالتهم فأحيط الصحابة من الأمام والخلف، ووقعوا بين شقي الرحى..
على أنّ الرجال الأحرار لا يصادون بسهولة، إنهم شدهوا لما حدث.
ولكنّهم أخذوا يقاتلون بحرارة، وإن كان هدفهم هذه المرة أن ينجوا فحسب! أن يبصروا طريقا يخلّصهم من هذا المأزق العضوض!.
واستشهد كثير وهم يحاولون شقّ طريقهم، واستطاع المشركون أن يخلصوا قريبا من النبي ﷺ، فرماه أحدهم بحجر كسر أنفه ورباعيته وشجّه في وجهه، فأثقله، وتفجّر منه الدم «١» . وشاع أنّ محمدا ﷺ قتل، فتفرّق المسلمون، ودخل بعضهم المدينة، وانطلقت طائفة فوق الجبل، واختلطت على الصحابة أحوالهم، فما يدرون كيف يفعلون..
إلا أن النبي ﷺ جعل يصيح بالمؤمنين: «إليّ عباد الله، إليّ عباد الله» ! فاجتمع إليه نحو ثلاثين رجلا، غير أنّ المشركين بصروا بهم فهاجموهم! ووقف طلحة بن عبيد الله، وسهل بن حنيف، إلى جوار الرسول ﵊، فأصيب طلحة بسهم في يده فشلّها.
_________________
(١) رواه ابن جرير في تاريخه عن السدي مرسلا كما في (البداية): ٤/ ٢٣؛ وكسر رباعيته ﷺ وشج رأسه ثابت في مسلم: ٥/ ١٧٩، من حديث أنس؛ ورواه البخاري: ٧/ ٢٩٢، معلّقا.
[ ٢٦١ ]
وأقبل أبي بن خلف الجمحيّ على النبي ﵊- وكان قد حلف أن يقتله- وأيقن أنّ الفرصة سانحة، فجاء يقول: يا كذّاب أين تفر! وحمل على الرسول ﷺ بسيفه.
فقال النبي ﷺ: «بل أنا قاتله إن شاء الله»، وطعنه في جيب درعه طعنة وقع منها يخور خوار الثور، فلم يلبث إلا يوما أو بعض يوم حتى مات «١» .
ومضى النبيّ ﷺ يدعو المسلمين إليه، واستطاع- بالرجال القلائل الذين معه- أن يصعد فوق الجبل، فانحازت إليه الطائفة التي اعتصمت بالصخرة وقت الفرار.
وفرح النبي ﵊ أن وجد بقية من رجاله يمتنع بهم، وعاد لهؤلاء صوابهم إذ وجدوا الرسول حيا وهم يحسبونه مات.
ويبدو أن إشاعة قتل النبي ﷺ سرت على أفواه كثيرة، فقد مرّ أنس بن النضر بقوم من المسلمين ألقوا أيديهم، وانكسرت نفوسهم، فقال: ما تنتظرون؟.
قالوا: قتل رسول الله ﷺ! فقال: وما تصنعون بالحياة بعده؟.
قوموا فموتوا على ما مات عليه ثم استقبل المشركين، فما زال يقاتلهم حتى قتل
ولم تتوان قريش من جانبها في مهاجمة الرسول ﷺ ومن انحاز إليه من أصحابه بغية الإجهاز عليه وعليهم، ومرّت ساعة عصيبة من أحرج الساعات في تاريخ الدنيا، وفرسان المشركين ورماتهم يحملون- بعناد وإلحاح- لتحقيق أمنيتهم، فقتل بين يدي النبي ﷺ خلق كثير، وهم ينافحون دونه، جالدهم طلحة حتى أجهضهم عنه، ثم سقط بين حي وميت، وترّس عليه أبو دجانة بظهره، فكان النبل يقع فيه وهو لا يتحرك.
روى مسلم: أنّ رسول الله ﷺ أفرد يوم أحد في سبعة من الأنصار ورجلين من قريش، فلما أرهقه المشركون قال: «من يردّهم عنّي وله الجنّة؟» فتقدّم رجل
_________________
(١) هو من حديث السدي المتقدم، وقال ابن كثير: إنه غريب جدا وفيه نكارة لكن هذا القدر؛ وهو قصة قتله ﷺ لأبي بن خلف له شاهد من رواية أبي الأسود عن عروة بن الزبير، ومن رواية الزهري عن سعيد بن المسيّب، كما في (البداية): ٤/ ٣٢، وكلاهما مرسل.
[ ٢٦٢ ]
من الأنصار، فقاتل حتى قتل! ثم رهقوه، فقال: «من يردّهم عنّي وله الجنّة» فلم يزل كذلك حتى قتل السبعة، فقال رسول الله ﷺ: «ما أنصفنا أصحابنا» يعني من فرّوا وتركوه.
وتركت هذه الاستماتة أثرها، ففترت حدّة قريش في محاولة قتل الرسول ﷺ وثاب إليه أصحابه من كلّ ناحية، وأخذوا يلمّون شملهم، ويزيلون شعثهم.
وأمر النبي ﷺ صحبه أن ينزلوا قريشا من القمة التي احتلوها في الجبل قائلا: ليس لهم أن يعلونا، فحصبوهم بالحجارة حتى أجلوهم عنها «١» .
إن الإفلات من عواقب هذا الانكسار الشنيع عمل لا يقل- في خطره- عن الانتصار الأول، وقد اتجه عزم الرسول ﷺ إلى بذل كل جهد ممكن في سبيل مقاومة قريش، حتى لا تظفر بشيء غنيمة باردة، بل حتى تثقل بها مغارمها، فلا تطمع في مزيد من إيذاء المسلمين، فكان ينثل السهام من كنانته، ويعطيها سعد بن أبي وقاص ويقول: «ارم فداك أبي وأمي» «٢» .
وكان أبو طلحة الأنصاري راميا ماهرا في إصابة الهدف، قاتل دون رسول الله ﷺ، فكان إذا رمى رفع رسول الله ﷺ شخصه ينظر أين يقع سهمه، ويرفع أبو طلحة صدره قائلا: هكذا بأبي أنت وأمي، لا يصيبك سهم، نحري دون نحرك «٣»، ويقول: إني جلد يا رسول الله، فوجهني في حوائجك، ومرني بما شئت!! وقد نجح الرماة حول رسول الله ﷺ في ردّ المشركين الذين حاولوا صعود الجبل، وبذلك أمكن المسلمين الشاردين أن يلحقوا بالنبي ﷺ ومن معه.
إلا أنّهم جاؤوا وكأنما خرجوا من عماية حتى إنّ بعضهم- من فرط الغيظ والذهول- قاتل أمامه لا يدري من يقاتل، فقتل اليمان والد الصحابي المعروف حذيفة، وصرخ حذيفة: أبي أبي! دون جدوى.
ولمّا تجمّعت فلول المسلمين بعد هذا الكرّ والفرّ، كان الإعياء قد نال منهم
_________________
(١) هو من حديث السدي المتقدم.
(٢) رواه البخاري: ٧/ ٢٨٧، من حديث سعد.
(٣) رواه البخاري: ٧/ ٢٨٩- ٢٩٠، من حديث أنس؛ وكذلك أخرجه أحمد: ٣/ ١٠٥، ٢٦٥، ٢٨٦، وعنده في رواية قول أبي طلحة: «إني جلد » .
[ ٢٦٣ ]
أيّ منال، لولا أنّ الله قذف في قلوبهم السكينة، وأعاد إليهم- بعد هذا الزلزال- الأمل والثقة، فسكنوا حول رسول الله ﷺ يرقبون ما يجدّ، وداعب الكرى أجفان البعض من طول التعب والسهر، فإذا أغفى وسقط من يده السيف، عاودته اليقظة، فتأهب للعراك من جديد! وهذا من نعمة الله على القوم: ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعاسًا يَغْشى طائِفَةً مِنْكُمْ [ال عمران: ١٥٤] .
ولم تكن قريش أقلّ من المسلمين معاناة لأهوال ذلك اليوم العصيب.
فقد تعبت جدّ التعب في الجولة الأولى، فلما أديل لها، وطمعت أن تجعل المعركة حاسمة قاصمة وجدت المسلمين أصلب عودا؛ دون إفنائهم صعاب لا تستطيع احتمالها، فاكتفت مما ظفرت بالإياب.
وظنّ المسلمون- لأول وهلة- أن قريشا تنسحب لتهاجم المدينة نفسها، فقال النبي ﵊ لعلي بن أبي طالب: «اخرج في اثار القوم فانظر ماذا يصنعون؟ فإن هم جنّبوا الخيل وامتطوا الإبل فإنّهم يريدون مكّة، وإن ركبوا الخيل وساقوا الإبل، فهم يريدون المدينة؛ فو الذي نفسي بيده لئن أرادوها لأسيرنّ إليهم، ثم لأناجزنّهم فيها» .
قال علي: فخرجت في اثارهم، فرأيتهم جنّبوا الخيل وامتطوا الإبل، واتجهوا إلى مكة «١» .
قال ابن إسحاق: ثم إنّ أبا سفيان حين أراد الانصراف أشرف على الجبل، ثم صرخ بأعلى صوته: أنعمت، إنّ الحرب سجال، يوم بيوم بدر، اعل هبل!.
فقال رسول الله ﷺ لعمر: «قم يا عمر فأجبه، فقل: الله أعلى وأجلّ، لا سواء، قتلانا في الجنّة وقتلاكم في النّار» .
فقال له أبو سفيان: هلم إليّ يا عمر.
فقال رسول الله ﷺ لعمر: «ائته فانظر ما شأنه»، فجاءه.
فقال له أبو سفيان: أنشدك الله يا عمر أقتلنا محمّدا؟
فقال عمر: اللهم لا، وإنّه ليسمع كلامك الان، قال: أنت عندي أصدق من ابن قميئة- وهو الذي زعم أنّه قتل النبيّ ﷺ.
_________________
(١) رواه ابن هشام: ٢/ ١٤٠، عن ابن إسحاق بدون إسناد.
[ ٢٦٤ ]
ثم نادى أبو سفيان: إنه قد كان في قتلاكم مثلة، والله ما رضيت ولا سخطت، وما نهيت ولا أمرت «١» .
ولما انصرف أبو سفيان نادى: إن موعدكم بدر العام المقبل، فقال رسول الله ﷺ لرجل من أصحابه: «قل: نعم هو بيننا وبينك موعد» «٢» .
عبر المحنة:
موقعة أحد فياضة بالعظات الغوالي والدروس القيّمة، وقد نزلت في أدوارها وحوادثها ونتائجها ايات طوال، وكان لها في نفس الرسول ﵊ أثر عميق، ظلّ يذكره إلى قبيل وفاته، كانت امتحانا ثقيل الوطأة، محّض السرائر، ومزّق النقاب عن مخبوئها، فامتاز النفاق عن الإيمان، بل تميّزت مراتب الإيمان نفسه، فعرف الذين ركلوا الدنيا بنعالهم فلم يعرّجوا على مطمع من مطامعها، والذين مالوا إليها بعض الميل، فنشأ عن أطماعهم التافهة ما ينشأ عن الشرر المستصغر من حرائق مروّعة.
بدأت المعركة بانسحاب ابن أبي، وهو عمل ينطوي على استهانة بمستقبل الإسلام وغدر به في أحرج الظروف، وتلك أبرز خسائس النفاق.
والدعوات- إبّان امتدادها وانتصارها- تغري الكثيرين بالانضواء تحت لوائها، فيختلط المخلص بالمغرض، والأصيل بالدخيل. وهذا الاختلاط مضرّ أكبر الضرر بسير الرسالات الكبيرة وإنتاجها.
ومن مصلحتها الأولى أن تصاب برجّات عنيفة، تعزل خبثها عنها، وقد اقتضت حكمة الله أن يقع هذا التمحيص في أحد:
_________________
(١) حديث صحيح، أخرجه أحمد، والحاكم وصحّحه من حديث ابن عباس، وإسناده حسن كما تقدم في أول معركة أحد، وله شاهد من حديث البراء عند البخاري وغيره، وقد سبق تخريجه قريبا. وشاهد اخر من حديث ابن مسعود أخرجه أحمد رقم (٤٤١٤)، وفيه حمّاد بن سلمة، عن عطاء بن السائب، وقد سمع منه حالة الاختلاط كما سمع منه قبلها؛ ولهذا قال الحافظ ابن كثير (٤/ ٤١): «هذا إسناد فيه ضعف» وهذا هو الصواب، خلافا لقول الشيخ أحمد محمد شاكر: إنّه صحيح، فإنه ذهل عما ذكر من سماعه منه في الاختلاط. وقد صحّح فضيلة الشيخ كثيرا من الأحاديث في تعليقه على المسند وغيره كلّها من هذا الطريق، فليتنبه لهذا.
(٢) لم أجده الان عند غير ابن إسحاق.
[ ٢٦٥ ]
ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ [ال عمران: ١٧٩] .
فالجبن والنكوص هما اللذان كشفا عن طوية المنافقين، فافتضحوا أمام أنفسهم وأمام الناس قبل أن تعلن عن نفاقهم السماء.
فإذا تجاوزت السفوح التي يدبّ عليها أولئك المنافقون، وثبت إلى ذرا شامخة للإيمان البعيد الغور، النقيّ العنصر، يتمثل في مرحلة الهجوم المظفر الذي ابتدأ به القتال، ثم في مرحلة الدفاع النبيل الهائل الذي حمل المسلمون عبئه عند ما ارتدت الكرة للمشركين، ورجحت كفتهم.
إن الرجال الذين يكتبون التاريخ بدمائهم، ويوجّهون زمامه بعزماتهم؛ هم الذين صلوا هذه الحرب، وحافظوا بها مصير الإسلام في الأرض.
روي أن (خيثمة) قتل ابنه في معركة بدر فجاء إلى رسول الله ﷺ يقول: لقد أخطأتني وقعة بدر، وكنت- والله- عليها حريصا حتى ساهمت ابني في الخروج، فخرج- في القرعة- سهمه، فرزق الشهادة، وقد رأيت البارحة ابني في النوم في أحسن صورة، يسرح في ثمار الجنة وأنهارها، يقول: الحق بنا ترافقنا في الجنة، فقد وجدت ما وعدني ربي حقا!!.
ثم قال: وقد أصبحت يا رسول الله مشتاقا إلى مرافقته، وقد كبرت سنّي، ورقّ عظمي، وأحببت لقاء ربّي؛ فادع الله يا رسول الله أن يرزقني الشهادة ومرافقة ابني خيثمة في الجنة، فدعا رسول الله ﵊ له، فقتل ب (أحد) شهيدا «١» .
[من بطولات الصحابة وتضحياتهم]:
وكان (عمرو بن الجموح) أعرج شديد العرج، وكان له أربعة أبناء شباب يغزون مع رسول الله ﷺ، فلما توجّه إلى (أحد) أراد أن يخرج معه، فقال له بنوه: إنّ الله قد جعل لك رخصة، فلو قعدت ونحن نكفيك، وقد وضع الله عنك الجهاد.
فأتى عمرو رسول الله ﷺ، فقال: إنّ بنيّ هؤلاء يمنعونني أن أجاهد معك،
_________________
(١) لم أقف عليه الان.
[ ٢٦٦ ]
وو الله إنّي لأرجو أن أستشهد فأطأ بعرجتي هذه في الجنة!! فقال له رسول الله ﷺ:
«أمّا أنت فقد وضع الله عنك الجهاد» . وقال لبنيه: «وما عليكم أن تدعوه لعلّ الله ﷿ أن يرزقه الشهادة»، فخرج مع رسول الله ﷺ، فقتل يوم أحد شهيدا «١» .
وقال نعيم «٢» بن مالك: يا نبيّ الله لا تحرمنا الجنّة- وذلك قبل نشوب القتال- فو الذي نفسي بيده لأدخلنها!! فقال له رسول الله ﷺ: «بم؟» قال: بأنّي أحبّ الله ورسوله، ولا أفرّ يوم الزّحف، فقال له رسول الله ﷺ: «صدقت» واستشهد يومئذ.
وقال عبد الله بن جحش في ذلك اليوم: اللهم إنّي أقسم عليك أن ألقى العدوّ غدا فيقتلوني، ثم يبقروا بطني، ويجدعوا أنفي وأذني، ثم تسألني: فيم ذلك؟ فأقول: فيك «٣» !.
هذه صورة للرجولة الفارعة التي اصطدم بها الكفر أول المعركة واخرها، فماد أمامها، واضطربت من تحت أقدامه الأرض، فما ربح شيئا في بداية القتال، ولا انتفع بما ربح اخره.
وهذا اللون من البطولة مدفون تحت جدران التاريخ الإسلامي القائم إلى اليوم، وما يقوم للإسلام صرح، ولا ينكفّ عنه طغيان إلا بهذه القوى المذخورة المضغوطة في أفئدة الصدّيقين والشهداء.
_________________
(١) رواه ابن هشام: ٢/ ١٣٩، عن ابن إسحاق، قال: وحدثني أبي إسحاق بن يسار عن أشياخ من بني سلمة به، وهذا سند حسن إن كان الأشياخ من الصحابة، وإلا فهو مرسل. وبعضه في المسند: ٥/ ٢٩٩، من حديث أبي قتادة ﵁، وزاد: فقتلوا يوم أحد، هو وابن أخيه ومولى لهم، فمر عليه رسول الله ﷺ فقال: «كأنّي أنظر إليك تمشي برجلك هذه صحيحة في الجنة» . وسنده صحيح.
(٢) الصواب (النعمان بن مالك)، وفي ترجمته أورد هذا الحديث الحافظ في (الإصابة) من طريق السدي. فهو مرسل.
(٣) أخرج هذا الأثر الحاكم: ٣/ ١٩٩- ٢٠٠، من طريق سعيد بن المسيّب: قال: قال عبد الله بن جحش وقال: «صحيح على شرط الشيخين، لولا إرسال فيه» ووافقه الذهبي. قلت: لكن له شاهد موصول أخرجه البغوي كما في (الإصابة) من طريق إسحاق بن سعد بن أبي وقاص: حدثني أبي أن عبد الله بن جحش قال فذكره بنحوه وزاد في اخره: قال سعد: «فلقد رأيته اخر النهار، وإن أنفه وأذنه لمعلقان في خيط» .
[ ٢٦٧ ]
من سرّ هذا الإلهام؟ من مشرق هذا الضياء؟ من مبعث هذا الاقتدار؟
إنه محمد ﷺ! إنه هو الذي ربّى ذلكم الجيل الفذّ، ومن قلبه الكبير أترعت هذه القلوب تفانيا في الله، وإيثارا لما عنده.
[إصابة النبي ﷺ]:
وقد أصيب هذا النبي الجليل ﷺ في (أحد) أصيب في بدنه؛ إذ دخلت حلقات المغفر في وجهه، فأكبّ عليه أبو عبيدة يعالج انتزاعها بفمه، فما خلصت من لحمه حتى سقطت معها ثنيتاه «١»، ونزف الدم- غزارة- من جراحته، كلّما سكب عليه الماء ازداد دفقا، فما استمسك حتى أحرقت قطعة من حصير فألصقت به «٢» .
وكسرت كذلك رباعيته «٣»، وكسرت البيضة «٤» على رأسه؛ ومع ذلك فقد ظل متقد الذهن، يوجه أصحابه إلى الخير حتى انتهت المعركة.
ثم أصيب في أهله، فقتل حمزة بحربة انغرزت في أحشائه، وجاءت (هند) امرأة أبي سفيان، فاستخرجت كبده من بطنه، ولاكتها بفمها، ثم لفظتها لانفجار المرارة.
