[ ١٤٩ ]
[تمهيد]
[التحول الجديد]:
حرم مشركو مكة الخير كله منذ جحدوا الرسالة، وقعدوا بكلّ صراط يوعدون، ويصدّون عن سبيل الله من امن به، ويبغونها عوجا.
ولئن نجحت دعايتهم الكاذبة في منع قبائل كثيرة من دخول الإسلام، فإنّ الحق لا بدّ أن يعلو، وأن يثوب إليه المضلّلون والمخدوعون، على شرط أن يظل أهله أوفياء له، حراصا عليه، صابرين محتسبين.
وقد قيّض الله للإسلام من استنقذه من البيئة التي صادرته، فأنس بعد وحشة، واستوطن بعد غربة، وشق طريقه في الحياة، بعد أن زالت الجلامد الصلدة الملقاة في مجراه.
وبدأ هذا التحول على أيدي الوفود القادمة من (يثرب) إلى مكة في موسم الحج
[بشارة اليهود بالنبي الجديد وكفرهم به]:
كان أهل يثرب «١» يمتازون عن سائر العرب بجوارهم لليهود، وإلفهم عقيدة
_________________
(١) أرى المصنف يستعمل كلمة (يثرب) مكان (المدينة) أو (طيبة)، ومع أن هذا الاستعمال جاهلي ففيه مخالفة لتسمية الله تعالى إياها ب (طيبة) كما في حديث جابر بن سمرة، قال: كانوا يسمون المدينة يثرب، فسمّاها رسول الله ﷺ طيبة. أخرجه مسلم: ٤/ ٢١؛ والطيالسي: ٢/ ٢٠٤، واللفظ له. ولفظ مسلم: «إن الله سمّى المدينة طابة» . ورواه أحمد: ٥/ ٨٩، ٩٤، ٩٦، ٩٧، ٩٨، ١٠١، ١٠٦، ١٠٨، باللفظين، وفي الباب عن أبي حميد عند البخاري: ٤/ ٧١؛ وعن زيد بن ثابت عند مسلم، وفاطمة بنت قيس عند أحمد: ٦/ ٤١٢، وسنده صحيح. وهذه الأحاديث أقل ما تفيده أن هذا الاستعمال مكروه، وأن تسميتها ب (طابة) أو طيبة مستحب، بل روى أحمد: ٤/ ٢٨٥ عن البراء بن عازب مرفوعا: «من سمى المدينة-
[ ١٥١ ]
التوحيد، وربما حاورهم اليهود في شؤون الأديان، ونعوا عليهم عبادة الأوثان، فإذا اشتدّ الجدل وطالت اللّجاجة، قال لهم اليهود: يوشك أن يبعث الله نبيا فنتبعه؛ ونقتلكم معه قتل عاد وإرم !!.
والغريب أنّ اليهود كانوا أول من كفر بهذا النبي يوم ظهر فيهم واقترب منهم، ولذلك ندّد القران بمسلكهم المتناقض:
وَلَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ [البقرة: ٨٩] .
أما العرب الأميون الذي هدّدوا بمبعثه، فقد فتحوا مسامعهم له!.
فعند ما وافى الموسم، وقدمت قبائل (يثرب)، ورأوا الرسول ﷺ يدعو الناس إلى الله، فقال بعضهم لبعض: تعلمون- والله يا قوم- أن هذا الذي توعدكم به يهود، فلا يسبقنّكم إليه..
وأخذ ذكر الإسلام يشيع في المدينة رويدا رويدا؛ فإن لم يستقبل بترحيب لم يستقبل بالسباب والحراب.
إنّ عناصر النفور والمقاومة التي عهدها في مكة تحوّلت- هنا- إلى عناصر احترام وإقبال، ولم تمض ثلاثة أعوام على تسامع الأنصار الجدد بالإسلام حتى أصبحوا كهفه الحصين، وموئله القريب.
_________________
(١) - (يثرب) فليستغفر الله ﷿؛ هي طابة، هي طابة»، وعزاه الهيثمي في (المجمع): ٣/ ٣٠٠، لأبي يعلى أيضا، وقال: «ورجاله ثقات»، قلت: لكن فيه عند أحمد يزيد بن أبي زيادة، وهو القرشي الهاشمي الكوفي، قال الحافظ في (التقريب): «ضعيف، كبر فتغيّر وصار يتلقن» ولئن لم يصح هذا الحديث ففي الأحاديث السابقة غنية، وهذا الأدب قد أخلّ به أكثر الناس، فلذلك أحببت أن ألفت النظر إليه.
[ ١٥٢ ]
فروق بين البلدين
عاشت مكة في بحبوحة من الحياة أمدا طويلا، امنة مطمئنة، يأتيها رزقها رغدا من كل مكان، وترجع هذه السعة إلى عاملين:
١- مهارة أهلها التجارية.
٢- ومكانة الحرم الدينية.
كلا الأمرين أدرّ عليها أخلاف الخير، فأثرت حتى بطرت، وشبعت حتى أتخمت، ثم عراها ما يعرو كل جماعة تواتيها الحظوظ ويصبغها الترف من:
تكبّر، وقسوة، وجحود، فلما ظهر فيها الإسلام، ودعا محمد ﷺ إلى الحق، ردت يده في فمه، وأحدقت به وبمن معه، وملكها العناد من أول يوم، وأعلنت أنّ مركزها- عاصمة للوثنية، ومجمعا للأصنام، ومثابة للحجيج- سيزول إن هي استمعت إلى هذا الدين، وأمكنته من البقاء.
وحاول الرسول ﵊- جاهدا- أن يقنع أهل مكة بأن قبولهم للحق لن يحرمهم ذرة من الخير الذي متّعوا به، فأبى الظالمون إلا كفورا:
وَقالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٥٧) [القصص] .
ومن هنا اشتبك سادة مكة في حرب مع الإسلام، اعتبروها دفعا عن كيانهم المادي، ووضعهم الاقتصادي، إلى جانب ما هنالك من عوامل أخرى، وهذه الحروب معروفة النتائج:
وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَها فَتِلْكَ مَساكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوارِثِينَ (٥٨) [القصص] .
أما الأمر في (يثرب) فكان على النقيض، إنّ الشحناء المتأصّلة بين أهليها استنزفت دماءهم، وقطعت شملهم، وشغلت بعضهم ببعض، حتى أوصلتهم الحروب الدائمة إلى درك أسف له العقلاء، وتمنّوا الإنقاذ منه. كان (الأوس)
[ ١٥٣ ]
و(الخزرج) - وهم في الأصل قرابة واحدة- يعانون في (يثرب) اصار هذا الخصام العنيف، ويورثونه أبناءهم؛ حتى يشبوا- وهم في مهادهم- أعداء! والذي وضع جرثومة هذا الشقاق هم اليهود.
[ ١٥٤ ]
صنع اليهود
واليهود الذين استقرّوا في المدينة وأرباضها هبطوا صحراء الجزيرة فارّين بدينهم من الاضطهاد الصليبي الذي عمل- من قديم- على تنصيرهم أو إفنائهم؛ ذلك لأنّ رأي اليهود في عيسى وأمه شنيع.
والنصارى يعتقدون أنّ اليهود هم قتلة عيسى، والموعزون بصلبه!!.
ولا شك أن اليهود شعب نشيط، وأنهم- حيث حلّوا- يبذلون جهودا مذكورة للسيطرة على زمام التوجيه المالي، ولا يبالون بأساليب الختل والمكر لبلوغ أهدافهم، وقد ألفوا أنفسهم قلّة بين أصحاب البلاد، وخشوا أن يفنوا إذا اشتبكوا معهم في صراع سافر؛ فاحتالوا حتى زرعوا الضغائن بين الأقرباء، وما زالوا بها حتى اتت ثمرها المرّ، فأخذ العرب يأكل بعضهم بعضا في سلسلة متصلة من المعارك التي لا مبرر لها، على حين قوي اليهود وتكاثروا، ونمت ثرواتهم، واستحكمت حصونهم، وخيف سطوهم.
وقبل الهجرة ببضع سنين وقعت بين الأوس والخزرج معركة (بعاث) كان النصر فيها للخزرج، ثم عاد للأوس، وبلغ من حدة الخصام بين الفريقين أن كليهما فكر في استئصال الاخر وإبادة خضرائه، لولا أن تدخّل أولو النّهى بالنصح، أن يبقوا على أنفسهم وإخوانهم، فجوارهم أفضل من جوار الثعالب يعني اليهود-!.
وهذه الفتن المتلاحقة جعلت أهل المدينة عند ما ترامت إليهم أنباء الإسلام يؤملون من ورائه الخير، من يدري؟! لعلّه يجدّد حياتهم، فيعيد السلام إلى صفوفهم، ويهب لهم حياة روحية ترجح بكفتهم على اليهود
قال ابن إسحاق: فلما أراد الله إظهار دينه، وإعزاز نبيّه، وإنجاز موعده له خرج رسول الله ﷺ في الموسم الذي لقيه فيه النفر من الأنصار، فعرض نفسه على قبائل العرب، كما كان يصنع في كل موسم، فبينما هو عند العقبة لقي رهطا
[ ١٥٥ ]
من الخزرج أراد الله بهم خيرا، فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة عن أشياخ من قومه قالوا: لما لقيهم رسول الله ﷺ قال لهم: «من أنتم؟» قالوا: نفر من الخزرج، قال: «من موالي يهود؟» قالوا: نعم، قال: «أفلا تجلسون أكلمكم؟» قالوا: بلى! فجلسوا معه فدعاهم إلى الله، وعرض عليهم الإسلام، وتلا عليهم القران
قال: فأجابوه فيما دعاهم إليه بأن صدّقوه، وقبلوا منه ما عرض عليهم من الإسلام، وقالوا له: إنا قد تركنا قومنا، ولا قوم بينهم من العداوة والشر ما بينهم، وعسى أن يجمعهم الله بك، فسنقدم عليهم فندعوهم إلى أمرك، ونعرض عليهم الذي أجبناك إليه من هذا الدين، فإن يجمعهم الله عليك فلا رجل أعزّ منك!! ثم انصرفوا راجعين إلى بلادهم، قد آمنوا وصدقوا «١» .