وقد كان رسول الله ﷺ يعز حمزة، ويحبه أشد الحب، فلما رأى شناعة المثلة في جسمه تألم أشد الألم، وقال: «لن أصاب بمثلك أبدا، ما وقفت قط موقفا أغيظ إليّ من هذا» «٥» بيد أن التسليم لله لم يلبث أن مسح هذه الأحزان العارضة، وعاد رسول الله ﷺ يتفقد أصحابه، ويخفّف ما نزل بهم، ويسكب من
_________________
(١) ذكره ابن هشام: ٢/ ١٣٥- ١٣٦، من طريق إسحاق بن يحيى بن طلحة عن عيسى بن طلحة عن عائشة عن أبي بكر، وقد وصله الطيالسي: ٢/ ٩٩، فقال: حدثنا ابن المبارك عن إسحاق به، وكذلك وصله الحاكم: ٣/ ٢٦- ٢٧، ووقع في سنده تحريف وقال: «صحيح الإسناد»، فتعقبه الذهبي بقوله: «قلت: إسحاق متروك»؛ وكذا قال الهيثمي: ٦/ ١١٢، بعد أن عزاه للبزار.
(٢) حديث صحيح، أخرجه البخاري: ٧/ ٢٩٨؛ ومسلم: ٥/ ١٧٨؛ وغيرهما من حديث سهل بن سعد.
(٣) هو من حديث سهل بن سعد المتقدم انفا.
(٤) البيضة: الخوذة من الحديد توضع على رأس المقاتل.
(٥) حديث لا يصح؛ ذكره ابن هشام: ٢/ ١٤١، بدون إسناد؛ ولم أجده عند غيره، وقد نقله عنه الحافظ ابن كثير: ٤/ ٤٠؛ وابن حجر في (الفتح): ٧/ ٢٩٧، ولم يوصلاه.
[ ٢٦٨ ]
إيمانه على نفوسهم ما يملؤها عزاء ورضا عن الله واستكانة لقضائه.
روى الإمام أحمد «١»: لما كان يوم أحد، وانكفأ المشركون قال رسول الله ﷺ: «استووا حتى أثني على ربّي ﷿»، فصاروا خلفه صفوفا، فقال:
«اللهم! لك الحمد كلّه.
اللهم! لا قابض لما بسطت ولا باسط لما قبضت، ولا هادي لمن أضللت، ولا مضلّ لمن هديت، ولا معطي لما منعت، ولا مانع لما أعطيت؛ ولا مقرّب لما باعدت، ولا مبعّد لما قرّبت.
اللهم! ابسط علينا من بركاتك ورحمتك وفضلك ورزقك.
اللهم! إنّي أسألك النعيم المقيم، الذي لا يحول ولا يزول.
اللهم! إنّي أسألك العون يوم العيلة، والأمن يوم الخوف.
اللهم! إنّي عائذ بك من شرّ ما أعطيتنا وشرّ ما منعتنا.
اللهمّ! حبّب إلينا الإيمان، وزيّنه في قلوبنا، وكرّه إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا من الرّاشدين.
اللهم! توفنا مسلمين، وأحينا مسلمين، وألحقنا بالصالحين، غير خزايا ولا مفتونين.
اللهم! قاتل الكفرة الذين يكذّبون رسلك، ويصدون عن سبيلك، واجعل عليهم رجزك وعذابك.
اللهم! قاتل الكفرة الذين أوتوا الكتاب، إله الحقّ» .
[دروس وعبر]:
ترفق القران الكريم وهو يعقّب على ما أصاب المسلمين في (أحد) على عكس ما نزل في بدر من ايات، ولا غرو؛ فحساب المنتصر على أخطائه أشدّ من حساب المنكسر.
_________________
(١) في المسند: ٣/ ٤١٤؛ والحاكم أيضا؛ ١/ ٥٠٧، ٣/ ٢٣- ٢٤، وقال الحاكم: «صحيح على شرط الشيخين»، قلت: إنّما هو صحيح فقط، فإنّ فيه عبيد بن رفاعة، لم يخرج له الشيخان، ومن أخطاء الذهبي: أنّه في أحد الموضعين وافق الحاكم على تصحيحه، وفي الموضع الاخر قال: «والحديث مع نظافة إسناده منكر»، كذا قال: ولم أعرف لقوله وجها، والله أعلم.
[ ٢٦٩ ]
في المرة الأولى قال:
تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٧) لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (٦٨) [الأنفال] .
أما في أحد فقال:
مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ [ال عمران: ١٥٢] .
حسب المخطئين ما لحقهم من أوضار الهزيمة، وفي القصاص العاجل درس يذكّر المخطئ بسوء ما وقع فيه.
وقد اتجهت الايات إلى مزج العتاب الرقيق بالدرس النافع وتطهير المؤمنين، حتى لا يتحوّل انكسارهم في الميدان إلى قنوط يفلّ قواهم، وحسرة تشل إنتاجهم:
قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (١٣٧) هذا بَيانٌ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٨) وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣٩) [ال عمران] .
ثم مضى الوحي يعلّم المسلمين ما جهلوا من سنن الدين والحياة، أو يذكّرهم بما نسوا من ذلك، فبيّن أنّ المؤمن- مهما عظمت بالله صلته- فلا ينبغي أن يغترّ به، أو يحسب الدنيا دانت له، أو يظنّ قوانينها الثابتة طوع يديه.
كلا، كلا؛ فالحذر البالغ والعمل الدائم هما عدتا المسلم لبلوغ أهدافه المرسومة، ويوم يحسب المسلم أنّ الأيام كلها كتبت له، وأنّ شيئا منها لن يكون عليه، وأنّ أمجاد الدارين تنال دون بذل التكاليف الباهظة، فقد سار في طريق الفشل الذريع.
إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ [ال عمران: ١٤٠] .
أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ (١٤٢) [ال عمران] .
وأولو الألباب يستحيون أن يطلبوا السلعة الغالية بالثّمن التافه، وهم يبدون استعدادهم للتضحية بأنفسهم لقاء ما ينشدون؛ بيد أن الاستعداد أيام الأمن يجب ألا يزول أيّام الروع.
[ ٢٧٠ ]
إنّ الإنسان- في عافيته- قد يتصوّر الأمور سهلة مبسّطة، وقد يتأدّى به ذلك إلى المجازفة والخداع.
فليحذر المؤمن هذا الموقف، وليستمع إلى تأنيب الله لمن تمنّوا الموت ثم حادوا عنه لما جاء:
وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (١٤٣) [ال عمران] .
ثم عاتب الله ﷿ من أسقط في أيديهم، وانكسرت همتهم، لمّا أشيع أن الرسول ﵊ مات، ما كذلك يسلك أصحاب العقائد! إنهم أتباع مبادئ لا أتباع أشخاص.
ولو افترض أنّ الرسول ﷺ قتل وهو ينافح عن دين الله، فحقّ على أصحابه أن يثبتوا في مستنقع الموت، وأن يردوا المصير نفسه الذي ورده قائدهم، لا أن ينهاروا ويتخاذلوا.
إنّ عمل محمّد ﵊ ينحصر في إضاءة الجوانب المعتمة من فكر الإنسان وضميره، فإذا أدى رسالته ومضى، فهل يسوغ للمستنير أن يعود إلى ظلماته فلا يخرج منها!.
لقد جمع محمد ﷺ الناس حوله على أنّه عبد الله ورسوله، والذين ارتبطوا به عرفوه إماما لهم في الحق، وصلة لهم بالله.
فإذا مات عبد الله، ظلّت الصلة الكبرى بالحيّ الذي لا يموت باقية نامية:
وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ (١٤٤) [ال عمران] .
وقد استطرد النّظم الكريم يبصّر المؤمنين بمواطن العبرة فيما نالهم، ويعلّمهم كيف يتقون في المستقبل هذه المازق، وينتهز هذه الكبوة العارضة ليعزل عن جماعة المسلمين من خالطوهم على دخل، وعاشروهم على نفاق.
ولئن أفادت وقعة (بدر) في خذل الكافرين، إن وقعة (أحد) أفادت مثلها في فضح المنافقين، ورب ضارة نافعة، وربما صحّت الأجسام بالعلل.
ولعلّ ما ترتّب على عصيان الأوامر في هذه الموقعة درس عميق يتعلّم منه
[ ٢٧١ ]
المسلمون قيمة الطاعة، فالجماعة التي لا يحكمها أمر واحد، أو التي تغلب على أفرادها وطوائفها النزعات الفردية النافرة لا تنجح في صدام، بل لا تشرّف نفسها في حرب أو سلام.
والأمم كلّها- مؤمنها وكافرها- تعرف هذه الحقيقة، ولذلك قامت الجندية على الطاعة التامة، وعند ما تشتبك أمة في حرب، تجعل أحزابها جبهة واحدة، وأهواءها رغبة واحدة، وتخمد كلّ تمرّد أو شذوذ ينجم في صفوفها.
وإحسان الجندية كإحسان القيادة.
فكما أنّ إصدار الأوامر يحتاج إلى حكمة، فإن إنفاذها يحتاج إلى كبح وكبت، ولكن عقبى الطاعة في هذه الشؤون تعود على الجماعة بالخير الجزيل.
وأسرع الناس إلى الشغب والتمرد من أقصوا عن الرئاسة وهم إليها طامحون.
وكان عبد الله بن أبيّ مثلا لهذه الفئة، التي تضحّي بمستقبل الأمة في سبيل أطماعها الخاصة.
أمّا الرماة الذين عصوا الأوامر بلزوم أماكنهم مهما كانت أطوار القتال فقد مرّت بهم فترة ضعف وذهول، تيقظت- خلالها- بقية في أنفسهم من حبّ الدنيا، والإقبال على عرضها الزائل، فكان إثر ذلك ما كان!.
ولذلك لما دهش المسلمون للكارثة التي قلبت عليهم الأمور، بيّن الله لهم أنهم هم مصدرها، فما أخلفهم موعدا، ولا ظلمهم حقا.
أَوَلَمَّا أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْها قُلْتُمْ أَنَّى هذا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٦٥) [ال عمران] .
إن الإسلام يشترط لكمال العمل وقبوله الإيمان، والاحتساب، والتجرّد.
شهداء أحد:
أخذت قريش طريقها إلى مكة وقد استخفّها النّصر الذي أحرزته.
إنها طارت به على عجل، كأنّها غير واثقة مما نالت بعد الهزيمة التي حاقت بها أول القتال!!.
وأقبل المسلمون يتحسّسون مصابهم في الرجال، ويجهّزون القتلى لمضاجعهم التي يبرزون منها للقاء الله يوم ينفخ في الصور.
[ ٢٧٢ ]
روى ابن إسحاق «١» أنّ رسول الله ﷺ قال: «من رجل ينظر لي ما فعل سعد بن الرّبيع؟ أفي الأحياء هو أم في الأموات؟» فقال رجل من الأنصار: أنا.
فنظر، فوجده جريحا في القتلى، وبه رمق، فقال له: إنّ رسول الله ﷺ أمرني أن أنظر، أفي الأحياء أنت أم في الأموات؟ فقال: أنا في الأموات، فأبلغ رسول الله ﷺ سلامي! وقل له: إنّ سعد بن الربيع يقول لك: جزاك الله عنّا خير ما جزى نبيّا عن أمته! وأبلغ قومك عني السلام وقل لهم إنّ سعد بن الربيع يقول لكم: إنه لا عذر لكم عند الله إن خلص إلى نبيّكم وفيكم عين تطرف !.
قال: ثم لم أبرح حتّى مات، وجئت النبيّ ﵊ فأخبرته خبره.
وأمر رسول الله ﷺ بدفن الشهداء حيث قتلوا، ورفض أن ينقلوا إلى مقابر أسرهم.
قال جابر بن عبد الله: لمّا كان يوم أحد جاءت عمّتي بأبي لتدفنه في مقابرنا، فنادى منادي رسول الله ﷺ: «ردّوا القتلى إلى مضاجعهم» «٢» .
وكان رسول الله ﷺ يجمع بين الرجلين من قتلى أحد في ثوب واحد، ثم
_________________
(١) أخرجه من طريق محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة المازني مصرحا بسماعه منه، مرفوعا به، كما في سيرة ابن هشام: ٢/ ١٤٠- ١٤١، وهذا إسناد معضل، وقد رواه الحاكم: ٣/ ٢٠١، من طريق محمد بن إسحاق: أنّ عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة حدّثه عن أبيه: أنّ رسول الله ﷺ قال فذكره. وأنا أخشى أن يكون سقط من السند محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن إسحاق، وعبد الله بن عبد الرحمن، فإنّهم لم يذكروا ابن إسحاق في الرواة عن عبد الله بن عبد الرحمن، وعليه يكون الحديث مرسلا، وبه أعلّه الذهبي؛ لأن عبد الله هذا تابعي، وأما أبوه عبد الرحمن ابن أبي صعصعة فصحابي، فلو أنّ سند الحاكم سلم من السقط لكان الحديث متصلا، ولما أعلّه الذهبي بالإرسال، والله أعلم. والحديث رواه مالك في الموطأ: ٢/ ٢١، عن يحيى بن سعيد معضلا، ونقل السيوطي في (تنوير الحوالك) عن ابن عبد البر قال: «هذا الحديث لا أحفظه ولا أعرفه إلا عند أهل السير، فهو عندهم مشهور معروف» قلت: قد رواه الحاكم أيضا من حديث زيد بن ثابت، قال: بعثني رسول الله ﷺ يوم أحد لطلب سعد بن الربيع وقال الحاكم: «صحيح الإسناد»، ووافقه الذهبي، وفي سنده أبو صالح عبد الرحمن بن عبد الله الطويل، ولم أجد الان ترجمته.
(٢) حديث صحيح، أخرجه أبو داود: ٢/ ٦٣؛ والنسائي: ١/ ٢٨٤؛ وابن ماجه: ١/ ٢٦٤؛ وأحمد: ٣/ ٢٩٧، ٣٠٧، ٣٩٧، ٣٩٨، بسند صحيح عن جابر.
[ ٢٧٣ ]
يقول: «أيّهم أكثر أخذا للقران؟» فإذا أشير إلى أحدهما قدّمه في اللحد، وقال:
«أنا شهيد على هؤلاء يوم القيامة!» وأمر بدفنهم بدمائهم، ولم يصلّ عليهم، ولم يغسّلهم.. «١» .
ولما انصرف عنهم قال: «أنا شهيد على هؤلاء، إنّه ما من جريح يجرح في سبيل الله إلا والله يبعثه يوم القيامة يدمى جرحه، اللون لون دم، والرّيح ريح مسك» «٢» .
إنّ معركة أحد تركت اثارا غائرة في نفس النبيّ ﵊ ظلت تلازمه إلى اخر عهده بالدنيا.
في هذا الجبل الداكن الجاثم حول يثرب أودع محمد ﷺ أعزّ الناس عليه، وأقربهم إلى قلبه، فالصفوة النقية التي حملت أعباء الدعوة، وعادت في سبيل الله الأقربين والأبعدين، واغتربت بعقائدها قبل الهجرة وبعدها، وأنفقت وقاتلت، وصبرت وصابرت، هذه الصفوة اختطّ لها القدر مثواها الأخير في هذا الجبل الأشم، فتوسّدت ثراه راضية مرضية، وكان رسول الله يتذكّر سير أولئك الأبطال ومصائرهم فيقول:
«أحد جبل يحبّنا ونحبّه» «٣» .
فلمّا حانت وفاته، جعل اخر عهده بذكريات البطولة أن يزور قتلى أحد وأن يدعو الله لهم، وأن يعظ الناس بهم!!.
عن عقبة بن عامر، قال: صلّى رسول الله ﷺ على قتلى أحد بعد ثماني
_________________
(١) حديث صحيح، أخرجه البخاري: ٣/ ١٦٣- ١٦٥، ١٦٩، ٧/ ٣٠٠؛ والنسائي: ١/ ٢٧٧؛ والترمذي: ٢/ ١٤٧، وصححه، وابن ماجه: ١/ ٤٦١؛ وأحمد: ٥/ ٤٣١، من حديث جابر أيضا.
(٢) حديث صحيح، أخرجه أحمد: ٥/ ٤٣١، ٤٣٢؛ وابن هشام: ٢/ ١٤٢، كلاهما من طريق ابن إسحاق. حدّثني الزهري عن عبد الله بن ثعلبة بن صعير العذري مرفوعا، وهذا سند صحيح، وابن صعير صحابيّ صغير، فهو مرسل صحابي، وهو حجة. وكذلك أخرجه البيهقي: ٤/ ١١، من طريق ابن عيينة عن الزهري به، وأخرجه أيضا من طريق أخرى عن الزهري، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن أبيه به. وإسناده صحيح أيضا.
(٣) حديث صحيح، أخرجه البخاري: ٧/ ٣٠٢؛ ومسلم: ٤/ ١٢٤، وغيرهما من حديث أنس وغيره.
[ ٢٧٤ ]
سنين كالمودّع للأحياء والأموات، ثم طلع المنبر، فقال: «إنّي بين أيديكم فرط، وأنا عليكم شهيد، وإنّ موعدكم الحوض، وإني لأنظر إليه من مقامي هذا. وإنّي لست أخشى عليكم أن تشركوا، ولكن أخشى عليكم الدّنيا أن تنافسوها!» .
قال عقبة: فكان اخر نظرة نظرتها إلى رسول الله «١» .
[حمراء الأسد]:
على أنّ المسلمين دفنوا موجدتهم في أفئدتهم، ولم يستسلموا لأحزان المصاب الذي حلّ بهم، وكان تكاثر خصومهم حولهم سببا في أن يقاوموا عوامل الخور، وأن يبدوا للناس بقية من قوة تردّ عنهم كيد المتربّصين، على نحو ما قال الشاعر:
وتجلّدي للشامتين أريهم أنّي لريب الدّهر لا أتضعضع
وقد كانت الهزيمة في أحد فرصة انتهزها المنافقون واليهود، وكل ذي غمر على محمّد ﵊ ودينه وأصحابه، ففارت المدينة كالمرجل المتّقد، وكشف عن عداوته من كان قبلا يواريها، وتحدّث الكافرون بالإسلام عن خذلان السماء للنبيّ المرسل من عند الله.
فرأى الرسول ﷺ أن يعيد تنظيم رجاله على عجل، وأن يتحامل الجريح مع السليم على تكوين جيش جديد، يخرج في أعقاب قريش ليطاردها، ويمنع ما قد يجد من تكرار عدوانها!!.
كانت معركة أحد في يوم السبت لخمسة عشر من شوال، وكان خروج هذا الجيش في الأحد لستة عشر منه.
وسار رسول الله ﷺ والمسلمون معه حتى بلغوا (حمراء الأسد) «٢»، واقتربوا من جيش أبي سفيان، وكان رجال قريش- بعد أن ضمّهم الفضاء الرحب قد عادوا إلى التفكير فيما حدث، وأخذوا يتلاومون، يقول بعضهم لبعض: لم تصنعوا شيئا، أصبتم شوكة القوم، ثم تركتموهم ولم تبتروهم، وقد بقيت منهم رؤوس يجمعون لكم!.
_________________
(١) حديث صحيح، أخرجه البخاري: ٣/ ١٦٤، ٧/ ٢٧٩- ٢٨٠، ٣٠٢؛ ومسلم: ٧/ ٦٧؛ وأحمد: ٤/ ١٤٩، ١٥٣، ١٥٤؛ والبيهقي: ٤/ ١٤.
(٢) رواه ابن لهيعة، عن أبي الأسود عن عروة بن الزبير مرسلا كما في البداية، وذكره ابن هشام عن ابن إسحاق بدون سند.
[ ٢٧٥ ]
إلا أنّ هذا التفكير تزلزل إثر ما عرفت قريش أنّ المسلمين عبّؤوا قواهم، وخرجوا يستأنفون القتال.
وحار المشركون في أمرهم: أيعودون لحرب لا يأمنون مغبتها، وربما أفقدتهم ثمار النصر الذي أحرزوه؟ أم يمضون- لتوهم- إلى مكة؟ وفي هذه الحال يتحسن مركز المسلمين، وتخفّ مرارة الهزيمة التي لحقتهم.
وقد رأى أبو سفيان أن يغنم الأوبة الرابحة، وأن يبعث إلى المسلمين من يقذف بالرعب في قلوبهم، ويخبرهم أن قريشا عادت لاستئصال شأفتهم بعد أن تبيّن لها خطؤها في تركهم.
وعسكر المسلمون ب (حمراء الأسد) ثم جاءهم دسيس أبي سفيان يغريهم بالعودة إلى يثرب نجاة بأنفسهم من كرّة المشركين عليهم، وهم لا يقدرون على ملاقاتهم!.
بيد أنّ المسلمين قبلوا التحدّي، وظلوا في معسكرهم يوقدون النار طيلة ثلاث ليال، في انتظار قريش التي ترجّح لديها أنّ النجاة بنفسها أولى، فعادت إلى مكة، وعاد المسلمون إلى المدينة ليدخلوها مرة أخرى، أرفع رؤوسا، وأعزّ جانبا.
وفي هذه المظاهرة الناجحة، وفيمن اشتركوا فيها على ألم الجراح وإرهاق التعب، وفي ثباتهم على التثبيط واطمئنانهم إلى جانب الله، نزلت الايات الكريمة:
الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٧٢) الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيمانًا وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (١٧٣) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (١٧٤) [ال عمران] .
اثار أحد:
انتقض على الإسلام كثير ممن هادنه أو داهنه.
وبرغم مظهر البأس الذي أبداه المسلمون في مطاردة المشركين حتى (حمراء الأسد)؛ فإنّ هزيمة (أحد) كانت أبعد غورا مما يظنون.
لقد جرّأت عليهم أعراب البادية، وفتحت لهم أبواب الأمل في الإغارة على المدينة، وانتهاب خيرها.
[ ٢٧٦ ]
كما أنّ اليهود عالنوا بسخريتهم، وتركوا وساوس الغش تلحّ عليهم، وتكدّر سيرتهم مع المسلمين.
ومن أصعب الأمور قياد الأمم عقب الهزائم الكبيرة، وقياد الدعوات بعد الانكسارات الخطيرة، وإن كان الرجال يستسهلون الصعب، ويصابرون الأيام حتى يجتازوا الأزمات.
وقد جاءت السّنة الرابعة للهجرة والمسلمون لمّا يداووا جراحاتهم في (أحد)؛ إلّا أنّ الأحداث لا تنتظر، فقد أخذ البدو يتحرّكون نحو المدينة، يحسبون أنّ ما فيها أصبح غنيمة باردة، وأول من تهيّأ لغزو المدينة بنو أسد، فسارع رسول الله ﷺ إلى بعث أبي سلمة على رأس مئة وخمسين رجلا؛ ليبغت القوم في ديارهم قبل أن يقوموا بغارتهم «١» .
ولم يلق أبو سلمة عناء في تشتيت أعدائه واستياق نعمهم أمامه، حتى عاد إلى المدينة مظفرا، وأبو سلمة يعدّ من خيرة القادة الذين صحبوا رسول الله ﷺ وسبقوا إلى الإيمان والجهاد معه، وقد عاد من هذه الغزاة مجهودا؛ إذ نغر عليه جرحه الذي أصابه في أحد، فلم يلبث حتى مات.
وحاول خالد بن سفيان الهذلي أن يحشد الجموع لحرب المسلمين، فأرسل إليه النبي ﷺ عبد الله بن أنيس فقتله «٢» وهو يجتهد في تأليب القبائل للهجوم على المدينة.
وثارت هذيل لرجلها بأن أعانت على تسليم أسرى المسلمين إلى أهل مكة في غزوة الرّجيع.
_________________
(١) ذكر هذه السرية ابن كثير في (البداية): ٤/ ٦١- ٦٢، من طريق الواقدي بإسناد له معضل! والواقدي متروك!.
(٢) رواه أبو داود: ٢/ ١٩٦؛ والبيهقي: ٣/ ٢٥٦؛ وأحمد: ٣/ ٤٩٦، من طريق ابن عبد الله بن أنيس عن أبيه، وقال الحافظ ابن كثير في (تفسيره: ١/ ٢٩٥): «إسناده جيد»، وقال الحافظ ابن حجر في (الفتح: ٢/ ٣٥٠): «إسناده حسن» . قلت: وابن عبد الله بن أنيس سماه البيهقي في روايته «عبيد الله»، وكأنه تحريف من الناسخ أو الطابع، فقد أورده ابن أبي حاتم فيمن اسمه «عبد الله» مكبرا. وقال: «روى عن أبيه، وروى عنه محمد بن إبراهيم التيمي»، ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا. وقد روى عنه محمد بن جعفر بن الزبير أيضا، وهو الذي روى عنه هذا الحديث، والله أعلم.
[ ٢٧٧ ]
[قصة الرجيع]:
وأصل قصّة الرّجيع هذه، أن وفدا من قبائل عضل والقارة، قدم على رسول الله يذكر أنّ أنباء الإسلام وصلت إليهم، وأنهم يحتاجون إلى رجال يعلمونهم الدين، ويقرئونهم القران، فأرسل النبي ﷺ معهم رهطا من الدعاة يرأسهم عاصم بن ثابت، فانطلق الجميع حتى إذا كانوا بين عسفان ومكة قريبا من مياه هذيل شعر الدعاة بأنّ أصحابهم غدروا بهم، واستصرخوا هذيلا عليهم.
وفزع الدعاة إلى أسلحتهم يقاتلون الغادرين ومن أعانهم من قبيلة هذيل، وماذا يجدي قتال نفر يعدّون على الأصابع لنحو مئة من الرماة وراءهم قومهم يشدّون أزرهم؟ لذلك لم يلبث عاصم وصحبه أن قتلوا.
واستسلم للأسر منهم ثلاثة نفر: خبيب، وزيد بن الدثنة، وعبد الله بن طارق، فاسترقهم الهذليون وخرجوا بهم إلى مكة ليبيعوهم بها، ومعنى بيعهم بمكة تسليمهم للقتلة المتربصين؛ فإن أولئك النفر من الرجال الذي قاتلوا مع رسول الله ﷺ في بدر وأحد، ولأهل مكة لديهم ترات، يودّون الاشتفاء منها، وقد حاول عبد الله الإفلات من هذا المصير فقتل، وأما (خبيب) و(زيد) فأخذهما رجال قريش ليقتلوهما، أخذا بثأرهم القديم.
فأما زيد فابتاعه صفوان بن أمية؛ ليقتله بأبيه، ولما خرجوا به من الحرم، اجتمع حوله رهط من قريش- فيهم أبو سفيان بن حرب- فقال له أبو سفيان حين قدّم ليقتل-: أنشدك بالله يا زيد أتحب أنّ محمدا الان عندنا مكانك تضرب عنقه، وأنّك في أهلك؟ فقال: والله ما أحبّ أنّ محمدا الان في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة تؤذيه، وإني جالس في أهلي.
فقال أبو سفيان: ما رأيت من الناس أحدا يحبّ أحدا كحبّ أصحاب محمّد محمدا. ثم قتل زيد.
وأما خبيب فقد اشتراه عقبة بن الحارث، ليقتله بأبيه، فلما خرجوا بخبيب من الحرم ليصلبوه قال لهم: إن رأيتم أن تدعوني حتى أركع ركعتين فافعلوا، قالوا: دونك فاركع. فركع ركعتين أتمهما وأحسنهما، ثم أقبل على القوم فقال:
أما والله لولا أن تظنّوا أنّي إنما طوّلت جزعا من القتل لاستكثرت من الصّلاة، فكان خبيب أول من سنّ هاتين الركعتين عند القتل ثم رفعوه على خشبة.
[ ٢٧٨ ]
فلما أوثقوه قال: اللهم إنا قد بلّغنا رسالة رسولك، فبلّغه الغداة ما يصنع بنا. ثم قال: اللهم أحصهم عددا، واقتلهم بددا، ولا تغادر منهم أحدا «١»، واستقبل الموت وهو ينشد:
ولست أبالي حين أقتل مسلما على أيّ جنب كان في الله مصرعي
وذلك في ذات الإله وإن يشأ يبارك على أوصال شلو ممزّع
حزن المسلمون لفقدانهم عاصما وصحبه، ولمصرع أسيريهم على هذا النحو الفاجع، فقد خسروا فريقا من الدعاة الأكفاء الشجعان يحتاج إليهم الإسلام في هذه الفترة من تاريخه، ثم إنّ اصطياد الرجال بهذه الطريقة زاد المسلمين توجّسا وقلقا؛ إذ إن ذلك المسلك دل على مبلغ طماعية العرب في أهل الإيمان، واستهتارهم بأرواحهم، وجرأتهم على النيل منهم دون تخوّف أو محاذرة قصاص!.
[شهداء القرّاء في بئر معونة]:
ومع أن هذه الواقعة توجب على المسلمين أن يتبصّروا قبل بعث أيّ وفد لنشر الإسلام بين القبائل البعيدة والمجاهل المريبة، إلا أن ضرورة بثّ الدعوة مهما فدحت الخسائر- جعلت النبي ﷺ ينظر إلى هذه التضحيات على أنّها أمر لا بدّ منه؛ كالتاجر الذي يتحمّل المغارم الثقيلة حينا من الدهر، لأنّ الانسحاب من السوق- بغية تجنّبها- قضاء عليه، فهو يبقى متجمّلا حتى تهبّ الريح من جديد رخاء تعوّض ما فقد، وذلك سرّ استجابة الرسول ﷺ لأبي براء عامر بن مالك الملقّب بملاعب الأسنّة حين عرض عليه أن يرسل وفدا من الدعاة ينشرون الإسلام بين قبائل نجد.
وقد أبدى النبيّ ﷺ خشيته من أن يصاب رجاله بسوء وسط قبائل ضارية لا يؤمن ذمامها، فقال أبو براء: أنا لهم جار «٢» !!.
_________________
(١) رواه ابن هشام: ٢/ ١٦٧- ١٦٩؛ عن ابن إسحاق: حدثني عاصم بن عمر بن قتادة مرسلا. وهذا سند صحيح لولا الإرسال، لكن رواه البخاري في صحيحه: ٧/ ٣٠٣- ٣٠٨؛ وأحمد: ٢/ ١٩٤، ٣١٠، موصولا من حديث أبي هريرة نحوه وفيه الأبيات الاتية.
(٢) رواه ابن هشام: ٢/ ١٧٤، عن ابن إسحاق بسند صحيح مرسلا؛ وكذلك رواه الطبراني-
[ ٢٧٩ ]
وخرج الدعاة من المدينة، حتى بلغوا (بئر معونة) وكانوا سبعين من خيار المسلمين، يعرفون بالقرّاء، يحتطبون بالنهار، ويصلّون بالليل، ويحيون على هذا النّسق الرتيب من جهاد للحياة ورغبة في الاخرة.
فلما أمرهم الرسول بالمسير لإبلاغ رسالات الله خرجوا، وما كانوا يعرفون أنهم- جميعا- يحثّون الخطا إلى مصارعهم في أرض انتشر الغادرون في فجاجها.
وحينما انتهى القرّاء إلى (بئر معونة) بعثوا أحدهم- حرام بن ملحان- إلى (عامر بن الطفيل) رأس الكفر في هذه البقاع، فأعطاه كتاب النبي ﷺ الذي يدعوه فيه إلى الإسلام، فلم ينظر عامر في الكتاب، وأمر رجلا من أتباعه أن يغدر بحامل الرسالة، فما شعر حرام إلا وطعنة نجلاء تخترق ظهره، وتنفذ من صدره، وكأنّ هذه الشهادة المفاجئة لاقت رجلا يتمنّاها من قديم، فقد صاح حرام على إثر ذلك: فزت وربّ الكعبة!.
ومضى عامر في غشمه، فاستصرخ أعوانه، ليواصلوا العدوان على سائر القوم، فانضمت إليه قبائل رعل وذكوان والقارة؛ فهجم بهم عامر على القرّاء الوادعين.
ورأى هؤلاء الموت مقبلا عليهم من كلّ صوب، فهرعوا إلى سيوفهم، يدفعون عن أنفسهم دون جدوى؛ إذ استطاع الأعراب الهمج أن يغشوهم في رحالهم، وأن يستأصلوهم عن اخرهم.
وكان في سرح القرّاء اثنان لم يشهدا هذه المأساة، منهم (عمرو بن أمية الضمري) ولم يعرفا النبأ المحزن إلا من أفواج الطير المتوحّشة تنطلق نحو المعسكر، محوّمة حول الجثث الملقاة على الرمل الأعفر، طاعمة مما تستطيع اختطافه بأظافرها ومناقرها. قالا: والله إنّ لهذه الطير لشأنا، فأقبلا لينظرا، فإذا القوم مضرّجون في دمائهم، وإذا الخيل التي أصابتهم واقفة! قال زميل عمرو له:
ماذا ترى؟ قال عمرو: أرى أن نلحق برسول الله ﷺ نقصّ عليه الخبر، لكنّ زميله كره هذا الرأي، وكان له بين من استشهدوا صديق حميم يدعى المنذر؛ لذلك
_________________
(١) - عن ابن إسحاق كما في (المجمع): ٦/ ١٢٨- ١٢٩؛ ورواه الطبراني أيضا من حديث كعب بن مالك ﵁ نحوه، قال الهيثمي: «ورجاله رجال الصحيح» .
[ ٢٨٠ ]
أجاب عمرو بن أمية قائلا: ما كنت لأرغب بنفسي عن موطن قتل فيه المنذر! وما كنت لأبقى حتى أقصّ خبره على الرجال! وهجم على الأعراب يقاتلهم حتى قتل، وأخذ عمرو أسيرا فأعتقه عامر بن الطفيل كبير الغادرين عن رقبة زعم أنها على أمه!.
[المصاب الفادح]:
ورجع عمرو إلى النبي ﷺ حاملا معه أنباء المصاب الفادح، مصرع سبعين من أفاضل المسلمين، تذكّر نكبتهم الكبيرة بنكبة أحد إلا أنّ هؤلاء ذهبوا في قتال واضح؛ وأولئك ذهبوا في غدرة شائنة.
إنّ هذه النازلة ملأت قلوب المسلمين غيظا، وهم لم يضيقوا بخسائرهم فحسب، بل الذي أحرج مشاعرهم في هذه الحادثة أنّها كشفت عما تخبئه الوثنية في ضميرها من غلّ كامن على الإسلام وأهله، غلّ عصف بكل مبادئ الشرف والوفاء، وأباح لكل غادر أن يلحق الأذى بالمؤمنين متى شاء وكيف شاء.
وفي طريق عمرو إلى المدينة لقي رجلين ظنّهما من بني عامر، فقتلهما ثأرا لأصحابه، ثم تبيّن أنهما من بني كلاب، وأنّهما معاهدين للمسلمين.
ولمّا قدم عمرو على الرسول ﵊ وأخبره الخبر، قال النبي ﷺ للناس: «إنّ أصحابكم أصيبوا، وإنّهم قد سألوا ربّهم فقالوا: ربّنا أخبر عنّا إخواننا بما رضينا عنك ورضيت عنّا» «١» .
ثم قال النبي ﷺ لعمرو: «لقد قتلت قتيلين لأدينّهما» «٢»، وانشغل بجمع دياتهما من المسلمين وحلفائهم اليهود!.
[استعادة هيبة المسلمين]:
إنّ نجاح الإسلام في ترسيخ أقدامه بالجزيرة أحفظ قلوبا كثيرة، ولا ريب أنّ تأميل المسلمين في المستقبل، وارتقابهم المزيد في الفتح زاد ضغن
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه: ٧/ ٣١٢، من طريق هشام بن عروة عن أبيه مرسلا. لكن رواه بنحوه موصولا من حديث أنس: ٧/ ٣٠٩، ٣١٠، ٣١١؛ والطبراني من حديث ابن مسعود كما في (المجمع): ٦/ ١٣٠.
(٢) رواه الطبراني، وابن هشام من طريق ابن إسحاق بسنده مرسلا. وقد تقدم قريبا.
[ ٢٨١ ]
الضاغنين، وقد كان الناقمون والمتربّصون يصفون المسلمين بالغرور: إِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هؤُلاءِ دِينُهُمْ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٤٩) [الأنفال]، غير أنّ هذه الكراهية اختفت أمدا بعد انتصار (بدر) بل لعلّ هذا النصر أغرى جمهورا من الضعاف والمترددين بالانضواء تحت علم الدّين الجديد. فلما تقلّبت الليالي بالمسلمين، ولحقتهم الهزائم، انفجر الحقد المكبوت، ونهض خصوم الإسلام يناوشونه في كل مكان.
وقد قلنا: إنّ النبي ﷺ أدرك هذه الحال بعد (أحد) فبذل جهده ليستعيد هيبة المسلمين، ويوطّد ما اضطرب من مكانتهم، ولذلك اشتدّ الصراع بين الجانبين: المشركون يظنّون الفرصة سانحة لإتباع (أحد) بمثلها أو أشدّ، والمسلمون يرون محوها إلى الأبد.
على أنّ الخسائر تلاحقت بالمسلمين في الرجيع وبئر معونة كما مر بك، ودخل الإيمان في محنة بعد أخرى، ومع هذه البأساء لم يفقد الرجال الواثقون صلتهم بربهم، واطمئنانهم إلى غدهم، وشرعوا يردّون الضربة بمثلها، فلمّا تحرّك اليهود في هذه الاونة العصيبة ليغتالوا رسول الله ﷺ لم يتوان في إنزال العقوبة الرادعة بهم.
[ ٢٨٢ ]
إجلاء بني النضير
وتفصيل ذاك الغدر أنّ النبيّ ﵊ ذهب إلى منازل بني النضير ليستعين بهم في دية القتيلين اللذين قتلهما (عمرو بن أمية) مرجعه من بئر معونة، فلما فاوضهم الرسول ﷺ في الأمر، أظهروا الرضا بمعونته، فجلس إلى جنب جدار من بيوتهم، ينتظر وفاءهم بما وعدوا، لكنّ يهود خلا بعضهم إلى بعض، ثم قالوا:
إنّكم لن تجدوا الرجل على مثل حاله هذه- خلوّ بال واطمئنان نفس- فمن رجل يعلو ظهر هذا البيت، فيلقي عليه صخرة، ويريحنا منه!.
وحين أوشك اليهود على إنفاذ مكيدتهم ألهم رسول الله ﷺ الخطر المدبّر له، فنهض- عجلا- من جوار البيت الذي جلس إلى جنب جداره، وقفل راجعا إلى المدينة.
وشعر أصحاب النبيّ ﷺ بمغيبه، فقاموا في طلبه، فإذا رجل مقبل من المدينة، يخبرهم أنّه راه يدخلها، فأسرعوا يلحقون به، فلما انتهوا إليه، أخبرهم بما كادت له يهود، وقد عرف- بعد- أنّ عمرو بن جحّاش هو الذي أراد قتل النبي ﷺ بإلقاء الرحى عليه، ولم ينج الشقيّ من عواقب جرمه، ولا نجا قومه، فإنّ رسول الله ﷺ ما لبث أن استدعى محمد بن مسلمة، وقال له: «اذهب إلى بني النّضير فمرهم أن يخرجوا من المدينة، ولا يساكنوني بها، وقد أجّلتهم عشرا فمن وجدت بعد ذلك ضربت عنقه» «١» .