كان أولئك النفر طليعة الدعاية الموفقة للإسلام في يثرب، وقد أثمرات جهودهم على عجل، فلم تبق دار إلّا دخلها الإسلام.
حتى إذا استدار العام، وأقبل موسم الحج، خرج من المدينة اثنا عشر رجلا من الذين أسلموا- فيهم الستة الذين كلّمهم النبي ﷺ في الموسم السابق- وعزموا على الاجتماع برسول الله ﷺ ليوثقوا معه إسلامهم.
_________________
(١) إسناده حسن.
[ ١٥٦ ]
بيعة العقبة الأولى
وقد لقيهم النبي ﷺ بالعقبة، وعقد معهم بيعة على الإيمان بالله واحده، والاستمساك بفضائل الأعمال، والبعد عن مناكرها.
عن عبادة بن الصامت قال: بايعنا رسول الله ﷺ ليلة العقبة الأولى: «أن لا نشرك بالله شيئا، ولا نسرق، ولا نزني، ولا نقتل أولادنا، ولا نأتي ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا، ولا نعصيه في معروف» .
قال: «فإن وفّيتم فلكم الجنة، وإن غشيتم «١» من ذلك شيئا، فأخذتم بحدّه في الدنيا فهو كفارة له، وإن سترتم عليه إلى يوم القيامة، فأمركم إلى الله؛ إن شاء عذّب، وإن شاء غفر» «٢» .
هذا ما كان محمد ﷺ يدعو إليه، وكانت الجاهلية تنكره عليه.
أيكره هذه العهود إلا مجرم يحبّ للناس الريبة، ويودّ للأرض الفساد؟!.
أتمّ وفد الأنصار هذه البيعة، ثم قفل عائدا إلى (يثرب)، فرأى النبي ﷺ أنّ يبعث معهم أحد الثقات من رجاله، ليتعهّد نماء الإسلام في المدينة، ويقرأ على أهلها القران، ويفقههم في الدين، ووقع اختياره على (مصعب بن عمير) ﵁ «٣» ليكون هذا المعلّم الأمين.
ونجح مصعب ﵁ أيّما نجاح في نشر الإسلام، وجمع الناس عليه، واستطاع أن يتخطّى الصعاب التي توجد- دائما- في طريق كل نازح غريب، يحاول أن ينقل الناس من مورثات ألفوها إلى نظام جديد، يشمل الحاضر والمستقبل، ويعم الإيمان والعمل، والخلق والسلوك
_________________
(١) ارتكبتم.
(٢) حديث صحيح، أخرجه البخاري: ١/ ٥٤- ٥٨؛ ومسلم: ٥/ ١٣٧.
(٣) انظر حياته بالتفصيل في كتاب (مصعب بن عمير، الداعية المجاهد) للأستاذ محمد حسن بريغش، وهو من سلسلة أعلام المسلمين التي تصدرها دار القلم- دمشق. (ن) .
[ ١٥٧ ]
ولا تحسبنّ مصعبا ﵁ كأولئك المرتزقة من المبشرين، الذي دسّهم الاستعمار الغربي بين يدي زحفه على الشرق، فترى الواحد منهم يقبع تحت سرير مريض ليقول له: هذه القارورة تقدمها لك العذراء! وهذا الرغيف يهديه إليك المسيح!.
وربّما فتح مدرسة ظاهرها الثقافة المجرّدة، أو ملجأ ظاهره البرّ الخالص، ثم لوى زمام الناشئة من حيث لا يدرون، ومال بهم حيث يريد..!!.
هذا ضرب من التلصّص الروحي يتوارى تحت اسم الدعوة إلى الدين، والذين يمثّلون هذه المساخر يجدون الجرأة على عملهم من الدول التي تبعث بهم، فإذا رأيت إصرارهم ومغامراتهم فلا تنس القوى التي تساند ظهورهم في البر والبحر والجو.
أما مصعب ﵁ فكان من ورائه نبيّ مضطهد، ورسالة معتبرة ضد القانون السائد، وما كان يملك من وسائل الإغراء ما يطمع طلاب الدنيا ونهّازي الفرص، كل ما لديه ثروة من الكياسة والفطنة، قبسها من محمد ﷺ، وإخلاص لله، جعله يضحّي بمال أسرته وجاهها في سبيل عقيدته.. ثم هذا القران الذي يتأنّق في تلاوته، ويتخيّر من روائعه ما يغزو به الألباب، فإذا الأفئدة ترقّ له، وتنفتح للدين الجديد.
وعاد مصعب ﵁ إلى رسول الله ﷺ بمكة قبيل الموسم الحافل، يخبره بما لقي الإسلام من قبول حسن في يثرب، ويبشّره بأنّ جموعا غفيرة دخلت فيه عن اقتناع مسّ شغافهم، وبصر أنار أفكارهم، وسوف يرى من وفودهم بهذا الموسم ما تقر به العين.
[ ١٥٨ ]
بيعة العقبة الكبرى
إنّ الرجال الذين اعتنقوا الإسلام عرفوا- دون شك- تاريخه القريب، والصعاب الهائلة التي لقيها، وحزّ في نفوسهم أن يستضعف إخوانهم في مكة، وأن يخرج نبيّهم وهو يدعو إلى الله فلا يجيبه إلا اثم أو كفور!!.
ولذلك تساءلوا- وهم خارجون من المدينة قاصدين البيت العتيق- حتى متى نترك رسول الله ﷺ يطوّف، ويطرد في جبال مكة ويخاف؟!.
لقد بلغ الإيمان أوجه في هذه القلوب الفتية، وان لها أن تنفّس عن حماسها، وأن تفكّ هذا الحصار الخانق المضروب حول الدعوة والداعية.
قال جابر بن عبد الله: فرحل إليه منا سبعون رجلا حتى قدموا عليه في الموسم، فواعدناه شعب العقبة، فاجتمعنا عندها من رجل ورجلين، حتى توافينا، فقلنا: يا رسول الله، علام نبايعك؟ قال ﷺ: «تبايعوني على السمع والطاعة في النشاط والكسل، والنفقة في العسر واليسر، وعلى الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وأن تقوموا في الله لا تخافون لومة لائم، وعلى أن تنصروني، فتمنعوني إذا قدمت عليكم- مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم، ولكم الجنة» .
قال: فقمنا إليه، وأخذ بيده (أسعد بن زرارة)، وهو أصغر السبعين بعدي، فقال: رويدا يا أهل يثرب! فإنّا لم نضرب إليه أكباد الإبل وإلا نحن نعلم أنّه رسول الله، وإنّ إخراجه اليوم مناوأة للعرب كافة، وقتل خياركم، وأن تعضّكم السيوف.
فإما أنتم قوم تصبرون على ذلك فخذوه وأجركم على الله، وإما أنتم قوم تخافون من أنفسكم خيفة فذروه، فبيّنوا ذلك، فهو أعذر لكم عند الله!.
فقالوا: يا أسعد! أمط عنا يدك، فو الله لا نذر هذه البيعة، ولا نستقيلها، فقمنا إليه رجلا رجلا فبايعناه «١» .
_________________
(١) أخرجه أحمد: ٣/ ٣٢٢؛ ٣٣٩، ٣٩٤؛ والحاكم: ٢/ ٦٢٤- ٦٢٥؛ والبيهقي في سننه الكبرى: ٩/ ٩، من طريق ابن خيثم، عن أبي الزبير، عن جابر قال الحاكم: صحيح-
[ ١٥٩ ]
وعن كعب بن مالك: نمنا تلك الليلة- ليلة العقبة- مع قومنا في رحالنا، حتى إذا مضى ثلث الليل، خرجنا من رحالنا لميعاد رسول الله ﷺ، نتسلّل تسلّل القطا مستخفين، حتى اجتمعنا في الشّعب عند العقبة، ونحن ثلاثة وسبعون رجلا، ومعنا امرأتان من نسائنا: نسيبة بنت كعب، وأسماء بنت عمرو بن عدي.
فلما اجتمعنا في الشّعب ننتظر رسول الله ﷺ، جاءنا ومعه العباس بن عبد المطلب، وهو يومئذ على دين قومه، إلا أنّه أحبّ أن يحضر أمر ابن أخيه، ويستوثق له، فلمّا جلس كان أول متكلّم، قال: يا معشر الخزرج «١» ! إنّ محمدا منا حيث قد علمتم، وقد منعناه من قومنا ممن هو على مثل رأينا فيه، فهو في عزّة من قومه، ومنعة في بلده، وإنّه قد أبى إلا الانحياز إليكم واللحوق بكم، فإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه، ومانعوه ممن خالفه، فأنتم وما تحملتم من ذلك!! وإن كنتم ترون أنكم مسلموه وخاذلوه بعد الخروج إليكم، فمن الان فدعوه، فإنّه في عزة ومنعة من قومه وبلده
قال كعب: فقلنا له: قد سمعنا ما قلت، فتكلّم يا رسول الله! فخذ لنفسك وربك ما أحببت، فتكلّم رسول الله ﷺ فتلا القران، ودعا إلى الله، ورغّب في الإسلام، ثم قال: «أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم» .
قال كعب: فأخذ البراء بن معرور بيده، وقال: نعم، فوالذي بعثك بالحق لنمنعنّك مما نمنع أزرنا، فبايعنا يا رسول الله، فنحن- والله- أبناء الحروب، ورثناها كابرا عن كابر، فاعترض هذا القول- والبراء يكلم رسول الله ﷺ- أبو الهيثم بن التيهان، فقال: يا رسول الله! إنّ بيننا وبين الرجال- يعني: اليهود- حبالا وإنّا قاطعوها، فهل عسيت إن فعلنا ذلك ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك، وتدعنا؟ قال: فتبسّم رسول الله ﷺ، ثم قال: «بل الدم الدم، والهدم الهدم، أنا منكم وأنتم مني، أحارب من حاربتم وأسالم من سالمتم» .
_________________
(١) - الإسناد، ووافقه الذهبي، وقال الحافظ ابن كثير (٣/ ١٦٠) من البداية: «وهذا إسناد جيّد على شرط مسلم»، وقال الحافظ في الفتح (٧/ ١٧٧): «رواه أحمد بإسناد حسن وصحّحه الحاكم وابن حبان» قلت: وفيه علة. وهي عنعنة أبي الزبير، وكان مدلسا، وليس هو من رواية الليث بن سعد عنه؛ فلعلّ تصحيحه أو تحسينه بالنظر لشواهده، والله أعلم.