_________________
(١) رواه نحوه ابن سعد في (الطبقات الكبرى) في غزوة بني النضير بدون إسناد؛ لكن روى البيهقي كما في تفسير ابن كثير: ٤/ ٣١٣، بسنده عن محمد بن مسلمة: أنّ رسول الله ﷺ بعثه إلى بني النضير، وأمره أن يؤجّلهم في الجلاء ثلاثة أيام، ورجاله ثقات غير محمود بن محمد بن مسلمة، ترجمه ابن أبي حاتم: ٤/ ١/ ٢٩٠، ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا. فهو في عداد المجهولين.
[ ٢٨٣ ]
ولم يجد يهود مناصا من الخروج، فأخذو يتجهّزون للرحيل، بيد أنّ منافقي المدينة، وعلى رأسهم عبد الله بن أبي أرسلوا إليهم: أن اثبتوا، ونحن ننصركم على محمّد وصحبه! فعادت لليهود ثقتهم، واستقرّ رأيهم على المناوأة، وأرسلوا للنبي ﷺ يقولون له: لن نخرج، فافعل ما بدا لك، ثم احتموا بحصونهم، واستعدّوا للقتال، وزادهم إصرارا على المقاومة ما ترامى إليهم من أنّ ابن أبيّ أعدّ ألفي مقاتل لنصرتهم.
ونهض النبي ﷺ لمناجزة القوم، وتحدّى من ينضمّ إليهم من قبائل اليهود الاخرى، أو من مشركي العرب، وفرض الحصار على مساكن بني النضير، وأمر بتقطيع نخلهم «١»، ثم جدّ الجدّ، ورأى اليهود الموت، ووقع الرعب في قلوب أعوانهم، فلم يحاول أحد أن يسوق لهم خيرا، أو يدفع عنهم شرا، مع أنّ اشتباك المسلمين بخصومهم في هذه الفترة المحرجة من تاريخهم لم يكن مأمون العواقب، وقد رأيت كلب العرب عليهم، وفتكهم الشنيع ببعوثهم، ثم إنّ يهود بني النضير كانوا على درجة من القوة تجعل استسلامهم بعيد الاحتمال، وتجعل فرض القتال معهم محفوفا بالمكاره؛ إلا أنّ الحال التي جدّت بعد مأساة (بئر معونة) وما قبلها، زادت حساسية المسلمين بجرائم الاغتيال والغدر، التي أخذوا يتعرّضون لها جماعات وأفرادا، وضاعفت نقمتهم على مقترفيها، ومن ثمّ قرروا أن يقاتلوا بني النضير بعد همهم باغتيال رسول الله ﷺ مهما تكن النتائج.
وقد جاءت النتيجة في مصلحتهم بأسرع مما يتصورون، فاندحر اليهود، ونزلوا على حكم المنتصر، الذي أذن لهم بالجلاء عن ديارهم، ولهم ما حملت إبلهم من أموال ما عدا السلاح! «٢» .
وفي هذه المعركة نزلت سورة الحشر بأكملها، فوصفت طرد اليهود في صدرها بقول الله ﷿:
هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ دِيارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ ما ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ
_________________
(١) هذا الأمر صحيح، أخرجه الشيخان وغيرهما من حديث ابن عمر.
(٢) رواه الحاكم: ٢/ ٤٨٣، من حديث عائشة، وفيه نزول الاية الاتية؛ وقال: «صحيح على شرط الشيخين» ووافقه الذهبي! وإنّما هو صحيح فقط، لأنّ زيد بن المبارك الصنعاني وشيخه محمد بن ثور ليسا من رجالهما.
[ ٢٨٤ ]
يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ (٢) [الحشر] .
ثم فضح القران مسلك منافقي المدينة، الذين حاولوا إعانة يهود في غدرها وحربها، وحرّضوها على مقاتلة المسلمين بما وعدوها من أمداد وعتاد فقال:
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (١١) لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ (١٢) [الحشر] .
وبهذا النصر الذي أحرزه المسلمون دون تضحيات، توطد سلطانهم في المدينة، وتخاذل المنافقون عن الجهر بكيدهم، وأمكن رسول الله ﷺ أن يتفرّغ لقمع الأعراب الذين اذوا المسلمين بعد أحد وتواثبوا على بعوث الدعاة يقتلون رجالها في نذلة وكفران.
[الثأر لأصحاب الرجيع وبئر معونة]:
وتأديبا لأولئك الغادرين خرج النبيّ ﵊ يجوس فيافي نجد، ويطلب ثأر أصحابه الذين قتلوا في (الرجيع) و(بئر معونة)، ويلقي بذور الخوف في أفئدة أولئك البدو القساة، حتى لا يعاودوا مناكرهم التي ارتكبوها مع المسلمين.
وقام النبي ﷺ- تحقيقا لهذا الغرض- بغزوات شتى، أرهبت القبائل المغيرة، وخلطت بمشاعرها الرعب فأضحى الأعراب الذين مردوا على النهب والسطو لا يسمعون بمقدم المسلمين إلا حذروا، وتمنّعوا في رؤوس الجبال بعد ما قطعوا الطرق على الدعوة ردحا من الزمن، وفي مقدمة هؤلاء: بنو لحيان، وبنو محارب، وبنو ثعلبة من غطفان.
فلمّا خضد المسلمون شوكتهم، وكفكفوا شرّهم، أخذوا يتجهّزون لملاقاة عدوهم الأكبر، فقد استدار العام وحضر الموعد المضروب مع قريش.
وحقّ لمحمد ﷺ وصحبه أن يخرجوا ليواجهوا أبا سفيان وقومه، وأن يديروا رحى الحرب كرة أخرى، حتى يستقرّ الأمر لأهدى الفريقين وأجدرهما بالبقاء.
[ ٢٨٥ ]
بدر الاخرة
لم ينشط أبو سفيان للوفاء بالميعاد الذي ضربه عند منصرفه من «أحد» بل خرج من مكة متثاقلا، يفكّر في عقبى القتال مع المسلمين، وهو- بعد- لمّا يتخذ لهذا القتال أهبته التي يودها. إن قومه هزموا في (بدر) على كثرة عددهم ووفرة عدتهم، واستخلصوا النصر في (أحد) بعد جهد فاشل.
ولولا الخطأ الذي وقع فيه جيش التوحيد ما ظفرت قريش بهذه الغرّة؛ لذلك ما كاد أبو سفيان يقترب من (الظهران) حتى بدا له في الرجوع فصاح بقومه: يا معشر قريش! إنّه لا يصلحكم إلا عام خصيب، ترعون فيه الشجر، وتشربون فيه اللبن، وإن عامكم هذا عام جدب، وإني راجع فارجعوا
وهكذا انسحبت قريش من المعركة المنتظرة.
أما المسلمون فإنهم نفروا لملاقاة المشركين على استعداد وحماسة، حتى وصلوا إلى ماء (بدر) فعسكروا حوله، يعلنون وفاءهم بكلمتهم، وتأهبهم للحرب الموعودة، وظلوا ثمانية أيام يرتقبون مقدم أهل مكة، ويمسحون عن سمعتهم اخر ما تركت هزيمة (أحد) من غبار وكان ذلك في شعبان من السنة الرابعة من الهجرة.
[ ٢٨٦ ]
دومة الجندل
وانتقل زمام المفاجأة إلى أيدي المسلمين بعد أن نكصت قريش عن مواجهتهم، فالتفتوا إلى الشمال بعد أن توطدت مهابتهم في الجنوب.
وشمال الجزيرة يجاور سلطان الروم القديم، والعرب الضاربون هناك لا يخشون بأس أحد بعد القيصر.
وقيصر نفسه لا يتوقع أن تنبت في الجزيرة قوة تناوئه أو تتجاهله.
وجاءت الأخبار إلى المدينة أنّ القبائل حول دومة الجندل- قريبا من الشام- تقطع الطريق هناك، وتنهب ما يمر بها، وقد بلغ بها الطيش حدّا فكرت معه أن تهاجم المدينة، وأن جمعا كبيرا احتشد بها للاندفاع في هذه الغارة!!.
فخرج رسول الله ﷺ في ألف من المسلمين، يكمن بهم نهارا ويسير ليلا حتى يفاجئ أعداءه وهم غارّون. والمسافة بين يثرب و(دومة الجندل) خمس عشرة ليلة، قطعها المسلمون بمعونة دليل ماهر، فلمّا بلغوا مضارب خصومهم اجتاحوها مباغتين، ففرت الجموع المتأهبة للسطو، وأصاب المسلمون سوائمهم ورعاءهم، وكانت لبني تميم.
أما أهل الدومة ففروا في كل وجه، فلما نزل المسلمون بساحتهم لم يجدوا أحدا، وأقام الرسول ﵊ عدة أيام يبعث السرايا، ويبثّ رجاله هنا وهناك فلم يثبت للقائم هارب.
وعاد المسلمون إلى المدينة، وكان توجههم لعرب الشمال في ربيع الأول من السنة الخامسة.
[ ٢٨٧ ]
غزوة بني المصطلق
عند ما كان الإسلام دعوة تغالب النظام السائد كانت مخاصمته تتخذ طريق الجهرة والتهجم دون مبالاة، فلما استقرّ له الأمر، وتوفّرت لأبنائه أسباب القوة، سلكت عداوته المسارب التي تسلكها الغرائز المكبوتة، فأمسى الكيد له يقوم على المكر والدس إلى جانب الوسائل الاخرى التي يعالن بها الأقوياء.
وائتمار الضعفاء في جنح الظلام لا يقلّ خطورة عن نكاية الأقوياء في ميادين الصدام،؛ بل إنّ المرء قد يألم لإشاعة ملفقة أكثر مما يألم لطعنة مواجهة.
وفي الحروب الفاجرة تستخدم جميع الوسائل التي تصيب العدو؛ وإن كان بعضها يستحيي من استخدامه الرجل الشريف!.
وقد لجأ المنافقون في المدينة إلى مناوأة النبي ﷺ ودعوته بأسلوب تظهر فيه خسة النفس الإنسانية عند ما يستبد بها الحقد، ويغلب عليها الضعف، أسلوب اللمز والتعريض حينا، والإفك حينا اخر.
وكلّما توطدت سلطة المسلمين، ورسخت مكانتهم، ازداد خصومهم المنافقون ضغنا عليهم، وتربصا بهم، وقد حاولوا تأييد اليهود عند ما تأذّنهم الرسول ﷺ بالجلاء، فلما لم يوقف مدّ الإسلام شيء، ولم تهدّه هزيمة، وأخذت القبائل العادية تختفي واحدة تلو أخرى، التحق أولئك المنافقون بصفوف المسلمين ولم تنكشف نياتهم السوء إلا من فلتات الألسنة ومزالق الطباع، فكانت سيرتهم تلك مثار فتن شداد، تأذى منها رسول الله ﷺ والمؤمنون شيئا غير قليل.
وظهر ذلك جليا في غزوة (بني المصطلق) . فإن الأنباء أتت الرسول ﵊ بأن هذه القبيلة تجمع له وتستعد لقتاله، وأن سيدها الحارث بن أبي ضرار قد استكمل عدته لهذا المسير، فسارع رسول الله ﷺ بالمسلمين ليطفئ الفتنة قبل اندلاعها.
وخرج مع الرسول ﵊ هذه المرة جمع من المنافقين،
[ ٢٨٨ ]
الذين لم يعتادوا الخروج قبلا، ولعلّ ثقتهم بانتصار محمد ﵊ أغرتهم بالذهاب معه ابتغاء الدنيا لا انتصارا لدين.
وانتهى المسلمون إلى ماء يسمى (المريسيع) اجتمع لديه بنو المصطلق، فأمر رسول الله ﷺ عمر بن الخطاب أن يعرض الإسلام على القوم، فنادى عمر فيهم:
قولوا: لا إله إلا الله؛ تمنعوا بها أنفسكم وأموالكم، فأبوا، وترامى الفريقان بالنبل.
ثم أمر النبي ﷺ صحابته فحملوا عليهم حملة رجل واحد، فلم يفلت من المشركين أحد، إذ وقعوا جميعا أسرى بعد ما قتل منهم عشرة أشخاص، ولم يستشهد من المسلمين إلا رجل واحد قتل خطأ، وسقطت القبيلة بما تملك في أيدي المسلمين «١» .
ورأى رسول الله ﷺ أن يعامل المهزومين بالإحسان، فلما جاء الحارث قائد القبيلة المنكسرة يطلب ابنته التي وقعت في الأسر ردّها عليه، ثم خطبها منه، وتزوجها «٢»، فاستحيى الناس أن يسترقّوا أصهار رسول الله ﷺ، فأطلقوا من بأيديهم من الأسرى، فكانت جويرية بنت الحارث من أيمن الناس على أهلها، فقد أعتق في زواجها مئة أهل بيت من بني المصطلق!!.
على أنّ هذا النصر الميسّر شابه من أعمال المنافقين ما عكّر صفوه، وأنسى
_________________
(١) رواه بنحوه ابن جرير في تاريخه: ٢/ ٢٦٠- ٢٦٢، من طريق ابن إسحاق بسنده مرسلا. وكذلك رواه ابن هشام في (السيرة): ٢/ ٢١٦- ٢١٨، وهذا الإسناد مع ضعفه ليس فيه أمر عمر بعرض الإسلام. وقد أشار الزرقاني على المواهب: ٢/ ٩٧ لضعف هذه الزيادة، وحق له ذلك، فقد صحّ عنه ﷺ ما يقتضي ضعفها، فقال ابن القيم في (الزاد: ٢/ ١٥٨) بعد ذكر نحو ما هنا من القتال: «هكذا قال عبد الرحمن بن خلف في سيرته وغيره، وهو وهم، فإنّه لم يكن بينهم قتال، وإنما أغار عليهم على الماء، فسبى ذراريهم وأموالهم كما في الصحيح: أغار رسول الله ﷺ على بني المصطلق وهم غارون وذكر الحديث» . راجع: فتح الباري: ٧/ ٣٤٦.
(٢) هذا غير صحيح، وقد أشار لذلك ابن هشام في سيرته: ١/ ٣٦٧، فإنه ذكر هذه الرواية بدون إسناد، وصدّرها بقوله: «ويقال»، والصحيح أنه ﷺ قضى عنها كتابتها وتزوجها دون أن يخطبها من أبيها فإنها كانت أسيرة كما رواه ابن إسحاق بسند صحيح عن عائشة ﵂؛ ومن طريقه أخرجه أحمد: ٦/ ٢٧٧؛ وابن هشام: ٢/ ٢١٨- ٢١٩، ٣٦٧، وفي حديثها قصة إطلاق الأسرى.
[ ٢٨٩ ]
المسلمين حلاوته، فإنّ خادما لعمر كان يسقي له من ماء المريسيع ازدحم مع مولى لبني عوف من الخزرج، وكادا يقتتلان على الورود- شأن الخدم الطائشين-، فصاح الأول: يا للمهاجرين! وصاح الاخر: يا للأنصار! واستمع إلى صياح الأتباع عبد الله بن أبي- وكان في رهط من قومه- فرأى الفرصة سانحة لإثارة حفائظهم، وإحياء ما أماته الإسلام من نعرات الجاهلية، فقال:
أو قد فعلوها؟ نافرونا وكاثرونا في بلادنا، أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجنّ الأعزّ منها الأذل، ثم أقبل على قومه- ولم تزل له فيهم بقية وجاهة- يلومهم ويحرّضهم على التنكّر للرسول ﵊ وصحبه، فذهب (زيد بن أرقم) إلى النبي ﷺ يقصّ عليه الخبر، وأسرع ابن أبي إلى رسول الله يبرئ نفسه، وينفي ما قاله!!.
ورأى الحاضرون أن يقبلوا كلام ابن أبي؛ رعاية لمنزلته، وقالوا: لعلّ الغلام- يعنون زيد بن أرقم- أوهم، ولم يحفظ ما قيل.
على أنّ الحقيقة لم تفت النبيّ ﷺ، فأحزنه ما وقع، ووجد خير علاج له شغل الناس عنه، حتى يعفّي على اثاره، فأصدر أمره بالارتحال في ساعة ما كان يروح في مثلها، ومشى بالناس سائر اليوم حتى أمسوا، وطيلة الليل حتى أصبحوا، وصدر يومهم الجديد حتى اذتهم الشمس، ثم نزل بهم.
فما إن وجدوا مسّ الأرض حتى وقعوا نياما! وتابع الرّسول ﵊ رواحه حتى عاد إلى المدينة.
ونزلت سورة المنافقين وفيها تصديق ما روى زيد بن أرقم: يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ (٨) [المنافقون] «١» .
لم يدر بخاطر أحد أنّ هذه الأوبة المتعجّلة سوف تتمخّض عن أكذوبة دنيئة يحيك أطرافها (عبد الله بن أبي) ثم يرمي بها بين الناس، فتسير مسير الوباء الفاتك.
إنّ هذا الرجل حلف كاذبا بعد أن أنكر مقالته الثابتة، ولو أنّ الجبان ذهب يطلب النجاة من عقباها، لكان ذلك أجدى عليه، لكنّه لم يزدد- على السماح
_________________
(١) هذا تمام مرسل ابن إسحاق الذي ذكرته انفا.
[ ٢٩٠ ]
الذي قوبل به- إلا خسّة وخصاما، والبون بعيد بين أصناف الرجال، الذين عادوا الإسلام ورسوله. لقد كان (أبو جهل) خصما لدودا لكلّ من دخل هذا الدين، وكان طاغية عنيدا لا تنتهي لجاجته، إلا أنه كان كالضبع المفترس، لا يحسن الالتواء والوقيعة، حمل السيف في وضح النهار، وما زال يقاتل به حتى صرع.
أمّا عبد الله بن أبي فقد اختفى كالعقرب الخائنة، ثم شرع يلسع الغافلين، قبع هذا المنافق في جنح الظلام وبدأ ينفث الإشاعات المريبة.
وتدلّى- في غوايته- إلى حضيض بعيد، فلم يبال أن يتهجّم على الأعراض المصونة، وأن ينسج حولها مفتريات يندى لها جبين الحرائر العفيفات.
في عودة الرسول ﷺ من غزوة بني المصطلق إلى المدينة، نبت حديث الإفك وشاع، واجتهد خصوم الله ورسوله أن ينقلوا شرره في كل مكان قاصدين- من وراء هذا الأسلوب الجديد في حرب الإسلام- أن يدمّروا على الرسول ﷺ بيته، وأن يسقطوا مكانة أقرب الرّجال لديه، وأن يدعوا جمهور المسلمين- بعد ذلك- يضطرب في عماية من الأسى والغم!!.
وللوصول إلى هذه الغاية استباح ابن أبي لنفسه أن يرمي بالفحشاء سيدة لمّا تجاوز مرحلة الطفولة البريئة، لا تعرف الشرّ، ولا تهمّ بمنكر، ولا تحسن الحياة إلا في فلك النبوة العالي، وهي التي تربّت في حجر صدّيق، وأعدت لصحبة نبي في الدنيا والاخرة.
وتلقّف العامة هذا الحديث الغريب، وهم في غمرة الدهشة، لا يدرون مبلغ الخطر الكامن في قبوله ونقله.
وإليك سردا لهذا (الحديث) المفتعل على لسان السيدة التي تعرّضت له وبرّئت منه.
[ ٢٩١ ]
حديث الإفك
قالت السيدة عائشة: كان رسول الله ﷺ إذا أراد سفرا أقرع بين نسائه، فأيتهنّ خرج سهمها خرج بها معه، فلمّا كانت غزوة (بني المصطلق) خرج سهمي عليهنّ، فارتحلت معه. قالت: وكان النساء إذ ذاك يأكلن العلق، لم يهجهنّ اللحم فيثقلن، وكنت إذا رجّل لي بعيري جلست في هودجي، ثم يأتي القوم فيحملونني، يأخذون بأسفل الهودج فيرفعونه، ثم يضعونه على ظهر البعير ويشدّونه بالحبال وبعدئذ ينطلقون.
قالت: فلمّا فرغ رسول الله ﷺ من سفره ذاك توجّه قافلا، حتى إذا كان قريبا من المدينة، نزل منزلا، فبات فيه بعض الليل، ثم أذّن مؤذّن في الناس بالرحيل، فتهيؤوا لذلك، وخرجت لبعض حاجتي وفي عنقي عقد لي، فلما فرغت انسلّ من عنقي ولا أدري، ورجعت إلى الرحل، فالتمست عقدي، فلم أجده، وقد أخذ الناس في الرحيل، فعدت إلى مكاني الذي ذهبت إليه، فالتمسته حتى وجدته.
وجاء القوم الذين كانوا يرحّلون لي البعير- وقد كانوا فرغوا من رحلته- فأخذوا الهودج يظنون أنّي فيه كما كنت أصنع، فاحتملوه، فشدّوه على البعير، ولم يشكّوا أني به، ثم أخذوا برأس البعير وانطلقوا!!.
ورجعت إلى المعسكر وما فيه داع ولا مجيب، لقد انطلق الناس! قالت:
فتلفّفت بجلبابي، ثم اضطجعت في مكاني، وعرفت أنّي لو افتقدت لرجع الناس إليّ، فو الله إنّي لمضطجعة، إذ مرّ بي (صفوان بن المعطّل السّلمي) وكان قد تخلّف لبعض حاجته، فلم يبت مع الناس، فرأى سوادي، فأقبل حتّى وقف عليّ وقد كان يراني قبل أن يضرب علينا الحجاب- فلمّا راني قال: إنّا لله وإنّا إليه راجعون، ظعينة رسول الله! - وأنا متلفّفة في ثيابي!! - ما خلّفك يرحمك الله؟
قالت: فما كلمته، ثم قرّب إليّ البعير فقال: اركبي، واستأخر عنّي، قالت:
[ ٢٩٢ ]
فركبت، وأخذ برأس البعير منطلقا يطلب النّاس، فو الله ما أدركنا الناس، وما افتقدت حتى أصبحت ونزلوا، فلمّا اطمأنوا طلع الرجل يقود بي البعير، فقال أهل الإفك ما قالوا وارتجّ العسكر، وو الله ما أعلم بشيء من ذلك.
ثم قدمنا المدينة، فلم ألبث أن اشتكيت شكوى شديدة؛ وليس يبلغني من ذلك شيء، وقد انتهى الحديث إلى رسول الله وإلى أبويّ؛ وهم لا يذكرون لي منه كثيرا ولا قليلا؛ إلّا أنّي قد أنكرت من رسول الله ﷺ بعض لطفه بي في شكواي هذه.
فأنكرت ذلك منه، كان إذا دخل علي وعندي أمي تمرّضني، قال: «كيف تيكم؟» لا يزيد على ذلك. قالت: حتى وجدت في نفسي- غضبت- فقلت: يا رسول الله- حين رأيت ما رأيت من جفائه لي-، لو أذنت لي فانتقلت إلى أمّي؟
قال: «لا عليك» . قالت: فانقلبت إلى أمّي ولا علم لي بشيء مما كان، حتى نقهت من وجعي بعد بضع وعشرين ليلة، وكنّا قوما عربا، لا نتخذ في بيوتنا هذه الكنف، التي تتخذها الأعاجم، نعافها ونكرهها، إنّما كنّا نخرج في فسح المدينة، وكانت النساء يخرجن كلّ ليلة في حوائجهن، فخرجت ليلة لبعض حاجتي، ومعي أمّ مسطح، فو الله إنّها لتمشي معي إذ عثرت في مرطها، فقالت:
تعس مسطح؟ فقلت: بئس- لعمر الله- ما قلت لرجل من المهاجرين شهد بدرا!.
قالت: أوما بلغك الخبر يا بنت أبي بكر؟ قلت: وما الخبر! فأخبرتني بالذي كان من أهل الإفك. قلت: أو قد كان هذا؟!.
قالت: نعم. والله لقد كان!.
قالت عائشة: فو الله ما قدرت على أن أقضي حاجتي، ورجعت، فو الله ما زلت أبكي، حتى ظننت أنّ البكاء سيصدع كبدي، وقلت لأمي: يغفر الله لك، تحدّث الناس بما تحدّثوا به، ولا تذكرين لي من ذلك شيئا؟ قالت: أي بنية، خفّفي عنك فو الله لقلّ ما كانت امرأة حسناء عند رجل يحبّها، ولها ضرائر، إلا كثّرن وكثّر الناس عليها.
قالت: وقد قام رسول الله ﷺ فخطبهم- ولا أعلم بذلك- فحمد الله، وأثنى عليه ثم قال: «أيها الناس! ما بال رجال يؤذونني في أهلي، ويقولون عليهم غير الحقّ؟! والله ما علمت عليهم إلا خيرا، ويقولون ذلك لرجل- والله- ما علمت منه إلا خيرا، ولا يدخل بيتا من بيوتي إلا وهو معي!» .
[ ٢٩٣ ]
قالت: وكان كبر ذلك عند (عبد الله بن أبي) في رجال من الخزرج، مع الذي قال (مسطح) و(حمنة بنت جحش) وذلك أنّ أختها زينب بنت جحش كانت عند رسول الله ﷺ ولم تكن امرأة من نسائه تناصيني في المنزلة عنده غيرها، فأما زينب فعصمها الله بدينها فلم تقل إلا خيرا، وأما (حمنة) فأشاعت من ذلك ما أشاعت، تضارّني بأختها. فلما قال رسول الله ﷺ تلك المقالة، قال أسيد بن حضير: يا رسول الله! إن يكونوا من (الأوس) نكفكهم، وإن يكونوا من إخواننا (الخزرج) فمرنا أمرك، فو الله إنّهم لأهل أن تضرب أعناقهم، فقام (سعد بن عبادة) - وكان قبل ذلك يرى رجلا صالحا- فقال: كذبت لعمر الله، ما تضرب أعناقهم، إنك ما قلت هذه المقالة إلا وقد عرفت أنّهم من الخزرج؛ ولو كانوا من قومك ما قلت هذا.
فقال أسيد: كذبت لعمر الله، ولكنّك منافق تجادل عن المنافقين.
وتساور الناس حتى كاد يكون بين هذين الحيين شرّ، ونزل رسول الله ﷺ فدخل عليّ، ودعا (عليّ بن أبي طالب) و(أسامة بن زيد) فاستشارهما، فأما (أسامة) فأثنى خيرا، ثم قال: يا رسول الله! أهلك، وما نعلم منهم إلا خيرا.
وهذا الكذب والباطل!.
وأما (عليّ) فقال: يا رسول الله! إنّ النساء لكثير، وإنك لقادر على أن تستخلف، وسل الجارية فإنّها تصدقك.
فدعا رسول الله ﷺ (بريرة) يسألها، وقام إليها عليّ، فضربها ضربا شديدا وهو يقول: اصدقي رسول الله! فتقول: والله ما أعلم إلا خيرا، وما كنت أعيب على عائشة، إلا أنّي كنت أعجن عجيني، فامرها أن تحفظه، فتنام عنه فتأتي الشاة وتأكله!!.
قلت: ثم دخل عليّ رسول الله، وعندي أبواي، وعندي امرأة من الأنصار وأنا أبكي وهي تبكي، فجلس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال:
«يا عائشة! إنّه قد كان ما بلغك من قول النّاس، فاتقي الله، وإن كنت قد قارفت سوا مما يقول الناس، فتوبي إلى الله، فإنّ الله يقبل التوبة عن عباده» .
قالت: فو الله، إن هو إلا أن قال لي ذلك حتى قلص دمعي، فما أحسّ منه شيئا، وانتظرت أبواي أن يجيبا عني فلم يتكلّما!.
[ ٢٩٤ ]
قالت عائشة: وايم الله لأنا كنت أحقر في نفسي وأصغر شأنا من أن ينزّل الله فيّ قرانا، لكنّي كنت أرجو أن يرى النبيّ عليه والصلاة والسلام في نومه شيئا يكذّب الله به عنّي؛ لما يعلم من براءتي؛ أمّا قرانا ينزل فيّ، فو الله، لنفسي كانت أحقر عندي من ذلك.
قالت: فلمّا لم أر أبويّ يتكلّمان قلت لهما: ألا تجيبان رسول الله، فقالا:
والله لا ندري بما نجيبه، قالت: والله ما أعلم أهل بيت دخل عليهم ما دخل على ال أبي بكر في تلك الأيام. ثم قالت: فلمّا استعجما عليّ استعبرت فبكيت، ثم قلت: والله لا أتوب إلى الله مما ذكرت أبدا، والله إنّي لأعلم لئن أقررت بما يقول النّاس- والله يعلم أنّي بريئة- لأقولنّ ما لم يكن، ولئن أنا أنكرت ما يقولون لا تصدّقونني. قالت: ثم التمست اسم يعقوب فما أذكره، فقلت: أقول ما قال أبو يوسف: فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ [يوسف: ١٨] .
فو الله ما برح رسول الله مجلسه حتى تغشّاه من الله ما كان يتغشّاه، فسجّي بثوبه، ووضعت وسادة تحت رأسه، فأما أنا حين رأيت من ذلك ما رأيت، فو الله ما فزعت وما باليت، وقد عرفت أنّي بريئة، وأنّ الله غير ظالمي، وأما أبواي فو الذي نفس عائشة بيده ما سرّي عن رسول الله حتى ظننت لتخرجنّ أنفسهما فرقا أن يأتي من الله تحقيق ما قال الناس، ثم سرّي عن رسول الله فجلس، وإنّه ليتحدّر من وجهه مثل الجمان في يوم شات، فجعل يمسح العرق عن وجهه، ويقول: «أبشري يا عائشة! قد أنزل الله ﷿ براءتك» . فقلت: الحمد لله، ثم خرج إلى الناس فخطبهم وتلا عليهم الايات:
إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ (١١) [النور] «١» .
والغريب أنّ الحدّ أقيم على من ثبتت عليهم تهمة القذف، وهم (حسان بن ثابت) و(مسطح) و(حمنة)، أما (عبد الله بن أبي) مدبّر الحملة وجرثومتها الخفية، فإنّه كان أحذر من أن يقع تحت طائلة العقاب، لقد أوقع غيره ثم أفلت بنفسه
_________________
(١) هذه القصة صحيحة، رواها بهذا السياق ابن إسحاق بأسانيد صحيحة عن عائشة، ومن طريقه أخرجها ابن هشام في (السيرة): ٢/ ٢٢٠- ٢٢٢؛ وهي عند البخاري: ٧/ ٣٤٧- ٣٥٠؛ ومسلم: ٨/ ١١٣- ١١٧، بنحو ما هنا.
[ ٢٩٥ ]
وكتّاب السيرة على أنّ (حديث الإفك) و(غزوة بني المصطلق) كانا بعد الخندق، لكننا تابعنا (ابن القيم) في اعتبارها من حوادث السنة الخامسة قبل هجوم الأحزاب على المدينة، والتحقيق يساند (ابن القيم) ومتابعيه. فستعلم أنّ (سعد بن معاذ) قتل في معركة الأحزاب؛ مع أنّ لسعد في غزوة بني المصطلق شأنا يذكر؛ إذ إنّ الرسول ﵊ اشتكى إليه «١» عمل ابن أبيّ، ولا يتفق أن يستشهد سعد بن معاذ في غزوة الخندق، ثم يحضر بعد ذلك في بني المصطلق، لو صحّ أنها وقعت في السنة السادسة.
_________________
(١) لعلّه وهم أو سبق قلم، فإن المشتكى إليه إنما هو أسيد بن حضير، كما في سيرة ابن هشام: ٢/ ٢١٧. على أنّ إسناده مرسل فلا حجة فيه. وفي الباب مما يؤيد ما ذهب إليه ابن القيم أشياء صحيحة، فيراجع لها: فتح الباري: ٧/ ٣٤٥.
[ ٢٩٦ ]
غزوة الأحزاب
أيقنت طوائف الكفّار أنها لن تستطيع مغالبة الإسلام إذا حاربته كلّ طائفة مفردة، وأنّها ربما تبلغ أملها إذا رمت الإسلام كتلة واحدة، وكان زعماء يهود في جزيرة العرب أبصر من غيرهم بهذه الحقيقة، فأجمعوا أمرهم على تأليب العرب ضد الإسلام، وحشدهم في جيش كثيف ينازل محمدا ﷺ وصحبه في معركة حاسمة.
وذهب نفر من قادة اليهود إلى قريش يستنفرونهم لحرب رسول الله ﷺ، وقالوا: إنا سنكون معكم عليه حتى نستأصله، وكانت قريش قد أخلفت عدتها مع النبي ﷺ عاما، وهي لا بدّ خارجة لقتال المسلمين؛ إنقاذا لسمعتها، وبرا بكلمتها، وها هم أولاء رجالات يهود يحالفونهم على ما يبغون؛ فلا مكان لتوجّس أو خلاف.
والغريب أن أحبار التوراة أكّدوا لعبدة الأوثان في مكة أنّ قتال محمد ﷺ حق، واستئصاله أرضى لله! لأنّ دين قريش أفضل من دينه! وتقاليد الجاهلية أفضل من تعاليم القران! وسرّت قريش بما سمعت، وزادها إصرارا على العدوان، فواعدت اليهود أن تكون معها في الزحف على المدينة.
وترك زعماء اليهود قريشا إلى أعراب (غطفان) فعقدوا معهم حلفا مشابها لما تمّ مع أهل مكة، ودخل في هذا الحلف عدد من القبائل الناقمة على الدين الجديد.
وبذلك نجح ساسة اليهود وقادتهم في تأليب أحزاب الكفر على النبي ﷺ ودعوته، وعرف المسلمون مبلغ الخطر المحدق بهم، فرسموا- على عجل- الخطة التي يدفعون بها عن دعوتهم ودولتهم، وكانت خطة فريدة لم تسمع العرب قبلا- بمثلها، وهم الذين لا يعرفون إلا قتال الميادين المكشوفة.
أما هذه المرة فإنّ المسلمين حفروا خندقا عميقا يحيط بالمدينة من ناحية السهل، ويفصل بين المغيرين والمدافعين.
وأقبلت الأحزاب في جمع لا قبل للمسلمين بردّه.
[ ٢٩٧ ]
قريش في عشرة الاف من رجالها ومن تبعهم من (كنانة) و(تهامة) و(غطفان) في طليعة قبائل (نجد) .
وبرز المسلمون بعد ما جعلوا نساءهم وذراريهم فوق الاطام الحصينة من يثرب، ثم انتشروا على حدود مدينتهم، مسندين ظهورهم إلى جبل سلع، ومرابطين على شاطئ الخندق الذي احتفروه بعد جهود مضنية، وبلغت عدتهم في هذه المعركة نحو ثلاثة الاف مقاتل.
علم رسول الله ﷺ أنّ الالتحام مع هذه الجيوش الضخمة في ساحة ممهدة ليس طريق النصر؛ فما عسى أن تصنع قلة مؤمنة مكافحة مع هذا السيل الدافق؟!.
لذلك لجأ إلى هذه المكيدة، ويروى أن الذي أشار بها (سلمان الفارسي) وتقدم النبي ﷺ رجاله لإحكامها وإنجازها، فأخذ يحفر بيده، ويحمل الأتربة والأحجار على عاتقه، وتأسّى به الرجال الكبار، ممن لم يألفوا هذا العمل قط، فشهدت يثرب منظرا عجيبا، وجوها ناصعة تتألّف منها فرق شتى تضرب بالفؤوس، وتحمل المكاتل، وتتعرّى من لباسها وزينتها لتلبس حلالا من نسج الغبار المتراكم والعرق واللغوب.
قال البراء بن عازب: كان رسول الله ﷺ ينقل التراب يوم الخندق حتى اغبرّ بطنه وهو يقول:
والله لولا الله ما اهتدينا ولا تصدّقنا ولا صلّينا
فأنزلن سكينة علينا وثبّت الأقدام إن لاقينا
إنّ الألى قد بغوا علينا إذا أرادوا فتنة أبينا «١»
وهذا الغناء من شعر عبد الله بن رواحة، كان المشتغلون في الخندق يزيحون التعب عن أعصابهم بالاستماع إلى نغمه، وترديد الكلمات الأخيرة من مقاطعه، وكان رسول الله ﷺ يمدّ صوته بها معهم، فيقول: لاقينا، أبينا «٢»، مما يعيد إلى أذهاننا صور (الفعلة) الذين يحفرون الترع بالريف، أو يبنون القصور بالمدن.
_________________
(١) حديث صحيح، أخرجه الشيخان في صحيحيهما.
(٢) حديث صحيح، وهو رواية للبخاري عن البراء بن عازب.
[ ٢٩٨ ]
إنّ الدفاع عن الإسلام ومخافة الفتنة لو انتصر المشركون جعلت الرسول ﷺ وصحابته يعالجون هذا العمل الثقيل ونفوسهم راضية مغتبطة مع ما يلقون فيه من عناء وصعوبة.
ولا تحسبنّ عمل رسول الله ﷺ في تعميق الخندق وقذف أتربته من قبيل التمثيل الذي يحسنه بعض الزعماء في عصرنا، كلا، كلا.
إنّ الرجولة الكادحة الجادّة في أنبل صورها كانت تقتبس من مسلك الرسول ﷺ في هذه المعركة. يقول البراء: لقد وارى عني التراب جلدة بطنه، وكان كثير الشعر «١» .
أجل إنه استغرق في العمل مع أصحابه؛ فالرجولة الصادقة لا تعرف التمثيل.
وكان الفصل شتاء، والجوّ باردا، وهناك أزمة في الأقوات تعانيها المدينة التي توشك أن تتعرّض لحصار عنيف، وليس هناك أقتل لروح المقاومة من اليأس، فلو تعرّض المحصور لسوراته المقبضة فمزالق الاستسلام الذليل أمامه تنجرّ به إلى الحضيض، لذلك اجتهد النبيّ ﷺ في تدعيم القوى المعنوية لرجاله، حتى يوقنوا بأنّ الضائقة التي تواجههم سحابة صيف عن قليل تقشع.
ثم يستأنف الإسلام مسيره بعد، فيدخل الناس فيه أفواجا، وتندكّ أمامه معاقل الظلم، فلا يصدر عنها كيد ولا تخشى منها فتنة.
ومن إحكام السياسة أن يقارن هذا الأمل الواسع مراحل الجهد المضني.
قال عمرو بن عوف: كنت أنا، وسلمان، وحذيفة، والنعمان بن مقرّن، وستة من الأنصار في أربعين ذراعا- من الأرض التي كلّفوا بحفرها- فحفرنا حتى وصلنا إلى صخرة بيضاء كسرت حديدنا، وشقّت علينا، فذهب سلمان إلى رسول الله ﷺ يخبره عن هذه الصخرة التي اعترضت عملهم، وأعجزت معاولهم.