(٢) يقصد أهل يثرب جميعا من (أوس) و(خزرج) .
[ ١٦٠ ]
وأمرهم رسول الله ﷺ أن يخرجوا منهم اثني عشر نقيبا، يكونون على قومهم بما فيهم، فأخرجوا منهم النقباء، تسعة من (الخزرج)، وثلاثة من (الأوس) «١»، فقال لهم رسول الله ﵊: «أنتم على قومكم بما فيهم كفلاء ككفالة الحواريين لعيسى ابن مريم وأنا كفيل على قومي» .
تلكم بيعة العقبة، وما أبرم فيها من مواثيق، وما دار فيها من محاورات
إنّ روح اليقين والفداء والاستبسال سادت هذا الجمع، وتمشّت في كلّ كلمة قيلت، وبدا أنّ العواطف الفائرة ليست واحدها التي توجّه الحديث، أو تملي العهود، كلا، فإنّ حساب المستقبل روجع مع حساب اليوم، والمغارم المتوقعة نظر إليها قبل المغانم الموهومة.
مغانم؟! أين موضوع المغانم في هذه البيعة؟! لقد قام الأمر كلّه على التجرّد المحض، والبذل الخالص.
هؤلاء السبعون مثل لانتشار الإسلام، عن طريق الفكر الحرّ والاقتناع الخالص
فقد جاؤوا من يثرب مؤمنين أشدّ الإيمان، وملبّين داعي التضحية، مع أنّ معرفتهم بالنبي ﷺ كانت لمحة عابرة؛ غبرت عليها الأيام، وكان الظن بها أن تزول.
لكننا لا يجوز أن ننسى مصدر هذه الطاقة المتأجّجة من الشجاعة والثقة؛ إنّه القران!! لئن كان الأنصار قبل بيعتهم الكبرى لم يصحبوا الرسول ﷺ إلا لماما؛ فإن الوحي المشعّ من السماء أضاء لهم الطريق، وأوضح الغاية.
لقد نزل بمكة قريب من نصف القران، سال على ألسنة الحفّاظ، وتداولته صحائف السفرة، الكرام البررة، والقران النازل بمكة صوّر جزاء الاخرة رأي
_________________
(١) حديث صحيح، رواه ابن إسحاق في المغازي: ١/ ٢٧٣- ٢٧٦، عن ابن هشام؛ وأحمد: ٣/ ٤٦٠- ٤٦٢؛ وابن جرير في تاريخه: ٢/ ٩٠- ٩٣، من طريق ابن إسحاق، قال: حدثني معبد بن كعب بن مالك بن أبي كعب بن القين: أن أخاه عبد الله بن كعب وكان من أعلم الأنصار- حدّثه: إنّ أباه كعبا حدثه، وهذا سند صحيح، وصححه ابن حبان كما في (الفتح: ٧/ ٤٧٥) . قلت: وأما قوله في اخر القصة: «فقال لهم الرسول: أنتم » فأخرجه ابن إسحاق: ١/ ٢٧٧، عن عبد الله بن أبي بكر مرسلا، فهو ضعيف؛ ورواه ابن جرير: ٢/ ٩٣، من طريق ابن إسحاق.
[ ١٦١ ]
العين، فأنت توشك أن تمدّ يدك تقطف من أثمار الجنة، ويستطيع الأعرابيّ المتعشّق للحق أن ينتقل في لحظة فداء من رمضاء الجزيرة إلى أنهار النعيم والرحيق المختوم!.
وحكى القران أخبار الأوّلين، وكيف أخلص المؤمنون لله، فنجوا مع رسلهم، وكيف طغى الكفار، وأسكرهم الإمهال، فتعنّتوا وتجبّروا، ثم حلّ العدل الإلهي، فذهب الظالمون بددا، وتركوا وراءهم دنيا مدبرة، ودورا خربة:
فأدبروا ووجوه الأرض تلعنهم كباطل من جلال الحقّ منهزم..!!
ثم إنّ الرسول ﷺ جعل من هذا الإيمان بالحقّ رباطا، يعقد من تلقاء نفسه صلة الحب والتناصر بين أشتاب المؤمنين في المشرق والمغرب.
فالمسلم في المدينة- وإن لم ير أخاه المستضعف في مكة- يحنو عليه، ويتعصّب له، ويغضب من ظالمه، ويقاتل دونه، وذلك ما استقدم الأنصار من يثرب؛ تجيش في حناياهم مشاعر الولاء لمن أحبوهم بالغيب في ذات الله.
عن أبي مالك الأشعري: أنّ رسول الله ﷺ قال: «يا أيها الناس! اسمعوا واعقلوا، واعلموا أنّ لله عبادا ليسوا بأنبياء ولا شهداء، يغبطهم النبيّون والشهداء على منازلهم، وقربهم من الله» . فجثا رجل من الأعراب من قاصية النّاس، وألوى بيده إلى النبيّ ﷺ، فقال: يا رسول الله! ناس من الناس، ليسوا بأنبياء ولا شهداء، يغبطهم الأنبياء والشهداء على مجالسهم وقربهم من الله؟! انعتهم لنا، جلّهم لنا- يعني: صفهم لنا- فسرّ وجه النبي ﷺ بسؤال الأعرابي، وقال: «هم ناس من أفناء الناس، ونوازع القبائل، لم تصل بينهم أرحام متقاربة، تحابّوا في الله، وتصافوا، يضع الله لهم يوم القيامة منابر من نور، فيجلسون عليها، فيجعل وجوههم نورا، وثيابهم نورا، يفزع الناس يوم القيامة ولا يفزعون، وهم أولياء الله، لا خوف عليهم ولا هم يحزنون» «١» .
_________________
(١) حديث حسن، أخرجه الإمام أحمد: ٥/ ٣٤٣، من طريق شهر بن حوشب، عن عبد الرحمن بن غنم، عن أبي مالك الأشعري. وشهر فيه ضعف. وقال المنذري (٤/ ٤٨): «رواه أحمد وأبو يعلى بإسناد حسن، والحاكم، وقال: صحيح الإسناد» قلت: ولم أجده في مستدرك الحاكم من حديث أبي مالك؛ وإنما أخرجه (٤/ ١٧٠) من حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما بنحوه، وقال: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي، وهو كما قال، فهذا شاهد قويّ لحديث أبي مالك.
[ ١٦٢ ]
الإيمان بالله، والحبّ فيه، والأخوة على دينه، والتناصر باسمه، ذلك كلّه كان يتدافع في النفوس المجتمعة في ظلام الليل بجوار مكة السادرة في غيّها، يتدافع ليعلن أنّ أنصار الله سوف يحمون رسوله ﷺ كما يحمون أعراضهم، وسوف يمنعونه بأرواحهم، فلا يخلص إليه أذى وهم أحياء.
إن مشركي مكة حسبوا أنهم حصروا الإسلام في نطاق لا يعدوه، وأرهقوا المسلمين حتى شغلوهم بأنفسهم، فناموا نومة المجرم الذي اغترف الإثم وأمن القصاص:
حسّنت ظنّك بالأيّام إذ حسنت ولم تخف سوء ما يأتي به القدر
وسالمتك الليالي فاغتررت بها وعند صفو الليالي يحدث الكدر
أجل، ففي هذه الليلة تحالف جند الحق أن يقصموا ظهر الوثنية، وأن ينتهوا بالجاهلية ورجالها إلى الفناء.
واستمع شيطان من المشركين كان يجول في مضارب الخيام ومنازل الحجيج إلى الضجة المنبعثة قريبا من العقبة، واستطاع أن يقف على جلية الخبر، فصرخ ينذر أهل مكة: «إنّ محمدا والصّباة معه قد اجتمعوا على حربكم..» !!.
وكان صوته جهيرا يوقظ النيام.
وشعر المبايعون كأنّ ائتمارهم بالمشركين قد انكشف، فلم يكترثوا للنتائج.
وقال العباس بن عبادة بن نضلة: يا رسول الله! والذي بعثك بالحق، إن شئت لنميلنّ على أهل (منى) غدا بأسيافنا، فقال رسول الله ﷺ: «لم نؤمر بذلك، ولكن ارجعوا إلى رحالكم» .
قال كعب: فلما أصبحنا غدت علينا جلّة قريش، حتى جاؤونا في منازلنا، فقالوا: يا معشر الخزرج! إنّه قد بلغنا أنكم جئتم إلى صاحبنا هذا تستخرجونه من بين أظهرنا، وتبايعونه على حربنا، وإنه- والله- ما من حيّ من العرب أبغض أن تنشب الحرب بيننا وبينهم منكم، قال: فانبعث من هناك من مشركي قومنا يحلفون: ما كان من هذا شيء وما علمناه، وصدقوا لم يعلموا، قال كعب:
وبعضنا ينظر إلى بعض «١» .
_________________
(١) هو من حديث كعب بن مالك الذي سبق وتقدّم تخريجه. هذا وهنا ملاحظة؛ وهي: أن-
[ ١٦٣ ]
بيد أنّ القرائن تجمّعت على أنّ ما قيل حقّ، فخرجت قريش تطلب الأنصار ففاتوهم، ولم يدركوا غير سعد بن عبادة.
فعادوا به مغلولة يداه إلى عنقه، وأخذوا يجذبونه من شعره، ويلكزونه، فأنقذه منهم جبير بن مطعم، والحارث بن حرب، إذ كان (سعد) يجير لهما قوافلهما المارة بالمدينة.
_________________
(١) - المصنف روى أول الحديث هنا بالمعنى، وهو غير متفق مع لفظ الحديث إذا تؤمل فيه بدون تأثر بأمر خارجي، ولفظه: «فلما بايعنا رسول الله ﷺ صرخ الشيطان من رأس العقبة بأنفذ صوت سمعته قط فقال رسول الله ﷺ: هذا أزبّ العقبة هذا ابن أزب. استمع أي عدوّ الله! أما والله لأفرغنّ لك» . فهذا السياق لا يمكن أن يفهم منه أن (الشيطان) المعرّف باللام هو رجل من المشركين، وأيضا يبعد جدا أن يخاطب ﵊ هذا الرجل بقوله: «أي عدو الله لأفرغن لك» . ويؤيد ما ذكرنا رواية الطبراني لهذه القصة عن عروة مرسلا، وفيها: فقال رسول الله ﷺ: «لا يرعكم هذا الصوت، فإنه عدو الله إبليس؛ ليس سمعه أحد ممن تخافون»؛ وقام رسول الله ﷺ، فصرخ بالشيطان: «يا بن أزب! هذا عملك فسأفرغ لك» . قال الهيثمي (٦/ ٤٧): «وفيه ابن لهيعة، وحديثه حسن، وفيه ضعف» .