فجاء النبي ﵊ وأخذ من سلمان المعول، ثم ضرب الصخرة ضربة صدعتها، وتطاير منها شرر أضاء خلل هذا الجو الداكن، وكبّر رسول الله ﵊ تكبير فتح، وكبّر المسلمون. ثم ضربها الثانية فكذلك، ثم الثالثة فكذلك.
_________________
(١) حديث صحيح، أخرجه البخاري: ٧/ ٣٢٢.
[ ٢٩٩ ]
تفتتت الصخرة تحت ضربات الرجل الأيّد الجلد الموصول بالسماء، الراسخ على الأرض، ونظر النبي ﷺ إلى صحبه وقد أشرق على نفسه الكبيرة شعاع من الثقة الغامرة والأمل الحلو، فقال- يحدّث صحبه عن السنا المنقدح بين حديد المعول واحدة الصخرة-: «لقد أضاء لي في الأولى قصور الحيرة ومدائن كسرى، كأنّها أنياب الكلاب، وأخبرني جبريل أنّ أمّتي ظاهرة عليها، وفي الثانية أضاء القصود الحمر من أرض الرّوم كأنّها أنياب الكلاب، وأخبرني أنّ أمتي ظاهرة عليها، وأضاء لي في الثالثة قصور صنعاء، كأنّها أنياب الكلاب، وأخبرني جبريل أنّ أمتي ظاهرة عليها فأبشروا»، فاستبشر المسلمون، وقالوا:
الحمد لله موعود صادق «١» .
فلما انسابت الأحزاب حول المدينة، وضيّقوا عليها الخناق لم تطر نفوس المسلمين شعاعا، بل جابهوا الحاضر المرّ وهم موطدو الأمل في غد كريم:
وَلَمَّا رَأَ الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزابَ قالُوا هذا ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَما زادَهُمْ إِلَّا إِيمانًا وَتَسْلِيمًا (٢٢) [الأحزاب] .
أما الواهنون والمرتابون ومرضى القلوب فقد تندّروا بأحاديث الفتح، وظنوها أماني المغرورين، وقالوا عن رسول الله ﷺ: يخبركم أنه يبصر من يثرب قصور الحيرة ومدائن كسرى، وأنتم تحفرون الخندق لا تستطيعون أن تبرزوا.
وفيهم قال الله تعالى: وَإِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا (١٢) [الأحزاب] .
إنّ معركة الأحزاب لم تكن معركة خسائر بل معركة أعصاب.
فقتلى الفريقين من المؤمنين والكفار يعدون على الأصابع، ومع تلك الحقيقة فهي من أحسن المعارك في تاريخ الإسلام؛ إذ إن مصير هذه الرسالة
_________________
(١) ضعيف جدا بهذا السياق، رواه ابن جرير في تاريخه، من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني، عن أبيه، عن جده، و(كثير) هذا متروك، بل قال الشافعي وأبو داود: ركن من أركان الكذب، وقال الحافظ ابن كثير في تاريخه (٤/ ١٠٠): «حديث غريب»، وقصة الصخرة ثبتت في صحيح البخاري: ٧/ ٣١٧، من حديث البراء مختصرا، وهي عند أحمد: ٤/ ٣٠٣، من حديثه مطولا، وإسناده حسن، كما قال الحافظ في (الفتح): ٧/ ٣١٧، فيحسن جعله مكان حديث (كثير) .
[ ٣٠٠ ]
العظمى كان فيها أشبه بمصير رجل يمشي على حافة قمة سامقة، أو حبل ممدود، فلو اختلّ توازنه لحظة؛ وفقد السيطرة على موقفه؛ لهوى من مرتفعه إلى واد سحيق، ممزّق الأعضاء، ممزّع الأشلاء! ولقد أمسى المسلمون وأصبحوا فإذا هم كالجزيرة المنقطعة وسط طوفان يتهددها بالغرق ليلا أو نهارا. وبين الحين والحين يتطلع المدافعون هل اقتحمت خطوطهم في ناحية ما من منطقة الدفاع؟ وكان المشركون يدورون حول المدينة غضابا يتحسّسون نقطة لينحدروا منها فينفسوا عن حنقهم المكتوم، ويقطّعوا أوصال هذا الدين الثائر.
وعرف المسلمون ما يتربّص بهم وراء هذا الحصار، فقرروا أن يرابطوا في مكانهم ينضحون بالنبل كل مقترب، ويتحمّلون لأواء هذه الحراسة التي تنتظم السهل والجبل، وتتسع ثغورها يوما بعد يوم، وهم كما وصف الله تعالى:
إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (١٠) هُنالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزالًا شَدِيدًا (١١) [الأحزاب] .
وكره فوارس من قريش أن يقفوا حول المدينة على هذا النحو، فإنّ فرض الحصار وترقّب نتائجه ليس من شيمهم، فخرج عمرو بن عبد ودّ، وعكرمة بن أبي جهل، وضرار بن الخطاب، وأقبلوا تعنق بهم خيلهم، حتى وقفوا على حافة الخندق، فلما رأوه قالوا: والله إنّ هذه لمكيدة ما كانت العرب تكيدها.
ثم تيمموا مكانا ضيقا من الخندق، وضربوا خيلهم فاقتحمته، وأحس المسلمون الخطر المقترب؛ فأسرع فرسانهم يسدّون هذه الثغرة يقودهم علي بن أبي طالب.
وقال علي لعمرو بن عبد ود- وهو فارس شجاع معلم-: يا عمرو إنك عاهدت الله لا يدعوك رجل من قريش إلى إحدى خلتين إلا أخذتها منه. قال: أجل، فقال علي:
فإني أدعوك إلى الله وإلى رسوله وإلى الإسلام! قال عمرو: لا حاجة لي بذلك، قال علي: فإني أدعوك إلى النزال، فأجاب عمرو: ولم يا بن أخي؟ فو الله ما أحبّ أن أقتلك استصغارا لشأنه- قال علي: لكنّي والله أحبّ أن أقتلك! فحمي عمرو، واقتحم عن فرسه، فعقره، وضرب وجهه، ثم أقبل على علي، فتنازلا وتجاولا، فقتله علي، وخرجت خيل المشركين من الخندق منهزمة حتى اقتحمته هاربة.
وكان الأولاد في البيوت يرقبون جهاد المدافعين، وحركاتهم السريعة لصد العدوان في مظانه، فعن عبد الله بن الزبير قال: جعلت يوم الخندق مع النساء
[ ٣٠١ ]
والصبيان في الأطم، ومعي عمر بن أبي سلمة، فجعل يطأطئ لي، فأصعد على ظهره فأنظر. قال: فنظرت إلى أبي وهو يحمل مرة هنا ومرة هاهنا، فما يرتفع له شيء إلا أتاه، فلمّا أمسى وجاءنا إلى الأطم قلت: يا أبت، رأيتك اليوم وما تصنع، قال: رأيتني يا بني؟! قلت: نعم. قال الزبير- مدللا ولده-: فدى لك أبي وأمي.
في هذه الاونة العصيبة جاءت الأخبار أنّ بني قريظة نقضوا معاهدتهم مع رسول الله ﷺ وانضمّوا إلى كتائب الأحزاب التي تحدق بالمدينة.
وذلك أن حيي بن أخطب- أحد النفر الذين حرّضوا قريشا وسائر العرب على حرب الإسلام- جاء إلى كعب بن أسد- سيد بني قريظة- وقرع عليه بابه، وكان كعب عند قدوم الأحزاب قد أغلق أبوابه، ومنع حصونه، وقرر أن يوفي بالعهد الذي بينه وبين المسلمين، فلا يعين عليهم خصما- وليته بقي على هذا العزم- إلا أنّ حييا لزم الباب وهو يصرخ بكعب: ويحك افتح لي، فقال له كعب: إنّك امرؤ مشؤوم، وإنّي قد عاهدت محمّدا فلست بناقض ما بيني وبينه، ولم أر منه إلا وفاء وصدقا! قال حيي: ويحك افتح لي أكلمك، قال: ما أنا بفاعل، فقال حيي: والله إن أغلقت بابك دوني إلا خوفا على جشيشتك أن اكل معك منها!.
فأحفظ الرجل ففتح له..
ودخل حيي يقول: ويحك يا كعب، جئتك بعز الدهر وبحر طامّ! قال: وما ذاك؟ قال: جئتك بقريش على سادتها وقادتها، حتى أنزلتهم بمجتمع الأسيال من (رومة) . وبغطفان على سادتها وقادتها حتى أنزلتهم إلى جانب (أحد) قد عاقدوني وعاهدوني على ألايبرحوا حتى يستأصلوا محمدا ومن معه.
قال كعب: جئتني- والله- بذلّ الدهر، وبجهام قد هراق ماؤه، فهو يرعد ويبرق، وليس فيه شيء، دعني وما أنا عليه، فإنّي لم أر من محمد إلا وفاء وصدقا!!.
وتدخل اخرون فقالوا: إذا لم تنصروا محمدا كما يقضي الميثاق- فدعوه وعدوّه.
بيد أنّ حييا استطاع أن يقنع سائر اليهود بوجهة نظره، وأن يزيّن لهم الغدر
[ ٣٠٢ ]
في هذه الساعة الحرجة، وأن يضمّهم إلى المشركين في قتالهم الذي أعلنوه، وجعلوا الغاية منه ألا يبرحوا حتى يستأصلوا محمّدا ومن معه، ومضيّا في هذه الخطة الجائرة الخسيسة أحضرت بنو قريظة الصحيفة التي كتب فيها الميثاق فمزّقتها، فلما بعث النبي ﵊ رجاله ليستجلوا موقف بني قريظة بإزاء عدوان الأحزاب قالوا: من رسول الله؟ لا عهد بيننا وبين محمد!.
وحاول سعد بن معاذ أن يذكّرهم بعقدهم فتصامّوا عنه.
فلمّا خوّفهم عقبى الغدر، وذكر لهم مصير بني النضير، قالوا له: أكلت ذكر أبيك.
وتبيّن أنّ حرص بني قريظة الأول على التزام العهد كان خوفا من عواقب الغدر فقط، فلما ظنت أن المسلمين أحيط بهم من كل جانب، وأنّها لن تؤاخذ على خيانة، أسفرت عن خيانتها، وانضمت إلى المشركين المهاجمين.
ووجم المسلمون حين عادت رسلهم تحمل هذه الأنباء المقلقة، وربت مشاعر الكره في صدورهم لأولئك اليهود؛ حتى لأصبحوا أشوه أمام أعينهم من عبّاد الأصنام، ووعوا أتم الوعي أن بني إسرائيل أقدموا على قرارهم هذا وهم يعلمون معناه وعقباه، يعلمون أنه محاولة متعمدة للإجهاز على هذه الأمة ودينها، وتسليمها إلى من يقتل رجالها، ويسترق نساءها، ويبيع ذراريها في الأسواق.
وتقنّع الرسول ﵊ بثوبه حين أتاه غدر بني قريظة، فاضطجع، ومكث طويلا، حتى اشتدّ على الناس البلاء، ثم غلبته روح الأمل، فنهض يقول: «أبشروا بفتح الله ونصره» ! وفكر في أن يردّ عن المدينة بعض القبائل التي فرضت الحصار لقاء ثلث الثمار يبذله لها ويتقي به شرها، وكاد يصل في مفاوضاته مع قواد غطفان إلى هذا الحل.
ولكن سادة الأوس والخزرج عزّ عليهم أن يرضوا به، وقدّروا للنبي ﵊ شفقته عليهم، وألمه لاجتماع العرب ضدّهم؛ بيد أنهم قالوا: ما لنا بهذا من حاجة، والله لا نعطيهم إلا السيف، حتى يحكم الله بيننا وبينهم، وطال الحصار.
قال موسى بن عقبة: وأحاط المشركون بالمسلمين، حتى جعلوهم في مثل الحصن من كتائبهم، فحاصروهم قريبا من عشرين ليلة، وأخذوا بكلّ ناحية حتى
[ ٣٠٣ ]
لا يدرى أثمّ هم أم لا؟ - هل احتلوا البلد أم لا؟ - قال: ووجهوا نحو مكان رسول الله ﷺ كتيبة غليظة، فقاتلها المسلمون يوما إلى الليل، فلما حانت صلاة العصر دنت الكتيبة- من المكان- فلم يقدر النبيّ ﵊ ولا أحد من أصحابه أن يصلّوا الصلاة على نحو ما أرادوا.
وانكفأت الكتيبة المشركة مع الليل، فزعموا أن رسول الله ﷺ قال:
«شغلونا عن صلاة العصر ملأ الله بطونهم وقلوبهم نارا» «١» .
فلما اشتد البلاء نافق ناس كثير، وتكلموا بكلام قبيح.
ورأى رسول الله ما بالناس من البلاء والكرب، فجعل يبشّرهم ويقول:
«والّذي نفسي بيده ليفرجنّ عنكم ما ترون من الشّدّة! وإنّي لأرجو أن أطوف بالبيت العتيق امنا، وأن يدفع الله إليّ مفاتيح الكعبة! وليهلكنّ الله كسرى وقيصر، ولتنفقنّ كنوزهما في سبيل الله» «٢» .
ووقع ثقل المقاومة على أصحاب الإيمان الراسخ والنجدة الرائعة، كان عليهم أن يكبتوا مظاهر القلق التي انبعثت وتكاثرت في النفوس الخوّارة الهلوع، وأن يشيعوا موجة من الإقدام والشجاعة تغلب أو توقف نزعات الجبن والتردد التي بدت هنا وهنالك، وطبائع النفوس تتفاوت تفاوتا كبيرا لدى الأزمات العضوض.
منها الهشّ الذي سرعان ما يذوب، ويحمله التيار معه كما تحمل المياه الغثاء والأوحال.
ومنها الصلب الذي تمر به العواصف المجتاحة، فتنكسر حدّتها على متنه وتتحول رغوة خفيفة وزبدا.
أجل! من الناس من يهجم على الشدائد ليأخذها قبل أن تأخذه، وعلى لسانه قول الشاعر:
تأخّرت أستبقي الحياة فلم أجد لنفسي حياة مثل أن أتقدّما
ومنهم من إذا مسّه الفزع طاش لبه، فولّى الأدبار، وكلّما هاجه طلب الحياة وحبّ البقاء أوغل في الفرار.
_________________
(١) حديث صحيح، أخرجه الشيخان وغيرهما من حديث علي ﵁، وقال المقريزي في (إمتاع الأسماع)، ص ٢٣٤: «وهو حديث ثابت من طرق عنه» .
(٢) لم أجده الان.
[ ٣٠٤ ]
وقد نعى القران الكريم على هذا الصنف الجزوع موقفه في معركة الأحزاب فقال:
قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا (١٦) قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا (١٧) [الأحزاب] .
وعند ما حاولت قريش اقتحام الخندق، وعند ما حاولت احتلال موقع النبي ﷺ وعند ما عجمت عود المرابطين تبحث عن نقطة رخوة؛ لتثب منها إلى قلب المدينة، كان أولئك المؤمنون الراسخون سراعا إلى داعي الفداء، يجيئون من كل صوب، ليستيقن العدوّ أنّ دون مرامه الأهوال.
روى ابن إسحاق أنّ عائشة أم المؤمنين كانت في حصن بني حارثة يوم الخندق، وكان من أحرز حصون المدينة، وكانت أمّ سعد بن معاذ معها في الحصن. قالت عائشة: وذلك قبل أن يضرب علينا الحجاب.
فمرّ (سعد) وعليه درع مقلصة خرجت منها ذراعه كلها، وفي يده حربته يرقل بها ويقول:
لبّث قليلا يشهد الهيجا حمل «١» لا بأس بالموت إذا حان الأجل
فقالت له أمه: الحق يا بنيّ فقد- والله- أخرت..
فقالت عائشة: فقلت لها: يا أم سعد! والله لوددت أنّ درع سعد كانت أسبغ مما هي. قالت: وخفت عليه حيث أصاب السهم منه، فرمي سعد بن معاذ بسهم قطع منه الأكحل.
ويظهر أنّ جراحة (سعد) كانت شديدة، وليس سعد بالرجل الذي يهاب المنايا، ولكنّه عميق الرغبة في متابعة الجهاد، حتى يستقرّ أمر الإسلام وتنكس راية خصومه. فدعا الله قائلا: اللهم إن كنت أبقيت من حرب قريش شيئا فأبقني لها، فإنّه لا قوم أحبّ إلي أن أجاهداهم من قوم اذوا رسولك، وكذّبوه وأخرجوه، وإن كنت وضعت الحرب بيننا وبينهم، فاجعلها لي شهادة، ولا تمتني حتى تقرّ عيني من بني قريظة.
_________________
(١) أراد به حمل بن سعدانة بن حارثة بن معقل بن عليم بن جناب الكلبي، كما في (الروض الأنف)، والبعض يصحّفها (جمل) بالجيم، وهو غلط.
[ ٣٠٥ ]
ودعوة سعد الأخيرة تصوّر مبلغ ما انطوت عليه قلوب المسلمين من غيظ لخيانة يهود، وتمزيقها المعاهدة القائمة.
ومسلك بني إسرائيل بإزاء المعاهدات التي أمضوها قديما وحديثا يجعلنا نجزم بأنّ القوم لا يدعون خستهم أبدا، وأنهم يرعون المواثيق ما بقيت هذه المواثيق متمشية مع أطماعهم ومكاسبهم وشهواتهم، فإذا أوقفت تطلّعهم الحرام نبذوها نبذ النواة، ولو تركت الحمير نهيقها، والأفاعي لدغها، ما ترك اليهود نقضهم للعهود. وقد نبّه القران إلى هذه الخصلة الشنعاء في بني إسرائيل، وأشار إلى أنّها أحالتهم حيوانات لا أناسي، فقال:
إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٥٥) الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لا يَتَّقُونَ (٥٦) [الأنفال] .
ونقل سعد إلى خيمة بالمسجد لتقوم على تمريضه إحدى المؤمنات الماهرات.
وجاء المسلمون إلى رسول الله ﷺ يسألونه: هل من شيء نقوله؟ فقد بلغت القلوب الحناجر! قال: «نعم؛ اللهمّ استر عوراتنا، وامن روعاتنا» «١» .
وعن عبد الله بن أوفى: دعا رسول الله ﷺ على الأحزاب فقال: «اللهم منزل الكتاب، سريع الحساب، اهزم الأحزاب، اللهم اهزمهم، وانصرنا عليهم»» .
والله ﵎ لا يقبل الدعاء من متواكل كسول، وما يستمع لشيء استماعه لهتاف مجتهد أن يبارك له سعيه أو دعاء صابر أن يجمّل له العاقبة.
وقد أفرغ المسلمون جهداهم في الدفاع عن رسالتهم ومدينتهم حتى لم يبق في طوق البشر مدّخر، فبقي أن تتدخل العناية العليا لتقمع صعر الظالم وتقيم جانب المظلوم.
ومن ثمّ أخذ سير المعركة يتطور على نحو لا يدرك الناس كنهه.
وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ وَما هِيَ إِلَّا ذِكْرى لِلْبَشَرِ [المدثر: ٣١] .
_________________
(١) حديث حسن، أخرجه أحمد: ٣/ ٣؛ وابن أبي حاتم في تفسيره من حديث أبي سعيد الخدري.
(٢) صحيح، أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما.
[ ٣٠٦ ]
ضاق الأعراب النازلون بالعراء ذرعا لهذا المقام الغريب، لقد خيّموا حول أطراف يثرب أياما لا تؤذن بدايتها بانتهاء، وهم لم يجيئوا ليستنفدوا قواهم أمام خندق صعب الاجتياز، وجبال رابط المسلمون أمامها، واستقتلوا دون أن يقترب أحد منها..
ثم إنّ الجوّ اغبرت أرجاؤه، وترادفت أنواؤه، وهبّت الرياح نكباء موحشة الصفير، تكاد في هبوبها تطوي الخيام المبعثرة، وتطير بها في الافاق!.
والصلة بين أولئك الحلفاء لا تغري بدوام الثقة، إنّ غطفان وقبائل نجد أقبلت يحدوها السلب والنهب، وهي قد قبلت العودة من حيث أتت عند ما أغريت ببعض ثمار المدينة لولا أن المسلمين كبر عليهم أن يطعموهم منها رهبا.
وماذا صنعت بنو قريظة؟
نقضت الموثق، ونكصت عن الهجوم منتظرة من العرب أن يقوموا هم به!.
إنّ يهوديا خرج يطوف بحصن للمسلمين، فنزلت إليه صفية بنت عبد المطلب فقتلته، ولا غرو، فهي أخت حمزة!.
وتلفّت أبو سفيان يمنة ويسرة، يتطلّب عونا على ما يبغي فلا يرى مأمنا، مما أوقع الوهن في قلبه وفي صفوف قريش معه.
وكان رسول الله ﷺ يعرف هذا التصدّع الخفي في صفوف الأحزاب؟
فاجتهد أن يبرزه، ويوسّع شقته، ويستغله لجانبه، فلما جاء (نعيم بن مسعود) مسلما، أوصاه أن يكتم إسلامه وردّه على المشركين يوقع بينهم، وقال له: «إنما أنت فينا رجل واحد، فخذّل عنا إن استطعت، فإنّ الحرب خدعة» .
فخرج (نعيم) حتى أتى بني قريظة- وكان لهم نديما في الجاهلية- فقال: يا بني قريظة! قد عرفتم ودّي إياكم، وخاصة ما بيني وبينكم، قالوا: صدقت، لست عندنا بمتّهم، فقال لهم: إن قريشا وغطفان ليسوا كأنتم، البلد بلدكم، فيه أموالكم وأبناؤكم ونساؤكم، لا تقدرون على أن تحوّلوا منه إلى غيره، وإنّ قريشا وغطفان قد جاؤوا لحرب محمد وأصحابه، وقد ظاهرتموهم عليه، وبلدهم وأموالهم ونساؤهم بغيره، فليسوا كأنتم، فإن رأوا نهزة أصابوها، وإن كان غير ذلك لحقوا ببلادهم، وخلّوا بينكم وبين الرجل ببلدكم، ولا طاقة لكم به إن خلا
[ ٣٠٧ ]
بكم، فلا تقاتلوا مع القوم حتى تأخذوا منهم رهنا من أشرافهم، يكونون بأيديكم، ثقة لكم على أن تقاتلوا معهم محمدا حتى تناجزوه. فقالوا له: لقد أشرت بالرأي.
ثم خرج حتى أتى قريشا فقال لأبي سفيان ومن معه: قد عرفتم ودّي لكم وفراقي محمدا، وإنّه قد بلغني أمر رأيت عليّ حقا أن أبلغكموه نصحا لكم، فاكتموا عنّي، فقالوا: نفعل، قال: تعلموا أنّ معشر يهود قد ندموا على ما صنعوا فيما بينهم وبين محمّد، وقد أرسلوا إليه: إنّا قد ندمنا على ما فعلنا، فهل يرضيك أن نأخذ لك من القبيلتين- قريش وغطفان- رجالا من أشرافهم فنعطيكهم، فتضرب أعناقهم؟ ثم نكون معك على من بقي منهم، حتّى نستأصلهم؟ فأرسل إليهم: أن نعم. فإن بعثت إليكم يهود يلتمسون منكم رهنا من رجالكم، فلا تدفعوا إليهم منكم رجلا واحدا.
ثم خرج حتى أتى غطفان، فقال: يا معشر غطفان إنكم أصلي وعشيرتي وأحبّ الناس إليّ، ولا أراكم تتهمونني، قالوا: صدقت، ما أنت عندنا بمتهم، قال: فاكتموا عني، قالوا: نفعل، ثم قال لهم مثل ما قال لقريش، وحذّرهم مثل ما حذّرهم.
فلما كانت ليلة السبت من شوال سنة خمس، كان من صنع الله لرسوله أن أرسل أبو سفيان ورؤوس غطفان إلى بني قريظة عكرمة بن أبي جهل في نفر من قريش وغطفان، فقالوا لهم: إنا لسنا بدار مقام، قد هلك الخفّ والحافر، فاغدوا للقتال حتى نناجز محمدا، ونفرغ مما بيننا وبينه، فأرسلوا إليهم: أنّ اليوم يوم السبت، وهو يوم لا نعمل فيه شيئا، وقد كان أحدث فيه بعضنا حدثا، فأصابه ما لم يخف عليكم، ولسنا مع ذلك بالذين نقاتل معكم محمدا حتى تعطونا رهنا من رجالكم، يكونون بأيدينا ثقة لنا، حتى نناجز محمدا، فإنا نخشى- إن ضرستكم الحرب واشتدّ عليكم القتال- أن تنشمروا إلى بلادكم، وتتركونا والرجل في بلدنا، ولا طاقة لنا بذلك منه.
فلما رجعت إليهم الرسل بما قالت بنو قريظة، قالت قريش وغطفان: والله إن الذي حدثكم نعيم بن مسعود لحقّ، فأرسلوا إلى بني قريظة: إنا والله لا ندفع إليكم رجلا واحدا من رجالنا، فإن كنتم تريدون القتال فاخرجوا فقاتلوا، فقال بنو قريظة- حين انتهت الرسل إليهم بهذا-: إنّ الذي ذكر لكم نعيم لحق، ما يريد
[ ٣٠٨ ]
القوم أن يقاتلوا، فإن رأوا فرصة انتهزوها، وإن كان غير ذلك انشمروا إلى بلادهم «١» .
وهكذا أفلح المسلمون في فصم عرى التحالف بين الأحزاب المجتمعة عليهم، فما مضت أسابيع ثلاثة على ذلك الحصار المضروب حتى دبّ القنوط والتخاذل في صفوف المهاجمين؛ على حين بقيت جبهة المدافعين سليمة لم تثلم.
وفي ليلة شاتية عاتية لفحت سبراتها الوجوه والجلود، وأقعدت الرّجال في أماكنهم ينشدون الدفء، ويفرّون من القرّ المتساقط على الصخور والرمال، اتجهت نيات القوم إلى اتخاذ قرار حاسم في هذا القتال الفاشل!.
وكأنّما كان زئير الرياح الهوج سوطا يلهب المهاجمين، حتى لا يتوانوا في الخلاص من هذا الموقف، ونظر رسول الله ﷺ من وراء أسوار المدينة، وحوله أصحابه جاثمون في مكامنهم يرمقون الأفق بحذر، ويرقبون الغيب بأمل، والظلام البارد الثقيل يرين على كلّ شيء في الصحراء المترامية.
قال حذيفة بن اليمان: رأيتنا ليلة الأحزاب ونحن صافون قعود، وأبو سفيان ومن معه فوقنا، وبنو قريظة أسفل منّا، نخافهم على ذرارينا، وما أتت علينا ليلة قط أشدّ ظلمة ولا أشدّ ريحا منها، تطن في رياحها أصوات أمثال الصواعق، وما يتستطيع أحدنا أن يرى إصبعه من قتامها السائد، ولم يكن عليّ جنّة من العدو ولا من البرد إلا مرط لامرأتي، لا يجاوز ركبتي، فأتاني الرسول ﷺ وأنا جاث على الأرض فقال: «من هذا؟» فقلت: حذيفة، فقال: «حذيفة؟» فتقاصرت في موضعي وأنا أقول: بلى يا رسول الله- كراهية أن أقوم! - فندبني لما يريد، وقال: «إنّه كائن في القوم خبر فأتني به» . فخرجت، وأنا أشدّ الناس فزعا وأشدهم قرّا، فدعا لي بخير، فمضيت لشأني كأنّما أمشي في حمّام- إنّها حرارة الإيمان، وحماسة الطاعة جعلت الرجل يغلب بعاطفته المتقدة قسوة الجو.
_________________
(١) ذكر هذه القصة ابن إسحاق بدون إسناد، وعنه ابن هشام: ٢/ ١٩٣- ١٩٤، لكن قوله ﷺ: «الحرب خدعة»، صحيح متواتر عنه ﷺ، رواه الشيخان من حديث جابر وأبي هريرة وغيرهما، انظر: الجامع الصغير مع شرحه (فيض القدير)، للمناوي.
[ ٣٠٩ ]
قال حذيفة: وأوصاني الرسول ﷺ- حين ولّيت- ألّا أحدث في القوم حدثا حتى اتيه، فلما دنوت من معسكر القوم، نظرت ضوء نار توقد، وإذا رجل أدهم ضخم يمد يديه إلى النار مستدفئا، ويمسح خاصرته، ويقول: الرحيل الرحيل، ولم أكن أعرف أبا سفيان قبل ذلك، فوضعت سهما في كبد قوسي وأردت أن أرميه، ثم ذكرت وصاة رسول الله ﷺ فأمسكت، ولو رميته لأصبته.
وأحسست عصف الريح في جنبات المعسكر، لا تقرّ قدرا ولا نارا ولا بناء، ثم قال أبو سفيان: يا معشر قريش إنّكم والله ما أصبحتم بدار مقام، قد هلك الكراع والخفّ، وأخلفتنا بنو قريظة، وبلغنا عنهم الذي نكره، ولقينا من شدة الريح ما ترون، ما تطمئن لنا قدر، ولا تقوم لنا نار، ولا يستمسك لنا بناء، فارتحلوا فإنّي مرتحل، ثم قام إلى جمله وهو معقول، فجلس عليه، ثم ضربه فوثب به على ثلاث، فو الله ما أطلق عقاله إلا وهو قائم «١» .
ورجع حذيفة إلى النبيّ ﷺ يقصّ عليه ما رأى وطلع النهار فإذا ظاهر المدينة خلاء.. ارتحلت الأحزاب، وانفكّ الحصار، وعاد الأمن، ونجح الإيمان في المحنة!.
وهتف رسول الله ﷺ يقول: «لا إله إلّا الله واحده، صدق وعده، ونصر عبده، وأعزّ جنده، وهزم الأحزاب واحده، فلا شيء بعده..!» «٢» .
_________________
(١) هذه القصة صحيحة، وسياقها- هنا- مركب من ثلاث روايات: الأولى: عند الحاكم والبيهقي في الدلائل، من طريق عبد العزيز ابن أخي حذيفة عن حذيفة. وقد ذكر لفظه ابن كثير في التاريخ: ٤/ ١١٤- ١١٥. الثانية: عند ابن هشام في (السيرة): ٢/ ١٩٤، عن محمد بن إسحاق بسنده عن محمد بن كعب القرظي عن حذيفة، وكذلك أخرجه أحمد: ٥/ ٣٩٢- ٣٩٣، من مسند حذيفة عن ابن إسحاق، وظاهر إسناده الاتصال، فهو صحيح. والرواية الثالثة: أخرجها مسلم: ٥/ ١٧٧- ١٧٨، من طريق إبراهيم التيمي عن أبيه عن حذيفة. ولها طريق رابعة: أخرجها الحاكم في (المستدرك): ٣/ ٣١، من طريق بلال العبسي عن حذيفة. وقال: «صحيح الإسناد»، ووافقه الذهبي؛ وأخرجه البزار أيضا كما في (المجمع): ٦/ ١٣٦، وقال: «ورجاله ثقات» .
(٢) أخرجه البخاري في (غزوة الخندق) من صحيحه: ٧/ ٣٢٦، من حديث أبي هريرة: أنّ رسول الله ﷺ كان يقول فذكره، وهذا مطلق ليس فيه ذكر الخندق. والله أعلم.
[ ٣١٠ ]
رجعت الطمأنينة إلى النفوس، وظهرت خيبة الأحزاب بعد ما أقبلت من كل فجّ لتجتاح يثرب، وظهرت صلابة المسلمين في مواجهة الأزمات المرهقة.
ولذلك قال رسول الله ﷺ- بعد هذه النتيجة الباهرة-: «الان نغزوهم ولا يغزوننا » «١» .
_________________
(١) حديث صحيح، أخرجه البخاري: ٧/ ٣٢٥، من حديث سليمان بن صرد ﵁.
[ ٣١١ ]
مع بني قريظة
انفضت حشود الأحزاب حول المدينة، وعادت المطيّ بها من حيث أتت تذرع رحاب الصحراء، وليست تحمل معها إلا الفشل والخيبة، وبقي يهود بني قريظة واحدهم، أو بقوا وبقيت غدرتهم، التي فضحت طواياهم، فأصبحوا وأمسوا أشبه بالمجرم الذي ثبتت إدانته، فهو يرقب- بوجه كالح- قصاص العدالة منه.
وكانت مشاعر التغيّظ في أفئدة المسلمين نحو أولئك اليهود قد بلغت ذروتها، إنّهم هم الذين استخرجوا العرب استخراجا، واستقدموهم إلى دار الهجرة ليجتاحوها من أقطارها، ويستأصلوا المسلمين فيها.
إن جراحات المسلمين لطردهم من ديارهم، ومطاردتهم في عقيدتهم، واستباحة أموالهم ودمائهم لكلّ ناهب ومغتال، لمّا تندمل بعد، بل لن تندمل أبدا، فكيف ساغ لأولئك الخونة من بني إسرائيل أن يرسموا بأنفسهم الخطة لإهلاك الإسلام وأبنائه على هذا النحو الذليل؟.
ثم ما الذي يجعل بني قريظة خاصة- وهم لم يروا في جوار محمد ﷺ إلا البر والوفاء- يستديرون بأسلحتهم منضمين إلى أعداء الإسلام، كي يشركوهم في قتل المسلمين وسلبهم؟.
وها قد دخل في حصونهم حيي بن أخطب رأس العصابة التي طافت بمكة ونجد، تحرّض الأحزاب على الله ورسوله، وتزعم أنّ الوثنية أفضل من التوحيد!!.
لذلك، ما إن وثق المسلمون من منصرف الأحزاب عن المدينة حتى أمر رسول الله ﷺ مؤذّنا فأذّن في الناس: «من كان سامعا مطيعا فلا يصلينّ العصر إلا في بني قريظة» «١» .
_________________
(١) حديث صحيح، أخرجه ابن هشام: ٢/ ١٩٤- ١٩٥، عن ابن إسحاق: حدثني الزهري به مرسلا، وقد أخرجه البخاري: ٧/ ٣٢٧؛ ومسلم: ٥/ ١٦٢، وغيرهما من حديث ابن عمر به، دون قوله: «من كان سامعا مطيعا» .
[ ٣١٢ ]
والأذان للقتال في هذه الضحوة المشرقة بالظفر والنجاة قرع مسامع المسلمين نديّا جليا، فهم في غمرة من الشعور بتأييد الله وملائكته لهم، أين هم اليوم مما كانوا عليه بالأمس القريب؟ إنّهم مدينون بحياتهم وكرامتهم للعناية العليا واحدها
أمّا خصومهم، فإنّ قوى الكون المسخّر بإذن الله هي التي فضّت جموعهم وفلّت حدودهم. فلا غرو إذا قال رسول الله ﷺ للمؤمنين- محدّثا عن الرّوح الأمين-: «ما وضعت الملائكة السّلاح بعد.. إنّ الله يأمرك يا محمّد بالمسير إلى بني قريظة، فإنّي عامد إليهم فمزلزل بهم» «١» .
وقد صدع الرسول ﷺ بالأمر، وشدّد على المسلمين أن يسارعوا في إنفاذه.
روى البيهقي أنّ رسول الله ﷺ قال لأصحابه: «عزمت عليكم ألاتصلّوا العصر حتى تأتوا بني قريظة»، فغربت الشمس قبل أن يأتوهم، فقالت طائفة من المسلمين: إنّ رسول الله لم يرد أن تدعوا الصلاة، فصلّوا. وقالت طائفة: والله إنا لفي عزيمة رسول الله، وما علينا من إثم، فصلّت طائفة إيمانا واحتسابا، وتركت طائفة إيمانا واحتسابا، ولم يعنّف رسول الله واحدا من الفريقين «٢» .
وذلك يمثّل احترام الإسلام لاختلاف وجهات النظر ما دامت عن اجتهاد بريء سليم، والنّاس غالبا أحد رجلين: رجل يقف عند حدود النصوص الظاهرة لا يعدوها، ورجل يتبيّن حكمتها ويستكشف غايتها، ثم يتصرّف في نطاق ما وعى من حكمتها وغايتها، ولو خالف الظاهر القريب.
وكلا الفريقين يشفع له إيمانه واحتسابه؛ سواء أصاب الحق أو ندّ عنه.
ومن العلماء من أهدر الوقت المعيّن للصلاة بعذر القتال، وذلك مذهب البخاري وغيره، وهذا- عندي- أدنى إلى الصواب. فإنّ ترتيب الواجبات المنوطة بأعناق العباد من أهمّ ما يحدّد رسالة المسلم في الحياة، بل إنّه لا يفهم دينه فهما صحيحا إلا إذا فقه هذا الترتيب المطلوب.
_________________
(١) هو من حديث الزهري المتقدم. لكنّ أمر جبريل النبي ﷺ بالمسير ثابت في صحيح البخاري: ٧/ ٣٢٧؛ والمسند: ٦/ ٥٦، ١٣١، ١٤١، ٢٨٠؛ من حديث عائشة.
(٢) حديث صحيح، رواه البيهقي في (دلائل النبوة) من حديث عبيد الله بن كعب، وحديث عائشة؛ وأخرجه عنها الحاكم: ٣/ ٣٤- ٣٥، وصحّحه على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي.
[ ٣١٣ ]
إنّ الإسلام تعاليم وأعمال شتى، فيها الفرائض وفيها النوافل.
ولا بدّ أن نعلم أنّ الله لا يقبل نافلة حتى تؤدّى الفريضة، فالرجل الذي يستكثر من أعمال التطوع في الوقت الذي يهمل فيه فرائض لازمة رجل ضالّ.
والفرائض المطلوبة لحفظ الإيمان كالأغذية المطلوبة لحفظ الجسم.
وكما أنّ الجسم لا يقوم بالمواد النشوية واحدها، أو الزلالية واحدها، بل لا بد من استكمال جمل منوعة من الغذاء، وإلا تعرض الجسم لعلل قد تنهكه أو تقتله؛ فكذلك الدين؛ إنه لا قيام له في كيان الفرد أو في صفوف الجماعة إلّا بجملة من الفرائض الملونة، تصون حياته، وتضمن عافيته ونماءه.
وعلى المسلم أن يقسّم وقته، وأن ينظّمه على هذه الفرائض المطلوبة، فلا يشغله واجب عن واجب، وبالأحرى لا تشغله نافلة عن واجب!.
وقد رأى رسول الله ﷺ أن مباغتة بني قريظة قبل أن يستكملوا عدتهم ويقوّوا حصونهم، هو الواجب الأول في تلك الساعة، فلا ينبغي أن ينشغل المسلم عنه ولو بالصلاة.
فحدود وقت الصلاة تذوب أمام ضرورات القتال.