[ ١٦٤ ]
طلائع الهجرة
إنّ نجاح الإسلام في تأسيس وطن له وسط صحراء تموج بالكفر والجهالة، هو أخطر كسب حصل عليه منذ بدأت الدعوة له، وقد تنادى المسلمون من كل مكان: هلمّوا إلى يثرب.. فلم تكن الهجرة تخلّصا فقط من الفتنة والاستهزاء، بل كانت تعاونا عاما على إقامة مجتمع جديد في بلد امن.
وأصبح فرضا على كلّ مسلم قادر أن يسهم في بناء هذا الوطن الجديد، وأنّ يبذل جهده في تحصينه، ورفع شأنه، وأصبح ترك المدينة- بعد الهجرة إليها- نكوصا عن تكاليف الحق، وعن نصر الله ورسوله ﷺ، فالحياة بها دين، لأنّ قيام الدين يعتمد على إعزازها.
وفي عصرنا هذا أعجب اليهود بأنفسهم، وعانق بعضهم بعضا مهنّئا؛ لأنهم استطاعوا تأسيس وطن قوميّ لهم، بعد أن عاشوا- مشرّدين- قرونا طوالا.
ونحن لا ننكر جهد اليهود في إقامة هذا الوطن، ولا حماس المهاجرين من كلّ فجّ للعيش به، ومحاولة إحيائه وإعلائه.
ولكن ما أبعد البون بين ما صنع اليهود اليوم- أو بتعبير أدق: ما صنع لليهود اليوم- وبين ما صنع الإسلام وبنوه لأنفسهم، يوم هاجروا إلى يثرب نجاة بدعوتهم، وإقامة لدولتهم.
إنّ اليهود جاؤوا على حين فرقة من العرب، وغفلة وضعف، وحاكوا مؤامراتهم في ميدان السياسة الغربية الناقمة على الإسلام وأهله، فإذا بالعالم كلّه يهجم على فلسطين بالمال والسلاح، والنساء والدهاء، فلم يستطع مليون عربي حصرتهم الخيانات في مازق ضيقة أن يصنعوا شيئا، فهاموا على وجوههم في الأرض، نتيجة اتفاق أمريكة، وروسية، وإنكلترة، وفرنسة و.. ملوك العرب؛ على خذلان أولئك العرب التعساء، وبذلك قام الوطن القومي لليهود، وبثّت الدعاية لتشجيع الهجرة إليه، وإسداء العون له من دهاقين السياسة والمال في أنحاء الدنيا!!.
[ ١٦٥ ]
أين هذا الحضيض من رجال أخلصوا لله طواياهم، وترفّعت عن المارب هممهم، وذهلوا عن المتاع المبذول، والأمان المتاح، واستهوتهم المثل العليا واحدها في عالم يعجّ بالصّمّ البكم، وربطوا مستقبلهم بمستقبل الرسالة المبرّأة التي اعتنقوها، وتبعوا صاحبها المتجرّد المكافح، وهو لا يني يقول:
قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحانَ اللَّهِ وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨) [يوسف] .
إنّ المدينة الفاضلة التي تعشّقها الفلاسفة، وتخيلوا فيها الكمال، وجاءت في سطور الكتب دون ما صنع المهاجرون الأولون، وأثبتوا به أنّ الإيمان الناضج يحيل البشر إلى خلائق تباهي الملائكة سناء ونضارة.
إنّ المسلمين- بإذن رسول الله ﷺ- هرعوا من مكة وغيرها إلى (يثرب) يحدوهم اليقين، وترفع رؤوسهم الثقة.
ليست الهجرة انتقال موظّف من بلد قريب إلى بلد ناء، ولا ارتحال طالب قوت من أرض مجدبة إلى أرض مخصبة..
إنها إكراه رجل امن في سربه، ممتدّ الجذور في مكانه، على إهدار مصالحه، وتضحية أمواله، والنجاة بشخصه فحسب، وإشعاره- وهو يصفّي مركزه- بأنه مستباح منهوب، قد يهلك في أوائل الطريق أو نهايتها، وبأنّه يسير نحو مستقبل مبهم، ولا يدري ما يتمخّض عنه من قلاقل وأحزان، ولو كان الأمر مغامرة فرد بنفسه لقيل: مغامر طيّاش، فكيف وهو ينطلق في طول البلاد وعرضها، يحمل أهله وولده؟! وكيف وهو بذلك رضيّ الضمير، وضّاء الوجه؟!.
إنّه الإيمان، الذي يزن الجبال ولا يطيش! وإيمان بمن؟! بالله الذي له ما في السموات وما في الأرض، وله الحمد في الأولى والاخرة، وهو الحكيم الخبير.
هذه الصّعاب لا يطيقها إلا مؤمن، أما الهيّاب الخوّار القلق، فما يستطيع شيئا من ذلك، إنّه من أولئك الذين قال الله فيهم: وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيارِكُمْ ما فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ [النساء: ٦٦] .
أما الرجال الذين التقوا بمحمد ﷺ في مكة، وقبسوا منه أنوار الهدى، وتواصوا بالحقّ والصبر، فإنهم نفروا خفافا ساعة قيل لهم: هاجروا إلى حيث تعزّون الإسلام، وتؤمّنون مستقبله.
[ ١٦٦ ]
ونظر المشركون، فإذا ديار ب (مكة) كانت عامرة بأهلها قد أقفرت، ومحالّ مؤنسة قد أمحلت.
مر عتبة، والعبّاس، وأبو جهل على دار بني جحش بعد ما غلّقت، فقد هاجر ربّ الدار، وزوجه، وأخوه أبو أحمد- وكان رجلا ضرير البصر-، ونظر عتبة إلى الدار تخفق أبوابها يبابا، ليس بها ساكن! فلما راها تصفر الريح في جنباتها قال:
وكلّ دار وإن طالت سلامتها يوما، ستدركها النّكباء والحوب
ثم قال: أصبحت الدار خلاء من أهلها، فقال أبو جهل للعباس: هذا من عمل ابن أخيك، فرّق جماعتنا، وشتّت أمرنا، وقطع بيننا..
وأبو جهل بهذا الكلام تبرز فيه طبائع الطغاة كاملة؛ فهم يجرمون ويرمون الوزر على أكتاف غيرهم، ويقهرون المستضعفين، فإذا أبوا الاستكانة، فإباؤههم علّة المشكلات ومصدر القلاقل..!!.
وكان من أول المهاجرين: أبو سلمة، وزوجه، وابنه، فلما أجمع على الخروج قال له أصهاره: هذه نفسك غلبتنا عليها، أرأيت صاحبتنا هذه؟ علام نتركك تسير بها في البلاد؟! وأخذوا منه زوجته. فغضب ال أبي سلمة لرجلهم، وقالوا: لا نترك ابننا معها إذ نزعتموها من صاحبنا، وتجاذبوا الغلام بينهم، فخلعوا يده، وذهبوا به، وانطلق أبو سلمة واحده إلى المدينة، فكانت أم سلمة بعد ذهاب زوجها، وضياع ابنها- تخرج كلّ غداة بالأبطح، تبكي حتى تمسي، نحو سنة، فرقّ لها أحد ذويها وقال: ألا تخرجون هذه المسكينة؟! فرّقتم بينها وبين زوجها وولدها، فقالوا لها: الحقي بزوجك إن شئت، فاسترجعت ابنها من عصبته، وهاجرت إلى المدينة..
ولما أراد (صهيب) الهجرة، قال له كفار قريش: أتيتنا صعلوكا حقيرا، فكثر مالك عندنا، وبلغت الذي بلغت، ثم تريد أن تخرج بمالك ونفسك، والله لا يكون ذلك، فقال لهم صهيب: أرأيتم إن جعلت لكم مالي، أتخلّون سبيلي؟
قالوا: نعم، قال: فإنّي قد جعلت لكم مالي، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال:
ربح صهيب «١» !.
_________________
(١) حديث صحيح، ذكره ابن هشام في (السيرة: ١/ ٢٨٩) معلّقا مرسلا، وقد وصله الحاكم: -
[ ١٦٧ ]
وهكذا أخذ المهاجرون يتركون مكة زرافات وواحدانا، حتى كادت مكة تخلو من المسلمين، وشعرت قريش بأنّ الإسلام أضحت له دار يأرز إليها، وحصن يحتمي به، وتوجّست خيفة من عواقب هذه المرحلة الخطيرة في دعوة محمد ﷺ، وهاجت في دمائها غرائز السّبع المفترس، حين يخاف على حياته.
إن محمدا ﷺ لا يزال في مكة، وهو- لا بدّ- مدرك أصحابه اليوم أو غدا، فلتعجل به قبل أن يستدير إليها
_________________
(١) - ٣/ ٣٩٨، من حديث أيوب عن عكرمة مرسلا، نحوه، وقال الحاكم: «صحيح على شرط مسلم»، وهو كما قال، وله شاهد من حديث صهيب نفسه، رواه الطبراني كما في المجمع: ٦/ ٦٠؛ والبيهقي كما في البداية: ٣/ ١٧٣- ١٧٤.
[ ١٦٨ ]
في دار الندوة
واجتمع طواغيت مكة في دار الندوة؛ ليتخذوا قرارا حاسما في هذا الأمر.
فرأى بعضهم أن توضع القيود في يد محمد ﷺ، ويشد وثاقه، ويرمى به في السجن، لا يصله منه إلا الطعام، ويترك على ذلك حتى يموت..
ورأى اخر أن ينفى من مكة، فلا يدخلها، وتنفض قريش يديها من أمره.