وتستطيع- على ضوء هذا الإرشاد النبوي- أن تحكم على مسالك المسلمين اليوم؛ إنّ المدرس الذي ينشغل عن تعليم تلامذته، والتاجر الذي ينشغل عن تثمير ثروته، والموظّف الذي ينشغل عن أداء عمله، لا يقبل الله من أحدهم عذرا أبدا في تضييع هذه الفرائض، ولو كان أحدهم قد عاقه عن واجبه أنه صلّى مئة ركعة، أو قرأ ألف اية، أو عدّ أسماء الله الحسنى سبعين ألف مرة، كما يفعل جهّال المتصوفة؛ ذلك أنّه انشغال عن الفرائض المطلوبة بنوافل لم تطلب، وتعطيل لأمة يستحيل أن تنهض إلا إذا أجهدت نفسها في محاربة جهلها وفقرها وفوضاها.
والجهاد العام فريضة لا يغضّ من قدرها شيء، ولا يزاحمها على وقتها عبادة كما رأيت.
[علي بن أبي طالب ﵁ يحمل راية المسلمين]:
حمل راية المسلمين إلى حصون قريظة عليّ بن أبي طالب، واستبق المسلمون يحتشدون حولها، حتى إذا اقترب الجيش من منازل اليهود كان القوم
[ ٣١٤ ]
لا يزالون على غوايتهم، فقد نظروا إلى المسلمين ثم سبّوا رسول الله ونساءه سبّا قبيحا.
فرأى عليّ أن يصرف النبيّ ﷺ بعيدا عن أولئك السفهاء، فاعترض طريقة وهو مقبل قائلا: يا رسول الله! لا عليك أن تدنو من هؤلاء الأخابث، فقال:
«لم؟ أظنّك سمعت لي منهم أذى؟» قال: نعم يا رسول الله! قال: «لو رأوني لم يقولوا من ذلك شيئا» .
فلما دنا من حصونهم قال: «يا إخوان القردة، هل أخزاكم الله وأنزل بكم نقمته؟» «١» قالوا: يا أبا القاسم! ما كنت جهولا.
هذه خلال اليهود، يسفهون إذا أمنوا، ويقتلون إذا قدروا، ويذكّرون الناس بالمثل العليا إذا وجلوا؛ ليستفيدوا منها واحدهم لا لشيء اخر.
أما العهود، فهي اخر شيء في الحياة يقفون عنده.
على أنّ سفاهتهم لم تغنهم، فقد أحكم المسلمون الحصار عليهم، وأمسكوا بخناقهم فاستيقن القوم أنّ الاستسلام لا محيص عنه، وامتلأت قلوبهم باليأس والفزع.
قال (كعب) سيد بني قريظة: يا معشر يهود! قد نزل بكم من الأمر ما ترون، وإنّي عارض عليكم خلالا ثلاثا، فخذوا أيها شئتم، قالوا: وما هي؟.
قال نتابع هذا الرجل ونصدّقه، فو الله لقد تبيّن لكم أنّه لنبيّ مرسل، وأنه للّذي تجدونه في كتابكم، فتأمنون به على دمائكم وأموالكم وأبنائكم ونسائكم.
قالوا: لا نفارق حكم التوارة أبدا، ولا نستبدل به غيره.
قال: فإذا أبيتم عليّ فهلمّ فلنقتل أبناءنا ونساءنا، ثم نخرج إلى محمّد وأصحابه رجالا مصلتين السيوف، لم نترك وراءنا ثقلا حتى يحكم الله بيننا وبين محمد وأصحابه، فإن نهلك، نهلك ولم نترك وراءنا نسلا نخشى عليه، وإن نظهر، فلعمري لنجدنّ النساء والأبناء.
قالوا: نقتل هؤلاء المساكين؟ فما خير العيش بعدهم.
قال: فإن أبيتم عليّ هذه، فإن الليلة ليلة السبت، وإنّه عسى أن يكون
_________________
(١) ضعيف، أخرجه ابن إسحاق عن الزهري مرسلا؛ وعنه ابن هشام: ٢/ ١٩٤- ١٩٥؛ ورواه الحاكم: ٣/ ٣٤- ٣٥، من حديث ابن عمر؛ وإسناده ضعيف.
[ ٣١٥ ]
محمد وأصحابه قد أمنونا فيها، فانزلوا لعلّنا نصيب منهم غرّة.
قالوا: نفسد سبتنا علينا، ونحدث فيه ما لم يحدث من كان قبلنا.
قال: ما بات رجل منكم منذ ولدته أمه ليلة من الدهر حازما.
وحاول بنو قريظة أن يظفروا بصلح كالذي ناله إخوانهم بنو النضير من قبل، بيد أنّ المسلمين أبوا عليهم إلا أن يستسلموا دون قيد أو شرط، فإنّ ما أسلف هؤلاء من جرم بيّن وغدر شائن أحفظ عليهم الصدور، فلم يبق فيها مكان لسماح، وتمحض الموقف للعدل المجرد، يقرّ الأمور في نصابها كيف يشاء.
واستقدم اليهود- وهم محصورون- أبا لبابة بن عبد المنذر يستشيرونه:
أينزلون على حكم محمد؟ فقال لهم: نعم، وأشار إلى حلقه، كأن ينبههم إلى أنه الذبح؟ ثم أدرك- لفوره- أنّه خان رسول الله ﷺ؛ فمضى هائما على وجهه، حتى أتى مسجد المدينة، فربط نفسه في سارية فيه، وحلف ألا يفك منها حتى يتوب الله عليه.
وقد قبل الله منه ندمه، ونزلت فيه بعد أيام الاية: وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٠٢) [التوبة] .
واستمرّ الحصار خمسا وعشرين ليلة، سمح المسلمون في أثنائها لليهود الذين رفضوا الغدر بالرسول ﵊ أيام الأحزاب أن يخرجوا، فجزوهم عن وفائهم خيرا، وخلّوا سبيلهم ينطلقون حيث يبغون.
ثم قرّروا أن يهجموا على الحصون المغلقة ويقتحموها عنوة.
فصاح عليّ: يا كتيبة الإيمان- ومعه الزبير بن العوام- والله لأذوقنّ ما ذاق حمزة أو لأفتحنّ حصنهم، فقال بنو قريظة: يا محمد ننزل على حكم سعد بن معاذ.
فاستنزلوا من حصنهم، وسيقوا إلى محبسهم، حتى جيء بسعد بن معاذ ليقضي في حلفائه بما يرى.
وكان (سعد) سيد الأوس، وهم حلفاء بني قريظة في الجاهلية، وقد توقّع يهود أنّ هذه الصلة تنفعهم، وتوقّع الأوس أيضا من رجلهم أن يتساهل مع أصدقائهم الأقدمين، فلما استقدمه الرّسول ﵊ ليصدر حكمه، جاء من الخيمة التي يمرّض فيها إثر إصابته بسهام الأحزاب، واكتنفه قومه يقولون له: يا أبا عمرو! أحسن في مواليك
[ ٣١٦ ]
لكن سعدا لم ينس- في ضجيج الرّجاء الموجّه إليه- أنّ الإسلام وأبناءه، والمدينة وثمارها وحرثها ونسلها وحرماتها، لم ينج من وطأة الأحزاب الهاجمين إلا بأعجوبة خارقة، وأنّ بني قريظة هؤلاء ومن اووهم، كانوا المحرّضين والشركاء المقبوحين في هذه الحرب التي أعلنت لاستئصال التوحيد الحق واجتياح أهله.
ولم ينس سعد كيف نقضت بنو قريظة عهدها، واستقبلته بالألفاظ البذيئة عند ما ذهب يناشدهم الوفاء! ألم يقل لهم يومئذ: أخشى عليكم مثل يوم بني النضير أو أمرّ منه؟ فكان ردّهم عليه: أكلت ذكر أبيك!!.
لذلك ما لبث سعد أن صاح بقومه- وقد أكثروا عليه الرجاء-: قد ان لسعد ألّا تأخذه في الله لومة لائم.
[نزول بني قريظة على حكم سعد]:
وحكم سعد أن يقتل الرجال، وتسبى الذرية، وتقسّم الأموال، وأقرّ النبي ﷺ هذا القضاء الحازم قائلا لسعد: «لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبع سموات» «١» .
وحفرت الخنادق بسوق المدينة لتنفيذ هذا الحكم، وسيق إليها مقاتلة اليهود أرسالا- طائفة بعد أخرى-؛ ليدفعوا ثمن خيانتهم وغدرهم.
قال اليهود لسيدهم كعب وهم يساقون لمصارعهم: ما تراه يصنع بنا؟
فقال: أفي كلّ موطن لا تعقلون؟ ألا ترون الداعي لا ينزع، وأنّه من ذهب به منكم لا يرجع؟ هو- والله- القتل.
أجل! هو القتل! وإنّما تقع تبعات الحكم به على من تعرّض له بسوء صنيعه، وبما أسلف من نيّات خبيثة لم يسعفها الحظ فتحقق، ولو قد تحققت لكان ألوف المسلمين هلكى تحت أقدام الأحزاب المنسابة من كل ناحية، يحرضهم ويؤازرهم أولئك اليهود.
وربّما كانت مغامرات نفر من طلاب الزعامة سببا في هذه الكارثة التي
_________________
(١) حديث صحيح، أخرجه ابن إسحاق، وعنه ابن هشام: ٢/ ١٩٧، عن علقمة بن وقّاص الليثي مرسلا؛ ولكن أخرجه الشيخان في صحيحيهما عن أبي سعيد الخدري دون قوله: «من فوق سبع سموات»، فهذا ضعيف.
[ ٣١٧ ]
حلّت ببني قريظة، ولو أنّ حييّ بن أخطب وأضرابه سكنوا في جوار الإسلام، وعاشوا على ما أوتوا من مغانم، ما تعرّضوا ولا تعرّض قومهم لهذا القصاص الخطير.
لكنّ الشعوب تدفع من دمها ثمنا فادحا لأخطاء قادتها.
وفي عصرنا هذا دفع الروس والألمان وغيرهم من الشعوب أثمانا باهظة لأثرة الساسة المخدوعين.
ولذلك ينعى القران على أولئك الرؤساء مطامعهم ومظالمهم التي يحملها غيرهم قبلهم:
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ (٢٨) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها وَبِئْسَ الْقَرارُ (٢٩) [إبراهيم] .
لقد جيء بحييّ ليلقى جزاءه، وحييّ- كما علمت- جرثومة هذه الفتن.
فنظر إلى رسول الله ﷺ ثم قال: أما والله ما لمت نفسي في عداوتك، ولكن من يخذل الله يخذل، ثم أقبل على الناس فقال: أيها الناس! لا بأس بأمر الله، كتاب وقدر، وملحمة كتبها الله على بني إسرائيل، ثم جلس فضربت عنقه!.
وفي ذلك يقول الشاعر:
لعمرك ما لام ابن أخطب نفسه ولكنّه من يخذل الله يخذل
لجاهد حتّى أبلغ النّفس عذرها وقلقل يبغي العزّ كلّ مقلقل
والحقّ أنّ من مشركي قريش ومن رجال يهود أناسا واجهوا الموت بثبات.
ولن تعدم المبادئ الباطلة والنحل الهازلة أتباعا يفتدونها بالأرواح والأموال، غير أن شيئا من هذا لا يجعل الباطل حقا ولا الجور عدلا.
إن موقف اليهود من الإسلام بالأمس هو موقفهم من المسلمين اليوم.
فألوف من إخواننا ذبحهم اليهود في صمت وهم يحتلون فلسطين.
والغريب أن اليهود تركوا من نصب لهم المجازر في أقطار أوربة، وجبنوا عن مواجهتهم بشرّ!! واستضعفوا المسلمين الذين لم يسيئوا إليهم من اثني عشر قرنا، فنكلوا بهم على النحو المخزي الفاضح، الذي لا يزال قائما في فلسطين تشهده وتؤيده وتسانده دول الغرب.
[ ٣١٨ ]
وفي طرد الأحزاب ودحر بني قريظة نزلت الايات: وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ وَكانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا (٢٥) وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ صَياصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا (٢٦) وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيارَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَؤُها وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا (٢٧) [الأحزاب] .
فقد المسلمون في هذا الصراع مع المشركين أولا، ومع أهل الكتاب ثانيا، عددا يسيرا من رجالهم منهم سعد بن معاذ؛ أجاب الله دعوته، فمات شهيدا من جراحته التي أصابته يوم الأحزاب، بعد أن شفى الله غيظه من يهود بني قريظة، وبعد أن تبين فشل قريش في هجومها على المدينة، وانقلابها لتغزى في عقر دارها، لا لتغزو الاخرين.
[قتل أبي رافع بن أبي الحقيق]:
ولم تنته الخصومة بين المسلمين واليهود بانهزام قريظة وانكسار شوكتها، فإنّ بعض مؤلبي الأحزاب على الإسلام فرّ إلى خيبر، لائذا بحصونها، مستظهرا بإخوانه فيها، مثل أبي رافع بن أبي الحقيق، وهو شريك حييّ في التطواف بالقبائل يستجلبها إلى يثرب، بغية الإتيان على الإسلام وأهله، وليس يؤمن لليهود شرّ ما بقيت لهم قدرة على فعله، وقد صوّر حديث الرسول ﷺ نقمة اليهود على الإسلام بقوله: «ما خلا يهودي بمسلم إلا همّ بقتله» «١»، ولا نعرف لهذه النقمة الدفينة علّة إلّا انحراف أصحابها عن الجادة، ومن حق المسلمين أن يحذروها، وألايدعوا لها بقية تنمو على الزمن.
لذلك خرج من المدينة خمسة من الخزرج ذاهبين إلى خيبر، بغيتهم القضاء على أبي رافع، وإلقاء الذعر في قلوب شيعته، وقد أمّر الرسول ﷺ عليهم عبد الله بن عتيك، ونهاهم أن يقتلوا وليدا أو امرأة «٢» .
وقدم المغامرون أرض خيبر، وانتهوا إلى دار ابن أبي الحقيق وقد أظلّهم المساء. قال عبد الله بن عتيك لصحبه- عند ما دنوا من الحصن-: امكثوا أنتم
_________________
(١) حديث ضعيف، أخرجه الخطيب في (تاريخ بغداد): ٨/ ٣١٦، وقال: «حديث غريب جدا» .
(٢) حديث صحيح، أخرجه البخاري عن البراء بن عازب.
[ ٣١٩ ]
حتى أنطلق أنا فأنظر. قال: فاحتلت لأدخل الحصن، فإذا الخدم فقدوا حمارا لهم، فخرجوا بقبس يطلبونه!!، فخشيت أن أعرف، فغطيت رأسي، وجلست كأنّي أقضي حاجة.
فقال البواب- بعد ما استرجعوا حاجتهم-: من أراد أن يدخل فليدخل قبل أن أغلقه، فدخلت واختبأت في مربط الدواب عند باب الحصن.
وتعشّى أبو رافع وصحبه، وأخذوا يسمرون حتى ذهبت ساعة من الليل، ثم انصرف عنه جلساؤه قافلين إلى بيوتهم، وهدأت الأصوات فما أسمع حركة، وخرجت، وأنا أعرف أين وضع البوّاب مفاتيح الحصن، فأخذتها، وفتحت الباب حتى إذا أحسّ بي القوم انطلقت على مهل. ثم عمدت إلى أبواب غرفهم فغلقتها من ظاهر. ثم صعدت إلى أبي رافع- حيث يبيت في العلالي- فإذا البيت مظلم قد أطفئ سراجه، فلم أدر أين الرّجل؟ فقلت: يا أبا رافع! قال: من هذا؟
فعمدت نحو الصوت فضربته، فصاح، ولم تغن الضربة شيئا.
وجئت كأني أغيثه فقلت: مالك يا أبا رافع؟ - وغيّرت صوتي- قال: لأمّك الويل، دخل عليّ رجل فضربني بالسيف! فعمدت إليه فضربته ضربة ثانية، فصاح وقام أهله، فجئت مرة أخرى إليه وهو مستلق على ظهره، فأجهزت عليه، ثم خرجت دهشا حتى أتيت السّلّم أريد أن أنزل، فسقطت منه فانخلعت رجلي، فعصبتها، وأتيت أصحابي أحجل.
وعاد القوم إلى المدينة، يبشّرون من وراءهم أنهم أزاحوا من طريق الدعوة عقبة كأداء.
تضعضع الكفر بعد هذه الوقعات الغليظة، ورست أصول الإسلام، واطمأنت دولته، فما انتهت السنة الخامسة للهجرة حتى أصبح المسلمون قوة تفرض نفسها، وتذيق المعاندين بأسها، واستيقنت قريش وأحلافها أنّ ردّ المسلمين إلى عبادة الأوثان ضرب من المستحيل، كما استيقن اليهود أنّ خصامهم الخبيث للدين الجديد والرسالة الخاتمة لم يزدهم إلا خبالا.
ولم تقع بعد غزوة الأحزاب هذا العام إلى أخريات السنة السادسة- أي إلى عمرة الحديبية- أحداث ذات بال.
[ ٣٢٠ ]
حاولت هذيل أن تجمع للإغارة على المدينة، فقتل قائدها خالد بن سفيان، فقعدت. وهجم لصوص الأعراب على المدينة ويقودهم عيينة بن حصن في خيل لغطفان، واستاقوا إبلها، ثم ولّوا بها هاربين، غير أنّ سلمة بن الأكوع صرخ بأهل المدينة منذرا، وتبع المغيرين واحده، يرميهم بالنبل، ويسترد منهم اللقاح المنهوبة، حتى أدركه فرسان المسلمين، فلما راهم المشركون فرّوا بعد ما قتل بعضهم، وتركوا ما معهم.
ويروي البخاري أنّ ذلك كان بعد الحديبية لا قبلها، ولعلّه أصح.
وفي هذه الفترة تزوّج النبي ﷺ بأمّ حبيبة بنت أبي سفيان، وكانت مهاجرة مع زوجها بالحبشة، فارتدّ صاحبها وهلك، وبقيت واحدها.
فرأى النبيّ ﷺ إعزازا للسيدة التي تركت أباها- وهو زعيم مكة- واثرت الهجرة إلى الله على البقاء في كنفه- أن يتزوّجها، فأرسل إلى النجاشيّ مهرها، ووكله عنها في العقد عليها.
وتزوّج كذلك زينب بنت جحش، وسنتكلّم عن تفاصيل ذلك في الباب الذي نفرده بعد لتعدد الزوجات، وزوجات الرسول ﷺ كذلك، ويقال: إنّ الإسلام وقع في قلب «عمرو بن العاص» في هذه الأيام.
فقد أثاره ما يلقاه محمد من ظفر، وقال لبعض صحبه:
إنّي أرى أمر محمّد يعلو الأمور علوا منكرا، ثم اقترح عليهم أن يلحقوا بالحبشة، ويرقبوا نتائج الصراع بين المسلمين وقومهم!!.
فلما ذهب إلى الحبشة ورأى إكرام نجاشيّها للرسول ﷺ ومن ينتمي إليه، مال إلى الدخول في دين الله.
ولكنه كتم ما بقلبه حتى اقترب فتح مكة، والتقى بخالد بن الوليد، وكان خالد قد أجمع أمره على الإسلام، وانتوى الذهاب إلى النبي ﷺ في مهجره ليتبعه، قال له عمرو: أين يا أبا سليمان؟ قال: والله لقد استقام الميسم- وضح الطريق- وإن الرجل لنبيّ، أذهب- والله- فأسلم، فحتى متى؟!.
وسرّ عمرا أن يجد صاحبا كخالد، فصارحه بما في نفسه، وانطلق الرجلان إلى يثرب مسلمين مهاجرين.
[ ٣٢١ ]
وقصة إسلامهما- كما قلنا- قبيل الفتح، فإنّ خالدا كان في عمرة الحديبية قائدا لجيش قريش، هي تصدّ المسلمين عن زيارة البيت العتيق.
[ ٣٢٢ ]
(٧)