وقد استبعد هذان الاقتراحان لعدم جدواهما، واستقرّ الرأي على الاقتراح الذي أبداه أبو جهل؛ قال أبو جهل: أرى أن تأخذوا من كل بطن من قريش شابا نسيبا وسطا فتيا، ثم نعطي كلّ فتى سيفا صارما، ثم يضربونه- جميعا- ضربة رجل واحد، فإذا قتلوه تفرّق دمه في القبائل كلّها، ولا أظنّ بني هاشم يقوون على حرب قريش كافة، فإذ لم يبق أمامهم إلا الدية أديناها.
ورضي المؤتمرون بهذا الحلّ للمشكلة التي حيّرتهم، وانصرفوا ليقوموا على إنفاذه، وقد أشار القران إلى تدبير هذه الجريمة بقوله: وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ (٣٠) [الأنفال] .
إنّ هذا الحكم لم يتخذ في مجلس سر، بل في اجتماع عام.
ومن الطبيعي أن يعلم به رسول الله ﷺ وأن يعرف حقيقة وضعه في مكة، إنهم لا ينتظرون به إلا موعد التنفيذ، ثم يقدّمه الطغام قربانا للأصنام!!.
على أنّ رسول الله ﷺ لم يكن ليوعز إلى أصحابه بالهجرة ويتخلّف عنهم.
لقد رسم الخطة التي يذهب بها إلى (يثرب) حين ندب المسلمين للهجرة إليها.
روى الزهريّ عن عروة، عن عائشة، قالت: قال رسول الله ﷺ- وهو يومئذ بمكة- للمسلمين: «قد أريت دار هجرتكم؛ أريت سبخة ذات نخل بين لابتين» «١»،
_________________
(١) حديث صحيح، أخرجه البخاري: ٧/ ١٨٦؛ والحاكم: ٣/ ٣- ٤؛ والبيهقي: ٩/ ٩، من-
[ ١٦٩ ]
فهاجر من هاجر قبل المدينة حين ذكر ذلك رسول الله ﷺ، ورجع «١» إلى المدينة من كان هاجر إلى أرض الحبشة من المسلمين.
_________________
(١) - حديث عائشة؛ والبخاري: ١٢/ ٣٥٤- ٣٥٥؛ ومسلم: ٧/ ٥٧؛ وابن ماجه: ٢/ ٤٥٥، من حديث أبي موسى نحوه.
(٢) بدأ رجوعهم، وظلّ حتى السنة السادسة للهجرة العامة.
[ ١٧٠ ]
هجرة الرسول ﷺ
حين عزم رسول الله ﷺ على ترك مكة إلى المدينة؛ ألقى الوحي الكريم في قلبه وعلى لسانه هذا الدعاء الجميل: وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطانًا نَصِيرًا (٨٠) [الإسراء] «١» .
ولا نعرف بشرا أحقّ بنصر الله، وأجدر بتأييده، مثل هذا الرسول ﷺ؛ الذي لاقى في جنب الله ما لاقى، ومع ذلك فإنّ استحقاق التأييد الأعلى لا يعني التفريط قيد أنملة في استجماع أسبابه، وتوفير وسائله.
ومن ثمّ فإنّ رسول الله ﷺ أحكم خطّة هجرته، وأعدّ لكلّ فرض عدته، ولم يدع في حسبانه مكانا للحظوظ العمياء.
وشأن المؤمن مع الأسباب المعتادة؛ أن يقوم بها كأنّها كلّ شيء في النجاح، ثم يتوكّل- بعد ذلك- على الله؛ لأنّ كلّ شيء لا قيام له إلا بالله.
فإذا استفرغ المرء جهوده في أداء واجبه، فأخفق بعد ذلك، فإنّ الله لا يلومه على هزيمة بلي بها، وقلّما يحدث ذلك، إلا عن قدر قاهر يعذر المرء فيه!!.
وكثيرا ما يرتّب الإنسان مقدّمات النصر ترتيبا حسنا، ثم يجيء عون أعلى يجعل هذا النصر مضاعف الثمار.
كالسفينة التي يشقّ عباب الماء بهاربّان ماهر، فإذا التيار يساعدها، والريح تهبّ إلى وجهتها، فلا تمكث غير بعيد، حتى تنتهي إلى غايتها في أقصر من وقتها المقرر.
_________________
(١) هو من حديث ابن عباس، قال: كان رسول الله ﷺ بمكة، ثم أمر بالهجرة وأنزل عليه قلت: فذكر الاية. أخرجه الترمذي: ٤/ ١٣٧؛ والحاكم: ٣/ ٣؛ والبيهقي: ٩/ ٩؛ وأحمد، رقم (١٩٤٨)، من طريق قابوس بن أبي ظبيان عن أبيه، وليس في المسند والبيهقي (عن أبيه) عن ابن عباس، وقال الترمذي: «حديث حسن صحيح» . وقال الحاكم: «صحيح الإسناد» ووافقه الذهبي. وفيه نظر؛ فإن قابوس بن أبي ظبيان أورده الذهبي في الميزان، ونقل عن ابن حبان أنه قال فيه: «رديء الحفظ، ينفرد عن أبيه بما لا أصل له، فربما رفع المرسل، وأسند الموقوف، ولذلك قال الحافظ في (التقريب): فيه لين» .
[ ١٧١ ]
وهجرة رسول الله ﷺ من مكة إلى المدينة جرت على هذا الغرار، فقد استبقى رسول الله ﷺ معه عليّا وأبا بكر، وأذن لسائر المؤمنين بتقدّمه إلى المدينة.
فأما أبو بكر ﵁ فإن الرسول ﷺ قال له حين استأذنه ليهاجر: «لا تعجل، لعلّ الله أن يجعل لك صاحبا» «١» . وأحسّ أبو بكر ﵁ كأنّ الرسول ﷺ يعني نفسه بهذا الرد!.
فابتاع راحلتين فحبسهما في داره، يعلفهما إعدادا لذلك.
وأما عليّ ﵁ فإنّ الرسول ﷺ هيأه لدور خاص، يؤديه في هذه المغامرة المحفوفة بالأخطار!.
قال ابن إسحاق: فحدّثني من لا أتّهم عن عروة بن الزبير، عن عائشة، أنها قالت: كان لا يخطئ رسول الله ﷺ أن يأتي بيت أبي بكر أحد طرفي النهار: إما بكرة، وإما عشيا، حتى إذا كان اليوم الذي أذن الله فيه لرسوله في الهجرة والخروج من مكة من بين ظهري قومه، أتانا رسول الله ﷺ بالهاجرة، في ساعة كان لا يأتي فيها، قالت: فلمّا راه أبو بكر، قال: ما جاء رسول الله ﷺ في هذه الساعة إلا لأمر حدث، فلمّا دخل، تأخّر له أبو بكر عن سريره، فجلس رسول الله ﷺ، وليس عند رسول الله أحد إلا أنا وأختي أسماء، فقال رسول الله ﷺ: «أخرج عني من عندك»، قال: يا رسول الله! إنما هما ابنتاي، وما ذاك- فداك أبي وأمي-؟.
قال: «إنّ الله أذن لي بالخروج والهجرة»، فقال أبو بكر: الصحبة يا رسول الله؟ قال: «الصحبة» .
قالت عائشة: فو الله ما شعرت قطّ قبل ذلك اليوم أنّ أحدا يبكي من الفرح حتى رأيت أبا بكر يومئذ يبكي!!.
_________________
(١) رواه ابن إسحاق: ٢/ ٢، بدون إسناد، لكن معناه فيما أخرجه البخاري: ٧/ ١٨٣- ١٩٧، من حديث عائشة الطويل في الهجرة، بلفظ: «وتجهز أبو بكر قبل المدينة فقال رسول الله ﷺ: «على رسلك فإني أرجو أن يؤذن لي»، فقال أبو بكر: هل ترجو ذلك بأبي أنت؟ قال: «نعم» . فحبس أبو بكر نفسه على رسول الله ﷺ ليصحبه، وعلف راحلتين كانتا عنده ورق السمر- وهو الخبط- أربعة أشهر»، ورواه أحمد أيضا: ٦/ ١٩٨، ثم وجدت له شاهدا من حديث ابن عمر بلفظ: الكتاب، رواه الطبراني بسند، قال الهيثمي ٦/ ٦٢: «فيه عبد الرحمن بن بشر الدمشقي، ضعفه أبو حاتم» .
[ ١٧٢ ]
ثم قال: يا نبيّ الله إنّ هاتين الراحلتين كنت أعددتهما لهذا، فاستأجرا عبد الله بن أريقط- وهو مشرك! - يدلّهما على الطريق، ودفعا إليه راحلتيهما، فكانتا عنده يرعاهما لميعادهما «١» ..
قال ابن إسحاق: ولم يعلم- فيما يلغني- بخروج رسول الله ﷺ أحد حين خرج- يقصد: نوى الخروج- إلا علي وأبو بكر واله ﵄. أما علي ﵁ فإنّ رسول الله ﷺ أمره أن يتخلّف حتى يؤدّي عنه الودائع التي كانت عنده للناس، وكان رسول الله ﷺ ليس بمكة أحد عنده شيء يخشى عليه إلا وضعه عنده، لما يعلم من صدقه وأمانته.
درس في سياسة الأمور:
ويلاحظ أنّ النبي ﵊ كتم أسرار مسيره، فلم يطلع عليها إلا من لهم صلة ماسّة، ولم يتوسّع في إطلاعهم إلا بقدر العمل المنوط بهم.
وقد استأجر دليلا خبيرا بطريق الصحراء؛ ليستعين بخبرته على مغالبة المطاردين، ونظر في هذا الاختيار إلى الكفاية واحدها، فإذا اكتملت في أحد ولو مشركا- استخدمه وانتفع بموهبته.
ومع هذه المرونة في وضع الخطة، فإنّ النبيّ ﵊ أصرّ أن يدفع ثمن راحلته، وأبى أن يتطوّع أبو بكر به، لأن البذل في هذه الهجرة ضرب من العبادة ينبغي الحرص عليه، وتستبعد النيابة فيه.
واتّفق الرسول ﵊ مع أبي بكر على تفاصيل الخروج، وتخيّروا الغار الذي يأوون إليه، تخيّروه جنوبا في اتجاه اليمن، لتضليل المطاردين، وحدّدوا الأشخاص الذين يتّصلون بهم في أثناء اللّجأ إليه، ومهمة كل شخص.
_________________
(١) أخرجه ابن إسحاق (٢/ ٢- ٣ من ابن هشام) وفيه شيخه الذي لم يسم، لكن قد سماه ابن جرير: ٢/ ١٠٣، في رواية عن ابن إسحاق، فقال: «حدثني محمد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن الحصين التميمي، قال: حدثني عروة بن الزبير به» . ومحمد بن عبد الرحمن هذا في عداد المجهولين، أورده ابن أبي حاتم في (الجرح والتعديل: ٣/ ٢/ ٣١٧) . وذكر أنه روى عن جماعة وعنه ابن إسحاق. ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا. لكنه لم ينفرد بالحديث فقد أخرجه ابن جرير: ٢/ ١٠١- ١٠٣، من طريق هشام بن عروة عن عروة به نحوه. وإسناده صحيح. وأخرجه البخاري وأحمد من طريق الزهري قال: عروة به، مع شيء من الاختصار.
[ ١٧٣ ]
ثم عاد الرسول ﵊ إلى بيته، فوجد قريشا بدأت تضرب الحصار حوله، وبعثت بالفتيان الذين وكل إليهم اغتيال محمد ﵊، وتفريق دمه بين القبائل!!.
وأوعز الرسول ﵊ إلى علي بن أبي طالب ﵁ في هذه الليلة الرهيبة أن يرتدي برده الذي ينام فيه، وأن يتسجّى به على سريره، وفي هجعة من الليل، وغفلة من الحرس، نسل الرسول ﵊ من بيته إلى دار أبي بكر، ثم خرج الرجلان من خوخة في ظهرها إلى غار ثور إلى الغار الذي استودعته العناية مصير الرسالة الخاتمة، ومستقبل حضارة كاملة، وتركته في حراسة الصمت والوحشة والانقطاع..
في الغار:
وسارت الأمور على ما قدّرا، وكان أبو بكر قد أمر ابنه عبد الله أن يتسمّع لهما ما يقول الناس فيهما، ثم يأتيهما إذا أمسى بما يكون في ذلك من أخبار، وأمر عامر بن فهيرة مولاه أن يرعى غنمه نهاره، ثم يريحها عليهما إذا أمسى في الغار، فكان عبد الله بن أبي بكر في قريش يسمع ما يأتمرون به، وما يقولون في شأن رسول الله ﷺ وأبي بكر، ثم يأتيهما إذا أمسى فيقصّ عليهما ما علم، وكان عامر في رعيان أهل مكة، فإذا أمسى أراح عليهما غنم أبي بكر، فاحتلبا، وذبحا، فإذا غدا عبد الله من عندهما إلى مكة، أتبع عامر بن فهيرة أثره بالغنم يعفّي عليه.. وتلك هي الحيطة البالغة كما تفرضها الضرورات المعتادة على أي إنسان..
وانطلق مشركو مكة في اثار المهاجرين يرصدون الطرق، ويفتّشون كلّ مهرب، وراحوا ينقّبون في جبال مكة، وكهوفها، حتى وصلوا- في دأبهم- قريبا من غار ثور، وأنصت الرسول ﷺ وصاحبه إلى أقدام المطاردين، تخفق إلى جوارهم، فأخذ الروع أبا بكر، وهمس يحدّث رسول الله ﷺ: لو نظر أحدهم تحت قدمه لرانا، فقال الرسول ﵊: «يا أبا بكر! ما ظنّك باثنين الله ثالثهما» «١» .
_________________
(١) حديث صحيح، أخرجه البخاري: ٧/ ٢٠٧؛ ومسلم: ٧/ ١٠٩، وغيرهما من حديث أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه.
[ ١٧٤ ]
ويظهر أنّ المطاردين داخلهم القنوط من العثور عليهما في هذا الفج، فتراكضوا عائدين، وروى أحمد «١»: «أنّ المشركين اقتفوا الأثر، حتى إذا بلغوا الجبل- جبل ثور- اختلط عليهم، فصعدوا الجبل، مرّوا بالغار، فرأوا على بابه نسج العنكبوت، فقالوا: لو دخل ها هنا أحد لم يكن نسج العنكبوت على بابه، فمكث فيه ثلاث ليال» .
ورواية أحمد حسنة، وإن لم ترد بها السنن الصحاح، ولم يرد كذلك ذكر لحمائم باضت على فم الغار أو غير ذلك.
قال تعالى في ذكر الهجرة: إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٤٠) [التوبة] .
والجنود التي يخذل بها الباطل، وينصر بها الحق، ليست مقصورة على نوع معين من السلاح، ولا صورة خاصة من الخوارق، إنّها أعم من أن تكون مادية أو معنوية، وإذا كانت مادية فإنّ خطرها لا يتمثّل في ضخامتها، فقد تفتك جرثومة لا تراها العين بجيش ذي لجب: وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ [المدثر: ٣١] .
ومن صنع الله لنبيّه أن تعمى عنه عيون عداته، وهو منهم على مد الطرف، ولم يكن ذلك محاباة من القدر لقوم فرّطوا في استكمال أسباب النجاة، بل هو مكافأة من القدر لقوم لم يدعوا وسيلة من وسائل الحذر إلا اتخذوها، وكم من خطة يضعها أصحابها، فيبلغون بها نهاية الإتقان تمرّ بها فترات عصيبة لأمور فوق
_________________
(١) في المسند، رقم (٣٢٥١)، من طريق عثمان الجزري: أنّ مقسما مولى ابن عباس أخبره عن ابن عباس به، وحسّن المؤلف إسناده، وكأنّه تبع فيه ابن كثير في (البداية: ٣/ ١٨٠- ١٨١) . وتبعه أيضا الحافظ في (الفتح: ٧/ ١٨٨)، وفي تحسينه نظر: فإنّ عثمان الجزري وهو ابن عمرو بن ساج، قال ابن أبي حاتم في (الجرح والتعديل: ٣/ ١/ ١٦٢) عن أبيه: لا يحتجّ به. وقال العقيلي: «لا يتابع في حديثه» ولهذا قال الحافظ ابن حجر في (التقريب): فيه ضعف. ولا تقوّيه الشواهد التي ذكرها ابن كثير وابن حجر من رواية الحسن البصري؛ فإنّه- مع كونه مرسلا- فيه بشار الخفاف، وهو ابن موسى، وليس بثقة كما قال ابن معين، والنّسائي، وضعّفه غيرهما.
[ ١٧٥ ]
الإرادة، أو وراء الحسبان ثم تستقر أخيرا وفق مقتضيات الحكمة العليا وفي حدود قوله تعالى: وَاللَّهُ غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ [يوسف: ٢١] .
في الطريق إلى المدينة:
مرّت ثلاث ليال على مبيت الرسول ﵊ في الغار، وخمد حماس المشركين في الطّلب، وتأهّب المهاجران لاستئناف رحلتهما الصعبة.
وجاء عبد الله بن أريقط في موعده، ومعه رواحله، قد أعلفها لاستقبال سفر بعيد، وتزوّد الركب، ثم سار على اسم الله.
غير أنّ قريشا ساءها أن تخفق في استرجاع محمد ﵊ وصاحبه، فجعلت دية كلّ واحد منهما جائزة لمن يجيء بهما أحياء أو أمواتا؛ ومئتان أو مئة من الإبل في الصحراء ثروة تغري بركوب المخاطر وتحمّل المشاق.
وقد قدّر رسول الله ﷺ أنّ المشركين لن يألوا جهدا في الإساءة إليه، فالتزم في سيره جانب المحاذرة، وأعانتهم مهارة الدليل على سلوك دروب لم تعتدها القوافل، ثم أطلق الزمام للرّواحل فمضت تصل النهار بالليل:
رمى بصدور العيس منخرق الصّبا فلم يدر خلق بعدها أين يمّما؟
فلما مرّوا بحيّ بني مدلج مصعدين، بصر بهم رجل من الحيّ، فقال: لقد رأيت انفا أسودة بالساحل، ما أظنّها إلا محمدا وأصحابه، ففطن إلى الأمر سراقة بن مالك، ورغب أن تكون الجائزة له خاصة، فقال: بل هم فلان وفلان قد خرجوا لحاجة لهم..
ومكث قليلا، ثم قام، فدخل خباءه، وقال لخادمه: اخرج بالفرس من وراء الخباء، وموعدك خلف الأكمة.
قال سراقة: فأخذت رمحي وخرجت من ظهر البيت، وأنا أخطّ بزجّه الأرض، حتى أتيت فرسي، فركبتها، فدفعتها ففرّت بي، حتى دنوت منهم، فعثرت بي فرسي، فخررت عنها! فقمت..
وامتطى سراقة فرسه مرة أخرى، وزجرها، فانطلقت حتى قرب من الرسول ﵊ وصاحبه، وكان أبو بكر يكثر الالتفات يتبيّن هذا العدوّ الجسور، فلما دنا عرفه، فقال لرسول الله ﷺ- وكان ماضيا إلى غايته-: هذا
[ ١٧٦ ]
سراقة بن مالك قد رهقنا! وما أتمّ كلامه حتى هوت الفرس مرة أخرى ملقية سراقة من على ظهرها، فقام معفّرا ينادي بالأمان!!.
وقع في نفس سراقة أنّ الرسول ﵊ حقّ فاعتذر إليه، وسأله أن يدعو الله له، وعرض عليهما الزاد والمتاع، فقالا: لا حاجة لنا، ولكن عمّ عنا الطلب «١»، فقال: قد كفيتم، ثم رجع، فوجد الناس جادّين في البحث عن محمد ﵊ وصاحبه، فجعل لا يلقى أحدا من الطّلب إلا ردّه وهو يقول: كفيتم هذا الوجه!.
أصبح أول النهار جاهدا عليهما، وأمسى اخره حارسا لهما !!.
دعاء:
إنّ أسفار الصحراء توهي العمالقة الامنين؛ فكيف بركب مهدر الدم، مستباح الحق؟!.
ما يحسّ هذه المتاعب إلا من صلي نارها، لقد برزنا لوهج الظهيرة يوما، فكادت الأشعة البيضاء المنعكسة على الرمال تخطف أبصارنا، فعدنا مغمضين، نستبقي من عيوننا ما خفنا ضياعه.
وعند ما تصبح وتمسي وسط وهاد ونجاد لا تنتهي حتى تبدأ، تخال العالم كلّه مهامه مغبّرة الأرجاء، داكنة الأرض والسماء.
وجرت عادة المسافرين أن يأووا في القيلولة إلى أي ظلّ في بطاح ينتعل كل شيء فيها ظله، حتى إذا جنحت الشمس للمغيب، تحرّكت المطايا اللاغبة، تغالب الجفاف والكرى.
وللعرب طاقة على احتما لهذا الشظف مع قلّة الزاد والري.
وقد مر بك أن الرسول ﷺ- وهو طفل- قطع هذه الطريق، ذهب مع أمه لزيارة قبر أبيه، ثم عاد واحده!.
وإنه الان ليقطعها، وقد بلغ الثالثة والخمسين، لا لزيارة أبويه اللذين ماتا
_________________
(١) إلى هنا أخرجه البخاري: ٧/ ١٩٠- ١٩٢؛ والحاكم: ٣/ ٦- ٧، من حديث سراقة بن مالك بن جعشم، وبقية القصة إلا السطر الأخير أخرجها مسلم: ٨/ ٢٣٦، ٢٣٧، من حديث البراء بن عازب، والسطر المذكور عند البخاري: ٧/ ٢٠٠، من حديث أنس، ورواه أحمد أيضا: ٣/ ٢١١.
[ ١٧٧ ]
بالمدينة؛ بل لرعاية رسالته، التي تشبثت بأرض يثرب جذورها، بعد ما تبرّمت مكة بها وبصاحبها وبمن حوله
إنّه أرسخ أهل الأرض يقينا بأنّ الله ناصره ومظهر دينه، بيد أنّه أسيف للفظاظة التي قوبل بها، وللجحد الذي لاحقه من بدء رسالته حتى اضطرّه إلى الهجرة على هذا النحو العنيف، ها هو ذا يخرج من مكة، وقد أعلن سادتها عن الجوائز المغرية لمن يغتاله
روى أبو نعيم «١»: أنّ رسول الله ﷺ لما خرج من مكة مهاجرا إلى الله، قال: «الحمد لله الذي خلقني ولم أك شيئا، اللهم أعنّي على هول الدّنيا، وبوائق الدّهر، ومصائب الليالي والأيام، اللهم اصحبني في سفري، واخلفني في أهلي، وبارك لي فيما رزقتني، ولك فذلّلني، وعلى صالح خلقي فقوّمني، وإليك ربّ فحببني، وإلى النّاس فلا تكلني، رب المستضعفين وأنت ربي، أعوذ بوجهك الكريم الذي أشرقت له السموات والأرض، وكشفت به الظلمات، وصلح عليه أمر الأولين والاخرين أن تحلّ علي غضبك، وتنزل بي سخطك، وأعوذ بك من زوال نعمتك، وفجأة نقمتك، وتحوّل عافيتك، وجميع سخطك، لك العتبى عندي خير ما استطعت، ولا حول ولا قوّة إلا بك» .
[خبر الهجرة ينتشر في جوانب الصحراء]:
ومما يلفت النظر أنّ انطلاق الرسول ﷺ من مكة شاع في جوانب الصحراء، وكأنّ أسلاك البرق طيّرته إلى أقصى البقاع، فعلم به البدو والحضر على طول الطريق حتى يثرب، بل إنّ المحال التي عرّج بها وصل نبؤها إلى أهل مكة، بعد أن انصرف عنها.
والنّاس يعجبون بقصص البطولة، وتستثيرهم ألوان التحدي، وهم يتناقلون الأخبار السيالة على الألسن، فيضفون عليها ثياب الأساطير، وقد سرّت قلوب كثيرة بغلب محمد ﵊ على من تبعوه، وترجمت عواطفها هذه شعرا يتغنى به، ولا يعرف قائله!! ..
_________________
(١) عزاه إليه ابن كثير: ٣/ ١٨٧، من طريق محمد بن إسحاق، قال: بلغني أن رسول الله ﷺ لما خرج من مكة مهاجرا إلى الله يريد المدينة، قال فذكر الدعاء، قلت: وهذا إسناد ضعيف معضل.
[ ١٧٨ ]
من ذلك ما روي عن أسماء «١» بنت أبي بكر، قالت: مكثنا ثلاث ليال ما ندري أين وجه رسول الله ﷺ، حتى أقبل رجل من أسفل مكة يتغنّى بأبيات من الشّعر:
جزى الله ربّ النّاس خير جزائه رفيقين حلّا خيمتي أمّ معبد
هما نزلا بالبرّ ثمّ تروّحا..! فأفلح من أمسى رفيق محمّد
ليهن بني كعب مكان فتاتهم ومقعدها للمؤمنين بمرصد
قالت أسماء: فلمّا سمعنا قوله عرفنا حيث توجّه رسول الله ﷺ، وأنّ وجهه إلى المدينة!.
من القائل؟ تذكر الرواية أنّه من الجن! وتلك عادة العرب في نسبة شعرها، فلكلّ شاعر عندهم شيطان..! «٢» .
والرّاجح أنّ الأبيات المذكورة من إنشاد مؤمن يكتم إيمانه بمكة، ويتسمّع أخبار المهاجرين، فيبدي فرحته بما يلقون من توفيق، ويجد متنفسا لمشاعره المتوارية في هذا الغناء المرسل.
والأبيات تشير إلى واقعة عرضت للرسول ﵊ في أثناء رحلته، فقد مرّ على منازل خزاعة، ودخل خيمة أمّ معبد، فاستراح بها قليلا، وشرب من لبن شاتها.
_________________
(١) إسناده معضل؛ قال ابن إسحاق كما في السيرة (٣/ ٤، ٥): «فحدّثت أسماء بنت أبي بكر أنّها » قالت: «.. فمكثنا ثلاث ليال، وما ندري أين وجه رسول الله ﷺ، حتى أقبل رجل من الجن من أسفل مكة يتغنى بأبيات من شعر غناء العرب، وإنّ الناس ليتبعونه، يسمعون صوته، وما يرونه، حتى خرج من أعلى مكة، وهو يقول » فذكر الأبيات. وبعضها عن غير ابن إسحاق كما قال ابن هشام.
(٢) أقول: إذا جاز هذا على العرب في جاهليتهم؛ أفيجوز ذلك عليهم في إسلامهم، وقد نوّر الله به قلوبهم أن تتدنّس بشيء من الأوهام؟ أيجوز أن يقال في حقّ أسماء: إنّها أطلقت اسم (الجن) بل (الشيطان) على (المؤمن)؟ وما هي الضرورة التي تلجئ حضرة المؤلف إلى هذه التأويلات البعيدة، بل الباطلة؟! ألا ترى في الرواية- كما ذكرنا- أنّ الجني كان الناس يتبعونه، يسمعون صوته، وما يرونه؟! أفهذا من صفات الإنسي؟! خير للمؤلف أن يعرض عن ذكر هذه الرواية مطلقا- ولا سيما وهي ضعيفة- من أن يتأوّلها هذا التأويل المستنكر، ثم وجدت الحديث موصولا أخرجه الحاكم: ٣/ ٩- ١٠، من حديث هشام بن حبيش، وقال: «صحيح الإسناد» ووافقه الذهبي، وفيما قالاه نظر، وقال الهيثمي (٦/ ٥٨): «رواه الطبراني، وفي إسناده جماعة لم أعرفهم» لكن للحديث طريقين اخرين، أوردهما الحافظ ابن كثير في (البداية: ٣/ ١٩٢- ١٩٤): فالحديث بهذه الطرق لا ينزل عن رتبة الحسن، والله أعلم.
[ ١٧٩ ]
الوصول إلى المدينة
وكذلك ترامت أخبار المهاجر العظيم وصاحبه إلى المدينة، فكان أهلها يخرجون كلّ صباح يمدّون أبصارهم إلى الأفق البعيد، ويتشوّفون إلى مقدمه بلهفة؛ فإذا اشتدّ عليهم الحرّ عادوا إلى بيوتهم، يتواعدون الغد، وملء جوانحهم الترقّب، والقلق، والرجاء.
وفي اليوم الثاني عشر من ربيع الأول لثلاث عشرة سنة من البعثة، برز الأنصار على عادتهم منذ سمعوا بمخرج الرسول ﵊ إليهم، ووقفوا بظاهر المدينة ينتظرون طلعته، ويودّون رؤيته، فلما حميت الظهيرة، وكادوا ييئسون من مجيئه، وينقلبون إلى بيوتهم؛ صعد رجل من اليهود على أطم من اطامهم لبعض شأنه، فرأى الرسول ﵊ وصحبه يتقاذفهم السراب، وتدنو بهم الرواحل رويدا رويدا إلى المدينة، إلى وطن الإسلام الجديد، فصرخ اليهودي بأعلى صوته: يا بني قيلة، هذا صاحبكم قد جاء، هذا جدّكم الذي تنتظرون
فأسرع الأنصار إلى السلاح، يستقبلون به رسولهم ﷺ، وسمع التكبير يرجّ أنحاء المدينة، ولبست (يثرب) حلّة العيد ومباهجه.
قال البراء: أول من قدم علينا من أصحاب رسول الله ﷺ مصعب بن عمير، وابن أمّ مكتوم، فجعلا يقرئان الناس القران، ثم جاء عمار، وبلال، وسعد، ثمّ جاء عمر بن الخطاب في عشرين راكبا، ثم جاء رسول الله ﷺ، فما رأيت الناس فرحوا بشيء كفرحهم به، حتى رأيت النساء والصبيان والإماء يقولون: هذا رسول الله قد جاء «١» .
يا عجبا لنقائض الحياة واختلاف الناس! إنّ الذي شهرت مكة سلاحها
_________________
(١) حديث صحيح، أخرجه البخاري: ٧/ ٢٠٨- ٢٠٩، ٨/ ٥٦٨؛ والطيالسي: ٢/ ٩٤؛ وأحمد، رقم (٣) .
[ ١٨٠ ]
لتقتله، ولم ترجع عنه إلا مقهورة؛ استقبلته المدينة وهي جذلانة طروب، وتنافس رجالها يعرضون عليه المنعة والعدة والعدد
ومن الطريف أنّ كثيرا من أهل المدينة لم يكن رأى رسول الله ﷺ، فلمّا قدم الركب لم يعرفوه من أبي بكر لأول وهلة، حتى إنّ العواتق كنّ يتراءينه فوق البيوت يقلن: أيهم هو؟.
ونزل النبيّ ﷺ في بني عمرو بن عوف، فأقام فيهم أربع عشرة ليلة، أسس خلالها مسجد قباء، وهو أول مسجد أسّس في الإسلام، وفيه نزل قوله تعالى:
لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا [التوبة: ١٠٨] .
استقرار المدينة:
رجل العقيدة يسير طوعا لها، ويجد طمأنينته حيث تقرّ عقيدته، وتلقى الرحب والسعة.
والناس ينشدون سعادتهم فيما تعلّقت به هممهم، وجاشت به أمانيهم، وهم ينظرون إلى الدنيا وحظوظهم منها على ضوء ما رسب في نفوسهم من عواطف وأفكار..
فطالب الزعامة يرضى أن ينقم، وينشط أو يكسل بمقدار قربه أو بعده من أمله الحبيب.
انظر المتنبي كم مدح وهجا؟ وكيف انتقل من الشام إلى مصر، ومن مصر إلى غيرها، وانظر إلى ذكره أحاديث الناس عنه وعن بغيته:
يقولون لي: ما أنت في كلّ بلدة وما تبتغي؟ ما أبتغي جلّ أن يسمى
والذي جلّ أن يسمى صرّح به في مكان اخر، فطلب أن تناط به ضيعة أو ولاية!! أي بعض ما وضعته الحظوظ في أيدي الملوك والملاك؛ وإنه ليتعجّل هذا الأمل من كافور فيقول:
أبا المسك هل في الكأس فضل أناله؟ فإنّي أغنّي منذ حين وتشرب!
والمتنبي في نظري أهل- بكفايته- للمناصب الرفيعة، ولكنّ التطلّع إلى الدنيا بهذا النزق والإلحاح، محكوم بالمشيئة التي ذكرتها الاية الكريمة:
مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ.. [الإسراء: ١٨] .
[ ١٨١ ]
ومن الناس من يتعشّق الجمال، ويجري وراء النّساء، ويجد في المتعة بهن نهمته، التي يسكن بعدها، ويستكين، ويقول:
لا أرى الدّنيا على نور الضّحى بل أرى الدّنيا على نور العيون
ومنهم من يبحث عن المال، ويقضي سحابة نهاره وشطر ليله يتتبّع الأرقام في دفاتره، يحصي ما وقع في يده، ويتربّص بما لم يقع، وربما ذهل عن طعامه ولباسه في غريزة الاقتناء التي سدّت عليه المنافذ.
[النفس العظيمة]:
إلى جانب هذه الأصناف تجد فريقا اخر من البشر، لا يطيق الكفّ عن إسداء الجميل، وبذل النصيحة، ورعاية الصالح العام، وإفناء ذاته في سبيل الفضائل التي ملكت لبّه، وعمرت قلبه
إنه يبيت مسهّدا لو فرّط في واجب راحته الكبرى في نشدان الكمال، وسعادته القصوى يوم يدرك منه سهما
وأصحاب الرسالات رهناء ما تحمّلوا من أمانات ضخمة، فمغانمهم ومغارمهم وحلّهم وترحالهم، وصداقتهم وخصومتهم، ترجع كلّها إلى المعاني التي ارتبطوا بها وحيوا لأجلها
وصاحب الرسالة العظمى محمد بن عبد الله ﷺ ضرب من نفسه المثل الفذ للمكافحين، فمنذ أخذ على عاتقه تمزيق الأسداف التي ألقت على العالم ليلا كثيفا من الشرك والخرافة؛ لم يفلح أحد في ثنيه عن عزمه، أو تعويق مسيره، أو ترضيته برغبة، أو ردعه برهبة، وفنيت أمام عينيه فوارق الزمان والمكان، فالغريب عنه إذا عرف الحقّ قريب، ووطنه إذا تنكّر للهدى فهو منه بريء، والمؤمنون به اخر الدهر هم إخوانه، وإن لم يشاهدوه.
ولقد عاش في مكة ثلاثة وخمسين عاما حتى ألفها وألفته، لكنّه اليوم يخرج منها إلى وطن جديد، يرى فيه امتداد قلبه، وثمار غرسه.
والرجال الذين تنبع سعادتهم من قلوبهم، ويرتبطون أمام ضمائرهم بمبادئهم، لا يكرّمون بيئة بعينها إلا أن تكون صدى لما يرون.
فلا غرو إذا دخل محمد ﷺ المدينة دخول الوامق المعتزّ.. واستبشر بما اتاه الله فيها من فتح، وتوسّم من وراء هذه الهجرة بشائر الخير والنصر:
[ ١٨٢ ]
ثوى في قريش بضع عشرة حجّة يذكّر لو يلقى حبيبا مواتيا
ويعرض في أهل المواسم نفسه فلم ير من يؤوي ولم ير واعيا
فلمّا أتانا واستقرّت به النّوى وأصبح مسرورا بطيبة راضيا
وأصبح لا يخشى ظلامة ظالم بعيد ولا يخشى من النّاس باغيا
بذلنا له الأموال من جلّ مالنا وأنفسنا عند الوغى والتّاسيا
نعادي الذي عادى من النّاس كلّهم جميعا، وإن كان الحبيب المصافيا
ونعلم أنّ الله لا ربّ غيره وأنّ كتاب الله أصبح هاديا «١»
[مشكلات وحلول إيجابية]:
إنّ تنظيم الهجرة واستقبال اللاجئين الفارّين بدينهم من شتى البقاع ليس بالعمل الهيّن، وفي عصرنا الحاضر تعتبر هذه الحال مشكلة تحتاج إلى الحل السريع!.
ومتى خلت حياة الرجل العظيم من المشكلات؟!.
وصادف إبّان الهجرة أن كانت المدينة موبوءة (بحمّى) الملاريا، فلم تمض أيام حتى مرض بها أبو بكر، وبلال.
واستوخم الصحابة جوّ المهجر الذي اواهم، ثم أخذت تستيقظ غرائز الحنين إلى الوطن المفقود.
وكان النبيّ ﷺ يصبّر الصحابة على احتمال الشدائد، ويطالبهم بالمزيد من الجدّ والتضحية لنصرة الإسلام، وقال: «لا يصبر على لأواء المدينة وشدّتها أحد من أمتي إلا كنت له شفيعا وشهيدا يوم القيامة، ولا يدعها أحد رغبة عنها إلا أبدل الله فيها من هو خير منه» «٢» .
وهذا ضرب من جمع القلوب على المهجر الجديد، حتى تطيب به، وتنفر من مغادرته.
_________________
(١) هذه الأبيات لأبي قيس، صرمة بن مالك بن عدي بن غنم بن عدي بن النّجّار، وهي في سيرة ابن هشام: ١/ ٥٥٢.
(٢) حديث صحيح، أخرجه مسلم: ٤/ ١١٣؛ وأحمد، رقم (١٥٧٣)، من حديث سعد بن أبي وقاص بتقديم الجملة الاخرى على الأولى؛ ورواه البزار من حديث عمر بنحو ما في الكتاب؛ قال الهيثمي (٣/ ٣٠٦): ورجاله رجال الصحيح.
[ ١٨٣ ]
وعن عائشة ﵂ قالت: لمّا قدم النبيّ ﵊ المدينة؛ وعك أبو بكر وبلال، فدخلت عليهما فقلت: يا أبت كيف تجدك؟ ويا بلال كيف تجدك؟ وكان أبو بكر إذا أخذته الحمّى يقول:
كلّ امرئ مصبّح في أهله والموت أدنى من شراك نعله
وكان بلال إذا أقلعت عنه، يرفع عقيرته ويقول:
ألا ليت شعري هل أبيتنّ ليلة بواد، وحولي إذخر وجليل
وهل أردن يوما مياه مجنّة؟ وهل يبدون لي شامة وطفيل؟ «١»
قالت: فأخبرت رسول الله ﷺ بذلك فقال: «اللهم حبّب إلينا المدينة، كحبّنا مكة أو أشد، اللهم وصحّحها، وبارك لنا في مدّها وصاعها، وانقل حمّاها، واجعلها بالجحفة» «٢» .
وعن أنس، قال رسول الله ﷺ: «اللهم اجعل بالمدينة ضعفي ما جعلت بمكّة من البركة» «٣» .
وعن أبي هريرة، قال: كان رسول الله ﷺ إذا أتي بأوّل الثّمر قال: «اللهم بارك لنا في مدينتنا، وفي ثمارنا، وفي مدّنا، وفي صاعنا، بركة مع بركة، اللهم إنّ إبراهيم عبدك ونبيّك وخليلك، وإنّي عبدك ونبيّك، وإنّه دعاك لمكّة، وأنا أدعوك للمدينة بمثل ما دعاك لمكّة، ومثله معه» ثم يعطيه أصغر من يحضر من الولدان «٤» .
بهذا التشويق والإقبال ارتفع الروح المعنوي بين المسلمين، واتّجهت القوى الفتية إلى البناء، متناسية الماضي وما يضمّ من ذكريات، إنّ الهجرة الخالصة لا تعود في هبة، ولا ترجع عن تضحية، ولا تبكي على فائت، بل هي كما قال الشاعر:
إذا انصرفت نفسي عن الشّيء لم تكد إليه بوجه اخر الدهر تقبل
_________________
(١) جبال في مكة.
(٢) حديث صحيح، أخرجه البخاري: ٧/ ٢٠٩- ٢١٠؛ وأحمد: ٦/ ٦٥/ ٢٢١- ٢٢٢، ٢٣٩، ٢٤٠، ٢٦٠؛ ورواه مسلم: ٤/ ١١٩، مختصرا بدون الأبيات، وهو رواية لأحمد: ٦/ ٥٦. قلت: والجحفة بلدة كانت بين مكة والمدينة وهي اليوم خرائب مهجورة. (ن) .
(٣) حديث صحيح، أخرجه البخاري: ٤/ ٧٨؛ ومسلم: ٤/ ١١٥؛ وأحمد: ٣/ ١٤٢.
(٤) حديث صحيح، أخرجه مسلم: ٤/ ١١٧.
[ ١٨٤ ]
٥